المثقف - قراءات نقدية

عبد القادر كعبان: عن "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" لوطار: نص مسرحي ذات طابع دونكيشوتي

abdulkadir kabanما يجعل السرد بجميع أشكاله يختلف عن المسرح، هو أن الأول يتم إدراكه على أنه حدث في الماضي بينما الثاني فقد يتجسد في حاضرنا، وبالتالي هي حالة تجسد الراوي بحضوره في المكان وسرده لحكايته هنا والآن.

إذا كان السارد في القصة يمثل حلقة تواصلية بين السرد والمتلقي، فإن هذين العنصرين لا يلتقيان في المسرح الدرامي حيث لا يتكلم المؤلف باسمه إطلاقا بل قد يقتصر ظهوره على بعض الأشكال المسرحية، وهذا ما وجدناه يتجسد من خلال نموذج قصصي للأديب الجزائري الراحل الطاهر وطار الموسوم "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" الذي حوله الممثل والمؤلف الجزائري الراحل أمحمد بن قطاف إلى نص مسرحي بامتياز.

ما يشهده المتفرج خلال عرض هذه المسرحية هو الأداء المسرحي للممثلين الذين حاولوا بث رسالة خاصة لإحياء روح الواجب الوطني الذي انعدم للأسف الشديد في أيامنا، فهم عموما يعيدون إلى الأذهان شخصية دون كيشوت للعالمي ثربانتس بطريقة غير مباشرة تلك الحاملة للبعد الإنساني النبيل.

يمكن القول أن الرمز يعتبر أحد أهم العناصر المؤثرة في مسرحيات أمحمد بن قطاف أين يتلبس هذا الأخير بشخوصه ولغتهم وخطواتهم ومواقفهم الدرامية، كما أن كتابات وطار هي الأخرى لا تخلو من الحس الفني والتعامل الحاذق مع اللغة وتجريب تقنيات سردية جديدة ذات نكهة واقعية بحتة.

من أهم العناصر التي يتوجب توضيحها للمتلقي المسرحي منذ البداية هي المكان والزمان من خلال جملة من الوسائل التي يتوفر عليها الركح المسرحي كالمرئية من ديكور وإنارة وغيرها، وكذلك الحوار لأنها تسعى لتوضيح الرؤية لجميع جوانب النص المسرحي.

تعددت الأمكنة في هذه المسرحية التي جاءت في فصلين متكاملين، حيث تبدأ حلقة السوق أين يدخل الحاكي وتحلق الناس حوله كما ورد على لسان الكورس أو المجموعة: - دخل الحاكي للسوق على جلد البندير.

- تلايمت ودارت حلقة.

ويتواصل الاستهلال لتشويق الجمهور حيث تذكر المجموعة سيرة سيدنا علي كرم الله وجهه والزينة لونجة وقصة سيدنا يوسف عليه السلام وأسباط النبي يعقوب عليه السلام، وهي عبارة عن مقدمة للتطرق إلى ماهية الموضوع الذي يخفي بين ثناياه عبرة: - قالت تحكيلنا سيرة الأمجاد.

- سيدنا علي وسيفه مع الكفار.

- والزينة لونجة اللي خطفها الغول.

- وتولي ليوسف عليه السلام.

- وخوته الأشرار كيف كذبوا الذيب.

أما المكان الثاني الذي تدور فيه أحداث المسرحية هو القرية التي تعكس الروح الثورية الدالة على الهوية الوطنية كما جاء في المقطع الموالي:

- عمي العابد شيخ كبير في قرية... قرية في جبال الهيه...

- شاف اللي بناها وثار على اللي بغى يهدم.

- شاف اللي حفر البير وشاف اللي ملاه بدم المقتول غدرة...

فكرة المسرحية بشكل عام تدور حول تلك الرسالة التي وصلت لعمي العابد بن مسعود الشاوي من بلاد بعيدة من الخارج، والتي تشير إلى عودة ابنه الشهيد مصطفى رفقة زملاءه الشهداء في ظرف زمني قصير، وقد اختاره بن قطاف لأنه يربط بين ماضي ثورة نوفمبر المجيدة وحاضر ما بعد الاستقلال، لكن ما سعى إليه هذا الأخير هو إضافة بعض الرموز والدلالات كتلك التحية التي وجهها في بداية العرض لكل شهيد جزائري ضحى بالنفس والنفيس لتحرير وطنه من كيد المستعمر الفرنسي على خلاف قصة الطاهر وطار التي تتعمد الدخول المباشر في الأحداث.

يبرز مكان آخر لا يقل أهمية عن الفضاء القروي في مسرحية بن قطاف، وهو مقام الشهيد الذي حمل بدوره دلالات مجازية لذلك المكان المنسي الذي يملأه التراب والغبار المتناثر هنا وهناك، وكأن الشهيد بعيد منسي عن العالم يظل اسمه محفورا فقط على نصب تذكاري من الرخام وسط جملة من الأسماء الوطنية من الشهداء.

كما تمت الإشارة إلى أماكن أخرى بطريقة ثانوية لا تقل أهمية عن غيرها إما بالوصف عن طريق عملية السرد أو بتغيير الأحداث ومضامينها الحوارية كالجامع، محطة القطار والقباضة.

تتعدد الأزمنة هي الأخرى في نص مسرحية "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" كالزمن الاسترجاعي القائم على تقنية الفلاش باك، وهذا بالتركيز على شخصية خديجة التي يعتبرها بن قطاف همزة وصل بين الماضي والحاضر خلال اقتباسه للنص القصصي للأديب الطاهر وطار، فهي التي غالبا ما تسرد على المتفرج مآسي الثورة التحريرية وما فعلته فرنسا بأبناء الجزائر الأبرار ومن أمثلة الاسترجاع نذكر على سبيل المثال بعض ما ورد في حكاية استشهاد مصطفى:

- العابد: يا قدور يا وليدي ماذبي تعاود تحكيلي قصة وليدي كيما وقعت وكيفاش استشهد...

- قدور: واش نقولك يا عمي العابد... راني حكيتهالك اشحال من مرة...

- العابد: هذي وخلاص.

- قدور: كما قلت لك وللآخرين، كنا جايين من الأوراس، في طريقنا للحدود ومعانا برية الولاية... كنا ماشين حذا بعضانا مانيش عارف كيفاه حتى سبقني... كان باقيلنا يجي مشية ساعة ونص ونلحقو للسيلان... ساعة ونصف يا عمي العابد. نقطعو السلك ونخرجو للأمان... كانت ليلة قمرها ضاوي، تقول انهار، كان، ضاوي.

- خديجة: وصلنا السلاح وين كان لازم يوصل... خمسطاش يوم ماشية... ريحنا ليلتين وجينا موليين... خرجنا مع المغرب في شهر شتاء... في ليلة ظلمتها زيت... على خطوتين مايبانلك والو... كنا ربعة...

الملاحظ في نص بن قطاف هو الحوار المبني على أسئلة افتراضية عموما تخللها أيضا زمن استشرافي بما سيحدث في المستقبل منذ بداية المسرحية إلى نهايتها. 

لقد استعان بن قطاف بجميع شخصيات وطار في كتابة نصه المسرحي ما عدا حذفه لشخصيتين ألا وهما إمام المسجد والابن الثاني لعمي العابد، وكلها جاءت عاكسة لنفسية المواطنين المأزومة وهذا من خلال جملة حواراتها وأفعالها، ومن هنا نذكر بعض النماذج الحية في ذاكرتنا إلى اليوم كالشخصية المحورية للمسرحية –عمي العابد- فهو العنصر الأساسي المحرك للأحداث كونه عجوز كبير يحمل في ذاكرته الكثير عن أحداث الجزائر، وهو صاحب لغز الرسالة الذي سيكتشفه المشاهد مع تداول الأحداث. كما أنه أيضا رجل متمسك بزيه العربي الأصيل وهو رجل متدين وطيب لكن حادثة الرسالة تدفعه للدخول في صراع نفسي حاد خصوصا بعدما يرفض الآخرون فكرة عودة الشهداء من جديد.

شخصية الشهيد مصطفى ابن عمي العابد هي نموذج عن الشهيد الجزائري المناضل المدافع عن وطنه من أجل الحرية والسيادة الوطنية ولو كان ذلك على حساب شبابه وحياته.

شخصية خديجة المجاهدة العجوز التي ترتكز على العصا وهذا راجع لإصابة ساقها إثر انفجار لغم وهو الذي أودى بحياة الشهيد مصطفى كما تعكسه المسرحية. هي تلك المرأة الشجاعة التي تربط الماضي بالحاضر وهذا ما كان سببا لبكائها المتواصل عند ذلك النصب التذكاري لمقام الشهداء، ماسحة بمنديلها تلك الأسماء المسجلة على رخامة وكأنها تنفض غبار النسيان عنهم، وهي تغني كالواقف على الأطلال.

شخصية المسعي وهو والد شهيد آخر كعمي العابد لكن حصوله على امتيازات المنحة كوالد شهيد غيرت نظرته للواقع المرير الذي يعيشه سكان القرية. رغم تعلقه بذكرى ابنه الشهيد إلا أنه ظل يائسا من فكرة عودته يوما ما على عكس عمي العابد.

شخصية خليفة تعبث بالاشمئزاز إلى حد كبير لدى المتفرج كونه لم يعايش أحداث الثورة التحريرية كالكثير من أبناء جيل زمن السرعة في أيامنا هذه، إلا أن مركزه كمسئول في البلدية جعله يستغل مكانته ومنصبه ليكون مستبدا واستغلاليا لجملة من العمال وكذلك خديجة هي الأخرى لم تسلم من جبروته واستفزازه المتواصل.   

ما يمكن قوله في الختام، هو أن رجل المسرح الجزائري بن قطاف استطاع ببراعة مطلقة تحويل النص القصصي لوطار الذي نجده بدورنا فنيا أحادي الدلالة السردية ليصبح خطابا مسرحيا مكثفا متعدد الرموز والدلالات لكي يفتح المجال أمام عشاق الخشبة للوقوف أمام حالة إنسانية دونكيشوتية تنقل معنى التضحية بالنفس والنفيس من أجل الوطن.

 

بقلم عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3704 المصادف: 2016-10-26 02:29:32