المثقف - قراءات نقدية

رحمن خضير عباس: أحفاد العروس.. ملامح لوجوه ضاعت في العدم

rahman khodairabasمجموعة القاص كريم عباس الموسومة (أحفاد العروس) والتي أصدرها عام 2013 . تستوقف القاريء، تجعله مسمرا على وهج الألم . إنها ليست مجرد قصص عابرة . بل إنها شجن يئن لمدينة فقدت أبناءها . هل كان الكاتب بصدد رثاء من إفتقدتهم مدينته؟ أم بصدد تسجيل اللحظة الحجرية التي عاشوها وهم يتسلقون وهمهم؟

الأحتمالان ممكنان، لاسيما وأنّ كتاباته تتوهج على صفيح ساخن من أعماق الذكريات التي لايمتلك غيرها . فهو لايكتب قصة تقليدية،تعتمد على مخيال للحدث ومعالجته فنيا، بل كان يحمل وشم الحدث الذي طرأ في زمان ومكان ما، ويعيد صياغته بعد أنْ يفرغ محتوياته امام الملأ، الذين لم يدركوا معنى الألم . لقد إلتقط فعله القصصي من بعض الناس الذين خسروا كل شيء واصبحوا على قارعة الأرصفة وفي الساحات العمومية . لاملاذ لهم وهم يموتون ببطء . لذا فهو بصدد رصد اللحظة، اية لحظة حجرية في زمن عصي على النسيان، محاولا إعادة سكب هذا الزمن بفواجعه ومرارته من جديد على جدران البصرة التي ثملت من الألم حد الإدمان .

إنه يستفز القاريء بمحاولة نقله الى جوهر الحدث، يجعله مندهشا من أناس كانوا يموتون بصمت وهم يختزنون الألم من أجل المقاربة معه . لم يؤسس الكاتب شخوصه من خيال فني، بل من سراب الذاكرة،أو من بقاياها لبشر حقيقين . حوّلتهم آلتا الحرب والقمع الى مخلوقات مسحوقة ومشوهة، تئن من الألم بصمت .إنّهم من لحم ودم، ولكنهم كتلة من المشاعر والأحاسيس التي بوأتهم أنْ يتعالوا على حالات التصدع والدمار والخوف الذي أحاط بهم . وقد يكونون مجهولين بالنسبة للقاريء، ولكن الكاتب كان يمهد للقصة من خلال بعض التعريفات بالمرحلة وضحاياها، ففي مقدمة الكتاب كان الكاتب يؤسس فكرة بتعريفات للمرحلة وللكتاب والصحفيين والأدباء ومحنتهم في تلك الظروف العصيبة

لذا كان شخوص قصصه حقيقيين . لم يُلبسهم رداء البطولة، حيث أنهم جاهزون في التجارب المؤلمة التي مرت عليهم، فقد أدوا دورهم ببراعة مع معترك الألم الذي أحاط بهم . كانت أوجاعهم غير منظورة وتمردهم غير مفهوم بالنسبة لحركة الحياة المحيطة بهم . وكانت مهمة الكاتب أن يعيدهم الى مسرح الحياة من جديد، متفاعلا ومتأملا موتهم أو إنهيارهم، أو قدرتهم على التصدي رغم ضعفهم . لم يتورع أنْ يقدمهم بأسمائهم دون مواربة أو إستعارة، ولكن بتقنية قصصية تستحث القاريء للمتابعة، تستحثه للتعاطف معهم أو تفهم حتى المواقف السلبية منهم .

في قصته (موت لزج) قدمها كأوراق تستغرق الألم وتخترقه للنفاذ الى أعماقه . فهو لايعتمد على الوصف التقليدي الذي دأب عليه كتاب القصة، بل كانت كلماته تقترب الى التوثيق، الذي يسجل تأريخ مرحلة محبطة وبائسة ومدمرة، لشباب وجدوا أنفسهم فجأة مجتثين من رحم أسمائهم وتواريخهم وسكونية واقعهم، ليرمى بهم في دهاليز المعتقلات او في آتون الحروب العبثية، أو في سكونية المدن المهمشة والتي لم تستطع أن تحمي ظهورهم المشبعة بالألم، وكأن القاص يريد أن يعيد صياغة الحدث كما هو ولكن وفق بناء قصصي يتلائم مع تقنيات القص والذي تداخلت فيه الأصوات .

فالصوت الأول يتحدث بضمير الغائب في المقطع الأول الذي يسميها أوراق 1 ثم يتحول الصوت ليتحدث بضمير الأنا في أوراق رقم 2 وهكذا حتى الورقة الثامنة، وكأنّ القاريء يستمع الى تلون صوتي،تتقاطع فيه الرؤى وتندلق الأحداث وتتوتر المواقف .ولعل اهداءه القصة الى مهدي طه يميط اللثام عن فحوى الأوراق التي سقطت على ارصفة المدينة وهي تتناثر كالغبار إثر خطواته المترنحة حتى الموت . وقد يكون بطل القصة هو ذاته مهدي طه أو غيره من الضحايا، فهذا لن يغير من هم الكاتب في إستنهاض الموت، لا بالمعنى الرثائي، وإنما بمعنى تأمل مرحلة كاملة إكتوت فيها أجيال من الشباب بقسوة وفجور يفوق قدرة التحمل البشري . لقد إستحضر المرحلة في مواقف ولقطات يمتزج فيها الماضي بالحاضر، كما يتعانق فيها الوعي بنقيضه، وذلك من خلال إرتكاب الحماقات والمعاصي، والتمرد وعنفوان سطوة الحرية، وإعلان الوجود وتأكيده بواسطة الثمالة حتى الموت .وهكذا تنتهي حياة هذا البطل الذي وُصف بالملك الظليل، والذي عانى من قحط العيش وقسوة الصدف حتى اصبحت جثته على النهر وكأنها تحتمي بجريانه .

لكن السارد لم يبت بطريقة الموت فهو يقول

"كان هناك في أقصى المدينة شاعر أسمر الوجه يعاني سكرات الموت الأخيرة ..يرقد الآن متأملا النهر، ربما مقتولا، وربما منتحرا"

وهكذا يترك النهايات سائبة، فلم يبحث عن أسباب الموت وإنما عن فحواه، ذلك الموت الذي يشكل نهاية سريعة لمجموعة من الناس، ولا سيما الغارقين منهم في الهم الفكري،من سياسيين وشعراء وأدباء وفنانين، وجدوا أنفسهم في مواجهة لحظة قاسية متحجرة قذفت بهم نحو الدمار ومزقت أحلامهم وعشقهم وحروفهم التي كتبوها وهم يلوذون بجدار وطن عاجز عن حمايتهم.

في قصته الأولى (وجوه ضائعة ) يستنجد بقاموس الوجع الستيني والسبعيني ايضا حيث عذابات المناضلين في نقرة السلمان .وفي المعتقلات التي كتمت همسات الكثير من البشر والذين ذوت أعمارهم وهم يعيشون أصناف التعذيب . لكن الكاتب إستخدم نفس الإسماء لكي يجعل من نصوصه أقرب الى التسجيل . كما انه كان مصرّا على ذكر الأسماء كما هي دون تغيير، وكأنه يجعل منهم لافتات ورموز تستحق أنْ نتذكرها ونتأملها .

الكاتب هنا يمنح معنى آخر للبطولة والتي لاتعتمد على فعل المواجهة فقط، وانما البطل هو المسحوق والمكبل والذي فقد حريته، سواء انه صمد في رحلة الألم، أم طحنته السلطة وأذلته . يبقى بطلا بحجم أوجاعه التي تحملها . كما أن الكاتب تناول عذابات ذوي المعتقلين وامهاتهم في ذلك البحث الأبدي عن الأبناء، فهذه الأم التائهة في صحراء السماوة بحثا عن إبنها

"عبرالطريق الضيقة كانت لاتسأل عن أحد بل تنظر في الوجوه المتقيحة علها تجد أثرا لأحمد العوفي ص30"

تتوهج نصوصه بالأسماء . تلك التي إستلها من واقع بائس ومأساوي . أسماء احتفظ بها في صندوق الذاكرة لسنين عديدة وألان يحين الوقت كي يستخرجهم من هذا الصندوق المظلم ويحاورهم ويعيد لهم بعضا مما فقدوه، وكأنه يعيدهم الى الحياة من جديد، من خلال هذا الإستحضار الجميل للجميع من أصدقاء الأمس . هؤلاء الحالمون بغد أجمل، الأفاقون والعدميون وذوو المشاعر المنكسرة غير القادرين على إيذاء نملة .

كان يعيش معهم، يستقصي مسرات حياتهم في اللحظات المرة في السجن والهروب والتشرد والصعلكة والإدمان، ومعاقرة الكلمة والفناء من أجل الجمال . تلك الأسماء التي عشقت الأدب والشعر وتصوفت به وتغذت على الفن . أسماء اخرجها من الذاكرة، مبينا مزاياها ( منقذ شريدة . حيدر هادي طعين، عبد الوهاب محمود أحمد عوفي، عبد الحسن شذر، أدهم حسين، وآخرين) لقد كانت هذه الأسماء مادة خام غير قابلة للنفاد . ومع ان الكاتب يمتلك خميرة قصصية وقابلية فنية ومعرفة باسليب القصة، ولكنه إعتمد على الذاكرة فوجد فيها معينا خصبا لحكايات موجعة كما وجدها تزدحم بهؤلاء المنسيين .

اراد فقط أن يضعهم في الواجهة . هؤلاء الذين يشكلون نسغ مدينته البصرة بأحيائها الولادة للمبدعين مثل الجمهورية والمعقل والعشار والصبخة وغيرها والتي كانت حاضنة لألاف الطاقات البشرية التي صنعت المستحيل في سبيل الوطن . أبطال بصريون نسجوا من جلودهم وطنا .

في قصة الزعفران تبرز شخصية عبد الوهاب محمود الذي أتيحت له فرصة الهرب من جحيم الوطن إبّان مرحلة القمع والتصفيات، وفي طريقه الى عدن تتوالى صور الأعتقال والتعذيب في بوكير حياته في سجن بعقوبة حيث وشم اعقاب سجائر الجلادين مازال يذكره وهو بعيد عن الوطن على مشارف عدن

"الذاكرة تبدو متوحدة في عريها، والزمن تطويه الفراسخ البحرية نحو المجاهيل ص60"

ولكن المذكرات التي تتخطى الوصف والتي كتبها الزعفران توحي بأنه لم يحتمل ان يبتعد عن الوطن، فقد عاد اليه رغم المخاطر المحتملة . هنا في النص تتداخل نصوص المذكرات اليومية لعبد الوهاب بصياغة كاتب القصة، وكأنهما يتحدان في نص واحد . وحتى ان فكرة التقمص واردة بين الكاتب وبطله فقد استطاع ان يقنع القاريء بانه من مذكرات عبد الوهاب التي كتبها وهو على متن سفينة الهجرة .

وفي قصة أخرى يتناول فنانا وهو منقذ شريدة ويتحدث عن حياته وأعماله التي تنم عن متاعبه التي تنضح بها أعماله النحتية والتي يصفها :

"تماثيل منزوعة العيون بهيئة عري قديم، أرواح صوفية تتسلل عبر لوحات علقت بفوضى..ص89"

وفي قصة أخرى يتناول أدهم حسين. وهو شاعر يتلقى عذابات جحيمية من قبل تلك السلطة، وبعد ذلك يتلقى حكما بالإعدام، لا لشيء سوى أن شعره يريد أنْ يتنفس الحرية . وغيره من قائمة الأسماء التي تزدحم بهم النصوص، هذه الأسماء التي أصبحت لَبنة النص وعماد بناءه . لذلك فقد تميزت النصوص بواقعية متزنة تقترب من الحركة والحياة اليومية بثرائها ورتابتها،ولكنها نصوص تلتقط ما هو مقارب للثيمة الرئيسية التي يريد أن يصل اليها الكاتب، في مسعاه للكشف عن تلك الصفحات المؤلمة لهؤلاء الذين أُعتقلوا وهم متلبسون بالوعي وبعشق الوطن !

لم يكتف الكاتب بذكر البشر بل أنه سجل حضورا لكل مظاهر الحياة في الزمن السبعيني،المقاهي بأسمائها، دور السينما وأشهرأفلامها التي عُرضت آنذاك، بيوت الأصدقاء، المكتبات العامة، الأسواق في وسط المدينة، البارات والملاهي،الأحياء القديمة والأنهر والجسور والتماثيل في الساحات . لقد حملت قصصه جوا إحتفاليا إستله من بصرة الأمس.

في دراسته للجنون يرى المفكر الفرنسي ميشيل فوكو بأن الحجز في فرنسا قبل ثورتها للمجانين كان يضم داخله المجانين والمختلين كما ضم الذين يعيشون في غياهب الفلسفة والأدب وكل أشكال الإبداع. وهذا يعني أن المجتمعات القديمة كانت تنظر للمبدع وكأنه غير سوي وفق قياساتهم .

وقد تناولت المجموعة قصتين عن الجنون . ( قاووش الأمراض النفسية) تتحدث عن حالة جنون لشخص من المبدعين، يتأرجح بين لوثة العقل وبين طوفان الوعي الذي تأتى اليه من خلال علاقة وطيدة مع الكتب والمعرفة وتهذيب الذات مما جعله ينسلخ عما يحيط به ويصبح مختلا وفق توصيف فوكو الذي يرى في جنون الشعراء والأدباء والفنانين هو جنون ضد إعتقال العقل . كما ورد الجنون أيضا في قصة (مستشفى المجانين) حيث المجنون الذي يجد في الموت خلاصا، وهي فكرة مقبولة على صعيد العقل، بينماالأطباء يحملون السكاكين ليفتحوا الغرفة فيجدونه منتحرا . اي عالم مجنون ذلك الذي نعيشه؟

من خلال المجموعة القصصية للكاتب كريم عباس زامل، تتوهج المرحلة السبعينية بجمالها وبؤسها، بقدرتها على إشاعة الثقافة بين ثلة كبيرة بين الشباب الذين كانوا يتعطشون الى المعرفة .كانت تلك المرحلة فترة رخاء فكري ومعرفي وإبداعي، ولكن السلطة التي تخوفت من هذا المد الذهني الذي قد يشكل خطرا محتملا عليها، مما جعلها تكشف عن قسوتها بشكل مدمر، من خلال محاولات تبعيث كل المكونات السياسية التي ينضوي تحت عبائتها الكثرة من المثقفين . لذا بدأت عمليات التصفية والتسقيط . هذه المجموعة تترجم ملامح تلك المرحلة من خلال الأسماء التي سُحقت في المعتقلات،وبعضها اصبح حطبا لحروب عبثية، والبعض الآخر أصبح مشردا في المنافي وبلدان الهجرة .

لقد ذاب الكاتب في وجوه الكثير من الأدباء والشعراء من خلال حالة الأمتزاج الوجداني بينه وبينهم مثل وجه بودلير، رامبو، ديستوفسكي، نيتشة وغيرهم وكأنه يحاول أن يتقمص شخصياتهم ويحاور نتاجاتهم، ليخرج بخلاصات معينة تجعله مسلحا بهذا الوعي الذي إستله من هذه القمم الإبداعية التي تركت تأثيراتها على وعيه الإنساني . كان يدخل الى ديستوفسكي مثلا ويحاول أن يحاور فكره معتمدا على مؤلفات الأخير وأبطاله . ورغم أنه أغرق نصوصه بكم هائل من الأسماء والعناوين والمؤلفات لهؤلاء . ولكنه من ناحية أخرى يعكس إعجابه بأعمالهم، كما يعكس أيضا ثقافة الكاتب وحجم قراءاته.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3689 المصادف: 2016-10-11 12:57:39