محمد كريم الساعديإنَّ الاعمال المسرحية اليونانية القديمة التي نظّر لها الفيلسوف اليوناني (أرسطو طاليس) في كتابه (فن الشعر) والذي دوّن فيه أهم الخصائص المسرحية الخاصة بالمأساة والملهاة وغيرها من فنون الشعر، إذ كان" لليونان ادب عال تأثر به الرومان وقلدوه، وعرف أدب هاتين الأمتين- فيما بعد – بالقديم والكلاسيكي وتنكرت القرون المتوسطة بقيادة الكنيسة لهذا الأدب لأنه يقوم على الوثنية .ولكنها لم توجد البديل والتزمت اللغة اللاتينية وهي لغة (غريبة) عن اللهجات المحلية ولا يعرفها الا القلة المثقفون ثم انها – أي الكنيسة – وقد بدأت تؤلف المسرحيات، لم يكن لمؤلفاتها حظ من الإبداع وسعة المدى "(1) التي حصلت عليها المسرحيات اليونانية و ركزت هذا المفهوم لقوتها اللغوية وجزالتها الشعرية وإبداعها في ابتكار فن جديد اصبح من الفنون التي اهتمت بها الأمم الأخرى "ومن جراء تطور هذه الدعوة وسيرها المستمر إن ساد في (فرنسا)، في القرن السابع عشر، عصر لويس الرابع عشر أدب جديد قياسا الى الأدب القديم (اليوناني-الروماني)عرف فيما بعد بالأدب الكلاسيكي الجديد ثم اختصرت كلمة (الجديد) وعرف بالأدب الكلاسيكي كأنه صار أهلا للدراسة كما كان الكلاسيكي الاول وعرف المذهب الذي يقوم عليه الادب الجديد خلال القرن السابع عشر من تاريخ فرنسا الكلاسيكية classicisme "(2) لذلك فأن لفظة الكلاسيكية بشقيها القديم والجديد تطلق على المسرحية اليونانية والرومانية وكذلك على المسرحية في فرنسا في القرن السابع عشر .وهذه المسرحية في كلا الفترتين تحمل الخصائص الفنية و الاشتراطات الدرامية نفسها التي قامت عليها المسرحية عند اليونان وكما نظر لها (ارسطو) . أي أن "الكلاسيكية في صفاتها العامة تشمل انواع الادب الانساني المختلفة ولكنها في مجموع مبادئها تظهر ابرز مما تظهر في المسرحية، وفي التراجيديا على وجه الخصوص وفي اشتراط الوحدات الثلاث (الزمان المكان والحدث) المنسوبة الى (ارسطو)"(3) .

أذن، ماذا يتناول كتاب (فن الشعر) لمؤلفه (ارسطو) وخاصة في موضوعة المسرح والكتابة المسرحية، إذ "يعد من الأوائل الذين أهتموا بالدراما وعناصرها وكذلك يعد من الاوائل الذين اشاروا الى المحاكاة لأنها أمر فطري موجود عند الناس منذ الصغر، والإنسان يفترق عن سائر الإحياء بأنه أكثرها محاكاة وانه يتعلم بطريقة المحاكاة " (4) التي تظهر صورته أمام المشاهد، هذه العملية التعليمية وما تشير إليه من متغيرات توضح تشكلاته في الحياة الاجتماعية، نتيجة لهذه الصور المقدمة إمام المتلقين له . لذلك فأن الشخصية التي تتكون نتيجة هذه المحاكاة ويستفيد منها الإنسان في الواقع من الممكن أن توظف في الشخصيات الدرامية إذا أراد المؤلف أن يحاكيها ويقدمها بوصفها تمثل واقعا ملموسا له دوره في انتاج ثقافة معينة، لذلك فأن المحاكاة عند اليونان أسهمت في تطوير الفنون ومن ضمنها المسرح، الذي انتج الشخصيات الدرامية اليونانية بمختلف مسمياتها (المأساوية أو الكوميدية)، ومن هما فأن (أرسطو) يشير الى هذه الخاصية بقوله" لما كان المحاكون انما يحاكوه أفعالاً، اصحابها هم بالضرورة أما اخيار، أو اشرار لأن اختلاف الاخلاق يكاد ينحصر في هاتين الطبقتين إذ تختلف أخلاق الناس جميعا بالرذيلة والفضيلة فأن الشعراء يحاكون أما من هم افضل منا، أو أسوأ، أو مساوون لنا، شأنهم شأن الرسامين "(5) الذين يقدّمون صورةٍ من محاكاة نماذج من الحياة العامة تقع في هذه المستويات الثلاثة التي اشار إليها أرسطو وهي الأعلى، أو الأدنى، أو المتساوي يحاكيه من صور الشخصيات الانسانية التي انطلقت في القرنين(الخامس والرابع قبل الميلاد)بمجموعة من الأعمال المسرحية لعدد من كتاب المسرح الاغريقي والذين تطورت على أيديهم،  فالدراما " اليونانية كما نعرفها والتي تطورت حديثا نسبيا ظهرت بعد أن كان لدى اليونان تراث ممتد وثري من الشعر الملحمي والغنائي وغيره من الشعر غير الدرامي، كانت الدراما جوهرياً أبداعاً لأثينا الكلاسيكية، كان كل كتاب المسرح الذين اعتبرت أعمالهم من الكلاسيكيات لاحقا نشيطين في أثينا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد (زمن الديمقراطية الأثينية) ويعود تاريخ كل المسرحيات عبر الزمن إلى تلك الفترة"(6) التي جسدت صورة الانسان في المسرح الاغريقي ومن بينها مسرحيات الثلاثي (اسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس).

إنَّ ما يميز المسرح الاغريقي درامياً أن موضوعاته قد تناولت حكايات متنوعة ومتغيرة عن بعضها البعض ومختلفة من كاتب الى أخر، حسب اعتقاداته ورؤيته لطبيعة تكوين الصورة الدرامية في هذه المسرحيات، لذلك فقد تميزت المسرحية اليونانية بالاتي:-

1- إنّ المسرحية اليونانية تعود نشأتها وجذورها الى المجال الديني الطقسي المستمد من العبادات اليونانية القديمة وهي قائمة على المحاكاة وهي المصدر الرئيس والخاصية ذات التركيز على الأفعال النبيلة التامة المستمدة بعضها من هذه الجذور الدينية ودورها في بلورة الحدث الدرامي التي شكلت بدورها صورة البطلة في النص المسرحي الاغريقي.

2- إنَّ المسرحية اليونانية ذات أثر وعظي وتأثير توضح أهمية الجانب الطقسي الديني أمام مصير الانسان والصراع المتبادل على الظهور في صورة الصراع الدرامي في المسرح الاغريقي.

3- تميزت المسرحية اليونانية بالتركيز على عنصر التطهير من أجل خلق جو من الترتيب والحضور بعيداً عن مشاهد الدماء أمام الجمهور لإيصال صورة من مصير البطل الدرامي، وأن الشخصية الدرامية فيها دائما مسيرها نحو مصيرها وبفعل القدرية .

4- تميزت المسرحية اليونانية بان الشخصية الدرامية المقدمة تدور في فلك نظام من الأخلاق والتي عدها (أرسطو) شرطا أساسيا في الكتابة الدرامية، وتقدم بأسلوب الشعر (7).

هذه الميزات في المسرح الاغريقي ساعدت على إيجاد صيغ درامية تقدم من خلالها الشخصية في موضوعات تهتم بجانب بناء صورة الانسان في المسرحية وكيفية كلن الظهور الدرامي في المسرح عند اليونان، ولكن هل ان الصورة تأتي بشكل واحد بين صورتي (الانسان) بجنسيه الرجل والمرأة عند (ارسطو) في كتابه (فن الشعر)؟ أم أن (أرسطو ) يعطي هذه الصفة فقط للرجل على حساب المرأة في مجال الفن الدرامي الاغريقي من خلال بداً من الاخلاق التي تحكم تصرفات الشخصية الدرامية في مآسي اليونان وإنّ "الاخلاق عند (أرسطو) تختلف عند الرجل وعند المرأة وفي الصغير والكبير ثم من الاخلاق ما هو فطري وما هو مكتسب ونزوع الشخص إلى خصائص بعينها يصبح طابعاً يميزه عن غيره من شخصيات المسرحية، ويجب أن تتوافر في شخصية البطل أربع سمات أهمها النبل الذي يجعلنا نرثى له ونعجب به ثم أنسجام صفاته المكتسبة مع خلقه الفطري، والتشابه بينه وبين ما ترويه المأساة عنه، ثم التمسك والاصرار، وبنصح (أرسطو ) مؤلفي المآسي بأن لا يقعوا في تصوير العواطف"(8)، ان الاختلاف الذي ينبه إليه (ارسطو ) بين الرجل والمرأة في الاخلاق والدور الذي يقومان به بحسب النص الدرامي وهو يرجع هذا الى الخطأ الذي تمارسه المرأة في تشكيل العقدة المسرحية.

وهذا الخطأ في شخصية البطلة أو البطل، هو جاء نتيجة فهم (أرسطو) لأحداث المآسي اليونانية التي قد يكون الدور المسرحي في النص المأخوذ في موضوعاته في بعض الاساطير اليونانية، و"ارسطو يقول:أن هذا البطل ينتقل من السعادة الى الشقاء .. ويقول: أن هذا الانتقال لا يكون سببه أن البطل شرير أو سيء الخلق، لأنه لو كان كذلك لما اثار فينا مشاعر الرأفة به والعطف عليه، وكذلك يجب ان لا يكون الانتقال من السعادة الى الشقاوة من حظ الشخص الطيب الخالي من النقص، لأن هذا لو حدث لا يثير فينا إلا الاحساس بالدهشة، وأرسطو يرى أن بطل المأساة لابد أن يكون وسطاً بين هاتين الحالتين، فيكون فيه جانب الخير وجانب الشر، وهو الذي يجلب على نفسه الشقاوة بخطته وسوء احكامه "(9) وهذا ما استقاه من قراءته لدراما الاغريق في مسرحيات مثل الثلاثية الاورستية وشخصية الانسانية للمرأة التي تمثلت بدور حملت معه بسوء سلوكها وتصرفاتها .مما تمثلت بدراما اغريقية تبين دورها وافعالها التي رفضتها فلسفة (أرسطو) عن أن المرأة حسب رأي (أرسطو) ليس لها الحق في القيادة أو تقرير مصيرها حتى وأن كانت صائبة في رأيها .إنَّ المسرحية الاغريقية قسمها ارسطو إلى عدّة عناصر وهي " الحبكة، والشخصية، واللغة الفكرة، والمرئيات المسرحية، الغناء، وتشكل هذه العناصر في مجموعها وحدة متكاملة لا تكاد تنفك عن بعضها البعض فلا وجود لاحد بمعزل عن الاخر (...) والشخصية أو الأخلاق التي تدل على الجانب الأخلاقي الذي يصدر عن الشخصية ويحدد نوع إرادتها ومقدراتها الفعلية "(10) في تطبيق هذه الأفعال في العمل الدرامي .

وتعد الشخصية هي الصورة الدرامية التي توضح جانب تشكلات في الدور الإنساني التي تبرزها الأفعال التي تقوم بها الشخصية المسرحية على مستوى النص المسرحي عند الإغريق، وبيّن ارسطو من خلال كتابه فن الشعر هذه التشكلات الانسانية في فقرة الأخلاق ويقول أن العادات التي هي جزء من الأخلاق فإنها تأتي على أربعة تصورات:-"

1- إنَّ تكون العادات تؤثر بالفعل الدرامي في الاعتقاد أي تكون حال كل واحد من هذه العادات .

2- ذلك الذي يصلح وأن العادة التي هي للرجل قد توجد إلا أنها لا تصلح للمرأة ولا أيضاً أن ترى فيها البتة .

3- الشبيه بذلك:أن الذي له العادة غير ذلك الذي له عادة جيدة إن كان يصلح أن يفعل أيضا كما تقدم فقيل.

4- وأما الرابعة فذاك المتساوي وذلك أنه كان أنسان مما يأتي التشبيه والمحاكاة سادياً"(11) .

إنّ هذه العادات التي يرى فيها (أرسطو)أربع مسارات تعطي الصورة الملائمة للشخصية الدرامية وهي التي تقوم على تحديد معين للأخلاق والصفات التي تنطبق على جنس دون آخر كما في النقطة الثانية التي يميز بها بين الجنسين . حتى وأن كانت داخلة ضمن صفات الدور الذي تمارسه النساء في حال أقدمت المرأة على ممارسة هذا الدور .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

..........................

الهوامش

1- علي جواد الطاهر، الخلاصة في مذاهب الادب العربي، ط1، بيروت: دار الرائد العربي،  1984،  ص 13.

2- نفسه، ص 14.

3- نفسه، ص 16.

4- جبار عودة العبيدي، ود. صلاح مهدي القصب، مدخل في الدراما وتدرجها التاريخي، صنعاء:دار الفتح للنشر والتوزيع،  1992، ص 6 .

5- ارسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، بيروت: دار الثقافة ،  1973، ص7، ص8.

6- مارتن بانم، موسوعة المسرح، المجلد الثالث، ترجمة: محمود كامل، علي الغفاري، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018، ص247.

7- ينظر: د. جبار عودة العبيدي، ود. صلاح مهدي القصب، مصدر سابق، ص14-15.

8- دريني خشبة، اشهر المذاهب المسرحية، القاهرة:وزارة الثقافة والارشاد القومي، الادارة العامة للثقافة، ب، ت ، ص 6.

9- نفسه، ص 8.

10- باسم الهاشمي، الخصائص التأليفية في الدراما، دمشق:افكار للدراسات والنشر والتوزيع، البصرة: دار الفنون والآداب ، 2018، ص19، ص20.

11- ارسطو طاليس، مصدر سابق، ص 115.

 

علي رسول الربيعيلقد تناولت في دراسات سابقة الادعاء القائل بأن الجماعات ذات الأمتيازات ستهيمن في أطار التداول حتما على الأقليات المحرومة، لأن هذه الجماعات سوف تهيمن على مجريات النقاش العام؛ وجوابي هو: أن هناك أسباباً كثيرة تنبع من الحالة المثالية للتداولية نفسها لصالح أشكال النقاش التي لا يحدث فيها  مثل هذا. لكنني قلت إن هناك مشكلة أعمق هنا، وهي مسألة ما إذا كانت فكرة المداولة ذاتها - فكرة اتخاذ القرارات من خلال عملية محاججة  منطقية تسود فيها الحجج  الأكثر وزنا في النهاية - لاتكون منحازة ضد الجماعات المحرومة. هذا هو مطلب يونغ في حقيقته عندما تقول أن المداولات  تمنح أمتياز  للخطاب "الرسمي والعام"، بوصفه خطاب "نزيه و "ينطلق من المقدمات الى الخلاصة بطريقة منظمة تحدد بنية الاستدلال".  تؤكد ساندرز، أيضاً، أن المداولات تتطلب حديثًا "منطقيًا، وموجهًا لمشكلة مشتركة" بدلاً من الحديث "العاطفي والمتطرف الذي ينتج المصالح الخاصة" وينحاز اليها.[1] يؤكد كلاهما أن قواعد التعبير المقبولة ذات طبيعة تميزية ضد والأقليات والنساء ايضا كمثال لاسيما في المجتمعات التقليدية، التي يجب يفسح لها المجال لتقديم وجهات نظرها ومطالبها بطريقة أو أخرى. وفقًا لـ يونغ وساندرز، فإن ما تحتاجه المجموعات المحرومة ليس المداولة على الإطلاق، ولكن أشكال التفاعل السياسي الأخرى التي يمكن أن تظهر فيها وجهات نظر هذه الجماعات واهتماماتها الخاصة بوضوح أكبر، وهو ماتقوم بتفصيله يونغ وساندرز.[2]

لسوء الحظ ، قدم مؤيدو الديمقراطية التداولية روايات مختلفة إلى حد ما عن أساليب التفكير التي يتطلبها التصور التداولي المثالي. مستوحاة إحدهن من عمل جون راولز، حيث قدمت تلك الروايات ببلاغة في سلسلة من المقالات كتبها جوشوا كوهين يصف فيها الإجراء التداولي المثالي بأنه ينطوي على "التفكير العمومي".[3] ويتطلب هذا من المشاركين في المداولات أن يقتصروا على المجادلة بشأن المقترحات التي يفضلونها بطريقة محددة: يجب عليهم تقديم أسباب، يعتقدون أنه يجب على الآخرين قبولها، بغض النظر عن التزاماتهم الشخصية المختلفة. وكما يقول كوهين:

"لن يؤدي الأمر ببساطة إلى تقدم الأسباب التي تجعل المرء  في الموقع الصحيح أو المقنع: فقد يتم رفض مثل هذه الاعتبارات من قبل الآخرين الذين يعتبرون أنفسهم في الموقع المعقول والمقبول. يجب على المرء بدلاً من ذلك أن يجد أسبابًا  يقبلها الأخرين ويخضعون لها، والاعتراف بهؤلاء الآخرين على قدم المساواة، وإدراك أنهم يمتلكون ما يمكن أن يعد  التزامات معقولة، ومعرفة شيء عن هذه  الالتزامات التي  لديهم- على سبيل المثال، قد يكون لديهم التزامات أخلاقية أو سياسية التي تفرض ما يعتبرونه التزامات  جوهرية."[4]

المطلوب أن تبدأ المداولات، وفقًا لوجهة النظر هذه، من خلال تقديم حجج مفادها أن كل شخص لديه سبب للقبول، أو  بمعنى آخر حجج تحتكم الى التي أرض مشتركة - ايً  لمبادئ العدالة المشتركة، أو أفكار تتعلق بالصالح العام. فمثلا ، المطلوب أن يكون هناك احتمال كبير للتوصل إلى توافق في الآراء - إذا كان الجميع يحتكم فقط الى الأسباب التي يمكن لأي شخص آخر قبولها، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون هناك اختلاف جوهري حول ما يجب القيام به.  يحاول كوهين  أن يفلت من هذا الاستنتاج  من خلال الإشارة إلى أنه قد يكون هناك خلاف حول الوزن النسبي للاعتبارات التي اجتازت اختبار العقل العام، وبالتالي قد لا يزال يتعين إجراء تصويت بالأغلبية في نهاية المداولات. لكن مع هذا الرأي، فإن الجميع يؤيدون الأسباب الكامنة وراء القرار الذي تم التوصل إليه؛ إنه فقط ان البعض يعطون أوزان مختلفة لها وبالتالي يصلون إلى استنتاج عملي مختلف.

من الواضح تمر وجهة نظر راولز- كوهين بألوان متعددة لأختبار العقلانية والشرعية التي أشرت إليها في البداية. ستكون القرارات التداولية عقلانية بمعنى أنها مبررة لأسباب مشتركة بين الجميع في المجتمع المعني، وتأتي شرعيتها مباشرة من هذا المصدر نفسه. لكن في الوقت نفسه، يبدو أنها معرضة بدرجة كبيرة للنقد الذي وجهه باحثون مثل ساندرز ويونغ. لأنه يتطلب من الجماعات المحرومة عندما يطرحون قضاياهم أن يقييدوا أنفسهم  بالحجج المطلوب أن تكون  مقنعة للجماعات المحظوظة أو المهيمنة ذات الأغلبية.  وبصوغ أكثر دقة، على الرغم من أنهم لا يُمنعون رسميًا  وشكلياً من تقديم حجج معقولة من وجهة نظرهم الخاصة فقط، لكن عليهم أن يكونوا مستعدين للأنتقال إلى التفكير بالجانب العمومي إذا كان يعولون على ان تكون معقولة ومقبولة، وبالتالي يستوفون شروط الإدراج في المداولات كأشخاص.

ومع ذلك، أعتقد أن وجهة نظر المداولة هذه مقيدة للغاية: فهي تقدم وصفًا متجانسًا جدًا لنوع التفكير والأستدلال الذي يجب أن يكمن وراء قرار ما إذا كان يجب تمرير بقية مستلزمات الشرعية الديمقراطية. بادئ ذي بدء، ما لم نقتصر الديمقراطية التداولية على مجموعة فرعية صغيرة من القرارات التي قد يتعين على مجتمع سياسي ديمقراطي اتخاذها، يجب أن تكون الإجراءات التداولية مرنة بما يكفي للتعامل مع العديد من أنواع مختلفة من القضايا. وفي حالة وجود بعض المشكلات ، يكون نطاق التفكير المنطقي بالمعنى الذي يطرحه راولز- كوهين محدودًا للغاية. تتطلب بعض الأسئلة، على سبيل المثال، أولاً وقبل كل شيء أن يحدد الأشخاص تفضيلاتهم وبعد التداول يمكن أن يُبلغ الأشخاص أعضاء التداول  قرارهم النهائي فيما يخص الأفضليات المعبر عنها. إن المعلومات الأساسية  المطلوبة او التي تكون الحاجة اليها للوصول إلى قرار في حالة كهذه هي معلومات حول ما يفضله معظم الناس، وفي هذه المرحلة لا يكون الحديث إلا عن مدى ملاءمتها. قد يكون الموضوع الذي يدور حوله النقاش أو التداول  مفضلاً بشكل كبير لدرجة أنه لا توجد حاجة لمزيد من المداولات.  أما إذا كان هناك خلاف كبير، فقد نحتاج إلى تسوية إجراءمعين لحلها. في الحالة الثالثة، يجب أن يكون هناك حجة منطقية حول سبب كون هذا الإجراء هو الإجراء المناسب لاستخدامه في هذه المشكلة. لكن النقطة الأساسية هي لا يتعين على المشاركين تقديم أسباب موضوعية لدعم الموضوع أو القضية  التي يفضلونها في مثل هذه الحالة ؛ فقد يكفي أن يذكروا تفضيلاتهم والاتفاق على إجراء عادل للتوصل إلى قرار. ليست هناك حاجة  لينتقل الناس إلى أسس أخلاقية عالية وتقديم الأسباب التي تجتاز اختبار راولز- كوهين فقط.

قد تكون المشكلة ، في حالات أخرى، هي أن الناس ينتقلون إلى أسس أخلاقية عالية بسرعة كبيرة، بمعنى أنهم يجدون أنفسهم يجادلون حول قواعد أخلاقية متضاربة ومع ذلك يعتبرونها اساسية. تكمن الصعوبة في أنه إذا طبقنا اختبار راولز- كوهين، فسيتم تقليص كلا الجانبين في صمت لأنهما يعلمان أن الحجج التي يريدون تقديمها لن تكون مقنعة لأولئك الذين يختلفون معهم. وهكذا، فإن المدافعين المؤيدين للحياة عادةً ما يبنون حججهم على افتراضات دينية حول قدسية الحياة التي لايمكن توقع أن يشاركهم فيها  العلمانيون. إذا كان للمداولات أن  تمضي قدماً هنا، فيجب أن تتخذ شكل البحث عن حلول لا يجدها أي من الطرفين بغيضة أو غير مقبولة تمامًا. تحدث جوتمان وطومسون، في مناقشة توضيحية للقضية، عن "اقتصاد الخلاف الأخلاقي".[5] يتضمن هذا أولاً وقبل كل شيء اعلان أنك تحترم الأسباب التي قدمها خصومك على الرغم من أنك لا تشاركهم فيها أو لاتؤيدها، وأنك تدرك عمق وصدق التزاماتهم. ثم ينطوي على إيجاد حلول عملية لا تسيء إلى هذه الالتزامات بشكل صارخ.

سوف تنطوي المداولات بالفعل، في بعض الأحيان، على التماس مبادئ جوهرية يشترك فيها الجميع تقريبًا في المجتمع السياسي. ويبرز هكذا  بشكل واضح في النقاش حول السياسة التعليمية مثلا، عندما يتبين أن هناك اتفاق عام  على  مبدأ تكافؤ الفرص حول  ضرورة  أتاحة  فرص نفسها لتعليم الأطفال بغض النظر عن جنسهم أو طبقتهم أو خلفيتهم العرقية. لكن بدلاً من التذرع بهذا المبدأ لأنه يجتاز اختبار الرفض المعقول، يمكن ان يتم تبنيه وتطبيقه لأنه تبين أثناء المناقشة أن هذا المبدأ يؤيده الجميع بالفعل. بمعنى آخر، يبدأ الناس في النقاش حول التعليم من مجموعة متنوعة من وجهات النظر، يرتبط بعضها ارتباطًا وثيقًا بقيمهم الشخصية أو معتقداتهم الدينية، لكنهم سيدركون مع تقدم النقاش أن الحجج التي يقدمونها لا ترضي الآخرين. وبدلاً من أن تكون المداولات شرعية فقط عندما يقتصر المتداولون على التفكير العام بمعنى راولز - كوهين ، فإن الاقتراح هنا هو أن البحث عن اتفاق سيكون بمثابة مرشح (فلتر) على أنواع طبيعة وأسباب والبواعث التي تسود النقاش، ويتم التخلص من الأسباب الخاصة بجماعة بعينها على وجه التحديد لأنه يتضح لمؤيديها أنهم لن يحظوا بموافقة واسعة. ليس من الضروري تحديد أنواع الأسباب المسبقة المسموح بها لتحديد السياسة مسبقًا،اذا يمكن تعتمد عملية التداول  بدلاً من ذلك لتحديد الأسباب المقبولة عمومًا.[6]

يمكن القول عن طريق الانتقاد هنا أن الديمقراطية التداولية لا تتطلب سوى إقناع الأغلبية بصحة سياسة معينة: قد يكون الإجماع هو المثل الأعلى، لكننا نعلم أنه في معظم الحالات، لا يمكن تحقيق ذلك، ولذا يجب أن يتم اتخاذ القرارات بأغلبية الأصوات. وعلى المنوال نفسه، فإن المبادئ التي تعبر من المرشح- الفلتر-  التداولي تحتاج فقط إلى مبادئ تحضى بدعم الأغلبية - إذا كان بوسعي أن اضمن  أن معظم جمهوري يوافقون على  ذلك ، فلا داعي للقلق من الآخرين، طالما أهتمامي هو أن حججي يجب أن تسود في النقاش. إذا طبقنا معيار راولز- كوهين، على النقيض من ذلك، أنا مضطر أن أعثر على أسباب مقنعة للجميع، وهذا يعد قيدًا أقوى على التداول من الذي أقدمه.

حسنًا، أوافق على أن المداولة الديمقراطية يجب أن تشمل أكثر من مجرد البحث عن أي حجج تجلب إليها أغلبية  المشاركين في التداول. يجب أن تهدف العملية التداولية إلى اكتشاف نتائج السياسة التي تتمتع بأوسع دعم ممكن، على الرغم من أنه من غير الواقعي افتراض أن الإجماع الصارم سوف يتحقق على الإطلاق. وبالتالي، وبحساب بسيط، إذا تبين أن 51 في المائة من هيئة التداول ستدعم النتيجة (ا )، لكن 80 في المائة ستدعم النتيجة (ب)، والتي لا تختلف اختلافًا جذريًا عن ا، ولكنها تتجاهل العناصر التي يرى العديد من 29 في المائة أنها مرفوضة تمامًا ، ثم يجب أن تتوج المداولات الجيدة باختيار( ب). ما يحفز هذا الاختيار في المقام الأول هو احترام المشاركين في التداول. لديهم أسباب مخلصة لرفض (ا) أسباب لا أشاركهم بها ولا أؤيدها، ولكن يمكنني التعرف عليها وأعترف بها  كأسباب خاصة بهم . إذا كان هناك بديل مثل ب  يستوعب هذه الأسباب دون مطالبتي بالتخلي عن الكثير، فيجب أن أؤيد ذلك. علاوة على ذلك، ينبغي عليً أن أفعل ذلك ليس فقط احتراماً لأولئك الذين لا أوافق معهم، ولكن من أجل تعزيز جو عام من الثقة داخل هيئة التداول. في المرة القادمة، قد أتحول إلى أقلية لديها أسباب قوية وصادقة للاعتراض على السياسة التي تتطلب دعم الأغلبية، وسأريد أن يتم الاستماع إلى أسبابي وإذا أمكن ذلك

اقتراحي، إذن، هو أننا يجب أن نفهم التداول والتشاور ليس كمطلب  نقصر فيه أنفسنا على تقديم الأسباب والحجج التي نثني بها على أنفسها أمام أعضاء هيئة التداول، ولكن نقدمها كمطلب من أجل الوصول إلى اتفاق على شروط  ترضي الأعضاء الأخرين وقناعاتهم.[7] هذا المطلب، كما اقترح، سيكون مرشحًا  لأزالة بعض الحجج في سياق النقاش دون استبعادها مسبقًا. وبهذا الفهم حققنا إرضاءًا لكيفية عمل التداول، دعنا نعود إلى التحدي الذي تطرحه كلا من يونغ وساندرس، حيث يقولن أن التداول أو المداولات منحازة بطبيعتها ضد الجماعات المحرومة لذلك يتطلب هذا أستخدام أشكالًا أخرى من التواصل. إن وجهات نظرهم تستحق الأهتمام ، لذا  ودعونا ننظر في التهم الموجهة ضد التداول أولاً، ثم مزايا البدائل المقترحة.

من بين التهم الموجهة إلى المداولات أو التداولية من قبل يونغ وساندرس هي أن التداولية تعطي الامتياز للخطاب المنطقي وحسابات العقل البارد على حساب الكلام العاطفي والمتحمس؛ وأن التداول أو التشاور  يفضّل التفكير الرسمي والمجرّد على حساب الاهتمامات الملموسة لفئات معينة؛ وكذلك أنه يفضّل الكلام "المعتدل" على حساب الكلام "المتحمس". يكشف تفحص التهمة الأولى أنها تعتمد على انفصام زائف بين العقل والعاطفة وبالتالي هي خاطئة، بمعنى أن كل الكلام السياسي والحجة يجب أن تنقل مشاعر والتزامات المتحدث،ولكن أيضا إعطاء أسباب إما إيجابية بالنسبة لبعض المقترحات، أو سلبًية ضد بعض البدائل. صيحة الألم ليست تدخلاً سياسياً، إلا إذا كانت مرتبطة ضمنيًا أو صريحًا ببعض المقترحات لتخفيف الألم. صحيح أن بعض المتحدثين يقولون في بعض الأحيان، "إن هذا الوضع لا يطاق"، ويبينون السبب وراء عدم إمكانية تحمله، لكن  يكون هذا ذو معنى منطقي فقط في سياق يقدم فيه المتحدثون الآخرون وسائل اصلاح او علاج  يقترحونها. ولكن عندما نتحرك من الاحتجاج أو الغضب نحو الحلول، يجب تطبيق قوانين أو شرائع العقلانية القياسية - فمن الواضح أنه من غير المعقول أن تقترح كحل، سياسة تجعل الأمور تسوء فعليًا  بالنسبة للمجموعة المتأثرة، أو التي أخضعت بعض المجموعات الأخرى لأنواع المعاناة أو الحرمان التي كانت سببا في الاحتجاج بدايةً. يعد الكلام العاطفي مهماً لأنه يوضح للآخرين مدى قوة المجموعة المعنية حول الموقف الذي يجدون أنفسهم فيه، ولكن الكلام العقلاني مهم أيضًا، بسبب الحاجة إلى إقناع الآخرين بأن العلاج الذي تقترحه هو بالفعل علاج.[8] يبدو لي، في الواقع، إهانة للمجموعات المحرومة أن أقترح  أن قواعد العقلانية الجدلية  معبأة ضدهم، لأنه يعني ضمناً أنهم لا يستطيعون تقديم حجج متماسكة للتغييرات التي يريدون إحداثها.

وهناك تهمة أخرى هي أن التداول يأتي لصالح أو يفضل "خطابًا رسميًا وعامًا" وبهذه الطريقة  يعبر عن موقف تميزي ضد المتحدثين الذين يرغبون في لفت الانتباه إلى بعض المظالم الملموسة أو مخاوف مجموعة معينة. مرة أخرى أعتقد أن هذا يخلق انفصام زائف. تتخذ الحجة السياسية،  في أغلب الأحيان، شكل ربط الموقف الذي تجد جماعة معينة نفسها فيه بمبدأ عام تم تطبيقه في الماضي على جماعات أخرى ويحظى الآن بموافقة واسعة النطاق.

أخيرًا، لدينا تهمة أن المداولة تحبذ الكلام المعتدل على الخطاب المتطرف، وهو ما أخذه هنا لكي أكوًن ملاحظة  ليس  حول  طريقة الكلام  المفضلة ولكن عن جوهرها ؛ التهمة ، بمعنى آخر، هي أن المطالب والمقترحات الراديكالية المتطرفة غير مواتية، وتفضل الاقتراحات التوفيقية. أعتقد، بطريقة ما، أن هذا الاتهام صحيح بالفعل. خذ قضية مثل العمل الإيجابي الذي يحمل الناس طيفًا واسعًا من الآراء فيه - في أحد الجوانب، هناك رأي مفاده أن أصحاب العمل لهم حق التمتع  بالحرية التامة في استخدام أي شخص يحلو لهم، حتى لو كانوا متحيزين جنسياً أو عنصريًا ؛ في المقابل، هناك رأي مفاده أن العدالة تتطلب منا تطبيق حصص عرقية وجنسية صارمة لضمان تمثيل كل جماعة  في كل فرع من فروع العمل بالتناسب التام مع حجمها؛ بين هناك عدد من المواقف التي يمكن أن نصفها بأنها معتدلة. لنفترض أن أعضاء مجتمع سياسي يحملون آراء موزعة بالتساوي عبر هذا الطيف. من المرجح أن تكون نتيجة المداولات (الجيدة) واحدة من الآراء المعتدلة - لأسباب لابد أن تكون واضحة من وصفي السابق للعملية التداولية - سيتخلى الناس عن الحجج القائلة بأنهم لا يتلقون سوى القليل من الدعم العام، وسيبحثون عن حل لا يسيء بشكل صارخ لالتزامات الآخرين، وهكذا دواليك. وسوف يبحثون عن حل هذا لا يسيء بشكل صارخ لألتزامات الآخرين، وهكذا دواليك. ولكن بعد ذلك يمكن القول أن هذا هو بالضبط ما تتطلبه الديمقراطية في مثل هذه الحالة. إن الشكوى من أن أحد وجهات النظر المتطرفة - مثل وجهة نظر التي تبنى " الكوتا" أو المحاصصة بقوة، والتي قد تجتذب بالفعل دعم بعض أعضاء الجماعات العرقية المحرومة - لم يتم تبنيها، هو بالحقيقة شكوى بشأن الديمقراطية نفسها، وليس بخصوص التداول كإجراء. تقول ساندرز، في مرحلة ما، في البيئات التي توجد فيها تفاوتات جسيمة في السلطة والوضع والمكانة، قد تكون الدعوة إلى حل وسط قريبة من وضع خطير في مايؤدي الى قمع منظورات الفئات المهمشة. ومثل هذا القمع اذا ما حصل فأنه ليس حلاً ديمقراطيا ابدأً.[9] ولكن هناك فرق حاسم بين قمع منظور - عدم السماح له بالدخول في النقاش الديمقراطي، أو تجاهله عند طرحه - وهو أمر غير ديمقراطي بالفعل، وبين عدم اتباعه عند التوصل إلى قرار نهائي. باستثناء الحالات التي يكون فيها لكل شخص التفضيلات نفسها، أو يمكن أن يتفق مع مجموعة الأحكام نفسها، فلا يمكن للديمقراطية أن تساعد إلا أن تكون عملية حل وسط يتخلى فيها المشاركون عن جزء من مطالبهم الأولية من أجل التوصل إلى اتفاق. الأدعاء المقدم باسم الديمقراطية التداولية هو أنه يسمح بالنظر في كل منظور ووزنه في سياق المداولات، دون أن يكون بالطبع قادراً على ضمان أن أي منظور معين سوف يسود في النتيجة النهائية.[10]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.............................

[1] sanders, 'Against Deliberation', p. 370.

[2] أن المداولات والمفاوضة يستبعد أحدهما الآخر بشكل قياسي في معظم مناقشات الديمقراطية التداولية. انظر ، على سبيل المثال:

J. Elster, 'The Market and the Forum: Three Varieties of Political Theory' in J. Elster and A. Aanund (eds), The Foundations of Social Choice Theory (Cam­ bridge, Cambridge University Press, 1986).

على النقيض من ذلك ، يفسح هابرماس في مجال عمله مجالاً للمساومة ضمن سرد أكثر تعددية للتداول. ومع ذلك ، فهو حريص على الإصرار على أن المفاوضة يجب أن تنظم لضمان العدالة بين الطرفين - يجب أن يكون لكل منهما "فرصة متساوية للتأثير على بعضهما البعض خلال المفاوضة الفعلية ، حتى يتسنى لجميع المصالح المتأثرة أن تلعب دورها وتؤدي إلى فرص متساوية من السائدة "

(J. Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy (Cambridge, Polity

Press, 1996), pp. 1667).

ما إذا كان يمكن وصف "المفاوضة" المقيدة جدًا بشكل صحيح على أنها مساومة. النقطة العامة هي أنه يجب على منظري التداول أن يكونوا انتقائيين بشأن ما سوف يعتبرونه مداولات إذا كانت العملية سوف تسفر عن نتائج تفي بالمعايير الأخلاقية ذات الصلة.

[3] J. Rawls, Political Liberalism (New York, Columbia University Press,1993),

J. Rawls, 'The Idea of Public Reason Revisited', Lecture VI; Univer­sity of Chicago Law Review, 64 (1997), 765-807; ).

J.Cohen, 'Deliberation and Democratic Legitimacy' in A. Hamlin and P. Pettit (eds), The Good Polity (Oxford, Blackwell, 1989),

Cohen, 'Pluralism and Proceduralism', Chi­cago-Kent Law Review, 69 (1994), 589-618;). 

[4] Cohen, 'Procedure and Substance in Deliberative Democracy’ in Benhabib (ed.), Democracy and Difference, p.100.

[5] Gutmann and Thompson, Democracy and Disagreement, ch. 2.

[6] هذا الاستنتاج يحتاج إلى تأهيل من جانب واحد: بعض الأسباب مستبعدة بمتطلبات التداول نفسها. من بين هذه الأسباب المستبعدة تلك التي تتحدى مساواة أعضاء هيئة التداول ، على سبيل المثال الحجج العنصرية التي تتمثل أهميتها في أنه ينبغي حرمان بعض الأشخاص من الحقوق المتساوية في الجنسية بحكم عرقهم ، وتلك التي تنطوي على تهديد بالعنف أو غيره من أشكال الإكراه. عند تقديم هذه الأسباب ، لا يمكن المضي في المداولات في شكل نقاش حر ومفتوح بين متساوين. في المقابل ، لا يجب استبعاد الأسباب التي تستدعي المثل العليا والقيم التي قد لا يشاركها الآخرون. كل ما تتطلبه المداولة هو الاستعداد لتبديل الموقف في حال تبين أن أسباب من هذا النوع لا تكون مقنعة.

[7] لا ينطبق هذا الشرط الأخلاقي إلا بشرط أن يتقابل الآخرون ، بأنفسهم يسعون إلى الاتفاق على شروط تحترمنا ومعتقداتنا.وهذا يعني على وجه الخصوص أن المجموعات المحرومة غير مطالبة بإظهار الاحترام للأسباب التي يقدمها أعضاء المجموعات  صاحبة الأمتيازات والمستفيدة إلا إذا كانوا واثقين إلى حد معقول من أن هذه الأخيرة سوف ترد بالمثل ، ولا تعتمد ببساطة على قوتهم التفاوضية المتفوقة للفوز باليوم. أنا ممتن لإيمي غوتمان لإصرارها على هذه النقطة.

[8] أنظر : Gutmann and Thompson, Democracy and Disagreement, pp. 135-7.

[9] Sanders, 'Against Deliberation', p. 362.

[10] في قراءة بديلة لادعائها ، قد تقول ساندرز إن القرار لا يعتبر ديمقراطيًا ما لم يعالج مطالب الفئات المهمشة. لكن هذا يتطلب منا أن نطبق معيارًا جوهريًا للعدالة على النتائج وأن نعتبرالقرارات ديمقراطية فقط اذا استوفت المعايير ، بغض النظر عن الإجراء الذي تم اتباعه. هناك مشاكل متوقعة مع هذه الخطوة. حتى لو كنا نعتقد أن الديمقرراطية التداولية هي  إجراء القرار السياسي الذي من المرجح أن يؤدي إلى نتائج عادلة ، فمن الخطأ ربط الاثنين من الناحية المفاهيمية بهذه الطريقة.

 

 

نحاول في هذه الورقة تقديم صورة عامة عن الدور الذي لعبه العلم الحديث (1) في تشكل ما سمي ب"ما بعد-الحداثة" postmodernism، وذلك بالانطلاق من الفرضية التالية: إن المعرفة العلمية قد ساهمت، ولازالت تساهم في تشكيل صورة العالم، والذات، والعلاقة ما بينهما على جميع مستويات النشاط البشري (خصوصا منه الغربي) الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية...إلخ. من ثمة، فإن لما بعد-الحداثة، شانها في ذلك شأن الحداثة، مظهرها العلمي، فما هي أبرز سمات هذا المظهر؟ وكيف عملت على "تفكيك" deconstruction الصور الذهنية الناتجة عن الحداثة؟

وصف "جون- فرنسوا ليوتار" (2) Jean-François Lyotard ما بعد-الحداثة قائلا: "إنها مشهد جديد يحط الرحال بروية." لم يقل عنها حقبة، ولا قال عنها نفيا لحقبة. إنها انتقال من العالم "كتمثل" representation، إلى العالم"كمشهد" (أو "كديكور"). فالتمثل يحيل على "ذات متمثلة"، مقابل "موضوع" ماثل أمامها، في مرمى يدها، تتملكه كشيء من "خلقها"؛ أما المشهد فأكثر انفتاحا من حيث هو يضم المشاهد نفسه، كما في عروض الشارع: صباغة ومسرحا وموسيقى...إلخ  وصف كهذا لا يحيد كثيرا عما ذهب إليه الفيزيائي "فيرنر هايزنبرغ" (3) Werner Heisenberg حين عنون الفصل السادس من كتابه "الجزء والكل" بعنوان قوي الإيحاء، وهو: "الرحيل نحو أرض جديدة". لقد شبه هذا الفيزيائي الكبير الانتقال من الفيزياء الكلاسيكية بمفاهيمها، وتصوراتها الأساسية (عن المكان، والزمان، والموقع، والسرعة، والكتلة...إلخ) إلى الفيزياء الحديثة، برحلة "كريستوف كولومبو" من أوروبا إلى أمريكا. فكما كان هذا الأخير واعيا بأن المؤن والعتاد التي بحوزته ما كانت لتكفيه إن شاء العودة إلى موطنه، فإن الفيزيائي الحديث ملزم بإعادة مراجعة شاملة لمفاهيم العلم الكلاسيكي، بل والتخلي عنها إن هو أراد إحراز تقدم في فهمه وتفسيره لما استجد من دروس التجربة. لذا فإن ما بعد-الحداثة تعبير عن انتقال من صورة picture عالم إلى أخر، انتقال من أرض "صلبة" إلى أخرى"سائلة"(4). فما هي يا ترى أهم ملامح هذه الصورة؟

أولى هذه الصور الصلبة جسدتها مقولة "الجوهر" و"الهوية" الملازمة لها. فالتغاير والتعاقب الظاهري ما كان لهما أن يشكلا موضوع تفكيرنا لولا هذا الثبات الذي يتوارى خلفهما. لازمت هذه الصورة الفكر الفلسفي منذ نشأته، بل لازمت بنية لغتنا، من حيث هي لغة "شيئية" langage chosifié، لغة صيغت خلال مسار طويل من التطور للتعبير عن "فعل الفكر" في الواقع. وبما أن الفكر ينحو "بطبيعته" إلى إيقاف المتحرك، موضوعا كان أو ديمومة، فإن بنيته لابد لها أن تعكس الثبات و"تقول" الاستقرار. لقد مثل السكون والثبات الحالة المثلى بالنسبة لمفكري اليونان، ولمن جاءوا بعدهم لأنها تلائم تصوراتنا الاعتيادية وحدوسنا المباشرة. ففي عالم تبدو أحداثه خاضعة لنوع من العود الأبدي، يصير من اليسير، بل من المنطقي التفكير بافتراض "الجوهر" و"الهوية". هذا ما يفسر القرب الوثيق لعلم القدماء (علم الإغريق، وعلم من تلقوا تأثيرهم) من تجاربنا الحسية المألوفة، يكفي استحضار هندسة "إقليدس"، وستاتيكا "أرخميدس"، فرغم ما مثله علمهم هذا من تقدم كبير في فترتهم تلك، إلا أنه ظل  سجين رؤيتهم للكون، ولخصائص الأشياء، وطبيعتها. وحتى حين أعاد الفكر العلمي الكلاسيكي، ممثلا في فيزياء "جاليلي" و"نيوتن" النظر في الإرث النظري الإغريقي، بترييضه mathématisation  للطبيعة، بإسقاط الكيفيات وإحلال الكميات محلها،  مساويا بذلك ما بين الحركة والسكون، رافضا أي أولوية أنطولوجية للأخير عن الأولى، فإنه لم يزح نهائيا مفاهيم ومقولات ذلك الإرث. يكفي للتدليل على ذلك العودة إلى التعبير الفلسفي عن الفيزياء الكلاسيكية كما جسدته فلسفة "كانط". حافظ، كما هو معلوم، هذا الأخير على مجمل المقولات الأرسطية، حتى وإن جردها من "التزامها" الانطولوجي بجعلها من صميم "الذات الترسندنتالية"، مستفيدا في ذلك من الثورة الكوبرنيكية: بدل أن تدور الذات حول الموضوع، أضحى هذا الأخير تابعا لها. هذه الذات المساوية لنفسها (ثبات هويتها باعتبارها شرط كل معرفة ممكنة، وطابعها الجوهري) خصها "لابلاس" بمكانة متميزة حين أبعد فرضية "الإله" الشهيرة في حواره مع "نابليون بونابرت"، طارحا من الناحية المبدئية تقدم متصاعد تدريجيا نحو تملك "الحقيقة النهائية" vérité ultime للكون، وهو ما توحي به استعارة "مارد لابلاس الخارق" Démon de Laplace. هذا الإيمان الراسخ هو ما دفع علماء القرن التاسع عشر إلى الاعتقاد بأنه لم يبقى هناك الكثير لبلوغ ذلك المسعى، مسعى "الحقيقة النهائية"! ما زكى هذا الاعتقاد وقواه هي تلك النجاحات التي حققتها نظرية "نيوتن" الكونية، ونظرية "ماكسويل" الكهرومغناطيسية، لدرجة لم تبقى معها سوى تفاصيل صغرى ستحسم إن عاجلا أم أجلا، هذا ما ظنه علماء القرن التاسع عشر، لكن ما أغفله هؤلاء هو، كما يقول المثل الألماني،: "أن الشيطان يتوارى خلف التفاصيل". لقد كانت "جزئية" "الجسم الأسود"، أي التفاعل ما بين المادة والإشعاع، الشيطان نفسه الذي عبد الطريق "لمشهد" "جون-فرنسوا ليوتار" و"رحيل" "فيرنر هايزنبرغ" !

من المثير أن أغلب الأعمال التي مهدت لتفكيك الحداثة والتأسيس لما بعدها صيغت ما بين أواسط القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فإلى جانب أعمال "ماركس"، "نيتشه" و"فرويد"، اقترح هنا اسم "ماكس بلانك" Max Planck حتى وإن لم يعي حجم ما أفضت إليه معادلته الشهيرة إلا بعد مضي زمن ليس بالقصير(شأنه في ذلك شأن "كوبرنيك"، مع الاختلاف الكبير بين العالمين وهو أن الثاني مات دون أن يعي بأنه قد أحدث ثورة). صحيح أنه قد يبدو غريبا نوعا ما وضع "بلانك" ضمن لائحة من ساهموا في مشروع ما بعد الحداثة، لكن ما يجب الانتباه إليه هو النتائج الفلسفية التي تمخضت عن فكرته "تكميم" تبادلات الطاقة ما بين المادة والإشعاع. فالثابت الكوني المعروف باسم "ثابت بلانك" سرعان ما صار كونيا بعد أن تمكن الفيزيائي الفرنسي "لوي دو برويل" Louis de Broglie من تعميمه ليس فقط، كما كان، على الضوء لوحده، بل شمل أيضا عموم المادة، لتكتسب بذلك فيزياء الكوانطا صفة "النظرية الإطار" théorie cadre (كما يسميها "برنار دي سبانيا)، أي النظرية الأساس التي يمكن اعتمادها لتفسير جميع الظواهر: المجهرية منها و الماكروسكوبية، الحية منها وغير الحية. لقد نتج عن هذه الفيزياء تفكيك لمقولتي "الهوية" و"الجوهر": فالنسق الفيزيائي الكوانطي ليس خليطا من الجواهر والخصائص، فهذه الأخيرة، على الأقل بالنسبة للتأويل الارثدوكسي أو تأويل مدرسة "كوبنهاجن" المعمول به عالميا، هي نتاج تفاعل أجهزة قياس مع النسق، فالموضوع قبل هذا التفاعل لا هوية له؛ ذلك لان الحديث عن سرعته وموقعه، طاقته وزمنه هو حديث خال من أي معنى. فالمعنى ليس سابقا وحاضرا باستمرار في إنتظار "ذات منفعلة" تلتقطه، بل هو تفاعل ما بين ما أسميه "بالنص الكوانطي" texte quantique  وما أسميه أيضا"بالذات المؤولة" sujet interprétant . إن هذا الانزياح عن المعنى الواحد والأوحد، الذي يعتبر سمة من بين سمات الحداثة، هو ما تعكسه تعدد تأويلات نفس النظرية. فلأول مرة في تاريخ العلم ستحتاج نظرية لتأويل يمكنها من اكتساب دلالة ويمكنها من الكشف عن ما تريد إخبارنا به، وربما هذا ما يعكسه قول الفيزيائي "ريتشارد فينمان" حين قال: "في فيزياء الكوانطا لا نعلم عن ما نتحدث بالضبط". فالتجربة الواحدة قابلة لقراءات متعددة، ولنماذج نظرية مختلفة، نماذج تصل حد التناقض والتضارب !  وهو ما يعرف لدى الابيستمولوجيين المعاصرين ب "التحديد الأدنى للنظريات من طرف التجربة". يكفي هنا استحضار تجربة الشقين المسماة "بتجربة شقوق يونغ" fentes de Young ، والتأويلات المتضاربة التي أفضت إليها. هذه المعطيات، وغيرها كثير، تفسر لنا ما كتبه الفيزيائي و الابيستمولوجي "هيرفي تزفيرن" Hervé Zwirn حين قال:" إن المسعى المتمثل في وضع معيار نهائي يمكن على الأقل من تحديد الخطاب العلمي بالنسبة لكل أنواع الخطابات الأخرى، الميتافيزيقية، واللاهوتية والسحرية، تعترضه عوائق لا يمكن تخطيها."(5) فالخطاب العلمي هو على هذا الأساس خطاب من بين خطابات أخرى، حيث لم تعد الذات تحتل موقعا شبه "الاهي" ، موقعا "لابلاسيا" (نسبة للعالم "لابلاس") خارج العالم، بقدر ما أضحت "ذاتا محايثة" لموضوعها، مما أفقد العلم سمته المتمثلة في "الموضوعية القوية" objectivité forte ، لتتحول بذلك إلى "موضوعية هشة" (أو بلغة  الفيلسوف والسوسيولوجي "زيجموند باومان" "موضوعية سائلة" ) objectivité forte مميزة لفكر ما بعد-الحداثة (6). لقد حل ما أسميه "بالملاحظ المحايث" observateur immanent مكان "الملاحظ الترنسندنتالي"، ملاحظ هو جزء لا يتجزأ من موضوعه، ملاحظ في تفاعل دائم مع الواقع منذ ملايير السنين من التطور البشري؛ إننا جميعا نسبح داخل "حقل كوانطي" champs quantique شبيه بفكرة "الواحد" الافلوطيني Un plotinien، نسيج يجمعنا كذوات-عالم sujets-monde حيث "المركز في كل مكان دون أن يكون في مكان بعينه" (7) كما قال "نيكولاي دو كيوز" Nicolas de Cues . مع هذا "الملاحظ المحايث" إذن، سيفقد العقل الحداثي طابعه الكوني ليصير "عقلا سياقيا" raison contextuel رهين شروط، منها يستمد مقولاته ومبادئه. وعليه، أضحى الحديث عن نمط واحد من العقلانية ضرب من الوهم وتكريس لمركزية "عقل غربي" صدر عن مقدمات تخص نشأته وسياقاته النظرية في مختلف أبعادها، تماما كما هو شأن العلم الما بعد-حداثي حيث شروط ومقتضيات التجربة هي ما يحدد شكل الواقع، وما ينتظر من ذاك الواقع.

إن هذه الاعتبارات، وغيرها لم نشر إليها في هذه الورقة المختصرة، هي ما يجعلنا نقول بأنه إذا كان العلم الكلاسيكي، علم "جاليلي" و"نيوتن"، قد لعب دورا أساسيا في بناء فكرة الحداثة في تجلياتها المختلفة، فإن العلم الحديث، المتمثل في فيزياء الكوانطا، هو ما فعل فعله "السحري" في تفكيك مقولات الحداثة، والتأسيس لما بعد-الحداثة. لهذا أكرر ما كتبته في تمهيدي لترجمة كتاب الفيزيائي وفيلسوف العلم "إيتيان كلان" (رحلة قصيرة في عالم الكوانطا): "ما لم نفهم الثورة المفاهيمية التي واكبت حدث ظهور فيزياء الكوانطا، لن نتمكن من فهم عصرنا هذا بتحولاته القيمية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفلسفية و العلمية. إن لم يتم ذلك سنبقى سجناء مفاهيم حداثة منهارة...حداثة نشأت من داخل العلم الكلاسيكي وانهارت بانهياره !"

 

الأستاذ "كمال الكوطي"، باحث في فلسفة العلوم.

......................

الهوامش

1- نقصد بالعلم الحديث علم القرن 20 و21، في مقابل العلم الكلاسيكي، علم "جاليلي" و"نيوتن" وصولا إلى نسبية "أينشتاين".

2-Lyotard Jean-François : Le postmoderne expliqué aux enfants, Editions Galilée, 1988.

3-Heisenberg Werner : La partie et le tout , Editions Flammarion, 2016, p,. 129

4-أخدنا هذه الاستعارة من أعمال الفيلسوف و السوسيولوجي "زيجموند باومان".

5-Zwirn Hervé : Les limites de la connaissances, 2000, Editions Odile Jacob, p,. 46.

6- أخدنا مفاهيم "الموضوعية القوية" و"الهشة" عن الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي "بيرنار دي سبانيا" Bernard d’Espagnat.

7- De Cues Nicolas : La docte Ignorance, Editions Flammarion, Paris, 2013 , p,. 21

 

علي محمد اليوسف* كان هوسرل مصيبا في خروجه على كوجيتو ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود، قوله الوعي الخالص لا يتحقق من غير قصدية، وهذه مستمّدة من برينتانو، ثم أخذها بغزارة فلاسفة الاميركان المحدثين من أمثال جون سيرل، وريتشارد رورتي، وسيلارز وكثيرين لا حصر لهم . وكان هيدجر في تعبيره  تحقيق الوجود الحقيقي للانسان هو أن يكون في عالم .الملاحظ أن الوعي الخالص إفتراض وهمي ونزوع ميتافيزيقي غير متحقق، ويكفي أن يكون الوعي متحققا طبيعيا في إدراكه لموضوعه لا أكثر من ذلك.

* يعتبر كروتشة الفيلسوف والفنان الايطالي"أنه ليس هناك غير حقيقة واحدة هي العقل، وأن العالم هو العقل. فيه تتحد الذات بالموضوع. والفردي مع الكلي، والعملي مع النظري، وهو التركيب القبلي المكوّن من كل التركيبات، أنه التطور الخالص اللانهائي الخالد. وهذه اللانهائية سر لنا لا نستطيع فك أختامه.

* الظاهراتية حسب منهج الفينامينالوجيا هي ما يظهر نفسه بذاته. والمظهر هو ما يظهر نفسه بلا وعي ولا إدراك منه، فالمظهر يلازم الموجودات في كينونتها الخارجية، بخلاف الماهيّة التي هي جوهر غير مدرك محتجب خلف صفات الشيء الخارجية.

* البنيوية تضع في إعتبارها بنية النسق اللغوي في إستقلالية عن العقل ولا تهتم بالمتلقي أو بالمستقبل كما يصفها منتقدوها، لكن المثير بألأمر أن البنيوية لم تحصر نفسها في مبحث التحوّل اللغوي وتضيع فيه، من حيث نجد شتراوس وفوكو ولاكان والتوسير وغيرهم من فلاسفة البنيوية طرقوا وفتحوا أبوابا لمباحث فلسفية تدور اللغة حول مركزيتها ولا تدور هي حول مركز دوران فلسفة اللغة.مثل مهاجمة البنيوية السرديات الكبرى، والعقل، وعلم النفس الفرويدي.

* إستشكالات فلسفية عن الوجود: يقول ديدنوسيوس الوجود الأعلى لا ينتمي الى مقولة الموجود الذي لا يدرك ولا الى مقولة اللاوجود. هذا منطق العقل في مهاجمته يقينيات ميتافيزيقية زائفة.وبدورنا نقول الوجود في ذاته هو نومين، أي هو وجود الاشياء التي لا تمتلك وعيا بذاتها ولا وعيا مغايرا إدراكيا لها وليس بمقدورنا إدراك ماهيتها. لذا الوجود بذاته بالنسبة لإدراك ألانسان له هي إستحالة وجودية إدراكية تناقض المفهوم الطبيعي للانسان. والوعي هو إدراك الآخر، والآخر موجود مغاير للوعي به وبهذه المغايرة يحقق كل منهما ذاتيته.

* ينكر سارتر أن يكون الوجود في ذاته وجودا حقيقيا، كما لا يمكنه أن يكون "لا وجودا". والعدم لا يعدم نفسه لكنه يبقى ملازما كل موجود وصولا مرحلة إفنائه. والعدم إفناء لكل وجود غير فان.

* الوجودية تدّعي فهمها الوجود الذاتي بشكل خلاق، فألانسان يخلق نفسه بنفسه من حيث سعيه تكوين ما هيته في كينونة متكاملة بما تصبو له الذات. كما تعتبر الوجودية لا فرق بين الذات والموضوع وليس العقل هو الطريق الوحيد في إكتساب المعرفة.

* عمد هيدجر في كتابه الكينونة والعدم نحته تعبيرات غامضة لا تحمل أكثر من قشرتها التعبيرية اللغوية مثل قوله " الوجود – في – عالم هو ليس علاقة بين ذات وموضوع". و"الموجود هناك الانسان الديزاين ليس له عمق، بل يأتي من جوف هاوية بلانهاية من العدم" " و"نهاية الموجود هناك هو الموت الذي هو نهاية بلا عدم، هو ركض الموت الى العدم، هو المحمول بذاته في داخله نحو العدم"." الوجود الاصيل يكون في الانعزال عن "الهم" الآخرين، وهذا لا يتحقق بقلب العالم ".

* عارض سورين كيركارد العقل كي يتسّق فلسفيا نفسيا مع إيمانه إلديني، فهو يرى أنه لا يمكن أن نصل لوجود الخالق الإله بوسيلة طرائق الفكر لأن العقيدة المسيحية مليئة بالتناقضات في معاداتها العقل. وبذلك أراد بناء فلسفة وجودية مؤمنة ليس باللاهوت كنص ديني، وإنما أراد وجودية تمزج بين المادي والروحاني في تعطيلهما فاعلية العقل الإيماني غير المتحقق إدراكه.

* بخلاف ياسبرز الذي يقول" إنني لا أتحول الى موضوع أمامي أنا نفسي" نقول الانسان وعي ذاتي في إدراكه ماهيته، ووعيه موضوعا مدركا لغيره من نوعه، بمعنى الانسان كينونة موجودية (ذات وموضوع) بالنسبة لوجوده وإدراكه أناه. كما يرى برجسون إمكانية الذات التخلص من سطوة ادراكها اشياء العالم الخارجي بالعودة الى ذاتها خالصة، ومثل هذا الافتراض خاطيء فالذات لا تعي ذاتها من غير ملازمة موضوع لها.

* ميّز كانط بين المعرفة الفلسفية القائمة على التصورات الذهنية، وبين المعرفة الرياضية التي تقوم على ما أسماه تركيب التصورات، وهذا التمييز برأينا لا يلغي حقيقة الفلسفة فكر منطقي لغوي تجريدي، يقاطع التجربة العلمية أغلب الاحيان، بينما علم الرياضيات يتم التعبير عنه بمعادلات علامات صورية رمزية تتوافق والتجربة التطبيقية في التحقق منها.

* العقل الانساني عقل خلاق يعلو قوانين الطبيعة في إدراكه الاشياء بتخليقها وليس في خلقها، قوانين العقل الانساني الوضعية هي إختراعات وليست إكتشافات مثل قوانين الطبيعة الثابتة. فالعقل يعقل نفسه ويعقل الطبيعة في موجوداتها في وقت واحد، لذا دأبت الفلسفة ترديد عبارة الانسان ذات وموضوع ولا إنفكاك بينهما. بينما الطبيعة لا تمتلك عقلا تعي فيه ذاتها ولا تدرك الانسان موضوعا لها يتعايش معها.

* الشيء فكرة: المعلومة الفلسفية التي تذهب الى أن الشيء فكرة تؤكد أهمية العقل في تخليقه لمدركاته الحسية، والعقل لا يكون محايدا في إدراكاته الاشياء والمواضيع، بل هو يقوم بتخليق وجودها، محاولا إنتشالها من وجودها الطبيعي الانطولوجي ألمنسي، الى وجود مغاير جديد حيوي يدركه العقل ليس لمجرد إدراكه وليس في كيفية إدراكه ،بل في قصدية العقل من فاعلية هذا الإدراك. الادراك ليس محايدا بل هو منتجا.

* مقولة ديكارت "العقل قسمة مشتركة عادلة بين البشر" لا يعني هذا أن العقل واحد مشترك عند كل البشر في تجلياته ومعطياته وتفكيره وإبداعاته، بل المقصود أن عقل الانسان إمتياز نوعي يختلف عن باقي موجودات ومخلوقات الطبيعة من جهة، ونوعي أكثر خصوصية أنه مختلف أشد الإختلاف بين شخص وآخر داخل النوع البشري الواحد.

* لم يكن ديكارت هو الفيلسوف الوحيد في إختراعه منهج الشك وضرورة إعمال العقل في معرفة الوجود كاملا، وإستثنى العقل من الايمان الديني، ومثله فعل شوبنهاور، هيوم، لوك، وليم جيمس، وجون ديوي، هؤلاء جميعهم ذهبوا الى وجوب فصل الايمان الديني عن مجمل معاملة مواضيع الفلسفة وقضايا الوجود بالمنهج العقلاني، وأن تصدي العقل لمسائل الميتافيزيقا هو ضرب من العبث واللاجدوى أن يقود الى نتيجة. وإنما يكون الايمان التسليم المطلق الذي يكون مصدره القلب. وهذه النظرية الفلسفية تعتمدها الاديان وتشرحها بتفصيل النزعات الصوفية من أن حدود العقل تتوقف نهائيا في قفزة المتصوف من موقع الوجود الانساني المادي الى موقع الوجود المتسامي الروحي في محاولة الاتحاد العرفاني النوراني خارج المجانسة الواحدة وخارج واقع الانسان الحقيقي كائن أرضي.من المثير أن يكون سورين كيركارد سبق الجميع في تعبيره الاختزالي الفلسفي الايمان الديني قفزة نوعية مصدرها القلب وليس العقل. كما إعتبر الطفرة النوعية ملازمة للتاريخ أيضا معبدا الطريق أمام كل من هيجل وماركس.

* يذهب جون سيرل الى أن المضمون القصدي الذي هو الموضوع في المعنى البنيوي ليس هو ذاته الموضوع في المعنى القصدي. وهكذا يفرّق سيرل بين  التجربة الادراكية إنما تقوم على موضوع يتخذ صفته ومعناه الوجودي- البنيوي في ممارسة تجربة الادراك عليه، فالموضوع وجود مستقل غير عاقل لا علاقة تربطه وجوديا بإدراكه من قبل ألانسان.

* الوجود المستقل للاشياء لا يحقق كينونتها الوجودية الادراك العقلي لها ولا ماهيتها خارج صفاتها، فهي وجود قائم بذاته سواء ادركها العقل أم لم يدركها.

* الفلسفة  هي تفكير عقلي بتعبير اللغة لمعرفة حقيقة الانسان بالوجود.

* مفهوم هيرقليطس كل شيء في حالة من الصيرورة الدائمية إنما هو ضمنا ألغى أن يكون لأي موجود كيانا أنطولوجيا ثابتا. الوجود بمحتوياته الموجودية هي حالات من تغيرات دائمية، والموجودات قد تتبعثر وتتغير وبعضها يتلاشى في مكون مادي يحتويه، لذا نجد بارمنيدس الذي يرى في كل موجودات العالم ثباتا يلازمها، يقر أن للوجود وجود قائم بذاته يمكن إدراكه بغض النظر عن حركة موجوداته فيه التي هي ثبات.

* الخطأ عند الانسان طبيعة فطرية في تكوينه، وليس الخطأ الحرية بإتخاذ القرار، عليه يكون حصولنا على ذات إنسانية يملؤها الخير، تكون في توقعاتنا أن الانسان خّطاء.

* من العسير علينا تصوّر الانسان موجودا غير محدود القدرات والارادة، وهذا لا يعني الانسان ليس مسؤولا عن أخطائه، والأخطاء ليست عفوية تتلبس الانسان من المحيط الخارجي.بل يكون للارادة نصيبا في ارتكاب الاخطاء.

* اعلاء قيمة الجسد على قيمة العقل هو إمتطاء حصان جامح بالمقلوب.

* الزمان قبلي على الادراك بعدي على الوجود.

* تأويل النص في متابعة فائض المعنى يدخل النص في فوضى الهوامش التي بلا معنى. الأصل في النص معنى متعدد القراءات لكننا يجب الحفاظ على ما يدّخره من معنى أصيل لا تكتشفه القراءات العددية الكميّة المتعاقبة بل تكتشفه القراءات النقدية النوعية.

* فوضى أفكار نيتشة الفلسفية التي لا ينتظمها المنهج هي إنتقالات متقافزة في فوضى تغييب المعنى غير الماثل لا في النص ولا في خارجه، لذا يبقى الاجتهاد بقراءة نيتشة هي قراءات يحتويها المزاج المتشظي خارج صرامة منطق العقل الفلسفي المنّظم.

* ربما لا نخطيء التعبير حين نقول ليس من واجب الفلسفة قول كل شيء في تناسيها أن تقول شيئا واحدا يغني عن قول كل شيء. وفهمنا حقائق الحياة والميتافيزيقا يتطلب أكثر من قدراتنا العقلية المحدودة.

* من السذاجة تصور إمكانية بناء الواقع بالكلمات المجردة في حين يطلب منا تغييره على الارض بالعمل المقترن بارادة التغيير.

* دائما يقودنا تهويل أمور لامعنى لها زرع خرافات زائفة بأذهاننا.

* لا بأس أن تكون جنّة السماء الموعودة من حصة بؤساء الارض الذين لم يشتروا الضلالة بالهدى في الحياة حين باعوا سعادة الارض في وهم قيمة الخلود في السماء

*  التفكير الخيالي هو اللامتناهي في محدودية القدرة الانسانية على معرفة وفهم العالم ليس كل العالم . فالتفكير بموضوع في مكان وزمان معينين يجعلان من التفكير الخيالي موجودا كونه يستنفد نفسه إستهلاكيا كتفكير تجريدي متموضع في إدراكه لمواضيعه المستمّدة من الذاكرة.

* العدم لا يسبقه وجود ولا يعقبه وجود لكنه مزامن لكل موجود، ولا يكون العدم بلا موجود يفنيه ويعدمه في ملازمته له. فالعدم بالمعنى التصوري العقلي هو أفتراض لوجود غير موجود بمعزل عن موجودات أفنائه لها. والعدم لا يفني نفسه فهو لا شيء يمتلك صفات ولا ماهية بذاته.(حين قال هيدجر العدم لا يعدم نفسه أصبح في موضع تندّر من قبل فلاسفة غيره فالعدم لا شيء وهو مرادف معنى الموت).

* الموجودات في حقيقتها الجوهرية وجود فيزيائي بمعنى هي عدم مؤجل، وكينونات مادية حية في طريقها الى حتمية الزوال والفناء. والعدم إفتراض لا نستطيع معرفة ماهيته ألا في إدراكنا نتائج إفنائه الموجودات الحيّة. والعدم ليس موضوعا مدركا من العقل فهو بلا ماهية ولا خصائص صفاتية يمكن إدراكها.

* نحن نعيش الزمن الارضي في نسبية تحقيبية زمانية تقوم على مطلق وجودي أرضي وليس مطلق وجودي كوني. وإلا أصبحت الفلسفة منطقا رياضيا ملحقا يقوم على فيزيائية المعادلات الرياضية وليس على فيزيائية الحياة الارضية.. بالحقيقة أننا نعيش الزمن بنسبية تحقيبية زمنية محدودة بحياتنا على الارض ولا نعيش الزمن بإطلاقية سرمدية لانهائية كونية لا ندركها في وجودنا الحياتي. والزمن الارضي يقاس بدلالة حركة الارض حول نفسها وحول الشمس وكذلك حركة القمر ومجموعة كواكب درب التبّانة.

* اذا كان العقل جوهرا ماهيته التفكير واللغة ، فأن العلم الاصطناعي (الكومبيتر) والريبوت الصناعي هو عقل آلي يتسم بتلقينه المفردات اللغوية الشيئية لكنه يعجز تماما عن إمكانية توليده الإشتقاقات اللغوية التعبيرية الذكية كما يفتقد قدرة الذكاء التوليدي التي هي فطرة عقلية لا تمتلكها الآلة وهو ما أشار له الفيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي أن الآلة لا تفكر لغويا توليديا ذكيا بخلاف الانسان.

* العقل والجسم جوهران متلازمان ،فما الفرق بينهما؟ العقل جوهر بيولوجي فيزيائي وجوهر تجريدي معا خاصيته اللغة والافكار والوصاية على الجسم والنفس، بينما الجسم جوهر بيولوجي فيزيائي خاصيته الحفاظ على كينونة الانسان وتطوير قدراته التكيّفية بالحياة ولا وصاية للجسم على العقل.

* الافكار التصورية للعقل أنما هي مرتبة ثانية في تراتيبية الإدراك العقلي وهي (التمّثلات). فالعقل يدرك الاشياء المادية كموجودات حسيّة قبل الإهتمام بالتعبير عنها تصوّريا لغويا تجريديا. ومخرجات العقل ليست تعبيرات تجريدية لا تؤثر بالموجودات فإدراك العقل لأي موجود في الطبيعة في الواقع أو الخيال أنما يكون من أجل التاثير به تغييريا وليس التعبير عنه لغويا فقط.

* الانسان ضمير أخلاقي وليس سلوكا لا أخلاقيا بلا ضمير.

* الوجود مفهوم مطلق تجريدي غير محدود الصفات ولا معروف الماهية، والوجود يفهم بدلالة موجوداته، ولا تفهم الموجودات بدلالة الوجود، كذلك هو الزمن فهو يدرك بمعرفة مقدار حركة الاجسام بداخله. أما أن يدرك هو كحركة وكمفهوم وماهيّة لوحده فهو محال في إمكانية ادراك العقل الانساني. ..

* الوجود كمفهوم تجريدي هو إفتراض مطلق، أما الموجودات فهي أشياء ومواضيع إدراكية مستقلة بذاتها وتتداخل مع غيرها بعلاقات بينية يحتويها الوجود والموجودات المختلفة هي محتوى كل وجود وتدرك منفردة لوحدها لذا تكون الموجودات داخل الوجود مدركة لكنما لا يدرك الوجود ذاته كمفهوم وموضوع لتفكير العقل..

* من مساويء تبخيس العقل العربي الفلسفي وتقعيده عن الابداع هو القياس  بمرجعية ما ينتجه العقل العربي في التطابق الاستنساخي لاستظهار وعرض أفكار الفلاسفة الغربيين من منطلق الدونية الثقافية،وما لا يتماشى مع هذا القياس الخاطيء لا قيمة حقيقية له. لذا نحتاج نقد فلسفي وليس عرضا فلسفيا أكاديميا إجتراريا يكون ترجمة حرفية لفلاسفة غربيين.

* الافكارهي معارف أدراكية يطلقها الوعي بتعبير الفكر واللغة. والوعي مرتكز الوظيفة الابستمولوجية وليس الوعي هو الحكم على الاشياء الذي هو من أختصاص العقل تحديدا..والوعي جزء غير عضوي بيولوجي من منظومة العقل الادراكية للاشياء لكنه لا ينوب عنه.

* الفكر وسيلة العقل الوظيفية في المعرفة وتعالقه مع الوعي ولغة تفكير العقل.

* الوعي الذاتي هو تحقق الانا الذي يسترشد العقل دوما في بيان حقيقة مدركاته في الصادر منه والمنقول له...

* الوعي لا يكون موضوعا لغيره، أي الوعي وظيفة أدراكية في وعيها المدركات المغايرة لها. ويعي الوعي ذاته  بدلالة العقل.

* الوعي ليس موضوعا لإدراك العقل بل هو وسيلة العقل في الإدراك..

*  الوعي يعي ذاته كماهيّة عقلية وليس موضوعا مدركا من غيره

* صحيح أن الاخلاق ليس منشأها الاديان، فقد كان الانسان يمارس بعضا من الاخلاق قبل معرفته اللغة والاديان. لكن الحقيقة الأهم أن جميع الاديان التي عاشت على الارض والى اليوم تقوم على ركيزة الضمير الاخلاقي كقيمة عليا سابقة على جميع القيم الإخلاقية التي نادت وتنادي بها الاديان.

* عندما ييأس الانسان يقوم بمقارنة السيء بالأسوأ بالحياة.

* حقيقة حياة الانسان على الارض هي كابوس مقيت لا يمكننا الخلاص منه الا في نهاية الانسان بالموت والفناء....ولو كان الانسان خالدا في الارض لما بقي للحياة معنى من أجله يعيش الانسان.. فخلود الانسان الارضي يلغي توق الانسان وشغفه الديني خلوده في السماء الذي لا يتحقق الا بموت الانسان وفنائه الارضي وبذلك ينعدم معنى الحياة على الارض... بهذا المعنى يصبح خلود الانسان بالموت هو الخلود الحقيقي وليس خلوده الانبعاثي الميتافيزيقي في السماء..

* عقولنا في فهم الحياة لغة تعبير لإدراك مسّبق ولا أكثر

* عندما تكون الأفكار عاجزة أن تمنحنا المعنى فألأجدر بنا أن لا نعوّل على اللغة تمنحنا المعنى.

* الكينونة لا تحمل ماهيتها الناجزة معها بل تحتويها صيرورة غير مكتملة، والكينونة والماهية ليستا جوهرا واحدا في تلازمهما وحسب ، بل كلتاهما جوهرا غير متكامل يسعى كل منهما بناء الآخروالتكامل معه وصنعه بمرور الوقت

* الحياة علامة استفهام تحزم العالم في تعدد الاجابات التي بلا معنى حقيقي يعبّر عن الحياة.

* تبدو لي مفارقة غريبة مع ما اؤمن به أن كل شيء بالحياة يجب أن يكون في خدمة حياة الانسان نحو الافضل، وكانت الفلسفة طموحة لتحقيق مثل هذا الهدف لكني وجدتها في حقيقتها منطقا تجريديا صرفا ليس في وارد أهتمامها تغيير حياة الناس وهذا يطابق رأي بيتراند رسل.. ليس من مهام الفلسفة تغيير الحياة قبل مهمتها أن تجعل الانسان يفهم الحياة بشكل مغايرعن الاخرين..

*   قوانين العقل الانساني تعلو قوانين الطبيعة، فهي تقوم بأدراك الاشياء بالطبيعة وتضفي عليها مقولاته وقوانين تنظيمه لها بما تفتقدها نظم الطبيعة وقوانينها الثابتة، والسبب واضح بهذا الامتياز فالعقل يعقل ذاته ويعقل مواضيع الطبيعة في وقت واحد.. بينما قوانين الطبيعة لا تعقل ذاتها ولا تعقل الانسان كوجود محايث لوجودها. وبهذا التمايز تكون قوانين الطبيعة ثابتة لا تتغير بينما قوانين الانسان الوضعية دائمة التغير والتطور في مواكبة وبناء الحياة باستمرار..،

* الطبيعة فرضت هيمنتها من غير ارادة مسبقة واعية منها التكيّف على جميع الكائنات الحيّة منها الانسان، وكان تكيّف الحيوان لها إذعانيا إنقياديا يعيش ليأكل، بينما كان تكيّف الانسان مع الطبيعة هو ليس فقط لتامين مستلزمات حياته منها في توفيرها له ما يحتاجه من غذاء في بقائه حيا، بل لو لم يتمرد الانسان في تكيّفه على الطبيعة في غير الانقياد القطيعي لها كالحيوان لوجدناه اليوم اورث لنا العيش بالكهوف وسط الاحراش والجبال والغابات. والفرق بين الطبيعة والانسان ليس في امتلاك الانسان اللغة والشعور بالزمن وهو ما لا تمتلكه الطبيعة، بل في امتلاكه الوعي الذكي منفردا عن الطبيعة وجميع مكوناتها وكائناتها.

* لا أثق بتفكيري دائما كصحيح ناجز فاللغة تخون الفكر الحقيقي النافذ على الدوام كون الفكر أكثر ثقة من اللغة وأغنى بما يدخّره من معنى غير مفصح عن نفسه. ويوجد مثل ايطالي " الترجمة خيانة المعنى " نفهم من ذلك إقتصار خيانة اللغة في ترجمتها الى لغة ثانية. خيانة المعنى اللغوي يكون ايضا في تكرار تداول نفس التعبيرات والمفردات اللغوية في وجهات نظر متباينة مختلفة تصل حد التناقض

* أن يكون الانسان غير كامل يحمل اولوية التشكيك بعدم كمال المعرفة التي تنجب لنا على الدوام انسانا مستنسخا ناقصا يتطلع دوما محاولته سد نقصه المزامن له، في مطاولته التحديق في أفق الكمال السراب الخادع الذي لا يمكن بلوغه حقيقة.

* فضائع الحياة تجعل من الصمت أكثر إيلاما من الكلمات.

* أغلب حقائق الحياة يكتشفها الانسان في وقت متأخر من العمر... حيث لا مجال التصحيح، وفي هذا المعنى يقول فينجشتين أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ تصحيح أخطاء التعبير اللغوي على صعيد المعرفة الفلسفية. فكيف يكون الحال في محاولة تطبيق ذلك على الانسان الذي يريد مراجعة أخطائه؟

* من أحدى مساوىء التفلسف السطحي هو السرد التاريخي المقتضب عن حياة فلاسفة كبار من غير عرض ونقد ومناقشة أهمية أفكارهم الفلسفية..

* عبقرية اللغة في التعبير عن مدركات العقل مستمّدة من عبقرية الفكر وما تعبر عنه اللغة بوضوح يطالب به فلاسفة اللغة هو السطحية بالتفكير في عجزها التعبير عن عمق المعنى الصامت بالفكر.

* هدف الوعي القصدي هو الذي يشّكل لغة تعبيره.

* تزداد أهمية الحياة بأن لها نهاية..

* من الخطأ إعتبار كل ما هو غير مدرك عقليا غير موجود، فالموجود بإستقلالية في عالمنا الخارجي يسبق إدراك العقل له وتعبير اللغة عنه.

* أجمل ما في الحياة أننا عاجزون بلوغ أدنى درجات لا معناها ..

* ليس الازدواجية النفاقية أن تقول غير ما تبطن ولكن الازدواجية الاقسى أن تصرخ بالحق وأنت مدان بصمتك المتخاذل .

* ميزتنا نحن الشرقيون أننا نقصر فهم الاخلاق بدايتها تحت سرة بطن المرأة والرجل وغيرنا يفهم بدايتها ما فوق سرة البطن عند المرأة والرجل

* الذي لا يحكمه ضمير أخلاقي لا يجد بالحياة فرصة تجعل منه انسانا.

* وجود عظماء خالدين بالحياة جعل أن يكون للتاريخ "مزبلة".

* من حق نفسك عليك أن لا تعطي تافها أكبر من حقيقته الوضيعة.

* لا يتعامل هيجل مع معنى لفظة الروح على انها مطلق فيزيائي ، ولا  مرادف لمعنى النفس بالمعنى السايكولوجي، بل يفهمها العقل المتداخل مع الذات في توزعاتها ثلاث، اولا صعيد المنطق في إدراك الذات ، وثانيا على صعيد تخارجها كذات مع الطبيعة، وثالثا على صعيد أن تصبح واعية بذاتها ولذاتها بما أطلق عليه " عمليات الروح " المطلق الذاتي السايكولوجي.

* أجد كل تفكير فلسفي لا يهتدي ضوابط العقل المنطقية، ويسيح بحرية فوضوية في معالجة مباحث وانتقالات عديمة المعنى والقيمة فلسفيا ومعرفيا فهي تكون بالمحصلة النهائية تهويمات بإسم الفلسفة لا تمتلك قيمة فلسفية حقيقية واضحة يمكن الأخذ بها.

* في تعبير لأدرنو " الكامل هو اللاحقيقة " ونستطيع الاضافة بأن مانعتبره حقيقي وما نعتبره لا حقيقي هما كلاهما نقص في الكمال، فكل ما ندركه كاملا في الحياة هو لاحقيقي. إذ ما نعتبره كاملا هو منقوص في عدم كماله وفي عدم حقيقته. أثبتت لنا الحياة أن كل الاشياء من حولنا هي نسبية حادثة مهزوزة بين قطبين قطب التغيير بالتقدم الى أمام، أو قطب السقوط والإنهيار مخليا الطريق لما بعده الذي يحمل حقيقة لا كماله عن سابقه، بل يحمل حقيقته كماله الزائفة التي هي في طريقها الى زوال وإنحلال تعاقبي لا يتوقف. وبالمحصلة يكون الكامل وغير الكامل ليسا حقيقين.

* من اقوال هيرقليطس (الوجود واللاوجود شيء واحد) بمعنى الحركة التي تحكم كل شيء في التغيير، يكون فيها ادراكنا لحظة الوجود زائلة، وبذلك يكون الوجود غير موجود في حقيقته المؤقتة بالانتقال.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

 

عدنان عويدالتنوير: مصطلح، أو مفهوم، يشير إلى موقف فكريّ أو ثقافيّ يعتمد العقل أو العقلانيّة النقديّة ومبادئها، وسائل لتأسيس نظام للأخلاق والمعرفة والسلوك، حيث تشكل التجربة والملاحظة والاستنتاج والاستقراء والاستنباط وأخيراً البرهان، وسائل أو أدوات معرفيّة للوصول إلى معرفة الوجود الاجتماعي، وما يتضمنه هذا الوجود من ظواهر أو علاقات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعية وثقافيّة، وما يتحكم في آليّة (ميكانزيم) سيرورتها وصيرورتها من قوانين موضوعية وذاتية مرتبطة بالواقع المعيوش وخصوصياته وليس بغيره من قوى أخرى خارج هذا الواقع، على اعتبار أن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم، وهم من يحقق مصيره بنشاطه القائم على حريّة إرادته ومصالحه.

من هنا نجد أن ما سمي بعصر التنوير في أوربا القرن الثامن عشر، هو بداية ظهور الافكار العقلانيّة الداعية إلى تطبيق (العلمانية)، كونها – أي العلمانيّة - طريقاً لتحقيق الدولة المدنيّة، وعلى هذا الأساس كان رواد هذه الحركة التنويريّة يعتبرون مهمتهم وفق رؤيتهم التنويرية، هي قيادة العالم إلى التطور والتحديث، وترك الرؤى والأفكار الميتافيزيقيّة (1)، واللاهوتيّة الوثوقييّة، أو الموثوقيّة (2)، والكثير من المعارف الفلسفيّة والدينيّة ممثلة بالمثاليّة الموضوعيّة، (3)، والمثاليّة الذاتيّة،(4)، والإسميّة،(5)، والسكولائيّة (المدرسية)،(6)، واللاأدريّة، (7) .. الخ، أي ترك كل الأفكار اللاعقلانيّة التي دعوها بأفكار "العصور المظلمة".

من هذا المنطلق المعرفيّ والمنهجيّ العقلانيّ التنويريّ، يمكننا تحديد أهم الأسس التي يرتكز عليها الخطاب والنشاط التنويري:

أولا: استقلاليّة الوجود (الطبيعيّ والاجتماعيّ) بماديّته وموضوعيته: وذلك انطلاقا من اعتبار أن هذا الوجود تتحكم بآليّة سيرورة وصيرورة مفرداته، قوانين موضوعيّة مستقلة وقائمة بذاتها في هذا الوجود بشقّيه الماديّ والاجتماعيّ، ولا تعطي هذه المفردات أي اعتبار لأي قوى خارج  مضمارهذا الوجود للتحكم بآليّة عملها. وما الإنسان ذاته إلا جزءاً من هذه المفردات الطبيعيّة المتنوعة التي تشكلت عبر ملايين السنين على هذه الكرة الأرضيّة. (8).

ثانياً: ثورية أفكار التنوير: وذلك من خلال إدراك تاريخيّة الطبيعة والمجتمع. أي إدراك حركة وتطور وتبدل مفردات الطبيعة والمجتمع، وعدم استقرارها على حالٍ واحدة، والأهم في هذا الاتجاه هو إدرارك الذات البشريّة كقوة فاعلة ونشطة عبر التاريخ، حيث راحت تتحكم بالكثير من قوانين الطبيعة والمجتمع وتسخرها لمصلحة الإنسان.

ثالثاً: امتلاك الخطاب التنويري الروح النقديّة: وذلك من خلال تواصل أفكار التنوير مع حركة وتبدل مفردات الطبيعة والمجتمع، وبالتالي رفضها للثبات والامتثال والاستسلام، ونزع القداسة عن أية أفكار أو أشخاص أو علاقات خارجة عن نطاق العقلانيّ والملموس. وضرورة الالتزام بالعقل النقديّ كسلطة رئيسة في إعطاء أو فرض الأحكام.

رابعاً: رفص التنوير للأفكار الغيبيّة اللاهوتيّة والميتافيزيقيّة في المعرفة وتجسداتها، أي رفضها تقرير حقيقة أو عدم حقيقة العلم والأخلاق والتاريخ والدين والسياسة والفن والأدب. فهذه قضايا تقرر حقيقتها أو عدمها مصالح الناس وظروف حياتهم المعيشة، فالمعطيات الفكريّة الغيبيّة والميتافيزيقيّة تشكل عائقاً أمام إبداعات الإنسان ونشاطه في صنع تاريخه، فالفكر التنويري يعتبر هذه المعطيات أفكاراً ومفاهيم بدائيّة تشكل معوقات أمام التفكير الحر والمسؤول، وأمام الممارسة العقلانيّة النقديّة أثناء انتاج الخيرات الماديّة والروحيّة للإنسان، أي تشكل عوامل استلاب واستغلال لذات الإنسان الحرة.

خامساً: إن الخطاب التنويري يربط المعرفة بالواقع، ويعتبر الوجود بشثقيّه الطبيعيّ والاجتماعيّ، هو الملهم للإنسان، وأن أفكار الناس هي تعبير أو انعكاس عن واقعهم المعيوش (9)، قد يسبق الفكر الواقع المعيوش، وقد يتخلف عنه، وهذا يرتبط برغبات وطموحات الحامل الاجتماعيّ لهذا الفكر أو المساهم في إنتاجه. إن التنوير يرفض الإطلاق في الفكر، ويؤمن بالنسبيّة العقلانية، أي النسبية التي تؤمن بالتطور والحركة الجدلية للظواهر القائمة على أهداف إنسانيّة. فالنسبيّة هنا ليست حركة ميكانيكية تنطلق من مقولة (حركة فكر دائمين) دون توقف ومراجعة وتبدل، بل حركة تاريخية جدلية ذات طابع حلزوني.

سادساً:  أفكار التنوير في سياقها العام أفكار إنسانويّة، إي هي تؤمن بالإنسان وقدراته، واعتباره مصدراً لكل قيمة.

سابعاً: يؤمن التنوير بالانفتاح، وبالتالي هو يرفض أي قيود على عقل الإنسان وإراته والحد من نشاطهما وطموحاتهما الإنسانيّة.

ثامناً: التنوير يؤمن بالروح الاستكشافيّة، واعتبار الواقع مفتوحاً على المطلق أمام إبداعات الإنسان وخلقه.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة.

................................

(1) - الميتافيزيقيا فرع من الفلسفة يتعلق بالطبيعة الأساسيّة للواقع، ويُسمى أيضًا علم ما وراء الطبيعة. وهو يهدف إلى تقديم وصف منظم للعالم وللمبادئ التي تحكمه. وخلافاً للعلوم الطبيعية التي تدرس مظاهر محددة من العالم، تُعدّ الميتافيزيقيا علوماً استقصائيّة أكثر توسعاً في المظاهر الأساسيّة للموجودات. ويعتمد علماء الميتافيزيقيا على أنماط تحليلية تعتمد بدورها على المنطق الخالص (الصوري) عوضاً عن النهج التجريبي الذي يتبعه علماء الطبيعيات. وقد ركز التكهن الخاص بما وراء الطبيعية، ـ دائما ـ على مفاهيم أساسيّة كالفضاء والزمن، والسببيّة، والهويّة والتغيير، والاحتماليّة والضرورة، والمتفردات والعموميات، والعقل والجسد.

ما يؤخذ عليها أنها دراسة تأمليّة جدليّة، قد لا تنتج ما يعود بالنفع على الواقع، بالإضافة إلى أنّ اهتمامها بالغيبيّات يجعل نتائجها غير قابلة للتحقق الواقعي الملموس، وبالتالي لا تثمر منفعة عملية للإنسان في حياته اليومية.

(2) – العقلية اللاهوتية الوثوقيّة: هي العقليّة التي تبحث عن عدالة إلهية لا أساس لها على أرض الواقع، بموجب تجليات العقليّة “الوثوقيّة الإلغائيّة”، لأنها عقليّة تقوم على وضع حدود لاهوتيّة حادّة وفاصلة بين بني البشر، بطريقة تجعل من بعضهم أقرب إلى الله بحكم أنهم الأقدس، والبعض الآخر أبعد بحكم أنهم الأدنس، وفقاً لمقتضيات مفاهيميّة تفسيريّة للنص الدينيّ.

(3) – المثاليّة الموضوعيّة: ترد كل الظواهر المتعلقة بالوعي إلى نظام مطلق سابق على وجود الإنسان.

(4) - تظهر المثاليّة الذاتيّة بصفتها شكوكيّة بالنسبة لإمكانية معرفة أي شيء مستقل عن العقل. على نقيض الماديّة، تشدد المثاليّة الذاتيّة على أسبقيّة الوعي بصفته أصل الظواهر وشرط وجودها. كما ترى المثاليّة أن الوعي أو العقل «أصل» العالم المادي وتهدف إلى شرح العالم الموجود وفقًا لهذه المبادئ.

(5) – الإسميّة:  تیار في فلسفة العصور الوسطى، يَعتبِر المفاھیم الكلیّة مجرد أسماء للأشیاء الجزئيّة، وأن الأشیاء الجزئیّة وحدھا، بخصائصها الجزئیّة، ھي التي توجد حقا. أما المفاھیم العامة التي تخلقھا أفكارنا من ھذه الأشیاء – وھي أبعد من أن توجد في استقلال عن الأشیاء– لا تعكس حتى خواصها وصفاتها. إن أصحاب المذهب الاسمي لم يفهموا أن المفاھیم العامة تعكس الصفات الواقعيّة للأشیاء الموجودة موضوعيّا، وأن الأشیاء الجزئیّة لا تنفصل عما ھو عام بل تحتويه داخلھا.

(6) – السكولائيّة أو السكولاستية: يعود ظهورها للعديد من المفكرين المسيحيين في العصور الوسطى الذين عملوا في ظل خلفّية من العقيدة الدينيّة الثابتة، حيث سعوا إلى حل مشاكل فلسفيّة عامة جديدة من مثل الإيمان والعقل والإرادة والفكر والواقعيّة والاسميّة وإثبات ذلك من وجود الله، والتي كانت في البداية تحت تأثير التقليد الصوفيّ والحدسيّ والتأمليّ لفلسفة آباء الكنيسة، ولا سيما الأوغسطينيّة، نسبة إلى أوغسطين.

(7) - اللاأدرية: اتجاه او مذهب يعتقد ان وجود الله، كيان خارق للطبيعة أكبر من الانسان وأعظم منه قوة غير معلوم ولا يمكن معرفة تفاصيله أو إثباته.

(8) - (العراق في التاريخ – نخبة من الكتاب – ص11 وما بعد).

(9) - إن المقصود، بأن الأفكار انعكاس للواقع المعيش، لا تعني هنا أن الواقع ينتج أو يعكس الأفكار كما تعكس المرآة الشيء مباشرة، فهذه الرؤية ساذجة وميكانيكيّة. بل إن الواقع ينتج الأفكار وفق آليّة جدليّة يتفاعل فيها الفكر مع الواقع عبر السياق التاريخيّ لعلاقة الفكر مع الواقع. فالواقع يحدد أو ينتج الفكر نعم، ولكن الفكر ذاته عبر سياقه التاريخيّ يحوز على استقلالية نسبيّة عن الواقع، ويتحول عبر حوامله الاجتماعيّة إلى قوة ماديّة قادرة على تسريع حركة الواقع وتطويره، أو عرقلة هذه الحركة و الحفاظ على تخلف الواقع، وذلك من خلال المصالح الماديّة والمعنويّة للقوى الاجتماعيّة التي تتحكم في هذا الواقع، وهي برأيي هنا، القوى السياسيّة والاقتصاديّة الحاكمة لهذا الواقع، أو المسيطرة عليه.

 

 

علي رسول الربيعيلاحظ سيغموند فرويد (1856-1939) في مقال رائع، أن أتباعه قد أظهروا ميلًا لأخذ أفكاره وتشكيلها" كحجر الزاوية لمنظور أو رؤية للعالم في التحليلي النفسي".[1] والمثير للدهشة أن فرويد قاوم هذا وشرح سبب مقاومته باسلوب رائع قائلًا:

يجب أن أعترف أنني لست متحيزًا على الإطلاق لتقديم رؤية كلية للعالم. فقد تُترك مثل هذه الأنشطة للفلاسفة، الذين يجدون من المستحيل القيام برحلتهم في الحياة بدون كتيبات إرشادية  تعطيهم معلومات عن كل موضوع. دعونا نتقبل بكل تواضع الازدراء الذي ينظرون به إلينا من موقع الأفضلية لاحتياجاتهم المتفوقة. ولكن نظرًا لأنه لا يمكننا التخلي عن كبرياءنا النرجسي أيضًا، فسوف نستمد الراحة من التفكير من خلال مثل هذه "الكتيبات عن الحياة" التي سوف تصبح قديمة سريعا (لسرعة التغيرات في الحياة) وأن عملنا بشأن احتياجات الفرد أو متطلباته من منظورات قريبة ومحددة هو ما يجبر على انتاج طبعات جديدة. فالطبعات، وحتى أحدثها ما هي إلا محاولات لإيجاد بديل عن التعليم الكنسي ( الثابت). نعلم جيدًا مدى ضآلة علم الضوء الذي تمكن الآن من التغلب على المشكلات التي تحيط بنا. فبغض النظر عن كثرة اللغط الذي قد ييثيره الفلاسفة،الأ انه لا يمكنهم تغيير الأوضاع التي تحيط بنا. البحث الصبور والمثابر، والذي يخضع فيه كل شيء لشرط واحد من اليقين فقط، هو وحده القادر على إحداث تغيير تدريجي. قد يغني المسافر بصوت عالي في الظلام للتخلص من خوفه؛ لكنه، مع كل ذلك، لن يرى شبرًا أبعد من أنفه.[2]

يؤكد فرويد باسلوب ازدرائي أن تشكيل رؤى أو وجهات النظر حول العالم ككل هي في الأساس مهمة عقيمة، ومناسبة للفلاسفة ضعاف التفكير الذين يحتاجون إلى "كتاب إرشادي" لتوفير معلومات حول عموم الحياة يحل محل الدور التعليمي للكنيسة. ومع ذلك، يجب مراجعة رؤى أو وجهات النظر عن العالم مثل أنظمة التوجيه بشكل متستمر وذلك التقدم العلمي المستمر ايضا، وخاصة تلك الناتجة عن عمل المحللين النفسيين أنفسهم. إن بعض المعرفة العلمية فقط ما يستحق جهدًا مستدامًا، وليس تطوير رؤية أو وجهة نظر عن العالم التي توفر راحة وجودية زائفة لا بصيرة حقيقية. ما يجب هو أن تسود النظرة العلمية في مملكة الأفكار.

شرح فرويد في محاضرة بعنوان "The Question of a Weltanschauung"؛[3] وقد بلغ من العمر ستة وسبعين عامًا، اسباب رفضه ان يقدم التحليل النفسي رؤية كلية للعالم .وقد بدأ بالسؤال:" هل يقود التحليل النفسي الى تقديم رؤية كلية الى العالم، واذا كان كذلك فاي رؤية هذه؟ "(ص 158). ومن أجل الرد على هذا السؤال، بدأ بتقديم تعريف لهذا" المفهوم الألماني على وجه التحديد ":

إن رؤية العالم بناء فكري يحل جميع مشاكل وجودنا بشكل موحد على أساس فرضية واحدة مهيمنة، والتي، وفقًا لذلك، لا تترك أي سؤال دون إجابة ويكون فيها لكل ما يهمنا مكانه الثابت المحدد. إنه من السهل فهم أن امتلاك رؤية العالم من هذا النوع هو من بين أهم الرغبات المثالية للبشر. يمكن للمرء من خلال الإيمان بها أن يشعر بالأمان في الحياة، ويعرف ما الذي يسعى إليه، وكيف يمكن له أن يتعامل بشكل ملائم مع عواطفه واهتماماته.

المطلوب أن تكون "فرضية" رؤية العالم، وفقًا لفرويد، قادرة على حل جميع المشكلات، وإرضاء جميع الاستفسارات، ووضع كل شيء في مكانه. وكمثال إنساني نهائي، يجب أن توفر هذه الرؤية التي يثق فيها المرء راحة البال أو الأمن من خلال تحديد ملخص الخير وتعيين كيفية التعامل مع الحياة بطرق عملية. هل يمكن أن يفي التحليل النفسي بهذه المعايير؟ لا، كما يقول فرويد بإصرار، العلم وحده قادر على ذلك. "إذا كانت هذه هي طبيعة رؤية العالم " يرى فرويد، فان الإجابة فيما يتعلق بالتحليل النفسي أصبحت سهلة. فمن غير المناسب تمامًا كعلم متخصص، وفرع من فروع علم النفس - علم نفس اللاوعي بناء رؤية للعالم خاصة به: يجب عليه أن يقبل النظرة العلمية " (ص. 158). يكرر فرويد في ختام أطروحته، هذا الاقتناع حول علاقة التحليل النفسي بمسألة النظرة إلى العالم بعبارات مشابهة قائلا:" غير قادر التحليل النفسي، في رأيي، على تقديم رؤية للعالم خاص به. إنه لا يحتاج إلى رؤية خاصة به؛ إنه جزء من العلم ويمكن أن يلتزم بـرؤية العالم العلمية '' (ص 181). العلم هو آخر أمل للجنس البشري، وأفضل أمل للمعرفة، ويحتل التحليل النفسي مكانه كمجموعة فرعية من العلوم. ليس التحليل النفسي علمًا زائفًا، ولكنه عضو في المجتمع العلمي الأوسع حسب تقديرفرويد.

قدم فرويد في بقية المقال، ادعاءين أساسيين. بادئ ذي بدء، أنه حتى العلم نفسه، نظرًا لمجموعة القيوده الخاصة، غير قادر على توفير نوع من النظرة المثالية للعالم ذات القاعدة العريضة كما حددها فرويد. علاوة على ذلك، وثانيًا، لا يوجد مورد فكري آخر مناسب لهذه المهمة أيضًا. فلا يمكن للدين، أو الفن، أو الفلسفة، أو العدمية الفكرية، أو الماركسية، الذين يعتبرون المنافسين الرئيسيين للعلم القيام بهذه المهمة وبناء مثل هذه النظرة الشاملة للعالم،. ما يقترحه فرويد هو أنه لا يوجد نظام مقنن متاح للبشرية، بما في ذلك العلم، قادر على إنتاج هذا النوع من النظرة الشاملة للعالم باعتبارها مطلبًا رئيسيًا للجنس البشري. لا يزال العلم الحديث، على الرغم من كل حدوده، هو الخيار الوحيد المتاح الأفضل. ثم يقدم فإن فرويد تبريرا دفاعيًا عن تفوق النهج العلمي في الحياة على جميع الخيارات الأخرى، وخاصة الدين. العلم وحده هو الأمل المعرفي الأصيل الوحيد للبشرية. يقدم التحليل النفسي، باعتباره فرعًا من فروع العلم، مساهمته في هذا السياق الأكبر. إنها ليست نظرة عالمية فريدة من نوعها.

سوف يكون من المفيد تقديم مخطط لحجج فرويد التي يحاول من خلالها إثبات انتصار العلم على وجهات النظر الدينية للعالم في كتابه "السؤال"، ص 161 - 75. إن الدين وحده، في تقدير فرويد، هو العدو الجاد للعلم. فاقوى المشاعر الإنسانية في خدمة الدين. لأنه يعبر عن نظرة كلية متسقة وقائمة بذاتها، ومستمرة حتى يومنا هذا. لذا شعر فرويد بالحاجة الى الاستجابة لها. يجادل بأن الدين يؤدي ثلاث وظائف. أولاً، تيُشبع تعطش الإنسان للمعرفة. ثانيًا، يهُدئ الخوف من مخاطر وتقلبات الحياة. ثالثًا، يصدر التعاليم ويعين المحظورات والقيود، وعلى الرغم من هذه الوظائف المهمة، فقد أظهر العلم المتجذر في الطبيعة أن الدين شأن إنساني ولم يكن قادرًا على الصمود أمام الفحص النقدي، خاصة فيما يتعلق بقضايا المعجزات، أصل الكون، ومشكلة الشر. علاوة على ذلك، أظهر التحليل النفسي كيف نشأت النظرة الدينية للعالم من عجز الأطفال، مما يفرض الحاجة إلى الحماية الأبوية على الكون بأسره. على الرغم من أن قد يعترض البعض على أنه من غير المناسب للعلم أن ينتقد شيئًا ساميًا ومهمًا مثل الدين، إلا أن فرويد يرد بالقول إن الدين ليس له الحق في تقييد الفكر واستبعاد نفسه من الفحص النقدي. أدى التقييد الديني على الفكر إلى أضرار جسيمة، كما أظهرت السير الذاتية الفردية. يشير المتدينون، رداً على ذلك، إلى حدود العلم: ما الذي حققه وسيحققه؟ لا يمكنه أن يجلب العزاء اوالسعادة. ولا تقديم رؤية متماسكة للكون - ماضيه أو حاضره أو مستقبله. اكتشافاته المجزأة غير متسقة داخليًا، وقوانينه وتفسيراته صحيحة مؤقتًا ويتم مراجعتها بشكل متكرر. كان رد فرويد هو الإشارة إلى التاريخ الحديث للإنجاز العلمي وإبراز ان العلم مازال في بداياته. وسيتم التغلب على أي عقبات في طريق العلم مع مرور الوقت. واستنتاجه هو: "إن الأمور لا تبدو سيئة للغاية في عمل العلم" (ص. 174). يعلن فرويد في ضوء هذه الحجج، أن العلم هو السلطة المعرفية والثقافية الحصرية. وأن الملاذ الوحيد للدين هو أدعاءه أنه يملك "الحقيقة" بمعنى أسمى والذي لا يمكن التحقق منه. ومع ذلك، فإن اختيار نظرية المعرفة اللاعقلانية يعني فقدان التأثير على الناس، لأنها تفتقد لأي وزن معرفي حقيقي. ومن ثم، وبناءً على هذه الحجج، أعلن فرويد انتصار العلم على النظرة الدينية للعالم. بالطبع، يوجد نقد فرويد الأكثر تفصيلاً للدين في كتابه "مستقبل الوهم".

كيف إذن يصف فرويد النظرة العلمية للعالم التي يعتبر التحليل النفسي جزءًا منها؟ سيتم مناقشة ثلاث ميزات أساسية. بادئ ذي بدء، يعتمد العلم الحديث على ميتافيزيقيا أو على طبيعية منهجية. لن يسمح "الموقف العلمي" بأي مساهمة من مصادر خارقة للطبيعة أو وحيّة أو حدسية، وإلا فقد اسم العلم الحقيقي. يتسم العلم كما يقول فرويد، "برفضه الحاد لبعض العناصر الغريبة عنه. ويؤكد أنه لا توجد مصادر معرفة للكون سوى العمل الفكري للملاحظات التي تم فحصها بعناية- وبعبارة أخرى، ما نسميه البحث - وإلى جانبه لا توجد معرفة مستمدة من الوحي أو الحدس أو العرافة "(ص 159). إن هذه العناصر خادعة، وهي تعبير عن دوافع التمني، ومبنية على العاطفة. لا يوجد سبب يدعو إلى اعتبارها مبررة. وأن حقيقة وجودها، كما يقول فرويد، بمثابة تحذير "لفصل كل ما هو وهم ونتيجة لمطالب عاطفية عن المعرفة العلمية ". وهكذا، لكي يكون العلم علمًا، يجب أن يرتكز على المذهب الطبيعي تمامًا.

ثانيًا، على الرغم من أن الطبيعة العلمية هذه قد تبدو غير مبهجة في نفيها لمطالب واحتياجات العقل البشري، يؤكد فرويد أن الجوانب العقلية للحياة البشرية في التحليل النفسي هي أشياء تخص البحث العلمي تمامًا مثلها مثل الأشياء غير البشرية أو المادية. أو الأشياء المادية. إن ""التحليل النفسي له حق خاص في التحدث عن النظرة العلمية للعالم في هذه النقطة، حيث لا يمكن لومه على إهماله ما هو ذهني في صورة الكون. وتكمن مساهمته في العلم على وجه التحديد في توسيع نطاق البحث ليشمل المجال العقلي. فبدون علم النفس هذا سيكون العلم غير مكتمل للغاية "(ص 159). قد يعترض البعض على الطرح الذي يقول أنه يمكن دراسة "العقل" بطريقة دراسة الذرات أو الجزيئيات نفسها. وقد يقولون إن التحليل النفسي علم زائف وينتمي إلى صنف أو فئة مختلفة. من المثير للاهتمام أن فرويد مقتنع بأن التحليل النفسي ينتمي الى الحقل العلمي مثل تخصصات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.

ثالثًا، وربما الأكثر إثارة للاهتمام، فإن رؤية العالم العلمية بالنسبة لفرويد هو أمر إيجابي وحديث تمامًا. العلم هو أفضل أمل للبشرية في المستقبل. يتضمن وصفه للمشروع العلمي، الذي يرى يستحق الاستشهاد به، يستلزم جميع الموضوعات المعروفة، والحديثة لعالم مستقل، والموضوعية البشرية، والتجارب الصارمة، ونظرية التوافق للحقيقة.

لا يختلف التفكير العلمي في طبيعته عن النشاط الطبيعي للفكر الذي نستخدمه جميعًا في رعاية شؤوننا في الحياة العادية. لقد طور ميزات معينة: فهو يهتم بالأشياء حتى لو لم يكن لها استخدام فوري وملموس؛ يهتم بتجنب العوامل الفردية والتأثيرات العاطفية؛ إنه يفحص بمزيد من الدقة مدى جدارة الثقة في الإدراك الحسي الذي لا يمكن الحصول عليه بالوسائل اليومية ويعزل محددات هذه التجارب الجديدة من التجارب المتنوعة بشكل متعمد. إن مسعاه هو الوصول إلى التوافق مع الواقع - أي مع ما هو موجود خارجنا ومستقلًا عنا، وكما علمتنا التجربة، يعد أمرًا حاسمًا لتحقيق رغباتنا أو خيبة أملنا. هذا التطابق مع العالم الخارجي الواقعي هو ما نسميه "الحقيقة". ويبقى هذا الهدف من العمل العلمي حتى لو تركنا القيمة العملية خارج الحساب. (ص 170)

من الواضح أن هذا البيان حول العلم هو ما قبل بولاني[4] وما قبل كوهيني[5] - لا توجد تأثيرات فردية أو عاطفية تلوث المشروع. علاوة على ذلك، فإن المعرفة الدقيقة للعالم الخارجي هي هدف العلم، وهي المعرفة التي ستوفر القدرة على التلاعب بواقع حاسم لتحقيق أو خيبة الأمل لرغبات الإنسان، كما يقول فرويد . لا عجب إذن أن الأمل الأخروي للبشرية بالنسبة لفرويد متجذر في انتصار الروح العقلانية للنظرة العلمية للعالم. "إن أفضل أمل لنا في المستقبل هو أن العقل - الروح العلمية- يؤسس مع مرور الوقت الحكم المطلق للحياة العقلية للإنسان. إن طبيعة العقل ضمانة لإعطاء الدوافع العاطفية للإنسان وما يحددها الموقف التي يستحقه. لكن الإكراه المشترك الذي تمارسه هيمنة العقل هذه سيثبت أنه أقوى رباط موحد بين الناس ويقود الطريق إلى مزيد من الاتحاد "(ص 171).

تلهف فرويد وأمله هو أن تسود العقلانية العلمية بين البشر. ويعتقد أن قاعدة العقل ستضمن مكانًا مناسبًا للأبعاد العاطفية للحياة البشرية، وستكون بمثابة نقطة تجمع لوحدة العرق البشري. فلا يحتاج التحليل النفسي، بالنسبة لفرويد، إلى التطلع أن يصبح له رؤية خاصة للعالم لأنه جزء لا يتجزأ من رؤية العالم العلمية. تستند هذه النظرة العلمية للعالم إلى طبيعة ميتافيزيقية أو منهجية شاملة. يكتمل العلم بفضل التحليل النفسي نفسه من خلال تضمنه دراسة صارمة للعقل البشري والفكر. أخيرًا، يتم تصور العلم من منظور فرويد بالكامل من منظور الوضعية والحداثية. إنه متفائل بأن هذه النظرة العلمية للعالم، والتي كان تخصصه جزءًا حيويًا منها، ستجمع البشرية معًا في رابطة عقلانية من شأنها أن تضمن التقدم المستقبلي للعرق للبشري.

نطرح سؤالاً أو اثنين. ألا يؤدي التحليل النفسي، على الرغم من اعتراضات فرويد نفسه، إلى رؤية مستقلة للعالم، ومن المفارقات، حتى إلى نوع من الدين، كما جادل العديد من المنظرين ؟[6] اعتقد لورانس، بطريقة فيها من السخرية قائلًا: " سيعرف المحللون النفسيون ما ستكون عليه النهاية" "لقد تسللوا بيننا كمعالجين وأطباء؛ وبجرأة زائدة، أكدوا سلطتهم كعلماء؛ وقت قصير وسيظهرون كرسل. ألم نر ونسمع كاتدرا يونغ السابق؟ وهل هناك حاجة إلى نبي لأدراك أن فرويد على شفا الأنزلاق الى تقديم رؤيا للعالم ؟[7]

لا يحتاج الأمر إلى نبي ليدرك، كما أوضح التحليل أعلاه، أن " إيمان فرويد برؤية للعالم هو مجرد التزام بالمبادئ المعترف بها في المنهجية العلمية في القرن التاسع عشر."[8] بمعنى، " يعكس التحليل النفسي، من الناحية الفلسفية، تأثره بالتجريبية الكلاسيكية و تقليد التنوير الذي تبنى فرويد نظرته المادية أو الطبيعية للعالم كخلفية لنموذجه".[9] وأكثر من ذلك، يعتقد ألبرت ليفي، إن المضمون الأنثروبولوجي لمشروع فرويد قد ولّد بالضرورة رؤية للعالم.

ربما كان إنكار فرويد المبكر لوجهة نظر عالمية بخلاف منهجية العلم التجريبي سابقًا لأوانه ولم يكن لدى فرويد طموحات ميتافيزيقية واعية، ولم يكن لديه نية لبناء رؤية للعالم كما في النماذج الكلاسيكية لهيجل أو سبينوزا. لكنه لا يستطيع تجنب ذلك. لأن التحليل النفسي يقوم على نظرية للإنسان، ومنطق للروح بالمعنى الدقيق للكلمة، وكلما ظهرت في أي عصر صورة جديدة للإنسان، تصبح النظريةالتي تطرحها جزءًا من التقليد الفلسفي. [10]

رؤية فرويد للعالم، إذن، المذهب الطبيعي الميتافيزيقي، والتجريبية العلمية أو الوضعية، وأنثروبولوجيا التحليل النفسي المميزة. هذه ليست مواقف محايدة مشتقة بطريقة موضوعية لكن يتم اختيارها الالتزامات، حتى العقيدة أو تعبير الإيمان. في حين أن فرويد ربما لم يكن يطمح إلى إنتاج وجهة نظر مستقلة للعالم من خلال التحليل النفسي، إلا أنها تستند بالتأكيد إلى واحدة، فتنقل الالتزامات الأساسية المتجسدة في تعاليمه الأساسية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................................

[1] Sigmund Freud, "Inhibitions, Symptoms and Anxiety," in "An Autobiographical Study," "Inhibitions, Symptoms and Anxiety," "The Question of Lay Analysis," and Other Works, vol. 20 in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, trans. James Stracl1ey (London: Hogarth Press and the Institute of Psycho-Analysis, 1962), p. 95.

[2] Freud, "Inhibitions, Symptoms and Anxiety;' p. 96.

[3] Sigmund Freud, "The Question of a Weltanschauung," in New Introductory Lectures on Psycho-Analysis and Other Works, vol. 22 in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, pp. 158-82.

الاستشهاد اللاحق بالنصوص من هذا العمل

[4] https://en.wikipedia.org/wiki/Michael_Polanyi

[5] https://plato.stanford.edu/entries/thomas-kuhn/

[6]أنظر على سبيل المثال:

S. A. Figueira, "Common (Under)Ground in Psychoanalysis - the Question of a Weltanschauung Revisited;' International Journal of Psycho-Analysis 71 (1990): 65- 75; P. L. Rudnysky, "A Psychoanalytic Weltanschauung," Psychoanalytic Review 79 (summer 1992): 289-305; B. Wood, "The Religion of Psychoanalysis;' American Journal of Psychoanalysis 40 (1980 ): 13-26.

[7] الأقتباسات من :

in Albert William Levi, Philosophy and the Modern World (Bloomington: Indiana University Press, 1959), p. 151.

[8]Levi, p. 153.

[9]tanton L. Jones and Richard E. Butman, Modern Psycho-Therapies: A Comprehensive Christian Appraisal (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 1991), p. 67.

[10] Levi, p. 160.

 

 

سامي عبد العالقد يكون أبرز ما في الإلحادِ هو روح الرفض لـ (أشكال التفكير اللاهوتي) وليس التوجُس حصرياً من فكرة الايمان. والتقاليد الشكلية من تلك الزاوية (حتى بالنسبة للمؤمنين) هي أكثر الأشياء ضجيجاً وصخباً في الأديان. لأنَّ الإلحاد (يبتكر بصيغ مختلفةٍ) تعبيراً عما يطرحه من آراءٍ ومواقفٍ على أسنة الشكِ، وكأنَّه يلهثُ وراء أشباحٍ دونما توقفٍ. وهذا ما يجعل الإلحاد منزلقاً إلى (المواقَّع الخطأ عادةً) حين يهدف إلى تأكيد شيء مناقض للاعتقاد. تماماً مثله مثل الإيمان حين ينحرف مع الزمن إلى الشكل لا إلى الجوهر من الدين. فقد يكون الملحد رافضاً للدين على نحو يكون الرفض مُسلَّمةً، بينما الهدف هو التمرد على سلطة نمط التدين الغالب. وذلك يجعل الالحاد شكلاً بالتبعية في حدودِ المظاهر التي تعبر عن التمرد والإنكار والرغبةِ في المخالفةِ.

أغلب الملحدين يقعون في تلك (الدائرة الحُرة بالفعل) والتي يوسعونّها حول أنفسهم نتيجة تغيرات العصر وخروج الإنسان عن الطوُق. فتأرجح الأفكار الخاصة بالإلحاد يرمي نحو (قوة إنسانيةٍ ما) هي الهدم لأسوار المُحرمات حين تصبح رُؤى للحياة ومساراً للتاريخ. أي أنَّ المواقف الرافضة للدين تُوضّح طبائع التدين في المجتمعات، وكيف تشكلُّ هذه الطبائع أفعالاً قاهرةً (لكونِّها تُحمّل الدين ما لا يُحتمل). وبخاصة عندما تغدو المُحرمات قُيوداً مختلطةً بالآفاق الاجتماعية والسياسية لحركة الثقافة، وحين تمارسُ أدوارها على صعيد الوعي كبدائل لممارسة الحياة الحُرة (أو هكذا يُفترض) بقوة الأفكار المهيمنة على المجتمعات.

والغريب أنَّ تمكُّن الهوس بالمحرمات من رقاب الأفراد يعودُ بنتائج سلبيةٍ على الدين نفسه ويسير عكسَ ما يريد المتدينون (الحقيقيون) فعله. كما أنَّ ملاحقة الإلحاد بسوُط التخويف الميتافيزيقي والسخرية الدينية والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور في الدنيا والأخرة أمرٌ ليس من صميم الدين في شيءٍ. ولذلك حرص الإسلام على القول بحرية الاعتقاد (المطلقة!!) مهما تكن حتى ولو أنكرت هذه الحرية وجودَ الله نفسه (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). والفاء في الحالين تفيد السرعة والحسم وما يترتب عليهما من نتائج، أي أنَّ الله يؤكد على أنَّ دخول الإيمان مرتبط مباشرة بالمشيئة الفردية دون سواها وكذلك الكفر مرهون بمجرد الرفض في التو واللحظة. ولقد حرص الإسلام أيضاً على التأكيد: " أنَّ الأصل في الأشياء والأعمال هو التحليل لا التحريم". والحلال والحرام لا يُؤخذان كل هذه المساحة من الانشغال دون العمل والإنتاج والإبداع لعالم الإنسان.

السؤال إذن: ما معنى أن يبدع الإنسان طرائق مختلفة لتفكيره (معتقداً) أنه يخرج عن كل اعتقادٍ سائد؟ وماذا لو اخترق كلَّ سقفٍ ممكن ولو كان هذا السقف إلهاً هو خالق الأكوان؟ وماذا لو جاءت النتائج (فوق هذا وذاك) معارضةً للسلطة المتشكلة عبر أدمغة الناس؟!

تلك الأسئلة بدورها هي مبعث القلق والريبة إزاء (كلمة إلحاد) لو حاولنا مناقشة القضية بشكل منفتحٍ. لأنَّ الإله بحكم تواريه الميتافيزيقي والوجودي (يستحيل) للبشر (استحالة كاملة) التمكن من الوصول إليه ولا إنكاره بالمقابل. فالحقائق الميتافيزيقية التي يؤمن بها المتدينون ولا يستطيعون إثباتها على نحوٍ ملموس تُساوي (= رياضياً) عملية إنكارها (الإلحاد) دون إمكانيةٍ دحضها أو إلغائها على نحوٍ ملموسٍ أيضاً. المعادلة بين الطرفين من تلك الجهة هي (معادلة صفرية) إيماناً وإلحاداً بالتمام. بكلمات واضحة، فإنَّ الإلحاد موقف يستحيل البرهنة على ما يقولُه تجاه الإله (لأنَّ الإنكار موقف إيماني وجدلي ولو كان معكوساً) والإيمان موقف يستحيل البرهنة على ما يقولُه تجاه الإله (لأنَّ الاعتقاد موقف غير إيماني يدخل سياق المعرفة والفكر). ولذلك ظهرت التجارب الروحية في جوانب كل الأديان تقريباً كبدائل ثرية للموقفين وحققت ما عجزا عنه من العلو الميتافيزيقي الحُر.

إذن المفارقة هي: أنَّ الإلحاد يوجد بالنسبة إلى دين معين بينما يتصور صاحبه أنْ ذلك موقف أصيل إزاء الأديان قاطبة، إذ يقال ملحد إزاء الاسلام أو اليهودية أو المسيحية أو غيرها (فجميع الأديان لديها ملحدوها)، في حين أنه يعمم ذلك دون إثبات. وحتى لو صح موقف الملحد إزاء فكرة الاديان كلها من حيث المبدأ، فهذا غير حقيقي (أو بالأحرى غير دقيق)، لكون الإنسان لا يستطيع الرفض كموقف وجودي رافض وكفى، وإلاَّ لأصبح إلهاً (وبالتالي تصبح الخطورة أكبر جداً مما يعتقد الملحد: أي أنه دخل حيز التألُّه). لأن الإنسان من موقع التأله فقط يستطيع الرفض كرفض وجودي كلي ليس أقل. إن نبرة الإطلاق غير موجوده أصلاً لدى البشر مهما يكونوا قد زعموا القدرة عليها في يوم من الأيام.

لكن اللافت للنظر أن جميع أشكال الإيمان المألوفة قد رسخت أنظمة الحياة وأراحت الناس مؤونة التفكير الحُر وهدَّأت آلام الشكوك ورفعت المسئولية الميتافيزيقية عما يؤمنون. فأكثر ما يتهرب منه فاعلو الثقافة العربية هو تحمل المسئولية عن الحرية. وفي جوانب ليست بالقليلة، كان الخوفُ من الحرية (كعملٍّ يرتبط بتبعات الاعتقاد) شأناً حاضراً على الدوام. إذن.. لماذا سيفكر الناس ثانيةً بطريقة مغايرةٍ لتوثيق معتقداتهم أو على الأقل الإيمان بكل ثقة؟ وإذا كان الموضوعُ كذلك هو نوع من الفهم المغاير، فما بالنا ننتفض بعصبية وتشنج حين يأتي شاكٌ في فكرة الإيمان؟! هنا لن يقف الإلحاد بوضوح فقط في مواجهة (المعتقد الديني)، بل سيصطدم كذلك بما حوله من اقتصاديات المصالح والمنافع والعلاقات والأبنية السلطوية.

ضمن معجم اللغة العربية ثمة (معنى صامت) في عمق الالحاد هو: أنَّه الميل عن القصد المعروف لدى الناس. وعندما يُقال: لّحَدَ فلانٌ إلي شخص آخر بلسانه أي مال وانحرف عن جادة النطق الصحيح. وقيل: إنَّ أصل الالحاد هو الميل والعدول عن الشيء. والمعنى الصامت في هذه الحالة (باعتباره ميلاً عن القصد) يمكن أنْ يعرّفنا كل الكلام المسكوت عنه. فنحن نعي أن القصد بمعناه الواسع عادة ما يكون له فاعل في حياة الناس (أي أن له قاصداً ولو كان مجهولاً). وطالما لم يتم ذكر ماهية القاصد الذي هو وراء القصد حصرياً، فإنه يدل على معنى الفاعل العام كما قلت. والفاعل العام هو السلطة الغالبة التي تصرَّف أحوال المجتمع وأحداثه (سلطة أهل الحل والعقد على غرار التعبير القديم). إن القصد من ثمَّ هو الهدف المفهوم ضمنياً عبر اعتقادات الناس سواء أكان غاية ومصالح للسياسة أم للعلاقات الاقتصادية أم للحركة الاجتماعية وطقوسها. بحيث يدخل ذلك الهدف كمرجعيةٍ في القوانين والأنظمة السياسية والاجتماعية. إذن يمكننا التساؤل مجدداً: أيُّ قصد في المجتمعات هذا الجاري فعلاً بخلاف التكوين الميتافيزيقي لمعاني الإيمان؟!.

الإجابة خطيرة بالفعل: أنَّ الالحاد موقف يريد التحرر من القصد العام الذي يوظف الإيمان والخادم لسواه في الحياة المشتركة وهو كذلك القصد الذي يستعمل الدينَ لأغراضٍ غير حرةٍ بالمرة ولا تتسق مع منطلقات الدين نفسه. والقصد هنا قد يكون وضعاً إنسانياً، وقد يأتي حقيقة ميتافيزيقية، وربما يعدُّ غاية وأصلاً في الحياة المشتركة كما يُشار. ولكن في العادة لا تأتي هذه (المقصودات) عارية من لحمها الاجتماعي والثقافي بالمرة. ففي تاريخ الثقافة العربية الاسلامية كان معنى القصد حكراً على الحكام والفقهاء ورجال الدين وأصحاب الصولجان. لدرجة أنَّ تفسيرات النصوص المقدسة (القرآن والأحاديث وحتى كتب الأديان الأخرى) تحولّت إلى سوق رمزي أدي خدمات للأنظمة الحاكمة. وكم سمعنا عبارة (مقاصد الشريعة) التي هي تتعانق اجتماعياً مع قصد المُشرّع الإنساني على مستوى القوانين والسياسات والأنظمة الحاكمة.

وبالطبع قد تعتبر فكرة القصد من وراء الاعتقاد هي تأويل لغايات الحياة والأفعال في المجال العام (السياسي والاجتماعي تحديداً). ومن ثم ليس بإمكان أحدٍ التحدث عن ماذا يقصد بشكل عام حتى على مستوى سلوكياته الجزئية، لأنَّ سلوكياته قد لا تعني أحداً غيره بالضرورة ولا يمتلك ردود الأفعال عليها خارج ذاته. إذ أن الحكام والفقهاء في المجتمعات العربية الاسلامية يفكرون له، يقصدون قبل أنْ يقصد طالما خرجت أفعاله عن محيطه الضيق. كما أنه كمُسلم يردد في ثواني اليوم والليلة وفي عباداته عدداً لا يحصى من مرات القصد إلى الله. في الوقت نفسه الذي يرتكب فيه جميع أصناف الأعمال والمعاصي اللا أخلاقية.

وضمن هذا الإطار، تظل تتواتر عبارة (والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل) عقب انجاز الأعمال والمشروعات والعبارات، حيث نراها في الصحف والخطب والمنشورات العامة. علماً بأن هذا (الهدف وراء) المقصود مزدحم بمآرب أخرى تضر بالمجتمع والناس وتضر بالدين نفسه. ليست (دلالة الإله بين الناس) هنا سوى مقولة بلاغيةٍ لتمرير المقاصد الاجتماعية بحسب الأنظمة المهيمنة على الشعوب. والعبارات الدينية لا تخلو من خطاب طاغٍ على الواقع (ومغطياً أزمة اليقين) وراء الأفعال، وما إذا كانت تلك العبارات ناجعة في ثقافةٍ مأزومة أم لا!!

يبدو إذن أنَّ مفهوم التألُّه بمثابة الخيط الناظم لتلك الحركة الاجتماعية السياسية التي تعضد بعضها البعض في تاريخ المسلمين. وليس بمستطاع الإلحاد بمعناه الاجتماعي والسياسي أن يزيح ذلك التراكم الثقافي، لكن مواقفه الرافضة تنال كماً وفيراً من التهميش والتعجب. ولعلَّ المصطلحات الرائجة مثل: الكفر، الهرطقة، الخروج على ثوابت الأمة، ازدراء الاديان، تهديد الهوية، زعزعة الاستقرار الاجتماعي، إنكار المعتقدات، التعدي على المقدسات، الإضرار بكيان المجتمع، تهديد الوحدة الوطنية، انكار الدستور والشرائع، هدم القيم... أقول لعلَّ هذه الكلمات جميعها بمثابة رماح يسلطها المجتمع تجاه الملحدين الرافضين للمعتقدات (شكلاً وقد انسحب على الجوهر). سهام تخرج تلقائياً ضد فيروسات (كما يصورنهم) تنخر بناء الثقافة الشائعة. لكنها في الحقيقة تمثل كلمات تعبر عن هوس التمسك بالشائع، والدفاع عن المألوف والتصورات الحاكمة حتى الرمق الأخير.

التألُّه في المجتمعات الإنسانية ليس فقط تصوراً دينياً ولن يكون. وصحيح هو يعود إلى أصل ميتافيزيقي اعطته الأديان مساحةً كبيرة من التأسيس، ولكن في الكتب المقدسة للأديان السماوية يُشار فقط إلى الإله التوحيدي بوصفه صاحب (التألُّه الحقيقي). ويأتي في تضاعيف هذه الكتب المقدسة نسب الكلام إليه بصيغة الغائب- الحاضر. وكان إخبارها عن صفاته وأفعاله الحقيقية المنزهة بخلاف صفات البشر الفانين. لكن ظلت هذه العملية التاريخية مفتوحة بحسب (سلطة القصد) تحت ادعاءات بشرية كثيرة. سواء إذا كان هناك من يتألّه باسم الدين كرجال الدين والكُّهان والعرافين أم يحتكر نصوصاً دينية خالعاً على ذاته نوعاً من القداسة المقلوبة (أي اصطناع حالة أشبه بالدين والتأله الأرضي).

هكذا كان الله عليماً وينسب إليه مطلق العلم والمعرفة، لكن جاء حكام المسلمين (كما يزعمون) ليعلموا القاصي والداني، الباطن والظاهر. وهكذا كان الله حكيماً ثم جرى وصف الحكام أنفسهم بالعظماء ومصدر الخيرات. وهكذا كان الله قديراً ولكن جاء الحُكام أسياد الشعوب وكبرائهم الملهمين. وهكذا كان الله راعياً ومصرّفاً لأمور الكون والحياة بينما جاء الحكام مسؤولين عن رعاياهم وتحويلهم إلى عبيد. وهكذا كان الله منتقماً وجباراً ولكن ظل حكام المسلمين ينتقموا ويمثلوا بضحاياهم وشعوبهم بأشكال مختلفةٍ.

من تلك الزاوية ليس الإلحاد انحرافاً عن القصد كما يزعم حراس الأيديولوجيات الدينية. ولئن كان كذلك، فعن ماذا يمثل انحرافاً عندئذ؟ هل هو انحراف عن عقائد راسخة؟ بالطبع هو انحراف عن عقائد اجتماعية راسخة، إذن ليست العقائد الراسخة معياراً ليقينها ولا لاستمراريتها بحكم أنها موضوع للاعتقاد!! وعليه لا يعتبر الإلحاد ضرباً من التيه في غياهب المجهول كما يحذر هؤلاء المؤدلجون. لكنه عبارة عن سؤال مصيري يضع فكرة الإله في أفق البشر وبدائله على المحك. قدرة إنسانية متجددة بحثاً عن الحقيقة، تنقيباً عن المعرفة، عن اختبار الأسس التي يهيمن عليها المتألهون الأرضيون. الإلحاد تجربة غامرة في أحضان اللا أساس تدعو إلى الشفقة تجاه الحيرة الإنسانية. فهذه المعاني للإله التي تسند إليها العوالم والحقائق والموجودات والأفعال البشرية... فجأة يعتبرها الملحد المتمرد كأنها لم يكن!!

ليس أمر الإلحاد نفياً معرفياً، لكنه خوض غمار الشك داخل الحياة، إعادة تأسيس اللا أساس من جذوره القصوى. وبالتالي فهو قدرة تنضح من معين سحيق بعمر العصيان الآدمي للرب (عصيان الأمر الذي اغتصبته الجماعات البشرية ولاهوتها السياسي). وأي دين يتحرش (مجرد التحرش فقط) بتلك الأفكار والظواهر الإلحادية بهكذا معنى سيكون ديناً ذابلاً لدى أصحابه ومهدداً باستمرار كأن المؤمنين غير واثقين من إيمانهم. وما لم يلتصق هذا الدين بإرادة متبصرة لدى أصحابه، لن تكون خطوط سيره إلاَّ التماثل الأعمى. إن اختصار الطاقات العقلية المتنوعة في الاحتذاء الجمعي لبعضنا البعض هو الوجه الناعم للقتل البطيء.

ليس ثمة فعل فاضح (على كافة مستوياته الإنسانية) أكثر من عملية (النسخ الاعتقادي) المشوِّه للعقول. إن" أحبار" الدين، رجاله وفقهاءه ودهاقنته وكهانه لا ينقطعون عن الظهور في هوامش الديانات ومتونها بهذه العملية. وتلك المكانة شهدت تنويعات بصور متتابعة طوال آلاف، بل عشرات الآلاف من السنين. لا وظيفة لهم سوى قولبة الأدمغة على مقاس الفكر الديني السائد. وهو ما يحدد أركان المعتقد وجوانبه بمعناها المعرفي والميتافيزيقي، رافضاً أي اعتبار للجوانب المفقودة وممارساً الاخضاع لكل نظر مفتوح. الدين (ايديولوجياً وطقوسياً ورسمياً) قائم على قانون الجاذبية بامتياز اعتقادي. بل إن مشكلة الأديان لدى البشر (لأنَّ هناك ملحداً يهودياً كما أن هناك ملحداً مسيحياً وكذا اسلامياً) كونها لا تستطيع العيش إلاَّ في ظل "قوانين جاذبية" تربط حلقاتُّها القاصية والدانية. ثم تتشكل القوانين الجاذبة التي تؤكدها في المجال الاجتماعي الثقافي ولكن سرعان ما تُستبدل بشرياً ويتوهم أصحابها أنها أصول إلهية. خطورة الإلحاد أنه يقطع تلك السلسلة بالتمرد على الظاهر منها في قوالب اجتماعية. فالإنسان لا يكف عن طلبها (على الأقل) عن طريق بصمة النزوع نحو تأليه ذاته.

ولكن مع عدم الاخلال بعلميّة موضوع الجاذبية وخلفياتها، هل هي مصادفة أن يكتشف اسحاق نيوتن قانون الجاذبية (وهو دارس اللاهوت وكان مسيحياً متديناً وكان دراساً متعمقاً للخيمياء والعهد القديم لدرجة الحفظ والاستظهار)؟ وماذا هنالك حين ترتبت على قانون الجاذبية من مفاهيم الفعل ورد الفعل، السكون والحركة، المركز والهامش، مجال الجاذبية؟! كان جراء فيزياء نيوتن أن ظهرت اتجاهات معرفية ولاهوتية لتأسيس فيزياء نفسية واجتماعية بجوارها. فيزياء تحاول ترسيخ المفاهيم المادية نفسها على نطاق إنساني عام يخص الفكر والاعتقاد. وها هي المجتمعات الإنسانية في شرقنا العربي الإسلامي تطبق تلك النظرية في مجال المعتقدات حذو الحرف بالحرف، ويصبح الخارج عنها ملحداً لا محالة، وهو بدوره يغذي داخله نزوع التمرد عن المألوف (اللاجاذبية).

 

د. سامي عبد العال

 

علي محمد اليوسفباشلار ومنهج تشيييء الزمان

حين ينعكس الفهم الراسخ لدينا أننا لا نستطيع إدراك الذات ولا النفس ولا الزمان بمنطوق منهجي فلسفي جامع واحد يتقبل أويلغي فروقات الجمع بين هذه المفاهيم الفلسفية الثلاث(الزمان، الذات، النفس) حتى على صعيد الربط الميتافيزيقي بينهم. فهذا يوجب علينا توّخي الحذر الشديد حين نتعامل مع الذات في تعالقها مع النفس والزمان بالمنطق الفلسفي كتجريد يحمل دلالاته المحمولة في إمكانية التصور الادراكي للزمان والنفس أنطولوجيا.

لكن هذا ليس كافيا أمام إصطدامنا بحقيقة أن كل موجود ندركه في الطبيعة يمكننا رد كل اشكالياته المتداخلة بعضها مع البعض الآخر الى مرجعية ميتافيزيقية تحتويه كما تحتوي كل شيء وموجود وظاهرة في الوجود والطبيعة والكوني. وهو ما سار عليه برجسون ومن بعده باشلار. إنهما إن صح التعبير أن الميتافيزيقا من حيث هي تجريد عقلي يعلو الطبيعة والانسان.

وهذه الميتافيزيقا بحسب فلسفة باشلار هي المحدود زمانيا بألمنطق الفلسفي الذي يريد دراسة تعالق الذات والنفس بالزمان كمحدودات متعيّنة وجودا ندركها وليست جواهر يصعب تناولها انطولوجيا أو حدسا إدراكيا، أي الزمان نفسه يصبح متعيّنا بدلالة ما يحتويه من وجودات تعرف بدلالتها الزمانية وليست المكانية فقط.

ميزة الميتافيزيقا أنها تمنحنا القدرة والحرية كاملة في أن نقول ما لا يقبله العقل والمنطق الفلسفي قوله والتعبير عنه دونما رقيب ممانع من أحد يصفنا أننا نحرث في بحر. والصعوبة عندما نعامل مفاهيم انطولوجية مثل الذات والنفس بمنهج التفكير الميتافيزيقي للزمان بنفس المنهج...أي أننا وبحسب فلسفة باشلار نجعل الزمان مدركا بدلالة ادراك العقل للوجود.

هذه الاشكالية المتداخلة بين الذات والنفس والزمن رغم الفروقات الشاسعة المختلفة المتنوعة بينهم نجد يعاملها كل من برجسون وباشلار على أنها نوع من الحدس الميتافيزيقي الذي يمكننا إدراكه ذاتيا - نفسيا في حدود سايكولوجيا النفس ومطلق الزمان حين تحدّه النفس والذات بالإدراك المباشر خياليا إستذكاريا مصدره الذاكرة التخييلية.. على أن الأخير الزمان لايحضرمطلقا لامتناهيا ولا غير محدود بفضاء وجودي ولا تدرك صفاته الخارجية ولا ماهيته تجريدا إدراكيا لكنه يحضر كمدرك متعيّن انطولوجيا بدلالة غيره مثل إدراكنا النفس والذات كما فعل برجسون ومن بعده باشلار.هنا يتعامل باشلار مع الزمان إستذكارا مصدره الخيال النفسي الرومانسي ولا يعامله بمطلقه الازلي.

ونجد برجسون وباشلار يتعاملان مع الذات والنفس بإدراكية واقعية تقوم على ثيمة ومرتكز الزمان المتداخل معها خارج الصفة المطلقة الماهوية الواحدية للزمان الذي لا ندرك من تلك الإطلاقية الازلية له أبعد من العلاقة التي تربط الذات والنفس كجوهرين متعيّنين إدراكيا بمحدودية الزمان الذي هو في حقيقته وخاصّيته مطلقا غير مدرك الماهية ولا الصفات لا يمكن تجاوزعدم تحققها بالإدراك الانطولوجي.

التموضع الإدراكي الزماني في الموجودات لا يجعل من الزمان محدودا يدرك بدلالة موجودية الاشياء أنطولوجيا فيه في إنتفاء خاصيّة الماهية المطلقه الثابتة التي لا تتغيّرله. علما أن الفيزياء الحديثة باتت تتعامل مع الزمان كصفات مدركة أيضا بدلالة غيرها من جواهر فيزيائية كونية مثل سرعة الضوء وكتلة الجسم والطاقة والاحتكاك وغيرها، فقالوا الزمان ينكمش ويتمدد كما هي خاصية المادة تماما وفق شروط فيزيائية كونية محددة كوزمولوجية خاصة كما ما ورد في النسبية العامة لانشتاين 1915.

هذه العلاقة الميتافيزيقية في مطلق الزمان يعتمدها باشلار حين تتخذ فيها صفة أن توجد الذات ضمن إمكانية إدراكنا الزمان والنفس ليس كمفهومين تجريديين يعبّران عن نفسيهما إفصاحا كلا بطريقته الخاصة. بل كموجودين تدركهما الذات العابرة لعائق وحاجز مطلق الزمان في محدودية إدراك إفصاحات النفس. ليصبحا الذات والزمان إحدى تجليّات النفس الخيالية الذي يمتزج فيها الادراك الشعوري بمخيّلة الذاكرة في إثارتهما ذكريات الماضي كوقائع تاريخية ثابتة بدلالة الحاضر. وهو ما يرد على لسان باشلار " لا يمكننا تعلم الزمان مباشرة من خلال ماضينا بإعتباره كتلة ذات شكل واحد. وحين ننظر من وجهة نظر بيار جانيه سرعان ما نتوصل الاعتراف بالواقع أن الذكرى لا تعرف دون إستناد جدلي الى الحاضر."1.

نجد من المهم التنبيه أن باشلار لا يتعامل مع إستذكارات الزمن الماضي على أنها حوادث تاريخية شبه ثابتة وإنما المخيال التذّكري لديه هو فقط ما تستشعره النفس من ذكريات الماضي المبهجة الرومانسية على صعيد التجربة الذاتية الخاصة بكل فرد وليس على صعيد تاريخي يجعل الماضي مدركا منفتحا للجميع بعيدا عن خلجات النفس الابتهاجية الرومانسية في إستذكار الماضي على صعيد تجربة الذات الفردية بكل ما تحمله من خصائص إنفرادية.. باشلار امام هذه المهمة التي يرغب بلوغها يعمل على تشييئه الزمان سايكولوجيا وهو ليس بألخطأ الذي يستهجن تمريره..

الذات والمعرفة

يذكر باشلار على لسان بيار جانيه "أنه لا أهمية للاتصال المعرفي من عدمه طالما أن الفكر بذاته هو طريقة مخاطبة الذات في تعليم الذات ، المعرفة التي يؤكدها الوعي حقا، أنه مسار التعليم الحقيقي بالذات "2  لا مشكلة أن تكون المعرفة هي تعليم للذات، ولا أهمية للاتصال المعرفي الانتقالي من عدمه. لكن هذا يناقض قول باشلار "المنهج الصحيح لا ينبغي منح حق الكلام عن معرفة لا تكون قابلة للابلاغ والاتصال "3.

هنا لا ندين التناقض المعرفي التعبيري لدى باشلار على أنه خطأ بائن كبير يلغي النسق الفلسفي الميتافيزيقي الذي يتبعه بخصوص تشييئه الزمان بدلالة كل من الذات والنفس. كما قلنا في أسطر سابقة ميزة الميتافيزيقا هي أنها تفكير يسبح في فضاء منفلت عن كل محدودية منطقية تعبيرية خارجة عليها تماما تحتويه. ليس غريبا ولا غير مكرر ومعاد أنك تجد صعوبة كبيرة في تناولك أفكارا ميتافيزيقية بمنطق الفلسفة العقلانية المحكمة.

رغم أن باشلار يتعامل مع الميتافيزيقا كما أشرنا له سابقا ليس مفهوما مطلقا لا يتقبّل التحديد ولا يتقبل محاكمة العقل ولا المنطق له. بل باشلار يتناوله في محدودية تحكمها الذات والنفس كجوهرين مدركين أنطولوجيا بالدلالة العلائقية التي تربطهما بالاشياء والموجودات والظواهر والسلوك فقط. علما أن مقولة ارسطو "لايمكن أن نحد الزمان بالزمان) لازالت تحتفظ بعلميتها الفلسفية الي لا مجال إدحاضها.

حين يعبّر باشلار " الوجود يخسر دوريا ويربح في الزمان. ففيه يتحقق الوعي أو فيه ينحل."4، نفهم من تعبيره هذا أن من حقائق المعرفة إدراك الوجود بدلالة الزمان، وتجريد الوجود من محتوى موجوداته المتعددة المتنوعة التي لا حصر لها يحتويها، وتجريدها عن زمانيتها غير ممكن، فالزمان ملازمة إدراكية تزامنية للوجود. بعبارة ثانية إدراك الوجود في حقيقته لا يمكن تحققه إدراكا مكانيا بمعزل عن ملازمة الزمان الادراكية له. كل شيء يدركه العقل زمكانيا مشتركا بين مكان وزمان يلازمه ويحتوية بمفارقة إختلاف المجانسة المادية أو الماهوية بينهما. فخصائص المكان ليست هي خصائص الزمان مطلقا ولن يلتقيا أبدا على هذا التمايز النوعي.

الوعي يتحقق في وجود مادي أو موضوع خيالي سابق عليه، لكن هذا الوعي لا دخل للزمان في إنحلاله كعامل سببي بل كعامل تقادم زمني يفقده الكثير من رونقه وحيويته الحاضرة على الدوام. فالوعي يكون قرين مدركات الزمان الحاضرأكثر من صرف إهتمامه أي الوعي نحو الماضي كخزين لوقائع وحوادث وذكريات أصبحت تاريخا وليست زمانا . ولا يفهم من كلامي هذا أن الزمان لا يحكم التاريخ بل يتكامل ويتكافل معه بالمغايرة غير المتجانسة معه. فحقائق التاريخ الواقعية هي زمان في الدلالة لحوادث حصلت  وأصبحت خارج الزمان كماهية ثابتة بالصفات التوثيقية لها..

ثبات مطلقية الزمان الميتافيزيقي حتى في حال تحجيمنا لها بمحدودية إدراكات الذات وتعبيرات النفس لا تجعل من الوعي منحّلا بل الوجود كوحدة إدراكية واحدة جامعة هو من يقرر هذا الإنحلال.

حتى التقادم الزماني للوعي ليس هو من يقرر إنحلال الوعي فيه ولا من يقرر الحفاظ عليه. علاقة الزمان بكل موجودات الوجود وظواهره هي علاقة إدراكية معرفية إستدلالية محايدة لا يتداخل الزمان معها جدليا بل إستدلاليا. من الممكن تموضع الفكر واللغة بالاشياء المدركة لكن الزمان لا يتموضع مع الاشياء في إدراكها، فخاصية التفكير لا يمتلكها الزمان.

كما نجد في تعبير باشلار" الذاكرة لا تقدّم لنا النسق الزمني مباشرة، فهي بحاجة الى أن تتقوى بعناصر إنتظام أخرى ولا يجوز لنا أن نخلط بين ذكرى ماضيا وذكرى زمانيا "5. كما يقول باشلار وهو محق الوجود يربح من الزمان أكثر مما يربحه الزمان من الوجود وهو كذلك فعلا لأننا لا نعرف الوجود من دون ملازمة إدراكية تعريفية له في ملازمة الزمان كعامل إدراك معرفي وليس عامل ديالكتيك جدلي متداخل في مدركاته..الزمان لا يرتبط بعلاقة جدلية مع المدركات وإلا أصبح الزمان مدركا هو أيضا كما ندرك المكان. ولكن إدراك الزمان تجريديا انطولوجيا بدلالة ماذا؟

تعقيب توضيحي

- الذاكرة في حقيقتها التجريدية هي تاريخ إستذكاري يهتدي بالمخيال الإسترجاعي لوقائع الماضي وذكرياته.وليس من المتاح أن يكون للذاكرة زمانين أحدهما تحقيبا زمانيا مدركا بموجوداته وليس تجريدا زمانيا هو الماضي، والآخر لايقبل التحقيب الزماني الارضي فيكون مطلقا ميتافيزيقيا لا يلتقي مطلقية ماهية الزمان الكوني ولا يتداخل معها لإختلاف وإنعدام المجانسة النوعية بينهما.

بتلخيص العبارة ماهية الزمان الارضي هي نفسها ماهية زمانية الكون بموجوداته في مليارات الكواكب والأجرام والنجوم التي يحتويها زمان كوني وهي لا تحتويه. الزمان في مطلق ماهيته لا يحتويه وجود أرضي ولا وجود كوني.

- التاريخ يحكمه الزمان كتحقيب وقائعي أرضي جزء من الماضي، ولا يحكم التاريخ زمن ماض هي ذاكرة معرفية إسترجاعية بدلالتها نحدس المستقبل في عبورنا الزمن الحاضر الذي هو سيرورة زمنية غير ثابتة ومؤقتة تختلف جدا عن زمانية الماضي كثبات تاريخي فقد الكثير من حيويته الحضورية في تقادم زماني عليه الذي تحكمه حوادثه الواقعية كتاريخ بدلالة الزمن وليس زمنا بدلالة التاريخ كثبات.

- الملاحظة التي أود الاشارة لها أن الزمن يحكم الماضي بزمانيته المطلقة ويحكم الماضي بدلالة موجوداته وحوّادثه كتاريخ. الماضي يحمل زمانية ثابتة تقريبا لا يحرّكها سوى الحاضر الزماني الذي يكون في حركة لا يحجّمها الزمان بل يلازمها في محاولته إسترجاع ذكريات الماضي لتعيش الحاضر بصفاتها الماهوية الماضوية فقط.

ومن المتعذر أن يتداخل أكثر من زمان تحقيبي أرضي واحد مع غيره زمانا تحقيبيا أرضيا آخر وليكن مثالنا الإفتراضي تداخل الزمن الماضي مع الزمن الحاضر وكلاهما تحقيبان زمانيان أرضّيان يتصفان بالصفة الماهوية الواحدة بمطلق الزمان لكنهما يختلفان بمحدودية زمانية الماضي بإختلافها عن محدودة زمانية الحاضر فهما غير متجانستين بالمحتوى الزماني بينهما لكنهما لا يخرجان عن الوحدة الماهوية المطلقة للزمن الازلي غير المحدود... من المتاح لنا أن نعّبر عن الزمانين الماضي والحاضر على أنهما حوادث تاريخية مختلفة تنتسب بعضها للحاضر وبعضها الآخر للماضي.

- حين يقول باشلار الذاكرة لا تعطينا نسقا زمانيا مباشرا، وهي حقيقة نستدل على صحتها أن الذاكرة هي تعاقبات تداعية من الإنقطاعات الزمنية الإفتراضية غير الحقيقية كون الزمان لا يقبل التجزئة ولا القطوعات كزمان تجريدي تحكمه الماهية وليس الحضور المتعيّن، عندما نقول قطوعات الزمان إنما يكون المقصود الحقيقي هو الانقطاعات المادية في الوجود وليس قطوعات ممكن حدوثها في الزمن مجردا عن مدركاته.

الانقطاعات التي نصفها زمانية هي قطوعات تاريخية قابلة للتجزيء المعرفي والإدراكي ترافق عملية الإسترجاع التذّكري للماضي. الإنقطاعات التعاقبية في الزمان هي تحقيب عشوائي طاريء ضمن عشوائية مطلق الزمان الكوني في إحكام قبضته القوية الممسكة بالوجود. نحن لا نمتلك وجودا مجردا عن زمانيته كما لا ندركه من غير تلك الزمانية الملازمة لكل موجود مكاني.

مقولة افلاطون التي تقول الطبيعة بموجوداتها السابقة وجودا سابقا على موجودية الزمان هي التي تنّظم عشوائية الزمان المطلقة تعبير صحيح كوننا لا ندرك نظام موجودات الطبيعة بغير تعالق مرجعية الزمان لها. لكن ما دليل افلاطون أن عشوائية الزمان تنتظم بدلالة نظام المكان الا إذا كان المقصود بنظام المكان هو القوانين الطبيعية الثابتة التي لم تكن الفلسفة تعرفها علميا وقتذاك.

أما مسألة الإسبقية بين الطبيعة والزمان فلا يمكن حسمها لا علميا ولا فلسفيا. لكنما الترجيح الإفتراضي الأسلم هو أن نعتبرهما متلازمين ومتزامنين في الخلق والوجود ولا أسبقية بينهما لأحدهما على الآخر. والاختلاف بالعشوائية بين الزمان والمكان وايهما ينظم عشوائية الاخر بدلالة الاخر مسألة يصعب التسليم بها لمجرد أن قاءلها افلاطون لا غيره. الحقيقة العلمية الثابتة أن نظام الطبيعة تحكمه قوانين ثابتة. وهذا مالم يتوصل له العلم أن الزمان أيضا محكوم بقوانين ثابتة لا يحيد عنها. ما أربك الفلسفة هو برهان انشتاين في النسبية أن الزمان حاله حال المادة ينكمش ويتمدد. ولم يقل انشتاين اننا نستطيع ادراك الزمان كما هو إدراكنا للمادة.

- الشيء الملفت للانتباه ونتجاوزه بإستمرار أن تنظيم موجودات الطبيعة للزمان إنما تتم في تكيّف إنتظامي غير معلن وغير مدرك من قبلها مع مطلق الزمان في إكتسابها إدراكنا الوجودي النظامي لها، ونستعير عبارة باشلار ثانية قوله ما معناه الوجود يكسب من الزمان ولا يكسب الزمان من الوجود عبارة صحيحة. ليس على الصعيد التجريدي في ضبط علاقة الزمان بالوجود بل على الصعيد الانطولوجي الإدراكي في تعالق المكان والزمان.

- السؤال لماذا يفقد الماضي على الدوام حيويته الزمانية التي تحاول ربط الماضي بحاضره الإسترجاعي له؟ الماضي يفقد حيويته الزمانية كونه ثبات زمني محكوم بتاريخ أحداثه ووقائعه الثابتة المدوّنة تاريخيا. توضيح الأجابة الأوسع نجدها في الفقرة اللاحقة أدناه.

- الذاكرة التي تفقد الكثير من نسقها الزماني الانتظامي بسبب قطوعات الإسترجاع التذكرّي لها التي يعتريها النسيان، يريدها باشلار تتقوى بعناصر أخرى خارج محكومية الزمان، ولا يوجد غير الخيال أداة الإسترجاع الذكرياتي للنفس المعيد لذكريات الماضي التي هي في فلسفة باشلار كل ماهو جميل ينسينا مرارة حاضرنا.. الحقيقة التي نتجاهلها في سعينا توكيد البحث عما تتقوى به الذاكرة نسقيا زمانيا، نتناسى عمدا ونتجاوز حقيقة أن الخيال محكوم بزمن يحتويه يتحكم به ولا يستطيع الخيال الإفلات منه.

الحقيقة الاخرى أننا نقع على الدوام في لبس وخلط حين نعتبر ذكريات الماضي هي زمن تذّكري خال من ثبات تاريخانيته وتغليبها على زمانيته، ونهمل حقيقته الإسترجاع الخيالي مستمد من الذاكرة التي يقاطعها التاريخ المدوّن الثابت، مع وجوب الاشارة الى أن برجسون ينكر أن يكون مصدر تخيّلاتنا هو الذاكرة بل يعتبر المخيّلة شيء والذاكرة شيء آخر وفي هذا يكون تأثير برجسون على فلسفة باشلار حاضرة دائما وبقوة. في إعتباره الخيال مصدره المخيّلة وليس الذاكرة.

في مقاربة من هذا الفهم يذهب ديفيد هيوم معتبرا الإنطباعات الواردة من العالم الخارجي لا يكون مصدرها تفكير الذهن ولا تختزنها الذاكرة بل مصدرها المخيّلة التي تصدر الخيالات المتراخية بلا حيوية تسمها وتطبعها بها حسب توصيف ديفيد هيوم معتبرا الانطباعات الذهنية أكثر فاعلية من الافكار التي مصدرها العقل..

- حقيقة الخيال الذي يصفه ديفيد هيوم بالعنصر الخامل مقارنة بحيوية الإنطباعات المارة عبر الذهن للدماغ، حكم غير دقيق كون الخيال فرص إفلاته من محكومية الزمان له يكون أكثر من حيوية الذاكرة التي يحكمها الخيال الاستذكاري من جهة وثبات وقائع الماضي كتاريخ تدويني ثابت تستذكرها الذاكرة من الماضي عندما تكون الذاكرة محكومة بمحددات النسيان والزمن والتاريخ من جهة اخرى.

ويبقى الخيال رغم إرتباطه الوثيق بالذاكرة فاعلا حيويا في تنشيط عمل الذاكرة على الإسترجاع التذّكري لحوادث الماضي وذكرياته. من المهم قولنا  ولا نخرج خارج موضوعنا في ألتاكيد على أن المخيال هو أكثر خصوبة إبداعية من تفكير الذهن والعقل معا.

- الخيال كما أشرنا سابقا محكوم بالزمان لكنه يكون متحررا منه في إستذكار وقائع الماضي كوقائع وحوادث تاريخية ثابتة تدوينيا. في تعبير لبيركلي أن الانطباعات الخارجية تدخل الذهن وتخرج منه دونما أي تغيير أو تداخل ينسب للذهن على أنه مصدر التفكير يقاطع مثالية ديفيد هيوم التي تقوم على الشك والتجربة الحسيّة..

- الخيال الإسترجاعي لحوادث الماضي هو توثيق تاريخي بتعبير مختلف، بينما يكون الخيال في مجالات أخرى غير إستذكار حقائق التاريخ يكون إبداعا تخليقيا في إنتاجية الادب والفن حين يكون الخيال منتج اللاشعور النفسي وليس منتج الخيال الإسترجاعي الإستذكاري لتاريخانية الماضي.

- خيال الذاكرة في عبوره زمانية الحاضر نحو إستذكار وقائع الماضي يفقد الكثير من طاقة الإستذكار التي يطويها النسيان وتصبح عدما لا وجودي، بخلاف هذه الخسارة، يكون الخيال هو إمكانية الاضافة الابداعية على ذكريات الماضي ما يجعلها معاشة في حاضر يعيد لها حضورها الأجمل الاكثر تأثيرا. الخيال كفضاء مفتوح يتمتع بقراءات جديدة لم تكن متوفرة عليها لا الذاكرة ولا أحداث تاريخ الماضي عندما تحاول ذاكرة الحاضر إسترجاعها بخيال تجريدي.

لذا نجد ما تستعيدة الذاكرة بالمخيال هو أكثر صدقية في تعبير النفس عنه حين تم سحب تلك الذكريات من الماضي ليجعلها الخيال حاضرة في الذاكرة والنفس تعيش الحاضر بألق جديد وتأثير نفسي عميق لم تكن تمتلكه كحوادث جرت في الماضي حين تتلبسها الرومانسية..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

هوامش:

جاستون باشلار/ جدلية الزمن/ ت:خليل احمد خليل/ 1،2،3،4،5

6، ص 47

 

علي محمد اليوسفتوطئة: يمكننا البدء بإدانة هيجل في إختلاقه فكرة المطلق العقلي الواقعي الذي يحتوي كل شيء في الوجود. فهو كان إختلف مع اسبينوزا من منطلق أنه لا يؤمن بوحدة وجود تقود الى إيمان ديني بوجود خالق هو جوهر لكل موجود كما أراد اسبينوزا إثباته، والحقيقة أصبح مذهب وحدة الوجود تتوزّعه العديد من الإجتهادات التجاذبية بين الديني واللاديني، بين الروحي والنفسي، بين المتناهي واللامتناهي، بين الصوفية الدينية والفلسفة.

(1) المتناهي واللامتناهي

التفكير متناه في محدودية القدرة على معرفة وفهم أشياء من العالم وليس كل العالم. ويكون التفكير الخيالي خاملا حسب توصيف ديفيد هيوم كونه يستنفد نفسه قبل تمام إدراك مواضيعه المستمدة من عالم لامتناه. لا يتمكن التفكير الخيالي التموضع الكامل لادراكه اللامتناهي. عن هذه الحقيقة يعبّر ديكارت "ربما يوجد ما لانهاية له من الاشياء في العالم، وفي المباينة مع ذلك فليس عندي في الفاهمة أية فكرة عنه".

ليس بعيدا ولا غريبا تكرار المقولة الفلسفية أن ما يعرفه الانسان ليس أكثر مما يدركه فعلا.في محاولة المتناهي المحدود معرفة اللامتناهي المطلق محاولة عقيمة لا معنى لها، فالتفكير الخيالي لا يستطيع فهم أشياء لا تكون لها معرفة صورية حتى بالتعريف البسيط لها بالذاكرة... يصف ريكور الإرادة بأنها ذات سعة ومجال بلا نهاية.

ألارادة لها سعة ومجال تفكيري بلا نهاية صحيحة، لكن فاعلية الإرادة التخييلية إنما تكون في المتحقق المنجز لما تقصده وتبتغيه..ويقصد باللامتناهي المطلق فلسفيا هو الخالق غير المدرك بصفاته ولا ببعض ماهويته الإفتراضية الذاتية. هذا اللامتناهي الذي لا يمكن الإحاطة به. أما المتناهي فهو المدرك الذي يمكننا تحديده بالمقارنة مع متناهي آخر يشاركه المجانسة النوعية. ومن الصعب إستطاعتنا تحديد اللامتناهي لأننا نحتاج الى حده بشيء يجانسه النوع وهومحال. أي يتعذر تحديد اللامتناهي بشيء يمتلك قدرة المداخلة الجدلية مع المتناهي. هنا أود تثبيت نقطتين لماذا نستطيع إدراك المتناهي ولا نستطيع إدراك اللامتناهي،؟

إدراك المتناهي هو إدراك لشيء متعّين محدد بخواص المادة التي تدركها عقولنا (الطول، العرض، الارتفاع، الزمن). وهو ما لا ينطبق على اللامتناهي الذي لا يمتلك مثل هذه الصفات التي يدركها العقل. والسبب الثاني أن كل محدود هو سلب بتعبير اسبينوزا وهيجل، أي كل محدود يفقد العديد من الصفات الايجابية التي يمتلكها لحساب تعينّه المادي السلبي. فاللامتناهي لا يخضع لتجريد عقلي يدركه بتحديد صفات له هو لا يستطيعها اولا ولا مدركة من قبل العقل ايضا.

أمام هذا المعنى أثار لا يبنتيز طرحا إشكاليا معتبرا " كل معنى محدّد، أيّا كان، وكل معنى لا يحتوي المتناهي هو معنى مجرد ناقص". كون الإدراك العقلي تعتريه المحدودية وتحكمه إدراكيا.

هذا التداخل الإشكالي الذي يقيمه لايبنتيز على منطق رياضي هو المتواليات العددية والمتواليات الهندسية التي لها بداية ولا تكون لها نهاية. فهي تكون بحكم اللامتناهي الذي تختلف مع كل متناه مدرك بالمجانسة النوعية. وهو حكم رياضي لا يمكننا تعميمه على مدركاتنا الاشياء وموجودات العالم الخارجي، فهذه تكون محدودة انطولوجيا متناهية وتحتويها لا متناهيات وجودية.

أما رأي كانط الذي يرى الناس كائنات متناهية يعيشون في عالم لا متناه يجب أن يكون هذا اللامتناهي محدودا بزمان  وإلا أصبح  وجودا يمكن الإحاطة بإدراكه ولو جزئيا. لو نحن حاكمنا عبارة كانط بفهم اسبينوزا الذي يرى أن الموجود بغض النظرعن كونه متناهيا أو لامتناهيا لا فرق فهو يدرك بدلالة الجوهر، ولا يدرك الجوهر بدلالة الوجود. بهذا المعنى تكون أطروحة كانط في إمكانية الإحاطة بمحدودية اللامتناهي بمحدودية الزمان الذي يحتويه خاطئة تماما كون الزمان مخلوقا أزليا يكون لامتناهيا لنا نحن البشر لكنه متناهيا مخلوقا من لامتناه لاندركه هو الله.جعل انشتاين الزمن بعدا رابعا من أبعاد المدرك الشيئي المكاني الموجود يعود لإدراك العقل الذي يفهم ويدرك ماهو مكاني بدلالة زمانه.

ونختم بعبارة ثانية لكانط يقول بها" ليس للعالم بداية ولا حدود بل هو لامتناه. والزمان الذي يحد العالم يتوجب أن يسبقه زمان له بداية،، وبداية الزمان هي فراغ كلي واذا لم يكن للعالم بداية ولا حدود فهو لامتناه. إن ما يلفت النظر أن كانط لا يحدد مقصوده الدقيق بالعالم هل هو الكون الميتافيزيقي أم العالم الانساني على الارض؟.

(2) فيختة والأنا

أراد فيختة تذويت ألأنا بموضعته في منحيين متلازمين في وضعه المتناهي مقابل الأنا اللامتناهي كتضاد غير جدلي من جهة وغير تكاملي متناه من جهة أخرى، والتساؤل هنا هو هل من المتاح جمع نوعي الأنا بعلاقة تخدم تصوراتنا الفلسفية أو حتى رؤيتنا في منحى معيّن أم لايتاح مثل هذا الإفتراض.؟ جمع مثل هذا التضاد بأي نوع من العلاقة غير متاح حتى على صعيد التجريد الفلسفي المنطقي.

حين يأخذ هيجل عبارة اسبينوز (كل تحديد هو سلب) هذا يعني أن المتناهي الذي يحمل صفات معينة حين نريد أن نحدّه قسرا كي ندركه ضمن بنية كليّة عينية فإننا نكون سلبنا من الانا معظم الصفات التي كانت تمتلكها وهي متحررة من التحديد السلبي الذي يعني المحافظة على بعض صفات هذا التحديد لشيء بما يخدمنا وليس بما يخدم تحديد الانا ضمن مدرك خصائصي معيّن تكون تابعا له. الأنا المتناهية هي الأنا التي تم تحديدها وبذلك فقدت الكثير من صفات تكتمل كينونتها بها.

الأنا هي تموضع ذاتي بالاشياء التي لها حدودا تقف عندها بفقدانها السيطرة على فرديتها التي فقدتها في تحديدنا المتناهي لها. كل تحديد سلب عبارة اسبينوزا ومن بعده هيجل هو التضحية المقصودة في تشتيت الصفات الإيجابية التي كان يمتلكها الشيء قبل التحديد. ولو نحن سحبنا هذا المقياس تعميمه على المادة كوجود مستقل جرى تحديده بعوامل ذاتية خاصة أو عوامل طبيعية موضوعية فهذا يدخلنا الى وجوب التفريق بين صفات الشيء ومحتواه المادي – هنا لا نقصد بالمحتوى الماهية أو الجوهر – أي علاقة الشكل والمحتوى ومن يمتلك تأثير الاسبقية في إنقياد الآخر لأحد طرفي الشكل أو المحتوى، التي تكون في كل الأحوال علاقة طردية وليست علاقة تناسب عكسية،بمعنى ما يكتسبه الشيء من صفات شكلية مضافة له تنعكس طرديا على محتواه والعكس صحيح أيضا. تحديد السلب ليس نفيا كاملا لصفات الايجاب التي إفتقدها الشيء في سلبه التحديدي له وأفقده التحديد إياها، يمكننا القول أن كل تحديد هو لامتناه على عكس ما أريد له في تحديده إمتلاكه لصفات دون أخرى. تحديد السلب لامتناه ادراكي يفهم ذاته بدلالة صفاته السلبية فقط، لا ينفي ما فقده من صفات بل يؤكد على صفات لامتناهيه ايجابية في عدم الادراك لها.

أما في حال تفكيرنا جعل الأنا المتناهية تأخذ موقف التضاد الجدلي مع اللامتناهي فيكون الأمر مستحيلا حتى على صعيد الإحتواء في العلاقة، فالمتناهي حين إكتسب صفة التحديد السلبي يكون أصبح فاقدا المجانسة النوعية التي تجعله متلازما ديالكتيكيا مع اللامتناهي الذي يمتلك مجانسة نوعية لا تجعله يحتوي الأنا المتناهية ولا حتى الدخول معها في تضاد مثمر ينتج عنه مركب ثالث لظاهرة جديدة مستحدثة أو كليّة بنيوية مغايرة لأصل قطبي الديالكتيك الذي هنا في مثالنا لم يحصل ولم يتحقق عنه شيئا كون الديالكتيك هو تضاد داخل المجانسة النوعية.فمثلا أنا الانسان في أي صورة أو شكل من الاشكال هي عليه لا يمكنها الدخول ديالكتيكيا مع أي شيء لا يحمل المجانسة النوعية معها.

(3) هيجل مطلق وحدة الوجود مع المايا

هيجل يؤمن بمذهب وحدة الوجود باختلاف عن كل من:

- مبدأ وحدة الوجود الفلسفية كما في رائدها اسبينوزا

- مذهب وحدة الوجود كما في الصوفية والاديان التوحيدية

- مذهب وحدة الوجود في المايا الهندية والزن والبوذية.

هيجل طرح وحدة الوجود على أساس العالمين الارضي والكوني هما مطلق في وحدة أصلية هي الفكرة المطلقة التي تقوم على الإدراك العقلي وليس على الحدس الميتافيزيقي الذي يرى في تحقق الايمان الديني بوجود الخالق الجوهر الكلي التام الشامل المطلوب من الدعوة لوحدة الوجود.. أراد هيجل الإقتراب كثيرا من فلسفة وحدة الوجود كما يفهمها اسبينوزا بفارق جوهري أن كلا الفيلسوفين يؤمنان بمطلق، هو في فلسفة هيجل مطلق كوني عقلاني يحتوي الواقع عينيا وليس ميتافيزيقيا كما يرغبه اسبينوزا، وهيجل لا يؤمن بوحدة الوجود من أجل البرهنة على وجود الخالق بل البرهنة على أن العقل يمكنه إدراك العالم كاملا وما لا يدركه العقل يكون النقص فيه وليس في المطلق الوجودي الذي يريد أن يحتويه. هيجل لا يرى في المطلق لانهائية لا يمكن إدراكها، فالمطلق الذي يحتوي الواقع جزءا منه يكون مدركا بموجوداته وليس بجواهره غير الموجودة كما يرغب اسبينوزا. هيجل لا يرى في العالم مدركا منفصلا قائما لوحده، ولا المطلق عالما لا يدرك بل كلاهما عالم واحد يدركه العقل.

الهنود الصوفية في المايا ينظرون الى مذهب وحدة الوجود بطريقة يراها هيجل فجّة حينما يعتبرون العالم من حولنا وهما غيرحقيقي زائل.، ومتناه لاتحتويه فكرة المطلق، وإذا نحن أعطينا انفسنا حق التوّسع في هذا المعنى، فالمطلق ليس عدما بمعنى مدلول بغير دلالة محتوياته. لذا إدراك عالمنا حسب المايا الهندية أنه وهم مستقل عن مطلق لا يحتويه بخلاف هيجل الذي يرى بالمطلق محتوى للطبيعي الارضي والكوني بإدراك عقلي متعيّن.الهنود لا يرون بالمطلق فراغا إفتراضيا لا يتحكم بالعالم الوهمي. لذا وجدنا هيجل ينكر على المايا الهندية فهمهم القاصر لمعنى وحدة الوجود. والسبب ليس في نكران هنود المايا للفكرة المطلقة التي يفسرها هيجل على أنها جزء من عالمنا الإدراكي الحقيقي... المطلق عند هيجل عقل بدلالة مدركاته وليس إفتراضا ميتافيزيقيا لا يمتلك حضوره.

هيجل يمارس النزعة المادّية بلبوس مثالي صرف لا ينكره على فلسفته مع كل من فلسفة اسبينوزا الروحانية الصوفية، التي يمارسها بنفس المنطلق مع روحانيات هندية لا يرى لها معنى. فنجده يسوّق المطلق الذي يمتلك كل الامكانات والقابليات بحدس روحاني ليس أصدق من روحانية اسبينوزا والهنود على السواء في فهمهم وحدة الوجود.

عمد الهنود في تسويقهم عالمنا وهم لا يوجد غيره زائل غير محكوم بسلطة مطلق ولا سلطة خالق يهمه أمره. لقد أراد هيجل تحديد المطلق في إستيعابه إدراك الواقع الارضي، بنفس وقت أراده أن يكون مطلقا لامتناهيا في إدركه الكوني الذي يدركه العقل. كان يريد هيجل إثبات أن العالم من حولنا دون مطلق يحتويه غير موجود ولا قيمة له. وينكر على متصوفي المايا الهندية رغبتهم إيقاف عالمنا بالتضاد غير الجدلي مع المطلق لفقدان المجانسة النوعية بين المتناهي واللامتناهي. في نكرانهم أن يكون عالمنا ليس سوى وهم زائل لم يعطوا بهذا النفي معنى لوجود مطلق يدرك عالمنا ويحتويه وهذا بالضد تماما بما يرغب هيجل تحقيقه. المايا الهندية توقفوا في مداركهم الصوفية في وحدة الوجود أمام حقيقة أننا لا نمتلك غير عالمنا الوهمي الزائل الذي نعيشه، في حين حاول هيجل جعل المطلق اللامتناهي مدركا واقعيا لا يساوي ولا يشبه عالمنا لا بالصفات ولا بالماهية المحتواة فيه بل فقط البرهنة أن عالمنا حقيقي ندركه ويدركه المطلق معنا الذي نحن جزءا منه.

حسب الدارسين لفلسفة هيجل يرون أنه ربما أراد فهم المطلق على أنه روح كامل باق منذ الازل لا بداية تسبقه ولا نهاية تدركه، ولا يعتمد الموجودات الطبيعية في البرهنة على وجوده الخاص به .

(4) بين هيجل وبيركلي

باركلي إمتداد أكثر تطرفا لافكار اسبينوزا بإختلاف فهمهما اللاهوت المسيحي، اسبينوزا لا يؤمن بالمعجزات الدينية، وكان مذهب وحدة الوجود هو وسيلة برهانية لاثبات وجود الخالق. باركلي كان يؤمن بوجود الله بتشدد كبير، ولم يكن بيركلي يتبنى صراحة إدراك الخالق خارج الفهم اللاهوتي المسيحي. بيركلي ينتمي الى الطائفة المؤلهة الانجليز الذين لا يؤمنون بالتثليث. المهم أن هيجل كان أكثر قربا من اسبينوزا، ويؤمن بوحدة الوجود ليس بالفهم الديني اللاهوتي أو الصوفي، ولم يشغل إهتمامه بفلسفة إثبات وجود الخالق، رغم المواجهة الفلسفية مع فيورباخ الذي جعله يأخذ الطبيعة وحدها مصدرا لاثبات وجود اله يخترعه الانسان من مخيلته ولا يدركه. هيجل أعلن بلا تحفظ أن وسيلتنا الوحيدة لفهم أنفسنا والعالم هو العقل فقط الذي يعقل ليس عالمنا والطبيعة وإنما به ندرك المطلق الكوني. المأخذ الماركسي على أفكار هيجل أنه مارس المادية بإبتذاليه تجريدية فكرية خارج معاناة الانسان.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

محمد كريم الساعديإنَّ للتاريخ فلسفة تعطيه السياق الفكري الذي يحدد ملامحه على وفق المنظور والأشتغال المعرفي لديه، فالتاريخ الحاضنة لكل ما هو قادم من الأيام حتى يصبح في عداد الماضي، والبوابة التي لا مفر منها التي يدخلها كل إنسان، أو حادثة، أو ظاهرة، أو اختراع، أو غيره من الأمور التي تصبح محل أهتمام ومثار جدل واختلاف، أو أتفاق عليها . وللتاريخ ملامحه التي من الممكن أن يخوض بها الفكر الفلسفي الحديث، أو المعاصر في فهم الرؤية التي من الممكن أن تعطينا صيغ فكرية ورؤى أخرى قد يكون الأنسان قد أغفلها في نظرته للتاريخ على الرغم من مدى أتفاق واختلاف الرؤى الفلسفية للتاريخ بين الفلاسفة أنفسهم . وهذا الأختلاف من الممكن أن نجده في هذا الإطار الفكري المخالف للرؤية الميتافيزيقية التي قدمها الفيلسوف الإيطالي (جامباتستا فيكو) في طروحاته للتاريخ، على أعتبار أن الميتافيزيقيا تقدم من خلال " التاريخ وصفاً لأحداث يمكن استخدامها لغرض عملي، أو تثقيفي ما، غير أنها لا تعني شيئاً بالنسبة للمعارف الحاسمة . ينبغي انتظار القرن التاسع عشر لرؤية آراء مناقضة تماما لهذه الميتافزيقيا التي تدعي إمكانية: جعل العالم الواقعي سهل المنال وكذلك ماهية البشر، من دون اللجوء الى أي نوع من الأبحاث التاريخية الاساسية . غير أن (فيكو) أقر (...) بأن التفكير المنطلق من الفرد – المعتبر مستقلاً- لا يمكن أن يكون إلا محدوداً وسطحياً، ومغلوطاً بالضرورة قبل كل شيء. والمعرفة التي يمكن للناس أن يحصلوا عليها حول أنفسهم لا تتأسس إلا على تحليل للصيرورة التاريخية التي ينشط الناس داخلها"(1). أن هذا التحليل للصيرورة التاريخية يعطي بعداً أخر للنظر الى الغائية التاريخية على وفق الوعي القادر على إبعاد النظرة السابقة للتاريخ التي تعتقد بأن التاريخ فقط صورة من صور التثقيف التي لا تعد من أساسيات الحسم في التجارب الحاضرة، وتعاكسها رؤية (فيكو) في أن التاريخ عامل حسم من خلال الأشتغال الذي ينشط بداخله المجتمع، والذي يعد محرك ودافع مهم من دوافع تقدم الحياة من خلال أرتباط الوعي لدى الافراد والجماعات بالتاريخ بوصفه صيرورة يعتمل فيها الناس انفسهم لدعم ما يريدون أيجاده في حاضرهم، ونظرة (توينبي) عن فكرة التمحيص للتاريخ وتقديم ما هو موضوعي وإبعاد كل الأحكام القبلية التي من الممكن أن تؤثر على فهمنا له، تأتي في سياق هذه الصيرورة التي تشكل الوعي بالحقائق التاريخية وفهمها في أطارها السليم .

وفي نظرة أخرى للتاريخ وعلاقته بالسرد واقترانه بالفهم التاريخي للموضوعة التي تشكل صورة القصة التاريخية وكيفية صياغتها وإعادة أسسها على وفق ما تقدمه من مبررات لوجودها في السياق الخاص بالأحداث التي وقعت في حينها، يرى (W.B.Gallie ) "إنَّ الفهم التاريخي هو ممارسة القدرة على متابعة قصة ما، حيث يكون معروفاً أن القصة مبنية على أساس الأدلة، وتقدم بوصفها جهداً مخلصاً للحصول على القصة "(2) ذاتها . إنَّ المتابعة التي تنطلق من الفهم التاريخي تعد ممارسة واعية في تشكيل المعنى المرجو من إيجاد القصة الخاصة بالحادثة التاريخية وإعادة صياغتها وهذه الإعادة التي تنطلق من الحيثيات الخاصة في إيجاد جهداً لا يمكنه الخروج من الواقع الذي انطلقت منه الحادثة في بناء مساراتها . والفهم التاريخي الذي ينطلق من صياغات واعية يعطي للقصة التاريخية دلالاتها الواضحة دون أن تبعد المتتبع لها عن قصديتها وفائدتها المرجوة في السياق الدلالي الخاص بها ومدى تأثيراتها على الوعي في أطار الفهم التاريخي لهذه الممارسة القائمة على صياغات قصصية متشابهة مع ما وقع من أحداث شكل صورة الحادثة التاريخية، " وفي رأي (W.B.Gallie) أن الأحداث الفعلية التي حدثت فعلا في قصة الماضي تتشابه على نحو مذهل مع شكل السرد الذي ينتجه المؤرخ في نهاية الأمر (...) بينما يعتقد فلاسفة التاريخ مثل (كيث جنكينز Keith Jenkins) و(لويس مينك) و(هايدن هوايت) أننا لا نعيش القصص ولكننا فقط نحكي تجربتنا المعيشة في شكل قصصي . ويؤيد فيلسوف التاريخ الأمريكي (دافيد كار David Carr ) و(جاللي) وفيلسوف التاريخ الفرنسي (بول ريكورPaul Ricoeur ) في التمسك بأن هناك استمرارية أساسية، أو تواصلاً بين التاريخ كما كان يعاش (الماضي) والتاريخ كما هو مكتوب (السردي)"(3). أن هذه الإشكالية في النظرة الى التاريخ والسرد والإعادة للقصة والفهم التاريخي واللحظة المعاشة سابقاً التي تقدم بشكلها السردي تصبح محل اختلاف بين فلاسفة التاريخ أنفسهم الذين ينظرون الى هذه اللحظة بمداخيل مختلفة وأطر متباينة في الرؤى للماضي وإعادة بنائه في الحاضر، وهذا الأختلاف يحيلنا الى تحديد نقاط معينة توضح مديات البعد في الفهم التاريخي للتجربة التاريخية المدوّنة على وفق الآتي:

- الفريق الأول: الذي ينطلق من أفكار فيلسوف التاريخ (جاللي) يعطي للتاريخ صفة التشابه بين ما حدث في الماضي، وبين الشكل السردي الذي ينتجه المؤرخ على وفق الفهم التاريخي والقدرة على تقديم هذه الحقيقة التاريخية في صورة سردية تؤسس الى إعادة تكرار ما حدث من جهة، وتكون مشابهة لما يقدم في الإطار السردي لمقدم لها من جهة أخرى . ومن خلال النظرة للتاريخ عند الفريق الأول نطرح ما يأتي: هل أن البناء السردي وصياغاته يتشابه مع البناءات المفاهيمية وطريقة بناء الموضوعات تاريخياً مع شكل القصة التاريخية؟، أم أن التشابه يكمن في الإعادة التي يريد المؤرخ أن يتتبعا في هذا الأتجاه؟.

- الفريق الثاني:الذي ينطلق من فكر الفيلسوف (بول ريكور) ويعطي تصوراً مفاده أن التاريخ عملية تواصلية واستمرارية أساسية بين المعاش والمكتوب، والتواصل لا يمكن أن يفصل الماضي وسرده كما كان معاش. ومن خلال النظرة للتاريخ عند الفريق الثاني نطرح ما يأتي: هل أن الحقيقة التاريخية على وفق مضمون الفهم التاريخي هي عملية تقع فيها الأستمرارية دون انقطاع بين ما هو معاش وبين ما هو مكتوب عنها؟، وما مدى المصداقية التي تنطبق على هذا المكتوب وصورته المسرودة عن الماضي المعاش؟ .

من أجل توضيح الأسئلة التي طرحت لدى الفريقين، يعطينا (هايد هوايت) مسألة التفريق بين الماضي والتاريخ وهل هذه الاستمرارية من الممكن أن تكون نفسها متطابقة بينهما؟، على أعتبار أن الماضي المعاش والتاريخ المكتوب يكونان في تواصل قد يوقع البعض في فكرة التطابق ومدى تحققه بينهما، ويفترض (هوايت) " أن التاريخ المكتوب شكل من أشكال الأدب في أساسه، يتناول (هايد هوايت ) أيضاً موضوع التاريخ بوصفه معرفة تعتمد على التمييز الذي لوحظ بالفعل بين الماضي والتاريخ . ولأننا لا يمكن أبداً، بالنسبة لـ(هوايت)، أن نعرف قصة الماضي كما كان بالفعل، فإن معنى هذا أنه لا يمكن أن يكون هنا ماض غير مشوب بشوائب التدوين التاريخي – فالماضي لا يوجد سوى كما كتبه المؤرخون . ذلك أن التاريخ لا يوجد مسبقاً في أية مجموعة من الحقائق تتيح لنا الوصول المباشر الى الماضي الحقيقي "(4). وإذا اتفقنا مع (هوايت) بأن الماضي لا يمكن الوصول اليه كما هو بطبيعته الحقيقية كما وقعت، فهو كلام منطقي جداً، لأنه لا يوجد من ينتقل حرفياً أي حادثة تاريخية وقعت قبل أستخدام التقنيات الحديثة من حيث التوثيق والتصوير المباشر لها وتسجيلها كما هي، على الرغم من أن التوثيق المباشر للحادثة التاريخية يبقى ناقصه وليس كاملاً، كون من يوثقها لا يستطيع بالإلمام بكل جوانبها المادية، لكن ما يريده (هوايت ) وما يريده (ريكور) يتطابقان من جهة ويختلفان من جهة أخرى:

- أما جهة التطابق فإن كل منهما يدعو الى الأستمرارية بين الماضي المعاش والتاريخ المكتوب كون لا يوجد تاريخ بدون تواصل مع حادثة تاريخية ما وقعت في الماضي .

- أما جهة الأختلاف فلكل وأحد منهما له طريقته في الوصول الى حقيقة الحادثة التاريخية المراد دراستها، فـ(هوايت) يعد التواصل معها من خلال الخلق الأدبي .

إنَّ التاريخ الذي يكون في مواجهة للماضي هو " خلق أدبي لأنه يفسر دائماً من خلال بقايا نصية لا يمكن فهمها بحد ذاتها سوى من خلال طبقات من التفسير تعد حقائق بالنسبة للمؤرخ، ولأن الحقائق لا ترتب نفسها تلقائياً قط لكي تقدم المعنى، يشير (هوايت) الى أن وظيفة المؤرخ أن يفرض معنى ما بواسطة المعلومات التي تتخذ صيغة سردية، وهو ما يتطلب أستخدام المجاز والصور البلاغية " (5). أن الوظيفة التي تعتمد على لأستخدام الأدبي للقصة وكيفية ترتيبها هي من تجعل موقف (هوايت) من التاريخ قائم على أعادة بناء حقائق التاريخ التي قد لا تنقل كل الأشياء التي وقعت كما هي، لكن ترتيبها وبناء صورها التي تشكلت لدى المؤرخ من خلال أعادة صياغة هذه الحقائق بواسطة المجاز والصور البلاغية وهي ما شكلت أدوات لبناء الماضي بواسطة التاريخ المكتوب لدى (هوايت).

أما (بول ريكور) فإن طريقته في الوصول الى تشكيل صور التاريخ في ما يريد ايصاله الى المهتم به تنطلق من فكرة تختلف عن الوظيفة التي أرادها (هوايت)، كون (ريكور ) أعتمد على أربعة لحظات متناسقة في فهم الحقيقة التاريخية، وبناء نسق تواصلي بين الماضي المعاش والتاريخ المكتوب، وهذه اللحظات هي:" لحظة الرمز، لحظة النص، لحظة الفعل فلحظة السرد (...) ففي ترتيب هرمي لقدرات الإنسان المتعلقة بالاستطاعة والقدرة وتحتل القدرة على الكلام المرتبة الأولى . والكلام هو: فعل الأشياء بالكلمات . ومن القدرة على الكلام نتحرك تجاه القدرة على العمل والفعل هو: القدرة على جعل حدث يحدث، وفي المرتبة الثالثة تأتي القدرة على القص السرد، والسرد هو: القدرة على قول شيء حدث"(6)، إن القدرات الثلاثة هي التي تشكل الوعي التاريخي باللحظات الأربعة التي يراهن عليها (ريكور) في التواصل والأستمرارية بين ما هو ماض معاش وبين ما هو تاريخ مكتوب في تشكيل الفهم للتاريخ وخلق لحظة وعي تاريخية بما كان معاش في السابق . إنَّ الأستمرارية لها منقلب وجودي في فهم التاريخ وتشكيل وعي تاريخي عند (ريكور)، على عكس نظرته للمنقلب النقدي، فالمنقلب الوجودي جعلت من النظرة التاريخية لديه قائمة على بعد الكائن في التاريخ بصورته الأنطولوجية، متأثراً بفلاسفة لديهم طابع مقارب له، وهم كل من (كيركغارد و هيدغر)، إذ يتضح ذلك من خلال قراءاته المعمقة في كتابه (الذاكرة، التاريخ، النسيان) . في مسألة التميز بين ما هو وجودي بين وما هو نقدي في الوضع التاريخي، إذ يرى: أن " على المنقلب النقدي يقوم التفكير على فرض حدود لكل أدعاء شمولاني متعلق بالمعرفة التاريخية، وهو يستهدف بعض أنماط الغرور التأملي الذي يحل خطاب التاريخ على الانكفاء على ذاته كي ينصّب نفسه خطاباً للتاريخ ذاته يعرف ذاته بذاته (...) وعلى المنقلب الأنطولوجي يتعهد علم التأويل أن تكون مهمته ارتياد المسلمات التي يمكن أن نسميها وجودانية existentiales سواء تعلقت بالمعرفة الفعلية لكتابة التاريخ، أو بالخطاب النقدي السابق . إنها وجودانية بمعنى أنها تبني طريقة الوجود الخاصة، طريقة وجودنا في العالم وكوننا فيه، هذا الوجود الذي هو كل واحد منا "(7) . إنَّ الرؤية الأنطولوجية للتاريخ يشكلها (ريكور) من خلال فهمه للقدرات الإنسانية في تمييز ما بين النقدي الابستمولوجي وبين المطلب الأنطولوجي في تشكيل الوعي التاريخي عبر اللحظات التي تشكل الوعي بما هو موجود من بعد في حقيقة الكتابة التاريخية المعبرة عن وجودنا في العالم . ويضيف (ريكور) ميزة أخرى في المعنى التاريخي لوجودنا الذي يعبر عن كل واحد منا فيه بصورة وجدانية، وهذه الميزة هي التكرار التي مثل ما قلنا فهو قد تتبعها في جذرها الأشتغالي عند كل من (كيركغارد و هيدغر)، بما أن أصل التكرار يعود الى (كيركغارد)، وتطبيقاته العملاناتية في ( Dasein) ( هيدغر) الذي يختار أبطاله في عالمه الأنطولوجي، فإن (ريكور) يرى في التكرار الآتي: " أما بالنسبة إلينا فإن ما هو واعد أكثر بكثير جداً من ذلك هو التأكيد القائل إن التكرار ليس الترميم بعد خراب ولا إعادة التحقيق، بل هو (الإنجاز من جديد) . الأمر يتعلق هنا بتذكر، بإجابة وردّ، بل حتى برفض للتراث والتقاليد، إن القوة الخلاقة للتكرار تكمن بأكملها في هذه المقدرة على إعادة فتح الماضي على المستقبل . حين نفهم التكرار بهذه الطريقة يمكننا أن نعتبره تأسيساً جديداً انطولوجياً لعملية كتابة التاريخ، بعد إدراكها في خط قصديتها الأعمق "(8) . إنَّ إعادة فتح الماضي على الحاضر والمستقبل يحتاج الى تأسيس جديد على وفق مفهوم (ريكور) للتاريخ وعملية إعادة كتابته أنطولوجياً من خلال قصدية في الفهم وأدراك الوعي التاريخي الذي يكون مؤسساً على البعد القصدي في البناء الأنطولوجي لحقائق التاريخ وطريقة بنائها من خلال الإنجاز من الجديد بواسطة التكرار . لكن في مفهوم البناء للمادة التاريخية من خلال القص وطريقة السرد لا تكون بريئة للدرجة التي تقدم ما هو محايد في ظل وجود الذوات التي تنحاز بطريقة، أو أخرى لفكر أو أيديولوجيا في تفسير القصة التاريخية وتقديمها في ضوء السياقات التي وقعت فيها وخضعت لها وساهمت في تشكيل صورها في ذهن المؤرخ، لهذا فإن للسلطة يد في تشكيل بعض من ملامح هذه الصور حسب وجهة نظر (ميشيل فوكو)، فـ" التاريخ المكتوب يكون دائماً أكثر من مجرد حكاية قصة بريئة، والسبب في هذا بالضبط أنه الوسيلة الأولى لتوزيع السلطة واستخدامها . ذلك أن فعل تنظيم المعلومات التاريخية في السرد بحد ذاته لا يشكل انحرافاً عن الحقيقة الصادقة ولكن إضفاء دقة غير مشروعة على الماضي يمكن أن يكون آلية ممارسة السلطة في المجتمع المعاصر "(9). التاريخ أكثر من حكاية قصة بريئة، في هذه وجهة النظر يطلق (فوكو) مبدأ الشك في التاريخ المكتوب كون السلطات بمختلف مسمياتها (الدينية، أو الدنيوية ) بمختلف اتجاهاتها اليمينية، أو اليسارية تضفي على ما هو مكتوب من التاريخ الذي ينقل لنا الماضي صورة غير مشروعة وهي من ممارسات السلطة ذاتها حسب رغباتها ونواياها وما تريد أن تسرده في التاريخ المكتوب . أن وجهة نظر (فوكو) في أن التاريخ المكتوب هو من يقع في شكل التنظيمات التي تمارسها السلطة في تكوين المعلومات ودورها في تشكيل طبيعة المجتمعات المعاصرة، فالسلطة هي ممارسة لتشكيل الوعي التاريخي على وفق رغباتها، على الرغم من تقديم المعلومات التاريخية في أطار سياقاتها لكن هذه الدقة غير مشروعة في التاريخ المكتوب، أي أن تنظيم القصة في التاريخ المكتوب لا تعبر بالضرورة عن وقائع الماضي، بل تعبر بالضرورة عن البناء الذي يخدم السلطة ذاتها في تشكيل صورة الماضي وهنا يتضح مفهوم الدقة غير المشروعة عند (فوكو) .

إنَّ التاريخ في إشكالية التجربة المدوّنة التي ساهمت في جعل العديد من الوقائع التاريخية التي وصلت الى الحاضر ينتابها نوع من عدم الوضوح في الرؤية نتيجة لأفعال السلطة في تأكيدها، أو نفي ما لا يرضيها وهذه وجهة النظر الفوكوية للتاريخ فيها تحريض ليس ضد السلطة فقط، بل ضد التاريخ نفسه مما يجعل من مناقشة التاريخ في رواياته وأحداثه المنقولة محل شك ولابد من الخضوع الى تمحيص وتدقيق بشكل موضوعي لا يميل الى أي أيديولوجية ما تعود لسلطة ما، وأذا لم يكن كذلك فإن التاريخ يبقى مليء بالتناقضات التي فرضتها السلطات عليه، وحتى في بعض الأحيان إذا أراد المؤرخ أن يبحث في الدقة التاريخية التي وضعتها السلطة في المسار التاريخي، ولابدّ من التأكد على ضرورة تبيان مدى ملائمة لحظة التطابق بين هذه الدقة التاريخية وبين لحظة حدوث الوقائع التاريخية في غائيتها، وهل هذا التطابق هو يدلل على تساوق الأحداث التاريخية مع أهداف السلطة التي شكلت الوعي بهذا الحدث التاريخي؟، أم أن هذه الأحداث لا تروي ما تريده السلطة اذا ما وضعت في السياق المطلوب لهذه الأحداث التاريخية بعد تجريدها من أهداف السلطة المدوّنة لهذه الأحداث بطريقة أخرى مع أضافة سياقات تضمن للسلطات إن الدقة التاريخية المزعومة تعدل من الحدث لصالح رؤية السلطة لها؟.

ومن هنا تكمن الاشكالية في ثلاثة نقاط تحتوي على مجموعة من التساؤلات وهي:

1- هل التاريخ هو خلق أدبي، ويفسر دائماً من خلال بقاياه النصية التي يمكن فهمها من خلال طبقات التفسير للحدث التاريخي؟ .أم أن التاريخ هو ما وقع من أحداث تنقل كما هي ولا يدخل فيها جوانب أدبية وغيرها من الأشياء التي تدفع بالأفهام المختلفة التي تناقش الفلسفة التي تكمن وراء الحدث التاريخي وكيفية نقله الى القارئ الذي قد يكون هاو لقراءة التاريخ، أو يكون مهتماً بدراسته وغير ذلك .

2- وهل التاريخ لحظات تتوزع بين الرمز والنص والفعل والسرد؟أم هو كل قائم بذاته يجعل المتفحص له يراه بالطريقة الذاتية التي تتشكل بوعيه لحظة قراءته دون النظر الى هذه التقسيمات التي من الممكن أن تضمر بداخلها مسارات لتغلغل الأيديولوجيات المختلفة لحظة تبني كل واحدة منها لقراءته على وفق ما ترغب فيه .

3- وهل التاريخ هو تفسير سلطات غير برئية من تدوينه؟، أم هو من يرغم السلطات على تشكيل مساراتها على وفق ما هو مدون فيه؟ . ومن هي السلطة المعنية بتدوينه؟ هل هي السلطة المنتصرة في لحظة وقوع التاريخ؟، أم هي السلطة الآنية التي تروي وتسرد الحدث الآن؟.

 

أ. د محمد كريم الساعدي

......................

المصادر

1- ماكس هوركهايمر: بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية، ترجمة: محمد علي اليوسفي، بيروت: دار الفارابي، 2006، ص 81.

2- ألون مونسلو: دراسة تفكيكية للتاريخ، ترجمة قاسم عبده قاسم، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006، ص27، ص28.

3- نفسه، ص28.

4- نفسه، ص56.

5- نفسه، ص56.

6- جنات بلخن: السرد التاريخي عند بول ريكور، الجزائر: منشورات الأختلاف، 2014، ص43.

7- بول ريكور: الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة: د جورج زيناتي، فرنسا: دار سوي، 2000، ص427، ص428.

8- نفسه، ص 558.

9- ألون مونسلو: نفسه، ص30.

علي محمد اليوسفيشير برجسون في معرض علاقة الوعي بالذات والاشياء قائلا " اننا لا ننقطع عن التفكير في ذاتنا الا لكي نفكر بالاشياء. وكذلك فإن هجر الاشياء يعني حكما العودة الى ذاتنا"1 ويضيف " الفكر كوجود دائم كهيولي زمني"2 . التفكير بالذات تجريدا هو تفكير في جوهره ماديا، اذ لا يعي الوعي التفكير بغياب موضوعه من الاشياء المادية أو من الاشياء الخيالية، والتفكير الذاتي هو تفكير تعاقبي ضمن سيرورة دائمية لا إنقطاع فيها مطلقا. التفكير الذاتي بالاشياء هو ليس لإثبات الوجود بالمغايرة الإدراكية...بل تفكير الذات بالاشياء هو تفكير قصدي يبغي المعرفة وليس الادراك الشيئي فقط.

الأهم الذات لا تتكافأ مع مدركاتها من الاشياء المادية ولا مع المواضيع التي مصدرها الذاكرة الخيالية، ليس من حيث أن مدرك الذات الانسانية لا يمتلك قابلية الجدل مع الذات التي تدركه، بل ومن خلال إنعدام المجانسة الماهوية بين الذات كتجريد واع مع الاشياء كوجود مادي غير تجريدي مستقل في العالم الخارجي.

الخاصية الماهوية للذات هو وعي إدراكي تجريدي في معرفة الاشياء المادية والتعبير عنها بالفكر واللغة. في حين تبقى مدركات الذات موجودات مستقلة لا تمتلك قابلية التعبير عن نفسها من دون ذات تدركها.وحين يتموضع الادراك الفكري اللغوي الذاتي بمدركاته الشيئية يبقى تجريدا منفصلا عنها.

الوعي الذاتي هو تجريد فكري يجسد موضوع إدراكه، والفكر توليد الوعي التفكيري، ولا يمكن تصورنا وجود فكر لا يعيه الوعي بأية وسيلة وعلى أية صورة كانت. الذات لا يمكنها التحكم اللاارادي أنها بداية عملية تفكيرية. الذات ليست وجودا ماديا لكنها بالضرورة الادراكية ملكة تفكير عقلي تدرك نفسها كما تدرك المادي وغير المادي على السواء. ولا يتوقف تفكير العقل لحظة واحدة حتى اثناء النوم واللاشعور..

الذات لا يمكنها التخلي عن خاصّيتها الماهوية بالتفكير بالاشياء في الانفصال عنها لإدراك ذاتها مجردة عن الاشياء. علاقة الذات بالاشياء علاقة مغايرة بالإدراك وليست عملية تخارج ادراكي جدلي بينهما. وفرضية برجسون التفكير المنكفيء نحو إدراك الذات الجوّاني لنفسها بمعزل عن الاشياء عملية لا يمكن حدوثها حتى في حال تفكير الذات تجريدا مستمدا عن موضوعات مخّيلة الذاكرة.

الفكر هو ملازمة دائمية تستوعب وعيها الاشياء أو المواضيع الخيالية وغير المادية في كل لحظات توفر الوعي الذاتي بنفسه. والفكر لا يكون وجودا بالزمن، الفكر تجريد يدركه الوعي به في تعالقه مع موجود تفكيره الذي يعرف بدلالة الزمن، الوجود المادي للاشياء وليس للافكار لا يدرك من غير وجود يحتويه الفكر ويكون حركة مادية لشيء داخل الزمن.

افلوطين ومغادرة الذات للجسد

حين يتم التعبير عن أهمية تحرر الذات من سجن الجسد، ما يعني عودة الذات الى نفسها، الى حقيقة ذاتها خالصة، لكن في كل أحوال تحرر الذات من عبودية الجسد لا تكون الذات خالصة عارية تماما من مواضيع الجسد الذي كانت الذات متموضعة فيها بتفكير شعوري قبل تحررها من ارتباطها بكل ما هو مدرك عقلي واقعي أو خيالي. الذات في تحررها لا تفقد خاصيّتها الماهوية انها ذات ادراكية لاشياء العالم الخارجي، وليست ذاتا تفكيرية في عوالم خيالية تتبادل الاجترار الاستبطاني الداخلي معها بصمت لا تعبيري لغوي.

الذات إدراك مادي جوهره متعيّن تفكيريا تجريديا وليس لدينا ذاتا متحررة من الجسد تكون متحررة تماما بشكل لا يصدق أننا يمكننا أن نجوهر الذات كخاصّية يمكنها إدراك نفسها وتعالقها مع الاشياء المادية الى ذات خالصة تماما كجوهر خالص تدرك ذاتها بذاتها ولذاتها ايضا.

من المتعذر تصورنا ذاتا متحررة تدرك نفسها ذاتيا وتتعامل مع مواضيع إدراكها خياليا على أنها في تحررها من الجسد تحولت من ذات تدرك المادة الى (روح) تدرك ما وراء المادة كما فعل ذلك أفلوطين الفيلسوف الصوفي الهلنستي.الحقيقة التي تتجاهلها الصوفية هي أن الذات لا تدرك سوى ذاتها فقط وليس الذات الالهية. لافتقاد المجانسة الماهوية من جهة وإفتقاد النديّة المتكافئة مع الذات الالهية.

حين يعبّر أفلوطين بنبرة صوفية تتلبسه العودة الى الذات المجردة عن كل محدودية إدراكية مادية متموضعة في التفكير بالاشياء قائلا " غالبا ما أجدني، وأنا أغادر جسدي عائدا الى نفسي، خارج كل الاشياء لكني أكون داخل أناي رائيا جمالا إلهيا أكثر إدهاشا، وكوني أصبحت شيئا مماثلا مع الالهي مستقرا فيه فوق كل موضوع فكري آخر"3

ماسبق لي تقديمه حول فكرة تحولات الذات قبل تثبيت رأي أفلوطين يغنينا عن التكرار لكن هذا لا يعفينا تثبيت التالي:

- الذات بوصفها ماهية إدراكية يحتويها الجسم هي نفسها الذات الادراكية المتحررة من الجسم نفسيا داخل الجسم أيضا لا خارجه ودليل هذا تعبير افلوطين حين أجدني أغادر جسدي عائدا الى نفسي..خلاص الذات من سجن الجسد داخليا لا يمنحها هوية روحية هي غيرها داخل الجسم غير واردة ولا متحققة ابدا الروح داخل الجسم هي الروح خارج الجسم ولا فرق بينهما. الذات ماهية ثابتة لا تتغير تبعا لإدراك موضوعاتها.

- الذات هوية ثابتة لا تتحول من خاصّية التفكير المادي كذات تدرك ذاتها والوجود الى خاصّية هووية خارج ارتباطها بالجسم منزوعة المادة الادراكية والخيالية، تدرك الذات الالهية بروحانية متعالية. الذات التي تدرك الوجود المادي وتعيشه هي الذات الروحية التي تدرك الذات الالهية.الذات الاغترابية في قصدية تحررها الروحي عن الجسد في الصوفية هي الذات نفسها التي تريد القرب من الذات الالهية كتكامل جزئي في الماهية وهو محض وهم لا حقيقة له..الروح ليست متحققا إدراكيا للاشياء بل هي محض تجريد مفهومي فقط لا تمتلك برهان تحققها بغير وسائل الميتافيزيقا.

الوعي التواصلي والتعاقب

يؤكد باشلار في معرض محاججته النقاشية المتماهية مع برجسون " إقتران الفكرة (التواصل) بفكرة (التعاقب) هو إقتران مجاني لا برهان عليه. يتجاوز دائما وفي كل مجال الاختبار الطبيعي والنفساني على حد سواء"4.

في كل أشكال الوعي الادراكي يكون الفكر تواصل تعاقبي مجاني، بمعنى التواصل هو الطبيعي الذي لا يحتاج البرهنة على صدقيته الخاصّية في التتابع. الوعي كما المحنا له سابقا هو سيرورة الفكر نحو هدف قصدي يرسمه الوعي والفكر في ملازمة من التواصل التعاقبي.

الفكر هو مضمون الوعي الذي يأخذ شكل تعبير اللغة عن نفسه. ولا يمكن إعتبار الوعي الذاتي هو محطة إستراحة  يكون الفكر الملازم لها سيرورة فكرية قائمة لوحدها. السيرورة الفكرية هي  مزامنة لكل أشكال الوعي. وليس من الممكن فرز تزامني في هذه السيرورة المتعالقة بينهما. زمن الفكر هو زمن الوعي الذي هو زمن إدراكي لكل موجود. وفي غياب الموجودية المادية للاشياء لا يبقى هناك وعيا فكريا يحققه تجريد الزمن.

ويثير باشلار إشكالية أخرى " هل سينقذ المتواصل الزمني بتجريد الزمن كشكل قبلي؟ أن هذا المنهج والقول لباشلار يعني أننا على نحو ما نجوهر الزمن من تحت في فراغه وخلوّه خلافا للمنهج البرجسوني الذي يجوهر الزمان مع مرور الوقت من فوق في إمتلائه"5 .

الزمان مطلق جوهري مجرد لا يدركه العقل لا بالصفات ولا بالماهية. وعبارة باشلار الزمن تجريد (قبلي) هي عبارة صحيحة تماما. جوهر الزمان كتجريد ماهوي سابق على جوهر الوجود كثبات مادي.

الزمان جوهر ممتليء لا ندرك إمتلائه ولا خلوّه. الزمان لا يكون خلوّا فارغا لا على صعيد التحقيب الزماني الارضي في إدراكنا موجودات الطبيعة بدلالة الزمان، ولا يكون الزمان فارغا خلوّا وهو يحتوي الكون اللانهائي ولا يحتويه الكون المادي، ولا يوجد قانون فيزيائي أرضي أو قانون فيزيائي على الصعيد الكوني لا يدخل فيه الزمان معادلة علمية لا قيمة لها في إلغاء تجريد الزمان منها.

الزمان جوهر ثابت مخلوق لا يتعالق إمتلائه الافتراضي ولا خلوه بدلالة جوهرة غيره من الاشياء. لا يوجد هناك حتى على المستوى الميتافيزيقي إمتلاء زمني تحتاني يختلف أو يتكامل مع إختلاف إمتلاء زمني فوقاني. فيزائية الزمان لا تقبل التجزئة على صعيد ماهيته الجوهرية لكنه يقبل التجزئة الافتراضية على صعيد تحقيبنا الزمان ارضيا لتوفير إمكانية ادراكنا ومعرفتنا تغيّرات الطبيعة ورصد حركة سيرورة الاشياء في العالم الارضي المحيط بنا في معرفتنا الوقت وضبط تغيرات المناخ.

الحقيقة التي تحكمنا هي أننا ندرك الموجودات مكانا بدلالة زمانيتها، في نفس وقت أننا ندرك محدودية الزمان كتحقيب وليس كمطلق بدلالة إدراكنا المكان وموجودات الطبيعة والوجود زمكانيا مشتركا متداخلا..

الزمان والعدم

بضوء ما ذكرناه ربما يبرز تساؤل مالفرق بين الزمن والعدم في حالتي الفراغ وفي حالة الامتلاء التي قال بها باشلار؟ إجابتنا تتحدد بالتالي:

- الزمان يلتقي العدم في واحدية الامتلاء كليهما، فلا زمن بلا إمتلاء وجودي يحتويه ولا عدم بلا إمتلاء وجودي يفنى فيه. الزمان يحتوي الوجود كاملا، والعدم يزامن الوجود ولا يحتويه.

- الزمان يحتوي الوجود ادراكا لمعرفته، والعدم يلازم الوجود لافنائه بالموت. لذا من أفدح الأخطاء على صعيد الفلسفة أن نعتبر الزمن مكافئا (العدم) بعلاقتهما المتباينة بالوجود، فعلاقة الزمن بالوجود هي علاقة إدراك توكيدي للوجود،بينما يكون العدم لاشيء يمكننا الدلالة على أنه يمتلك أستقلالية موجودية خارج ملازمته الوجود لافنائه وليس لتوكيده الادراكي كوجود. ومن الاخطاء الاكثر فداحة فلسفية ايضا هي إعتبارنا إمتلاء الزمان يشابه ويكافيء إمتلاء العدم. العدم لا يكون ممتلئا أبدا في جميع الحالات. فالعدم ليس فراغا إحتوائيا ليمتليء. العدم وهم وجودي يدرك بدلالة إفنائه الاشياء والكائنات الحيّة.

- الزمان والعدم كلاهما يلتقيان بخاصية أنهما لا يدركان كجوهرين متمايزين مختلفين بمعيارية الفراغ، ولا يمكن إدراكنا زمانا تحقيبيا ارضيا ولا كونيا فارغا بمعنى الزمان لا يتوسط إمتلائين، ونفس الشيء ينطبق على العدم في إستحالة توسيطه كفراغ لوجودين أحدهما سابق عليه والآخر لاحق عليه.

جدل المجانسة والاختلاف

عن باشلار قوله  ما معناه لا يوجد جدل منطقي حقيقي على صعيد مباحث الميتافيزيقا، وهي عبارة ذكية صحيحة تماما. إذ نحن غالبا ما نوظف الجدل الإفتراضي على صعيد الفكر بدلالة المادة وهما لا يرتبطان بنوع من المجانسة النوعية. أبجدية التفكير المادي الجدلي أن الوجود يسبق الفكر الذي هو ناتج الوجود المستقل للاشياء المادية في العالم الخارجي. وعبارة باشلار أراد بها التنبيه أن الجدل الحقيقي إنما يكون على صعيد المادة في إمتلاك التضاد داخلها بالمجانسة النوعية بين قطبي التضاد.أي جدل صراع تناقض الاضداد يتم داخل مجانسة نوعية تجمعهما معا.

الشيء الآخر أن الجدل الذي يتم في وحدة المجانسة التي تجمع بين نقيضين يشتركان بالصفات والماهية، والجدل الذي نتصوره يحدث خارج وحدة المجانسة النوعية أو خارج المادة على صعيد الميتافيزيقا كما عبّر باشلار هو نوع من الجدل غير القائم حقيقة وجدل زائف لا قيمة له لأنه غير حادث أصلا ولا تتوفر إمكانية حدوثه..

أكثر من مرة تحاشيت الإجابة عن كيفية حدوث جدل ديالكتيكي حقيقي غير ميتافيزيقي بين المادة والفكر وهما كيفيتان غير متجانستان لا بالصفات ولا بالماهية. فالمادة جوهر وجودي مستقل تدركه الحواس، والفكر تجريد تصوري تمّثلي في التعبير عن الإدراك المادي بوسيلة اللغة.

ليس هناك من وجهة نظري جدلا ديالكتيكيا منطقيا يخرج على مجانسة النوع الواحد الذي يجمع بين نقيضين داخله. والتناقض والتضاد وصراع الطبقات على مستوى التاريخ يكون بين قطبين متنافرين تجمعهما المجانسة النوعية الواحدة التي لا يمكن تجزئتها وتوزيعها بين المتناقضين.

والتناقض والتضاد على مستوى المادة والصراع بين الطبقات الاجتماعية على مستوى جدل المادية التاريخية، هو تضاد وصراع بين قطبين يعتملان داخليا لا يخترعهما الانسان ولا يمكنه التدخل في نصرة أحدهما على الآخر. كما أنه صراع ينبثق للعلن بعد توافر العوامل الموضوعية الخارجية التي تعمل على تسريع وتنضيج هذا التضاد الداخلي في إنتاج الظاهرة المستحدثة الجديدة أو ما يعرف بالمرّكب الثالث.

بعد بروز الظاهرة المستحدثة الجديدة يلعب الفكر دوره الايجابي في الانتصار لما هو تقدمي يخدم الانسان ويتطور به الى أمام. وهو في طريقه نحو حتمية التناقض الجدلي والانحلال في استحداثه الظاهرة الاخرى الجديدة وهكذا. بمعنى الجدل هو قانون الحركة المتضادة الدائمية داخل المادة والتاريخ.

بضوء ما تم شرحه هل من الممكن إعتبار التناقض الجدلي المادي، هو عملية إنقطاع مؤقت لوعي الفكر في ثبات الادراك؟ لا علاقة تقاطع مباشرة بين الوعي الذاتي المستقل عن حدوث التضاد الداخلي الذي لا يتوقف بفعل عوامل ظرفية مساعدة مستقلة هي الآخر عن إرادة ورغبة الانسان.

الزمان القبلي

هل الزمان قبلي كما يشير له باشلار "ارتقاب مجرى الزمان مكتوب في الذاكرة وقبلية الزمان لا تظهر إلا لاحقا كضرورة منطقية "6

قبل الدخول في مناقشة باشلار اود تثبيت ما يلي:

- الزمان جوهر كيفي ثابت لا يمكن التلاعب في ماهيته غير المدركة للانسان. بمعنى الزمان جوهر غير متعالق مع رغبة الانسان مطلقا، ولا يوجد هناك قدرة انسانية يمكنها التحكم بالزمان في أي شكل من الاشكال لسبب إنعدام المجانسة الماهوية بين الزمان وبين كل شيء موجود يتعالق مع الزمان إدراكيا فقط.

- الزمان جوهر غير ديالكتيكي وهذه حقيقته الانفصالية المطلقة عن الاشياء خارج علاقته إدراك الاشياء وليس التداخل الجدلي الديالكتيكي معها.

- الزمان وحدة كليّة وجوهر ماهوي مطلق تجريديا لا يمكن تجزئة الزمان ولا تحديده ويقول ارسطو في عبارة رائعة (لا يمكننا حد الزمان بزمان ) فأنت عندما تريد محدودية زمانية يتوجب عليك أن يتوفر لديك زمان آخر يمتلك ماهية زمانية مغايرة أخرى تحّد بها زمانا لا يشاركه المجانسة الماهوية النوعية وهو محال فالزمن جوهر واحد في مجانسة ماهوية واحدة. وما يحكم العالم والانسان والطبيعة والكون زمان واحد يمتلك كيفية ماهوية واحدة لا تنقسم على نفسها ولا تتجزأ ولا يمكن حدها.

- السؤال هل من الممكن حد الزمان بالمادة؟ كتحقيب أرضي وليس كمطلق ازلي زماني.؟ ايضا هنا الجواب في منتهى الإحراج. الزمان يدرك بحسب مقدار حركة الاجسام داخله على الارض. لذا فالزمان من خواصه أنه يتمدد ويتقلص كما هي خاصيّة المادة لكن من غير فقدانه لماهيته الزمانية التي لا يمكننا ادراكها بغير دلالة حركة جسم يحتويه الزمان.

- إننا نستطيع تحديد الزمان بحركة الاجسام داخله في توازن ماهوي جوهري لهما متصلان في دلالة أحدهما إدراك الاخر، ومنفصلان بالخصائص الذاتية المختلفة بين الزمان والاجسام التي يحتويها. لا الجسم يفقد خصائصه في حركته داخل الزمان ولا الزمان يفقد خصائصه الماهوية كزمن لا يمكن إدراكه إلا بدلالة حركة غيره ماديا.

- الزمان قبلي على الإدراك بعدي على الوجود، علما أن الوحدة الزمانية لماهيّة الزمان لا تتغير في الحالتين. كون الزمان جوهر لا يقبل التجزئة والانقسام لا على نفسه ولا بعلاقته بموجود مدرك بحركته داخل الزمن.

- المشكلة الميتافيزيقية التي أثارها سبينوزا هي في إعتباره الطبيعة مخلوق قبلي على بعدية الزمان، فالوجود أولا والزمان ثانيا. سبينوزا من المدهش حقا إنطلاقه تحت تأثير لاهوتي أن الخالق خلق المكان والمقصود بها الطبيعة بنظام ثابت في قوانينه الفيزيائية التي تحكمه، والطبيعة بنظامها هذا هي التي أسبغت على عشوائية الزمان نظامه.لذا إعتبر سبينوزا إدراكنا الوجود والزمان إنما يتم بدلالة ازلية الجوهر الذي هو الله.

- لما كان الانسان يدرك ويحّس الزمان بخلاف الحيوان الذي لا يدرك ذاته ولا يدرك نظام الطبيعة والأهم أنه لا يدرك الزمان. لذا نجد الحيوان متكيّفا إنقياديا سلبيا ذاتيا مع الطبيعة في إدامة حياته يعيش ليأكل، في حين العلاقة التكيّفية عند الانسان مع الطبيعة لا تقوم على الانقياد لها من دون وعي منها. فالطبيعة لا تعقل نفسها من جهة ولا تعقل وجود الانسان من جهة أخرى.

التعاقب الادراكي

برجسون يخرق حقيقة علمية فيزيائية تقول إدراك كل شيء هو (زمكانيا) وهي الحقيقة التي ارساها كانط ومن جاء من بعده. يعبر برجسون قائلا " أن امتلاء المادة للزمان هو الاكثر كثافة من إمتلاء المادة للمكان، وما تزال المادة تملأ الزمان بشكل مؤكد أكثر مما تملأ المادة المكان"7 .

من المعروف جيدا أن كل إمتلاء مكاني هو في نفس اللحظة من الحين والوقت يكون إمتلاء زماني، وإدراك الإمتلاء لا يخضع لتعاقب تسلسلي في الأسبقية لتعذر إمكانية معرفة فصل إمتلاء المكان بمعزل عن إمتلاء الزمان. إدراك أي شيء لا يتم وفق تراتيبية أسبقية بين إدراك المكان عن إدراك الزمان. وعندما يفصل برجسون الادراك في الإمتلاء بين المكان والزمان كلا على إنفراد حسب مرجعية الامتلاء، فهذا الفصل ميتافيزيقي وهمي تصعب البرهنة على حدوثه وإمكانية تحققه سوى في تصور ميتافيزيقي.

ومن البديهيات التي لا تحتاج نقاشا هي حضورالمادة زمانيا في إحتواء الزمان الطبيعة أكثر كثافة من محدودية المكان في إحتوئه الامتلائي للاشياء. ولا ينتج عن كل هذه السفسطة ما يستوجب الايهام أن برجسون وباشلار يناقشان قضية عالقة من مباحث الفلسفة جديرة بأهمية الأمتلاء الزماني بالمقارنة مع الإمتلاء المكاني.

هل من المتاح تصور أن كلا من الزمان والمكان حيّزان فارغان لإستيعابهما إمتلاء المادة لهما.؟ المادة وجود زمكاني مدرك مستقلا ولا يحتاج إمتلاء فراغات زمانية أكثر منها إمتلاء فراغات مكانية. ما هو أبسط تعريف للمادة هي كل شيء يشغل حيّزا من الفراغ، والمقصود بالفراغ هنا الحيّز المحدود الذي يناسب موضعة المادة أو الشيء فيه، لذا الفراغ المكاني لا يسبق المادة في موضعتها المكانية، وكذا المادة موجود مكاني يسبق إدراك الزمن له. لا يوجد وعائين فارغين زماني - مكاني لاستيعاب إمتلاء المادة بهما الا في تفكير باشلار الميتافيزيقي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش :

1 - 7/ جاستون باشلار / الجدل والزمن/ ترجمة خليل احمد خليل/الصفحات 41- 45

 

علي محمد اليوسفالزمان والنظام

عن باشلار "النظام ليس في الزمان، وإنما الزمان هو تكريس نظام مفيد وفعال نفسيا ولعلنا نستطيع التسليم مع برجسون بأن إختلال النظام في المكان ليس إلا نظاما غير متوقع، وجدلية النظام واللانظام ليس لها قاعدة مكانية"1.

بضوء هذا الإجتزاء نضع التساؤلات التالية المتعالقة بها وهي:

- الأسبقية الوجودية الإدراكية لمن هي هل للزمان أم للمكان؟، أم لا توجد أسبقية تزامنية بينهما؟، فالمدرك مكانا هو المدرك زمانا في ملازمة تمليها قابلية الادراك العقلي، ولا يمليها تكامل أو إنفصال الزمان عن المكان؟ فحيثما ندرك مكانا ندرك زمانيته الملازمة له وبغير هذا التداخل الادراكي الزمكاني المشترك لا ندرك مكانا ولا زمانا .. . .

- إذا كان الزمان جوهرا لا إدراكيا للعقل، والمكان بخلافه جوهر إدراكي للعقل، فهل نستطيع إدراك المكان بغير دلالة ملازمة الزمان له؟ وفي إستحالة إمكانيتنا إدراك الزمان بغيردلالة موجود المكان. كما ليس متاحا لنا إدراك مقدار الزمان بغير دلالة حركة اجسام المكان داخله فيه.

- هل المكان و(الطبيعة) وجود عشوائي أم وجود منظم بقوانين ثابتة على مستوى الطبيعة وقوانين متغيرة وضعية على مستوى تنظيم المكان؟ وهل الزمان جوهر إفتراضي منّظم تلقائيا أم غير منظم لكنه يتنظم إدراكيا بدلالة مدركاته من الاشياء؟ ومن ينّظم عشوائية الآخر هل عشوائية المكان سابقة وجودا على إمكانية تنظيم عشوائية الزمان لتلك العشوائية المكانية ؟ هنا نفرّق بين المكان كموجودات ثابتة في الطبيعة عن موجودات واشياء العالم الخارجي المتغيّرة من حولنا. فالطبيعة معطى إدراكي يحمل قوانينه النظامية الثابتة، عليه عشوائية المكان لا تنسحب على نظام الطبيعة الثابت.

- افلاطون يعتبر المكان معطى سابق على مخلوق الزمان اللاحق، والمكان منّظم من خالق أعطى المكان مهمة تنظيم عشوائية الزمان المطلقة. بخلاف الفهم السطحي الذي إعتدناه الزمان هو ادراك تنظيمه عشوائية المكان. حيث يؤكد افلاطون تنظيم الزمان يتم بدلالة المكان وليس العكس. من المرجّح أن افلاطون يقصد بنظامية المكان السابق على عشوائية الزمان هو ثبات قوانين الطبيعة الفيزيائية المحكمة. التي قطعا لم يكن افلاطون في عصره يدركها ويعرفها علميا كما هو الحال اليوم. افلاطون كان يحدس التنظيم الاعجازي في الطبيعة ويجهل القوانين الفيزيائية التي لم يكن اكتشفها العلم بعد.

- لكن السؤال المقلق حقا لماذا جعل الخالق الموجد نظام المكان أو الطبيعة تلازمه عشوائية الزمان؟ وماهي الآلية التي تستطيع نظامية المكان إنجازها تنظيم عشوائية الزمان من خلال الجدل الإدراكي التكاملي وليس الجدل الديالكتيكي الماركسي بمعنى التضاد بينهما الذي يمكننا فهمه؟

- افلاطون يعتبر تداخل الزمان الإدراكي مع المكان المنتظم هو الكفيل بتخليص الزمان من عشوائيته  بدلالة نظامية المكان التي جعلها خالقها بنظام ثابت يفتقده الزمان المطلق غير الثابت. والمكان جوهر سابق على جوهر الزمان. وهنا يقصد بالمكان المعطى بنظام تحكمه قوانين طبيعية ثابتة وليس المقصود عشوائية الموجودات المكانية في العالم من حولنا.

توضيح أكثر أن افلاطون يرى وهو احتمال إنقاذ الزمان من عشوائته المطلقة غير المدركة لا يكون إلا من خلال محدودية الزمان بوجود مكاني محدود إدراكيا. حينها يصبح كل مدرك مكاني كوجود منظم مدرك اكتسب منه الزمان العشوائي وجوده المنظم بدلالة مكان محدود إدراكه. مقولة ارسطو الرائعة التي سبقت عصرها هي (الزمان لا يحده زمان) لكن المكان يمكن ان نحد الزمان به؟ لماذا؟ مقولة ارسطو تؤكد التجانس الزمني وماهيته الفيزيائية التي لا تتبدل التي ينطبق عليها عبث المقولة التي نتداولها عربيا (فسّر الماء بعد جهد جهيد بالماء) أما إمكانية أن نحد الزمان بالمكان فهو وارد جدا كون ماهية المكان او صفاته الخارجية لا تجانس الزمان الذي لا يمتلك صفات ولا ماهية يمكننا ادراكها بمعزل عن تداخل الزمان بالمكان على صعيد الادراك فقط وليس على صعيد الجدل الديالكتيكي المتعذر تحققه بين المكان والزمان بسبب اختلاف المجانسة بينهما ان يكونا قطبي تناقض وتضاد داخل ظاهرة وجودية واحدة تجمعهما.

- بضوء مقولة افلاطون نرى أن الزمان في إحتوائه المكان إدراكيا هو يقوم بتنظيم عشوائيته الوجودية بدلالة نظام المكان أو بدلالة قوانين الطبيعة الثابتة. عشوائية اللانظام الزماني المستمد من إدراك تنظيم المكان له، لا يعني عشوائية الزمان التي اكتسبها من نظامية المكان في جدل غير متجانس الصفات ولا الماهية ولا أية رابطة تجمعهما تجانسيا. المجانسة المادية للمكان لا تجانس المجانسة غير المادية للزمان. وجوهر المكان يختلف جدا عن جوهر الزمان والاكثر اهمية انهما لا يتناقضان جدليا بل يتكاملان ادراكيا.

- جدلية الزمان الادراكي مع المكان ليس جدلا (ماديا) يقوم على تضاد سلب مع إيجاب بل هو جدل يقوم على تغيير إدراكي وليس على إستحداث ظاهرة إدراكية جديدة وليدة جدل تناقضي متضاد. والسبب بذلك هو إختلاف المجانسة الماهوية بين المكان والزمان التي أشرنا لها في الفقرة السابقة. علاقة التداخل الادراكي الذي يجمع الزمان بالمكان ليس علاقة جدل ديالكتيك بل علاقة جدل تكامل إدراكي معرفي .

- حسب باشلار ومن قبله برجسون كل عشوائية مكانية في نظام الاشياء والطبيعة، يبتني عليها نظاما طارئا جديدا لا يلغي بصفته الخارجية عشوائية المكان. هذه العشوائية المكانية التي تنظّم نفسها بدلالة عشوائية الزمان التي اعتبرناها خاطئة حسب فلسفة افلاطون. الزمان لا ينّظم المكان بل يدركه كما هو كموجود. والمكان ينظم نفسه بدلالة تنظيمه عشوائية الزمان المتعالق مع موجودات المكان.

- أيضا بضوء مقولة افلاطون المكان معطى قبلي منظم يستبق الزمان وجودا. يجعلنا ندرك حقيقتين: اولاهما رغم عشوائية الزمان المنسوبة له من قبل افلاطون إلا أن ميزة الزمان الإطلاقية التي تعجز كل موجود مجاراتها هو أن الزمان نظام يحتوي الوجود والطبيعة والمكان بغض النظر عن دوره السلبي أو الايجابي لهذا الإحتواء الإدراكي. المكان لا يدركه العقل مجردا عن زمن إدراكه والغريب بالأمر كيف يكون المكان معطى قبليا نظاميا يعقبه معطى بعدي زماني يفتقد النظام؟. علما أن مصدر خلقهما واحد هو الله حسب افلاطون وفلاسفة مؤمنين عديدين أعقبوه. لماذا يكون للطبيعة نظاما تحكمه قوانين فيزيائية ثابتة، ويفتقدها الزمان بعشوائيته اللانظامية في تعالقه الوثيق مع الطبيعة؟ لماذا تكون الطبيعة جوهرا مدركا ثابتا بقوانينه، ولا يكون الزمان مدركا بقوانين فيزيائية تحكمه بثبات ادراكي كما هو حال الطبيعة؟

باشلار والوجود

يتناول باشلار قضية فلسفية عالقة كانت مثار اهتمام عباقرة الفلسفة هي الوجود والعدم، وابرز ميراث سبق به هذه العلاقة سارتر في كتابه الشهير (الوجود والعدم) واعقبه هيدجر بكتابه (الكينونة والعدم) وتقوم فلسفة باشلار في معالجته هذه العلاقة على ما يلي:

- "إمتلاء الوجود يقابله العمل الثابت للوظائف" 2، بمعنى توضيحي الوجود الناقص الإمتلاء ناقص القدرة على إداء وظائفه الحيوية المترتبة عليه بالحياة. رغم أن تعبير الإمتلاء الوجودي مفهوم ملتبس غير واضح من الناحية الادراكية او العملانية. فالامتلاء الوجودي غير محدد بماذا يمتليء؟ وماهي معيارية هذا الإمتلاء بالتمام والنقصان؟ وبأي شيء يكون الوجود ممتلئا؟ باشلار ربما لا يعني بالوجود الممتليء هو الوجود الطبيعي الذي يدرك بموجوداته، وهو غير الوجود النفسي الذي ربما يقصده باشلار الممتليء بموجوداته المجردة غير المادية التي مصدرها الذاكرة والخيال والنفس.

- إرادة الحياة دائمة السيرورة ولا تتوقف، والوجود يريد خلق حركة ولا يريد خلق راحة حسب تعبير باشلار. والوجود تناغم دقيق لخلق التنوع. والوجود الناجح المتحقق لا يكتفي الوقوف من غير سعي لاضافة نجاحات أخرى جديدة عليه.

وجدلية الوجود والعدم تتبدل وتتغير وفقا للظروف الموضوعية الخارجية حسب باشلار، وليس بتضاد داخلي بين المتناقضات حسب الجدل الماركسي. لماذا لا يكون تناقض الوجود والعدم يحكمه ديالكتيك على النمط الماركسي التقليدي؟

أولا من الخطأ الفادح أن نعتبر إمكانية حصول جدل بين وجود وعدم ، أي بين شيء مدرك من جهة ولاشيء غيرمدرك غير موجود من جهة أخرى، الجدل الديالكتيكي المنبثق عنه ظاهرة مركبة ثالثة مستحدثة إنما تكون هي نتيجة تضاد جدلي داخل مجانسة نوعية تجمع متضادين إثنين في ظاهرة واحدة. والجدل الديالكتيكي لا يكون بجمع مدركين خارجيين منفصلين بل الجدل يكون في تناقض قطبين داخلين ضمن الظاهرة المتجانسة الواحدة. لنا توضيح لاحق لهذا الالتباس في اسطر لاحقة.

- يؤكد باشلار أن فهمنا الصحيح للوجود يتوقف على جملة من الامور منها : الوجود حسب تعبيره تناغم دقيق وخلق التنوع فيه، وطبيعة الوجود هو ان يتغير، والوجود الناجح يريد دوما تجاوز مرحلة نجاحه الى اخرى متقدمة عليها، كما يجد باشلار الحياة لا تنفي نفسها بالفشل، بل هي تبني اعادة نفسها في ديناميكية تقودها ارادة التغيير والتجديد المتقدم الى امام.

لا نجانب الصواب قولنا ان كل ماذكره باشلار لا يشكل رؤية فلسفية جديدة لم يسبقه بها أحد غيره، ويمكننا أن نجمل تعقيبنا باختصار شديد، أنه من المسلمات أن الحياة لاتصنعنا دونما ارادة واستعداد مسبقين منا كبشر من جنس نوعي متمايز على صعيدي الفرد والمجتمع، الحياة نحن من يمنحها إمتياز التدخل في رسم معظم ملامح سلوكنا الوعوي الذي نجد تكيفنا معها ميسورا بسيطا. وكل تقاطع مع إرادتنا في تصنيع حياتنا مع ارادة الحياة الواجب التكيف الايجابي معها في ممارستنا تعديل الخاطيء الذي لا يناسبنا نحو الافضل، سيقود الى انكفاء ذاتي على مستوى الفرد والى استلاب اغترابي على صعيد المجتمع. الحياة تصنع وجودنا الحقيقي الحي بنفس مقدار صناعتنا نحن للحياة التي نرغبها.

جدل الزمان والمكان

في سطور سابقة جرى توضيحنا لا يوجد جدل ديالكتيكي مادي يحكم المكان والزمان، واوضحنا ان علاقة الزمان بالطبيعة وموجوداتها المكانية هي من نوع الادراك التكاملي وليس من نوع التضاد الجدلي في خلق الظاهرة الجديدة. وسبب ذلك أن الجدل الديالكتيكي المادي وجدل التاريخ لا يكون إلا على صعيد المجانسة الواحدة التي تجمع نقيضين لا يمكنهما التعايش معا داخل المادة المتجانسة الواحدة.. الديالكتيك يحدث داخل متناقضات النوع المادي أو التاريخي الموحد في المجانسة. مثال ذلك لا يمكن أن يحدث ديالكتيك بين حيوان وانسان أو بين نبات وانسان او بين زيت وماء او بين منضدة وكرسي الخ.الديالكتيك تضاد بين نقيضين متجانسين نوعيا ينتج عنهما مرّكبا ثالثا جديدا..

تناقض الاضداد جدليا داخل المادة أو الموضوع المتجانس الواحد لا يكون مدركا من طرف ثالث محايد باستثناء العوامل الموضوعية المحيطة بهما من أجل تسريع حدة التناقض الداخلي لينتج عنه المركب الثالث أو الظاهرة المستحدثة الجديدة التي لا تشبه أحد المتناقضين. أما الجدل على صعيد تنازع وتفاوت مصالح الطبيقات المتناحرة اقتصاديا كما يحصل بين الطبقة الفقيرة العاملة التي تبيع قوة وناتج عملها للطبقة الغنية الراسمالية التي تستثمر قوة عمل هؤلاء الفقراء.

وتحكم الجدل المادي قوانين تحولية انتقالية خاصة من مرحلة الى مرحلة أخرى وهي القوانين الكلاسيكية الثلاث التي أرستها الفلسفة الماركسية، قانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي جديد يحمل خصائص نوعية مغايرة، والقانون الثالث الذي يحكمه التطور الحتمي بقانون ما يسمى نفي النفي في استحداث الظاهرة الجديدة التي تحمل معها عوامل التناقض داخلها وحتمية انحلالها. ما يعنينا من كل هذا التوضيح هو كيف يكون الفكر او الوعي الذي هو تجريد لا يشارك المادة التي يدخل معها بجدل ديالكتيكي وكل منهما (الفكر والمادة) يحمل صفاته النوعية الخاصة به التي تقاطع وحدة التجانس الجدلي داخل الظاهرة النوعية في الخواص الواحدة.؟ لا يوجد جدل منطقي على صعيد الميتافيزيقا ولا على صعيد الفكر المجرد.

جدلية الزمان التي يعالجها جاستون باشلار هي جدلية ميتافيزيقية، وبنى على تلك الفرضية الفلسفية اننا ندرك الزمان على انه سلسلة من الانقطاعات التي تتحكم بها ذاكرتنا.

لكن الحقيقة الجوهرية للزمان تقاطع هذا التوجه الاستدلالي به. وهي ان تفكيرنا خارج فاعلية الزمن الجدلية هي التي تكون سلسلسة من الانقطاعات المتتالية. قطوعات الذاكرة التعاقبية هي التي تقود الزمن بمعنى استكمال الادراك بدلالته. قطوعات التفكير الاسترجاعي المستمد من مصدره الذاكرة، إنما يكون افكارا مكتسبة مخزّنة خارج تعاقبية زمنية يتعالق بها الماضي مع الحاضر.

قطوعات التفكير هي خارج فاعلية جدلية الزمان بها، فالجدل الحقيقي لا يحصل في ميتافيزيقا الافكار بل يحدث في الوجود المادي للاشياء. وتبقى قطوعات التفكير خارج جدلية الزمان هي استذكارات نتخيلها بالفكر الملازم لزمانيته الذي في حقيقته لا زمان يقود الاستذكارات التي نرغب استحضارها، ولا دخل للزمن فيها الا بدلالة أن نعرف استكمال ادراكاتنا بدلالة زمنيتها في حاضرنا الذي نفكر فيه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش:

1و2، جاستون باشلار/ الجدل والزمان /ت: خليل احمد خليل/ ص 36 – ص 38

 

سامي عبد العالربما لم يلتفت كثيرٌ من الفلاسفة إلى (مسألة الطُّفولة) كموضوع للتفكير والتحليل، ولم يضعَ أحدُهم نفسه مكانَ طفلٍ يحبو بين يرقات الأفكار والهواجس والمخاوف والغرائز والأحاسيس. بل ربما لم يعتنِ فيلسوفٌ بممارسة التأمل فيما يفكر فيه الأطفال مجارياً تصوراتهم ورؤيتهم للعالم والحياة. لأنَّ الأطفال كائنات تسقط من (غربال التفلسف) بمعناه الميتافيزيقي والعقلي. لا لصغر هذه الكائنات الإنسانية الغضة فقط، بل كذلك لأنَّ الغربال واسع الثقوب جداً حول المسائل الكبرى (الإله- الوجود – الحقيقة – المعنى- الموت- الحرية- الماوراء) في تاريخ العقل البشرى. ولذلك تسقط من ثغراته أغلب التفاصيل الدقيقة لمسائل وقضايا قد تكون أكثر جوهرية في الحياة. كما أنَّ الفلسفة أشبه ما تكون (بالصناعات الثقيلة) في المجتمعات الإنسانية التي تلتقط أبعد الأهداف والغايات لا أقربها، وعادةً ما تنظرُ إلى الأطفال شذراً من عَلٍ بين التفاصيل التافهة!!

دوماً لم يتصور الفلاسفة لبرهةٍ العيشَ مكانَ غيرهم صغيراً كان أم كبيراً ولو على سبيل التوهم، لانهم يتوحدون بالأنساق العقلية الممتلئة بحجم الفكر والكون معاً. كما أنَّ الفيلسوف كائن عملاق إلى حد اللعنة منذ ولادته الفلسفية حتى يصبح فيلسوفاً عظيماً، فما بالنا إذا كان الموضوع المقترح الذي سيفكر فيه أطفالاً !! بالتأكيد لن يزج الفلاسفة بأنفسهم في هذا الموضع من قريب أو بعيدٍ. ذلك على الرغم من أنَّهم كانوا في يوم من الأيام مثل هؤلاء الأطفال يلهون ويتشاغبون ويمرحون ويعبثون بالأشياء، بل ظلت تلك المرحلة (من زاوية كهذه) فاعلةً في هوامش الأنساق والأفكار بعد أنْ تعملقوا فلسفياً دون رجعةٍ.

والخلط هنا واضح تماماً لدى الفلاسفة بين كون (الطفولة) مرحلةً عُمرية لها خصوصياتها العقلية والعاطفية وبين كونها (فكرةً خصيبةً) قابلةً للطرح في إطار الفلسفة ويمكن الوصول إلى تحليلات عميقةٍ حولها بالوقت نفسه. أليس الأطفال رمزاً للبراءة وعلامةً على التلقائية والتغني بالحياة وهم الأقرب للتعبير عن طبيعتها؟! بلى... إنَّهم إذن السعداء بلا خوف، وهم الأصداء الباسمة لعالم متجهم. وبالتالي سيتجدد الاستفهام بطريقة دائمة، هل يمكن للفلاسفة استضافة الأطفال على طاولة الفكر؟ ما الذي يسمح للطفولة بالنمو الفلسفي المتطور؟ كيف نحرثُ ونمهد ونطور حياتهم العقلية انتظاراً لعالم أفضل؟ ربما كان هذا هو الأمر الجدير بالملاحظة وراء الاهتمام بالطفولة من خلال التفلسف على نطاق الفهم والمعرفة والتحليل. فضمن احتفاء اليونسكو ذات مرة باليوم العالمي للفلسفة أعلنت اطلاق كرسي جامعي جديد حول الطفولة. جاءت مهمته الأولى هي:" الاعتناء بممارسة التفلسف مع الأطفال".

وحقاً ... يا لها من فكرةٍ رائعةٍ وخطيرة على المدى البعيد!! لا لأنَّ الفلسفة تهبط من أعلى لتداعب خيال الطفولة الغض كما قد يفهم البعض، ولكن لأنَّ الطفل (وربما الطفل وحده) هو مصدر الاحساس بجرأة الرؤى ونزقها الخطير ومرونتها اللامتناهية وانفتاحها دون محاذير. وهذا بالنسبة للطفل أمر سهل، لأنَّه كائن عصيٌّ على الاحتواء حتى ولو كان هشاً، فهو يشغل محيطه بالحركة واللعب الحر والصخب الجميل.

من طرف آخر، لِماذا لا يكون ذلك اعادة اكتشاف للتفلسف ذاته مرة أخرى؟! فليكن التفلسف بلسان الطفولة رؤى منفتحة وقابلة للتغير والإمتاع والتنوع. بل ليكن اتجاهٌ من هذا القبيل الطفولي أفكاراً مجنونة، عجائبية لا تعبأ بكآبة العالم وشيخوخته الفجة. لقد كانت صور الفلاسفة (كما جاءت بلوحات الفنانين التشكيليين طوال التاريخ) رجالاً طاعنين في السن والمصير والشكل. وأظهرت الصور أنَّ الزمن قد ترك على أخيلتهم تجاعيد وخربشات غائرة لدرجة البروز. وخطّت الفرشاةُ التي جسدت ملامحهم الفكرية ضربات المجهول الذي ينحتونه فوق جباههم، وإضافة إلى هذا وذاك رسّبت الألوان يأسّاً مصيرياً يطلقونه كلما تأمل القارئ انساقاً ميتافيزيقية مطلقة.

وبالمقابل لم تكن لتوجد هناك أيةُ براءةٍ هي الطيش والحماقة واللاجدوي بالنسبة للفلاسفة... تلك الأشياء التلقائية التي قد تكون مطلوبة في الأفكار كالملح بالنسبة للطعام. إذ لا يوجد فكرٌ دون هوامش حُرة تنزلق انهياراً، ومن غير سراديب ودهاليز ممتدة تحت المتون، تنقل رائحة الغرائز وعبق الجذور المرتعشة بزخم الحياة.

هكذا تاريخياً كان الفيلسوف يمثل كلَّ شيء آخر (يقوم بدور أيَّ كائن) إلاَّ أنْ يكون طفلاً. كان حكيماً وقوراً (سقراط- هيراقليطس – لوكيوس سينيكا - إميل سيوران). كان رجلاً للدولة (أفلاطون- سولون- أرسطو- ماركوس أوريليوس)، كان انتهازياً يجيد حياكة الصراعات (مكيافيللي- هنري برنارد ليفي)، كان عالماً مهيباً (ماكس بلانك- هيزنبرج- جيمس جينز- أينشتين)، كان أديباً (فولتير- موريس بلانشو- سارتر- ألبير كامو- فيليب سولرز)، كان صائغاً فذا للمفاهيم (جيل دي لوز- جوليا كريستيفا- تشارلز تايلور)، كان عقلانياً صارماً (ليبنتز- كانط- هيجل). لكنه مقارنة بذلك لم يتخيل نفسه روحاً طفولياً يعابث الوجود والحياة. برغم أن الروح الهش هذا بإمكانه أن يغذي أفكاره ويثير اندهاشه الطازج بالحقائق والعالم والزمن وحركة التاريخ.

ذلك الأمر هو الأولى بالنسبة للفلسفة كشرط وجودي لنشاطها العقلي المفتوح. لقد كانت الفلسفة لدى اليونان (ومازالت) هي الباثوث pathos، أي الاحساس الانفعالي المفرط الذي يحرك الانسان اندهاشاً نحو التساؤل الحر وكشف المعاني العميقة للحياة. والطفل من تلك الناحية لا يستنكف اندهاشاً متكرراً يأتيه كالبرق طوال الوقت ولو حدث مئات المرات تلو المرات. فليس يوجد كلل ولا ملل لدى الطفل من مشاهدة العالم كما لو لم يره من قبل. الدهشة الفلسفية الطفولية تعد حدثاً، موقفاً حياً، انتاجاً طازجاً حول الأفعال وردود الأفعال. وليست الدهشة فكرة صورية وجدت موضوعها اتفاقاً في هذا العالم التلقائي. لأن كل دهشة من هذا القبيل تلتقط دلالتها من رحم المعضلات التي تواجه الفكر. وبهذا تتميز تلك الدهشة بالأصالة الإنسانية. لكن: كيف سيجري ذلك الوضع، وما هي تداعياته لدى الأطفال؟

يتساءل الطفل حول أبسط الأشياء غير المتسقة أو التي يراها نافرة، يساعدها على الخروج من المألوف، تاركاً الفرصة لتتجلى عبر خياله. فليس الطفل كائناً مجاوراً للأشياء ولا معانقاً لها من الظاهر، لكنه دوماً هو في القلب منها جرياً على كونه طاقة متفجرة، تتفاعل مع الأحداث مباشرةً. ولعلَّ ذلك منبع خوفنا الدائم على الأطفال. فنحن نتوقع إمكانية الحاق الأذى بهم في الحياة الاعتيادية، لأنهم لا يقفون بمعزل عن الأحداث، ينجذبون إلى كل ما هو غريب أو أن كل العالم لديهم يستحق المغامرة بالفعل. المسألة أنَّ الأطفال يتركون أنفسهم دونما تحفظ ولا تراجع. أي يتميزون بفرط الانهماك المتواصل بلا محاذير قد يراها الكبار خطيرة ومهلكة.

الطفل بهذا المعطى يسري داخل كل العقول الإنسانية التي تستحق هذا الاسم. فقد يكون الفيلسوف هَرماً وأكل منه الدهر ما أكل كما أشرت ومع ذلك يتقافز داخله إحساس طفولي بالعالم في أوقات السعادة والبهجة. ولعل طفولة الأفكار والتصورات تسكن جميع الأعمار دون استثناء. وهي قدرة تتجاوز الزمن والنوع والأعمال. هناك صورة معبرة تماماً عن هكذا أحوال لعالم الفيزياء الفذ ألبرت أينشتين وهو يعبث بآفاق الرؤية أمام مشاهديه، إذ يخرج لسانه كالطفل النزق في وجه الآخرين. فتبدو روحه الطليقة سارية إلى المتلقي قصداً كأنه يقول: انظروا إلى هذا الطفل الذي مازال يسكنني حتى اللحظة رغم هذا الإبداع الشاق ورغم أن أفكاري جافة تتعامل مع الكون والمجال الموحد والطبيعة والزمن والحركة. وكذلك هناك في صورة أخرى تداعب أنامل أينشتين أزرار البيانو كطفل يتلهى بالأسرار من وراء والديه. ويتماوج جسمه مع النغمات كما يتراقص الأطفال في نشوة غامرة أثناء اللعب.

وربما يتساءل القارئ: هل هذا العالم هو نفسه صاحب أكثر النظريات العلمية تعقيداً (نظرية النسبية)؟ أبعد من هذا، لقد اعتبر اينشتين الجنون معياراً لقبول النظرية العلمية من عدمها. فحينما عرضت عليه إحدى النظريات أبدى نقداً شديداً لها قائلاً: النظرية غير مقنعة لأنها ليست مجنونة بما فيه الكفاية حتى يتم تصديقها. وكأنَّ عالِم الفيزياء العبقري يجب أن يصدق الجنون بما فيه من نزق ومخاطرة وليس العقل!! وكأن المعايير أيضاً لا تتوقف لدى الأمور الظاهرية ولا تكتفي بالسهل منها حتى يدخل تحتها انجاز علمي. ونحن نعلم أن الطفل يتصور العالم مقلوباً ومرحاً في الوقت نفسه. ويتمسك بأبعد الأخيلة غرابة عن الواقع. وعندما سأل أحدهم أينشتين عن تعريف النسبية قال: هي بالضبط عندما تنتظر حبيبتك في مكان ما بكل شغف وترقب. فكل دقيقة تمر عليك حينئذ تشعر كأنها سنة كاملة حيث لا تريد الثواني أنْ تتحرك. وعندما تجلس إليها وتتبادلان أمور الحب تشعر أنَّ الساعات تمرق كثوانٍ خاطفةٍ!!

الطفل ككائن متفتح هو الذي تأمْل مؤسسات التعليم والثقافة ضمنياً صقلَ مهاراته الفلسفية وتنميتها. وفي هذا الشأن، ماذا تقدم الفلسفة للطفولة من اسهام؟ هل ستكتشف شيئاً مختلفاً؟ بكلمات أخرى: ما أهمية هذا العمل غير التقليدي في المجتمعات؟ قبل الإجابة عن الأسئلة علينا تقليب الموضوع في أكثر من اتجاه.

إنَّ طفولة بدون تفلسف لهي قتل ممتد لبراءة مذهلة لدينا في كافة جوانب الحياة. كيف لا والأطفال يطرقون دوماً الأبواب المجهولة داخلنا بصورة يومية. لأنهم كائنات أولاً افتراضية متخيلة (طفل بالفعل رجل بالقوة على طريقة أرسطو)، فلا يقع الأطفال منا موقع التطابق الأبوي مثلما نظن كأنهم نسخ من أصول ثابتة. هم لن يكونوا نسخاً مشوهة من جدارنا الفكري المهترئ، كما أنهم مشروعات مفتوحة على الاختلاف القادم شئنا أم أبينا. وهم كذلك يمثلون هذا الفيض الثري بكل ممكنات المستقبل. إنَّ الوقوف في وجه تلك المعاني الحرة لهو وقوف أمام التاريخ. وسواء أكان الأطفال هكذا أم غير ذلك، فلن يستطيع التفكير الأبوي صدّ تداعيات الطفولة الجارفة.

الملاحظ في الثقافة العربية الإسلامية: أنَّه لا توجد أسماء دالة على مراحل الطفولة بعد الولادة تحديداً. لدينا هناك فقط ثنائية: أنثى وذكر. منذ اللحظة الأولى لولادة ذلك الكيان البكر من اللحم لا يذهب الناس إلى اسعاده وتفهم ما هو وتوفير الأجواء المناسبة لرعايته والنزول بأفكارهم إلى مستواه. لكنهم يتساءلون فقط أمام كل مولود جديد: هل هو ذكر أم أنثى؟! ومن خطورة ذلك السؤال العنيف، نقل القرآن تلك الواقعة البيئية: " إذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم". لدرجة أن فكرة الأنثى والذكر تختزل كافة مظاهر الطفولة في مجرد لحم قابل للتصنيف الاجتماعي. لأن تضاريس الجسم أهم لدينا من تضاريس العقل والشعور والكيان المستقبلي. وفي بعض المجتمعات العربية عوضاً عن ذلك، يُلبسون الأنثى (البنت) ثوبَ الذكر (ملابس الصبي) للإيهام طوال الوقت بأن البنت ولد هروباً من بقايا الخزي والعار. وأن البنات سيعيشن في جلباب الحياة الاجتماعية كالأولاد لا وفق طبيعتهن. فهل سيكون هناك أمل فلسفي وراء تلك العقول؟

ونظراً لذكورة المجتمعات العربية حتى النخاع، فقد اختفت كل طفولة وراء هذا التمييز غير الإنساني. بل تناثرت الطفولة أشلاءً على قارعة القهر والقمع إزاء ما هو انثوي. وبالنتيجة أيضاً أن هذه المجتمعات كثيراً ما تُضيِّع الذكر (أي الصبي/ الولد)، لأنه سيُحمّل بتصورات ذكورية (رجالية) مدمرة لبراءته مبكراً. إذ ينادي عليه المحيطون بألفاظ دالة على الكبر استعجالاً لفكرة الرجولة المعترف بها، فهل سيكون ذكراً قبل أن يعيش طفولته؟ وفي هذا الحال ينتزع حق الطفل في ممارسة التفكير بكل نزقه وطيشه. جميع أطفال العرب راحوا (أو على الأقل عاشوا) ضحايا لأزمنة غير زمنهم البريء، كانوا يرتدون عنوة (أدمغة اجتماعية social brains) فوق مستواهم العقلي. وكانوا طوال الوقت في المناسبات والأحداث يُحشرون بين صفوف القيم المتهالكة والمتكالبة لإرضاء سلطة الذكورة السائدة داخل المجتمعات. أمَّا أنْ يعيشوا حيواتهم الخاصة بملء الكلمة، فهذا هو أخر شيء يمكن اخذه بالاعتبار!!

نقول ذلك وسط الكآبة التي تعيشها الطفولة في كل مكان مع الحروب والصراعات والتعليم المشوه والحياة العنيفة على خريطة المجتمعات العربية. وقد تجاوزت الكآبة قدرات التحمل الممكنة لدينة وبخاصة عندما نحاول بناء المستقبل. على سبيل المثال: التهمت الجماعات الإسلامية (كالإخوان والسلفية الجهادية والدواعش...) أطفالاً حينما دجنت عقولهم لصالح فكر تنظيمي مغلق. وحاولت حشو أدمغتهم بأفكار التكفير وتذليلها للسمع والطاعة وقتل التفتح الإنساني لذواتهم. بحيث إذا بحث الطفل داخله عن أية إرادة مرحة لن يجد غير الخشونة المتوارثة والتعاليم الدينية العنيفة المتشبع بها. وبالتالي عندما يكبر سيصبح عضواً جهادياً ناشطاً على أعمال العنف والإجرام. تماماً مثلما جندهم الإرهابيون لتنفيذ الأعمال الإجرامية في العراق وسوريا وليبيا كما رأينا أطفال وسبي الدواعش. فكثيراً ما تم تحويلهم إلى أحزمة ناسفة ينفذون عمليات التفجير والاغتيال والقتل. ولكم شاهدنا استعمالهم كوسطاء غير مشكوك فيهم أثناء تجارة الأسلحة ونقل المواد الممنوعة وتجارة الرقيق البشري (قوادون صغار).

وليست بعيدة عن ذلك، صور الأطفال الغرقى التي التقطتها الكاميرات أثناء هروبهم عبر البحر المتوسط من دمار الربيع العربي. هؤلاء لم تطرق بعض الفلسفة ولا المعرفة بمعناها الإنساني أبواب رؤوسهم بعد. بل لم يجدوا منفذاً لحياة كريمة داخل بلادهم، فكانوا على غرار الطفل السوري إيلان كردي الطفل الشهير لقمةً سائغةً للغرق أو الضياع. وإجمالاً خارج هذا السياق كان تعليم الأطفال في هذه الأجواء كارثةً ما بعدها كارثة. حيث أنه تعليم هو الحفظ والتلقين والاستظهار والتقيؤ للمعلومات والمعارف مرة أخرى. لا يوجد إبداع ولا فكر من شأنه احترام ملكاتهم ولا تنمية مهاراتهم المتميزة.

إن الفلسفة تحديداً تنمي ملكة الفهم المنطقي للأشياء والعلاقات وتصقل مهارات النقد ورؤية السلبيات والإيجابيات. ولئن أردنا انقاذ الطفولة من غربال المجتمعات المتخلفة، علينا بتنشئتهم فلسفياً على مبادئ التفكير الخلاّق وحل المشكلات والإبداع في طرح الأفكار وبناء الشخصيات المفهومية وممارسة المرح العقلي إلى أقصى درجة. لأنَّ التفلسف سيحل عقدة لسانهم الجمعي الذي كبل وجودهم ثقافياً تحت تصنيفات اجتماعية لا طائل من ورائها سوى تكرار الماضي. أي أن التفلسف سيمزق خيوط العنكبوت التي تجعلهم قابعين في كهف قديم اسمه الموروثات والتقاليد المعرفية. فهوس التقاليد لدينا في المجتمعات السلفية يفوق هوس المرضى النفسيين بالأشياء من حولهم. حتى أن الأطفال يخرجون إلى الحياة مزعورين- مرعوبين ومغلفين بأغطية وراء أغطية من التحريمات والنواهي تجاه الحياة والعيش بطريقة العقائد الدينية. كيف يمكن إعادة الانسجام الطفولي إلى حياة هذه الكائنات المرحة؟

التفلسف يمرّن الطفل على التسامح مع ذاته أولاً. لأنَّ لهوه المتواصل يعد أكبر مُعلم لإنشاء منطق لعبي ناقد. إنه نسق من الألعاب والحيل والاحتمالات والأساليب التي يمكن تركيبها وتفكيكها دون عنف شريطة أن يعيشها بكل حرية وبراءة. مثله مثل ألعاب البزل والمكعبات والألعاب الافتراضية، حينما تفتح مهاراته على المستحيل الخيالي. وتدخله إلى عالم ساحرٍ من الأعاجيب والترحال الرغبوي هنا وهناك دون قيود. وإذا كان الأطفال عقولاً غضةً على طول الخط، فالتفلسف المرح يمنحها قواماً يناسبها. يجعلها فضاءً للتجريب واللعب الحر بالأفكار كما هو المرح الجاد الذي يستغرقون فيه بكل كيانهم. وبخاصة أن الأطفال لديهم نزوع نقدي فطري، يكاد يعصف بجميع الثوابت ولا يعترف بشيء إمامه.

إذن (العقلانية المرحة fun rationality) ممارسة لآفاق العقل والتفكر الإبداعي بشكل غير مقيد. وهي ستبْرُز على أنقاض العقلانية الزائفة التي تستعمل المنطق بقوانين صارمة منفرة كما تفرزها الفلسفات والعقول التقليدية. كأن آفاق العقل ليست إلاَّ لاهوتاً سرياً يهيمن على الأفكار وطرائق التعقل. بينما يقدم الأطفال شيئاً غرائزياً وغرائبياً بالوقت نفسه. ليس ما يُعقل أنْ يخضع كل ما يقولون ويفعلون إلى التصنيف على الدوام، لكنه قد يكون أساليب مرنة مشبعة بالسخرية والبهجة والانفعال البريء. وقد يكون بالمثل أكثر انضباطاً وامتلاءً من خلال الإثارة والتشويق والطرافة.

المدهش أنَّ الفلاسفة المعاصرين تحولوا إلى أنماط طريفة من الفكر النزق والحر بامتياز. فمفاهيم اللعب والاختلاف عند جاك دريدا والسيمولاكر (الصور الزائفة) عند جيل دولوز ولذة النصوص والقراءات المتعددة عند رولان بارت وحرية التأويل عند جورج جادمر وبول ريكور وأمبرتو إيكو والروح ما بعد الحداثي عند جيانو فاتيمو وفرانسو ليوتار وممارسات التفلسف في المقاهي والشوارع والحدائق العامة حول النكات والقضايا الساخرة والأحداث العامة عند فلاسفة العالم الافتراضي .. أقول إنَّ هذه الصور كلها صور من الأفكار المرنة والمفتوحة حاضرةً بقوة في نصوصهم. أَلاَ يعتبر ذلك الوضع استعادةً (لطفولة فلسفيةٍ ساريةٍ في المفاهيم والممارسات الفكرية) كانت غائبة طوال تاريخ الفكر الغربي؟

ها هو رولان بارت يعتبر أنَّ النص ضربٌ من التأجيل اللامتناهي للمدلول، المعاني، المفاهيم. فالدوال التي تنتج المعاني دون توقف هي النسيج الأهم في النصوص. وذلك بالضرورة يعني كون (التأليف- القراءة) لعباً حراً free play. وطبعاً يقصد بارت أن هناك نوعاً من اللعب الممتلئ بالمعاني ما بين الدوال وتوليد الدلالات الحرة من وراء الألفاظ. وهو النشاط الجمالي القائم على الإزاحات dislocations والتداخلات overlapping والتقاطعات بين نقاط التماس contiguities والاختلافات variations في النصوص مهما كانت تقليدية. تلك الفاعلية النصية هي انهماك واستغراق أشبه بألعاب الأطفال الذين يواصلون الاكتشاف والتعرف على العالم. هذا الفعل سيتم في جو من عقلانيةٍ تعتبر الموضوعات متغيرات قابلة للبناء والهدم، التعديل والتنويع، التشظي والتكوين الدلالي الفوضوي والخلاق.

إنَّ تلك المعاني الطفولية هي طاقات رمزية عابرة للنصوص كما هي عابرة للمفاهيم التقليدية حول الأطفال. ومع هذه القضية الشائكة، روى أحد حكماء التربية تجربته مع الطفولة في الحياة: أنه قبل الزواج الذي ظللت أتحسب وأعدُّ نفسي لمسئولياته كانت عندي ست نظريات مجرّبة لتربية الأطفال ورعايتهم وكيفية تعليمهم أمور الحياة ... لكن بعد الزواج أعطتني الأقدار ستةَ أطفالٍّ في غاية الغرابة ... إذ لم أجد لدى أية مفاهيم ناجعة عن الطفولة وتحولاتها، ولم تُجدِ معهم أية نظرية واحدة مما عرفت سابقاً!!

 

سامي عبد العال

 

 

زهير الخويلديمقدمة: "إن كل فيلسوف يتحمل مسؤولية رؤيته من وجهة نظر إشكالية قدر الإمكان، معترفًا بإمكانية الخطأ. لكنه يتبنى أيضًا وجهة النظر القائلة بأنه في أي مقارنة للآراء فلسفيًا، يجب أن نقارن من وجهة نظر معينة ولا توجد أرضية محايدة وتصبح في النهاية الفلسفة المقارنة مقارنة المقارنات." ألاسدير ماكنتاير

الفلسفة المقارنة - تسمى أحيانًا "الفلسفة عبر الثقافات" - هي حقل فرعي من الفلسفة يعمل فيه الفلاسفة على حل المشكلات عن طريق إقامة حوار متعمد بمصادر مختلفة عبر التيارات الثقافية واللغوية والفلسفية. يتمثل طموح وتحدي الفلسفة المقارنة في تضمين جميع فلسفات الإنسانية العالمية في رؤيتها لما تشكله الفلسفة، ويميز هذا النهج الفلسفة المقارنة عن عدة مناهج أخرى للفلسفة. أولاً، تختلف الفلسفة المقارنة عن فلسفة دراسات المنطقة (حيث يبحث الفلاسفة في موضوعات في تقاليد ثقافية معينة، على سبيل المثال، الكونفوشيوسية) وفلسفة العالم (حيث يقوم الفلاسفة ببناء نظام فلسفي قائم على امتلاء التقاليد الفكرية العالمية). ثانيًا، تختلف الفلسفة المقارنة عن الفلسفة الأكثر تقليدية حيث تتم مقارنة الأفكار بين المفكرين ضمن تقليد معين؛ تقارن الفلسفة المقارنة عمدًا بين أفكار المفكرين من تقاليد مختلفة تمامًا، وخاصة التقاليد المتميزة ثقافيًا، ومع النهج الفريد للفلسفة المقارنة تأتي أيضًا صعوبات وتحديات فريدة ليست من سمات ممارسة الفلسفة ضمن تقليد معين. تشمل الصعوبات التي يجب تجنبها الشوفينية الوصفية (إعادة إنشاء تقليد آخر في صورة المرء)، والشك المعياري (مجرد سرد أو وصف آراء مختلف الفلاسفة والتقاليد، وتعليق كل الأحكام حول كفايتها)، وعدم قابلية القياس (عدم القدرة على إيجاد الشيء المشترك. هناك حاجة إلى أرضية بين التقاليد كأساس للمقارنة)، والإيمان الدائم (الفشل في إدراك أن التقاليد الفلسفية تتطور، وأنها ليست معمرة بمعنى كونها متجانسة أو ثابتة). علاوة على ذلك، بما أن الفلسفة المقارنة تنطوي على نهج غير مهيمن في الفلسفة الأكاديمية، فقد تم إهمالها إلى حد ما من قبل التيار الرئيسي للمهنة. ومع ذلك، فإن الفلسفة المقارنة ما زالت مبكرة إلى حد ما في مراحل تطورها. فما المقصود بالفلسفة المقارنة؟ تقارن ماذا وبماذا؟ وهل تشتغل على الثقافات المتغايرة أم اللغات والأديان؟ وماهي الصعوبات التي تعترضها؟ وهل هناك آفاق مرصودة لها؟

1- ما هي الفلسفة المقارنة؟

الفلسفة المقارنة - تسمى أحيانًا الفلسفة العابرة للثقافات - هي حقل فرعي من الفلسفة يعمل فيه الفلاسفة على حل المشكلات عن طريق التعمد في مصادر الحوار عبر التيارات الثقافية واللغوية والفلسفية. غالبًا ما ينخرط الفلاسفة المقارنون في مواضيع في الحوار بين التقاليد الغربية الحديثة (على سبيل المثال، الأمريكية والأوروبية القارية) والآسيوية الكلاسيكية (على سبيل المثال، الصينية أو الهندية أو اليابانية)، ولكن تم العمل باستخدام مواد ومناهج من الفلسفية الإسلامية والأفريقية. التقاليد وكذلك من التقاليد الغربية الكلاسيكية (على سبيل المثال، اليهودية والمسيحية والأفلاطونية). من المهم التمييز بين الفلسفة المقارنة وفلسفة دراسات المنطقة وفلسفة العالم. على عكس الفلسفة المقارنة، في فلسفة دراسات المنطقة، ينصب التركيز على منطقة واحدة. الفلسفة الصينية والفلسفة الهندية والفلسفة الأفريقية هي أمثلة على مجالات فلسفة دراسات المنطقة، حيث لا يلزم أن يكون العمل المنجز مقارنًا. لا يقارن فلاسفة دراسات المنطقة بالضرورة النصوص والمفكرين الذين يعملون معهم مع أي أفكار خارج المنطقة المحددة. على سبيل المثال، قد يدرس الفلاسفة الصينيون كونفوشيوس، وأشكال مختلفة من الكونفوشيوسية، وانتقادات للكونفوشيوسية في الطاوية الصينية والبوذية، وحتى الكونفوشيوسية في العالم المعاصر، لكنهم لا يحتاجون إلى القيام بأي محاولة لمقارنة الفكر الكونفوشيوسي بالنصوص الفلسفية والمفكرين من الثقافات الأخرى. (لهذا السبب، لا تحتوي الببليوغرافيا على المدخل الحالي على فئات تناسب فلسفة دراسات المنطقة بدلاً من الفلسفة المقارنة.) يجب تمييز فلسفة العالم، مثل فلسفة دراسات المنطقة، عن الفلسفة المقارنة. قد يُنظر إلى فلسفة العالم على أنها جهد في الفلسفة البناءة التي تأخذ في الاعتبار التنوع الكبير للكتابات والتقاليد الفلسفية عبر الثقافات البشرية وتسعى إلى نسجها في رؤية متماسكة للعالم. على هذا النحو، فهي امتداد للفلسفة المقارنة، لأن المقارنة أساسية للمهمة البنائية. لكن لا يجب أن تصبح الفلسفة المقارنة فلسفة عالمية. قد يعمل الفيلسوف المقارن في مواضيع منفصلة، أو مع اثنين أو أكثر من الفلاسفة، فقط من أجل الحصول على الوضوح بشأن بعض القضايا المحددة. وبالمثل، غالبًا ما يجد أولئك الذين يرغبون في بناء فلسفة عالمية مكانًا لفكر التقاليد الأخرى في النظام الذي يبنونه، ولكن من الإنصاف التساؤل عما إذا كانوا يسمحون حقًا بصوت الآخر بالتعبير عن نفسه في أقوى أشكاله.

2- التطور التاريخي للفلسفة المقارنة:

الفلسفة المقارنة كفلسفة عبر الثقافات هي وافد جديد نسبيًا في مجال الفلسفة. وله سوابق في الوعي الغربي بالتقاليد المختلفة، وخاصة الأسيوية، في القرن الثامن عشر. الكثير من العمل المنجز خلال هذه الفترة وبعدها مباشرة لا يتوافق مع تعريف الفلسفة المقارنة الموضح أعلاه. كما أشار جوناثان سبنس (1998)، فإن العلاجات المبكرة للصين من قبل الفلاسفة الغربيين، مثل تلك التي قام بها هيجل ، لا يمكن حقًا أن تُسمى بالفلسفة المقارنة لأنها تفتقر إلى أي مشاركة جادة من الجانب الصيني. القصة مختلفة تمامًا في آسيا. حيث اختلطت التقاليد الثقافية واصطدمت بوتيرة أكبر بكثير مما كانت عليه في الغرب الإقليمي نسبيًا. على سبيل المثال، أدى انتشار البوذية إلى الصين من الهند وآسيا الوسطى بدءًا من القرون القليلة الأولى بعد الميلاد إلى ظهور تقليد طويل من رد الفعل الفلسفي لأفكارها "الأجنبية" من قبل المفكرين الكونفوشيوسيين والطاويين - الكثير منها معادٍ، وبعضهم يقدره ويقدره. الاستحواذ، ولكن كل ذلك على الأقل مقارن ضمنيًا. إن قصة البوذية الصينية على مدى الألفي عام القادمتين هي إلى حد كبير قصة الحوار بين التقاليد الأجنبية والمحلية، وكذلك قصة الكونفوشيوسية والطاوية خلال نفس الفترة. توجد أنماط مماثلة من الحوار بين تقاليد السكان الأصليين والبوذية في كوريا واليابان وسريلانكا وتايلاند وفيتنام. يمكن تحديد الأنماط الموازية بين اللاعبين الآخرين في الهند. ربما، بسبب هذا الإلمام الطويل بالحوار بين الثقافات والاستعداد لأخذ الشركاء على محمل الجد، فإن العديد من الأعمال المبكرة التي تقارن الفلسفات الشرقية والغربية التي لا تزال مهمة لم تأت من الغربيين ولكن من غير الغربيين الذين استجابوا للغرب. الأفكار. ربما كان سري أوروبيندو (1872-1950) وسارفبالي راداكريشنان (1888-1975) من أبرز الأصوات وأكثرها نفوذاً التي استجابت من الهند في الجزء الأول من القرن الماضي، حيث قدموا الأفكار الفلسفية الهندية والمقارنة والتناقض وحتى دمج الشرق والغرب. الفلسفة والدين. في اليابان، بدأ تحقيق في الخير لنيشيدا كيتارو (1911) اعتمادًا إبداعيًا ونقديًا للفلسفة الغربية والدين من منظور راسخ في بوذية ماهايانا والذي يستمر حتى اليوم في عمل أعضاء مدرسة كيوتو، وأبرزهم كيجي نيشيتاني وماساو آبي جزئياً كنتيجة لظهور الدراسات المقارنة في التاريخ الفكري الأنجلو-أوروبي في القرن التاسع عشر، رعت جامعة هاواي الأولى في سلسلة مؤتمرات الفلاسفة بين الشرق والغرب في عام 1939. منذ ذلك الوقت الفلسفة المقارنة ودراسات المنطقة الفلسفة، وفلسفة العالم استمرت في النمو والتخصيب المتبادل. ومع ذلك، فإن الفلسفة المقارنة كمجال أصبحت الآن فقط واعية بالكامل، من الناحية المنهجية والجوهرية، حول دورها ووظيفتها في المؤسسات الأكبر للفلسفة ودراسات المنطقة. كانت الفلسفة الغربية السائدة بطيئة في قبول الفلسفة المقارنة. نادرًا ما تخلق أقسام الفلسفة مساحة لها في مناهجها الدراسية، وغالبًا ما يجد الفلاسفة المقارنون صعوبة في نشر أعمالهم في المجلات الرئيسية. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1996، كتب الفيلسوف المقارن بريان فان نوردن "رسالة مفتوحة إلى جمعية علم النفس الأمريكية". اشتكى فان نوردن مباشرة من عزل الفلاسفة الذين يكتبون عن موضوعات مقارنة عن المجلات الفلسفية السائدة. على الرغم من أن فان نوردن لا يوضح ذلك تمامًا في رسالته، إلا أنه يبدو أن شكواه موجهة نحو طريقتين تم من خلالهما حرمان علماء الفلسفة المقارنة من المجلات السائدة في الماضي. انتقل إلى مجلات دراسات المنطقة، مثل تلك التي تتعامل مع الصين أو الهند أو آسيا أو الشرق الأوسط أو الإسلام. الطريقة الأخرى التي حدث بها ذلك هي أن عملهم المقارن قد تم إدراجه ضمن مجلات دراسات المنطقة الفلسفية مثل مجلة الفلسفة الصينية أو الفلسفة الأفريقية أو مجلة الفلسفة الهندية أو مجلة الفكر والفلسفة اليهودية أو الفلسفة في اليابان أو الفلسفة الآسيوية. المجلات المقارنة المميزة لا تزال صغيرة من حيث العدد: فلسفة الشرق والغرب وداو: مجلة في الفلسفة المقارنة (والتي لديها مجال محدود للمقارنة). ومع ذلك، فإن جمعية الفلسفة الآسيوية والمقارنة تعقد الآن أقسامها الخاصة في الاجتماعات السنوية للفلسفة الأمريكية، والأكاديمية الأمريكية للدين، ورابطة الدراسات الآسيوية. نشرت رابطة الدراسات الآسيوية أيضًا سلسلة دراسات تعرض أعمالًا في أي مجال من مجالات الفلسفة الآسيوية (أو في أي مجال فلسفي آخر تم فحصه من منظور مقارن) منذ عام 1974. بعض المطابع، مثل مطبعة جامعة ولاية نيويورك وليكسينغتون تحتوي الكتب أيضًا على سلسلة كتب محددة مخصصة لموضوعات في الفلسفة المقارنة. تتضمن أمثلة العمل في هذه السلسلة مجموعة متنوعة من التفكير الأخلاقي: اتجاهات جديدة للأخلاق في سياق عالمي، تم تحريره بواسطة مايكل بارنهارت (2003) والذات كشخص في الفكر الآسيوي، تم تحريره بواسطة روجر أميس وويلمال ديساناياكي وتوماس كاسوليس (1994) حتى وقت قريب جدًا، ركزت معظم دورات الفلسفة التمهيدية بشكل حصري على التقاليد الغربية، في الواقع بشكل أساسي على الكلاسيكيات والمفكرين الأنجلو أوروبية. ولكن يوجد الآن مجموعة متنوعة من الأعمال المتاحة لتعريف الطلاب بالفلسفة التي تكون إما مقاربة في حد ذاتها بشكل صريح، أو على الأقل تجعل العمل الفلسفي المقارن ممكنًا.

3- بعض الصعوبات التي تواجه الفيلسوف المقارن

أ- الشوفينية

حذرت مارثا نوسباوم (1997) من عدة أنواع من الرذائل التي تصيب التحليل المقارن، وبعض الأنشطة التي تحذر منها قد تمثل أنواع الإجراءات أو التصرفات المنهجية تجاه الاعتقاد التي قد يقع ضحيتها الفلاسفة المقارنون. إعادة إنشاء التقليد الآخر على صورة المرء. هذا هو قراءة نص من تقليد آخر وافتراض أنه يطرح نفس الأسئلة أو يبني إجابات أو إجابات بطريقة مماثلة لتلك التي يكون المرء مألوفًا بها أكثر. على سبيل المثال، يجب على الفلاسفة الذين قرأوا كونفوشيوس باعتباره عالِمًا في الأخلاق الفضيلة على نموذج أرسطو أن يكونوا على حذر دائم من هذا النوع من الشوفينية. دافع ديفيد هول وروجر أميس (1995) ضد ترجمة اسم النص الصيني تشونغ يونغ كعقيدة التوسط، لأنهما لا يعتقدان أنه يتبع نفس أنواع تحليل الفضيلة في السبب العملي الذي يفعله أرسطو في كتابه ايتيقا نيقوماخوس. على الطرف المقابل، لكن ما يزال مثالاً على نوع من الرذيلة الشوفينية ، هو ما يسميه نوسباوم الشوفينية المعيارية. هذا هو الاتجاه الذي وجده العديد من الفلاسفة للاعتقاد بأن تقاليدهم هي الأفضل وبقدر ما يختلف الآخرون، فهم أقل شأنا أو مخطئين. من الناحية المثالية، يجب أن يتبنى الفلاسفة تلك الآراء الأكثر قابلية للدفاع والمصداقية. لكن معايير اتخاذ هذا القرار قد تعتمد على التقاليد. لذلك، إذا كان الفيلسوف غير راغب في إعادة النظر في معاييره الخاصة في ضوء تقليد آخر، فقد يجد نفسه ملتزمًا بأي شيء آخر بخلاف شكل من أشكال الشوفينية المعيارية. على سبيل المثال، قد يؤدي اكتشاف أن معاداة زوهانزي للوطنية تتحرك من خلال الهدوء والسكون إلى العمل السهل إلى رفض بعض الفلاسفة لهذا النهج لأنه لا يستخدم أنواع معايير الإثبات التي يحملها المرء. الشكل الشائع للشوفينية المعيارية هو الاعتقاد بأنه ما لم تتم الفلسفة بطريقة معينة (على سبيل المثال، الحجة النسبية)، فلا يمكن اعتبارها فلسفة بشكل صحيح. لم تفكر العديد من أقسام الفلسفة في أوروبا وبريطانيا وأمريكا أبدًا في تضمين دورات في الفلسفة المقارنة، أو حتى فلسفات دراسات المنطقة مثل تلك الموجودة في الصين أو الهند أو اليابان لأن هذه التقاليد لا يُنظر إليها على أنها "فلسفة حقيقية". يعتقد بعض الفلاسفة المقارنين أن هذا مشابه لشخص يستمع إلى الموسيقى الهندية، ويدرك أنها تبدو مختلفة تمامًا عن الموسيقى الغربية، ويستنتج أنها ليست "موسيقى حقيقية". ما يتم تجاهله في مثل هذه الحالات هو أنه في حين أن المفهوم الكامل لـ "العمل الفلسفي" أو "العمل الموسيقي" يختلف غالبًا وفقًا لكل تقليد، فإن كل مثال يعتمد على التقليد يكون قويًا وذو مغزى من الناحية الفكرية. قد لا يعتبر بعض الفلاسفة الشك المعياري في الواقع رذيلة، حتى لو أطلق عليها نوسباوم اسمًا واحدًا. وهو يتألف من سرد آراء مختلف الفلاسفة والتقاليد وتعليق كل الأحكام حول كفايتها. عند تدريس تاريخ الفلسفة الغربية، لا يقدم بعض الفلاسفة أبدًا أي وجهة نظر نقدية تنحي جانباً ادعاءات المفكر. لكن العديد من الفلاسفة يرون أن بعض الآراء أقل قابلية للدفاع عن البعض الآخر، وبعضها خاطئ تمامًا. إنهم يعتقدون أن هذا ليس صحيحًا فقط عند التفكير في المفكرين في تاريخ الفلسفة الغربية، ولكن أيضًا عند القيام بفلسفة مقارنة عبر الثقافات. في حين أنه من الصحيح أنه ليس كل الفلسفة الغربية على حق، فمن الصحيح أيضًا أنه لا يوجد أي تقليد آخر. يجب تحدي بعض الآراء البوذية والهندية والكونفوشيوسية والداوية والإسلامية، وفي بعض الأحيان ستجد أنها ناقصة إما وفقًا لمعايير متفق عليها عبر الثقافات، أو بسبب شكل من أشكال عدم الترابط الداخلي. كونك فيلسوفًا مقارنًا لا يستلزم قبولًا غير نقدي للتقاليد الأخرى لمجرد أنها مختلفة. لا يتم التعبير عنها في نوع من الرومانسية التي قد تفكر في بعض التقاليد الفلسفية من ثقافة أخرى على أنها صحيحة دائمًا، أو مفضلة على الفلسفة الغربية. كما أن الفلسفة المقارنة لا تتطلب تعليق كل الأحكام النقدية. في الواقع، إنه مبني على فرضية أساسية مفادها أن المحادثة عبر التقاليد ستحرق بعض الخبث وتنقي وتؤكد بعض الحقائق. ولكن نظرًا لاختلاف وجهات النظر الفلسفية في بعض الأحيان بشكل كبير، فليس من الواضح دائمًا كيف يمكن للمرء أن يُظهر نفسه أفضل من الآخر على أي أسس فلسفية. يعد تشكيل أسس لاتخاذ القرار بين وجهات النظر أحد المهام الأساسية للفلسفة المقارنة.

ج- عدم القابلية للقياس:

قدم ديفيد فونغ (1989) وجهة نظر للطرق التي قد تكون فيها التقاليد الفلسفية غير قابلة للقياس. أحد أنواع عدم القابلية للقياس ينطوي على عدم القدرة على ترجمة بعض المفاهيم في تقليد ما إلى معنى ومرجع في تقليد آخر. النوع الثاني هو أن بعض النماذج الفلسفية تختلف عن غيرها بطرق أساسية تجعل من المستحيل على المدافعين أن يفهموا بعضهم البعض. اعتقد فونغ أن بعض أشكال الحياة قد تكون بعيدة جدًا عن تجربة الشخص والتقاليد الفلسفية لدرجة أنها غير قادرة على رؤية المزايا من وجهة نظر أخرى. النسخة الثالثة من عدم القابلية للقياس هي أن التقاليد تختلف بشأن ما يُعتبر دليلاً وأسسًا للحكم، مما يجعل من المستحيل إصدار حكم بينهما. لا يوجد معيار قرار مشترك أو موضوعي يبرر تفضيل مجموعة من الادعاءات على أخرى، ناهيك عن تقليد كامل على الآخر. يقترح وونغ التعرف على التقليد الآخر كعلاج. الفكرة هي أن كل فيلسوف يصيب الآخر بطريقة الرؤية. لذا، فإن المهمة هي الوصول إلى فهم لكيفية ارتباط التقليد الفلسفي الآخر بحياة وجدها البشر مرضية وذات مغزى، وغالبًا ما يذهب الفلاسفة الذين يدركون أن العمل النقدي يجب أن يكون جزءًا من المشروع المقارن. إلى استنتاج أن التقاليد يجب أن ينظر إليها على أنها منافسة. استكشف ألاسدير ماكنتاير (1991) هذا المأزق بالذات. إنه يعتقد أنه بمجرد أن يتجاوز المشروع المقارن المرحلة الأولية من عدم الفهم الجزئي والتحريف الجزئي للآخر، ويظهر تمثيل دقيق للآخر، فإن مهمة إظهار أي تقليد منافس يتفوق عقلانيًا على الآخر. قد يكون انتصار تقليد على آخر نتيجة لاعتراف وجهة نظر، بناءً على معاييرها الداخلية الخاصة، بأنها أدنى من وجهة نظر أخرى. وعندما لا تكون الموارد المتاحة لتصحيح أوجه القصور هذه موجودة في تقاليدهم الخاصة، فإن هؤلاء الأشخاص الذين يحملون وجهة النظر الفاشلة قد ينقلون موافقتهم على التقليد الذي يحتوي على تلك الموارد أو الذي قدم تفسيراً لسبب فشل النظام السابق. يعتقد ماكنتاير أن هذا الموقف يمكن أن يحدث حتى لو لم يكن للتقليدين معتقدات أو أساليب فلسفية مشتركة أو مشتركة؛ أي، حتى لو كانت غير قابلة للقياس تمامًا. في تلك المواقف التي يجد فيها الفلاسفة المقارنون أنفسهم في نقاش عقلاني مع أولئك الذين ينتمون إلى تقليد آخر، يقول ماكنتاير إن كل فيلسوف يتحمل مسؤولية رؤية وجهة نظره من وجهة نظر إشكالية قدر الإمكان، معترفًا بإمكانية الخطأ. لكنه يتبنى أيضًا وجهة النظر القائلة بأنه في أي مقارنة للآراء فلسفيًا، يجب أن نقارن من وجهة نظر معينة. لا توجد أرضية محايدة. هذا ما قصده عندما قال إن الفلسفة المقارنة تصبح في النهاية مقارنة المقارنات. ينظر ماكنتاير في مسألة ما إذا كان المشروع الفلسفي المقارن هو مسألة اختيار، وحتى مسألة مناقشة عقلانية. ويثير اعتراضًا وهميًا على آرائه، كما يقول، بأنه إذا اتهمه أحدهم بافتراض ذلك المفهوم المسبق للنظام العقلاني الذي يميز الغرب ولا يوجد في الفكر الصيني، فعليه ببساطة أن يقول إن هذه هي وجهة النظر التي ينطلق منها. يقف ولا يمكن أن يفعل غير ذلك. هذه وجهة نظر للمهمة الفلسفية المقارنة، بينما وصف الطريقة التي يعمل بها بعض الفلاسفة المقارنين، ليست صحيحة بأي حال من الأحوال بالنسبة لهم جميعًا. لا يفكر العديد من الفلاسفة المقارنين (مثل أولئك المدرجين في قائمة المراجع أدناه) عادةً في عملهم على أنه يتيح اتخاذ قرار بين النظريات المتنافسة بطريقة عقلانية. فهم يتصورون عملهم على أنه عملية محادثة يتم فيها إحراز تقدم فلسفي ويتم تغيير جميع التقاليد في السرد الناتج. كما ان صعوبة القياس ليست هي المشكلة الوحيدة التي تواجه الفلاسفة المقارنين. من الأخطاء التي ارتكبها العديد من الفلاسفة المقارنين أنهم يغفلون عن أن التقاليد الفلسفية لها حاضر بالإضافة إلى ماضٍ. في حين أن النصوص الكلاسيكية للتقاليد المختلفة تكوينية وتصبح أساسًا لكثير من التطور المتميز للتقاليد، لا يستطيع الفيلسوف التركيز عليها فقط. كما يعلم أولئك الذين يدرسون أي تقليد فلسفي في العمق جيدًا، فإن جميع التقاليد الفلسفية تتطور. فهي ليست "معمرة" بمعنى أنها متجانسة أو ثابتة. ليس لديهم فقط توترات مع التقاليد الأخرى، لكنهم يحتويون أيضًا على صراع داخلي. النقطة التي يخطو عندها الفيلسوف المقارن في تيار تقليد آخر مهمة دائمًا. يجب أن يفهم ليس فقط أسباب وجود وجهة نظر معينة في تقليد آخر، ولكن أيضًا أن وجهة نظر واحدة فقط من بين وجهات نظر أخرى ممكنة ضمن هذا التقليد المعين. على سبيل المثال، إذا أراد المرء أن يفعل الأخلاق المقارنة، مع التركيز على الثقافة الأخلاقية الصينية، فماذا يجب أن يدرس؟ الكونفوشيوسية، والطاوية، والبوذية، والنقد الماركسي للثلاثة؟ وبأي جوانب من تقاليده سيقارن الثقافة الأخلاقية الصينية؟ الواجبة، النفعية، الأرسطية؟

4- آفاق الفلسفة المقارنة:

في النهاية، قد يعترض المرء على أنه لا يوجد في الواقع شيء اسمه الفلسفة المقارنة، كمجال فرعي منفصل للعمل الفلسفي، لأن كل العمل الفلسفي مقارن. بعد كل شيء، هناك شيء واحد عادة ما يفعله الفلاسفة وهو مقارنة عمل مختلف المفكرين مع أعمال الآخرين، أو عملهم. يحتاج الفلاسفة إلى مسح شامل لمجموعة كاملة من الآراء المهمة حول السؤال قبل منح الموافقة. يجب اختبار كل عرض مقابل الآخرين. هذا مشروع مقارن مميز. على سبيل المثال، إذا حدد المرء مناقشة هيوم للهوية الشخصية جنبًا إلى جنب مع مناقشة لوك، يتم إجراء مقارنة. ليس من الواضح أن هناك اختلافًا حقيقيًا في مقارنة آراء كونفوشيوس حول الأخلاق وتلك الخاصة بأرسطو، وتلك الخاصة بأكويني وأرسطو حول نفس الموضوع. علاوة على ذلك، إذا قارن المرء نظرية المعرفة ونظرية الحقيقة لدى ديكارت بنظرية هيجل، فهذا لا يعني إجراء مقارنة فحسب، بل سيقول بعض الفلاسفة أن النهجين مختلفان تمامًا عن بعضهما البعض بحيث لا يمكن قياسهما (أي أنهما يفتقران إلى أي أساس مشترك للمقارنة). هذا يعني أن مهمة المقارنة ليست أساسية فقط لما يفعله الفلاسفة، ولكن أيضًا عوالم الفكر التي تم فحصها قد تكون غير قابلة للقياس على الرغم من أنها تأتي من نفس التيار الثقافي. قد يكون ديكارت وهيجل غير قابلين للقياس على الحقيقة بنفس الطريقة التي يختلف بها نهج البوذية في التعامل مع المشكلة الأساسية للإنسانية وكيفية التعامل معها، على عكس الطريقة التي تفكر بها البراغماتية في هذه المشكلة. لقد يتخذ المرء الموقف القائل بأن أرسطو مقارنة بكونفوشيوس في الأخلاق يختلف فقط في الدرجة عن المقارنة بين أرسطو والأكويني. ومع ذلك، كما أشار ألفريد نورث وايتهيد ، فإن الاختلاف في الدرجة قد يصبح أحيانًا اختلافًا في النوع. حتى لو كان الاختلاف بين ما يفعله الفلاسفة بانتظام عند مقارنة المفكرين داخل التقليد الغربي وما يفعلونه عند مقارنة مفكر غربي بآخر من الهند، على سبيل المثال، ليس مسألة نوع، فلا تزال درجة هذه الاختلافات مهمة. ولكن لا يمكن وضع قاعدة أو معايير رسمية أو عامة للتمييز بين هذه الأنواع من المقارنات. هناك طرق تتشابه فيها مقارنة الأفكار الفلسفية بين التقاليد ومقارنة تلك الموجودة في نفس التقليد. يتمثل جزء من مهمة الفلاسفة المقارنين الذين يعملون عبر الثقافات في الكشف، في سعيهم وراء عملهم الخاص، عن الاختلافات بين هذه الأساليب المقارنة الدرامية وذات الأهمية الفلسفية. توليف التقاليد الفلسفية (كما في فلسفة العالم). ما يتم إنشاؤه ليس نظرية جديدة بل هو نوع مختلف من الفيلسوف. الهدف من الفلسفة المقارنة هو تعلم لغة جديدة وطريقة جديدة للتحدث. لا يسكن الفيلسوف المقارن كثيرًا في كلا وجهتي النظر التي تمثلها التقاليد التي يستقي منها عندما يأتي ليعيش في وجهة نظر ناشئة مختلفة عنهم جميعًا، وبالتالي فهي طريقة إبداعية جديدة لرؤية الحالة الإنسانية.

خاتمة

الفلسفة المقارنة هي مشروع مستحيل بالنسبة للبعض، نظام في طور التكوين للآخرين، تتويج عالمي للفلسفة بالنسبة للبعض، من المرجح، في الحقيقة، أن تتبنى الفلسفة المقارنة العديد من الوجوه مثل الباحثين الذين يكرسون أنفسهم لها. تقوم الفلسفة المقارنة بتجميع دراسات حول أقدم الآداب الفلسفية، تلك الخاصة باليونان والصين والهند والفرس والعرب والأفارقة واللاتينيين واليابانيين والأتراك والمسلمين والمسيحيين واليهود، ودراسات تمثيلية لأنماط مختلفة من المقارنة في الفلسفة. يقدم تحليلات حول الاختلافات والتقارب في طرق التفكير الغربية والآسيوية، وحول آثار الاتصال بين الفلسفات اليونانية والهندية خلال العصور القديمة. إذا كانت المقارنة تهدف إلى وضع عقلانية الفلسفة اليونانية على المحك وإخراج ما لا يمكن تصوره، فكيف نؤسس أخرى لمصطلح المقارنة دون أن نخونه ودون حصره في الفئات التي من المفترض أن تعكسها؟

الفلسفة المقارنة، التي سيكون من الأصح تسميتها بالفلسفة المقارنة تسير بشكل أساسي بطريقتين، اعتمادًا على ما إذا كانت الفلسفات المقارنة تأتي من مجموعات ثقافية ولغوية ذات صلة - وبالتالي من اليونان واليونان. الهند - أو ليس - كما هو الحال مع اليونان والصين -. نتحدث عن المقارنة المتفرعة في الحالة الأولى، والتي تشير إلى تأثيرات و / أو اتصالات تاريخية، وعن المقارنة الأجنبية في الحالة الثانية. تقدم مصلحتين رئيسيتين: مصلحة إيجابية واهتمام منهجي. من ناحية أخرى، كما تركز حصريًا على المشكلات النظرية التي تطرحها الطريقة المقارنة، على مساهماتها وحدودها. تقوض المقارنة بين الصين واليونان ادعاء الإغريق باختراع الفلسفة. نقارن الفلسفة بقارة كان من الممكن أن يقترب منها الإغريق والصينيون من ضفتين متعاكستين: بينما تستند الأولى فلسفتهم بالكامل على علم الكونيات والميتافيزيقا، تبدأ الثانية من الاهتمامات السياسية والاقتصادية التجريبية. سيكون هذا أحد أسباب العمى الغربي المعاصر للنصوص الصينية القديمة: يحتفظ الغرب فقط بالجوانب الميتافيزيقية للنصوص الصينية لأنه يراها من خلال تقاليده الخاصة. يفسر الاختلاف في السياق الاجتماعي والسياسي إلى حد كبير الاختلاف بين الاستخدام العام للإقناع اليوناني وتنظير جوانبه الشكلية من قبل أرسطو على وجه الخصوص، ومن ناحية أخرى الخطاب السياسي الصيني، الذي يهدف إلى إقناع الشخص الوحيد سيادة أهمية بعض التدابير، وبالتالي فهي تستند أساسًا إلى الدراسة التجريبية للينابيع النفسية للإقناع. تقدم المقارنة المتفرعة بين اليونان والهند، على مستويات مختلفة، نهجًا أكثر تاريخية. تم العثور على القسم الثلاثي المتعلق ببنية الشعوب الهندو أوروبية في الفكر الاجتماعي والسياسي والنفسي لأفلاطون، وبشكل غير متوقع، في علم الأعراق البشرية، والأنثروبولوجيا الخاصة به، ونظريته للمعرفة والتعليم، وفي مفهومه عن الطب. نحن ننظر إلى القرابة بين المخططات أو الأشكال المفاهيمية واللغوية: الأول يقارن المفهوم الأرسطي للبيئة، المتصور كشيء نهائي للإنسان على المستوى العملي، مع "الطريق الوسط" للبوذية، والتي هي فقط وسيلة في ضوء قضية؛ يبحث الثاني في أصل وانتقال التناظر المعرفي بين الخط المستقيم واللولبي في لغات هندو أوروبية مختلفة. لكن كيف تنتقل التأثيرات؟، لا يكفي تثبيت المستعمرات اليونانية في الهند بعد فتوحات الإسكندر لدعم وجود اتصالات مباشرة بين الفلاسفة اليونانيين والهنود: كانت البوذية تعمل كوسيط، بسبب ثقافتها في النقاش العام، على غرار الممارسة الفلسفية اليونانية. تثير كل هذه المقارنات أسئلة منهجية متعددة. أولاً، هل يمكننا أن نأخذ مفهوم الفلسفة بنفس المعنى في مثل هذه المجالات الثقافية واللغوية المتنوعة؟ في إطار المقارنة بين الغربة الداخلية للحقل اللغوي اليوناني نفسه، يتضح أن التأليف اليوناني والتفوق في مسائل الفلسفة هما اختراع حديث: الفترة الكلاسيكية، وبشكل أكثر وضوحًا، دعم الأفلاطونيون الجدد وآباء الكنيسة. تفوق البرابرة في هذا المجال، باستثناء أنهم لا يبدو أنهم شككوا في المعنى المختلف الذي أعطوه لمفهوم الفلسفة مقارنة بأسلافهم. لذلك سيكون من المشروع افتراض أن هذه الصعوبة تنطبق من باب أولى بين المناطق البعيدة لغويًا وثقافيًا. بالإضافة إلى ذلك، من خلال إنشاء خطة مشتركة تهدف إلى قياس أوجه التشابه والاختلاف، ألا يخاطر النهج المقارن بتشويه شروط المقارنة، مثل تلك المنصوص عليها بوضوح والمفترضة حول أرسطو؟ ما لم نفترض وجود مشاكل عالمية كبرى يتم التعامل معها بطرق مختلفة اعتمادًا على البلد، ولكن من الصعب معرفة ما يمكن أن تتكون منه بشكل مستقل عن صياغتها بلغات وطرق تفكير متميزة ونسبية، الحل الوحيد كل من المثمر والحصيف هو ما أوصى به ف. جوليان: يجب أن تكون المقارنة مصحوبة بإيماءة "عدم المقارنة"، أي بإدراك الطابع المصطنع والجزئي للمرآة التي شكلناها لإلغاء مركز اليونان من عالمنا العقلي. لذلك فإن إلغاء المقارنة هو دعوة لمضاعفة المقارنات. نفكر بالمسافة للإشارة الى الفلسفة المقارنة. لا يمكن لأي فكرة أن تدرك نفسها حقًا إلا بشرط أن تعكس نفسها في مرآة التغيير الذي يعكس إلى الوراء معالمه وظلاله. ولكن كيف يمكننا منع هذا الآخر من أن يكون جذريًا للغاية بحيث لا يكون ذا مغزى، بينما يكون كافياً لإخراج الشيء نفسه؟ بمعنى آخر، ما هو المقياس الصحيح لهذه الاختلاف وهذه الفجوة؟ إلى أي مدى تظل مثمرة بالرغم من البراعة المنهجية اللازمة التي يجب نشرها لمقارنة المناطق الثقافية التي يمكن أن يكون عدم تجانسها كاملاً، كما هو الحال بين اليونان والصين؟ نفكر بالمسافة للإشارة الى الفلسفة المقارنة. لا يمكن لأي فكرة أن تدرك نفسها حقًا إلا بشرط أن تعكس نفسها في مرآة التغيير الذي يعكس إلى الوراء معالمه وظلاله. ولكن كيف يمكننا منع هذا الآخر من أن يكون جذريًا للغاية بحيث لا يكون ذا مغزى، بينما يكون كافياً لإخراج الشيء نفسه؟ بمعنى آخر، ما هو المقياس الصحيح لهذه الاختلاف وهذه الفجوة؟ إلى أي مدى تظل مثمرة بالرغم من البراعة المنهجية اللازمة التي يجب نشرها لمقارنة المناطق الثقافية التي يمكن أن يكون عدم تجانسها كاملاً، كما هو الحال بين اليونان والصين والعرب والفرس والترك وبين الشرق والغرب؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

حاتم حميد محسنهل الدين يحتاج للفلسفة؟ ام العكس؟ هل هما طريقتان متضادتان في النظر للعالم؟ ماذا يمكن ان يقول الايمان والعقل الى بعضهما؟ في آخر الألفية الماضية، جمعت (مجلة الفلسفة الآن)  وبالتنسيق مع (مؤسسة الفلسفة للجميع) نخبة من المفكرين المتميزين امام جمهور واسع في احدى دور الكتب في لندن لمناقشة الأسئلة الهامة الآنفة الذكرأعلاه.

كان فريق النقاش على الشكل التالي:

1- جون بروك، استاذ العلوم والدين في جامعة اكسفورد

2- انتوني فلو، استاذ فخري في الفلسفة في جامعة ريدينغ

3- دوغلس هيدلي، محاضر في الفلسفة والدين في جامعة كامبردج

4- جانيت ردكليف ريتشارد، قارئ في البايوايثيك في كلية لندن الجامعية

5- مديرة الحوار أنجا شتاينباور، رئيسة مؤسسة الفلسفة للجميع.

أنجا: قبل اكثر من مائة سنة، أعلن نيتشة عن موت الاله. الله كان شيئا أشبه بالضامن او الكفيل لنظام مطلق، ولهيكل للعالم اُدخل فيه الكائن البشري بشكل هادف. الفلاسفة، والذين من بينهم نيتشة، اعتقدوا اننا يمكن ان نفهم مجمل الوجود، ومعنى حياتنا، بمقتضى ان نكون كائنات عقلانية، دون اللجوء الى الوحي. وبالنتيجة، جاءت الكثير من الفلسفة بصورة  نقد للدين. ولكن هل هذا يعني ان الفلاسفة يجب بالضرورة ان يكونوا نقادا للدين؟ فلاسفة مثل القس اوغسطين وتوما الاكويني اعتقدا بطريقتهما الخاصة ان الايمان يجب ان يسبق الفهم. ما هي العلاقة (ان كانت) بين الايمان والعقل؟ هل هما منسجمان، هل يمكن ان يتعايشا جنبا الى جنب، هل يمكن ان يتفاعلا بشكل مثمر، وأين تكمن المشكلة؟ هذا هو نوع من التحقيق الذي سنبدأ به نقاشنا. قبل كل شيء انا أود ان اوجّه السؤال الى جون بروك للتعليق.

جون بروك: شكرا كثيرا لك أنجا. انا يجب ان اوضح اني جئت الى هذه القضايا أساسا كمؤرخ للعلوم. انا لا أحمل بطاقة فيلسوف بالمعنى الصارم. ولكن انا كمؤرخ اعتقد  من الأفضل ان أتناول نقطة التداخل هذه. انها تبدو واحدة من أروع الأشياء حول العلاقة بين الايمان والعقل، العلم والدين، الايمان والفلسفة، لنرى كيف تغيرت تلك العلاقة من التداخل بمرور الزمن. لو نظرنا في القرن السابع عشر، والذي عادة يُنظر اليه كأساس للعالم الحديث من حيث التحرر الفكري الجديد، يبدو لي انه يمكن للمرء ان يشير لكل الأشكال الملفتة التي تداخل بها الدين والعقل . لذا من المفيد، فقط لكي نبدأ هذا الحديث،لو أعرض لكم أمثلة قليلة يمكن فيها للمرء القول ان العلاقة بين الاثنين كانت في الحقيقة بنّاءة، لكل منهما، بدلا من ان تكون بطريقة ما مدمرة ذاتيا. احد أمثلتي المفضلة تأتي من الفلكي (جوهان كبلر) الذي بيّن ان تطبيق العقل واكتشاف حقائق جديدة في الطبيعة يمكن هو ذاته ان يكون شكلا من التجربة الدينية. عندما عبّر كبلر عما نعرفه كقانون ثالث لحركة الكواكب، هو كان مسرورا جدا بالهندسة الأنيقة للكوكب، هو يكتب "انا شعرت بحماس لا يوصف في المشهد الالهي للانسجام السماوي". ولو انت تحلل كل هذه الكلمات  سوف تدرك ان هناك تدرجا ملفتا من العلماني الى المقدس. كبلر يفترض سلفا نوعا من النظام المفكر من النوع الذي أشارت له (أنجا) قبل عدة شهور. هناك تقريبا إحساس تعمل فيه العقيدة الدينية  كإفتراض مسبق للتحقيق العلمي. وهناك مثال آخر من (فرنسيس باكون). كما يعرف العديدون، انه من الشائع جدا في الحلقات الثيولوجية الاشارة الى كتابين اثنين: الاول النص المقدس "كتاب كلمات الله" والثاني العالم الطبيعي، "كتاب أعمال الله". كان باكون قادرا على الجدال بانه طالما هذين الكتابين لهما نفس المؤلف، فهما لا يمكن بالنهاية ان يكونا في خلاف. وما أريد اقتراحه هنا، كما يبيّن الكتاب الأخير لـ (بيتر هارسن) "حول الانجيل والبروتستانية في القرن السابع عشر"، هو ان طرق جديدة من قراءة كتاب كلمات الله او النصوص المقدسة ربما لها انعكاسات على الكيفية التي قُرأ بها كتاب أعمال الله. وهكذا، في ذروة الثورة العلمية فان شخصية مثل اسحق نيوتن يعتقد ان مهمته العظيمة في الحياة  كانت السعي الى تفسير صحيح وواضح لكتاب الله وكذلك كتاب أعمال الله. لذا هناك تشابه ملفت بين سياق الايمان وسياق العقل. يمكن للمرء الجدال بان العديد من المفكرين الكبار في القرن السابع عشر شعروا بضرورة إصلاح الفلسفة، وبضرورة الانفصال عن التقاليد المدرسية، وان الحوافز لذلك الاصلاح عادة يُعبّر عنها في اللغة الثيولوجية والدينية. لو انت تنظر لفلسفة اسحق نيوتن ستجد نقدا ثيولوجيا قويا جدا لعقلانية ديكارت الذي يعتبره نيوتن بالغ كثيراً في ميكانيكية العالم الطبيعي. وانا افترض نفس الشيء في فلسفة جون لوك حيث يمكنك الجدال ان نقد لوك لعقيدة المعرفة الفطرية هو في الحقيقة صيغ في لغة ثيولوجية، بمعنى انه من المهين لله،الافتراض انه لم يزودنا بقنوات مركزية نستطيع من خلالها اكتساب المعرفة عن العالم الطبيعي. حسناً انا أعتقد قلت ما يكفي على الأقل لجعل الكرة تدور. ولكن فقط أقترح بانه في ذلك القرن الذي نراه اساس الفلسفة الحديثة كان هناك تداخلا مهما بين الاثنين، تداخلا كما أظن، بطرق محفزة ومثيرة للاهتمام.

جانيت: اولاً ملاحظاتك حول كبلر وشعوره بالدهشة أمام الاله. بالتأكيد من السهل فهم شعور كبلر بهذا النوع من الدهشة ونفسّره كجزء من عقيدته الدينية. لكن الشعور بذاته ليس دليلا على شيء وراءه. أنت تستطيع التحقق من تفكير كبلر حول أصل الشعور بدون الشك انه امتلك ذلك الشعور.

احدى المشاكل التي سنواجهها في النقاش هي تعريف الدين، لأنك اذا كنت تعرّف الدين فقط بعبارات من الشعور بالدهشة فسوف لن يكون هناك أي جدال. ولكن لو انت تعرّف الدين كشيء يشبه العقيدة بإله خالق وحافظ ومنظم للكون عندئذ فان هذه العقيدة ليست في تضاد مع العلم، حيث ان العلم هو تحقيق واستبيان للطريقة التي تبدو عليها الاشياء. لذا لا شيء هناك من حيث المبدأ فيه معارضة لكلا الاثنين . ولكن من الصحيح ايضا انه مع تطور العلم، يتم التغلب على جميع أسبابك الاصلية للتأمل في وجود الله عبر أنواع اخرى للتوضيح ولذلك أنت لا تمتلك الكثير من الاسباب للاعتقاد بالله. لذا فانه ليس ان نوعا معينا من التحقيق، او العلم، يُعارض نوعا معينا من العقيدة ذاتها. بل ان ذلك التحقيق ربما يقودك الى  إستنتاجات تُضعف اسبابك الأصلية لإمتلاك تلك العقيدة.

جون بروك: الحجة بان العلم يمكنه ان يقدم توضيحات عقلانية لخصائص العالم الطبيعي الذي كان في وقت ما مصدرا للغموض و الرهبة، لا تستبعد بالضرورة الايمان بخالق لاولئك الذين يمتلكون سلفا نوعا من الايمان الديني، مهما كان أصل ذلك الايمان. هذا ما سأبدأ به الجواب على ذلك السؤال.

جانيت: بالطبع هذه التوضيحات العلمية تسمح لإمكانية وجود الله. لكنك لو أزحت كل الدليل لأجل الاعتقاد بوجود الله، عندئذ انت عليك ان توضح لماذا انت لاتزال تؤمن به.

أنجا: هل لي ان أسأل عن رؤية انتوني حول هذه الافكار؟

أنتوني: حول هذه العقيدة في الله: انا أعتقد ربما من المفيد في هذه المرحلة عرض ما اصبح معيارا لتعريف الاله الديني،الذي عرضه ريتشارد سونبرن وهو: " شخص بدون جسم، او روح، موجود في كل مكان، هو الخالق وحافظ الكون، قادر على كل شيء،يعرف كل شيء، خيّر تماما، مصدر الالتزامات الاخلاقية، لا يتغير،أبدي،كائن ضروري، مجيد، مستحق العبادة". مجموعة من الخصائص، ليست كلها منسجمة بالضرورة وبعضها نجد من الصعب فهمه. ولكن مشكلتي هنا هي نفس المشكلة التي واجهها برتراند رسل. سأل شخص ما  الفيلسوف الملحد رسل ماذا سيقول للاله بعد موته عن سبب إلحاده. أجاب رسل هو ربما يقول للاله "لا يوجد دليل كاف". هذه هي مشكلتي بالضبط. يبدو لي اننا عندما ننظر للرؤية عن تاريخ الكون التي عرضتها الفيزياء الحالية ، هي ان كل شيء بدأ بالانفجار العظيم. انا لا استطيع ان أرى اي سبب على الاطلاق، اي لا وجود لسبب إثباتي evidencing reason مقابل سبب محفز motivating reason للاعتقاد بان الانفجار الكبير نشأ بسبب هذا الشيء المعين. انا لا أرى اي اسباب دالّة للاعتقاد بصحة ذلك . يبدو لي ان الشيء العقلاني هو ان نقول ان السبب هو وراء مجال  التحقيق الانساني، ذلك لو ان الفيزيائيين لا يستطيعون افتراض أي سبب، فسوف لا نستطيع ان نعرف. ولكن كل ما عرفناه عن ذلك حصل لأنه يقودنا لنتوقّع ان السبب كان شيئا مختلفا جدا عن إله كهذا. انا اتوقع سببا فيزيائيا، شيئا اذا كنت لا تستطيع ضربه بمطرقة، فهو بالتأكيد  ليس شخصا، وليس أي شيء آخر.(1)

أنجا: دوكلس هيدلي، هل ترغب بالتعليق؟

دوغلس: نعم، دعني أضع رؤية مضادة. يبدو لي على الجانب الآخر (من هذه القضية) انا ربما اكتشف شيئا مثل الرؤية اليمينية للعقيدة الدينية وتطور الالحاد، اي، اننا في موقف فريد قياسا بتاريخ الفلسفة، وان الناس ربما من المعقول ان تكون لديهم عقائد ايمانية في الماضي، لكن ليس من المعقول ان يمتلكوا عقائد ايمانية اليوم  لأن الالحاد هو استدلال عقلاني من العلم الحديث. تعريف ريتشارد سونبيرن الذي اشار له توا انتوني فلو،  يتجذر في افلاطون وارسطو، خاصة في افلاطون. بلوتارش اقتبس مرة من افلاطون قوله ان الله كان دائما يعمل الهندسة. الآن يبدو لي ان السؤال حول الدين والعقائد الايمانية هو في الحقيقة تأسيسي في اصول الفلسفة الحديثة. انه هناك لو نظرت لافلاطون والسوفسطائيين. هنا حيث انا اهاجم الرؤية اليمينية . السوفسطائيون كانوا شكاكا راديكاليون، ما بعد حداثيو القرن الخامس قبل الميلاد، يثيرون الشك حول القيم المطلقة، لأنهم رأوا الكثير من الدليل عن النسبية عبر النظر الى مختلف المجتمعات وايضا كانوا متأثرين جدا بعلوم الايونيين. لذا هم كانوا يقولون "تعالوا ايها التقليديون"، انتم حمقى في محافظتكم لأنه من الواضح لو انتم تنظرون الى العلم، تنظرون لمختلف العقائد لدى مختلف المجتمعات، ان العقائد التقليدية للمحافظين الاثنيين هي من الواضح زائفة". الان افلاطون، وانا اعتقد من المعقول جدا القول ان الفلسفة الغربية تبدأ بافلاطون، يبدأ بكتابة الحوارات، بعد موت سقراط بسبب انه يعتقد ان هناك شيء خطير حول ذلك النوع من النسبية. والايمان يبدأ كنظرية فلسفية ليس فقط كايمان ببعض العقائد الخرافية اللاعقلية حول الدين، وانما كتطوير لنظرية فلسفية مضادة للتجسيم. هذا حصل ايضا  مع ارسطو والافلاطونية الجديدة، ولكن انت تستطيع رؤية عنصر جيد لهذا الهجوم على التجسيم في افلاطون ويرتكز كثيرا على فكرة انه لكي يمكن للعلم والاخلاق ان يكونا ممكنين سنحتاج لشيء ما كمصدر متجاوز ذو قيمة مطلقة. افلاطون يعبّر عن هذه النظرية بعبارات من الاسطورة ، كما قلت، انها فقط اصبحت معبّر عنها بشكل فلسفي متماسك في الافلاطونية المتوسطة وفي الافلاطونية الجديدة. لكن هذا حسبما اعتقد  هو ما بدأت تسير عليه الفلسفة الغربية . هذا يفسر لماذا من المفيد للفيلسوف اليوم ان يقرأ افلاطون بدلا من بنثام او الكثير من الفلاسفة المحدثين الذين استطيع ذكرهم. انه بسبب ان هذه  القضايا لاتزال معنا. انها ليست آثار خرافية من الزمن الماضي.

جانيت: فكرة انك تحتاج الله كمصدر متجاوز للقيم لتتجنب النسبية هي منفصلة كليا عن السؤال حول ما اذا كان الله موجودا. وان معظم الناس عندما يُضغط عليهم بما يكفي – وانا اعود الى افلاطون في مأزق يوثوفرو- يتبين انهم لا يعتقدون  انك تحتاج الى الله لتؤسس ما هو الخير. عندما تسأل متوسط المؤمنين بالله ، ماذا سيقولون لو هم وجدوا بعض الكتب المقدسة مختبئة تقول ان الله يأمر بتعذيب الاطفال لغرض التسلية يوم الاحد، هم سوف لن يقولون " حسنا اذا كان الله يقول ذلك فهو حقا جيد". في الحقيقة هم سوف يستعملونها كجزء من برهانهم بان هذا لايمكن ان يكون كتاب مقدس حقيقي. عندما نأتي الى المسألة، فان معظم الناس الذين يعتقدون في الله يعتقدون ان سبب كون الله خيّر هو لأن الله يعمل ما هو خيّر، ليس ان الخيّر هو خيّر فقط لأن الله يقول هكذا، واذا قال الله شيء مختلف عندئذ سوف لن يكون خيّرا. الان اذا انت تعتقد ان خيرية الله هي مسألة مطابقة الله لمعيار مطلق معين، عندئذ انت تعتقد ان المعيار له وجود مستقل عن الله، وعليه، انت لا تحتاج الى الله لكي تتجنب النسبية. احدى اكبر المشاكل التي يجب على الملحدين مواجهتها هذه الايام هي ان العديد من الناس يفترضون ان الالحاد يقود الى نسبية متطرفة في الأخلاق. انت تستطيع تجنب أسوأ انواع النسبية في الاخلاق، بدون اي حاجة لكائن متجاوز لضمان الخير. انت تستطيع ان تبيّن ان أغلب النسبية هي ببساطة غير متماسكة وسوف لن يكون لها معنى بصرف النظر عما اذا كان الله موجودا ام لا. فمثلا، معظم النسبيين يميلون للذهاب لقول اشياء مثل " لا وجود هناك لمعايير مطلقة ولذلك نحن يجب نحترم قيم كل الناس بالتساوي". وفي قول نحن يجب ان نحترم قيم كل الناس بالتساوي هم يدعون الى معيار اخلاقي تقول مقدمتهم فيه انه غير موجود. هذه الكيفية التي تخرج بها من النسبية، انت لا تحتاج الله لها. ومهما يكن، حتى لو فعلت ذلك ربما يكون الامر فقط اكثر سوءاً.

أنجا: دوغلس هيدلي، هل ترغب بالرد على هذا؟

دوغلس: انا أعتقد  ان ذلك النوع من التضاد بين الله والخيرية كعنصرين هو الذي رفضه وبقوة الفكر الافلاطوني . في ذلك الفكر كان الله  مصدرا متجاوزا لكل الوجود، ممكن وحقيقي وان المصدر المتجاوز هو خيرية مطلقة – ما اذا كانت هذه الهوية منسجمة هي مسألة اخرى. ايضا انا لا ادّعي ان التدين هو الحل الوحيد للنسبية . ملاحظتي كانت بدون إثارة كبيرة، نحن نميل للاعتقاد اليوم في فلسفة الدين كمنطقة هامشية الى حد ما. انها منطقة حفزت الفلاسفة عاليا للتحرك اما لإثبات وجود الله، او لتفنيد ذلك . لذا انها نوع من المنطقة الهامشية التي سوف يتحرك لها الفيلسوف بجهازه المنطقي لكي يجري قليل من الترتيب. انا في الاساس مؤرخ للفلسفة عبر التدريب، وانه يبدو لي بالنسبة لفكر الفلسفة وفي الحقيقة عموما بالنسبة للفلسفة حتى القرن العشرين، ذلك في الواقع ليس وصفا دقيقا لما عليه الموضوع. لأن القضايا الدينية هي كثيرا ما تأتي في قلب الاعمال الفلسفية وفي كثير من الاحيان تسودها. لذا اذا نظرنا ليس فقط للوك وليبنز وانما لأي عدد من فلاسفة القرن التاسع عشر ايضا، سنجد ان القضايا الدينية متوغلة كثيرا في قلب الاشياء. انه  فقط في القرن العشرين يبدأ هذا  بالتغيير. انا اردت ببساطة التأكيد بان الأسئلة الدينية حاضرة في قلب الفلسفة المتصورة  تقليديا.

أنجا: هل هناك من يرغب باضافة شيء ؟

جانيت: نعم، هذه عودة الى النقطة الأصلية التي عرضتها حول الاشياء والتي تبدو فيها نوعا واحدا من التوضيح في البداية يتبين لاحقا لها توضيحات اخرى. انت لا ترى الاحجار فقط بجعل نفسها منتصبة تضع نفسها في البنايات، انت لا ترى الغبار يكوّن ذاته الى ألواح وحيوانات، لذا انت تعتقد ان " الله عمل ذلك". الآن هذا معقول تماما الى ان تجد توضيحات اخرى لنفس الظاهرة. اولئك المهتمون منكم بهذا قد ينظرون في كتاب دانيت (افكار دارون الخطيرة) . هو يطرح مقارنة بين توضيحات يقول انها تعتمد على رافعة من الجو – او سكايهوك فيها تهبط الاشياء من الجو وتسحب اشياء اخرى الى الأعلى – والكرين والذي تبقى فيه الاشياء متجذرة في الارض  وتبني عاليا ثم عاليا بينما تبقى ثابتة في الارض. هو يقول ان الفرق بين التوضيحات الدارونية للتعقيدية والتوضيحات التقليدية هي ان دارون استبدل السكايهوك بالكرين. هو ادرك  كيف يمكن الحصول على هذه الاشياء المعقدة مثل النباتات والحيوانات من عمليات طبيعية خالصة. والمسألة هي ليس ان هذا ينفي وجود الله وانما انت لم تعد تحتاج الى لله والروح وما شابه كتوضيحات. ومما يستحق التعليق ايضا ان احدى الاشياء التي جعلت دارون ضد الدين التقليدي هو الاعتراف بمدى الوحشية في الطبيعة وكيف من المستحيل ان يكون اله خيّر صمم هذا الترتيب.

جون بروك: ان احد اهتماماتي كمؤرخ علوم ومؤرخ دين هو ان هناك نوع من الافراط الفلسفي في البرهان العقلاني، ذلك اذا كنا لا نستطيع العثور على برهان عقلاني لوجود الله ذلك يعني اننا يجب على الاقل اهمال او التقليل من اهمية الفكرة. انا اعتقد عندما ينظر المرء الى الطريقة التي عمل بها الثيولوجي الطبيعي تاريخيا، فمن النادر جدا انه كان يؤسس وجود الله عبر عملية ايضاحية تتجاوز كل الشكوك المعقولة. عدد من الباحثين الذين يضعون الثيولوجي الطبيعي في سياقه التاريخي اشاروا الى ان الحجج كانت قد صُممت، لإنجاز هدف آخر، وعادة ضمن جماعة دينية بدلا من حوار مع نوع من الشك، مع ان ذلك كان ايضا تقليدا هاما. دعني اعطيك مثالا من القرن التاسع عشر عن جيولوجي كبير وهو (آدم سيدوك)، يلجأ للتصميم في الطبيعة، ولكنه في سياق تطمين صديق مسيحي كانت لديه بعض الشكوك حول ما اذا كانت الطبيعة يمكن قرائتها لها نوع من الخالق كمصدر لها. (سيدوك) يستعمل المتحجرات لنفي قراءة الملحد، ولكن لا وجود هناك لادّعاءات توضيحية. هو فقط يقول انا استطيع ان ابيّن لك من سجل المتحجرات كرجل ايمان  ان هناك عدة افعال خلاقة خلال تاريخ الارض. الآن بالطبع يمكن للمرء القول حسنا ان التوضيح الداروني يستبعد مباشرة ذلك النوع من الدين، ولكن دعنا لا ننسى ان دارون ذاته رفض الاخلاق المسيحية التقليدية  بسبب موت اخيه وابنته الشابة. كانت هذه ضربات وجودية قاسية، وانها اعتُبرت مسؤولة عن فقدان دارون للايمان التقليدي. لاحظ شيء واحد: مع ان تلك  هي أزمات وجودية،لكنها ليست بالضرورة نتاجا لشكل جديد من العلم. وعندما يتحدث دارون عن الاختيار الطبيعي، هو ايضا يقول  وانا اظن ان هذا يوازي حجتك – "عقيدتي دائما تتقلب. في بعض الايام انا استحق تسمية مؤمن، وفي احيان اخرى لاادري، انها حالة اكثر صحة لذهني". دارون في كثير من الاحيان يقول في مراسلاته الخاصة "انا لا اؤمن ان هذا الكون المدهش هو نتاج للصدفة وحدها". هذا دارون يتحدث في مستوى من النوع المختلف عن تعليقاته  اللاادرية. لذا، لو اردنا اعادة بناء دارون ذاته، انا لا اعتقد نستطيع اختزاله الى مجرد نوع بسيط من اللاادرية، والى موقف ديني كان بطريقة ما  مقررا بضرورات  علمه. العديد من المعلقين يرتكبون  خطأ افتراض ان اشكال معينة من النظرية العلمية تحمل اثارا مباشرة ومحددة للايمان او الدين. انا اظن ان هناك طرق  لتفسير العالم الطبيعي تسمح بنطاق من المواقف بعضها طبعا اكثر مقبولية من غيرها، لكن فكرة ان الالحاد  هو نتيجة ضرورية لنظرية علمية معينة انا آسف لا اجدها بالذات كرؤية معقولة او جذابة.

أنتوني: لا احد يقترح ان الايمان في اله (سونبيرن) هو غير منسجم مع حقائق الطبيعة. ما نقترحه هو ان لا وجود هناك لدليل لصحة هذا المذهب،والذي هو مسألة اخرى تماما.

جانيت: نعم، وهذا يأخذك رجوعا الى سؤال انجا الافتتاحي حول الايمان والعقل – ما نقوله هو لو انت طلب اليك الايمان بشيء ما – ليس فقط حول اهمية الذهن، والتي لا احد يشك بها، وانما حول نوع الاله الذي يؤطر كل شيء والذي يؤمن به (سونبيرن) – انت سوف لن تعرف لماذا يجب ان تؤمن به. ترك العقل الى الخلف يعني ببساطة قرارا للايمان بشيء بصرف النظر عن الدليل. لا يبدو هناك دفاع ممكن عن هذا الموقف. اذا كان شخص اخر لديه ايمان باله انت لاتثبته، انت تسميه خرافة بدائية. الايمان هو فضيلة فقط على افتراض انك حصلت عليه بشكل صحيح والسؤال الذي لدينا هو كيف انت تستطيع تعرف انك حصلت عليه بشكل صحيح بدون سبب.

جون بروك: نحن ننظر لكل منّا حول منْ يجيب على ذلك. من الفضول اننا نبدو منقسمين الى قسمين كما لو ان اولئك الذين على هذا الجانب من الطاولة يدّعون ايمانا غير عقلاني. نحن العنزات ولدينا نعجة في هذا الجانب (2). انا اعتقد ان هذا النوع من الجدال هو قوي جدا، وانا لا ارغب ان اوصف كشخص يؤكد ان الايمان يجب الاعتقاد به لأنه بطريقة ما  خال من السبب. ذلك بالتأكيد ليس موقفي. انا اعتقد ان سؤالا مهما يبرز فعلا في سياق ما قيل، وذلك يوضح لماذا يأتي الناس الى نوع من العقائد الدينية بالمقام الاول؟ والعديد من الناس فعلا – ذلك لا نستطيع انكاره. ما اريد قوله في الحوار انه على العموم انا لا اعتقد ان الناس يأتون للعقيدة الدينية لأنهم يعتقدون ان هناك شيء ما لا يستطيع العلم توضيحه بعد. الحقيقة هي ان هناك فينومولوجيا للدين يجب علينا اخذه بجديّة، والذي نحن يجب ان ندرسه لأن الله يعرف ان التعصب الديني هو من أخطر القوى في  العالم.

 

حاتم حميد محسن

..................

* نسخة مختصرة للنقاش الذي عُقد في دار waterstones في لندن بتاريخ 6 ديسمبر 1999، الفلسفة الآن، عدد 26: ابريل/ مايو 2000.

الهوامش

(1) انتوني فلو Antony Flew فيلسوف بريطاني كان ملحدا لسنوات طويلة (حتى في هذا الحوار) لكنه في عام 2004 انتقل فجأة للايمان بالله معلنا ان الدليل من العلم أقنعه بوجود الله. يؤمن انتوني بالحكمة السقراطية باعتماد الدليل مهما كان. اعتمد انتوني على اربعة خطوط من الدليل على وجود الله، منها المتعلق بنظرية الانفجار العظيم Big Bang. هذه النظرية كان لها تأثير مختلف على انتوني لأن النظرية اقترحت ان للكون بداية، واذا كانت للكون بداية فان السؤال القادم ماذا ومنْ أنتج الانفجار العظيم. الكون الذي بلا بداية هو كون بدون إله. اولئك الذين يؤكدون ان الكون كان ابديا يعني انه لا يحتاج الى إله لخلقه. ولكن بما ان الكون بدأ بالانفجار العظيم قبل حوالي 13  بليون سنة، عندئذ السؤال هو  منْ أنتج الانفجار العظيم الذي أخرج الكون الى الوجود؟ بما ان المكان والمادة والزمان هم جزء من النظام المخلوق، عندئذ فان سبب الانفجار العظيم يجب ان يكون غير مادي، يجب ان لا يكون مقيدا بالمكان ولا بالزمان. ان اسئلة انتوني تستكشف ما هو كامن وراء الانفجار العظيم، اي اننا يجب ان نختار من بين خيارين: اما ان الكون وجد بدون سبب، او انه وُجد لسبب كان خارج الكون ثم أخرجه الى الوجود، ولكن حسبما هو معروف ان لاشيء يأتي من لا شيء.وبهذا فان الله هو أحسن توضيح .

(2) عبارة العنزة والنعجة تشير الى ما ورد عن يسوع في العهد الجديد (متّي، 25:32) عن ان النعجة (الرقيقة) سوف تقف الى الجهة اليمنى من الله وستجد الخلاص، اما العنزة (القاسية القلب) ستقف الى يسار الله وستُرسل الى الجحيم. 

 

سامي عبد العال"الثقافة التي تغطي نفسها بأوراق اللغة لن تكون بمأمن يوماً من هبوب عواصفها .."

" تمارس اللغة كلَّ الأدوار على مسرح الحياة، غير أننا نتفرج دوماً على شيء آخر.."

أثناء رؤية صورتَّنا شاخصةً في إطار لّقْطةٍ أو غيرها، قد يلِّحُ هذا البُعد الاستفهامي: ما الذي تلتقطه الكاميرا فينا؟! أو بالأحرى... أيُّ شيء أخذته منَّا لدرجة الانجذاب نحوها كأننا نرى سراً مرغوباً؟! الصورة عادة لها وظيفة تعبيرية لدرجة الإغواء فيما وراء الشكل الصِرْف. فالإحساس التصويري (أو الإحساس الفيلمي film sense بعبارة المخرج والفنان سيرجي أيزنشتين) لا يقف فقط لدى النظر المباشر نحو موضوعه، ذلك باعتباره أبعد من مجرد الإطار الخارجي لوضعية المحتوى في ذاته.

هذه الطريقة نفسها تصحُ بصدد اللغة التي تعبر عن شيءٍ ما، فتتركه مادةً بلا حماية، ولا حصانة ذاتية إلاّ من وجودها القابل للتجلي. ليس هناك في اللغة ما يضمن أية حصانةٍ ضد المساءلة والتنقيب عن الخفي والمتلاشي لو افترضنا الوضع بدلالة معرفية. إنَّ معنى الأشياء واقع هناك داخل العبارات والألفاظ كمحض تعرية متواصلة لما هو كامن فيها. واللغة بخلاف سواها لا تذهب فقط للإضمار والتستر، لكنها تومئ بألف طرفٍ خفي إلى التّعري والإغواء.

أي: يظل موضوع اللغة منكشفاً وفق نظام دلالي آخر بخلاف وجوده. بحيث يكون حدث التعبير فعلَ تجلٍ، ويمارس انكشافاً لا يجدي أيُّ غطاءٌ فوقه. وبدلاً من توقف الكلام عند حدودٍ بعينها كما نتوهم، تصبح  التعبيرات عمليةً لغوية تجتذبُ أطرافها دون نهايةٍ. والمقولة المتداولة بين الأصدقاء ليست ببعيدة عن هكذا حالٍّ: " تعال لنتجاذب أطراف الحديث".

وهذا المعنى أقرب إلى مفهوم الحقيقة عند هيدجر. الحقيقة  (من وجهة نظره) هي اللاتحجب أليثيا a-letheia. إنَّه عمق الأعماق الذي يقطع المسيرة الطويلة نحو الانكشاف، التفتُق، البروز، التفتح. تلك الخطوة المنبثقة من الضمور، من الكمون تجاوزاً نحو الظهور. والحال بهذا الطلوع ليس أقل من الإشراق، أو التشرْيق المرتبط بالخروج من الظلام إلى النور. ولذلك كلمة: phenomenon  (أي الظاهرة) ترتبط بـ pha: المفردة القديمة في اللغات الهند أوروبية الدالة على الضوء الآتي من شروق الشمس في لحظات التماعها. ويمكن ربطها فيما يقول ألبرت اينشتين بالـ photons  (الفوتونات) ...أي الكميات الدقيقة التي يتألف منها الضوء وتشكل حركته.

" اللقطة والكلمة " تندفعان في عمل إضافي بالنسبة إلى كيانهما، لأنَّهما ليستا موجودتين موضوعياً على ما يبدو. فلا موضوعية، هناك عبر دهاليز اللغة وداخل جوانب الصورة. فالاثنتان محط التواء الرغبة التي تنضح بالمزيد من الرغبات الدفينة المتتالية، والأخيرةُ كامنة فيهما إلى حد الإغراق. وتلك هي قوة التجلي والانكشاف أثناء التعبير مهما يكن تكوينها الوسيط. ليست الكلمات بقعاً مظلمةً في مجرة اللغة، لكنها بؤر انصهار تلتهم ما يُغطِّي مدلولها من غلالات الثقافة، فهي تعرضّه للآخر. إنَّ الكلام قدرة إنسانية على التعري الدلالي إمام المتلقي. وعندما يقول جاك لاكان: "اللاوعي هو خطاب الآخر"، فلم يُبعد معنى مقولته عما يظهر مع اندفاع العبارات من مكبوتات واكراهات فيما يذهب فرويد.

إنَّ استدعاء هذا الغائب يعني الافتضاح الذي هو أمر خارج السيطرة. تماماً كما تعتبر اللغة خارج التحكم out of control رغم انطباع نسيجها الداخلي بأنفاس ناطقيها. ولهذا لن تكون النصوص المقدسة والسرديات والوثائق والأضابير الضاربة في الزمن معزولة عن تلك الأنفاس. لأنَّه لا بد أنْ تمُر من هنالك عبر اللغة المعبرة عنها والمكتوبة بحروفها حتى الرمق الأخير.

وسواء أكان نطق النصوص والسرديات ميتافيزيقياً أم إنسانياً، فهي لن تبتعد عن هذا الانكشاف. ومازال مدلول" اللغو" meaningless talk يسكن مفردات اللغة منذ أنْ بلبل الرب ألسنة شعب بني اسرائيل كما ورد بالعهد القديم، وهي أكبر حادثة لغوية لاهوتية في ذاكرة الشعوب السامية. ربما منذ ذلك الاعتقاد وما زال الشرق  (هذا الفضاء الجغرافي الشمسي) موضع الظهور اللغوي الأبرز. فجميع الظواهر لا تخلو من إشراقٍ ما. وبالتالي ترتبط بالشرق على نحو أو غيره الذي هو مهبط الأديان وانتشار الملل والمذاهب والعقائد سماويةً وأرضيةً.

فاللغة بالمضمون السابق تتعرَّى بمكنونها حتى داخل بلاط الملوك والسلاطين. ليس أكثر الغازاً وطلسمة من الخطابات في دول الشرق الاستبدادي وكان زكي نجيب محمود متفائلاً عندما أطلق عليه الشرق الفنان، ومع ذلك هي لغة فاضحة ورغبوية إلى أبعد مدى، واللغة من ثمَّ لن تتواني عن القيام بهذه المهمة السياسية. ليس لأنّها جارية وفقاً لسياق ما فقط، بل لكون بنيتها بنية تعرّية من حيث المبدأ. بحكم أنَّها تحمل انفتاحاً يفضح المقُول. ويصبح  أي خطاب نهباً لهواجس وشكوك تنال منه في الصميم!! وذلك يعني على المدى البعيد استحالة الهيمنة على اللغة مهما تكن.

ورغم ذلك الوضع، فهذه الهيمنة هي الغاية التي ما بعدها غاية لكل مستبد ولكل كاهن ولكل لاهوتي قُح. ونحن نعرف أنّه في الأنظمة الاستبدادية يكون الشغل الشاغل للحكام كيف يستطيعون " إلجام العوام عن الكلام في الشأن العام" على إيقاع عنوان كتاب الأمام الغزالي (إلجام العوام عن علم الكلام). والعوام مصطلح يلتهم لدينا كل ما يقابله من أية رمزية لأفراد الشعب (الرعية). ولأنَّ اللغة تحتاج إلى تحرُر جذري مما يقمعها، فإنها ستكون ميداناً للصراع غير المباشر إلى سنوات عديدة، كما نراها في العوالم الافتراضية ووسائط التواصل الإلكتروني.

ولهذا حينما نتكلم تتجلى (عبر الكلام) دوال الرغبات التي هي رغباتنا ورغبات سوانا في الوقت نفسه. وإذا توجهنا إلى أحدنا بالكلام لن يكون هناك ما نفكر فيه ولا ما نضمره، بل ما يأتي بصيغة الجمع. التعرية ستكون جمعاً على نطاق واسع رغم كون الناطق فرداً ليس أكثر. ذلك أن" الصورة والكلمة " لا تمثلان ممارسةً أحادية الدلالة بحالٍ.

1- الكلمات ما كانت لتُقال سوى بمحاولة التواصل مع آخر. وهو ما تسميه جوليا كريستيفا الرغبة في اللغة. وهي رغبة تتجاوزنا قطعاً كما نوهنا لتستقر عند  مواقع الآخر المتفلت باستمرار.

2- الصورة هي صورة لسوانا كما نراه، من حيث كوننا نطرح كياننا أو هيئتنا المرئية بالأساس. وإذا كنا نرغب في  النظر كثيراً إلى الصورة، فلأنها تلبي حاجة الآخر الساكن بداخلنا. أي أننا نلتقط صورتنا بالجانب الغائر من أعماقنا.

3- الكلمة هي الإغواء في أنْ يتكلم ما هو صامت فينا. ومازالت الكلمات ترتبط بفحوى الإيجاد، الخلق. وهذا الوضع للتكلم يردد طيفاً لاهوتياً في النصوص المقدسة، إذ ورد بالعهد الجديد " في البدء كان الكلمة". ومن هذا المنطلق لا يوجد بدء على نحو جديد سوى كلمة.

4- الصورة هي إيماءة نرجسية بلا نارسيس الأصلي... هذا البطل اليوناني خلال الأسطورة القديمة الذي كان معجباً بصورته المنعكسة في ماء البحيرة وحين فشل في معانقتها أو الإمساك بها اعجاباً وهياماً سقط غارقاً فيها. الصورة هي الموت المؤجل الذي يرانا عبر أنفسنا يومياً، ومع ذلك تمارس الصورة تعبيراً عن المضمون النرجسي نفسه . فكلُّ صورة لا تخلو من قوة معكوسة هي نحن. لأنها في الوقت عينه الذي تنفصل فيه عنا نحن نترك شيئاً داخلها وداخلنا. ولئن كانت تبدو قائمة على الفقدان، فإنها تستبقي شيئاً وراءناً. ولهذا ترتبط الصورة بعمل الذاكرة، لأنها نوع من الحفظ للمعاني في شكل متجسد.

5- الكلمات لا تتلاشى بسهولة. لأنَّها حالما تخرج، سرعان ما تكبر وتنمو في مكان ما عبر فضاء اللغة الرحب. وبالتالي تبقى الكلمات كأشجار عملاقة تتغذى على بقايا الزمن. والزمن مصدر الانطلاق فيما وراء أحداث الكلام كما أنه يتخلله في كافة التفاصيل.

6- الكلمة والصورة تقاومان الانقطاع عن الوجود، هما يأتيان كأشباحٍ فقدت أصولها. فلماذا نلتقط صورة من حين لآخر. لأننا نريد إضافة شيء إلى ما نحن فيه، نريد التقاط الهارب من كياننا. وهو الاتصال المأمول الذي يضرب موعداً مع الآتي. وكأنهما (أي الكلمة والصورة) ينبثقان من بعضهما البعض بشكل متواترٍ.

7- الصورة تأخذ مكانها في أعماق اللغة من جهة المعاني والاستعارات. وأن واو العطف التي قد تجمعهما (اللغة والصورة) ليست إلاَّ فاصلة هي تعلم كونها مؤقتة عادةً. لأنَّه بين كل لقطة ولقطة وبين كل كلمة وكلمة يتوسط المتلقي حتى ولو كان أنتَ. فإذا كانتا متفرقتين، فهناك وعي وسيط يمد الخطوط إلى اتجاهات تالية. وقد تمرق الكلمات واللقطات من حزمتها البصرية أو التعبيرية لكنها تنكشف لدى متابع ما افتراضاً.

وذلك الأمر يجعل فعل التعرّية هبة بلا مقابل بمقدار التفاعل داخل اللغة. فتتحول المعاني إلى صورٍ ليست كخاصية ثانوية، إنما نتيجة التقاط الجوانب الغائبة ضمن الكلام. لأنَّ تمثيل المعاني مجازاً ورمزاً هو الأساس، فالأداء يعد مخزوناً يحول اللغة إلى صور مجازية والصورة إلى لغة رمزية.

المخرج السينمائي سيرجي ايزنشتين المشار إليه  كان مبدعاً في تلك التحولات عبر النصوص البصرية السينمائية التي قدمها. كان يقصد تحويل الصورة السينمائية إلى خطاب معبر بقدرات اللغة على الإفضاء. ليس ذلك من مجرى الفيلم تحديداً في كل الأوقات، بل بواسطة إدخال ذهنية المتلقي في اللعبة. فنتيجة الانتقال ما بين الصور والحوار (السيناريو) ينكشف نسيج آخر للأحداث. وهو ما يعرف بـ"المونتاج الذهني".

وهو الأسلوب الذي يقول بضرورة الاختيار القصدي intentional للقطات السينمائية بمعزل عن سياق الحدث، ذلك ضمن خلق كل ما من شأنه أحداث التأثير النفسي في أبلغ صوره. وبذلك سيكون هناك دروب خفية لإنشاء تواصل بنَّاء يهدف إلى إعادة تشكيل وعي المتلقي. أي شحذه باحتمال الفرجة على نفسه متموضعاً ومفتوحاً على الآخر مع الحوار الداخلي.

واللغة هنا بنية تعرية تمارس هذا العمل من خلال نماذج أخرى في الحياة. على طريقة رولان بارت  (ومن قبله دي سوسير) الذي اعتبر أن نظام اللغة يستطيع تفسير الأنظمة الدلالية الأخرى، أي يكشف جوانبها ويعطيها مسرحاً للظهر. وقد جاءت رؤية أيزنشتين حول المونتاج السينمائي وليدة دراسته لمسرح "كابوكي" الياباني (مسرح ذو طابع شعبي مفتوح يشمل الغناء والرقص والأداء المجازي)، ثم انبهاره باللغة اليابانية وأشكالها المصورة، كذلك كانت وليدة دراسته لأشعار "هايكو". لأنها أشعار مليئة باللقطات كأنها بروق ورعود جياشة وحرة تحمل كامل سمات المعاني العميقة.

تاريخياً لعلنا نلاحظ في سرديات اللاهوت تزامن لحظة العُري المتبادلة بين آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة المحرمة. وكانت الثلاثية واضحة: " الكلام- الجسد- الخطيئة". وهي ثلاثية  متزامنة جرت على خلفية المقدس (الأمر الإلهي) والغواية  (المعصية). جاء في القرآن: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس أبى. فقلنا يا آدم إنَّ هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنةِ فتشقى. إن لك ألاَّ تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى".

ولأنَّ بنية الغواية واحدة من جهة اللغة، فجميع تفاصيل الآية تؤكد على فعل القول (قلنا يا آدم). القول قد يوجه للملائكة ولإبليس ثم لآدم. ويظل النص يكرر"قلنا". ثم يكون القول مبطناً بالأمر ثم الرفض ثم الغواية فالخطيئة فالنزول إلى الأرض وفقدان النعيم. إنّ هذا الإغواء ميراث الكلام في الثقافة الشفاهية حتى اللحظة. وإذا كان آدم قد تعرى بعد أن أنصت لغواية إبليس كما ورد في بعض الروايات حول قصة الخلق، فإنَّ العري لم يكن في الجنة، بل أصبح داخل اللغة على الأصالة. في إشارة أن ثمة تكراراً للجنة بمنطوقين: إحداهما كانت في بداية الخلق مع آدم وحواء. والأخرى هي اللغة حيث سيتحدثان فيها وبها طوال حياتهما وحياة أبنائهما.

ويبدو أنَّ الجنة الأولى طُرد منها آدم وزوجه فنزلا أرضاً حيث نشأة الحياة الدنيا. بينما الجنة الثانية (وهي اللغة) فقد طرد فيها (أي وجدا داخلها). أي أن آدم (الذي هو نحن) سيعيش في اللغة بلا قرار، بلا إيواء، سيظل متشرداً حائراً. إنَّها اللغة المطرود عبرها إلى أبد الآبدين. اللغة في عمقها هي صحراء هذا الترحال المستمر، ويظل الوصول إلى ركن ركين داخلها أمراً مستحيلاً بالضرورة. لدرجة أنَّ اللغة هي التعرّي بانكشاف الآخر الذي لا ينتهي. وهي فوق ذلك الوجه الثري للحياة، فقد التحما (أي اللغة والحياة) لدرجة التماهي التام.

وهذا التعري جاء كحال النفي عندما لم يسمع آدم كلام ربه. وهو سيشكل صورة الخطيئة طوال هذا العصيان. لأنَّ وضوح العري في الجنة سيكون واقعاً فيما دونها أيضاً وبخاصة إذا كانت اللغة هي مضماره. وتبدو اللقطة القرآنية فاعلة في تجسيد المشاهد (الرؤية- النظر). فالعري الذي حدث تجسيد كمشهد إغواء ما بلغة الصورة.  تماماً مثلما هو الكلام الذي يجسد الرغبة بإيقاعها الجسدي كما في الجنس وعلاقات الحب والغرائز المكبوتة.

لأن الحس في هذا السياق يتحول إلى مادة لغوية متجسدة تلتقي بدلالتها البعيدة والقريبة معاً عبر الخيال. وهو الأمر نفسه الحادث في ظواهر السياسة أيضاً. فالكلام في هذا الإطار السياسي أو ذاك قد يتشخص كما لو كان مادة مشمومة أو متذوقة أو ملموسة أو متلونة. حتى أن كلام السياسة يغوى أو يخاتل متلقيه على طول الخط. ولذلك ليس مستغرباً أن تنتشر هناك كلمات التزلف والمداهنة والفخر والحماسة في عودة لا تنتهي إلى الإغواء.

بينما في الكتاب المقدس الإشارة واضحة بسفر التكوين: " أمَّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتاه. فقالت الحية للمرأة لن تموتاه بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهية للعيون وأنَّ الشجرة شهية فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل. فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان. فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر".

إنَّ لغة الوصف النصي هنا لغة حسية بكل محمولات المعاني المتصورة. كانت اللغة  في أصلها هي الحياة التي تخرج في دوال مثل: الحية، حواء، المرأة، آدم، الشجرة، الأكل، العيون. لأن معنى آدم يجيئ من أديم الأرض، أي أنه مادة ملموسة (صورة) هو الآخر. وبمقدار ارتباط الشهوة بالعُري والتغطية ستكون اللغة أحد متعلقات الحادثة كأمر وارد باستمرار. ولم تكن هناك سوى كلمات الرب والأشجار ومواد الحياة وغرائزها.

لكن الجانب الذي يضم ذلك كله هو  (الجنة واللغة بالتبادل). وهما اللذان كما في نص القرآن يجريان حواراً بينهما من نوع آخر. ذلك بناء على الإغواء الممتد لدى الآدميين والذي لن ينتهي وما زال ساكناً في أفعال الكلام والسرد والحكي. إذن لن يكون الانتقال الآدمي (على صعيد المعاني والصور) اختلافاً إلاَّ بقدر ما هو داخل اللغة. والصورة التي وُجد فيها آدم وحواء تحت تجلي الجسد أمام بعضهما البعض هي بنية اللغة كنظام جديد أعاد التعارف على العالم من حولهما. بل وعرفهما على الحياة الأرضية الجديدة، لأنه من بنية الغواية وجدت جوانب الحياة وما زالت.

أما تعبير" شجرة المعرفة " فيكشف الخلود من خلال الأسماء والكلمات والصور. لذلك (كما ورد بالكتاب المقدس والقرآن) تعد الأسماء  ممارسة لوجود الصور المعبرة عن الرغبات بالنسبة لآدم تجاه العالم والأشياء. والدليل أن الكلام الإلهي مع المخلوق الآدمي الجديد كشف جميع هذه المعاني المتقدمة جداً في خطابه لآدم وحواء. ثم بحكم تلك المكانة المرغوبة والمحفورة في كل اسم نشأت السلطة تاريخياً عبر جسد اللغة، لأنَّ كل كلمة مسكونة بأثر لمعنى سابق يدفع التعبيرات إلى مفترق طرق. حيث أخذ الإغواء يتشكل مع السلطة التي تركت أصدائها في أجسادنا وأهوائنا منذ ذاك الوقت. عندما يتنكر الحس الشعبي لشخص يعلن أنه بلا اسم" هذا الذي لم يسمَّ"  (اللي ما يتسْمّاش) وعندما يعترف بشخص آخر يعطيه ألقابا بطولية وأسطورية. في إشارة إلى  (إسقاطه أو تدعيم مكانته) من الوجود الذي لم يبعد كثيراً عن علاقة الرب بآدم قديماً بعمر ذاكرة آدم داخلنا نحن الأبناء.

وفي هذا الإطار، مازالت الثقافة العربية تعتبر الكلام الكاشف نوعاً من الفضيحة. فالإنسان لدينا مخبوءٌ تحت لسانه كما يشار في الأقوال العربية القديمة. وكأن العبارات تكشف (رويداً رويداً) الجسد الذي هو العورة الآدمية القديمة بمنطوق أنثوي. لأنَّ الدلالة تختمر بصراع المضمون الأخلاقي والإلهي والبشري في ذاكرة اللغة. وعلى خلفية سياسية يقال: "الجدران لها آذان" حيت نتكلم عن أمور محظورة تمس شخصيات مهمة. أي لا يجب أن تتكلم في شيء سري مخافة أنْ يستمع أحد فيأتي الأثر بالوبال عليك.

وهناك الرد غير الإيجابي حينما يقول شخص لآخر" لابد من قطع لسانه" وهو تعبير رمزي عن إيقاف تداعي صور اللغة الكاشفة. ذلك حتى لا يتفوه هذا الشخص مرةً ثانيةً بكلمة من شأنها الحط منه. وقيل أيضاً بتحذير لا هوتي حول جنوح الكلام العام: "من كثُر كلامه كثر لغطُه". إنَّ اللغة هي جنة العراة بامتياز، هؤلاء الذين لا يستمعون لكافة النصائح بستر العورات، إذ يظنون كونهم بعيداً عن مسرح الحياة حيث يتفرجون على أنفسهم في سيناريوهات لم يكتبونها حصرياً، إنما تأخذهم الأهواء نحو الغواية المتكررة.

 

د. سامي عبد العال

 

عدنان عويدالحداثة في سياقها العام، تحديث وتجديد ما يمكن تحديثه أو تجديده من قيم ماديّة قديمة في بنية الدولة والمجتمع بشقي هذه القيم، الماديّة بشكل عام، والفكريّة أو القيميّة بشكل خاص، مبينة – أي الحداثة - مرحلة التطور التي طبعت مجتمعاً من المجتمعات في المرحلة التاريخيّة المعيوشة. وهي برأينا هنا ليست صيغة واحدة معطاة إلى الأبد، تُحدد سماتها وخصائصها بفترة زمنية محددة من حيث جوهر التحديث العام، على اعتبار التجديد والتطور (التحديث) فعلاً تاريخيّاً، ابتدأ أساساً كما نرى مع بداية علاقة الإنسان مع الطبيعة، من حيث قدرته على استخدام ما يُتاح له من مفرداتها، وتسخيرها لمصلحته، ثم ما تحققه هذه العلاقة من تطور وتجديد في قوى ووسائل الإنتاج، ومدى تأثيرها على خلق علاقات انتاجيّة واجتماعيّة جديدة في بنية المجتمع والدولة ذاتيهما.

أما تعريف الحداثة بالنسبة لأوربة كما بينها علماء الاجتماع والمهتمين بشؤون حياة الإنسان عموما في أوربة،، فيمكن تعريفها على أنّها معطيات التطور والتجديد التي تمت في الفترة التاريخيّة التي امتدت منذ قيام الحركة الأنسيّة في إيطاليا في القرن الرابع عشر، مروراً بتقدم الثورة الصناعيّة والتكنولوجيّة وعصر التنوير في القرن الثامن عشر، حتى نهاية الحرب العالميّة الثانية، وقد اشتغل عليها فكريّا بعموم أنساقها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة، كعالم النفس النمساوي  سيجموند فرويد، والفيلسوف الألماني كارل ماركس، والفيلسوف الألماني فريدريك نتشه، والعالم البريطاني تشارلز داروين وغيرهم الكثير أمثال سبنسر، ودافيد هيوم، وفواتير، ومنتسيكيو، وكل فلاسفة عصر التنوير... الخ. وعبر فكر هؤلاء أُعيد النظر في الكثير من  المعتقدات القديمة التي كانت سائدة على كافة المستويات وبخاصة الفكريّة منها، وحاولوا تغييرها.

ماهي  سمات وخصائص الحداثة الأوربيّة:

1- تركيزها على الحريّة الفرديّة، واعتبار هذه الحريّة هي المنطلق الأساس للإبداع، وتحدي كل ما هو تقليدي في بنية المجتمع ويحول دون تحقيق جوهر الإنسان والعودة به إلى مرجعيته الإنسانيّة.

2- هي تعمل على بناء مجتمع مصالح متبادلة بين أفراد أحرار، وبالتالي لا بد من القضاء على قيم المجتمع التقليديّة القائم على التراتبيّة الاجتماعيّة والثروة والدماء الزرقاء.

3- اعتبارها الحواس والحدس والعقل والتجربة هي المراجع الأساسيّة للمعرفة، وبالتالي  تدعو إلى ضرورة إضعاف النظرات اللاهوتيّة أو إقصائها من مضمار المعرفة. أي إنزال معرفة تشكيل العالم وتسييره من السماء إلى الأرض، وحصرها في عالم الإنسان وقدراته، بغض النظر هنا عن المناهج الماديّة والمثاليّة المتبعة في تحقيق هذه المعرفة، إن كانت تأمليّة ذاتيه أو حتميّة ميكانيكيّة، أو سيكولوجيّة (علم النفس الفردي)، أو بسيكولوجيّة (علم النفس الاجتماعي)، أو رؤية منهجيّة وضعيّة أو بنيويّة أو ماديّة تاريخيّة  وغيرها.

4- العمل على تحطيم أسس الحياة السياسيّة القائمة على النبالة والدين، ممثلة بسلطات الملك والكنيسة ورجال الإقطاع، والدعوة إلى الدولة المدنيّة والقانون والمؤسسات وتداول السلطة، واعتبار الشعب مصدر السلطات،

5- العمل على اقصاء أو اضعاف دور الدين في الحياة الاجتماعيّة (العامة – الطائفة والمذهب) وتركيزه في عالم الفرد الروحي، وذلك تجنباً لما أنتجه هذا الدين تاريخيّاً من صراعات دينيّة بين الشعوب والدول، راح ضحيتها ملايين من البشر بسبب اعتناق هذا المذهب أو ذاك، كاثوليكي أو بروستانتي أو أرثوذوكسي وغيرها.

6- على المستوى الوطني والقومي، السعي الدائم من قبل الحامل الاجتماعي لهذه الحداثة، وهو هنا الطبقة الرأسماليّة الوطنيّة، من أجل بناء الدولة الوطنيّة والقضاء على دول المدن التي خلفها الاقطاع، فكان الشعار الميركانتيلي الذائع الصيت (دعه يعمل دعه يمر) القاعدة الاقتصاديّة التي أسست عليها الدول الوطنيّة اقتصاديّا وسياسيّاً فيما بعد.

7- على المستوى العالمي، أو مستوى الحقل الكوني، سعت الطبقة الرأسماليّة الأوربيّة  بعد أن تحولت إلى طبقة امبرياليّة إلى التوسع خارج حدودها الوطنيّة والقوميّة، وإلى نمذجة العالم الخاضع لسيطرتها وفقاً لمصالحها، من حيث تحويل المستعمرات إلى حزام ناقل لهذه المصالح في مجالي توريد المواد الأوليّة واستهلاكها معا، ثم السعي أيضاً إلى تسويق ثقافتها ولغتها والكثير من قيمها الماديّة والروحيّة، عند مجتمعات هذه الدول المستعمرة حتى تكون صورتها هي، وهنا يتحقق اغتصاب الروح لشعوب هذه الدول المستعمرة، وتنسيتها ذاكرتها وتاريخها وثقافتها من خلال عولمة العقل الإنساني الاستهلاكي، أي نمذجة حياة الشعوب وعقولها وفقاً لما تريده هذه الطبقة الرأسماليّة الامبرياليّة. وهذا ما وجدناه في سياسة الفرنسة التي اتبعت في الجزائر على سيبل المثال للحصر من قبل الامبرياليّة الفرنسيّة.

إذن، إن الحداثة الأوربيّة عملت على تغيير العالم، وجعل عقلانيتها (الأداتيّة)، (1)، مركزا لعقلانيّة العالم، (المركزيّة الأوربيّة). وعليه نقول: إن التحديث في صيغته الأوربيّة وفق هذه المعطيات، يعني تعميم خط أو أنموذج التطور الأوربي على الاخر. وهو خط أحادي أو نسق تطور يختزل التاريخ العالمي بالتجربة الأوربيّة، ويعلي من شأن حاظرها الرأسمالي، ومن عقلانيتها الأداتيّة وأنانيها واستغلالها لشعوبها وشعوب العالم، إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه، مقدمة تجربتها الحداثويّة إلى كل المجتمعات العالميّة للأخذ بها وفق مفهومها للنهضة والتقدم، ولا نبالغ إذا قلنا:  إن الخط العام لسير العلاقات الرأسماليّة في صيغها الاحتكاريّة اليوم، ودعوتها لتطبيق النظام العالمي الجديد بصيغته الأمريكيّة، هو تأكيد على توجهاتها الشموليّة العالميّة. وتأكيد أيضاً على انتقال الحداثة الأوربية إلى ما بعد الحداثة.. إلى عالم النهايات في التاريخ والفن والدين والأخلاق

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

............................

(1) - يُنظر للعقلانيّة الأداتيّة كنوع من العقلانية التي تركز على أفضل وسيلة لتحقيق غاية ما من خلال استخدام المهارات العقلية، بغض النظر عن قيمة هذه الغاية الأخلاقيّة أو القيميّة. أي هي عقلانيّة لا تختلف في استخدام (العقل) عن كونه ترساً في عالم تسيير آليّة النظام الرأسمالي الاحتكاري الذي يهمه الربح والربح فقط.

 

 

علي رسول الربيعيتزعم كل من ساندرز ويونغ[1] أن هناك تباينًا وتفاوتا داخل المؤسسات التداولية بين الجماعات المستفيدة والمحرومة. وأن هذا يتجاوز مشكلة الوصول إلى هذه المؤسسات طبقاً لرأيهن. ويؤكدن على أن تمثيل الجماعات المحرومة، في الوقت الحالي، يعتبر تمثيلأ ناقصأ وضعيفا في المؤسسات والمنتديات السياسية – وتصويتها في تلك المؤسسات قليل في أغلب الأحيان، وتلعب دورا أصغر في معظم مجموعات الضغط، كما لديها عدد أقل من الممثلين المنتخبين وما إلى ذلك. هذا أمر غير مقبول من وجهة نظر الديمقراطية التداولية، حيث أن المداولات لا يمكن أن تكون شاملة، وبالتالي لا يمكن أن نتوقع أنها تسفر عن نتائج عادلة، ما لم يعكس تكوين الهيئة المتداولة بدقة كاملة تكوين مجموعة كاملة من المواطنين الذين سيتم تطبيق أو تنفيذ القرارات من أجلهم . كيف يتم تصحيح هذه الحالة هو موضوع نقاش مستمر: فهناك على وجه الخصوص، خلاف حول ما إذا كان يجب أن يكون هناك حصص في حالة المؤسسات التمثيلية لضمان التمثيل النسبي للنساء والأقليات العرقية.[2] لكن يجب ألا يحجب هذا النقاش حول أفضل سياسة لضمان الإندماج، مع ذلك، يدورالاتفاق الأساسي بين الديمقراطيين التداولين ومنتقديهم حول الحاجة إلى وصول الجماعات المحرومة إلى المؤسسات الديمقراطية على قدم المساواة مع المواطنين الآخرين. وفقًا لـ ساندرز ويونغ، فإن الوصول المتكافئ ليس كافيًا، لأنه لا يوفر أي ضمان بمعاملة أفراد الفئات المحرومة على قدم المساواة بمجرد دخولهم داخل المؤسسات. قد يترددون، على سبيل المثال، في الدخول في نقاش سياسي، لشعورهم بأنه ليس لديهم الحق في التحدث أو أن الآخرين لن يأخذوا مداخلاتهم على محمل الجد أو ساهمون بشكل غير متناسب في النقاش الجماعي. تستشهد إيف ساندرز عديدة [3] من تجربتها في المجتمع الأمريكي، ويمكننا نحن ايراد أمثلة من جماعات أخرى كما هو الحال في مجتمعات في الدول العربية حيث تستبعد ليس فقط الأقليات ولكن الأغلبية من خلال هيمنة سطوة زعامات دينية وقبلية. كما يبدو معقولًا، افتراض وجود صلة بين حجم الحجة وراء المنصب واحتمال انتشاره، فإن هذا يعني أنه في الحالات التي يكون فيها الجماعات المحرومة والأقليات العرقية أو الطائفية أو حتى ما يطلق عليهم مسيري شؤون التقديس - اصحاب السيادة على اغلبية بـ" العوام" رغم أغلبيتهم العددية اهتمامات ومصالح مختلفة في منتدى تداولي، تميل وضعية الجماعات المحرومة إلى الخسارة بسبب ترددها في عرض قضيتها على الملأ.

ومع أن رأي ساندرز.[4] حول الموقف أكثر تعقيدًا من يستوفيه شرحي الموجز له. حيث تقول، 'يبدو من المرجح أن بعض أساليب مناقشة الجماعات تظهر للعيان آراء جميع أعضاء الجماعة أكثر من غيرهم.[5] يشجع أسلوب التداول المبني على الأدلة مجموعة واسعة من الآراء التي تتطلب التعبير عنها، وبالتالي يساعد هذا السلوب على جذب المزيد من المشاركين إلى المناقشة ؛ كما أنه يساعد على الانفتاح، بمعنى الرغبة والقبول في تغيير المواقف عند تقديم أدلة جديدة.[6] وبالتالي، فإن الدرس الذي على الديمقراطيين التداوليين استيعابه هو أن لايخافوا من ميل أعضاء الفئات المحرومة إلى المشاركة بشكل أقل أو ضعيف في المداولات الجماعية، ولكن ينبغي عليهم البحث عن طرق لضمان أن تأخذ المداولات نموذج يتوافق مع هيئة محلفين تعتمد على الأدلة، مما يعني أنه بدلاً من محاولة الانتقال بسرعة إلى قرار "نعم / لا"، يجب استكشاف الحجج المؤيدة والمعارضة للخيارات المختلفة دون الحاجة إلى إعلان الأفراد المشاركين عن تأييدهم لها. يبدو لي أن هذا هو ما تتطلبه المداولات السياسية الجيدة على أي حال. فعندما يتعين اتخاذ قرار بشأن مسألة تنطوي على بعض التعقيدات، من الأفضل أن تكون المناقشة مفتوحة واستكشافية في البداية، وسيكون من الخطأ مطالبة المشاركين بالإشارة في وقت مبكر إلى الخيار الذي يدعمونه، لأن التأثير القيام بذلك سيكون تشجيع المتداولين ببساطة على تنظيم الحجج التي تدعم وجهة نظرهم الأولية، بدلاً من الاستماع إلى جميع وجهات النظر المطروحة والمشاركة فيها.

يمكن الإشارة إلى نقطة مماثلة فيما يتعلق بملاحظات يونغ حول المناقشات البرلمانية وإجراءات المحكمة، حيث " التداول هو المنافسة". تهدف أطراف النزاع إلى كسب المحاججة، وليس الوصول الى التفاهم المتبادل.[7] قد تحقق مثل هذه السياقات امتياز لأولئك الذين يجيدون التنافس ومعرفة قواعد اللعبة. يعد الكلام الحازم والمواجهة الصارمةه نا أكثر قيمة من الكلام المتردد أو الاستكشافي أو التوفيقي "و يفضّل الذكور أساليب التحدث هذه أكثر من الإناث". لكن هذا يدل على أن المناقشات البرلمانية والمحاكم، أيا كانت فضائلها الأخرى، لا تمثل أمثلة جيدة على الديمقراطية التداولية في أشتغالها، ومن الصعب تخيل أنصار النظرية التداولية يقولون عكس ذلك. تتطلب الديمقراطية التداولية أن يتم تنظيم النقاش السياسي بطريقة، يجب أن تدخل النقاش مجموعة واسعة من الآراء والحجج ذات الصلة بموضوع النقاش قدر الإمكان، حتى تعكس المناقشة بشكل حقيقي مخاوف ومصالح وقناعات أعضاء هيئة التداول، أولاً؛ وثانياً، عندما تحاول الهيئة المضي قدمًا نحو حل "للقضية التي تواجهها يجب أن يكون ثقل الأسباب المعروضة لدعم المواقف المختلفة التي له أهمية فعلية. هذا يعني أن المشاركين، بدلاً من محاولة الفوز، بمعنى التأكد من أن تفضيلاتهم الأولية تسود، عليهم أن يستمعوا إلى ما يقوله الآخرون ويفكروا فيه، ويبحثون عن الحل الذي لديه أقوى الحجج والأسباب. هذا، بالطبع، هو وصف مثالي. ولكن يمكن تقريبها بشكل أو بآخر اعتمادًا جزئيًا على البنية وجزءًا آخرعلى روح الهيئة التداولية. ولإعطاء مثال على ذلك كما يجري في المجتمعات المدنية الديمقراطية، تؤكد الدراسات التي تجرى عن هيئات المحلفين من المواطنين – وهي مجموعات صغيرة من المواطنين المختارين عشوائياً لمناقشة القضايا ذات الاهتمام الحالي مثل السياسة الصحية - على أهمية وجود المشرفين الذين تتمثل مهمتهم في ضمان تمتع الجميع بفرصة للمساهمة في النقاش، وأن وجهات النظر المختلفة تحصل على استكشاف صحيح وتمحيص نقدي.[8] وترى يونغ - طبقا لهذا الوصف بقدر ما تتطابق شروط المداولات الجيدة هذه مع أشكال الكلام والحجة بقدر ما يكون عادةً هذا الكلام "مبدئيًا أو استكشافي أو تصالحي"، ويستعمل "لإعطاء المعلومات وطرح الأسئلة بدلاً من تقديم آراء أو إثارة الجدل.[9]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................

[1] L. Sanders, ‘Against Deliberation’, political theory, 25(192,.7.), 347-76; l.M. Young, ‘Communication and the Other: Beyond Deliberative and Democracy’ in Benhabib (ed.), Democracy and Difference ; I.M. Young, ‘Difference as a Resource for Democratic Communication’ in Bohman and Rehg (eds), Delib­erative Democracy; I.M. Young, ‘Inclusive Political Communication: Greet­ing, Rhetoric and Storytelling in the Context of Political Argument ‘ (paper presented to Annual Meeting of the American Political Science Association, Boston, Mass., September 1998).

[2] يمكن العثور على الحجج القوية المؤيدة والمعارضة، على التوالي :

I.M. Young, Justice and the Politics of Difference (Princeton, Princeton University press1990), Ch. 6.

C. Ward, ‘The Limits of “Liberal Republicanism”: Why Group-Based Remedies and Republican Citizenship Don’t Mix’, Columbia Law Review, 91 (1991), 581-607.

لمزيد من المناقشات الدقيقة، انظر:

C. Sunstein, ‘Beyond the Republican Revival’, Yale Law Journal, 97 (1988), 1539-89;

W. Kymlicka, Multicultural Citizenship (Oxford, Clarendon Press, 1995), ch. 7.

A. Phillips, The Politics of Presence (Oxford, Clarendon Press, 1995)..

[3] Sanders, ‘Against Deliberation’ pp. 363-6.

[4] المصدر نفسه، ص 366.

[5] R. Hastie, S.D. Penrod and N. Pennington, Inside the Jury (Cambridge, Mass., Harvard University Press, 1983), ch. 8.

[6] N. Marsden, ‘Gender Dynamics and Jury Deliberation’, Yale Law Journal nal, 96 (1987), 593-612.

[7] Young, ‘Communication and the Other’, p. 123.

[8] . Coote and J. Lenaghan, Citizens' Juries: Theory into Practice (Lon­don, IPPR, 1997);

G. Smith and C. Wales, 'Toward Deliberative Institutions: Lessons from Citizens' Juries' (paper presented to the ECPR Workshop on Innovation in Democratic Theory, 1999).

 [9] Young, 'Communication and the Other', p. 124

 

 

زهير الخويلديمقدمة: "يجب أن تبدأ العدمية بواسطة الذات في حد ذاتها"

العدمية هي الاعتقاد بأن جميع القيم لا أساس لها من الصحة وأنه لا يمكن معرفة أو توصيل أي شيء. غالبًا ما يرتبط بالتشاؤم الشديد والشك الراديكالي الذي يدين الوجود. لن يؤمن العدمي الحقيقي بأي شيء، وليس لديه ولاءات، ولا غرض سوى، ربما، دافع للتدمير. في حين أن قلة من الفلاسفة يدعون أنهم من العدميين، فإن العدمية غالبًا ما ترتبط بفريدريك نيتشه الذي جادل بأن آثارها المدمرة ستدمر في النهاية جميع المعتقدات الأخلاقية والدينية والميتافيزيقية وتسبب في حدوث أكبر أزمة في تاريخ البشرية. في القرن العشرين، شغلت موضوعات العدمية - الفشل المعرفي، وتدمير القيمة، والافتقار إلى الهدف الكوني - الفنانين والنقاد الاجتماعيين والفلاسفة. في منتصف القرن، على سبيل المثال، ساعد الوجوديون في نشر مبادئ العدمية في محاولاتهم لإضعاف إمكاناتها المدمرة. بحلول نهاية القرن، أفسح اليأس الوجودي كرد فعل على العدمية الطريق لموقف من اللامبالاة، غالبًا ما يرتبط بمناهضة التأسيس. لقد مر أكثر من قرن منذ أن اكتشف نيتشه العدمية وآثارها على الحضارة. كما تنبأ، كان تأثير العدمية على ثقافة وقيم القرن العشرين منتشرًا، ومضمونها المروع يولد مزاجًا من الكآبة وقدرًا كبيرًا من القلق والغضب والرعب. ومن المثير للاهتمام أن نيتشه نفسه، وهو متشكك جذري منشغل باللغة والمعرفة والحقيقة، توقع العديد من موضوعات ما بعد الحداثة. من المفيد أن نلاحظ، إذن، أنه يعتقد أنه يمكننا - بسعر رهيب - العمل في النهاية من خلال العدمية. إذا نجونا من عملية تدمير جميع تفسيرات العالم، فربما يمكننا حينئذٍ اكتشاف المسار الصحيح للبشرية. لكن كيف نشأت العدمية؟ وماهي مصادرها؟ وهل تمارس تأثيرات سلبية ام إيجابية على الحياة الإنسانية؟ ولماذا ارتبطت بالفلسفة التأسيسية في الحضارة الغربية؟ وهل ظهورها دليل استكمال وانتهاء أم دليل أفول وانحطاط؟ ومن هم أعلامها من الفلاسفة والدباء والفنانين؟ وبأي معنى يجدر بناء فلسفة مضادة للعدمية؟

1- أصول العدمية

"مع العدمية، لا توجد مناقشة ممكنة؛ لأن العدمي المنطقي يشك في وجود محاوره، وهو غير متأكد تمامًا من وجوده." فيكتور هوجو، البؤساء

تأتي "العدمية" من الكلمة اللاتينية nihil، أو لا شيء، والتي تعني عدم وجود أي شيء. يظهر في الفعل "إبادة"، بمعنى عدم تقديم أي شيء، تدمير تمامًا. في أوائل القرن التاسع عشر، استخدم فريدريش جاكوبي الكلمة لوصف سلبًا المثالية المتعالية. إلا أنه لم ينتشر إلا بعد ظهوره في رواية إيفان تورجينيف الآباء والأبناء (1862) حيث استخدم "العدمية" لوصف العلموية الفجة التي تبناها شخصيته بازاروف الذي يدعو إلى عقيدة الإنكار التام. مع حركة ثورية غير محكمة التنظيم (1860-1917) رفضت سلطة الدولة والكنيسة والأسرة. في كتاباته المبكرة، كتب القائد الأناركي ميخائيل باكونين (1814-1876) التماسًا سيئ السمعة لا يزال مرتبطًا بالعدمية: "دعونا نضع ثقتنا في الروح الأبدية التي تدمر وتفنى فقط لأنها المصدر الخلاق الأبدي الذي لا يمكن البحث فيه عن الحياة". - شغف التدمير هو أيضًا شغف إبداعي! " (رد فعل في ألمانيا، 1842). دعت الحركة إلى ترتيب اجتماعي قائم على العقلانية والمادية كمصدر وحيد للمعرفة والحرية الفردية كهدف أعلى. من خلال رفض الجوهر الروحي للإنسان لصالح جوهر مادي فقط، استنكر العدميون الله والسلطة الدينية على أنهما يتناقضان مع الحرية. تدهورت الحركة في نهاية المطاف إلى روح التخريب والدمار والفوضى، وبحلول أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، كان العدمي هو أي شخص مرتبط بجماعات سياسية سرية تدعو إلى الإرهاب والاغتيال. هؤلاء من المشككين. لأنهم أنكروا إمكانية اليقين، يمكن للمشككين أن يشجبوا الحقائق التقليدية باعتبارها آراء غير مبررة. عندما لاحظ ديموسثينيس (حوالي 371-322 قبل الميلاد)، على سبيل المثال، أن "ما أراد أن يؤمن به، هذا ما يؤمن به كل رجل" (أولينثياك)، فإنه يفترض الطبيعة العلائقية للمعرفة. الشكوكية المتطرفة إذن مرتبطة بالعدمية المعرفية التي تنكر إمكانية المعرفة والحقيقة. يتم تحديد هذا الشكل من العدمية حاليًا مع مناهضة التأسيس ما بعد الحداثة. في الواقع، يمكن فهم العدمية بعدة طرق مختلفة. العدمية السياسية، كما لوحظ، مرتبطة بالاعتقاد بأن تدمير كل النظام السياسي والاجتماعي والديني الحالي هو شرط أساسي لأي تحسين في المستقبل. العدمية الأخلاقية أو العدمية الأخلاقية ترفض إمكانية القيم الأخلاقية أو الأخلاقية المطلقة. بدلاً من ذلك، فإن الخير والشر غامضان، والقيم التي تتناول هذا الأمر هي نتاج لا شيء أكثر من الضغوط الاجتماعية والعاطفية. العدمية الوجودية هي الفكرة القائلة بأن الحياة ليس لها معنى أو قيمة جوهرية، وهي بلا شك المعنى الأكثر استخدامًا وفهمًا للكلمة اليوم. هاجم ماكس شتيرنر (1806-1856) الفلسفة المنهجية، وإنكر للمطلقات، وغالبًا ما وضعه رفضه للمفاهيم المجردة من أي نوع بين أوائل الفلسفيين العدميين. بالنسبة لشتيرنر، فإن تحقيق الحرية الفردية هو القانون الوحيد. ويجب تدمير الدولة التي تعرض الحرية للخطر بالضرورة. حتى فيما وراء اضطهاد الدولة، توجد القيود التي يفرضها الآخرون لأن وجودهم بحد ذاته يشكل عقبة تهدد الحرية الفردية. وهكذا يجادل شتيرنر في أن الوجود هو "حرب لا نهاية لها من كل واحد ضد الجميع" (الأنا وخاصتها، 1907).

2- فريدريك نيتشه والعدمية

"الرحمة هي الممارسة العملية للعدمية. دعونا نكرر: هذه الغريزة الكئيبة والمعدية تحبط الغرائز التي تهدف إلى الحفاظ على الحياة وتعزيزها: باعتبارها مضاعفًا للبؤس وحارسًا لكل بؤس، فهي الأداة الرئيسية لتفاقم الانحطاط." فريدريك نيتشه، المسيح المضاد

من بين الفلاسفة، غالبًا ما يرتبط فريدريك نيتشه بالعدمية. شخَّص نيتشه جوهر الأزمة المميتة في عصرنا: لقد وصفها بخصائصها الرئيسية وبطريقة إكلينيكية تقريبًا. لقد درسها على مستويات مختلفة، وأثناء قيامه بذلك، أعلن في كثير من الأحيان بأكبر قدر من الدقة عما كان يظهر فقط في نهاية القرن التاسع عشر. هذا المرض المميت في العصر الحديث، مرضنا، هو العدمية، عهد العبث، لا شيء ("العدم"، كما يخبرنا أصل الكلمة).  ان العدمية أو غياب المعنى ... كما يصبح عندئذٍ بلا هدف وكل المُثل التقليدية تفقد قيمتها. ولكن ما هو جوهر هذا "لا شيء" وما هو منبعه؟ لقد تميزت ظاهرة العدمية بشكل أساسي بموت الله، وهو الحدث الأهم في الآونة الأخيرة. لقد غربت للتو شمس الإيمان المسيحي. الظلام الآن هو الكثير من عالمنا. لقد تركنا الإله الفائق: لقد قتلناه، كما يخبرنا نيتشه أحيانًا. إن موت الإله المسيحي هذا، إذا كان أيضًا، ربما، علامة وإعلان فجر جديد، هو علامة، في عصرنا، بمجيء الإنسان الأخير، اكتمال العدمية. يشير "الانسان الأخير" إلى أكثر الأشياء حقيرًا في هذا العالم: الشخص العاجز عن الخلق والحب، والفرد المستعبد تمامًا، والتمتع "بسعادة" مبرمجة تافهة. هكذا يقفز على سطح الأرض.  بالنسبة لنيتشه، لا يوجد نظام موضوعي أو هيكل في العالم باستثناء ما نعطيه. من خلال اختراق الواجهات الداعمة للقناعات، يكتشف العدمي أن جميع القيم لا أساس لها وأن السبب عاجز. كتب نيتشه: "كل معتقد، كل شيء يعتبر شيئًا صحيحًا"، "خاطئ بالضرورة لأنه ببساطة لا يوجد عالم حقيقي" [ملاحظات من 1883 إلى 1888). بالنسبة له، تتطلب العدمية نبذًا جذريًا لكل القيم والمعاني المفروضة: "العدمية هي. . . ليس فقط الاعتقاد بأن كل شيء يستحق الهلاك؛ ولكن في الواقع يضع المرء كتفه في المحراث؛ واحد يدمر” ("(إرادة الاقتدار). يجادل نيتشه بأن القوة اللاذعة للعدمية مطلقة، وتحت تدقيقها الشديد “القيم العليا تقلل من قيمتها. الهدف مفقود، و"لماذا" لا تجد إجابة "(إرادة الاقتدار). حتما، ستفضح العدمية كل المعتقدات العزيزة والحقائق المقدسة كأعراض لأساطير غربية معيبة. سيكون هذا الانهيار في المعنى والأهمية والهدف القوة الأكثر تدميراً في التاريخ، وسيشكل هجوماً شاملاً على الواقع وليس أقل من أكبر أزمة للبشرية: ما أعنيه هو تاريخ القرنين المقبلين. أصف ما سيأتي، وما لم يعد يمكن أن يأتي بشكل مختلف: ظهور العدمية.. لبعض الوقت الآن، كانت ثقافتنا الأوروبية بأكملها تتجه نحو كارثة، مع توتر معذب يتزايد من عقد إلى عقد: بلا كلل، بعنف، متهور، مثل النهر الذي يريد الوصول إلى النهاية.. (إرادة الاقتدار). منذ نقد نيتشه المقنع، شغلت موضوعات العدمية - الفشل المعرفي، وتدمير القيمة، وانعدام الهدف الكوني - الفنانين والنقاد الاجتماعيين والفلاسفة. مقتنعًا بأن تحليل نيتشه كان دقيقًا، على سبيل المثال، درس أوزوالد شبنجلر في كتابه أفول الغرب (1926) عدة ثقافات لتأكيد أن أنماط العدمية كانت بالفعل سمة بارزة لانهيار الحضارات. في كل من الثقافات الفاشلة التي درسها، لاحظ شبنجلر أن التقاليد الدينية والفنية والسياسية التي تعود إلى قرون قد أضعفت وأطيح بها أخيرًا بسبب الأعمال الخبيثة للعديد من المواقف العدمية المتميزة: العدم الفاوست "يحطم المثل العليا". العدمي الأبوليني "يشاهدها تنهار أمام عينيه"؛ والعدمي الهندي "ينسحب من وجودهم إلى نفسه". الانسحاب، على سبيل المثال، غالبًا ما يتم تحديده بنفي الواقع والاستسلام الذي تنادي به الديانات الشرقية، ويرتبط في الغرب بنسخ مختلفة من الأبيقورية والرواقية. خلص شبنجلر في دراسته إلى أن الحضارة الغربية هي بالفعل في مراحل متقدمة من الاضمحلال حيث تعمل الأشكال الثلاثة للعدمية على تقويض السلطة المعرفية والأسس الأنطولوجية. في عام 1927، لاحظ مارتن هيدجر، على سبيل المثال لا الحصر، أن العدمية في أشكال مختلفة وخفية كانت بالفعل "الحالة الطبيعية للإنسان" (مسألة الوجود). كانت تنبؤات الفلاسفة الآخرين حول تأثير العدمية رهيبة. كتب هيلموت ثيليك، في عرض موجز لأعراض العدمية في القرن العشرين، أن "العدمية حرفياً لديها حقيقة واحدة فقط تعلنها، وهي أن العدم يسود في النهاية والعالم بلا معنى" (العدمية: أصلها وطبيعتها، مع إجابة مسيحية، 1969). من منظور العدمي، يمكن للمرء أن يستنتج أن الحياة غير أخلاقية تمامًا، وهو استنتاج، كما يعتقد تيليك، يحفز مثل هذه الفظائع مثل عهد الإرهاب النازي. تم رسم التنبؤات القاتمة لتأثير العدمية أيضًا في كتاب عدمية يوجين روز: أصل ثورة العصر الحديث (1994). إذا أثبتت العدمية أنها منتصرة - وهي في طريقها جيدًا، كما يجادل - فسوف يصبح عالمنا "عالمًا باردًا وغير إنساني" حيث سينتصر "العدم وعدم الاتساق والسخافة".

 3- العدمية الوجودية

"العدمية ليست فقط اليأس والنفي، ولكن قبل كل شيء الرغبة في اليأس والإنكار".

 ألبرت كامي، الانسان المتمرد

تُناقش العدمية غالبًا من منظور الشك الشديد والنسبية، فقد ارتبطت في معظم القرن العشرين بالاعتقاد بأن الحياة لا معنى لها. تبدأ العدمية الوجودية بفكرة أن العالم بلا معنى أو هدف. بالنظر إلى هذا الظرف، فإن الوجود نفسه - كل فعل ومعاناة وشعور - هو في النهاية بلا معنى وفارغ. في الجانب المظلم: أفكار حول عبث الحياة (1994)، يوضح آلان برات أن العدمية الوجودية، بشكل أو بآخر، كانت جزءًا من التقليد الفكري الغربي منذ البداية. إن ملاحظة المتشكك إمبيدوكليس أن "حياة البشر تعني شيئًا إلى حد أن تكون غير حياة فعليًا"، على سبيل المثال، تجسد نفس النوع من التشاؤم الشديد المرتبط بالعدمية الوجودية. في العصور القديمة، قد يكون هذا التشاؤم العميق قد بلغ ذروته مع هجسياس القيرواني. يجادل الفيلسوف بأن السعادة مستحيلة لأن البؤس يفوق عدد الملذات، وبالتالي يدعو إلى الانتحار. بعد قرون خلال عصر النهضة، لخص ويليام شكسبير ببلاغة وجهة نظر العدمي الوجودي عندما جعل ماكبث، في هذا المقطع الشهير قرب نهاية ماكبث، يبدي اشمئزازه من الحياة:

خارج، خارج، شمعة قصيرة!

الحياة سوى ظل يمشي، لاعب فقير

هذا يتبختر ويقلق ساعته على المسرح

وعندها لم يسمع مرة أخرى؛ إنها حكاية

قالها أحمق، مليء بالصوت والغضب، لا يدل على شيء.

في القرن العشرين، كانت الحركة الوجودية الإلحادية، التي انتشرت في فرنسا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، هي المسؤولة عن عملة العدمية الوجودية في الوعي الشعبي. جان بول سارتر (1905-1980) يحدد حرف الجر للحركة، "الوجود يسبق الجوهر"، يستبعد أي أساس أو أساس لتأسيس الذات الأساسية أو الطبيعة البشرية. عندما نتخلى عن الأوهام، تنكشف الحياة على أنها لا شيء؛ وبالنسبة للوجوديين، فإن العدم ليس مصدر الحرية المطلقة فحسب، بل هو أيضًا مصدر الرعب الوجودي والألم العاطفي. يكشف العدم عن كل فرد على أنه كائن معزول "يُلقى" في عالم غريب وغير مستجيب، ممنوع إلى الأبد من معرفة السبب الذي يتطلبه اختراع المعنى. إنها حالة لا تقل عن كونها سخيفة. كتب ألبير كامو (1913-1960) من المنظور المستنير للعبثية أن محنة سيزيف، المحكوم عليها بالنضال الأبدي غير المجدي، كانت استعارة رائعة للوجود البشري (أسطورة سيزيف، 1942). القاسم المشترك في أدب الوجوديين هو التعامل مع الألم العاطفي الناشئ عن مواجهتنا مع العدم، وقد بذلوا طاقة كبيرة في الرد على السؤال حول ما إذا كان البقاء على قيد الحياة ممكنًا. كانت إجابتهم "نعم" مؤهلة، وتدعو إلى صيغة من الالتزام العاطفي والرواقية الجامدة. عند العودة إلى الماضي، كانت حكاية مليئة باليأس لأنه في عالم عبثي لا توجد أي إرشادات على الإطلاق، وأي مسار عمل يمثل مشكلة. الالتزام العاطفي، سواء كان غزوًا أو خلقًا أو أيًا كان، لا معنى له في حد ذاته. أدخل العدمية. لقد كان كامو، مثله مثل الوجوديين الآخرين، مقتنعًا بأن العدمية كانت المشكلة الأكثر إزعاجًا في القرن العشرين. على الرغم من أنه يجادل بشغف بأن الأفراد يمكن أن يتحملوا آثاره المدمرة، إلا أن أشهر أعماله تخون الصعوبة غير العادية التي واجهها في بناء قضية مقنعة. في كتابه الغريب (1942)، على سبيل المثال، رفض مورسو الافتراضات الوجودية التي يعتمد عليها غير المبتدئين والضعفاء. قبل لحظات فقط من إعدامه لارتكاب جريمة قتل بدون مبرر، اكتشف أن الحياة وحدها هي سبب كافٍ للعيش، ومع ذلك، فإن ذلك في السياق يبدو مقنعًا بالكاد. في كاليجولا (1944)، يحاول الإمبراطور المجنون الهروب من المأزق الإنساني عن طريق تجريد نفسه من إنسانيته بأعمال عنف لا معنى لها، ويفشل، ويرتب خلسة لاغتياله. يُظهر الطاعون (1947) عدم جدوى القيام بأفضل ما يمكن في عالم سخيف. وفي روايته الأخيرة، القصيرة والساخرة، السقوط (1956)، يفترض كامو أن كل شخص لديه أيادي ملطخة بالدماء لأننا جميعًا مسؤولون عن جعل الحالة المؤسفة أسوأ من خلال أفعالنا الباطلة وتقاعسنا على حد سواء. في هذه الأعمال وغيرها من أعمال الوجوديين، غالبًا ما يترك المرء انطباعًا بأن العيش بأصالة مع عدم معنى الحياة أمر مستحيل. كان كامو مدركًا تمامًا لمخاطر تعريف الوجود بلا معنى، وفي مقالته الفلسفية المتمرد (1951) يواجه مشكلة العدمية وجهاً لوجه. يصف فيه بإسهاب كيف ينتهي الانهيار الميتافيزيقي في كثير بالنفي التام وانتصار العدمية، التي تتميز بالكراهية العميقة والدمار المرضي والعنف والموت الذي لا يحصى.

4- مناهضة التأسيس والعدمية

"أنا أرفض العدمية، لكني أعبر عنها من أجل البدء من جديد." - مانو سولو

بحلول أواخر القرن العشرين، اتخذت "العدمية" طبقتين مختلفتين. في أحد الأشكال، يتم استخدام مصطلح "العدمي" لوصف شخص ما بعد الحداثة، وهو شخص ملتزم غير إنساني، ومبعثر، وغير مبال، ومربك، ويوجه الطاقة النفسية إلى النرجسية المتعالية أو إلى مشاعر عميقة تنفجر غالبًا في العنف. هذا المنظور مستمد من تأملات الوجوديين حول العدمية التي جردت من أي توقعات مفعمة بالأمل، ولم يتبق سوى تجربة المرض والانحلال والتفكك. كتب دونالد كروسبي في دراسته عن اللامعنى أن مصدر العدمية الحديثة ينبع بشكل متناقض من الالتزام بالانفتاح الفكري الصادق. "بمجرد أن تبدأ عملية التساؤل، يمكن أن تنتهي فقط إلى نهاية واحدة، تآكل القناعة واليقين والانهيار إلى اليأس" (شبح العبث، 1988). عندما يمتد البحث الصادق إلى المعتقدات الأخلاقية والإجماع الاجتماعي، يمكن أن يكون مميتًا، كما يواصل كروسبي، ويعزز القوى التي تدمر الحضارات في نهاية المطاف. يروي مايكل نوفاك، الذي تمت مراجعته مؤخرًا بعنوان تجربة العدم (1968، 1998) قصة مماثلة. كلتا الدراستين هي ردود على النتائج القاتمة للوجوديين من وقت سابق من هذا القرن. وكلاهما يناقش بتفاؤل طرق الخروج من الهاوية من خلال التركيز على الآثار الإيجابية التي يكشف عنها العدم، مثل الحرية والحرية والإمكانيات الإبداعية. نوفاك، على سبيل المثال، يصف كيف كنا نعمل منذ الحرب العالمية الثانية على "الخروج من العدمية" في طريقنا لبناء حضارة جديدة. على النقيض من الجهود المبذولة للتغلب على العدمية المذكورة أعلاه، فإن الاستجابة ما بعد الحداثة الفريدة المرتبطة بمناهضي التأسيس الحاليين. الأزمة الفلسفية والأخلاقية والفكرية للعدمية التي أزعجت الفلاسفة المعاصرين لأكثر من قرن أفسحت المجال للانزعاج المعتدل أو، وهو الأمر الأكثر إثارة للاهتمام، القبول المتفائل لللا معنى. كما يصف الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار ما بعد الحداثة بأنها "شكوك تجاه ما وراء السرد"، تلك الأسس الشاملة التي اعتمدنا عليها لفهم العالم. لقد قوض هذا الشك الشديد التسلسل الهرمي الفكري والأخلاقي وجعل مزاعم "الحقيقة"، متجاوزة أو عابرة للثقافات، إشكالية. المناهضون للقومية ما بعد الحداثة، الراسخون على نحو متناقض في النسبية، يرفضون المعرفة باعتبارها علائقية و "الحقيقة" باعتبارها عابرة، وحقيقية فقط حتى يحل محلها شيء أكثر استساغة (يذكرنا بمفهوم ويليام جيمس عن "القيمة النقدية"). الناقد جاك دريدا، على سبيل المثال، يؤكد أنه لا يمكن للمرء أبدًا التأكد من أن ما يعرفه يتوافق مع ما هو موجود. نظرًا لأن البشر يشاركون فقط في جزء متناهي الصغر من الكل، فإنهم غير قادرين على فهم أي شيء على وجه اليقين، والمطلقات مجرد "أشكال خيالية". يطرح ريتشارد رورتي المناهض للقومية الأمريكية نقطة مماثلة: "لا شيء يؤسس لممارساتنا، ولا شيء يضفي الشرعية عليها، ولا شيء يظهر أنهم على اتصال بالطريقة التي تسير بها الأمور" ("من المنطق إلى اللغة إلى اللعب،" 1986). ويخلص رورتي إلى أن هذا الطريق المسدود المعرفي يؤدي حتما إلى العدمية. "في مواجهة اللاإنساني وغير اللغوي، لم نعد لدينا القدرة على التغلب على الاحتمالات والألم من خلال التخصيص والتحول، ولكن فقط القدرة على التعرف على المصادفة والألم" (الطوارئ، المفارقة، والتضامن، 1989). على النقيض من مخاوف نيتشه وقلق الوجوديين، تصبح العدمية بالنسبة للمعارضين للقومية مجرد جانب آخر من بيئتنا المعاصرة، أفضل ما يمكن تحمله مع الغناء. تناقش كارين كار في كتابها تفاهة العدمية (1992) الاستجابة المناهضة للقومية للعدمية. على الرغم من أنها لا تزال تؤجج النسبية المشلولة وتدمر الأدوات النقدية، فإن "العدمية المبهجة" تحمل اليوم والتي تتميز بقبول سهل لللامعنى. ويخلص كار إلى أن مثل هذا التطور ينذر بالخطر. إذا قبلنا أن جميع وجهات النظر غير ملزمة على قدم المساواة، فإن الغطرسة الفكرية أو الأخلاقية ستحدد المنظور الذي له الأسبقية. والأسوأ من ذلك، أن تبذير العدمية يخلق بيئة يمكن فيها فرض الأفكار بالقوة مع القليل من المقاومة، والقوة الخام وحدها هي التي تحدد التسلسل الهرمي الفكري والأخلاقي. إنها استنتاج يتوافق بشكل جيد مع استنتاج نيتشه، الذي أشار إلى أن جميع تفسيرات العالم هي ببساطة مظاهر إرادة الاقتدار.

خاتمة

" يعلم الجميع أن الحزن يمنح الأسلوب. العدمية أيضًا." بيير موستييرز

تفاؤلنا هو العدمية: إنها تنص على أن هذا العالم لا يساوي شيئًا، لأن أي عالم آخر سيكون أفضل. لا يوجد أي تردد، أي شك محتمل حول معنى القصة: عليك أن تختار التغيير بدافع التحيز، لأنه سيحدث ولأنه يجب أن يحدث. يرفض مثل هذا المنظور اعتبار أن لدينا سلعًا يجب أخذها في الاعتبار عند الاختيار، والتمييز الذي يتعين القيام به؛ لذلك، من المفترض أن نفترض أنه ليس لدينا ما نخسره - وهو الافتراض بأنه ليس لدينا أي شيء على الإطلاق، في الواقع. إنه جعل الوجود كله في العدم، من خلال منح الفضل فقط لما لم يحدث بعد.

يمكن فهم العدمية، المعروفة أيضًا باسم "النسبية"، على أنها ظاهرة خاصة بالعصر الحديث. العدمي هو الذي يعمل على الفصل بين القيم والحقائق، الذي يعلن استحالة تراتبية القيم. انها عقيدة لا يوجد بموجبها أي شيء بالمعنى المطلق؛ إنكار أي حقيقة جوهرية، لأي عقيدة. شاع مصطلح العدمية من قبل الكاتب الروسي إيفان تورجينيف في روايته الآباء والأبناء (1862) ليصف من خلال بطله، بازاروف، آراء المثقفين الراديكاليين الروس. كما يعرّفها تورغينيف، العدمية تتوافق مع الوضعية الراديكالية. لقد مر أكثر من قرن منذ أن اكتشف نيتشه العدمية وآثارها على الحضارة. كما تنبأ، كان تأثير العدمية على ثقافة وقيم القرن العشرين منتشرًا، ومضمونها المروع يولد مزاجًا من الكآبة وقدرًا كبيرًا من القلق والغضب والرعب. العدمية هي الاعتراف الواضح بأن الأساس الميتافيزيقي القديم للقيم، عند التماثل مع الله، هو مجرد تخليق حول العدم: "إذا كان فيلسوفًا يمكن أن يكون عدميًا، يستنتج نيتشه، فسيكون كذلك لأنه" لا يجد شيئًا وراء كل المُثل العليا “. ومن المثير للاهتمام أن نيتشه نفسه، وهو متشكك جذري منشغل باللغة والمعرفة والحقيقة، توقع العديد من موضوعات ما بعد الحداثة. من المفيد أن نلاحظ، إذن، أنه يعتقد أنه يمكننا - بسعر رهيب - العمل في النهاية من خلال العدمية. إذا نجونا من عملية تدمير جميع تفسيرات العالم، فربما يمكننا حينئذٍ اكتشاف المسار الصحيح للبشرية: أنا أمدح، ولا ألوم، وصول العدمية. أعتقد أنها واحدة من أكبر الأزمات، لحظة أعمق انعكاس للذات للإنسانية. وسواء كان الإنسان يتعافى منها، سواء كان سيدًا لهذه الأزمة، فهذه مسألة تتعلق بقوته. إنه ممكن. لكن كيف نحارب العدمية؟

إذا كان كل شيء على ما يرام، فلا شيء جيد. هذه العدمية مميتة. من ناحية أخرى، يجب أن نقبل النسبية، التي هي الأفق الفكري الذي لا يمكن التغلب عليه في عصرنا: كل قيمة مرتبطة بمجتمع معين، إلى حضارة معينة. كما تحدد العدمية أصل التكوين المعاصر في القوة المتنامية للفراغ. ونتيجة لذلك، فإن هذا يتفق مع عصرنا الذي، أحيانًا للأسوأ، يكرس انهيار معايير اليقين. لمحاربة العدمية، عليك أن تتبع المسار الذي أوصلك إلى هناك، وعلى هذا النحو، فهو تيار عميق أثر على البشرية منذ عدة قرون؛ سواء أعجبك ذلك أم لا، فقد ولدت في عالم قام فيه العديد من الفنانين بالإشارة إليه وطُبع خطبهم ... فماهي الفلسفة التي انتصرت على العدمية؟ وأليس الخلق الإبداعي والالتزام العملي بالثورة والتغيير هو التفلسف المضاد للعدمية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

سامي عبد العالبأضَّدادِها تتمايز الأشياءُ.. وعلى هذا المنوال ستُعْرف بماهيتها وخصائصها إزاء أشياءٍ أخرى. الضّدُ في العادة يكشفُ غيره إلى درجة بعيدةٍ، أي يبرز ما يناقضه تماماً مثل اختلاف الطبائع والألوان. فاللون الأبيض مختلفٌ تماماً عن الأسود، وكذا الأحمر متباين عن الأصفر، وتباعاً الأخضر لا يماثل اللون الأزرق.. وهكذا. ولكن إذا حَدَثَ ذلك ثقافياً في إطار المفاهيم والمعاني والرؤى، فلأننا نفكر بتصوراتٍ حدِّية قاطعةٍ تحكمها مرجعيةٌ لا يوجد بديل عنها، حيث نترقب مستويات بائنة لحد الظهور بين الأفكار.

 وهذا المعطى قد يمثل سقفاً (عقلياً وايمانياً) يحدد آفاق القول في مجالات الدين والسياسة والأخلاق والمعرفة بالإجمال. إذ ذاك نؤكد داخل مواقف الحياة على ذلك الصراع الدرامي: "نحن أو هم"..." أنا أو هو". وبالتالي نظن أنه يوجد هناك هذا المعنى: " كلُّ شيء أو لا شيء"، مثلما يُقال في السياسة: " أنا ومن بعدي الطوفان " أو كما قال أبو جعفر المنصور ذات خطبة " إنما أنا سلطان الله في أرضه "!! وهكذا بات الصراع المقُّوليconflict categorical نمطاً لكيفية التفكير وخطاب التواصل في بعض المجتمعات العربية الإسلامية، نتيجة أنَّ (التنوع الأفقي) ليس راسخاً إلى حد كبيرٍ. والشيء الأبعد أنَّه بتلك الطريقة يبثُ عنفاً مؤسَّساً على قضايا الدين (خلال مجالاتٍ ثقافية متباينةٍ).

إذن يبدو منطقياً (بهذا التاريخ أو ذاك من الفكر) التساؤل عن نقيض المقدس (معتقد- نص- مرجعية – أيديولوجيا- سلطة) طالما يتكون معناه في سياق ميتافيزيقي- ثقافي. فلرُبَّ قائل هنا إنَّ نقيض المقدس هو: المدَّنس، وآخر قد يزعم أنَّه: الدنيوي، وربما ثالث يؤكد أنَّه: العلماني، ورابع يظن أنَّه: الإنساني... إلى باقي الأطراف الوارد في معادلات الفكر المعاصر (المقدّس / المدّنس، المقدس / الدنيوي، المقدس / العلماني، المقدس / الإنساني...). يترتب على ذلك وجود عبارة رائجة: طالما أننا ننتقد التجليات العنيفة للمقدس بحكم ولادته اعتقادياً في سياق الحياة، فينبغي علينا (أو هكذا يُقول المتعلمنون) تأييد الطرف المقابل له، أو هكذا يجب معرفته حتى نقلل من الغلواء باسمه. يحدث ذلك من قبل البعض المتعلمن دونما أدنى اهتمام بدلالة المقدس نفسه. ولا كيف يحقق وجودّه على صعيد الفكر، ولماذا يتقدَّس أصلاً على نحو مستمر بين الناس؟ وهل كل مقدس يقفز خارج نطاقه فارضّاً معناه كمعتقد ونمط ايمان أم لا؟

استدراكاً لهذا بعد تلك الأسئلة، قد يذهب آخرون أنَّ الطرفَ الآخر لثنائية dualism المقدس وغيره هو (محصلةُ ذلك كلِّه) في الاتجاه المغاير تماماً. ولكن تلك الطريقة في فهم الأمور ترتبط بأحكام خاطئةٍ، مثل اعتبار (الإيمان) خاصاً بموضوعات التقديس ضمن الأديان فقط وأنه سيكون مفهوماً في نطاقها ليس إلاً (كما يقول البعض المتسلِّف). بينما الإيمان في الحقيقة ينتشر بدرجةٍ كبيرةٍ عبر ممارسات إنسانية أخرى مثل: الحب وحميمية العلاقات الاجتماعية والصداقة والضيافة والكرم والتسامح والتقدير والاحترام المتبادل وممارسة الفضائل. كما أنَّ تجاهل مواقعه (أي الإيمان) غير الدينية سيوقعنا في أشكاله الزائفة مرات ومرات.

وعلى الرغم من صحةِ الاستفهام حول ما هو نقيض المقدس؟، إلاَّ أنَّ موضوع الاستفهام المقصود في ذاته ليس صحيحاً (أي المقابل له حصرياً). فهو استفهام مزيف false question من طرفه المفتوح ما لم نتأمل أولاً طبيعة المقدس كمعنى أصلي على نحو مغايرٍ. المسألة الحيوية إذن: أنَّ المقدس ليس طرفاً في نظام منطقي مع أي نقيض له وإلاَّ لفقد مدلوله المتعالي ابتداءً. كل مقدس لا يدخل في أرجوحة التقابل مع سواه، إذ كيف يكون مقدساً مكتفياً بذاته ثمَّ يترك نفسه مع شيء مساوٍ له منطقياً أو أيديولوجياً؟! إنَّ المقدس بحكم مكانته (أو هكذا يجب اتساقاً مع تعريفه) يهيمن على كل الأطراف في لعبة إقصاء وجذب دائراً حول نواتُّه العليا دون سواها.

كما أنَّ (ماهية المقدس النوعية) من الخطورة بمكان لدرجة أنّها قد تُخلّع على الطرف المقابل له كما هو حال لعبة الثنائيات في الميتافيزيقا واللاهوت. فلكي يكون المقدس متفرداً في ذاته، تذهب صفاته على الطرف الثنائي له من باب أن الواقف أمام المقدس يعد مقدَّساً بالمثل ولو كان مناقضاً له. وبالتالي سيكتسب هذا الطرف المقابل أو ذاك قيمته الأصلية نفسها بدرجة متقاربة جداً. فلو تصورنا مثلاً أنَّ معنى الدنيوي (هذا الأمر المؤقت والمعيش) مضاد للمقدس (ذاك المطلق والتام)، وكان الدنيوي محل أيديولوجيا سياسية أو اجتماعية رائجة وغارقة في الشمول والإكراه، فسيكون الطرف الأخير له مكانة التقديس نفسها. وسينصرف الدنيوي الزائل من حينه طارداً الأطراف المغايرة في دورات ثقافية لا تنتهي. فالمقدس إزاء أيِّ طرفٍ (أشبه بالموجب مع الموجب) لا يلتقيان معاً ولا يرتفعان معاً، إنما يتنافران عادةً في أية دائرةٍ تجمعهما. إنَّ معرفة تلك الفكرة البسيطة سيحُول مستقبلاً بيننا بين تقديس الأشياء والأفكار والشخوص والمفاهيم. بل سيكون أيُّ مقدس غير أصيلٍّ موضّع استفهام دائم لمعرفة أبعاده وحيثياته، كما أن البحث عن نقيض المقدس سيستنفد طاقاتنا، بقطع النظر عن سلطته وتضخُمه المتواصلين.

شيءٌ من هذا يوجد في مفهوم (الله بمعناه التوحيدي) ضمن الديانات الإبراهيمية (اليهودية، المسيحية، الاسلام). فدلالة الإله لا تقبل معنى الشرك من قريبٍ أو بعيدٍ بحسب منطلق الإيمان. وكلُّ من ينادي بذلك يعتبره أصحاب أهل الايمان منحرفاً عن أصل الاعتقاد. كما أنَّ الإله لا يسعْه في الكون شيءٌ، وبالتالي سيقف ملء السماوات والأرض خيالاً وايماناً (وسع كرسيُّه السموات والأرض). كما لخصت الفكرة إحدى آيات القرآن بشكل موجز من النهاية (لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا). إنه التنافر الأصلي في بذرة القداسة (تلك التي لا تجتمع بغيرها) طالما انطوت على الإمكانية القصوى لموجود واجب الوجود بذاته وبسواه هو الله.

 ومن قدرة المقدس على اعادة انتاج تأثيره: أنْ يستقطب انتباهنا بواسطة الطرف النقيض. على سبيل التوضيح: أليست هناك جوانب في جميع الديانات تخص الشيطان؟ والشيطان هو الطرف النقيض إيمانياً لله، فهناك هذا الصراع الخفي والدؤوب بينه وبين الله على صعيد الحياة البشرية وأمورها. ولهذا سينصرف انتباه البشر إلى ما سيفعله الشيطان بهم لا إلى أي شيء غيره. وكيف سيكون قادراً على تضليلهم ودفعهم إلى طريق الخطايا والأعمال الخبيثة ولذلك أخذوا بالترقب لنفثاته وهمزاته طوال الوقت. مع أن الشيطان خِلْقياً من مخلوقات الله ولم يقل الشيطان نفسه بوضع مقارنه بينه وبين الخالق، بل الأدق أنّ الاسلام نهى عن تأليه الشيطان أو إضفاء صفات القداسة عليه كأنْ يتصرف في الكون أو يشكل أمور الحياة. وعلى المسلمين التحسب من جميع بدائل الشيطان (الطاغوت، الأصنام، الأوثان، الأشرار،...).

من جانبٍ آخر، فإن ثمة ديانات كالمسيحية تبني دراما جدلها الداخلي بين الخير والشر على وجود النقيض (الخطيئة) نتيجة اغواء الشيطان. وهو جدل كوني مرتبط بمسألة الخلق ومسيرة الحياة الإنسانية وعودة المسيح ونهاية الحياة بالمثل. وكانت ميتافيزيقا الصلْب والفداء هي الغلاف المقدس الذي ظل يبرر الاعتقاد، لدرجة أنَّ من يؤمن بالثانية من المسيحيين (عملية الصلب والفداء) لابد أنْ يؤمن بالأولى (الخطيئة). وبذلك كان للشيطان دور واضح في سيناريو الوجود البشري منذ البداية إلى النهاية، وبالطبع هناك موطئ أقدام شيطانية لا يفقدها هؤلاء المؤمنون حيال الحياة وفي التفاصيل التي يمارسونها. وهي ما تجعلهم متمسكين بالمعتقدات والأسرار كما تطرحها الكنيسة كركن من أركان اللاهوت المسيحي.

 كلُّ ذلك دونما مناقشة أنَّ مصدر الكلام هو النصوص المقدسة في الأساس. ومن هنا – وتلك أحدى خواص المقدس- كلما سلَّطنا التفكير تجاهه سيكون النقيض (هذا الشيطان... وأي شيطان آخر) هو الضامن لمعرفته وأهميته وقدرته الفائقة على الوصف. بل النقيض هو الامتداد المقلوب له بدرجة متساويةٍ في كثير من الأحيان. بمعنى إذا كانت كل الصفات الشريرة والخبيثة والماكرة تُنسب إلى كائن غامض اسمه الشيطان، فإنَّ جميع صفات الخير والهداية والرحمة ستنسب بالمقابل إلى الله.

وهذه الفكرة تشكل ميتافيزيقا الاعتقاد الثنائي في تاريخ الديانات طُراً بلا استثناءٍ. فعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم اعتبر أنَّ المقدس فاعل داخل الدين كنظام موحَّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء ميتافيزيقية حتى ولو كانت متناقضة؛ أي أشياءً يجري عزلها وتحاط بشتى أنواع التحريم واللامساس، لدرجة أن هذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين بها في جماعة أخلاقية واحدةٍ.

على الجانب الآخر، فإنَّ اقصى ما يفعله المؤمنون (على اختلاف حيواتهم الدينية) هو التأكيد على وجود نقيض شبه موضوعيquasi-objective للمقدس (مثل وجود أصحاب المعاصي أو أهل الظلم والجور أو إجمالاً وجود أفعال الشرور والآثام). فهذا سيعطيهم طاقة إضافية لمواصلة الإيمان العملي طالما وجدوا عدواً منظوراً أو متوقعاً في طريقهم. كما أنهم يجنبون إيمانهم شروخاً محتملة في المستقبل، لأنَّ العدو المنظور سيوفر لهم درجةً من التلاحم الذاتي لا تقل عن الاعتقاد نفسهِ. وبذات الوقت، فإنَّ هؤلاء المؤمنين يخطفون تصورات متأرجحة (من جهة الصحة والخطأ) حول الأعمال وتحمل المسؤولية عنها أو لا. فعندما يريد هذا المؤمن أو ذاك الهروب من الإلزام الخلقي بسبب بعض تصرفاته غير المقبولة، يلقي بالمسؤولية على الشيطان ووساوسه. ولعلَّ الشيطان هو أكبر نقيض في تاريخ الأديان الذي يحمل أوزاراً ولعنات ملقاة عليه من هنا وهناك بحجم تاريخ البشرية.

 والآن: طالما لا يوجد نقيض للمقدس بالمفهوم السابق، فهل كلُّ مقدس سيناقض ذاته؟! يبدو أنَّ الإجابة بنعم هو الأمر الأقرب للصحة، لكن هذا التناقض يأتي بصيغة الاتساق المزدوج (أي معنى المقدس وبدائل المعنى نفسه). فكل مقدس من هذا الصنف لن يقبل وجود غيره مستقلاً بسهولة فلسفيةٍ. كما أنه يتمتع بسلطة مطلقة دون شريك ولا مثيل، حتى يأخذ مكانته متفرداً وإلاَّ لما سُمي بهذا الاسم. ولنلاحظ أنه لا توجد وراء هذا الوضع (استحالة إنسانية) تقف بالمقدس ضد منطق العقل (أي أنه من غير المتصور تحقق المقدس هكذا)، بل إنَّ المقدس نفسه يمثل مفارقة ميتافيزيقية metaphysical paradox غير عقلانيةٍ بالأساس.

 وهذا من طبيعة تكوينه المطلق في ذاته وتكوينه النسبي عبر وجودنا وتصوراتنا. فالله مطلق خارج التصور والفكر والوجود وهكذا يؤمن الناس، ولكنه نسبي عبر تفكيرنا تبعاً لما نعتقد (ولذلك سيكون الإيمان هو الرافعة الرمزية والنفسية التي تحل هذا الإحراج المنطقي). لأن الإيمان حب وطاقة نفسية تحقق على صعيد الاعتقاد نزوع التعرف والتيقن الخاصين دون المرور بنظام منطقي يتعلق معطيات الواقع والأشياء ولا هو مطالب بها أصلاً.

وأظن (من ثمَّ هي الفكرة المفترضة هنا) أنَّه لا نقيض للمقدس إلاَّ المقدس نفسه بحكم وضعية المفارقة المشار إليها. وبالتالي ستعارض الفكرة السابقة جميع الثنائيات المطروحة بمعناه أو كيانه في تراثنا العقلي: فثمة مشكلة حقيقية: كيف يقف مقدسٌ إزاء مقدس آخر؟ إنَّ تناطُّح المقدسات كما في حال المذاهب والنحل والملل لا يأتي إلاَّ بفضل النقائض التي تستبطن أفكارنا. تلك النقائض التي نراها بعيدةً عن المقدس وخارج هيمنته، بينما هي مشبعة بوجوده إنْ لم يكن حقيقةً، فعلى منواله وأساليب عمله. وبالتالي: كيف نتتبع المسألة إذن بصورة واضحةٍ؟! هناك عدة مستويات يظهر من خلالها المقدس في معناه البعيد. وهي مستويات تظهر: لماذا لا يوجد نقيض للمقدس وفي حالة لو وجدت صيغ منه، ستجعله مفهوماً ومتداولاً بطريقة أخرى.

* الأصل origin. يحتل المقدس موقع الأصل قصداً، سواء أكان كائناً أم نصاً أم دائرة مرجعية دينية أو أيديولوجية. وطبعاً الأصل لا يترك نفسه كلما اتفق، إنما يُخفي ذاته في رموز وأنشطة ومعارف عديدة داخل الحياة الإنسانية. والفكر العربي الإسلامي يضع الأصل (الأصول) موضع التحريم ويضعه سارياً عبر كل الأشياء والأفعال. وبالتالي تتضاعف معاني الأصل بشكل متواتر دونما مبررات فعلية. بحيث تصبح أية علاقة لا تتوافر على الأصل ضرباً من الإقصاء الحادث بالضرورة. وحتى إذا وُضعت حقيقتها مرهونةً به كان ذات الأقصاء أيضاً. وهنا يظهر التناقض الذي يقع فيه وضع المقدس بالأصل. فكيف يكون أُسّاً ويعد كذلك علاقة، وعرضاً؟!

وربما يزداد هذا التناقض حدةً إذا كان وارداً في مجال الفعل الإنساني. فالأصل المقدس ضمن التاريخ ليس أصلاً، لكونه إمَّا يتعدد، يتنوع، يختلف ويتشذر وهذا شيء طبيعي تماماً، وإما يتكرر ويستنسخ مراراً كما هو وضعه. وفي الحالين لن يغدو معناه مفارقاً خارج التاريخ كما تؤكد فحواه بالنسبة للإنسان. بل سينتج الإنسان إزاء المقدس تجارب متناقضة تمام التناقض به وداخله (تجارب الإيمان والاعتقاد كثيرة ومتناقضة بحسب الأديان). المثال الأبرز حينما يظن أصحاب مفهوم الخلافة الإسلامية (الجماعات الدينية) وجودها على منهاج النبوة كما يقولون. هذا في التاريخ ليس إلا ادعاءً.

فالسؤال المهم: ما المقصود بهذه المقولة السياسية؟! أهي حقبة كان النص الديني فيها نصاً حيّاً ومعيشاً بكافة الجوانب والتفاصيل؟ وهل هي ضمان تاريخي لصحة الأفعال والصورة المقدمة للحياة؟! وعلى افتراض الإجابة بالإثبات، فلن يكون نموذج الحكم صحيحاً ولا مثالياً كما يقال (السلف الصالح والراشد). فهذا إنْ حدث فلن يجري في التاريخ كأحداث وأزمنة من لحم ودم. والوقائع تثبت كون الخلفاء الراشدين كانوا بشراً يخطئون ويصيبون، وتحيطهم الصراعات السياسية والاجتماعية من كل جانب مثلما فعلوا أشياء مقبولة وأخرى غير مقبولة. وبخاصة أن رسول الاسلام نفسه ترك مساحات من الحياة السياسية دون تقرير نظامها وكيف يتصرف فيها الخلفاء والصحابة (مثل نظام الحكم وإدارة المجتمع والسلطة). وبالتالي لم تكن فترات سلطتهم معبرةً تمام التعبير عن النقاء والطهرانية إنْ كان الأمر كذلك لدى المتسلفين!! إذن ثمة استحالة تجدد نفسها لتأصيل الأصل في التاريخ بعبارة محمد أركون. ويصبح المقدس في صورة تاريخ معطى على نحو كامل محل استفهام وراء استفهام. إذن لماذا لا يبدع الإنسان حياة جديدةً في كل عصر من العصور، حيث لن تعود الحياة القديمة (مع استحالة ذلك بالطبع) إلاَّ في بنية مختلفةٍ. ذلك على افتراض التكرار السلفي لحياة الإسلام الأول في أضيق الحدود والبدائل.

* السر secret. الأسرار تلف المقدس بدايةً من وجوده وتأثيره حتى الإيمان به. ربما ليس المقدس مقدساً في ذاته إلاَّ لكونه سراً. وهناك ترادف في المعنى بين التقديس والسرية التامة إبقاءً عليه. وربما لهذا السبب يظل حافظاً مكانته في نفوس المؤمنين والاتباع. فالأقانيم الثلاثة في المسيحية (الآب- الابن – الروح القدس) في تكوينها هي أحد أسرار الايمان. ناهيك عن أنَّ العلاقة بين عناصرها متروكة للغموض على هذا الغرار أيضاً. وسيبدو التناقض ظاهراً مع محاولة التبرير العقلاني Justification rational لهذه الأسرار. وقد حاولت بعض الفلسفات تقديم إنساق تبريرية حول هذه المسائل مثل فلسفة بول تيلش وسورين كيركيجارد ولكنها لم تفعل سوى إنشاء مفاهيم موازية في مجتال التفلسف ومحشوة بكم من المعاني النفسية والإيمانية على طول الخط.

أما لماذا يرتهن المقدس بالسر عموماً، فلأن المقدس ذو عمق شخصي غائر في تكوين الذات، يتشكل من إيمان الأفراد ومن أخيلتهم وتجاربهم الروحية. وبالتالي إذا ما حاول هؤلاء فرض نمط من الإيمان على غيرهم سيكون التناقض جلياً. والمسلمون المؤدلجون لا يقتنعون في قرارة أنفسهم بأن المقدس سر ملغز. فكل جماعة اسلامية هي ضرب من الإعلان الجمعي العنيف- القائم على التناقض- لهذا السر. حت يمكن القول بأن الممارسات الدينية عبارة عن ترويض لهذا النزوع بإخضاع الأخرين لما يعتقدون. إما الأكثر تناقضاً من تلك الجهة فهو تعميم هذا الايمان السري خارج نطاقة في هيئة نظام جمعي.

* الهوية الذاتية self- identity. كل مقدس يتميز بهويته الذاتية المكتملة من أول وهلةٍ. ربما هو المعبر الوحيد عن القضية الأرسطية (قانون الهوية: أ= أ)، الهو هو. جميع الأديان تؤكد على ذلك المعنى. ولا تمل من التأكيد عليه. ويشمل هذا القانون الحقائق والمفاهيم والنتائج أملاً في الوصول إلى الفعل. وإذا كانت أية هوية تستحيل إلى اللاهوية non identity بفضل التراكم التناقضي لعناصرها من واقع تنوع الحياة، فالفكرة السابقة الخاصة بالهوية تبقيه بمنأى عن الانقسام. والدين إجمالاً ضرب من الهوية الذاتية المتخيلة بهذا المدلول.

لكن سيأتي التناقض الخصيب من محاولة التوحُد بتلك الهوية المفارقة من قبيل المختلفين. مرة بالتصوف كحال التوحُد الروحي مع المحبوب. ومرة بممارسة الطقوس استحضاراً لتجربة الأصل. وغيرهما بالمعارف التي ترمي إلى قول الحقيقة الأصلية رأساً.

* الايمان والاعتقاد faith and belief. يترسب المقدس لدى المؤمنين بهاتين الوسيلتين. لكنهما أكثر من وسيلتين. فالفرق بينهما كالفرق بين القول بإمكانية تحريك الشمس بأصبع اليد وبين القطع بكون الأصبع يحركها حقاً. فالتناقض واضحٌ بين الإحساس والرغبة وبين التصور. إنَّ الإيمان عاطفة قوية لدى الشخص بطاقة الامتلاء من المقدس. إنه تجربة ذاتية من الألف إلى الياء وتصاغ بمعطيات التجربة نفسها. وقد تكون بعيدة الدلالة من جهة عدم إمكانية امتلاكها حتى ينجذب المؤمن إليها بكامله. أما الاعتقاد فهو تحول الإيمان إلى معتقد (تصور- مفهوم- فكرة) معقُود عليه وغير قابل للمناقشة.

والتناقض يظهر عندما يغدو الإيمان فاقداً حرارته ليصبح مادة باردةً. لأنه كإيمان حي يجب ألاَّ يتوقف عن الحركة والتعبير عن نفسه كما أنَّه يختلف من شخص لآخر. وبالتالي لن يغدو موضوعياً بحال من الأحوال.

* الحضور presence. فإي مقدس يحضر بطريقةٍ من الطرق حضوراً كاملاً. ولو كف عن الحضور سيكف لدى معتنقيه عن إيصال معاني القداسة. وهذه القضية رغم أنها تبذل الحذر كل الحذر من التناقض سوى أنها تؤدي إليه بالنهاية. فكيف لسر غير متعين أنْ يحضر؟ أليست الكلمات تشيئ المعاني؟ ثم يحاول المؤمن تأكيد معنى الألفاظ دونما الشعور بوقع هذا التعين على نحو ملموس.

وبالتالي تتداعى المفاهيم البشرية للمقدس بوضوح من خلال اللغة وتداولها. لأنَّ أي نقيض محتمل في وجوده لن يقارع هذه العناصر السالفة المكونة له ولا يحققها ولو كانت سالبة (أي في الاتجاه النقيض). فاللغة تحمل لدرجة التنوع صور المقدس وطرائق عمله في ذهنية الإنسان. وكل النصوص الدينة تعتمد على شيء يتجاوزها مثل الإيمان والوحي والعالم الأخروي (سلطة المعنى مع قوة الرغبة والاعتقاد والتجربة الروحية).

 لكن اللغة مع كل هذا لابد أنْ تتمتع باتساقٍ من نوع ما في نظامها الدلالي. إذ ذاك ستترك المقدس يتجلى بمنطق التعبيرات ودلالتها كما هو في النصوص. عندئذ سيتجدد التساؤل الدائم: هل يتسق المقدس مع مواقعه الدلالية المتنوعة بلا تناقض أم لا، وبخاصة أنَّ مواقف الناس متناقضة لدرجة الاختلاف؟! وهذا الباب سيظل مفتوحاً دون نهاية، لأنَّه جزء لا يتجزأ من روحانية الإنسان وتجاربه الحرة القابلة للثراء واحتمال الأسرار.

 

سامي عبد العال