 آراء

لماذا تصر إسرائيل علي التطبيع مع السودان؟

محمود محمد عليلماذا تبحث إسرائيل عن التطبيع مع السودان بعد سقوط نظام حسن البشير؟.. ولماذا الآن؟.. ألم تكن العقوبات الأمريكية مفروضة علي نظام البشير في السودان؟ .. ألم تتراجع بعد سقوط النظام؟.. فلماذا يحاول البعض إيهام السودانيين الآن بأن التطبيع مع إسرائيل سُيخرج من كارثته الاقتصادية وعزلته الدولية؟.. لماذا لا يتعلم قادة السودان من جارتهم جنوب السودان؟.. ألم تتبادل دولة الجنوب السفراء مع تل أبيب منذ عام 2011؟.. ماذا جني الجنوب من التطبيع؟.. ألا يزال رمزاً للتخلف والفقر والعزلة؟.. كيف تقبل القيادة السودانية بالسقوط في الحضن الإسرائيلي؟ .. أليس من حق السودانيين أن يتعاونوا مع إسرائيل للنهوض ببلدهم الذي يعاني علي الصعد كافة؟ .. ألا يمثل التطبيع مع إسرائيل تأشيرة دخول السودان إلي البيت الأبيض؟.. ألم يتحدث مسؤول عربي كبير قبل أيام من كتابة هذا المقال عن توقيع اتفاقية عدم اعتداء بين الخليج وإسرائيل وحتي مع بعض دول المغرب العربي قريبا؟

 وللإجابة عن تلك التساؤلات نقول: لا شك في أن التطبيع بين دولة عربية – إسلامية، وإسرائيل ليس من القرارات التي تمر دون أن يحرك الناس ساكناً إزائهم، وفي العاصمة التي أعلن العرب منها ولاءاتهم الثلاث عام 1967، لا يحظي قرار مسح الطاولة، وإقامة علاقات مع تل أبيب بالترحيب من الجميع، صحيح أن هناك من يعقدون عليه أمالاً لتحسن أوضاع البلاد الاقتصادية بالنظر إلي ارتباطه برفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب من منظور واشنطن، لكن تيارات سياسية؛ مثل تحالف قوي الإجماع الوطني عبرت عن رفضها عن هذا الاتفاق، وقالت أنه يمتلك الوثيقة الدستورية .

 أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يخوض سباق قاسياً للحفاظ علي مقعده، ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" الذي يصارع تهم الفساد سيعتبر الأمر إنجازاً كبيراً ؛ حيث أنه مقابل رفع السودان من القائمة الأمريكية للإرهاب جرت العملية الأكثر إثارة للجدل في التاريخ السوداني الحديث، وهي التطبيع مع إسرائيل، فبالرغم مما يبدو من تباعد بين الموضوعين، خاصة بدعوي مسؤولية السودان عن تفجير سفارتي أمريكا في نيروبي، ودار السلام عام 1998، وتفجير المدمرة الأمريكية " كول " عام 2000، فإن العودة إلي جذور إلحاق السودان إلي قائمة الإرهاب تبين أن العملية برمتها تمثل مساراً طويلاً يقارب ثلاثة عقود؛ حيث أُرغم السودان في نهايتها علي الوصول إلي المحطة الأخيرة، وهي التطبيع مع إسرائيل، ولم يشفع للسودان بأن نظامه السابق قطع أشواطاً كبيراً في التعاون الاستخباراتي مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية .

 في الثاني عشر من أغسطس عام 1993 وضعت الولايات المتحدة الأمريكية السودان في قائمتها للإرهاب بسبب دعمه لحركات نضال فلسطينية ؛ مثل حركة حماس، والجهاد الإسلامي، وأبو نضال، وعلاقته بحزب الله اللبناني، حسب مواقع رسمية أمريكية ؛ حينها لم تكن الهجمات علي السفارتين والمدمرة قد وقعت .. تلك حقائق التاريخ .. مساراً طويل للي الذراع الممنهج لضرورات الإلحاق بإسرائيل، قاومه نظام حسن البشير .. غير أن عبد الفتاح البرهاني وصل إلي كرسي السلطة، وقد نفذت قدرته علي المقاومة، فاجتمع برئيس الوزراء الإسرائيلي" نتنياهو" في فبراير الماضي، فكانت نقطة بداية عملية التطبيع .

 الحاضنة السياسية للحكومة المدنية التي جاءت بها الثورة عند الإطاحة بنظام البشير تقلدت مواقفها بين الرفض المعلن، والصمت المحير تجاه أطوار العملية التي يعلم الجميع أنها تجري تحت جنح السرية، دون الجرأة علي الإشارة إليها ؛ خاصة أن الرعاية الرسمية الإقليمية للعملية تقوم بها دول عربية تمد يد العون لتسيير الحياة اليومية لسودان ما بعد الثورة، وإن أعلنت بعض هذه القوي الرافضة، مثل حزب الأمة القومي، وحزب البعث السوداني العزم علي سحب تأييدها للحكومة الانتقالية.

 خطوة التطبيع مع إسرائيل أحدثت انقساماً في المجتمع السياسي السوداني، بين من يراها ضرورة تمليه أوضاع اقتصادية متدهورة، تهدد بانهيار الدولة، وبين رافض لها بدعم هو أن البلاد تُساق إلي سراب، وأن المُؤمن في حصاد علاقة مثمرة بإسرائيل لا يقرأ التاريخ ولا يُرجع البصر في واقع الدول العربية والإفريقية التي سبقت السودان بدق أبواب تل أبيب ؛ فضلاً عن أن الخطوة انقلاب علي شعارات الحرية والسلام والعدالة ولا يري أصحاب الرأي في إسرائيل غير تجسيد لنقيض هذه الشعارات وهو ما يعد إسقاطاً للعمود الأخلاقي للثورة وأن إسرائيل تحقق اختراقاً علي مستوي نظرية أمنها القومي القائم علي تفكيك محيطها العربي وإضعافه .. وفي خضم سباق الخطوتين للاستحواذ علي اهتمام الرأي العام خطوة رفع السودان من القائمة الأمريكية للإرهاب وخطوة التطبيع مع إسرائيل انحسرت الأضواء عن الأولي لتبقي الثانية ترسم الأسئلة في أفق ما كان يُعرف بعاصمة الولاءات الثلاث.

 والسؤال الآن: ما هي الأبعاد الحقيقية وراء التطبيع السوداني- الإسرائيلي؟ .. ولماذا هذا التوقيت بالذات؟

 وللإجابة علي هذا السؤال نقول: بأنه لا شك في أن السودان يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ففي عام 1993 وُضع اسمه علي قائمة الإرهاب، وفي عام 1997 كما ذكرنا من قبل فُرض عليه عقوبات اقتصادية وحصار اقتصادي أمريكي، صحيح أن العقوبات رُفعت في عام 2017، لكن اسم السودان لم يُرفع من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبالتالي فالمستمرون الأجانب وهم احد عناصر حل الأزمة غير متشجعين لأنه توجد هناك حالة من عدم الاستقرار في السودان، وبالتالي عندما يُرفع اسم السودان ربما يكون فاتحة لدخول المستثمرين الأجانب؛ ومن هنا رأت حكومة عبد الله حمدوك، ومعها المجلس العسكري السوداني بقيادة البرهاني بأن الوصول إلي قلب وعقل الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون إلا عن طريق إسرائيل، ومن هنا جاءت رغبة الخرطوم في تدعيم العلاقات مع إسرائيل من خلال التطبيع علي أمل أن يُرفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب .

 أما فيما يتعلق بالإجابة عن سؤال: لماذا هذا التوقيت بالذات؟.. فيكفي أن نتوقف عند كلمات وزير الخارجية الأمريكي " بومبيو" لنفهم الكثير، فبومبيو في اتصال هاتفي مع البرهاني قد شكره علي ريادة السودان في الإسراع في عملية التطبيع مع إسرائيل، والمقصود بالريادة هنا تعني أن السودان في المقدمة وهناك من يأتي خلفهم، وهذا يجعلنا نفكر في صفقة القرن والذي يوجد جزء منها يتمثل في عملية تطبيع بين إسرائيل والدول العربية .. ربما قد تكون أولية إسرائيل التطبيع ليست بالضرورة السودان، وربما الأولوية للدول الخليجية الغنية التي تمثل بالنسبة لإسرائيل وتكنولوجيا إسرائيل والصناعة الإسرائيلية سوق في غاية الأهمية، فالإسرائيليون كما جاء في كتاب شيمون بيريز " الشرق الأوسط الجديد" كانوا يقولون بالمال الخليجي وبالمعرفة الإسرائيلية نستطيع أن نصنع المعجزات، لكن علي ما يبدو أن الدول الخليجية لا تريد أن يُسجل عليها أن تكون أول المطبعين مع إسرائيل ؛ خاصة أن الفلسطينيين رفضوا صفقة القرن .

 وهنا نتذكر ما ذكرته صحيفة " الواشنطن بوست" والتي قالت بأن دولة الإمارات هي التي رتبت اللقاء بين البرهان ونتنياهو، وبالتالي فإن هناك دور إماراتي إن صدقت راوية صحيفة الواشنطن بوست، إذن من مصلحة إسرائيل أن تبدأ عملية التطبيع، حتي وإن لم تكن مع الدول الخليجية، وذلك لأن نجاح إسرائيل في عملية التطبيع، هذا أمر في غاية الأهمية، لأنه إن نجحت إسرائيل في هذه العملية، فإنها ببساطة تغير المعادلة السياسية في الصراع العربي الإسرائيلي .

 وكما نعلم أن المعادلة قديمة وتتمثل في أن الدول العربية والإسلامية تدعم الفلسطينيين، لأن هناك أرض عربية محتلة، وكذلك مقدسات عربية محتلة، والآن في ظل رفض كل الفلسطينيين لصفقة القرن، وذهاب دول عربية للتطبيع مع إسرائيل، فإن هذا معناه أن تلك الدول قد قبلت بالمعادلة الجديدة، وهي أن تضع الأرض المحتلة والمقدسات المحتلة جانباً، وتنظر في المعادلة الجديدة وهي تبادل المصالح بين إسرائيل والدول العربية التي تقبل بعملية التطبيع، ولكن ميزان القوي في هذه العملية في صالح إسرائيل، لأن إسرائيل حقيقة تملك المعرفة والتكنولوجيا المتطورة مقارنة بالدول العربية التي تملك ثروات طبيعية والمال، وهنا نجد أن الاستفادة من المال والثروات الطبيعية لا يتم إلا بالمعرفة، إذن من يملك الورقة الرابحة في هذه المعادلة الجديدة هي إسرائيل، وبالتالي فإن من مصلحتها بداية هذا الموضوع لإنجاح التطبيع بشكل عام، لكن أيضا لها مصالح كبيرة وكبيرة جداً مع السودان علي وجه التجديد .

 وهنا يبقي السؤال: ما هي تحديد مصالح إسرائيل في السودان؟

 والإجابة تتمثل في أننا نستطيع أن نتحدث عن أوراق يمتلكها السودان ويمكن أن تستفيد منها إسرائيل، وهنا نقول: إلي أي مدي ستوافق السودان علي ذلك؟ .. وإلي أي مدي سيستفيد منها إسرائيل؟ .. فهذا شئ آخر؟ .. لكن السودان يملك العديد من الأوراق، ومن جملة هذه الأوراق البحر الأحمر، فالسودان كما هو معروف جغرافيا، تطل علي منطقة البحر الأحمر، وفي السابق كانت إسرائيل مطلة علي البحر الأحمر من خلال المرور عبر جزيرتي " تيران وصنافير" في السابق، وعندما عادت تلك الجزيرتان إلي مصر، اكتشفت أنها لم تجد لها الكثير من النفوذ، إلا من خلال المرور من مياه إقليمية مصرية، ولكن عندما نقلت ملكية الجزيرتان إلي المملكة العربية السعودية، أصبح المرور سهل لكونه مروراً في مياه دولية، إذن لا مشكلة لعملية إسرائيل في عملية الانتقال، وبالتالي المهم لإسرائيل أن يكون لها مكان علي البحر الأحمر.. لماذا؟ .. وذلك كما نعرف من قبل أن تركيا أيام حكم حسن البشير قد عقدت اتفاقية مع السودان لإعادة إعمار جزيرة " سواكن" السودانية، وبالتالي لماذا لا تُمنح إسرائيل بشئ مشابه طالما أن هناك تطبيع بينها وبين السودان .

  والسؤال الأخير الذي نختتم به المقال الآن: ماذا يعني البحر الأحمر لإسرائيل؟

 إنه يعني أن النفط الذي يُنقل من البحر الأحمر من الدول الإفريقية المطلة علي البحر الأحمر، ويتجه إلي أوربا يمر عبر قناة السويس، وبالتالي أي دولة لها ورقة ضغط علي سير ناقلات النفط في البحر الأحمر مهمة .. ليس فقط ناقلات النفط، بل تمر من خلال البحر الأحمر التجارة العالمية وطريق الحرير الصيني سيمر أيضاً من البحر الأحمر، وكذلك الدول التي لها أساطيل بحرية تنتقل من البحر الأبيض المتوسط إلي البحر الأحمر، وبالتالي فإن إسرائيل كما اعتقد بأن تطبيعها مع السودان ستكون لها فائدة مهمة من خلال أن تكون لها ورقة ضغط في البحر الأحمر، وبالتالي فإن العديد من الدول تتسارع ليكون لها مكانة علي خارطة الدول المطلة علي البحر الأحمر، فنري مثلا في جيبوتي هناك العديد من الدول مثل فرنسا، والصين، والولايات المتحدة، واليابان، وإيطاليا، وفي إريتريا هناك قاعدة إماراتية، وفي الصومال قاعدة تركية .. إذن هناك العديد من الدول التي تتصارع في أن يكون لها إطلالة علي البحر الأحمر، وإسرائيل خلال عملية التطبيع يمكن لها دور.

 وهناك نقاط أخري تتعلق بالسودان وهو أنه كان يوصف بأنه يمثل السلة الغذائية للعالم، ليس فقط للمنطقة .. لماذا؟ .. لأن السودان يوجد به نحو 200 مليون فدان صالحة للزراعة، ولم يستصلح منه حتي الآن سوي أقل من 40 مليون فقط، علاوة علي أنه يمتلك أكثر من مائة وثلاثين مليون رأس ماشية وهي ثروة كبيرة جداً، ولكن مشكلة السودان أنه لا يملك التكنولوجيا ولا البنية التحتية ولا موارد الطاقة اللازمة، وبالتالي فإن إسرائيل يمكنها من خلال تطبيعها مع السودان أن تعرض كل ذلك ومن الممكن أن يكون بينها وبين السودان مشاريع مشتركة لكي يتحول السودان إلي سلة غذائية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

...................

المراجع

1- قناة فرنسا 24: لماذا تبحث إسرائيل عن التطبيع مع السودان؟ ولماذا الآن؟ .. (يوتيوب)..

2- قناة الجزيرة: الاتجاه المعاكس - تطبيع سوداني إسرائيلي بنكهة إماراتية.. (يوتيوب)..

3- قناة الجزيرة: الحصاد - تفاعلات تطبيع السودان مع إسرائيل.. (يوتيوب)..

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5170 المصادف: 2020-10-31 03:20:30