المثقف - قراءات نقدية

صالح الطائي: وفاء السعد وقصيدتها لمن جهلَ الطفوف.. قراءة انطباعية

saleh altaeiغنية جزلة المعاني تلك المفردات التي ساقتها  الشاعرة وفاء السعد لتؤرخ من خلالها علاقة إنسان مع الفرات، ليس أي إنسان عابر، بل الإنسان  الأسطورة باذخ العطاء، صاحب اليقين؛ الذي تحول الفرات تحت قدميه إلى صعلوك هده العطش، يبحث عن الماء من نبع أقدامه. وتلك مفارقة غريبة أن تجد النهر عطشانا يبحث عمن يسقيه من نبعه، ويرويه من مائه!

إنها صورة تترجم المأساة، وترسم صورة لواقعة تراجيدية تعيش في ضمائرنا عبر التاريخ، نتنفسها شهيقا يرفض المغادرة، يستوطن الروح قبل الرئة، ليتحول إلى قصة عشق إلهي لا حدود لأبعاده، اسمه (الطف).

وليس غريبا أن يشعر عشاق قصة الطف لا بعطش (حسين) فحسب، ولا بوفاء (عباس) فحسب، ولا بظلم (جبابرة) فحسب، بل ويشعر بعطش الفرات الذي كان يتلوى كبطون الحيات ليشحذ الماء من بين كفي العباس المقطوعين، وهذا ما تكتشف غوره وتفك طلاسم سره من أول كلمة في نص (لِمن جَهلَ الطفوفَ) للشاعرة العراقية المبدعة وفاء السعد، وكأنها أرادت أن تفرز بين مكونين، ينظر كل منهما من زاوية تختلف عن زاوية الآخر:

مكون يعرف قصة الطفوف لأنه عاش مأساتها على مدى ألف وأربعمائة عام، فتحولت في ضميره إلى خميرة عشق أبدي.

ومكون قد لا يكون قد سمع باسم الطفوف، أو تغاضى عنه لسبب.

وهي مهمة شاقة تحتاج إلى ثراء فكري، ونضج لغوي، وشجاعة بوح يعجز بعض الرجال عن امتلاكها لا لتقصير فيهم، بل لأنها تبدو أحيانا أكبر من حجمهم .. من كيانهم النفسي والعقلي والفكري، وحتى الجسدي، فالأعمال الجبارة لا تحتاج إلى كل تلك الأشياء فحسب لكي تنهض بها، بل وتحتاج أيضا إلى شجاعة من نوع فريد تملك قدرة توحيد الرؤى بالفعل لتتحول الرؤيا إلى حركة والحركة إلى رأي، ومع هذا التماهي تتسامى النفس حتى أن المرء ليشعر وكأنه جزء من قطرات ذلك النهر الخجل الشاكي، أو سيفا من تلك السيوف التي أنهكها تراب الميدان وشخب الدماء، فبدت وكأنها فقدت هويتها، وتبحث لنفسها عن مسمى آخر.

غربة هذه القصيدة أنها تبدأ من العنوان (أنا الفراتُ الخجلُ) وكأن النهر العظيم يداري خجله بعد أن لم ينجح في ترطيب شفاه عطاشى كربلاء، وهو جرم يشعر من ارتكبه أن أبواب السماء سوف تغلق دونه عقابا له على ما أرتكب (فلا عذرَ سيعصمُني) هكذا قالها الفرات، وهو يبحث عن عذر يداري به سوءته التاريخية. لكن حينما يفلس الإنسان من خلق الأعذار، تتكشف حقيقة النوايا، ولا يعد له من خط دفاع سوى أن يشعر بالتقصير وبالذنب الكبير كذلك، وإن كان النهر قد فاض بمشاعره بلا حدود فالإنسان قد لا يملك موهبة البوح مكابرة أو جهلا.

إن من سحر البناء التركيبي لهذا النص الباذخ أن الشاعرة جعلت من الفرات شاهدا وشهيدا، حولته من تركيبة سنن الطبيعة إلى مُرَّكبٍ حوله إلى الكائن الأسطوري العاقل الذي تملأ كيانه المشاعر، ليحب ويكره ويخاف ويتهور، حيث تلفه شرنقة الحدث بإطار كينونتها ليصبح (وجلاً بعينٍ محشورةِ السهامِ) ويحزن ويبكي (لأجلِ عينٍ موشومةِ السهمِ) ويغضب من الفضيحة، فضيحةُ (ما سترتْ عورتَها غمامةُ التاريخْ) بعد أن أجج نزق الإنسان واستهتاره وطيشه وغباءه وظلمه (الترابَ عذرياً يعبقُ بالدمِ).

الفرات لم يرتكب جريمة لأنه لا يملك قدرة السير لكي يسقى العطاشى، لكن الإنسان المغرور، يملك أسباب القوة ومكامن الحقد ولذا حال بين الفرات وتلك الشفاه التي جففها العش وهذا ما دفع الفرات لأن يخجل هذا الخجل الكبير حيث (العيونِ الذابلاتِ)، ولكنه لم يحرك مشاعر الإنسان، وكأنه لا يعرف الخجل!

إن حبكة النص لا تنتهي مع البوح الخجل للنهر الفرات العذب، وإنما تنتهي بعتاب جميل لكل من ارتشف من الفرات رشفة بلت ريقه (تستقيني الأنامُ وتجهلُ ...أني عبراتُ نهرٍ) وربما لهذا العذاب النفسي الداخلي الخفي عن أعين الآخرين، شعر الفرات بالأسى، فسره الخفي سيبقى دفين الغربة إلى أن تتلاشى آخر قطراته من على وجه الأرض (حتى يقبضني البينُ جُرحاً نازفاً) وكأنه يرتقب تلك النهاية منذ أن كُسرت معنوياته، وهو يرى السهام المثلثة الرؤوس تنهش طهر الوجوه النقيات، وتسرق منها ماء الحياة (أنطفئُ انكساراً في السهامِ المثلثاتِ)

لمن جهل الطفوف نص في غاية الروعة والتناسق والرهافة والحس، يعبق بتأملات روحية تشد المتلقي، وتحوله إلى جزء من الحكاية المأساة، يتفاعل معا ويردد مقاطع النشيد الحزين؛ وكأنه هو الذي كتبها.

وفي الختام أعترف أني لا أحبذ قراءة الشعر الحديث لكوني أجد نفسي في الشعر القديم، واني كنت اشعر أن وقتي سوف يضيع سدى في قراءة مجموعة نصوص أهديت إليَّ، ولكني حينما وقفت على عتبات باب هذا النص الترف، وطرقت بابه بعد تردد، وولجت إلى رحابه بتوجس وخيفة، شعرت أني أدخل دنيا أخرى مملوءة بالدهشة والرغائب والعُجْب؛ الذي قد تفتقر إليه الكثير من القصائد المقفاة التي أدعي أني أحبها.

الشاعرة وفاء السعد موهبة واعدة، ومقدرة فنية متميزة، إذا ما توافرت لها الأسباب سوف تنطلق خارج حدود العراق عربيا وعالميا، وهذا ما أرجوه لها لا لشيء سوى أنها تستحق ذلك، فلقد سحرني نصها وأجبرني على أن أعيد قراءته مرات ومرات، وفي كل مرة أجد فيه شيئا جديدا.

ولمن تستهويه مثل هذه الأعمال، أهديهم قصيدة (لمن جهلَ الطفوف)، واترك لهم مهمة الحكم، بتأييدي فيما ذهبت إليه أم في مخالفتي.

 

أنا الفراتُ الخجلُ

لِمن جَهلَ الطفوفَ ... في رؤى العيونِ الذابلاتِ .. أتلو أنا الفراتُ ..اعترافَ الخجلِ .. مُطأطئا..ً حاسِرَ الماءِ في جوفي .. ليغدقني الجرفُ جفناً ناحباً .. أتعوَّذُ صهوةَ السؤالِ .. حينَ يترجَّلُني ساعةً ثقيلةً.. كيفَ ذرفتَ الدمعَ في المشهدِ؟.. كيفَ احتملتَ أوردةَ الطيورِ شاهقةً .. تسري إلى مائكَ المنحسرِ .. سأهوي على كبدي في جُبِّ قلبيَ الغريقِ .. وأمضي جفناً مالحاً .. وجلاً بعينٍ محشورةِ السهامِ .. لأجلِ عينٍ موشومةِ السهمِ.. آهٍ لغيضي حينَ يشربني .. وتقبرُني أصابعُ الزمنِ طلاً .. فلا عذرَ سيعصمُني .. لذكرى تولدُ في ضميرِ الكونِ شاخصةً .. ما سترتْ عورتَها غمامةُ التاريخْ .. كيفما صنعتْ عبثاً .. تؤجِجُ الترابَ عذرياً يعبقُ بالدمِ .. تستقيني الأنامُ وتجهلُ.. أني عبراتُ نهرٍ .. جرحٌ في أرضِ كربلاءِ ليسَ مُندَمِلا.. مغشياً بالذهولِ .. لأقمارِ فتيةِ اليقينِ .. تُقارعُ غيرَ ذي كفء .. مكلومةَ العضدِ.. حتى يقبضني البينُ جُرحاً نازفاً.. أنطفئُ انكساراً في السهامِ المثلثاتِ .. وأقبِضُ الآهاتِ جمراً .. نجيعٌ اشرأبَّ في روحٍ أزلّيٍّ .. ما انسكبَ حبرُ السماءِ زرقةً .. إلا ما اقترنَ في النونِ والقلم.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3725 المصادف: 2016-11-15 23:05:30