المثقف - قراءات نقدية

جمعة عبد الله: ثلاثية الحب في المجموعة الشعرية: قبل ان ينقرض الحب

goma abdulahهذه المجموعة الشعرية، يتقاسمها ثلاثة اصوات شعرية. لكل واحد منهم له، تجربته ولونه المميز في عالم الشعر والقصيدة، لكنهم شدوا همتهم في انقاذ معبد الحب والعشق من الانقراض، بخلق روح جديدة، تولد بالانبعاث الجديد، للحب والعشق، لكي يمشي منتصب القامة وبالشموخ العالي، رغم المعوقات الجمة، واحابيل الزيف والدجل، رغم محاصرة الحب، في زاوية مظلمة، ليكون كسيح الفعل والحركة . هذه جدلية الرؤى والرؤيا للمجموعة الشعرية، التي تنوعت الاشكال الشعرية، في البلاغة والتعبير والصور الشعرية، التي تحمل من ابداع متنوع في مغامراته الشعرية، التي نضجت على نار هادئة، لتكون مؤهلة للاقتحام في انقاذ الحب قبل ان يموت، في صدق التعبير الوجداني والذاتي، المرتبط بالكينونة الذات العامة للواقع، محاولة لاخراج الحب من الدهاليز المظلمة، من الاستلاب والاستباحة، من الزيف والانحراف، هذا جوهر الدفاع عن العشق والحب، ان يرد الصاع على السهام العدوانية، من الزمن والقدر، وعبث الثقافات والعقليات الرثة والعثة والظلامية، التي تهين وتستهين وتتجنى على الحب النقي الذي يولد من عطر الازهار، الذي يحس بالجوع والظمأ الى الحياة، هي محاولة لسد ثقوب الحياة المنخورة، والمعفرة بالرزايا والخطايا والذنوب، انها محاولة من الحب ليخرق الاسوار والجدران المغلقة، حتى لا يصاب العشق بالشيخوخة والذبول، ان تكون ابتهالات الحب باعلى ايقاع قيثاري الصادح، وليس بالهمس والوشوشة، ان يرد السهام الزيف والحقد والكراهية، الى نحرها، ان يغسل الحب بالماء النقي، الدموع والاحزان والالم الروحي، وعسف الحياة، التي تضيق مساحات الحلم الشفيف، ان يكون الحب نشطاً، في الدفئ والمحبة والنور، للقلب والعقل، ليبدد الوجه الوحشي الذي احتل الحياة، ان المجموعة الشعرية ( قبل ان ينقرض الحب) لتؤكد هذه الحقائق، اضافة انها تكشف عن حتمية الصراع الناشب، بين الحب والعشق، والكراهية والحقد، بين النور والظلام، رغم انه صراع ازلي، ولكن يجب وضع بيضة في قبة الميزان، لترجيح الحب، لهذا تكتسب المجموعة الشعرية، اهمية بالغة في حياتنا اليومية، وفي درب الحب، حتى نبعد عن طريقه الاشواك والالغام، وهي بمثابة كسر اصفاد قيود الحياة، التي تحول الحياة الى سجن مقفل، بالجراح والالم، حتى انتصار الحلم، وهو انتصار للحب، ان القصائد تسكب رؤاها في سبيل احياء الحب من جديد، هذه العناوين البارزة للديوان الشعري، في انطلاق حميمية في الصدق الروحي والوجداني، للاصوات الشعرية الثلاثة، وهم:

1 - الشاعر يحيى السماوي

2 - الشاعرة بلقيس الملحم

3 - الشاعر علوان حسين

لهم حضور مميز في عالم الشعر، وتجاربهم الشعرية، ولا يخفون معاناة الوقع الحقيقية، وتعرية مخالب الواقع الجائرة، التي تحرث لدفن الحب والعشق، ونجد حضور العراق حاضراً في قلوبهم وعقولهم في قصائدهم الشعرية، والشعراء الثلاثة هم:

1 - يحيى السماوي: شاعر كبير غزير الانتاج بالعطاء الابداعي، ومسكون في حضرة العشق الصوفي وحب العراق، وتعتبر تجربته الشعرية المتميزة، في عالم الشعر والقصيدة، وتعتبر اعلى مراحل التطور التي وصلت اليها القصيدة الشعرية العربية والعراقية، انه يخلق في القصيدة، عالم قائم بذاته، في كل المواصفات الجمالية، في الشعر (البناء . التركيب . الصياغة . تكوين الصور الشعرية المدهشة، تكوين الرمز بالتعبير البليغ)، وكذلك في علم اللغة والبلاغة واللفظ، ومشتقاتهم واصنافهم واجناسهم الكثيرة، بما يملك موسوعة معجمية معرفية، متعددة ومتنوعة، لذلك نشعر بسحر القصيدة، التي تنزح الى الشمولية .

2 - بلقيس الملحم: شاعرة قديرة، وصوت واعد بالكثير من العطاء في الابداع الشعري، بما لها من نشاط ديناميكي في تطور القصيدة الشعرية، وتركز في تجربتها المتألقة، على التركيز والتكثيف في رسم الصورة الشعرية المركزة، وتحاول في الكثير من الاحيان، ان تختمها بالضربة الشعرية، لتزيد من جمالية القصيدة، وكذلك يشعر المتلقي بالدهشة الاعجابية لبهاء الصورة الشعرية، في خلق الصورة المركزة، انها بارعة في زخرفة الرسم التعبيري للقصيدة، وتشق طريقها الشعري بثبات متواصل، حتى يكون لها لون شعري متميز خاص بها .

3 - علوان حسين: شاعر عراقي معروف، ومتميز في اتجاهه الشعري، الذي يركز على السرد الشعري، يسكب فيه نسيج تأملاته وافكاره، وتصوراته، ومعاناته الحياتية، التي تلعب دوراً بارز في الرؤى الشعرية وعالمه الشعري، ويحاول ربط همومه الذاتية بهموم الواقع العام، حتى نشعر، بان يختلط بها الذات بالعام، لتأخذ مساحات واسعة، في الصياغة الابداعية، في الابداع السرد الشعري .

احاول في هذه القراءة النقدية، ان استخدم توظيف المنولوج الشعري في المقاطع الشعرية المختارة، لتكون بمثابة (الدايلوج). او الحوار الدرامي المشترك بينهم، حتى نكشف عمق الصوت والصدى، او ارتداد الصوت، او الضوء وانعكاس الضوء، في الرؤية المشتركة من الرؤى الشعرية للمقاطع المختارة بينهم، مع المحافظة على النسق الشعري، والايقاع الموسيقي، انها محاولة، لتداعي الافكار في الهواجس والهموم والعواطف في الصور الشعرية، بصورة مشتركة، كأنها حوار درامي يدور بينهم، قد تكون هذه القراءة النقدية، غير مألوفة، ولكنها تبقى محاولة تجريبية، ويجب اقول صراحة، بأني وجدت التناغم المترادف بالصوت وارتداد الصوت وانعكاسه، بين الشاعر الكبير السماوي، والشاعرة القديرة بلقيس الملحم، ربما تريد الاقتراب من ضفاف قصيدة السماوية، لكي تتكبف بمناخها، لذلك وجدت الكثير من المقاطع التي تحمل الحوار الدرامي (الدايلوج) . وهذا ليس اجحاف بحق الشاعر القدير علوان حسين، لان تجربته الشعرية المتألقة بالابداع، لها منحى شعري مغاير،

وقد قسمت هذا (الدايلوج) الى اربعة اقسام

1 - الهبوط في مملكة الحب

2 - القلق من هواجس الحب من الضياع

3 - الوجع والالم

 

4 - البعث بعد الانقراض

1 - الهبوط في مملكة الحب

السماوي:

جميع الغزالات مرت على واحتي . .

والضباء . .

الفراشات . .

إلاًكِ انتِ !

تأخرت أكثر مما يطيق اصطباري !

لماذا أتيتِ

أوان احتضاري ؟

وبدء احتفاء الدجى

بانطفاء نهاري ؟ ص26

-- ترد بلقيس الملحم:

إكاد أجن

هديلي يتناسل قصائد

الحب والشعر أضحيا ضفتين لنهري

نهري النابع من قلبي ليصب فيك . .

الاشجار أحرقت عيدانها بخوراً لولادة عشقنا

احتراقنا أضحى بخورا للبخور

اشتعالا للنذور . ص92

× يرد علوان حسين:

لو فقط أراكِ يهبط قمر

وتقترب سماءٌ من القلب

متى تنام اوهامي

الزهرة تورق مرة واحدة

والنار في الكأس شفافة

أزهار كثيرة نغرسها في الطريق . ص156

 

2- القلق من هواجس الحب من الضياع :

× السماوي:

أنا عدوي يا صديقي البحر فأنقذني

أخاف عليَ مني

لم تزل أمارة الحب نفسي!

ليس لي امر عليها في شروقي

أو غروب

لو كان في صلبي خلاصي

ما خشيت من الصليب . ص 63

× ترد بلقيس الملحم:

ما دمت معي

سيبقى في بيدر عمرك قمح كثير

تمسي على رقصي

وأصبح على شدوك . .

ماؤك أحياني فبعثتك حيا من رمادي

فالزم كتاب قلبي بقوة

وادخل جنتي آمناً مطمئنا ! . ص96

× يرد علوان حسين:

لما يأتِ الحبيب بعد . .

كانت المرأة الحالمة

تنتظر مطراً من سماءِ ما

زهور تكبر كالاحزان

وحدتها تكبر أيضاً

لا أحد يبصر عزلتها الشاسعة . .

الهواء مثقل برائحة غيمةِ ذابلة

العطور تتبخر كالذكرى

الحب حزين كموسيقى القداس . ص166

 

3 - الوجع والالم:

× السماوي:

في قصيدة: يا طير أبابيل . الى ارواح شهداء كنيسة النجاة، اسكنهم الله فردوسه الاعلى . واخرى جهنم للظلاميين القتلة، اعداء الله والطفولة والنور

ما عاد المنديل

يكفي الدمعة . .

والظلمة في عصر الردة

اضحت

تعمي احداق القنديل

يا طير أبابيل اختلط الامر

وأشبكت الطرقات

فلسنا نعرف فرقاً

بين الله وبين اللات

وبين الناسك والضليل . ص40

× ترد بلقيس ملحم:

وهذا العراق مقابر للنخيل

 وقرابين للخطيئة !

شدي . .

وحدكِ من أيقظ جذع السنديان الهرم

وأشعل الزيت في عيون الحور

وأرده الغناء مزمارا في تراتيل الصلاة . ص 106

× يرد علوان حسين:

ترتعش قلوب العصافير فوقها

ذكرى في قلب ترتعش

والوحدة والقلب والثلج

على شرفة وحيدة

تلوح من بعيد

كتلةِ تتشكل أمام بصري

في سماء لم تكتمل بعد. . ص154

 

4 - البعث بعد الانقراض

× السماوي:

هند ضحكة عذراء ما مرت على شفةٍ

وقافية مخضبة بدمع الوجد . .

أغنية ترتلها الحمامة . .

وردة كانت بمفردها الحديقة . .

صولجان العشق في الزمن الجديد

 وأنا الشهيد الحي . .

سادنها

وحارس باب حجرتها العنيد . ص17

× ترد بلقيس الملحم:

العقد الذي خلعته لحظة الهبوط تمسكين أسمه بطرف قبلتك

نطرد منا ما فاض من أنين

إذ نستفيق على سحابة غطتنا بلحاف تفاح وتين

نستنطق شفتيه بيننا

فابتكرنا!

تبارك مولودنا الجديد - تقول كما تسر العصافير -

فأنا الموعود بجنتك وانت الموعود بأرضي وسمائي . ص 120

× يرد علوان حسين:

نسرق الثمار المتساقطة من شجرة الاحلام

يد تقطف بكارة النسيم

وتنحت هواء الجبل

تأكل العنب الناضج

من فرط التأوه

ولذة الانتظار

يد تضيع في حقل الشوك

كي تجني العسل . ص180

 

×× المجموعة الشعرية ( قبل ان ينقرض الحب ) يحيى السماوي . بلقيس الملحم . علوان حسين

×× الناشر . الدار العربية للعلوم ناشرون . بيروت . لبنان

× عام 2015

× تصميم الغلاف: علي القهوجي .

× لوحة الغلاف: الفنان العراقي أسعد الطيار

× الطباعة: مطابع الدار العربية للعلوم . بيروت

× 190 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الكبير الاستاذ جمعة عبد الله....احلى تحية وامنيات خالصة بالعافية وعام جديد سعيد ومبارك ان شاء الله...ان المتعة في الاطلاع على عمل ابداعي تتضاعف وتضاف اليها الفائدة والعبرة حين تضاف اليها رؤية مهنية وعلمية من ناقد رائي يضع رؤيته التحليلية كالموشور فيحلل العمل الابداعي ليعطي ظلاً للمفردة وبعداً اخراً للمعنى....ان مهمة الناقد في فك الشفرة المقدسة لل(( الرمزية)) في العمل الادبي لاتمثل بالضرورة التحديد بالمعنى المقصود من قبل المبدع بل تتجاوزه الى ساحة التاثير التراكمي والتحفيز العاطفي والنفسي لدى الناقد والمتلقي بما يبتعد في تفسير الاشياء او يقترب بالرؤيا والتفسير مابين المبدع والمتلقي.....في هذه المقالة يتناول جمعة عبد الله موضوعة الحب بكل ماتحمل هذه المفردة من تاريخ واسرار عند ثلاث ايقونات من شعراء الحاضر العراقي والعربي(( يحيى السماوي, بلقيس الملحم وعلوان حسين))....ان تاريخ الشعراء موضوع البحث ومنجزهم الادبي يعطي لمفردة الحب الف ظل وظل ويعطي للمعنى الف بعد وبعد....ان تتبع موضوعة الحب من قبل الناقد في اودية الضياع ومعاناة الانقراض وتجليات البعث انما هو تتبع لكل إطراقة ودمعة وبسمة ولقاء وفراق وتنهيدة وامل ويأس ...تتبع لكل ارهاصة وفكرة عند المبدع والمتلقي على حد سواء.... تحية كبيرة للسماوي الكبير...وتحية كبيرة للملهمة بلقيس الملحم....وتحية كبيرة للشاعر الكبير علوان حسين .....حبي واعجابي الدائم استاذ جمعة عبد الله.

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد القدير الاستاذ أحمد فاضل فرهود
اشكرك جداً لهذا التقييم من ناقد متمرس في التحليل النقدي الموضوعي , ويغوص في اعماق النص . هذه الشهادة اعتز بها بفخر والاعتزاز
ودمت بخير وبمناسبة العام الجديد , اتمنى لكم كل الخير والصحة . وكل عام وانتم بالف خير
تحياتي

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3741 المصادف: 2016-12-01 23:56:24