zouhair khouildi"إن المرء يريد أن يفهم ما يُتاح للفهم فحسب...وان الوجود الجدير بالفهم هو اللُّغة"1[1]

لقد اتخذت مشكلة اللغة مكانة بارزة في المناقشات الفلسفية المعاصرة ومكنت الفكر من نقد تصوره الطبيعي للعالم وإعادة التفكير في تجربة الإنسان في العالم ومثلت السلطة الرمزية التي تتدخل في تشكيل مصير الحياة وعلاقة المجتمع بتاريخه وفي تحديد قدرات البشر على الربط بين المعرفة والممارسة.     لقد عبر هانز جورج غادامير عن الرجة التي أحدثها المنعطف اللغوي للفلسفة المعاصرة بقوله:" اللغة هي النمط الأساسي لاكتمال وجودنا في العالم والشكل الذي ينطوي على شمولية تأسيس وتشكيل العالم."2[2] على هذا النحو يجد الإنسان نفسه بفضل اللغة وجها لوجه مع وضعه المتناهي وتمثل اللغة أداة للتعبير عن الذات ووسيلة للفهم ما يحيط به بل الإمكانية العليا لوجوده والاستطاعة التي جعلته جديرا بسكن العالم ورعاية الكينونة. الأمر الهام عند غادامير هو تأكيده على تناهي الطبيعة البشرية وتاريخية المعرفة البشرية ولانهائية التأويل وحدثان الحقيقة وشغل الوعي بالتاريخ ودعوته إلى انصهار الآفاق وإنتاج المعنى بمنطق الأسئلة والأجوبة. لهذا السبب نجده يقول ههنا: " في الحقيقة، الطبيعة البشرية التي تخصنا بواسطة تناهينا هي متميزة الى حد ينبغي أن نعتبر ظاهرة اللغة والفكر الذي يجب أن يصلها تحت قانون التناهي الانساني"3.[3]

بناء على ذلك يربط غادامير بين حضور الإنسان في العالم وتجارب الكتابة والقراءة والفهم والترجمة ، ويعيد انتاج معنى جديد للكائن البشري من جهة نشاطه اللغوي ويقر بأنه حيوان مؤول وليس كائنا رامزا فقط بل تلعب اللغة والحوار والتحدث و دورا أساسيا في تعرفه على ذاته وتؤثر على علاقته بغيره ويرصد غادامير التحول الأنطولوجي للهرمينوطيقا الذي توجهه اللغة وينطلق من شلايرماخر القائل بأن كل شيء مفترض في الهرمينوطيقا ليس سوى لغة ويتعامل مع اللغة باعتبارها وسيطا للتجربة البشرية ومعبرة عن الوضع. من جهة أخرى تكمن مهمة الفلسفة عند غادامير في الكشف عن قيمة البعد الهرمينوطيقي والانتباه إلى وظيفته الأساسية في مجموع تجارب الفهم البشري للعالم في جميع أشكاله بداية بالوعي الثوري ومرورا بعلاقة الفرد بالمجتمع وانتهاء بحضور التقاليد الدينية والقانونية والفنية في التجربة المشتركة والطابع اللغوي للحظة المعاصرة.

والحق أن اللغة تتحكم في سلوك الإنسان وتحدد نمط تفكيره ومضمون وعيه وتنمي ملكة الفهم لديه وان الطابع اللغوي يغمر التجربة الإنسانية في العالم ويحول المشكل الفلسفي الهرمينوطيقي إلى ممارسة تأويلية كونية لمجمل الانتاج البشري الممتد عبر التاريخ والتقاليد والرموز والثقافات المتنوعة.

لهذا السبب يخوض هانز جورج غادامير سجالا طويلا مع يورغن هابرماس حول علاقة الهرمينوطيقا بنقد الإيديولوجيا ودور اللغة في إزالة أشكال سوء الفهم وتحقيق التواصل والتفاهم عبر وساطة المحادثة والحوار والترجمة وينقد الألسنية التي اختزلت دور اللغة في نسق من العلامات والرموز تحكمه بنية من العلاقات الثابتة ويؤكد على أولوية القرابة بين اللغة والوجود وعلى دور التجربة اللغوية في عملية الفهم وفي الانخراط في لعبة الوجود. غني عن البيان أن غادامير شكك في قدرة اللغة على تحقيق التواصل الذي يزعمه هابرماس لها بقوله إن " النقد الإيديولوجي الذي يزعم الابتعاد عن كل هم إيديولوجي ليس أقل دغمائية من علم الاجتماع الوضعي المفهوم بوصفه تقنية اجتماعية"4[4]، ولكنه في المقابل أكد على فن الفهم وايتيقا التفاهم وفي هذا السياق نراه يصرح : " لا تفيد المشكلة الهرمينوطيقية التمكن الصحيح من اللغة بل بلوغ فهم مناسب عن موضوع الكلام الذي يحدث عبر وسيط اللغة"5.[5]

من المعلوم أن غادامير نقد التصور المنهاجي والوضعاني الذي بدأ مع ديكارت وجعل من المنهج طريقا لبلوغ الحقيقة واقترح الفهم التأويلي بديلا ولكن تجربة الفهم لا تتنزل ضمن دائرة المعرفة ولا تمثل نموذجا منهجيا بل تتنزل ضمن دائرة الوجود وتمثل شكل الاستكمال الأصلي لدى الدازاين ونمط للوجود وقدرة على الوجود. من الواضح حسب غادامير أن" مفهوم الفهم ليس مفهوما منهجيا ...وإنما هو الطابع الأنطولوجي الأصلي للحياة البشرية في حد ذاتها"6[6] ، وهذا يدل أن نداء الوجود هو الذي يسمح للكائن البشري بالفهم، وبعبارة أخرى إن" بداية الفهم مرهونة بوجود شيء ينادينا ويدعونا إلى القهم إنها أولى الشروط الهرمينوطيقية"7[7].

تتأسس دعاوي الكونية بالنسبة إلى الهرمينوطيقا على امكانية تحولها إلى نظرية للزمن الحاضر تضع حدا للانقسام بين التحليل المعياري والتحليل الخبري وبين النشاط الشرطي الانعكاسي والنشاط القصدي وتصوغ نظرية في الفهم عبر تجديل العلاقة بين الفهم والتفسير وبين المقاربة الفنومينولوجية والمقاربة الألسنية التداولية. بناء على ذلك يتكسب فن الفهم التأويلي فعالية نقدية بفضل ظاهرة المسافة الزمنية بمعنى التمييز الأحكام المسبقة المضللة والخاطئة والأحكام المسبقة الموضحة والصحيحة وتجديد اللقاء مع تراث حي يدعونا اليه. وبطبيعة الحال يتجه فن الفهم التأويلي عند هانز جورج غادامير إلى إجراء وساطة بين الحاضر والماضي وتطوير في الذات كل المنظورات التي يحضر عبرها الماضي ويتوجه إلينا ويأخذ بزمام الوعي بانفتاحه على الإنتاجية التاريخية واستثمار التجربة اللغوية لبلوغ الحقيقة المطلوبة.

من رهانات الفلسفة الهرمينوطيقية عند غادامير هو جعل الفهم شرط إمكان التفاهم بين الذوات وملاقاة العالم والانتماء إلى الفضاء اللغوي المشترك عن طريق الحوار والمحادثة وتبادل الأسئلة والأجوبة ، لكن ما الذي يعطي للغة القدرة والضمانة على إتقانها لفن الفهم؟ أليس الكلام حمال أوجه واللغة محاطة بالرغبة والسلطة؟ ألا يدعونا عجز اللغة إلى ممارسة النقد الإيديولوجي على الكلام المتداول كما يرى هابرماس؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

............................

الاحالات والهوامش:

[1] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, p.98.

[2] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006. صص.99-100.

[3] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, op.cit, p.78.

[4] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور ، ص94.

[5] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر، ليبيا، طبعة أولى 2007، ص.507.

[6] Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996, p.280.

[7] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور، ص.130.

 

المراجع والمصادر:

غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر ، ليبيا، طبعة أولى 2007،

غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006.

Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996,

Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, ( rhétorique, herméneutique et critique de l’idéologie. Commentaire métacritique de Wahrheit und Methode.pp.83.108.

 

 

 

 

 

 

________________________________________

[1] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, p.98.

[2] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006. صص.99-100.

[3] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, op.cit, p.78.

[4] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور ، ص94.

[5] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر ، ليبيا، طبعة أولى 2007، ص.507.

[6] Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996, p.280.

[7] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور، ص.130.

ibrahim telbasilkhaلا شك فى أن الفلسفة تعد أكثر أبعاد الفكر الإنسانى تعرضا للطعن والهجوم والتهكم والسخرية فقد كانت دائمًا ضحية لتلك الهجمات الضارية التى وجهت إليها من قبل عامة الناس، ورجال الدين، ورجال العلم، ورجال السياسة .. الخ، وقد استشهد كثير من الفلاسفة فى سبيل ما صنعوا من فلسفات .

لذلك يرى برديائف أن الفلاسفة كانوا دائما جماعة ضئيلة من الأشخاص بين مجموعة البشر، ورغم ذلك فقد تحالف ضدهم رجال الدين واللاهوت والكنيسة، والمؤمنون، والعلماء، ورجال الدولة من محافظين وثوريين والمهندسون والفنيون والفنانون وأخيرا جمهرة البشر . وهكذا يبدو وكأن الفلاسفة هم أوفر أعضاء الدولة نصيبا من الإهمال، أى هؤلاء الذين لا يؤدون وظيفة هامة سواء فى الحياة السياسية أو الاقتصادية، وعلى الرغم من ذلك فإن الطبقات الحاكمة وهؤلاء الذين يقومون بدور هام فى حياة الدولة أو المجتمع يضمرون العداء للفلسفة لأنها لا تخدم أهدافهم فيؤكدون أن الفلسفة عمل لا مبرر له وعبث لا طائل من وراءه .(1)

والحق أن موجات الهجوم على الفلسفة قد وجهت إليها من منطلقات متعددة، ومعظمها تقلل من عدم جدوى الفلسفة، وتحط كثيرا من قدر عمل الفلاسفة وتقول : إن الفلسفة عبارة عن مجموعة من التأملات المجردة التى لا أهمية لها فى الحياة، وأنه ينبغى بالأحرى التوفر على دراسة العلوم التطبيقية لأنها هى التى تحدد طرائق عمل كل أوجه النشاط (من عمل المهندس إلى عمل المربى)، من مثل علم الاجتماع و علم الاقتصاد وعلم السياسة . والأساس الذى يقف وراء ذلك هو أنه :" فلنعش أولا، ولنتفلسف بعد ذلك" كما يقول المثل اللاتينى، والتفلسف لا يغنى من فقر، ولا يسمن من جوع .(2)

وإذا بدأنا برجل الشارع نجده ينقد الفلسفة وينكرها ويرفضها ويسخر منها قائلا : ما علاقتى بالفلسفة، دعونى وشأنى، إننى مستغرق فى همومى الخاصة التى ليس فى مقدور الفلسفة أن تقدم أى حل بشأنها، فلن تستطع الفلسفة أن تدبر أمور حياتى المعيشية أو علاقاتى الوظيفية وليس لدى وقت أضيعه فى التأمل، وليس فى مقدورى أن أتكسب بالفلسفة أو أتعلم مهنة مفيدة عن طريقها . إن الفلسفة لا يمكنها أن تضيف إلى شيئا له قيمة، فهى تبدو بعيدة عنى كل البعد، إنها تدور فى دائرة، وأنا أدور فى الأخرى، والدائرتان لا تقتربان أو تلتقيان . لقد قال الفلاسفة الكثير لكنهم رغم كل هذا لم يستطيعوا أن يقدموا لنا حلول نهائية لكل المشكلات التى عانت منها الإنسانية على مر العصور، وكيف كان بإمكانهم ذلك وهم قد اختلفوا وتنازعوا ولم يتفقوا حول كلمة واحدة تريحنا وتكشف لنا عن ذلك الطريق المحدد الواضح الذى تتحقق به سعادتنا . إن الفلاسفة قوم حالمون يعيشون بمعزل عنى وعن غيرى، وهم لا يفعلون شيئا سوى التفكير بعيدا عن أرض الواقع لكى ينتهوا إلى نظريات ومذاهب وأفكار يناقض بعضها بعضا.(3)

ورأى رجال الدين فى مختلف العصور أن الجهد الفلسفى لا طائل وراءه فضلا عن خطورته : فالفلسفة تزعم أن بإمكانها أن تتوصل بالعقل إلى حقائق معينة، فى حين أن مثل هذه الحقائق ينبغى ألا تنكشف أو تؤسس إلا على الإيمان والعقيدة . وتأتى خطورة الجهد الفلسفى فى توهم العقل أن بإمكانه التمرد على العقائد، بل إخضاعها له .(4)

ولقد دأب رجال الدين ورجال السياسة دائما على اضطهاد الفلاسفة وتعذيبهم، بل وإحراقهم فى بعض الأحيان ... والتاريخ الفلسفى نفسه ينبئنا ببعض ما حاق بكثير من الفلاسفة، فلقد حكم اليونانيون القدماء على "انكساجوراس " بالنفى المؤبد لأنه تجاسر فصرح بأن فوق آلهة اليونان روحا مستكفيا بذاته مدبرا لكل شئ . وحكمت محكمة الأيثينين على "سقراط" بأن يتجرع السم بدعوى تطاوله على العقائد وإفساده الشباب والعبث بقوانين البلاد لأنه أعلن الحرب على المتعاليين والمدعين والمهرجين . و"أفلاطون" ألقى به فى السجن وأوشك أن يقضى حياته فى الأسر و "أرسطو" أضطر إلى الهروب من أثينا لينجو بحياته من كيد حاسديه .(5)

ونكل "بابن رشد" فى الأندلس حيث وشى به الفقهاء باسم الدين فجرده أمير الموحدين من مناصبه وأقصاه منفيا إلى قرطبة وأحرق كتبه وأهدر دم "السهروردى" فى حلب و"الحلاج" فى بغداد وقتل كثير من المجددين الذين مهدوا لعصر النهضة فى أوربا أمثال "راموس" و"فانينى" و"جوردانو برونو" الذى أحرق حيا فى روما. وفى المرحلة الحديثة أرغم "ديكارت" على الالتجاء إلى هولندا، وطرد "سبينوزا" من المجمع اليهودى ... وحتى فى القرن العشرين نجد الفلاسفة وقد حفت حياتهم بالمكارة : فمن فلاسفة وضعت الكنيسة بعض مؤلفاتهم فى قائمة سوداء مثل "برجسون" إلى فلاسفة اضطرهم النظام السياسى القائم فى بلادهم إلى النزوح عنها حذر الاضطهاد مثل "برديائف" الذى ترك روسيا البلشفية وعاش لاجئا فى باريس، و"كارل ياسبرز" ترك ألمانيا وعاش لاجئا فى سويسرا.(6)

وهذه الشواهد وغيرها تنهض دليلا على ألوان التعذيب وصنوف الاضطهاد التى صبها الممثلون الرسميون للدين على رؤوس الفلاسفة، ويمكننا أن نشير هنا إلى موقف الفيلسوف الوجودى "كير كيجارد" الذى هاجم الفلسفة تحت ستار الدفاع عن الخبرة الدينية ... فهو يرفض كل محاولات الفلاسفة فى خلق أنساق ميتافيزيقية وصلت إلى حد الكمال مع بدايات القرن التاسع عشر، ويرفض على وجه خاص النسق الهيجلى، ذلك النسق الذى ادعى صاحبه أنه استطاع أن يفسر كل شئ عن الكون والإنسان تفسيرا كاملا عن طريق العقل . وأكد أن الفلسفة لا يجب أن تكون مجردة، بل على العكس من ذلك، يجب أن تركز على تجربة شخصية Personal Experience وعلى موقف تاريخى Historical Situationيجد فيه الإنسان نفسه، ولذلك كانت الفلسفة عند "كيركيجارد" نقطة ارتكاز لكل حياة فردية، وليست للتأمل التصورى المجرد . (7)

ومن منطلق دفاعه عن التجربة الدينية لم يقف : "كير كيجارد" عند حد رفض النزعة العقلية عند "هيجل" بل رفض كل مذهب فلسفى كائنا ما كان، فلقد كتب يقول : "إن المذهب يعد بكل شئ ولكنه لا يفى بأى شئ على الإطلاق" أضف إلى ذلك أن المذاهب تتطلب التسليم بمسلمات وبديهات ومصادرات لا تحتاج فى ظن أصحابها إلى البرهان العقلى، ومع ذلك فتلك المذاهب تتظاهر بأنها عقلية من البداية إلى النهاية، كما أن اجتهاد أصحاب المذاهب الذين يبذلونه فى سبيل نوع من الكمال المنطقى يقضى على الإدراك للواقع المعاش فعلا . لهذا كان "كير كيجارد" يعتقد دائما أن ما هو على صورة المذهب معارض للحياة معارضة الشىء المغلق للشىء المفتوح، وكان يرى أنه لا يمكن أن تصل إلى الإله بوسيلة طرائق الفكر، واعتبر أن كل محاولة من أجل إضفاء طابع عقلى على العقيدة المسيحية هى تجديف وكفر .(8)

وما كان هجوم "كير كيجارد" على الفلسفة إلا نتيجة لإصراره على القول بالمفارقة paradox فهو يقرر أن المفارقة لا يمكن أن يسيطر عليها الفكر لأن الإيمان يبدأ من حيث ينتهى الفكر . وفى ضوء هذه الفكرة يطالب "كير كيجارد" بضرورة أن نسقط العقل نهائيا إذا كنا نرغب فى أن نعايش بالخبرة أو التجربة الدينية عالم القيم والأخلاق والدين .(9) ومن ثم فهو يرفض كل المذاهب العقلية التى حاولت تعقل التجربة الدينية .

وإذا كانت الفلسفة قد وجدت فى الدين أول مصدر للهجوم وأكثره عنفا فإنها أيضا كانت ضحية لهجمات العلم .. فلقد ظلت الفلسفة ردحا طويلا من الزمان تحيا فى وفاق تام مع العلم، بل كان العلم يحيا فى ظلها، ويحتمى بها، ويستمد شرعيته منها لسبب بسيط واحد وهو أنه لم تكن ثمة تفرقة بين العلم والفلسفة، بل لم يكن هناك أى معنى لوضع حدود فاصلة بين النشاطين، فهما نشاط واحد، نطلق عليها تارة اسم الفلسفة وتارة اسم العلم، ومن هنا عرفت الفلسفة بأنها علم العلوم . ومع انفصال العلم عن الفلسفة بعد أن كان ممتزجا بها وداخلا معها فى كيان واحد، بدأت تثار الشكوك حول وظيفة الفلسفة فى ضوء علاقتها بالعلم، وبدأت بالتالى محاولات إخضاع الفلسفة للعلم . (10)

وهذا ما نجده بوضوح عند "أوجست كونت" فى مذهبه الوضعى الذى حاول خلاله أن يخضع الفلسفة مباشرة للعلم . فلقد أطلق على فلسفته اسم "الفلسفة الوضعية" أى العلمية، وكان يعتبر هذه الفلسفة هى المرحلة الفكرية الراهنة التى وصل إليها العقل البشرى فى تطوره، وفى ظل هذه المرحلة العلمية لم يعد للفلسفة وجود، بل أصبحت تابعة للعلم، عليها أن تسير فى ركاب العلم وتهتم بدراسة قوانينه ونتائجه التى تفسر ظواهر الطبيعة، وعليها أن ترتب هذه القوانين من الخاص إلى العام .

نجد ذلك أيضا فى عصرنا عند دعاة الوضعية المنطقية الذين يوجهون أعنف نقد إلى الفلسفة التقليدية باعتبارها مجموعة قضايا وعبارات عديمة المعنى، وأرادوا بذلك أن يقدموا لنا فلسفة تنهل من نبع العلم وتعاليم العلماء، وتهتم بالتحليل المنطقى لأقوالهم لتحقيق الوضوح فى التفكير وإزالة اللبث والغموض عن ألفاظ اللغة وعباراتها . لذلك يرى "زكى نجيب محمود " - أكبر أنصار الوضعية المنطقية فى عالمنا العربى – أنه لا يجوز للفيلسوف أن يقول جملة واحدة يحاول بها أن يصف هذا الكون أو أى جزء منه، وكل مهمته أن يحلل العبارات التى يقولها العلماء فى أبحاثهم العلمية والناس فى حياتهم اليومية، تحليلا يبين مكنون هذه العبارات حتى نطمئن إلى سلامة ما يقال، إذ هى مهزلة المهازل أن يجلس الفيلسوف على كرسيه فى عقر داره مسندا رأسه على راحتيه زاعما لنا ولنفسه أنه يفكر فى حقيقة العالم وكأنما العلماء أمام مخابيرهم وموازينهم ومقاييسهم يلهون ويعبثون ولا يبحثون عن حقيقة العالم بحثا هو أجدى على الناس من ألف ألف رسالة فلسفية فى هذا السبيل .(11)

ويصف لنا "البرت اشفيتر" حال الفلسفة فى كتابه "فلسفة الحضارة " فيقرر أن الفلسفة قد تراجعت وتخلفت اتجاهاتها فى عصرنا نتيجة انصرافها عن القيام بواجباتها، لقد كانت الفلسفة تقود الإنسانية وتتضمن فى داخلها تفلسفا أوليا عن الإنسان والمجتمع والجنس والإنسانية والحضارة مما جعل لها سمة شعبية واضحة، ومن ثم كانت تهيمن على التفكير العام وتحافظ على التحمس للتحضر، وكانت عاملا فعالا فى إنتاج معتقدات عامة عن الحضارة . أما الآن وبعد الانهيار الذى حدث فى منتصف القرن التاسع عشر أصبحت الفلسفة عمليا هى تاريخ الفلسفة، لقد غادرتها الروح المبدعة، وأصبحت خاوية من التفكير الحقيقى . كما راحت تتأمل فى النتائج التى وصلت إليها العلوم الجزئية ومن ثم فقدت القدرة على التفكير الأصيل .(12)

وفى ظل هذا الوضع لم يعد للفلسفة رسالة تؤديها للعالم، لقد أصبحت مجرد حذلقة فلسفية يقوم بها منحلون، أصبحت غريبة عن العالم ومشاكل الحياة الروحية العامة . إنها لم تتفلسف فى الحضارة إلا قليلا لأنها خدعت بثرواتها وأهملت غرس الأرض بمحاصيل مفيدة، وبالتالى أسلمت العصر لمصيره وتجاهلت ما فيه من مشكلات .

وعموما رغم كل اتجاهات الشك هذه فى جدول الفلسفة لا يمكننا أن نتجاهل أصالة الفكر الفلسفى وفاعليته فى بناء الحضارة الإنسانية . فالفلسفة لون أصيل من التفكير لا نستطيع التخلى عنه، فهى مرتبطة بوجودنا ووعينا وإنسانيتنا . والإنسان متفلسف بطبيعته طفلا وصبيا وشابا وكهلا على نحو ما يرى "كارل ياسبرز".. إن النزعة إلى التفلسف ظاهرة طبيعية فى الإنسان ومرتبطة به من حيث هو كذلك . وهذا ما أكده "كانط " نفسه برغم اعتقاده بأن الميتافيزيقيا مستحيلة المعرفة على عكس المعرفة العلمية الممكنة لنا . فهو يقول "لقد قدر للعقل الإنسانى فى نوع من أنواع معرفته – يقصد الميتافيزيقيا – أن يحمل بأسئلة أملتها عليه طبيعته فلا يستطيع أن يتجاهلها، ولكنها لتجاوزها حدود قدرته هو لا يستطيع أن يجيب عنها ".(13)

إن الإنسان لا يمكنه أن يتحرر كلية من الفلسفة حتى الأطفال لهم رؤى فلسفية تتكشف لنا من خلال تساؤلاتهم حول محتويات هذا الوجود ... فهؤلاء الذين يظنون أنهم لم يغمسوا أصابعهم فى أى فلسفة إنما هم متفلسفون هواه، وفى الوقت نفسه الذى يستخفون فيه بأعمال رجال ذوى قدرات عقلية تفوق قدراتهم أيما تفوق، فإنهم يبنون لأنفسهم فلسفاتهم الخاصة، وإن تكن معدومة الفائدة وردئية القيمة .(14)

وإذا كان من الحق أن الفلسفة معادية للغالبية العظمى من الناس فمن الحق أيضا أن كل إنسان فيلسوف بمعنى من المعانى دون أن يدرى ذلك . فكل إنسان شعر بذلك أو لم يشعر، يحاول أن يحل مشكلات ذات طبيعة ميتافيزيقيا، وهذه المشكلات أكثر مساسا بحياته من المشكلات الرياضية والطبيعية، والفلسفة الشائعة سمة مشتركة للطوائف والطبقات والمهن المتعددة كالسياسة سواء بسواء والإنسان الذى يشعر بنفور من الفلسفة أو الذى يحتقر الفلسفة له هو أيضا فلسفته الخاصة، ولو لم يكن ذلك حقا بالنسبة للسياسى والثورى والمتخصص والمهندس والرجل الغنى لما خطر لهم أن الفيلسوف رجل تدعو إليه الحاجة .(15)

ولهذا فإن التقليل من قدر عمل الفلاسفة هى مسألة باطلة وخاسرة ولا يمكن تبريرها ... فالفلسفة هى التى تحمى الإنسان من الهبوط إلى مستوى البربرية وتساعد على بقاء الإنسان إنسانا، وعلى أن يصير إنسانا على نحو أفضل، ومهما بدا فى الظاهر من عدم جدوى الفلسفة فإن الفلسفة فى الواقع قوة تاريخية مؤثرة وقادرة . فينبغى أن نوافق "وايتهد" حين يقارن ما أحرزه الاسكندر المقدونى أو قيصر الرومان من نجاح بالنتائج التى تبدو فى الظاهر غير مثمرة التى يحصل عليها الفيلسوف، فالواقع أن الذى يغير مسار الإنسانية إنما هو الفكر .(16)

ويؤكد "وايتهد" أهمية الفلسفة للحضارة من حيث إنها محاولة لتنظيم جميع المعلومات المتوفرة فى فكرة عامة . كما أنها أكثر تأثيرا من كل الدراسات الفكرية، فهى تبنى القصور الشامخة قبل أن يكون العمال قد حركوا حجرا واحدا، وتهدمها قبل أن توضع مواد البناء فى أماكنها . إنها مهندسة مبانى الروح وهى أيضا محطمتها، والفلسفة قد تعمل فى بطء، فقد ترقد الأفكار فى سباتها عدة قرون ثم على حين غرة يجد الجنس البشرى أنها أصبحت جزءا أصيلا فى كيانات النظم الاجتماعية . والفلسفة أولا وأخيرا جهد يهدف إلى الحصول على فهم منسق منطقى للأشياء الملاحظة.(17)

كما يؤكد المفكر المصرى (عثمان أمين) أن الفلاسفة هم الذين يحركون الحضارة بأفكارهم، فإذا كانت الأفكار الكبيرة المبتكرة تفعل فعلها بصورة بطيئة فإنها تكون هائلة شأنها فى ذلك شأن الذبابة التى تلدغ فتستشير الوعى، أو شأن منارة تشير إلى مكان أفضل . فالفلسفة صانعة التاريخ، والتاريخ الإنسانى بأثره هو تاريخ فلسفات وأيديولوجيات، فالأيديولوجية القديمة عند اليونان والرومان قد قسمت الناس إلى سادة وعبيد، ولهذا ظل الرق شائعا زمنا طويلا، وظلت نظريات الشعوبية والعنصرية صامدة مدى قرون، فلما جاء السيد المسيح نادى بالمساواة بين الناس فنشأت فلسفة تدعو إلى المحبة والوئام والسلام، ثم جاء الإسلام مصرحا بالدعوة إلى العدالة والزمالة والأخوة الإنسانية فكانت هذه الدعوة عمادا لفلسفة جديدة تبشر بالديمقراطية الحقيقية والاعتزاز بكرامة الإنسان .(18)

وفى الاتجاه نفسه يؤكد "جون ديوى" أن الحضارة ليست إلا وليدة الفلسفة وأن الفلسفة بدورها من نتاج الحضارة وليس ثمة فارق حاسم بين الفلسفة ودورها فى تاريخ الحضارة، فإذا عرفت مهمة الحضارة وحددت خصائصها التى تميزها أدركت تعريف الفلسفة نفسها . فوظيفة الفلسفة أن تنشأ نماذج يجرى على نمطها التفكير ويسير بمقتضاها السلوك، وبها تتقدم الحضارة، وبغير الفلسفة لا تكون حضارة . بل استخدم "ديوى" فى إيضاح وظيفة الفلسفة التعبير الذى قاله من قبل "كارل ماركس" أن مذاهب الفلسفة منذ الماضى السحيق قد اقتصرت على تفسير طبيعة العالم بطرق شتى (عقليا وتجريبيا) ولكن مهمة الفلسفة ينبغى أن تكون العمل على تغييره، وبتغيير العالم يغير الناس أنفسهم ويستحدثون قوانين جديدة تهيمن على مجرى التاريخ .(19)

ولما كانت الفلسفة هى مجمل الآراء والتصورات الإنسانية القائمة على ممارسة التأمل فى هذا العالم والبحث فى كافة القضايا المتعلقة بالوجود والمعرفة والمجتمع ومشكلة الحقيقة وأشكالها المختلفة كان من الطبيعى أن ترتبط بجوانب حياتنا بمستوياتها وأشكالها الحضارية المتغيرة . فهى تلعب دورا مؤثرا فى حياة الإنسان ودورا حضاريا كبيرا فى حياة الشعوب والمجتمعات عبر العصور والأزمان وفى جميع المجالات فمثلا فى مجال السياسة لعبت مؤلفات "جون لوك" دورا هاما فى تطوير الديمقراطية الأمريكية، كما قدمت نظريات "كارل ماركس" شكلا جديدا للحكومة . وأيضا أفكار "فولتير ودالمبير ورسو وديدرو" هى التى عجلت بظهور الثورة الفرنسية .

والفيلسوف الألمانى "هيجل" هو الذى فتح الطريق لتظهر حركات مختلفة مثل الفاشية والحركة الهتلرية والشيوعية . وهو بهذا يعد إحدى القوى التى قامت بتغيير وجه العالم فى القرن العشرين الميلادى . (20) كما كانت الثورة الروسية تطبيقا لأفكار ماركس ودراسة فلسفة "ديكارت" يمكن أن تمدنا برؤية واضحة عن حضارة القرن السابع عشر التى غلب عليها الطابع الهندسى والرياضى .. فلا شك إذن فى أن للفلسفة وظيفة اجتماعية قامت بها منذ نشأتها حتى اليوم فما من ثورة اجتماعية أو دينية أو سياسية أو غيرها إلا وكان ورائها فلسفة ولو لم يقصد إلى الثورة أصحاب هذه الفلسفة، بل ولو لم يكن القائمون بالثورة من المشتغلين بالفلسفة ومذاهبها .(21)

ولاغرو بعد هذا أن رأى عثمان أمين أن مكانة الفلاسفة فى التاريخ أعظم بكثير من مكانة الملوك والسياسيين والفاتحين، فالإسكندر المقدونى، ذلك البطل الفاتح الذى مات بعد أن قلب الدول وغزى الأمصار وضم الشعوب، لم تعرف له الدنيا نظريا فى العصر القديم، ولكن ماذا بقى اليوم من أعماله ومحاولاته، أما أرسطو مربى الإسكندر فقد ظل معلم الإنسانية أكثر من ألفى سنة . وما زلنا نجد إلى يومنا هذا من الشعراء والخطباء من يلتمسون عنده قواعد فنهم كما نجد من السياسيين والأخلاقيين من يطلبون عنده أصول الحكم ومبادئ الأخلاق .(22)

وأى سياسى فى التاريخ الحديث يمكن أن يقارن بالوزير الفرنسى "إيشلو" ذلك السياسى الموهوب الذى استطاع أن يقيم نفسه فى أوربا حاكما بأمره، يتصرف فى السلم والحرب كما يشاء، واستطاع أن يقضى على نظام الأرستقراطية الفرنسية، وأن يغلب المذهب البروتستانتى وأن يدل ملوك النمسا، وأن يرعى نهضة العلوم والآداب . لكن مع هذا لا يستطيع أن ننسب إليه أنه مهد للمستقبل مقدار ما مهد له ذلك الفرنسى الآخر "ديكارت" الذى استطاع – إبان حملة حربية من حملات الشتاء فى حجرة دافئة، وفى عزلة عن لجب المدن والمعسكرات – أن يكتب صفحات خالدة أعلن فيها أن ماهية النفس هى الفكر، وأنه لا ينبغى للمرء أن يقبل شئ قط على أنه حق ما لم يتبين له ببداهة العقل أنه كذلك، وأن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس .. لقد أصبح المقال فى المنهج "دستورا للفكر الجرئ وأضحى ديكارت أبا للثورة الإنسانية الكبرى".(23)

إن الفيلسوف الذى تسخر منه العامة لأنه يعيش فى عالم أفكاره، هو فى الحقيقة قوة مهولة وفكره ذو تأثير لا يقل عن تأثير الديناميت . وهذا الفكر يسرى فى مجراه، ويلمس عقلا بعد الآخر، ليصل فى النهاية إلى الجماهير ثم تأتى اللحظة التى ينتصر فيها على كل العقبات وليوجه مسار حركة الإنسانية أو يحفر قبرا لحطامها . فمن يحب أن يعرف طريق المستقبل ينبغى أن يصغى، ليس إلى الساسة، بل إلى الفلاسفة، إن ما يعلنه الفيلسوف اليوم هو ما سيصير عقيدة الغد .(24)

فالفلسفة تقوم بالعديد من المهام التى تثرى خبراتنا اليومية فهى :

أولا :تساعدنا على صياغة سلوكنا، فنحن نطوق إلى معرفة كيف نميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والحسن والقبح، الأعمال الأخلاقية والأعمال غير الأخلاقية، وبين ما يجب عمله ومالا يجب عمله . وفى معظم لحظات حياتنا الخاصة نتساءل فى دهشة : كيف يمكن أن نعيش حياتنا على أفضل وجه، وكل ذلك يرتبط بمهمة علم الأخلاق Ethics .

ثانيا :الإنسان لا يمكنه أن يعيش فى عزلة داخل المجتمع، فنحن لا يمكننا أن نتجنب التعامل باستمرار مع الآخرين، ولذلك فإن طبيعة حياتنا تتأثر بسلوكهم . كما أننا فى حاجة إلى معرفة تلك القوانين العامة التى تنظم التعاون القائم بين أفراد المجتمع، والقواعد العامة التى ترسم الشكل الملائم للحكومة . وعملية صياغة هذه المبادئ، ووضع تلك القوانين، وتشكيل الحكومات هى مهمة الفلسفة السياسية Political Philosophy

ثالثا :كثيرا ما نمد تفكيرنا إلى ما وراء هذا العالم فنطرح كثيرا من التساؤلات عن الآخر، وعن مصير الإنسان ومركزه فى هذا لكون، والبحث فى مسائل وقضايا مصيرنا مهمة الأديان Religion .

رابعا :أحيانا نستطيع إثبات صدق إدراكنا ومعارفنا، وأحيانا لا نستطيع ذلك، وما يمكننا من فهم أسلوب عمل عقولنا وأنماط تفكيرنا، وطريقة تحصيل المعرفة هى نظرية المعرفة Theory of knowledge أو الابستمولوجيا . (25)

تؤثر الفلسفة إذن فى رؤية الإنسان لمشكلاته الخاصة، وفى رؤيته للقضايا العامة المرتبطة بهذا الكون الذى يعيش فيه، وفى أساليب تفكيره ومعظم جوانب حياته المعيشية سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية، كما أن الفلسفة تعمل على تغيير الأوضاع القائمة فهى تثور دائما على كل ما هو سطحى ومبتذل عن طريق تجاوزه والتعالى عليه وتحديده وتقويمه، إنها لا تقف عند حد معرفة الواقع فحسب، بل تحاول كذلك أن تغيره ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، كما أنها تمكن الإنسان من استجلاء قوانين هذا الكون ومد سلطانه على الطبيعة واستخدام مواردها لصالحه، وبالتالى جعل حياة الإنسان أكثر رونقا وجمالا على ظهر الأرض . وتقدم لنا الفلسفة أيضا إمكانات عديدة توسع من آفاق فكرنا وتزيد من معرفتنا وتنعش إحساسنا بالعجب والدهشة وذلك بإظهارها الأمور المألوفة بمظهر غير مألوف .

وإلى جانب فائدة الفلسفة فى الكشف عن إمكانات غير مألوفة فإن لها قيمة – وربما كانت هذه هى قيمتها الرئيسية – مستمدة من عظمة الموضوعات التى تتأمل فيها، من الحرية فى الأغراض الضيقة والشخصية الناجمة عن هذا التأمل . إن حياة الرجل المقود بالغرائز حياة حبيسة داخل دائرة من الاهتمامات الخاصة وقد تشمل الأسرة والأصدقاء، لكن العالم الخارجى لا يلتفت إليه إلا من حيث أنه يمكن أن يساعد أو يعوق ما يدخل فى نطاق الرغبات الغريزية وفى مثل هذه الحياة لا سلام، بل كفاح مستمر بين إلحاح الرغبة وعجز الإرادة ولابد أن ننجو من هذا السجن ومن هذا الكفاح إذا شئنا لحياتنا أن تكون عظيمة وحرة على نحو أو آخر، وإحدى وسائل النجاة تكون بالتأمل الفلسفى .(26)  

فالفلسفة تقدم لنا التأمل والتفكر وثمرات قرائح السابقين والتحرر الشجاع من سيطرة المادة، إنها تستوحى منابع طاقتنا الروحية، وتستهدى كوامن ضميرنا الخلقى وتضع حريتنا أمام مسئوليتها الخطيرة فى أفعال الاختيار . بالفلسفة يتحد الإنسان بمنبع كيانه ووجوده وروحه ويتحرر من كل ما عداه فلا يقع تحت سيطرة الخوف من الآخرين أو العالم أو الموت أو النزعة الشيطانية لدى الإنسان التى تفسد بالكذب والخداع وتمويه الحقائق وبالدكتاتورية السياسية وبالمال وبالجاه وبالسلطان .(27) كما أن الفلسفة تجعل الإنسان يكتسب دقة فى التفكير ورقة فى الشعور، وسموا فى التعقل والعاطفة، فهى دليل العقل وأساس المثل والقيم الروحية .

وإذا كان خصوم الفلسفة كثيرا ما يستندون فى رفضهم لها على أنها أشبه بوجهات نظر مختلفة لا تضيف إلى ما يسبقها جديدا بقدر ما تقدم رأيا بديلا لرأى آخر، فكل مذهب فلسفى يحاول أن يفند المذاهب السابقة عليه، ويدعى لنفسه أنه وحده الصحيح ويملك الحقيقة المطلقة بمفرده، فهناك دائما اختلاف وعدم اتفاق فى الفلسفة .

نقول إذا كان بعض خصوم الفلسفة قد نظروا إليها من هذه الزاوية زاوية الاختلاف البادى فيها، فحقا لا يوجد اتفاق أبدا فى الفلسفة، لكن عدم الاتفاق وكثرة الخلافات هى من طبيعة التفكير الفلسفى ذاته، فكل مذهب فلسفى يحاول أن يبين مواطن الضعف فى المذاهب الأخرى، ويقدم لنا رؤية مختلفة خاصة به، وقد يتأثر فى كثير من الأحيان بآراء السابقين عليه، وإذا كانت آراء الفلاسفة تختلف مع بعضها البعض فهذا لا يقلل أبدا من قيمة الفلسفة، بل هو يرتبط بالحرية الفكرية التى يجب أن يتمتع بها الفلاسفة . فالفكر الفلسفى الأصيل بطبيعته فكر حر متفتح، فهو يرتبط بوعى الإنسان نفسه، إن اختلاف المذاهب ليس عيبا فى الفلسفة بل هو يرتبط بماهية الفلسفة ذاتها .

ومن يود لو لأنه كان هناك اتفاق على شئ فى الفلسفة حرصا منه على اليقين فيها فإنه يفكر بعقلية العالم لا الفيلسوف معتقدا أن الحقيقة واحدة بعينها فلا ينبغى أن يوجد فيها اختلاف . والأمر كذلك حقا لو كنا بصدد الفلسفة الواحدة الدائمة التى تحدث عنها "ليبنتز" وآخرون كثيرون اليوم، وقال إنها لم تتحقق فى وقت من الأوقات، وإن كانت الفلسفات العديدة كلها تعبيرات مختلفة عنها فهى أشبه ما يكون بالرؤى الصادقة والباطلة التى تتكامل فيما بينها ويصحح بعضها بعضا والتى يراها عن مدينة بعينها سائحون مختلفون آتون من أنحاء مختلفة من المعمورة وفى عصور متفاوتة. ولكن هذه الفلسفة الواحدة الدائمة التى يطوف حولها الفلاسفة جميعا ولم يظفر بها واحد منهم بعد، رغم أنها موجودة فى ماهية الفلسفات على اختلافها لا يمكن أن تأخذ بالطبع صورة بناء عقلى يصلح للجميع ويفصح عن الحقيقة الواحدة التى تلزم بالاتفاق بين الناس على طريقة العلم . فلم يبقى والحالة هذه إلا الاختلاف بين الفلسفات وإلا القول بأن هذا الاختلاف خير كله للفلسفة لأنه يتفق وطبيعتها أو واقعها باعتبارها اقترابا واحداقا بكل جانب من جوانب الحقيقة القصوى التى تنأى عن الإنسان لكونها مفارقة .(28)

ولذلك نجد الفيلسوف الأسبانى "أورتيجا إيجاست" يقدم لنا تفسيرا لضرورة التعدد فى المذاهب الفلسفية . فالاتجاه الصحيح عنده هو القول بوجهات نظر عديدة بقدر الذين ينظرون إلى الكون، وكل ينظر إليه من زاويته الخاصة . وكما لا يمكن اختراع الواقع كذلك لا يمكن اختراع وجهة النظر . ووجهات النظر كلها صادقة لأن كلا منها يمثل المنظور الذى منه ينظر الإنسان إلى الكون . إنها لا تستبعد بعضها بعضا، بل بالعكس، هى متكاملة، أى يكمل بعضها بعضا، وليست منها واحدة تستغرق أو تستنفذ الواقع كله، بل لا يمكن أن تنوب إحداها عن غيرها أو تحل محلها.(29)

ومن هنا أطلق "أورتيجا" على نظريته فى المعرفة اسم "نظرية المنظور النسبى" أو "المنظورية" perspectivism ومؤدى هذه النظرية أن العالم يمكن أن يدرك فقط من خلال وجهة النظر الفردية، وليس ثمة وجهة نظر غير وجهة النظر الفردية، وبالتالى لا يمكن تجاوز وجهة النظر الفردية أو التعالى عليها، وكينونة العالم Being of the world ليست عقلية ولا مادية ولا أى شئ محدد، وإنما هى منظور . وكل منظور يتصف بالوحدة والتفرد أى لا يمكن أن ينوب عنه غيره، كما أن كل المنظورات أو وجهات النظر متكاملة أى يكمل بعضها بعضا . إذن وجهات النظر كلها صادقة، والمنظور الوحيد الزائف Falce هو الذى يدعى أنه هو وحده الصادق ولقد ربط "أورتيجا" بين نظرية المنظور وفكرته عن الحياة على اعتبار أن الحياة تؤلف نسيجا من الذات والأشياء ويتضح لنا ذلك من عبارته : "كل حياة إنما هى وجهة نظر عن الكون" وأيضا فى عبارة أخرى"أن الحياة ليست روحا soul ولا جوهرا وإنما هى منظور" .(30)

ولما كانت وجهات النظر متعددة فهناك فلسفات متعددة كلها صواب، وعن طريق وجهات النظر هذه يمكن بلوغ الحقيقة، فقوام الحقيقة هى سلسلة من وجهات النظر المترابطة مع بعضها ... ومجمل القول أن نظرية المنظور عن أورتيجا هى محاولة للقضاء على الخلافات بين المذاهب الفلسفية المتنوعة، فالتعدد فى هذه المذاهب يرجع بالدرجة الأولى إلى وجود وجهات للنظر عديدة بقدر الذين ينظرون إلى الكون، وكل اتجاه فلسفى ينظر إليه من زاويته الخاصة .

كما أن محاولة طبع الفلسفة بالطابع العلمى هى محاولة ليست فى مركز يسمح لها بتقدير إمكانيات الإنسان العقلية، فهى تعالج كل شئ من حيث هو موضوع، ولا تعفى من ذلك الذات الإنسانية نفسها، إنها تقضى على إنسانية الإنسان، وعلى روح الإبداع الخلاقة فيه، لذلك يرى "برديائف" أن الفلسفة كانت وسوف تظل نفسها ولا شئ آخر غيرها، وهى لا يمكن أن تكون علما أو دينا ومن ثم فإنها لا يمكنها أن تعتمد على نتائج وتحققات العالم أو تجعل نفسها مرتبطة باكتشافاته، وكل إدعاء تدعيه الفيزياء الرياضية بقدرتها على أن تصبح أنطولوجية كاشفة الأشياء هو فى حقيقته إدعاء كاذب زائف أقرب إلى الدجل منه إلى الحقيقة .(31)

إن من يتجنون اليوم على الفلسفة باسم العلم، زاعمين أن وراء تجربة الحس ومقاييس الكم لا يوجد إلا الخيال والوهم هم أشباه علماء أو علماء زور بتعبير "الفارابى" فما عهدنا فى كبار العلماء فى كل عصر إلا تقديرا للفلسفة رفيعا غير محدود : "جينز" و "إدنجتون " و "بوانكاريه" و "لوى دوبروي" و "ألكسيس كارليل"من معاصرينا، و "ديكارت " و "ليبنتز" و "نيوتن" قبلهم بقرنين أو ثلاثة هم جميعا رجال أخذوا من حضارة أوربا وثقافة الغرب بأوفى نصيب، وأسهموا فى تقدم العلم بأصدق الجهود، وظفروا فى مضمار الفكر الفلسفى بالقدح المعلى .(32)

وإذا كان "أفلاطون " قد نادى قديما بأن الفلسفة يجب أن تكون حارسة المدينة و"ديكارت" قد نادى حديثا بأن الفلسفة هى وحدها التى تميزنا عن الأقوام المتوحشين، وأن ثقافة الأمة وحضارتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، فإننا نؤكد اليوم أهمية الفلسفة فى خلق مواقف جديدة للفرد من أجل تنمية قدراته لمواجهة الواقع الحتمى الذى يحتويه . فلما كانت حياة الإنسان المعاصر تكاد تشملها الآلية فى كل نواحيها فإن هذا الإنسان يعيش فى مستنقع من الاغتراب . وهنا تكون الفلسفة مطلبا هاما للإنسان المعاصر حتى يمكنه أن يتغلب على مشكلات الحياة الراهنة .. فالتفكير الفلسفى يعنى ممارسة عقلية أكثر عمقا بفضل ما يلتزم به من اتجاهات نقدية . والفلسفة هى الالتزام بالنظرة التى تتعدى الحدود وتتجاوز الملموس وتبحث فى الأعماق إذ يحلق الإنسان فى آفاق تنسيه الاغتراب وتشعره بحريته ولو للحظات، ولذلك فإن القدرة على التفلسف تعنى قدرة الذات على التحرر، كما تظهر الفلسفة على أنها كشف لجزيرة الحرية فى بحر الاغتراب . وباستطاعة هذه القدرة الفلسفية أن تضفى معقولية جديدة على الأشياء، فتخرج بها من مجرد عناصر تستجيب لآلية الطبيعة كما تخرج بالأنا من حلبة الحتمية وصراع الأضداد. فالتفلسف ليس شيئا آخر سوى الوعى بالاغتراب ومحاولة تصفيته ووضع خطة للعمل الخلاق تحل محل التتابع الآلى . وهذا معناه خلق مواقف جديدة وتنمية ما لدى الفرد من قدرات حرة على أرض الواقع الحتمى.(33)

إن الفلسفة باقية ما بقى للإنسان تاريخ، وأنها لا يمكن أن تنقطع عن الوجود ما عاش الناس، فلقد نهض الفلاسفة فى الشرق والغرب أمام بطش القوة، وسلطان المادة، ورفعوا لواء القيم الروحية، وأدوا للعقل ما ينبغى له من احترام، وأيدوا حقوق الضمير الأخلاقى ومطالبه . ولم يثنهم النفى والقتل والتنكيل عن المضى فى طريقهم، ولا عاقهم عن مواصلة بحوثهم وأداء رسالتهم فكانوا حقا شهداء على البطولة الرفيعة، وممثلين لوثبة الروح وثبة قوية دافعة نحو الحقيقة، ونحو الحرية ونحو الكرامة.(34)

ونلخص من هذا العرض الموجز حول علاقة الفلسفة بالمجتمع إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن الفلسفة، ولا يمكن الاستعاضة عن الفلسفة بأى بديل آخر، ولا يحل محل الفلسفة إلا الفلسفة . فالهجوم على الفلسفة هو فى حد ذاته فلسفة، وبهذا تصبح الفلسفة هى قدرك سواء أردت أو لم ترد، حقا إن مثل هذا القدر لا يعنى بالضرورة أنك قد أصبحت فيلسوفا بالمعنى الدقيق الضيق لهذه الكلمة . إلا أنه من ناحية أخرى يعنى أن لك من الوعى ما يدفعك للتساؤل حول أحقية الفلسفة ومشروعيتها وليس هذا التساؤل إلا الخطوة الأولى من خطوات الموقف الفلسفى الصحيح .(35)

كما نلخص إلى أن الدور الذى قامت به الفلسفة فى مسيرة الحضارة الإنسانية لا ينبغى الاستهانة به أو التقليل من شأنه فالفلسفة فوق كونها تعبيرا عن روح العصر ومرآة صادقة لكل سلبياته وإيجابياته وتناقضاته، إلا أنها من ناحية أخرى قوة محركة ودافعة لمسيرة العصر ذاته. فالفيلسوف – سواء اتفقنا معه أو اختلفنا – هو أقدر من يعبر عن روح الحضارة . وصدق "هيجل" عندما قال أن أصدق وعى يمكن أن تكونه عن مرحلة تاريخية معينة هو وعى فلاسفة تلك المرحلة، إلا أن وعى الفيلسوف بعصره ليس مجرد وعى مستسلم خاضع خضوعا كليا لعصره، غير قادر على تجاوزه أو التعالى عليه، بل هو وعى ثورى يحتوى عصره داخله، ويفرزه شيئا جديدا يستشرف به أفقا من الإمكانيات الخلاقة التى لم تتحقق بعد .(36)

وعليه فإن من يشكون فى جدوى الفلسفة ويسخرون منها لا يسيئون إلى أنفسهم، وإلى أمتهم فحسب، بل يسيئون إلى الإنسانية كلها، فالفلسفة هى التى تصنع الأفكار، وبالأفكار تصنع الحضارات وتنهض الأمم . وإذا كان الفلاسفة كغيرهم من البشر معرضون للفناء والموت فإن فكرهم الفلسفى خالد لا يموت .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

....................

الهوامش

1 - نيقولاى برديائف : العزلة والمجتمع، ترجمة فؤاد كامل عبد العزيز، مراجعة على أدهم الهيئة المصرية للكتاب ص 32 .

2- أ.م. بوشنسكى : الفلسفة المعاصرة فى أوربا، ترجمة د. عزت قرنى، عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت ص 11

3- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بنظرة حضارية، القاهرة، بروفيشنال للإعلام والنشر 1984، ص11 .

4- د. عبد الوهاب جعفر : رؤية معاصرة لطبيعة التفكير الفلسفى، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية 1981 ص 20.

5- د.عثمان أمين:محاولات فلسفية،القاهرة مكتبة الأنجلو المصريةط1 ط2 1967ص 12

6- د. محمد ثابت الفندى : مع الفيلسوف، بيروت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر 1980 ص 21.

7- Roubiczek .b : Existentalism for and against cambridge . At the university press 1966 p-55

راجع أيضا : د. على عبد المعطى : سورين كير كيجارد، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية 1993 ص 100 .

8- بوشنسكى : مرجع سابق ص 265 .

9- Rou biczek. B . op –cit . p-61

راجع أيضا : د. إبراهيم طلبة سلكها : الإنسان والحضارة فى فلسفة أورتيجا، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة طنطا كلية الآداب ص74 .

10- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بين الأسطورة والتكنولوجيا، مطبعة العاصمة بالقاهرة 1985 ص 221 .

11- د. زكى نجيب محمود : موقف من الميتافيزيقيا، دار الشروق المقدمة (ف)

12- البيرت أشفيتسر:فلسفة الحضارة،ترجمة د.عبد الرحمن بدوى،مراجعة د. زكى نجيب محمود،المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشرص ص13-16

13 - د. محمد ثابت الفندى : مرجع سابق ص ص 2- 9 30 .

14- بوشنسكى : مرجع سابق ص ص ص11- 12 .

15- نيقولاى برديائف : مرجع سابق ص 33 .

16- بوشنسكى : مرجع سابق ص ص 12 – 13 .

17- ألفريد نورث وايتهد : مغامرات الأفكار . ترجمة أنيس زكى حسن، مراجعة د. محمود الأمين، تقديم د.عبد الرحمن خالد القيس، بيروت دار مكتبة الحياة ط2، ص13.

18- د. عثمان أمين : الجوانية، أصول عقيدة وفلسفة ثورة دار القلم 1964 ص ص 141 – 143 .

19- د. توفيق الطويل : أسس الفلسفة، دار النهضة العربية ط 7 1976 ص 275.

20- بوشنسكى : مرجع سابق ص 14 .

21- د. توفيق الطويل : أسس الفلسفة ص 129 .

22- د. عثمان أمين : محاولات فلسفية ص 11 .

23- المرجع نفسه ص ص 11 – 12 .

24- المرجع نفسه ص ص 13 – 14 .

25- Stumbf. Samuel: ELEMENTS OF PHILOSOPHY, New York, Macgraw – Hill. Book company 1987 . pp – 3-4 .

26- د. عبد الرحمن بدوى : مدخل جديد إلى الفلسفة، الكويت، وكالة المطبوعات ط : 1976 . ص ص 19 – 20 .

27- د. محمد ثابت الفندى : مرجع سابق ص 26 .

28- المرجع نفسه ص ص 19 – 20 .

29- د. عبد الرحمن بدوى : مدخل جديد إلى الفلسفة ص 117 .

30- Neil , Mcinnes : “Ortega y Gasset, Jose “ in “Encyclopedia of philosophy “ London .1967 . p – 3.

See Also : Ortega , y Gasset , Jose : Phenomenology and Art, Translated with an introduction by Philip silver , New York . M.M Norton and Company inc 1946 , p . 56 .

31- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بنظرة حضارية ص 278 .

32- د. عثمان أمين الجوانية ص ص 140 – 141 .

33- د.عبد الوهاب جعفر:رؤية معاصرة لطبيعة التفكير الفلسفى ص ص 34-35 .

34- د. عثمان أمين : الجوانية ص ص ص 144 – 145 .

35- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بنظرة حضارية ص 12.

36- المرجع نفسه 293 .

 

zouhair khouildi"ينشد علم الاجتماع الفهم من خلال التأويل للنشاط الاجتماعي ومن خلال ذلك التفسير السببي لحدوثه وآثاره" [1]

يبدو أن المعرفة التي ينتجها تطبيق القوانين الاجتماعية ليست معرفة للواقع الاجتماعي في حد ذاته وإنما أحد الوسائل التقريبية التي يستعملها الفكر في هذا السياق. وبالتالي لا يمكن معرفة الظواهر الاجتماعية إلا عبر الارتكاز على حقيقة الحياة وإدراك العلاقات الدقيقة التي تتحكم في الظواهر ودلالتها البنيوية.

لكن هل الظواهر الاجتماعية هي ظواهر بسيطة أم ظواهر معقدة ؟ وما الذي يقع تأويله في الظاهرة الاجتماعية؟ هل النشاط الفردي أم النشاط الاجتماعي؟ أليس البناء الاجتماعي على صلة وثيقة بموضوع الهيمنة – المشروعية؟ هل يتم الالتجاء إلى التهديد بالقوة وممارسة العنف من أجل تنظيم الأنشطة الفردية والجماعية لصالح استقرار المجتمع ونمائه أم يتطلب ذلك إقامة نظام رمزي قانوني عن طريق الاعتراف والطاعة والموافقة؟ هل يرتكز النشاط الاجتماعي على رابطة خارجية وعلاقة تعاقدية تبادلية أم على رابطة داخلية والإحساس بالانتماء ضمن إطار العيش المشترك؟ ألا تتم ممارسة السلطة الاجتماعية من خلال سيطرة المعقولية على اللاّمعقولية المتبقية والانتقال من التوحش والفوضى إلى النظام والتمدن؟ ألا يتوطد النظام الاجتماعي بالاعتراف بالتراتبية وشرعنة القيادة وعقلنة العنف المادي في شكل عنف رمزي؟ في أية شروط يخضع الأفراد نشاطهم لترتيب المجتمع؟ لماذا تتجه الأنشطة الفردية الى الاندماج مع الأنشطة الاجتماعية؟ وعلي أي تبريرات داخلية ووسائل خارجية تستند هذه السيطرة الاجتماعية؟

من وجهة المنهج يتجاوز فيبر في مقاربته للوضع الاجتماعي للكائن البشري أولا التصور الوضعي للمسألة الاجتماعية واعتماده على طريقة التفسير والملاحظة الخارجية والتنبؤ وينقد اعتبار دوركايم الظواهر الاجتماعية مجرد أشياء وتطبيقه لطرق كمية. من جهة ثانية يتخطى التعارض الذي يقيمه ديلتاي بين الفهم والتفسير بجعله حركة التأويل تتضمن العنصر السببي وقوله بجدلية الفهم والتفسير لأن علم الاجتماع تأويلي ويمكنه أن ينتج تفسيرا ويحرص على استيفاء العقلنة على نطاق واسع من المجتمع والتاريخ والاقتصاد والقانون والدين ضمن استراتيجية برهنة تقوم على الاقتران والمزاوجة بين التأويل التاريخي والتفسير السببي ويتحرك ضمن تصنيفية الأنماط المثالية والفردانية المنهجية.

ينبغي أن يكون عمل عالم الاجتماع متخصصا ومهنيا وبعيدا عن الهوى والصدق والموهبة والعمق والإلهام وقريبا من التجربة المعيشة والقدرة والكفاءة. كما يجب التوقف عن النظر إلى العلم بوصفه عملية حسابية باردة تقوم في المخابر ومكاتب الإحصاء والتعامل معه كمجهود بشري حي ومعيش.

" لا يمكن أن نفسر بالتدقيق مجموع الظواهر الاجتماعية بكيفية عامة إلا بالقيام بتحليلات سوسيولوجية خاصة" [2]. علاوة على ذلك " يشير علم الاجتماع إلى علم الواقع ويبحث عن فهم أصالة حقيقة الحياة التي تحيط بالناس ويعيشونها بكل جوارحهم ومن خلال أنشطتهم والعلاقات التي يقيمونها فيما بينهم" [3].

من وجهة الموضوع يتوجه البحث في الزوج المفهومي الهيمنة والشرعنة مع الأخذ بعين الاعتبار مصطلح الاعتقاد والاعتناء بمفهوم النشاط البشري أو الفعل في دوائر الفردية والجماعة والاجتماعية.

ليس النشاط مجرد سلوك أو تصرف يتكون من مجموعة من الحركات التي تحدث داخل الزمان والمكان بل يستوعب مفهوم المعنى بالنسبة إلى الفاعل الإنساني ويتحدد من خلال العلاقة مع فاعلين آخرين ويرتبط بنشاط الغير ويتم انجازه بالتعاون معه. هكذا يتشكل النشاط الاجتماعي من خلال هذه العلاقة بين الذاتي والبيذاتي ويتضمن أولا معنى ذاتيا ومن جهة ثانية يأخذ بعين الاعتبار دوافع الآخر.

ينطلق فيبر من فكرة النموذج المحفز على الفعل لكي يفسر تفهميا مفهوم النشاط الاجتماعي وظواهر الامتناع عن النشاط والانسحاب من دائرة الفعل والاعتناق السلبي والحركي وتوجه الفعل نحو المعاصرين ونحو السابقين ونحو اللاحقين ويقر بأننا " نكون دوما إزاء أفراد ينشطون بتفاعل مع أفراد آخرين" [4]. كما يتضمن النشاط الاجتماعي معنى البيذاتية على غرار دعوة هوسرل إلى تنزيل العلاقات البيذاتية في إطار اجتماعي في التأمل الخامس من تأملاته الديكارتية. تبعا لذلك يتحدد النشاط الاجتماعي:

- على نحو عقلاني من حيث غايته ومن خلال انتظارات تتعلق بمواضيع خارجية وأفراد آخرين

- على نحو عقلاني في قيمته ومن خلال الاعتقاد الواعي بقيمته الإتيقية والجمالية والدينية.

- على نحو تقليدي وبمقتضى العادات المتأصلة ووفق عواطف وانفعالات خاصة بالفاعلين.

على ذلك يتكون حقل البحث من أربع أبعاد: هي استهداف معنى والاتجاه صوب الآخر والانخراط في النشاط الاجتماعي ثم ممارسة الهيمنة وشرعنة القيادة وعقلنة النظام والاعتراف التراتبي. يترتب عن ذلك أن" ما يظل مهما هو إدخال مشكل الشرعية في مشكل النظام وبهذا المعنى لا نكون إزاء رؤية فوقية وإنما رؤية من الأسفل خاصة بالفاعلين الاجتماعيين الذين يستطيعون منح نظام ما صلاحية مشروعة" [5].

غاية المراد أن هناك ثلاثة أسس للشرعية:

- سلطة التقاليد المقدسة وعادة احترام ماهو عريق وكل ماهو متجذر في الإنسان ونفوذ الأمس الأبدي (السيد الإقطاعي وشيخ القبيلة).

- سلطة الكاريزم والنفوذ المبني على المميزات المثالية للقائد والسحر الشخصي والفائق للفرد وتفاني الزعيم في خدمة الناس والثقة الكبيرة التي وضعوها فيه.

والحق أن السلطة التي تفرض نفسها بواسطة الشرعية وصلاحية الوضع القانوني والكفاءة الايجابية التي تبنى جدارتها على قواعد عقلانية.[6]

ما يلفت النظر في هذا التمشي هو أن ماكس فيبر يميز بين سياق يتشكل فيه المجتمع ويتميز بالانفتاح وتمتلك فيه السلطة مصداقيتها من المساندة الطوعية والتكملة الشرعية، وسياق تتشكل فيه الجماعة المتحدة ويتميز بالانغلاق ويغلب على الوضع التهديد باللجوء إلى العنف لفرض الهيمنة وتأسيس دوام النظام. في هذا المقام يصرح غادامير أن " كل طاعة لنفوذ ما تقتضي الاعتراف بتفوقه وإذا توقف عن ذلك فإنه يرتد إلى العنف" [7].

إحقاق للحق يمكن الانتهاء إلى النقاط التالية:

1ـ لاشيء يمنع من إنشاء علوم اجتماعية تدرس النشاط الفردي والجماعي ذات قدر من الموضوعية مقارب لما في العلوم الصحيحة والطبيعية بالرغم من استقلاليتها واندراجها في نظام معنوي مغاير وانفتاحها على غير عادة الوضعيين على الرمز والتجربة المعيشة والمعنى والقصدية.

2ـ لكي يتم تناول الوضع الاجتماعي عبر منظور مزدوج من الفهم والتفسير يكون من اللازم الإبعاد الكلي لمفهوم الإنسان الذي ساد لفترة طويلة في التراث الميتافيزيقي ونتج عنه من حديث عن الجوهر والماهية والطبيعة والتعريف والاهتمام الحصري بدراسة أحوال الكائن البشري من جهة شروط وجوده وأوضاع حياته وسيرته الذاتية وأنماط حضوره في العالم وتجاربه المعيشة دون أحكام مسبقة معيارية.

3ـ صحيح أن المجتمعات البشرية غامضة ومعقدة وتتلاقى في العديد من العوامل والعناصر وتعرف تحولات وتقلبات ومأخوذة في الصيرورة ولكن هذا لا يجعلها خاضعة بشكل تام لأهواء الحرية ومعرضة للفوضى الى درجة أن العقل العلمي يعجز عن فهمها ويتعذر عليه تشكيل معرفة موضوعية وتأويل مقبول عنها.

لكن هل يمكن الاعتماد على هذه المفاهيم في مجتمعات يتداخل فيها العنف مع المقدس؟ هل تتضمن هذه المفاهيم قيمة وصفية تفسيرية أما أنها تمتلك قيمة مضافة في مجال التأويل والنقد؟

 

.............

الهوامش والإحالات:

[1] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة بيت الحكمة، قرطاج، تونس، 2003. فصل المقولات الأساسية لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر، ص470،

[2] Weber (Max), économie et société, tome1, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1971. chap les concepts fondamentaux de la sociologie,,p.48.

[3] Weber (Max), essai sur la théorie de la science, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1965, pp.152.153 .

[4] المرجع نفسه

[5] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة. فصل المقولات الأساسية لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر، ص475.

[6] ماكس فيبر، العالم والسياسي، ترجمة نادر ذكرى،دار الحقيقة، بيروت، طبعة 1982، صص.47-48.

[7] المرجع نفسه، ص.482.

المصادر والمراجع:

Max Weber, essais sur la théorie de la science, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1965.

Max Weber, économie et société, tome1, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1971. chap les concepts fondamentaux de la sociologie, pp3.57.

ماكس فيبر، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع – الفصل الأول من كتاب "الاقتصاد والمجتمع"، ترجمة صلاح هلال، المركز القومي للترجمة، القاهرة، طبعة أولى، 2011.

ماكس فيبر، العالم والسياسي، ترجمة نادر ذكرى،دار الحقيقة، بيروت، طبعة 1982،

بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة بيت الحكمة، قرطاج، تونس، 2003. فصل المقولات الأساسية لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر ، صص469 و490، وفصل وعود العالم فلسفة ماكس فيبر لبيار بوراتز، صص491 و500.

 

كاتب فلسفي

 

 

ibrahim telbasilkhaنظرية الفعل Theory of action عند أرندت وإحياؤها لفكرة "الممارسة" القديمة تمثل أحد الإسهامات الرئيسية للفكر السياسى فى القرن العشرين . وبتمييز الفعل (الممارسة) من الابتكار أو الصنع (الإنشاء) وبربطه بالحرية والتعدد، وبتوضيح ارتباطه بالتحدث والتذكر، استطاعت أرندت أن توضح مفهوم السياسة الذى أمكن فيه تناول المسائل المتعلقة بالمعنى والهوية بطريقة حديثة متطورة . علاوة على ذلك، فإنه بالنظر إلى الفعل على أنه شكل للتجمع البشرى، أصبحت أرندت قادرة على تطوير مفهوم الديمقراطية الاشتراكية والتى تتناقض تماماً مع الأشكال السياسية البيروقراطية المميزة للحقبة الحديثة (1) .

فالفعل هو أساس نظرية أرندت السياسية، وقد درسته فى إطار فهمها للحرية، والمشاركة والحوار والخطاب . " فحيثما يكون الكلام ملائماً، فإن الأمور تصبح سياسية فى شكلها، فالكلام هو ما يجعل الإنسان كائناً سياسياً ". وقد اهتمت أرندت بشكل كبير بدراسة صور الفعل المختلفة وأعلنت عن عدم رضاها عن معظم التفسيرات التى قدمت لها . " إن عدم قدرة الفرد على تجميع أصول حياته فى كلمات حيث يعبر عن ماهيته من خلال الفعل والكلام تعتمد على مجال الشئون البشرية، فنحن نتواجد ككائنات تعمل وتتحدث .. " (2) .

وعليه، فإن المكونات الرئيسية لنظرية الفعل عند أرندت هى: الحرية والتعدد والإعلان أو الافشاء . وتتعلق تلك المكونات بالروابط بين الفعل والشكل الأدبى وأهمية التذكر أو ما تسميه أرندت " مجتمعات الذاكرة " . وكذلك العلاقة بين الفعل والسلطة وساحة العرض أو فضاء الظهور ؛ وركزت أرندت على "سلطة الوعد" و " سلطة الصفح " (3) . وهذا ما سوف نوضحه على النحو التالى:

 

1- العمل والحرفة والفعل:

تميز أرندت بين العمل والحرفة والفعل حيث تقول: " إننى اقترح مصطلح " الحياة العملية " لكى أشير إلى ثلاثة أنشطة بشرية جوهرية هى: العمل والحرفة، والفعل . إنها جوهرية لأن كل واحد منها يتطابق مع الأوضاع الرئيسية التى تعطى الحياة للإنسان على الأرض " (4).

العمل هو النشاط الذى يتطابق مع العملية البيولوجية للجسم البشرى، الذى نموه الذاتى، عملية الأيض، وتحلله الأخير مرتبطان بالضرورات الحيوية الناتجة والمدخلة فى عملية الحياة بواسطة العمل . إن الوضع البشرى للعمل هو الحياة فى حد ذاتها . أما الحرفة فهى النشاط الذى يتطابق مع اصطناع الوجود البشرى، والتى هى غير منزلة فى الفضاء حيث لا يعوض العود الأبدى الدورى للنوع فنائه . تقدم الحرفة عالم " مصطنع " من الأشياء المختلفة بشكل تام عن كل وسط طبيعى . حيث تقطن داخل حدوده حياة كل فرد، فى حين أن هذا العالم فى حد ذاته يعنى الاستمرار أو التجاوز على الكل . إن الوضع البشرى للحرفة هو الانتماء إلى العالم (5) .

وأما الفعل، النشاط الشائع بين الناس من دون توسط الأشياء ولا المادة، يطابق الوضع البشرى للتعدد ..وهذا التعدد هو تحديداً الشرط – الذى لاغنى عنه- لكل حياة سياسية ؛ وهى تقول فى هذا الصدد: " إن السياسة تقوم على واقعة التعدد البشرى " . وإذا كانت كل جوانب الوضع البشرى مرتبطة بشكل ما بالسياسة، فإن هذا التعدد بالخصوص هو شرط كل حياة سياسية . وإن المعيار الرئيسى للفعل هو التجلى الواضح للفاعل فى الكلام والممارسة . فالفعل مرتبط بالكلام ويكشف عن الإنسان وكأنه يحاول ويضرب فى الأرض وينقح فى الأفق من أجل أن يبدأ شيئاً جديداً فى العالم (6) .

وهذه الأنشطة الرئيسية الثلاثة الخاصة بوجودنا فى العالم: العمل والحرفة والفعل مستقلة عن بعضها البعض حيث إن لكل منها مبادئه ومنطلقاته المميزة ويحكم عليه بمعايير مختلفة . العمل يحكم عليه بواسطة قدرته على تحسين الحياة البشرية، تقديم احتياجاتنا البيولوجية المتعلقة بالاستهلاك والانتاج، والحرفة يحكم عليها بقدرتها على تكوين عالم ملائم للاستخدام البشرى والحفاظ عليه، والفعل يحكم عليه بقدرته على الافصاح عن هوية العامل، وإثبات حقيقة العالم، وتحقيق آهليتنا للحرية (7) .

وعلى الرغم من أن أرندت تعتبر الأنشطة الثلاثة (العمل، والحرفة والفعل) ضرورية على حد السواء لإكمال الحياة البشرية، حيث إن كلاً منها يسهم بطريقته المميزة فى تحقيق كفاءاتنا البشرية، فإنها تركز على الفعل المميز للبشر عن حياة الحيوانات (التى هى مماثلة لنا من حيث احتياجها للعمل للحفاظ على حياتها) وحياة الآلهة (التى نشاركها نشاط التأمل) . ومن هذه الناحية فإنه يجب اعتبار مقولتى العمل والحرفة مختلفتين عن مقولة الفعل، وإن كانتا تلعبان دوراً مهماً فى إلقاء الضوء على فضاء الفعل خلال نظام النشاط البشرى(8) .

ولذلك ترى أرندت أن الأنشطة الثلاثة جميعها، والأوضاع المتطابقة معها مرتبطة بشكل وثيق بأكثر الأوضاع شيوعاً للوجود البشرى: الميلاد والموت، الأبدية والخلود، البداية والفناء . العمل لا يؤكد الخلود البشرى فقط، ولكن أيضاً حياة الكائنات . فالعمل ومنتجاته، الصناعة البشرية، يمنحان مقياساً للبقاء والاستمرارية بناء على عبث الحياة وخاصية الزوال المميزة للذهن البشرى . وحيث إن الفعل يتدخل فى إيجاد الكائنات البشرية والحفاظ عليها، فإنه يخلق وضع التذكر، وهو المتعلق بالتاريخ . العمل والحرفة، وكذلك الفعل متأصلان أيضاً فى الميلاد، حيث إن لهم مهمة تقديم العالم والحفاظ عليه من أجل التدفق المستمر للقادمين الجدد المولودين فى العالم كغرباء . ومع ذلك، فمن بين الثلاثة، فإن الفعل ذو علاقة أوثق بالوضع البشرى الخاص بالميلاد، ويمكن للبداية الجديدة المتأصلة فى الميلاد أن تبرز نفسها فى العالم وذلك فقط لأن القادم الجديد يمتلك القدرة على بدء شئ ما من جديد، وهو الفعل . وبهذه الطريقة البديهية، فإن أحد عناصر الفعل، وبالتالى الميلاد، يعد متأصلاً فى جميع الأنشطة البشرية(9) .

 

2- الحرية والتعدد

والخاصيتان الرئيسيتان للفعل هما " الحرية " و " التعدد " .. أما الحرية عند أرندت فترتبط بالحياة اليومية وبالمجال السياسى العمومى ذلك أن اعتبار الحرية حقاً يشترك فيه جميع الناس، يفترض توفر نظام سياسى وقوانين ينظمان هذه الحرية، ويحددان مجال تعايش الحريات . أما الحديث عن حرية داخلية "ذاتية"، فهو حديث ملتبس وغير واضح . إن الحرية، وفقاً لأرندت، مجالها الحقيقى والوحيد هو المجال السياسى، لما يوفره من إمكانات الفعل والكلام، والحرية بطبعها لا تمارس بشكل فعلى وملموس إلا عندما يحتك الفرد بالآخرين، إن على مستوى التنقل أو التعبير أو غيرها (10) .

فالنظر إلى مفهوم الحرية على أنها مشكلة نظرية وقضية فلسفية ميتافيزيقية مثل قضية الوجود والعدم والخلود والزمان .. الخ هو أمر خاطئ .. ولذلك ترفض أرندت ربط الحرية بالمجال الداخلى للفرد وتقول: " إن الحقل الذى عرفت فيه الحرية، ليس باعتبارها مشكلة، بل باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية، هو حقل السياسة " أى مجال الفعل الإنسانى العام وليس مجال الفكر: "لأن الفعل والسياسة يعتبران من بين القدرات والامكانات المتعلقة بالحياة الإنسانية، والتى لا يمكن التفكير فيها بمعزل عن وجود الحرية " . فالمجال الفعلى للحرية هو مجال السياسة باعتباره مجال الشأن العام والذى يهم الجميع . كما أنه خارج الحياة العامة يصعب إن لم نقل يستحيل قياس مدى حضور أو غياب الحرية باعتماد مؤشرات من قبيل الحق فى التعبير عن الرأى العام واحترام الرأى الآخر وضمان حقوق الإنسان والتداول السلمى للسلطة .. وغيرها من مظاهر الديمقراطية ودولة الحق والقانون والحريات العامة . " فالحرية ليست خاصية مميزة لأى شكل من أشكال العلاقات الإنسانية، ولا لأى نوع من أنواع الجماعات البشرية . فحيثما يعيش الناس فى مجموعة لا تشكل هيئة سياسية – مثل ما هو حاصل فى التجمعات القبلية أو الأسرية – فإن ما ينظم أفعالهم وتصرفاتهم ليس هو الحرية، بل هو ضرورات الحياة والحرص على البقاء " (12) .

وهكذا، " فإن الحرية هى مغزى العمل السياسى " (11) . وهى لا تعنى، عند أرندت، القدرة على الاختيار من بين البدائل المتاحة (حرية الخيار مهمة للغاية بالنسبة للإتجاه الليبرالى) أو قدرة طبيعية داخلية منحها الله للبشر . إنها تعنى " القدرة على بدء شئ جديد، لفعل ما هو غير متوقع، ممنوح لكل البشر بمجرد ولادتهم . فالفعل بكونه تحقيقاً للحرية متأصلاً فى الميلاد، فى الحقيقة القائلة بأن كل ميلاد يمثل بداية جديدة وظهور لشئ جديد فى العالم، فالولادة هى بلوغ عالم دائم بدل الانخراط فى تكرار للطبيعة، والوفاة هى الانسحاب من عالم دائم والذهاب إلى عالم الاستهلاك والاغتراب والضياع(13) .

ولقد أدركت أرندت أن كل الأنشطة مرتبطة بشكل ما بظاهرة الميلاد، فكل من العمل والحرفة ضرورىٌ لابتكار عالم يولد فيه بشر جدد بشكل مستمر . ومع ذلك، فإنه من بين الأنشطة الثلاثة، يعد الفعل أكثرها ارتباطاً بالميلاد، لأنه بواسطة الفعل يعيد الأفراد معجزة البدء الكامنة فى ميلادهم . فبالنسبة لأرندت، فإن البداية التى يمثلها كل منا بولادته تتحقق كل مرة نعمل فيها، وهى كل مرة نبدأ فيها شئ ما جديد . وكما أوضحت: " يمكن للبداية الجديدة الكامنة فى الميلاد أن تبرز نفسها فى العالم فقط لأن القادم الجديد يمتلك القدرة على بدء شئ جديد وهو الفعل " (14) .

وأرندت تفهم الفعل على أنه القدرة البشرية على بدء مجموعة جديدة من الأحداث .. والفعل نتيجة طبيعية " للميلاد ": فنحن ولدنا كأفراد من كائنات تقوم ببدايات غير متوقعة (15) . وحيث إن الفعل كبداية كامن فى الميلاد، وحيث إنه تحقيق للحرية، فهو، وفقاً لأرندت، يحمل معه القدرة على عمل المعجزات . "ففى طبيعة البداية يتم بدء شئ جديد لا يمكن توقعه أيا كان ما حدث سابقاً . وإن تلك الخاصية المتعلقة بعدم التوقع المرعب كامنة فى كل البدايات .. والحقيقة أن الإنسان قادر على فعل ما لا يمكن توقعه . فكل إنسان متفرد، ومع كل ميلاد يأتى شئ جديد فى العالم " (16) .

وهكذا فإن ميلاد كل فرد هو وعد ببداية جديدة: فالفعل يعنى القدرة على الافصاح عن النفس وانجاز ما هو غير متوقع ؛ وهو ما يتفق تماماً مع هذا التصور القائل بأن معظم الأمثلة الملموسة للفعل فى العصر الحديث والتى ناقشتها أرندت هى حالات الثورات والانتفاضات الشعبية . فادعاؤها بأن " الثورات هى الأحداث السياسية الوحيدة التى تواجهنا بشكل مباشر وهى حتماً لها مشكلة فى البداية " يعد محاولة لإيجاد مساحة سياسية جديدة، مساحة يمكن أن تظهر فيها الحرية كحقيقة مرتبطة بالانتماء .. إلى - العالم . والمثال المفضل لأرندت هو الثورة الأمريكية لأن فعل التأسيس فيها أخذ شكل تأسيس للحرية . ومن أمثلتها الأخرى نوادى الثورة الفرنسية، مؤتمر باريس لعام 1871، تأسيس السوفيت خلال الثورة الروسية، المقاومة الفرنسية لهتلر فى الحرب العالمية الثانية، والثورة المجرية عام 1956 . ففى كل تلك الحالات كان لدى الرجال والنساء الشجاعة لقطع أنشطتهم الروتينية، للتقدم عبر حياتهم الخاصة من أجل خلق فضاء عام يمكن أن تظهر فيه الحرية، والعمل بطريقة تجعل من ذكرى أعمالهم مصدراً للإلهام فى المستقبل . وتبعاً لأرندت، فإنهم للقيام بذلك قد أعادوا اكتشاف الحقيقة المعروفة لليونانيين والتى تقول بأن الفعل هو أسمى نعمة للحياة البشرية، وهو ما يعطى لحياة الأفراد قيمة (17) .

وأما التعددية فهى الخاصية الرئيسية الأخرى للفعل . فكل فعل هو مبادرة، ولا يمكن القيام به بمعزل عن الآخرين، وبعيداً عن تعددية المؤديين الذين يحكمون على الأداء. فالفعل يحتاج إلى التعدد بنفس قدر احتياج المؤديين للجماهير، بدون وجود الآخرين وتقديرهم، وسيتوقف الفعل عن أن يكون نشاطاً ذا قيمة . ويمكن للفعل أن يوجد فقط فى سياق يحدده التعدد، بقدر احتياجه للظهور بشكل عام، مبرزاً نفسه من خلال الكلمات والأعمال، وحائزاً على قبول الآخرين (18) .

لقد أقامت أرندت العلاقة بين الفعل والتعدد بواسطة موقف أنثروبولوجى . فهى ترى أن " الحياة " هى الوضع الذى يطابق نشاط العمل، و " الانتماء - إلى – العالم " هو الوضع الذى يطابق نشاط الحرفة، وهكذا فإن " التعدد " هو الوضع الذى يطابق الفعل . وهى تعرف " التعدد " فى ضوء الحقيقة القائلة: " بأن "الناس" وليس " الإنسان " هم الذين يعيشون على الأرض ويسكنون العالم " . وتقول إنه وضع الفعل البشرى " لأننا جميعاً متماثلون وإن كان لكل منا حياته ووجهة نظره عن العالم " . وبفضل التعدد يصبح كل فرد قادراً على العمل والتعامل مع الآخرين بطرق مميزة، وهذا هو ما يسهم فى صياغة شبكة الأفعال والعلاقات المختلفة والتى قد يصعب التنبؤ بها . وهذه الشبكة من الأفعال تشكل مجال الأعمال البشرية، تلك المساحة التى يرتبط فيها الأفراد مباشرة – ومن دون وساطة الأشياء – من خلال " اللغة " . فالعلاقة واضحة بين الفعل واللغة (19) .

ولهذا تقول أرندت: " .. سيكون الفعل زيادة غير ضرورية، تدخل نزوى (متقلب) فى القوانين العامة للسلوك، إذا كان الناس عبارة عن استنتساخات مستمرة ومتكررة من نفس النموذج، والذى يعد بطبيعته وأصله مثلاً للكل ويمكن التنبؤ به مثل طبيعة أو أصل أى شئ آخر . فالتعدد هو وضع الفعل البشرى لأننا جميعاً متماثلون (20) .

كما تؤكد أرندت مراراً فى كتابها " الوضع البشرى " أن الفعل مبدئياً، ذو خاصية رمزية، وأن شبكة العلاقات البشرية يدعمها التفاعل التواصلى . ويمكننا التعبير عن ذلك على النحو التالى: " الفعل يستلزم وجود كلام: فعن طريق اللغة نستطيع التعبير عن معنى أفعالنا وتنسيق أفعال تعددية العوامل . وعلى العكس، فإن الكلام يستلزم حدوث فعل، ليس بطريقة أن الكلام نفسه يعد شكلاً من الفعل، أو أن معظم الأفعال تؤدى فى شكل كلام، ولكن بطريقة أن الفعل غالباً ما يكون هو طريقة التحقق من صدق المتكلم . وهكذا فحيث إن الفعل بدون كلام يقود إلى خطورة كونه بلا بمعنى وسيكون من المستحيل التنسيق مع أفعال الآخرين، لذا فإن الكلام بدون فعل سيفتقد وجود إحدى الوسائل التى يمكننا أن نؤكد بها صدق المتكلم . كما أن هذا الرابط بين الفعل والكلام يلعب دوراً رئيسياً فى تصوير أرندت للسلطة، وهى تلك السلطة التى تظهر بين الناس عندما يعملون " بشكل متناسق " ويتحقق فقط حيثما لا يكون الكلام والفعل متشاركين مع بعضهما، حيثما لا تكون الكلمات خاوية ولا تكون الأفعال حادة، حيثما لا تستخدم الكلمات لحجب النوايا ولكن لإعلان الحقائق، ولا تستخدم الأفعال من أجل الانتهاك (المخالفة) والتدمير ولكن لتكوين علاقات وحقائق جديدة " (21) .

 

3- الإعلان أو الإظهار

إهتمت أرندت بدراسة القوة الإعلانية للفعل والكلام ؛ فقد ناقشت فى القسم الأول من فصل " عن الفعل " فى كتابها " الوضع البشرى " موضوع الإعلان عن هوية العامل . وقد ذكرت أن الأفراد يعلنون من خلال الفعل والكلام عن أنفسهم وتميزهم عن غيرهم، يعلنون للعالم عن شخصياتهم المتميزة . وبطريقة أرندت فى التمييز، فإنهم يوضحون أسباب تميزهم وفى أى شئ يتميزون – وهذا الأمر يتعلق بقدرات الأفراد ومواهبهم، وكذلك عيوبهم ونقائصهم، وجميعها خصائص يتقاسمها كل البشر . وليس العمل أو الحرفة هو ما يمكن الأفراد من الإعلان عن هويتهم، الإعلان عن ما يتميزون فيه عن غيرهم . ففى العمل تحجب فردية كل شخص من خلال ارتباطه بسلسلة من الضروريات الطبيعية، وفقاً للقيود المفروضة بواسطة العوامل البيولوجية . نحن عندما نشارك فى العمل فإننا نستطيع فقط أن نوضح مدى تماثلنا، حيث إن الحقيقة هى أننا جميعاً ننتمى للأنواع البشرية ويجب أن نهتم باحتياجات أجسامنا . وفى هذا السياق فإننا فى الحقيقة " نتصرف "، "نؤدى أدواراً " و " ننجز وظائف "، حيث إننا جميعنا لدينا نفس الالتزامات . وفى العمل يوجد مجال أكبر للفردية، فكل عمل أو منتج يحمل علامة لصانعه ... وهكذا، فى الكلام والفعل فقط، فى التفاعل مع الآخرين من خلال الكلمات والأفعال، يعلن الأفراد عن شخصياتهم (22) .

ولا يتوقف الأمر عن حد الإعلان عن الذات فقط، بل إن الإنسان بفضل هذا الإعلان يدرك أنه:

أولاً: لا يوجد إلا بقدر ما يعمل: لأن الفعل وحده هو الذى يجعله يوجد (بمعنى الكلمة) وأنه:

ثانياً: يفرض بعمله ضرباً من التغيير أو التبديل على العالم المادى، لأن الفعل الذى يقوم به لابد من أن يحدث آثاره فى العالم الخارجى وأنه:

ثالثاً: يخلق عن طريق فعله نوعاً من الاتصال بينه وبين الآخرين، لأنه يخلق بالتزامه أمام نفسه وأمام الآخرين " عالماً روحياً " يقوم على التأثير والتأثر وأنه:

رابعاً: يعمل على تدعيم عالم القيم البشرية: لأنه يحرر الذوات الأخرى ويوقظها من سباتها حين يجسم مثله العليا فى الوسط الاجتماعى فيعمل على تقريب شقة الخلاف بين الواقع والمثل الأعلى (23) .

ولذلك فإن الفعل الذى يقوم به الفرد ليس مجرد " عمل خاص " يهم صاحبه وحده دون سواه بل هو " عمل اجتماعى " يتسم بطابع كلى عام: لأنه يخرج إلى الوسط الجمعى الذى يتحقق فيه فيحدث تأثيره فى عقول الآخرين وأفئدتهم وشتى جوانب حياتهم . ولو أننا ضربنا صفحاً عن تلك الأعمال التى يقوم بها البشر بحكم الغريزة أو العادة أو " الروتين " لكان فى وسعنا أن نقول إن معظم الأفعال الإنسانية هى بمثابة نيات متحققة وقيم أخلاقية متجسدة ومثل عليا متجسمة: فهى ظواهر اجتماعية مهمة لها دلالتها الخاصة فى صميم الوسط الخارجى الذى يتحقق فيه . وإذن فإن العمل الذى يؤديه الفرد – وإن بدا له أحياناً عملاً فردياً يعنيه هو وحده – عمل اجتماعى يقوم بدور المحرك الفعال أو المؤثر القوى فى وسط خارجى يضم أفراداً آخرين هم على استعداد لتفهم دلالة ذلك العمل إن لم نقل بأنهم قد يقعون تحت تأثيره ويعملون – بدورهم – مترسمين خطاه (24) .

 

4- القصة ومصير البشرية

لقد أدركنا كيف يكون الأفراد قادرين، من خلال الفعل والكلام، على الإعلان عن هويتهم، عن تميزهم الخاص – عن أنفسهم – على أنهم مميزون فى قدراتهم ومواهبهم الشخصية – عن كينونتهم . ومع ذلك، فبينما يشارك الأفراد فى الكلام والفعل فإنهم لا يمكنهم أن يتأكدوا أبداً من الشخصية التى سيعلنون عنها . وهذا يحدث فقط بطريقة سرد الأحداث، أى أنه فقط من خلال القصص الناتجة من أعمالهم وسلوكهم ستبدو هويتهم واضحة تماماً . ولذلك فإن وظيفة راوى القصة مهمة للغاية ليس فقط من أجل حفظ أعمال المؤديين وأقوالهم، ولكن من أجل الإعلان الكامل عن هوية المؤدى . تقول أرندت: " إن قصص الراوى تخبرنا عن أشخاص " كل القصة، البطل " فى مركز كل قصة، أكثر مما يمكن لأى منتج بشرى أن يخبرنا عن الصانع الذى أنتجه " . فمن دون أفلاطون الذى أخبرنا عن شخصية سقراط وطبيعة مواقفه من الأثينيين، ومن دون ثيوكيديديس الذى اختتم الخطبة الجنائزية لـ " بيركليس " وأعاد صياغتها بطريقته القوية المؤثرة، لما عرفنا الأسباب التى جعلت سقراط وبيركليس من الشخصيات البارزة، ولما بدا سبب تميزهم واضحاً لنا . والحقيقة فإنه من التصريحات شديدة الأهمية لأرندت قولها: " إن معنى الفعل نفسه يعتمد على طريقة سرد الأحداث التى يقوم بها المؤرخون والرواه لوصفه " (25) .

ولذلك كانت أرندت تفضل رواية القصة على التفكير الفلسفى مؤكدة أن الرواية تهتم بالطبيعة الفردية للتجربة البشرية . ودائماً ما كانت تعارض فى أعمالها الأفكار الاستبدادية والمطلقة الخاصة " بالحقيقة " باقتراح طريقة جديدة لفهم العلاقة بين الذات البشرية الخاصة، المجتمع الذى توجد به الذات والعالم الأكبر، ولقد قدم الأدب لأرندت مصدراً مهماً للقيام بهذا التخلى عن التراث الفلسفى . فقد قالت فى هذا الصدد: " ليس هناك فلسفة يمكن مقارنتها فى كثافتها وثراء معانيها مع قصة تروى بشكل ملائم " () .

بل إن الفلسفة السياسية عند أرندت " أصبحت طريقة للرواية " لاستنباط العظة والعبرة من الماضى فى قلب الحاضر" (26) . فالفعل يكتشف بشكل أفضل ويعبر عن الكينونة من خلال الأسلوب الروائى . فمن خلال رواية القصص حول الأفعال التى يشارك فيها الأشخاص يمكن لتلك الأفعال أن تساهم فى كشف حقيقتهم. وقد قال بول ريكور: " إن المشروع السياسى لأرندت هو أكبر محاولة لتخليدنا " فمعنى الفعل يتحدد فقط عندما ينتهى الفعل نفسه ويصبح قصة يمكن روايتها .. إن الفعل لا يوجد فقط لحظة الأداء، بل يوجد بشكل أكبر فى رواية الحدث (27) .

اعتقدت أرندت أن القصص يمكنها أن تقدم اهتماماً ومعالجة خاصة للأحداث أكبر من الأنساق الفلسفية نفسها .. فالرواية تفتح إمكانية التفسيرات المختلفة " بناءاً على الرؤى العالمية المختلفة لهؤلاء الذين يستمعون للقصة، وأيضاً إمكانية النهاية المفتوحة، وقد تتضمن جدالاً ونقاشاً حول معنى الأحداث . وكما تقول أرندت: " إن رواية القصة تكشف عن معنى الأحداث بأفضل الطرق وأبسطها " ؛ وخاصة فى حالة الأحداث المروعة التى يصعب فهمها أو تخيلها، ولاسيما عند هؤلاء الذين يعاصرونها . فالرواية هى أداة مفيدة لفهم أحداث التاريخ المأسوية . وهنا تستشهد أرندت بقول إسحاق دنيسان: " يمكن تحمل كل الأحزان إذا وضعناها فى قصة أو روينا قصة عنها "، بمعنى آخر " كل الأحزان يمكن تحملها لو حكيناها " ؛ فالحكاية تعد أداة مهمة لمقاومة شرور العالم (28) .

والرواية لا تقدم مقياساً لصدق أفعال البشر وتحديد أهميتها فقط، بل تحتفظ أيضاً بذاكرة للأعمال على مر الزمان، وبهذا فإنها تجعل من تلك الأعمال مصدراً للإلهام فى المستقبل، حيث تشكل نماذج يمكن تقليدها والسير على هداها.. فالأعمال والكلمات لا تخلد السلوك إلا مع عملية التذكر . فالتذكر وحده، إعادة رواية الأعمال فى شكل قصص، يمكن أن ينقذ حياة المؤديين وأعمالهم من النسيان وبالتالى الحفاظ على جدواها . ولهذا السبب قدر اليونانيون الشعر والتاريخ بشكل كبير لأنهما يحفظان أعمال الماضى المجيدة (وكذلك الأقل مجداً) لصالح أجيال المستقبل . لقد كانت الوظيفة السياسية للشاعر والمؤرخ هى الاحتفاظ بذاكرة للأفعال القديمة وجعلها مصدراً لتوجيه المستقبل . لقد كان هوميروس معروفاً بأنه معلم هيلاس، فقد احتفظ لكل من أتوا بعده بأحداث حرب طروادة، وقد روى ثيوكيديديس فى كتابه " تاريخ حرب البيلوبونيز " قصة عن الطموح والحماقة البشريين، عن الشجاعة والجشع غير المحدود، للصراع الدامى والهزيمة المحتومة . لقد أصبح الماضى فى عملهم كمخزن للتعليم، للأعمال لمناقشتها، وكذلك لتجنب بعضها . وتم تجاوز ضعف الفعل البشرى وإمكانية موته وجعله تخليداً لحياة فاعليه (29) . ولذلك قال هوبز: " إن الرواية نفسها تهذب القارئ على نحو خفى، وبصورة أكثر فاعلية مما تستطيع أن تفعله المواعظ " (30) .

وقد كان من المهام الرئيسية " لدولة المدينة " تأسيس مجتمع يحفظ كلمات مواطنيها وأفعالهم من النسيان والتلاشى، وبهذا تترك ميثاقها للأجيال القادمة . كما كانت " دولة المدينة " الأغريقية تسعى إلى علاج ضعف الأحوال البشرية، بعيداً عن إتاحة المشاركة فى الكلمات والأفعال وزيادة المناسبات لنيل شهرة أبدية . وقد تحققت هذه الأهداف بواسطة إنشاء إطار عملى يساعد على تسجيل الفعل والكلام وتحويلهما إلى روايات، مما يمكن كل مواطن من أن يكون شاهداً، ومن ثم يصبح روائياً . وهكذا، فإن ما قدمته " دولة المدينة " هو فضاء يجد فيه الأفراد مكاناً "للتذكر المنظم "، وأدى ذلك إلى إمكانية تجاوز فناء المؤديين وضعف الأعمال البشرية جزئياً (31) . ويعبر فضاء Agora عن هذا الموقف، فقد شكل "ساحة للحوار " بين مواطنى أثينا .

 

5- السلطة وفضاء الظهور

لتوضيح ارتباط كل من الفعل والسلطة بفضاء الظهور عند أرندت نتساءل: ما هو دور الأداء المسرحى فى النظرية السياسية لأرندت ؟ لماذا تشير دائماً للفضاء العام على أنه نوع من " خشبة المسرح " يعلن عليها المؤدون السياسيون عن أنفسهم بالكلام والفعل ؟ لماذا تعتمد بشكل كبير على استعارات مثل " الأداء " و " البراعة الفنية " فى التعبير عن مفاهيم الفعل السياسى والحرية لديها ؟ وبالنسبة لتلك النقطة: هل لجوء أرندت إلى الاستعارات المسرحية يفيد طبيعة الفضاء العام ومشكلاته فى العصر الحديث، أو هل يساعد فقط على إضفاء ذلك بواسطة جعل " دولة المدينة " اليونانية نموذجاً معيارياً لكل مجال عام فعال ؟ (32) .

لقد تكررت الاستعارة " دولة المدينة " كثيراً فى كتابات أرندت، ونقول استعارة لأنها عندما استخدمت هذا " المصطلح " فإنها، ببساطة، لم تشر فقط إلى المؤسسات السياسية فى " دولة المدينة " اليونانية، المرتبطة بعصورها وظروفها، ولكنها تشر أيضاً إلى ارتباطها بكل تلك الحالات التى ظهرت فى التاريخ وأقيم فيها مجال عام للفعل والكلام عبر مجتمع من المواطنين الأحرار والمتساويين "، وبالأحرى فإن " دولة المدينة " اليونانية لم تكن " دولة المدينة " فى صورتها المادية ؛ بل هى مجموعة من الناس يعملون ويتحدثون معاً بشكل منظم، ومكانها الفعلى هو الذى يجمع بين الناس الذين يعيشون معاً من أجل هذا الغرض، بغض النظر عن موقع هذا المكان . وهكذا، فإن الشعار الشهير " أينما تذهب، ستكون داخل دولة المدينة " قد عبر عن الاعتقاد بين المستعمرين اليونانيين بأن نوع العلاقة السياسية المتكونة طبيعياً يمكن تكرارها فى مستعمراتهم الجديدة، حيث يمكن للمساحة الناتجة بواسطة "مشاركة الكلمات والأعمال" أن تجد موقعها الملائم فى أى مكان تقريباً (33) .

ولهذا تؤكد أرندت أن السياسية من شأن شعب هو اليونان، إنها صناعة يونانية مخصوصة .. " فدولة المدينة " تعبر عن " فضاء الظهور"، والفضاء "هو المكان الذى أظهر فيه للآخرين كما يظهر الآخرون لى، حيث يوجد الناس ليس فقط مثل الأشياء الأخرى الحية وغير الحية، ولكن لكى يظهروا بوضوح " . ويمكن خلق هذا الفضاء العام من جديد دائماً حيثما يجتمع الأفراد سياسياً معاً أو "حيثما يكون الأشخاص مجتمعين معاً فى ضوء أحاديثهم وأعمالهم " . وهكذا، فلما كان ذلك هو ابتكار لفعل، فإن ذلك الفضاء يبدو شديد الضعف ويتواجد فقط عندما يتحقق عبر أداء الأعمال أو نطق الكلمات . وكما تقول أرندت فإن ذلك " بعكس الفضاءات التى نصنعها بأنفسنا، لا تبقى على واقعية الحركة التى أوجدتها، ولكنها لا تختفى فقط بتفرق الناس – كما فى حالة المصائب الكبرى عندما يحطم الهيكل السياسى للناس – ولكن باختفاء الأنشطة نفسها أو توقفها (34) .

فالمجال العام عند أرندت هو الفضاء الذى يعبر فيه الأفراد عن أنفسهم، "المضمار الذى يجب على كل فرد أن يبرز نفسه فيه باستمرار، أن يعلن عن نفسه من خلال أعماله وانجازاته المميزة له عن غيره " . ولما كان الفعل السياسى هو عرض عام للذات، فلابد أن يكون هناك مجتمع ليعرض ذلك عليه . لقد لاحظت أرندت أن هذا الفعل يحدث من خلال " شبكة العلاقات البشرية "، فضاء يضم عدد من الأشخاص الآخرين يعملون ويتحدثون ومن " عالم مشترك " يحيط به ويشكل التفاعل البشرى . " معظم الكلمات والأفعال هى بخصوص الواقع الفعلى فضلاً عن كونها إعلاناً عن الذات الفاعلة والمتحدثة " . لهذا، فإن السياسة تتطلب مجالاً عاماً، فهى تنشأ حين ينشأ المجال المشترك بين البشر(35) .

والفضاء المشترك يتكون بواسطة نظرية سياسية ترى الأفراد فى ضوء ما تعتبره أرندت على أنه أعظم رؤيتين لأرسطو– الإنسان بطبيعته حيوان سياسى، أو كائن يعيش فى دولة المدينة ؛ والإنسان حيوان ناطق (متحدث) .. فهو ذلك الذى يشترك فى الفعل السياسى من خلال ميكانيكية الكلام . فالاجتماع معاً للتحدث- للحوار والمناقشة – مع مواطنين معروفين للفرد ومميزين فى المجتمع يكون حيث توجد سياسة وحيث يكون الناس أحراراً . وهذا هو الفضاء المشترك – اللحظة القصيرة للحوار بين الأشخاص المتحدثين الذين يعبرون عن أنفسهم بأدوارهم النشطة العامة وبالمشاركة مع غيرهم من المواطنين . تؤكد أرندت كيف أن السياسة من هذا النوع غير مقيدة بقيود مؤسسية، وبدلاً من ذلك، فإن قيودها تنتج من الحوار بين الأشخاص المتساويين فى هذا النوع من المواقف، إنها قيود الوعد والتسامح (36) .

وفى ضوء ما سبق يتضح أن الفلسفة السياسية عند أرندت متأصلة فى الفهم الظاهرى (الفينومينولوجى) لأهمية الظهور، والذى لا يحمل فقط دلالة سياسية ولكن أيضاً دلالة وجودية . ووجودياً، فإن الظهور يعنى أن كل الأشياء، سواء كانت طبيعية أو صناعية، حية أو ميتة، تشترك فى أنها تظهر ويمكن رؤيتها، سماعها، تذوقها، لمسها من قبل مخلوقات تمتلك أدوات الحس المؤهلة لذلك . والحقيقة أن أرندت تؤيد القول بأن " الوجود والظهور يتزامنان فى العالم ". وسياسياً فإن الظهور مكون رئيسى من مكونات نظرية أرندت، فلجعل شئ عام، فإنه يجب أن " يظهر " بمعنى أن يراه كل شخص ويسمعه . وبمتابعة مواقفها الفينومينولوجية نجد أن العام يمثل عندها فرصة الإعلان، عكس الخاص الذى يقوم على الإخفاء . فالسياسة عندها تحدد بالظواهر، أو بالإعلان الذاتى فى فضاء الظهور، فالأمور السياسية – حسب أرندت – تكون واضحة ظاهرياً (37) .

ويجب إعادة فضاء الظهور دائماً بواسطة الفعل ؛ إن وجوده مرهون باجتماع المؤدين معاً للمناقشة والحوار حول الأمور العامة كما أنه يختفى فى لحظة توقف هذه الأنشطة . إنه دائماً ما يكون محتملاً يتحقق فى أفعال وأحاديث الأفراد الذين يجتمعون معاً لأداء مشروع ما إنه يظهر فجأة، كما فى حالة الثورات، أو يمكن أن ينتج ببطء من خلال الجمهور لتغيير جزء معين من القانون أو السياسة . ولقد خلق هذا الفضاء قديماً عندما خلقت فضاءات عامة من الفعل والحوار، من اجتماعات فى ساحة المدينة إلى مجالس الأعمال، من مظاهرات واعتصامات إلى صراعات من أجل العدالة والحقوق المتساوية (38) .

وإن هذه القدرة على العمل بشكل منظم من أجل غرض سياسى – عام هو ما تسميه أرندت " السلطة " . ويجب تمييز كلمة " السلطة " عن كلمات " القدرة " و"القوة" و"العنف" . فالسلطة، على عكس القدرة، ليست خاصة فردية، ولكن للعديد من المؤدين المجتمعين معاً من أجل غرض سياسى مشترك . وعلى عكس القوة، فإنها ليست ظاهرة طبيعية ولكنها ابتكار بشرى، فهى نتيجة للمشاركة الجماعية . وعكس العنف، فإنها ليست مبنية على الإجبار ولكن على الرضا والاقناع العقلى (39) .

فالسلطة ترتكز دائماً على العدد، أما العنف يدبر أمره مستغنياً عن العدد لأنه يستند إلى الأدوات (أدوات القمع) .. والشكل الأكثر تطرفاً للعنف يقوم على شعار " الواحد ضد الجميع " . وهذا ما توضحه أرندت فى كتابها " عن العنف " على النحو التالى:

1- السلطة: هى قدرة الإنسان ليس فقط على الفعل، بل على الفعل المتناسق. السلطة ليست خاصة فردية، بل هى تعود إلى مجموعة، وتظل موجودة طالما ظلت المجموعة بعضها مع البعض . وعندما نقول عن شخص ما أنه " فى السلطة" فإننا بذلك نشير إلى أنه قد سلط من قبل عدد من الناس لكى يفعل باسمهم . وفى لحظة اختفاء الجماعة التى انطلقت السلطة عنها، ستختفى سلطة المتسلط . " فمن دون شعب أو جماعة لا تكون سلطة " .

2- القدرة: ترتبط بكينونة الفرد، هى الخاصية المرتبطة بشئ أو شخص ؛ وإن قدرة الفرد قد تنهزم أمام الكثرة .. فمن طبيعة الجماعة وسلطتها أن تقف ضد الاستقلال، الذى هو خاصية القدرة الفردية .

3- القوة: هذه الكلمة هى التى تستخدم فى الاستعمال اليومى بمعنى العنف، خاصة إذا استخدم العنف كوسيلة للأكراه ؛ ويتعين ربط هذه الكلمة فى اللغة الاصطلاحية بـ " قوى الطبيعة " أو " قوى الظروف "، أى بتعريف الطاقة الناتجة من الحركات الطبيعية أو الاجتماعية .

4- التسلط: قد تستخدم هذه الكلمة فى الحديث عن الأشخاص (تسلط الشخص) أو المؤسسات (تسلط الهيئات أو المجالس) . ويتميز التسلط بقبول المتسلط عليهم له من دون شروط أو أى إكراه أو إقناع . فالابقاء على حالة التسلط يتطلب احتراماً معيناً للشخص أو المؤسسة المعنيين . والعدو الأكبر للتسلط هو الاحتقار، والخطر الأكبر هو الضحك والسخرية .

5- العنف: يشبه القدرة من حيث أدواته التى تستخدم أساساً بهدف مضاعفة القدرة (40) .

إن السلطة تكمن حقاً فى كل حكومة، لكن العنف لا يكمن فى الحكومة . العنف، بطبيعته، أدواتى، وهو ككل وسيلة يظل دائماً فى حاجة إلى توجيه وتبرير يأتيانه من طرف آخر .. السلطة لا تحتاج إلى تبرير لأنها لا تنفصل أساساً عن وجود الجماعات السياسية . ما تحتاج إليه السلطة إنما هو المشروعية .. إن السلطة والعنف يتعارضان: فعندما يسود أحدهما يغيب الآخر . ويظهر العنف عندما تهدد السلطة ..وكل انحطاط يصيب السلطة إنما هو دعوة مفتوحة للعنف(41).

وترى أرندت أنه قد حدث انقلاب كامل فى العلاقات القائمة بين السلطة والعنف نتيجة عدة مستجدات غير مريحة منها: 1- أن عدداً قليلاً من الأسلحة قد يدمر فى ثوان قليلة كل مصادر القوة القومية . 2- وأنه قد صنعت أسلحة بيولوجية يستطيع بها مجموعات صغيرة من الأفراد أن يقلبوا التوازن الاستراتيجى، 3- وأن التفوق التقنى قد يكون ضاراً أكثر منه نافعاً فى الصراع ضد قوات حرب العصابات (42) .

كما ربطت أرندت العنف بالحركات الأمبريالية، فهى تقول: " إن غاية الامبريالية هو الاستيعاب لا الإدماج وفرض الخضوع لا تحقيق العدل " (43) . وهذا ما يتضح من خلال عدة خصائص وضعتها أرندت للمشروع الإمبريالى كما يلى:

1- تصدير أدوات السلطة السياسية أى مؤسسات الإكراه والاخضاع دون المؤسسات السياسية المدنية، وهذا يعنى إعطاء الأولوية القصوى لتصدير أدوات العنف وعلى رأسها جهاز الجيش والأمن على حساب المؤسسات المدنية والقوانين المنظمة والضابطة للاجتماع السياسى . وبذلك أضحى العنف المنظم فى أجواء التوسع الامبريالى حالة راسخة فى إدارة الشأن السياسى . فهناك إذن انفصال وتباعد متزايد بين ما أسمته أرندت بالأدوات السياسية والمؤسسات السياسية، فالأدوات السياسية التى كانت مترابطة مع المؤسسات السياسية (مثل البرلمان مؤسسات الرقابة الدستورية القضائية المستقلة) فى المراكز الإمبريالية انقطعت عنها لاحقاً فى مواطن التمدد الامبريالى ومن ثم أصبحت أدوات العنف طليقة اليد فى إدارة شئون المستعمرات دون أى وجه من وجوه الرقابة والضبط (44) .

 

2- تتأسس الامبريالية الألمانية على دعامتين أساسيتين:

الأولى: من طبيعة نظرية تمثلها الأيديولوجيا العنصرية التى أضفت المشروعية على سيطرة القلة الإمبريالية على الكثرة من شعوب المستعمرات .

الثانية: من طبيعة سلطوية إكراهية قوامها مثلث الجيش والشرطة ثم الجهاز البيروقراطى ؛ والبيروقراطية عند أرندت تعد واحدة من أهم أدوات إدارة لعبة التوسع الإمبريالى، فهى سلطة تعسفية خاضعة لرهانات وتوجيه إدارى العنف الذين يتوارون خلف الجهاز البيروقراطى بإصدار المراسم والأوامر السرية بغية السيطرة على الأهالى وإخضاعهم لا تنظيم شئونهم ومعاشهم، أى أن البيروقراطية عند أرندت سلطة تعسفية وليس مجال تجسد العقلانية مثلما ذهب إلى ذلك فيبر(45) .

وبوجه عام، فإن السلطة عند أرندت هى نتيجة للفعل وتعتمد تماماً على الإقناع . إنها نتيجة للفعل لأنها ناتجة من الأنشطة المنظمة للعديد من العوامل، وهى تعتمد على الإقناع لأنها تتكون من القدرة على نيل رضا الآخرين من خلال الحوار والجدل البناء . إن القيد الوحيد لها هو وجود أشخاص آخرين، وقد لاحظت أرندت أن ذلك القيد " ليس عرضياً، لأن السلطة البشرية تتوافق مع حالة التعدد " . إنها تتحقق فى كل تلك الحالات التى يؤدى فيها الفعل من أجل أغراض تواصلية (أكثر من كونها استراتيجية أو تعليمية) وحيث يستخدم الكلام للإعلان عن نوايانا أو للتعبير عن دوافعنا للآخرين (46) .

فشرعية السلطة مستمدة من التجمع البشرى القائم على الاتفاق والتشاور والتحاور لتشكيل مجتمع سياسى، وتتأكد عندما يتصرف الأفراد بنظام من خلال وسائل الحديث والاقناع .. " فالسلطة لا تحتاج لتبرير، طالما أنها متأصلة فى وجود المجتمعات السياسية، وإن ما تحتاجه هو الشرعية والتى لا تتأتى إلا من مبدأ يمكن الآخرين الاعتراف به، وجوهر السلطة هو الحكم والتحكم، ولا تدعم بوسائل اقتصادية، بيروقراطية أو استعمارية، ولكن بقوة المعتقدات العامة الناتجة من عملية التشاور العادل وغير المتقيد " (47) .

إن السلطة تكمن فى أساس كل مجتمع سياسى وهى تعبير عن الوجود بالقوة أو الإمكانية المتاحة دائماً للمؤديين . وهى مصدر شرعية المؤسسات السياسية والحكومية .. ودعم الناس هو الذى يمنح السلطة لمؤسسات الدولة، وهذا الدعم ليس إلا مواصلة للرضا الذى أدى لظهور القوانين منذ البداية .. إن كل المؤسسات السياسية هى مظاهر للسلطة وتجسيدات لها، إنها تتجمد وتتلاشى بمجرد أن تتوقف السلطة المعيشة للأشخاص عن تأييدها " . فشرعية المؤسسات السياسية تعتمد على السلطة، والتى هى الرضا الفعال للأشخاص ؛ وطالما أمكن اعتبار الحكومات كمحاولات لحفظ السلطة من أجل الأجيال المستقبلية، فإنها تحتاج لكى تكون فعالة الدعم المستمر والمشاركة الفعالة من كل المواطنين (48) .

ولذلك تؤكد أرندت أن كل حكومة أياً كانت طبيعتها، ديكتاتورية، ملكية، أوليجاركية أو ديمقراطية تعتمد فى كل الأحوال على دعم الخضوع الشعبى ومساندته لها . وكل المؤسسات السياسية، إظهار وتجسيد للسلطة والقوة، وكل المؤسسات تتجمد وتتآكل وتتعفن عندما تتوقف القوة الحيوية للشعب عن مساندتها ودعمها . الفرق بين السلطة (الحكم) والعنف حسب أرندت هو أن الحكم يحتاج دوماً إلى الأعداد (من الخاضعين)، ولكن العنف لا يحتاج إليها لأنه يعتمد على الوسائل والأدوات المادية . السلطة تنبع من الأعداد الكبيرة، أى من العالم، والقوة – وهى صفة الفرد والخاص – إنما هى وظيفة شخصية، وكاريزما نابعة من القوة المادية . والشخص الذى يتمتع بالقوة يظل كذلك بوجود الأعداد التى تسانده والذى هو فى حاجة إلى دعمها . فإذا تنكر له مساندوه وكفوا عن دعمه صار بلا سلطة وبلا قوة (49) .

 

6- مشكلة التنبؤ

للفعل عدة خصائص عند أرندت منها: قدرة الإعلان عن هوية العامل، تمكين الحرية من الظهور، وابتكار فضاء الظهور وإتاحة خلق السلطة . وكذلك عدم إمكانية التنبؤ أو الإدعاء، وسلطة الوعد وسلطة التسامح . فالفعل يحدث عبر شبكة العلاقات البشرية، من خلال سياق التعدد، وبذلك لا يستطيع أى مؤد التحكم فى النتيجة النهائية . فكل مؤد يقوم بعمليات ويدخل فى شبكة معقدة من الأفعال والأحداث التى يساهم فيها أيضاً كل المؤدين الآخرين، مما يؤدى إلى أنه لا يمكن التنبؤ أبداً بالنتيجة من خلال نوايا كل مؤد . إن النتيجة المفتوحة وغير المتنبأ بها للفعل هى نتيجة للحرية البشرية والتعدد . نحن نمتلك الحرية فى بدء عملياتنا بالفعل وإنجاز أعمال جديدة، ولكن لا يوجد مؤد يمتلك القوة للتحكم فى نتائج أعماله (50) .

وترى أرندت أن الفلسفة الغربية قد عالجت هذه المشكلة عن طريق التوقف عن الفعل، والانسحاب من مجال التفاعل مع الآخرين أملاً فى الحفاظ على حرية الفرد وسلامته . فلقد رفعت الأفلاطونية والرواقية والمسيحية مجال التأمل على مجال الفعل، لأن الفرد فى مجال التأمل يتحرر من توريطات الفعل واحباطاته . وتطالب أرندت بعكس ذلك، حيث ترى أن الفرد لا يجب أن يدير ظهره لمجال الشئون البشرية، وأن يعتمد على خاصيتين أساسيتين للفعل هما، ملكة السماح وملكة الوعد . فعن طريق السماح ينظر الفرد إلى الماضى إلى ما حدث ويبرئ المؤدى مما قام به بدون قصد، بينما ينظر بالوعد إلى المستقبل حيث يسعى لبناء جانب الأمان فى مستقبل مختلف غير مؤكد ولا يمكن التنبؤ به . فالسماح يمكننا من التأقلم مع الماضى، والوعد يتيح لنا مواجهة المستقبل، وكما تقول أرندت: "إننا بدون تسامحنا، متحررون من نتائج ما فعلناه، فإن قدرتنا على العمل ستكون مقصورة على عمل واحد فقط لا يمكننا الهروب منه أبداً، وسنظل ضحايا لنتائجه للأبد " . وعلى الجانب الآخر، فبدون التقيد بتنفيذ وعود، لن نستطيع أبداً الحفاظ على هويتنا، وسيحكم علينا أن نسير بلا أمل أو توجيه فى ظلمة قلوبنا . بهذه الطريقة فإن تلك الملكتين تعتمدان على التعدد، على وجود الآخرين، وتعبران عن الحرية (51) .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا،مصر

.............

الهوامش

(1) Maurizio passerin d Entreves: The political philosophy of Hannah Arendt, Routledge, London and New York, 1994 , p-9 .

(2) Anthony F. lany, Jr. John Williams: op – cit , p-4 .

(3) Maurizio passerin d Entreves: op-cit, p-9 .

(4) Hannah Arendt: The Human condition, p- 7 .

(5) Loc- cit .

(6) Ibid, p-8 .

(7) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 66 .

(8) Loc – cit .

(9) Hannah Arendt: The Human Condition , p-4 .

(10) Hannah Arendt: " What is Freedom ? " in " The portable Hannah Arendt " edited by with an Introduction by peter Baehr, penguin Books, 1000 , pp- 439-440 .

(11) Ibid, pp- 440 – 460 .

(12) Hannah Arendt: What is Freedom ? p- 445 .

(13) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 66 .

(14) Ibid, p- 67 .

(15) Peter Baehr: The portable Hannah Arendt, p- xxix .

(16) Hannah Arendt: The Human condition , pp- 177-178 .

(17) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 68 .

(18) Ibid, p- 70 .

(19) Ibid, p- 71 .

(20) Hannah Arendt: The Human condition, p- 8 .

(21) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 70 .

(22) Ibid, pp- 72-73 .

(23) د. زكريا إبراهيم: مشكلة الحياة، مكتبة مصر، ص ص 64 – 65 .

(24) Marice Blondel: Action , Essay on a critique of life and a science of practice , translated byoliva blanchelte, University of nator dame press, Indiana , pp- 232-236 .

(25) Hannah Arendt: The Human condition, p- 184 .

(26) Simon swift: op – cit , p- 3 .

(27) Ibid, p- 3.

(28) Anthony F. lany , Jr. John Williams: op-cit , pp-183-184 .

(29) Simon swift: op- cit , p-3 .

(30) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 75 .

(31) ليو شتراوس: تاريخ الفلسفة السياسية، من ثيوكيديديس حتى اسبينوزا، ترجمة د. محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم د/ إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، 2005 ص 29 .

(32) Maurizio passerin d Entreves: op-cit, p-76 .

(33) Dana R. villa , politics , philosophy, terror, p- 128 .

(34) Maurizio passerin d Entreves: op-cit , pp- 76-77 .

(35) Hannah Arendt: The Human condition , pp- 198-199 .

(36) Anthony F. lany, Jr. John Williams: op-cit, pp- 182-183 .

(37) Ibid, pp- 204-205 .

(38) Margaret Betz Hull: op – cit , p- 60 .

(39) Maurizio passerin d Entreves: op-cit , p-77 .

(40) Ibid, p- 78 .

(41) Hannah Arendt: On Violence, pp- 44-46 .

راجع أيضاً: الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 39 – 40 .

(42) Ibid, pp- 40-42 .

(43) Ibid, pp- 2-4 .

قارن أيضاً: الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 11 – 12 .

(44) Alexis de Tecqueville: Democracy in America, London: Everyman s University press, 1994, p- 125.

راجع أيضا:د.توفيق عبدالسلام:الاستبداد الحداثى العربى،مقال نشر بمجلة المعرفة فى 3/10/2004،شبكة المعلومات الدولية(النت)

(45) Ibid, p- 126 .

(46) Margaret Canovan: The political thought of Hannah Arendt , London: Everyman s university press, p- 39 .

راجع د.محمد عبدالسلام:مرجع سابق

(47) Maurizio passerin d Entreves: op – cit , p- 78 .

(48) Hannah Arendt: Crises of The Republic, New York: Harcourt Brace Jovanovich , 1972, p- 190 .

(49) Ibid, p- 140 . .

(50) Ibid, pp- 140-155 .

راجع أيضا:عزالدين بن عثمان:علاقات السلطة فى المجتمع ومعنى السلطة والعنف،مقال نشر بجريدة "دنيا الرأى"،شبكة المعلومات الدولية(النت).

(51) Maurizio passerin d Entreves: op – cit , p- 80 .

(52) Ibid, pp- 80-83 .

 

 

zouhair khouildi"إن الفرق بين الكينونة والتملك ليس بالضرورة الفرق القائم بين الشرق والغرب. بل إن الفرق يتعلق بمجتمع متمركز حول الأفراد، ومجتمع متمركز حول الأشياء"1[1].

لم يجد علماء الانسان تفسيرا لتحول بعض الكائنات الآدمية في حالة الوداعة والطيبة والنزعة السلمية الى حالة التوحش والعدوانية والنزعة الحربية . ولقد حاول البعض منهم تبرير ذلك بالفاقة والحرمان والظروف الصعبة التي يمر بها بعض المنبوذين ولكن المفارقة تكمن في تعطش بعض الحالات البشرية الى التدمير وإيذاء الغير وممارسة الارهاب بالرغم من انحدارها من شرائح اجتماعية ثرية و مرفهة وتمتعها برغد العيش وبحبوحة الحياة. فما السر الذي يكمن وراء انفلات النزعة التدميرية في الطبيعة البشرية حسب ايريك فروم؟ وهل الإنسان عدواني بطبعه كما يرى فرويد؟ هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان أم هي رد فعل ثقافي مكتسب؟ هل الكائن البشري يخضع لحتمية بسيكولوجية أم يمكن أن يستعيد حريته؟ هل يهرب من الحرية أم يخاف من أن يصير حرا؟ ما معنى إعطاء الحرية للبشر في ظل تنامي النزعة التدميرية وتكاثر النظم الشمولية؟ وكيف ننقذ البشر من نزعة التملك ونسمح لهم بتحقيق الكينونة؟

ايريك فروم جاء بعد فرويد وأدلر ويونغ وتأثر بكارين هورني وهاري ستاك ساليفان الذين أعطيا التحليل النفسي طابعا اجتماعيا وقد أضاف إليهما اهتماما بمشكلات إنسانية كبري مثل الرمز والحرية والكينونة. كما لا يتفق فروم مع فرويد في تصدع الذات والإهانة البسيكولوجية التي سددها للإنسان والإقرار بالوضعية الفصامية للكوجيتو وقوله بسكونية العلاقة بين الفرد والمجتمع وفي ارتباط الفرد بالعالم المحيط به وتبعيته للماضي الطفولي وفي دور الغرائز، إذ لا تقتصر عنده على الحاجات البيولوجية للإنسان ويبرر ذلك بأن الدوافع لا تفسر لماذا يقوم الإنسان بأفعال معينة دون أخرى وكيف ومتى ينجز ذلك أو ينقطع عنها أو يضحي بنفسه في سبيل حاجات حضارية ومبادئ أخلاقية تماشيا مع معتقدات دينية أو توجهات وطنية.

في هذا السياق نجده يقول:" كل سلوك تدميري ليس نتاجا عمليا لغريزة تدميرية في بنية الطبع البشري بل محصلة دوافع ونزعات ليست طبيعية بالضرورة وإنما لها علاقة وثيقة بالممارسات والطقوس الثقافية". لقد فسر فروم السلوك العدواني بفقدان الفرد لقيمته وشعوره بأن حياته غير جديرة بأن تعاش وظهور نرجسية جماعية تعتقد في التفوق والعظمة وبالتالي غياب البعد الإنساني وخاصة انعدام الضمير والهروب من الحرية. حينما درس فروم الشخصية الإنسانية وجدها تركيب عجيب من العوامل النفسية الاجتماعية والتأثيرات السياسية الاقتصادية وانتهى إلى أن الانجازات الحضارية سببت العديد من المشاكل والمخاطر التي أصبحت تهدد الحياة وتمظهرت في طغيان النزعة الفردية وتأثير الحروب على الوضع النفسي للكائن البشري وفي ضياع الحرية والوقوع في الاغتراب. لهذا السبب نراه يتساءل: هل يريد الإنسان الحرية حقا أم أنه يخاف منها ؟ وهل الخوف من الحرية كامن في طبيعة البشر أم ناتج عن سيطرة النظم الشمولية؟ ولماذا يهرب الإنسان من الحرية ويفضل الحياة في الاغتراب والاستغلال؟

ليس الإنسان جوهرا واحدا ولا يتكون من بعدين وإنما هو ثلاثي الأبعاد حسب ايريك فروم هي الفردي والاجتماعي والإنساني تساهم إذا حضرت دون زيادة أو نقصان في نمائه ونضجه وفعاليته في الوجود. في البداية الهوية الفردية يكتسبها الشخص نتيجة نمو حرية داخلية وتفتحها داخل الوسط الذي تتفاعل معه. غير أن الفردية المنشودة لا ينبغي أن تتعارض مع المجتمع بل يتدخل العامل الاجتماعي في تكوين الفردية وبالتالي يرفض فروم أن يكون الإنسان عدوا بطبعه لغيره وأن يفضل الانعزال والانطواء لإشباع غرائزه بل هو محب للعدل ويفضل الصداقة والتعاون مع الغير ويعمل على بناء أشكال من الروابط المتينة والمفيدة مع المجتمع دون أن يسقط في إلغاء شخصيته ونكران ذاته ودون الوقوع في التضاد أو التماثل. غاية المراد أن فروم يؤسس تصورا جدليا للكائن البشري حينما يتخطي المراوحة بين الفردي والاجتماعي نحو الإنساني وينظر إليه بوصفه مستقلا واجتماعيا في ذات الوقت ويرى أنه لا يصل إلى حالة النضج الإنساني والنماء النفسي إلا إذا ساهم في العمل الجماعي الناجح واحتفظ بخصوصيته الفردية وحقق الاستقلال والتواصل معا بوصفهما حاجتين متأصلتين في كينونته وقاوم النزعات المضادة للإنسانية. على هذا النحو يتجلى البعد الإنساني في رفض الانعزال عن المجتمع والتماثل مع الأغلبية في ذات الوقت ويرتبط بالضمير الإنساني باعتباره ذلك الصوت الذي ينبعث من الأعماق مناديا بأهمية العودة إلى الذات. بناء على ذلك يختلف الضمير عند فروم عن الأنا الأعلى الفرويدي والضمير التسلطي ويهتدي بقيم التعاون والتعاطف والانتقال من وضعية المجتمع اللاّسوي إلى وضعية المجتمع السوي عن طريق إحداث تغيير جذري بالعلاج النفسي وتحليل الأوضاع المرضية التي يتصف بها البشر وهي: ميكانيزمات المازوشية الأخلاقية (حب الذات) والسادية (حب التعذيب) والنزعة التدميرية (حب التدمير) والمطابقة الآلية ( الإمتثالية العمياء للسلطة القائمة والانسياق التام) والخوف من الحرية (تفضيل الاستعباد). والحق أن العصر الصناعي لم يف بوعوده وتسبب للبشرية في صدمة نابعة من معاينة الفشل والتدهور ويظهر ذلك في النتائج الكارثية التالية:

- لقد تحول الاستهلاك بوصفه شكل من أشكال التملك في مجتمع الوفرة إلى فقدان نمطه الإشباعي وانضافت إليه أنشطة الترويح عن النفس وسلبيات التلهية وصرف الوقت والجهد .

- لا يسهم الإشباع التام لكل الرغبات في تحقيق السعادة ولا المتعة بل تحول إلى شعور بالتعاسة والألم.

- لقد أصبح الإنسان جزء من الآلة البيروقراطية وصارت أفكاره وعواطفه مراقبة من وسائل الإعلام ومخابر تصنيع الرأي التي تملكه الحكومة وانتهى حلم الاستقلالية والسيادة الذاتية.

- لقد ضاعف التقدم الاقتصادي في الهوة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء والشمال عن الجنوب وخلق أخطار بيئية وتهديدات لمستقبل الحياة على الكوكب.

غير أن فروم يحذر من نسيان روعة الأمل العظيم وضخامة الانجازات المادية والفكرية التي حققها العصر الصناعي بقوله في "تملك وكينونة": " إن الأمل الكبير في تقدم غير محدود – وهو أمل السيطرة على الطبيعة والوفرة المادية وتحقيق قدر أقصى من السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس، وتحقيق حرية فردية لانهائية- قد كان أساس الاستبشار والاعتقاد الذي ميز أجيالا بكاملها منذ العصر الصناعي".

إن الإنسان يتسلح بالأمل ضد التشاؤم ويحاول الخروج من الاغتراب نحو التحرر ومن الملكية إلى الكينونة ويبدي نوعا من التسامي يحول به الدوافع الغريزية والميولات إلى إبداعات حضارية مثل الفن والعلم والتقنية والأدب والفلسفة...كما ترتكز نظرة فروم المتفائلة على خاصيات الإنسان الأنطولوجية والنفسية وعنصر هام هو الأمل. لكن الأمل لا يرتبط بفعالية الإنسان ونشاطه الحيوي في ظروف المدينة البرجوازية المعاصرة بل هو ملازم لكل فرد ومرتبط بالحياة ويتوجه نحو المستقبل. ليس الأمل انتظارا سلبيا ووهما بل الاستعداد الداخلي للإنسان لأمر لم يأت بعد واستعداد للعمل. انه عنصر داخلي في بنية الحياة وديناميكية الروح وشرط أساس لتحقيق الكينونة الأصيلة. لا يمثل الأمل طموح الفرد إلى أن يملك شيئا بل سعيه إلى أن يكون نفسه أي أن يكون شخصا مميزا وفرد مستقلا ينتمي إلى مجتمع ويحمل قيما إنسانية نبيلة[2]2. من هذا المنطلق يبدو الإنسان كائنا متعلقا بالأمل ويمثل الأمل بالنسبة إليه خيرا وسعادة واستعدادا داخليا لإحداث تغييرات مهمة في الوجود الاجتماعي تتحقق في المستقبل في سياق برنامج ايجابي يقوم بأنسنة المجتمع والإنسان يسميه فروم "ثورة الأمل"[3]3.

في نهاية المطاف ينادي فروم بأن يعيش تجربة الحياة بتلقائية وبقلب مفتوح على الحب والصداقة والأمل ويحسن استثمار قوة الطاقة الحيوية ويقاوم جاذبية الخضوع للسلطة الخارجية ويستبدلها بالإنصات إلى نداء الحرية وصوت الضمير. لكن برنامج فروم يظل متأثر بالفلسفة البوذية الشرقية واقتصر على توجيه إرشادات روحية نفسية جديدة للإنسان وتحريضه على الانفصال عن وجوده القائم واكتسابه لنفسه وبقي مشروع تبديل الوضع النفسي وظروف الوجود الإنساني يعتمد بشكل كامل على مجرد التجديد الأخلاقي والانبعاث الروحي واليقظة النفسية ولا يمس جوهر الوجود والنشاط الاجتماعي. فكيف يرتبط الأنا الواقعي للإنسان بالانتماء إلى المجتمع؟

 

....................

الهوامش والإحالات:

[1] ايريك فروم ، تملك وكينونة، ترجمة محمد سبيلا،

الرابط http://www.aljabriabed.net/n03_10sabilai.htm

[2] فاليري ليبين، مذهب التحليل النفسي وفلسفة الفرويدية الجديدة، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 1981.ص193

[3] ايريك فروم ، ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010.

 

المصادر والمراجع:

ايريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، سلسلة عالم المعرفة، عدد140.

ايريك فروم ، المجتمع السوي، الفصل الثالث الوضع الإنساني مفتاح التحليل النفسي الإنساني ص، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، دمشق، 2009

ايريك فروم ، تشريح التدميرية البشرية، الجزء الأول، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، دمشق، 2006.

ايريك فروم ، ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010.

ايريك فروم ، مفهوم الإنسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، دار الحصاد دمشق، الطبعة الأولى 1998.

فاليري ليبين، مذهب التحليل النفسي وفلسفة الفرويدية الجديدة، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 1981.

كاتب فلسفي

 

ibrahim telbasilkhaالطريق الثالث third way يقع بين طريق الاشتراكية socialism وطريق الرأسمالية capitalism ، بين اليسار left واليمين right .. ولقد تولد مصطلح "اليسار" ومصطلح "اليمين" عن الحياة البرلمانية الفرنسية في مستهل القرن التاسع عشر، عندما اعتاد الملكيون أو المحافظون أن يجلسوا جماعة إلي يمين رئيس الجلسة , وتجمع المصلحون الدستوريون والانقلابيون إلى يساره . وفي هذا إشارة رمزية لها دلالتها , لأن " اليسار " على وجه الإجمال يريد أن يدفع الأهداف الديمقراطية للثورة الأمريكية والثورة الفرنسية حتى تتحقق على أكملها , ويريد " اليمين " إجمالا مجتمعا أقل من ذلك ديمقراطية بدرجة كبيرة . وهذه الخطوط العريضة التى ترسم الفوارق بين هذين المصطلحين لا تكفي – بطبيعة الحال – لقياس ما في الآراء من تعقيد حتى في السياسة . وذلك لأمر واحد وهو أن الوسط الذي نقيس منه اليسار واليمين ليس نقطة محددة واضحة لأن الجذب الديمقراطي بين مثل الحرية والمساواة موجود دائما . كما أن المثل الأعلى للأمن يزيد الأمر تعقيدا .. غير أن التقسيم إلى اليسار واليمين – برغم هذا – كوسيلة للتمييز بين الجانبين قد ينفعنا وبخاصة إذا لاحظنا أن خط التقسيم منحن يمكن أن يكون دائرة كاملة فيلتقي الطرفان . ومما يلفت النظر في السنوات الأخيرة من الجمهورية الفرنسية الثالثة أن الملكيين والشيوعيين وهما في المصطلح السياسي يمين متطرف ويسار متطرف , كثيرا ما صوتوا في جانب واحد في مشكلة   معينة (1)

ومهما يكن من أمر فإن جيدنز يحاول عبر مؤلفاته أن يجسد التعارض القائم بين " اليسار " و " اليمين " ويدعو إلى الانصراف عن الجانبين التماسا لطريق ثالث وهو يري أن الطريق الثالث وسيلة لتحقيق التقارب بين الاشتراكية أو اليسار وبين الرأسمالية أو اليمين .

وبالنسبة للاشتراكية يري جيدنز أن أصولها ترتبط بالبدايات المبكرة لتطور المجتمع الصناعي منذ حوالي منتصف القرن الثامن عشر وحتى أواخره . وقد كانت الاشتراكية في بدايتها بمثابة بناء فكري يعارض النزعة الفردية individualism في حين ظهر اهتمامها بتطوير نقد للنظام الرأسمالي في فترة لاحقة . وقبل أن تدعي لنفسها معنى محددا شديد التخصيص بقيام الاتحاد السوفيتي اختلط مصطلح الشيوعيةcommunism بشدة مع مصطلح الاشتراكية حيث سعى كل منهما إلى تأكيد أولوية الاجتماعي أو المجتمعي . (2)

وكانت الاشتراكية تمثل في المقام الأول موقفا فلسفيا وأخلاقيا . ولكنها أخذت قبل ماركس بوقت طويل تصطبغ بصبغة المذهب الاقتصادي economic doctrine . بيد أن ماركس هو الذي زود الاشتراكية بنظرية اقتصادية محكمة . هذا فضلا عن أنه وضع الاشتراكية في إطار تفسير شامل للتاريخ . وقد شارك الاشتراكيون جميعا ماركس موقفه السياسي , بغض النظر عن مدى حدة خلافاتهم الأخرى معه . فالاشتراكية تسعى إلى مواجهة نواحي القصور في الرأسمالية بغرض إضفاء صبغة إنسانية عليها أو الإطاحة بها تماما . وتنهض النظرية الاقتصادية للاشتراكية في فكرة مؤداها أن الرأسمالية إذا ما تركت وفقا لآلياتها , فإنها – الرأسمالية – تتسم بعدم الكفاءة الاقتصادية بسبب ميلها إلى خلق تمايزات اجتماعية وعجزها عن إعادة إنتاج نفسها على المدى الطويل . (3)

ولقد كانت النظرية الاقتصادية للاشتراكية تتسم دائما بالقصور وعدم الكفاءة، من حيث تهوينها من قدرة الرأسمالية على التجديف والتكيف وزيادة الإنتاجية باضطراد . كما أخفقت الاشتراكية أيضا في فهم أهمية الأسواق باعتبارها آليات للمعلومات تزود الباعة والمشترين ببيانات أساسية . ولم تنكشف هذه النقائص إلا مع تعاظم عمليات العولمة والتغير التكنولوجي التى بدأت منذ السبعينات . فطوال الفترة من منتصف السبعينيات وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي بزمن طويل، أخذت الديمقراطية الاجتماعية تواجه بصورة متزايدة تحدي فلسفات السوق الحر وعلى وجه الخصوص مع نشأة التاتشرية والريجانية التى يمكن وصفها بشكل أدق بتعبير الليبرالية الجديدة . ولقد كانت فكرة تحرير السوق تبدو في فترات سابقة، وكأنها تنتمي إلى الماضي، إلى عصر تم تجاوزه . وهكذا عادت أفكار كان ينظر إليها الكثيرون باعتبارها خارجة عن المألوف , مثل أفكار فريدريك فون هايك friendrich von hayek - الداعية البارز للسوق الحر – ونقاد آخرين للاشتراكية من دعاة السوق الحر، عادت فجأة لتصبح قوة يعتد بها. وقد مارست الليبرالية الجديدة قدرا ضئيلا من التأثير في أغلب دول القارة الأوربية بالقياس إلى التأثير الذي مارسته في المملكة المتحدة والولايات المتحدة واستراليا وأمريكا اللاتينية . وإن كانت فلسفات السوق الحر قد أصبحت مؤثرة في القارة الأوربية، شأنها شأن أماكن أخرى . (4)

وتتسم مقولات الديمقراطية الاجتماعية والليبرالية الجديدة باتساع نطاقها واشتمالها على جماعات وحركات وأحزاب ذات قناعات وتوجهات سياسية مختلفة . وتستند الليبرالية الجديدة إلى تيارين أساسيين، أكثرهما أهمية هو التيار المحافظ ( أصل المصطلح هو اليمين الجديد ) . وقد أصبحت الليبرالية الجديدة بمثابة الرؤية الفكرية للعديد من الأحزاب المحافظة في كافة أنحاء العالم . ومع ذلك فإن ثمة نمطا هاما من التفكير يرتبط بفلسفات السوق الحر التى تتبنى، على خلاف التوجه المحافظ، موقفا تحرريا فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية والاقتصادية في نفس الوقت. فعلى العكس من المحافظين التاتشريين يميل أنصار التحرر علي سبيل المثال إلى دعم الحرية الجنسية أو عدم تجريم المخدرات . (5)

ويقصد جيدنز بتعبير " الديمقراطية الاجتماعية " الإشارة إلى الأحزاب والجماعات الإصلاحية اليسارية الأخرى، بما في ذلك حزب العمال البريطاني british labour party . ويري أن النظم الديمقراطية الاجتماعية تتباين فيما بينها بدرجة كبيرة، ومع ذلك فإن الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة يمثلان فلسفتين سياسيتين متميزتين ويلخص جيدنز الاختلافات بينهما على النحو التالي :

أ- الديمقراطية الكلاسيكية " اليسار القديم "

تقوم على :

        التدخل الشامل للدولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية .

        النزعة الجمعية .

        إدارة الطلب بالأسلوب الكينزي بالإضافة إلى النزعة المؤسسية.

        دور محدود للأسواق ,واقتصاد مختلط أو اشتراكي .

        نزوع قوي نحو المساواة .

        دولة رفاهية شاملة تحمي المواطنين " من المهد إلى اللحد " from cradle to grave

        مسار تحديثي تقدمي .

        وعي بيئي منخفض .

        النزعة الدولية internationalism   .

        الانتماء إلى عالم ثنائي القطبية .

ب – التاتشرية أو الليبرالية الجديدة ( اليمين الجديد )

يقوم على :

- دور محدود للدولة .

- مجتمع مدني مستقل ذاتيا .

- نزعة سوقية متطرفة .

- نزعة تسلطية أخلاقية بالإضافة إلى نزعة اقتصادية فردية.

- سوق عمل حر مثل أي سوق أخر .

- القبول بعدم المساواة .

- نزعة قومية nationalism تقليدية .

- دولة الرفاه كشبكة أمان .

- مسار تحديثي تقدمي .

- وعي بيئي منخفض .

- نظرية واقعية حول النظام الدولي .

- الانتماء إلى عالم ثنائي القطبية . (6)

وفي ضوء هذه الاختلافات لاحظ جيدنز حرص الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية على ضرورة تدخل الدولة في نظام السوق (فالدولة ملزمة بأن تتيح السلع والخدمات العامة التي لا يمكن للسوق أن يقدمها , أو لا يمكنه أن يقدمها بصورة ملائمة ) وفي حياة الأسرة ( فالمزايا التي تقدمها الدولة ذات أهمية حيوية لمساعدة الأسر المحتاجة ) . وربما كان أعلى منظر في نشأة دولة الرفاه في المملكة المتحدة كعبا هو ت . هـ . مارشالmarshall والذي قدم عرضا مفحما لهذا النموذج . وفي رأيه أن دولة الرفاهية تمثل قمة عملية تطورية طويلة لحقوق المواطنة.(7)

ولقد وجدت الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية من الصعب عليها أن تتوافق مع الاهتمامات الإيكولوجية ecological concerns .فتأكيدها على النزعة المؤسسية، وسعيها للتشغيل الكامل , وتأكيدها المتعاظم على دولة الرفاه جعلها غير قادرة على التعامل مع القضايا الايكولوجية بطريقة متسقة . فضلا عن أنها كانت تفتقر – من الناحية العملية – إلي نظرة كونية قوية .لقد كانت الديمقراطية الاجتماعية ذات توجه دولي , حيث كانت تسعى إلى خلق وحدة تضامنية بين الأحزاب السياسية ذات التوجهات المتشابكة , عوضا عن مجابهة مثل هذه المشكلات الكونية . ومع ذلك فقد ارتبطت بقوة نظام الثنائية القطبية حيث احتلت مركزا وسطا بين نزعة الحد الأدنى من الرفاهية الأمريكية والاقتصاد المختلط للشيوعية .(8)

أما وجهة نظر الليبرالية الجديدة ينبع من " الحكومة الكبيرة الحجم ". فلقد عبر الأب المؤسس للنزعة المحافظة في بريطانيا ادموند برك edmund burke عن كراهيته للدولة , والتي إذا ما توسعت إلى أبعد ما يلزم لابد أن تتحول إلى العداء للحرية والاعتماد على الذات . وقد كانت النزعة المحافظة الأمريكية تكن العداء منذ أمد بعيد للحكومة المركزية . واستندت التاتشرية على هذه الأفكار , فضلا عن الشكوك الليبرالية الكلاسيكية حول دور الدولة التى نهضت على مقولات اقتصادية حول الطبيعة الأعلى تفوقا للأسواق . وترتبط أطروحة الحد الأدنى من تدخل الدولة ارتباطا وثيقا برؤية مميزة للمجتمع المدني يجب أن تتاح لها فرصة النمو والازدهار، ولن يتحقق هذا إلا إذا امتنعت الدولة عن     تعويقها . (9)

ولهذا يري الليبراليون الجدد أن مصدر النظام في المجتمع لا نجده ماثلا أساسا في التفكير ولا في الحساب والتخطيط العقلانيين من جانب الدولة أو أي جهة أخرى . ذلك أن المجتمع له بمعنى خاص , كيفية عضوية . بيد أن هذه الصفة وليدة تأزر عفوي غير متعمد بين أفراد كثيرين يعملون وفاء لمتطلبات دوافعهم الخاصة . وإن الأسواق التي تعمل على نحو جيد هي المثال الأول والأساسي لذلك , وهي المرتكز الرئيسي للنظام الاجتماعي العفوي. ومثل هذا النظام الاجتماعي ليس مقصورا على الساحة الاقتصادية. وتمثل نظرية النظام العفوي المصدر المباشر المقيد المنوط بالحكومة في مذاهب اليمين الجديد . إذ تقرر أن الهدف الرئيسي للحكومة ليس ( إنتاج أي خدمات أو منتجات بذاتها ليستهلكها المواطنون ) وإنما أن تراعي أن آلية تنظيم السلع والخدمات تعمل وتدار على نحو صحيح . وهنا تكون رسالة الاقتصاد التنافسي إلى الحكومة ما يلي : ابتعدوا ذلك أن تدخل الحكومة حتى وإن جاء بحافز أنبل الدوافع قابل لأن يخلق على الأقل نفوذا بيروقراطيا إن لم نقل استبدادا وطغيانا . (10)

ويذهب أنصار الليبرالية الجديدة إلى القول بأن من فضائل المتجمع المدني إذا ما ترك يعمل وفقا لآلياته " خلق الشخصية الصالحة , والأمانة , والإحساس بالواجب , والتضحية بالذات , والشرف , والخدمة , والانضباط , والتسامح , والاحترام , والعدل, وتنمية الذات , والثقة , والكياسة , والجلد , والشجاعة, والنزاهة , والاجتهاد , والوطنية , واحترام الآخرين , والاقتصاد والتوفير . والدولة، وعلى الأخص دولة الرفاه، تعمل على تدمير النظام المدني .(11)

وإن حدود دولة الرفاه , في رأى الليبراليين الجدد , فاضحة وواضحة لكل ذي عينين . وتشوبها عيوب كثيرة من بينها أنها تفيد الأكثر ثراء دون الأقل، وتخلق مزيجا غير مقدس من الوحوش البيروقراطية وتواكلية الرفاهwalfare dependency . (12) فدولة الرفاه تعد مصدر كل الشرور بذات القدر الذي كانت تمثله الرأسمالية ذات يوم في أعين اليسار الثوري . وما ينهض بعبء تقديم الرفاهية إذا ما قمنا بتفكيك دولة الرفاه هو النموذج الاقتصادى الذى يقوده السوق . فالرفاهية لا ينبغي أن تفهم على أنها منحة تقدم من الدولة بل بأنها تعظيم للتقدم الاقتصادي، ومن ثم لمجمل الثروة من خلال السماح للأسواق بان تحقق   معجزاتها. (13)

وهكذا استعرض جيدنز منطلقات كل من الاشتراكية والرأسمالية او اليسار واليمين ثم نجده يقدم نظريته حول الطريق الثالث فما الذي يقصده " جيدنز " بالطريق الثالث؟

يري جيدنز أن مصطلح " الطريق الثالث " ليس خلقا جديدا في حد ذاته فقد استخدمه من قبل كثيرا عبر تاريخ الديمقراطية الاجتماعية social democracy كتاب وسياسيون ذوو مشارب سياسية مختلف كل الاختلاف . (14)

وأن عبارة " الطريق الثالث " فيما يبدو قد صيغت منذ بداية القرن، وشاع استخدامها في أواسط الجناح اليميني في العشرينات وإن كانت أكثر استخداما في الغالب من جانب الديمقراطيين الاجتماعيين والاشتراكيين في الفترة التى أعقبت الحرب العالمية مباشرة، قدر الديمقراطيون الاجتماعيون بوضوح تام أنهم قد اكتشفوا طريقا متميزا عن رأسمالية السوق الأمريكية، وعن الشيوعية السوفيتية . وعند إعادة تأسيسها في سنة 1951 تحدثت الدولية الاشتراكية بصراحة عن الطريق الثالث بهذا المعنى . وبعد نحو عشرين سنة من هذا التاريخ استخدم الاقتصادي التشيكي أوتاسيك ota sik وآخرون المصطلح للإشارة إلى اشتراكية السوق. وكان الاشتراكيون الديمقراطيون السويديون في العادة أكثر الجميع ميلا إلى استخدام مصطلح الطريق الثالث بأحدث معانيه في أواخر الثمانينات بوصفه برنامجا مهمًا للتجديد وأما الاستخدام الأحدث لتعبير " الطريق الثالث " فنجده عند بيل كلنتون وتوني بلير . (15)

ويستخدم جيدنز مصطلح " الطريق الثالث " بوصفه تجديدا للديمقراطية الاجتماعية أو دلالة على الرؤية المعاصرة للمراجعة وإعادة التفكير التى أنجزها الديمقراطيون الاجتماعيون في أكثر من مناسبة على امتداد القرن . (16) أو للإشارة إلى الإطار المرجعي للتفكير وصناعة السياسات التى تهدف إلى مواءمة الديمقراطية الاجتماعية مع عالم تعرض لتغيرات جذرية خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية . هو إذن " طريق ثالث " بمعنى " أنه محاولة لتجاوز كل من الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة "(17)

ويري جيدنز أن ثمة قلقا يساور اليمين واليسار على حد سواء حول مجتمع " أنا أولاMe first society وما يترتب عليه من تحطيم القيم الاشتراكية والاهتمامات العامة أو تحطيم التضامن الاجتماعي، ولكنهما يرجعان هذا القلق إلى أسباب مختلفة . فالكتاب الذين ينتمون إلى الديمقراطية الاجتماعية يبحثون عن جذور هذه المشكلة في قوى السوق متضافرة مع التأثير الأيدلوجي للتاتشريه التى تؤكد على أن الأفراد يجب أن يوفروا احتياجاتهم بأنفسهم ولا يعتمدون على الدولة . أما الليبراليون المحدثون وغيرهم من المحافظين فإنهم يبحثون السبب في التسامح الذي ظهر خلال الستينات، والذي زرع البدايات الأولى لنوع من التحلل الأخلاقي moral decay   .(18)

ويطالب جيدنز بضرورة مراجعة هذا الجدل برمته , فإطلاق كلمة " جيل أنا أولا " لوصف النزعة الفردية الجديدة ليس سوى وصف مضلل , فالنزعة الفردية لا تشير إلى عملية تحلل أخلاقي . وبدلا من النظر إلى عصرنا على أنه عصر تحلل أخلاقي فإنه من الأفضل أن ننظر إليه على أنه عصر تحول أخلاقي moral transition . ويجب عليا أن ننظر إلى أساليب جديدة لخلق التضامن بيننا . ولا يمكن أن نضمن تحقق التماسك الاجتماعي عبر فعل يأتي من أعلى تقوم به الدولة أو اللجؤ إلى التراث . إن علينا أن نؤسس حياتنا بشكل أكثر نشاطا مما كان لدى الأجيال السابقة كما أننا بحاجة إلى أن نتحمل مسئولية تبعات أفعالنا وعادات أساليب الحياة التى نتبناها . وعلينا أن نفتش عن توازن جديد بين المسئولية الفردية والجمعية اليوم . (19)

لقد ظلت التفرقة بين "اليسار" و"اليمين" منذ أن ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر غامضة ومستعصية على الفهم , ومع ذلك فإنها لم تختف وتشبثت باستمرار . ولقد لاحظ مؤرخ الفاشية الفرنسي زيف سيترنهل seev strenhell في تأريخ للأحزاب والجماعات السياسية التى تصف نفسها على أنها " لا يمين ولا يسار " لاحظ إلى أي مدى كان الخلاف دائما حول طبيعة الانقسام . فقد غير اليسار واليمين من معانيهما عبر الزمن . فنظرة على تطور الفكر السياسي توضح لنا أن نفس الأفكار كان ينظر إليها على أنها تنتمي إلى جناح اليسار في فترات وسياقات بعينها, كما كانت تعتبر منتمية إلى جناح اليمين في فترات وسياقات أخرى . وعلى سبيل المثال كان دعاة فلسفات السوق الحرة في القرن التاسع عشر يعتبرون في صف اليسار، على حين يوضعون اليوم على قائمة اليمين .(20)

ويعرض جيدنز دفاع المفكر السياسي الإيطالي نوربرتو بوبيو norberto bobbio عن استمرار التفرقة بين اليمين واليسار . فقد رأى بوبيو أن فئتا اليمين واليسار قد استمرتا في ممارسة تأثيرهما على الفكر السياسي لأن السياسة بطبيعتها خلافية. فجوهر السياسة هو الصراع بين وجهات نظر متعارضة وبين سياسات مختلفة . ويأتي اليمين واليسار من كلا الجانبين في الجسد السياسي . وبالرغم من أن معنى اليمين أو معنى اليسار يمكن أن يتغير إلا أنه لا يمكن أن يوجد شئ يظل على اليمين واليسار فى آن واحد . فالتمييز بينهما تمييز استقطابي بطبيعته . وعندما تتوازن الأحزاب أو الأيديولوجيات السياسية يشرع البعض في مناقشة جدوى التمييز بين اليسار واليمين . ولكن فى الأوقات التى يصبح فيها أحدهما من القوة بحيث يبدو وكأنه هو " اللاعب الوحيد في المدينة " فإن كلا الجانبين يكونان له مصالح في مناقشة هذه الجدوى . ويكون للطرف الأقوى مصلحة في أن يعلن – كما فعلت مارجريت تاتشر – أنه " لا يوجد بديل آخر " . ويحاول الطرف الآخر في الغالب , وطالما أن روحه العامة لم تعد شعبية، أن يتبنى بعض آراء أعدائه وينشرها باعتبارها آراءه الخاصة . وتكون الاستراتيجية المعهودة للطرف الخاسر هي محاولة التوصل إلى " صيغة توليفية من المواقف المتعارضة بهدف إنقاذه من موقفه الخاص عن طريق النسج على منوال الموقف المعارض , ومن ثم محاولة تحييده " ويصور كل طرف نفسه على أنه يتجاوز التمييز القديم بين اليمين واليسار أو يؤلف بين عناصر من هنا وهناك لخلق توجه جديد يتسم بالحيوية. (21)

ويري جيدنز أن العولمة قد غيرت، جنبا إلى جنب، مع تفكك الشيوعية , الملامح المميزة لكل من اليمين واليسار . فلم يعد هناك فى المجتمعات الصناعية يسار متطرف له صوت عال . بل هناك يمين متطرف له صوت عال ، وهو يعرف نفسه على أنه استجابة للعولمة . وهو اتجاه مشترك يجمع السياسيين من جناح اليمين من أمثال بات بيوكانن pat buchanan في الولايات المتحدة وجان ماري لوبان jean marie le pen في فرنسا وبولين هانسون pauline hanson في استراليا .. وينسحب نفس القول على شرائح اليمين الأكثر شراسة أو الأميل إلى العنف فى الولايات المتحدة التى ينظر أفرادها إلى الأمم المتحدة والحكومة الفيدرالية باعتبارهما من المؤامرات التى تحاك ضد الكيان الوطني الأمريكي . وتنحصر الموضوعات التى تستحوذ على تفكير اليمين المتطرف في موضوعات تتعلق بالحماية الاقتصادية والثقافية . (22)

ويتوصل جيدنز إلى نتيجة مهمة لا يمكن تجاهلها مفادها أن الغرب اليوم يمر بمرحلة تحول، وأن تغيرًا نوعيا قد حدث بالفعل. فمعظم المفكرين والنشطاء السياسيين في نطاق اليسار قد تبنوا نظرة تقدمية إلى التاريخ . فهم لم يتحالفوا فقط مع " المسيرة التقدمية للاشتراكية " وإنما تحالفوا كذلك مع تقدم العلم والتكنولوجيا. وعلى الناحية الأخرى نجد أن المحافظين قد ساورهم الشك في المخططات الفكرية الكبرى , وكانوا برجماتيين فيما يتصل بالتطور الاجتماعي وركزوا جل اهتمامهم على قضية الاستمرارية . ولكن هذه التعارضات أصبحت اليوم أقل حدة مما كانت عليه . فقد قبل كل من اليسار واليمين الطبيعة ذات الحدين للعلم والتكنولوجيا، والتي تولد منافع عظيمة في الوقت الذي يخلق فيه مخاطر جديدة ومظاهر جديدة من القلق وعدم اليقين.(23)

ومع اختفاء الاشتراكية كنظرية فى الإدارة الاقتصادية، اختفي واحد من أهم خطوط الانقسام بين اليسار واليمين .... وطفا على السطح عدد من المشكلات والاحتمالات التى لم تكن واردة في المشروع اليساري أو اليميني . من بين هذه المشكلات قضايا البيئة وقضايا أخرى تتعلق بالطبيعة المتغيرة للأسرة والعمل والهوية الشخصية والثقافية . ولهذه التغيرات الجديدة يطالب جيدنز الديمقراطيين الاجتماعيين بضرورة تبنى نظرة جديدة إلى الوسطية السياسية . فقد تحركت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية نحو الوسط لأسباب انتهازية إلى حد بعيد . حقيقة أن الوسطية السياسية في سياق اليسار واليمين لا يمكن أن تعني إلا التوفيق أي اتخاذ موقف " وسط " بين بديلين واضحين . وإذا كان كل من اليسار واليمين قد أصبح أقل شمولا وإحاطة عن ذي قبل , فإن هذا التصور يصبح غير منطقي . ومن هنا يؤكد جيدنز أن فكرة "الوسط النشط" أو "الوسط الراديكالي" يجب أن تؤخذ مأخذ الجد.(24)

ويضع جيدنز عدة مهام على سياسة الطريق الثالث third way politics القيام بها وهي :

1- إن الهدف العام لسياسة الطريق الثالث يجب أن يكون مساعدة المواطنين على أن يشقوا طريقهم عبر الثورات الرئيسية في هذا العصر : العولمة، والتحول في الحياة الشخصية والعلاقة بالطبيعة .

2- يجب على سياسة الطريق الثالث أن تتبنى اتجاها إيجابيا نحو العولمة، ولكن بوصفها ظاهرة أكثر اتساعا وأبعد مدى من السوق العالمي .

3- يجب على سياسة الطريق الثالث أن تحافظ على اهتمامها المحوري بالعدالة الاجتماعية، مع الاعتراف بأن المسائل التى تجاوزت الانقسام بين اليسار واليمين قد أصبحت أكبر عددا من ذي قبل . ويمكن للمساواة أن تتصادم مع الحرية الفردية ولكن مزيدًا من معايير المساواة سوف يؤدي في الغالب إلى توسيع مدى الحريات المتاحة أمام الأفراد . وطالما أن سياسة الطريق الثالث تخلت عن النزعة الجمعية، فعليها أن تسعى إلى تأسيس علاقة جديدة بين الفرد والجماعة والى إعادة تعريف الحقوق والواجبات.(25)

ويضع جيدنز مبدأين أساسين لهذه السياسة الجديدة هما :

أ- " لا حقوق دون مسؤوليات " No rights without responsibilities . فالحكومة تتحمل مجموعة متكاملة من المسئوليات تجاه مواطنيها وتجاه غيرهم بما في ذلك حماية المعرضين للخطر . ولابد أن يعمل اتساع النزعة الفردية على اتساع الالتزامات الفردية . فتعويضات البطالة ( التى تدفعها الحكومة ) يجب على سبيل المثال أن يصاحبها التزامات بالبحث الدؤوب عن عمل، وعلى الحكومة أن تضمن أن نظم الرفاهية لا تشجع التكاسل عن البحث عن العمل . وكمبدأ أخلاقي، فإن شعار " لا حقوق دون مسؤوليات " لا يصح أن يطبق فقط على المستفيدين من برامج الرفاهية وإنما يجب أن يطبق على كل فرد.

ب- لا سلطة دون ديمقراطية "no authority without democracy “. ففي مجتمع تفقد فيه العادات والتقاليد أهميتها، تكون الديمقراطية الطريق الوحيد لإقامة السلطة . وإن النزعة الفردية الجديدة لا تؤدي حتما إلى تأكل السلطة , ولكنها تستلزم أن تتأسس السلطة على مبدأ الفاعلية أو المشاركة . (26)

ومن أهم القيم التي يجب على الطريق الثالث أن يلتزم بها:

1- المساواة .

2- حماية الجماعــات الهشـة .

3- الحـرية كاستقــلال ذاتـي .

4- لا حقــوق دون مسئوليـة .

5- لا سلطــة دون ديمقراطية .

6- التعددية العالمية ( الكونية ) .

7- النزعة الفلسفية المحافظـة . (27)

كما يحدد جيدنز برنامج programme الطريق الثالث على النحو التالى .

1- الوسط الراديكالي .

2- الدولة الديمقراطية الجديدة ( دولة بلا أعداد )

3- مجتمع مدنى نشط .

4- الأسرة الديمقراطية .

5- الاقتصاد المختلط الجديد .

6- المساواة كأداة للاستيعاب .

7- الرفاهية الإيجابية .

8- دولة الاستثمار الاجتماعي .

9- الأمة الكونية .

10- الديمقراطية الكونية .(28)

وفي شرحه لسياسة الطريق الثالث بأهدافه وقيمه وبرنامجه رأى جيدنز أن الليبراليين الجدد يريدون أن يتقلص دور الدولة . كما كان الديمقراطيون الاجتماعيون – تاريخيا – حريصين على توسيع هذا الدور . أما الطريق الثالث فيرى أن المطلوب بشكل ضروري هو أن نعيد بناء الدولة، فنتجاوز ما يقوله أهل اليمين بأن الحكومة هي العدو " ونتجاوز كذلك ما يقوله أهل اليسار من أن " الحكومة هي الحل " .(29)

ويضع جيدنز عدة أسس فعالة لإعادة بناء الدولة يجب الالتزام بها وهي :

1 - يجب على الدولة أن تستجيب بنائيًا للعولمة . فلكي تكون الديمقراطية أكثر ديمقراطية يجب أولا وقبل كل شئ التحول نحو اللامركزية، ولكن ليس بوصفها عملية ذات اتجاه واحد . فالعولمة تخلق منطقا ودوافع قوية لدفع القوة إلى أسفل، وكذلك دفعها إلى أعلى ومعنى ذلك أن هذه العملية لا تؤدي إلى إضعاف سلطة الدولة – الأمة، فهذه الحركة المزدوجة وهي حركة تحول ديمقراطي مزدوجة – تمثل ظرفا لإعادة تأكيد هذه السلطة، طالما أن هذه الحركة يمكن أن تجعل الدولة أكثر استجابة للتأثيرات التى يمكن أن تلتف حولها من كل حدب وصوب .

2- يجب على الدولة أن توسع دور المجال العام، والذي يعني إجراء إصلاح دستوري يتجه نحو مزيد من الشفافية والانفتاح بجانب توفير ضمانات جديدة ضد الفساد .

3- يجب على الدولة التى ليس لها أعداد أن ترفع كفاءتها الإدارية وذلك للمحافظة على الشرعية أو استعادتها . ذلك أن عدم الثقة في الحكومات على كل المستويات يرجع في جانب كبير إلى كونها عاجزة وغير فعالة .

4- ضرورة وجود صور أخرى من الديمقراطية غير عمليات الاقتراع التقليدية . فالحكومات يمكنها أن تقيم علاقات أكثر مباشرة مع المواطنين، ويمكن للمواطنين أن يقوموا بنفس الشيء وذلك من خلال " التجريب الديمقراطي " أو الديمقراطية المحلية المباشرة، الاستفتاءات الإلكترونية، وهيئات المحلفين من المواطنين وغير ذلك من الاحتمالات .

5- تعتمد شرعية الدولة التى ليس لها أعداد بشكل أكبر من ذي قبل على قدرتها على التعامل مع المخاطر .

6- كما أن توسيع نطاق الديمقراطية لا يمكن أن يكون محليا أو وطنيا فقط . فالدولة يجب أن تكون لها نظرة كونية . فنشر الديمقراطية إلى أعلى لا يجب أن يتوقف على المستوى الإقليمي، ونشر الديمقراطية إلى أسفل يعنى تجديد المجتمع المدني. (30)

فالدولة الديمقراطية الجديدة ( الدولة بدون أعداد ) تقوم على :

- تحريك الديمقراطية إلى اسفل .

- التحول الديمقراطي المزدوج .

- تجديد المجال العام " الشفافية ".

- الكفاءة الإدارية .

- آليات الديمقراطية المباشرة .

- الحكومة كمسئولة عن إدارة المخاطر . (31)

وتجديد المجتمع المدني – وهو أحد مكونات سياسة الطريق الثالث – يكون عن طريق :

- الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني .

- تجديد الجماعة من خلال تشجيع المبادرات المحلية .

- إشراك القطاع الثالث .

- حماية المجال العام المحلي .

- منع الجريمة على النطاق المحلي .

- الأسرة الديمقراطية . (32)

فيجب على الدولة والمجتمع المحلي أن يعملا كشريكين يسهل كل منهما للآخر شئونه ويعمل في نفس الوقت على مراقبته . فموضوع الجماعة موضوع جوهري بالنسبة للسياسة الجديدة، ولكن ليس كشعار فارغ مجرد , فنمو العولمة يجعل التركيز على دور الجماعة أمرا لازما وممكنا في نفس الوقت، وذلك بسبب الضغط الذي تمارسه من أعلى . ولا يعني التركيز على دور الجماعة محاولة لبعث الصور البالية من التضامن المحلي وإنما يعني الاهتمام بالوسائل العملية للتعجيل بالمساندة المادية والاجتماعية لجماعات الجيرة والمدن والمناطق المحلية الأوسع . وليست هناك حدود دائمة بين الحكومة والمجتمع المدني . فالحكومة تحتاج تبعا للظروف – إلى أن تتغلغل في نطاق المجتمع المدني وتحتاج فى أحيان أخرى إلى الابتعاد عنه . وعندما تنسحب الحكومة من الانخراط المباشر فإن مواردها تظل ضرورية لتدعيم الأنشطة التى تضطلع بها الجماعات المحلية، خاصة فى المناطق الأفقر . وفي المجتمعات المحلية الأشد فقرا يمكن أن تحقق المبادات والمشاركة أفضل النتائج الممكنة .(33)

وتدعو سياسات الطريق الثالث إلى اقتصاد مختلط من نوع جديد . ولذلك يري جيدنز أن هناك شكلان معروفان من الاقتصاد المختلط القديم . ينطوي أحدهما على الفصل بين الدولة والقطاع الخاص مع احتفاظ القطاع العام بنصيب كبير من الصناعة تحت سيطرته . أما الآخر فكان وما يزال يسمي بالسوق الاجتماعي . وفي كلا الشكلين تظل الأسواق خاضعة للسيطرة الحكومية إلى حد بعيد . ولكن الاقتصاد المختلط الجديد يسعى بدلا من ذلك إلى تحقيق التعاون بين القطاعين العام والخاص وذلك باستخدام آليات السوق مع وضع المصلحة العامة نصب عينيه . وينطوي ذلك على إيجاد توازن بين السيطرة واللاسيطرة على المستوى العابر للقوميات وعلى كل من المستوى القومي والمحلي وتوازن بين الجوانب الاقتصادية وللاقتصادية في حياة المجتمع . ويحظى ثاني هذين البعدين على الأقل بذلك القدر من الأهمية التى يتمتع بها الأول مع انه يتحقق جزئيا من خلال البعد الأول . (34)

وإذا كانت قضية دولة الرفاه قد استقطبت كلا من اليمين واليسار بصورة أكثر عمقا ووضوحا ما بين شجب اليمين لها ودعم اليسار إياها . فإن جيدنز يري أن الإقرار بالطابع الإشكالى لتاريخ دولة الرفاة يفرض على سياسات الطريق الثالث أن تتقبل بعض الانتقادات التى يوجهها اليمين للدولة . فالدولة غير ديمقراطية بالضرورة، حيث إنها تعتمد فعليا على نظام يتدرج من أعلى إلى اسفل لتوزيع المنافع . كما أن القوة الدافعة لها هي الحماية والرعاية ولكنها لا تتيح مساحة كافية للحرية الشخصية فضلا عن ذلك , فان بعض أشكال مؤسسة الرفاه تتسم بالبيروقراطية وعدم الكفاءة وتشعر المتعامل معها بالاغتراب , كما أن منافع الرفاهية يمكن أن تخلق نتائج معاكسة من شأنها أن تقوض الأهداف التى أنشئت لتحقيقها . ومع ذلك فإن سياسات الطريق الثالث ترى أن هذه المشكلة لا تعني التخلص من دولة الرفاه بل تعدها جانبا من الأسباب الداعية إلى إعادة بنائها . ويري جيدنز أن إعادة بناء دولة الرفاه يجب أن يسير جانبا إلى جنب مع برنامج التطوير الفعال للمجتمع المدني .(35)

 

أ.د. ابراهيم طبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

.............................

الهوامش

1 - كرين برنتن : مرجع سابق ص ص 565 - 566

2 - giddens , anthony : the third way , the renewal of social democacy , polity press , 1999 , p- 3

توجد ترجمة رائعة لهذا الكتاب تحت عنوان " الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية " قام بها د/ احمد زايد , د/ محمد محي الدين، مراجعة وتقديم د / محمد الجوهري صادرة عن المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومي للترجمة وقد اعتمدنا عليها فى كتابه هذا الفصل ويمكن مراجعة هذه الترجمة               ص ص 33 - 122

3- Ibid , p - 3

4 - Ibid , pp - 4 -5

5 - Ibid , pp - 5-6

6- Ibid , pp - 6 -8

7- Ibid , pp - 8 -9

8- Ibid , pp - 10 -11

9- Ibid , pp - 11 -12

10 - giddens,anthony : beyond left and right ,         pp - 34 -35

11- giddens,anthony :the third way , p - 12

12 - giddens,anthony : beyond left and right ,         pp - 35 -36

13 - giddens,anthony :the third way , p - 13

14 - Ibid , p - vii

15 - Ibid , p - 25

16 - Ibid , p - vii

17 - Ibid , p - 26

18 - Ibid , p -35

19 - Ibid , pp - 35 - 36

20- Ibid , p 37 -38

21- Ibid , pp 38 - 39

22 - Ibid , p - 42

23- Ibid , p -43

24- Ibid , pp 43 -44

25- Ibid , pp 64 -65

26 - Ibid , pp 65 – 66

27- loc - cit

28 - Ibid , p-70

29 - Ibid , pp 70 -71

30- Ibid , pp 72 - 76

31 - Ibid , p- 77

32 - Ibid , p- 79

33 - Ibid , pp - 79 -80

34- Ibid , p-100

35 - Ibid , p p - 111 -118

 

 

zouhair khouildi"أن نقبل بمسلمة الموضوعية هو أن نعلن إذن القضية القاعدية لإيتيقا معينة هي إيتيقا المعرفة"1[1]

من المفارقة أن تعيد المجتمعات المعاصرة بناء رؤيتها للكون على ضوء الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية على مستوى النظر العقلاني وأن تستمر في الاعتماد على معايير أخلاقية ومفاهيم تقليدية وتواصل عادة تأسيس الثقافة على أعراف وشيم موروثة عن المجتمعات القديمة على الصعيد العملي والاجتماعي.

لقد شهدت العصور الحديث تشكل ما اصطلح على تسميته علوم التقنية ولكن استمر الصراع بين النظرة الغائية والنظرة الآلية في تفسير ظواهر الطبيعة والتغيرات التي تحدث داخل الكون وتم استبعاد كل دور للصدفة والفرضيات الاحتمالية الأخرى أو التقليل من قيمتها الإبستيمولوجية مثل النظريات التحولية والتطورية والكوارثية والانفجار العظيم والتقلص التدريجي والتمدد اللانهائي والنسبية الخاصة والعامة. وبالتالي تعاني المجتمعات في الحقبة الراهنة صعوبة التأليف بين الأنساق القيمية التقليدية والنظريات العلمية الجريئة وغير المعهودة والتي دفعت بالعقل البشري إلى ملازمة الصمت وتبني خيار تعليق الحكم. إذا كان المؤرخون رصدوا اضطرابا كبيرا أصاب قصور المعرفة البديهية وخلخلة في المعتقدات الراسخة نتيجة التقدم العلمي والثورة التقنية والتطور الصناعي فإن الفلاسفة الجدد أدركوا خطورة هذه التحولات ودعوا إلى إعادة تجذير انتماء الإنسان للطبيعة وتمتين روابطه بالكون والمحافظة على الحياة في الكوكب.

لقد حافظ الفكر البشري على الأساطير والمعتقدات والأديان والتصورات الكوسمولوجية والأفكار الفلسفية الكبرى إلى جانب المناهج العلمية والتطبيقات التقنية والمعالجات الرقمية وكان ذلك بسبب الشرخ الذي أحدثه التقدم في النواة الروحية لكل الأنساق القيمية والقلق المصيري الذي ولدته السيطرة على الطبيعة . لقد اعتقد البشر أن العلم قادر لوحده على تقديم الحل التام والنهائي لكل المعضلات العنيدة وأن التقنية هي الأداة الناجعة في ترجمة ذلك على أرض الواقع ولكن جهد العقلنة المبذول لم يكن كافيا قصد التعبير عن الحوافز العميقة للعقل بل لم يقدر على الإحاطة بكل المجموع المعقد والمتشابك الذي يتشكل منه الكون.

لعل الطريقة المتاحة أمام العلوم للارتباط بروح العصور الحديثة هو إعطاء أهمية مركزية للمسألة التقنية على مستوى التجريب والتصنيع بل وكذلك على مستوى حركات التنظير والافتراض والاستشراف والتنبؤ وبهذا المعنى ظهرت التقنية الصناعية وعلوم الإعلامية والعلوم التقنية وعلوم البرمجيات والنمذجة وعلوم الاتصال وحدث تفاعلات معقدة بين الخيال العلمي والمعرفة الفلسفية وبين الأدب القصصي وعلوم التقنية.

غني عن البيان أن المشروع العلمي الذي يتصف بهيمنة البعد النظري ويميل إلى التجريد يتضمن أيضا بعدا تقنيا ويميل من حيث الجوهر إلى التطبيق وكذلك يحتاج المشروع التقني لإعداد نظري وتأمل مجرد. لهذا السبب هيمنت التقنية على العلوم المعاصرة من ثلاثة منافذ حيث اعتبرت المصدر والأداة والهدف وصارت تتكلم لغة الترميز والعلامات والإجرائية والصورنة والأكسمة والمنظومة والنفعية والبنائية.

والحق أن علوم التقنية تتميز بالمرونة وعدم قابلية الانصهار والتحلل بين الجانب النظري البحثي والجانب الإجرائي الصناعي وبمنحها البعد التقني الهندسي الأولوية الإنشائية على البعد النظري والبلور المفهومي.

من المعلوم أن التقنية هي مجموعة أدوات تمثل امتدادا لمجموعة أعضاء الإنسان الطبيعية وقد تم توظيفها ووضعها في خدمة حاجياته الحياتية والاجتماعية ولكنها عرفت في الإبستيمولوجيا بكونها نظريات مطبقة.

لقد ضاعفت العلوم التقنية من قيمة الإنتاج المادي وجعلت الإنسان يراكم الثروة ويجني الكثير من الأرباح وحل الإنسان الصانع مكان الإنسان العارف وانتصرت الحياة النشطة على الحياة التأملية واشتهر المهندس والتقني والخبير والمحاسب على حساب الشاعر والكاتب والمثقف والمنظر ولكنها في المقابل ولدت حيرة أكسيولوجية وأحدثت فراغا قِيَميًّا وسببت الشعور بالقلق والضياع وصحّرت الوجود وجففت المعنى. لقد غيرت من الطبيعة الإنسانية وصنعت الذكاء وشرحت الانفعال ودفعت الرغبات الى اختراق جميع الموانع والحدود وتلاعب بالعقل وصارت تتحكم في وعيه وذوقه ونمط حياته وتحدد مستقبل تواجده على الكوكب.

بناء على ذلك تركز علوم التقنية على التشييد المادي والبناء المعماري والتنظيم الإداري وتحرص على التكوين والاختراع والاكتشاف والتصور ولكنها وصلت إلى نقطة من التطور بحيث لا يمكنها العودة إلى الوراء أو التوقف عن السير إلى الأمام فقد أجرت تغييرات عميقة وتحولات عنيفة في الطبيعة الإنسانية.

صحيح أن التقدم العلمي والتقني مصدره الإنسان وأن علوم التقنية بدأت بوصفها ظاهرة أنثربولوجية ولكن الإنسان لم يعد يتحكم في وجهة هذا التقدم ولم يعد قادرا على توقع مصيره ودوره في التقدم صار صغيرا.

من هذا المنطلق يجب تشديد الرقابة المنهجية والعقلانية على علوم التقنية ومضاعفة المساحة التي تغطيها الحكمة العملية وتوخي الحذر الفلسفي والفرونوزيس التعقلي وتدبير الاكتشافات والتصرف في التقنيات بروية وتبصر وحسن تمييز ولا يجب أن يفعل الإنسان كل ما تقدر علوم التقنية على فعله ولا ينبغي أن يستهلك كل ما تتمكن المخابر من إنتاجه فربما سيكون المستقبل للفن والإيتيقا وليس للعلم والتقنيات.

لقد انصبت علوم التقنية على وضع المعرفة النظرية في خدمة الحاجات الصناعية للبشرية وقلبت فعليا بنية العالم ونظام الطبيعة وأجرت معالجات معينة للقوى الطبيعية ضمن أفق قرارات سياسية واقتصادية. لقد مثلت علوم التقنية تكملة للماهية الثقافية واللغوية للكائن البشري وإتمام مشروع اللّوغوس في ترتيب تاريخ الكوكب وتنظيم الفوضي وعقلنة اللاّمعقول وضبط الطارىء وقراءة المفاجىء وحصر اللاّمتوقع.

لقد تصور العلماء أن القيمة العليا والخير الأسمى والأخلاق العلمية من تطبيق التقنية على الحياة هو إسعاد الإنسانية والتقليل من الأضرار وأشكال التعب وجلب المنافع والزيادة في أزمنة الراحة والترفيه ولكن الغرض الحقيقي من التقدم العلمي هو الإيمان بالقدرة الزمنية للمعرفة الموضوعية على تحرير الأذهان من الخرافة والجهل وتربية النوع البشري على التخطيط والتنظيم والبناء والتعمير في الكون.

لا يحتاج الإنسان اليوم إلى الوعي السياسي بأهمية المطالبة بالحرية فقط والى ممارسة الفعالية النقدية تجاه الازدراء والعنف المسلط عليه فحسب بل يبحث كذلك عن مصادر المعلومة ونجاعة المعرفة الموضوعية ويتسلح بكل ما توفر له من مناهج وتجارب من أجل اكتساب ابستيمولوجيا معيارية تساعده على الابتكار. يتخذ الإنسان من العلوم ملاذا للتوقي من الخلط ودرء الشبهات وتبين المسالك النيرة وتجويد ملكة الاختيار وتلعب المعرفة الموضوعية سلاحا فتاكا في مقاومة الأشكال الذكية من الاغتراب والتأديب والانضباط. يختار رجل العلم الصيرورة ويرفض العبث واليأس ويتمسك بالحياة ويبحث عن معنى الوجود ويبلور نسقا قيما يخص عمله الخاص ويصر على التحلي بروح الموضوعية والنزاهة والحياد في نظرته وحكمه.

كل الأنساق التقليدية وضعت الأخلاق والقيم بعيدا عن تناول الإنسان وجاءت علوم التقنية لكي تساعد الإنسان على إيقاف قوة التدمير والتحكم في مساحة التحطيم وجعل القيم والأخلاق والبناء في متناوله.

لا يمكن الحديث حينئذ عن معرفة موضوعية وعن قيمة للعلم دون التطرق إلى القيم والأخلاق والأصالة والإنسانية والفعل النافع والحقيقة والاختيار الحر والعناية بالأبعاد الروحية وأحكام القيمة ورعاية الحقوق.

عندئذ توفر علوم التقنية القدرة المادية لتأسيس المعرفة الموضوعية في حين" إن إيتيقا المعرفة المبدعة للعالم الحديث هي الوحيدة المتطابقة مع ذاتها والقادرة لوحدها لو تم فهمها وقبولها على قيادة تطورها"2[2]. أليست إيتيقية المعرفة هي في نهاية المطاف معرفة بالإيتيقا مرتبطة بالفعل ارتباط العقل بالتجربة ؟

 

الهوامش والإحالات:

[1] Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, édition Cérès, Tunisie,1993,p192.

[2] Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, op.cit,p192.

 

المصدر:

Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, édition Cérès, Tunisie,1993.

كاتب فلسفي

 

 

zouhair khouildi"لقد دعتنا كل الثورات المجيدة إلى نزع هالة القداسة عن الأشخاص مهما كان المصدر الذي يستمدون منه تعاليمهم لأن الزعماء التاريخيين لم ينتجوا الثورة بل إن الثورة هي التي تنجب من رحمها زعماء تاريخيين يحافظون على قيمها ويصونون مبادئها "1[1]

بلا ريب إن ما يحدث الآن في الساحة العربية من تحولات عنيفة وتغيرات سياسية جوهرية هو حراك اجتماعي صاعد وتوق غير مسبوق إلى التمتع بالحقوق ومطالبة مستمرة بممارسة فلسفية للحريات. لقد سمي هذا الحدث بالثورات العربية في زمن مابعد حديث وارتبط بإرادة الحياة والتعطش إلى الديمقراطية والحياة المدنية والتعددية. وكانت رغبة الثوار في البداية هو إحداث قطيعة مع الارتداد نحو الماضوية والكف عن تبرير الشمولية كنهج في الحكم والانعتاق من نير التبعية نحو الثقافة الغربية المهيمنة والسياسات الظالمة للعولمة المتوحشة. ولكن بعد ذلك اتجه نحو فك الارتباط وإلغاء المديونية والدفاع عن السيادة ومقاومة التبعية والاندراج ضمن جبهة شعبية عالمية واسعة من المجتمع المدني العالمي. والحق أن واقعة الثورة أو الثورة الواقعة هي حدث تاريخي استثنائي في التاريخ العربي المعاصر سيكون له ما قبله وما بعده وسيدفع إلى انتصار الأمل في الإدماج والتوحد على غريزة التفكك والانقسام وستكون ثمار هذا الفيض الديمقراطي الذي أفرزه إشعاع التحرر على كافة المنطقة العربية. في كل الأحوال إن المدهش في هذا الحراك هو تشابك العوامل والمحددات الواقعية والافتراضية وتضافر الآليات التقنية ووسائل الاتصال الحديثة مع الإيديولوجيات والأفكار الثورية وتفعيل الذاكرة النضالية للشعوب ومشاركة فعالة للشباب والنساء والطلاب والعاطلين والناشطين والحقوقيين وغياب زعامات تقليدية للتحركات .

من نافل القول بوجود تأثير واضح للفكر الفلسفي في المسار الثوري في البلدان العربية والآية على ذلك أن الاحتجاجات اندلعت في دول عربية تميزت عن غيرها بتقدم ملحوظ في الوعي ومستوى عال من التعليم والثقافة والتمدن وتشجع على تعليم الفلسفة وعرفت تجارب تحديثية وقامت بإصلاحات قانونية واجتهادات دينية ومحاولات لزرع الحداثة والتنوير لقرون خلت.

كما أن مصطلح الثورة كان حاضرا بكثافة في الأدبيات السياسية العربية والكراسات السياسية للأحزاب طوال القرن الماضي وبرز العديد من الأعلام الفكرية من جميع المرجعيات كثوار على السائد واتصفوا بالجرأة والتمرد والتجديد والتحرر ومحاولة تقديم البدائل ونحت المشاريع.

غير أن الزعم بالتأثير المباشر للفكر الفلسفي في الحراك الاحتجاجي هو أمر مبالغ فيه وذلك لسرعة اندلاع الأحداث وطابعها العفوي ومشاركة شرائح شعبية واسعة فيها وغياب نظرية ثورية متكاملة وفلسفة في الثورة واهتمام المشتغلين بالفلسفة بأمور شكلية ومنافع ذاتية. لقد أيقظت الثورة العربية الفكر العربي من سباته وجعلته يتفقد ذاته ويراجع مسلماته ويحاول أن يستوعب التحولات ويفهم الأمر الجلل والواقعة التي حصلت في الفضاء العمومي والزلزال الكبير الذي أصاب هرم السلطة والتصدع الذي ظهر على المنظومة القديمة التي كانت تزعم قدرتها على التحكم في ايقاع الحياة ونبض الوجود ومصير الشعوب ووجهة التاريخ. من هذا المنطلق صعدت أسهم الحديث عن الثورة والنضال والكفاح والتمرد والعصيان وصارت هذه المقولات لغة يومية في الصحافة والإعلام والأخبار والسياسة والثقافة والفكر وانفجر المكبوت وتضاعفت مساحات الحريات وشارك الناس بطريقة غير مسبوقة في النقاش العمومي وتم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتم تداول هموم المعدومين والفئات الأقل حظا وتعرض منوال التنمية المتبع الى التهكم والسخرية ووقع استدعاء الخبراء والطاقات لتقيم البرامج والحلول. اللافت أن الثورة العربية قد قربت الثقافة العربية من القول الفلسفي الجديد الذي كان كل من أركون والجابري والعروي وحنفي وأبي زيد وتيزيني والعظم ومروة وشريعتي وغيرهم قد ساهموا في تشكله وصعوده. بيد أن الأهم هو الفرز الكبير الذي أحدثته بين ثقافة السلطة وثقافة المعارضة وبين مجال المصلحة وحراس النظام ومجال العدالة وحراس الحرية والحق. ربما ماهو مطلوب اليوم بعد هذا الحدث الجلل والفارق ليس تكديس المشاريع الفكرية والاكتفاء بالتنظير المعرفي وطبع المجلدات والكتب على أهميتها بل الانخراط في ثقافة جديدة منفتحة على الجمهور وملتزمة بقضايا الشباب والمعطلين وكل ضحايا الازدراء الاجتماعي.

في حقيقة الأمر كم نحتاج إلى تكرار الانتفاضات وإجراء عمليات عديدة في تثوير آليات إنتاج العقل العربي للحقيقة والذهاب بعيدا في مساءلة الواقع العربي وتجويد طرح مشاكله والتنقيب عن معضلاته وأمراضه والتفتيش عن علله وإعادة صياغة مقولات الثقافة العربية وتأسيس فلسفة الثورة العربية بكل اقتدار وعزم. لقد ساعدت هذه التحولات على طرح أسئلة مختلفة عن غيرها ونابعة من الأرض الناطقة بلغة الضاد وتتماشى مع خصوصية الهوية القصصية القرآنية وتهتم بالخصوص بقضايا الكرامة والإنسانية ودولة الرعاية الاجتماعية وتبحث عن الاعتراف المتبادل والإنصاف وتتحلى بقيم المدنية والسلمية والتعايش وترفع لواء الصفح والغفران وتعد بالأمل في حياة سياسية عصرية وحكم مدني غير شمولي وغير عنصري وغير تابع وتريد الحياة في مجتمع عادل ومتعدد. العلاقة المتينة بين الفلسفة والديمقراطية هي كالرابطة الوثيقة بين الثورة والدولة. فإذا كان مطلب الدولة القوية لا يتحقق الا بعد اتمام ثورة اجتماعية كبيرة فإن بلورة مشروع فلسفي ضخم يرتقي بالإنسان يتوقف على بناء حياة سياسية ديمقراطية تعطي لكل مواطن حقه الطبيعي في التفلسف. حقيق بنا أن نبين أن دور الفلسفة في الراهن العربي هو التصدي لكل أشكال الانقلاب على المسار الديمقراطي ولو كان تحت مسمى الإنقاذ ورعاية المصلحة الوطنية والآية على ذلك أن "الديمقراطية تحارب اللاتسامح الديني وتنبذ التعصب المذهبي والتشدد في القراءة وترفض توظيف العقائد الدينية في الصراع السياسي وتعترض على احتكار التكلم باسم المقدس وتدفع الناس إلى أنسنة الدين وتأويله بما يوافق روح العصر الذين يعيشون فيه وحسب مقتضى المدنية"2[2]. وبالتالي نحن في انتظار ميلاد فلسفة الثورة على نحو أصيل وفارقي تكون قادرة على نحو ملموس على التعبير عن الوعي بالمرحلة التاريخية الحرجة التي تمر بها الأمة والحاجة الجوهرية للتغيير الجذري في بنى الفكر والواقع واللغة والدين وتعكس رغبة الفاعلين في الالتزام والمشاركة والفعل.

لعل أهم سؤال انبثق بعد الحراك الاحتجاجي العربي : هو كيف نعود إلى التاريخ من جهة الإبداع وصناعة الكونية لا من جهة الاستهلاك والمحافظة على الخصوصية ؟ ما السبيل إلى بناء دولة لا شرقية ولا غربية تتعامل بندية مع الأجوار وتعمل على التخلص من التبعية الثقافية والاقصادية والسياسية وتحقق شروط الاستقلال والاستئناف الحضاري الثاني؟ ألا ينبغي أن نجعل من الحرية مقام راسخ للكينونة العربية وليس مجرد مطلب حقوقي عارض ومعرض للانتهاك ؟ متى يكف العربي عن الحلم اليوطوبي بالزعيم المخلص الذي يدحر الفساد والظلم وينشر العدل في الأرض ويسارع إلى تثبيت الفرد المواطن وغراسة شجرة الديمقراطية والتقدم والعناية بمسالك التحرر والعدالة الاجتماعية؟ أي دور للفلسفة في منع الحراك الاجتماعي إلى الانجراف نحو الحروب الأهلية المدمرة وتفاقم الاضطراب العضوي في جسد الأمة؟

 

...............................

الهوامش والإحالات:

[1] زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، الدار التونسية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 2011،ص52.

[2] زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، ص 246.

 

المراجع:

زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، الدار التونسية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 2011،

 

كاتب فلسفي

 

raed jabarkhadom"ولمَّا كانت المشاعر مصدراً للأفكار فإنما يقع بين الأفكار من عراك هو بالحقيقة يقع بين المشاعر، والشعوب التي يظهر أنها تتقاتل من أجل بعض الأفكار هي تتقاتل في الواقع من أجل بعض المشاعر التي تشتق منها تلك الأفكار. " غوستاف لوبون. كتاب الآراء والمعتقدات. ص 87.

تاريخ العنف قديم قدم الوجود البشري، وتم ممارسته لأول مرة على يد هابيل تجاه اخيه قابيل، وبدأ بعد هذه القصة العنفية مشوار العنف البشري تجاه بعضهم البعض، باختلاف توجهاتهم الفكرية والدينية والقومية والثقافية والسياسية.

ونزعة العنف والشر متجذرة في الذات البشرية، فهي لا تخص مجتمعاً من المجتمعات ولا فئة دون فئة، ولا قومية دون قومية، ولذلك علينا الاعتراف بأن البشر يمارسون العنف ولكن بنسب متفاوتة، من فرد الى آخر ومن مجتمع الى مجتمع، بحسب طبيعة ومزاج وبيئة وسياسة وتربية وثقافة الافراد والمجتمعات .

ونحن هنا نريد الاشارة الى قضية نشوء ووجود جذور العنف وممارساته في الفكر الاسلامي من خلال حديث وفكر الفرقة الناجية، الذي انتج فلسفة سقيمة وعقيمة، واغرق البلاد والعباد في مشاهد عنفية ودموية وطائفية ومذهبية مقيتة طوال عصور تاريخية مضت، ودفع الفرد والمجتمع العربي والاسلامي ضريبة ذلك الحديث والفكر التكفيري التطرفي الخطير الى يومنا هذا وسيظل هذا الفكر والمنطق ساري المفعول فينا مالم يتم نقده ورفضه وازالته من خانة فكرنا المنحرف والمتطرف.

لقد اسس حديث الفرقة الناجية الذي يقول مضمونه ان رسول الله محمد (ص) قال: " ستفترق امتي الى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة " اسس الى علم فرقي تكفيري مبكر في الفكر والثقافة الاسلامية، والى فلسفة متطرفة في الحكم والاعتقاد، او العبادات والمعاملات والاعتقادات، فعليه بنى الكثير من الفقهاء والمتكلمين والمؤرخين اسسهم المعرفية والفكرية والكلامية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي ادى الى تمزق وتفرق وتشظي الفكر الاسلامي والمسلمين فيما بينهم على مدى عصور مرت ولا تزال وسيظل هذا الحال الى المستقبل مالم يتم نقد تلك الاسس والمرجعيات والغائها بالكامل واستبدالها بأسس معرفية وفقهية وفكرية عقلانية انسانية قيمية جديدة تنسجم والعالم الجديد الذي نعيش فيه والذي كشف لنا بفضل العلوم والمناهج الفكرية والفلسفية الكثير من الاخطاء والزيف الممارس تاريخياً من قبل العلماء والقادة والحكام تجاه الناس والمجتمعات والتاريخ والحياة.

ان الامم والشعوب والمجتمعات الفاعلة الحية تسعى يومياً لتقديم الشيء المفيد والناجع لأفرادها كي ينعم الجميع بحياة هانئة ومتقدمة مبنية على اسس انسانية نبيلة نابعة من الشعور الحقيقي بقيمة الانسان وكرامته ومقامه الكبير في هذا الوجود.

الا اننا للأسف لا نجيد وعي الحياة ومعرفة قيمتها الحقيقية وأبعادها الجمالية والقيمية والانسانية التي تختلف عن كل المخلوقات والمجتمعات الاخرى، ولم نحسن ادارة وجودنا كما ينبغي ان يكون، واننا للأسف اعطينا للآخرين عن انفسنا انطباعاً وتصوراً سيئاً، من خلال الممارسة الخاطئة للفكر والوعي والفعل، ان الفكر الاسلامي اليوم يتحرك، ولكن بخطوات بطيئة، وان مجتمعاتنا العربية والاسلامية ساكنة راكدة في اماكنها، بسبب السلطة الدكتاتورية الممارسة من قبل الحكام والسياسين، وبسبب استخدام السلطة الدينية بصورة مشوهة، وجعلها خادمة للسياسة في احايين كثيرة.

لقد شهد تاريخنا العربي والاسلامي عنفاً كبيراً تم ممارسته لمدد طويلة من ذلك التاريخ ولا زلنا نعيشه الى اللحظة، عنف مذهبي وكلامي وسياسي واجتماعي وفكري وجسدي على اشده، بين اتباع الدين الواحد، الذين يشهدون ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله، وما ذلك الا بسبب الفتن والاحداث المذهبية والطائفية الضيقة والمقيتة التي تحصل بين المسلمين بين مدة واخرى، متناسين وحدة الدين، ومشتتين ومختلفين احزاباً وفرقاً وجماعات، وكل حزب بما لديهم فرحون، ويحسبون انهم الفرقة المنصورة في الدنيا والناجية في الاخرة.

ان هذا المنطق العنفي جثم على فكرنا سنين طوال، وفقدنا على اثره الكثير من الارواح والثروات والتضحيات الجسام وملايين القرابين قدمت لأرباب العنف والقسوة والكراهية والطغيان، وما كان ذلك ليكون لولا وجود الطبقة السياسية والدينية المستبدة والمتسلطة على رقاب الناس بحد السيف طوال التاريخ، ومستفيدين من بساطة النفوس وسذاجة عقول الناس، ولذلك سعوا بكل ما اوتوا من قوة وسلطة وقرار ان ينشروا الخوف والرعب والزيف والعنف بين العامة كي يجعلوا عاليها سافلها وتكون الامور من نصابهم فقط لا يشاركهم في السلطة والقرار والرأي احد.

لقد عاش الفرد والمجتمع العربي والاسلامي حياة دموية وتطرفية وتكفيرية مرعبة ولفترات طويلة ، حدثت خلالها كوارث واحداث كبرى ىسجلها التاريخ وشهد لها الكثير، وكان وراء ذلك فكر متطرف ومتزمت لا يعرف للتنوير والوعي والتغيير طريق، وقد وُظف لهذا الفكر العنفي التكفيري المتطرف رجال واموال ومنظمات وافكار عابرة للقارات، واصبح العنف والتطرف والارهاب الفقه والمنطق المتداول بين الدول والمجتمعات والشعوب بفضل اجندات سياسية ودينية خطيرة وسيئة مدفوعة الثمن.

صراحة ان قضايا وافكار ومصطلحات مثل التكفير والعنف والخروج عن الملة والشريعة والدين من الافكار والثقافة التي انتشرت في بنية الفكر العربي والاسلامي منذ زمن طويل، وروج لهذا الفكر كُتاب وفقهاء وحكام السوء والكراهية ممن ينتسبون زوراً للاسلام، ويشيعون الفوضى والاضطراب والجريمة والخراب بين ابناء الدين الواحد، وهدفهم الاساس هو تقويض هذا الدين وتشويهه ونقل صورة سلبية عنه للآخرين خارج الدين الاسلامي، واعطاء صورة سوداء ومقيتة عن ديننا لا تنسجم ومنطق الحياة والحب والخير والقيم النبيلة والسلام .

ان عدم الايمان بالآخر، الآخر من داخل الدين او خارجه، من الامور الراسخة في عقيدة وفكر الكثير من المذاهب الاسلامية وتراثهم، وهذا يتضح من خلال المؤلفات التي كُتبت من قبل مفكري كل فرقة وطائفة في الاسلام، وكل كاتب وفقيه ومتكلم يريد بيان فضل ومقام فرقته على الفرق والطوائف الاخرى، متخذاً من حديث الفرقة الناجية سنداً عقدياً وفكرياً لرجاحة فرقته وتطابقها مع القرآن الكريم والسنة النبوية.

وهذا الامر ادى الى احتراب المذاهب الفقهية والكلامية الاسلامية فيما بينها، وسعت كل جماعة اخراج خصمها من الدين وتكفيره، ولم يقف الامر الى هذا الحد بل تجاوزه الى مزيد من العنف والقتل والتشريد والى احداث شرخ كبير في بنية الفكر الاسلامي، ويتضح ذلك منذ وفاة النبي الاكرم محمد (ص) الى يومنا هذا.

كل شيء في هذا العالم يتقدم تقدماً كبيراً الا وجودنا الانساني فأنه يتراجع تراجعاً كبيراً الى الوراء والعودة الى الماضي المقيت، الماضي والتاريخ المزيف الذي لا نتشرف بالانتساب اليه ولا نعترف به، لانه ماضي يمحق وجودنا وينتقم منا ولا يعترف بكرامتنا، ويوظفه البعض منا على البعض الآخر الى اليوم لممارسة امراضه وغطرسته وتطرفه الشخصي والمذهبي والسياسي، ويحاول كسب الشرعية والمشروعية لهذه الممارسات العنفية الدموية الفاسدة.

لقد اسهمت الكتابات والقراءات والتفسيرات الكلامية للنص الديني بدور كبير في تقديم السند الفكري والعقدي للحكام والسياسيين المسلمين، مما سمح لهؤلاء لممارسة العنف والتطرف والارهاب مع خصومهم ومعارضيهم، وقد شهد تاريخ المسلمين الكثير من ضحايا العنف والتطرف الديني والكلامي والسياسي بأختلاف الفرق الكلامية والفقهية واختلاف سياسات الحكم في الاسلام.

وقد اكد الباحثون على ان تحقيق الموضوعية والعلمية في نقد التراث الاسلامي والاستبداد المذهبي امر مستحيل، لانه كل من ينتمي لمذهب لا يرى نصب عينيه الا الخصوم لينتقدهم، اما عقيدته فهي مثار نقد من قبل الآخر المختلف عنه في العقيدة والفكر، اما هو فيغض النظر عن تراثه الموروث، لانه ينظر من زاوية واحدة فقط، ولا يرى في مذهبه خللاً او عثرة تستحق التحليل او النقد، وهذا ما جعل الباحث في المذاهب والفرق الكلامية والفقهية ينحرف عن الصواب، وهذا بدوره جعل الناس يقعون ضحية التاريخ والتراث والتطرف والاستبداد الديني والسياسي.

لقد تلونت وتلوثت حياتنا ووجودنا بتلون واختلاف افكارنا وعقائدنا، بدلاً من ان يكون هذا الامر عاملاً ايجابياً يتم استثماره من اجل التعايش والحوار والمحبة بين الاطياف المختلفة اصبح اليوم وبالاً علينا لا نحتمل وجوده، بسبب فكر ومنطق الفرقة الناجية الذي يكفر الآخر مهما كانت صورته، هذا الفكر الذي يدعو لهيمنة وسيطرة وسطوة الفكر والمذهب الواحد على حياة ومسيرة وفكر وثقافة الآخرين، والذي يعمل على تنحيتهم من الوجود ويرفض تواجدهم في خارطة الحياة، لانهم يمثلون عقبة وعقدة كبيرة في نفوس ورؤوس اصحاب الفرق الناجية ومنهجم التكفيري.

ان منظوماتنا الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية ذات بنية متهرئة وخطاب متشنج منذ زمن مبكر من تاريخ الفكر العربي الاسلامي، واننا اليوم نعيش ذلك التراث الاسود وورثنا تلك التركة الثقيلة من ذلك التاريخ والواقع المنحط الذي شهد انكسارات وتصدعات وانشقاقات على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، بسبب سموم العنف والتطرف التي يبثها فقهاء السوء والكراهية وساسة الجور والطغيان.

اننا بأمس الحاجة اليوم الى تطهير تاريخنا وتنقيته مما علق به من تلك النفايات والافكار الكريهة التي تحسب على ثقافتنا وديننا، وان نعمل ونجتهد على تثبيت ما ينفع الناس وازالة كل زبد مضر ومؤذ بالآخرين، وان نعمل وفق انسانيتنا وان تكون هي العامل المشترك في قياس الاشياء، لانها الهوية الحقيقية الوحيدة التي توحدنا، ونبذ كل ثقافات وسياسات العنف الديني والطائفي والعنصري والسياسي والاجتماعي والتربوي في هذا العالم.

 

raed jabarkhadomيبرز المفكر العربي السوداني محمد ابو القاسم حاج حمد (1941ـ2004م)، من بين اهم المفكرين المعاصرين في الفكر العربي والاسلامي المعاصر، لما يمتاز به من حيوية وجدية وفاعلية وتجديد وتنوير، في طرحه ومنهجه وخطابه وتناوله للقضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية والتاريخية، ومحاولته لتقديم قراءات ذات وعي كبير وفهم جديد واسلوب عصراني منسجم مع التحديات التي يواجهها العالم العربي والاسلامي ومتطلبات الحياة لكل ما هو مفيد ومعاصر.

ومصداق ذلك الحكم نجده واضحاً من خلال مؤلفات وكتابات هذا المفكر، التي اعطت الدليل على متانة وعمق فكره ومنهجه واسلوبه، ومن بين مؤلفاته المتميزة والجديدة والجادة كتاب (الحاكمية) الصادر بطبعته الاولى عام 2010 عن دار الساقي، بيروت ـ لندن ، الذي تناول فيه مفكرنا موضوع الحاكمية، ذلك الموضوع البارز في الادبيات الاسلامية المعاصرة في فكر وكتابات الكثير من المفكرين والباحثين، سواء مع ابي الاعلى المودودي او سيد قطب او فكر الاخوان المسلمين والحركات السلفية والصحوية وغيرها.

ومن المعروف ان قضية الحاكمية عند هؤلاء المفكرين والحركات السياسية تعني (الحاكمية الالهية) المطلقة لله تعالى في البشر، وفي الحياة والمجتمع والسياسة، كما هي في الطبيعة والكون، وان الله هو المشرع والحاكم للبشر من منطلق (ان الحكم الا لله)، وقد انجبت هذه الفلسفة الجبرية عقم فكري وثقافي واجتماعي وسياسي يعطل ويميت قدرة واردة وفاعلية الانسان ويحيله الى كائن جامد لا دور له في هذه الحياة.

يعتمد الحاج حمد على آلية جديدة وفهم مختلف تماماً عما تم طرحه من قبل المفكرين والدارسين لفكرة الحاكمية الالهية، اذ انه بصراحة اقام الفكرة واوقفها على قدميها بعد ان كانت واقفة على رأسها، من خلال جعلها (حاكمية للبشر) لا (حاكمية لله).

لقد اوضح الحاج حمد مسألة في غاية الاهمية وهي انه لم تسىء فكرة الى الاسلام والمسلمين وتشوه فكرهم وواقعهم، كما اساءت فكرة (الحاكمية)، هذه الفكرة التي انجبت مجموعة من المفكرين والزعماء والقادة والاتباع المتشددين والمتطرفين على الساحة العربية والاسلامية، والتي جعلت العالم اليوم اكثر عنفاً وتطرفاً وتشوهاً من السابق، هذه الفكرة التكفيرية التي تبنتها حركة الخوارج المتمردة في زمن مضى من التاريخ الاسلامي، وقت خلافة الامام علي بن ابي طالب، وتحديداً في معركة صفين حين تم رفع المصاحف على رؤوس الرماح، في دعواهم بالاحتكام الى كتاب الله من خلال شعارهم (لا حكم الا لله). وقد ادرك الامام علي مضمون فكرهم وخبث نواياهم ومخططهم الاجرامي فردهم بقوله ان عملهم وشعارهم وفكرهم انما هو : ( كلمة حق يراد بها باطل ).              

لقد تم استغلال فكرة الحاكمة من قبل الكثير من الكتاب والمفكرين والمستفيدين لتحقيق مصالحهم الشخصية وافكارهم السئية وتزييف الوعي الاسلامي وتدمير الافراد والمجتمعات، وكذلك قاموا بتحجيم وتحجير وحجب العقول وتعطيل الحرية والاختيار وتقديم الولاء والانتماء المطلق للمشيئة والارادة الالهية، ونحن نشهد اليوم تيار جبري معاصر ومتشدد يحيل الانسان الى كائن ضعيف لا دور له سوى تحقيق الطاعة العمياء للخالق، ويمارس اصحاب فكرة الحاكمية المطلقة لله تعالى، سلطتهم المطلقة وسطوتهم على الناس وكأنهم حماة الدين والناطقون الرسميون بأسم الشريعة الاسلامية.

ويرصد حاج حمد علة اتخاذ الكثيرين من القادة والحكام والتيارات الدينية لفكرة الحاكمية بصورتها السلبية السائدة حيث يقول: " ان فشل قادة الحركات الدينية في التعايش...قد شوَّه مفاهيم الدين وأوجد حالة الانفصام ما بين المسلم ودينه من جهة، حين لا يتقبل المسلم حالات التعصب والمغالاة والادعاء والفرقة وإسقاط حقوق الغير، كما أوجد حالة من الانفصام بين المسلم ومجتمعه من جهة أخرى، حين يقبل بهذه المقولات الزائفة على علَّاتها ظنًّا منه أنها من صلب دينه. ان هذه الخيارات الزائفة والمستندة الى فهم ديني خاطىء، والتي تأخذ بها حركات (الصحوة) الآن، تتعارض كلياً مع منهجية القرآن وخصائص عالمية الرسالة ومفهوم الاسلام للحاكمية البشرية، وتعدد انماط الخطاب الالهي للناس وللمؤمنين وللمسلمين ." (كتاب الحاكمية ص 142).

قدم حاج حمد قراءة جديدة لقضية الحاكمية، تنم عن وعي وتنوير كبيرين للمفكر من جهة ولاعطاء فاعلية اكثر للانسان وحرية ومساحة في الفكر والعمل، من جهة اخرى، والتأكيد على وجودية الانسان ووحدته في هذا العالم رغم تنوع اللغات والاجناس والاثنيات، من جهة ثالثة.

ويرى حاج حمد ان الحاكمية قضية موجودة حقاً في الدين والطبيعة والانسان، ولكنها مرت بمراحل، وتطورت وتغيرت خلال التاريخ والتقدم الحاصل على مستوى الافراد والمجتمعات، فنحن نشهد ثلاث حاكميات او مراحل في التاريخ البشري وهي :

1ـ الحاكمية الالهية.

2ـ الحاكمية الاستخلافية.

3ـ الحاكمية البشرية.

ـ الحاكمية الأولى، تعني "حكم الله المباشر للناس، دون استخلاف بشري، وهو حكم يتميز بـ " الهيمنة المباشرة" على البشر وعلى الطبيعة في آن واحد، مع التصرف الإلهي فيهما (البشر والطبيعة) تصرفاً محسوساً وملموساً من وراء حجاب." (ص 45).

وقد شهد التاريخ البشري الحاكمية الإلهية قديماً وكانت متمثلة في العلاقة بين الله والحالة التاريخية الإسرائيلية، وهي علاقة استوجبت قيام مملكة لله في الأرض ويدير شؤونها الله، بنفسه لا بمنطق الاستخلاف البشري عنه.

ـ والحاكمية الثانية " تعني أن يكون الخليفة موصولاً بالله عبر الإلهام والإيحاء، وأن تسخّر له الطبيعة والكائنات." (ص 64).

كما تعني أن الله يختار الخليفة تماماً كما اختار الله طالوت ثم داوود وسليمان، فالخلافة اختيار إلهي وتسخير إلهي، وليست مجرد سلطة دينية بموجب شرع الله وباختيار بشري.

ـ اما الحاكمية الثالثة وهي حاكمية تأتي "خارج منهج الهيمنة الإلهية المباشرة على البشر والطبيعة "الحاكمية الإلهية"، وكذلك خارج منطق الاختيار الإلهي والتسخير "حاكمية الاستخلاف". (ص70).

يؤكد الحاج حمد أن الله عز وجل قد تدرج بالبشرية لتحكم نفسها وتلك غايته من الخلق، من "الحاكمية الإلهية" إلى "حاكمية الاستخلاف" إلى "الحاكمية البشرية"، أي "حاكمية الإنسان".

إن الحاكمية البشرية قائمة على شرعة الرحمة والتخفيف، لا على شرعة الإصر والأغلال. حاكمية تتسع فيها " دائرة "التصرف البشري" بالقدر الذي تتسع به مداركنا ومفاهيمنا، وتتغير استنباطاتتنا بالقدر الذي تتغير به الأزمنة والأمكنة، وصولاً إلى تأصيل منهج الهدى ودين الحق". (ص 100).

" ان الحاكمية البشرية تتضمن –بحكم بشريتها- التفاعل الإنساني مع المجموع البشري دون ادِّعاءات التفضيل والوصايا على الآخرين، فمن طبيعتها أن تلجأ إلى أنواع متعددة من الحوارات مع المجموع الإنساني على ضوء منهجية القرآن الكلية ودون أن تطبق على هذا المجموع الإنساني "نموذج دولة" لم يِؤسسه خاتم النبيين أصلاً، ودون أن تدعي تمثلها ورجوعها إلى فهم قرآني تأسيسي معين... إنها حاكمية بشرية ليس من طبيعتها أن تستمد سلطانها إلَّا من البشر أنفسهم لا من "فئة" تختار نفسها باسم الله ـ سبحانه ـ او بأسم حاكميته، او استخلافيته، سواء كانت هذه الفئة حاكمة او معارضة ". (ص 131).

حقاً انها قراءة تنويرية وعقلانية تجديدية فاعلة قدمها مفكرنا ذات بعد وجودي انساني عميق تتيح للانسان مساحة واسعة لممارسة وجوده واطلاق طاقاته وادارة شؤون حياته وفق اختلاف منطق الزمان والمكان، ولكن لا يعني ذلك اطلاق العنان للانسان دون قيد او شرط او منهج ينظم حياته الدنيا، فـ " الانسان يستلهم "منهجية القرآن" في ممارسة "حاكمية البشر" " (ص 113)

ولكن لا يعني ذلك ايضاً هيمنة الانسان بصورة مطلقة على الانسان والعالم، كي لا نقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه دعاة الحاكمية الالهية، حين جعلوا هذه الحاكمية هي المسيطرة والمهيمنة على العالم والبشر والطبيعة، وانما يعني حاكمية تعطي للانسان مساحة كبيرة في الادارة والحكم والحياة بالزام ورباط سماوي الهي ينير الطريق والفكر والوجود.

ان الحاج حمد انما يريد التقريب بين ماهو سماوي وما هو ارضي، وان يؤسس لفلسفة انسانية فاعلية تؤمن بما هو انساني وجودي من جهة، وبين ما هو الهي من جهة اخرى، لان وجودنا متكون من هذين الطرفين.

نحن اليوم بامس الحاجة الى تقديم قراءات ومناهج جديدة تنسجم ووجودنا المعاصر، كي نحقق النجاح في هذه الحياة على اتم وجه، وان نحسن ادارة وجودنا وحياتنا، واستبدال الفكر المتشدد والمتطرف والاحادي بفكر تعددي حواري يؤمن بوجود الآخر كوجود الذات، لاننا في هذا الوجود (نحن) كل لا يتجزأ مهما تعددت وتنوعت الواننا والسنتنا وادياننا وافكارنا.

      

zouhair khouildi"إن تحديد ماهو فطري وماهو مكتسب في سلوك الإنسان قد يكون مجالا مثيرا للبحث إذا ما كان هذا التحديد ممكنا"1[1]

الأنثربولوجيا الثقافية هي أحد مناهج العلوم الإنسانية التي حلت محل الأثنولوجيا عند فرايزر وتايلور التي ادعت معرفة مباشرة بأحوال الشعوب البدائية وسعت إلى اكتشاف الحقائق الأساسية بطبيعة النفس البشرية من خلال المقارنة بين عناصر وتفاصيل الثقافة البشرية على صعيد عالمي. كما نقدت الاتجاه الوظيفي عند برونيسلاف مالينوفسكي الذي هدف إلى تبيان كيفية قيام الجماعة الغربية بوظيفتها بوصفها نظاما اجتماعيا وركز على الفروق القائمة بين الثقافات البشرية أكثر من التشابه. بيد أن ميزة المنهج الأنثربولوجي البنيوي عند كلود ليفي شتراوس تكمن في دراسة السلوك الثقافي الذي يتخذ شكل نظم اجتماعية كالعائلة ونظام القرابة والتنظيم السياسي والإجراءات القانونية والعبادات الدينية والعادات والتقاليد والنظام الاقتصادي وذلك بهدف تحديد العلاقة والتأثير المتبادل بينها سواء بالنسبة للمجتمعات القديمة التي نعرفها عن طريق الآثار التي تركتها أو فيما يتعلق بالمجتمعات المعاصرة عن طريق الرصد المباشر. يعبر شتراوس عن حاجة التحليل البنيوي إلى وضع كل التبديلات الممكنة وفحص الأدلة التجريبية على الأساس المقارنة بقوله:" يشتمل المنهج الذي نتبناه على العمليات التالية:1) حدد الظاهرة المدروسة بوصفها علاقة بين اثنين أو أكثر من الحدود أو العناصر، الحقيقية أو المفترضة، 2) ضع جداولا للتبديلات المحتملة بين هذه الحدود، 3) تناول هذا الجدول بوصفه الموضوع العام للتحليل، هذا الأخير الذي لا يتمكن من كشف الروابط الضرورية إلا عند هذا المستوى، فالظاهرة التجريبية لا تكون عند بداية النظر فيها سوى تركيب واحد بين عدد من التركيبات الممكنة الأخرى، والتي ينبغي بناء نظامها مقدما"2[2]. لقد شرع شتراوس للاختلاف وآمن بالتنوع بين الثقافات ونقد نظرية الانتشار الثقافي التي تقر بذيوع السمات الثقافية عن طريق اقتباسها أو بالهجرة من منطقة إلى أخرى وتؤكد أهمية هذا الانتشار في نمو الثقافة البشرية وقدرة الاختراعات الجديدة وأهمية الاستعارة المستمرة والسمات المشتركة في تاريخ الإنسان. لقد ضم المنهج الأنثربولوجي الاجتماعي كل من البنيوية والجيولوجيا والألسنية والتحليل النفسي والماركسية والأثنوغرافيا والتاريخ وتناول نظرية القرابة ومنطق الأسطورة ونظرية التصنيف البدائي.

على كل حال تهتم الأنثربولوجيا البنيوية بمسائل تطور الإنسان بدءا من أشكال حيوانية وتوزعه الحالي في جماعات عرقية متميزة بصفات تشريحية أو فسيولوجية وتدرس أيضا مراحل تطوره الأخيرة بوصفه نوعا بيولوجيا والمراحل التي قادته في ظروف مختلفة عن الأنواع الحية الأخرى إلى اكتساب اللسان.

"على الرغم من أن الأنثربولوجيا الطبيعية تلجأ إلى معارف ومناهج متفرعة من العلوم الطبيعية فإنها تؤول الى حد كبير إلى دراسة التحولات التشريحية والفزيولوجية الناجمة بما يتعلق بنوع حي معين عن ظهور الحياة الاجتماعية واللسان ومنظومة قيم أو بكلام أصح ظهور الثقافة."3[3] من هذا المنظور يوجد الإنسان في وضع بيو- ثقافي، فهو في منطقة وسطى بين الغريزة والعقل وبين التوحش والتحضر وبين الطبيعة والثقافة وبين البداوة والحضارة. ولكن ماذا يضيف تشكل الثقافة إلى ظاهرة الطبيعة ؟

غني عن البيان أن الثقافة في معناها العام هي الحصول على قدر معين من التربية والتعليم واكتساب نشاط معين عند فئة معينة تمتلك صفات المثقف، أما المعنى الخاص للثقافة فيشير إلى جميع الأنشطة بين أفراد المجتمع الواحد وبالتالي هي المظهر الخارجي للسلوك المكتسب الذي تؤلف عناصره قدرا مشتركا ويتناقله أفراد مجتمع معين وبالتالي الإنسان كائن ثقافي والثقافة لا تنحصر في فئة دون غيرها ولا وجود لمجتمع غير مثقف. هكذا تدل الثقافة على طريقة حياة يتميز بها مجتمع وتحتوي على مجموعة من الأنماط السلوكية وتتضمن جملة من الممارسات المشتركة الموروثة والمتطورة وتنقسم إلى جانب مادي تقني وجانب معنوى ذوقي. من المعلوم أن الدراسات الأنثربولوجية تعتمد على ثنائية الطبيعة والثقافة وتعتبر الإنسان كائن طبيعي وثقافي في ذات الوقت ولا يمكن الفصل بين العوامل البيولوجية والعوامل الاجتماعية في تكوين المحيط الذي يعيش فيه الناس بل ثمة تداخل بين العناصر الطبيعية والمعطيات الثقافية في تكوين الإنسان وبالتالي لا وجود لطبيعة خالصة وليس ثمة ثقافة غير متداخلة مع الطبيعة. كما تحاول النظرة الأنثربولوجية التخلص من النظرة المعيارية التي تفاضلا بين المجتمعات وفق ثنائية التحضر والتخلف أو الزوج المفهومي بدائي وتقدمي وتعامل جميع الثقافات وفق مبدأ المساواة وبطريقة موضوعية بالرغم من اعترافها بأن كل ثقافة لها حركيتها الخاصة وبنية مادية وبنية معنوية تعبر عن محاولات فهم ظواهر الطبيعة. " أما الاعتقاد بأن الإنسانية قد حلت في نمط واحد من الأنماط الجغرافية أو التاريخية فيستحيل أن يسود في تلك المجتمعات أو في مجتمعنا دون أن تكون السذاجة والأنانية قد طبعتها ذلك أن حقيقة الإنسان لا تكمن إلا في اختلاف اجتماعاته وخصائصه المشتركة في آن معا."4[4]

كما يفسر كلود ليفي شتراوس الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة بوصفه انتقال من النيئ إلى المطبوخ ومن العري إلى التبادلات التجارية ويعتمد على دراسة الأساطير والفكر البري ومنظومات القرابة وتفسير تحريم سفاح المحارم (الزواج الداخلي والخارجي والتفضيلي والأحادي والمتعدد) وضبط قانون التبادل ويرى أن كل مجتمع يتمثل بعض القواعد ويعدل شروط استمراره الفيزيائي وفقها ويشجع بعض أنماط الاتحاد ويستبعد الأخرى ويقوم بتطبيق منهجي لعدد من المعايير الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والجمالية. لهذا السبب يقر شتراوس بأن مسألة التعارض بين الطبيعة والثقافة ليست معطى أوليا ولا مظهرا موضوعيا لنظام الكون بل عملا دفاعيا حفرته الثقافة في دائرتها قصد تأكيد وجودها وتواطؤها الأصلي مع الحياة. إن إقامة التعارض بين النظام الطبيعي والنظام الثقافي هو إبداع من صنع الثقافة ويهتدي بحضور أو غياب اللغة المنطوقة واستخدام الرموز في العمليات المعقدة للتواصل ويكتسي مظهر قصدي وتناول تركيبي لسيادة تراتبية وتدرجية وفق آليات متراكبة وبنيات دماغية وتحولات أدائية وتشريحية في الدماغ. والحق أن " بين الثقافة والطبيعة مقايضة تعطي المتشابه لتنال المتغاير وهي تجري تارة بين الناس أو في ما بينهم وتارة بين الحيوانات والناس... أما الاختلافات فينتزعها الإنسان من الطبيعة ويحملها على الثقافة... فتصبح شعارات تتميز بها الجماعات وتنفي بواسطتها الصفة الطبيعية عن اتحادها "5[5]. هكذا يبقى ظهور الثقافة لغزا إنسانيا ونتاجا طبيعيا ويخضع إلى المجتمع أكثر منه إلى الفرد ويقتضي العودة إلى جملة من القواعد والمجموع المعقد من المواضعات والمؤسسات والتحريم الجنسي للأقارب. من المنطقي أن تمتلك كل قاعدة اجتماعية مثل هذا التحريم صفة الكونية ولكنها تطبق في وضعيات خاصة وفي ذلك يصرح شتراوس ما يلي:" لنفترض أن كل ماهو كوني وشمولي، لدى الإنسان، ينتمي إلى مستوى الطبيعة ويتميز بالتلقائية ، وأن كل ماهو خاضع لقاعدة ينتمي إلى الثقافة ويمثل ماهو نسبي وخصوصي"6[6]. في المجمل العلامة المميزة للثقافة ليست الأشياء المصنوعة ولا يتوقف على إعادة تعريف الإنسان بكونه صانع أدوات بل اللغة المنطوقة هي التي تمثل كيان الثقافة والواقعة الثقافية المميزة وإحدى الاستعدادات التي يتلقاها الإنسان من التراث المحيط به وتتشكل عبر تمفصل العلامات، وكذلك تمثل اللغة الحالة الفعلية التي أنجز عبرها الإنسان عملية الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة بل هي ملكة تواصل لساني وأداة تعبير وإعلام وأكثر مظاهر النظام الحضاري اكتمالا. " فهاهنا بين الثقافة والطبيعة مقايضة تعطي المتشابه لتنال المتغاير وهي تجري تارة بين الناس أو في ما بينهم وتارة بين الحيوانات والناس... أما الاختلافات فينتزعها الإنسان من الطبيعة ويحملها على الثقافة... فتصبح شعارات تتميز بها الجماعات وتنفي بواسطتها الصفة الطبيعية عن اتحادها "7[7].

في نهاية المطاف تحد الفرد بصورة حتمية قوانين لاشعور مجهول ولا زمني والتي هي قوانين الكون ويترتب عن ذلك أن الحرية والقدرة الخلاّقة للإنسان ودور الفاعل التاريخي هي مجرد أوهام وبالتالي النزعة المضادة للإنسانوية والمثالية المادية جعلت شتراوس يفترض وجود بنيات تفسر الظواهر ولا يمكن إرجاعها إلى أي شيء آخر ويتبنى تصورا سلبيا عن التاريخ والتطور الزمني والذاتية والتقدم ويرى أن الإنسان يتحول من ذات فعالة إلى مجال تمارس فيه الأنساق والبنيات والحتميات اللاواعية تأثيرها الفعال وسيطرتها. وبالتالي ليست البنية معروضة للملاحظة المباشرة بل تفلت من دائرة الوعي العادي والمعنى الأول ليس هو الأحسن وليس ماثلا بل منشأ ولا يتم استخراج السمات الأساسية والثابتة للظواهر إلا من طرف الوعي العلمي حيث يتم الكشف عن السمة اللاشعورية المجهولة للبنيات التي يستعملها الإنسان دون أن يصنعها. علاوة على ذلك تضع البنيوية بين قوسين النشاط القصدي للوعي وترفض الرجوع إلى المعاش ولا تزعم امتلاك الوعي بل تعتبر الوجود الواعي للكائن يطرح مشكلة لا يمكن حلها وتدرس منتوجات النشاط وتصعد إلى حقيقته اللاشعورية ولا تبالي بالعمليات التاريخية والتعبيرات الواعية عن الظواهر الاجتماعية بل تعطي اعتبار أكبر إلى النماذج وتنتقل من دراسة المضامين الشعورية إلى دراسة الأشكال اللاشعورية وتقر بأن البنية المعهودة للظواهر تفلت من الوعي. وبالتالي لا تعطى المعقولية العلمية في التجربة المعيشة في مستوى الإدراك الحسي بل ثمرة عملية إنشاء نماذج ومنظومات من الأشكال ضمن لغة رمزية ومعالجة جبرية. عندئذ لا تتوقف البنيوية عند التشابه والثوابت والواحدية عند دراستها للمجتمعات بل تنتج المعرفة العلائقية والفوارقية وتركز على الاختلاف والتحول والفوارق الدالة بوصفها تمثل البنية المعقولة للنسق الاجتماعي. لكن ما الفرق بين الثقافة والحضارة وبين المثاقفة والتحضر؟ ومتى تنتقل الثقافة إلى الحضارة؟ والى أي حد تمثل الحضارة نقطة اللاعودة مع الهمجية ؟

 

...................

الإحالات والهوامش:

[1] اموند ليتش، كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثربولوجي، ترجمة ثائر ذيب، دار الفرقد، دمشق، طبعة ثانية، 2010، ص217.

[2] كلود ليفي شتراوس، الطوطمية اليوم، الترجمة الأنغليزية، ص16. ذكره اموند ليتش، كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثربولوجي، ص37

[3] كلود ليفي شتراوس، الأنثربولوجيا البنيوية، ترجمة مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1977،ص406.

[4] كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1987،ص298.

[5] كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، مرجع مذكور، ص.134.

[6] كلود ليفي شتراوس، البنيات الأولية للقرابة، الطبعة الفرنسية 1971، ص.10.

[7] كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1987،ص.134.

 

المصادر والمراجع:

كلود ليفي شتراوس، الأنثربولوجيا البنيوية، ترجمة مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1977،

كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1987،

كلود ليفي شتراوس، البنيات الأولية للقرابة، الطبعة الفرنسية 1971.

اموند ليتش، كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثربولوجي، ترجمة ثائر ذيب، دار الفرقد، دمشق، طبعة ثانية، 2010،

 

كاتب فلسفي

يمثل الموت محوراً هامًا في فلسفة سقراط، وهو من الموضوعات المثيرة في فلسفته، ولقد تعرضت معظم المحاور السقراطية لهذا الموضوع. والموت يعني عنده انفصال النفس عن الجسد، بمعني أن يظل الجسد بمفرده، وتكون النفس أيضا مستقلة عن الجسد وقائمة بمفردها. ويحاول سقراط تفسير الموت تفسيًرا عقليًا في محاورة (الدفاع) فيقول الميت يكون علي أحد حالين إما أن يصبح عدمًا ولا يكون له إحساس كما هو الحال في حالة النوم، وإما بحسب ما يقال أنه يحدث تحول وهجرة للنفس من هذا المكان إلي مكان آخر. فالموت في محاورة الدفاع هجرة النفس من الحياة الدنيا إلي الحياة الاخرة .و سقراط هنا يجعل مستمعيه

بين اختيارين فإما أن يكون الموت هو نوم بلا أحلام أو أنه عبور وهجرة لعالم آخر. ولذا فانه إذا كان حلمًا فانه يعد مكسبًا، فانه مكسب أن أمضي للقاء نهايتي بدون مسحة من الألم/ فهذا بلا شك كسب لكل إنسان غمرته المتاعب والهموم.

أما إذا كان هجرة من مكان إلي مكان آخر فانه سيكون خير أعظم. ويؤكد سقراط علي حقيقة خلود النفس بعد الموت، بمعني أن النفس لا تفني بفناء الجسد. بل هناك حياة آخري بعد هذه الحياة الدنيا، وهذا ما يبرر إقدامه علي تجرع السم، ومواجهة الموت بشجاعة وإقدام وعدم الإنصات لأصدقائه بالهروب.من هنا الموت عند سقراط ليس بنهاية، لأنه لو كان تناهي ما كان ليحمل نفس المعاني التي يحملها باعتباره يجعل النفس بعيدا عن الجسد وكأنه هجرة من مكان إلي أخر.و هكذا يري سقراط أن الموت محض انتقال من حياة إلي آخري، والنفس باقية قبل الحلول في الجسد وبعد مفارقة الجسد. ويستدل سقراط علي ذلك بأدلة من التراث الديني والتراث الثقافي. وفي سياق حديث سقراط عن الموت يشير إلي الانتحار وهو يعارض الانتحار، ويري أن الموت ليس بمعني الانتحار، أو إيذاء للنفس أو الموت بشكل إرادي من الانتظار حتى يحدث ذلك بيد الاله الذي خلقنا ووهبنا الحياة وليس مبرر للهرب من هذه الحياة التي وهبها لنا الاله. ومن الأسباب الهامة أيضا في شجاعة سقراط في مواجهة الموت هو انه من وجهة نظره عدم التفكير في الحياة والموت لان هذه المسالة تحدث دون إرادة الإنسان ودون تدخل منه.و لكن من المهم هو أن ينظر الإنسان فيما يفعل هل يفعل الصواب أم الخطأ .و كذلك يقين سقراط أن هناك حياة آخري بعد الموت حياة خالدة باقية لا يعكر صفوها الهموم والمتاعب والصعاب كما هو الحال في الحياة الدنيا. فالنفس في الحياة الآخرة تسعد بالهدوء والسكينة والرضا والعيش في سعادة، لذا اقبل سقراط علي تجرع السم في مشهد ينم عن شجاعة وثقة بما بعد الموت من حياة خالدة، لذا الموت لا يمثل لسقراط أي قلق أو مشكلة بل علي العكس ستنطلق النفس إلي افاق عليا وتعيش حياة خالدة باقية .لذا ضرب سقراط المثل الاعلي في الدفاع عن مبادئه

والموت من اجل أهدافه. وخلد اسمه في التاريخ الإنساني بأنه المدافع عن مبادئه وأهدافه، وسيظل سقراط اسمه خالًدا علي مر التاريخ علي أنه قابل الموت بشجاعة وإقدام، ولم يجزع لذلك .

 

د. عماد الدين ابراهيم

zouhair khouildiتعاني الديمقراطية عند العرب من عدة أمراض أهمها تأثير مراكز النفوذ واستفحال الفساد والعجز عن الفعل ولذلك تقترح الفلسفة السياسية المعاصرة التوقي بالشفافية ضد الفساد والإعلام الاستقصائي باعتباره سلطة رابعة تقوم بوظيفة المراقبة والتشهير والملاحقة والترصد والفضح والمجاهرة بالحقيقة في وجه السلطة المالية والتقليدية والسياسية وتنظر الى الديمقراطية الآتية التي تتماشى مع روح العصور القادمة.

المرض الأول الذي تعاني منه الديمقراطية العربية - ان وُجِدَت- هو اختراق مراكز النفوذ المالي مواقع اتخاذ القرار والسيطرة البيروقراطية على المؤسسات واحتكار آليات التنظيم الاداري وتكوين مجموعات ضغط عالية تمارس نوع من الهيمنة الناعمة والذكية على النشاط الاقتصادي بالتحكم في المشهد السياسي وتتسبب في تفجر صراعات وانقسامات اجتماعية نتيجة تضارب المصالح وتغير المعطيات والتوجهات.

المرض الثاني الذي أصابت جرثومته الجسد السياسي العربي وجعلته في حالة ممانعة تلقائية للديمقراطية هو الفساد ويظهر ذلك في الولاء والمحسوبية والرشوة والوصولية والانتهازية واصطياد الفرص المواتية وحصد المواقع عن طريق اتقان فنون المضاربة والمقاولة والمزايدة والبروباغاندا والديماغوجيا والإلهاء. لقد تحول الفساد الى جدار سميك يمنع الكائن الديمقراطي العربي الوليد من استنشاق هواء الحرية والحق ويتعود على واقع العنف والكذب والغبار الملوث وانتشار السمسرة والزبونية والسلعنة والهدر والفوات.

المرض الثالث الذي تحول الى خلل بنيوي وإعاقة دائمة يتعلق بحالة العجز المستمر على القيام الذاتي وتحقيق وثبة الاستمرار والديمومة والبقاء والاحتفاظ والمبادرة بالفعل والابتكار والخلق والإبداع ولذلك ظل الساسة العرب مقعدين مقلدين و يؤثرون الخطابة والسفسطة والتحشيد على المناظرة والمبارزة. كيف تواجه السياسة العربية لامعقولية الفساد؟ومن يقوم بمهمة الطبيب المعالج للأمراض السياسية ؟ هل الحاكم الأصلي أم المعارض المناضل؟ وأي دور يلعبه المتحزب السياسي والناشط الحقوقي في المجتمع المدني؟

من المرجح أن تكون هيمنة عقلية الهبة واقتصاد العطاء على المعاملات سبب انتشار الفساد في الأجهزة الإدارية للدول العربية ، وقد يؤدي تقديم يد العون والمساعدة الى الاخلال بالنسق العادي للتنظيم الاداري وبروز تفاوت في التعامل وفي قضاء الحاجات بين المواطنين وعدم التكافؤ الفرص في نظام المبادلات.

أما الضغوط القوية الذي تمارسها الشخصيات الفاعلة في مراكز النفوذ على السياسيين والإعلاميين والخبراء والإداريين فإنها قد تؤثر في طبيعة القرارات السياسية ونجاعتها وقد يسرع في تنفيذها أو يحول دون الالتزام به عند التطبيق وقد يعرقل عملية ترجمة التدابير على صعيد الواقع ويدخل الاضطراب على السير العادي للأجهزة والمؤسسات ويتم توجيهها واستخدامها في سبيل تحقيق مصالح مجموعة ضيقة.

علاوة على ذلك تشكل القوانين والدساتير نقطة الضعف في النظام الديمقراطي ولا يعود ذلك الى التلاعب بها وإخضاعها لمشيئة الحكام وأهوائهم بالتعديل والتغيير وفق الظروف والتوازنات والمصالح وإنما الى صعوبة الالتزام بها عند التطبيق والتقيّد بروحها وحسن قراءة النصوص التشريعية واتباعها بحذافيرها في الممارسة العادية وإخضاع تفاصيل الحياة اليومية بتعقيداتها وتحولاتها الى منظومة الجزاء والردع.

غني عن البيان أن مقاومة الفساد في المجتمع مرتبطة بتقوية النظام الديمقراطي وتركيز مؤسساته بشكل علمي وعقلاني في المجتمع وعدم الوقوع في الخلط بين الاجراءات الادارية والتبادلات الاقتصادية وتفادي تفجر تضارب المصالح وايثار المشترك والعمومي والوطني على الخاص والفردي وما أقل وما بعد الوطني وصنع التناغم بين القاعدة الشعبية العريضة والقرار السياسي المتخذ وبين السياسي والشارع.

من المفروض أن يتم التنبيه على أن الديمقراطية كما تم تصديرها إلى الديار العربية بالقوة والإكراه قد أصبحت خطيرة وأفضت إلى نتائج كارثية وانقلبت على الأمة بالوبال والتدمير وبالتالي آن الأوان للشروع في تفكيك هذا التراث الديمقراطي الغربي الموروث عن الحركات البرجوازية الإصلاحية والتي تم تعديلها بعد بروز العولمة وطغيان النزعات الامبريالية المتسترة وراء رداء كونية حقوق الإنسان وثقافة المواطنة. لقد اتضح بعد تاريخ طويل أن الفكرة المشتركة التي أنتجتها العقلانية الغربية عن الديمقراطية قد استنفذت واستهلكت ما تبقى من نفسها وأن المكونات النظرية والعملية قد أفرغت من مضمونها وفقدت بريقها ولم تعد كافية لمواصلة ريادة البشرية والتبشير بالوفرة والرخاء والأمان بوصفها جنة موعودة على الأرض. يعني تفكيك الديمقراطية التساؤل عن المسلمات السياسية الثاوية في النزعات الثقافية المتمركزة حول العرق واللغة والدين والإقليم والكشف عن استراتيجيات الهيمنة في خطاب الذات العارفة والحاسبة 1[1].

ينبغي تحمل المسؤولية الفلسفية في الكشف عن رذائل الديمقراطية والتحلي بالوعي الضروري لتشخيص الأمراض السياسية لمثل هذا التقليد الذي ابتكره العقل الغربي في زمن التوسع والإرادة الغازية للكوكب. ويجب الإقرار بأن الديمقراطية ليست فحسب نمطا في الحكم يقره نظام سياسي معين ولا تنظيما للمجتمع بل هي وعد بالتنوير ينسخ الاتباعية والجهل والوصاية بالنسبة للجمهور وبالتالي أصبحت غير مطابقة لروح العصر ومطالب الناس في العدالة والمساواة والحقوق والحريات والاعتراف والاندماج والتقدير.

تتكون الديمقراطية من بنية الوعد والعلاقة مع الغيرية ويمثل الحقل السياسي مكان الظهور وما يسمح بالحضور أمام الذات ولكن الكل يتوقف على فهم المفارقة السياسية التي تقر بأن الامتياز الديمقراطي لا يحضر إلا بالضياع في العمومية والمثالية وأن السياسي لا ينخرط في الفعل إلا بإطلاق الوعود اليوتوبية.

في هذا المقام يمكن التأليف بين الحلم الماركسي بمجتمع بلا تفاوت وبلا صراع بين الطبقات وبين المقترح الذي بلوره جاك دريدا حول انتظار الديمقراطية الآتية التي تؤلف بين المحبة النابعة من الوعود التأسيسية لللاّهوت الفلسفي وبين الجمهورية بوصفها مكان إجراء المفاوضات وإبرام الاتفاقات بين القوى الفاعلة. يقال أن البديل الديمقراطي هو أقل الأنظمة السياسية سوء وأننا لا يمكن أن نقارنه بالحكم الفردي المطلق والاستبداد الأغلبي الأوليغراشي والنظم الملكية التوريثية المغلقة والتصورات الفوضوية والنزعات اللاّسلطوية، ولكن يقال أيضا أن الحكم الديمقراطي غالبا ما يكون مطية لوصول قوى غير ديمقراطية للحكم وتنتهي بالعنف وتهيمن أقلية ويسود العقل الحسابي والبراغماتية المشوهة والميكيافلية السلطوية.

لا مناص من استبدال السياسة بالسياسي ومنح الفعل السياسي مرتبة القاعدة الإستراتيجية والبروتوكول الشرفي للظهور في المشهد العمومي القادم والتوجه نحو إعادة بناء وتشكيل الفكر السياسي المستقبلي.

في هذا السياق يجب أن تولد ملحمة سياسية تعلن قيام المقاومة ضد الشمولية وتفشي الإرهاب والعنصرية والعولمة المتوحشة والبيروقراطية الإدارية والتصدي لهيمنة الخبراء والتكنوقراط على المؤسسات العامة.

من الضروري القيام بقفزة على القواعد القديمة التي تدعي الموضوعية والحضور في السياسة وممارسة الظهور من خلال اللعب خارج كل منطق سياسي ونسق حقوقي والتحرك ضمن الإمكانيات المقتدر عليها.

إذا كانت الفلسفة السياسية تتراوح بين الأنطوثيولوجيا والأسكاتولوجيا واذا كان شغل التفكيك هو تجربة المستحيل فإن الديمقراطية الآتية هي بناء للممكن ضمن مسطح محايثة يسمح للأمل السعيد بأن يشرق. فكيف يتحول البارديغم الديمقراطي العربي من سياسة المستحيل في ظل تفشي أمراض الفساد والاحتكار والهشاشة إلى تجربة منفتحة على الحدوث تضع حدا للحاضر المحدود والمنقلب على السياسة المهترئة؟

 

المرجع:

Derrida (Jacques), Politique et amitié, entretiens avec Michael Sprinker sur Marx et Althusser, édition Galilée, Paris,2011, p.99.

كاتب فلسفي

 

 

............................

[1] Derrida (Jacques), Politique et amitié, entretiens avec Michael Sprinker sur Marx et Althusser, édition Galilée, Paris,2011, p.99.

يعود الاكتشاف الحقيقي لفكرة اللاشعور إلى العالم النمساوي سيجموند فرويد. فهو أول من اعتقد بوجود عالم آخر غير ما نعهده من عالمنا النفسي المعبر عنه بالوعي والشعور. ورغم أن هناك من اعتبر نظريته مقتبسة من العالم بيير جانيه، لكن هذا الأخير لم يعول على تلك الفكرة كحقيقة مستقلة عن عالم الشعور، لذا أعاب عليه فرويد كونه اتخذ الفكرة بنحو المجاز لا الحقيقة. وقد أدرك الفلاسفة المعاصرون بداية القرن العشرين ما في نظرية فرويد من جدة وخطورة، لذلك انكروا عليه هذه النزعة الجديدة، فهم لا يفرقون بين الخصائص النفسية والشعورية، فما هو نفسي هو شعوري، والعكس صحيح أيضاً، وبالتالي لا مجال للقول بوجود عالم نفسي آخر يتصف باللاشعور، فكيف إذا ما افترضه فرويد بأنه يشكل الأساس النفسي، وهو أوسع وأعمق غوراً مقارنة بالشعور[1].

وأغلب ما يتعلق بمذهب فرويد في هذا المجال يدور حول (الكبت) كمرض عصابي، حتى جعله النموذج الفعلي للاشعور، فكما يعترف أن مفهومه للاشعور مستمد من نظرية الكبت[2]، وأن الأخير منبع جميع الانحرافات الجنسية، فهو أشبه بإناء محكم الغلق مملوء بالماء ومن تحته نار، فإذا لم يجد مخرجاً انفجر، أو إنه أشبه بماء يجري في قناة أصابها العطب فانسدت في مجراها، فيطفح الماء على السطح ويغمر المكان، وبالتالي إذا لم تجد الحياة الطبيعية مجراها السليم فسيتولد الانحراف وتأتي النتائج عكسية[3]. ويجد الكبت شيئاً من المتنفس عنه لدى الأحلام، حيث الأخيرة تعبير عن الرغبة المكبوتة، وكل رغبة تنبجس في الأحلام لا بد ان تكون رغبة طفلية[4].

هكذا فالذي يطّلع على نظرية فرويد في اللاشعور يجدها تدور حول عقدة الكبت، خصوصاً وان استنتاجاته مبنية على الأمراض العصابية، حتى أقرّ بأن أبحاثه في علم الأمراض قد دفعته وأتباعه إلى تركيز كل اهتماماتهم على ما هو مكبوت. فنظريته العامة مستمدة من علم الأمراض، إذ تنبجس الأعراض المرضية على المستوى السطحي للجهاز العقلي، وهو المستوى الوحيد الخاضع للمعرفة العلمية[5].

وفي البدء كان فرويد يعرّف طريقته في معالجة التحليل النفسي بأنها لا تتضمن إلا تبادل الحديث بين المحلل الطبيب والمريض، إذ يتكلم المريض ويروي أحداث حياته الماضية وانطباعاته الحاضرة، ويتشكى ويعترف برغباته وانفعالاته. ويسعى الطبيب إلى توجيه مسار أفكار المريض ويوقظ ذكرياته، ويوجه انتباهه في وجهة معينة، ويقدّم له تفسيرات، ويرصد ما يثيره فيه من ردود فعل تنمّ عن فهم أو عدم فهم[6]. لكن فرويد استدرك فيما بعد بأن هذه الطريقة لم تحقق ما يرجى، فعمل على تغييرها بأن يطلب من المريض ان يستسلم لعملية التداعي الحر، وهو ان يذكر كل ما يخطر في ذهنه من دون توجيه. وأقرّ بأن عملية التداعي الحر قد حققت النجاح في تحول الأمور المكبوتة من اللاشعور إلى الشعور.

وترتبط نظرية الكبت لديه بعقدة أوديب. وتعود هذه التسمية إلى اسطورة اغريقية استعارها هذا العالم لايضاح ما جاء به من فكرة. وتقول الاسطورة بأنه كان هناك ملك اسمه أوديب قد قتل أباه وتزوج بأمه دون أن يعرف أنهما والديه، ولما عرف بعد ذلك انتابته لوثة عقلية ففقأ عينيه وهجر المدينة إلى الفيافي، وراح يعيش بين الجبال من دون عقل، لذلك صارت هذه الكلمة تطلق على كل مريض شديد التعلق بأمه[7]. فهي تتضمن الكبت والتناقض بين إظهار الرغبة الجنسية اتجاه الأم من جهة، وفعل الضمير الذي ينهى عن ذلك من جهة ثانية.

ويتخذ الضمير هنا دور الأوامر والنواهي، ويتمثل في الأساس بوظيفة الأب ضمن النظام البطريكي، فهو مصدر السلطة والنهي والطابو المعارض للرغبات الجنسية اللاشعورية المتمثلة بما يطلق عليه فرويد (الهو). لذلك كانت عقدة أوديب أقرب علاقة بالأب منه إلى الأم.. ويتضح هذا الحال من محاولة صاحبنا تأويل بعض البيانات الانثروبولوجية لما كانت تفعله قبائل البشر القديمة. فقد تعرّض إلى هذه القضية بشكل مفصل في كتابه (الطوطم والحرام) ثم عاد إلى اختصارها في كتاب (حياتي والتحليل النفسي).

فلقد استعان في هذا المجال بداروين الذي افترض بأن الناس في الأصل كانوا يعيشون بهيئة قبائل، ترزح كل واحدة منها تحت سيطرة رجل قوي عنيف غيور على نسائه كما تفعل قرود الغورلا، لذا خطر في بال فرويد الرؤيا المفترضة التالية:

في قديم الزمان كان رئيس القبيلة طاغية لا حد لسلطانه، فقد استولى لنفسه على جميع النساء، ومنهن النساء المحارم، وحيث ان أولاده كانوا غرماء خطراً عليه فقد قتلهم أو نفاهم. بيد ان الأبناء تجمعوا ذات يوم وائتمروا على ان يقهروا أباهم ويغتالوه ثم يفترسوه، وهو الذي كان عدواً لهم ومثلاً أعلى في الوقت ذاته، وبعد أن تمّ لهم ما أرادوا دبّ الخلاف بينهم فعجزوا عن الاضطلاع بما ورثوا. ولكنهم استطاعوا تحت تأثير الاخفاق والندم ان يصلحوا ذات بينهم، وينتظموا في قبيلة من الأخوة مستعينين بقوانين الطوطمية التي تهدف إلى تجنب تكرر مثل تلك الفِعلة، وأجمعوا أمرهم على ان يتخلوا عن امتلاك النساء اللائي من أجلهن اغتالوا أباهم. وكان عليهم بعدئذ ان يلتمسوا نساءً غريبات، وذلك هو الأصل في الزواج الخارجي الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بالطوطمية. وما وليمة الطوطم غير إحياء ذكرى الفِعلة الرهيبة التي نبع منها شعور الإنسان بالذنب (أو الخطيئة الأولى) وكانت مبدأ النظام الإجتماعي والديانة والقيود الاخلاقية في آن واحد.

لقد جاءت هذه الرؤية التأويلية لفرويد اعتماداً على البيانات الانثروبية التي قدّمها الباحثان روبرتسون سميث وفريزر، وهما من العلماء المختصين في دراسة الأساطير القديمة، واعتبر نظريته في الديانة تلقي ضوءاً على الأساس السايكولوجي للتعاليم المسيحية التي لا تزال تهتم بوليمة الطوطم مع تحريف ضئيل في شكل التناول. فقد وجد ضالته عند اطلاعه على كتاب (ديانة الساميين) للباحث روبرتسون سميث، حيث تعرّف من خلاله على ما يُعرف بوليمة الطوطم باعتبارها جزءاً رئيسياً في الديانة الطوطمية، إذ يُقتل فيها الحيوانُ الطوطمُ الذي كان من قبل مقدساً، مرة كل عام، يُقتل في مراسم خاصة على مرأى من جميع أعضاء العشيرة، ويُلتهم بدمه وعظمه ولحمه نيئاً، وهم يرتدون من الملابس ما يجعلهم على على شاكلة الطوطم الذي يحاكون حركاته وأصواته، ثم بعد ذلك يُناح عليه بحسرات وتأوهات، ويعقب الحداد احتفال كبير من البهجة والفرح، حتى انه تنفلت جميع الغرائز من عقالها. وهنا يستشف فرويد طبيعة العيد وجوهره، ويعرّفه بأنه ينشأ عن إباحة ما هو محظور في الأزمنة العادية[8].

فقد لجأ إلى تأويل هذه الطقوس الاحتفالية فاعتبر الحيوان المقدس هو الأب الذي يرأس العشيرة والذي يقوم أولاده بقتله وافتراسه بدمه ولحمه وعظمه، ومن ثم الندم والنياح عليه، وبعد ذلك البهجة والفرح. فالتهامهم للطوطم المقدس يجعلهم يعززون وحدة الهوية فيما بينهم وانهم قد امتصوا الحياة المقدسة عبر الطوطم. وهو يرى ان ذلك شبيه بما تفعله الديانة المسيحية حين تحتفل بأكل الخبز وشرب الخمر، فهما يعبّران عن الجسد والدم المقدسين للمسيح بحسب الرؤية التأويلية.

ويعترف فرويد ان مقدماته الفرضية تبدو مغرقة في الخيال، لكنه يستدرك ويراها بانها تمتاز على ما عداها من الفرضيات بانها تحقق وحدة بين السلاسل المنعزلة والمنفصلة من الظواهر ما كانت لحد الآن متوقعة. فنظرية فرويد في هذا المجال قائمة على إفتراضات داروينية، وهي تضيف إليها سلسلة من الإفتراضات العمودية، مما يجعلها مركبة بعضها على البعض الآخر، وبالتالي المزيد والايغال في التأويل.

فما من ظاهرة إلا وحاول فرويد ان يرجعها إلى التأثير الإسطوري لحادثة قتل الأب وعقدة أوديب، أو الصراع بين الأب والأبناء، فالسلطة السياسية بنظره تتقمص حالة الأب، كما ان الإله في الاديان يتقمص هو الآخر صورة الأب، وان الأتباع عندما يتخذون إطار المعارضة فان ذلك يعني تقمصاً للدور البدائي للأبناء في عزائهم مع أبيهم. أما حينما يتخذون دور الطاعة فهو يعبر عن الرهبة والاعجاب بالأب. فكل شيء يحدث في الحياة الإجتماعية يكون صنيعة هذه المسرحية الإسطورية. حتى خشية الأطفال من حيوان معين مفسّر لديه بما يعني سلطة الأب. وبحسب هذه الفرضية فلقد انتقلت السلطة من يد الأب إلى الأبناء وظلت تحت سيطرتهم مدة من الزمن، ثم عادت مرة أخرى للأب ضمن لعبة الصراع اللاشعوري بين الطرفين، حيث أخذ الأب يثأر لنفسه بعد أن قتله الأبناء[9].

إن المسلك المنهجي الذي اتبعه فرويد يعاكس ما لجأ إليه ماركس، فعوض ان يرتكز على الحاضر لفتح مغاليق الماضي المجهولة لجأ إلى قلب المعادلة من خلال الارتكاز على الماضي المجهول لتأويل الحاضر في مختلف مظاهره وأحواله.

وهناك عدد من الاعتراضات على هذه النظرية يمكن تسجيلها كالتالي:

1ـ لعل أُولى الاعتراضات عليها هو أنها ربما تكون الوحيدة بين النظريات العلمية والفلسفية ربطت مصيرها بالاستناد إلى حادثة عابرة مفترضة جعلتها الأصل المؤثر على سائر الحوادث البشرية والتكوين النفسي للإنسان تقريباً، فهي ليست نظرية حتمية وذات عامل وحيد للتفسير فحسب، بل ان غرابتها تصل إلى حد اعتبار حادثة معينة تفضي إلى ان تكون أصلاً للتوارث والتأثير على مجرى التاريخ والأجيال بلا حدود، وهو ما لم يحدث لدى أيٍّ من الحوادث البشرية مهما كانت عظيمة أو كبيرة. وكأن التاريخ قد بدأ من تلك اللحظة المشؤومة المتمثلة بجريمة القتل السوداء. وقد يصعب ان نجد ما يناظر هذه الرؤية في تأثير حادثة عابرة تقوم بصياغة التكوين النفسي للإنسان وتحديد مصيره ومستقبله من دون منازع، فهي تناظر الصورة السطحية للفهم الديني بما فعلته شجرة آدم المحرمة من سلسلة حوادث الشر والآثام المتعاقبة.

2- لقد لجأ فرويد إلى حادثة مفترضة لقبيلة ما مجهولة وصغيرة وسط قبائل بشرية كثيرة، فلا يعقل ان تكون جميع القبائل قد أصابها ما أصابها من تلك الفعلة بقتل الأولاد للأب ومن ثم تأنيب الضمير والاحتفال بالطوطم كما هو مذكور ضمن عقدة أوديب. وبالتالي فاذا كانت بعض القبائل قد أصابها ما افترضه فرويد، فكيف جاز له تعميم توريث هذه العقدة على كافة البشر، مع ان الأصول البشرية لم تشترك بجريمة تلك العقدة ولوازمها المفترضة؟

3ـ كيف يمكن تقبل ما استند إليه فرويد بتوسعة مداليل ما افترضه داروين حول غيرة رئيس القبيلة شبيهاً بما يحصل لدى قرود الغورلا؟ مع ان الأَوْلى ان يجاب على ذلك بمنطق آخر قائم على حب التملك والتسلط، فهو أقرب للصواب والقبول وفق النظرة المادية الصرفة.. فالأقوى يفكر في الاستحواذ على كل ما يمكن ان تطاله يده من النساء والأموال والعبيد وغيرها. لكن حتى في هذه الحالة فان الأقوى لا يمانع من العطاء المتفاوت لما يملك بحسب من يراه أقرب وأحب اليه، مما يفيض عليه، وسيكون العطاء للأولاد مضموناً من الناحية المبدئية بحكم عاطفة الأبوة والشفقة، وأخرى بسبب الخشية من الانقلاب عليه وقتله. وبالتالي كان لا بد من أن يعطي هامشاً حراً للبقية. ومن الناحية الواقعية ان غيرة الإنسان على النساء ليست بلا حدود، فهو لا يغار على مطلق ما يملكه من نساء عند كثرتهن، لذلك لا يمانع المالك من ان يهب الكثير من جواريه للآخرين.. انما تكون الغيرة للمقربات والمحببات اللواتي يحظين بعلاقة خاصة مع المالك. وحتى في هذه الحالة لا يبالي المالك من ترك الكثير منهن بعد ان يشبع رغباته الجنسية فيهن. بل إن البدائيين كانوا يتميزون بعادة إعارة الزوجة كنوع من الكرم الأخلاقي؛ كالذي يشير إليه ول ديورانت في (قصة الحضارة)[10]. كذلك فان طاقة المالك الجنسية والنفسية لا تتحمل الإبقاء على الأعداد الغفيرة من النساء، فكان لا بد من ان يرضي الآخرين، لا سيما المقربين منه كالأولاد مثلاً.. فعلى الأقل إن فرويد لم يكترث بالطاقة النوعية للنفس البشرية وما تتضمنه من إمكانات ورغبات وعواطف كثيرة ومتنوعة دون ان تقتصر على الجنس والعدوان.

4ـ بحسب المعطيات الانثروبية ليست هناك صورة موحدة لتعامل القبائل البدائية مع المعاشرة الجنسية، فبعض القبائل تتعامل بطريقة مشاعية من الاباحية، وبعضها تتقيد بقيود مختلفة من المنع والتحريم. وحتى الرجوع إلى الحيوانات يجد التنوع في طريقة التعامل الجنسي بين الضوابط وعدمها[11]. ويميل البعض إلى ان الأصل في المعاشرة الجنسية هو المشاع بين أفراد القبيلة، ثم ظهر التقييد بعد ذلك شيئاً فشيئاً، وكانت القيود في البداية بين الأصل والفرع، مثلما هو الحال بين الآباء والأبناء، قبل ان يتحول التحريم بين الأخوة أيضاً، وقد زادت بعض القبائل على ذلك التحريم بين الأقرباء المباشرين.

لكن يبقى ان كل ما يُذكر حول الأصول الفعلية للمعاشرة الجنسية لا يتجاوز التكهنات، خصوصاً وان للقبائل البدائية الحية أنماطاً مختلفة ومتنوعة من هذه المعاشرة، ومن بينها التحريم داخل أفراد القبيلة قاطبة، رغم أنه نادر وليس بالأمر الشائع، وعندما تختص بعض العشائر بهذا النوع من التحريم، فانها تلجأ إلى البديل المتمثل بالزاوج مع أفراد العشائر الأخرى، كالذي يجري وسط بعض القبائل الاسترالية. أما الصورة التي افترضها فرويد حول انفراد الأب أو الرئيس في المعاشرة الجنسية لنساء القبيلة دون غيره، فليس لذلك أثر واضح داخل القبائل البدائية الحية. بل هناك ما يُعرف بحق الليلة الأولى كما يذكره المؤرخ (ول ديورانت)، وهو حق كان يتمتع به الشريف في أوائل العهد الاقطاعي في أوروبا، إذ يجوز له أن يفضّ بكارة العروس قبل ان يُؤذن للعريس بمباشرة الزواج[12].

وبعبارة أخرى، حينما يتحدث فرويد عن الجنس داخل القبيلة كأنه يتحدث عنه داخل الأسرة والعائلة الواحدة وكيف تمّ التحول من جنس المحارم إلى الاقتصار على الغير؛ ليفسّر بذلك كيف ظهر ما يُعرف بتقاليد الزواج. فحادثة القتل تفترض ان الأب معني بمنع الأبناء من الاتصال بنساء القبيلة، وهو إفتراض لا يجد له مسنداً انثروبياً أو تاريخياً، فلا يُعرف لحد الآن أي أثر للاستثناء البطريكي في المعاشرة الجنسية داخل القبيلة. ولو افترضنا بأن منع الأب للأبناء لهذه المعاشرة كان محدداً بالمحارم ضمن الأسرة والعائلة الواحدة دون أن يمتد إلى سائر نساء القبيلة، ففي هذه الحالة سوف لا نجد ما يبرر لماذا وقعت جريمة القتل الإسطورية؟!

5ـ لقد قلب فرويد المعادلة حيث لجأ إلى ما هو مجهول فافترضه كأنه معلوم، ثم حاول من خلاله تفسير ما هو معلوم عبر تأويلاته للحياة البشرية، بما فيها الواضحة المعالم، لتتفق مع الإفتراض الأول. مع ان الأَوْلى هو تفسير الماضي المجهول عبر الحاضر المعلوم، ولو من خلال لحاظ الامكانات والمحالات كالذي كان يؤكد عليه المنطق الخلدوني. فمن خلال سنّة الحياة المشهودة يمكن تفسير مجاهيل الماضي.. وليس قلب الحال من الارتكاز إلى الماضي المجهول لتأويل الحاضر المعلوم.

6ـ لا تستند طريقة فرويد الإسطورية إلى فرضية واحدة بسيطة، بل إلى فرضيات كثيرة معقدة التركيب، فبعضها قائم على البعض الآخر: فمن فرضية استحواذ الأب على النساء قاطبة، إلى فرضية قتل الأب بيد الأبناء، ثم إلى اعتبار الأب رمزاً مقدساً ضمن ولائم الطوطم واحتفالاته، ومن ثم إلى فرضية نقل السلطة إلى الشراكة الأخوية بالمساواة، حتى عودتها إلى الأب من جديد. وفوق كل ذلك فرضية التشكل النفسي بعقدة أوديب نتيجة الأثر الناجم عن حادثة القتل المشار إليها سلفاً. إذ كانت الحصيلة من الإفتراضات الإسطورية الآنفة الذكر هي أن تمّ سحب القضية الانثروبية واسقاطها على التكوين النفسي للإنسان عبر شيء من التقمصات، فقد حملت النفس البشرية هذا الإرث الانثروبي فظل عالقاً بها مثل علوق خطيئة آدم وانحدارها إلى ذريته؛ كشيء محتم لا مفرّ منه.

إن الأب بحسب التقسيم الفرويدي للنفس – كما سبق عرض ذلك - يمثل الأنا الأعلى في قبال المكوّن الأساسي للنفس والمتمثل بما يطلق عليه (الهو). فكلاهما متضادان ومتطرفان إلى الحد الذي ينزع عليهما فرويد القساوة البالغة، فالأول منهما يتقمص صور الأوامر والنواهي، فيبالغ في اتباع قواعد الاخلاق. فكلما غالى الإنسان في ضبط ميوله العدوانية المتجهة نحو الآخرين، كان أناه الأعلى أكثر استبداداً، أي أكثر عدواناً.. فكلما اشتد الشخص في ضبط عدوانه كانت ميول الأنا الأعلى العدوانية التي توجه ضد أنا هذا الشخص أكثر شدة.

أما الهو فهو الجانب الغريزي الذي لا يخضع للمنطق والاعتبارات العقلية والواقعية، فهو لا يفكر بغير اشباع غريزته الجنسية وفقاً لمبدأ اللذة.

ومن الهو يتكون الأنا ومن ثم الأنا الأعلى، وهذه هي الأقسام الثلاثة للنفس لدى فرويد، حيث يتكون الأنا في الأغلب من التقمصات التي تحل محل الشحنات النفسية التي كانت تصدر عن الهو والتي قد توقفت بعد ذلك. وتتصرف أُولى هذه التقمصات دائماً باعتبارها منظمة خاصة في الأنا، وهي تتميز عن بقية الأنا بان تتخذ صورة أنا أعلى، بينما يصبح الأنا فيما بعد حينما ينمو وتشتد قوته أقدر على مقاومة تأثيرات مثل هذه التقمصات.

لقد كان الأنا الأعلى أول تقمص، وهو وريث عقدة أوديب، وقد حدث في وقت كان الأنا فيه لا يزال ضعيفاً. إذ نشأ الأنا الأعلى عن تقمص شخصية الأب باعتباره مثالاً، وكل تقمص من هذا النوع انما هو بمثابة تجرد من الغريزة الجنسية، أو بمثابة إعلاء للغريزة أيضاً. ويظهر أنه حينما يحدث تحول من هذا النوع يحدث أيضاً في نفس الوقت انفصال في الغرائز. وبعد الإعلاء لا يصبح للجزء الجنسي من الغريزة القدرة على ضم كل الجزء الهدام الذي كان منضماً إليه من قبل، فينطلق هذا الجزء في صورة ميل نحو العدوان والهدم. ويصبح هذا الانفصال في الغرائز هو السبب في ذلك الخلق العام الذي يتسم بالخشونة والقسوة اللتين يبديهما الأنا المثالي، أي هذه الأوامر الدكتاتورية التي يصدرها وهي: يجب عليك...

ويمثل الإنسان في حقيقته الهو النفسي المجهول واللاشعوري، ويوجد على سطحه الأنا الذي نما من نواته جهاز الادراك الحسي. فالأنا لا يحيط بجميع الهو، ولكنه يحيط به فقط بالقدر الذي يسمح بتكوين جهاز الادراك الحسي على سطحه، وليس الأنا منفصلاً عن الهو تمام الانفصال، وانما يندمج جزؤه الاسفل في الهو. ولكن الشيء المكبوت مندمج أيضاً في الهو، وهو في الحقيقة جزء منه. والمكبوت شيء قد فصلته عن الأنا المقاومة التي يبذلها الكبت، وهو يستطيع ان يتصل بالانا عن طريق الهو.

وإذا كانت وظيفة الهو غريزية لا تتبع العقل والمنطق، فان الأنا يحاول ان يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة الذي يسيطر على الهو، ويلعب الادراك الحسي في الأنا نفس الدور الذي تلعبه الغريزة في الهو. ويمثل الأنا ما نسميه الحكمة وسلامة العقل، على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات. ويقوم الأنا بنفس الطريقة بتنفيذ رغبات الهو كأنها رغباته الخاصة. فهو الذي يقوم بتحوير نزعة الهو نحو أشكال أخرى من الليبيدو والإلتفاف على الأنا الأعلى بالعمل خارج اطار النهي والتحريم. وتقوم جميع خبرات الحياة التي تصدر من الخارج بزيادة ثروة الأنا، أما الهو فعالم خارجي آخر بالنسبة إلى الأنا، وهو يسعى لكي يخضعه لسلطته.

إن التحليل النفسي عبارة عن وسيلة تمكن الأنا من زيادة سيطرته على الهو.. إن الأنا مخلوق ضعيف يقوم بخدمة أسياد ثلاثة، وهو مهدد تبعاً لذلك بثلاثة أخطار مختلفة: من العالم الخارجي، ومن ليبيدو الهو، ومن قسوة الأنا الأعلى. والأنا يحاول ان يتوسط بين العالم والهو، وأن يجعل الهو يسلم بمقتضيات العالم. والأنا ليس فقط حليف الهو، وإنما أيضاً عبد مستسلم يطلب حب سيده، وهو يحاول ان يظل على صلات طيبة مع الهو كلما كان ذلك ممكناً، وهو يسدل ستار التبريرات القبل شعورية على الرغبات اللاشعورية الخاصة بالهو. والأنا يقوم باخفاء صراعات الهو مع الواقع، وبإخفاء صراعات الهو مع الأنا الأعلى أيضاً. فالأنا يتعامل وفق نهج التلفيق والإلتفاف، حيث يسعى للإلتفاف على الأنا الأعلى ليتلبس بأشكال من الليبيدو خارج إطار الطابو والتحريم الذي يفرضه الأب أو الأنا الأعلى.

فالأنا هو كالهو يخضع لتأثير الغرائز أيضاً، فليس الأنا في الواقع إلا جزءاً من الهو قد تحول بصفة خاصة[13]. وبالتالي يبقى جوهر الدافع النفسي هو ذاته لا يتغير، وهو اللذة والغريزة أو الليبيدو.

ويمكن ان نستنتج بحسب هذه النظرية بان الإنسان هو حيوان مكبوت أو مريض، فهو الوحيد من بين الكائنات يعاني من مرض الكبت بفعل الإصابة بعقدة أوديب، أو الصراع الداخلي بين الهو والأنا الأعلى والذي يتوسط بينهما الأنا للتخفيف من شدة سطوتهما المرضية قدر الامكان، ومنه ينشأ الابداع والتطور الحضاري.

ويلاحظ ان فكرة اللاشعور تأسست طبقاً لحالة المرض العصابي المتمثل بالكبت، كما انها اقترنت بإفتراضات إسطورية يراد منها تأكيد التأصل المرضي للإنسان.. ولم يكن هناك مجال للبحث إن كانت التقسيمات النفسية التي يصطحبها المرض الكبتي قد نتجت بفعل الإرث الإسطوري الطوطمي، أم ان العكس هو الصحيح.. فيبدو من نظرية فرويد ان الإرث هو الأساس في الموضوع وفق ما أكد عليه من ظهور التقمصات النفسية للدور الإسطوري الذي كان يمثله الأب أو رئيس القبيلة في قديم الزمان..

وقد يكون من الواجب الفصل بين فكرة اللاشعور وبين جميع المضامين المرضية والإسطورية المذكورة حولها. فعالم اللاشعور أوسع مجالاً من الحالات المرضية، ونجد لذلك بعض الاشارات التي قدمها كارل يونغ بهذا المجال، فهو يرى ان نظرية فرويد ومثلها نظرية أدلر لا تختلفان الا بالتفاصيل، لكنهما يشتركان في صب الاهتمام على وجود عقدة نفسية عامة دفينة في اللاشعور النفسي، أياً كانت هذه العقدة سواء تتعلق بالليبيدو الجنسي، أو بحب السيطرة والشعور بالنقص كما يفترض ذلك أدلر. فلدى يونغ ان كل ما يتعلق بالكبت يدخل ضمن نطاق اللاشعور الشخصي، لكن يضاف إلى ذلك وجود طبقات أعمق من الصفات والخصائص المشتركة العامة، وتندرج ضمن عنوان (اللاوعي الجمعي)، وهو إرث الإنسانية جمعاء[14]. وبعبارة أخرى ان دائرة اللاوعي الجمعي لدى يونغ لا تشتمل على المكتسبات الشخصية الخاصة بأنانا الفردية كما في الكبت، بل على المضامين الناتجة عن الامكانات الموروثة من الوظيفة النفسية بشكل عام. فهو يتألف من مضامين من غير اعتبار الحقبة التاريخية أو الفئة الإجتماعية أو الأثنية، وهذه المضامين هي مستودع ومخزن ردود الأفعال النموذجية للبشرية انطلاقاً من الأزمنة البدائية وبلوغاً إلى الأوضاع البشرية الشاملة أو العالمية، كالخوف والاحساس بالخطر، والصراع ضد السلطة العليا، والعلاقات بين الجنسين، وبين الأبناء وآبائهم، والكراهية والحب، والولادة والموت، وهيمنة المبدأ المضيء أو المظلم.. الخ[15].

ولئن كان الجنس بنظر فرويد، وإرادة القوة بنظر أدلر، المبدأ التفسيري الرئيسي للحياة الإنسانية قاطبة، فان ما يعول عليه يونغ هو وجود محرضات نفسية أخرى تتساوى أهمية مع هذين العاملين. فهو يرفض ان يجعل من عنصر واحد المصدر الوحيد لكل الاضطرابات النفسية، بل يرى ان النفس البشرية تختص بالحاجة الروحية والفطرة الدينية. وتشكل هذه النقطة حجر الزاوية الأساس من نظريته. وكما يقول: «يظهر الفعل الروحي في النفس وكأنه غريزة أو فطرة، كأنه عاطفة حقيقية، فهو مبدأ فريد وفذ». وبالتالي فالروح ليست ظاهرة ثانوية، بل هي أساس كل شكل نفسي وربما كل شكل فيزيائي أيضاً.

من هنا يقدّم علم النفس اليونغي تماثلات وثيقة بالفيزياء النظرية، خاصة فيما يتصل بالجانب الصوفي لهما. إضافة إلى ان كلاً منهما يحمل فروضاً تبدو متناقضة، بل وان تعبيرات يونغ حول عدم قدرة التجارب ان تعطينا ما يكفي من المعلومات والبيانات هي مثل تعابير الفيزيائيين حول ذلك، فكلاهما يعترف بأن هناك حداً تنتهي فيه المعرفة التجريبية لتبدأ الميتافيزياء[16].

وفي النهاية نقول إنه لا مسوّغ لجعل المرض الكبتي ملازماً لنشأة الإنسان بفعل الصراع الداخلي المفترض بين أقسام النفس الثلاثة، وأيضاً لا دليل على كون المكبوت قد نجم عن الإرث الإسطوري الذي يحدثنا حوله فرويد. ولو صح ما يقوله الأخير لكان يدخل ضمن اطار (اللاوعي الجمعي) كالذي يطلق عليه يونغ. لكن مع هذا فان فرويد يعترف بوجود هامش لبعض القضايا اللاشعورية خارج نطاق المرض والعصاب الكبتي..

وبالتالي كان لا بد من أن نحتفظ بفكرة اللاشعور ونتعامل مع حالاتها وفق أفق رحب لا علاقة له في الغالب بالمرض ولا بالأساطير المفترضة.

 

[1] سيجموند فرويد: حياتي والتحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور وعبد المنعم المليجي، دار المعارف القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[2] سيجمند فرويد: الأنا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، الطبعة الرابعة، 1402هـ ـ 1982م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[3] سيجموند فرويد ووليم شتيكل: الكبت، ترجمة علي السيد حضاره، مكتبة الشعبية، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[4] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان، مراجعة مصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[5] فرويد: الأنا والهو.

[6] فرويد: مدخل إلى التحليل النفسي.

[7] فرويد وشتيكل: الكبت.

[8] فرويد: حياتي والتحليل النفسي. والطوطم والحرام، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، عن مكتبة المصطفى الإلكترونية www.al-mostafa.com.

[9] فرويد: الطوطم والحرام.

[10] ول ديورانت: قصة الحضارة، ج1، ترجمة زكي نجيب محمود.

[11] انظر حول الزواج في التراث الشرقي المصدر السابق.

[12] نفس المصدر.

[13] انظر حول ما سبق: فرويد: الأنا والهو.

[14] كارل يونغ: جدلية الأنا واللاوعي، ترجمة نبيل محسن، دار الحوار للنشر، اللاذقية، سوريا، الطبعة الأولى، 1997م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[15] يولاند جاكوبي: علم النفس اليونغي، ترجمة ندره اليازجي، الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الاولى، 1993م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[16] علم النفس اليونغي.

akeel alabodالتاريخ صناعة بشرية لهاعلاقة بحركة ذلك الامتداد من الزمان، والانسان هواللغة الحية والأداة التي بها تصنع الحضارات، وعبرها تتجسد مواقف الملوك، وثقافات الاساطير، وحكايات الامم.

البدايات سطور تعلَّمَ الناس منها اصول الكتابة واحكام الكلام، وذلك ماضٍ جند العظماء والعلماء ذواتهم وحيواتهم لأجله، فبنوا قصورالحكمة والمعرفة، حتى سادالخيروعم العدل والصلاح، واماالحاضرفزمان، تم اقتياده غصبا بإمرةٍ من اصحاب القوة والسلطان، حيث وفقا لمصالحهم تدار البلاد، كما نراه اليوم بقيادة هذه اللاتوافقات الضالة من المتآمرين والمنتفعين، لذلك حيث بما انه لم تعد هنالك حكومة تصلح للعباد، ضاع ما ضاع ، وانتهكت حقوق الناس وعم الفساد؛سرقت الموارد، واستنزفت الثروات، والمشهد مسرح واسطورة يتم إغتصابهما كل يوم؛حاكم يسرق باسم السلطة، وقاتل يذبح باسم الدين.

لقد بتنا ندرك اننا نعيش في عصر تحكمه الخديعة وانفاق الزيف المقنع بابواق المتخمين، بل وحتى تلك العمائم التي باتت تزداد ثراءا في نفوذهاعلى حساب المستضعفين، بيد اننا لم يعد بوسعنا ان ننتفض مستنكرين، رغم اننا نموت كل يوم الف ميتة.هو اللامألوف هذا الذي نستقبحه ويحكمنا؛يندس بيننا كالشيطان، يعترض طريقنا، يسرقنا، يستفزنا، دون ان نعترض؛لقد صارمألوفا هذا اللامألوف وابتعد المألوف.

لقد تغير كل شيء فينا؛طبائعنا، علاقاتنا مع المدركات، ذائقاتنا، نظراتنا خطواتنا، ولم يبق الاانفاسناهذه التي لازالت تستنشق رين نفوسنا المتصدئة، حيث كرامتنا المفقودة، كما المروءات التي دفنت في ضمائرنا.

كانت الصباحات كما انسام الربيع تزهو بمهرجانات زقزقاتها، تؤمها الفراشات كما شاعر ينتمي الى إحساس معشوقته، ليرتشف رضاب حبها المسكون بآهات قصيدة جديدة، كانت الموضوعات تتلى مثلما لحن فيروزي يخفق خجلا، تضامنا مع قشعريرة عاشق ينتابه الشوق، ليسكن بعيداعند فضاءات بقعة من الارض مسها الاعياء.

لقد احرقت (بطاقات ليلى ومجنونها) هذا الذي اراد ان يعلمنا ذات يوم لغة الصبرولحن الوفاء.إنتماءاتنا كانت تشبه الى حد ماعلاقة موجة مطمئنة بضفاف نهرها الوديع، وأفراخ عصافيريضمها دفء امن.الالوان التي كنا ندركها لا تتجاوززرقة السماء وخضرة الشجر، مضافا اليها بهجة الشمس، وزهو القمر.

كان الربيع عندما يأتي يرتدي تاج الملوك وكانت الحمامات تستضاف عند اروقة المآذن.المسميات بحسب المألوف كانت تقوم على عناوين ثلاثة:الطبيعة، وهي بحسب تصوراتنا سماء، واسراب طيورمهاجرة، وسنابل، ونخيل وبساتين، وارض يمتزج مع ترابها رائحة الطين، هي روح تسقى من انية يملأها المطر.العائلة، وهي أب، وأم، وأبناء يجمعهم سقف، وبيت، ورغيف خبزمعجون بنكهة آلهة روحها مغموسة بالحنين.الجيران، عفة، وطهارة ونقاء؛محطة يسكنها القلب، مساحة تستكمل خطوطها وفقا لحسابات الضمير.

اليوم بعد أن أسقطت جميع العناوين، اللامألوف خارطة تستبيح لغة الدم وقتل العصافير؛محرقة ومنجنيق، مقصلة بها تستنزف لغة الخلق، مجتمعات من النساء يتم إغتصابهن وقتلهن في يوم واحد، احراق ونسف مئات من المساكن والمآذن، والآف من الانفار يجري قتلهم وترويعهم بابشع طريقة من التوحش، والة الذبح كما الفأس تحطم جميع اسوارالثقافات القديمة.

 

 

zouhair khouildiإذا كان أدموند هوسرل قد أدخل الفنومينولوجيا إلى مجال البحث الابستيمولوجي وبحث في نظرية المعرفة ومسألة الوعي وانتهى إلى أزمة العلوم الأوروبية فإن مارتن هيدجر قد نقلها إلى المجال الأنطولوجي وجعلها منهجا بحثيا في أحوال الوجود وتفطن إلى خطورة التقنية والعقل الأداتي وأهمية الشعرية. وإذا كانت الأنثربولوجيا الفلسفية مع أرنست كاسرر والفنومينولوجيا المتعينة مع موريس مرلوبونتي قد سلكت الطريق الطويل في تقصي معنى الوجود فإن هيدجر قد اختار الطريق القصير والمباشر في العروج نحو الوجود. وإذا كان الطريق الطويل في استهداف الكائن البشري يشير إلى الأنثربولوجيا الفلسفية التي سعى إلى بنائها بول ريكور وذلك بالتعويل على ما وفرته العلوم الإنسانية من عدة منهجية وطرق اجرائية واستثمار النسق الرمزي للغة والأولوية العلمية والإيتيقية للبيولوجيا والبسيكولوجيا وما تركته الشمولية من جراحات حية وأخلاقية. فإنه على خلاف ذلك يدل الطريق القصير في استهداف الكائن البشري على الأنطولوجيا الأساسية التي أبدعها مارتن هيدجر وتمظهرت في ثوب تحليلية الدازاين بالعزوف عن استثمار نتائج واكتشافات العلوم الوضعية والصحيحة والإنسانية.

في هذا الصدد تثار الإشكاليات التالية:

ماذا يمكن أن يكون الإنسان في حياته اليومية؟ وأي وجود أصيل يمكنه بلوغه؟ وهل بقي أمرا معينا يمكن أن نذكره عنه في ظل نسيان الكينونة وطغيان النزعة العدمية؟ ما الفرق بين الوجود بصفة عامة والوجود الأصيل؟ وما الداعي إلى التمييز بين وجود الأشياء والوجود الإنساني؟ وما المقصود بالوجود الزائف؟ وكيف يمكن الارتقاء من الوجود الزائف إلى الوجود الحقيقي؟ وأين يتحقق الوجود الأصيل؟ هل في الوجود المكاني أم في الوجود الزماني؟ وماذا تضيف الزمانية إلى الدازاين؟ هل تبقى الدازاين على حالها أم يصيبها التغير والتحول؟ وماهي دوافع وضعيات القلق والجزع والعبث التي يتعرض لها وجود الإنسان؟ هل من دور للقلق في التعبير عن الوضع الإنساني؟ بأي معنى يمثل الموت البعد الأساسي للكينونة؟ وكيف للمرء أن يواجه الموت؟ ومتى يمكن الانتصار على التناهي؟ إلى أي مدى تمثل اللاّعصمة خاصية الإنسان؟ ماهو المعيار المحدد للطابع التاريخي للذات؟ وهل التاريخية هي ركام الأحداث المختلطة دون فاعلية من الكائن الإنساني؟ هل الإنسان هو نقطة التقاء بين الأحداث التاريخية أم هو ذات فعالة في صيرورة الأحداث تتدخل في صنعها؟ هل يصير الدازاين كائنا تاريخيا بالذوبان في الأحداث التاريخية المتتالية ؟ ماهي انعكاسات تدخل الماضي في البنية الزمانية للدازاين على مستقبلها ؟ ألا ينبغي أن نبحث عما يشكل الوجود الخاص للدازاين؟ إلى ماذا يقود التأويل الأنطولوجي للدازاين؟

يعبر هيدجر عن الوضعية العجيبة التي يمر بها الإنسان في الأزمنة الحديث باستثمار هذه المفارقة الفلسفية : "كلما نظم الإنسان بتصميم وإصرار مسيرته نحو التحكم بالطاقات الهائلة الضرورية لسد حاجاته إلى الأبد، كلما ضعفت قدرته على بناء إطار ماهو جوهري وضروري وعلى الاستكانة إليه."1[1]

يحاول مارتن هيدجر تحطيم التناول العلمي المموضع للإنسان والتعريف البديهي الموروث عن القدامى والذي يميزه عن بقية الكائنات بوصفه الحيوان العاقل وينقد فكرة الذات التي تزعم بأن حد الطبيعة البشرية يمكن إنارته وتوضيحه عن طريق أنثربولوجيا وضعية ذات منحى علمي وفي المقابل يلتزم بوصف فنومينولوجي لوجوده وينطلق من اندراجه في العالم ويقوم بتحليل أحواله وتجاربه وتتبعه في تجليه وتحجبه وفي إقباله وإدباره ويكشف عن فقر الإنسان بلا مقولات أساسية ودون ماهية وطبيعة ثابتة2[2]. في هذا الصدد بَيَّنَ هيدجر أن الدّازاين هو مفردة ألمانية تفيد الوجود بصفة عامة وفعل أن يكون الإنسان موجودا ولكنه منح الكائن الملقى في العالم الذي يتخذ طابعا زمانيا معنى محددا هو نمط وجود خاص بالإنسان وبرر ذلك بأن الأشياء موجودة ومستمرة وتختلف فيما بينها بينما الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن نقول عنه أنه كائن ويرتبط بوجوده من جهة نمط الفهم والإمكانية.

في الواقع أن يكون المرء لا يعني فقط أن يوجد مثلما توجد الأشياء التي تجهل وجودها ولا تعي ماهيتها بل يكون بالفعل ويتساءل عن معنى وجوده ويحول هذا السؤال عن وجوده إلى علاقة تكوينية مع ذاته. من هذا المنطلق لا تتطابق حقيقة الموجود البشري التي يتم الحصول عليها من خلال فهم ماذا يعني الوجود بالنسبة إلى الإنسان مع المعارف المجردة والجزئية التي تراكمها العلوم الوضعية.

على هذا النحو يعلن مارتن هيدجر انتمائه إلى المشروع الهوسرلي الناقد للعلم ويجري تحليلا للدازاين ولا يركز فيه على التصرفات الفردية وإنما يهتم بالبُنَى الأنطولوجية الكبري للوجود البشري وبعبارة أخرى يتناول الأبعاد الوجودية للإنسان. إن الخاصية الأولى التي تميز الوجود البشري هي الانفتاح على العالم وعلى كل الكائنات الأخرى طالما أن الوجود ليس ذاتا واعية ومتجردة وإنما هو الاندراج في العالم الآن وهنا واكتشاف المرء نفسه باعتباره كائن فريد وموجود متعلق بالمكان والزمان ومنتمي إلى عصر معين ومنغرس في التقاليد والتراث. بيد أن الوجود البشري يمتد باعتباره إسقاط لذاته خارج ذاته والتوجه نحو العالم وبالنظر إلى أن الوعي هو دائما وعي بشيء ما. بناء على ذلك تمثل القصدية حركة انفتاح على العالم ومحاولة للظفر بالمعنى . كما لا يشكل الوعي حالة مكتملة ومعطى أصليا بل تجربة ذهاب من الذات إلى العالم وإياب من العالم إلى الذات. كما لا يحصل الإنسان على وعي بذاته إلا من خلال إقامته لعلاقة مع العالم الذي يحيا فيه وعند لقائه بهذا العالم من خلال ذاتها عينها.

إن الإنسان يوجد معزولا بصورة اصطناعية في باطنية ذاتية ناتجة عن تفكير مجرد ولكي يلتقي بإنسانيته ويتصالح مع ذاته يكون ملزم على الخروج من ذاته والإلقاء بنفسه في العالم. هكذا يسحب هيدجر الستار عن فهم أصلي وأصيل للوجود البشري ويلغي التعريف الكلاسيكي العقلاني للذات ويقرر الكف عن تكوين تصور ماهوي عن وجودها الواعي بشكل مستمر وبصورة شفافة ومطابقة لذاتها وتحطيم ثنائية النفس والجسم والانقسام الميتافيزيقي بين المحسوس والمعقول وبين المادة والفكر. وبالتالي حلت تجربة الوجود في العالم مكان مفاهيم الحيوان العقلاني والكوجيتو والذات الحاضرة بشكل مجرد ودائم وموحد مع نفسها وتبين أن الإنهمامangoisse هو البنية العامة لوجوده وتقمص الوعي الوضعيات المعيشة والانفتاح وصار الإنسان مقذوفا به في العالم ومنفتحا على المستقبل الآتي ويوجد في شكل مشروع ذاتي.

اللافت للنظر أن الوجود البشري مرتبط دوما بالزمان ويتجلى في صورة مشروع إنساني قابل للتحقيق في المستقبل وبالتالي يأخذ الزمان أهمية جوهرية وبالتالي تشكل الزمانية المعنى الأصلي لوجود الدازاين ويشير معنى الدازاين الى الزمانية3[3]. بناء على ذلك لا تخضع الأنطولوجيا الأساسية الوضع البشري لفهم نظري مجرد ولا تطرح أسئلة علمية مكانية وإنما تتنزل ضمن فهم التجربة الزمانية للدازاين والديمومة الحية وتقوم بوصف صيرورة تشكل الذات ضمن الغيرية والاختلاف وتعطي الأولوية للمستقبل على الحاضر وتعتبر الزمان عبور للماضي للحاضر نحو المستقبل ولكن الماضي ما ينفك يمضي والمستقبل مازال لم يهل بعد والحاضر لم يقدر على الحضور وبالتالي هو مجرد همزة وصل بين ما انقضى دون رجعة وما قد يأتي.

غني عن البيان أن الوجود البشري موسوم بخاتم التناهي ويتجلى ذلك في الانهمام بالمستقبل في إطار الزمانية والوجود من أجل الموت بوصفه البعد المتناهي من الكينونة والتعامل مع ظاهرة الموت باعتبارها البعد الجوهري للوجود وليس الحد الخارجي للحياة . والآية على ذلك أن الإنسان لا يأتي إلى الحياة إلا والهرم قد دب به لكي يموت وكأن أول يوم يقضيه الإنسان في الحياة هو أول خطوات في اتجاه الموت. اللاّفت للنظر أن الانهمام sorge هو مفهوم متميز عند هيدجر لأنه يعبر عن تجربة خوف يعيشها الإنسان في مواجهته للتناهي والشعور بالضياع في العالم وانتفاء القيمة واصطدامه بالعدم وليس مجرد خوف من مخاطر واقعية تهدد الحياة الإنسانية بالانتفاء، كما يعبر الانهمام عن تجربة الوجود نحو الموت4[4].

والحق أن الإنسان لا يكتشف بنفسه نهاية الشأن الإنساني عند التقائه بتجربة الموت فقط وإنما يعبر عن بعده عن جوهر وجوده ولذا يمثل الموت الإمكانية الخاصة بشكل مطلق واليقين الذي لا يتجاوز ولا يمكن تحديده5[5].

بناء عل ذلك يتجلى الوجود الزائف للدازاين في مظاهر القلق والشعور بالغربة والتباعد والسقوط واللغو والالتباس والتوسط والتأثر الوجداني وهي مظاهر فردية رغم اندراجها ضمن مظاهر جماعية مثل الناس والشعب والحشد والحياة اليومية فإنه يمكن رفع هذا الوجود الزائف وإلغائه نحو الاهتمام المستبصر.

كما يتضح الوجود الحقيقي للدازاين في مظاهر الخوف والهُم on والانهمام والقلق والعدم والوجود في العالم وهي مظاهر تتجاوز وتتعالى على الوجود الزائف وتعبر عنها تجارب الوجود من أجل الموت والضمير والذنب والتصميم والتاريخية والزمانية والنداء والحضور والانعطاء .

غاية المراد أن وجود الدازاين هو نقطة انطلاق الأنطولوجيا الأساسية لاسيما وأن السؤال الأنطولوجي عن الوجود لن يطرح إلا إذا وجدت كائنات بشرية تحمل على عاتقها مهمة طرحه والتفكير حول الوجود وحراسته. هكذا يتبين أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي بإمكانية طرح سؤال الوجود وذلك لكونه الوحيد الذي يتضمن الإمكانية على طرح السؤال والتكلم مع العالم والإنصات إلى نداء الوجود واستدعاء المعاني. في هذا السياق يري هيدجر أن مسكن الوجود هو اللغة وأن الوجود يفكر فينا وبنا وذلك لأن الإنسان هو الموجود الأوحد الذي يبدو وكأن الوجود العام قد اصطفاه أو دعاه ليكون في مصيره نفسه ناطقا باسمه.   والحق" أن سؤال التماسك في الدازاين الذي يوجد في تشتت الظروف والفرص لا يطرح إلا في أفق اليومية الروتينية أي التاريخانية اللاأصلية وحتى يخرج الدازاين المتردد من التشتت يجب أن يخترع بعد فوات الأوان بدء موحدا"6[6].

ألا يتعلق الذهاب إلى الوجود عندئذ بحدوث البدء العائد أم بحدثان عائد في البدء؟ فهل تمثل اللحظة الريكورية البدء الجديد الذي حدث في أوانه؟ وما الذي تغير في تصور الوضع البشري عندما تم تبديل الطريق القصير بالطريق الطويل مع ريكور؟ كيف تتعامل فلسفة اللاّعصمة مع لاتناسب الذات مع ذاتها؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.............

الهوامش والاحالات:

[1] هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة ،2001، ص.37.

[2] Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,pp112.122.

[3] Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.p391.

[4] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p307.

[5] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p315 .

[6] داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.ص98.

 

المراجع والمصادر:

Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.

هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة ،2001،

----

داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.

Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,

hasan ajmiتنقسم فلسفة المعرفة إلى مذاهب فكرية مختلفة ومتصارعة لا يُوحِّد بينها سوى مذهب السوبر حداثة الذي يؤكد على لا محددية المعرفة فيقبل أجناس المعرفة المتنوعة.

تبدأ فلسفة المعرفة بتحليل أفلاطون وهو التالي: المعرفة هي اعتقاد صادق مُبرهَن عليه. هذا يعني مثلا ً أننا نعرف أن الأرض تدور حول الشمس إذا وفقط إذا الأرض تدور حول الشمس، ونحن نعتقد ذلك ولدينا برهان أو براهين على صدق اعتقادنا هذا. لكن الفلسفة المعاصرة أظهرت فشل هذا التحليل التقليدي للمعرفة، واشتهر الفيلسوف غيتر بنقده. من الممكن تقديم هذا النقد على النحو التالي: لنتصوّر أننا ننظر إلى ساعة معينة ونرى أنها تشير إلى أن الوقت هو الواحدة ظهرا ً، ولنتصوّر أننا نملك برهاناً قوياً على صدق اعتقادنا بأن الوقت هو الواحدة ظهراً لأننا كنا نعتمد على تلك الساعة في معرفة الوقت وكانت تلك الساعة تشير دائماً إلى الوقت الصحيح، ولنتصوّر أن بالفعل الوقت هو الواحدة ظهراً. لكن الحقيقة هي أن تلك الساعة معطلة، وقد تعطلت البارحة حين كانت تشير إلى الواحدة ظهراً وأنها مجرد صدفة أننا اليوم نظرنا إلى تلك الساعة حين كان الوقت حقاً الواحدة ظهراً. الآن، بما أن تلك الساعة معطلة، إذن نحن لا نعرف أنها الواحدة ظهراً، فمجرد الصدفة جعلتنا ننظر إلى تلك الساعة حين الوقت كان حقاً الواحدة ظهراً وبالصدفة فقط توقفت البارحة تلك الساعة مشيرة إلى الواحدة ظهراً. على هذا الأساس لدينا اعتقاد صادق مُبرهَن عليه بأن الوقت هو الواحدة ظهراً، لكن ليس لدينا معرفة بأن الوقت هو الواحدة ظهراً، فالوقت هو الواحدة ظهراً ونعتقد بذلك ولدينا برهان على ذلك لكننا لا نعرف أنها الواحدة ظهراً لأننا اعتمدنا في تشكيل اعتقادنا على ساعة معطلة. هكذا يُظهر غيتر خطأ تحليل المعرفة على أنها اعتقاد صادق مُبرهَن عليه (John Pollock and Joseph Cruz : Contemporary Theories of Knowledge .1999. Rowman & Littlefield Publishers).

ثمة نظريات أخرى في المعرفة منها نظرية الانسجام التي تقول إن معتقدنا يشكّل معرفة متى انسجم مع معتقداتنا الأخرى كافة. هكذا يكون النظام الفكري الذي يشكّل معرفة هو النظام الحاوي على معتقدات منسجمة فيما بينها. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا المذهب كامنة في أنه من الممكن أن تنسجم معتقداتنا فيما بينها من دون أن تنجح في التعبير عن الواقع، وبذلك لا تشكّل معتقداتنا المنسجمة حينها معرفة حقة. فمثلا ً، نظرية أرسطو في تفسير الكون منسجمة لكنها لا تشكّل معرفة، علمياً الشجرة ليست شجرة بسبب اتخاذها صورة Form الشجرة على نقيض مما تقول نظرية أرسطو. ومشكلة أخرى تواجه هذا الموقف هي أن من الممكن وجود أنظمة فكرية مختلفة ومتعارضة فيما بينها رغم أن كل نظام منها منسجم ذاتياً. مثل ذلك أن نظرية النسبية لأينشتاين أفكارها منسجمة لكنها تعارض وتناقض نظرية ميكانيكا الكم المنسجمة الأفكار أيضاً. وبذلك يستحيل على ضوء الانسجام الفكري فقط أن نتمكن من الحكم على أية نظرية أو نظام فكري على أنه يشكّل معرفة حقاً دون نظام فكري آخر. ومن النظريات الأخرى التي طرحها الفلاسفة نظرية الأسس في المعرفة التي تقول بوجود بعض المعتقدات الأساسية التي لا تحتاج إلى برهنة لأنها بديهية، وعلى ضوء تلك المعتقدات البديهية تتم البرهنة على المعتقدات الأخرى ويتم تشكيل المعرفة. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا المذهب قائمة في أنه لا يوجد معيار على أساسه نتمكن من اختيار ما هو بديهي وأساسي من المعتقدات، فما هو بديهي بالنسبة لهذا الفرد قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى فرد آخر

) Matthias Steup، John Turri، and Ernest Sosa ( Editors ): Contemporary Debates in Epistemology. Second Edition. 2013. Wiley-Blackwell (.

من مذاهب المعرفة أيضاً مذهب يدعي أن الاتفاق على قبول معتقد ما يجعله معرفة وعلى أساسه تتم البرهنة على المعتقدات الأخرى فنكتسب المعارف. ومشكلة هذا المذهب أنه لا يوجد ضامن يضمن أن مجرد اتفاقنا على معتقد معين يجعل هذا المعتقد معرفة حقة، فمن الممكن أن نتفق على ما هو كاذب بشكل دائم ومستمر. ولقد تطورت فلسفة المعرفة فنشأت النظرية السببية في المعرفة ومفادها التالي: معتقداتنا تشكّل معرفة متى كانت مُسبَّبة من قبل الوقائع في العالم. وهذا يعني أننا نعرف أن الأرض تدور حول الشمس إذا وفقط إذا كنا نعتقد بذلك، وفعلا ً الأرض تدور حول الشمس، ودورانها هذا هو سبب اعتقادنا بأنها تدور حول الشمس. هكذا نضمن ارتباط ما نعتقد بما هو في الواقع فنضمن المعرفة كما يزعم أصحاب هذه النظرية. لكن إحدى مشاكل هذه النظرية هي أنه لا يوجد ما يضمن أن العلاقات السببية تستلزم تحقيق المعرفة، فمن الممكن أن تكون العلاقة السببية بيننا وبين العالم مُسبِّبة لمعتقدات كاذبة عن العالم ولذا اكتسبت الانسانية معتقدات كثيرة خاطئة عبر تاريخها. والنظرية السببية في المعرفة تواجه مشكلة أساسية أخرى هي التالية : معادلات الرياضيات وعناصرها كالأعداد مجردة وبذلك لا قدرة سببية لها لكونها مجردة. من هنا بالنسبة إلى النظرية السببية في المعرفة يستحيل علينا معرفة الرياضيات بما أن النظرية السببية في المعرفة تستلزم وجود علاقات سببية بيننا وبين العالم لتحدث المعرفة لكن الرياضيات لا ترتبط بنا سببياً لكونها مجردة. وهذه النتيجة، ألا وهي أنه يستحيل علينا معرفة الرياضيات، هي في الحقيقة نقيض الواقع لأننا نعرف الرياضيات ومعادلاتها وعناصرها كالأعداد. من هنا تفشل النظرية السببية في المعرفة.

)Helen Beebee، Christopher Hitchcock، and Peter Menzies (Editors): The Oxford Handbook of Causation. 2010. Oxford University Press (.

لقد رأينا فشل النظريات السابقة في تحليل المعرفة. هذا يشير إلى أن المعرفة غير مُحدَّدة كما تقول السوبر حداثة ولذا فشلت النظريات المختلفة في تعريفها. بالنسبة إلى السوبر حداثة، المعرفة غير مُحدَّدة ما هي. وبذلك لا تسجننا السوبر حداثة في تحليل معين للمعرفة فتحررنا معرفياً. فبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن لا تغدو المعرفة مُحدَّدة سوى من خلالنا نحن بالذات. وبذلك تعتمد المعرفة علينا كي نكوِّنها فنمسي أسياد المعرفة بدلا ً من عبيد لها. فلو كانت المعرفة مُحدَّدة لتم سجننا في قيود معرفية مُحدَّدة مُسبَقاً فنصبح بذلك سجناء المعارف الماضوية. لكن السوبر حداثة تحررنا من خلال لا محددية المعرفة. من هنا، تنتصر السوبر حداثة على المذاهب الفلسفية الأخرى. لا قيمة لمعرفة تسجننا بل القيمة العليا كامنة في معارف تحررنا. فلا معرفة من دون حرية ولا حرية من دون معرفة. المعرفة حرية والحرية كامنة في لا محددية المعرفة.

بما أن السوبر حداثة تعتبر أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها منطقياً كما في الفلسفة وأن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها اختبارياً ومنطقياً معاً كما في العلوم كعلوم الفيزياء والكيمياء. وبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها رياضياً كما في الرياضيات، ومن الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُسبَّبة من قبل الحقائق والواقع كما في حياتنا اليومية وفي العلوم أيضاً. وبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن لها أن تكون معتقدات أو قدرات مفيدة كمعرفتنا بكيفية ركوب الدراجة. هكذا تتمكن السوبر حداثة من التعبير عن أن المعارف السابقة هي فعلا ً معارف وأن المصادر السابقة كالعلم والفلسفة والرياضيات إلخ هي حقاً مصادر للمعرفة. وبذلك تكتسب السوبر حداثة فضائلها المعرفية فتكتسب مقبوليتها. وعلى هذا الأساس أيضاً تنجح السوبر حداثة في توحيد الأجناس المعرفية المختلفة. فكل الأنماط المعرفية السابقة تشكّل معارف حقيقية من جراء لا محددية المعرفة، وبذلك تتوحد تلك الأجناس المعرفية المتنوعة في كونها معارف حقة. فلو كانت المعرفة مُحدَّدة لتم سجننا في نمط أو نوع معرفي واحد دون سواه. من هنا، لا محددية المعرفة تضمن تجسدات المعرفة المتنوعة تماماً كما تضمن قبولها معاً.

تتصارع معارفنا بسبب اختلافها وتنوعها. فمثلا ً، نعرف من خلال البصر أن الكون يتكوّن من أشياء مادية مختلفة كالتراب والهواء والأشجار والزهور. لكن من منطلق العلوم التجريبية كالفيزياء نعرف أن العالم يتشكّل من ذرات وجُسيمات كالإلكترونات. أما من منظور علم الرياضيات فنعرف أن الكون بنيات رياضية وبفضل اختلاف البنيات الرياضية تختلف الظواهر الطبيعية. هكذا تختلف المعارف وتتنافس. لكن رغم صراع معارفنا، تتمكن السوبر حداثة من توحيد معارفنا المتصارعة فتحل أكبر خلاف فكري. السوبر حداثة توحِّد بين معارفنا المتعارضة حين تعتبرها كلها معارف مقبولة وصادقة. فبما أن، بالنسبة إلى السوبر حداثة، المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الطبيعي أن تتجلى المعرفة في معارف مختلفة ومتنوعة كمعرفتنا من خلال البصر ومعرفتنا من خلال العلوم التجريبية ومعرفتنا من خلال الرياضيات. وبذلك هذه المعارف المتنوعة تشكّل حقلا ً معرفياً واحداً لأنها مجرد تجسدات عدة للمعرفة. هكذا تنجح السوبر حداثة في توحيد المعارف بدلا ً من التعصب لنوع معرفي ضد نوع معرفي آخر. وفي هذا فضيلة كبرى للسوبر حداثة لأنها تحل إشكالية صراع المعارف.

تحررنا المعارف والحقائق غير المُحدَّدة لأنها تدعونا إلى البحث المستمر عنها من جراء لا محدديتها. المعرفة المحدَّدة معرفة ميتة. والحقيقة المُحدَّدة سجن لنا. كون مُحدَّد كون لا يدعونا إلى التفكير المستمر فيه. لذا كون مُحدَّد كون بلا استمرارية المعرفة. وكون بلا معرفة كون بلا حرية. وكون بلا حرية كون بلا وجود.

 

mutham aljanabiإن المقدمة العامة لفهم ماهية "الإسلام السياسي" تقوم أولا وقبل كل شيء في كونها ظاهرة تاريخية تتداخل فها مختلف إشكاليات الماضي والحاضر والمستقبل. أما بروزها بهيئة ظاهرة سياسية صرف، أي إرجاعها إلى فكرة "تسييس" الإسلام، فأنها تشير أولا وقبل كل شيء إلى أولية الأبعاد السياسية في الظاهرة الإسلامية الحالية، وليس حقيقتها كما هي. وهذا بدوره كان مرتبطا من الناحية الزمنية "بالثورة الإسلامية" في إيران، بوصفها الحدث السياسي الأكبر في صيرورة "الإسلام السياسي" الحديث. فقد استعادت هذه التسمية بعد حوالي قرن من الزمن ما سبق وان دعاه ماركس "بالثورة المحمدية" (الإسلامية)، ولكن في ظل ظروف جديدة وآفاق مستقبلية لم يكن بالإمكان النظر إليها آنذاك بوصفها حركة ذاتية تلقائية للعالم الإسلامي، أو أنها تحتوي بالضرورة على هذه البواعث بوصفها الأكثر جوهرية في مساره الذاتي. فقد كان الصراع العالمي بين القطبين على أشده. ومن ثم كان من الصعب تذوق هذه الثورة بلسان الشيوعية المتشددة والرأسمالية النفعية. من هنا التقائهما للمرة الأولى في الموقف من "الثورة الإسلامية" بشكل خاص. مع ما ترتب عليه من هموم كبيرة متنوعة الوسائل والغايات من اجل فهم هذا "المنافس الطارئ" على الصعيد العالمي، على الأقل بمعايير الأيديولوجيا والفكرة السياسية. وهو السبب الذي يفسر سرّ الانهماك الشديد بالإسلام بوصفه ظاهرة سياسية وأيديولوجية صرف.

فقد كانت "الثورة الإسلامية" في إيران احد المنعطفات الكبرى في تاريخ الإسلام الحديث. فمن الناحية الأيديولوجية كانت أشبه بالثورة الفرنسية ضمن سياق الفكرة الليبرالية (الغربية)، والثورة البلشفية ضمن سياق الفكرة الاشتراكية (الشرقية). بمعنى أنها مثلت احد النماذج الأيديولوجية الجديدة المنافسة للتقاليد "الغربية" و"الشرقية" في الثورة وعقائدها الكبرى. وفي هذا يكمن سبب الانشغال الكبير بادراك مقدماتها وغاياتها وإمكاناتها الذاتية وأثرها المحتمل. وعندها بدأت تظهر مختلف صيغ التعبير عن هذه الظاهرة الإسلامية الجديدة. لكن مصطلح "الإسلام السياسي" كان من بين أكثرها بروزا وانتشارا وإقناعا.

وفيما لو جرى تكثيف المعنى المتراكم في الدراسات المتنوعة والمختلفة عن ماهية وحدود "الإسلام السياسي"، فأنها لا تعدى في الأغلب إطلاقه على تيارات مختلفة بل ومتصارعة ومتناقضة، المشترك بينها هو نمو نشاطها السياسي المتحزب وأيديولوجيتها العملية. وبالتالي، فمن حيث طابعه الأيديولوجي يرمي "الإسلام السياسي" إلى غاية كبرى وهي "أسلمة" الفرد والجماعة والأمة في كافة الميادين والمجالات والمستويات، ومن حيث موقفه العقائدي الثقافي العام يرمي إلى مواجهة مشاريع "الغرب" ومناهضة نموذجه في كل شيء. ومن حيث طابعه العملي فانه يجمع بين مختلف الأشكال العملية والسياسية القديمة منها والحديثة.

فمن الناحية المجردة ليس في هذه الأوصاف العامة "للإسلام السياسي" شيئا ما غريبا أو مختلفا اختلافا نوعيا عما سبقه من تقاليد وأشكال سياسية لها وجودها الفاعل في العالم الإسلامي على امتداد القرن العشرين. غير أن "الثورة الإسلامية" في إيران قد جعلت منه كيانا بارزا متميزا وقائما بحد ذاته ليس فقط على النطاق الوطني والإقليمي والإسلامي، بل والعالمي أيضا، بوصفه قوة بديلة ومشروع خاص له صداه السابق ضمن ما يسمى بالعالم الثالث والطريق الثالث والقوة الثالثة، وما شابه ذلك. إلا أن الأحداث التاريخية اللاحقة قد كشفت عن أن هذه التسميات هي حصيلة "قطبية ثنائية" قابلة للانحلال والزوال. ومن ثم لم تكن أكثر من أوصاف أيديولوجية صرف. أو على الأقل أنها توصيفات سياسية عابرة تستجيب فقط للمغزى الجزئي القائم في مصطلح "الإسلام السياسي".

وبالمقابل جرى تحسس وإدراك "الثورة الإسلامية" بمختلف الأشكال والصيغ الوجدانية البهية من جانب أولئك الذين وجدوا فيها تجسيدا لمشروع كوني جديد ينفي تقاليد التبعية ويؤسس لأصالة ذاتية! ففي المقدمة المكتوبة لدستور الجمهورية الإسلامية (الإيرانية) نقرأ ما يلي:"إن هذا الدستور الجديد الذي وضع على أعتاب القرن الخامس عشر الهجري، هو استمرار لرسالة النبي محمد ونشاطه، باعتباره المؤسس الأول للحركات الإسلامية التحررية". وأن "الثورة الإسلامية" وضعت بداية عصر جديد هو عصر "تحرير المضطهدين والمستضعفين وهزيمة كل المستكبرين". ووجد البعض حقيقتها ومهمتها الكبرى في كونها أبرزت "أهمية الإسلام السياسي" الذي "تجلى بوضوح بعد الثورة الإسلامية العظمى، بعد أن قطع العالم الإسلامي تجاربه مع الأيديولوجيات الغربية المعاصرة". و"أن الثورة الإسلامية الكبرى في إيران شكلت المؤشر الحقيقي على يقظة المسلمين وظهور الإسلام، هذا المارد العملاق من القمقم"، وأنها "استنقاذ للإسلام في قلب الحركة الوطنية والتقدمية من محاولات احتوائه وتوظيفه الرجعي"، كما أنها "التعبير الفكري الشامل لرفض الأمة شعوبا ودولا إن تصبح ولاية لحروب صليبية جديدة"، و"الانقلاب الهائل الذي قدم الإسلام الثوري، الذي بمساعدته يمكن مجابهة الكولونيالية والصهيونية والرأسمالية والعنصرية وقوى الرجعية الداخلية، التي تشكل الخطر الأكبر للإسلام الحق". بل وجد فيها احد الشعراء الكبار الظاهرة التي جعلت "الإسلام يظهر الآن وكأنه وحده الحديث الثوري الباقي". وأنها في نهاية المطاف "انفجار عالم كان الغرب يعتقد انه استأنسه تمام وطوعه بكل مقوماته ليدور في فلكه".

وعموما يمكننا القول، بأن هذه التقييمات اقرب ما تكون إلى استعادة راديكالية لتقاليد راديكالية، وأنها رد فعل وجداني وغبط روحي أكثر مما هي أفكار مؤسسة بمعايير التجربة التاريخية الشاملة. وذلك لأنها ساهمت بوعي أو دون وعي على جعل "الإسلام السياسي" الصيغة الوحيدة والمطلقة للظاهرة الإسلامية. ومن ثم حولت "الإسلام السياسي" إلى نموذج متسام، وصيغة عملية، وأسلوب منهجي، ورؤية سياسية، وتاريخ روحي بقدر واحد. بحيث بدأ البحث عن جذوره الأولية في شخصية النبي محمد (تسييس النبوة وتاريخها العملي) وإعادة قراءته بمعايير سياسية ثقافية حية وحديثة محكومة بالواقع وإشكالاته. وقد كانت تلك خطوة حية، لكنها بالقدر ذاته خطرة، وذلك لأنها كانت أشبه بتلبيس لا تأسيس. وذلك لأنها حاصرت إشكاليات الوجود التاريخي للعالم الإسلامي وآفاقه المستقبلية بالفكرة القائلة، بان غاية "الإسلام السياسي" هي الوقوف ضد كل المبادئ غير الإسلامية، وتقديم المناعة الثقافية للمسلمين من خلال الحفاظ على "الكينونة الإسلامية الكاملة" في كل شيء! ومن ثم العمل على جعل الأمة الإسلامية طرفا جوهريا وفاعلا في العالم المعاصر من خلال بناء نظام إسلامي من طراز جديد، ونظام قيم، وحقوق، واقتصاد وتربية وما إلى ذلك.

فقد حفزت الثورة وأثارت ذكريات الماضي والذاكرة الحية، وأجبرتهما على الدوران في فلك الهياج المتسامي وقوة التعبير المبتهج في برزخ العصيان والتمرد الذي صنعه جبروت "الإسلام السياسي الجديد". الأمر الذي يمكن رؤيته في ذلك العدد الهائل من الشطحات الوجدانية الجميلة والفاقدة في الوقت نفسه لحصانة الرؤية التاريخية الذاتية، كما هو الحال على سبيل المثال في فكرة حسن حنفي عن القطيعة الشاملة مع الغرب، وتحرير الإسلام من الاستهلاك الرجعي وما شابه ذلك. وذلك لما فيها من طفح أيديولوجي. وذلك لان محاربة الاغتراب الظاهري هنا تحتوي في الواقع على اغتراب من نوع باطني يقوم في ثقل "الغرب ومشاريعه" في الفكر البديل والمقارنة. وكذلك الحال بالنسبة للاستعاضة الشاملة الظاهرية والباطنية للفكرة الأيديولوجية. وذلك لاستحالة القيام بذلك دون أن يجري بلورة الفكرة الفلسفية القادرة على إنتاج صيغ إيديولوجية وسيطة تجري ضمن سياق تطورها التلقائي والذاتي. مع ما يترتب عليه من تذليل شامل وقطيعة، أولا وقبل كل شيء مع تقاليد وبواعث الفكرة اللاهوتية نفسها. فهو الطريق الوحيد القادر على إرساء أسس أو تأسيس منظومة مرجعيات معقولة ومقبولة في العالم الإسلامي. وهذه بدورها صيرورة تاريخية تفترض الارتقاء في مدارجها صوب التذليل التام للرؤية اللاهوتية الصرف وتقاليدها السنية الحنبلية في الموقف من الإسلام، باعتباره صيرورة تاريخية ثقافية ودينية وليس كيانا عقائديا ثابتا. بينما تستحيل هذه الفكرة ضمن سياق الرؤية الحنبلية السلفية المتشددة وتقاليدها القديمة والحديثة (والسائدة في التقاليد السنية الحالية). وبدون ذلك تبقى مهمة إلغاء العقل والضمير الإنساني الحر القربان الدائم لإثبات قدسية الشعائر الثقيلة بوصفها حقيقة الإسلام والإيمان، مع ما يترتب عليه من توسيع وتشدد فاعلية البنية التقليدية وتقاليدها الاستبدادية التي حولت كل ما في الإسلام وتاريخه الثقافي إلى طعم مثير في مصيدة خبيثة. وقد يكون صعود المراكز "الإسلامية" المتجسدة في مختلف "مؤسسات" الوهابية السعودية وإسلام البترودولار والوهابيات المحدثة، احد أشكالها ونماذجها الجلية.

أما من الناحية النظرية المجردة، فيمكننا العثور على مفاهيم وأحكام شبيهة عند اغلب مفكري وأيديولوجي الإسلام في العصر الحديث مثل الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والمودودي، وحسن البنا، وسيد قطب وغيرهم. فقد أسس الأفغاني لفكرة الجامعة الإسلامية بوصفها أسلوب للتحرر من السيطرة الكولونيالية، ومن ثم منهجا خاصا للبناء الثقافي والعلمي والسياسي المستقل للعالم الإسلامي. وسار محمد عبده ضمن نفس السياق ولكن من خلال التركيز على أولوية وجوهرية الإصلاح العلمي والتربوي والثقافي. بينما رجع رشيد رضا إلى فكرة الخلافة الأولية بوصفها حلا يستقيم مع حقيقة الإسلام في مجال البناء السياسي للدولة. أما حسن البنا فقد أسس لفكرة الدورة الأبدية، التي تجعل من المحتوم رجوع ما اسماه بقيادة المسلمين للعالم، بوصفها دورة التاريخ القادمة. ومن ثم فان المهمة العملية تقوم في تحضير الجماعة المسلمة المتكاملة بذاتها من اجل إرساء أسس الدولة الإسلامية الحقيقية. وقد كانت آراء المودودي تجميعا وتوليفا حادا لمختلف أفكار الإصلاحية والتشدد السياسي العملي الداعي لتوحيد المسلمين في قوة مستقلة عبر الاستناد التام والشامل لأصول الإسلام ومبادئه وقيمه. بينما بلور سيد قطب فكرة الحاكمية الإلهية الإسلامية عبر جعل الإسلام في أصوله الكبرى (القرآن الحديث) مصدر البناء الإسلامي في كل شي، واعتبار ما عداه جاهلية قديمة أو محدثة.

فقد بدت الثورة الإسلامية في إيران للوهلة الأولى كما لو أنها الصيغة الفعلية لتجسيد وتحقيق المفاهيم والقيم والآفاق الكامنة في الأفكار السياسية الإسلامية المتبلورة في غضون عقود مديدة من القرن العشرين. الأمر الذي جعل منها بؤرة إشعاع هائلة بالنسبة للمزاج والوجدان الإسلامي العادي والنظري على السواء. ومن ثم محاولة جعل إيران مركز الاستقطاب الإسلامي العالمي في مواجهة "الاستكبار العالمي" (المعسكر الشرقي والغربي)، مع ما لازمه من إغراء لتصدير الثورة. ولم يكن هذا الإغراء معزولا عن الخاصية الجديدة للثورة في إيران. فقد كانت "إسلامية" من حيث الطابع والأسلوب والقادة والشعار والرؤية والهيمنة الأيديولوجية. الأمر الذي جعل منها ثورة من طراز خاص، حاولت أن تجعل منه نموذجا جديدا للعالم الإسلامي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنها كانت ثورة بقدر واحد على تقاليد الإسلام السياسية القديمة الغارقة في بحبوحة الارتزاق والخنوع والاستبداد، سواء بتيارها السني أو الشيعي. بمعنى أنها كان تمثل نوع جديد من الخروج على تقاليد الإسلام القديمة سواء بمظهرها السني (الحنبلي بشكل خاص) والشيعي (الإثني عشري - الإمامي بشكل خاص) وبالأخص ما يتعلق منها بفكرة "ولاية الفقيه". فقد كانت تلك من حيث مكنونها الداخلي والذاتي الصيغة الإسلامية الصرف لفكرة ولاية الفيلسوف (الإغريقية). وهذا بدوره لم يكن معزولا أيضا عن نفسية وذهنية التمرد والثورة المميزة لتقاليد التشيع العريقة المشبعة بالتفلسف العقلي والعرفان الصوفي والنزعة الإنسانية.

وقد كمنت في هذه الحالة أيضا احد أسباب الصعود اللاحق للفكرة الطائفية أو الصراع المذهبي في العالم الإسلامي بشكل وعام والعربي بشكل خاص. بمعنى انه يمثل حالة بقاء وفاعلية الوعي اللاهوتي، وفي الوقت نفسه يمثل حالة الانتقال منه إلى الوعي السياسي. الأمر الذي نعثر عليه في صعود نمط "الطائفية السياسية" وليست الاجتماعية أو المذهبية أو العقائدية. وبما أن التشيع الحديث، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران كان يمثل ويتمثل تقاليد الرفض للاستبداد والدعوة للحرية من هنا يمكن رؤية الصعود المتنامي لفكرة التسنن "المجاهد" بوصفها نفيا للحرية ودعوة للاحتراب الداخلي وانتهاج بدائي ومستميت لإثارة اشد الأشكال غير العقلانية والهمجية في الوعي الفردي والجماعي. وهو أمر جلي على خليفة العلاقة السياسية بين ممالك وإمارات الخليج "السنية" قبل الثورة وبعدها. فقد كانت علاقتها بالشاهنشاهية علاقة ودية وتحالف، مع أن نظام الشاه كان يمثل الصيغة الأكثر عدائية للعالم الإسلامي والعربي بشكل خاص. فقد كان النظام الشاهنشاهي الإيراني نموذجا "للمجوسية" و"العنصرية الفارسية" والحليف الأكبر للقوى الكولونيالية والصهيونية في المنطقة. بينما تحولت إيران بعد الثورة الإسلامية، المناهضة والنافية لكل خطايا الشاهنشاهية، إلى العدو "المجوسي" و"الصفوي" الأكبر! الأمر الذي يشير إلى حقيقة العلاقة بين التسنن التقليدي وتقاليد الاستبداد والعبودية. بمعنى انه يشير أولا وقبل كل شيء إلى بقاء تقاليد الماضي في ظل مرحلة تتسم بديناميكية قوية للانتقال من مرحلة اللاهوت الديني البليد إلى مرحلة اللاهوت السياسي الفعال. وفيها ومن خلالها تنعكس تقاليد السلطة المستبدة وتقاليد المعارضة والرفض الميزة في تاريخ الإسلام بمختلف أشكالها وحركاتها.

وإذا كان انتصار الإسلام في إيران مقرونا بالتشيع، فلأنه بقي القوة الأكثر تماسكا واستمرار من غيره في تمثل تقاليد الرفض وفكرة الحرية بمعاييرها اللاهوتية والسياسية. فإذا كانت حركات التسنن من حيث الجوهر تتمثل وتمثل تقاليد الاستبداد والاستعباد للسلطة أيا كان شكلها ومزاجها، فان الأمر يختلف بالنسبة للتشيع الذي ربط فكرة المثال بفكرة المقدس وبإمامة الروح لا الجسد. الأمر الذي جعله على الدوام يقف بين ملك السلطة وزمنها وبين ملكوت الروح وتاريخ جبروته الباحث عن بدائل مثلى. وقد حّيد ذلك واضعف إمكانية المرونة العملية في التشيع من جهة، لكنه أبقى على جذوة المواجهة ضد السلطة بوصفها مرجعية يصعب تذليلها في ظل الاستبداد والاستعباد، من جهة أخرى. من هنا محاولات حصر معنى ومضمون الثورة الإسلامية في إيران بألقاب "الروافض" و"الصفوية" و"التشيع" من اجل إثارة الحماسة الغبية حول تسنن بدوي همجي لا علاقة جوهرية تربطه بالإسلام بغير الاسم والرسم. ومن ثم سحق الفكرة الإسلامية، بما في ذلك السياسية منها بين رحى التحريف المتعمد لوقائع الماضي والحاضر، والتخريف المتمرد على ابسط مظاهر الحق والحقيقة.

إننا نعثر في هذه الحالة على مفارقة مرهقة للعقل الحر والضمير الحي في عصر "ما بعد الحداثة"، لكنها تعكس المسار الواعي لمرحلة الانتقال المتأخرة نسبيا في العالم الإسلامي من حالة الوعي الديني اللاهوتي إلى الوعي الديني السياسي. من هنا تلازم الإثارة المذهبية والطائفية السياسية بوصفه السور الأخير الذي يمكن أن تتحصن وراءه قوى الاستبداد وتقاليد الاستعباد وبقايا التصحر الثقافي والروحي وقواه البدوية في ممالك وإمارات الخليج وامتداده الاجتماعي والثقافي في المشرق العربي. من هنا محاولاته تأسيس الثنائية العدائية بين التشيع والتسنن من خلال إرجاع الإسلام إلى كتلة همجية لا تتعدى في أفضل نماذجها حدود السلفية الحنبلية، أي اشد الأشكال تخلفا وبدائية للفكرة الإسلامية. ومن ثم محاولات جعل هذا الصراع محور الإسلام وبداية ونهاية الوجود العربي والإسلامي! ولعل مفارقة هذا السلوك البليد تقوم في محاولته تفريغ مسالك العقل النقدي من تاريخ الروح والجسد الثقافي، أي كل ما ينبغي له أن يذلل، مرة واحدة إلى الأبد، بقايا هذا الخلاف عبر نقل الوجود العربي والإسلامي من محور الصراع المذهبي، بوصفه أسلوبا للإبقاء على البنية التقليدية وتقاليد الاستبداد والاستعباد، إلى عالم الحرية والمواطنة، أي إلى عالم نوعي آخر يذلل قدرة الربع الخالي على رمي رماله إلى مدنية المستقبل العربي ودنيوية العالم الإسلامي. وذلك لان صعود المركز السني التقليدي الحنبلي الوهابي هو الوجه الآخر لبقايا البنية التقليدية المتهالكة من حيث بنيتها الذاتية والخشنة من حيث إمكانياتها المالية. ومن ثم هي مسخ جذاب لأمثاله. وبالتالي، فهو أمر عرضي وطارئ في ديناميكية العالم المعاصر ومرحلة الانتقال التاريخية الكبرى التي يمر بها العالم الإسلامي صوب المرحلة السياسية الاقتصادية.

بعبارة أخرى، إن قوة الإسلام السني الحنبلي الوهابي من قوة الرشوة المالية. ومن ثم فانه خال من الروح الثقافي والنزعة الإنسانية والقيم الاجتماعية والروح المدنية. انه مجرد ممول مباشر وغير مباشر لسلفيات متشددة، بوصفها الصيغة غير الواعية لازمة الإسلام السني التقليدي. كما أنها تعكس عموما أزمة اليسار الدنيوي والتيار القومي بمختلف مشاربه، التي لازمت حالة الخروج على منطق التطور الطبيعي للتاريخ الفعلي للأمم (القومية) والدولة الحديثة. غير أن صيغته الظاهرية والمباشرة الحالية القائمة في إثارة الصراع الطائفي والمذهبي بين التشيع والتسنن لم تعد مذهبية صرف كما كان فيما مضى، كما هو جلي في افتقاده التام للجدل النظري. لقد تحول إلى خلاف عملي اقرب إلى المؤامرة والمغامرة والمقامرة من جانب الحنبلية الوهابية المحدثة. ومن خلالها برزت تقاليد الماضي بوصفها خلافا حادا في الرؤية تجاه اغلب إشكاليات الوجود المتعلقة بالدولة والنظام السياسي والمجتمع والحقوق والقيم. وإذا كانت خاتمة التيارات السنية الحنبلية الوهابية تتراكم في كمية العداء والاستعداء على العقل والضمير القومي والمصالح الكبرى والرؤية المستقبلية للحرية والمواطنة وفكرة الحق والحقوق، فلأنها كانت على الدوام تمثل هامشية الروح والجسد الثقافي. فقد كانت التقاليد الحنبلية على الدوام القوة الوحيدة الكبرى والشرسة في عدائها للعقل والعقلانية والنزعة الإنسانية والفلسفة والعلوم، على عكس ما هو مميز لتقاليد التشيع.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة "الثورة الإسلامية" وأثرها اللاحق بالنسبة لبروز "الإسلام السياسي" بهيئة تيار مستقل بذاته استحوذ على كامل الكينونة الإسلامية المعاصرة. والسبب يكمن في أن الثورة الإسلامية في إيران أبرزت الملامح الأولية الكبرى لمرحلة الانتقال من الوعي اللاهوتي الديني إلى الوعي الديني السياسي، أي من الوعي اللاهوتي الإسلامي إلى الوعي الإسلامي السياسي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

مفكر وباحث

raheem alsaidiكلاهما يوصف بالاستبطان والهدوء ومحاولة المعرفة والغموض، وكلاهما نهم بحب الاكتشاف واعتقاده باهميته بل وايمانه بنرجسيته العليا، فالانا في الفلسفة وفي الجانب المخابراتي تبرز بشكل عاقل وواثق، لقد لفت انتباهي فوكو وهو يحاول جومسكي في مقابلة جمعتها، كان يستبدل جلسته باستمرار، ويتصنع حركات قلقة بالرغم من انها عاقلة جميله اما جومسكي الذي بقي ثابتا لم يتحرك كثيرا وكلاهما كان فكرا كبيرا، فالانا الفلسفية عاقلة وهكذا الاستخبارية.

وهنا لا اريد التحدث عن نظرية المؤامرة التي يدسها منتقدوا الكثيرمن الفلاسفة ومنهم اركون وغيره لمنهجه في الانسنيات، والقاضي بان منهجه (المنسوخ من الفكر الفرنسي) محاولة لضرب الثوابت الاسلامية، فهو(وفق رايهم) منهج يحاول تدجين وتفكيك المبادئ فهو يعمد على تحويل النص الى مدونة، كما يتبنى ذلك ابو زيد، ومع اني لا استبعد هذه الافكار تماما الا ان الحديث عن هذه النقطة غير مجد تماما

وقد لا استبعد مثلا استفادة بعض المفكرين من الجهد الاستخباري او التقارير التي تابعوها سيما في الحرب لمعرفة الكثير من الافكار والاحداث فالمفكر توينبي بردة الفعل والتحدي والاستجابة التي استلهمها من الفيلسوف وعالم علم النفس يونغ كان يطلع على التقارير التي تدون في الحرب ومع عمله في الخارجية وفي دائرة المخابرات حصرا اطلع على الاحداث ونظر الى افكار ربما تبدو موجهة نحو هدف يخدم الدولة التي يعمل لاجلها وهكذا كان شبنكلر الذي كان يعيش في المحيط الالماني وكتب حول الحضارة وتبدلها او المانيا وخصائصها (ناقدا او موافقا) ويمكنني القول – وهذه ليست بالفتوى – ان مجمل فلاسفة التاريخ كانوا يعملون وفق خطط رسموها او اختمرت لمساندة الافكار التي يؤمنون بها ونصرة معتقدهم او وطنهم او صنعوا افكارا موجهة نحو غايات مرسومة، ولا يبتعد عن هذه الاسطر ذكر هنكنكتون او فوكوياما الذان نظرا لسقوط الحضارة ووجها عملا ربما لم يكن يعرفة الساسة، وكلها (افكارا وفلاسفة) تعتبر عاملا توجيهيا نحو اهداف مرسومة وتتصل بالجانب الاستراتيجي اكثر من اتصالها بالفلسفة ولكنها اخذت طريق الفلسفة لانها افكار تتسم بالخصوبة والمغايرة وهي محفزة او محركة او مسقفزة لافكار اخرى

والفلسفة او الفكر احيانا كان عاملا مهما في هيجان او خدمة الطغات، واتذكر في العراق ان ناظم كزار مثلا اعتمد على الافكار النفسية لبعض الخبراء الالمان (المانيا تبدو في كثير من الاحيان بلا مشاعر فهي محض عقل وواجب والة) لانتزاع اعترافات السجناء العراقيين (السياسين منهم)، وهذه االقاعدة طبقت بشكل واسع ومهم في الحروب الحديثة، فالمفكر في خدمة الحرب احيانا وفي حاشية الطاغية غالبا، ولايعني هذا ان لا صلة لهذه القضية في التاريخ، كما انني لا اريد اتهام ارسطو والفاربي وغيرهم بالتقرب من السلطان والعمل ضمن المنظومة الاستخبارية التي تذلل العقبات للسلطان، فان هذا الموضوع يحتاج معرفة، ما هو حجم استفاده الاسكندر او سيف الدولة من هذين الفيلسوفين على المستوى السياسي وما الذي امكن تطبيقة في الدولة من الافكار .

ولا يمكننا مثلا اعتبار يوسف (ع)عميلا استخباريا للفرعون او مفكرا ضمن حاشيته، لمجرد انه قدم له حلا منهجيا لازمة انسانية بل وعالمية كبيرة، بمنهج يوصف بـ (التنبؤي، الافتراضي، المستقبلي) وهو الامر الذي يذكره باشلار باعجاب في كتابه الماء والاحلام، ولكن يجب الاشارة الى فهمين في هذا الموضوع الاول هو الاستفادة المباشرة والموجهة والمخطط لها ولو بشكل يبتعد عن التفصيل عن الافكار الفلسفية وغيرها من الفكرية والاستراتيجية والدراسات المستقبلية في دعم الدول التي تتنبنى هذه الافكار والفلاسفة والجانب الثاني هو اللامباشر ويخص استفادة الدول المستبدة وغير المستبدة من افكار الفلاسفة والمفكرين بطريقة لا مباشرة

ويمكننا استعراض مجموعة من الاسئلة تخص قضية الفلسفة والمخابرات، وهي تحاول معرفة الاواصر والمتقاطعات والمتقاربات من الافكار، فالحديث في هذا الجانب يعني السؤال عن مديات قرب الفلسفة من الدولة، وهو موضوع مهم عند القول بموضوعين مختلفين وليس عن ذات موضوع (ليس عن امومة الفلسفة للدولة، بل عن علاقة متضادة بين الدولة والفلسفة) اقصد عن تبعية الدولة للفلسفة وتبعية فروع الفلسفة للدولة وايهما انتصر (وكانها علاقة بين السيد والعبد)، فالفلسفة صنعت الدولة ثم الدولة اصبحت السيدة الاولى وشغلت الفلسفة ضمن دوائرها، وهذا جانب مهم يجب ان يبحثه طلبة العلم لاعادة انتاج وتكرير الفكر .

ايضا السؤال عن دور فلسفة التاريخ بل والاجتماع في القضية الاستخبارية على مر التاريخ، فما يدهشني ان احدا لم يكتب فلسفة عن الرحالة ودورهم، نعم كتبوا حول الاستشراق ولكن الرحالة لهم الدور الخطير بهجرة الافكار وطلب المعرفة او الدور المخابراتي على مر التاريخ، ولا اتهم الجميع هنا ولكن قد اتهم البعض منهم، فما يدهشك ان يكون توجه الفلسفة الغربية المعاصرة او الجانب السسيولوجي منها موجه نحو المجتمع، وحتى العسكر الغربي كان يفكر بطريقة استخباراتية فهناك تقارير قراتها لاحد الضباط البريطانيين في دول الخليج، دَوَنَ فيها الاسماك في الخليج وعندما يصل الى قضية سمك القرش يقول ان الشيعي لا ياكله بينما السني ياكله ويستخدم زعانفه كمقو جنسي، هذه المعلومة وغيرها انما هي نتاج جزئي لمفكر جزئي ويمكن القياس على الافكار الكبير التي تقوم بتحويل التاريخ وفق مسارات تتبناها الدولة للسيطرة وتطويع الافكار .

اعتقد بان مؤسسسة راند للدراسات اليوم والتي تفتح فرعا وحيدا للعرب في قطر تستثمر التخطيط طويل وقصير المدى وتستثمر الجانب الاستراتيجي لصياغة الافكار التي اقل ما يمكن القول عنها انه جهد استراتيجي استخبارتي فكري بامتياز، ومن المؤلم القول ان الفلسفة يمكن لها ان تكون موضوعا وتابعا للدولة اوافكار الدولة .

 

zouhair khouildiاستهلال: لا ينطلق المنهج الإيتيقي من التعاليم التي يقدمها العقل وإنما هو الذي يعاين موضوعيا العوامل الطبيعية الضرورية المحددة لحياة الوجدان ويستنبط من "طبيعة الإنسان المألوفة أي من الوضع الإنساني عموما"1[1] ويدرك المجتمع كعلاقات قوى ويهدي الجميع إلى العيش في وئام مع بعضهم البعض ومع نظام الكون.

إيتيقا ليفيناس هي اختبار حاسم تجريه الفلسفة ضد أنانية الفرد وذلك بالتساؤل عن عفوية الأنا ومجهوده في المحافظة على وجوده في ظل حضور الغير والتحلي بالمسؤولية اللاّمتناهية تجاهه دون تحفظ أو احتراز. اذ لا يمكن تعويض وجهة نظر الأنا المنخرط في التجربة المعيشة والكف عن النظر إلى الأخلاق بوصفها بلورة قواعد للحياة الجيدة وفق الخير الأسمى أو وفق مبدأ الواجب وإعادة تعريفها باعتبارها تحمل الذات مسؤوليته تجاه الغير والانفتاح على ماوراء الماهية والإقرار بالوجود المختلف2[2].

لكن أي منزلة يحتلها الكائن البشري في الوجود؟ وماهي الفضائل التي يجب أن يكتسبها الإنسان في الحياة ؟ وما نصيبه من مطلب السعادة ومن قيمة الخير؟ ولماذا يفترض الناس أن جميع الأشياء الطبيعية تتصرف مثلهم من أجل غاية؟ وكيف تتولد الأحكام المسبقة المتعلقة بالخير والشر وبالاستحقاق والخطئية وبالثناء والتوبيخ بالنظام والفوضى وبالجمال والقبح عن حكم خاطئ هو العلة الغائية ؟ لكن ماذا لو كانت الغاية الحقيقية من الفعل الإرادي هو الرغبة في الحصول على الشيء النافع وتجنب حصول الشيء الضار؟3[3]

من بالضبط يقوم بتحديد الهوية الإنسانية؟ هل هو الانتماء أم الظهور؟ هل هو الجسد أم الوجه؟ بماذا تتصف علاقة وجه لوجه مع الآخر؟ ما الفرق بين الغير والآخر؟ من هو الغير؟ ما المقصود بالغيرية الجذرية؟ وكيف تتحمل الذات المسؤولية الإيتيقية تجاه الغير؟ وهل تنعم للذات بالسعادة مع الغير؟

 

1- البحث الايتيقي عند سبينوزا:

لقد ذكر جيل دولوز في كتابه " سبينوزا، فلسفة عملية "4[4] أن العمل التحديدي الذي قام به سبينوزا للكائن البشري هو تحديدا جغرافيا هندسيا يتمثل في رسم خارطة للإنسان على خطوط الطول والعرض بحيث يكون خط الطول هو علاقات السرعة والتمهل والحركة والسكون ويمثل خط العرض مجموع الانفعالات.

وبالتالي لم يحدد سبينوزا الإنسان عبر شكله وأعضائه ووظائفها ولم يصفه بالجوهر أو الذات الفاعلة وإنما حالات قوة ما انفكت تتحول وتتعدل وتتشكل وتتألف عبر الأفراد والمجموعات تظهر تارة في قدرة تلقي الانفعالات وطورا في قوة القرار في الوجود وقد تم التعبير عنه بالكوناتوس Conatus أو رغبة البقاء.

الله هو الجوهر الوحيد بينما بقية الكائنات فهي مجرد مخلوقات وصفات وأحوال تعبر عن الجوهر.

في هذا السياق يصرح سبينوزا في القضية العاشرة من الجزء الثاني من كتابه العمدة "علم الأخلاق" ما يلي: "لا ينتمي كيان الجوهر إلى ماهية الإنسان، وبعبارة أخرى ليس الجوهر ما يؤلف صورة الإنسان"5[5].

و بالتالي يفصل بين الماهيةessentia والجوهر substantia ." الجوهر ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته"6[6] أما " ما ينتمي إلى ماهية شيء من الأشياء هو ذلك الذي ، إن وجد، وجد الشيء وان بطل ، بطل الشيء"7[7]. ويبرهن على أن ماهية الإنسان هي شيء موجود في الله طالما أن الله هو العلة الوحيدة لجميع الأشياء وبالنظر إلى أن كل الكائنات لا يمكنها أن توجد أو تتصور دون الله وهي تتألف من تحولات معينة لصفات الله بل إنها عرض أو حال يعبر عن طبيعة الله الأزلية واللاّمتناهية بطريقة معينة ومحددة.

زد على ذلك يميز سبينوزا بين الجوهر و الصفة والحال. من الواجب ومن طبيعته أن يوجد كل جوهر في ذاته ويتصور بذاته، فهو متقدم بالطبع على أعراضه ولامتناه بالضرورة ولا يمكن أن ينتج عن جوهر آخر يكون موجودا، أما "الصفة فهي ما يدركه الذهن في الجوهر مقوما لماهيته" في حين أن "الحال هو ما يطرأ على الجوهر، وبعبارة أخرى ما يكون قائما في شيء غير ذاته ويتصور بشيء غير ذاته"8[8].

غير أن العمل الفلسفي الحاسم الذي قام به سبينوزا هو توحيد تصور الإنسان لنفسه وللكون والقضاء على الثنائية الديكارتية التي فصلت بين الفكر والامتداد وبين عالم الأشكال الهندسية والأرقام والعالم العضوي. إذ لم يعد الإنسان ثنائية نفس وجسم بل صار شيئا واحدا إذا نظرنا إليه من جهة الامتداد يكون جسدا وإذا نظرنا إليها من جهة الفكر يكون نفسا. كما بين سبينوزا مستطاع الجسم وأوضح أنه يقدر على فعل أمورا كثيرة للإنسان أكثر إذهالا من أفعال النفس بل تمثل النفس فكرة شيء جزئي موجود بالفعل هو الجسم. بأي معنى يشكل الإنسان نمطا متناهيا من الجوهر الإلهي؟ فيم تتمثل خصائص الفردية البشرية؟

يبذل الإنسان جهدا كبيرا للمحافظة على وجوده وبقدر ما يكون الكوناتوس مقتدرا يكون الإنسان مستقلا ومطابقا مع ذاته وبالتالي يمثل الكوناتوس الرغبة الصلبة في الدوام أي الماهية الخاصة بالكائن البشري.

الطبيعة البشرية في نظام الأشياء ينبغي أن تكون مطابقة لهوية الإنسان في نظام الأفكار ولكن الوقوع في الخطأ أمر جائز نتيجة الاعتقاد في حرية الاختيار والعلة الغائية وإتباع الشهوات واضطراب الانفعالات.

"إنهم يبلغون قمة الحكمة بإسداء شتى أنواع المديح لطبيعة إنسانية لا وجود لها إطلاقا وباستهجان الطبيعة الإنسانية الموجودة حقا ، وفعلا، فإنهم لا ينظرون إلى البشر على حقيقتهم، وإنما على نحو ما يرغبون"9[9]. غير أن التحدي الكبير الذي فرض نفسه على سبينوزا في المجال الأخلاقي وحاول معالجته هو التالي: كيف يمكن بناء إيتيقا خالية من التصور المشترك عن حرية الاختيار ومستندة على فكرة الكوناتوس؟

والحق أن جهل الناس للعلل الحقيقية لفعلهم وعجزهم عن التعبير عن الطبيعة الخاصة بهم سببه الوقوع في ذم الأهواء وهجاء الرغبة والسخرية من الجسد والسخرية من الغرائز واللوم من النسيان ولعن الأخطاء والانصياع إلى الخوف والإعراض عن صوت العقل ومحك التجربة والتظاهر بالعفة والطهارة والفضيلة.

"فليس من شك إذن – وقد برهنا على ذلك في علم الأخلاق- أن الناس يرزحون بالضرورة تحت الانفعالات وأنهم على هيئة تجعلهم يشفقون على الأشقياء ويحسدون السعداء وأنهم أميل إلى الثأر منهم إلى الرحمة والغفران وأن كل امرئ ، علاوة على ذلك، يرغب في أن يعيش الآخرون وفقا لطبعه الخاص"10[10]

في الواقع يتراوح الوضع الإيتيقي للكائن البشري بين العقل والأهواء وبين التأثير والتأثر وبين الفعل والانفعال بين السبب والنتيجة وبين الفرح والحزن والفرق بين القطبين في المرتبة وليس في الطبيعة.

لا يدعي سبينوزا إلى تفوق الروح على الغرائز وسيطرة العقل على الجسد وإنما إلى صحة جيدة للاثنين وتأسيس مشتركة هوية بينهما وذلك بالزيادة في الاقتدار والرفع من اشتهاء الوجود وطاقة قابلية الاكتمال.

لا يحقق الإنسان قدرا معلوما من السعادة إلا بتغليب الانفعالات الايجابية المثبتة على الانفعالات السلبية المعدمة وإدراك الفرح واللذة والرضا والمحبة وطرد الحزن والشقاء والقلق والكره والعيش وفق ما يأمره به العقل وفي تناغم مع نفسه ومع نظام الكون، إذ" نحن بالأساس مخلوقات متقمصة وراغبة ومكافحة"11[11]

يمكن عند سبينوزا إحلال الحرية مكان العبودية والانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية وذلك بالنظر إلى الإنسان الحر على أنه الكائن العقلاني الذي ينتمي إلى المدينة ويحترم القرارات القانونية الجماعية ويسعى إلى الخير ويتفادى الشر ويتحلى بالفضيلة ويبتعد عن الرذيلة ويغمره الفرح والمحبة والرجاء. غير أن السعادة التامة لا ترتبط بالبقاء بل بحسن البقاء وليس الحياة العادية بل الحياة الجيدة وتقتضي تحصيل الدرجة الثالثة من المعرفة والخلاص وبلوغ الأبدية عن طريق الارتقاء إلى الغبطة والطمأنينة.

لكن كيف ساهم عمونيال ليفناس في تطوير الإيتيقا السبينوزية للارتقاء بها إلى مستوى الفلسفة الأولى؟ لماذا ارتبطت الإيتيقا باكتشاف الغيرية؟ ماهي آثار العلاقة مع الآخر في شكلها الأصلي؟هل يوجد حالة تظهر فيها الآخرية في خالصيتها؟ أليس هناك حالة يحمل فيها الكائن الآخرية بوصفها حدا ايجابيا ؟12[12]

 

2- استئناف القول الإيتيقي عند ليفيناس:

لا ترتكز الإيتيقا على احترام قانون كلي بل هي فلسفة أولى تسبق الأنطولوجيا ولا تبحث عن التأسيس ولا تعتمد على الانفعالية المطلقة وإنما تنطلق من لقاء الغير وتحتك بالوجه وتفتح بعد الدلالة وتحرر الذات .

لقد أعطى ليفيناس الأولوية المطلقة للعلاقة الإيتيقية مع الغير وجعل من الإيتيقا هي الفلسفة الأولى التي تتفوق على فلسفة المعرفة وعلى الأنطولوجيا. في هذا المقام اهتم بالوجه والهوية والمسؤولية والنظرة والإنساني وبحث عن إنسانية الآخر في إنسان بلا وضع وماوراء الماهية ويوجد بشكل مختلف ومنفصل13[13]. لقد ميز ليفيناس بين الغير والآخر وبين أن الغير يبرز إلى الذات من خلال اللقاء بوجهه حيث يظهر لها في صورة كائن فريد لا يمكن اختزاله أو رده إلى أحد مقولات الهوية وإدراجه ضمن سلاسل التصنيف.

تتجلى العلاقة الثرية وغير القابلة للاختزال في المقابلة مع وجه الغير والنظر إليه وجها لوجه والانتماء إلى نفس البعد الزماني والمكاني وتحمل مسؤولية اللقاء والتحلي بالحب والصداقة واحترام علاقة القربى وحسن الجوار على الرغم من الانفصال والغربة والمجهولية والتباين وغياب حسابات المصالح والانتفاع.

لقد حاول ليفيناس تخطي التعارض التقليدي الذي أقامه أفلاطون بين المماثل والآخر بوصفهما من الأنواع العالية المتعارضة ومنح الحق للآخر من حيث هو آخر أي إلى الغيرية المطلقة التي لا تنتمي إلى داخل الوجود وليست لها نسبة إلى المماثل ولا تمثل مقولة صورية في تمفصل اللّوغوس في إحالته إلى الوجود بل تتجلى بشكل أصلي في العلاقة الإيتيقية بين الأنا والآخر وخارج مقولات المنطق وأبعاد الأنطولوجيا.

لم يتعامل ليفيناس مع آخرية الآخر بوصفها موضوعا منظورا إليه من قبل الذات ولا تجربة يقتحمها بالوعي من الخارج ويقدم فيها وصفا شافيا ضافيا لأشكال الآخر وإنما يعتبره شرطا أساسيا لوجود الذات ويتوقف عند الآخرية الغامضة والمجهولة التي تفتقد لكل علامات المشاركة والحضور والقرابة مع الذات.

بيد أن الأخر من حيث هو الآخر المطلق ومن جهة كونه يمنح الدلالة إلى الذات وينتج المعنى هو الغير ويصفه ليفيناس بأنه الإنسان الآخر الذي لا يمكن مقارنته ويمثل الخصوصية المطلقة في وضعه البشري وبالتالي لا يجوز معاملته بوصفه فردا آخر يتقاسم مع الذات نفس الماهية ونفس الوجود والمجتمع ذاته14[14].

كما تخفض تجربة الغير كل مزاعم امتلاك الوعي ودعاوي الحرية وقدرات الذات الأنانية على الحضور والمعرفة والتملك والكينونة بمعزل عن تدخل الآخرين وترفع من شأن المسؤولية بوصفها علاقة إيتيقية.

ينقد ليفيناس الماهية من حيث هي حضور محض يتخطى كل حد ويحاول تجاوز المراوحة بين الوجود والعدم من خلال نحت مفهوم الوجود المختلفAutrement qu’être ويرى أن المسألة ليس في الوجود أو عدم الوجود وإنما العدم في حد ذاته ليس نقيض الوجود وإنما لا يمتلك معنى إلا بالمقارنة مع الوجود. ان الوجود المختلف هو اللاّنهائي الذي يخترق شمولية الوجود وينتزع نفسه من مقولاته وينتج المعنى15[15].

غني عن البيان أن الوجود المختلف مرتبط بما يوجدil ya والثمية illéité التي تشير إلى المناطق التي تنفلت عن مراوحات الوجود بين الظهور والاختفاء وتعدم إمكانية حضور التعالي والحدوث الخالص. انه ليس الأنت ولا الذات الأخرى وإنما يقطع مع نظرية التمثل ويشهد على الانتماء المشترك للوجود والعدم.

تتكون فنومينولوجيا العلاقة مع الغير من الأبعاد التالية:

- يوجد منبع الدلالة اللغوية في النداء على الغير وبالتالي الغير هو القطب الذي تتحدث معه الذات.

- يطرح الغير من حيث هو غير في ازدراء الفقير والغريب وذلك مصادرة حقه في التعبير والحياة.

- يعتبر الشريك غيرا في إطار وصف العلاقة مع الأقرباء والتفريق بين الشركاء وبين المجاورين.

- تطرح تحمل مسؤولية الغير دون حد وبلا تحفظ الغير بشكل مطلق في مواجهة الدعوة إلى القتل.

- الوجه هو الشكل المطلق الذي يعبر به الغير عن نفسه ويطرح باعتباره ذاتا بالنسبة إلى الذات.

" من المهم أن نلاحظ أن ليفيناس لا يكتفي هنا بالقول إن العلاقات الأولية مؤذية أو فظيعة بل يقول ببساطة إننا في أكثر المستويات أساسية نقع تحت تأثير الآخرين بطرق لا سيطرة لنا عليها وان هذه السلبية، التأثرية، وحالة التعرض للتماس تدشن من نحن"16[16].

يحافظ ليفيناس على مفهوم الكوناتوس عند سبينوزا ويعيد الاعتبار للرغبة بوصفها علاقة مع اللانهائي ويفرق بينها وبين الحاجة الأنانية في الاستهلاك والإشباع التي يمنحها العالم الصناعي وفق مقياس مادي. زد على ذلك تهب الغيرية نفسها بوصفها رغبة ويكون الغير راغبا ومرغوبا فيه ولكن تظل الرغبة لامتناهية دون الذوبان في أنانية المماثل وانغلاق السيادة ودون الإحساس بالحرمان والزهد في السعادة.

وجه الأخر visage هو أحد الظواهر التي يطل من خلالها الغير على الذات وعلى العالم وعلن فيها عن حضور اللانهائي ولكن الأثرtrace هو الطريقة التي يطبع بها الوجه حضوره في المرئي وحدث الظهور الذي يقلب كل البنى المعتادة للظهور.

 

على سبيل الختم:

-الغاية القصوى من الفلسفة عند سبينوزا هي ايتيقا أصلية للسعادة والحرية وذلك بالاعتماد على الكوناتوس بوصفه المجهود الذي يبذله الفرد للحفاظ على حسن بقائه وتقوية وضعه في الحياة.

- تلعب الرغبة دورا أساسيا في الانتقال بالانفعالات من الحزن إلى الفرح وذلك عندما تنجح في الارتقاء المستمر بالفرد من الدرجات الأقل إلى أكبر قدر من القوة والكمال والمحافظة على وثاقة الوجود والحياة.

-لا يمكن أن تتحمل الطبيعة البشرية الإكراه والضغوط بشكل مطلق ولا توجد أي سلطة يمكن أن تمنع الإنسان من التفكير ومن الوجود بل كل فرد حر في قناعاته وسيد أفكاره وهذا الحق الطبيعي يحميه القانون وتضمنه الدولة.

- الوضع الإنساني يتميز بالتعبFatigue والألم والعنف والعزل والانفصال والهروب والتلاشي والضياعevasion والانفعال والتأثر والهشاشة والعطوبية ومشاعر الضيق والسأم والعبث والضجر والضعف والعجز والانطواء والتمزق وجلد الذات والكراهية تجاه النفس والآخرين.

- مفهوم الإنساني humain يقتضي الكف عن تمييز الإنسان عن بقية الكائنات بالعقل والوعي والإرادة واللغة وتثمين الجوانب التي ألقت بها النزعة الإنسانية في الخارج وهمشتها وتجديد إنسانية الإنسان الآخر. إن احترام الإنساني في الإنسان وتحمل المسؤولية المطلقة تجاه الغير تستوجب انفتاحا على دلالة الوجه وتخليص الذاتية من جوهرانية حرية الاحتيار والإبحار بها ما بعد الفعل والانفعال وخارج الوجود والعدم.

-الوجه لوجهface à face هي البنية الأولية للاجتماعية وتقر بالطابع التناظري بين الذات والغير ولكن هذه البنية لا تعني المواجهة بين الأنا والأنت ولا تعني علاقة تشاركية مع الغير في النحن والانتماء إلى المجتمع وإنما تفيد علاقة تناظرية تذهب من الذات إلى الغير دون عودة وتضع الغير محل تبجيل وموضع تقدير وترقيته في منزلة رفيعة ومنحه كل المعايير التفضيلية وكل العناية والرعاية والاهتمام مهما كانت أشكال وضعه17[17].

- تجربة الانتشاء jouissance هي تقوية الانية لجهودها للثبات في الوجود وتعتبر كيفية للاكتمال في علاقة الجسد الذاتي بالعالم وتغذية عاطفية من الغير وتصبح تفكرية قصدية حينما تحافظ على إمكانية الحصول على التعالي وتجعل تحقق الذات مشروطا بحضور الغير18[18].

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

......................

الإحالات والهوامش:

[1] سبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999، صص.39. 40.

[2] Levinas Emmanuel, Totalité et infini, essai sur l’extériorité, édition Nijhoff, La Haye, 1961.p13.

[3] سبينوزا ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999، صص.76. 77.

[4] Deleuze Jilles, Spinoza et la philosophie pratique, édition Minuits, Paris, 1981.2003.

[5] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، صص.98. 99.

[6] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص30.

[7] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص85.

[8] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص30.

[9] سبينوزا ، كتاب السياسة، مرجع مذكور، ص37.

[10] سبينوزا ، كتاب السياسة، مرجع مذكور، صص.38. 39.

[11] Scruton Roger, Spinoza, traduit par Ghislain Chaufour, édition du Seuil, Paris, 2000.p.60.

[12] ليفيناس عمونيال ، الزمان والآخر، ترجمة جلال بدلة ، دار معابر للنشر والتوزيع ، دمشق، سوريا، طبعة أولى، 2014،ص.95.

[13] Levinas Emmanuel, Totalité et infini, op.cit.p

[14] Levinas Emmanuel, le temps et l’ autre, Fata Morgan, 1979, repris par PUF, Quadrige, 1985. p63.

[15] Levinas Emmanuel, Autrement qu’être ou au- delà de l’essence, édition Martinus Nijhoff, La Haye, 1974. p15.

[16] جوديث بتلر، الذات تصف نفسها ، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014. فصل: لابلانش وليفيناس: أولوية الآخر،ص167.

[17] Levinas Emmanuel, totalité et infini, p53.

[18] Levinas Emmanuel, totalité et infini, p86.

 

المصادر والمراجع:

سبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999،

سبينوزا ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999،

ليفيناس عمونيال ، الزمان والآخر، ترجمة جلال بدلة ، دار معابر للنشر والتوزيع ، دمشق، سوريا، طبعة أولى، 2014،

جوديث بتلر، الذات تصف نفسها ، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014.

Deleuze Jilles, Spinoza et la philosophie pratique, édition Minuits, Paris, 1981.2003.

Scruton Roger, Spinoza, traduit par Ghislain Chaufour, édition du Seuil, Paris, 2000.

Levinas Emmanuel, Totalité et infini, essai sur l’extériorité, édition Nijhoff, La Haye, 1961

Levinas Emmanuel, le temps et l’ autre, Fata Morgan, 1979, repris par PUF, Quadrige, 1985.

Levinas Emmanuel, Autrement qu’être ou au- delà de l’essence, édition Martinus Nijhoff, La Haye, 1974.