عدنان عويدما أرمي إليه هنا بالنسبة لمسألة الثقافة ومضمونها، لا يعني الثقافة بمفهومها الشامل، على اعتبارها مجموع المعطيات الماديّة والروحيّة، بما فيها الرؤى الفكريّة والمهارات والقيم الداخليّة النشطة التي تشكل أساس التجربة اليومية الفرديّة والجماعيّة للناس الذين يعيشون هذه التجربة بأنفسهم. وإنما أعني بها الرؤى الفكريّة التنويريّة العقلانيّة التي تمثل في مجملها مجموعة الأنساق المعرفيّة ذات الطابع الإنسانيّ من أدب وفن وفلسفة.. الخ. هذه الأنساق المعرفيّة التي شكلت وتشكل في بعض مراحل تاريخ المجتمعات، عتلات أو حوامل نهضويّة عندما تكون هذه المجتمعات في حالات متدنيّة من التخلف، أو التحولات الثوريّة نحو مرحلة أكثر تقدماً، كما هو الحال لدى الشعب الفرنسي مثلاً قبل قيام الثورة الفرنسيّة، عندما لعبت أفكار التنوير التي طرحها العديد من فلاسفة عصر التنوير ومن سبقهم كروسو، ومنتسكيو، وفولتير وهلفسيوس وريكاردو، وغيرهم ممن ساهم في إنتاج وتسويق هذه الأفكار الثوريّة، دوراً كبيراً في تعبئة الجماهير للقيام بالثورة ضد الاستبداد والظلم وشموليّة الالدولة او النظام الحاكم، ممثلاً آنذاك، بالنظام الملكي القائم، وسلطتي الكنيسة والنبلاء. وكذا الحال في ألمانيا عندما أسست أفكار "هيجل" والهيجلين الشباب، على سبيل المثال المنطلقات النظريّة لمفهوم الدولة والدين والسلطة، والسير على هديها في توحيد ألمانيا وإقامة دولتها العتيدة. وهذا ما وجدناه أيضاً في تاريخنا العربي عندما أسست أفكار الأفغاني، والكوكبي، وعبده، وبطرس البستاني، وإبراهيم اليازجي، وشبلي شميل، وفرح أنطون واديب اسحق، وغيرهم من كتاب ومفكرين عرب منطلقات نظريّة تقدميّة نهضويّة في أنساقها السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، ضد الواقع الفاسد آنذاك، ودعت إلى تجاوزه، من خلال مقاومة المستعمر وقيمه الثقافيّة أو الحضاريّة والدعوة إلى دولة يسودها العدل والمساوة إن كان على مستوى الفكر الديني الاصلاحي ممثلاً بفكر الأفغاني وعبدو والكواكبي والزهاوي وغيرهم، أو الفكر الوضعي ممثلاً بأديب اسحق وشبلي شميل وفرح انطون وآل البستاني واليازجي وغيرهم أيضاً. هذا مع إيماننا بطبيعة الحال، بأن أفكار منظري الثورة الفرنسيّة، لم تكن العامل الوحيد وراء قيام الثورة الفرنسيّة بشكل مباشر، على اعتبار أن هذه الأفكار التنويريّة الثوريّة، جاءت نتيجة لتحولات عميقة في جملة الظروف الموضوعيّة والذاتيّة التي حدثت في فرنسا قبل قيام الثورة الفرنسيّة بكثير، ممثلة، بالثورة الصناعيّة والعلميّة والاقتصاديّة من جهة، وبالتحولات الاجتماعيّة، ممثلة بنشوء طبقتي البرجوازيّة والعماليّة اللتين راحتا تبحثان عن موقع لهما في الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة من جهة ثانية. وبالتالي فإن أفكار منظري التنوير لم تكن في الحقيقة إلا جزءاً من هذه التحولات، بل هي نتاج هذه التحولات، غير أنها بفعل حواملها الاجتماعيّة والظروف التي سمحت بإنتاجها وتحويلها إلى قوة ماديّة، أو رافعة نهضويّة، ساعدت على أن تلعب تلك الأفكار دوراً كبيراً في توعية الجماهير ومعرفة مصلحتها، وبالتالي دفعها إلى الثورة.

وكذا الحال ينطبق على أفكار هيجل حول الدولة، وأفكار المنورين الألمان الذين تأثروا بأفكار الثورة الفرنسيّة وعملوا على تسويقها في ألمانية آنذاك. فبالرغم من أهمية هذه الرؤى الفكريّة، وبخاصة رؤية هيجل حول الدولة، لم تستطع هذه الأفكار لوحدها أن تخلق دولة ألمانيا الموحدة لولا توفر الظروف التي أوجدت بسمارك ومن سانده لتحقيق هذا حلم .

إن هذه المسألة تنطبق أيضاَ على أفكار عصر التنوير العربي في القرن التاسع عشر، مع فارق، أن هذه الأفكار التنويرية التي حملها المتنورون العرب، من حريّة وعدالة ومساواة، وتنمية اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة.. الخ. جاءت في معظمها مستوردة من الغرب المتطور من جهة، رغم أنها كانت وصفات حقيقيّة لتجاوز الواقع العربي المتخلف جداً، إلا أنها لم تستطع أن تتفاعل مع الواقع العربي المتخلف بكل مستوياته، فظل هذا الفكر(نغلاً) أو غريباً بكل معاني الغربة عن الواقع العربي الذي طُرح فيه، كونه لم يجد مقومات تطبيقه أو إنتاجه عمليّاً. ثم أمام خضوع البلاد العربيّة للاستعمار، وانتشار الجهل وأميّة الحرف في الساحة العربيّة آنذاك، ظل هذا الفكر محصوراً في محيط حوامله الاجتماعيّة من النخب المثقفة والمتعلمة التي درست في الغرب وتأثرت به، وبالتالي لم يكن لهذا الفكر ذاك الدور التعبوي للجماهير الذي لعبه الفكر التنويري في دول أوربا، بل كثيراً ما استخدمه المستعمر من أجل زيادة تفتيت اللحمة الوطنيّة داخل البلاد، كما جرى في مصر عندما اشتغل الانكليز على وتر الديمقراطيّة، من أجل تفتيت الموقف الوطنيّ لثوريّ مصر الذين راحوا يعملون لطرد المستعمر وتخفيف وطأته.

أمام هذه المعطيات نستطيع الوقوف قليلاً للنظر في مفهوم الانزياح الثقافي الذي ولد (الثقافة البذيئة) وكيفيّة تجليه على الساحة العربيّة، على اعتبار أن تلك الحالة الثقافيّة التي لم تعد فيها الثقافة في نسقها المراد هنا (الابستمي)، تشكل تلك الرافعة أو الحامل النهضوي الذي يعمل على تطوير المجتمع وتنميته من خلال منتجيه وحوامله الاجتماعيّة. يضاف إلى ذلك، عملية الاغتيال التي تتم في تاريخنا المعاصر، لآلاف المواهب والإبداعات القادرة على خلق مناخات تنمويّة للمجتمع على كافة مستوياته، بسبب وضع القرار الثقافي غالباً في يد غير يد أصحابه، ولا يشترك في صنعه منتج الثقافة ومستهلكها الحقيقيان.

ما هي أبرز العوامل التي ساهمت وتساهم في تحقيق الانزياح الثقافي على الساحة العربيّة؟:

أولاً الدولة الكليانيّة:

في دول العالم الثالث عموماً، ووطننا العربيّ على وجه الخصوص، لم يأت تشكل الدولة في معظم مؤسساتها وآليّة عملها، وبالتالي طبيعة علاقاتها مع المجتمع، نتيجة لتحولات تاريخيّة عميقة أصابت الوجود ألاجتماعيّ بكل مكوناته الماديّة والفكريّة معاً، وبشكل خاص الوجود السياسيّ منه، الأمر الذي ترك خللاً واضح المعالم حتى هذا التاريخ في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين الدولة والمشروع الثقافي التنويري بحوامله الاجتماعيّة من جهة ثانية، حيث تجلى هذا الخلل هنا واضحاً في انزياح الثقافة التنويريّة ومثقفها العضويّ عن دورهما في تحقيق التنمية، أو المساهمة في رسم ملامحها في دول العالم الثالث، وفسح المجال واسعاً أمام أشكال أخرى من الثقافة، مثل ثقافة المجتمع الاستهلاكي، أو الثقافة السلطويّة الهامشيّة والاستهلاكيّة بكل ما تحمله الكلمة من دلالة، إضافة إلى سيادة أشكال أخرى من المثقفين اللامنتمين، مثل مثقف السلطة، الذي غالباً ما يلتقي في الدولة الكليانيّة مع المثقف المهاتر، والمثقف الانتهازيّ.

إن هذه النماذج من الثقافة (البذيئة) وحواملها، تساهم في خلق مشروع الانزياح الثقافي في الدولة الكليانيّة أو الشموليّة، على اعتبار أن ما يُنتج ويُستهلك من ثقافة هنا، لا يصب في خدمة المجتمع وتطويره وتنميته، بقدر ما يصب في خدمة القوى الحاكمة لهذه الدولة بكل مرجعياتها التقليديّة من عشيرة أو قبيلة أو طائفة أو حزب، مضافاً إليها الحامل الاجتماعي الموالي لهذه المرجعيات، والمنتج لهذه الثقافة والمسوق لها معاً، بغية الحفاظ على بنية هذه الدولة المتخلفة، واستمرارها تاريخيّاً.

ثانياً: سيادة وسيطرة الفكر الأصولي والامتثالي

إن من يبحث في طبيعة الوجود الاجتماعي عند معظم مجتمعاتنا العربيّة، التي لم يزل فيها هذا الوجود الاجتماعيّ بقوى وعلاقات إنتاجه متخلفاً، سيجد أن معظم هذه المجتمعات محافظة على قسم كبير من هذا التخلف، حيث لم تزل تُستخدم الكثير من أدوات الزراعة التي استخدمها أجدادنا قبل التاريخ، ويأتي على رأس هذه الأدوات المحراث ذو السكة الحديديّة الذي يجره الحيوان، إضافة إلى حالات التخلف المزري في مجال الصناعة والتكنولوجيا العلميّة، وتدني مخصصات البحث العلمي المتعلقة بها، يرافق ذلك غياب واضح لأسس المجتمع المدني ودولة المؤسسة، وما يرافقها من تفكير تنويري قادر على التعامل مع معطيات العصر بعقلانيّة، بدلاً من الفكر الأصولي والامتثالي الذي لازال يعاد إنتاجه في مضمار الساحة الاجتماعيّة العربيّة بكل مستوياتها الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة، وبالتالي سيطرته على هذه الساحة وبخاصة الثقافيّة والتعليميّة منها، حيث نجد الكثير من جامعاتنا تزخر بحملة هذا الفكر الذي تحول إلى سيوف مسلطة على رقاب كل كاتب أو مفكر عقلانيّ حتى ولو كان إسلاميّ التوجه، كما جرى للراحل " حامد أبو زيد" وغيره الكثير من قبل ومن بعد.

نقول: أمام هذا التخلف البنيويّ الذي لم يزل يعيد إنتاج الفكر الأصوليّ ولامتثاليّ والخرافيّ والأسطوريّ، وفاعليته النشطة أيضاً، نجد ان هذا الفكر ساهم في تحقيق فعل الانزياح الثقافي للفكر التنويريّ والعقلانيّ النقديّ بالضرورة عن الساحة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة، وأفقد هذا الفكر- أي التنويريّ - دوره الفاعل في تنمية المجتمع وتقدمه، تاركاً المجال واسعاً للفكر الآخر ينشط بحريّة لجر المجتمع دائماً إلى الوراء تحت ذريعة العودة إلى الأصول أو النبع الصافي، بحثاً عن الفردوس المفقود.

ثالثاً: التأثير السلبي لأفكار ما بعد الحداثة

مع تحقق عملية تركز الرأسمال في أوربا بشكل عام، وأمريكا على وجه الخصوص، وتحوله إلى رأسمال ماليّ، (1). وبالتالي التحامه بالدولة وتحوله أخيراً إلى رأسمال احتكاريّ، أخذ هذا الرأسمال الاحتكاريّ بدوره تحويل الدولة ذاتها التي التحم بها إلى دولة رأسماليّة احتكاريّة، راحت تمثلها في تاريخنا المعاصر الولايات المتحدة الأمريكيّة، بما تحمل هذه الدولة من مشاريع قهريّة لشعوب العالم، يأتي في مقدمتها تشكيل ما سمي بالنظام العالمي الجديد، والعمل على إعادة هيكلة العالم (السوق العالميّة) وفقاً لمصالحها. فأمام هذه التحولات البنيويّة للنظام الرأسماليّ، رحنا نلمس انغلاقاً لتاريخ الأفكار، وولوج مرحلة ما بعد الحداثة، التي راحت مقولة (أدر جيداً أرصدتك) تفرض نفسها على كافة مستويات هذه المرحلة، وبخاصة القيميّة منها ممثلة بالفن والأدب والفلسفة والأخلاق..الخ

إن معطيات ما بعد الحداثة في شقها ألقيمي هنا، لم تعد في مضمار هذا النظام أكثر من جملة من السيرورات التراكميّة التي يشدّ بعضها بعضاً، والتي دخلت عمليّاً كما يقول "ماكس فيبر" في مضمار (بناء تحديث الموارد وتحويلها إلى رؤوس أموال، عبر تنمية القوى الإنتاجيّة، وزيادة العمل...وعلمنة القيم الأخلاقيّة.). (2).

إن قراءة أولية لأفكار " ماكس فيبر"، تشير لنا وبكل وضوح، إلى أن هناك حالات انزياح قد تمت لمسألة القيم الايجابيّة، ويأتي في مقدمتها النسق الثقافيّ موضوع بحثنا هنا، وذلك من خلال السعي إلى فصل المسائل القيمّة ومنها الثقافيّة، عن أصولها أو جذورها من جهة، ثم تحويلها إلى نماذج لسيرورات تطور حياديّة، وقطع صلتها بكل ما هو عقلانيّ، بحيث لم تعد الثقافة بصفتها عمليات تفعيل لتنمية المجتمع وتطوره، أي بوصفها التاريخ الموضوعي للبنى العقلانيّة، بقدر ما أصبحت مورداً للدخول (كم مليون دولار حقق هذا الفلم، وكم مليون دولار تساوي هذه اللوحة، وكم مليون دولار حقق هذا الكتاب.. الخ).

وهذا ما يدفعنا للقول أيضاً: إن الثقافة في معطياتها الما بعد حداثويّة، قد قضت على مقدمات التنوير، وأصبحت نتائج التحول في القيم التي أشرنا إليها وحدها تستمر في التأثير، وبالتالي هذا ما أدى بالمجتمع هنا أن يتحرر من إحدى الروافع الأساسيّة المحركة لتطوره الايجابي، وهي "الثقافة".

إن الثقافة في هذا السياق، تحولت إلى أسلوب عمل يساعد على تحريك القوانين الوظيفيّة لاقتصاد السوق المتوحش، وللتنمية والعلم الذين يخدمان هذه الوظيفة الاقتصاديّة، وخلق قيم اجتماعيّة وأخلاقيّة وسياسيّة جديدة كالتي أشار إليها "ماكس فيبر"، تخدم مصالح قادة النظام العالمي الجديد. أي تحويل هذه الثقافة إلى أداة لخلق قيم ونظام ربحيين بعيدين عن خدمة المجتمع، تتكئ على (عقل أداتيّ). (3) في التفكير والممارسة، كل ما يراد منه هو إدارة الأرصدة بشكل جيد.

إن (نمذجة الثقافة) في المجتمع الغربي والأمريكي في الصيغة التي تقدمنا بها أعلاه، دفعت بعلم أو دون علم، بعض الكتاب والمفكرين العرب لتسويقها في ساحتنا الثقافيّة، الأمر الذي زاد من حدّة وسعة الانزياح الثقافي في وطننا العربيّ، وبالتالي المساهمة أكثر في تعميم التخلف وتجذيره.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

.............................

الهوامش:

1- الرأسمال المالي: هو التحام الرأسمال التجاري والصناعي بالرأسمال المصرف، وبالتالي الزيادة في تمركز الراسمال في يد طغمة ماليّة قليلة العدد على مستوى الدولة الوطنيّة.

2- راجع القول الفلسفي للحداثة، "هبرماس"، ترجمة فاطمة ألجيوشي، وزارة الثقافة، دمشق، 1995، ص9).

3- العقل الأداتيّ: هو العقل عندما يوظف في تسيير التكنولوجيا ورسم الخطط والبرامج الإداريّة او الوظيفيّة لأصحاب الرأسمال بعيدا عن دوره في التخطيط لتنمية المجتمع وتطوره.

 

 

حاتم حميد محسنالانسان هو الحيوان الوحيد على الارض الذي يدرك انه سوف يموت في يوم ما. هذا الادراك لا يميل ليكون نوعا من المعرفة التي يُستمتع بها. على مر التاريخ سعى الناس نحو حياة خالدة، ومؤخرا علّقوا هذا الأمل على العلوم. ولكن المألوف أكثر هو الأمل بان الحياة سوف تستمر بعد الموت بدلا من الأمل بإمكانية تأجيل الموت الى الأبد.

يذكر البروفيسو (ستيف ستيوارت وليم) (1) ان الايمان بالحياة بعد الموت يأتي بأشكال وأحجام مختلفة. نحن نستطيع التمييز، مثلا، بين الرؤى التي تستلزم وجود مستمر في جسم مادي، وتلك التي ترى ان البقاء بعد الموت يحدث خارج الجسد. الفئة الاولى تتضمن التناسخ، والعقيدة اليهودية- المسيحية والاسلامية بان الله سوف يبعث أجسادنا في وقت ما من المستقبل. البقاء بعد الموت خارج الجسم المادي جرى تصوره بأشكال مختلفة كبقاء في جسم غير مادي (روح الميت)، او البقاء كذهن بلا جسد. هذه التصورات للحياة بعد الموت تشترك بحقيقة ان الشخص الفرد سيستمر في الحياة بعد الموت بمعنى ما. عقيدة اخرى هي في البقاء غير الشخصي. بعض تيارات البوذية، مثلا، تؤمن ان الذهن الفردي يتحد مرة اخرى في ذهن عالمي. في مقابل جميع هذه الرؤى هناك العقيدة باننا مع الموت لم يعد لنا وجود في أي معنى.

الحجج المؤيدة لنظرية الحياة بعد الموت

السؤال حول ما اذا كنا سنبقى بعد الموت هو من أكبر الاسئلة في حياة الانسان. سنستكشف هنا بعض الحجج والبراهين مع وضد البقاء. سنبدأ بالحجج المدافعة عن الحياة بعد الموت.

الدليل التجريبي عن الحياة بعد الموت

بعض الأدلة الأكثر إقناعا عن الحياة بعد الموت يأتي من العديد من القصص والتقارير عن الظواهر الخارقة. من بين هذه الخوارق هي تجارب الخروج من الجسد، وتجارب الاقتراب من الموت، ورؤية الأشباح، ووسائط الاتصال مع الميت، وذكريات الحياة الماضية. مثل هذه الحوادث، اذا كانت كما تبدو، سوف تشكل دليلا ميدانيا للايمان باننا سنعيش بعد الموت (رغم انها لا تبيّن اننا بالضرورة سنعيش بعد الموت الى الأبد). لذا، ما مدى صحة دليل ظاهرة الخوارق؟

على عكس الانطباع الذي تعكسه احيانا الميديا الشعبية، فان الدليل ليس قويا. الكثير منه يمكن توضيحه بسهولة في عبارات طبيعية naturalistic terms. فمثلا، رغم عدم وجود اساس للشك بان الناس احيانا يمتلكون تجارب خارج الجسد او تجارب الاقتراب من الموت، لكن هذه التجارب يمكن توضيحها بعبارات فسيولوجية وسايكولوجية. ونفس الشيء، ذكريات الحياة الماضية ربما تكون ذكريات زائفة، ومشاهد الأشباح قد تكون تفسيرات سيئة لدوافع غامضة. هذه الإمكانات لا تؤكد بذاتها ان التوضيحات الما فوق طبيعية مكتملة التبرير. اينما وُجد توضيح آخر معقول لجزء من الدليل، عندئذ لابد من الاعتراف بان ذلك الدليل لا يستطيع تبرير عقيدة قوية في التفسير المافوق طبيعي. كذلك، بعض الأدلة تُضعف كثيرا من مصداقية التوضيحات الخارقة. فمثلا، الوسائط التي كانت قادرة على الاتصال بالناس الذين لا معرفة لها بهم، كانت وسائط قصصية او انها لاتزال حية.

ولكن ليس كل ادّعاء بحدوث الخوارق يمكن توضيحه بعبارات طبيعية. نحن جميعنا سمع قصصا، مثلا، عن أقارب ميتين يعودون لنا، ينقلون معلومات لا يمكن الحصول عليها بطرق اخرى. اذا كانت مثل هذه الأشياء تحدث حقا، فان التوضيحات غير الخارقة للطبيعة ستكون غير معقولة. اذا كان لابد من إثارة الشك، فان الدليل على مثل هذه الأحداث الخارقة المؤكدة هو دائما ضعيف او مبني على أقاويل قصصية. التقارير القصصية هي غير موثوقة، وعندما تُتبع الطرق العلمية الموثوقة، فان الظواهر الخارقة تميل الى الزوال. لذا فان الموقف هو كالتالي: اينما وُجد هناك دليل جيد للحدوث (مثلا، تجارب الاقتراب من الموت، وتجارب الخروج من الجسد)، فان ذلك الحدوث يمكن بسهولة ان يُعطى توضيحا طبيعيا، ومتى ما كان غير ممكن اعطاء توضيح طبيعي للحدوث، فسيكون هناك ميل ليكون دليلا غير جيد لذلك الحدوث – بما يشير انه حقا لم يحدث ابدا. هذا هو بالضبط الشكل الذي نتوقعه لو لم تكن هناك حقيقة للظواهر الخارقة. باختصار، لا وجود لدليل تجريبي جيد للحياة بعد الموت.

حفظ الطاقة conservation of Energy

ان البحث عن دليل تجريبي ليس هو المحاولة الوحيدة لمنح الايمان بالحياة بعد الموت احتراما علميا. البعض يجادل ان المبدأ العلمي لحفظ الطاقة يدعم فكرة ان الذهن ينجو من الموت الجسدي. طبقا لهذا المبدأ، الطاقة لايمكن ابدا ان تقفز فجأة الى الوجود او تتوقف عن الوجود، انها ببساطة تتغير في الشكل. البعض يجادل انه يتبع هذا المبدأ ان الذهن او الوعي لايمكنه الخروج من الوجود او يختفي عند الموت. الانتقاد الأساسي لهذا الجدال هو ان مبدأ حفظ الطاقة ينطبق فقط على الطاقة الفيزيائية. وهكذا، اذا نُظر الى الذهن باعتباره غير مادي او طاقة روحانية، فلا سبب هنا للاعتقاد بتطبيق مبدأ حفظ الطاقة . كذلك، حتى لو كان الذهن شكلا من الطاقة الفيزيائية، فان المبدأ سوف لن يضمن البقاء بعد الموت. ومع ان الطاقة لن تختفي من الوجود ولا تتوقف عنه، لكنها بالفعل تتغير في الشكل. وهكذا، اذا كان الذهن طاقة فيزيائية، فهو بالنهاية سوف يتحول الى النقطة التي فيها لم نعد نستطيع القول ان الذهن الأصلي لايزال موجودا.

ولكن ربما اولئك الذين يستخدمون هذه الحجة حقا في ذهنهم مبدأ ذو عمومية اكثر من مجرد حفظ الطاقة الفيزيائية، مثل الادّعاء البسيط بان لاشيء يُخلق ولاشيء يتحطم. هذا المبدأ فيه القليل من المصداقية العلمية، ولكن ربما هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الحجة. ولكن مع افتراض انه صحيح، وهو عرضة للنقاش، هل سيضمن بقاء الذهن بعد الموت؟ بدايةً، المبدأ سوف لا ينطبق على الكينونات التراكمية – الاشياء المركبة من اشياء اخرى. الذرات المؤلفة لجسمنا، مثلا، سوف تستمر بالوجود بعد وفاتنا، لكن جسمنا ليس كذلك. بعض الفلاسفة البوذيين اعتقدوا ان الذهن هو تراكم من "ذرات ذهنية" – اذا كان الامر هكذا، فان انحلال الذهن سوف لن يتعارض مع المقدمة بان لا شيء يُخلق او يتحطم، اكثر من حقيقة ان شكلا من الرمال لم يعد له وجود عندما تذروه الرياح. المقدمة تضمن فقط البقاء لو استطعنا تأسيس ان الذهن منفرد، لايتقسم، ولا يتحطم. الدليل المتوفر لا يدعم هذا الموقف. ممارسات البحث السريري في سايكولوجيا الأعصاب تبيّن انه عندما يتضرر جزء من الدماغ، فان جزء من الذهن يتضرر. هذا يلقي ظلال من الشك على امكانية ان الذهن هو اما لايتجزا او لا يتحطم.

حجج من سلطة ما (مصدر خارجي)

ان محاولة ربط الايمان بالحياة بعد الموت بسلطة العلوم لم تكن ناجحة. هناك سلطات اخرى يمكن ان يلجأ اليها المؤمنون بالحياة بعد الموت. الحجة الشائعة تثق في سلطة الأكثرية. وهي حجة عادة يُشار اليها في الدفاع عن فرضية البقاء بعد الموت التي فيها آمن غالبية الناس . اولا، يجب التأكيد على ان الناس لم يؤمنوا كلهم بنفس أشكال الحياة بعد الموت، وهو الأمر الذي من شأنه ان يُضعف الدفاع عن الحجة. غير ان هناك جواب أكثر قوة. كما لاحظ بتراند رسل:" ان الايمان برأي على نطاق واسع هو ليس دليلا على ان الرأي ليس سخيفا تماما. في الحقيقة، بالنظر الى رؤية الأكثرية من البشر، فان عقيدة منتشرة على نطاق واسع يُحتمل ان تكون سخيفة اكثر مما تكون معقولة ".

اتجاه آخر، اذاً، سيكون إعتماد سلطة الناس الحكماء والأنبياء في الماضي، الذين اعتقد العديد منهم بالحياة بعد الموت. ولكن كيف نعرف ان هؤلاء الناس هم حكماء؟ ربما اذا اعتقدنا ان تعاليمهم كانت زائفة كليا، فسوف لن نعتبرهم حكماء. اعتبارهم حكماء يبيّن لنا اننا سلفا نعتقد ان تعاليمهم صحيحة. اذا اعتقدنا انهم حكماء لأنهم يؤمنون بعقائد معينة، عندئذ لا نستطيع اعتبار حكمتهم دليلا على عقائدهم. الجدال المنطلق من سلطة الناس الحكماء لايدعم الايمان بالحياة بعد الموت، انه فقط يكشف العقائد الموجودة سلفا لأولئك الذين يستخدمون الجدال.

الحجة من العدالة

جدال مختلف جدا حول الحياة بعد الموت يبدأ من ملاحظة ان الحياة لو كانت تنتهي بعد الموت، فسوف لن تكون هناك عدالة. في هذا العالم، نرى البريء يعاني، والخيّر عادة لا يستلم مكافأة بينما السيء يذهب بدون عقوبة. اذا لم يتم ضبط هذا اللاتوازن الأخلاقي فان الكون سوف لن يكون عقلانيا. سيكون غير عادل، بلا معنى، وسخيف. لذلك، فان لاعدالة الحياة في هذا العالم تشير الى ان الحياة يجب ان تستمر بعد الموت، لأن استمرار الحياة هو فقط منْ سيعيد التوازن لميزان العدالة.

هذه الحجة لها عدة مضامين عادة ما يتجاهلها الناس. اولا، انها لا تحدد الشكل الذي يتخذه البقاء بعد الموت. انها حجة جيدة بنفس مقدار نظرية (الفعل والتقمص) الهندوسية. وهكذا، فان هذه الحجة وحدها لاتبرر أي مفاضلة بين هاتين الرؤيتين. ثانيا، الحجة سوف تدعم البقاء بعد الموت لكن ليس بالضرورة الخلود. نظراً الى ان كل واحدة من حياتنا محدودة، فهناك فقط زمن محدود سيكون مطلوبا لإحداث التوازن في ميزان العدالة.

ولكن هل الحجة تؤسس بقاءً مؤقتا؟ عند تجريد الحجة الى شكلها الاساسي، فانها تتألف من مقدمة (اذا كانت الحياة تنتهي عند الموت، عندئذ فان الحياة سوف لن تكون عادلة) واستنتاج (الحياة لا تنتهي عند الموت). كما يتضح، هذه ليست حجة صالحة الإستدلال، لأن الاستنتاج لايتبع مباشرة من المقدمة. لكي تكون الحجة صالحة، يجب ان نضمّن مقدمة وسيطة. يمكن قراءة الحجة بالكامل كالتالي:

اذا كانت الحياة تنتهي بالموت، عندئذ سوف لن تكون الحياة عادلة.

الحياة عادلة. ولذلك، لاتنتهي الحياة عند الموت.

الحجة الآن صالحة. المقدمة الجديدة هي افتراض ضمني لم يُصرح به سابقا، ولكن الحجة تعتمد عليه. مع ذلك، كوننا جعلنا كامل الحجة واضحة، فان هذه المقدمة هي التي تبدو الأكثر عرضة للتساؤل. انه من غير الواضح ان الحياة عادلة، ولاشيء هناك غير عقلاني او متناقض حول الكون الذي هو غيرعادل بمعايير الانسان. ما لم يكن لدينا سبب جيد للاعتقاد بان الكون عادل، فان حجة العدالة ستفشل.

حجة المؤمن Theistic Argument

يعتقد البعض ان هناك سبب جيد للإعتقاد ان الكون عادل. هذه العقيدة تعتمد على وجود الله. طبقا للجدال الإيماني عن الحياة بعد الموت، فان اله خيّر سيكون قادرا على خلق أي كون يريده. وهكذا، اذا كان هناك اله خيّر وقادر على كل شيء، فهو لا يريد كونا غير عادل . وهكذا، اذا كان هناك اله كلي القدرة، فان الحياة ستكون عادلة ومنصفة وان حجة العدالة ستنجح اذاً، تؤسس للحياة بعد الموت كنتيجة ضرورية لوجود الله. لكن ليس كل شخص مقتنعا ان وجود الله يعني بالضرورة ان الحياة عادلة بمعاييرنا، ولذلك اننا سنبقى بعد الموت. ولكن مرة اخرى لأجل النقاش، دعنا نفترض ان الحياة بعد الموت نتيجة ضرورية لوجود الله. في تلك الحالة، الحجة في الله ايضا تكون حجة للحياة بعد الموت. (قبول هذه الرؤية تأتي على حساب المؤمن: نتيجة طبيعية للرؤية بان الحجج ضد الحياة بعد الموت هي ايضا حجج ضد وجود الله). هناك عدة حجج تحاول إثبات وجود الله. غالبية المفكرين اليوم يعتبرون هذه الحجج تفشل في تحقيق هدفها. ولكن حتى مع افتراض انها تؤسس لوجود الله، فلابد قبل ان نأخذ هذا كبرهان على الحياة بعد الموت، يجب ان نسال: هل هي تؤسس لوجود الله القدير الخيّر؟ لأنه فقط اذا كان الله لديه هذه الصفات سيكون لدينا تأكيد بعدالة الكون، ومن ثم استمرار الحياة بعد الموت.

ان غالبية الحجج الجيدة عن الله تؤسس بعض الصفات للاله، ولكن ليس الصفات التي تجعل الحياة بعد الموت ضرورة منطقية. فمثلا، الجدال من المصمم الذكي، اذا كان سليما، يؤسس لوجود المصمم، ولكن لايبيّن ان هذا المصمم كلي القدرة او خيّر لا متناهي. ونفس الشيء، جدال السبب الاول يبيّن، وجوب ان يكون هناك سببا اول، ولكن لا يقول أي شيء عن الخصائص الاخرى بحوزته . في تقييم امكانية الحياة بعد الموت، نحن لا نحتاج للنظر في ما اذا كانت هذه الحجج سليمة. وحتى لو كانت كذلك، فهي لن تؤسس للحياة بعد الموت. هناك حجج اخرى قد يراها المؤمنون ملائمة. لكن هذا ليس المكان الملائم للتعامل مع سؤال وجود الله. غير ان ذلك لا يعني اننا وصلنا طريقا مسدودا، او ان سؤال الحياة بعد الموت يجب ان يبقى مفتوحا الى ان نحقّق في كل الحجج حول الله. بالعكس، نحن نستطيع الاستمرار في التحقيق في قضية الحياة بعد الموت، لأننا بعمل كهذا نستطيع ان نبتعد عن الحجة الايمانية من اتجاه آخر. كما لاحظنا سابقا، لو قبلنا الرؤية بان الحجة في وجود الله هي ايضا حجة للحياة بعد الموت، يجب ايضا ان نقبل بان الحجج ضد البقاء هي ايضا حجج ضد وجود الله. مثل هذه الحجج، بمقدار ما هي سليمة، ستُضعف أكثر حجة المؤمن. هذه الحجج سننظر بها الآن .

الموقف المضاد للحياة بعد الموت

هناك عدد من الحجج ضد الحياة بعد الموت. سننظر هنا فقط بالحجج الأكثر اهمية.

التفكير الرغبي Wishful Thinking

احيانا يُقال ان السبب الوحيد الذي يجعل الناس يؤمنون بالحياة بعد الموت هو انهم يجدون الفكرة مريحة. الايمان بالبقاء يزيل او على الاقل يخفف من الخوف من الموت والانقراض، والشعور بالحزن عندما يموت حبيب، او عند الإحساس ان للحياة أمد محدود والذي يجعلها بلا معنى. هذه الحجة من التفكير الرغبي ايضا تتبنّى الأمل بان ميزان العدالة سيتوازن. ان الراحة التي يوفرها هذا الايمان يمكن ان يوضح تماما سبب ايمان الناس به. لاتوجد هناك أسباب اخرى للايمان ولهذا نحن نستطيع الافتراض ان الإيمان زائف.

تعرضت هذه الحجة الى نقد مباشر وهو ان الايمان بالحياة بعد الموت ليس دائما مريح: الملايين عاشوا في خوف من الجحيم والعذاب الأبدي. لكن هذا النقد هو في الحقيقة يجانب القضية. من الممكن اختراع دوافع مخفية او سرّية لتوضيح سبب ايمان الناس بأي عقيدة.

اضافة الى ذلك، قد يستخدم المؤمنون بالحياة بعد الموت بالضبط نفس الحجة ضد غير المؤمنين. بعض الناس ربما يرحبون بفكرة الإنقراض الذاتي عند الموت، لأنه يوعد بإنهاء البؤس وعدم القناعة في الحياة. بعض من غير المؤمنين اقترحوا ان الحياة بدون جسد ستكون كسولة وبلا معنى، نيتشة رأى ان الايمان بحياة اخرى بعد الموت يقلل من قيمة هذه الحياة. على هذه الأساس، قد يُقال ان الايمان بالانقراض عند الموت هو مجرد تفكير رغبي. لهذا فان حجة التفكير الرغبي يمكن ان تهاجم كلا وجهتي النظر. وبالنتيجة، لا تعطي أفضلية لأي جانب من النقاش، ويجب ان نتجاهلها كليا. بالطبع، اذا كانت لدينا اسباب اخرى للاعتقاد برؤية معينة زائفة، عندئذ نحن ربما نتأمل في سبب إيمان الناس بهذه الرؤية رغم زيفها. مثل هذه التأملات لايمكن استعمالها لجدال رؤية هي زائفة في المقام الاول.

اعتماد الذهن على الدماغ

ننتقل الآن من حجة ضعيفة الى ربما أقوى حجة ضد الحياة بعد الموت وهي الادّعاء بأن الذهن يعتمد على الدماغ. اذا أمكن تأسيس ان الأذهان لايمكن ان توجد بدون أدمغة، فان هذا سوف يُضعف ليس فقط امكانية البقاء خارج الجسد، وانما معظم نظريات البقاء الاخرى . فمثلا، بعض المؤمنين في البعث يؤمنون ان الذهن يستمر في الوجود بين لحظة الموت ولحظة بعث الاجساد من قبل الله. لكن هذا لن يكون ممكنا لأن الأذهان توجد فقط عندما تترافق مع أدمغة نشطة. ونفس الشيء، المؤمنون في التناسخ يؤمنون بالرؤية بان نفس الذهن الذي سكن جسدا معينا يأتي ليسكن جسدا آخر، لكن هذا سيتطلب وجودا مستمرا للذهن بدون وجود دماغ بين التناسخات. ان إمكانية البقاء اللاشخصي او العالمي للذهن سوف تُستبعد ايضا عبر إعتماد الذهن على الدماغ (ما لم نرغب بالادّعاء ان الكون المادي هو دماغ واحد كبير).

من الواضح، ان اعتماد الذهن على الدماغ سيكون مدمرا لفرضيات البقاء بعد الموت. لذا، ما هو الدليل مع وضد هذا الموقف؟ نحن نظرنا سلفا في الدليل ضده. الظواهر الخارقة مثل نشاطات الاشباح ووسائط الاتصال بالأموات، تقترح ان الأذهان توجد بدون أدمغة. وكما رأينا في الجدال، هذا الدليل هو ضعيف. كذلك، نحن يجب ان نقيّمه مقابل الدليل من علم الاعصاب الذي يشير الى استنتاج مضاد. وان هذا الدليل هو قوي وغزير و موثوق .

الافتراض المرشد لعلم الاعصاب هو انه لكل حالة ذهنية هناك حالة دماغ مطابقة. اساسا آلاف الدراسات بررت هذا الافتراض. علماء الاعصاب أظهروا، مثلا، انه عندما انت تنظر لشيء ما – حين تمتلك تجربة بصرية واعية – فان أجزاء معينة من دماغك تصبح اكثر نشاطا. وعندما تغلق عينيك وتتصور نفس المشهد البصري، فان نفس الأجزاء من دماغك تكون نشطة مرة اخرى. وعندما تحفز كهربائيا المناطق البصرية من الدماغ، هذا يخلق تجربة بصرية واعية. أيّ تحفيز لمناطق حسية اخرى يُنتج تجارب حسية اخرى. الاشياء الاخرى التي تؤثر على حالة الدماغ مثل المخدرات ايضا تؤثر على حالات الذهن. علماء الاعصاب يحققون تقدما عظيما باكتشاف المراكز العصبية للتصور والذاكرة والانتباه والتفكير والعواطف والحوافز، وجميع الظواهر السايكولوجية.

البعض قد يجادل ان هذا يبيّن فقط ان الفعالية الذهنية وفعالية الدماغ يسيران جنبا الى جنب في حياة الكائن البشري، وليس ان الأحداث الذهنية يمكن ان تحدث فقط بالتزامن مع الدماغ. جزء واحد من الدليل بالذات يجيب على هذا التحدي: عندما يتحطم جزء من الدماغ، فان جزء من الذهن يتحطم. بالتأكيد من المعقول الافتراض انه عندما يتحطم الدماغ كليا، كذلك ايضا يحصل في الذهن. ديفد هيوم لخص ذلك قبل عدة قرون عندما كتب " ان ضعف الجسد وضعف الذهن في مرحلة الطفولة هو بالضبط تناسبي، قوتهما في مرحلة الرجولة، اضطرابهما العاطفي في المرض، تآكلهما التدريجي في سن الشيخوخة. الخطوة الاخرى تبدو لا مفر منها، وهي انحلالهما العام في الموت".

البعث Resurrection

 ان إعتماد الذهن على الدماغ يستبعد كل من البقاء خارج الجسد، والبعث، والبقاء غير الشخصي. هناك، شكل واحد من الحياة بعد الموت لايتأثر باعتماد الذهن على الدماغ: بعث اجسادنا بواسطة الله. مرة اخرى، هذا ليس مكانا للذهاب للسؤال عن وجود الله. لكننا، نستطيع السؤال حول ما اذا كان، البعث حتى مع وجود الله ممكنا. اذا كان ذلك غير ممكن منطقيا عندئذ نحن نستطيع استبعاده، سواء كان من الله ام من غيره . نقد شهير لفكرة ان الله يبعث اجسادنا جرى توضيحه عبر مشكلة آكلي اللحوم . عندما آكل اللحوم يأكل شخصا اخر، فان مادة جسمه تندمج فيه. كيف يمكن لله ان يبعث كلا الجسمين في وقت واحد: جسم الشخص الآكل وجسم الشخص المأكول؟ المشكلة لا تنطبق فقط على آكلي اللحوم وضحاياهم. بل ان ذرات جسمنا اليوم ربما كانت في اجسام ناس آخرين في الماضي، وربما تكون ذرات في اجسام ناس آخرين في المستقبل. كيف يمكن ان نُبعث جميعنا؟ احد الاقتراحات هو ان الله سوف يعيد بناءنا من ذرات اخرى. ولكن بالتأكيد هذه الاجسام الجديدة ليست حقا اجسامنا ابدا، وانما ستكون نسخا . انت سوف تعتبر هذا كنسخة وليس حقا انت. سيكون دماغ اخر تقريبا مشابه لدماغك – وهكذا سيكون ذهن آخر، ليس بإمكانك الدخول اليه مباشرة. يبدو ان الصيغة المستنسخة للبعث لاتضمن البقاء بعد الموت اكثر من النسخة الأصلية.

استنتاج

يذكر الكاتب ستيف ان الناس يؤمنون بعقيدة معينة رغم زيفها لأنهم لايمتلكون سببا جيدا لرفضها. لذا سنحاول باختصار معرفة لماذا يؤمن الناس بهذه العقيدة. التفكير الرغبي وعوامل نفسية واجتماعية اخرى ربما توفر تفسيرا جزئيا. غير اننا، يجب ان لا نتجاهل تفسيرات واضحة اخرى مثل تلك التي تقول ان الناس يؤمنون بالبقاء بعد الموت لأنهم قيل لهم عندما كانوا صغارا انهم سيبقون، ومع تجارب الحياة اليومية نرى القليل مما يتعارض مع هذه الرؤية. وهناك عامل آخر ملائم، جذب القليل من الانتباه. هذا العامل يرتبط بحدود ما يُتصور. نحن لا نستطيع تصوّر العدمية، وهكذا لانستطيع تصوّر فناءنا الذاتي. وبالنتيجة، من الطبيعي لنا الاعتقاد ان أذهاننا تستمر بالوجود بعد الموت. وبصرف النظر عن مدى طبيعة هذا، يبدو هناك سبب ضعيف للاعتقاد بصحة هذا الاعتقاد.

 

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) كان استاذا في مدرسة علم النفس في جامعة Massey في نيوزيلاند، وحاليا يعمل كاستاذ علم النفس في جامعة نوتنكهام في ماليزيا، اهتمامه الاكاديمي الرئيسي هو في المضامين الفلسفية لعلم النفس التطوري. في عام 2010 صدر له كتاب (دارون، الله، ومعنى الحياة – كيف أحبطت نظرية التطور كل شيء كنت تعتقد انك تعرفه).

 

علي رسول الربيعيالمقدمـة: يتطلب تحديد مجال الفلسفة الاجتماعية بشكل دقيق اللجوء إلى التمييز الأرسطي بين الفلسفة النظرية والعملية أولاً. تهدف الفلسفة النظرية إلى ما يتعلق بنظرية المعرفة والميتافيزيقيا؛ بينما تسأل الفلسفة العملية عن الفعل بالمقابل. إن نقطة البداية، بالنسبة لأرسطو، هي الإنسان باعتباره حيوان سياسي يرتبط بالمجتمع كفرد دائما. لذا فإن موضوع الفلسفة الاجتماعية كفلسفة عملية هو المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يشكله الإنسان من خلال أفعاله. ليس الفعل، بالنسبة لأرسطو، مجرد موضوعا للتفكير والتأمل فحسب، ولكنه هدف للمعرفة أيضًا. لذلك تقود الفلسفة العملية الانسان إلى الفعل الصحيح، بمعنى أدراك الخير. فمجال عمل الفلسفة العملية بهذا المعنى الثاني هو المجال السياسي العام.

تتبع الفلسفة الاجتماعية هذا المعنى المزدوج للفلسفة العملية عن أرسطو. فمن ناحية، تريد إعادة بناء المجال الاجتماعي (وصفيًا)، ومن ناحية أخرى تريد كشف خيارات للفعل في مواجهة مواقف المشكلات الاجتماعية المعقدة (معياريًا). إنها تعالج الفعل بقدر ما يؤثر على الفرد، وما يمكن فهمه بوصفه تعبير أو سبب للعلاقات الشخصية. محور هذا التفكير الاجتماعي الفلسفي هو مفهوم المجتمع، الذي لم يكن مألوفًا لأرسطو بعد في هذا الشكل، لأنه لم تُفهم المدينة (polis) على أنها تشكيل متمايز وظيفيًا للمجتمع انذاك.

لقد ظهرت، على مدار الثلاثين عامًا الماضية، العديد من المفاهيم التي ترتبط ارتباطا وثيقًا ببعضها البعض وتتبع بطرق مختلفة فهم الفسفة الاجتماعية بوصفها فلسفة عملية. وبالنظر إلى هذه الطرق المختلفة، يمكننا التمييز بين أربعة مجالات أساسية للفلسفة الاجتماعية مترابطة بشكل وثيق.

أولاً، تعتبر الفلسفة الاجتماعية نفسها انعكاسًا لما هو اجتماعي. ويمكن أن يشمل ذلك أن تُفهم بوصفها فعل أو تواصل أو بنية. فمن المهم تحليل كل من الجوانب المعيارية والوصفية للمجتمع.

ثانيًا، تفكر الفلسفة الاجتماعية في المجتمع بوصفه بنية إجتماعية. ويمكن العثور في تاريخ الفلسفة الاجتماعية على مجموعة واسعة من المفاهيم الاجتماعية التي تدل على ذلك. لقد طورت المناهج في العصور القديمة والوسطى مفهومًا للمجتمع يتم فيه وضع النماذج لذلك المجتمع بالفعل في ذلك الوقت. لقد فهمت الفلسفة ما قبل سقراط المجتمع بوصفه نظام كوني. وفي المقابل، تم تفسير المجتمع في العصر الحديث بأعتباره علاقة سببية منظمة بطريقة آليًة جزئيًا؛ وقد سادت وعلى هذا الأساس صورة للمجتمع كسياق وظيفي متعدد الأبعاد لمدة مئة عام.

تتبع الاعتبارات التالية صور المجتمع هذه وتريد المساهمة في زيادة توضيح مفهومه.

لابد من الإشارة في البداية إلى محدّدين في الخطاب الحالي حول النظريات الاجتماعية: تركز بعض المناهج على المؤسسات أبتداءً، التي تُفهم على أنها أنظمة قواعد تنطوي على توجه نحو المتاثرين في الفعل وتؤكد على عنصر الأكراه الاجتماعي. لكن لا يكفي أن يُفهم المجتمع بوصفه بنية مؤسساتية فقط فهو عمليًة ديناميكية ايضا، ومثال ذلك الخطابات المشتتة التي لا يمكن فهمها على أنها ترتيب مؤسسي فقط. فتفسر المقاربات الأخرى المجتمع بوصفه قصدية جماعية كما الأنطولوجيا الإجتماعية عند جون سيرل، ولكن يفشل أن هذا المنظور أيضًا، لأنه يتجاهل البنى والمؤسسات التي تشكل المجتمعات، ولأنه يفهم العلاقات الاجتماعية على أنها فعل مقصود فقط وحصريًا.

ثالثًا، الفلسفة الاجتماعية هي كشف الجوانب المعيارية للمجتمع، وهذا هو سبب قربها من الأخلاق الاجتماعية. إنها لاتعكس أفعال الفرد بقدر ما تعكس تصرفات الجماعة أو المجتمع على هذا النحو. لذلك، تعود الفلسفة الاجتماعية إلى المقاييس المعيارية. ومع ذلك، لا يتعلق الأمر بتأسيس المبادئ المعيارية (كما في الأخلاق) أو تطبيق المبادئ المعيارية على المجالات الاجتماعية. إنها تريد وصف الأبعاد المعيارية للعمليات والبنى الاجتماعية وأن تفكر بشكل نقدي فيما يتعلق بآثارها الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية.

يظهر الاختلاف في التخصصات التي تريد وصف القضايا الاجتماعية من منظور وصفي في هذا السياق بالتحديد فقط. لذلك يصف راحيل جايجي وروبن سيليكاتيس المنظور الاجتماعي الفلسفي باستخدام مثال العمل كظاهرة اجتماعية: لا تطرح الفلسفة الاجتماعية السؤال عن كيفية تنظيم ظروف العمل المعاصرة أو كيفية ارتباط الأفراد (تجريبيًا) بعملهم فقط؛ لكنها تسأل من الناحية المفاهيمية والتقييمية عن العمل والظروف الاجتماعية التي شكلها في الواقع وكيف ينبغي أن يُبنى التنظيم الاجتماعي للعمل".

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................................

1-

 Robin Celikates, Critique As Social Practice: Critical Theory and Social Self-Understanding (Essex Studies in Contemporary Critical Theory) Rowman & Littlefield International. 2019, 8.

[2] أنظر: جان جاك روسو، خطاب في أصل التفاوت وفي اُسسه بين البشر، تر،بولس غانم، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت،2009.

[3] مصدر نفسه

 

 

علي محمد اليوسففي هامش صفحة 75 من كتاب التصوف البوذي والتحليل النفسي ورد "الانبساط – يعني به انفتاح الذات على العالم الخارجي - هو اتجاه اهتمامات الشخص صوب الخارج بدلا من التوجه صوب افكار الذات ومشاعرها، وهذا عكس الانطواء والانكباب على مشاكل الذات والتاملات الباطنية". طبعا العبارة ركيكة المعنى فلسفيا في فصل الذات عن الكينونة الانسانية الفاعلة لذا نقوم بضوء مغادرة الصياغة الخاطئة لها في طرح تساؤلات مثل هل الذات غير النفس وكلاهما غير الكينونة؟ وما الفرق بينهم؟ وهل الذات لا تعرف حقيقتها الا في الانفتاح على الخارج ولا أهمية لانكفاء الذات نحو الداخل لاجترار افكارها العقيمة!؟ هل الذات هي الشخص (كينونة الانسان) بكامله كما ورد في نص العبارة؟

أعتقد الاجابة المباشرة على تساؤلاتنا الفرعية عن أصل عبارة الاقتباس تحمل ازدواجا تداخليا ايضا حيث تكون الاجابة هي الطبعة الثانية من الاشكالية الواردة في التساؤل. بمعنى الاجابة المباشرة الاختزالية لا تحل اشكالية الالتباس التساؤلي الوارد. فأولا يبرز لدينا أن جميع مدركات الذات هي في نفس الوقت مدركات نفسية وعقلية ايضا. بمعنى وحدة الموضوع المدرك من الذات والنفس وما تدركه الذات تدركه النفس ولا مجال التفريق الاعتسافي بين ادراكين مختلفين افتراضا لموضوع واحد قائم انطولوجيا بمحدودية موجودية معينة.

إذن بماذا نميز بين ادراك الذات وادراك النفس؟ اذا نحن حاولنا الاجابة من منظور علم النفس الفرويدي تقليديا نجد النفس هو ماتحتويه من ادراكات استبطانية منكفئة نحو الداخل الاحاسيسي يتصدرها يقظة الضمير وتحفيزالعواطف والغرائز بانواعها المكبوتة نفسيا والمتاح اشباعها منها على السواء وفي بعضها رغائب غير متاح اشباعها.

بهذا المعنى تكون النفس تخارجيا داخليا إستبطانيا مع عالم داخلي لا تستطيع التعبير عنه باللغة. وخارج هذا الفضاء الذي يجمع النفس مع العالم الخارجي ليس هناك سوى فضاء الذات المنبسط المفتوح الذي يمكن التعبير عنه لغويا ليس في معرفته الموجودية التكوينية وحسب بل وفي معرفة الذات إدراكها لذاتيتها الحقيقية واستيعاب رغائب النفس ونوازعها. من خواص الذات الانسانية أنها تمتلك لغة التعبير عن مدركاتها من العالم الخارجي بخلاف ذلك لا تستطيع النفس ممارسة هذا الجدل مع الخارج بلغة تعبير لاتكون خاصية الذات قبل خاصية النفس التي لا تمتلكها.

أما الذات فهو حصيلة تراكم خبرة ما يشكله العالم الخارجي من ضغوطات ومؤثرات ومساحات تماس مادية وتقاطعات مع الذات لا يمكن للعقل تجاوزها في عدم إعطائه ردود افعال الذات المدركة لها.

الحقيقة أن معطيات ومدركات اشياء العالم الخارجي هي التي تعطي الذات قدرة التحكم الادراكية في مرجعية (العقل) لها وبغير هذا التداخل لا تعي الذات نفسها ولا تعي المحيط من حولها ولا تستوعب أحاسيس النفس في رغائبها. الذات هي جوهر الانسان المحوري لكنها لا تمثله بكينونته الموجودية كاملة.

إثبات وجود الذات الحقيقية العقل الذي هو مدركات المحيط الذي تدركه الذات وتعيه. بمعنى توكيد الذات ليس كما هو توكيد النفس، فالذات خاصّية عقلية مفكرة في موضوعات العالم الخارجي، بينما تكون النفس هي الاستبطان الادراكي الداخلي ايضا المتكون من خبرات موجودات العالم الخارجي في حالة الكبت والكمون بعدم الافصاح عن نفسه من دون تعالقه التعبيري اللغوي الصادر عن الذات لا بما ترغبه النفس بل بما ترغب الذات تمريره في تعبير تجريد اللغة عنه..

في حال فقدنا اثبات وجود الذات في تحققها الحقيقي لنفسها يعني هذا تجريدها من جميع الخصائص التكوينية الفاعلة فيها وكذلك المفصحة هي عنها. خصائص الذات الحقيقية في تاكيد وجودها الفاعل هي كما نراها :

- الذات جوهر عقلي يعلو مدركات العالم الخارجي التي تشكله على الدوام في تجديد مستمر. بمعنى واضح الذات هي مدركاتها لموجودات العالم الخارجي في وعيها الذاتي التجريدي ووعيها لنفسها.

الذات لا تشكل نفسها ذاتيا بل تشكلها مدركات العالم الخارجي التي لها الافضلية والاسبقية في بناء الذات الحقيقية . والعقل الانساني هو ذات متكونة من تجريد إدراكات العالم الخارجي أي قدرة العقل التوليدية للافكار لا تستطيع صنع ذات بمعزل عن مدركات المحيط في تشكيلها.لا يوجد ذات يخلقها العقل بغياب مدركات العالم الخارجي لها ولا من غير تفاعل تخارجي معها.

- الذات تستوعب النفس وتحتويها ولا قدرة للنفس تحقيق خاصيتها الانفرادية الافصاحية التعبيرية بمعزل عن خاصية تحقق رغائب الذات في التناغم المنسجم معها. تعبير الذات عن نفسها وعن مدركاتها هو اللغة المفصحة عن الوجود الخارجي. والنفس تكتسب خاصية التعبير عن احاسيسها الداخلية والخارجية بلغة صامتة فقط. النفس سلوك بالحياة وليس من مهامها القيام بمعرفة العالم قبل معرفة الذات العقلية له.

- الذات قابلية تفكيرية عقلية متخارجة مع عالم خارجي وعالم داخلي نفسي على السواء، والنفس تراكم خبرة تكوينية مكتسبة مجردة. والفرق بينهما هو في قدرة الذات التعبير اللغوي عن ذاتيتها ، في حين تعجز النفس منفردة تحقيق ذاتيتها منفصلة عن تعبير الذات مثلما تستطيع الذات تحقيقه بمعزل عن النفس. الذات خاصية لغوية بمعنى بمقدورها التعبير عن ذاتيتها وعن رغائب النفس التي لا تمتلك خاصية لغوية مستقلة تستطيع التعبير بها عن نفسها مستقلة عن مداخلة الذات بها.

- الذات إتجاه نحو الخارج دوما فهي متشكلة منه منفصلة عنه تجريدا معرفيا. وإتجاه الذات نحو الخارج لتاكيد خاصيتين اثنتين هما اثبات حقيقتها كذات واثبات خاصيتها في معرفة انطولوجيا العالم الخارجي الذي تشكلت منه وانفصلت عنه. وهاتين الخاصيتين لا ينفيان إرتباط الذات عضويا بالعقل ولا ينفيان مسؤولية الذات عن عالم النفس الداخلي أيضا..

اذا نحن أجملنا كل المفردات التكوينية الفلسفية في تشكيل الانسان كموجود نوعي التي مررنا عليها نصل الى حقيقة جامعة واحدة هي الانسان وجود مجازي غير عضوي حقيقي في خاصية إدراكه ومعرفته ذاته والعالم من حوله القائم كموضوع قائم على التجريد في كل شيء بالحياة له علاقة إرتباط به. بمعنى حتى الجسد المادي للانسان هو محسوس وجودي مادي لا يمكننا إدراكه بغير تجريد التعبير عنه وبغير تجريد تكويناته وملحقاته الاخرى بلغة الفكر المعبّر عنه تجريدا لغويا. بالاخير الانسان كائن مادي مفكر بتجريد اللغة عن نفسه.

العالمان الخارجي والداخلي

بحسب ما توصلنا له نصل أن فضاء الذات هو الخروج من الداخل التفكيري المجرد الى الخارج المعرفي في تأكيد ذاتيته ومعرفة علاقته الموجودية بغيره. الذات لا يشكلها ولا يكوّنها العقل كما ولا هي معطى فطري يحتازه الانسان بالولادة.

الذات حصيلة تكوين مؤثرات العالم الخارجي بخلق ذاتيتها الانسانية لا يمكنهما العالم الخارجي والذات الانفصال عن بعضهما فمعرفة أحدهما هي معرفة بدلالة الاخر. الذات هي عقل مدركات العالم الخارجي. ومن غير الذات لا يتشكل العالم الخارجي بنظام نستطيع ادراكه.

السؤال الجدير بالتوقف عنده لماذا تحتاج الذات الانفتاح على العالم الخارجي بغية معرفته في وقت هي (الذات) محصلة تلك التكوينات الخارجية التي ساهمت بخلقها.؟ ما تختزنه الذات من خبرات تراكمية نتيجة العلاقة الجدلية مع العالم الخارجي تحتاج نوع مغاير من التنمية المتجددة ولا يكون مصدرها سوى معرفة التغييرات الطارئة المستمرة في العالم الخارجي. توجد مسالة عالقة أود الاشارة لها هي ربط ثبات الاشياء المدركة بثبات إدراكها. وهو خطأ مزدوج بسبب أن الذات تتطور وتنبني بتاثير مدركاتها، والمدركات هي الاخرى تتغير بظروف طبيعية خارجة عنها وبتاثير تخارجي معها من الذات.

النفس هي ناتج حصيلة فهم الذات للعالم الخارجي. النفس في جميع افصاحاتها من السلوك الى الضمير الى العواطف الى الوجدان الى الاخلاق وهكذا هي خبرات تراكمية مكتسبة من الذات في مدركاتها العالم الخارجي والمحيط. النفس خارج بيولوجيا الجسم هي معرفة وسلوك وليست معرفة ابستمولوجية ناتج مجموعة شبكة اعصاب مرتبطة جميعها بمنظومة الادراك العقلية بصورة عضوية. الذات والنفس كلاهما تجريدان تصوريان في فهم ذاتيتهما الخاصة وفهم العالم عامة. النفس مفاهيم مجردة تداخلها الذات في كل الافصاحات والرغائب التي تنوي النفس إشباعها.

الذات وعلم النفس

يذهب البعض "حين يذهب العلم لمعاينة الذات يجدها تكون منتبهة لان تدفع الى الخارج ما هو في الداخل، وبهذا تجعل من نفسها غريبة عن نفسها، وكأن ماهو في الداخل لا ينتمي اليها، فهي تخشى ان تكون ذاتية"1 

من مزايا التفريق الذي اشرنا له في سطور سابقة بين الذات والنفس فرويديا، أن خاصية الذات الخارجية في وجوب فهمها العالم المحيط بها، وتكوّن النفس داخلية لا يتاح أمامها الانبساط الخارجي دونما وصاية ومداخلة الذات بها وتسييرها، بمعنى النفس لا تمتلك ارادة الافصاح ولا امكانية تحقق مثل هذا التوجه في التعبير التخارجي مع العالم الخارجي. النفس هي أحاسيس داخلية لاشباعات غريزيو يحتاجها الجسم كتكوين بايولوجي وليست احساسات خارجية لفهم العالم كما هي عليه الذات.

هنا بضوء هذا التداخل الالتباسي بين الذات كخاصية خارجية وبين النفس كخاصية داخلية فايهما يكون في مصطلح تفسير علم النفس إنفصاميا على نفسه؟ هنا يكون الانفصام بكليهما، فلا يمكننا إعتبار النفس منفصمة لا يشترط انفصاما شيزروفينيا مرضيا عن ذات تمتلك خصائص ثبات سلامتها الطبيعية، فالنفس هي تعبير ناقص عن ذات كاملة ولا معنى التفريق بينهما في وحدة تخارجهما الادراكي مع العالم الخارجي.

لو نحن لاحظنا خاصية الذات الانبساط الخارجي وليس خاصية الانكفاء الداخلي على عوالم اجترارية لا فائدة منها كما هي خاصية النفس المريضة، انما نكون وضعنا ما يعرف بالنفس الطبيعية حبيسة خاصية الاستبطان غير المؤثر بالذات كمعرفة وسلوك بالحياة تخارجيا جدليا. ومن المهم هنا العودة التاكيد على أن الذات حصيلة تشكلات خارجية والنفس حصيلة تشكلات ذاتية إستبطانية داخلية.

هذا الاندماج التداخلي بين النفس والذات سايكولوجيا معرفيا يضعنا امام تساؤل هل تتوقف معرفة ذاتيتنا الحقيقية بمعيار صحة مدركات الذات للاشياء أم عدم صحة الاشياء في وجودها الانطولوجي الخارجي؟ أي بصيغة نفس المعنى متى تكون الذات حقيقية ومتى تكون وهما زائفا غير حقيقي؟ هل هو الادراك الشائه الشبحي للاشياء أم وهمية تصور الذات موجودات الاشياء غير الطبيعية بما يضلل الادراك الذاتي لها؟

في هذه الاشكالية لا نتوفر على حل سوى بالعودة الى (الذات - العقل) كمعيار قياسي تحكيمي وليس كطرف في معادلة تحتاج تفكيك معرفي. بغير هذا المعيار نكون اوقعنا الذات وانفسنا بالازدواجية الانفصامية المرضية المشكوك فيها معرفة حقيقة الذات من انفصامها الادراكي الوعوي المريض للواقع عن فرق سلامتها السوية الطبيعية في ادراكها لذاتها والمحيط..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهامش:

1- التصوف البوذي والتحليل النفسي /د. ت. سوزوكي /ت: ثائر ديب/تقديم وفيق خنسة ص 76

 

 

فلسفةُ السلوك الإنساني هي التعبيرُ الوجودي عن حركةِ الفِعل الاجتماعي الظاهري، والتفسيرُ المركزي للوعي الذهني المُستتر. وبما أن حركة الإنسان في تاريخه الشخصي وتاريخ المجتمع، لا تتم بمعزل عن العلاقات الاجتماعية الخارجية والخصائصِ النَّفْسِيَّة الداخلية، فإنَّ هُويةً إنسانية جديدة ستنشأ بشكل مُستمر، وتتولَّد مِن ذاتها لاكتشاف ذاتها. وهذه الهُوية تَجمع بين تاريخ الإنسان وإنسانية التاريخ، من أجل فتحِ التاريخ الاجتماعي على أسئلة الوجود وتحدِّيات الواقع، وأيضًا، تَجمع بين الماهيَّة الاجتماعية والطبيعة النَّفْسية، مِن أجل توحيدِ الزمان والمكان، وبذلك يتجسَّد الإنسانُ في التاريخ رُوحًا ومعنى، ويتجسَّد التاريخُ في الإنسان نظامًا ومعرفةً. وهذه التبادليةُ تعني أن كُل صِفة إنسانية لها امتداد تاريخي عميق، ولَيست وليدةَ اللحظة الآنِيَّة، وأن كُل عامل تاريخي له جُذور اجتماعية راسخة، ولَيس مقطوعًا عن الوَعْي الإنساني بالزمن المفتوح (حركة الماضي والحاضر والمستقبل معًا بلا فواصل في مكان يتشكَّل باستمرار ويُعاد صناعته مَعْنًى ومَبنى).

2

الزمنُ المفتوح يهدف إلى مَنعِ تحوُّل التاريخ إلى فَخ، ومَنعِ تحوُّل العلاقات الاجتماعية إلى مِصْيَدة. والتاريخُ لَيس وقائع حدثت في الماضي وانتهت، وذهبت إلى طوايا النسيان. إن التاريخ وُجد ليبقى، وهو في حالة صَيرورة مُستمرة، وانتشار مُتواصل في كُل الجهات، وتكوُّن دائم على الصعيدين : الخَطِّي البسيط، والدائري المُركَّب. ومنطقُ التاريخ كامن وشديد التَّشَعُّب والتعقيد، ويَصعُب السيطرة عليه. والتاريخُ يتحرَّك وفق مسارات مُتوازية ومُتقاطعة، وكذلك يتحرَّك على شكل دوائر مُتشابكة.والتاريخُ لَيس شيئًا يأتي مِن الخَلْف، وإنما هو شيء نجده أمامنا. ومُشكلةُ الإنسان الواقع تحت ضغط التفاصيل اليومية أنَّه يَبحث عن التاريخ وراء ظَهْره لاستدعائه، في حين أن التاريخ _ فكرًا وعاطفةً _ موجود أمام أعْيُن الإنسان، ولا داعي لاستدعائه، لأنَّه حاضر بكُل تجلياته، والاستدعاء لا يكون إلا للغائب، والتاريخ لا يَغيب، ولا يستطيع الإنسانُ تَغْييبَه حتى لَوْ أرادَ ذلك. وفلسفةُ حُضور التاريخ لا تعني الحديثَ عن الماضي، أوْ ذِكْر إنجازات الآباء والأجداد، أو دراسة الأُمم الخالية والشعوب السابقة. هذه أشكال للتاريخ، ومُلامَسَة للسَّطْح الزمني العَرَضِيِّ، وجوهرُ التاريخِ مُتمركزٌ في أعماق الشُّعور وإدراكِ الذاكرة، ومُتجذِّرٌ في الوَعْي المُسيطر على السلوك الإنساني المكشوف (الفِعْل ورَد الفِعْل)، وراسخٌ في اللاوَعْي المُهيمن على التفاعل الإنساني المَكبوت (الأحلام والذكريات).

3

كَينونة التاريخ تتشكَّل في كِيان الإنسان اجتماعيًّا وقِيَمِيًّا. والإشكاليةُ في فلسفة الوعي بالتاريخ هي أن الحضارة الإنسانية تبحث عن التاريخ في جسد الزمن، ولا تبحث عن التاريخ في جسد الإنسان، لأنها تعتبر الزمن هو الحاضن للأحداث والوقائع، في حين أن الإنسان مُجرَّد كِيان واقع تحت تأثير عناصر البيئة المُحيطة وإفرازات الواقع المُعَاش. وهذه نظرة قاصرة، لأن الإنسان صانع للقرار، وفاعل للتاريخ، وعُنصر مُؤثِّر ومُتَأثِّر بالتغيُّرات الزمنية، والتحولات التاريخية، والانقلابات الفكرية، ولَيس صفحةً بَيضاء يَكتب التاريخُ عليها مسارَه، أوْ مُمَثِّلًا على مسرح التاريخ. إنَّ الإنسان تاريخ يتحرَّك ضِمن التاريخ، ولَيس رَقْمًا مِن الأرقام، أوْ حَدَثًا عابرًا في سِجِلَّات الحياة العَامَّة، أوْ وثيقةً هامشيَّةً في أرشيف الحياة الخَاصَّة. وكما أن الجينات الوراثية تُوجَد في كِيان الإنسان، ولا تُوجَد في كُتب الطِّب والبيولوجيا (عِلْم الأحياء)، كذلك الصفات التاريخية تُوجَد في كِيان الإنسان، ولا تُوجَد في كُتب التاريخ والجُغرافيا.

4

التاريخُ حياةٌ مُوازية تُعاش لحظةً بلحظة، وتكمن سُلطته المعرفية في قُدرته على تجسيد الأفكار الإنسانية، والتَّجَسُّد فيها لُغةً رمزيةً تبني العلاقات الاجتماعية على الصِّيَغ العقلانية، وقُوَّةً توليديةً للمعاني في سِياق إعادةِ تعريف الشُّعور وإعادةِ إنتاج الوَعْي، وبُعْدًا وُجوديًّا يَستطيع صناعةَ الدَّلالات الإبداعية في هوامش المجتمع المنسيَّة. وهذا الحراك على جميع الأصعدة يُؤَدِّي إلى اكتشافِ بُوصلة الزمن في خريطة المكان، وبناءِ خريطة المكان في تشكُّلاتِ المعرفة،وتفسيرِ طبيعة الأنظمة الفكرية التي تصهر الأشكالَ والمضامين في بَوتقة الوجود، وكُلَّما اقتربَ الإنسانُ مِن ماهيَّة الوجود، امتلكَ القُدرةَ والجُرأةَ على تفسيره، لَفْظًا ومعنى، تركيبًا وتَخييلًا، شكلًا ونَوْعًا، تنظيمًا وتوظيفًا، تكوينًا وتأطيرًا، شرعيةً ومشروعيةً.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

حاتم حميد محسنحين نتحدث بلغة معينة، نتفق على ان الكلمات هي رمز للأفكار والناس والأماكن والأحداث. اللغة التي يتعلمها الأطفال ترتبط بثقافتهم وما يحيط بهم. ولكن هل ان الكلمات ذاتها تشكّل الطريقة التي نفكر بها حول الأشياء؟ السايكولوجيون حقّقوا طويلا في السؤال عما اذا كانت اللغة تشكّل الأفكار والأفعال، ام ان أفكارنا وعقائدنا هي التي تصوغ لغتنا. باحثان هما ادوارد سابير Edward Sapir و بنيامين لي وورف Benjamin Lee Whorf حقّقا في هذه المسألة في الأربعينات من القرن الماضي. هما ارادا ان يفهما كيف يمكن لعادات اللغة لدى جماعة معينة ان تشجع أعضاء تلك الجماعة على تفسير اللغة بطريقة معينة (سابير، 1941، 1964). اقترح سابير و وورف ان اللغة تقرر الفكر. فمثلا، في بعض اللغات نجد هناك العديد من الكلمات المختلفة التي تعبّر عن الحب. لكن، في اللغة الانجليزية يتم استعمال كلمة حب واحدة (love) لكل انواع الحب. هل ان تأثير هذا على طريقة تفكيرنا حول الحب يعتمد على اللغة التي نتحدث بها (وورف، 1956)؟ الباحثون منذ ذلك الحين أشاروا الى ان هذه الرؤية هي تجريدية جدا، كونها تفتقر الى التجريبية في ما افترضه سابير وورف (البير، 2013، بورودتسكي، 2011). اليوم، يستمر السايكولوجيون في دراسة ونقاش العلاقة بين اللغة والفكر.

اللغة قد تؤثر حقا على الطريقة التي نفكر بها، وهي الفكرة المعروفة بالحتمية اللغوية linguistic determinism. احدى التجليات الحديثة لهذه الظاهرة تطلبت اختلافا بالطريقة التي يتحدث ويفكر بها الانجليزي والمانديريني الصيني حول الوقت. متحدثو الانجليزية يميلون للتحدث حول الوقت مستعملين عبارات تصف التغيير على امتداد بُعد افقي، مثلا، القول " انا اركض متأخرا عن الجدول الزمني" او " لا تفعل الأشياء بسرعة اكثر مما تتطلب". وبينما يصف متحدثو المانديرينية الصينية ايضا الوقت بعبارات افقية، لكنهم من الشائع ايضا يستعملون عبارات ترتبط بترتيبات عمودية. فمثلا، الماضي ربما يوصف كونه "أعلى" (up) والمستقبل كونه "أسفل"(down). ان هذه الاختلافات في اللغة تُترجم الى اختلافات بالآداء في اختبارات معرفية صُممت لقياس السرعة التي يستطيع بها الفرد تمييز العلاقات الزمنية. كان المتحدثون بالمانديرينية الصينية أسرع في تمييز العلاقات الزمنية بين الشهور. في الحقيقة، برودتسكي (2001) يرى هذه النتائج تشير الى ان "عادات اللغة تشجع عادات التفكير" (ص12).

ان اللغة لاتقرر كليا أفكارنا – افكارنا مرنة جدا – لكن الاستخدامات المعتادة للّغة يمكن ان تؤثر على عاداتنا في التفكير والفعل. فمثلا، بعض الممارسات اللغوية تبدو مرتبطة بالقيم الثقافية والمؤسسات الاجتماعية. إسقاط الضمير هو مثال جيد على ذلك. الضمائر مثل "انا" و "انت" تُستعمل بالانجليزية لتمثل المتكلم او المستمع للكلام . هذه الضمائر في الجملة الانجليزية، لا يمكن إسقاطها لو جرى استعمالها كفاعل في الجملة. لذا، مثلا، عبارة "انا ذهبت الى الفيلم الليلة الماضية" صحيحة، لكن "ذهبت الى الفيلم الليلة الماضية" عبارة ليست مألوفة في الانجليزية الشائعة. مع ذلك، في لغات اخرى مثل اليابانية، الضمائر يمكن إسقاطها من الجملة. اتضح ان الناس الذين يعيشون في هذه البلدان وحيثما يسقطون الضمائر فان لغاتهم تميل لإمتلاك قيم جمعية أكبر (مثل ولاء العمال لمدرائهم) من اولئك الذين يستخدمون لغات لا تُسقط الضمير مثل الانجليزية (kashima,1998). قيل ان الاشارة الواضحة لـ "انت" و "انا" ربما تذكّر المتكلمين بالفرق بين الذات والآخر، والى الاختلافات بين الافراد. مثل هذه الممارسة اللغوية قد تعمل كتذكير دائم بالقيمة الثقافية، والتي بدورها، تشجع الناس على اداء الممارسة اللغوية.

حاول عدد من الباحثين التحقيق في الكيفية التي تؤثر فيها اللغة على التفكير، فقارنوا بين الكيفية التي يتحدث ويفكر بها الناطقون بالانجليزية وشعب داني في غينيا الجديدة حول اللون. الدانيون لديهم كلمتين للّون: كلمة واحدة للخفيف وكلمة اخرى للمعتم. بالمقابل، اللغة الانجليزية فيها 11 كلمة للّون. الباحثون افترضوا ان عدد مفردات اللون قد تحدد الطرق التي يتصور بها شعب داني لـ اللون. غير ان الدانيين كانوا قادرين على تمييز الالوان بنفس القدرة كالمتكلمين بالانجليزية، رغم امتلاكهم لكلمات قليلة (Berlin&Kay,1969). وهناك مراجعة حديثة لبحث سعى لتقرير الكيفية التي تؤثر بها اللغة على ظاهرة الادراك الحسي ، خاصة في نصف الدماغ الأيسر – للتذكير ان الجانب الايسر مرتبط باللغة لدى معظم الناس. غير ان الجانب الايمن من الدماغ تكون فيه التأثيرات اللغوية على الادراك قليلة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفالادراك الصوفي

هل يختلف الادراك الحسّي الطبيعي للاشياء عن الادراك الصوفي الروحي - النفسي لها؟ أم الادراك خاصيّة الحواس فقط ولا علاقة للنفس والروح بها؟

 الاجابة على هذا التساؤل نرى وجوب التفريق بين المدخلات التالية:

- الطبيعة في صوفية الاديان التوحيدية تأتي في مرحلة متأخرة لاحقة ثانوية على مركزية صوفية التقرب من الخالق (الله) فيما يسمى الحلول أو التواصل الصوفي الروحي الانجذابي نحو النور الالهي. بخلافه نجد الطبيعة تحتل مركزا محوريا في المذاهب الصوفية الوثنية بخاصة صوفية الزن البوذية التي لا تتطلع نحو السماء بل دائما يكون نظرها على الطبيعة الروحانية في الاشياء التي تترجمها بمفهومها المادي الفعلي على ظاهرة (التقمص). أي الحلول الروحي في المادة تموضعا تكوينيا داخليا فيها. هنا الاستعارة المجازية في صوفية الزن تعني المقصود المجازي لمعنى الروح في ظاهرة الحلول التقمصي هو (الذات).

- مرتكز الحلول الصوفي في الاديان التوحيدية هو تسامي الذاتية في إعتلائها العالم الخارجي بالانفصال عنه ومحاولة البحث عبر مدارج العرفان والاحوال عن خالق هذا العالم والاقتراب الذاتي منه. وفي طموح لاحق أكثر تسعى تحقيق مايسمى الحلول الصوفي الاتحادي بالذات الالهية.

- مرتكز الحلول في الصوفية البوذية هو الطبيعة بما تمتلكه من كائنات وموجودات كل منها يمتلك خصائص تكاملية مع ادراك البوذي الصوفي الذاتي لها. من خلال التقمّص الصوفي بها ومن خلالها فلكي تعرف حقيقة تاثير الزهرة على النفس وعلاقتك بها عليك أن تكون أنت الزهرة كذات وتمارس من خلالها الدور الصوفي في الطبيعة معا في تبادل متداخل لاشعوري حسّيا مع موضوع الطبيعة المختار..

- الادراك الطبيعي للاشياء هو في إنتظام إلانطباعات التي مصدرها الاحساسات الناقلة لاستشعارات الحواس الى الذهن ومن ثم الى الدماغ. هنا الادراك الاحادي الجانب الذي تمتلكه الذات الانسانية والذي لا تمتلكه الخواص الخارجية للاشياء يكون إدراكا (خارجيا) في العلاقة بينهما.

بمعنى ادراك الذات الانسانية لمدركاتها خارجيا لا يموضع الذات تكوينيا في موضوع إدراكها حتى لو كان على صعيد تجريد اللغة التصوري الادراكي...إدراك الشيء حسيّا وليس صوفيا لا تعني معرفته ولا تعني الموضعة التكوينية فيه، في الزن الصوفي أن تدرك الشيء يعني أن تكونه أنت هو. أما إدراك الشيء طبيعيا غير صوفي فهو تجريد تصوري لغوي انفصاليا بين الذات وبين موضوع إدراكها. ومن المهم فك شفرة الالتباس في القول أن كل ادراكات العقل الحسية للاشياء هي ادراكات تجريدية تعبيرها اللغة.

- والذات خارج التصوف البوذي تدرك حقيقتها في عدم المجانسة النوعية مع موضوعها في الجوهر والماهية. بما يبقي العلاقة الذاتية الصوفية وغير الصوفية بالاشياء علاقة انفصالية ويختلفان في عدم المجانسة النوعية بينهما.( نقصد في عدم المجانسة النوعية بين الذات والموضوع هو الاختلاف بينهما بالماهية أو بالجوهر).

بخلاف صوفية الزن التي ترى معرفة الذات الحقيقية تتم في التموضع بالموجودات في العالم الخارجي وفي كائنات الطبيعة في تداخل تكويني تكاملي معها وليس في ادراك مادي خارجي يكون فيه كلا الجانبين الصوفي والشيء لا يلتقيان في مجانسة نوعية ماهوية كيفية واحدة.. هنا التقمّص الصوفي البوذي بالاشياء والطبيعة هو تموضع تكويني مع مدركات الذات.

وهذا النوع من التموضع يبقى مختلفا تجريديا في علاقة الادراك الانساني لموجودات الطبيعية التي يمارسها الشخص العادي لمعرفة عالمه الخارجي.أي يبقى تموضع الادراك الخارجي للاشياء محتفظا بذاتيته الانسانية المنفصلة عن موضوع ادراكها.

- هل هذا يقودنا الى إستنتاج خاطيء أن مذهب وحدة الوجود في الصوفية يتطابق تماما مع الحلول الزن الصوفي التقمصّي في الكائنات والاشياء؟ مذهب وحدة الوجود يرى حقيقة المعبود في الاعجاز الطبيعي بالاشياء  أنها تتمركز حول (الجوهر) المستمد من جوهر الخالق وكلاهما جوهر الذات الالهية الازلية وجوهر الذات المتموضعة في الاشياء كلاهما مدلولان لا يدركان عقليا لا في إتحادهما المزعوم ولا في إنفصالهما القائم إفتراضا ، ونقول إنفصالا إفتراضيا عندما نصطدم بحقيقة تساؤل أين برهان إثبات موجودية جواهر الاشياء فيها بدلالة الجوهر الازلي الخالق لها في توزيعه على موجودات ومخلوقات الطبيعة؟ لا يمكن الجزم القاطع أن وراء كل صفات خارجية لشيء هناك جوهر يحتجب وراءها لا نتمكن من إدراكه. كما أن علاقة صوفية مبدأ وحدة الوجود بالطبيعة هو علاقة الذات انفصاليا خارجيا عن مدركاتها بالطبيعة. وهو ما لا تأخذ به صوفية الزن في حلول الذات في ابسط الاشياء الموجودة بالطبيعة وتقمص التعبير في ادراك الذات لمدركها بحيث يغدو الموضوع هو الذات ولا تفريق بينهما.

- بناءا على ما تقدم اذا جاز لنا تمرير الذات هو الموضوع في الصوفية ولا فرق بينهما، اذن مالفرق بين الذات والموضوع ادراكيا طبيعيا وليس حلولا صوفيا؟ الفرق يكون في لغة التعبير فقط في إختلاف الحالتين فلغة التعبير الصوفي الذاتي عن الموضوع ليس هو نفسه تعبير اللغة التجريدية المنفصلة عن موضوعها والمنفصلة في تعبيرالذات عنه لغويا.

- وتبقى مسافة الانفصال بين الموجودات بدلالة جوهرها بعيدا جدا عن الفهم الصوفي في الزن الذي يرى إدراك حقيقة الاشياء في الطبيعة هو إدراك حقيقة الذات المدركة لها من خلال التموضع في تقمصها الوجودي في صفات الاشياء الطبيعية الخارجية. بمعنى هنا ذات الانسان الصوفي البوذي تصبح هي ذات الشيء الموجود في الطبيعة الذي يتقمصه الصوفي. أن تريد معرفة شيء بالطبيعة صوفيا كما في الزن عليك أن تكون ذلك الشيء هونفسه وتتكلم عنه كهوية تمثلك لا هوية تمثّل موضوع الحلول الصوفي..

اسبينوزا في مذهب وحدة الوجود – وقد اشرت لذلك في اكثر من مقال لي - يناقض جميع الفلسفات السابقة عليه واللاحقة عليه أن الجوهر يسبق الوجود والكينونة وبدلالة أسبقية الجوهر نفهم ثانوية الوجود. هذا الفهم ينسف الوجودية من جذورها في إيمانها الوجود أو الكينونة تسبق الجوهر فيها، والجوهر أو الماهية هو ليس معطى يكافيء الوجود بل الجوهر لاحق على اسبقية الوجود وبدلالة الوجود نفهم وجود الجوهر.

علما أنه منذ كانط في كتابه نقد العقل المحض وفلسفة الفينامينالوجيا (الظاهراتية) عند هوسرل وتبعتهما الوجودية خاصة عند سارتر وحتى الماركسية كفلسفة وليس ايديولوجيا اقتصاد سياسي ماركسي لم يحسموا مسألة أن تكون الموجودات بذاتها تحمل جوهرا يختلف عن الصفات الخارجية لها. باستثناء سارتر الذي قال الانسان يمتلك صفاتا خارجية هي غير جوهره الذي لا يمكننا إدراكه. ولي تفصيلات توضيحية لذلك في مقالات لي منشورة عن الماهية والجوهر. ولعل عبارة سارتر (حقيقة جوهر الانسان أنه بلا جوهر) جعلت من مفهوم سارتر لجوهر الانسان مثل بندول الساعة الذي يؤشر الوقت في الدلالة عليه لا في معرفة ما هو.**

- اما الادراك في صوفية الزن البوذية هو إدراك تداخلي غير إنفصالي متموضع تكوينيا داخليا بالاشياء ولا يترابط معها خارجيا بإنفصال تجريدي عنها. بمعنى صوفية الزن لا تعتبر هناك حواجز انفصالية تجعل من ذات الانسان خارج موجودات الطبيعة وإنما تعتبر الذات الانسانية جزءا من الطبيعة يعرف بدلالتها الوعي الادراكي للاشياء في حقيقتها وليس في معرفة الصفات الخارجية لها..

- الادراك التموضعي في الصوفية زن في موجودات الطبيعة تموضع احساس تبادلي في الشعورالنفسي أن الشيء المدرك ذاتيا هو الذات الانسانية في تموضعها المادي فيه وليس موضوعها الذي تتحدث عنه. هنا الذات الصوفية لا تجد حضورها الحقيقي بمعزل عن تموضعها الطبيعي في شيء.

بمعنى إدراك الشيء هو أن تكون أنت ذلك الشيء المدرك. في حين نحن ندرك الاشياء والطبيعة بمنظومة الاحساسات التي تبدا بالحواس وتنتهي بالدماغ في نوع من التجريد التصوري الخارجي المنفصل ادراكيا عن موضوعات ادراكنا الاشياء في وجودها الانطولوجي المادي الخارجي المستقل. في الزن الصوفية الذات هي الموضوع وبالعكس ايضا في إنعدام خاصيتي الانفصال الاتحادي بينهما اولا ،وفي إنعدام خاصية التفريق والاختلاف في لغة التعبير الصوفي بين الذات وموضوعها ثانيا..

الحقيقة الصوفية والعلم

صوفية الزن البوذية تذهب الى أن المعرفة الحقيقية للاشياء في وجودها الطبيعي ليس هو الحقيقة العلمية التي تحققها التجربة، بل الوجود الطبيعي يمنح الانسان طاقة صوفية فنية جمالية استيعابية في التلقي تجعل من المدركات المتحققة علميا طارئا على طبيعة تفكير الانسان الصافي النقي حيث تكون الآلة المصنوعة في العلم تفكيرا بديلا عن الانسان وعملا تطبيقيا يغني الانسان عن صرف طاقته الجسمانية ويعوّده الكسل والخمول والحركة الفاعلة بدل ما تقوم به الآلة وتعفيه من القيام بماهي تفعله له.. هنا تكون الآلة هي النموذج المصنوع للاستغناء عن الانسان كوجود فاعل يقود الآلة ولا تقوده هي.

البوذية تعلم جيدا معاداتها العلم خسارة ما بعدها خسارة أفدح منها لذا عّبرت عن رؤية فلسفية مغايرة تهادن جوهر العلم وتعاديه في تصنيعه الآلة التي سلبت الانسان مزاياه الحيوية في العمل والارادة والخلق الذاتي والطبيعية والنزوع الفطري في اهمية العواطف والوجدانات في الحياة وغيرها.

اللاوعي في صوفية الزن

" اللاوعي في زن هو الغامض والمجهول بلا شك. ولذا فهو غير علمي أو قبل علمي، ولكن هذا لا يعني أنه بعيد عن متناول وعينا أو شيء لا علاقة لنا به."1. اللاوعي حسب صوفية زن هو تداعيات اللاشعور الذي لا تتمكن الوسائل العلمية " تجارب علم النفس" وليس تجارب العلوم الطبيعية المختبرية. التمكن من تحديده فاللاوعي هو مرحلة (قبلية) علمية لكنه في حقيقته في متناول ادراكاتنا الطبيعة والاشياء بصورة سليمة طبيعية وليست صورة تداعيات لاشعورية غير منضبطة. لذا اللاوعي في زن "هو التدريب تدريبا خاصا لمعرفة الوعي " مثال ذلك "الطبيعة تشق طريقها غير واعية بذاتها ثم يخرج الانسان الواعي منها" 2. اللاوعي في زن هو الفطرة الطبيعية في دخول عالم المادة بوسائل الادراك الشعوري الذي يجعل من اللاوعي متراجعا أمام الوعي به. أما أن يكون اللاوعي هو قبل علمي كونه يصبح لدى الصوفي لا تحققه التجربة العلمية بل تحققه النفس الشعورية. وهذا الفهم لجميع حقائق علم النفس الفرويدي وتوابعه الاجتهادية لا يشير أبعد من تكرار تأكيد ما ذهبت الصوفية عليه، فاللاوعي تجريد لا يتحقق بوسائل علمية بالنسبة للصوفية لذا هو قبل علمي بمعنى استباق الفطرة الطبيعية فيه على علمية التجربة في معرفته. في جميع المذاهب الصوفية تقاس اهمية الانسان بمعرفته الطبيعية بالفطرية واللاشعورية وتبتعد جدا عن تحويل فهم الانسان للطبيعة يتحتم أن لا يتم بغير تصنيعها من قبله وحسب أهوائه وأمزجته.

والتصور العلمي الساذج هذا لمجرد إثبات حقيقة الانسان هو يقود الطبيعة ولا تقوده هي ولا سيطرة لها عليه. هذا التصور العلمي ساذج في تحديده علاقة الانسان بالطبيعة أنها لا زالت معركة انتصار الاقوى بينهما والحقيقة التي يتجاهلها الانسان العلمي الذي يؤمن بتصنيع الطبيعة كل الطبيعة من اجل خدمة الانسان انجزت لنا الاختلال البيئي والاحتباس الحراري ودرجة ارتفاع حرارة الارض. ان الانسان في جميع مراحل تطوره التاريخي الانثروبولوجي كان منقادا للطبيعة غير قائد لها لأن كل اشكال الحياة في الطبيعة هي علاقة التكيّف معها من أجل إدامة بقائه هو وليس من أجل بقاء الطبيعة..

القفزة الصوفية

 ربما من المرجح أن أول من استخدم تعبير القفزة النوعية في المجهول الايماني الديني هو سورين كيركارد حين إعتبر الانتقالة الايمانية الدينية بالخالق تبدأ بقفزة التخلص من صرامة العقل الى دخول معترك الايمان القلبي بما يحتويه من تكوينات مثل العاطفة، الضمير، حب الخير،والاخلاق وغيرها، ومن ثم تبلور مفهوم القفزة النوعية التطورية في تطبيقها على المسار التاريخي حيث أكد كيركارد أن المسار التاريخي بلا قفزات نوعية – اطلقت عليها الماركسية فيما بعد الطفرات النوعية – لا يمكنه التطورالنوعي في الانتقال من حالة الى حالة اخرى متقدمة عليها ما لم تتخلل مساره التقليدي طفرات تنقله من حالة إعتيادية رتيبة الى حالة اخرى نوعية متقدمة تطوريا عليها.

ما يحسب لهذا السبق لسورين كيركجورد أنه جاء متقدما على الفهم الهيجلي المثالي القريب منه جدا على صعيد التاريخ بعد قرون، ومتقدما ايضا على الفهم الماركسي الذي جعل ماركس من القفزة النوعية في مسار التاريخ تتم ماديا على ارض الواقع وليس على صعيد الايمان الديني القلبي المثالي الذي سبق وقال به سورين كيركجورد. ولقى صدى كبيرا لدى فيورباخ.

صوفية الزن تحاول تطبيق مفردة القفزة التطورية النوعية التي اورثتها للوجودية ومن بعدها الماركسية في تفسيرهما التطور التاريخي. كان لسورين كيركارد قصب السبق قبل هيجل والماركسية القول بالقفزة النوعية وبالتاكيد لم يستقيها كيركارد عن الصوفية البوذية وإن كانت المطابقة معها واردة تماما.

سورين كيركارد يعتبر رائد مخترع الجدل الديالكتيكي المثالي الديني قبل مثالية هيجل. وحينما اراد هيجل تطبيق الديالكتيك لم ياخذ باهمية الطفرة النوعية التي تحكم المادة والتاريخ كما فعل ماركس ومعه انجلز بل أخذ ما اطلق عليه الفكرة المطلقة العقلية. بعدها أنضج ماركس مفهوم الطفرة النوعية في الجدل المادي والتاريخي، حيث جرى تخليصها من النزعة المثالية. أكد كل من ماركس وانجلز أن القفزة النوعية في المادة وفي التاريخ إنما تتم داخل جدل نسقي يجمع بين متضادين توحدهما المجانسة الماهوية الواحدة.

من هذا العرض السريع نرى "القفزة الصوفية لا تعني انفصالا بالمعنى الفيزيقي للكلمة، ذلك أن الوعي هو في اتصال دائم مع اللاوعي دونما انقطاع "3

عندما ننظر مفهوم القفزة في اللاوعي الصوفي البوذي (زن) نجدها قفزة ضمن تجانس نوعي يرتبط بفهم الوعي على صعيد تفسير علم النفس المتحرر من ميتافيزيقا الاديان التوحيدية من جهة ، والمتحرر من أحكام المنهج المادي الجدلي من جهة اخرى. فهو نوع من النقلة النفسية التي لا تربطها علاقة مع مفهوم القفزة النوعية الدينية لا عند سورين كيركارد، ولا النقلة المادية كما هي عند ماركس.

لو نحن حاولنا المقاربة بين مفهوم القفزة الايمانية لدى كيركارد ونقلة صوفية الزن نجدهما متطابقان تماما رغم الاختلاف الديني بينهما. وتجمعهما المجانسة النوعية الواحدة على صعيد الماهية التي هي إن صح التعبير القفزة من عالم اللادين الى دخول عالم جوهر الدين. حتى وإن وجدنا القفزة النوعية تخرجها عن الانتظام النسقي الخاص بالدين.

صوفية الزن وفن الحياة

حسب مفهوم صوفية الزن فالانسان موجود (فني) يدرك الطبيعة ويحتويها بطاقته الابداعية الفنية التي تتكامل مع اعجاز الطبيعة الفني الجمالي. الانسان ليس موجودا ملقى لا يعرف حقيقة نفسه ولا يعرف حقيقة مصيره، كما ولا يعرف كيف يعيش الحياة بدون ملازمة تانيب هاجس التعاسة الذي يلازمه طيلة سني حياته. فالانسان مزودا بكل الطاقات والامكانات التي تمكنه من جعل حايته وعلاقته بالطبيعة لوحة فنية تنبض بالحياة والجمال والتفاؤل.

الوجود الفني بالحياة في مذهب صوفية الزن ليس معناه ان يكون كل انسان متخصصا في انتاجية نوع من الفنون التي ينجزها اصحاب المؤهلات الفنية من موسيقى ورقص وغناء ورسم ونحت وادب.. الزن ترى في الجمال والفن اسلوبا يعيش الانسان الحياة بعيدا عن التعاسة ولازمة منغصات الحياة له. ولا يتم ذلك الا بالعودة الى الطبيعة واستلهام المعاني الروحية منها وحدها.

*** عبارة سارتر (جوهر الانسان الحقيقي انه بلا جوهر) هي تعارض وجهة نظره ان الانسان يصنع ماهيته وجوهره بقواه الذاتي المستمدة من خبراته التراكمية المكتسبة من الحياة طيلة سني عمره من الولادة وحتى الممات. لكن كيف لنا تمرير هذا التناقض أن الانسان لا يمتلك جوهرا حقيقيا، سبق لي في مقالة منشورة لا يحضرني عنوانها عللت العبارة تعليلا صحيحا اذا ما أخذنا معنى العبارة ضمن اشتراطين فلسفيين اثنين، الاول ان الجوهر حسب فلسفة سارتر تصنيع ذاتي يلازم الانسان سني عمره إذن الجوهر هو ليس معطى ثابتا غير متغير يمكن الاستدلال عليه بل هو سيرورة من الانتقالات والتحولات في حياة الانسان الاستبطانية الداخلية لذا لا يمكننا الحكم على جوهر لا يتسم بالثبات معرفيا. السبب الثاني وايضا بدلالة فلسفة سارتر الانسان نزوة طارئة بكل حمولتها الوجودية المأزومة بالحياة والمصير التعس بنهاية الموت لم يكن هناك حاجة لوجودها لذا فالانسان في كلتا الحالتين بجوهر وبلا جوهر هو وجود لا معنى له.مما يبدو أن عبارة سارتر تنطوي على تهكمية واضحة تفتقد برهان تحققها جديّا بما يعنيه.

 

علي محمد اليوسف - الموصل

.................................

الهوامش

1- التصوف البوذي والتحليل النفسي /د.ت. سوزوكي/ ت: ثائر ديب/ تقديم وفيق خنسة ص 60

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه نفس الصفحة

 

علي رسول الربيعييبدو أننا نعتبر في العديد من السياقات أن سيادة القانون تمثل قيمة. ونعتقد أنها واحدة من أكثر القيم المألوفة والمركزية في الفكر السياسي الديمقراطي الليبرالي. لكن هل قيمة سيادة القانون مرتبطة حقًا بمحتوى القانون؟ خذ، على سبيل المثال، مطلب فولر "التوافق بين القاعدة المعلنة والعمل الرسمي". نعتقد أن التطبيق المنتظم والمتسق للقانون في سياق نظام عادل، ذو قيمة أخلاقية: يساعد، على سبيل المثال، في الحفاظ على القواعد كأساس منظم للحياة الاجتماعية، يجعل نتائج القرار الرسمي قابلة للتنبؤ، يقيد قدرة المسؤولين على إصدار قرارات تتشكل من التحيز الشخصي أو التحيز، ويضمن أنه ستم التعامل مع مثل هذه القضايا بالتساوي، وبالتالي تلبية متطلبات العدالة الشكلية. لكن هل نعتبر هذه السمات لسيادة القانون ذات قيمة أخلاقية إذا كانت تعمل في سياق نظام قمعي؟ هل نريد أن نرى قواعد غير عادلة مطبقة باستمرار، على سبيل المثال؟ أم أنه من الأفضل أن يحاول القضاة في نظام جائر تحريف وتعطيل تطبيق القانون كلما أمكن ذلك لضمان نجاح أكبر عدد ممكن من المواطنين في التهرب من الإكراهات الظالمة للطاغية الحاكم؟

بمجرد أن نفكر في أمثلة من هذا النوع، يمكننا أن نرى سبب رغبة بعض المنظرين القانونيين في إنكار أن يكون لسيادة القانون قيمة جوهرية، مع إسناد قيمة مشروطة إليها (تعتمد على محتوى القانون) في أحسن الأحوال فقط.

يتفاعل بعض فقهاء القانون مع هذه المشكلة بالسعي إلى إسناد محتوى أكثر ثراءً لسيادة القانون: يزعمون، على سبيل المثال، أن سيادة القانون لا تقتصر على الاعتبارات الشكلية والإجرائية التي حددتها مبادئ فولر الثمانية، ولكنها تتضمن اهتمامًا بـ حقوق الإنسان الأساسية، أو القيود الموضوعية الأخرى على محتوى القانون. يساعد هذا الخط  من المحاججة  في الحفاظ على الادعاء بأن سيادة القانون ذات قيمة جوهرية، لكنها تفعل ذلك بتكلفة معينة فقط. فكلما أضفنا محتوى ثريًا إلى مفهومنا لسيادة القانون، كلما بدا أن الفكرة متأصلة في مفهوم القانون على هذا النحو. بعبارة أخرى، من المرجح أن يتفاعل القانونيون الوضعيون بالقول إننا نرحب بتسمية مجموعة من حقوق الإنسان "سيادة القانون" إذا أردنا: ولكن تختلف هذه القيمة تمامًا عن مفهوم القانون الذي يخضع للتحقيق في المقام الأول في فلسفة التشريع وفقه القانون . إذا أردنا أن نؤسس تحليلنا لسيادة القانون على مفهوم طبيعة القانون، فنحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على إبراز أن القوانين والأنظمة القانونية تعتبر على هذا النحو من خلال درجة تقاربها مع المثل الأعلى لسيادة القانون. بعبارة أخرى، نحتاج إلى أن نكون قادرين على إظهار أن المثل الأعلى لـ "سيادة القانون" هو النموذج الأصلي الذي يبني مفهومنا عن "القانون"؛ وسيزداد هذا صعوبة كلما قدمنا ​​المزيد من المحتوى لـ "سيادة القانون".

يتبع صعوبة أخرى ذات صلة. كلما انفصل مفهومنا عن "سيادة القانون" عن مفهومنا العام "للقانون"، سيبدو قرارنا أكثر تعسفًا لإعطاء هذا المحتوى أو ذاك لفكرة "سيادة القانون". سيتمكن النقاد من القول بشكل معقول إننا نخلط القيم المختلفة التي يجب ان تكون متمايزة ومنفصلة، من خلال بناء كل الأشياء الخيرة (مثل العدالة وحقوق الإنسان) في مفهومنا لسيادة القانون. ولكن يمكن القول إن هذا يهدف إلى طمس الأهمية المميزة لسيادة القانون وتعريضها للخطر، بدلاً من تحديد دورها الخاص بدقة في بيئة قيمنا المختلفة.

إذا أردنا تقييم حجة فولر، يجب أن نسأل ما إذا كانت سيادة القانون ذات قيمة جوهرية. لكنلا أن نبسط المهمة  من خلال تضمين مفهومنا لسيادة القانون قدرًا كبيرًا من المحتوى غير الموجود بشكل واضح عند فولر.[1]

لا أعتقد أن فولر قد حل المشكلة التي وضعها بنفسه بشكل مرضٍ. إلا أن حججه المتنوعة، على الرغم من كونها مثيرة للاهتمام وموحية، لم تنجح حقًا في إثبات أن الامتثال للمتطلبات الثمانية له قيمة أخلاقية جوهرية. ومع ذلك، أعتقد أنه من الممكن الدفاع عن رأيه ، حتى لو لم يتطرق هو نفسه إلى الحجة الحاسمة.

سيتمتع المواطنون، إلى الحد الذي يتم فيه الامتثال للمتطلبات الثمانية، بمجالات معينة من السلوك الاختياري يواجهون من خلالها مجموعة من مسارات العمل المسموح بها. هذا لأنه، إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن يكون من الممكن الامتثال للقواعد التي تؤثر على سلوكهم: لا يمكن للمرء أن يكون لديه مجموعة من القواعد التي تلغي فرص الاختيار تمامًا، مع إمكانية الامتثال لها. علاوة على ذلك، فإن أي حكومة تسعى إلى تحقيق أهدافها ستحتاج إلى الاحتفاظ باحتكار استخدام القوة القسرية، إلى حد حظر استخدام القوة من قبل المواطن ضد المواطن. ونتيجة لذلك، سيتمتع المواطنون، إلى الحد الذي يتم فيه استيفاء المتطلبات الثمانية، بمجالات السلوك الاختياري التي يتمتعون فيها بدرجة معينة من الحماية ضد التدخل القسري للمواطنين الآخرين. دعونا نسمي هذه "مجالات الحرية".[2] قد تكون مجالات الحرية هذه واسعة إلى حد ما: وهذا يعتمد على محتوى القانون. ربما يقيد القانون حريتنا بشدة. وبالتالي، قد يكون هناك شك فيما إذا كان من الممكن الدفاع حقًا عن القيمة الجوهرية لسيادة القانون من حيث بعض الارتباطات المفترضة بالحرية. يمكن للمرء أن يقول، إذا كان القانون يمنحني حرية واسعة، أو قد يقيد حريتي أيضًا بشدة، فإن أي روابط بين القانون وقيمة الحرية تكون مشروطة.

يستخدم مثل هذا الاعتراض فهمًا ضيقًا للغاية ومبسطًا للحرية. وهو يفترض أن الحرية تكمن في مدى وعدد الخيارات المتاحة، وتخلص إلى أن هذا النطاق والعدد يقعان تحت رحمة محتوى القانون. لكن لا يعالج هذا سوى جانب واحد من جوانب الحرية، وهناك جوانب أخرى لا تقل أهمية عن تلك الفكرة الغنية والخصبة.

ما الفرق بين العبد والحر؟ لا يكمن الاختلاف في عدد ومدى الخيارات المتاحة لهم. لأنه من الممكن أن يكلف السيد العبد بواجبات قليلة ليقوم بها، أونادرًا ما يتدخل في سلوكه؛ في حين أنه من الممكن أيضًا أن يجد الرجل الحر نفسه محاصرًا بواجبات مقيدة من جميع الجوانب. ومع ذلك، لا نريد أن نقول إن العلاقة بين العبودية والافتقار إلى الحرية مشروطة بحتة، وتعتمد على الظروف، لأن العبودية هي ذروة الافتقار إلى الحرية. الفرق بين العبد  والحر هو أن الخيارات المتاحة للعبد تعتمد بالكامل على إرادة سيده، في حين أن الخيارات المتاحة الحر ليست كذلك.

هذه هي قيمة سيادة القانون: إنها جانب من جوانب الحرية يمكن أن نطلق عليها "الحرية كاستقلال عن سلطة الآخر". يتمتع الفرد، إلى الحد الذي يخضع فيه المرء لسيادة القانون (يُفهم من حيث مبادئ فولر الثمانية)، بمجالات معينة من السلوك الاختياري المحمي والمستقل عن إرادة أي شخص، ويعتمد على محتوى القانون فقط.

"ولكن ألا تعتمد هذه الخيارات على إرادة المشرع؟" نعم. ولكن علينا أن نتذكر أنه، إلى الحد الذي يتم فيه مراعاة التعاليم الثمانية، لا يمكن أن تكون هناك قوانين بأثر رجعي. وبالتالي، فنحن نستمتع في أي وقت بمجالات الحرية الملزمة للمشرع. يمكن للمشرع بالفعل أن يسلب مجالات الحرية المحددة هذه للمستقبل (على الرغم من أنه لا يمكن تغيير القوانين بوتيرة كبيرة ، إذا كان لابد من تلبية المتطلبات الثمانية) ولكني سنستمر في التمتع ببعض المجالات التي ستلزم المشرع والجميع آخر.

قد يُعتقد أن هذه القيمة ضعيفة بشكل مخيب للآمال وغير جوهرية. فمجرد القول أن "الحرية كاستقلال عن قوة الآخر" لا تمنحنا كل ما نريد: فهي، على سبيل المثال، لا تمنحنا القانون، ولا تمنحنا  تلك الحرية الواسعة. لكنها تعطينا جانبًا أساسيًا من جوانب الحرية، وجانبًا لا يمكن أن يتم تأمينه بأي طريقة أخرى، داخل المجتمع البشري . وهكذا يمكننا القول إن سيادة القانون تمثل مجموعة الشروط التي بموجبها يمكن ضمان الحرية كاستقلالية في سياق الارتباط بالآخرين. هذه هي القيمة الجوهرية لسيادة القانون.

قد يتساءل شخص الآن ما عما إذا كان التنفيذ المنتظم للقواعد المستقبلية المنشورة يظل ذا قيمة حتى عندما تسعى القواعد المعنية إلى ارتكاب مظالم جسيمة حقًا. قد يكون أحد الاحتمالات هو ألم الرصاصة والإصرار على ذلك، على الرغم من أن فضائلها الأخلاقية تتفوق بشكل كبير على المطالب التعويضية الفورية للعدالة. ومع ذلك، أن قيم العدالة والشرعية تقف في علاقة معقدة نوعًا ما مع بعضها البعض. إنها في الواقع قيم مستقلة وتتنافس في كثير من الأحيان، وفي بعض الأحيان  لكي ينفذ القاضي عدالة  موضوعية جوهرية  عليه أن ينتهك متطلبات الشرعية، على سبيل المثال. وعلى الرغم من ذلك ، فإن القيمتين من النوع الذي لا يمكن إطلاقهما بالكامل إلا بالتزامن. ومع ذلك ، على الرغم من ذلك ، فإن هاتين القيمتين كذلك أنه لا يمكن تحقيقهما بالكامل إلا بالتزامن. تشكل العدالة بهذا المعنى ، وإلى هذا الحد ، جزءًا من النموذج الأصلي للشرعية عندما تُفهم تمامًا.[3] وبالتالي، سيكون ممكنا لنا أن نستنتج أن الانحرافات المتطرفة حقًا عن العدالة قد تسرق تشريعاتها من شرعيتها.[4] لن يؤدي هذا إلى القضاء على الصراع المحتمل بين العدالة والشرعية، ولكنه سيزيل من المشهد الأخلاقي المواقف التي يبدو فيها الصراع أكثر تطرفاً.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Simmonds, N. E., Law as a Moral Idea, (OUP Oxford; 2007), Ch 5.

[2] Simmonds, Law as a Moral Idea, pp.99-109.

[3] Simmonds, Law as a Moral Idea, Ch.6.

[4] أنظر:

Alexy, A. The Argument from Injustice.

 

 

التحولات الرمزية في اللغة تمنح العلاقاتِ الاجتماعية القُدرةَ على إعادة صياغة إفرازات العقل الجمعي. وإعادةُ الصياغة تعني توليد نظام معرفي يُوظِّف عناصرَ الفِعل الاجتماعي في سياق التحولات الشعورية للفرد والجماعة، ويُوازن بين التفاعليةِ الذاتية (صورة الذات في مِرآة الذات) والهُويةِ المُجتمعية (شرعية المجتمع في عملية توحيد الذات والموضوع). وتَصَوُّرُ الفردِ عن نَفْسِه يُحدِّد طبيعةَ التعامل معَ مُجتمعه، أي إنَّ الفرد ينتقل من شُعوره الوجداني الشخصي إلى شخصية المجتمع الذي ينتمي إلَيه، وهذا الانتقال ضروري لتكريسِ الخلاص الجماعي في السلوك الإنساني، وتجذيرِ المشاعر الفردية الجُزئية لإنقاذ الكُل المُجتمعي. وإذا نجح العقلُ الجمعي في تطهير المجتمع من ثنائية (الاستغلال / الابتزاز)، استغلال الفرد للمجتمع كرافعة للأحلام الشخصية، ووسيلة لتحقيق الخلاص الفردي، والهروبِ من المسؤوليات والتحديات، وابتزاز المجتمع للفرد من أجل تحويله إلى آلةٍ بلا رُوح، ومُجرَّد رَقْم مَنسي في أرشيف التغيرات الاجتماعية، فعندئذ ستتحوَّل أُطُرُ البناء الاجتماعي إلى تيارات ثقافية ديناميكية، تقوم على الحركة الفكرية والنشاط العقلاني والحيوية الواقعية من أجل تحقيق التكامل والانسجام بين الفرد والمجتمع، وهذا يَحمي الفردَ مِن التحوُّل إلى كَبش فِداء، ويحمي المجتمعَ مِن التحوُّل إلى خشبة مَذبح . والعلاقاتُ الاجتماعية لا تقوم على حسابِ أعداد الضحايا، وتحويلِ الضحايا إلى أرقام، وتأسيسِ ظواهر حياتية قائمة على المُتاجرة بالتضحيات، وإنما تقوم على بناءِ المفاهيم الأخلاقية وتطبيقها على أرض الواقع، وبناءِ المعنى الوجودي المُتماسك، والمُتَّصِل بتوحيد الزمان والمكان، وعدم الفصل بين التاريخ والجُغرافيا . والوجودُ الإنساني ينبعث في الماضي والحاضر والمُستقبل بشكل تزامني، لأن القوة الذهنية لا توجد فيها فواصل زمنية ولا حُدود مكانية، وهذا هو سِر أهمية الخَيَال، لذلك كانَ الخيالُ أهم مِن المعرفة، وهو أساس الفكر الإنساني، والطريق إلى الإبداع. والطريقُ أهم من الغاية، لأن الغاية معروفة، لكن كيفية الوصول إلَيها غير معروفة . ووظيفةُ البُنى الاجتماعية ليست البحثَ عن الغاية، وإنما البحث عن الطريق إلَيها . ومَن وَجَدَ الطريقَ الصحيح سيصل إلى غايته مَهما كان بطيئًا . وبِقَدْر ما يُؤَثِّر الفردُ في الزمان والمكان، يتأثَّر بهما نَصًّا ورُوحًا . والتأثُّرُ النَّصِّي ينبع من إشارات اللغة ورموزها والآليات المعرفية التي ينتهجها الخِطَابُ الاجتماعي، والتأثُّرُ الروحي ينبع مِن الدَّلالات المعنوية التي تتمركز في أعماق الأفكار العابرة للتجنيس بسبب تحرُّرها من القوالب الجاهزة والأنماط المُعَدَّة مُسْبَقًا .

2

يَنبغي النظر إلى العلاقات الاجتماعية من داخلها لا خارجها، لأنَّ الدَّاخل يشتمل على الجوهر الإنساني والبراءة الأصلية والفِطْرة النَّقِيَّة، أمَّا الخارج فهو خليط من الأضداد، ومزيج من الأهواء الذاتية والمصالح الشخصية، وكَومة من التناقضات المُشتملة على الحق والباطل، والصواب الخطأ، بسبب التأثُّر بإفرازاتِ البيئة المُحيطة، وضُغوطاتِ الواقع المُعاش، ومُشكلاتِ الحياة اليومية . وهذا التلوث الاجتماعي لا يمكن تنقيته إلا بتفعيل مركزية الخَيَال ورمزية اللغة، وإيجاد مكان لهما في جُذور الهُوية الثقافية للمجتمع بعيدًا عن إفرازات النظام الاستهلاكي، لأن الثقافة وَحْدَها هي القادرة على احتضان الخيال واللغة، وتوظيفهما في مُستويات التفاعل الإنساني، والقِيَمِ المِعيارية المُنعكسة عن طريقةِ تفكير الأفراد، وطبيعةِ مُكوِّنات الظواهر الاجتماعية، التي تربط بين شُعور الفرد بأهميته وتجربته الوجودية في أنساق المجتمع . ومركزيةُ القِيَم تستمد سُلطتها الاعتبارية من اتصال الأفراد بالأشياء، وتفاعلهم معها، لذلك كانت الأحكامُ في المجتمع نابعةً من تأثير الأفراد في الأشياء وتأثُّرهم بها . وكما أنَّ الخِبرة الحياتية لا تنفصل عن تجارب الفرد المعنوية والمادية، كذلك القِيَم الإنسانية لا تنفصل عن المنظورِ اللغوي، والتَّصَوُّرِ الفكري، والمَدلولِ العاطفي .

3

التأثيراتُ المعرفية المُتبادلة في أنساق المجتمع تَؤُول إلى أشكال إبداعية ومفاهيم تعبيرية، تَزرع الخَيَالَ في الفِعل الاجتماعي كَكَائن عُضوي، وتزرع اللغةَ في السلوك الإنساني كَكِيان وُجودي، مِمَّا يُؤَدِّي إلى إنتاج مناهج عقلانية تستطيع رؤيةَ الحقائق الاجتماعية مِن كُل الزوايا، وتكوينَ تفسيرات منطقية للصراعات الذاتية والأحداث الواقعية، والوُصولَ إلى مصادر المعرفة القادرة على تفكيك معاني الأشياء وإعادة تركيبها ضِمن نظام القِيَم الثقافية . وبما أن الثقافة نِيَّة مُبَيَّتة ووَعْي معرفي وفِعْل قَصْدِي لا تِلقائي، فإنَّ القِيَم الثقافية القادرة على إنقاذ المجتمع مِن مأزقه الوجودي، ستكون نابعةً مِن الإرادةِ الواعية، والإدراكِ الحِسِّي (المَلموس)، والدافعيةِ المعنوية (غَير المَلموسة) . وبالتالي، ينتقل المعنى الإنساني مِن الغَيبوبة الاجتماعية إلى الفاعلية الحياتية .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

حاتم حميد محسنجسّدت الآلهة، والنصب الفنية للآلهة التي تزيّن كاتدرائية  أثينا خلال القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد الرؤية المقبولة عن ماهية الجمال آنذاك. للوصول الى أي مكان في المجتمع الأثني كان يتطلب ليس فقط اسما جيدا وذكاءً وانما ايضا جاذبية جسدية . كان الاعتقاد السائد على نطاق واسع هو ان الجمال والخيرية يسيران جنبا الى جنب.

الافتراض بأن الجمال هو (اللياقة البدنية)  وان الخير والجمال  متلازمان جرى رفضه من قبل كل من ارسطو وسقراط. ارسطو قال أن " الشيء الخيّر دائما ينطوي على الفعل كموضوع له،بينما الجميل يوجد ايضا في الاشياء العديمة الحركة". الجمال طبقا لارسطو يمكن ان يوجد في الفعل والسكون على حد سواء، بينما الخير او الجيد يوجد فقط في الفعل.  سقراط يوافق على هذا ويقترح فكرة ان الجمال لم يوجد فقط في شيء يمنح السرور لأن السرور يمكن الحصول عليه  من الخير ايضا.

سقراط كان مقتنعا بأن الجمال الجسدي لا يمكن الوثوق به. فمثلا، الرجل القبيح الشريرالذي يلبس ملابس ثرية وجميلة ربما يبدو جذابا للعين لكن الملابس تخفي "الجمال" الحقيقي للشخصية. في تحليله للفن يجسّد ارسطو الرؤية بان هدف اللوحة هو ان تعطي فقط متعة مرئية مباشرة ولذلك كانت رغم جاذبيتها للعين،ليست جمالا حقيقيا. طبقا لأرسطو الجمال هو أعلى من المفيد والضروري. هو يرى ان المهارات المفيدة مثل القراءة والكتابة والرسم تسمح للمرء للإحساس بالجمال لكنها ليست جميلة بذاتها. وان الأشياء المساعدة في هذا،مثل الكتاب او القلم هي ليست جميلة في ذاتها  وانما هي تقود للعثور على الجمال. مقابل هذا يستعمل سقراط فائدة الاشياء في تعريف وترسيخ جمالها. فمثلا،الشجرة الكثيفة الأوراق هي جميلة ليس بسبب جاذبية الأوراق الخضراء او البراعم وانما بسبب انها تعطي الظل الى كل من يجلس تحتها. الوقاء الذهبي هو قبيح لأنه لايعمل جيدا كوقاء. سقراط يرفض فكرة ان شيء ما جميل لأنه يعمل جيدا، لأن الاشياء الشريرة رغم انها تعمل جيدا لكنها تبقى ليست اكثر من شريرة.

كل من الفيلسوفين وجدا الجمال في الرياضيات والعلوم . ارسطو قال ان "الهدف الرئيسي للجمال هو النظام والتناسق والوضوح" وادّعى ان العلوم أثبتت هذا في كل مكان . هو وجد جمالا كبيرا في "النسبة الذهبية" او الوسط الذهبي والتي هي صيغة رياضية موجودة في كل انحاء الطبيعة، مثل نمو الاصداف وجسم الانسان. سقراط جادل بان هناك بعض الاشياء الجميلة جميلة بفعل طبيعتها فقط. "الخط المستقيم والدائرة والأشكال المستوية والأجسام الثلاثية الأبعاد المتكونة من تلك باستخدام المقاييس  والمسطرة ونماذج الزوايا". هذه كما يقول ليست نسبية وانما هي دائما جميلة. انها تعطي المتعة، ولكن ليس كمتعة الشطب او الحك. انها ثابتة.

 

حاتم حميد محسن

سامي عبد العالدون منازع باتت (الصورةُ) ظاهرةً مؤثرةً عبر العالم الافتراضي، ومثلَّت في حد ذاتها (قيمة رمزية) تجتذب مزيداً من الأنظار، وتطلق أثيراً مكثقاً من الأغواء (الظهور- التجلي – الجاذبية – الفضول- التضمين- الفعل)، حتى أنّه بإمكانها (في ميدان السياسة) تحريك الجُموع بفضل (الصدى البصري) القابل للتردد والإستعادة بحجم الواقع. لأن الصورة في لحظة المشاهدة تسرق (العين) طاغية على كافة الجوانب الأخرى. فهي تعطى ما تجسد كافة الإنتباه والتأثير كأنه لا يوجد شيءٌ سواها.

وضمن هذا الإتجاه (لو نتذكر كما سأحلل تباعاً)، اعتمدت أحداث الربيع العربي (وهكذا تفعل كل الأحداث والأفعال السياسية) على تجليات الصورة وآثارها البعيدة. فلكّمْ مَثّل الحراكُ الشعبي آنذاك عملاً فنياً (تلفزيونياً وافتراضياً) كنّا نتعلق بمتابعته يومياً لأوقاتٍ طويلةٍ. ذلك بأثر المعاني (كرسائل خطابية ونصية مُوقّعَةٍ) على الهواء مباشرةً خلال بثِ المَشَاهِد من جميع الأطراف. كانت الشاشات والأسطح الافتراضية هي كل الواقع لا غير، حلبةَ الحياة الغاصة بالحركة والقابلة للأفعال وردود الأفعال على صعيد السياسة. وانتبهت إليها جماهير الكرة الأرضية على خريطة العالم متعلقة بتقلباتها المتسارعة. الصورة في حمأة الأحداث كانت فكرة وسلاحاً، وسيلة وغاية، استراتيجية ورصيداً للمعنى.

تقديم

"رأسمالية الكاميراً" capitalism of camera هي عبارة عن مجموعة القيم الرمزية التي تكمن في عمل الكاميرا. بدءاً من قدرتها الكاشفة بالتصوير وزوايا الرؤية، أي وضع الموضوع في حالة انكشاف كمعطى مهم، وليس انتهاء بأهمية الصور بوصفها عملية توثيقية وما يترتب عليها من معان إجرائيةٍ وحقوقية وقانونية واجتماعية وسياسية بالطبع. ونظراً لأنَّ الكاميرا (عين ثالثة) لحاملها، فهي مجانية اللحظة بلا مقابل وقوية التأثير دون حدود، وبخاصة مع وجود الصور في العالم الإفتراضي. ولذلك تحمل الصورة إغواءها الخاص مثل النقود والأرصدة العينية والمادية والمقتنيات النفيسة تماماً. وفي سياق الأحداث الثورية (بفضل الفعل العام) كانت الكاميرا مرجعاً أعطى صكاً لتصوير أي شيء واستعماله في أغراض إعلامية وحركية سياسية. بجانب ذلك منحت الثوار والمهمشين ملكية فعلية لحقوق الإدلاء بآراء معينة أو تجاوز الحدود تجاه المجالات العامة.

ظهر ذلك جلياً مع الأبعاد الأيديولوجية والثورية التي تنازعت المواقف والخطابات مع حركة الشارع في غير دولةٍ عربيةٍ. ولاسيما مع تغطيات الإعلام والوسائط الافتراضية التي سمحت لبعض القوى الإقليمية والدولية بالتدخل في توجيه الجموع أو لرسم صورة معينةٍ لها ارتباطاً بمصالحها وتأثيرها على الأرض. حاولت الفضائيات (صناعة الصورة)، حيث أدركت أهميتها القصوى، ليس أمام عيون العالم المنتظرة بشغف: ماذا سيحدث من تحولات سياسية؟، بل كان ذلك إزاء حواس ورغبات الفاعلين الثوريين والمتظاهرين أنفسهم. صناعة الصورة هي القوة النافذة التي تمثل أبرز أساليب (التدخل عن بعد)، هي استراتيجية الحرب الناعمة التي تقطع وتحسم الصراعات دون أثر مادي ملحوظ.

أثناء أحداث الربيع العربي، كانت اللقطات المتلفزة أو الديجيتال (كبسُولات بصريةً) تذهب إلى حواس المُتابع وإدراكاته في وقت واحدٍ. وهي ضمن المجال العام، تُسيِّسُ (نمطَ الرؤيةِ) الخارج لتوه من التغطية الإعلامية داخل وسيطٍ تقني جذّاب. فلا يُؤثر أيُّ عمل سياسي دون وسائط تُخْضِعه لمنطقها، جاعلةً المتلقي جزءاً من (حدوث) الحدث، حيث تتوالى تداعياته مع تفاعلها إزاء الواقع بمجمل أبعاده. بل كانت الأفعال السياسية والتظاهرات نفسها (نصوصاً مرئيةً)، تحمل (مع سياق أو غيره) معرفةً ودلالةً وقدرات على كتابة شفافة عبر اللاوعي، هي تحديداً كانت تشحن لا وعي المتلقي بما يجب اتخاذه من مواقف (مع أو ضد) الأحداث وخلفياتها السياسية.

تُرىَ .. كيف نقرأ (الاقتصاد السياسي) المنقُوش في جوانب المشاهد والصور؟ هل سنكمل نصّها السيميائي من خلفياتنا الثقافية؟! وهذان السؤلان سيركزان على الصور التي كانت بين أيدي الثوار القائمين بالأحداث والمحركين لأبعادها في الواقع. إذ وجدوا أنفسهم في أرض افتراضية تتماهي مع هذا الواقع ولا يوجد فاصل حقيقي بينهما. الإفتراض يخاطب الوعي واللاوعي مباشرة في آن واحد، يدفعهما عبر الشعارات والتظاهرات لتحقق الآمال وما تصبوا إليه الجماهير، وهو ما يريد هؤلاء تحقيقة في الحياة السياسة وتغيير الأنظمة وتداول السلطة وتحقيق العدالة والحرية والمساواة. بينما الواقع كئيب وينضح بالممارسات الغاشمة لسلطة سياسية لم تفِ بوعود الحياة الإنسانية الكريمة. فهؤلاء الثوار كانوا (فقراء الآمال والأموال والمآل) معاً، ورأوا أن فقرا مزرياً مفروض عليهم بفعل فاعل هم خارجون لتغييره.

اقتصاد افتراضي

كانت الفكرة السابقة تلّحُ مع لعبة " الصورة والمٌتظاهر" في شوارع الربيع العربي ومنحنياتها. لننظُر بدايةً: إلى أي مدى صنعت هذه اللعبة اقتصاداً افتراضياً للفاعلين في سوق الثورات؟! وكيف تبرز علاقة رأسمال الكاميرا بالرأسمال العيني، غرائزه وأسواقه؟! وهذه الأسئلة بطبيعة الحال تفترض أنَّ السياسة تعني (السوق العام) الذي يظهر فيها البائعون والمشترون للأحلام والأمال، وأنَّ الصور أشبه بالعملات النقدية التي تقرب أصحابها من المكانة وتمنحهم فرص التعبير عن متطلباتهم. لاحظنا في جميع الثورات العربية تسلُّل الكاميرا كإطار استثماري دائم. فلم تغب الكاميرات عن الأنشطة العامة دعماً أو رفضاً أو تسويقاً أو أدلجةً أو تآمراً أو ترويجاً أو قمعاً أو محاصرة. هذا نظراً لأهمية الصور كوسيطٍ فاعلٍ من جانبٍ، وبوصفها تقنيةً متاحةً لجميع الأطياف من جانبٍ آخر.

ذلك بناء على الاعتبارات التالية:

كانت اللقطةُ البصرية تحمل الوقائع وتُؤطرها. وفوق ذلك كانت تُدخلنا إلى صناعة السياق الثوري اليومي وكيف سيكون مؤثراً. ورأينا كمْ أخذ المتظاهرون شحناتّهم (بالتبادل الدلالي) مع الواقع عبر مخزون الكاميرا وقت انسداد الأفق السياسي. وبهذا كم عبرت الكاميرا عن (أرصدة رأسمالية رمزية) مهمةٍ لدى الثوار والنشطاء.

طرحت اللقطة نفسها بلغةِ النُدرّة. كانت ثمة " صُورة نادرة "، وأخرى " لقطة ساحرة "، وأخرى لقطة " مُعبرة "، وغيرهما" لقطة مُوحية" أو" لقطة صادمة " ... إلى مالا نهاية وفقاً لتحولات الأحداث. ونحن نعرف أن الندرة بُعدّ اقتصادي دالٌّ اجتماعياً وثقافياً بالنسبة لنوعية المشاهدات ارتباطاً بما يجري. نحن نطلق اصطلاحَ " عُملة نادرة " بالنسبة لقيمة الأشخاص أو للسلع الرمزية. إذن في (العالم الإفتراضي)، لاتقل اللقطةُ الثرية بالمعاني والدلالات عن سبيكة الذهب إنْ لم تزد عن الألماس النادر.

لئن كانت القيمة النقدية للسلع كامنةً بتداولها، فإنَّ الصورة بها تلك الخاصية التداولية. لأنَّ عالم الانسان نسيجٌ متفرد من الصور العالقةِ. وإذا تأملناها لوجدنا مفاهيم وقيماً وعيونًا لا حدود لها تنظر إلينا. كذلك تكتسب أهميتها من وتيرة الأحداث التي تتفاعل معها. فالصور سندات رمزية في بورصة التداول التي تدير أسواق الأفكار والأهواء والأحلام والرغبات والأفعال العامة في المجتمع ([1]).

الصورة تفترض مع عناصرها وجودَ الآخر. إنَّها تُضيفُ معانيه ومواقعه كمدخرات دون إرجاءٍ ولا استئذان. المعروف خلف كواليس الأفلام أنَّ فناناً كمحمود المليجي مثلاً كان يتمتع بحضورٍ قوي أمام الكاميرا. حتى أنَّ الفنانين كانوا يخشون الوقوف تجاهه وينسون السيناريو المكتوب والمعد سلفاً. لأنَّ أداءه التمثيلي غير التقليدي يسرق الكاميرا. ولنلاحظ هنا أنَّهم موجودون بنفس اللقطات وإلاَّ لا قيمةَ لأدائه ولا لأدائهم. لكن العبارة تبرز معنى آخر هو: اضافة المُتلقي وكثافة الشخصية إذ يقدمها فنان موهُوب للدور.

الصورةُ لا تتوقف عن الدلالةِ عقب طرحها، ولا تكتمل أبداً. هي تظل باقيةً رغم مرورها أو حتى رغم انصرافنا عنها، بل وتُواصِل استدعاءَ تأثيرها في الذاكرة البصرية. كان الثوار في إطار الصور واللقطات يعرفون ذلك جيداً. ما من نشاطٍ ثوري إلاَّ وتمّ بهذا الأثر السيميائي البعيد، لكي يقول ما لم يستطع قوله في الواقع ([2]). هم يدركون بذكاءعينَ المتلقي وشغفه بمتابعة الصراع السياسي بين الأطراف ويراهنون على هوسه بالتوقعات واستنتاج الأثر القادم.

لعلَّ صورَ سقوط الأنظمة العربية الواحد تلو الآخر قد عكست تحولات النبلاء المعاصرين. هؤلاء الثوار المسحوقون حتى الجمجمة وجدَوا أنفسهم فجأة ذوي أهمية على قارعة الشاشات الفضية. كل العيون تتعلق بهم ويتم النظر إليهم كأرصدة للزمن والحياة في جعبةِ الواقع. ذلك على خلفية (هتافات مرئية) أعطتهم أرصدةً سياسية طائلةً بلغة الإقتصاد. لأول مرةٍ في حياتهم المهمشة يقفون مزهُوين كأرستقراطيين متأخرين. تتلهف عدسات الكاميرات والحورات السياسية المنتظرة أن تلتقط ماذا هم فاعلون وكيف يرون الأحداث؟ وبينما كانوا في الأمس القريب (ضائعين وتائهين) بين الأقدامِ والظلال والأوحال الاجتماعية، فإذا بهم يستعيدون بريقّهم السياسي والحركي خلال التاريخ العربي المعاصر. وغدوا يُرْفعون من وقت لآخر عالياً فوق الأعناق ليُصبح رمزَ الموقف السياسي ببطولةٍ شبه مطلقةٍ.

سوق الألقاب

المهمش بلغة نجيب محفوظ هو ذلك " الفِتُوّة الجديد ". وكان " برتوكول الفِتُوّة " ضمن رواية الحرافيش أنْ يصعد أحدُهم بعد ذروة الصراع إلى موقعه المنتظر لحمايةِ الحارة المتروكة نهباً للفوضى والبلطجة وإذلال الناس ([3]). ها هو المُهمش المعاصر يحتل مسرح النجومية عقب معارك الربيع العربي. فكم كان يودُّ أنْ يسمعَ من نفسه ومن جوقة الثوريين أنيناً سياسياً حبسه لسنواتٍ. أيضاً أراد سماع الهتافِ بانتصار مدوٍ لم تسبقه إليه إلا ثورات العبيد قديماً. الفارق بينهما أنَّ أسلافه المهمشين ظلوا عبيداً. لحقتهم لعنة الاسم وهم في مجدهم الثوري، حتى احتفظ لهم التاريخُ بهذا التعبير القميء (ثورة العبيد).

بالمقابل نالَ المُهمشُ العربي المعاصر (ألقاباً تليفزيونيةً) شتى: ناشِط سياسي، مُتظاهر، ناشِط حقوقي، مُدافع عن حقوق الثوار، عُضو في مؤسسات المجتمع المدني، حَركي، مُدوّن الكتروني، راصد لفعاليات الثورة، مُحلل سياسي، معتصم في الميدان، محاور في برامج التوك شوtalk show، عضو روابط المفقودين والشهداء، متمرد سياسي، عضو حركات افتراضية، كاتب يوميات، خبير في الحركات السياسة، مُوثِّق أحداث، محلل سياسي، مُصور لمواقع التظاهر، مُراسِل صانع للخبر، مُعلِّق افتراضي، مُتجول ثوري، ... إلى أخر الألقاب الرأسمالية الرمزية. حيث وضعته اللقطات في قلب أسواق الحدث الثوري: كرّاً وفرّاً، مُصَاباً ومصِيباً، مقاوماً ومهزوماً، صاحب منصب ومسجوناً، شهيداً ومنتصراً.

هكذا أغدقَ الاعلامُ على المهمشين أثناء الربيع العربي ألقاباً دونما حسابٍ مثلما ستظهر أرستقراطيتهم مفتوحةً بلا نوافذٍ. وبخاصة أنَّ اللقب في تراثنا الثقافي يساوي (شيئاً ثميناً) إزاء الآخرين في الحياة العامة ([4]). شيءٌ لا يقدره حق قدرة الاجتماعي إلاَّ من يشعر بـ "تنميل الدماغ " مع ألقاب الباشا والبِك والأفندي والسيد والأب والقائد والرئيس. بتوصيف محمد حسنين هيكل كانت لأسماء وألقاب الباشوات والبكوات في مصر أصداءٌ ورنينٌ من نوع خاصٍ، بل كانت ذات معان شديدة الخصوصية لدى قطاع كبير من الناس ([5]). وإلى عهدٍ قريبٍ قبيل ثورة يوليو عام اثنين وخمسين، كانت الألقاب تُشترّى بآلاف الجنيهات وبأطيان زراعية وعيون عقارية باهظة القيمة. لدرجة أنَّه حينما أَلغت ثورة يوليو" الباشوية " مات البعضُ ممن كانوا يحملونها نتيجة صدمتهم النفسية من إختفاء الهيبة والمكانة المفترضة. ومنهم من رحل خارج مصر هروباً من مصيره الاجتماعي عارياً دون ألقابٍ، وهناك من انتحر اجتماعياً بالإنزواء والتخفي داخل أمور حياته الخاصة.

بيد أنَّ المُهمش المعاصر قد ازدادَ ثقةً مع رأسماله الافتراضي الجديد. لقد وضع ساقاً فوق أخرى أمام أعتى الرؤساء العرب محبوساً أو مقتولاً أو هارباً (حسني مبارك في مصر وزين العابدين في تونس ومعمر القذافي في ليبيا). بينما كان المهمش بالأمس القريب يتخفى من مجرد سماع خطاباتهم المتلفزة. كان يهرب من أي حلمٍ ثوري يراوده ليلاً وسط العشوائيات والأحراش والخرابات القاطن بها. بل كان ينتفض من غطيط منتمه مُستعيذا بالله من شيطانه الرجيم لو صادفته لحظات متمردةٌ أو لو تخيل أنَّه يمثل دور الكومبارس في حلم ثائر على الأوضاع القائمة.

ليست العبارة الدراجة في الحياة الشعبية: " اللهم اهديك يا شيطان " إلاَّ مقولة كأنَّها صيغت للمهمشين السياسيين. فعندما كان الناس يتسائلون حول ماذا فعل هذا المسئول السياسي أو ذاك أو لماذا يقرر رئيس الدولة سياسات بعينها يراها البعض مجحفة ومخلةً بميزان العدالة تجاه المواطنين، كان السامع يردد بلا توانٍ: اللهم اهديك ياشيطان. وتلك شريحة حطابية رأسية من (تراث الخوف) من السلطة في المجتمعات العربية، لدرجة أنَّ الكلام في الشأن العام (وهو جزء من الثقافة السياسية المعاصرة) يستحضر وسوسة الشياطين. والدلالة ذكية ومراوغة جنباً إلى جنبٍ: فهل المستمع يشيطّن القائل على أساس أنه قد يزج به إلى التهلكة واستنطاق المسكوت عنه في التفاصيل أم أنَّ دلالة النقد والغضب العام تستحضر شياطين السلطة المرعبة والجائرة؟

على الرغم من أنَّ سردية الشيطان في الإسلام لا تشيء بأن الله قد هدى الشيطان، وأنه لن يهديه فيما يبدو، مثلما نقول شعبياً في المثل (عشم إبليس في الجنة) إزاء حلم أو رغبة مستحيلة التحقق، لأن الواقع لا يبشر بقرب ذلك المأمول إطلاقاً. وعلى المنوال نفسه، تأتي مقولة (اللهم اهديك ياشيطان) كعبارة عن استحالة حل المعضلة السياسة في تصحيح الأحوال وتغيير الأوضاع وبالوقت نفسه مازال الشيطان يوسوس كلما فكرنا فيها وتحدثنا حولها. ولن يكف الوضع الراكد عن أفراز مزيد من الشياطين حول كل مسألة بهذا المعنى.

وكل ذلك في الأصل كان خوفاً من الشيطان الكامن في السياسة: ساسَ، يَسوسُ، سائِس، وسوسة، سياسةً. وهي استعاذةٌ من هذه المفردات أطلقها حديثاً الأمام محمد عبده بتفصيل الجذر المعجمي لكلمة سياسة قبل حلول الربيع العربي، لافتاً أنَّ الشياطين قابعةً في تضاعيفها سلُوكاً وخداعاً وأنظمة. ليرى محمد عبده في المقابل أنَّ السياسةَ على وجه الحقيقة عبارة عن حقوق تتقرر للناس دون أي تغرير بهم يحتمل النقص ([6]). وتلك العبارة يمكن إعادة طرحها راهناً لمنع المواجهة بين الاستبداد وبين الارستقراطي الجديد (الثائر المهمش) الآتي من أسمال المجتمعات العربية. جاء الأخير بالخلاص الثوري كما يرى وقد علَقت بأهدابه أتربة القاع الاجتماعي وغبار صعوده الشاق إلى السلطة الافتراضية. فكان هو وريثها الشعبي أمام الكاميرا ليس أكثر عبر الشاشات المصقولة.

الأرستقراطي الجديد

كيف سيتصرف المهمشُ المنبوذ كأرستقراطي معاصر؟ بأي منطق سيدير إقطاعيته الثورية revolutionary feudalism عبر الصور اللامعة؟ كيف سيتصرف بجانب أصوات الثقافة الهامسة حوله: " شبْعة بعد جُوعة "، " نّهم السلطة "، " شهوة الحكم "، " ويلّ لمن يتحكم فيه محرُوم" ؟ بأية صيغة بصرية سيطرح (أيديولوجيا الحرمان) التي جسدها خلال حياة الإقصاء والتهميش؟!

في دراما المُهمش المتمرد جاءت الثورةُ  (قيامةً صُغرى) على غرار المعتقدات الدينية. ظل ينتظر خلال دنياه حتى يأتي (بتعبير ابن عَرُوس شاعر العامية المصرية المؤصل في التاريخ): " يومٌ معلوم ترتدُ فيه المظالم، أبيضٌ على كل مظلومٍ وأسودٌ على كل ظالم". لقد شفت الثورات غليل المهمشين مع تحولها الدراماتيكي الذي لم يكف عن الحركة، وجعلوا يهتفون بالحرية والديمقراطية يومياً طوال شهور وشهور. قبل ذلك كانت أصوتُهة خفيضة، لا يتعدى كلامُهم تمتمات ساقطة أو لاقطة على النواصب وفي الطرقات العامة. وإن همَّوا بعمل شيء ملفت للأنظار، سرعان ما تأتيهم صور " الفلاش باك " flash back بعنف الحاكم وطغيانه المستطير. فيسترسلون خافضي الرؤوس بجوار الجدران هاشين مخاوفهم يمينا ويساراً كالذباب المُتطاير.

ولكي نهيئ كُراسيهم الرمزية الجديدة، كان يجب أن نعرِّف معنى الارستقراطي في القاموس السياسي. الشيء بالشيء يُذكر عبر أسواق الاقتصاد والسياسة الديجيتال. الأرستقراطيةُ aristocracy تعبيرٌ عن شكل الحكم النُخبوي الذي تتولاه طبقة خاصة في المجتمع. وهو شكل انتقائي يُغلَّب خواص الناس ويرفعّهم إلى مصافٍ أعلى دون البقية. ومن حينهم، يتمتع هؤلاء الخواص بفائضِ الثروة وتنوعها ويستمدون دماءهم من كرم الحسب والنسب والمكانة المرموقة. فضلاً عن امتيازاتٍ طبقية وسياسية متواطئةٍ لخدمتهم حصراً وقتما شاءوا. بالأخير سيعيشون وفقَ تقاليد تُرسخ سيادتهم فوق الطبقات الأدنى ([7]).

هنا تبدو المفارقة الساخرة واضحة البيان، فلم يكُن المُهمّش المعاصر ليملك أيَّ شيء من هذا الرصيد في المجتمع. لا يملك حسباً سياسياً ولا نسباً ولا مكانة اجتماعية أو غيرها. ليس برصيده الفارغ سوى كدِّ وغبار المظاهرات اليومية وسيادة الشوارع ومخزون القهر العالق به ليل نهار ومطاردة الأحلام المجهضة وأشباح الرغبات التي تم كبتها. ثم هناك شاشات فضية يملأها كلاماً غائما وصراخاً كالنحيب في مجالات الحقوق والعدالة والمساواة وتوزيع الغنائم السياسية. كان هتافه مناورات وراء مناورات وأمل وراء أمل للحاق بقطار الحياة المارق منذ سنوات.

ولكن بفضل المُنحنى الدرامي للربيع العربي عندما تنحى الرؤساء عن الحكم، آلت إليه "ثروة سياسية " ملعونة مع انهيار الأنظمة العربية، أصبح هو الغني الواهم حيت اختفى الأغنياء الفعليين. اُعتبر فجأة ارستقراطي الشوارع بلا منافس مع توالي سقوط الأنظمة. كان هو الملك في مملكة شبيهه بالفوضى الخلاقة التي بصقتها الوزيرة الامريكية كوندليزا رايس. هذا بعدما كانَ معلَّقاً من عرقوبه في سقف الحياة المتقلبة. ففي الخيال الشقي الدارج: " كل واحد متعلّق من عرقوبه". وعرقوب المهمشين هو القدر السياسي الإجتماعي المحكوم عليه به: أنْ يظل (عبداً) ولو بلغت أصواته عنان السماء أن يبقى (مقصياً) ولو سقطت الأنظمة السياسية المستبدة الواحدة تلو الأخرى.

عرقوب المهمش سيلاحقه أينما ذهب حتى بعد هذه السنوات ومع الأنظمة الجديدة. سيُعلَّق بأي خطافٍ (كُلَّاب) قريب كقدّر أوديب ملكاً قي الأسطورة اليونانية، كضحيةٍ في يوم عيدها. أوديب اليوناني قتل "الأب- الملك " وتزوج أمه، كذلك قتل المُهمش العربي الثوري "الأب – الرئيس " وتزوج " الثورة- السلطة ". أوديب الأول عاش بقيّة حياته أعمى بينما أديب الثاني وقع في فخاخ ثقافته الآسنة ([8]). كما يُقال شعبياً: " جاءت الحزينة تفرح لم تجد لها مطرح " ... أَلا يُعبر هذا المثلُ الشعبي عن هكذا حالٍ؟!

ولكن تذكيراً له كان يجب ألاَّ ينجرف المهمش وراء رغباته (المادية) الدفينة وراء فوضاه التي لا حدود لها!! فلم يكن ذلك محتملاً بالنسبة لبريق صورته وعوائدها باتساع العالم وكان يجب أنْ يتسق مع الآمال المعقودة عليه أمام المجتمع. على الأقل لكيلا يتناسى قيماً اجتماعيةً مازالت راسخةً، ولكيلا يراوغ حدوداً لثورات ربيعية كانت تحبو ولو بمعناها اليُوتوبي.

شريط سينمائي

المَشاهد التالية ستبوح بإساءة استعمال ارستقراطية الصورة لدى المهمشين في المجال العام. مشاهد جرت مع بداية القرن الراهن في العراق ولم تتوقف في غيرها من الدول، ولاسيما أنَّ الصور لم تبدأ الآن حتى تنتهي. فهي كانت متواترة كعمل فني شبه جمعي بالنسبة للمجتمعات العربية. لا تعني أعمال النهب والسلب المصاحبة للفوضى وسقوط الأنظمة حُكماً مسبقاً بقدر ما أثارت غرابة (استباحة عيون المتلقين)، وانتهاك دلالة الحقوق المرئية كذلك من نظافة المشاهد وعدم رؤية القبائح وأعمال التخريب والتدمير. كما أنها جسدت اضطراب مفاهيم الدولة والسياسة والمؤسسة والقيم والمجال العام في تاريخ المجتمعات العربية.

المشهد الأول: دخُول جحافل القوات الامريكية الغاصبة إلى مدينة بغداد بعد معارك دامية. كانت مسبوقة بتمهيد بصري لأكثر من أسابيع، إذ طرحت الشاشات صور القوات وجاهزيتها والترقب لبدء الهجوم. وعلى أثر الهجوم وأعمال الحرب تجاه القوات العراقية، ظهر الارستقراطي المُهمش ناهباً لقصور صدام ولبيوت وزرائه آنذاك. وجدناه شخصاً مُدمِراً لكلِّ ما يواجهه من أثاث ومعدات وأجهزة. كانت الصور صادمةً وقتها ولم نكن نعرف أنها (بروفات أولية) لما سيحدث لاحقاً في الدول الأولى. فهي لقطات كانت خافية عن العين العربية العابرة. ربما لم تكن لتُصدِّق حين رأت هذا التعدي على الممتلكات. كيف لمهمش مظلوم (وهو كذلك) يدخل قصراً ويحمل أثاثاً ومواداً منزليةً ولوحات وأدوات مطبخ فارّاً بها؟!

قبلها كان هذا السيد المهمش حاضراً بشكل لافتٍ حين سقط تمثال صدام حسين. بدا بارعاً في تسديد الضربات إليه بالحذاء. كان صدام طاغية حتى في تمثاله الهازئ بالفضاء المحيط، غير أنَّ السيد المهمش كان متكلِّفاً في عدوانيته. تركَ نفسه لفوضى الحشود المنفلتة ناحية الكاميراً.

المشهد الثاني: بعد تنحي الرئيس التونسي زين العابدين بن على، دخل الارستقراطي قصر بن على وإلى مخدع ليلي الطرابلسية زوجته. دخل القصور باحثاً عن غنائم الثوار ومن المنقولات الذهبية والتقنية الغالية. اعتبرَ نفسه في غياب رادع ثوري (قاضياً وحاكماً وصاحبَ حق) يتحتم نيلُه فوراً. وإذ ابرزته الشاشاتُ ملكاً متوجاً ذكرت الأخبار أعدادَ العملات النقدية وحجم المصوغات الهاربة بها زوجة الرئيس التونسي. وكررت الشاشات وزادت في كمية المجوهرات وبذخ الإنفاق مقارنةً بفقر (المهمشين الارستقراطيين) في تونس.

المشهد الثالث: عقب خلع الرئيس المصري حسني مبارك عن السلطة في مصر، تنادى الارستقراطيون المهمشون إلى حرق مقرات الحزب الوطني، الحزبُ الحاكم آنذاك. ولولا بقايا الشرطة لاقتحموا قصورَ الرئاسة المترامية الأطراف. رغم أنَّها تراث مصري أصيل مُهمل ليس لمبارك فيه إلاَّ الإقامة السياسية فقط. ولقد غرقت البلاد في فوضي السرقات وتم قطع الطُرق السريعة والاتصال. المشهد كان مزرياً داخل مقر الحزب الوطني المُطل مباشرة على النيل. فقد تمَّ احراقُه بالكامل ونهب محتوياته واخراج أمعائه الداخلية إلى الشارع. وظل الارستقراطيون المهمشون الجُدّد يقتلعون الأجهزة من الجدران والمكاتب إلى حيث غنائمهم بالخارج.

المشهد الرابع: عقب دخول قوات تحرير طرابلس إلى باب العزيزية في العاصمة الليبية. تجولت الكاميرا بين حامل لمقتنيات ملك ملوك أفريقيا وبين قافزٍ على الأسوار وبين غيرهما ظهر آخر محطماً لأثاث متناثرٍ هنا أو هناك. لقطة تالية رصدت الكاميرا آخرين يجوسون في قصر عائشة القذافي متأملين تمثالها الثمين وأجهزتها المنزلية الفخمة، ومنهم من قفز بحمام الجاكوزي الخاص بها.

المشهد الخامس: ....اليمن، حدّث ولا حرج....

المشهد السادس: ... سوريا، كوارث... وراء كوارث...

المشهد السابع: ......؟؟؟؟

السؤال الذي مازال بعد الأحداث الربيعية وأصدائها حتى الآن: هل أسسنا لقوانين تحقق غايات ومطالب الثورات المفترضة تحت بصر الرأي العام؟ لأن اللقطات بثت تأثيرها إلى نهاية المطاف مهما اُغلق جهاز الرؤية. فالعيون لا تغمض بمجرد غروب الصورة، لكنها تستمر كمقاطع سينمائية داخلنا وداخل الأجيال التالية ([9]). فتخضع الصور ثقافياً لمونتاج المُتلقي وتتفاعل مع قناعاته. قيمة الثورة إن كانت كذلك ليست في تغيرات مهمة فقط، لكن بآثارهاٍ على الأجيال اللاحقة أيضاً. هي ساكون ذاكرتهم البصرية التي تنفصل عن مصدرها وتستقر في تصرفاتهم اليومية. كانت المشاهد الأرستقراطية الطارئة من هذا القبيل سلبية. وصاغت نظرة بعض الناس العاديين بشكل مناقضٍ للحق العام. حيث أضعفت هالة التحول السياسي المأمول وقللت من قيمة الحراك الشعبي الحاصل وبررت الممارسات القمعية للأنظمة بعد الربيع العربي. وجميع ذلك على خلفية استبداد سياسي عريق، كانت ومازالت جذوره ضاربة في أبنية سلوكية وذهنية منعكسة تاريخياً.

كانَ حرياً بالنبيل المعاصر (الثوري المهمش) أنْ يكون نبيلاً مترفعاً عن الصغائر، عن عمليات النهب والسرقات. فما بالنا وهو هكذا باسم النُبل ذاته، باسم الثورة، باسم العدالة والحرية والمساواة، لقد أصبح أرستقراطياً متهوراً في أزقة العالم الافتراضي. يبدو أنَّ المُهمش قد غرقَ في إغواء الصورة. فالصُور بإمكانها رفعه إلى أعلى السحاب وباستطاعتها كذلك أنْ تهوي به إلى الأرض ثانيةً. إنَّها– أي الصور- عبارة عن عين الآخر حين يراه (الأنا)لا كما هو موجود فقط. أي أن كل صورة تمثل (الأنا والهو) في إطار واحدٍ حيث نصبح رائياً ومرئياً بالتزامن. وبالتالي هناك شيء ثالثٌ بالضرورة، خلافاً لكلينا، يجمعنا ويتجاوزنا معاً... إنَّه مسار الصورة إذ نظهر (أنا وهو) منعكسين مُضَافين إلى تراكمها، وإلى تصورات تالية ستنتجها عن الأحداث السياسية. وهذا ما يؤدي دوماً إلى الانحرافات نتيجة الإغواء بالمزيد من الصور، أي شهوة أخذ اللقطات والخيلاء بالمشاهدات وتعميم الأثر.

 

د. سامي عبد العال

.....................

[1]- في هذا الإطار يرى أودن Odin أنَّ البعد التداولي pragmatic في اللقطة الفلمية يرتبط بالبعد المعرفي cognitive.

Warren Buckland, The Cognitive Semiotics of Film, Cambridge, Cambridge University Press, 2003, P 79.

[2]- الصورة تُترجَم إلى نظام الكلام كما هو معروف ومؤثر. ولهذا مع تلقيها لا يشعر المشاهد كونها تستدعي إمكانية الفعل على غرار الامكانيات الموجودة في اللغة عموماً. فما بالنا بأن الصورة السياسية دوال كدوال الكلام الخطابي؟! وبذلك هي تتحدد بالأوامر والاحتمالات والشحن الدلالي الذي يبرز طابعها. وهذا ما يعرف في فلسفة اللغة بنظرية أفعال الكلام وانجاز الأشياء بالكلمات كما عند سيرل وأوستين.

-John Searle, Speech Acts, Cambridge, Cambridge University Press, 1969. PP 62-68.

-J.L., Austin, How To Do Things With Words, Oxford, Clarendon Press, 1962. Chapter one.

[3]- نجيب محفوظ، ملحمة الحرافيش، دار مصر للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الرابعة 1985.

[4]- أحمد تيمور باشا، رسالة لغوية عن الرتب والألقاب المصرية (لرجال الجيش والهيئات العلمية والقلمية منذ عهد أمير المؤمنين عمر الفاروق)، منشورات كلمات للترجمة والنشر، القاهرة 2013، ص 21.

[5]- يوسف القعيد، محمد حسنين هيكل يتذكر: عبد الناصر والمثقفون والسلطة، (حوارات)، دار الشروق، القاهرة د. ت، ص 138.

[6]- الإمام محمد عبده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول، تحقيق وتقديم محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1993، ص 365.

[7]- David Robertson, The Routledge Dictionary of Politics, London and New York, Routledge, Third edition, 2004, P25.

See also: Roger Scruton, The Palgrave Macmillan Dictionary of Political thought, Palgrave Macmillan, London, 2007, P37.

[8]- هذا التفسير يوظف عقدة أديب ملكاً كما طرحها فرويد، فالثوري يشبه هذا الملك الذي ظل محكوماً بنبوءة قتل أبيه وزواجه من أمه. القدر هنا كان أكثر مكراً من الاحتراز الزمني الذي صنعه الملك بإبعاد ابنه أوديب مثلما أن الثقافة قدر بالنسبة للإنسان مهما يحدث تحول ثوري. لهذا يعتبر الأثر بالنسبة للاثنين متماثلاً. وبخاصة أن الاثنين أيضاً وصلا إلى مكانتهما بعد صراع وعقب حروب. وفي هذا الجانب لا تخلو الثقافة من نماذج باحثة عن المكانة وقتل الرموز بحثاً عن رمزية أخرى.

Abraham Drassinower, Freud: Theory of Culture, Eros, Loss and Politics, Oxford, Row man &Little field, INC, 2003. PP 90- 95.

[9]- الصور بهذا المعنى كما يرى شارلز بيرس Peirce ليست علامات مرئية visual ولا مرسومة pictorial فقط لكنها تمثل كيفيات حسية sensory qualities ومن ثم ارتباطات تستحضر represent موضوعات ما في مجالي الرؤية والسمع.

Jorgen Dines Johanson and Svend Erik Larsen, Signs in Use: An introduction To Semiotics, Translated by Dinda L. Gorlee and John Irons, London and New York, Routledge,2002.PP37-38.

 

علي رسول الربيعينقاشنا وهارت لفولر

يرى هارت أن فولر يخلط  فيما يتعلق باأن القانون يتضمن أخلاقه الداخلية بين مفهومين  من الضروري الفصل بينهما: مفاهيم النشاط الهادف والأخلاق". وهكذا، يرى هارت مثلا، أن التسمم هو نشاط هادف ولا شك في وجود قواعد لفن السم (مثل "تجنب السموم التي تسبب قيء الضحية"). ولكن سيكون من السخف أن نطلق على هذه "الأخلاق الداخلية للتسمم".[1]

أرى أنه يمكن قراءة ملاحظات هارت بأكثر من طريقة. فيمكن اعتبار أنه يقول إن فولر لم يقدم أي سبب وجيه لاعتبار المتطلبات الثمانية أخلاقية، لأنه ببساطة اعتمد على الخلط بين "الهدف" و"الأخلاق". قد يُقصد بمثال السم فقط تذكيرنا بأن الأغراض ليست كلها أغراضًا أخلاقية. إذا قرأنا هارت بهذه الطريقة، نعتبره يقول إن حجة فولر غير حاسمة وليست خاطئة.

يمكني أن اقرأ هارت، من ناحية أخرى، على أنه يدعي أن متطلبات فولر الثمانية (أن يكون هناك: (1) قواعد، وأن تكون القواعد (2) منشورة (3) محتملة الحدوث (4) معقولة (5) غير متناقضة (6) من الممكن الامتثال لـ (7) مستقرة بشكل معقول عبر الزمن، و(8) يتبعها المسؤولون.[2]) هي مبادى للفاعليًة، ايً مجرد مبادئ للقدرة على  تحقيق نتيجة مرغوبة أو مقصودة، وتعتمد قيمتها كليًا على الأهداف التي توضع من اجلها.  تؤدي القراءة بهذه الطريقة الى أن هارت يرى أن أطروحة فولر خاطئة. لنفترض أن هذا هو ادعاء هارت.

تتمثل إحدى طرق اختبار الادعاء في السؤال عما إذا كان للنظام الشرير سبب وجيه لاتباع المتطلبات الثمانية. لأنها، إذا كانت مجرد مبادئ أدواتية، فإننا نتوقع منها أن تكون صالحة لخدمة للأهداف الشريرة مثل تلك التي تنطبق على الأهداف الفاضلة. لكننا يجب أن نكون حريصين  هنا على طرح السؤال الصحيح. فلاحظ – ايها القارى الكريم- أننا لا نسأل على وجه الخصوص عما إذا كان من الممكن منطقيًا لنظام شرير أن يمتثل للمتطلبات الثمانية. لأننا إذا رفضنا حجج فولر غير السليمة (أو المبالغة فيها على الأقل) حول استحالة السعي وراء أهداف شريرة من خلال القوانين المنشورة، فلا يوجد سبب على الإطلاق للاعتقاد بأن ذلك لن يكون ممكنًا منطقيًا، مهما كان غير محتمل. ومع ذلك، فإن الاحتمال المنطقي لمثل هذا الامتثال ليس هو الهدف. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان النظام الشرير لديه سبب وجيه للامتثال. إذا كانت المبادئ الثمانية هي مبادئ الفعاعليًة التي يمكن استخدامها لتحقيق كل من الأهداف الخيرة والشريرة، فيجب على الأنظمة الشريرة مراعاة التعاليم الثمانية من أجل تحقيق أهدافها بشكل أفضل. من ناحية أخرى، إذا كانت المبادئ الثمانية أخلاقية في طبيعتها، فقد يكون ذلك بسبب أن الحكومة التي لا تحفزها الاعتبارات الأخلاقية تمامًا لن يكون لديها سبب للامتثال لها.

لن يكون لدى  النظام الشرير،[3] الذي يسعى علنًا  لاستغلال السكان الخاضعين (على سبيل المثال)  سبب وجيه للامتثال لسيادة القانون. تركز حجتي بشكل خاص على شرط التطابق بين القاعدة المعلنة والإجراءات الرسمية، ويتطلب هذا الشرط تضمين حظر على استخدام العنف ضد أولئك الذين لم يخالفوا أي قواعد. أنا أزعم أن النظام الشرير لديه سبب وجيه لنشر القواعد وتطبيقها؛ لكن لن يكون لديه سبب وجيه لتقييد استخدام للعنف في الظروف التي تم فيها انتهاك القاعدة. هذا لأن استخدام العنف خارج نطاق القانون هو أداة فعالة للغاية لقمع المعارضة، جزئيًا من خلال جعل خصوم النظام غير مرئيين لبعضهم البعض، ومن خلال تثبيط أي أنشطة تهدف إلى إعاقة سعي النظام لتحقيق أهدافه. ومن ثم ، سيًظهر فإن النظام الشرير إخفاقًا واسعًا في الامتثال لمبدأ التطابق بين القاعدة المعلنة والعمل الرسمي.[4]

هذا لا علاقة له بالأختلاف بين الأهداف الشريرة والأهداف الفاضلة أخلاقيا. إن حجتي ليست نسخة من ادعاء فولر بأن الأهداف الشريرة لا يمكن ملاحقتها من خلال القانون. في الواقع ، أنا أعترف صراحة أنه يمكن تحقيق الأهداف الشريرة بموجب القانون. النقطة المهمة هي بالأحرى أن النظام الشرير، غير المتحمس للأعتبارات الأخلاقية، لن يكون لديه سبب وجيه لمراعاة حكم القانون. سيجد النظام الخير الذي يسعى إلى تحقيق أهداف فاضلة أن استخدام العنف خارج نطاق القانون مفيد للنهوض بالعديد من أهدافه أيضًا: لكن النظام الخير يمكن تقييده عن مثل هذه الانحرافات عن سيادة القانون من خلال احترامه للأخلاق. النظام الشرير الذي لا يحترم أي معايير أخلاقية لن يكون لديه مثل هذه الأسباب للقيود. الأسباب الوجيهة الوحيدة لمراعاة حكم القانون هي الأسباب الأخلاقية. ولكن إذا كان من الصحيح القول إن سيادة القانون هي مجرد أداة، فإن النظام سيكون لديه أسباب وجيهة لمراعاة سيادة القانون بغض النظر عن دوافعها: لأن احترام سيادة القانون من شأنه أن يساعد في تحقيق أهدافه مهما كانت.

تلقي هذه الحجة بظلال من الشك على الادعاء بأن سيادة القانون (التي تُفهم على أنها مسألة الامتثال لمتطلبات فولر الثمانية) هي أداة محايدة أخلاقياً. لكنهالا تثبت، في حد ذاتها،  أن سيادة القانون لها قيمة أخلاقية جوهرية. نحن نميل إلى افتراض أن سيادة القانون قيمة، ونعتبر مراعاة سيادة القانون قيدًا على الحكومة وليس وسيلة يمكن من خلالها للحكومة تحقيق أهدافها، سواء كانت جيدة أو سيئة. ومع ذلك، فنحن لسنا دائمًا واضحين جدًا بشأن سبب أهمية سيادة القانون من الناحية الأخلاقية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] Hart, H.L.A. Essays in Jurisprudence and Philosophy (Oxford: Oxford University Press, 1983), p.350.

[2] ربما كان ينبغي على فولر أن يضيف بعض المتطلبات الأخرى إلى قائمته. على سبيل المثال ، يبدو أنه يعتبر أنه من المسلم به أن سيادة القانون تتطلب من الدولة استخدام القوة أو الأكراه فقط ردًا على انتهاك قاعدة (منشورة ، مستقبلية ، إلخ) ، ولكن ربما كان ينبغي عليه توضيح ذلك على أنه قانون منفصل. (وأساسي للغاية) شرط. كان بإمكانه أيضًا توضيح أن القواعد التي تُخضع الأفراد لسلطة تقديرية واسعة للآخرين تنتهك سيادة القانون. وللمضي قدمًا ، ربما كان من الحكمة تضمين شرط أن القواعد يجب أن يتم فرضها بواسطة عقوبات عند الضرورة: لكي تعيش في ظل حكم القانون هو أن تعيش ضمن ضمان أنه يمكن الاعتماد على الآخرين لأداء واجبهم ، وهكذا التأكيد غير ممكن (بالنظر إلى ظروف العالم الحقيقي) في غياب العقوبات. إن الحاجة إلى الإنفاذ ليست ضمنية بالضرورة في مطلب فولر للتوافق بين الإجراء الرسمي والقواعد المعلنة ، ويبدو أن هذا عيبًا في النظرية.

[3] قد يمتثل النظام الشرير لسيادة القانون لأنه لا يرغب في أن يُنظر إليه على أنه نظام شرير. لكن سبب التوافق مع مبادئ فولر يفترض أن  المبادئ ذات قيمة أخلاقية ، أو على الأقل أنها تعتبر كذلك على نطاق واسع.

[4] Simmonds, Law as a Moral Idea, Ch.2.

 

علي محمد اليوسفتمهيد: ما يعرف كمسلمة يتبناها العلمانيون أن الاديان خاصة المذاهب الصوفية المنبثقة عنها تقوم على ركيزة إعدام حياة الارض بالزهد في ملذاتها وإطفاء رغائب النفس البيولوجية والغريزية من اجل حياة ثواب وحساب أخرى تعقب حياة الموت والفناء الارضي. لكن الشيء الغريب أن ليس جميع الاديان اليوم التي تعيش فوق كوكب الارض من غير العلمانيين يؤمنون بهذا التصور. "اذ تعتمد الديانة البوذية مثلا بالمعرفة الحدسية دونما الغاء أو محاولة الاصطراع مع إعتماد المعرفة العقلية التي قامت عليها نهضة اليابان العصرية"1 . علما أن البوذية ديانة وثنية غير توحيدية.

اليابانيون اليوم يحق لهم دينيا الجمع بين مذهبي البوذية والشنتوية معا. بمعنى لا غرابة ولا حرج أن يكون البوذي شنتويا يؤمن بالهية الامبراطور الياباني بنفس وقت هو بوذي يؤمن بإلهية بوذا. لكنما الشيء الغريب حقا أن الشعب الياباني اليوم نسبة 70 بالمئة من مجموعه هم لا دينيون ولا يؤمنون بالدين يصنع الحياة العملانية التي يحتاجها الشعب الياباني غير المتدّين الذي يجد إهدار الوقت بطقوس التديّن مضيعة وقت بناء الحياة ومتطلباتها السيرورية الدائمية في تامين الاحتياجات التي لا تتوقف في مسابقتها الزمن.

البوذية أول ظهورها كان في الهند هاجرت بعدها للصين ومن هناك عبرت الكوريتين – التي كانت موحدة -  لتستقر في اليابان. مثل باقي الاديان عالميا البوذية إنبثق عنها مذهب تصوفي يسمى "الزن " وهي الاهم والاكثر شهرة في ميدان التصوف البوذي، وتتقاطع صوفية الزن جوهريا مع كل من التصوف الاسلامي ومع التصوف المسيحي الغربي. وتعتمد البوذية اللغتين السنسكريتية (اصلها هندي) والباليّة "التي هي لغة الاسفار البوذية المقدسة الابنشاد "2.

أهم ملامح إختلاف صوفية "الزن" البوذية عن غيرها من المذاهب الصوفية في غيرها من الاديان يمكن تاشير بعضها  بالتالي:

- البوذية كديانة وثنية تحتوي صوفية الزن هي ديانة مسالمة منكفئة على نفسها يمكنها التعايش مع غيرها من مذاهب دينية بسلام وإنعزال. ولا تكن هي البادئة في إستعمال القوة والعنف في الدفاع عن نفسها. ولا تكون البادئة في إختلاق القضايا الخلافية الدينية التي تصل حد الإحتراب مع غيرها. ولها مواقف عدائية من الاقليات المسلمة بدوافع سياسية خارجية مرسومة لها وليست دينية خاصة بها في الصين والفلبين وغيرهما. والبوذيون من سكان التيبت في الصين مارسوا هذه العنصرية ضد الاقلية المسلمة وحصل مثل ذلك في الفيلبين وغيرها.

- صوفية الزن والابنشاد تقاطع بالصميم نزعة الحلول العرفاني في الوصول حافات وتخوم أطراف الاله الخالق كما تنشده الصوفية الاسلامية والمسيحية. صوفية الزن بمقدار ما هي نزعة تمجد النزعة الروحانية الى حد ما يعرف الوصول مرحلة النرفانا التي هي بالمعنى البايولوجي إنطفاء الروح وخمود النفس في التلاشي اللانفسي . حيث لا يعد يبقى بعدها لدى الصوفي البوذي علاقة حسّية ولا غير حسيّة تربطه بالعالم الخارجي الذي نعيشه.

إلا أن هذا الانطفاء النفسي المتحقق صوفيا لا تكون محصلته الانجذاب الاتصالي اللاشعوري بأي شكل أو محتوى من الحلول أو الاندماج مع الاله بوذا. البوذية تؤمن بفناء الانسان الارضي فناءا تاما لا رجعة ولا حياة تعقبه تليه في الانبعاث ثانية. فهي ملحدة في نكرانها إله السماء لكنها مؤمنة على صعيد الارض في تأليه معبودها بوذا.

- المفارقة الغريبة بقدر تحرر النفس في صوفية الزن البوذية من كل روابطها بالعالم الخارجي المادي ونزعاتها الغريزية الدنيوية إلا أنها لا تؤمن بالحلول الصوفي حتى بالاله المعبود الارضي بوذا علما أن مجانسة الماهية النوعية الجامعة بين العابد والمعبود في البوذية تسمح بهذا التمرير.

- الصوفية البوذية تصل بالنرفانا مرحلة وذروة الانجذاب الروحي في الوصول الى إماتة وإعدام النفس (ذاتيا) عن وعي قصدي فيما يطلق عليه إنطفاء الروح أو النفس لا من أجل حياة أخرى يجري فيها البعث والحساب والعقاب بل من أجل الوصول بالنفس والجسد مرحلة التطهير الذاتي من كل الشرور وبلوغ الصفاء النفسي المتعالي على الحياة في إنطفاء وجودها في الحاضر و في المستقبل بعد الفناء النفسي البوذي.

-  الفرق الآخر البوذية الدينية لا تؤمن كما في بقية الاديان الابراهيمية في معجزات خوارق الطبيعة التي جرت على أيدي الرسل والانبياء. وبوذا نفسه الاله المعبود لا يجترح المعجزات التي تخرق قوانين الطبيعة. وتعاليمه الدينية تتمحور حول مركزية السلوك الانساني بحب الخير يعم الحياة ونشر قيم المحبة والسلام. لكن هذه التعاليم البوذية تجعل من العلاقة الانفرادية مع الخالق هي أسمى من العلاقة التي تربط الفرد بالاخر. لذا يكون تغييب عملانية الاصلاح في نشر قيم الخير والمحبة مكبّلة بمحبّة المعبود بخالقه في إنفرادية الانصراف عن هموم المجموع الى الاهتمام بخلاص نفسه بقواه الذاتية تلبية لتوصية بوذا " إبحث عن خلاصك بنفسك "..

- على خلاف الصوفية البوذية مع صوفية الاديان التوحيدية فالزن الطريقة الصوفية تعدم لغة التجربة الصوفية بالكلمات الصوتية الناطقة ويتم ذلك بالصمت المتواري خلفه التفكير المادي ليحل محله التفكير المتعالي روحيا في التجربة ما فوق إحساسات الوجود بالعالم الخارجي ولجم نزعات الاحاسيس التي تصدرها أجهزة الجسم الداخلية وما تحتويه من رغائب مادية وغريزية يلجمها البوذي في طقس العبادة المتناغمة فيها أحاسيس النفس بحركات الجسم اليوغا في تدريب تسامي الروح فوق رغائب الجسد.

في حين نجد التجربة الصوفية في الاديان التوحيدية تعمد في وعي قصدي مسبق إعدام الافصاح اللغوي التعبيري عن وصف التجربة الصوفية لئلا تفقد ألقها الروحاني الشخصي عندما تكون لغة التجربة الصوفية الانفرادية متداولة على ألسنة الجميع عندها لا تبقى قدسية للتجربة الصوفية تحمل فرادة روحانية يؤخذ بها.. هنا نجد إعدام لغة التعبير الافصاحي عن التجربة الصوفية ليست خاصية مذهب تصوفي ديني معيّن بل يشمل الجميع لكن الفرق في إعدام اللغة يتوقف على (نوع) التجربة الصوفية ونوع الدين المنبثقة عنه.

- البوذية الصوفية تتسم بحركات جسمانية روحانية مثل (اليوغا) لا تشابهها الحركات البسيطة التي يمارسها الشخص المتدين أثناء الصلاة في طقوس الاديان الابراهيمية التي تكون حركات الجسم فيها حسيّة انشادية. في جميع الاديان يتخلل الطقس التعبدي المقدس حركات جسمانية معينة معبّرة عن تناغم روحي جسمي ترافق اقامة الطقوس والشعائر الدينية. وحركات الجسم في الطقوس الدينية هي لغة تعبّد أو هي جزء من طقس ممارسة المقدس التعبّدي. والحركات الجسدية في طقوس العبادات الدينية التوحيدية قد لا تحمل تلك الروحانية الجسدية التي تعبر عنها حركات الجسم في الصوفية البوذية التي يرافقها الصمت المطبق في التركيز الذهني خارج محسوسات العالم الخارجي.. الطقوس العبادية في الاديان التوحيدية تعتمد الاحساس المباشر بوعي الوجود النفسي والحركي الجسماني البسيط الذي يفتقد نزعة التسامي الروحي وخصوصا في حالة تأدية الاناشيد الدينية في مراسيم وطقوس بعض الديانات فهي أدعية تصاحبها البخور لا تحمل معها الصفة الروحانية بل الصفة الطقسية الانشادية الاعتيادية..

صمت اللغة الصوفية

لماذا يكون الصمت الصوفي أبلغ من البوح اللغوي التعبيري عنها؟

أهم انواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الادراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الالهية، هي لغة الخيال التصوفي العابر الذاكرة التخييلية، فالمتصوف أو العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق أن أسهل انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه وأستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الّثرّة المتسامية نفسيا تعجز اللغة التعبير عنها.وهو ما عبّر عنه أحد الفلاسفة قوله أن ما تعجز اللغة التعبير عنه هو الاكثر أهمية وجمالا من المعبّرعنه. وهو إفتراض لا يمكن التحقق منه كما لا يمكن نكرانه. فالصمت هو لغة تفكير تأملي انفرادية لا تدرك من غير صاحبها وعلى فرق هذه الخاصية تعرف حقيقة صدقها من زيفها..

من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة التسامي الذي يّشل الحواس والادراك الشعوري الواعي للعقل، اللغة الصوفية تأتي على شكل تداعيات ومرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي على/ فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل أيضا في تغليب الوجدانات العاطفية التي تعجز اللغة عنها. لغة المتصوف غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الانساني الاجتماعي للآخر بجميع اشتمالاته المادية، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بأمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو بلوغ المثال المتسامي ونشدان الوصول الى مراتب متقدمة من صفات الخالق والذات الالهية على صعيد صوفية الفرد الواحد فقط.

لغة التصوّف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي لتلتقي بهذاءات المرضى العصابيين الى حد ما مع فارق أنه في بعض الحالات التصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وابن الفارض والسهروردي وابن حزم وابن الرومي وغيرهم، (لغة) التصوف لديهم تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتداخل الوعي الشعوري والادراكي بتسجيل التجربة الصوفية بشكل مرموزات اشارية ملغزّة لكنما يبقى الغموض التاويلي فيها سيّد الموقف في امتلاكها نمط اسلوبي لغوي قيمي وحكمي يحتاج إعمال التفكير المتأمل فيه. .

في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان الانفصامي العصابي، وهذا ينطبق أيضا على الكثير من التجارب الصوفية غير الناضجة في عجزها اللغوي التعبيرالزائف لتجربة صوفية لم تحدث أصلا. كما ومن المهم الادعاء أن الصوفي لا يمكنه التحدث لغويا عما يمر به اثناء التجربة الانجذابية في الطقس التعبدي المنفرد. التعبير اللغوي عن التجربة الصوفية لا يتم اثناء القيام بالتجربة الصوفية بل يتم بعد الانتهاء منها في محاولة تذكرها وفي وصف بعض حالاتها.

كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات مرضى العصاب يتقاسمان صفة لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج انطولوجيا - سيسيولوجيا في تغييب الوجود الواقعي العقلاني للفرد والمجتمع،وإعدام فرص التواصل بالآخر...أمام الاندفاع في خلاص الفرد صاحب التجربة الصوفية قبل كل شيء.. فالصوفية ترجع الى إصولها القارة إنها تجربة دينية في علاقة مميزة تربط الخالق بالمخلوق وهو جوهر ديني لا خلاف عليه.. قبل إستحواذ السياسة وسلطة الحاكم عليه.

لغة التصوف تلغي الفاعالية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج – ماعدا استثناءات تجارب صوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة مجال اشتغالها التعبيري الشطحات الصوفية اللغوية على شكل ومضات حكمية وأقوال ملغزّة باطنية وفي مجال قول الشعر الملغّزالغامض أيضا، وإعدام رقابة العقل الشعوري على اللغة المنطوقة تصّوفيا،يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده، بمنطق لغوي نسقي منظّم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات التفكيراللغوي وتداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال صعوبة أمكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية، بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.أن محاولة الطلب من صاحب التجربة الصوفية نقلها الى واقع لغوي تواصلي مع الآخرين هو ضرب من الاجهاز على حقيقة التجربة الذاتية الصرف..

الجانب الثاني من الألغاء في لغة المتصّوف يتمثل في تخريب الاخصاب التخييلي المنتج ماديا وليس التخصيب المتسامي روحيا،في عجز التعبير التصوفي، وفي اللقاء مع هذاءات العصابي الانفصامي في عجزهما المشترك أن يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعّتد الأخذ بها،فقط باستثناءات تجارب صوفية متقدمة يمكن أن يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها أشرنا لها سابقا.

المعنى المفهومي الصوفي في اللغة،سائبا وسائلا غير منظما ولا منضبطا سطحيا وانفعاليا هستيريا، لغة غبر مفهومة ولا متسّقة تعبيريا،طلاسم لاشعورية مغلقة على عوالم خيالية مرضية أنفصامية لا رابط لها مع الاخرين والواقع أو المحيط.

بوذا الاله والطبيعة

من المعروف جيدا أن الطبيعة لعبت دورا كبيرا في محورية مواضيع الفلسفة والدين كما هو الوجود والانسان. في مرحلة متأخرة من تاريخ الفلسفة جرى تأليه الطبيعة في منحيين حمل لوائهما اثنين من عمالقة الفلسفة. الاول باروخ اسبينوزا الذي جعل من الطبيعة جوهرا قائما بدلالة جوهر الخالق غير المدرك.

اسبينوزا في تقديسه الطبيعة نزع نحو صوفية عقلية روحانية التي بدلالتها نعي الجوهر الايماني الخالق لها. اسبينوزا اراد الطبيعة جوهرا استدلاليا للايمان بخالق نجده على الارض في تجليّاتها ومظاهرها ونظامها الاعجازي وليس البحث عن الخالق في السماء. بهذا المعنى دافع اسبينوزا عن نظريته المذهبية الفلسفية الصوفية في وحدة الوجود قائلا إني حاولت رفع الطبيعة نحو مقام الخالق المتعالي عليها ولم أعمد إنزال عظمة الخالق الى مرتبة الطبيعة. وبذا دفع اسبينوزا عنه تهمة الالحاد المستترة خلف هذا التعبير. وإدانة اسبينوزا بالهرطقة والتجديف جاء بسبب إنكاره المعجزات الدينية التي تخرق القوانين الطبيعية وليس بسبب آرائه الفلسفية في مذهب وحدة الوجود في تاكيده على أن الجوهر الالهي الازلي للخالق غير المدرك هو الدلالة التي نفهم بها وجودنا في الطبيعة..

من بعده جاء فيورباخ ذلك الفيلسوف المادي بغير حدود الذي وجد في الطبيعة حقيقة الدين والاله مجتمعة معا. وفي إحدى رسائله الى صديق له قال بالحرف الواحد اني أحب وأعشق الطبيعة حد الايمان الصوفي الديني الانخراط بها كجزء متداخل فيها لو تمكنت ذلك . وفعلا هذا الحب للطبيعة سحب فيورباخ نحو مادية تأملية صوفية أراد مزجها بنشأة الدين عند الانسان، وإعتبر فيورباخ الطبيعة هي مصدر معرفتنا حقيقة الانسان والطبيعة والاله. حيث وصل التطرف به القول أن الانسان والطبيعة والاله دلالة لمعنى واحد مرتكزهم الانسان وحده فقط. هذه المادية في تفسير فيورباخ الطبيعة أفقدت زميله ماركس صوابه ما جعله يرد هو وانجلز عليه بما سمي طروحات نقدية فلسفية ضد صوفية فيورباخ الدينية وليست المادية..

من هذه المسحة الوجيزة التي مررنا عليها أين نضع الصوفية البوذية؟ هل نضع مرجعيتها مع اسبينوزا الصوفي الروحاني، أم مرجعيتها مع فيورباخ الصوفي العقلي المادي؟ أم مرجعية خصوصية استقلالية تبعدها عن التبعية لأي من الاديان التوحيدية أو الملحدة.؟ رغم تقديس البوذية الطبيعة بلا حدود.

أرى مفترق الاجابة في تفكيك هذا الاشكال التداخلي يتم عن تساؤل يضعنا أمام حقيقة ما هو الاله؟ اله البوذية هو الاله الارضي الذي يتمتع بكامل القدرات التي يتمتع بها إله السماوات كما في كتب الاديان التوحيدية حيث تؤكد الصوفية البوذية هذا المعنى "أن لفظة بوذا تعني صاحب النور اللامحدود، ومالك الحياة اللامتناهية، قد خلق بتعاطفه ورحمته التي لا حد لها ارضا يستطيع كل انسان بلوغها بفضل رحمته ونعمته. فالتضرع البسيط لاسمه مقرونا بالايمان بفاعلية يضمن للمؤمن الميلاد من جديد في الارض الطاهرة " 3.

الالتباس في نهاية العبارة بالتضرع البسيط يضمن للمؤمن الميلاد من جديد في الارض الطاهرة التباس جوهري لا تستطيع حله كلمات في مقال.. نتسائل بضوء عبارة البوذية:

- مساواة بوذا بقدرات وإمكانات لا يتوفر عليها غير الإله الميتافيزيقي بالسماء يجعل من البوذية مذهبا إلحاديا صرفا يجد في تحقق الذات في نبتة برية.

- أين وكيف ومتى يكون الميلاد الجديد؟ هل في التغيير الروحي للانسان على الارض؟ أم هو في عالم يصله البوذي الصوفي ليجد فناءه الارضي لا شيء يعقبه.

- مالمقصود بالارض الطاهرة هل هي فضاء نوراني لا يدركه العقل غير متعيّن؟ النرفانا الصوفية البوذية في إعدامها عن وعي قصدي مسبق حياة الارض بالانطفاء النفسي التام في تأكيد قول معظم الفلاسفة عالمنا الذي نعيشه هو العالم الزائف غير الحقيقي دونما التلميح كيف نجد عالمنا الحقيقي المنشود والذي هو بلا ملامح ؟ أم هي أرض أخرى طاهرة ليس بمعنى الارض المادة غير هذه الارض التي يعيشها الانسان مليئة بالشرور والآثام التي ايضا لا نعرف اين هي ولا كيفية الوصول لها في نكران البوذية وجود حياة أخرى نبعث فيها ليوم الحساب والعقاب.؟

أجد الاجابة عن التساؤلين يضعنا في تضاد محرج يرفضه العقل.. فاذا نحن فسرنا التغيير الروحي يتم على هذه الارض، فهذا ينفي ضمنا أهمية الايمان بإله غير ارضي لا يكون غير بوذا وحده على الارض.

وكيف تتجدد الحياة بالانطفاء النفسي التام في وعد يتحقق على ارض طاهرة أخرى غير هذه الارض لا نعرف اين هي ولا كيفية بلوغها؟. إرباك وعظي غير عملاني أبدا. هنا ميزة الصوفية البوذية الدينية أنها لا تعطي بديلا عن الخلاص من بؤس حياة الارض كما تدعي بخلافها الاديان التوحيدية التي تعطي الامل البديل في حياة تأتي بعد وفاة الانسان وفنائه بهذه الحياة لكنها غير المسؤولة عن تحققه من عدمه،ولا وجوده من عدم وجوده..

شعر الهايكو والطبيعة

بدءا يجب الاقرار ان تقديس الطبيعة في شعر الهايكو الياباني الذي اسسه رائده الاول الشاعر الياباني (ماتيسو باشيو) هو أحد ملامح الصوفية البوذية غير الدينية. ويشير دارسو الهايكو الشعري أنه نوع من الشعر الياباني قبل تداول ممارسة النظم الشعري عالميا على منواله. إنه يتالف من "17" مقطعا أو ابيات تتوزع في ثلاثة اقسام 5/7/ 5 في الهايكو الشعري العربي جرى إختزاله الى ثلاثة مقاط شعرية فقط بدلا من سبعة كما في هايكو اليابانية. ولا يجب أن تخلو خاتمة المقطع الاخير من شعر الهايكو عن تمجيد مظهر من مظاهر وموجودات الطبيعة والا خرج الشعر عن خاصيّة الهايكو.

ما يهمنا في هذا المجال ليس دراسة شعر الهايكو ادبيا، بل تركيزنا على أهمية تقديس وحضور الطبيعة في الاديان الشرقية والاديان الغربية غير الماخوذة عن الشرق. فالشرقي وخاصة شعوب جنوب شرق اسيا الذين يدين غالبيتهم بالبوذية فنجدهم يحترمون الطبيعة احتراما استثنائيا مقدسا، فنجد البوذي يحترم نبتة برية ويحتضنها بيديه متبركا بها يناجيها روحيا ولا يقطعها. كما أن الشرقي البوذي يتأمل جمال الطبيعة الاعجازي ليس في بعدها الايحائي الديني فقط بل في بعدها الوجودي بالطبيعة.

" ونجد الشرقي الصوفي يتأمل هذا الحب والقداسة الطبيعية بصمت دفين – يحمل الكثير العميق من ذخائر النفس الدفينة – صمت حكيم لا يشي بالبكم أو فقدان القدرة على الكلام، صمت فيه من الفصاحة التعبيرية الصامتة ما تفتقده فصاحة الكلام"4 .

أما الغرب أو الشعوب الغربية فهي مولعة بحب ما هو مادي واقعي التحقق ويفضله على ما هو روحاني ميتافيزيقي يتسم برومانسية حالمة. أي أن الغرب يبتعد عن العاطفة الجيّاشة المغرمة بالانفعالات في تغييبها وصية العقل وحاكميته الصلدة.

من جهة موازية فالغرب يعمل على تشيييء الكلام، وبخاصة في تشيييء الجسد على مستوى الفنون والرسومات ذات المسحة الدينية التي لا تخلو من خيالات تحتجب خلف رسومات الجسد الحسية الطاغية. "تجسيد جسدي مفاتني حسي يصل الى عتبات الانفضاح الشهواني"5  الذي يحرك الغرائز النفسية على حساب ماتوحي به وتريده الرسومات الدينية من تسامي روحاني يناغم الايمان الديني وهو ما ينطبق على جميع منحوتات ورسومات عصر النهضة الاوربية بدءا من ليوناردوا دافنشي ومايكل انجلو وليس انتهاءا بمونيه وماتيس وغويا  وغيرهم.

المذهل في شاعرية ماتيسوباشو في الهايكو هو أنه يستنطق لغة الطبيعة في الخضرة والازهار والانهار والجداول والمناظر الخلابة محاولا الدخول في نسيجها وتقمص صمتها الاسطوري الذي يجعل الانسان كائنا ينتسب الى الطبيعة بجمالها لا أن تنتسب هي له في فتاحة العبث بعذريتها وشفافيتها ذات المسحة الالهية. التي تقول في صمتها ما تدخره بنفسها من الهام روحاني لا يتوفر عليه الانسان خارج تعالقه الذي لا انفكاك منه بالطبيعة.

إدراك الذات إدراكا حقيقيا في صوفية الزن هو الحلول النفسي في موجودات الطبيعة، فمثلا اذا ما كنت ترغب معرفة حقيقة الذات – الموضوع، عليك أن تجعل من إدراك الذات لموضوعها هي الذات التي تموضعت في داخل موضوعها في تاكيد مزدوج هو معرفة الذات بدلالة الموضوع ليس تخارجيا ولا جدليا إنما يتم ذلك في (الموضعة ) الذاتية في ابسط الاشياء من موجودات الطبيعة. الموضعة هي تجريد تصوري فكري يتبع الشيء في وجوده وليس جزءا من تكوين ذلك الشيء.

فمثلا حين تريد معرفة حقيقة زهرة في صوفية الزن عليك أن تكون أنت الزهرة، وهذا الحلول التموضعي بالاشياء أفضع من ناحية القدرة الاستيعابية لنا بالقياس محاولة جعل تشيييء الصوفية غير البوذية التسامي الروحي الحلولي في الذات الالهية ميتافيزيقيا ممكنا.

هنا في الصوفية البوذية يصبح حلول الذات موضعة مادية في الطبيعة، وهذه الطريقة البوذية لا تلتقي مذهب وحدة الوجود من حيث ادراك الوجود خارجيا معدوما في توكيد الذات، كذلك موضعة الادراك بالموجود الطبيعي يجعل من الادراك الذاتي معدوما ايضا.

موضعة الادراك التجريدي بمكونات الطبيعة هو مرادف التقمص الصوفي البوذي فيها. بما ترغبه النفس والارادة الذاتية أن تكون عليه من مخلوقات أو كائنات فالانسان البوذي يمكن أن يكون زهرة اذا رغب ذلك أو يكون نمرا أوشجرة أي شيء موجود في الطبيعة يريد الانسان أن يكونه في تجريد تاملي تشييئي تقوده الارادة الطوعية وليست القسرية..

ورغم طغيان الخاصيّة الروحية في جميع مذاهب الصوفية الدينية إلا أننا نجد البوذية تشذ عن هذا المعنى التجريدي حينما يكون تموضعها التجريدي بالاشياء (ماديا) وليس روحيا. ربما يبدو للبعض أن في هذا التعبير تناقض تعبيري عن حقيقة فلسفية من السهل الاستشهاد المادي لفيورباخ تاكيدها في صوفيته التاملية العقلية حينما وجد فيورباخ الانسان هو صانع معبوده وهو الذي يخلق الهه الذي يرغبه. في نفس وقت جعل من التكيّف الانساني مع الطبيعة علاقة مادية وليست روحية.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش

1- د. ت. سوزوكي /التصوف البوذي والتحليل النفسي/ ت: ثائر ديب، تقديم وفيق خنسة ص2 من هامش المقدمة

2-  نفسه ص 12

3- نفسه ص 28 هامش المقدمة

4-  نفسه ص 30

5- نفسه نفس الصفحة

 

 

علي رسول الربيعيالأغراض الأخلاقية

عندما يأتي فولر ليقدم لنا وصفًا عامًا لغرض القانون، يخبرنا أن القانون هو "مشروع إخضاع السلوك البشري لحكم القواعد."[1] لسوء الحظ، لا يبدو هذا مختلفًا تمامًا عن تفسير هارت (أعلاه). كما أنه من غير الواضح لماذا يجب أن نفكر في الأمر على أنه يتضمن بعض "الأخلاق الداخلية". فإذا ما تم أخذها من تلقاء نفسها، فإنها بالكاد يمكن فهمها كتفسير للطابع الهادف للقانون. تخيل شخصًا يصف مجموعة معقدة من القواعد للطريقة التي يجب على الناس من خلالها ربط أحذيتهم. عندما سُئل عن سبب قيامه بذلك ، يقول أنه يسعى لتحقيق هدف "إخضاع السلوك البشري لحكم القواعد".

يصبح إخضاع السلوك البشري لحكم القواعد مفهومًا تمامًا فقط عندما نعرف الهدف الآخر الذي يتم تقديمه: العدالة، أو الصالح العام، على سبيل المثال. لكن معظم الناس قد يقولون إن القانون يمكن استخدامه لأغراض أخرى غير خدمة العدالة والصالح العام. يمكن استخدامه لأغراض شريرة، مثل الاستغلال الممنهج  للسكان الخاضعين.

يرغب فولر في الادعاء بأن طبيعة القانون يجب أن تُفهم بالرجوع إلى فكرة الامتثال الكامل للمتطابات الثمانية التي حددها، على الرغم من أن جميع الأنظمة القانونية الفعلية ستقصر بشكل ملحوظ عن هذا الامتثال الكامل. لكنه يود أيضًا أن يدعي أن فكرة الامتثال الكامل للثمانية هي في حد ذاتها فكرة أخلاقية. ومن ثم فهو يجادل بأن هناك علاقة مفاهيمية ضرورية بين القانون والأخلاق بقدر ما يتمحور مفهوم القانون حول فكرة أخلاقية، وحالات القانون تعتبر على هذا النحو من خلال درجة تقاربها لتلك الفكرة. لكن كيف يمكنه أن يحافظ على هذه الأطروحة؟ سيحتاج بالتأكيد إلى تجاوز القول بأن القانون هو "مشروع إخضاع السلوك البشري لحكم القواعد".

لا يتردد فولر في وصف موقفه كمؤيد لنظرية القانون الطبيعي، مع أنه يصف ذلك بالقول إنها نظرية إجرائية للقانون الطبيعي. غالبًا ما يُنظر إلى القانونيين الطبيعيين أنهم يدّعون أن القواعد غير العادلة (أو ربما القواعد الجائرة بشكل صارخ) لا يمكن أن تشكل قوانين، لكن جون فينيس دلل بشكل مقنع بأن مثل هذه الأطروحة لم تكن مركزية لفكر القانون الطبيعي أبدًا.[2] 29 سيكون من الخطأ على أي حال افتراض أن فولر سيصادق على هذه الأطروحة. يدعي فينيس، بالحجج من منظور تفسير قوي ومميز للعقل العملي، أن طبيعة القانون يجب أن تُفهم بالرجوع إلى تلك الأمثلة "المحورية" للأنظمة القانونية حيث يخدم القانون الصالح العام. إن طبيعة القانون قادرة على تقديم تفسير فلسفي بوصفه حلًا لمشكلة متأصلة في الوضع البشري وفي العقل العملي: نحن نفهم طبيعة القانون من خلال رؤية تعتبره ضروري كشرط مسبق لازدهار الإنسان. نفهم ذلك من خلال التفكير في الأنظمة التي يخدم فيها القانون الصالح العام. تعتبر الأنظمة الأخرى، حيث لا يخدم القانون الصالح العام (أو يخدمه بشكل ناقص للغاية) بمثابة قانون بحكم تقريبها من الحالات "المحورية". تتشابه نظرية فولر إلى المدى الذي تعتبر فيه الأنظمة قانونًا نظرًا لتقريبها لمثال الامتثال للمتطلبات الثمانية. تكمن المشكلة في أنه بينما يمكننا أن نرى أن "الصالح العام" فكرة أخلاقية ، فمن الصعب أن نرى ما هو أخلاقي في جوهره حول المتطلبات الثمانية. إن نقطة بداية فولر أكثر رسوخًا من تلك الخاصة بفينيس، لأن العديد من المنظرين يرفضون تفسير فينيس للعقل العملي وبالتالي ينكرون وجود أي ارتباط مفاهيمي بين "القانون" و"الصالح العام". لكنهم بالكاد ينكرون وجود صلة بين مفهوم "القانون" أو على الأقل قدر ضئيل من الامتثال للمتطلبات الثمانية. لكن صلابة نقطة البداية يقابلها صعوبة استخلاص أي استنتاج منها يدعم العلاقة المفاهيمية بين القانون والأخلاق.

يميز فولر في كتابه بين الأخلاق الداخلية والخارجية للقانون. هذا، بالإضافة إلى توصيفه لموقفه على أنه نظرية "إجرائية"، ويشير إلى أنه يرى بعض القيم الأخلاقية الجوهرية في الجوانب الشكلية والإجرائية البحتة للقانون، بصرف النظر عن المحتوى الموضوعي للقانون (والذي سيكون مسألة " الأخلاق الخارجية). ومع ذلك ، فإن الكثير من الالتباس ناتج عن حقيقة أنه عندما يستدير صراحة لمواجهة التحدي الذي طرحه هارت، فإنه يسعى إلى اشتقاق أخلاق المتطلبات الثمانية من تداعياتها المزعومة على المحتوى الموضوعي للقانون.

يجادل هارت بأن المبادئ من النوع الذي حدده فولر "متوافقة مع الظلم أو الجور الكبير"،[3] 30 ويبدو أنه يقدم هذا كسبب لرفض ادعاء فولر بأنهم يشكلون "أخلاقًا داخلية".[4] .31 يستجيب فولر بأخذ الاعتراض مباشرة وإنكار محتواه. يبدو أن نقاشه يجمع بين حجتين مختلفتين. أحدهما مقبولة أكثر من الآخر. الحجة المقبولة هي أن النظام الذي يُظهر "اللامبالاة الوحشية للعدالة ورفاهية الإنسان" من غير المرجح أن يُظهر "احترامًا حقيقيًا لمبادئ الشرعية": يبدو أن هذا جزئيًا ادعاء يتعلق بعدم مقبولية نفسية لأي أتحاد من هذا القبيل، وما يترتب على ذلك من نقص في  الواقعية في أي مثال يعتمد عليها. يدعو فولر هارت إلى تقديم بعض الأمثلة الحقيقية، واثقًا من عدم وجود أي منها.[5] (32) إن هذه الحجة مدعومة باقتراح مثير للاهتمام مفاده أن الحكم من خلال القانون (وفقًا للمتطلبات الثمانية) يجسد  وجهة نظر الإنسان كفاعل عقلاني.[6]

الحجج الأخرى التي قدمها فولر كرد فعل أقل فعالية. يجادل، على سبيل المثال، بأنه قد يكون من المستحيل تحقيق الأهداف الشريرة عن طريق القانون: ويرجع هذا جزئيًا لأن الأنظمة الشريرة لن ترغب في متابعة أهدافها علانية خوفًا من النقد المحلي والدولي ، ولكن أيضًا بسبب بعض القوانين الشريرة ، مثل لا يمكن صياغة قوانين عنصرية بعبارات واضحة.

الحجج التي قدمها فولرغير ضرورية  إلى حد ما، لأن كان من السهل جدًا على فولر رفض اعتراض هارت  باعتباره غير ذي صلة بقضايا وحجج النقاش. هناك فضائل  مسقلة. فالصدق فضيلة واللطف فضيلة أخرى. بما أن الفضائل مستقلة، فقد يجد المرء شخصًا صادقًا تمامًا ولكنه قاسي للغاية. في الواقع الصدق متوافق تمامًا مع القسوة الشديدة. ومع ذلك فإن هذا لا يظهر الصدق على ألا يكون فضيلة. وبالمثل، قد تكون هناك فضائل مستقلة بذاتها لأشكال الحكم وكذلك للأفراد. إذا كان الامتثال للمبادئ الثمانية هو فضيلة لأشكال الحكم، فإن طبيعتها الفاضلة لا يتم إبطالها بأي شكل من الأشكال من خلال اكتشاف أنها متوافقة مع ظلم كبير، على سبيل المثال . ربما تكون الشرعية (الامتثال للمتطلبات الثمانية) فضيلة والعدل هو فضيلة أخرى. قد يكون الامتثال للمبادئ الثمانية فضيلة حكومية حتى لو كان متوافقًا مع ظلم كبير في شكل ظلم.

بالطبع ، بينما يوضح ذلك عدم ملاءمة حجة هارت، فإنه لايثبت أن الامتثال للمتطلبات الثمانية هو في الواقع فضيلة. لا يزال لدى فولر تلة كبيرة ليتسلقها إذا أراد إقناعنا بهذه النقطة. يقدم كتابه( الذي نحن بصدده) مجموعة كبيرة ومتنوعة من الادعاءات التي تسعى إلى معالجة هذه القضية، وبعضها ذات أهمية كبيرة. وهو يجادل، على سبيل المثال، بأنه عند مراعاة المبادئ الثمانية لسيادة القانون، تنشأ علاقة المعاملة بالمثل بين الحكام والمواطنين، وهذه العلاقة أساسية للالتزام بطاعة القانون[7] 34 ويشير إلى أن شرط  التصرف وفقًا للقواعد العامة يتطلب من المرء أن يفكر ويلتزم بالمبادئ العامة التي قد تبرر تصرفه.[8] ومع ذلك، لم تنجح أي من هذه الحجج حقًا في إثبات أن الامتثال للمتطلبات الثمانية هو أخلاقي في جوهره؛ وبدون مثل هذه الاثبات، ليس لدى فولر أي مبرر لوصفها بأنها "أخلاق القانون".

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

[1] Fuller, The Morality of Law, p.106

[2] Finnis, J. Natural Law and Natural Rights (Oxford: Oxford University Press, 1980), p.351.

للدفاع الحديث عن الأطروحة انظر :

Alexy, R. The Argument from Injustice, (Oxford: Clarendon Press, 2002).

[3] Hart, H.L.A. The Concept of Law, 2nd edn (Oxford: Clarendon Press, 1994), p.207.

[4] ليس من السهل في الحقيقة تفسير ملاحظة هارت. أنظر:

Simmonds, N.E. Law as a Moral Idea (Oxford: Oxford University Press, 2007)., pp.69-73.

[5] Fuller, The Morality of Law, p.154.

[6] Fuller, The Morality of Law, pp.162-167.

[7] Fuller, The Morality of Law, pp.19-27.

[8]  Fuller, The Morality of Law, p.159.

 

علي رسول الربيعيالبنية المفهومية

إذا أردنا تقديم تحليل لمفهوم "القانون"، يجب أن نقدر أن المفاهيم المختلفة يمكن أن تظهر أنواعًا مختلفة من البنية المفاهيمية. يتم تعريف بعض المفاهيم من خلال مجموعة محدودة من الخصائص المحددة. "العازب" ، على سبيل المثال ، هو إنسان بالغ، ذكر، غير متزوج. أمتلاك هذه الخصائص الأربع يعني أعزب، وفقدان واحدة أو أكثر من تلك الخصائص ليس عازب. يتم تنظيم المفاهيم الأخرى من خلال ما أسماه فيتجنشتاين "تشابهات الأسرة".[1]  خذ على سبيل المثال مفهوم "اللعبة". قد لا توجد مجموعة من الخصائص تشترك فيها جميع الألعاب، بحيث يمكن للمرء أن يجد نشاطين يعتبر كلاهما ألعابًا، ولكن ليس لهما خصائص مشتركة. ولكن، في الوقت نفسه، قد تكون هناك مجموعة من الميزات الشبيهة باللعبة (مثل التشابه الذي نجده في عائلة) بحيث تعرض أي لعبة مجموعة من الميزات من تلك المجموعة.

نحتاج لفهم فولر إلى فهم احتمالية أن يتم بناء المفهوم من خلال ما يمكن أن نطلق عليه "النموذج الأصلي". خذ مفهوم المثلث، على سبيل المثال،حيث يجب فهم هذا المفهوم بالرجوع إلى تعريف رياضي. المثلثات الفعلية التي يمكن ملاحظتها ستنتج  جميعها عن التعريف الرياضي إلى حد أكبر أو أقل، لكنها تُحسب كمثلثات بحكم درجة القرب لهذا التعريف. في حين أن جميع العزاب متساوون في العزوبية، فليست كل المثلثات مثلثات متساوية. لا يستعمل فولر مصطلح "النموذج الأصلي"، لكنه مع ذلك يبدو أنه يدعونا إلى اعتبار مفهوم "القانون" منظمًا بواسطة نموذج أصلي. النموذج الأصلي المعني هو فكرة الامتثال الكامل للمتطلبات الثمانية المنصوص عليها في قصة ريكس( التي ذكرناها سابقا). لا يهم، من وجهة النظر هذه، أن حالة الامتثال الكامل قد تكون غير قابلة للتحقيق في ظروف العالم الحقيقي (بسبب المتطلبات الشاملة التي تفرضها المتطلبات الثمانية علينا): النموذج الأصلي للقانون يشبه المثلث النموذجي في هذا الصدد. تعتبر الحالات أمثلة على القانون بقدر ما تقترب من النموذج الأصلي. قد يكون النظام الاجتماعي، في مرحلة ما ، أقل بكثير من الامتثال الكامل للمتطلبات الثمانية التي لن نعتبرها مثالًا للقانون على الإطلاق.

لا يستدعي فولر صراحةً فكرة النموذج الأصلي، لكن تقترح الفكرة بقوة الكثير مما يقوله.  يميز في فصله الأول، على سبيل المثال بين أخلاق الواجب وأخلاق االطموح أولتطلع. تتكون أخلاق الواجب من المعايير التي تتطلب امتثالنا، والتي إما نمتثل لها أو لا نمتثل لها. من ناحية أخرى، لأخلاقية الطموح نوع مختلف من البنية. إنها مسألة أهداف أو مُثُل يجب أن نتطلع إليها. في حين أنه سيتم،  في أخلاق الواجب، الحكم على سلوكنا بأنه إما امتثال لواجبنا أو عدم أمتثال، فإن أخلاق الطموح تحكم سلوكنا من خلال مدى قربه من الفكرة: إنها ليست مسألة صحيح ضد خطأ، لكنها مسألة عدم التمييز والجدارة بدرجات متفاوتة. يقول فولر أن الأخلاق الداخلية للقانون هي في الأساس أخلاق الطموح.[2] وهكذا يخبرنا بأن " "ما يبدو في أدنى مستوى على أنه شروط لا غنى عنها لوجود القانون ، يصبح كلما أرتقينا في مقياس الإنجاز، أن يتطلب بشكل متزايد  تحديات للقدرة البشرية".[3]

يتعلق جزء من النقطة التي يحاول فولر نقلها في هذه الملاحظات هي التوافق في البنية بين أخلاق الفضيلة  (أخلاق الطموح) ومتطلبات الشرعية: نتعامل في كل حالة مع مسألة التقريب إلى نموذج مجرد، حيث جميع الحالات الفعلية سوف تقصر عن النموذج إلى حد معين. لكن هذا المفصل البنيوي محجوب إلى حد ما من خلال أسلوب تعبيره. إذا قلنا أن المتطلبات الثمانية ترقى إلى مستوى "أخلاق الطموح" فإننا في الواقع نضغط معًا على اثنين من الادعاءات المختلفة التي يجب التمييز بينهما. في المقام الأول، هناك ادعاء حول بنية مفهوم القانون: وعلى وجه التحديد، الادعاء بأن أمثلة القانون تعتبر على هذا النحو من خلال تقريبها إلى نموذج مجرد (نموذج أصلي) وليس (على سبيل المثال) من خلال إشباعها بشكل شامل لمجموعة من الخصائص بطريقة مفهوم الطبقة. ثانيًا، هناك ادعاء بأن النموذج المجرد المعني هو في جوهره قيمة أخلاقية مثالية أو قيمة أساسية. يمكن أن تشكل المتطلبات الثمانية "أخلاق الطموح" فقط إذا كان من الممكن الحفاظ على كلا المطلبين. لكن يجب النظر في المطلبين بشكل منفصل، وبالتالي فإننا نحتاج إلى مصطلحات تسهل مثل هذا النظر. نكون، من خلال استخدام فكرة النموذج الاصلي، قادرين على التقاط النقطة البنيوية التي يطرحها فولر مع فصلها عن الادعاء المختلف تمامًا بأن المتطلبات الثمانية تشكل مثالًا أخلاقيًا.

لا نصنف الأنظمة القانونية عادة على أنها أكثر أو أقل قانونية حسب الدرجات. إذا كانت الأنظمة قد حققت درجة معينة من الامتثال للمتطلبات الثمانية ، بحيث نعتبر كل منها مثالًا واضحًا للقانون وليس مجرد حالة  رسم الحدود، فإننا نتحدث عنها جميعًا على أنها "أنظمة قانونية" متساوية. وبالتالي، قد يتساءل المرء جيدًا لماذا يجب أن نتعامل مع مفهوم القانون على أنه منظم بواسطة نموذج أصلي بدلاً من (لنقل) التعامل معه كمفهوم طبقي (مثل مفهوم الأعزب)؟

يتطلب منا، في المقام الأول، أن نتذكر أن الهدف من البحث في فلسفة التشريع عن طبيعة القانون ليس الكشف عن المعايير الدلالية الضمنية التي تحكم استخدامنا لكلمة "قانون". ولكن محاولة إيجاد معنى متماسك لفهمنا الأكثر ثباتًا للقانون: قد تنعكس هذه  في استخدامنا للكلمة، لكن نطاقها وعمقها لن يكونا قابلين للاختزال إلى مسألة ممارسة لغوية فقط. نظرًا لأن نظرية طبيعة القانون تحاول تكوين معنى متماسك لمثل هذ الفهم، فيجب في النهاية الحكم على كل خطوة في الحجة من خلال قوة وخصوبة النظرية التي تنتجها: إذا وجدنا في النهاية أن نظرية فولر غنية بالمعلومات ومفيدة، فهذا في حد ذاته سبب لتبني وجهة نظره.

صحيح أننا لا نرتب عادة أنظمة التصنيف من حيث درجة امتثالها لفكرة مجردة عن الشرعية (سواء كانت ممثلة بمتطلبات فولر الثمانية أو من خلال بعض التفسيرات الأخرى). ولكن قد يكون هذا لأنه ليس لدينا أي سبب للقيام بذلك في كثير من الأحيان. وكذلك، ليس لدينا أي سبب لترتيب المثلثات من حيث مثلثها في كثير من الأحيان: نحن نفكر في الأشياء إما على أنها مثلثات أو ليست مثلثات فقط. ولكن لا يترتب على ذلك أن مفهوم "القانون"، أو مفهوم "المثلث"، لا يُفهم بشكل أفضل على أنه منظم بواسطة نموذج أصلي. يجب أن نتذكر أيضًا أن هناك ثمانية متطلبات مستقلة حددها فولر، لذلك قد يكون من الصعب ترتيب درجات الأمتثال المختلفة للأنظمة المختلفة بشكل رتيب على مقياس واحد: قد يعمل نظام واحد بشكل جيد للغاية فيما يتعلق بالنشر والمحترفين - طيف القواعد ، مع وجود العديد من التشريعات التي يصعب فهمها أو من المستحيل الامتثال لها ؛ وفي الوقت نفسه ، قد يفي نظام آخر بهذه المتطلبات الأخيرة بشكل جيد للغاية ، ولكنه قد يفشل بشكل خطير فيما يتعلق بالتوافق بين القاعدة المعلنة والإجراء الرسمي ، أو استقرار القواعد عبر الزمن. لهذه الأسباب ، فإن ميلنا في معظم السياقات إلى التفكير في جميع الأنظمة القانونية على أنها أنظمة قانونية متساوية قد يكون متسقًا تمامًا مع مفهوم القانون الذي يتم تشكيله بواسطة نموذج أصلي.[4]  قد نميل، في سياقات معينة عندما نواجه أمثلة عن الإخفاقات في تلبية المتطلبات الثمانية الشاملة والعامة، إلى التعامل مع النظام على أنه مثال هامشي من القانون فقط ، أو على الأقل كنظام به إخفاقات خطيرة للغاية فيما يتعلق بالشرعية.

يدعي فولر بأن فكرة الامتثال الكامل للمتطلبات الثمانية هي فكرة أخلاقية في جوهرها، وتوفر نموذجًا إرشاديًا يجب أن تطمح إليه الأنظمة القانونية: تمثل هذه المتطلبات نموذجًا أخلاقيًا داخليًا لمفهوم القانون. إننا لم نلزم أنفسنا من خلال اتخاذ قرار بالتعامل مع مفهوم القانون على أنه منظم بواسطة نموذج أصلي بأي ادعاء من هذا القبيل: لقد فتحنا مساحة مفاهيمية فقط يمكن من خلالها أن تصبح أطروحة فولر المتعلقة بالأخلاق الداخلية للقانون مفهومة كاحتمال أو أمكان.  لا يزال يتعين علينا تقييم الادعاء بأن النموذج الأصلي هنا هو بالفعل مثال أخلاقي. بعد كل شيء ، يمكن بناء المفهوم من خلال نموذج أصلي دون أن يكون النموذج الأصلي فكرة أخلاقية، أو يقدم نموذجًا إرشاديًا: ليس الأمر أن نسعى جاهدين أن تكون كل المثلثات الفعلية لتلبية التعريف الرياضي للمثلث، ولا هذا التعريف مثال أخلاقي!

تتضمن حجة فولر في الواقع خطوتين متميزتين. في الأولى، يحتاج إلى إثبات أن مفهوم "القانون" يمكن فهمه بشكل أفضل على أنه منظم من خلال النموذج الأصلي للالتزام الكامل بالمتطلبات الثمانية. في الثانية، يحتاج إلى إظهار أن الامتثال الكامل للمتطلبات الثمانية هو مثال أخلاقي. إذا نجح في اتخاذ كلتا الخطوتين، فقد أظهر أن هناك ارتباطًا مفاهيميًا ضروريًا بين القانون والأخلاق، لأن الأمثلة تعتبر قانونًا فقط بحكم تقريبها من المثل الأعلى الأخلاقي. أويمكننا للتعبير عن هذه النقطة بطريقة مختلفة القول إن مفهوم "القانون" يتضمن "أخلاقًا داخلية".

حتى الآن نظرنا فقط في الخطوة الأولى من هاتين الخطوتين. يأتي العمل الجاد مع محاولات فولر لإنشاء الخطوة الثانية، وسوف ننتقل إلى ذلك قريبًا.

 

د. علي رسول الربيعي

.........................

[1] Wittgenstein, L. Philosophical Investigations, trans.   by G.E.M. Anscombe, 2nd edn (Oxford: Blackwell, 1953), Remarks 65-67.

[2] Fuller, The Morality of Law, p.104.

[3] Fuller, The Morality of Law, p.41.

[4] يقدم فولر تفسيرًا مختلفًا تمامًا.

Fuller, Morality of Law, p.122.

 

علي محمد اليوسفتعريف وتعقيب

في الاعوام 1802 – 1804 نشر انكتيل ديبرون مجلدين جمع فيها خمسين اوبنشاد أحضرها من الهند في لغتها الاصلية الفارسية وترجمها الى اللاتينية – الاوبنشاد هي التسمية الصوفية البوذية الهندية التي ترجع أصولها الى بلاد فارس تتوزعها تعاليم بوذا الدينية المقدسة تقع في خمسين فقرة - .

والنرفانا هي قمة الوصول الصوفي للاوبنشاد في نفي النفس ذاتيا والانطفاء والتلاشي في تعاليم بوذا التي تؤكد الفناء في قيم الخير المزروعة في نفس الانسان بالفطرة، والابنشاد تختلف عن الطرق الصوفية الاخرى السائدة عالميا سواء الدينية منها وغير الدينية، فهي لا تدعي فناء النفس الصوفية بالحلول في الذات الالهية ولا التلاشي الروحي في الطبيعة . بمعنى هي لا تشبه صوفية الاديان المؤمنة بالخالق ، ولا هي تؤمن بصوفية مذهب وحدة الوجود بل هي صوفية وثنية تؤمن بالاله بوذا فقط  كما لا تؤمن بيوم القيامة والحساب  .

النرفانا كما اشرنا هي أعلى مرتبة يصلها المتصوف البوذي في إعدامه (اناه) كوجود إنساني بوعي قصدي مسبق في تجريد النفس وانفصالها عن العالم الخارجي تماما. والنرفانا كلمة مصدرها اللغة السنسكريتية التي تعني حرفيا الانطفاء أو الخمود أو الفناء الصوفي، وهي ترجمة لمعنى أنه لم يعد هناك (نفس) – يلاحظ البوذية لا تعتبر النفس والروح دلالة لمعنى واحد كما نجده يجري الخلط بينهما بالفلسفة وبعض كتب الاديان، من حيث النفس هي جوهر انساني يمتلكه الانسان ويستطيع التصرف السلوكي به والتصرف الذهني النفسي بالحياة بضوئه وهو ما لا ينطبق على الروح التي لا تمتلك تجليّاتها التي يدركها العقل - .

 الروح تعتبر علاقتها بالجسد لا يحدها الادراك العقلي المحدود، ولا يعني هذا أن البوذية تعتبر الروح داخل الجسم الحي هي معطى فطري زرعه الخالق في جسد معبوده ويستعيدها منه بعد وفاة الانسان جسديا، والعديد من الانبياء والرسل والفلاسفة والمفكرين يعتبرون الروح لا تموت ولا تفنى بفناء الجسم وتبقى خالدة لعل ابرزهم من الفلاسفة ديكارت وما تحتويه كتب الاديان التوحيدية الثلاث. فناء النفس صوفيا أو انطفائها في البوذية حين الوصول ذروة النرفانا تعتبر الهدف الاسمى المنشود من التأمل في الفكر الصوفي البوذي. وهذه الذروة في النرفانا هي حالة الإستنارة والتحرر من كل الوجود المادي والعالم الخارجي في الديانة البوذية.

كما يرى البعض أن النرفانا هي مرحلة الوصول الصوفي درجة إنعدام فكرة "الانا كجوهر" إنعدام الذات الذي تنعدم وتموت معه بالتبعية جميع الرغبات الدنيوية والغرائز عند المتصوف كإنسان يعلو طبيعته الآدمية.

وفي هذا المعنى أدان العديد من الفلاسفة الصوفية البوذية تدميرها الذات وجعلها الانسان يعيش هامشا بلا أدنى معنى أو إهتمام بالحياة التي يحياها المجموع قبل الممات. النرفانا يحاول البعض موازنة ما تحمله من جوانب ايجابية غير سلبية في تدميرها الذات مثل تاصيل نزعة حب الخير الشامل للجميع، والتعاطف الانساني مع جميع الموجودات بما اطلق عليه كارونا  Karona . (امام عبد الفتاح امام /معجم ديانات واساطير العالم، مكتبة مدبولي، القاهرة مج3 ص 31).

النرفانا لا تجد إعجاز الخالق هو في جوهر موجوداته المخلوقة التي تتوزعها الطبيعة وهو ما يعتمده مذهب وحدة الوجود لدى اسبينوزا فقط دون الاديان التوحيدية في مذهب الصوفية. لذا الصقت بإسبينوزا تهمة الهرطقة والتجديف بالديانة اليهودية التي أهدرت الكنيس أو المجمع اليهودي دمه في هولندا نتيجة خروجه الديني التوراتي في إنكاره المعجزات والاكثر من ذلك أنه  كان يؤمن بما لم يستطع الافصاح عنه لكنه أراد الالتفاف عليه فلسفيا قوله لا يوجد اله في السماء لا يدركه العقل أوالتحقق منه، فهو جوهر خالق غير مخلوق وجوهره تتوزعه موجودات الطبيعة التي لا تدركه عقولنا المحدودة ايضا. ووجودنا الارضي يفهم بدلالة جوهر الخالق. وهو ما لم تقل به الفلسفة لاقبله ولا من بعده.

وبهذا الفهم والمعنى القريب منه حين سئل انشتاين عن أي إله تؤمن به قال أنا اؤمن بإله اسبينوزا، والجواب في حقيقته التفاف عبقري يصدر عن مثل انشتاين في الهروب من الاجابة المباشرة المحرجة أن يبقي قضية الحاده لغزا غير محسوم كما فعل اسبينوزا من قبله. وكذلك فعل بيراتراندرسل وهو على فراش الموت حين سئل ماذا ستقول لو وجدت الله موجودا في عالم ما بعد الموت ينتظرك في السماء؟ أجابهم رغم عدم قناعتي بصيغة السؤال ساقول له – يقصد الله – لماذا لم تعطني الادلة الكافية الكاشفة عنك كي اؤمن بك؟. ومن نافل القول أن باسكال كان براجماتيا صرفا في الايمان بالله نظرته الفلسفية أن المؤمن سوف لن يخسر شيئا اذا ما كان وجود الخالق موجودا حقيقيا أم غير موجود. المهم أن يتصرف الانسان طيلة حياته مؤمنا بوجود الله وسيكون في النتيجة لم يخسر شيئا. يروى والعهدة على الراوي أن أحدهم سأل رفيقا ماركسيا متدينا كيف تجمع بين ايمانك الديني وإلحادك الماركسي، فأجابهم وهل تجدون كثيرا عليّ أن أربح الدنيا والاخرة معا؟ .

التعقيب: بضوء النص المقتبس عن النرفانا الذي أجزنا لانفسنا التصرف فيه وتضمينه تعقيبات توضيحية ومداخلات نرى تثبيت التالي:

- النرفانا مرحلة هي ذروة مراحل الطريقة الصوفية البوذية تتمركز حول إفناء الذات أو النفس، خارج الاهتمام حول مركزية الخالق من جهة أو الطبيعة من جهة أخرى، ولا تدعي النرفانا هدفها الصوفي الحلول لا في الذات الالهية ولا حلولها في الطبيعة في الاستدلال الايماني على وجود خالق إله غير الاله المعبود بوذا.

- إعدام (الانا) الذات الايجابية في النرفانا وعي قصدي تقوده رغبة تجاوز ما تراه النفس وتحسّه من عالم مادي يحيطها، وإعدام الانا في البوذية هي نزعة الحادية توثينية في جوهرها، بمعنى لا هي صوفية تتقرب من ترضية الاله في التوحيد، ولا هي ممارسة دينية تهتم بخلاص الاخرين من شرور دنياهم فمركزية الذات تلغي أهمية المجموع، وهذه الترجمة لتعاليم بوذا إحداها تقول "ابحث عن خلاصك بنفسك" . يلاحظ هنا كم هو الارتباط الذي يجمع هذه المقولة بالفلسفة الوجودية أن الانسان قذف به الى الوجود من غير رغبته وعليه خلاص نفسه من المأزق الذي حشر فيه رغما عنه.

البوذية في إدانة الفلاسفة لها أنها تشن بلا سبب مبرر انساني حربا شعواء على الذات وتدميرها وخلعها من كل رابطة لها في نزعة رغبتها الاستمتاع بالحياة. إنما هي ديانة غارقة في إعدام حياة الارض دونما إعطاء أمل بسيط بديل لمعناها الارضي ولا ما ورائه..

- الذاتية الأنوية المتمركزة حول رغبة تدمير الذات بوعي قصدي تصوفي في البوذية، بمعنى رغبة جعلها الذات لا تعيش الحياة لنفسها بل تعيش من أجل الحياة التي تقوم عليها شريعة بوذا المعبود في تطبيق تعاليمه حرفيا، لذا رغبة الانطفاء النفسي الذي تنشده ذروة النرفانا إنما هو إنطفاء كليّة الوجود الانساني تماما عن العالم الخارجي.

وهذا النوع من الطقس البوذي هو التدرج في معارج الوصول الانتحاري المدّمر البطيء للذات والنفس إنما هو في حقيقته نوع من التطهير النفسي والجسدي من كل الشرور الدنيوية حتى تصل فيه النفس مرحلة الانطفاء الوجودي.

- النرفانا كما ذكرنا تصل قمة بلوغ إعدام الذات وإنطفاء النفس ولا تدعي الحلول في الاله المعبود لها بوذا ولا غيره. كما يلاحظ في صوفية الاوبنشاد أن الفرد البوذي لا علاقة دينية تربطه بمذهب وحدة الوجود خاصة كما إشتهر به اسبينوزا علما أن التعاليم البوذية سابقة بقرون طويلة فلسفة اسبينوزا في وحدة الوجود.

-  ولا تؤمن البوذية الحديثة ولا القديمة بجوهر ازلي يحكم الوجود هو خالق غير مخلوق لا تدركه العقول. بمعنى اسبينوزا أراد تاكيد وجود الخالق غير المدرك في وجوده السماوي هو الله المدرك وجوده في موجوداته المدركة في الطبيعة على الارض فقط وليس في وجوده غير المدرك بالسماء.. كما من الملاحظ أن البوذية تلتقي الاديان التوحيدية في حقيقة جوهر التدين يقوم على رابطة ثنائية قطبيها الخالق والمخلوق السيد والعبد، لكن بإختلاف جوهري أنه في البوذية يسعى الانسان إعدام حياته الارضية من أجل لا شيء يعقبها أي هي علاقة سلبية محض، بخلاف الاديان التوحيدية التي ترى التدين الانفرادي في ثنائية الخالق والمخلوق يسعى الانسان الفرد فيه ليس خلاص نفسه فقط بل خلاص مجتمعه معه في الايمان بحياة أخرى تعقب موت الانسان وفنائه الارضي..

- حركة جسم الانسان في اليوغا وفي الاديان الوثنية السابقة على الاديان التوحيدية، هي نوع من السمو النفسي العابر سلوك الانسان الطبيعي في سعيه اشباع رغباته الغريزية الفطرية البيولوجية والجنسية، وهذا لا يتم إلا من خلال إشباع حركات الجسد روحانيا بما يبطل رغبات النفس البيولوجية تماما ويطفؤها و يوقف حاجات الجسد وإخماد رغبة الذات أن تكون غير مسّيرة منقادة لتحقيق واشباع رغائب الجسد.

وتكون حركات الجسد الذي هي جزء من طقس البوذية هي ترجمة إلغاء حاجات الانسان البيولوجية تماما في تحرير النفس وخمودها بالانطفاء الوجودي الذي يكون مصدر مثيرات النوازع النفسية. وتعتبر حركات الجسد في اليوغا الطقسية وغيرها هي إنصراف تام عن الاهتمام بحاجات العالم الخارجي.

- لماذا ترتبط حركات الجسم في اليوغا بانفعالات النفس الروحانية الصوفية المتعالية على رغائب الجسد؟ في جميع الطقوس الدينية تكون حركات الجسم تعبير ملازم لاستشعارات النفس الروحية الدينية. سواء في الصلاة أو الطقوس التعبدية التعبيرية الاخرى التي تتخذ صورا واشكالا لا حصر لها خاصة بكل ديانة لوحدها وأحيانا تختلف حتى في المذهب الديني في الديانة الواحدة، ولا يكتمل الطقس الديني من دونها.

مثل إغماض العينين أثناء الدعاء وفي الصلاة مع اتخاذ حركة اليدين صورة توسل رحمة الخالق في السماء يرافقها وضعية معينة للجسم تعبيرية روحانيا تنسجم ولغة الاستبطان النفسي الداخلية الدينية في تحرير النفس من العالم المادي الخارجي تماما. مثال ذلك حين جرى تقطيع جسم الحلاج قطعة بعد أخرى كان كما روي عنه  يمسح بالدماء وجهه كوضوء وكأنه يصلي بين يدي الله لا بين يدي الذين يقومون التمثيل بجسده وتقطيع اوصال جسمه.، هنا في هذه الحالة وعدة استشهادات لائمة الصوفية المسلمين كما فعلوا بنجم الدين السهروردي وابن عربي وغيرهما كانوا هؤلاء الصوفية وصلوا في مدارج ما يسمى العرفان الصوفي في تحررهم من إحتوائهم الروحي النفسي داخل  الجسد وتحررهم تماما من نزعات النفس الحسيّة في تعاليهم وتساميهم فوق الوجود الذي نحن نعيشه كبشر بحيث غدت اجسادهم لا تقع تحت سطوة الموت بيولوجيا ولا سطوة الالم الذي نحن نستشعره في ابسط اشكاله. وإلا بأي منطق عقلي نفسر مثل هذه الحالات الصوفية العابرة لوجود الجسد وتعالق النفس بالخالق غير أنها خوارق إعجازية لنظم الطبيعة الانسانية التي تحكمنا كبشر عاديين.

لا أستطيع مقارنة هذه الحالات الإعجازية في خرق قيمومات النفس والجسد الانسانيتين الطبيعتين بحالات المشي على جمر النار ولا في بعج البطن بسيف ولا في إدخال المسامير بالجسم وأكل الزجاج وغيرها من خوارق للعادة الطبيعية الانسانية موجودة في معظم الاديان تقريبا ولا نعرف تماما إذا ما كانت صادقة أم كاذبة؟ ليس من ناحية حدوثها الفعلي أمامنا بطرق إستغفالية لحواس المتلقي العادي لها، بل من ناحية كيفية اكتساب صاحبها ممارستها وسبب هذه الممارسة غير العادية ؟ وسبب ربطها بالدين والى ماذا تتوخى الوصول له. فتعزيزالايمان بالله أو غيره وثنيا لا يكون بمثل هذه الطرق.

وعديدون نجدهم وهم ليسوا من غلاة الشعوذة اليوم بل من اصحاب الشهادات العليا في اختصاصات علمية يؤمنون بكرامات يخص الله بها بعضا من عباده هي بمثابة درجة من درجات معجزات الانبياء. أذكر أحدهم وهو علامة في الدين والفلسفة ينسب وبقناعة تسليمية دينية واثقة إيمانه بكرامات إعجازية لأئمة مسلمين وليسوا انبياءا مثل كان من تلك الكرامات لبعضهم الجلوس في الهواء بعيدا معلقا عن الارض أو كان يسمعه وبلا مايكروفون ولا مكبرات صوت اشخاصا جالسين بمئات واكثر من الامتار بعيدين عنه مسافات ربما تصل الى بضعة كيلومترات. ويعرف ما يقوم به شخص من حركات هو جالس في مجلسه الذي يحضره الاف الناس المريدين على بعد اكثر من عدة كيلومترات من مكان الشيخ صاحب الكرامات. 

ما ذكرته في نماذج يؤمنون اصحاب الكرامات هم ليسوا مشعوذين ولا سحرة ولا شائبة في تدينهم وهنا تكون عهدة التصديق أو عدمه على الراوي الذي غالبا مايكون تدينه المعلن لا غبار على صدقية ما يؤمن به ولا يلزم غيره...

ما رغبت التاكيد عليه في هذا الاستطراد أن بعضا من تجارب الصوفية الحقيقية الصادقة تصل بصاحبها مرحلة الموت السريري بالنسبة لعالمنا الوجودي الذي نعيشه وهو حي يمارس إيمانه الديني تساميا روحيا خارج تعالق الروح بالجسد عندما يحرر النفس من بيولوجيا الوجود في عالمنا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي رسول الربيعيالحقائق والقيم والأغراض

يعتقد العديد من الفلاسفة أنه من المهم الحفاظ على التمييز بين الحقائق والقيم. قد يقولون إن مسألة ما إذا كان شيء ما نظامًا قانونيًا أم لا هي مسألة تتعلق بالحقائق؛ وإن مسألة ما إذا كان نظامًا قانونيًا جيدًا أم سيئًا هي مسألة تتصل بالقيم. يشير هذا إلى وجود مجموعتين مختلفتين من المعايير: يتم تطبيق مجموعة واحدة من المعايير لتحديد ما إذا كان شيء ما يعتبر نظامًا قانونيًا، ويتم تطبيق المجموعة الأخرى (التقييمية) لتحديد ما إذا كان نظامًا قانونيًا جيدًا أم سيئًا. قد يبدو الحفاظ على مثل هذا التمييز بين الحقائق والقيم مهمًا للغاية. قد يبدو من المحتمل أن تتسبب محاولات التشكيك في التمييز أو تقويضه في حدوث ارتباك شديد إذا نجحت.

لماذا يجب أن تكون الأنظمة القانونية مختلفة؟ لماذا يجب أن يكون لدينا مجموعة واحدة من المعايير لتقرير ما إذا كان شيء ما نظامًا قانونيًا، ومجموعة أخرى لتقرير ما إذا كان نظامًا قانونيًا جيدًا؟

قد نعتقد أن التفسيرات الوضعية لطبيعة النظام القانوني تشبه الوصف "الشكلي" الذي نقدمه عن الكرسي  عندما نقول أنه يتكون من سطح مستوٍ إلى حدٍ ما بحوالي 18 بوصة إلى ثلاثة أقدام فوق سطح الأرض، مدعومًا عادةً بأربعة أرجل، مع سطح عمودي يرتفع من حافة واحدة من السطح الأفقي . للكرسي. يبدو في كلتا الحالتين، أن عنصر الهدف قد تم إهماله بدقة؛ وفي كلتا الحالتين، توجد الانتظامات الشكلية للوصف فقط بحكم الغرض الذي يجعل تلك السمات الشكلية واضحة ومفهومة. ومع ذلك، فإن المقارنة بين القانون الوضعي  والوصف الشكلي للكرسي مضللة: لأنه ليس صحيحًا تمامًا أن هارت يتجاهل أغراض المؤسسات التي يصفها. فيشرح على سبيل المثال، طبيعة قاعدة الاعتراف من خلال شرح كيفية تغلب قواعد الاعتراف على بعض المشاكل المتأصلة في نظام القواعد الأولية؛ ومثل هذه التفسيرات تقع في تفسير أوسع للطبيعة البشرية وظروفها ومتطلبات البقاء.[1] لا يرى هارت أن تحديد الغرض من القانون في صلب مهام فلسفة التشريع، لأن في نظره يمكن أن يكون للقانون أغراض متنوعة، بعضها جيد وبعضها سيئ. إذا حاولنا تحديد غرض ما وهو سمة ضرورية للقانون، فسيتعين أن يكون شيئًا عامًا للغاية ومحايدًا من الناحية الأخلاقية وربما غير مفيد  إلى حد ما مثل "توفير القواعد لتوجيه السلوك". وهكذا ، كتب هارت في حاشية مفهوم القانون:

"لا تقدم نظريتي، مثل الأشكال الأخرى من الوضعية، أي ادعاء لتحديد الهدف أو الغرض من القانون والممارسات القانونية على هذا النحو؛ ... أعتقد أنه من العبث السعي إلى أي غرض أكثر تحديدًا يخدم القانون في حد ذاته غير توفير أدلة للسلوك البشري ومعايير انتقاد مثل هذا السلوك ".[2]

توجد، في رأي فولر، السمات المميزة للأنظمة القانونية التي  قدمت النقطاط ركز عليها للقانونيين الوضعيين كسمات مميزة فقط لأنها مرتبطة بهدف الأنظمة القانونية. وغالبًا ما يشير إلى أن الوضعيين القانونيين مثل هارت يتجاهلون هذه النقطة. ولكنهم في الواقع لم يتجاهلوها لم يفعلوا ذلك. يتمثل الغرض من النظام القانوني، بالنسبة إلى هارت، في توفير "أدلة للسلوك" و"معايير نقد مثل هذا السلوك"، لا سيما في الظروف التي قد نختلف فيها حول محتوى هذه الأدلة والمعايير، بحيث تصبح "قاعدة الاعتراف" ضرورية. يمكننا تلخيص موقف هارت بالقول إنه يرى أن الغرض من النظام القانوني هو توفير معايير يمكن التحقق منها بشكل واضح ومعلن للسلوك.

لكن مثل هذا الغرض ليس واضحًا بذاته أو مفهومًا تمامًا. فقد تكون الرغبة في وضع قواعد لتوجيه السلوك محيرة للغاية إذا لم نتمكن من ربطها بنقطة أو مبرر آخر. يتركنا الغرض المعلن نتساءل "لماذا نحتاج إلى مثل هذه الأدلة؟ لماذا لا نفعل ما يحلو لنا؟" إن تقليد الفكر في القانون الطبيعي، بناءً على تفسير واسع للعقل العملي، من شأنه أن يكمل مثل هذا التفسير لغرض القانون بتفسير لكيفية خدمة القواعد للعدالة أو الصالح العام أو القيم الأخرى: بمجرد أن نرى كيف يتغلب توفير القواعد على بعض المشاكل المتأصلة في الحالة البشرية نكون قد فهمنا طبيعة القانون.

حتى هارت لا يقيد نفسه حقًا بالادعاء بأن القانون يوفر لنا قواعد لتوجيه سلوكنا: يقدم في كتابه "مفهوم القانون" لنا تفسيرًا لكيفية احتياجنا لمثل هذه القواعد. لكن لا يربط هذا  التفسير القانون بالقيم العظيمة مثل العدالة أو الخير الإنساني: فمطالبه أقل بكثير. يخبرنا هارت أنه، بالنظر إلى بعض الحقائق العامة حول الطبيعة البشرية والظروف البشرية (لاسيما حقائق الضعف البشري والإيثار المحدود والموارد المحدودة)، فإننا بحاجة إلى قواعد تنظم جوانب معينة من الحياة الاجتماعية، إذا أردنا البقاء.[3] نظرًنا لأننا لا نتفق على محتوى هذه القواعد، فنحن بحاجة إلى قواعد يمكن التحقق منها ويمكن تحديدها بالرجوع إلى قاعدة الاعتراف.[4] وهذا يكفي لجعل الطابع العام لمؤسسات القانون واضحًا ومقبولًا.[5] لكن يصر هارت على أنه لا يوجد شيء أخلاقي بطبيعته حول هدف القانون: قد تكون مؤسسات القانون مفيدة للأهداف الشريرة لذلك، بالنسبة إلى هارت، لا يعني ذلك أن وضع القواعد يفتقر إلى غاية معينة، ولكنه قد يخدم مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأغراض المختلفة.

بقدر ما يتعلق الأمر بالعديد من الأسئلة حول عدالة أو ظلم القانون (ما يسميه فولر "الأخلاق الخارجية" للقانون)، لا يرغب فولر في مناقشة وجهة نظر هارت. قد يخدم القانون في مثل هذه الأمور المتعلقة بالأخلاق الخارجية أو لا يخدم: يعتمد كل شيء على احتمالية الوقت والظروف، على محتوى القانون خاصة. لكن يدعي فولر أن هناك أيضًا قيمًا داخلية في مفهوم القانون. نطبق فيما يتعلق بهذه القيم (التي يسميها "الأخلاق الداخلية للقانون")، المعايير نفسها في تحديد ما إذا كان شيء ما يعتبر نظامًا قانونيًا نطبقه في تحديد ما إذا كان نظامًا قانونيًا جيدًا أم سيئًا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Hart, The Concept of Law, Chs 5 and 9.

[2] Hart, The Concept of Law, p.249.

[3] Hart, The Concept of Law, Ch.9.

[4] Hart, The Concept of Law, Ch.5.

[5] Hart, The Concept of Law, p,176.

 

وظيفة الطاقة الرمزية في اللغة هي تجذيرُ الفكر الاجتماعي في الشعور الإنساني، وتكريسُ الشعور الإنساني في الظواهر الثقافية، مِمَّا يَدفع باتجاه توليد أنظمة فكرية نَقْدِيَّة، تستطيع ضبطَ حركة التاريخ اللغوي في التحولات الاجتماعية، واستعادةَ العناصر المعرفية التي غابت في طَوَايا التاريخ . وهذا يعني أن مفهوم النقد في الأنظمة الفكرية يقوم على الرابطة بين التاريخ اللغوي والتاريخ الإنساني، ويستمدَ القُوَّةَ مِنهما، مِن أجل إنشاء إطار عقلاني يستوعب التَّغَيُّرَ في تفاصيل بناء المجتمع، والتَّغييرَ في جُزئيات تفسير المعرفة . والإشكاليةُ في هذا السِّياق تكمن في عَجْز الأنساق الاجتماعية عن التمييز بين النَّقْد والنَّقْض بشكل عملي تطبيقي . والقُدرةُ على التعريف اللغوي لا تستلزم بالضَّرورة القُدرةَ على التأطير الواقعي، لأنَّ الذاتي يختلف عن الموضوعي، والنظري يختلف عن العملي، ووضعُ النظرية يختلف عن تطبيقها .

2

النقد الاجتماعي يعتمد على تحليل الأنساق المعرفية في المجتمع، وإرجاعها إلى عناصرها الأوَّلِيَّة، وأنويتها البدائية، لإيجاد المسارات المُتوازية والمُتقاطعة في طبيعة البناء الاجتماعي، ثُمَّ إعادة تجميع العناصر، وتركيب الأنوية . وهذه العمليةُ قائمة على التخطيط القَصْدي لا العفوية التلقائية، والهدفُ مِنها تكوين علاقة فلسفية تناسقية بين التَّقويم (معرفة نقاط القُوَّة وتعزيزها ومعرفة نقاط الضعف وعلاجها) والتَّقييم (تحديد مستويات الفكر الاجتماعي وإمكانية تحقيق أهدافه) . والنقض الاجتماعي يعتمد على هدم الأُسُس الفكرية في المجتمع، وإزالة القواعد المعرفية التي قام عليها البناء الاجتماعي. والنَّقْضُ الاجتماعي ينقسم إلى قِسْمَيْن: نقض سلبي (الهدم من أجل الهدم والتدمير العبثي ونشر الفوضى) ونقض إيجابي (الهدم من أجل إعادة البناء على أُسُس سليمة وقواعد متينة) . والنقضُ السلبي يُشبِه عملية هدم بيت قديم مُتهالك، وترك الأرض جَرداء بلا حياة ولا استثمار . أمَّا النقضُ الإيجابي فيُشبِه عملية هدم بيت قديم مُتهالك، وإقامة ناطحة سحاب مكانه، لتحقيق مكاسب اجتماعية وفوائد اقتصادية .

3

النقض الاجتماعي الإيجابي (الهدم من أجل البناء) يُعْتَبَر عمليةً خطيرة، لأنَّه بحاجة إلى سيطرة كاملة على عناصر المكان، وربطها بالزمن الجديد الذي يُولَد في اللغة والشُّعور والثقافة، وهذا لا يتأتَّى إلا بتكوين تصوُّر منطقي للأُفُق الخيالي والحياة الواقعية، يعتمد على الاستعارة والاستعادة، وهذان المفهومان يُمثِّلان مَركزًا معرفيًّا مُزْدَوَجًا، وكائنًا اجتماعيًّا ثُنائي الخَلِيَّة، كما أنهما يسيران جَنْبًا إلى جَنْب في الأنظمة الفكرية وحركة التاريخ، ويُوجَدان معًا، ويغيبان معًا . والعلاقةُ بينهما تكاملية قائمة على التجاذب لا التنافر، ومعتمدة على التَّزَامُن لا التَّعَاقُب .

4

الاستعارة الاجتماعية هي البحث عن التوازن الشعوري الإنساني في الرموز اللغوية المُتغيِّرة والتحوُّلات الثقافية المُستمرة . وهذه العمليةُ تُشبِه السيطرةَ على مركز قيادة السفينة في بحر هائج مُتلاطم الأمواج، لأن مبدأ الاستعارة يتعامل معَ الإشارات الذهنية والاحتمالات الواقعية والتَّهيؤات النَّفْسية، كما أنَّ العلاقات الاجتماعية نِسبية لا مُطْلَقَة، ولا تَملِك اليقينَ الكامل، والثقةَ التَّامَّة، ولا تستطيع إنتاج مُسلَّمات قطعية . فالمجتمعُ مُتغيِّر باستمرار، ومُتحوِّل بشكل دائم، ولا يُمكن الحصول على الثَّبات من التغيُّر، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه. وكذلك الزَّمن يَدُور ويتقلَّب وينقلب على أهله، ولا يُمكن الحصول على عناصر الاستقرار الاجتماعي مِن زمن غير مُستقر ولا ثابت . وهذا يتطلَّب كشف الغُموض العميق في الصُّوَر الاجتماعية الظاهرية، والتنقيب المُستمر عن التراكيب الكامنة في أشكال البناء الاجتماعي معنويًّا وماديًّا، والتفتيش الدائم عن الدَّلالات المُسْتَتِرَة في تجارب الشعور الإنساني فرديًّا وجماعيًّا . وهكذا، تتولَّد المعاني بشكل مُتواصل، وتنبثق مفاهيم إبداعية جديدة، ويتكرَّس حُضور الإنسان في عَالَمه الداخلي ومُحيطه الخارجي، لأنَّ المعنى هو الحُضور، واللامعنى هو الغياب . لذلك، كانت معركة الإنسان معَ نَفْسِه من أجل الانتقال من اللامعنى إلى المعنى، ومِن الغياب إلى الحُضور .

5

الاستعادة الاجتماعية هي إيقاظُ صُورة الإنسان في مرايا التاريخ القديمة، وإعادةُ التاريخ إلى الشُّعور، وبذلك يتم توليد الماضي بشكل متواصل بلا انقطاع، للحصول على الطاقة الرمزية في اللغة، التي تُعيد للإنسان جَوْهَرَه الغائب في تَشَظِّي الوقائع التاريخية، وفَوضى الأحداث اليومية . وإذا استعادَ الإنسانُ صُورَتَه مِن نِسيان التاريخ، واسترجعَ جَوْهَرَه مِن تاريخ النِّسيان، فإنَّه سَيَحْمي كِيانَه الوجودي مِن التَّفَكُّك، ويَحْمِي كَينونةَ التاريخ مِن التَّشَظِّي والفَوضى . وإذا كانَ التاريخُ هو الكتابة على جسد المعنى الوجودي، فإنَّ الإنسان هو تجسيد معنى التاريخ في إطاره الوجودي واللغوي معًا . والاستعارةُ والاستعادةُ في البناء الاجتماعي هُما محاولتان لنقلِ الإنسان مِن الكِيان الوظيفي إلى الكائن الاعتباري، ونقلِ المجتمع من مركزية الوهم إلى حقيقة العَالَم، ومنعِ المعنى الوجودي مِن مُغَادَرَة التاريخ، والسُّقوطِ في الفراغ . وبذلك، يظل الإنسانُ - فاعلًا ومُنفعلًا - في قلب التاريخ الذي يُولَد باستمرار .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

سامي عبد العالفي المجتمعات الأقل ديمقراطيةً كحال مجتمعاتنا العربية (وإزاء فشل "الاستعمال العمومي للعقل" لو أوردنا كلمات كانط)، ثمة أسئلةٌ مزعجةٌ: هل (يَغيبُ) المجال العام على غرار غياب أي شيء آخر أم أنه (يُغيَّب) بفعل فاعل هو نحن؟! أليس المجالُ العام  Public sphereعمليةً تاريخيةً تستوعبُ طاقات المجتمع، وبالتالي يبقى فضاءً مفتوحاً لا ينتهي؟ وهل فعل التغييب (من الغياب) يجري تحت عناوين أخرى بمسماه أم أنَّه مسارٌ يُخطِّئ أهدافه؟!

يرتبط المجال العام بكافة جوانب المجتمع وتحولاته (تراثاً وحاضراً ومستقبلاً)، بل لعلّه هو المجتمع ذاته حين يجسدُ قيم التواصل والإختلاف والتكوين العمومي للفكر والحرية والتجارب السياسية والاجتماعية. إنه ممارسة كلية لما هو خارج ذواتنا وفقاً لآليات حرةٍ (أو هكذا ينبغي أنْ يكون). ويمثل هذا المجال الدائرةَ الأوسع دائماً من جميع خطوط الأفعال الفردية الخاصة، بحيث يكون مجسّاً لسبر غور قدارتنا العامة على التعايش معاً وانتاج (الوجود المشترك) الذي لا يخصُ فرداً أو جماعة بعينها قدر ما يخص  كيان الأفراد إجمالاً دون تفرقة.

 الأسئلةُ الفائتة مهمةٌ لثلاثة أسبابٍ تتطلب تحليلاً مختلفاً.

أولاً: هي أسئلةً كاشفة لأساليب تغييب المجال العام في دول غير ناضجةٍ سياسياً واجتماعياً. ونحن نعرف أنَّ المجتمعات الشرقية ما برحت في طريق التحول والتطور. وأنَّ معيار صلاحية الدول ليس بتواجدها على خريطةٍ جغرافيةٍ ملَّونة تحت أنظار القراء ومخابرات الدول الأجنبية وتحت أعين أطفال الروضة والمدارس(1)!! لكن تصبح الدول كذلك، نتيجة قدرات المجال العام على بناء وعي أفرادها وفقاً لأفعال سياسيةٍ تحرز حقوقهم الإنسانية وتقبل الاختلاف وتدير التنوع الخلاَّق.

ثانياً :تُلقي هذه الأسئلة الضوء على أنَّ غياب المجال العام لا يأتي بسيطاً، لكنه وفق قانون تكويني يسبب خلَّلاً للممارسات العامة وينتج عن ضعف السياسات العقلانية التي تغذيها. أي أنَّ تكوينات أخرى (كآثار جانبية) تضيِّع الوزن النوعي للمجال العام لابد أنْ تلتهم بعض قدراته لصالحها. لأنَّ أية " أورام عمومية خبيثة " في شكل مذاهب شاملة أو أنظمة ديكتاتورية مستبدة أو دجمائيات غائية teleological dogmas   ستمتص غذائها مما يُفترض أنْ يكون غذاءً عاماً لطاقات العمل والتفكير الحر.

لو تخيلنا المجال العام جسداً سياسياً political body وربما هو كذلك بمعناه الرمزي (كموضوع للرغبة في الالتقاء مع الآخر)، فإنَّ آلامه المبرحة ليست بسبب علل مجهولة المصدر والهوية، إنما نتيجة فيروسات نبتت من أحشائه الحية وتورمت على حسابه وتعيش داخله. والعكس فإنَّ صحة الدولة والمجتمع تتوقف على أن يتحرر هذا الجسد من قيوده وأنّ يتسع للجميع، والأهم أنْ يُوقِّظ ويقوّي مناعته الكلية القاضية على (الطفيليات السياسية) كلما هاجمت قواه الحيوية لصالح جميع الناس والأفكار والأطياف دون استثناء.

وفي هذا الاتجاه، رأى يورجين هابرماس أنَّ المجال العام بمثابة كلّ أفق إجمالي لحياتنا الاجتماعية إذ تتشكل داخله آراء وتصورات وأفعال عامة لجميع المواطنين، وأنَّ هذه الأشياء تتبلور على هيئة نظام يستجيب لمتطلبات الأفراد آخذين خلاله بالحوار والتفاعل الدافعين للتواصل على أساس عقلاني لصالح الجميع، ومن هناك كانت تتحدد شروط نشأة الأنظمة السياسية والدول (2).

ثالثاً: تبرز الأسئلة حيوية المجال العام وكيف يتم تدعيمه تاريخياً حتى لا يُخترق طوال الوقت، فالشيء الذي يغيب ثم يسبب غيابه تشويش الممارسات كما نرى في الدول الأدنى تقدماً إنما هو شيء مهم بالسالب. أي تأتي أهميته بالمعكوس ليثبت كم هو خطير(كموضع لاستفهام دائم) إن كان غائباً فما بالنا إذا كان موجوداً.

هكذا من أقرب الطرق كي تجدد مناعتها، تسير حيويةُ المجال العام وفقاً لمنطق: لا …. ولاNeither .… Nor  ، أي: أنَّه مجال ليس خاصاً ولا ذاتياً كما نمارس حياتنا الشخصية، ولا يجري طبقاً لاحتكار النافذين اجتماعياً فرصَ الحياة المشتركة. أيضاً هو لا يفترض أية إمكانية للهيمنة عليه مثلما لا يقبل الاحتواء الأحادي حزبياً أو لاهوتياً أو أيديولوجيا. وحدُّه المجال العام هو الذي يتحدد بخلاف ما نتوقعه نتيجة رغباتنا شبه الجمعية وغرائزنا المنبثقة عن الأهواء والتصورات المحدودة.

إنَّه فضاء التنوع العمومي نفسه في شكل متداخلٍّ، تتجلى عبره فسيفساء المجتمع دون حذف وبلا إقصاء. حيث يكشف طبيعة الممارسات وكيف تنحرف عن حدوده المفترضة. من ثمَّ فهناك طرح خاطئ لقضايا المجال العام حين نعتبره منحازاً سلفاً لأية قوى غالبة إلى درجة الشيوع.

المجال العام لا ينتمي (بحكم طبيعته وآلياته والعيش داخله) إلى أية دوائر فئويةٍ. لأنَّه مجال عام وكفى، غير قابل للتلوين ولا للانحراف إلاَّ تحت مطرقة السلطة الشموليةِ. والكفاية هي حدٌّ منطقي أكبر من أية حدود أخرى. بالوقت ذاته يحطم أي مجال عام كافة الحواجز لحصره في تلك البقعة السياسية أو هذه الرقعة الاجتماعية أو بخلافهما وإلاَّ لفقد ماهيته، فقد جوهر تعريفه وسماته النوعية.

هل يعني ذلك أننا لا نستطيع الانتماء إلى أيَّة توجهات؟ بالطبع الإجابة هي النفي، فليكن الإنسان منتمياً إلى ما يشاء، سواء أكانت أفكاراً أم مرجعيةً أم رموزاً أم أيديولوجيا، شريطةَ أنْ يمارس وجوده الجمعي اعترافاً للآخرين بالحقوق نفسها، أي هو عندئذ ليس شخصاً ميتافيزيقياً، إنما فرداً في حالة تنوعٍ، هو ترس داخل المجموع،  داخل الكلِّ بالنسبة لاختلاف الرؤى وتباينها.

ههنا يغدو المجال العام وجوداً موضوعياً خارج ذواتنا وداخلها، يغدو أيضاً فعلاً تواصلياً بين الأفراد جميعاً، إنَّه كما يذهب هابرماس أيضاً مرتهن بالعقلانية التي تأخذ مساحتها في الحياة المشتركة. ففي المجتمع البرجوازي، نتج المجال العام عن العلاقات الاقتصادية والتجارية التي خلقت مناخاً مناسباً للتفاعل وتكوين المجتمعات، ثمَّ كان هناك وجود لآليات تسهل حركة السلع بين أطراف الإنتاج والاستهلاك على صعيد واسع(3).

ضمن إطار كهذا، هناك فيروسان خطران على التعايش المشترك بالمعنى السابق: الأصولية والوصولية. وهما يختلفان بحسب المنطلقات الفكرية والسلوكية لكل منهما، فالأولى(الأصولية  fundamentalism (هي عادةً الانحراف الاعتقادي لما يؤمن به الفرد إزاء موضوعات الحياة. ويدخل في هذا الانحراف عدةُ مكونات تضَّخِم بنيته، وهو كالانحراف الجيني الذي يؤدي إلى مخلوق مشوَّه.

1- ترسُخ مركزية الأصول الثابتة، حيث لا تتغير ولا تتبدل. إذ من غير المتصور أنْ تحافظ الأصولية على قوامها دون ثوابت ضد ما هو طارئ ومتباين وقابل للتحول.  المركزية هي العصارة الموروثة، لكنها الحاضرة دفاعاً عن المعتقد بإطلاقٍ حتى الرمق الأخير.

2- وجود سلطة الحقيقة المطلقة. وهي القوة المضافة بفعل امتلاك الحقيقة وتفردها إلى كل ما تعبر عنه.

3- قدرةٌ ذاتيةٌ على تحصين ذاتها والدفاع عنها إزاء أي نقد أو معارضة.

4- التبرير الذاتي، فالأصولية تفرز مبررات ضمنية لكل ما تقوم به من احتكار للحقائق والمعاني(أسْلَّمة العلوم والمعارف كما يتبنى الإسلاميون).

5- هناك الأيديولوجيا وهي التي تُعطي الأصول غلافاً كلياً عصياً على الاختراق، وتوفر ضخاً آلياً للمعاني ودلالات الأفعال.

وبالتالي فالأصولية هي دجما الفكر وفرض الوصاية العنيفة على الآخرين وتبرير المواقف من طرفٍ واحدٍ رغم اختلاف السياق. بهذه المواصفات قد تكون الأصولية واسعة الانتشار في مجالات السياسية والاجتماع والثقافة والتاريخ شريطة تَوافُر العناصر السابقة حول نواة محورية تحقق السمات المفترضة.

لكن يعدُّ الدين أبرز مضمار ينتج أصوليات دينية تواصل عنف الخطاب والأفعال. إن الإرهاب الديني هو تجسيد لتلك النقاط، والأهم أنَّه يقضم رقعة المجال العام كما يقضم الخادم التفاحة. لأن الدين لا يرى سوى ذاته حاكِّماً لمساره الصاعد. وليس هذا فقط بل المؤمنون لا يرون في إيمانهم أية قيمة دون دحْر مخالفيهم في الإعتقاد والمخالفين في المذهب، وأخيراً المخالفين في التنظيم. المتطرفون يرتئون من وراء الأصولية إلتهام فضاء الحرية جزءاً بجزءٍ، ولا يتورعون عن تثبيت أركان ذهنياتهم بقمع الآخرين. لأنَّ كلَّ (أصولية دينيةٍ) إنما لا تجري إلاَّ على أنقاض ما هو عمومي(4).

أي أنَّه لا يوجد متطرف أصولي في ظل الاعتراف بقوة وتأثير المجال العام. لأنَّ الاثنين لا يلتقيان معاً على أرضية واحدةٍ، إنَّ المتطرف ينهب الفرص نهباً لإزاحة أي كائن عمومي. وليست الجماعات الأصولية سوى القبضة الحديدية التي تسدد ضربات قاتلة لكل ما يقابلها من أفراد وعقول.

والنظرة الفاحصةُ تؤكد: أنَّ المجال العام ليس معنيَّاً بأية أصوليةٍ، لأنَّه ليس قابلاً للتملُّك ابتداءً. كما أنَّ الأصولية ترى في فاعليته قوة مناوئة لوجودها، ولنلاحظ كون الأصولي يخاف من أية أمور خارج سيطرته الأيديولوجية، وهو دائماً مهووس بالصراع الذي يسفر عن غزو مواقع جديدةٍ. ليس مصادفة أنَّ بعض الإسلاميين كانوا يطلقون على انتخابات البرلمان في غير دولة عربية " غزوة الصناديق ". إنَّ الكائنات السلَّفية  ترى فقط ما يقبع في اللاوعي من عبارات تجرّ عصوراً غابرة من غسق الإنسانية.

إنَّ الغزو في حدود الدولة المدنية يحيلُ الأخيرةَ إلى مجرد صدَّفةٍ خارجيةٍ لحاشية قديمة جداً. ويبدو أنَّ دهاء المجال العام يكشف من أدنى الأبواب زيف الممارسات الخادعة التي تتم في فضائه. والقاعدة المرنة تقول: كل تلاعب بأسس المجال العام ستكون نتائجها اللاحقة على المستوى ذاته من التأثير. فلئن كانت (الغزوات الجهادية) تتقيَّأ محتواها العنيف داخل ممارسات حداثيةٍ، فإنَّها تصبح ذاتَ دلالة قارئة بالمقام الأول، تقرأ كيف يستند التصور إلى طباقٍ من الأفكار التي لم تعد تواكب زمنها.

والأصولية من تلك الجهةِ هي غزوة حربية للمجال العام متأخرةً عن موعدها عشرات القرون، لكنها أكثر رمزية وتتسربل برداء الدين نافذةً عير أخلاقيات المجتمع وأفعال أفراده. حتى إذا تمكنت من تطويق رقابهم وعقولهم إلاَّ وكانت وجها لوجه مع إعادة تأسيس المجال بحسب توجهاتها. إنَّ تكريس الأصولية لذاتها (كما تجلت بدمويتها الأخيرة لدى جماعات العنف) ليس تعديلاً ولا حتى خلافاً حول ترتيب أولوياتٍ. فالأمر يتجاوزُ المجال العام ذاته، لأنَّ الأسس الآتية بها الأصولية لا تعترف بالتنوع ولا بالمنافسة الحُرّة للفاعلين، بل لفرض نمط الحياة فرضاً صارماً. وما الدولة بمجالها العام وحتى بشعبها غير موقِّد ضخمٍ لطهي الأفكار المغلقة. وكأن الأصولية تصر على خلق الإنسان كرَّة أخرى بأدوات يعدُّها المتطرفون– فيما يعتقدون- من صُلب الدين!!

أمَّا الوصولية، فهي إحدى تشوهات الحياة المدنيَّة الهشة، كممارسةٍ تهتم بأولوية المصالح والمكاسب وصولاً للنفوذ وتزلفاً للسلطة القائمة. وهي الجانب الهامشي من تداول فرص العمل والحياة وتحويل الغايات إلى أفعال بهلوانية قابلة للتحقق دون التزام بحيادية المجال العام.

وعلى نطاق السياسة، تقترن الوصولية بطابع الانتهازيةopportunism (5)، من حيث التلاعب بالإمكانيات المتاحة للغير عن طريق تحويلها إلى إمكانيات خاصةٍ، ومن جهة كونِّها تعتمد على المؤهلات والسمات الهزلية التي تضيع المعايير وتحول بينها وبين إتاحة المجال أمام الجميع. والانتهازي يَخلُّ بما يضمنُ توافر الفرص ذاتها بالنسبة للآخرين. والضمان ليس ساقطاً من أعلى، وإلَّا لكان مرتَّهناً بمصالح السلطة لكنه يأتي من الموقع الأعم في المجتمع.

إذن وجهُ الإشكال في التلاعب بالضمان الذي هو خارج الطرفين (الانتهازي والمنتَّهز منه)، أي عملية أحداثُ خلل في المرجعية التي نحتكم إليها ونختلف ونتعدد في الرؤى والمواقف والتوجهات. لأنَّ (الانتهازي الوصولي) مثل طائر ليلي مراوغ يصطاد فرائسه بحذر وسط الظلام، لا ليأكل فقط، بل ليقتل الضحايا بدم بارد. والأمر لا يأتي هو ذاته في الحالين، لأنَّ التركيز على الفرائس يعني أنَّ صياداً ماكراً يأكلُّ من أقرب الطرق، لكنه يمارِس أيضاً فعلَّ الموت تجاه الكائنات الأخرى.

قياساً على ذلك، فالوصولي حين يقتنص الفرصَ تلو الفرص، لا يعترِّف بأية معايير تُعطي حُقوقاً متساويَّة للآخر، أي أنَّه يأكل حقَ الوجود بالنسبة للآخرين. ولا يكف عن الإطاحة بالمجال الجاري فيه ذلك الحال، بل قد استغله عن قصد ليصطاد مصالحه عاصفاً بالقانون والحياة المشتركة إنْ لم يكن لينقض العقد الاجتماعي(أي في الحدود المفهومية والتداولية للقوانين conceptual and pragmatic limits of laws)(6).

لأنَّه جعلَ من المجتمع (بمجاله العام) سيركاً للقيام بأعتى الحيل والأعمال الأكروباتية مثل البهلوان لأجل مآربه. الانتهازي يفعل الأفاعيل غير عابئ بالقيم والأخلاقيات المدنيَّة وقواعد التنافس العملي وآليات التفاعل السياسي وصُولاً إلى ما يريد. وبصرف النظر عما إذا كان المجال العام حاضراً في شكل قوانين ومبادئ أم لا، فالانتهازي يعتبره في حالة محاق تام. وطالما أنَّ السلطة القائمة تسمحُ بالألاعيب الانتهازية وتعتبرها نوعاً من (إسالة اللعاب) حتى تظل مرغوبة طوال الوقت، فإنَّها تصبح شيئاً آخر إلاَّ أن تكون من جنس المجال المشار إليه.

والأغرب أنَّ الوصولية تردد صوتاً متوارياً بكون السلطة تستعمل المواطنين، وبالتالي على الوصوليين الاستفادة منها إلى أقصى درجة. إذ يبادلونها الألاعيب بالألاعيب حتى يتمكنوا من نيل حظوتها ونعيمها. وهي كشجرةٍ عملاقةٍ ومتضخمةٍ حاجبةً الهواء والأضواء، تريد من روادها أنْ يتسلقوا حتى قطف الثمار. وفي المجتمعات العربية نتيجة شمولية السلطة وتغولها، فإنَّها لا تتيح فرصاً لجميع المواطنين من جهة العدالة والمساواة، إنما تخضعهم للفرز والتمييز. ولم يكن من مسئول صغير أو كبير إلاَّ أنْ يُمالئ رؤساءه بشكلٍّ فاضحٍ ووقحٍ. لأنَّ (خطاب الانتهازية) هو الخطاب السائد إلى حد اللعنة، حتى باتَ هو اللهجة الغالبة على وسائل الإعلام والأنشطة السياسية والإجتماعية.

والمعروف أنَّ اللغة السياسية في جانبها الخفي لغة خالقة للفرص، أي تفتحُ إمكانية عمل شيء خلال المجال المؤثرة فيه. وإذا كانت تتحايل عليه لأغراضٍ خاصةٍ، فالمقصود أن تنحاز السلطة لفئةٍ ما. وهي تفعل ذلك، ليس بطرح الانتهازيين لأهدافهم، بل بمجرد الاستجابة لذلك. وعليه تمثل السلطةُ (حتى بالنسبة لأبعد نقاطها) وسيلةً للهيمنة. ولا يبعد عن هذا نُصح مكيافيللي للأمير: أنَّه لا عليه حين يسعى لفرض قوته على الجميع، ولو كانت بوسائل قميئةٍ. فالغاية تبررُ الوسيلة مهما تكن الغاية (وهي غالباً كما يطرحها صاحبُها)، وأيا كانت الوسيلة التي لن تقل مراوغة عنها.

ورأي مكيافيللي يأخذُ شكلَّ النُصح، كنوعٍ من التدابير التي لا تتوانى عن ترسيخ نفسها. والنُصح يقع خارج سياق المجال العام وخطاباته، فهذا المجال لا يعرف آليةً اسمُها (النُصح السياسي) الذي قد يعني المؤامرةَ، إذا غابَ الجميعُ من المعادلة (هيمنة الحاكم = الوسيلة × الغاية).

وبالتالي فالشخص الوصُولي المتسلق يتميز بأساليبه المراوغة التي تستغفل شيئاً ما إشكالياً بالنسبة إليه. وكأنَّه يخاطب كياناً كُّلياً فوق رأسه بينما يحتاج الأمر منه مجهوداً للإفلات من عينه الحارسة. والسؤال من أين يأتي هذا النظر؟ إنَّ المجال العام يتخلق في مؤسسات عينيةٍ ورمزيةٍ، وهو ذاته كفضاءٍ عمومي يحكم صورته ضمنياً من واقع النظام الجاري.

الوصولي يدركُ جيداً: أنَّه يطيح بذلك كلِّه عندما يسترقُ الامتيازات والأرباح الاجتماعية والعملية بأساليب ملتويةٍ. لقد انتشر المتسلقون كالجرذان في ردهات الدول ومؤسساتها المختلفة، وباتوا يقدمون أنفسّهم قرباناً مدفوع الأجر والتزلف لمن يُريد. وهم أساس التخلف الذي تعيشه بعض المجتمعات العربية ويقرضون كلّ آمال الحرية والقيم الإنسانية المرتبطة بها. وأخطر أشكال التسلق هذا الذي يقدمه صاحبه من باب إدعاء الذكاء الذي يزعمه لاهتبال الفرص تحت مبررات إنسانية وتواصلية، في حين هو يفرط في جميع القيم، يدغدغ معيارية القيم طالما أنه يمارس هذا الإنبطاح المجاني، هذا الخراب النفسي والروحي، هذا الغباء المؤصل والمعتَّق.

 

سامي عبد العال

............................

1- المقصود أنَّ اغلب الدول كمسميات (جمهورية كذا وكذا) لا تستوفي شروط المجال العام، لأن قيام الدولة يفترض بالضرورة وجود مجال عام بل درجة تقدم الدولة سياسياً يرتهن بتحرر هذا المجال من القيود المفروضة عليه من قبل السلطة ووجود تفاعل حقيقي في الأفعال الجمعية. والطريف أنَّ بعض الدول ترفق مسمياتها بالديمقراطية والشعبية أحياناً (جمهورية كذا الديمقراطية أو الشعبية)، بينما هي لم تتخلّص بعد مما يكبل مجالّها العام من إكراهاتٍ وعمليات فرزٍ متواصل للمواطنين سواء أكان على أساسٍ مذهبي أم قومي أم ديني أو أخلاقي.

2– Habermas, Jurgen, The Public sphere: An Encyclopedia Article (1964), New German Critique, No. 3 (Autumn, 1974), P 49.

3- Habermas, Jurgen, The structural transformation of the public sphere: An inquiry into a category of Bourgeois society. translated by Thomas Burger with the assistance of Frederick Lawrence, Cambridge, MA: MIT Press, 1989. P15.

4- يندرج تحت هذا كل محمولات الأصولية مثل الدولة الدينية. فأبرز معالم هذه الدولة مها تم التنظير لها كونها رقعة جغرافية لاهوتية بلا مجال عام وأنه يُلغى لحساب الوصاية وفرض الأوامر والنواهي الدينية. ولذلك ليس المهم الشعارات البراقة بل ما فحواها على مذبح الواقع الذي لا يبقي ولا يذر من التنوع البشري في الاعتقاد والأعراق والثقافات. والإسلاميون يغلفون هذا الطابع تحت عنوان الرفاة المنتظرة أو العدالة الإلهية أو دولة الإيمان والخير.

 5– Shraga F. Biran, Opportunism: How to Change the World, One Idea at a Time, New York: Farrar, Straus and Giroux, 2011.

6- Ravi S. Achrol and  Greogry T. Gundlach, Legal and Social Safeguards Against Opportunism in Exchange, Journal of Retailing, Volume 75 (1), New York University 1999, P 108.

 

صالح الرزوقيبدأ ويتني س. بودمان في "كتابه شعرية إبليس: اللاهوت السردي في القرآن"* من نقطتين منهجيتين. الأولى عن العلاقة بين السرد والعدالة الإلهية ص11. وهذه الفكرة تغني بقية الافتراضات دون أن تلغيها. ومن بينها علاقة الخيال بعقدة أوديب وصراع أفراد العائلة سواء بالمعنى السلبي أو الإيجابي (ويدخل في هذا المضمار نحر قابيل لأخيه هابيل). وهي نظرية تشيطن قابيل أيضا، وتضفي عليه صفات موروثة بنيويا في ثاني دافع لتطوير المخيلة، أقصد العقلية البورجوازية (وأهم مثال عليها نموذج روبنسون كروزو).

الثانية عن العلاقة بين النص الثابت وقارئه. ص 16. وهي فكرة عادلة تحرر القارئ من الإلزام والشروط المسبقة (ما تعودنا على تسميته بسرير بروكست). لكن المبالغة بالحكم على النص بالموت، وتركيز كل المفاتيح بيد القارئ، حرم الكاتب من كل حقوقه. والمنطق يقتضي وجود ولو قليل من الاشتراطات. إن الكاتب دائما موجود في نصه، سواء بشكل إفرادي أو بشكل ظاهرة لها اتجاه وخلفيات. وربما أقر بودمان بذلك ضمنا حينما أشار للفرق الجوهري بين الجانب السردي في الإبليسيات والمعنى الأخلاقي للشيطنة ص 16. وما ترتب على ذلك من تفاوت: من إظهار معنى عقلي وحتى التفسير بواسطة الإحساس والمعايشة ص 17. إن الاختلاف في طبيعة النصوص لا يتوقف على مضمونها فقط بل على طريقة ظهورها. بمعنى آخر إن النزاع بين الكاتب والقارئ أخطر مما يمكننا تصوره. وأكتفي بمثال واحد من خلال المقارنة بين الروايات الشائعة ونصوص القرآن. ولا يوجد عندي أي قدر من الارتياب أن تفسير القرآن يعاني من التهويل والإضافات مثل الخيال الشعبي، ولا سيما إذا نظرنا للتفاسير التي ظهرت بعد الفجوة الحضارية، ومنها التفاصيل التي لحقت بحادثة ثابتة هي الإسراء والمعراج. إن نسبة الإضافات على ما ورد في القرآن لا تقل عن 90 بالمائة. ولا يمكن لأحد إعادة ترتيب الوقائع دون أن يشعر بالمبالغة. فالتصورات تجاوزت حدود العقل البشري على التخيل، ولم يعد هناك أي مجال للتثبت حول حقيقة المزاعم باتصال النبي مع خالقه وطبيعة الحوار الذي دار بين عنصر بشري متناه وقيمة خالقية لا متناهية وبلا جسم ولا صفة. وحتى لا ندخل في الميتافيزيقا يمكنني الاحتكام لنظرية تحليل السرد. هل هو بنية أم نشاط متحول ومتدرج؟.

يختار بودمان التفسير الديناميكي، ويرى أن الذخيرة المعرفية للكتابة تشكل جانبا من الذخيرة المعرفية للقراءة ص 18. بمعنى أن أحد الطرفين بنية والآخر هو شروط تشكيلها، وهذا يعني حسب مفهومي أن النص لديه الصلاحيات لتوجيه القراءة بشكل عام وكل قارئ على حدة بشكل خاص، ولا يمكن إهماله والاستهانة به. وإذا كانت لدينا عدة تصورات عن إبليس فهذا يعود للمصدر وظروفه، وعلى هذا الأساس يمكننا تصنيف المخلوقات الراعية للشر، فهي باعتقاد علي الطنطاوي في كتابه (تعريف عام بدين الإسلام- دار المنارة. السعودية. 1989) ثلاثة: الشياطين والجان والأبالسة. ويوجد فروقات في مقاربتها للبشر وقدرتها على تدمير أدوات المناعة الروحية والعقلية. ويؤكد بعدة مناسبات أن إبليس ليس من الجان (كما هو شائع) لأنه يتزوج ويلد. والجن مكلفة وليس لها قدرة على الزواج أو الإنجاب، وهي مخلوقة من نار لكن هذا لا يلزم أنها تحرق كل ما تمسه. ص151. ولا يمنع أن الله بدلهم لاحقا لطبيعة أخرى. فالإنسان نشأ من طين لكنه لم يستمر كذلك. ص 151. كما أنهم لا يعلمون الغيب. ص152 أما الشياطين فهم كفار الجن وأبوهم إبليس ص 153 مع ذلك ليس للشيطان القدرة على الإضرار أو النفع بل الكيد فقط.

بالمقابل يبني بودمان تصوراته على افتراضات ديناميكية ص 19.

2737 شعرية الشيطانالأول أن للنبوة خاتما (محمد خاتم الأنبياء).

الثاني أن النبي يموت وإبليس متطور عن الجان وهو روح الشر الخالدة التي لا تفنى ولا تغيب.

الثالث أن أخطاء النبي في تفسير بعض الأوامر الإلهية لا يقارن بتمرد إبليس وتحوله إلى نزاع مع الخالق.

الرابع أن معجزات الأنبياء ينتهي مفعولها بموتهم بينما شرور إبليس ليس لها دورة حياة. وهي باقية وأزلية مثل الإله ذاته.

الخامس أن إبليس فكرة متطورة تطورت مع تقدم التنزيل من الوحي وبأمر من الله نفسه. ص 20. وقد طرأت على حوارياته في السرد الإلهي عدة نقلات ملحوظة وسعت قدراته من النميمة إلى القتل المروع والجائر (ويضرب مثالا بمقارنة صوره في سورة الحجر ثم في سورة ص).

وبهذا المنظور يمكن إضافة شخصية إبليس للبنية المأساوية التي تحكمت بأقدار البشر منذ ملاحم بلاد الرافدين وحتى تكوين العقل الكلاسيكي وظهور الدراما الإغريقية ص22. ولا يستطيع أي إنسان عاقل أن لا يلاحظ الفرق في صور إبليس وهي تتطور من مجرد رمز للشر إلى أداة شريرة يطالها قانون اللاهوت الإسلامي. وإن كانت الحالة الأولى خاصة بالوحي والتصورات الشعرية لمجتمع قيد التشكل، فالحالة الثانية لها علاقة ببدائل الشر المنظور. بتعبير آخر إن إبليس الذي حاربه القرآن هو غير إبليس الذي كانت تطارده لعنة اللاهوت الإسلامي. وبتعبير بودمان: السرد الذي جاء ليفسر ويهدي الإنسان لحل ألغاز حياته تمهيدا للتغلب عليها بواسطة المعرفة والوعي، تحول إلى جزء من الطبيعة التسلطية للشر المهذب الذي يفرضه القانون على المجتمعات ص 24. مثل تطبيق العقاب بواسطة التعذيب أو الإفراط بتقييد الحرية الشخصية حتى لو أنها لا تشكل خطرا على الآخرين. وهذا يفسر برأي بودمان جوهر التفكير السني الذي تتبناه الأشعرية والذي جعل من وجوب الشر أساسا لمضمون وسطوة الممنوع (ص 26). وقد قادته هذه الفلسفة الخاصة لأن يرى في إبليس إمكانية للتحالف مع الصلاح والخير أو القوامة. ص 28. وبالصورة النهائية يضع بودمان عدة حواجز بين هوية إبليس وشخصية الشيطان.

الثاني رمز دائم للضرر وإلحاق الأذى، وهو بلا صفات ولكن له مزايا. ص 49. والأول مخلوق متحول ارتكب المعصية نتيجة استعمال المنطق بالهداية والتفكير، ولم يكن مؤمنا بالقدرة الإلهية بشكل أعمى، وكل ذنبه أنه اختار التوحيد ومركزية الإيمان (ويوجد نص للحلاج يؤكد أنه لا يوجد موحد في السماء مثل إبليس - ص 36)، حتى أنه رفض السجود لغير الخالق ص 35. ولذلك هو شخصية تمثيلية ص 48 وكائن غير تعبيري، لا يعبر عن الشر وصوره بقدر ما يمثل ضمنيا الضعف والنقصان المأساوي عند جنس البشر. ويبدو أن صراعه مع الله وتمثيله لصراع الملكات عند الإنسان رفعه من تصوراتنا عن الشر لتمثيلات النضال البشري ضد عوامل النقص. ص 43. ويتعارض كلام بودمان بهذا الخصوص مع التصوف الذي يساوي بين أشكال الشر والصلاح. وحل العطار والحلاج هذه المفارقة بالتمييز بين أمر الله وإرادته. فالأمر النافذ تعترضه إرادة نافذة أيضا. وإذا لم يكن اختيار إبليس صحيحا فقد كانت دوافعه نقية، وبالنهاية نفذ مشيئة مقدرة عليه سلفا. وهذا وحده يكفي لمضاعفة معناه المأساوي كشخصية مغلوبة على أمرها ومضطرة لسلوك ستحاسب عليه. ص 423. ولذك يوجد تبادل بين نوعين من أنواع الاستواء عند الخالق: رحماني وإلهي (ص 628- المعجم الصوفي- سعاد الحكيم)، كما أن الأفعال لا تحكم، والفرق بينها يعود للوجود (وهو خير دائم) والعدم (وهو ظرف شرطي للشر). ومع أن هذا التفسير لا يكفي لردع الصور المخاتلة التي أجمع عليها المتصوفة عن إبليس، فهو شخصية مغامرة ومتقلبة، ولا يمكن الوثوق بها، ويستعمل المكر والدهاء لتحقيق غاياته. بالإضافة إلى أنه يعلمنا قيمة الصبر في الوصول للهدف النهائي. إنه بالنتيجة يمتلك (حسب عقلية التصوف) صفتين.

الأولى أنه طبقي، وهو يشعر بالرحمة مع الملوك والنبلاء ويرشدهم لطريق التقوى (كان ينبه معاوية لاقتراب صلاة الفجر، لكنه لم يكن ناصحا لأبي ذر أو الإمام علي).

الثانية أنه يختار الطرف الأضعف من المعادلة، والمقصود النساء (كما في قصة إيداع ابنه عند حواء في غياب آدم). وهذا وحده دليل على ترويج البنية الذكورية للأسرة بل لأول أسرة في تاريخ البشر والمخلوقات. ص 35.

ومع أن بودمان كان نبيها بما فيه الكفاية ليلاحظ الفرق بين تصور السنة لإبليس وتصورات “سواهم”. وهذه الكلمة تجمع طيفا عريضا من المعارضة الفقهية والميتافيزيقية - بدءا بالتشيع وحتى المغالاة بالتصوف، لكنه قدم تفسيرا أفقيا لإبليس. وحينما وضع أسطورته - وكل تفاصيلها تحت مجهر نظريات سرد القارئ لم يتردد في تحميل القراءة كل الإسناد. ويمكن أن تقول إن الفهم كان بالنسبة له مرجعيا وليس جزءا من نشاط تتكاتف فيه مجموعة قنوات ناقلة. ويتوقف مطولا مع ستانلي فيش ليتفق معه بنهاية المطاف أن: المعاني لا تتحلى بالبراءة، وهي نتيجة فعل تفسيري. ص 58. ويقفز من فوق قناعة المعتزلة (وهم من أشد الموالين لحكمة العقل الغربي في تفسير روح حضارة المشرق الجديد - الجاحظ مثالا) وينسى أن المعاني عندهم بضاعة مشتركة، والأشكال - أساليب التعبير هي الجانب الذاتي ص 58. بلغة مباشرة: تقديم الموضوع هو الذي يحدد معانيه وليس معناه المجرد أو قبلياته. وباعتقادي إن صور إبليس سواء هي تراجيدية أو سردية (تحمل بصمات فرويد ورواية العائلة - فإبليس لم يكن خصما لربه فقط بل لكل من يشاركه موضعه في دولة الظل من جان وشياطين). وهي صور تعمل من خارج التفسير التاريخي لفكرة الملحمة البورجوازية أو سرديات الصراع مع الطبيعة وما فوقها. وإن دققت النظر بإبليس حسب كل الرواية الإسلامية يمكن أن تجد منه اثنين: خارج على القانون (عند السنة) ومتآمر على مكانة البشر وسيادتهم (عند المتصوفة). وما يدعو للدهشة أن الحالتين لا تؤيدان نظريات التأويل. فصورته السنية لا تتطور. وهي ثابتة وراكدة وتكرر ذاتها. وبالمثل صورته الصوفية. هي مطاطية، ويصعب أن تتعامل معها بمنطق جسم له حدود ومرتكزات. بتعبير موجز هو كائن محنط- في السنة أو أنه موجود دون كينونة في التصوف. وتعكس هذه التصورات طبيعة الحراك السياسي ولعبة شد الحبل بين النظام والمعارضة. ولا يمكن أنه غاب عن ذهن بودمان الطبيعة الخاصة للكتاب السماوي وما نجم عنه. فهو رسالة لتبديل قناعات راسخة، وليس حكاية للتسلية والترفيه. وتطور صورة الشرير لم يؤثر بها الاستجمام، وإن استفادت من الوسائط المساعدة التي عمت أرجاء الحياة بعد دخول الرخاء. لقد أمكن تخيل تفاصيل عن العالم غير المنظور بعد اختصار المسافة بين الوهم والخيال. ولكن لم تتراجع المهمة الأساسية وهي تنبيه الإنسان لضعفه ولقوة وأحابيل القوة المتربصة به في المناطق التي لم تتكلل بالفتوحات. ومن بينها ولا شك الجوانب المستعصية من المعرفة كنشوء وانتشار الأمراض ولغز الموت وظواهر الطبيعة وغير ذلك. وعليه لم يكن هناك هامش واسع للتفسير. لقد توسعت الأدوات وأساليب الأنواع لضمان المحافظة على نفس الهدف. وهذا يلغي فكرة "موت المؤلف" ويستبدلها بـ "موت القارئ".

ومهما تتبعنا مصادر شخصية إبليس - حسب الخيال الإسلامي لن نصل لشيء يذكر. فالقرآن بنى منطقه على الإعجاز وحسن التدبير وليس على الدهاء والمكر وهما من طبيعة إبليس. وإذا أعدنا قراءة السنة والوحي سنلاحظ كما هائلا للمعجزات والخوارق وقصص الأنبياء مع مساحة بسيطة للتحايل والشر. وقد تطور الفكر الشرعي الإسلامي وخياله التربوي على هذا الأساس. والتراث المعاصر الذي يحمل عدة عناوين براقة منها قصص أو سير الأنبياء وأحسن القصص وغير ذلك لا تتوقف كثيرا عند ألاعيب إبليس ولكن عند حسنات الملائكة. وربما كانت الأطروحة الإسلامية تعمل على أساس التبشير بالخير وليس التخويف من عاقبة الشر ورموزه. والمثال على ذلك وفرة أشجار الفاكهة في الجنة واقتصار الجحيم على شجرة واحدة هي الزقوم. كما أن الجنة الموعودة، مزدحمة بالحوريات والغلمان والطيور المغردة فقط. وإذا تساوت بالعدد آيات جهنم والتعذيب بالنار مع آيات الجنة وما يرافقها من رخاء واستجمام لا يوجد أية وقفة مخصصة مع جهنم. بينما وردت آية بوصف محاسن الجنة (سورة البقرة - 50). أما المساحة القليلة التي احتلها إبليس (ومرادفاته) والتي وصلت ذروتها في رسالة الغفران للمعري فتعود لواحد من ثلاثة مصادر: مخالطة الرسول لورقة بن نوفل وللراهب بحيرا. ثم للغيتو اليهودي في المدينة (والذي تطور لاحقا لما يعرف باسم الإسرائيليات). وهي بمجملها مصادر ذات خلفيات سريانية شرقية أو يونانية غربية. وكل الإضافات التي لاحظ بودمان وجودها في نصوص أدبية معاصرة منها "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ و"الشهيد لتوفيق الحكيم" ص 73 لا تدين للذاكرة الإسلامية ولو بالنذر اليسير، وتبني أساسا على الخيال الغربي. فقد أعاد مشروع النهضة وما تلاه من تنوير وانفتاح ترتيب العلاقة بين الدين والعقل. لقد انفصل الدين بالتدريج عن الحياة الفكرية ودخل في صراع المجتمع مع ظروفه، وتراجع العقل ليصبح خلف حدود ما يسمى المعرفة. وتبع ذلك ترتيبات جديدة للمتن والهامش. فقد تحول المتن الإسلامي لهامش يخيم عليه ظل ثقيل لفكرة صراع الحضارات أو صدام الشرق والغرب (وكلاهما يدخل في الموجات المتعاقبة لتحليل الأفكار وبناء الهوية واستعادة الذاكرة - يسميها بودمان: الفراغ ص 65 وما بعد). بتعبير آخر أصبح المتن ابنا شرعيا للثقافة الغربية. وينسحب هذا الكلام على التصوف وإضافاته. فهو نتيجة عودة ثقافات الميتروبول للحياة والازدهار ولكن بأقنعة وأزياء إسلامية. إن أي نظرة عادلة لشعر أبي نواس ستنتهي للفصل بين المعنى والمبنى. وهذا يدل على الدراما القوية التي بدأت تهضم العنصر العربي وتضعه في ما يسمى علبة الأدوات الإسلامية. وإذا عالج القرآن واقع الروح العربية بلسانها، فإن تفسير القرآن هو نتاج آلية تفكير إسلامي فوق عربي أو عابر للجنسيات والقوميات (لو استعملنا المصطلحات المعاصرة). وهذا يعني ضمنا أن أي إجحاف أو ظلم وقع على عقل الشعوب التي وصلتها الفتوحات، كان هو وراء الانقلابات الدموية اللاحقة، ثم ترميم الماضي واستعادته، إن لم نقل تحريره. ولذلك بدأ فن التصوير بفرض نفسه. وبالتدريج تمايزت صور إبليس الفقير بالخيال، وظهرت من تحتها صور أغنى بالتفاصيل. ولا يمكن أن تجد مثلها إلا في بنات المخيلة أو ما يشبه الخيال العلمي. وابتداء من القرن العاشر والحادي عشر، في أعقاب الضعف الذي لحق بدور العرب في الدولة الإسلامية، بدأ إبليس يأخذ مظهرا يذكرنا بالتماثيل الآشورية والأكادية التي لم يلحق بها الهدم مع إضافات تربطه بكل شيء يذكر بالخطيئة والعذاب. ويمكن القول إن حركة إحياء الفلسفات الظلامية هي المسؤولة عن تطوير صور إبليس. بتعبير آخر لقد دخل إبليس مع اللاهوت الإسلامي وليس مع انتشار الدعوة.

ونحن ليس بمقدورنا التعامل مع صورة واحدة متفق عليها لإبليس. ولكن مع عدة نسخ وتراكيب، أقلها إسلامي وأكثرها فلاش باك أو حفريات معرفية في ثقافات شعوب المنطقة. وإذا كان صحيح مسلم هو المصدر الأساسي لمداخلات النبي عن إبليس يكفي أن نعلم أنه مولود في نيسابور وبعد 200 عام من الدعوة تقريبا. لم يكن القرآن مولعا بصور إبليس ولكن بموضعه في الدورة الطبيعية للغواية والشر، بعكس الفكر الساساني الذي يحتفظ عنه بتفاصيل لا شك أنها ساعدت في تجسيده حتى تحول لشخصية روائية (فقد كان هو من شجع الضحاك في الشاهنامة على الطغيان، وتوجد روايات تشير أن الضحاك صورة لروح إبليس الشريرة، وهما شيء واحد). وكما تذكر الدكتورة ريبكا دينوفا Rebecca Denova حمل اليهود (في طريق عودتهم من السبي البابلي بعد سقوط المملكة البابلية في يد الفرس في 539 ق.م) معتقدات الفرس القديمة، وأوكلوا مثلهم لإبليس الشر بدلا من الرب. وتطورت هذه الفكرة عند الأسينيين (كما تذكر مخطوطات البحر الميت) ليكون مندوب إبليس جزءا من كل نفس حية، وليصبح الربان الذي يهدي البشرية للضغائن والانحرافات. ولكن على الأرجح إن حبكة إبليس الإسلامية هي أبسط من الصور المعقدة المعروفة حاليا. وهناك أكثر من صلة قربى بين الملاحم الدامية وبين التراث غير المكتوب للخيال بعد - العربي، ولكن الناطق باللغة العربية (تحديدا ألف ليلة وبقية سير الأبطال والمشاهير). ولا يوجد في الإسلام ما يزيد على نمطين. الأول هو الصور المكية ويغلب عليها مشكلة المعرفة، وهي غامضة وتدخل في آلية التعبير بالرموز، أقدم أساليب التواصل قبل اكتشاف الفن التعبيري. ثم الصور المدينية وهي ناجمة عن الاحتكاك الشعبي بالأقليات (غيتو اليهود).

ولا يوجد عندي أي شك أن ما لحق من إضافات بإبليس في الإسلام هي بنيوية وليست عبارة عن تطور موضوعي. بمعنى أن المسلمين تركوا لنا عدة نسخ منه، وليس مجموعة من الصور المعدلة. ويؤكد ذلك القطيعة المعرفية التي لحقت بالإسلام بعد فترة بسيطة من التقشف الثوروي (عصر البعثة ودولة المدينة ثم الكوفة). فقد تم رفع المنع عن التصوير كنتيجة مباشرة لموت عقلية البيت المكي، وبزوغ فجر البلاط في دمشق. وهو تعريب بغلاف إسلامي رقيق لأهم إنجازات الحضارة الرومانية الآفلة. وهكذا بدأت تنتشر تصورات عن أساطير التكوين لتعبر عن قلق الدولة الجديدة ورغبتها في إعادة تشكيل عالمها بعد أن كان الخلق يقتصر على المشيئة الإلهية. إن الفرق بين ما ورد في القرآن وما تداولته الأخويات ومجالس السمر في دمشق يشبه الفرق بين التعبد للخالق والاتكال على رحمته الواسعة وقلبه المتسامح في اقتراف الأخطاء. ومن المؤكد أن السنة بعد سقوط دولة الكوفة بيد الدمشقيين نظروا للرفاهية على أنها نوع من أنواع الشكر الواجب علينا تجاه الخالق. ويستندون في ذلك لجزئيات من حياة الرسول: ومنها حسن الملبس وأطايب الطعام. وطبعا تتسع المساحة لإبليس كلما زادت المطامع.

بنظري لم يكن هناك خلاف بنائي بين أشكال الشر. وكل من الشيطان وإبليس كناية عن الفساد أو بذرة الانحراف المزروعة في داخل كل إنسان. وهذه الأسماء هي ترادفات بلاغية قد تدل على التدرج في الأذى والضرر، ولكنها لا تصل لخلاف نوعي. وبهذا السياق لا أفهم لماذا أضاف بودمان فقرة كاملة عن الآيات المحكمات والمتشابهات؟ ص 86.

لا توجد علاقة عضوية بين الاتجاهين والتطور المزعوم لشخصية إبليس. فهو لم يخرج عن أنه كائن لا يحبه خالقه، وإن لم يدمره فهذا فقط ليترك الإنسان حائرا دائما وأمام اختبار لملكاته وإرادته. ولم تكن صور إبليس عرضة لأي تأويل أو تشابه وكانت محكمة، ولا تنفي بعضها بعضا. ولكن الوفرة بالتفاصيل يعود للفجوة التاريخية التي تفصل زمن التنزيل عن لحظة تأسيس الوعي باللاهوت الأرضي أو اللاهوت البشري الذي تتدخل في تشكيله الأهواء والنوازع. وإن كانت مشاركة إبليس تقتصر في القرآن على 7 آيات كما ورد منذ المقدمة لا يغيب عن ذهني هذا السؤال: أليست هي مشاركة خجولة.إذا علمنا أن عدد آيات القرآن الإجمالية يبلغ 6236. لم يحارب القرآن إبليس بل وضع نصب عينيه محاربة المجتمع المكي ثم بدو شبه الجزيرة. واتساع المساحة المخصصة له كانت مقياسا لعودة الفلسفات غير الإسلامية وتسربها من خلال جدار دمشق الذي تعرض لصدوع عميقة من الدعوة العباسية.

والشيء بالشيء يذكر.

تمت ولادة دولة دمشق بعد حروب علنية بين المتنازعين على السلطة، لكن ولدت دولة بغداد (القريبة من حدود الثقافة الفارسية) بعد صراع صامت ودعوي وسري إن ذكرنا بشيء يذكرنا بمطلع البعثة. ومثلما عملت الدولة العباسية على تقويض كل أساسيات الدعوة المكية: التأكيد على عروبة الإسلام وقرشيته، ونفي لغة القياس والمحاكاة والتصوير، وديمقراطية القيادة واحترامها لحرية الأفراد، عملت أيضا على تقويض الجانب الأسطوري فيها. ومن ضمنه هوية إبليس، واستعادت أمجاد إبليس الزرادشتي بكل دهائته وخلاعته. والصور القلمية التي كسبها إبليس بعد سقوط جدار الشخصية العربية (مع انهيار دمشق) تحولت في العصر الوسيط لصور مرسومة ومبتكرة جريا على عادة البلاط الساساني واليوناني.

هناك نقطة تتفرع مما سبق.

مع أن القرآن ترك مجالا واسعا للديمقراطية والتداول بالرأي أو استعمال العقل والتفكير، وهو الهدف من آيات الاشتباه (التي تستعمل المجاز) لم يكن متسامحا مع إبليس، وربما ضغط عليه الخالق بطريقة مقصودة.إن لم نقل كان متحاملا ضده. لقد اتخذ القرآن موقفا مسبقا من إبليس. وكذلك فعلت بقية الديانات الوثنية التي بوأته مرتبة بارون أو إله للشر الكامن. وإن كانت جنايته هي الاحتجاج على السجود لآدم فإن الملائكة احتجت على خلقه آدم أصلا. هذا غير استعمال الرسول لعقله (والاستماع لنصيحة موسى) ومجادلة الرب بعدد الصلوات. لقد كان القرآن بجوهره حواريا، ولم يكن يملي تعليماته بطريقة تسلطية باعتراف بودمان ص 17. وآيات الترهيب دائما مغلفة بآيات التفسير، وغالبا ما يذكر الغاية من هذه القسوة والخشونة في الكلام.

لقد كان للقرآن ثلاثة حدود ثورية بالنسبة لعصره وهي:

1- الغائية. ولم يقدم فكرة دون أن يريد حكمة منها.

2- الديمقراطية. فقد ترك المجال مفتوحا لمراجعة الأوامر والنواهي بل نسخها أحيانا. وهو أحد المعاني العدلية للآيات المحكمات (كما أوردها الطبري). ص 84.

3- الجدلية. وأعتقد أن مثل هذه الصفة تضعه في إطار الفكر الواقعي (المثالي والتاريخي) لأنه يقدم الديالكتيك بنوعيه، بالقياس (توليد فكرة من فكرة وصورة من صورة) وبالتعليل (فلكل شيء علة أو سبب). ما عدا حالة إبليس، الأمر الذي يؤكد أنه رمز مصمم سلفا أو هو بقايا تصورات جاهزة ومفصلة قبل بداية الحبكة. ويؤكد بودمان على هذه الحقيقة في سياق كلامه عن تغريب النصوص وتحول الكتابة القرآنية لقراءة في نشاط معرفي سابق ص 89. ومع ذلك يبقى إبليس - القرآن أشد تهذيبا ولديه شهادة حسن سلوك إن قارنته بما ورد في سفر أخنوخ اليهودي من فساد للملائكة المراقبين (من اشتهى نساء البشر وتناسل معهن) وعزازيل الخبير بالمعادن والذي علم الإنسان حرفة إنتاج الأدوات الحربية. ص 130. لقد خان مندوبو أخنوخ ميثاق ربهم بينما احتج إبليس على تفصيل بسيط من تفاصيل الخلق. والخيانة الصامتة التي تحولت لأفعال تخبر عما تتضمنه من دمار وإفساد لا يقارن فعليا بالجدل الذي انتهى بفرض عقوبة رادعة (وربما غير مبررة) بإبليس المخلص والموحد لدرجة السذاجة والغفلة. ولا يمكنني أن أفسر انقلاب حال إبليس ما لم أفترض أنه ضحية لنية مبيتة. ودائما توجد في الميتافيزيقا مفاجآت. ففداء إسماعيل بأضحية لإخلاص والده لم يقابله تنازل من الخالق مع إبليس الذي لم يكن يرتضي الإشراك بالخالق. والتحيز ضد إبليس له بوادر أيضا. لقد خلقه الله من نار (تدمر وتحرق) ولم يخلقه من نور مثل بقية الملائكة (لنهتدي به). وبلا أي شك لقي إبليس معاملة ظالمة من الخالق العادل لأسباب غامضة. إن لم تكن بسبب الحبكة الرمزية فقط، فقد هبط من السماء بالإكراه، بينما أشرار أخنوخ هبطوا بمحض إرادتهم (كما يلاحظ بودمان ص 131). وهذا يعني أنه لم يكن لديه مجال ليختار. بتعبير آخر كان محروما من الدلال وطيبة المعشر التي تجدها في أخنوخ. وهذا لا يخول إبليس ليكون تراجيديا، وإنما ليكون محروما من شرط الحرية الذي وجد الإسلام لتحقيقها أصلا. وبذلك يكون هو الاستثناء الوحيد في الإسلام من حق أن تختار، بمعنى أن تضع فكرك أمام وعيك الباطن. ويمكن أن تقول مع بودمان إن إبليس يثير الشفقة أكثر من السخط وبالأخص إن نظرت لدوره في حياة آدم وحواء. فقد كان إبليس غائبا من الصورة في النسخة الإغريقية والسلافية ص 137 وكان ضعيفا يبكي ويشكو ويعترف بزلته (وجدير بالملاحظة أنه لا يصنفها في عداد الأعمال الانتقامية والحقودة حقا ولكن ضمن أفعال حفظ ماء الوجه والدفاع عن كرامته المهدورة. وبأسوأ الأحوال بمنطق نقطة ضد نقطة). لكن من الواضح أنه كان للحكمة الإلهية تدابير سوى ذلك، وهي مداومة الشر، وتعريض الإنسان لامتحان الإرادة. ويستنتج بودمان وجود علاقة بنيوية بين مخططات إبليس وجريمة قابيل. والقرائن لديه اثنتان. الأول هو أسبقية كليهما بالخلق والولادة على غريمه. والثاني الاعتراض على مشيئة الإله. ص 156. ولكن لا مجال للمقارنة. فالنصوص على اختلافها لم تسمح لقابيل ببلوغ منزلة إبليس عند الخالق. بقي الرب محجوبا عن بصر قابيل ولم يتمكن من الصعود للمنطقة الإلهية (بتعبير بودمان نفسه - ص 156). ناهيك أن المسألة سويت بالندم بعد ارتكاب حماقته. لم يستمر الدافع للجريمة حيا ويقظا في وعيه، وتآكل من الندم والأسف، وتعلم من الغراب كيف يواري جثمان القتيل. ولكن يبقى السؤال بمثابة جرح مفتوح وملتهب: لماذا توجب على قابيل أن يكون هو القاتل؟. لا يوجد مسوغات واضحة. وهكذا يتساوى إبليس معه مجددا. لكن من المؤكد ليس بالبنية، فذات إبليس هي غير ذات قابيل. ولا يوجد أي مبرر للمطابقة بينهما. الأول شجرة للشر. والثاني نقطة ندم وعدم رجوع. وبغض النظر عن التطورات اللاحقة لا يوجد أي مبرر لتحميل إبليس أو قابيل وزر الخطأ الأول. فهو شيء يحدده النص ويختاره كاتب السيناريو والمخرج. وبلغة علمية كل منهما نمط بدئي لنوعه.

ولا تتوقف ألغاز القرآن عند هذه النقطة بل يذهب بودمان لإحصاء على الأقل ثلاثة عناصر غامضة وضعت العقل البشري بموقف صعب للغاية أمام مقاصد الخطاب الإلهي.

الأول هو انتقائية الخالق في علاقاته مع عباده. ص 36.

الثاني الحروف الغامضة في مستهل بعض السور ومنها سورة طه التي تتضمن مختصر حكاية إبليس. ص 167. بالمناسبة توجد دراسة مفصلة عن قوة الحروف وما تتضمنه من احتمالات ذات معنى في مقدمة ابن خلدون عالم الاجتماع العربي المعروف. ناهيك عن دراسات معاصرة منها بحث لؤي الشريف الذي يقترح أنها كلمات تامة باللغة السريانية، وكانت شائعة في وقت النزول، مثلا طه: تعني يا رجل. ألم: تعني اصمت. كهيعص: تعني هكذا أعظ. .

الثالث هو الصدع الذي يفصل الخلفيات عن التفاصيل. ويعتقد بودمان أن هذا يفرض علينا اعتماد معايير وأدوات مختلفة لكل حالة مما يجعل النص أمام مصادره. ص88. وإذا فهمت بودمان جيدا فهو يوعز إلينا أن هناك مساحة بين النص والقارئ وهي الكاتب نفسه. وباعتبار أنه الذات الإلهية أو مبعوثها لا يبقى أي مجال للتعجب. لا بد أن الخالق لديه حصانة ومناعة من التماهي مع ذات المخلوقات واستطاعتها وإمكانياتها. ولو لا هذا الغموض لما بقي فرق بين الإنسان وربه.

 وينتبه بودمان لعدة افتراضات حول هوية إبليس. أهمها أنه لم ينفرد بسورة كاملة مثل غيره من الشخصيات والحوادث، وأنه جاء بسياق مساحة ضيقة، ولكنه يستند للتاريخ والأدب الإسلامي (وليس اللاهوت) ليتسنتج حقائق غير مبرمة عن عالم الكائنات غير المنظورة أو الكائنات الليلية. وهنا يخرج لأول مرة عن الموضوع، ويدخل في عالم تكهنات وتصورات جيل من أجيال حضارة الشرق الأوسط (وهو العصر الوسيط بالتحديد)، ويقدم إعادة بناء خيالية لعالم الموتى.

وقد ابتعد بودمان عن المنطق القرآني بمجموعة من النقاط.

الأولى أنه اتكأ على روايات غير دينية وهي عرضة ولا شك لأن يلعب فيها المجاز ومهارات البلاغة الدور الأساسي.ص 228.

الثانية أنه لم يضع حدا فاصلا بين مختلف المصادر. مثلا لم يعزل حدود الفكر الإسلامي (الذي يحتكره الله لنفسه) عن دائرة التفكير المسيحي (والذي يمكن أن تتعايش فيه مخلوقات الأرض مع مخلوقات السماء من خلال مبدأ التجسيد وحلول روح الأب في جسد الابن).

الثالثة أنه طور فكرة عن الحياة بعد الموت حينما تنفصل الروح عن الجسد وويتوزع المخلوق - أو يتجزأ لمكوناته. روحه في السماء وجسده في باطن الأرض. وهذا يرشح فكرة بودمان لتكون تصويرا للحياة المرجأة أو لميكانيكية انتقال الإنسان من تجليات مرحلة لتجليات مرحلة غيرها. أو بلغة قرآنية ليركب المركب الصعب ويحسم مصيره ويرحل للعالم الآخر. إن كل ما فعله بودمان لا يدخل في مجال تفسير وشرح العبارات الموجزة التي وردت عن إبليس. ولكنه يجمل تصورات الشعوب عن كائنات تختبئ وراء حجاب الواقع المادي، ونراها بعد أن نتحرر منه، ولهذا السبب عجز عن تقديم دليل واحد على صدقية تواصل الجان مع الكهنة والشعراء ص 225. ببساطة لعدم توفر مثل هذه الأدلة إلا في ذهن أدباء الخيال العلمي أو المشعوذين.

وبالنتيجة يتفرد ابليس بهوية لا ينازعه عليها أحد.

أولا إنه يمثل دور المعارضة ويطمع بالرئاسة. ويمكن أن تستنتج أنه السبب بالنزاع بين أهم عنصرين من عناصر الحياة. الهواء حيث يستوي عرش الخالق. والماء حيث يستوي عرشه.ص 36 فضلا عن الفرق العدلي بين الطرفين. الأول (الريح العاتية) استعملها الله لمعاقبة الفاسد، بينما كان الغمر بالماء يعبر عن الهلاك والحقد الأعمى دون تفريق بين مذنب وبريء (مثاله طوفان نوح).

ثانيا أنه وجه كيده لصنفين من أصناف المخلوقات الأرضية، البشر ويمثلون الوجود الفيزيقي المادي، والإنسان ويمثل الوجود الاجتماعي. ص 267.

ثالثا. التردد وعدم اتخاذ موقف واضح حتى أنه طرأ اختلاف على آيات إبليس. فهو في كل السور يجادل ربه ليعفيه من السجود لآدم باستثناء سورة ص قرر الامتناع. ص 305. وتفهم ضمنا أنه لم يكن لديه استعداد للتفاهم لا بالحوار ولا باستعمال القوة. ولم يحاول أن يفتح باب النقاش مع الله حتى يلين كما فعل الرسول بموضوع الصلوات، وبهذه الطريقة يمضي كل منهما بطريقه. الله من طرف وإبليس من الطرف الآخر.

ويفضي ذلك ببودمان لقراءة مواقف وشخصية إبليس في الفكر المعاصر من خلال نماذج أدبية حديثة. ويأخذ إبليس فيها منعطفا غريبا وعجيبا. فهو بنظر اليمين واليسار، المحافظ والراديكالي، نقطة مضيئة رغم الخطيئة الأصلية التي ارتكبها. فموقفه يتسم بالبسالة والجرأة بالإضافة إلى أنه اعتمد على مبدأ التفكير والقياس. وهذا بحد ذاته ليس خطيئة، وربما نقطة تحسب لصالح رجولة إبليس ومبدئيته.

ولكن لا أستطيع أن أؤيد هذه الفكرة ولعدة أسباب.

أولا لا يمكن استعمال نفس المعايير إذا كنا نقرأ شخصية إبليس في حقول متعاكسة مثل شعر محمد إقبال (الذي يلتزم بخط وإطار القرآن 397) وشعر أمل دنقل المعارض والثوري 418.

ثانيا. لا يجوز النظر لشخصيات نجيب محفوظ بنفس العين التي نتابع بها شخصيات نوال السعداوي. حتى أنه لا يمكننا وضع كل أعمال نجيب محفوظ بكفة واحدة، وروايته المعنية (أولاد حارتنا) بالذات لها وضع خاص. فهي ليست اجتماعية كثلاثيته. ولا أسطورية كبواكيره بل تدخل وبشكل مباشر بالصراع على السلطة، والشك بحقيقة دوافع ثورة الضباط الأحرار، وقد استعمل فيها الرموز تهربا من الرقابة السياسية وليس بسبب الخوف من ضوابط وشروط الوعي الديني.

ثالثا لم يتحرر إبليس في الشرق من النظرة الدونية لمخلوقات العالم الموازي. وهو لا يعدو أن يكون مثالا للشر مهما تعددت أسبابه. فهو الإمبريالية التي تستعمل القوة لقهر إرادة الشعوب بالتحرر(عند يوسف إدريس). وهو النظام الأبوي والمخابراتي (الأب والزوج الظالم) في كتابات نوال السعداوي ص409. لكنه الجمود العقائدي الذي يسخر الروح لخدمة أديان أرضية (كما هو الحال في رواية "عزازيل" ليوسف زيدان، أحدث نسخة من صور إبليس المعاصر).

 

صالح الرزوق

*ترجمة رفعت السيد علي. منشورات الجمل. بيروت وبغداد. 2017.