 أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: رؤى فلسفية إشكالية

1- كانط والمعرفة:علي محمد اليوسف

احدى مقولات كانط الفلسفية ذات الحمولة الثرّية المدخّرة قوله " المعرفة تبدأ بالتجربة لكن لا تنشأ عنها" ليس من السهل الوقوف على فهم شاف لما يرغب كانط التعبير عنه بعبارته هذه، و وسبق أن شرحها العلامة دكتور عدنان ابراهيم في إحدى محاضراته الفلسفية على موقع يوتيوب شرحا فلسفيا يحسب له وليس لعبارة كانط. وكان شرحه لها ملتبسا عليّ فهمه في توازي شغفي الكبير معرفة معنى عبارة كانط المفعمة بالتعبير الفلسفي العميق.

ماجعلني أذهب في مقاربة لما تحمل عبارة كانط من حمولات تاويلية ثرّة. كانط حسب فهمي لعبارته أن التجربة السابقة على المعرفة ليست هي تجربة العقل وإنما هي تجربة الحواس البدئية الاولية في الادراك السابق على المعرفة في تفريقه معنى الادراك عن معنى المعرفة... لماذا؟

كون التجربة العقلية هي تجربة معرفية وليست تجربة ادراك اولي فقط،  تلازم موضوعها ولا تتركه  من دون الخروج بمحصلة البرهان معه أو ضده.،  بخلاف تجربة الحواس التي هي نقل انطباعات الاحساسات للاشياء والمواضيع المدركة التي تنطبع بالذهن وتنتهي في عملية التجربة ألادراكية الاولية للاشياء،  وتجربة احساسات المدركات تجربة فاقدة لبرهانها اليقيني التجريبي فهي ليست خاضعة لبرهان العقل بل لاستشعارات ما تنقله عن الحواس. إذ الانطباعات تكون سطحية وسريعة المروق من الذهن قبل إستكمال العقل البت بها كافكار عقلية وليس إنطباعات ذهنية متحولة بسرعة غير ثابتة.

الانطباعات هو ما تدركه الحواس وتطبعه الاحساسات الناتجة عنها بالذهن،  والانطباعات ليست أفكارا مصدرها العقل فما يصدره العقل بخلاف مدركات الحواس هو مقولات معرفية فكرية بما يراه العقل في الاشياء وليس انطباعات زائلة عنها. ما تنقله الحواس هو الانطباعات الادراكية المنقولة لمؤثرات التجربة الحسيّة الاولية  العابرة للذهن التي لم تكن ناشئة عن تجربة إكتسبت برهانها العقلي. وهنا تصبح التجربة ليست تاكيدا لبرهان العقل كاملا بل الشك بها على أنها ناتج إدراك حسّي ناقص غير مكتمل عقليا.إدراك الشيء حسيّا إنطباعيا هو ليس معرفة ذلك الشيء معرفة عقلية حقيقية. المعرفة تسبق الادراك العقلي الى إصدارفكري نهائي يصدره العقل.

2- هيوم والعليّة

نال ديفيد هيوم سخطا كبيرا حين أنكر ما لا يعقل إنكاره مثل مقولته المثالية لا وجود للعقل الذي أيّده بها بعد قرون طويلة فيلسوف العقل الانجليزي المعاصر جلبرت رايل في مقولة له "لا يوجد ما يسمى عقلا ابدا" يلاحظ رايل لم يقل (مطلقا) بدلا من قوله (أبدا)،  فالأبد ربما يتحقق لاحقا،  بينما المطلق فهو أزل  لا يمكن إحتمال تحققه الادراكي لاحقا. كما أنكر هيوم العالم المادي الخارجي خارج إدراك التجربة الحسّية. كما وأنكر مبدأ السببية في نظام علاقات الاشياء ايضا،  وقال لا يوجد سلسلة لانهائية من المتواليات الرياضية تحكم ظواهر حياتنا تتوزع بين علة ومعلول تحكم الظواهر والاشياء من حولنا،  حيث نجد تفكيرنا يتوقف تماما عندما يصل الى علة بلا معلول في وجود الخالق الذي يتوجب علينا الإيمان بهذه العلة خارج أحكام السببية ونؤمن بوجود الله علّة كل الاشياء الذي لا تسبقه علة موجدة تخليقية له سابقة عليه.. ولم ترق لديفيد هيوم هذه النتيجة النهائية وهو ذلك الملحد العتيد الذي يمّجد التجربة الحسّية ولا يعترف بشيء اسمه ميتافيزيقا من أي نوع كانت. لذا إعتبر هيوم مبدأ العليّة ليس وسيلة معرفية موثوقة لفهمنا العالم من حولنا.معتبرا السبب والنتيجة هما تكرار لحقائق تربطها علاقات تكرارية متلازمة مع ظروف ملازمة لها بعينها لا تتغير ليست سببية لكنها علاقات تصبح يقينينة بحكم التكرارللظاهرة السببية التي ينتج عنها (عادة) تلازم الحكم على تلك العلاقات على أنها سببية. مثال ذلك حسب هيوم حين تتكرر ظاهرة الاحتراق كنتيجة يولدها سبب النار فهي تصبح بمرور الوقت وتكرارها بلا ما لا يحصى من المرات (عادة) بديهية يعاملها العقل معاملة اليقين السببي أن الاحتراق نتيجة سبب هو النار.

3- مصطلح جدل الجدل

مصطلح جدل الجدل قرأته في احدى مقالات الباحث السوري محمد ديوب المنشورة على موقع الحوار المتمدن لاول مرة ولا استطيع الجزم نسبة المصطلح له لم يسبقه به أحد غيره،  وتناولت المصطلح في مقالة لي منشورة بعنوان (جدل الجدل والمجانسة النوعية ). ملخصها حسب إجتهادي الفلسفي أن جدل الجدل هو ديالكتيك خارج علاقة المادة بالفكرماركسيا حيث ينفصل في هذا النوع من الجدل الزائف غير الحقيقي  الفكر عن المادة في علاقة وهمية شكلية ليست حقيقية الحدوث. بفعل إنعدام حاكمية المجانسة النوعية المختلفة بينهما المادة والفكر(اختلاف الماهية والصفات بينهما). جدل الجدل في المجانسة النوعية للمادة يكون ديالكتيكا داخليا لها خارجيا منفصلا عن تعالقها بالفكرجدليا.  ويكون جدل الجدل بالفكر ايضا داخليا بالنسبة له خارجيا بالنسبة للمادة في علاقتها بالفكرتكامليا وليس جدليا...

بمعنى لا يوجد في هذا الديالكتيك المزعوم وحدة تناقض الاضداد في مجانسة نوعية واحدة تجمع المادة والفكر في علاقة جدلية تقوم بينهما. بل تجمعهما علاقة تكاملية على مستوى ابستمولوجي صرف. فرق علاقة الديالكتيك الجدلي الذي يحكم متضادين متجانسين في النوع أنه ينتج عنه ظاهرة مستحدثة جديدة تسمى المركب الثالث. بينما تكون علاقة التكامل المعرفي بين مادتين أو بين ظاهرتين لا يشترط تحكمهما علاقة التضاد الجدلي في استحداثهما الظاهرة الثالثة الجديدة فتكون علاقتهما تكاملا معرفيا لا يلغي أحدهما الاخر كما في تضاد الديالكتيك الجدلي.

جميع التعبيرات اللغوية الخاطئة التي تصف علاقة شيئين مختلفين بالمجانسة النوعية،  أي مختلفين بالماهية والصفات على أنها علاقة جدلية وليست علاقة تكامل ابستمولوجي يجمعهما تفرضها ظروف موضوعية هو إسفاف متعمّد بالخطأ. الذي يحاول إنابة وضع علاقة جدل وهمي زائف محل علاقة تكامل تخارجي معرفي بين الاشياء وموجودات العالم الخارجي.المقصود بالمجانسة النوعية للشيء هي الصفات والماهية لذلك الشيء المتفرد بها كخاصيّة لا يشاركه الفكر بها والتي لا تشابه ولا تلتقي بغيرها من المواد الاخرى في المجانسة النوعية ذاتها والا دخلتا في تضاد جدلي بينهما،  وهنا يكون معنا خاصية الفكر الاجناسية هي تجريد لغوي صوتي،  في حين تكون المجانسة النوعية للمادة هي غيرها لا تحمل هذه الصفة الخاصية الملازمة للفكر لذا لا يمكن حصول جدل ديالكتيكي بينهما أي بين المادة والفكر في إختلاف المجانسة النوعية بينهما.

صفات المادة وماهيتها لا تلتقي يالمجانسة النوعية الموحدة مع صفات وماهية الفكر. الشيء الاخر الذي لا يقل أهمية أن المجانسة النوعية (خواص الماهية والصفات) في الفكر هي من نوع المتغيرات الطارئة على تغييرات الفكر باستمرار وهو ما لا تتوفر عليه المادة في ثبات صفاتها وماهيتها.

4- تنظيم الذاكرة

يذهب باشلار في تاكيده  أهمية الاستذكار النفسي الزمني معتبرا " الانسان لا يتذكر بمجرد التكرار وأنه لا مناص له من تركيب ماضيه،  فالسمة هي حكاية النزوع في الأنا،  ومع الإستذكار لا يكتمل عمل التذكر أبدا،  فالاستذكار لا يتناهى عندما ينتهي الحدث لأن الذاكرة تكتمل بالصمت "1.

بالحقيقة ما إستوقفني مليّا هو تعبير باشلار نهاية العبارة "الذاكرة تكتمل بالصمت" لما تحمله من تاويل نافذ. اذا ما إعتبرنا التذكر هو عملية إستعادة تداعيات الصور الخيالية المخزّنة بالذاكرة. عندها لا توقف الذاكرة  قابليتها على الاستذكار الماضوي "خياليا" كون الخيال هو إستذكار دائم الحصول متواترزمانيا في تداعيات من الشعور المسيطر عليه عقليا. تداعيات متسلسلة قائمة أساسا في صمت الذاكرة  إستيلادها الخيال وليس التوقف عن الكلام بمضمون تفكيرها الذي هو أساسا غير مطلوب الحضور لا في فعالية التذكر ولا في صمت الذاكرة عن الإسترسال بإستعادة تداعيات الخيالات الصامتة غير الصوتية غير الناطقة. الاستذكار الخيالي خيال تصوري لغوي لتشيييء لوقائع تاريخية غير ناطقة يحكمها الشعور وليس تداعيات اللاشعور.

ميزة الخيال انه صورتشييئية في التعبير عن وقائع وشخوص لا صوتية لكنها تكون لغوية  متكوّنة من الاستذكارات الماضية والخيالات الاستيلادية الجديدة المتلازمتين.  هما في كلتا الفعاليتين حقيقة فعالية واحدة تقوم على صمت الذاكرة وليس في إنعدام التفكير بالخيالات في الصمت المنسوب للذاكرة وليس الخيال. صمت الذاكرة الاستذكاري للماضي هو نفسه صمت التفكير في تعبيرها الحاضر عن الماضي. صمت الذاكرة صمت بيولوجي لا يمتلك غير وسيلة تعبير اللغة. لذا أجد أن تعبير الذاكرة تكتمل بالصمت لأنها دائمة الاسترسال في التذكرالخيالي الصامت الذي لا يتوقف. صمت الذاكرة تفكير لا يحدّه الزمن. ما يعني تعبير اللغة عن استذكار الخيالات هي لغة تشييئية صورية غير ناطقة خرساء بلا صوت فقط لكنها شغّالة في كل أوقات اليقظة وحتى في أحلام المنام.. ميزة الذاكرة أنها تداعيات نفسية خيالية مكتسبة عن تجارب وخبرة احداث ووقائع الماضي،  لكنها بنفس الوقت تستحدث خيالها الذاتي غير المكتسب عن استذكارات الماضي بتصورات جديدة مصدرها المخيّلة.

- تنظيم الذاكرة كخبرة تراكمية مكتسبة مخزّنة في حقيقتها عمل إرادي إكتسب جوهره الوظيفي كجزء من عملية إدراك عقلي عضوي – تجريدي. وبدون هذه المرجعية في التنظيم للذاكرة يصبح إستذكار حوادث ووقائع الماضي غير متاحة إدراكيا عقليا منتظما.

- زمن الاستذكار لحدث وقع بالماضي،  ليس هو زمن إستذكاره لاحقا بذاكرة الحاضر،  إستذكار الماضي يحكمه الحاضرتاريخيا والماضي يحكم الحاضر زمانيا فقط بوقائعه الحياتية التي لم تكتسب ماضوية وقائع ثبات التاريخ. وليس زمانيته الماضوية التجريدية التي لا يمكن إدراكها بغير دلالة تاريخية.، 

فالماضي كزمن وتاريخ لا يعي ذاته ولا يمكنه الحضور خارج إستدعاء الإستذكارات الخيالية الصورية والمتعينّات الاثارية له. الماضي تحقيب تاريخي زمني يكون التاريخ فيه متقدما على أهمية الزمن له. والحاضر تأطير زماني ثابت لوقائعه.

- لماذا تكون حاجتنا تنظيم الماضي في إستذكاره خياليا في وقت يكون هو إكتسب نظاميته القطعية بثبات وقائعه التاريخية التي أصبحت جزءا مدركا من ماض. الى جانب أنها وقائع تاريخية حدثت وإتخذت صفة ثباتها.

- تعبير باشلار السابق " الاستذكار لا تناهي عندما ينتهي الحدث لأن الذاكرة تكتمل بالصمت". بالعودة الى أن الإستذكار في حقيقته يجمع زمانين،  زمن الحاضرغير الثابت المتغير المتلاشي باستمرار الذي يحصل فيه الاستذكار الخيالي للماضي كوقائع وحوادث تاريخية ثابتة.،  وزمن الذاكرة بالاستذكار عملية مزدوجة لا تتم الا بالصمت الذي يجعل من الذاكرة تحقيبا ماضويا في تكامله مع حاضر إستذكاري خيالي يجمعهما كليهما معا في تمثيلهما خاصية الذاكرة التوليدية لهما وليس خاصية أحد الخيالين عن مصدر أخيلة الآخر..

- الارادة الانسانية لا تخلق زمانا تجريديا،  بل تخلق زمانا تحقيبيا تاريخيا. والارادة لا يمكنها قيادة زمان بل هي تدخل في علاقة تخارج معرفي في مواضيع يدركها الانسان بدلالة زمانية يحدّها مكانا معيّنا. الارادة الانسانية بمستطاعها تغيير الواقع في جميع تمظهراته التي يدركها الحس العقلي،  لكنها عاجزة عن خلق تلك الوقائع التي تسبق الارادة والادراك العقلي في وجودها الانطولوجي. .

5- الذاكرة والنفس

 باشلار حول مصطلحه الفلسفي تنظيم الذاكرة يرى (أنها لا تحتاج التكرار الاستذكاري للماضي) بل تحتاج التنوع الاستذكاري القائم على الاختيار والارادة النفسية. هذا المنطوق الفلسفي يجعل من الذاكرة في حالة التنظيم لنفسها هي حالة إستذكار نفسي لا علاقة ترابطية لها بوقائع الماضي التي نتصورها لها تاثيرا مباشرا على تنظيم الذاكرة ليست المنعزلة بقواها الذاتية كما يرغبها باشلار. الذاكرة لا تخلق عوالم الخيال فقط بل بحاجة تنظيم مكتسباتها المعرفية السابقة بضوء ما تستحدثه من افكار جديدة. الخيال الاستذكاري للذاكرة يجمع زمانين في وحدة زمنية ادراكية موحدة هما زمن الماضي والحاضر.

بضوء هذا الفهم يكون الإستذكار المنّظم هو تخليق ذاتي لما ترغبه النفس أن يكون عليه الاستذكار من المخيلة وليس تكرار ما يفرضه الخيال الاستذكاري لحوادث الماضي وبدلالتها كوقائع تاريخية ثابتة تكون الذاكرة مرتكز النفس وليس الذكريات الماضية هي المرتكز الذي تدور حوله الذاكرة.

من أهم المعضلات التي تصادفنا هنا هي هل الذاكرة إجترار تكراري إستذكاري لوقائع الماضي بما ترغبه النفس؟ أم هي توليد إبتكاري إستذكاري خيالي جديد لا علاقة دلالية تربطها بالماضي من الناحية الواقعية حيث عندما تكون خيالات الذاكرة تخليقا متجددا تبتدعه المخيلة المترابطة مع استذكار وقائع الماضي يكون هو السائد المعوّل عليه فلا يبقى حينها معنى أن يمتلك الماضي ما هو مادة تشكيلية لما ترغبه النفس. بحاكمية أصبحت خيالات الذاكرة تصنيع ذاتي منظم .

نخلص تثبيت الاتي:

- تنظيم الاستذكار بما يريح النفس وترغبه يقوم على المنفعة الذاتية للفرد التي تتحكم بها الذاكرة وليس الماضي بحوادثه التي تستثير خيال الذاكرة. حين تكون الذاكرة متحكمة بمواضيع الخيال تصبح معها عملية الاستذكار لا يحركها الماضي بل يتحكم بها حضور الذاكرة الاستذكاري.

- تنظيم الذاكرة يتم بما ترغبه النفس لا بما تفرضه خيالات الاستذكار المتعالقة نفسيا بالماضي تجريدا عن مؤثرات حوادث التاريخ في ثباتها الزماني. نحن نستذكر من التاريخ الماضي القطوعات الوقائعية التي حدثت بما نحن نريد نفسيا إستذكاره غير المحزن الكئيب منه.

- تنظيم الذاكرة لحوادث ما ترغبه النفس من الماضي،  هو تنظيم لا يمكن التلاعب بثباته في إكتسابه واقعة الزمن الماضي كحدث. بل كل تنظيم ذاكراتي يلزم عنه إرادة نفسية ترغبه هي تعيش الحاضر ولا علاقة معيقة لها في ثبات وقائع الماضي بحوادثه المتنوعة فيها البهيج السعيد وفيها المحزن الكئيب.

- لماذا نرغب تنظيم الذاكرة برغبة الانجرار الى استذكار الماضي وليس الانجرار تجاه المستقبل؟ هل كاف السبب أن الماضي يحتوي ثبات وقائعه التي تتسم بمعيارية صالحة للقياس بها؟ في حين يكون المستقبل هلاميا غير واضح لا يمكن للذاكرة الركون المعياري له بما تركن وترغب الذاكرة تكييف دوافعها النفسية بدلالته. ربما تبدو مفارقة غريبة أن طموحات ورغبات النفس يكون مرجعية إستنادها  الماضي التي تجد نفسها فيه ولا تجدها في سيرورة المستقبل.

6- برجسون والعدم

يعتبر برجسون فكرة العدم وظيفيا أغنى من فكرة الوجود للسبب الذي يسنده " فكرة العدم قد لا تتدخل ولا تتبلور إلا بزيادة وظيفة إضافية للاعدام على شتى الوظائف التي نطرح الوجود بواسطته ونصفه".

العدم بإجماع فلسفي علمي ايضا هو ليس جوهرا لا فارغا ولا ممتلئا،  العدم هو المطلق الذي لا يحدّه الادراك زمكانيا. فكيف نتمكن تحميل العدم حمولة موجودية وظائفيا أكثر من حمولة أي موجود مادي في الوجود؟

وإذا كان العدم حسب برجسون جوهرا ممتلئا بأكثر مما يحتويه الوجود،  تكون عبارته صحيحة حينما تكون علاقة الوجود بالعدم علاقة عكسية وليست علاقة طردية،  فكل ما يخسره الوجود من موجودات يفنيها العدم كلما زادت كفة العدم في الإمتلاء الميّت المزعوم حسب برجسون.

واذا ما كان العدم حسب برجسون جوهرا ممتلئا باكثر مما يحتويه الوجود،  فبإي منطق فلسفي يمكن تصويب مثل هذا الجزم الفلسفي؟

واذا كان هيدجر إعتبر العدم جوهرا ممتلئا في تعبيره الهروبي الفلسفي من مواجهة الاشكال العدمي متسائلا لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ وهو تعبير يضع العربة أمام الحصان،  لذا نجد ليس غريبا تمجيد برجسون للعدم أنه إمتلاء بما لا يستطيع الوجود الإمتلاء به.

كما يعتبر الجوهر الذي من الممكن إنسحابه شمول العدم هو جملة إمكانات غير قابلة للنفاذ على حد تعبيره. العدم لا يكون جوهرا فاعلا حيويا ممتلئا بالامكانات خارج خاصيته الافنائية العدمية لموجودات الوجود،  وكما أن العدم غير مدرك انطولوجيا ولا حدسيا بالدلالة الشيئية فكذلك يكون الجوهر هو كل عصّي على التصور الادراكي ماديا أو خياليا.

ومتى كان العدم معياريا تقاس به جواهر موجودات الطبيعة التي هي قيد الشك المتسائل.؟ ومتى كان الجوهر يسبق الوجود المادي ويملأ الفراغات؟ جوهر المادة لا يسبق وجودها الانطولوجي وهو ما ينكره اسبينوزا قوله الجوهر سابق على الوجود الذي يعرف بدلالة الجوهر خلاف المتداول فلسفيا الجوهرسابق الوجود.،  لذا يعرف الجوهر بدلالة الوجود،  وهذه المقولة عكسها اسبينوزا قائلا الوجود بموجوداته يقاس بدلالة الجوهر الشامل الخالق غير المخلوق لجواهر الاشياء الذي هو الله..

الجوهر يسبق الوجود المادي في مذهب وحدة الوجود لدى اسبينوزا ومع هذا بقي الانسان  جوهرا لا يدرك بدلالة الجوهر الالهي ميتافيزيقيا،  من حيث أن جوهر الانسان يمكننا إدراكه مقارنة بالجوهر الالهي الذي لا يمكننا إدراكه. وكينونة الانسان الوجودية تسبق جوهره. وحسب فلسفة سارتر فالانسان يوجد وبعدها يقوم بصنع ماهيته الجوهرية الخاصة به وحده منفردا داخل نوع متجانس واحد هو الانسان منفردا عن جميع كائنات الطبيعة الاخرى.

7- هيدجر والوجود الاصيل

يرى هيدجر تحقق الوجود الاصيل للموجود هناك الانسان كذات متفردة هو في التحرر من منزلقين الوقوع في احدهما يضيع هدف تحقق هذا الوجود:

- اولا سقوط الفرد في الناسية المجتمعية الكلية التي تصهر الذات في تغييب هدف الوجود الاصيل وتفقدها كل نزوع تمايزي ينشد الاستقلالية المتفردة. وهذا السقوط في المجتمعية يجعل الانسان متكيفا قسرا مع واقع حال تغييب وجوده الاصيل في الاندماج بالكلية العامة. وهو ما اطلق عليه هيجل التسليم والاذعان لرغبة المجموع.

- الثاني حسب فلسفة هيدجر في تضييع الانسان لوجوده الاصيل هو "في هروب الانسان من ذاته" الذي يعني حسب توضيحه " فرار الوجود الانساني من ذاته" في عدم امكانية الفرد ان يكون هو المرء ذاته الحقيقية الصحيحة السليمة كما يرغب ان يكون وليس كما يرغبه مجتمعه له.

تعقيب:

- لا يشترط ان يكون الفرد معيارا لتحقق الوجود الاصيل،  كما ولا يصح معيار ان يكون المجتمع مصدر تضييع الذات تحقق مثالها الوجودي المتفرد. وهروب الانسان من ذاته حسب هيدجر الذي هو ايضا فرار الوجود الانساني من ذاته. هو تطابق غير سوي سليم في تحقيق الوجود الاصيل للذات بفقدان معيارية القياس السوي السليم في الذات المتفردة والمجتمعية الكلية على السواء.

- اذا كان اغتراب الانسان – لا يستخدم هيدجر مصطلح الاغتراب في التعبير عن انسلاخ الذات عن جوهرها المثالي القيمي وانسلاخها الاخر عن مجتمعها الزائف – عن مجتمعه وسقوطه في الناسيّة المجتمعية التي تعيش الحياة ببعد بايولوجي أحادي صرف برتابة إشباع مستلزمات الحياة وغرائز الطبيعة الانسانية. التي تكون سببا مباشرا في تغييب وجوده الاصيل،  فباي معيارية وجودية تستطيع الذات تحقيق وجودها الاصيل. وبهذا المعنى يكون الفرد بانفصاله الاغترابي عن ذاته ومجتمعه فقد معيار تحقيق توازنه الانفرادي الايجابي.

- تعابير هيدجر مثل هروب الانسان من ذاته الذي هو فرار الوجود الانساني من ذاته تعابير هي اقرب من علم النفس منها للفلسفة في غياب محاولة تداخلهما،  كلا التعبيران هما واحدا في الافصاح عن انفصامية اغترابية غير متحققة ويتعذر تحقيقها حتى على مستوى تجريد الفلسفة خارج تعابير علم النفس .

- كذلك يكون الحال حين يغترب الانسان عن ذاته وهروب الوجود من ذاته،  نصطدم بجدار استحالة تحقيق وجود انساني غير مغترب عن ذاته ولا مغترب عن مجتمعه. فالنوعين من الاغتراب الذاتي تجعل من الفرد انسانا ضائعا يفتقد معيارية تحقق وجوده الاصيل. فالذات المثلى لا تجد حقيقة وجودها في إغترابها عن ذاتها ولا في إغترابها عن المجتمع في التكيف السلبي الزائف معه. لا يوجد وسيلة ولا معيار حقيقي يحاكم به الفرد بضوئه أين تكمن حقيقة الوجود الاسمى الاصيل؟

 

علي محمد اليوسف / الموصل

.......................

هامش

1- جاستون باشلار / جدلية الزمن / ت: خليل احمد خليل/ ص67

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5448 المصادف: 2021-08-05 03:56:31


Share on Myspace