علي محمد اليوسف(1) بول ريكور: اجتزاءات فلسفية

جميع الافعال الصادرة عن الانسان هي ذاتية صرف يحكمها القرار والارادة في محاولة صنع عالم خاص .بول ريكور في عبارة رشيقة له " الانسان لا يمتلك عصمة من ارتكابه الاخطاء والشرور، وهذه السمة العامة تتركز في عدم مطابقة الانسان مع نفسه، وهذا اللاتناسب بين الذات والذات هي نسبة اللاعصمة." ان نزعة الخير المترسّبة في قاع الضمير والوجدان الانساني تجعله متقاطعا على الدوام مع مظاهر الانحراف التي يعيشها في مجتمعه، ما يرتب عليه اتخاذ القرار الصائب حسب تصوره وقناعته أن يكون متطابقا مع ذاته في تقاطعه مع المجتمع. والذات المنقسمة فرويديا الى ذات ومافوق ذات اسمى جوهريا عن الاولى ايضا ينطبق عليها التفاوت بين ارادة نموذجية في حب الخير واخرى لا تتورع عن ارتكاب الاخطاء المتعمدة والعفوية على السواء.

هل الوعي المجتمعي الزائف يحكم على أفراده بالخطأ اذا ما كانت انطلاقتنا الاقرار بحقيقة الانسان محدودية طبيعية غير معصومة من الاخطاء على الدوام. المجتمع يدين افراده على أخطائهم في وقت هو مصدر تلك الاخطاء. ان العصمة الوجدانية الضمير مستمدة دائما من نزعة الانسان الدائمية نحو الميتافيزيقا في تصوراته الايمانية الدينية التي هي المثال في حياته، ما يجعله يشعر نفسيا أن قدرة الله في جعله الانسان محدودا غير معصوم لا يلازمه تانيب ضمير نتيجة ارتكابه الاخطاء والوقوع في براثن الشر.

من جهة اخرى نجد هوبز كان عميقا في عبارته الانسان محكوم بغريزة الشر. وبذلك اراد تهوين الشعور بالذنب وتانيب الضمير بالقناعة الزائفة التي تكسب الانسان الرضا أن الشرور قسمة عادلة بين البشر. وهو تعميق الشعور المناقض أن الانسان موجود بائس. وفي عبارة اخرى لريكور " ليس الانسان ذلك الذي لا يعرف مسؤولية معرفة نفسه، فمن الشر ان يكون الانسان حافلا بالاخطاء ولا يريد الاعتراف بها، لأن ذلك بمثابة اضافة وهم اختياري، فلكي يبرر اللامبالاة يلجأ الى شيء من النفور من الحقيقة ".الحقيقة التي تتلبسنا ونحياها جميعا ونحاول طمسها باستمرار هربا من الإعتراف بها هي أننا فعلا لا نريد تحمّل مسؤولية معرفتنا الحقيقية لانفسنا وهو نفور من حقيقة قائمة لا يلغيها عدم إفصاح الاعتراف بها. يصعب علينا مواجهة أن توأم الوجود الانساني هو حقائق الأخطاء المحتجبة.

السؤال: هل ينقذ الانسان والمجتمع الاقرار أن العمود الفقري لوجودنا هو الاخطاء المتراكمة التي اخذت حيزا كبيرا واصبح الانسان فيها هشاشة وجودية في حال إعترافنا الصريح بذلك.

(2) المتناهي واللامتناهي

التفكير متناه في محدودية القدرة على معرفة وفهم اشياء من العالم وليس كل العالم. ويكون التفكير الخيالي خاملا حسب توصيف ديفيد هيوم كونه يستنفد نفسه قبل تمام ادراك مواضيعه المستمدة من عالم لامتناه. عن هذه الحقيقة يعبر ديكارت "ربما يوجد ما لانهاية له من الاشياء في العالم، وفي المباينة مع ذلك فليس عندي في الفاهمة أية فكرة عنها". ليس غريبا تكرار المقولة الفلسفية أن ما يعرفه الانسان ليس اكثر مما يدركه فعلا.

في محاولة المتناهي المحدود معرفة اللامتناهي المطلق محاولة عقيمة لا معنى لها، فالتفكير الخيالي لا يستطيع فهم اشياء لا تكون لها معرفة صورية حتى بالتعريف البسيط لها.يصف ريكور الارادة بانها ذات سعة ومجال بلا نهاية. الارادة لها سعة ومجال تفكيري بلا نهاية صحيحة، لكن فاعلية الارادة التخييلية انما تكون في المتحقق المنجز لما تقصده وتبتغيه..

ويقصد باللامتناهي المطلق فلسفيا هو الخالق غير المدرك بصفاته ولا ببعض ماهويته الذاتية. هذا اللامتناهي الذي لا يمكن الاحاطة به. اما المتناهي فهو المدرك الذي يمكننا تحديده بالمقارنة مع متناهي اخر يشاركه المجانسة النوعية. ومن الصعب استطاعتنا تحديد اللامتناهي لاننا نحتاج الى حده بشيء يجانسه النوع وهومحال.

امام هذا المعنى اثار لا يبنتيز طرحا اشكاليا معتبرا " كل معنى محدد، ايا ما كان، وكل معنى لا يحتوي المتناهي هو معنى مجرد ناقص" نقلا عن كاتب.

هذا التداخل الاشكالي الذي يقيمه لايبنتيز على منطق رياضي هو المتواليات العددية والمتواليات الهندسية التي لها بداية ولا تكون لها نهاية. فهي تكون بحكم اللامتناهي الذي تختلف معه بالمجانسة النوعية. وهو حكم رياضي لا يمكننا تعميمه على مدركاتنا الاشياء وموجودات العالم الخارجي، فهذه تكون محدودة انطولوجيا متناهية وتحتويها لا متناهيات وجودية.

اما راي كانط الذي يرى الناس كائنات متناهية يعيشون في عالم لا متناه يجب ان يكون هذا اللامتناهي محدودا ب(زمان) والا اصبح لا وجودا يمكن الاحاطة بادراكه ولو جزئيا. لو نحن حاكمنا عبارة كانط بفهم اسبينوزا الذي يرى ان الوجود بغض النظر كونه متناهيا او لامتناهيا لا فرق فهو يدرك بدلالة الجوهر، ولا يدرك الجوهر بدلالة الوجود. لكانت اطروحة كانط في امكانية الاحاطة بمحدودية اللامتناهي بمحدودية الزمان الذي يحتويه خاطئة تماما كون الزمان مخلوقا ازليا يكون لامتناهيا لنا نحن البشر لكنه متناهيا مخلوقا من لامتناهي لاندركه هو الله.

ونختم بعبارة ثانية لكانط يقول بها" ليس للعالم بداية ولا حدود بل هو لامتناه. والزمان الذي يحد العالم يتوجب ان يسبقه زمان له بداية، وبداية الزمان هي (فراغ كلي) واذا لم يكن للعالم بداية ولا حدود فهو لامتناه. ان ما يلفت النظر ان كانط لا يحدد مقصوده الدقيق بالعالم هل هو الكون الميتافيزيقي ام العالم الانساني على الارض؟.

(3) اشكالية اللغة

بحسب تعبير أحد المفكرين بدراسة فلسفة اللغة يقول "إحتاج إكتشاف أفكار دي سوسير الى ما يقرب من نصف قرن من التيه قبل أن تصل البنيوية الى الايديولوجيا الموعودة ممثلة بكتابات بارت وفوكو ولاكان والى حد ما شتراوس ".

بالعودة الى مقولة نيتشة في موت الاله جعل كل شيء مباحا في تناوله فوضويا، إذ إنتقلت المقولة من محتواها الميتافيزيقي الى محتوى اركيولوجي معرفي، إنتقل فيها إسقاط موت الانسان بالفلسفة البنيوية من صيرورة وجودية انثروبولوجية، الى إنسان وجود طاريء أربك مسار الفلسفة يجب تنحيته عن طريق فلسفة التحوّل اللغوي ومعه العقل التقني ايضا.

كانت تاولية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا هما التتويج لمعنى التطرف في فلسفة اللغة.في إعتبار تاويلية اللغة واستراتيجية التفكيك الذي يستثمر إتجاهات الفلسفات الحديثة، البنيوية، الوجودية، الماركسية، والتحليلية، والعدمية، ونظريات اللغة وفائض المعنى اللغوي، وانثروبولوجيا الدين، كل ذلك من أجل جعل فلسفة اللغة مركزية مبحث الفلسفة الاولى، وتنحية الانسان والعقل خارج إهتمامات الفلسفة وتعويم مبحث الابستمولوجيا فائض لا معنى الإهتمام به.

الفلسفات الإنفصامية على صعيد فلسفة اللغة وضعت الانسان في مأزق الإحتضار العدمي المؤجل الى إشعار آخر. وكانت البداية مع البنيوية التي رافقت طروحات ما بعد الحداثة التي كانت ثورة على العقل والانسان والسرديات الكبرى والواقع وتكنولوجيا العلم، وجاء تعبير ذلك على لسان أحد الفلاسفة المناوئين للبنيوية قوله " البنيوية التي إعتمدت علم اللغة الوسيلة الوحيدة في الاكتفاء بها معرفة حقيقة العالم ." من الملاحظ أن الاكتفاء الذاتي باللغة فلسفيا لم يكن الوسيط لحل معضلات العالم بل العكس تماما زادت تلك المعضلات إرباكا وتعقيدا فلسفيا . دي سوسير فتح أبواب التطرف اللغوي حين إعتبر إنفصال علاقة اللغة بالواقع الخارجي الى الابد، بمعنى الواقع الخارجي وجود في تمثلات اللغة له، ماجعل هذا التصور الراديكالي البنيوي المبكر 1905 هو الذي جاء وصفه على لسان أحد الفلاسفة قوله " إنفصام اللغة مع الواقع الخارجي جعل من أنظمة اللغة مغلقة على نفسها، مكتفية ذاتيا، تنطوي على جميع العلاقات الممكنة بداخلها، وبالتالي لم يعد لها علاقة بالخارج اللغوي".

بنيّة اللغة الكليّة الفلسفية أساءت لنفسها ولم تسيء للواقع الخارجي. والمقصود بالواقع الخارجي في تمّثلات اللغة التجريدي تداوليا طبيعيا. ليس من المعقول أن تهضم اللغة العالم الخارجي في تمّثله داخليا وتركه جدليا خارجيا. وقائع وموجودات العالم الخارجي لا تؤثر فيه بنية لغوية منفصلة عن الإحتدام به في توازيها معه.

عندما تنسحب اللغة من تمثلاتها العالم الخارجي، وتكون أنساقا لغوية مكتفيّة ذاتيا في التعبير عن اللغة بما هي لغة تجريد، وليست لغة واقع معيوش، يكون موت العالم الخارجي بمنظورها حصيلة أكيدة، وهذه الحقيقة تؤكدها البنيوية حين تعتبر نفسها فلسفة نمطية كليّة نسقيّة من التفكير الجواني الذي لا قيمة للواقع والانسان فيه لا داخليا ولا خارجيا. وهذا مصداق تعبير أحد الفلاسفة " تصبح اللغة نمطا من التفكير الذي يتخّطى جميع الإشتراطات المنهجية حينما لا تعود اللغة وسيطا بين العقل والاشياء".

فالبنيوية ومن بعدها التفكيكية في منهجهما اللغوي تكوين كليّة نسقية داخل نظام اللغة وحده المكتفي ذاتيا. إنما سعت كلتاهما تكوين عالم خاص لغويا مقطوع الصلة بعالم الاشياء. ألمازق أن تجريد التعبير عن الواقع هو اللغة فكيف تكون اللغة عندما تشتغل على بنيّة داخلية هي تجريد ينبني على تجريد سابق عليه وليس على تمّثلات واقعية؟ اللغة وجود حيوي يعطي حياة الانسان الوجود الديناميكي الفاعل.

حين أفاق فينجشتين على كابوس توظيف اللغة في مشروع إعدام اللغة فلسفيا بالتّطرف اللغوي نادى أن اللغة لا تزدهر وتأخذ مداها الطبيعي إلا في تكاملها مع دفق الحياة في التعبير عنها وليس في موازاتها الرتيب معها. وإعتبر فينجشتين عجز اللغة التعبير عن الحياة يوجب عليها الصمت لأن ما ستقوله خارج فضاء حيوية الحياة سيكون لامعنى له. وحصل ما حذّر فينجشتين منه نجده على لسان ريكور قوله" لم تعد اللغة بوصفها صورة حياتية كما أراد لها فينجشتين، بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به.".

وبذلك أخرجت البنيوية اللغة بوصفها خطابا تداوليا الى "أن سوسير يرى في أرجحية الكلام على اللغة بإعتباره تعبير فردي تعاقبي وعارض مؤقت، واللغة أو اللسان هو الإجتماعي التزامني والنسقي لذا تكون أسبقية الخطاب على الكلام واردة ". سوسير هنا أخرج الكلام من التوظيف الطبيعي الانثروبولوجي للكلام بإعتباره وسيلة العقل في فهم الحياة. وإعتبر الخطاب المكتوب بديلا عنه. وجد سوسير في اللغة خطابا تدوينيا يحكمه نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة في الفهم على المدى البعيد وليس كمثل الكلام الذي يكون حوارا إستهلاكيا في شفاهيته التداولية المؤتة الزائلة كحوار.

(4) ما هو الفرق بين الكلمة المفردة والجملة؟

في أبجديات اللغة الكلمة لا تأخذ مداها الدلالي الدقيق لما تتضمنه من محمول ترغب الإفصاح عنه، وهذا ما تجد فيه البنيوية تبسيطا مخّلا لا معنى له،فالمفردة خارج سياقها في عبارة لا توحي بمعنى معّبر دلاليا مكتفيا. حيث نجد ريكور أيضا يقول" الجملة وحدة الخطاب الأساسية لتشمل وحدات أكثر تعقيدا وتعاقب الكلمات في الجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات".

هذا التماهي الذي كانت بذرته الاولى في البنيوية سرعان ما تلقفته التأويلية التي وجدت ضالتها في إرث هيدجر الذي كان وجد أن اللغة أصبحت حقيقتها تكمن في إنفصالها تماما عن الواقع وتمثلاتها له. وعمد التعبير أن الشاعر ويقصد به هولدرين، يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة" ما جعل فوكو يحمي وطيسه في توكيده إنفصامية اللغة عن الواقع أبعد مما ذهب له هيدجر حيث وجدها في تهويمات شعرية تجعل من اللغة تفكيكاكات متقافزة خارج مالوف نظام اللغة، وجديد فوكو على صعيد الثقافة هو في إباحته أن يقترن الشعر بالجنون للحصول على تداعيات لا شعورية تمثل الاصالة اللغوية الشعرية الحقيقية.هولدرين الشاعر الالماني الكبير كان زجّ نفسه عمدا في أتون الجنون للخروج بتجربة فريدة في أهمية تداعيات اللاشعور في الشعرية. (نقلا غير حرفي عن محمد المزوغي).

فوكو ذهب أيضا بعيدا في تطرّفه حول إنفصال اللغة عن الواقع الانساني مرددا "الانسان ليس أكثر من تمزّق في نظام الاشياء وتشكيل رسمه الوضع الجديد في الثقافة الغربية". لانجد جدوى التعليق أن اللغة كنظام دلالي في المعرفة من الممكن خروجه على مواضعات اللغة كنظام توليدي متطور على صعيدي المعنى وتشكيل اللغة كبنيّة منتظمة. ولا غرابة نجدها إذا ما وجدنا لغة الشعر تخرج أحيانا كما في البرناسية والدادائية والسريالية على تلك المواضعة بإعتمادها تداعيات اللاشعور في كتابة القصيدة الشعرية، من حيث متابعة التجديد في شكل اللغة الشعرية لا يلزم التعبير بالمألوف من نظام اللغة. فالتجديد في لغة الشعر هي سيرورة دائمية لا تتوقف. أما أن يكون تفكيك اللغة هو إستجابة محاكية لتمزّقات الانسان كونه مادة من التقويضات المستمرة في حقل تجارب فوضوي فهذا ما يجب التوقف عنده.

(5) اللغة: الشعر والجنون

كان إعجاب هيدجر بالشاعر الالماني هولدرين وتجربته في تقمصّه حالة الجنون مثار تعاطف هيدجر، ليعقب هذا الاعجاب فوكو ايضا. إذ اعتبر إلاثنان لغة الشاعر تتماهى مع لغة المجنون في إثراء تجربة الشعر في تجديد شكل اللغة، والبوح بمعان لغوية غير عادية خارج المواضعات التي تحكم قواعد ونحو ونظام أية لغة. هذا التداخل اللغوي بين الشاعر والمجنون من ناحية تغليب محاكمة العقل الصارمة يعتبر خرقا خارج العقل المنطقي لكنها داخل مواصفات ما تشجع عله الفنون كافة من ضمنها الادب في خاصيّة تجدد جمالية لغة الشعر. ولم يكن هيدجر ولا فوكو يتعاملان مع هذا الموضوع بحساسية تقوم على سيكولوجيا الفرق بين الشاعر والمجنون ما يترتب عليه تفريق نوع ومحتوى اللغة بينهما، إذ ليست لغة المجنون هي لغة الشاعر وإلا أدخلنا ذلك خارج معايير العاطفة الانسانية بمنزلقات خطيرة جدا نتطرق لبعضها توضيحا:

- اولا لغة الشاعر خرق لغوي تشكيلي لنظام اللغة يشتمل التداعي اللاشعوري لكنه لا يتمّثله تماما، وليس كل خرق لغوي يقوم على تداعيات لا شعورية هي تنم عن نضج تجربة شعرية هاجسها التجديد اللغوي.

- ثانيا لغة المجنون ليست لغة بل هذاءات صوتية تلازمها حركات هستيرية صادرة عن لاشعور في التداعي الصوتي الهستيري الذي يفت في عضد العقل السيطرة على ما يتفوّه به المجنون ولا يفهم السوي العاقل منه شيئا.

- الشاعر يخرق بتعبيره الشعري عن قصد مسبق نظام التناغم في المجانسة النوعية للغة كنظام تعبيري جمالي يدركه العقل وتهتز له العاطفة، لذا تكون لغة الشاعر مهما أوغلت في الغرابة التعبيرية والفانتازيا فهي بالمحصلة لا تخرج عن مهمتها أن تكون لغة تواصلية. والشاعر لا تلزمه المطابقة ولا الاستعارة ولا التوظيف الرمزي ولا المجاز أن لا يخرق نظام التآلف اللغوي.

- أما هذاءات المجنون فهي لغة مفككة تخرق قوانين وقواعد وأحكام اللغة بغير ما قصدية يداخلها الشعور كما هي عند الشاعر. هنا الهذاءات تعبيرات لا تمت بصلة لعالم الواقع السوي الذي نعيشه على الاقل من زاوية نظر علم النفس الطبي. لذا فمقولة فوكو وهيدجر أن لغة الشاعر والمجنون هي تعبير حقيقي أصيل عن الوجود أمر مشكوك الأخذ به خارج الهلوسة.

خاصية اللغة هي تعبير عن واقع يجد الانسان فيه حقيقته الوجودية، وربما تكون لغة الشاعر تعبيرا عن عالم متخيّل يقوم على أنقاض واقع مزّيف نعيشه. أما الإعتداد والأخذ بلغة الجنون على أنها فوق لغة فلا يمكن تمريرها كون المجنون دونما دراية مسبقة منه يهرب من عالمنا الواقعي ليس في قصدية إختراعه لعالم لغوي آخر أفضل منه. وأصوات هذاءات المجنون هي تداعيات لا شعورية تخرق كل مجانسة لغوية تواصلية ذات معنى، بخلاف لغة الشاعر التي هي خرق مألوف نظام اللغة بوعي قصدي ينشد من خلاله أن تكون اللغة نظاما جماليا قبل أن تكون ملفوظا تعبيريا هستيريا خال من المعنى.

يتبع لاحقا ج6

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي رسول الربيعيعلى الرغم من أن معظم المفكرين والباحثين الذين درسوا هذه المشكلة كان بينهم إجماع واسع ضد استخدام الأسباب الدينية في الحياة السياسية، إلا أنه لا يزال هناك قدر كبير من الخلاف بينهم حول التفاصيل1.

يشير البعض إلى ألا يجب أن يتدخل الدين في المداولات السياسية أبدًا بينما يعتقد البعض الآخر أنه قد يلعب دورًا اعتمادًا على نوع السؤال السياسي المطروح، أو المنصب الخاص الذي قد يشغله شخص ما، أو المكان الذي تحدث فيه المداولات. أنا لا أقصد أشراك جميع الحجج المتضمنة فيما اسميه القيود التداولية. بدلاً من ذلك، أفحص ما أعتبره أكثر الحجج إقناعاً المتاحة ضمن الإجماع وأكشف لماذا أخطأوا لأسباب أخلاقية وتجريبية.

يرتكب الإجماع الواسع لصالح القيود التداولية أخطاء أخلاقية وتجريبية لأنه يبالغ في تقدير كل من معقولية وجاذبية النظام السياسي "المقيد" وتهديد النظام "الديني". ينسج أنصار القيود التداولية معًا مجموعة من المطالب التي تبدو مقنعة مما يجعل هذه القيود أحد ركائز النظام الاجتماعي والسياسي الديمقراطي، لكنها لا تصمد أمام الفحص الدقيق، خاصة تلك التي تفكك خيوطهم الأخلاقية والتجريبية الناظمة. أريد ان أركز أولاً على ادعاءات القيود التداولية، ولا سيما تلك التي تدافع عن أولوية العلمانية ومن ثم الأسباب العمومية. أقترح (من موقع نقدي ودافع البحث عن اسباب اقوى) أن فلاسفة مثل روبرت عودة، ويورغن هابرماس، وجون راولز يرفضون بسرعة الأسباب الدينية على أنها مشتبه فيها أبستمولوجيا وأخلاقياً، كما أنهم يقدمون أيضًا ادعاءات تجريبية غير مبررة تقول إن الخصخصة السياسية للدين شبه حتمية أو قدرة هذه الادعاءات على إثارة الصراع السياسي. وعليه أن أدعاء القيود التداولية أنها تمثل الى حد ما جهد لضمان الشرعية السياسية في نظام ديمقراطي دستوري يتميز بتعددية أخلاقية واسعة وعميقة، لا يمكن أن تصمد. إنه طموح بشكل مفرط فيما يتعلق بدرجة التوافق الأخلاقي والسياسي الذي يمكن أن نتوقعها في ظل ظروف التعددية وغير مدركين للقول أن الجهود المبذولة للدفع في أي حال قد تؤدي إلى نتائج عكسية للغاية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

1- للاطلاع على النقاشات الموسعة حو الأسباب الدينية أنظر:

Audi, Robert. "The Place of Religious Argument in a Free and Democratic Society." San Diego Law Review 30 (1993): 677- 702.

Audi, Robert.Religious Commitment and Secular Reason. Cambridge and New York: Cambridge University Press, 2000.

Audi, Robert. “The State, the Church, and the Citizen." In Religion and Cotemporary Liberalism, ed. Paul J. Weithman. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1997.

Audi, Robert, and Nicholas Wolterstorff. Religion in the Public Square: The Place of Religious Convictions in Political Debate. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1997.

Berkowitz, Peter. "John Rawls and the Liberal Faith." Wilson Quarterly 26, no. 2 (2002): 60-70.

Carter, Stephen L.God's Name in Vain: The Wrongs and Rights of Religion in Politics, 1st. edn. NewYork: Basic Books, 2000.

Chaplin, Jonathan. "Beyond Liberal Restraint: Defending Religiously Based Arguments in Law and Public Policy." University of British Columbia Law Review 33, no. 3 (2000): 617-46.

Dombrowski, Daniel A. Rawls and Religion: The Case for Political Liberalism. Albany: State University of New York Pres s, 2001.

Eberle, Christopher J. "Basic Human Worth and Religious Restraint." Philosophy and Social Criticism 35, no. 1-2 (2009): 151-81.

Christopher J. Eberle, "Religion, Pacifism and the Doctrine of Restraint;' Journal of Religions Ethics 34, no. 2 (2006);

Christopher J. Eberle, Religious Conviction in Liberal Politics. New York: Cambridge University Press, 2002.

Elshtain, Jean "State-Imposed Secularism as a Potential Pitfall of Liberal Democracy." Paper presented at the Religious Liberty Conference, Prague, Czech Republic, 2000.

Greenawalt, Kent. Private Consciences and Public Reasons. New York: Oxford University Press, 1995.

Habermas,Jurgan On the Relations between the Secular Liberal State and Religion." In Political Theologies: Public Religions in a Post-Secular World, ed. Hent De Vries and Lawrence Sullivan. New York: Fordham University Press, 2006.

Habermas, "Religion in the Public Sphere"; JeffJordan, "Religious Reasons and Public Reasons," PublicAffairs Quarterly 11, no.3 (1997);

Krause, Sharon R. Civil Passions: Moral Sentiment and Democratic Deliberation. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008.

Larmore, Charles. "The Moral Basis of Political Liberalism." Journal of Philosophy 96, no. 12 (1999): 559-626.

Macedo, Stephen. “Transformative Constitutionalism and the Case of Religion: Defending the Moderate Hegemony of Liberalism." Political Theory 26, no. 1 (1998): 56-80.

Parkinson, John. Deliberating in the Real World. Oxford: Oxford University Press, 2006.

Perry, Michael J. Religion in Politics: Constitutional and Moral Perspectives. New York: Oxford University Press, 1997.

Rawls, John."The Idea of Public Reason Revisited." In The Law of Peoples, ed. John Rawls.Cambridge: Harvard University Press, 1999.

Rosenblum, Nancy L., ed. Obligations of Citizenship and the Demands of Faith.

Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.

Swaine, Lucas. "Deliberate and Free: Heteronomy in the Public Square."Philosophy and Social Criticism 35, no. 1- 2 (2009): 183-213.

Talisse, Robert. "Dilemmas of Public Reason: Pluralism, Polarization, and Instability." In The Legacy of John Rawls, ed. Thom Brooks and Fabian Freyenhagen. New York: Continuum, 2005.

Weithman, Paul J.Religion and the Obligations of Citizenship. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.

 

 

 

ظريف حسينإنه برغم إمكانية وجود عدد لا محدود من القراءات التأويلية لفلسفة نيتشه، فإنه يمكنني تلخيص رؤيتي لها-و قد تحولت من حماس متقد إبان مرحلة الشباب إلي مرحلة التحليل العلمي - في نقاط أهمها:

1- فلسفته في الإرادة تجد أصلها في نظريات لوك وبيكون وهوبز وديكارت وفيخته وشيلنج هيجل وفويرباخ وهلبرت وشوبنهور وبرجسون، غير أنه جعها الأساس الوجودي للإنسان.

2- من يقرأ كتاب "قلق في الحضارة" لفرويد يصبح أكثر وقوفا علي أصل الشعور بالذنب والخطيئة الأصلية، والتضحية بشخص واحد فداء للآخرين. وفضل فرويد علي نيتشه أنه تحاشي الانخراط في إصدار أحكام تقويمية للحضارة كما فعل نيتشه. وأن كانت أولي مهامه هي بيان دور" الحب الجنسي"في مسيرة الحضارة، كما كانت مهمة التحليل النفسي بصفة عامة هي الكشف عن التوتر بين المرغوب فيه وهو موضوع اللاوعي من جهة، والعقل أو الوعي، من جهة أخري.

3- ويري نيتشه أن الخلاص بالفن هو حل الصراع بين الشكل في صورة أبوللو والانفعال الذي يمثله ديونيسوس، فيعتقد بأن العبقري هو الذي يستطيع أن يجمع بين النقيضين، أي بين الشكل والنظام ممثلا في أبوللو وبين اللانظام أو اللاتحدد ممثلا في ديونيسوس.

و لقد عرض نيتشه هذه النظرية في كتابه "المأساة اليونانية" حيث ذهب إلي أن السعادة هي في تقبل الإنسان مصيره ووضعه بلا تأفف، ويقبل بمفهوم الصراع والنسبية يحاول التسامي بانفعالاته، ومع ذلك فإن نظريته الأخلاقية ككل تنسف هذا المفهوم للخلاص، وتقف ضد التوافق والتكيف مع الظروف الراهنة وتدعو للتمرد علي كل شيء!

4- ومع ذلك يبقي هناك تشابا بين نيتشه وفرويد يتجلي في إقرار فرويد بدور الهُوَ أو الإيروس ممثلا في الغريزة الجنسية أو الليبيدو في بناء الحياة.و لنلاحظ أيضا وجود ثلاثية عندهما:

فمثلا نجد الإرادة والروح والأنا عند نيتشه يقابلها الهو والأنا والأنا الأعلي عند فرويد.

و تكرس كتابات نيتشه نفسها للاضطلاع بمهمتين:

الأولي: هي محاولة تأويل نفسي للتصورات الفلسفية عن الحقيقة والعقل والفضيلة.

والأخيرة: هي أنها تحليل نفسي ذاتي غير منضبط علميا من جانب نيتشه لنفسه.

5- وقد أفلح فرويد في التخلص من التأثير الأيديولوجي لفلسفة نيتشه ولكل فلسفة بصفة عامة، وكان من شدة حرصه علي ذلك أن علق علي حائط غرفته عبارة: "يجب أن نعمل بدون أن نتفلسف".

و بذلك يعد شوبنهور أكثر علمية وأمانة من نيتشه، حتي لو ظل متمسكا بالمثل الأعلي للفضيلة المسيحية مما عده نيتشه نقيصة. لكن من الناحية العملية لم تشكل فضيلة الشفقة جانبا سلبيا في مسار الحضارة الغربية لدرجة أن فوكوياما يعتبر المسيحية ضلعا مهما من أضلاع هذه الحضارة.

6- وتعد نظرة نيتشه للعلم والعقلانية وصمة عار علي فلسفته، بعكس نظرة فرويد الذي كانت آخر عباراته في كتاب"مستقبل وهم" هي أن الوهم يكمن في التخلي عن العلم. وذلك في مقابل الحماسة الأيديولوجية الحمقاء التي تكرست لها كتابات نيتشه الذي بدا إرهابيا يسخر من العلماء وموضوعيتهم.

7- كما استبدل نيتشه دينا بدين، وعكس القضية هي قضية من نفس النوع، فالعقل غائب في الحالتين، أي حالة الدين وفي حالة عبادة السوبرمان عند نيتشه، وغالبا ما كانت أفكار أوجست كونت وجون استيوارت مل عما أسمياه"دين الإنسانية" أنضج وأكثر قابلية للتطبيق من فكرة نيتشه التي تم استغلالها عنصريا، وضد الإنسانية.

8- كما أن أخلاق المتعة والأخلاق الأنانية تمثلان انتكاسة إلي الوراء، كما أن تغليب الجانب النفسي في وصف المجتمعات وتحليلها، وتصور المجتمع علي أنه شخص"نفسجسمي"هو تصور مضلل؛لأن العلاقة بين الأفراد ليست علي غرار العلاقة بين أعضاء الجسم الواحد، كما أن عمل المؤسسات في المجتمع ليس كعمل العقل الشخصي.

9- ويتوهم نيتشه أنه حاز قصب السبق إلي تأسيس الأخلاق والفلسفة عامة علي علم النفس بدلا مما هو حاصل طوال تاريخ الفلسفة، ولكن إن صح زعمه فماذا نقول عن هوبز وسبينوزا، وفيخته مثلا؟ فالأنانية والانفعالات والأفكار غير الواضحة أي اللاوعي كانت حاضرة في كتابات هؤلاء بالذات، كما أشرت في البداية

10- كما أن آلية التطهير بمأساة البطل في التراجيديا له أبعاد طبية ودينية وأخلاقية... أي من" الخلاص" الذي يتأسس علي مفهوم التضحية والفداء، ومن هنا كان مفهوم التضحية أي التطهير في التراث اليوناني يتضمن معني التضحية بالماعز مثلا.

ونجد ذلك بصورة أبرز في المسيحية في عقيدة الفداء بالصلب والعذاب.

وإذا تأملنا فلسفة الزار باللغة الأمهرية-لغة شمال اثيوبيا-فإننا سنجد أنها تمثيل لصراع تراجيدي بين الأرواح الشريرة التي تسكن الأجساد وبين الفن المتمثل في الموسيقي ذات الإيقاعات المصاحبة للطقوس الخاصة وذلك بهدف التطهير وبالتالي المتعة، ومن هنا نجد التلاحم التاريخي بين الدين والطب والفن (الطابع الاحتفالي) والأخلاق، غير أن نيتشه يُغلِّب الفن علي الدين والأخلاق؛ لأنه الأقدر في نظره علي التعبير عن الإرادة الأقوي بوصفها "الشئ-في-ذاته" في مقابل العقل ونظامه الذي يمثله أبوللو، والذي يميل إلي تشكيل هذه الإرادة وتثبيتها، وبالتالي تجميدها.

و بذلك يكون التطهير هو تحرير للانفعالات وإسكات للعقل والسخرية منه.

كما اعتبر نيتشه أن التطهير يكون علي عاتق التراجيديا برغم أن الطب يضعه علي كاهل الكوميديا أكثر، والتي تعتمد أكثر علي اللعب علي التناقضات بين المعقول والواقع المعاش، فما علة ذلك منه؟!

والمهم أن نيتشه يرفض فكرة التطهير من الانفعالات بإثارة الشفقة بل بإطلاق الانفعالات المدمرة والمحطمة لأشكال الحياة القديمة وبذلك تكون المتعة هدف التراجيديا وليس الشفقة.

11- كما أحل نيتشه تصور الإله ديونيزيوس محل المسيح لكونهما يحملان طبيعة مزدوجة، أي إلهية وبشرية معا، ولكن بدلا من عذاب المسيح والتضحية به بالصلب للخلاص الجماعي، فإن ديانة وطقوس ديونيزيوس تقوم علي الصراع بين الإلهي والإنساني أو بين المقدس والمدنس، ذلك الصراع بين الحق والباطل، بين البناء والهدم، لينتصر الهدم وبالتالي لا يحصل الخلاص الجماعي القائم علي الاستعارة، أي استعارة شخص المسيح ليكون نيابة عن البشر بالتضحية بذاته، بل مع ديونيزيوس يكون الخلاص بالقضاء المستمر علي الطبيعة الإلهية في الله لصالح الطبيعة البشرية، فلا يتم التضحية بالإله المستعار بل بالله الحقيقي الذي نشأت معه فكرة الخطيئة.و بذلك تكون فكرة الخطيئة نفسها قد ماتت بموت الإله، وبذلك تم القضاء علي الطابع الديني للسقوط وأعيد إلي أصله السيكولوجي المؤسس علي فكرة البطولة الشخصية التي تصنع الأحداث، وليس علي الأحداث التي تصنع البطل، برغم أن التراجيديا في معناها هي صراع غير متكافئ بين البطل النبيل والأحداث المقاومة له، وقطعا سينتصر هو عليها، وهذا الجانب السيكولوجي مؤسس بدوره علي أنطولوجيا حيوية أخذها نيتشه عن دارون الذي فسر الحياة بأنها صراع علي البقاء، فزايد عليه نيتشه بأنه صراع علي القوة.

ومن المؤكد أن هناك اختلافا شكليا بينهما؛لأن الحياة تتصارع لتتفوق علي نفسها، ولا تبقي لمجرد البقاء، ويدل علي ذلك تطورها.

ونجد أن المفهوم ذاته موجودا أيضا علي المستوي النفسي التي هي عبارة عن محاولات التخلص أو الخلاص من الاعتياد باكتساب عادات جديدة.

كما أن فكرة الخلاص الجماعي لن يستطيعه الفن ممثلا في أي صورة سواء أكان مسرحا أم موسيقي، إلا عندما يتحول هذا الفن إلي شعائري أو احتفالي كما هو الحال في الموسيقي الكنسية، حيث تكون الموسيقي مكملا للشعائر، في حين يريد نيتشه جعل الفن مكتفيا بذاته، وقطعا فإن ذلك لن يجعله مؤسسيا أو جماعيا.و بالتالي سيظل تجربة تلقٍ فردي حتي في الشكل والمضمون، وفي جميع الأحوال سيظل تجربة تلقٍ، ولن يصل إلي درجة الجماعية في الأداء الإبداعي، وبذلك يشترك مع الخلاص المسيحي في كونه مجرد انفعال أو تلق أو نعمة أو فضل من الله الذي يبادر بالتضحية بجانبه الإلهي من أجل الإنسان، وهذه أكبر مفارقات المسيحية!

فكان من نيتشه أن فعل العكس، أي تخلص من الجانب الإلهي في المسيح من أجل أن تأليه الإنسان.و بذلك تعود فلسفته مجرد تعبير مختلف عن فلسفة فويرباخ.و لكن فلسفة فويرباخ متعادلة نظريا لأنك تستطيع نظريا أن تبدأ من أحد طرفيها، فتفسر الإلهي بالإنساني والعكس، تماما كما يمكنك أن تفكر في المجتمع بعقل هيجل أو بعقل ماركس، وبلا أدني تناقض.

ولكن فلسفة نيتشه تعتمد علي ادعاءات برجماتية بأن الحياة هي نظرية استاطيقية-حسية، جمالية- وتستطيع ٱن تؤكد ادعاءاتها بفعلها هي، وليس من خلال حِجاج مبني علي التعادل السابق.

12- ونيتشه يعتقد بأن العقل والدين معا والفلسفة أيضا من أمراض الحضارة، ومن المؤكد أنه يصطدم بالمفارقة الواقعية (وليس النظرية التي يتبرأ منها)، ومؤداها أن الإرادة تتموضع في أشكال وأفعال محكومة بالعقل، كما أن كل أساليب العلاج النفسي تقوم علي فنيات تساعد الاستبصار العقلي وإيقاظ العقل، أو الوعي بعوامل الصراع النفسي بين المعقول واللامعقول، بين المقبول واللامعقول، للإعلاء من شأن اللامقبول.

ومن حسن الحظ أن فكرة الإعلاء نفسها موجودة فنيا عند فرويد وسبق بها نيتشه، وهي تنطوي علي فعل التوافق مع المقبول الأخلاقي، وبذلك يتأسس علم النفس علي الأخلاق ونظامها القيمي برغم أنف نيتشه.

كما أن لسان حال نيتشه في الخلاص بالمتعة برغم الألم ينطوي علي"ماسوشية"ظاهرة.

13- كما أن فكرة العود الأبدي أو التكرار فكرة عدمية لأنها عبارة عن توكيد لفظي لأفعال الإرادة وتقضي علي فكرة التجديد، وتدل علي شعور نفسي بالتناهي الذي نتخلص منه بالاعتقاد بتكرار وجودنا إلي الأبد.

14-و أخيرا فإن فلسفة نيتشه في الفن هي مجرد تعبير عن فكرة المسرح اليوناني عند اسخيلوس الذي يعد مبتكر التراجيديا الحقيقي وصاحب الفضل الأول في وجودها بصورتها التي نعرفها، فإليه يعزى إظهار الممثل الثاني مما أدّى إلى وجود الصراع بين وجهات النظر المختلفة، وإلى زيادة عنصر الحوار على (عنصر الغناء)عند الجوقة.و بالتالي يعد الصراع والغناء أو الموسيقي الكورالية (الجماعية) أهم عناصر الإمتاع الفني وتجسيد الانفعالات باسم الإرادة.

 

د. ظريف حسين

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق-مصر

 

 

علي رسول الربيعيماركس / انجلز والأيديولوجيا الألمانية

أثرت أعمال هيجل على كل ركن من أركان الحياة الفكرية، في ألمانيا أولاً وخارجها ثانيا. قام بعض الفلاسفة، والأكاديميين، والنقاد في امتداح الفلسفة الجديدة التي أطلقها هيجل لكن أنتقدها بعضهم. يبرز هنا لودفيج فيورباخ (1804-1872) الذي بدا مثل هيجل، كطالب في علم اللاهوت، ثم تحول تحت تأثير وجهات النظر الهيجلية، إلى دراسة الفلسفة. لقد كان في البداية من أتباع هيجل، لكنه تحول إلى أحد منتقديه بعد ذلك. كانت شكواه أن هيجل، على الرغم من أنه يبدو ماديًا (وبالتالي كمفكر ملحد وفي هذا ما يوجب الاتفاق معه) اللا أنه كان في الواقع مدفوعًا بالدين. عبر فيورباخ عن موقفه الفلسفي المادي من خلال تأليف مصنف معادٍ للأديان، وكان من نتائج هذا فقدانه لوظيفته رغم أن الكتاب نُشر بدون الكشف عن هوية المؤلف.

درس كارل ماركس (1818-1883) القانون في بون ثم الفلسفة والتاريخ في برلين. حصل على الدكتوراه في جينا عام 1841 على أساس أطروحته عن أبيقور (342-271 قبل الميلاد) وديموقريطس (460 قبل الميلاد). وقد عرّف نفسه في وقت مبكر من تعليمه على أنه يمثل الجناح اليساري لما كان يعرف باسم "الشباب الهيجليين".  لقد جعل إلحاده العلني عمله الأكاديمي في بروسيا مستحيلًا، فبعد فترة قصيرة من عمله كمحرر لمجلة اقتصادية، ذهب إلى المنفى، الذي لم يعد منه أبدًا، إلى بروكسل، باريس، ثم لندن. كانت منشوراته الأولى الجديرة بالملاحظة هي ما يعرف باسم المخطوطات الاقتصادية والفيزيولوجية لعام 1844.[1] سرعان ما بدأت شراكته مع فريدريش أنجلز (1820-95) التي استمرت مدى الحياة، فتعاونا على اصدار كتاب "الأيديولوجيا الألمانية" في عام 1845 (التي يبدو أنها لم يُنشر إلا بعد عشرين عامًا لإنقاذه من "قضم الفئران"، كما جاء في المقدمة،).

تبدأ الـ "أطروحات حول فيورباخ" في افتتاح الأيديولوجيا الألمانية بنمطً من الرفض القاسي والساخر أزاء  الهيجليين الشباب، وهو أسلوب سوف يستمر في كتابات الماركسيين التي تنتقد مَنْ يعارض كتاباتهم منذُ عام 1845 حتى الوقت الحاضر. وتمشيا مع الاهتمام الحديث بالعملي مقابل النظري، يتحول هدف الفلسفة مع ماركس وأنجلز من الرغبة في الفهم وأن تكون مفهوما، إما من قبل القلة أو من قبل الكثيرين، إلى الرغبة في النجاح كفاعل سياسي. فتنحل الفلسفة وتعاود الظهور كسياسة. إن أبرز مثال على الجدل الفلسفي السياسي هو لينين (1870-1924)، الأب المؤسس لثورة عام 1917 التي أدت إلى قيام الاتحاد السوفيتي، والذي كتب في كتابه "الدولة والثورة" (1917): إن جدلًا ساخرًا وشديد القسوة يكاد يكون لذيذًا. لقد عامل كارل كاو تسكي، وهو اشتراكي غير ماركسي، بمثل هذه السخرية القاسية في الفصل السادس من ذلك الكتاب القصير الذي يمكن قراءته مرارًا وتكرارًا بتسلية متزايدة.

ينقد ماركس وأنجلز، في الصفحة الأولى بعد مقدمة الأيديولوجيا الألمانية، هيجل فيما يتعلق بموقفه المُعبر عنه في مصطلح “الروح العامة".  لقد تم رفض الحجة الهيجلية بوصفها تعبر عن "تعفن الروح المطلقة".[2] وبعبارة أخرى، أنهم يرون أن ما توصل إليه هيجل فيما يسميه، روح العالم، كان مفهوم قابل للتلف، وكان من المحتم أن يتعفن هذا المفهوم، وهذا ما حدث بالفعل لـ هذا المفهوم الهيجلي مع بعض أتباعه. أما المفهوم الآخر الذين تناوله وعلينا هنا فحصه وهو مفهوم "الأيديولوجيا". ويُقصدون به ما نسميه "الثقافة". فالأيديولوجيا بالنسبة لهم هي مثل تصور هيجل لـ “روح العصر". أي أنه ما يرمز الى التصور الأخلاقي والفكري للثقافة.  لقد كان يقصد ماركس وأنجلز في استخدمهما هذا المصطلح في الأيديولوجية الألمانية، شيئًا يضع هذا المفهوم في ضوء جديد تمامًا بالنسبة لنا. فتعني "الأيديولوجيا" بالنسبة لماركس وأنجلز، شيئًا مثل "المثالية".

عندما يشبه ماركس وأنجلز الإيديولوجيا بالمثالية، أو يعاملان المفهومين على أنهما قابلان للتبادل، فهذا ليس ثناء منهما ولكن يقصدون أن الأيديولوجية تقوم على " المُثل" الأفكار. بدا أفلاطون أحمق بالنسبة لهم، فقد كانوا يعتبرون المُثل كما تصورها أفلاطون عبارة عن مجرد تخيلات. إنها مثل كل فلسفة، ومثل الدين والشعر تعبير عن أوهام العقل غير المتجذر في الواقع الملموس، وهذا هو المكان الذي أخطأ فيه هيجل وأتباعه. فقد رأى ماركس وأنجلز:

لم يتخلى النقد الألماني، عن عالم الفلسفة أبدًا. فقد انبثقت، وبعيدًا عن المقدمات الفلسفية العامة، بنيًة تحقيقاته من تربة نظام فلسفي محدد ألا وهو نظام هيجل. مما أدى الى أن يلف الغموض ليس فقط إجابات النقاد الألمان ولكن تساؤلاتهم ايضًا.[3]

أيا كان ما يمكن قوله عن آراء ماركس، فإن الحديث عن فلسفة هيجل على أنها " غامضة " أمر حقيقي. يصف ماركس الفلسفة نفسها في هذا السياق بأنها خاطئة، ويجب على النقاد " للكتابة بطريقة منطقية، التخلي عن الفلسفة". إذا كان مكيافيلي هو الفيلسوف الأول الذي يضع الفلسفة في خدمة السياسة، فإن ماركس كان أول فيلسوف ينكر الشرعية أو حتى إمكانية الفلسفة.

قال هيجل أن التاريخ حل محل الفلسفة، ودفن ماركس جثة الفلسفة ودفنها بطريقة غير لائقة، فقد رأى أنه توجد بالفعل أفكار، لكنها ليست، كما فهمها أفلاطون، كيانات تعيش بذاتها في عالم منفصل عن عالم المادة القابلة للتلف والفساد.

يتداخل إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي بشكل مباشر مع النشاط المادي والعلاقات المادية التي هي لغة الحياة الواقعية. يظهر التصور، والتفكير، والعلاقات الفكرية او الروحية بين البشر، كتدفق مباشر لسلوكهم المادي. ينطبق الأمر نفسه على الإنتاج العقلي كما هو مطبق على السياسة والقوانين والأخلاق والدين والميتافيزيقيا. إن البشر هم المنتجون لمفاهيمهم وأفكارهم لأنهم مشروطون بتطور محدد لقواهم الإنتاجية، والعلاقات المقابلة لها، حتى في أقصى أشكالها. لا يمكن أن يكون الوعي أي شيء آخر أبدًا غير الوجود الواعي، ووجود البشر هو طريقة أو عملية حياتهم الفعلية ".[4]

إن ما أطلق عليه أفلاطون "المُثل" يسميها هيجل geistes، (الوعي بروح العصر)، ويفسر سير التاريخي على أنه ديالكتيك ذاك روح العصر. كان لروح العصر جوهره الخاص بالنسبة لهيجل، كما فهم أفلاطون المُثل، لكن هيجل أعطى تطورًا حديثًا لهذا الفهم اذ يرى: أن ارسطو أعتبر أن أفضل نظام سياسي عملي في معظم الحالات هو نوع من "النظام المختلط" والذي هو مزيجًا من الأوليغارشية والديمقراطية، وكلاهما من الأنظمة الناقصة بذاتها، لذا قد يُثرى هذا الخليط بمزيج من الأرستقراطية في بعض الحالات. وهذا هو أفضل شكل من النظام ولكن يصعب قيامه في حد ذاته. عدل هوبز تعاليم أرسطو في القرن السابع عشر، فجعل المشاعر بدلاً من العقل أساس كل شيء. أيً النظر إلى الحكم من ناحية الرغبة والحماس. إنً هذه الرغبة عند هوبز هي أساس العقيدة السياسية الحديثة التي تسمى في الاقتصاد "اليد الخفية". إنه، كما يسميه شتراوس، أول سياسي رغبوي؛ يجعل من الأنانية وصراعاتها مؤلفًا للصالح العام. لا يوجد خير مشترك على هذا النحو، فالخير العام هو ببساطة النتيجة الرياضية لسلسلة صراعات الرغبات الخاصة. يتابع هيجل مسار هوبز من خلال رؤية ديالكتيكية لروح العصر بوصفه صراع تاريخي. يحتفظ ماركس بالجدلية والعملية التاريخية والصراع، لكنه يرفض الجانب غير المادي– المثالي لهيجل، " ويبدو أنه يساوي بين هيجل وتاريخ الفلسفة بأكمله أيضًا. إنه يحتفظ بالعملية التاريخية الهيجلية، والجدلية الهيجلية، والصراع الهيجلي، ويجمعها مع صيغة معينة من المادية.  لقد رأى ماركس وأنجلز في "الأيديولوجيا الألمانية":

إذا قلب البشر ظروفهم، في كل ايديولوجيا، رأسًا على عقب كما هو الحال في كاميرا التصوير، تنشأ حقيقة سير حياتهم التاريخية تمامًا مثل انعكاس الأشياء على شبكية العين هي من حياتهم المادية.

في تناقض مباشر مع الأيديولوجية الألمانية التي تنزل من السماء إلى الأرض، نصعد هنا من الأرض إلى السماء. أي أننا لا ننطلق مما يقوله البشر ولا مما يتخيلونه أو يتصورونه من أجل الوصول إلى ما هو متجسد فعليًا؛ ولكن ننطلق من بشر موجودين حقيقيين ونشطين فعليًا، وعلى أساس سيرتهم الحياتية الواقعية، فنظهر الانعكاسات الأيديولوجية وأصداء هذه العملية الحياتية في الأخلاق والدين والميتافيزيقيا وكل ما يقابلها من أشكال للوعي.[5]

تنظر كل أيديولوجيا، أي المثالية، أي الفلسفة كلها، بشكل مقلوب الى الواقع، حيث تنظر اليه بوصفه نتاج ثانوي للفكر. إن الحالة الحقيقية للأشياء هي أن الفكر مبني على السير المادي للتاريخ. إنها تعبر عما أطلق عليه الماركسيون فيما بعد "المادية الديالكتيكية". (لم يستخدم ماركس هذا المصطلح أبدًا، لكن استخدام من قبل أتباعه). لقد فهم هيجل والهيجليون، مثل كل الفلاسفة من قبلهم، كل شيء خاطئًا لأنهم بدلاً من الوقوف على أقدامهم على أرض صلبة يقفون على رؤوسهم على سحابة. وكما وصف ماركس وأنجلز في كتابات أخرى، بما في ذلك البيان الشيوعي (1848)، الفلسفة هي بنية فوقية تتراكم فوق الظروف المادية في ذلك الوقت التي أُنتجت هي فيه. "عندما يتم وصف الواقع، تفقد الفلسفة باعتبارها فرعًا مستقلاً من النشاط وسيط وجودها... فإذا نظرنا إلى هذه الأفكار التجريدية بصرف النظر عن التاريخ الحقيقي، فليس لها في حد ذاتها أي قيمة على الإطلاق".[6]

هناك، بالطبع، الكثير مما يمكن قوله عن ماركس وأنجلز والمعرفة الماركسية الصاخبة ككل، لكن يكفي للأغراض المحدودة لهذا المقال تلخيصها بالقول إن ماركس يواصل النزعة التاريخية التي بدأها روسو وطورها هيجل. لقد فعل ذلك بقبوله الجزء الأكبر من هيجل، واستبعاد ما يسميه "صوفية" هيجل، ووضع صيغته الخاصة من المادية مكانها بحيث يؤدي الديالكتيك التاريخي إلى نهاية التاريخ ليس كدولة هيجل البروتستانتية الألمانية، ولكن كعالم جديد ورائع للشيوعية المطلقة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

........................

[1] حول فيورباخ وماركس أنظر:

Feuerbach and Marx can be found in The Encyclopedia of Philosophy, 8 vols., New York, 1967, Macmillan (Feuerbach in vol. 3; Marx in vol. 5).

وأنا مدين لهذه المقالة في هذا التفصيل.

[2] Marx and Engels, The German Ideology, R Pascal, ed., New York, 1947, International Pub­lishers, p. 3.

[3] Marx and Engels, The German Ideology, p.4.

[4] Marx and Engels, The German Ideology, pp. 13-14.

[5] Marx and Engels, The German Ideology, pp. 13-14.

[6] Marx and Engels, The German Ideology, p.15.

 

علي محمد اليوسف(1) البنية اللغوية في موازاة الواقع

هل تراجعت اللغة كنسق نظامي مستقل في تعبيرها عن الوجود؟، وهل اصبحت جوهرا محايدا في فلسفة اللغة وتيارات فلاسفة التاويلية والتفكيكية والتحليلية في تعبيراللغة عن المعنى الدال وتراجعت ومهمة التواصل المجتمعي الى مرتبة ثانوية في خلق عوالمها الموازية لعالم الواقع الحقيقي لا تقاطعه ولا تحتدم معه بصراع ولا تتلاشى فيه كتكوين تجديدي؟ هل تنازلت اللغة عن مهمتها في تحقيقها الإدراك الشيئي القائم على مطابقة الدال اللغوي مع المدلول الشيئي مطابقة تامة تجعل من المدركات الشيئية بديهيات معرفية لا تقبل التشكيك بها، بعدما إكتسبت تلك الاشياء البداهة الموجودية في مطابقة الدلالة اللغوية مع وجودها الشيئي زمكانيا؟.

فلسفة اللغة أدخلت مبحث اللغة في دوامة من المتناقضات التي إعتبرها فلاسفة اللغة وعلوم اللسانيات وفلاسفة مبدأ التحول اللغوي علي يد كل من فريجة ودي سوسير، وفلاسفة اللغة، ونظرية القراءة الجديدة وحفريات النص في تقصّي البحث عن فائض المعنى اللغوي.  المعنى غير المكتشف في ثنايا تداولية اللغة بمثابة محاولة عملية إنقاذ فاشلة لمباحث الفلسفة من تقليديتها الخاوية المفرغة في مرحلة الاحتضار والموت البطيء التي كانت تعانيه طيلة قرون طويلة في دورانها المتمركز حول الانسان والمعرفة والوجود والطبيعة والعلاقات البينية بين تلك المباحث وغيرها. ما اقصده هنا هو تشخيص الاعتلال والمرض لا يعني إمكانية معالجة الشفاء منه كما حاولته تيارات ومدارس فلسفة اللغة والتحويل اللغوي.

الحقيقة التي لا يمكن القفز من فوقها أن التيارات الفلسفية التي عمّت وسادت اوربا وامريكا بعد أفول نجم البنيوية التي رافقت بكل إمكاناتها طروحات مرحلة ما بعد الحداثة، لم تحقق الطموح الذي كانت تتوخاه من عملية التحول اللغوي وإعتماد علوم اللسانيات وفلسفة اللغة وما يتفرع عنها في محاولة إدخال فلسفة اللغة في كل مبحث فلسفي أو مبحث معرفي حتى وصل الحد تجاوزإدخال الفلسفة بعلوم الفيزياء الى إدخالها في علوم الرياضيات وباقي العلوم الطبيعية التي تمتلك خصائصها النوعية التي تقاطع منطق الفلسفة تماما. ليس في إختلاف شكلية التعبير اللغوي بين الفلسفة التي تعتمد اللغة الابجدية الصوتية، وبين العلوم الطبيعية التي يكون تعبيرها اللغوي هو علامات ورموز ما يسمى بالمعادلات الرياضية . إنما الإختلاف أبعد من ذلك حول إهتمامات ما يشغل التفكير العلمي في تقاطعه مع ما يشغل مباحث الفلسفة. ولو نحن إستقصينا في جردة سريعة الإخفاقات التي رافقت فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ولم تنجز اليسير مما كان يمّثل طموحا مرتجى صدر عنها وأعلنت هي عنه، فلا البنيوية ولا التاويلية ولا حتى نهايات الوجودية الحديثة، ولا التفكيكية، ولا العدمية ولا التحليلية المنطقية الانجليزية جميعهم منفردين ولا حتى متداخلين لم يتمكنوا من إسعاف بعضهم البعض ولا إستطاعوا إنجاز ما كانوا يأملونه من توظيفات فلسفة اللغة وعلوم اللغة واللسانيات بما لا يمكن حصره من مباحث وقضايا كانت فلسفة اللغة على الدوام توازيها ولا تتقاطع أو تتداخل معها حينما كانت غارقة في مثالية إعتماد مركزية اللغة هي الحل السحري لمشاكل وقضايا الفلسفة المستعصية أو التي ميئوس منها..

أغلب المطلعين على مباحث فلسفة اللغة يدركون جيدا أن المبدأ العام في المنطق النظري الذي طرحته فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات كان في تمام المقبولية والإقرار بحقيقة أن معنى اللغة أضاع على مباحث الفلسفة الوصول الى مثابات إرتكاز تجديدية لم تتحقق عبر تاريخها الطويل وبقيت مباحث الفلسفة التقليدية تراوح مكانها إجترارا تقليديا لا معنى له بات مركونا بالظل في غياب توافر ملء الفراغ التجديدي له. وقالوا مشكلة الفلسفة اولا واخيرا مشكلة تعبير اللغة.

فلسفة اللغة حديثا شطرت مباحث الفلسفة شطرين :الاول أن مباحث فلسفة اللغة هي ليست الابحار العميق في تقليب صفحات تتوخى تصحيح نحو اللغة وقواعدها  التركيبية لإعطاء كمال المعنى باللغة المجردة عن كل قصدية قبلية سابقة تروم وصولها. والثاني وجدوا في مباحث فلسفة اللغة أنها لم تكن غاية بذاتها بل وسيلة تصحيح مسارات مباحث الفلسفة الغارقة في مستنقعات الإعادة والتكرار في مواضيع تتوزعها مباحث الوجود ومباحث الابستمولوجيا والمعارف، ومباحث القيم الاخلاقية.

لذا نجد أول من تنبّه تحاشي هذا المنزلق الخطير هو الفلسفة البنيوية التي ركنت مباحث فلسفة اللغة جانبا بعد أن كانت ألسبّاقة الاولى في فتحها فضاءات فلسفة اللغة والمعنى على يدي سوسير وشتراوس وبياجيه، كما وركنت مباحث الفلسفة التقليدية ثانيا لتقوم بطرق أبواب مباحث فلسفية لم تكن ذات إهتمام عند الفلاسفة طيلة قرون، كما نجد ذلك عند فوكو والتوسير ولاكان ودي سوسير وليفي شتراوس وباشلار وهكذا في اشتغالهم على مباحث فلسفية لا علاقة ترابطية تداخلية لها مع مركزية فلسفة وعلوم اللغة.

أبدأ بسؤال :هل فلسفة اللغة أغنت مباحث الفلسفة القديمة والحديثة التي جاءت بها؟ أم عملت على تشتيت إهتمامات الفلسفة في السير وراء تجريدات من الاشتغال على بنية اللغة كنصوص تتداولها الفلسفة بما هي لغة تشكيل علاماتي يتكوّن من نحو وقواعد وصرف خاصة باللغة شكلا لا محتوى؟ أم أن فلسفة اللغة فتحت أبوابا بحثية فلسفية كانت موصدة ولم تحقق المرجو المطلوب منها حيث أضحى تراشق تهم خيانة اللغة وبراءة الفكر في أولويات مداخل مباحث الفلسفة اللغوية التي أصبحت في متراكمها (الكمّي والنوعي) متاهات من التجريد الذي جعل من اللغة إنفصالا تاما عن كل ما هو جدير بالإهتمام في الحياة والانسان والعقل ناهيك عن العلم بكل تجليّاته.

هنا ربما يساء الفهم أننا نطالب أن تكون مباحث فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ايديولوجيات تعبوية ملتزمة قضايا الانسان في حياته اليومية.من هذه النقطة الاخيرة نستعير كلمات بول ريكور في إدانة إنفصال اللغة عن الواقع الميداني، والمفارقة الغريبة هي أن بول ريكور هو الآخر كان يسبح في مغطس تضليل الفلسفة بإسم الإحتماء خلف فلسفة اللغة في تاويليته. لكنه ربما أراد ترقيع الفتق الفاصل بين اللغة والفلسفة بما أطلق عليه التاويلية أو الهورمنطيقا التي لم تغادر محكومية  الإنقياد وراء فلسفة اللغة لها.

أمام حقيقة الاصطدام أن فلسفة اللغة أصبحت إنفصالا تاما عن التزامها التعبير عن الواقع الخارجي الحياتي للانسان، وصف بول ريكور فيلسوف التاويلية إدانته الفلسفة البنيوية التي خرج من تحت عباءتها قائلا ما معناه  التفكير البنيوي النسقي في البنيوية كان يتخّبط في نمطيّة كليّة من التفكير في عالم اللغة الداخلي الذي يتخّطى جميع الاشتراطات المنهجية الذي ينشدها عالم الانسان الخارجي، عليه لم تعد اللغة بعدها توسيطا بين العقل والاشياء بل البحث عن تشكيل بنية عالم لغوي منفرد خاص باللغة وحدها . بهذه النظرة رفض بول ريكور الفكرة الأساسية التي كان دافع فينجشتين عنها بإلحاح حينما كان أحد اعضاء فلسفة تحليلية اكسفورد في وجوب التعامل مع اللغة بوصفها صورة حياتية تنمو وتتطور من خلال طبيعتها المجتمعية، وفي وجوب جريان ينابيع اللغة مع دفق الحياة في سيرورتها الدائمية. وكأنما كنت هذه الدعوة من فينجشتين هي تكفير عن ذنب إرتكبه وخرجت معالجته من بين يديه. وحتى ريكور رغم إدانته الصحيحة للبنيوية فهو عجز عن إعطاء بديل عنها. بول ريكور في الهورمنطيقا سبق جميع التيارات الفلسفية السابقة عليه في رفضه إتجاهين فلسفيين رئيسيين أحدهما متمثلا بالفلسفة التي كانت تنادي في إصلاح معنى اللغة تمهيدا لإصلاح قضايا الفلسفة عامة في وضعها على سكة معالجتها قضايا فلسفية تكون فيها اللغة ليست بنية نسقية في تنظيم نفسها باستقلالية تامة عن عالم الانسان الخارجي، والإتجاه الثاني أن اللغة كبنية تبني نفسها بنفسها  كي لا تكون سلوكا نفسيا ولا نزوعا فطريا يسكن الفرد يتطور ذاتيا بمعزل أن يكون للمجتمع دورا تكامليا معه.، فأصبحت فلسفة اللغة لا علاقة لها مع وجوب معالجة قضايا إنسانية هي خارج تشكيل إستقلالية بناء نسق لغوي من التجريد لا يمكن تطبيقه ولو جزئيا على ضروب معرفية سوى ما جرى على مستوى نقد الادب كما فعل رولان بارت، وغيره من المتاثرين بتفكيكية جاك دريدا ممن وجدوا في معالم التفكيكية وبعض موروثات البنيوية إمكانية أن تكون منهاجا تطبيقيا تجديديا في ضروب مناهج النقد الادبي...

ربما يبدو مصادرة فكرية قولنا كان سعي بول ريكور تاسيس بنية لغوية هي إكتفاء لغوي ذاتي يقوم على إعتماد تطورات اللغة في مجمل التناقضات والاختلافات والفروقات القائمة داخل النظام اللغوي المستقل عن العالم الخارجي.. النسق اللغوي المكتفي ذاتيا الذي إخترعه ريكور ودريدا بفارق ليس جوهريا، هو خلق نسق لغوي إغترابي تعسّفي داخل نظام اللغة ما جعل الفلسفة تدور في مناخات البحث عن التجديد الذي قفلته مباحث فلسفة اللغة الخالية من مضمونية شكل اللغة بما هي قواعد نحوية...

(2) البنيوية واللغة

رغم أن البنيوية اشّرت وظيفة اللغة في فلسفة العقل ونظرية المعنى، أن وظيفة اللغة لم تعد تلك الوسيلة المعرفية لفهم الواقع والتعبير عن مشكلاته، وخرجت اللغة أن تكون وسيطا علائقيا بين الأفكار والاشياء. نجد بول ريكور شنّ هجوما على البنيوية من حيث أنها تعاملت مع اللغة خارج  منطق اللغة في التعبير المستقل عن ذاتيتها.

فالبنيوية لم تحاول مسك تلابيب الواقع الخارجي وتوظيف نظرية المعنى في جعل علاقة اللغة بالواقع علاقة جدلية مثمرة وليست منفصمة كما أرادت البنيوية وريكور ذلك. البنيوية منذ بدايات دي سوسير عام 1905 لم تعمل على ترسيخ حيوية اللغة في ربطها بالواقع كما تبنّى فينجشتين هذا الطرح لاحقا قبيل وفاته، وكان تحذيره من انزلاق الفلسفة نحو انشاء بنيّة كليّة تجعل من اللغة اكتفاءا ذاتيا لا يؤثر بالواقع الخارجي ولا يتأثر به ويكون خطرا لم تتم معالجته. ما عدا التماعات متناثرة تبنّاها جورج مور في دعوته من داخل الفلسفة المنطقية التحليلية الانجليزية الى أن يكون أصلاح قضايا الفلسفة إنما يكون في إصلاح نظام اللغة التي إنحرفت الفلسفة عموما به ودعا مور الى أهمية اللغة العادية المجتمعية في تطوير الفلسفة من جهة وتطوير مباحثها من جهة أخرى.هذه الدعوة ذهبت أدراج الرياح في إصرار كلا من بيرتراند رسل أن تكون مباحث فلسفة اللغة تقوم على الرياضيات والمنطق حسب وصّية فريجة نصا وأقنع فينجشتين بذلك ايضا. وإهتمام راسل بمبحث الرياضيات بشكل استثنائي يوازي لابل يفوق إهتماماته الفلسفية والمنطقية ما جعله يتنقل في مؤلفاته من مبحث لآخرفي تنويعة بدت لبعض المهتمين بالفلسفة متناقضات. والى جانب ذلك برزت مدرستي التوليدية اللغوية الفطرية لدى نعوم جومسكي، وأخرى مناوئة لها أطلقت على نفسها فلسفة السلوك اللغوي روادها ودعاتها هم الفلاسفة الاميركان حصرا نأتي على ذكرهم لاحقا.

(3) الوعي واللغة

طرح الباحث اللغوي عبد القادر البار تساؤلا هاما على صعيد إشكالية اللغة مع الفلسفة. قائلا : أين يوجد معنى اللغة؟ هل يوجد في أذهان البشر؟ أم يوجد في العالم الخارجي المشترك بينهم؟ وهل يمكن للمعنى أن يتكون وينمو خارج المكونات التقليدية الخاصة بما لا يمكن تجاوزه بسهولة ؟

نجد في محاولة مقاربة فتح هذه المسالك الفلسفية أن نبدا بالوعي كمفردة مفتاحية للدخول في معترك تلك الاسئلة المتداخلة...فالوعي يمكننا تصنيفه الحذر أنه حلقة في بايولوجيا منظومة العقل الادراكية ليست لها ميزة فيزيائية غير تجريدية كما هو حال الفكر واللغة. والوعي الذي أصبح له فلسفة خاصة به. الوعي الذاتي أي تعبير ذهن الانسان عن مدركاته إنما يمتلك معان مستمدة من الاحساسات يمكن أن تكون إضافة نوعية تثري المعنى اللغوي في تعبيره.

في أغلب الاحيان لا يطابق معنى الذهن معنى الموجود المادي في واقعه الاستقلالي، كون جوهر الذهن هوإنطباعات عشوائية خارجية وليس جوهر الذهن افكارا إكتسبت كامل اليقينية، فهل نلجأ الى تفعيل دور الوعي أن يكون وسطا بين المدرك المادي ومعنى التعبير اللغوي عنه؟ الوعي يتداخل جدليّا بينه وبين ما يمتلكه الذهن من معنى لم يأخذ حيّز التنفيذ الإفصاحي لغويا له، لذا يكون الوعي توسيط بين الذهن(الانطباعات) المؤقتة، والمعنى الدلالي اللغوي عن الشيء المقصود. والوعي كما أشرنا هو خصيصة إدراكية ذاتية منفردة، بمعنى حينما نقول الوعي الجمعي أو الوعي المجتمعي فهذا لا يتحقق على صعيد التفكير المنفرد بل يتحقق على صعيد التوافق غير المعلن لمجموعة من الناس في التعبير عن قضية أو عن موضوع يجمعون عليه سواء أكان ماديا أو غير مادي معين. وما يدركه الذهن من معنى هو إدراكات إنطباعية لتداعيات فارقته بسهولة. ألذهن ليس مستودعا لتخزين الانطباعات ولا حتى الافكار. والوعي لا يعمل في فراغ ولا يعّبر عن معنى غير قصدي يمكن التأكد منه.الذهن ليس ذاكرة من جهة، ولا هي عقل تفكيري ينوب عن العقل من جهة ثانية، واخيرا الذهن ليس مستودعا لتخزين الافكار فيه.

الوعي هو معنى لغوي وحلقة غير منظورة في منظومة العقل الإدراكية، هذه المنظومة الادراكية بعضها بايولوجي عضوي وظيفي مثل الحواس والجهاز العصبي ومحتويات تكوين الدماغ، وبعضها الآخر له مناطق عصبية مسؤولة عنه في القشرة الإمامية للدماغ، وهي في حقيقتها الإفصاحية بالدلالة إنما هي تعبيرات من الفهم الادراكي التجريدي مثل الاحساسات، الاحاسيس، الذهن، الذاكرة، المخيلة، الوعي، الادراك، الفكر، واللغة. والوعي لا يكون تعبيرا أفصاحيا ذاتيا عن اشياء خارجية مادية فقط وإنما الوعي يكون إستجابة إدراكية داخلية أيضا في التعبير عن النفس والعواطف والضمير والاخلاق والسلوك وغيرها.

(4) الوعي الفلسفي

الوعي مصطلح فلسفي تجريدي – بيولوجي الولادة غامض، والخوض في معتركه لا يسلم صاحبه من الأخطاء لكن مع هذا فالدراسات والابحاث الفلسفية العديدة بدأت التركيز على بسط الوعي كمبحث فلسفي يستحق الإهتمام الإستثنائي به.

ومنذ منتصف القرن العشرين حينما أصبحت فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى، نشأ الاهتمام الملتبس حول الوعي الفلسفي، وأكثر الفلاسفة إهتماما بالوعي هم الفلاسفة الاميركان المعاصرين يتقدمهم جون سيرل وريتشارد رورتي وسيلارز وكواين يسبقهم الانجليزي جلبرت رايل فيلسوف العقل...حين وجدوا في فلسفة العقل واللغة الارضية المناسبة للاهتمام بدراسة الوعي من الناحية الفلسفية إذ لم يروا مناسبا طغيان التحول اللغوي على مباحث الفلسفة في هيمنة الفلاسفة الفرنسيين على المشهد اوربيا ويبقى الفلاسفة الاميركان متفرجين، فعمدوا الى إستعارة مفهوم الوعي من عميد البراجماتية الامريكية وليم جيمس عالم النفس وفيلسوف الذرائعية الذي لخّص فهمه الوعي :

* اولا الوعي يقوم على أساس أنه ليس جوهرا مستقلا بل هو وظيفة.

نزع صفة الجوهر عن الوعي في إعتباره وظيفة فقط لا يقلل من أهميته أنه حلقة إدراكية غير فيزيائية تعبر عن جوهر العقل الذي ليس هو ماهية مفكرة فقط، لذا فالوعي يستمد جوهره من العقل بإعتباره وظيفة ملحقة لا غنى للعقل عنها. فالوعي إفصاح ادراكي وسيلته التعبيرية الفكر واللغة.

رب تساؤل يقول مالفرق بين وظائف العقل والوعي والذهن والذاكرة، وهل بمكنة وإستطاعة الوعي الإنابة عن العقل بالوظيفة الإدراكية؟ لكي نجيب:

- الوعي لا يقوم بمهمة العقل التفكيرية بل هو الوسيلة لذلك.

- الوعي إستجابة ناقلة لردود أفعال العقل، وكذلك وظيفة ناقله لإنطباعات الذهن الى العقل.

- يشترك العقل والوعي بوسيلة الفكر واللغة في الافصاح التعبيري عن مدركاتهما.

- ما يدركه العقل يدركه الوعي بالضرورة، بفارق العقل جوهر كليّ والوعي جوهر وظيفي جزئي حلقة في منظومة العقل الادراكية.

* الصفة الثانية للوعي حسب وليم جيمس أن الوعي تجربة صرفة لا يمكن تجزئتها الى أفكار واشياء، والوعي ليس تجربة عقلية ولا طبيعية . وتعقيبنا عليه هو:

- الوعي تجربة صرفة يمكن تجزئتها الى أفكار إدراكية لاشياء بإعتباره حلقة تابعة لمنظومة العقل الإدراكية. كل حلقة في منظومة العقل الادراكية هي جزء يمّثل نفسه بدلالة مرجعية العقل له، لكنه لا ينوب عن العقل في دلالة الادراك الكامل عن الاشياء منفردا.

- الوعي هو فكر وإحساس عن شيء شأنه شأن ووظيفة كل حلقة إدراكية مرجعيتها العقل. وليم جيمس كونه عالم نفس وفيلسوف يريد أن يجعل  الوعي إنطباع نفسي حين يصفه ليس تجربة عقلية ولا هو تجربة طبيعية.

- لا يمكن الحكم على الوعي انه ليس تجربة عقلية ولا طبيعية وهو حلقة توسيط ادراكية للعقل.الوعي تجربة عقلية في مرجعية العقل له وليس هناك وعي يريد الافصاح عن ذاتيته من غير وصاية العقل عليه.

- نعت وليم جيمس الوعي انه ليس تجربة عقلية ولا طبيعية في تعبير خاطيء بوضوح، فالوعي يستمد سمته العقلية من جوهر العقل الادراكي التفكيري الذي يرتبط به الوعي، ولا يمكن أن يكون للعقل مخرجات معرفية يصدرها العقل عن شيء لا يكون الوعي ناقلا لها.

- قول وليم جيمس  الوعي ليس تجربة طبيعية غير صحيحة، فالطبيعة وكل ما يدركه العقل يجري وفق تراتيبية نظامية طبيعية للعقل والوعي جزءا من العقل وليس طارئا منفصلا عنه. والوعي هو إدراك متعال على الطبيعة وليس ناتجا عنها.كما هو شان العقل بعلاقته بالطبيعة هو جزء منها متعال بذكائه عنها..

- اذا إعتبرنا مع وليم جيمس الوعي ليس ليس تجربة طبيعية بمعنى ليس تجربة فطرية مرتبطة بفطرية العقل الادراكي يحوزها الانسان كجزء من تكوين العقل في وظيفته غير الفيزيائية كون الوعي تجريد لغوي يحتوي الفكر التجريدي بينما العقل تجريد ناتج عن منظومة عضوية بايولوجية هي جزء من تكوين جسم الانسان تسمى العقل الوظيفي العضوي (الدماغ ومحتوياته من المخ، المخيخ، النخاع الشوكي، ومنظومة شبكة الاعصاب الناقلة والمستلمة للاحساسات والمثيرات..). لا يشترط أن يكون ما هو طبيعي جزءا من الطبيعة ولا منقادا لها وهو ما ينطبق على الوعي كونه حلقة إستدلالية معرفية تطال كل موجود في الطبيعة ولا تكون جزءا منها.

(5) الوعي واللغة

تعتبر الكتابة في أبسط تعبير لها هي عملية تدوين الافكار اللغوية من حالة المشافهة المنطوقة صوتيا لسانيا الى حالة التدوين الكتابي المقروء أو المنظور الصامت. ويعتبر إختراع الكتابة طفرة نوعية في اللغة ترقى الى مستوى إختراع الانسان لغة الكلام. ويرى غودي "أن الكتابة هي إرتقاء الى شكل جديد من أشكال التقنيّات الفكرية وبالتالي الى شكل جديد من العقلية ".بهذا المعنى تكون الكتابة هي الخروج من الخاص الى الفضاء العام بأن لغة الكتابة تصبح من حصة المجموع اولا، وتصبح الافكار المكتوبة تدوينا عابرا للتاريخ باقيا على مر الاجيال من غير إندثار بخلاف لغة الكلام الشفاهي التي تندثر في فترة زمنية محدودة.ونستطيع القول أن اللغة أوالكلام الشفاهي هو كل ما لا نتمكن من حفظه تاريخيا زمانيا الا بوسيلتي التدوين الكتابي أو التسجيل الآلي للغة المشافهة صورة وصوت. بخلاف اللغة المكتوبة التي تعتمد تدوين العقل لها.

نتساءل الآن هل توجد لغة في ما وراء المدلول الشيئي.؟

هناك ظاهرة يصفها علماء اللغة بمصطلح ما (فوق لغوية) وهي إمتلاك بعض الشعوب تجربة تقنية لغوية من دون تعلم مسّبق قواعد ونظام نحو تلك اللغة، فمثلا عندنا في لغتنا العربية نجد الشعراء العرب نظموا الشعر موزونا مقفى بضوابط بحور الشعر قبل وضع العبقري الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفي سنة 170 هجرية نظام العروض الشعري. أي بعد مضي قرون طويلة على تداول العرب الشعر الجاهلي وهم لا يعرفون ما معنى بحور الشعر بل كانوا يدركون الشعربالسليقة كلاما له ضوابط تميّزه عن النثر. كما يذهب علماء اللغة المحدثين "عدم وجود علم لغة الا اذا كان هناك علم ماوراء لغوي، اي عندما يكون لدينا لغة ماورائية (ما وراء اللغة ) هي لتمثيل لغة اخرى هي اللغة الموضوع " ومعنى ذلك إن فنون اللغة تنشا قبل علوم اللغة. أي كما ذكرنا لا يشترط الابداع في اللغة أن يقوم على مدى إتقان قواعد تلك اللغة، لكنما برأينا نجد هذا الحكم نسبيا بالنسبة للغات منها اللغة العربية. حين قام الخليلي بن احمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري بتنقيط المصحف المكتوب في وضعه علامات الحركات في ملازمتها الحروف كصوت لغوي  الكسرة، الضمة، الفتحة، السكون، والشدّة لم يكن إحد من عرب ذاك الزمان (يلحن) في لفظ المفردات ويعرف بالفطرة المتوارثة الفرق بين المرفوع، والمنصوب، والمجرور، والفرق بين الاسم والفعل والحرف وما يتفرع عنها في صياغة الجمل والعبارات. هذه الظاهرة هي مايسمى فوق اللغة.

يتبع لاحقا ج5

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي محمد اليوسف(1) العلم / الوعي والادراك

"الى أي مدى يمكننا قبول مقولة  كانط " إكتساب المعرفة ينحصر على نطاق حدسي حسّي وبدون الاحساسات تبقى مقولات العقل الصادرة عن الحواس فارغة " بضوء الأخذ بنظر الإعتبار أن الحواس تضليل للعقل، والحدس يقبل المراوغة التي تفرضها مخاتلة وقصور ملازمة الفكر واللغة في التعبير عن ما ندركه، هل هو صورة ذلك الشيء المدرك أم هي حقيقته كاملة؟.. ثمة تعريفات وردت على لسان كبار الفلاسفة الغربيين ربما تكون مشاعل إستدلال لنا منها:

- ينكر ديفيد هيوم اية قيمة موضوعية للقوانين العامة والعالم الحقيقي لا يقوم إلا على الاعتقاد. ليس غريبا هذا على هيوم الذي ينكر ثلاثة ثوابت قارّة بالفلسفة لا يمكن القفز من فوقها بسهولة هي بتعبير هيوم :لا يوجد عالم مادي خارج مدركاتنا الحسيّة وما ندركه موجود وما لا ندركه غير موجود، ثانيا لا وجود لنظام سببي يحكم ظواهر ووقائع الحياة سبب ونتيجة ، ثالثا لا يوجد ما يعرف بالعقل خارج ماهيته التفكيرية التجريدية فقط العقل هو تصوراتنا عن الاشياء وعالمنا الخارجي.

- الحقيقة الفلسفية بحسب لايبنتيز هي ما يمكننا تحديده بالكامل، ويقصد لايبنتيز بالحقيقة الواقعية المدركة وليس مطلق الحقيقة. كيف نمرر مقولة لايبنتيز بضوء نسبية كل شيء بالعالم الطبيعي والكوني؟ تحديد كامل الحقيقة شيء متعذّر تحققه. أما أن يقصد لايبنتيز الحقيقة الكاملة هي تجربة علمية وليست إدراكا عقليا أخذ تعبير الفكر واللغة عنه فقط فهي وجهة نظر تفرض مقبوليتها قدرات التجربة العلمية وليس قدرات تفكير العقل المجرد.

- المذهب الثنائي الديكارتي يقوم على وجود جوهرين فقط هما العقل وماهيته التفكير، والمادة وماهيتها الإمتداد والحركة. وهذا تعبير يدخل مجال فيزياء العلم  وفيزياء المعرفة الفلسفية على السواء. وما يترتب على هذا المعنى أن إحساساتنا الإدراكية ليس بمقدورها الفصل بين حقيقة الشيء في وجوده المادي عن حقيقة الشيء في تصوره التجريدي الذهني.

- كل وعي إدراكي بحسب سيلارز شأن بدايته اللغة. هنا يقصد سيلارز بالوعي العقلي للمادة تفكيرا إستبطانيا داخل منظومة العقل الإدراكية، واللغة تعبير صوتي عن موجودات المادة خارجيا، وتفكير اللغة وعيا إدراكيا لاصوتيا صامتا داخليا. صحيح جدا الوعي هو تفكير عقلي لكنه في مجال الفلسفة يكون الوعي قريبا من علم النفس السلوكي أكثر منه قربا من تجريد الفلسفة كمنطق لغوي.

- ينكر وليم جيمس أنه يوجد شيء حقيقي يسمّى (الوعي) على صورة مادة أو جوهر، موضّحا الواقع الوحيد الذي نعتمده هو التجربة في سياقها يكون كل شيء، وكل الذوات العارفة صاحبة الوعي والموضوعات المعروفة. الحقيقة الصادقة عند وليم جيمس"أنها ما يمّثل لدينا الأفضل لإعتقادنا، وليس التمثيل الدقيق للواقع" وصاغ وليم جيمس عميد الفلسفة البراجماتية نظريته بالصدق مفادها أن صدق التصور ليس سكونيا، فالتصّور لا يمتلك صدقه في ذاته. بل صدقه تحدده التجربة التطبيقية في تحقيق المنفعة، ومعنى ذلك المعرفة ليست جاهزة صحيحة في مقبوليتها بل هي إبنة التجربة التي أنجبتها. كما والصدق عند وليم جيمس هو صدق التصور أو الفكرة التي حمولتها منفعة في التطبيق، فكل نافع حق وصادق وكل ما هو غير صادق وزائف هو الذي لاينفعنا بالحياة.

(2) الفكر والحركة

يتفرّد هوبز فيلسوف عصر النهضة الاوربية بتعريفه الفكر هو حركة الجسم، بمعنى الفكر هو سلوك عقلي، وليس نتاج عقلي مجردا من واقعه المادي. والفكر هو توليد عقلي في معرفة موجود أو معرفة موضوع. الفكر ربما يكون إمتدادا لفكر سابق عليه، وربما يكون فكر ثالث يليهما وهكذا، لكن العبرة ليست في تناسلية الفكر اللاحق عن السابق بل الأهمية القصوى أن الفكر تكون مرجعيته المادة والوجود المادي حتى قبل إدراك العقل له وتعبير اللغة عنه. وهذا لا ينفي أن خاصّية العقل الجوهرية الاولى هي توليده الافكار التي ليست مجردة عن تفسير الواقع المادي لكنها ليست جزءا ماديا غير تجريدي في التعبير عنه.  الفكر يمتاز بالخصائص التالية:

- الفكر تعبير عن إدراك شيء مادي أوتعبير عن شيء خيالي، وسيلة تعبير الفكر عن نفسه خارجيا هو اللغة الصوتية المسموعة حوارا أو المكتوبة  قراءة. وتعبير الفكر عن نفسه ذهنيا هو لغة تصوّرية مركوزة بالذاكرة التي تعي موضوع الفكر الذي تختزنه فيها.

- الفكر توليد عقلي بمعنى الفكر يعبّر عن وعي قصدي يتمّثل هذا الوعي بسلوك الانسان ضمن مجتمع يحتويه. وميزة الفكر المستمدة من العقل أنه تعبير عن شيء مادي أو موضوع خيالي والفكر لا يخلق تعبيره اللغوي من فراغ ولا يعبّر عن لا معنى له. والفكر شأنه شأن اللغة تعبير عن تجريد لشيء مادي أو موضوع من الذاكرة..

- الفكر حلقة مهمة في سلسلة حلقات المنظومة الإدراكية للعقل لكنه لا ينوب في تمثيله عن حلقات أخرى داخل هذه المنظومة الإدراكية العقلية. فالفكر ليس هو الذهن، كما أن الفكر ليس هو الوعي، كما أن الفكر ليس هو الذاكرة، وأخيرا الفكر هو لغة غير مفصحة عن نفسها.

- الفكر يلازم اللغة الصوتية ولغة أبجدية القراءة إدراكا تصوريّا ولا سبيل للفكر التعبير عن نفسه إلا بواسطة اللغة. إختلاف الفكر عن اللغة رغم تلازمهما الذي لا إنفكاك له هو أن الفكر تفكير عقلي صامت واللغة تفكير عقلي ناطق يلازمه الصوت الذي يفتقده الفكر الذي هو تفكير لغوي بلا صوت حينما لا تعبّر اللغة عنه إفصاحا عن شيء.

- تعبير الفكر التواصيلي وسيلته الوحيدة هي اللغة. فالفكر لغة عقلية. وتعبير الفكر عن شيء أو موضوع بلا معنى هو إستحالة إدراكية يرفضها العقل قبل رفض الفكر لها. فأللامعنى بالفكر يعنى اللامعنى في تفكير العقل.

- الشيء الموجود المادي أو الموضوع الخيالي يكونان ملزمين بتعبير اللغة عنهما، والإدراك المادي للشيء وإن كان سابقا تعبير اللغة إلا أنه في جوهره تصوّر لغوي أخرس صامت، الإدراك إحساسات لغوية فاقدة لنظام تعبيراللغة التي يصدرها العقل وليس ألتي يستمّدها الإدراك عن الاحساسات. الإدراك من غير مرجعية العقل واللغة لا قيمة حقيقية له.

- شرط الفكر الاول هو إمتلاكه معنى وتعبير لغة عن هذا المعنى، وإلا أصبح الفكر هلوسة لامعنى لها ولا تمتلك لغة تواصلية مفهومة. واللغة لا تمتلك حقيقتها المضمونية بدون فكر يلازمها يحمل معه حمولة معناه عن شيء أو موضوع.

الشيء والمعنى:

بحسب امبرتو ايكو الشيء الصحيح هو الذي لا يمكننا شرحه، ومعنى العبارة تحمل تاويلين الاول أن الشيء الذي لا يحتاج شرحا هو الشيء البديهي في الادراك مثل أي شيء برتقالة قلم كتاب وهكذا. أو أن الشيء الذي لا يحتاج شرحه هو الشيء أو الموضوع الذي وصل حد الإشباع في عدم إمكانية إضافة فائض معنى لغوي عليه يمكن يستقبله. تطابق المفردة التعبيرية عن شيء مادي هو يديهة لا تحتاج برهان التحقق منها.. الموضوع الذي تقف اللغة عاجزة عن إكتمال المعنى في تعبيرها عنه هو ثابتا نسبيا ومطلقا متغّيرا.

السؤال الذي يتبادر للذهن لمن الأسبقية في الإنقياد وليس الأسبقية الموجودية الانطولوجية الموضوع أم لغة التعبير عنه؟ من ناحية الوجود فموضوع الفكر الإدراكي في وجوده المادي يكون أسبق على تعبير اللغة عنه، أما من ناحية الانقياد فاللغة تقود الفكر الإدراكي ولها الإسبقية.

الفكر الإدراكي للاشياء سيرورة من التغيرات والتطورات المتجددة على الدوام، ويكون متجددا في الوجود غير المتحقق المعّبر عنه لغويا، بمعنى الفكر المادي يتطوّر أسرع من لغة التعبير عنه التي تلاحقه على الدوام. لذا الفكر يختلف عن اللغة بأنه لا يمتلك خصائص هوياتية ثابتة بخلاف اللغة التي تكون هويتها في مجمل قواعدها ونظمها النحوية الخاصة بها كلغة تحكمها بها..

(3) النص وفائض المعنى

نص التاويل في حفريات اللغة لا يمكن أن يكون له هوية لغوية بملامح ثابتة، ولا يمكن للنص أن يكون لغة محايدة لدى المتلقي. كما ولا ألفهم الإجتزائي يكون تعويضا عن مدّخرات اللغة في حمولة التاويل المتعددة غير المحدودة.

التأويل اللغوي اللامحدود يعبّر عنه توردوف " مؤلف النص كاتبه يأتي بالكلمات ليأتي القراء بعده بالمعنى " بمعنى تاويل النص هو عملية تشظ متتالية تنعدم فيها المركزية في مرجعية النص، فالمركز التاويلي هو إمتداد الفهم التفكيكي عند دريدا في الغائه المركزية المرجعية التي يدور في فلكها الهدم والتقويض وعند بول ريكور في ملاحقة فائض المعنى في التأويل، عليه تكون بصرف النظر عن الأخذ الحرفي بإسترتيجية التفكيك ومدى إمكانيتها تحقيق نجاحها ولا تاويلية بول ريكو ومدى نجاحها ولا حتى التحليلية ومدى نجاحها، فهذه التيارات الفلسفية تشتغل على مركزية النص في فلسفة اللغة. وتقوم على ملاحقة حقيقة النص من جهة وعلى حقيقة ملاحقة فائض المعنى اللغوي الذي يحتويه من جهة أخرى. لذا تكون التعددية الدلالية المتعالية بالفهم التاويلي والتفكيكي والتحليلي لا تجمعها ما يطلق عليه امبرتو ايكو كليّة التاويل المركزية التي تستنفد طاقة التاويل في تقويض النص والبحث عن فائض معنى لغوي لم يعد يتقبله ولا يمتلكه النص في تعدد القراءات التذويتية له.. ويعبّر عن هذه الاستراتيجية التاويلية اللغوية ايكو قوله " خلاصة القول التاويل غير محدود في محاولة الوصول الى دلالة أو دلالات نهائية لا يترتب عليها إنزلاقات ومتاهات لغوية لا حصر لها".

علاقة اللغة بالعقل في معنى الخطاب (اللوغوس) عند افلاطون هو الملكة الموّلدة للافكار، وهي عند ارسطو العقل الجوهر الذي به نستدل التعرف على جواهر الاشياء. وعلى النقيض من ذلك نجد ايكو قائلا " النوس بمعنى العقل خطابا في القرن الثاني الميلادي هو ملكة للحدس الصوفي والاشراق اللاعقلاني. ويصبح بعدئذ ملكة الرؤية المباشرة والعفوية ولا يعود الكلام والنقاش والحجاج من الامور الضرورية ".

لم يكن افلاطون مجانبا الصواب إعتباره العقل موّلدا الافكار، وفي مقاربة لديكارت من رؤية افلاطون يصف ديكارت العقل جوهر ماهيته التفكير. ولم يكن ارسطو مخطئا في تعبيره العقل وسيلة معرفة جواهر الاشياء. هنا يتوجب توضيح اشكالية مفهومية عالقة :

- ارسطو في إسناده مهمة العقل تعريفنا الجواهر وليس الوجود بما هو موجود أخرج مثالية افلاطون المتعالية من مطلق توليد الافكار الى مجال توظيف العقل معرفيا ابستمولوجيا، أي أنه أخرج الماهية الجوهرية للعقل من الافكار المجردة الى معرفة الواقع كما هو موجود في مدركاتنا الحسية.

- الاختلاف الثاني هل كان افلاطون يدرك أن معرفة جواهر الاشياء بدلالة العقل مبحث ميتافيزيقي لا يمكن التحقق منه من حيث أن جواهر الاشياء ليست محسومة لصالح البحث عنها حقائق تلازم الموجودات والاشياء في الطبيعة.

- من المفارقة حقا أن نجد ارسطو المادي يسقط في المثالية في السعي وراء معرفة الجواهر المشكوك بأمرها كموجودات يدركها العقل بدلالة وجودها. علما أن سبينوزا في مذهب وحدة الوجود قال الوجود يمكن معرفته بدلالة الجوهر يعني هو عكس التعبير الفلسفي الدارج أننا ندرك الجوهر بدلالة وجوده في شيء مادي. ، بل نعرف الوجود بدلالة الجوهر في وقت إستقتل فيه اسبينوزا إثبات أن الموجودات تمتلك جواهر مستمدة من جوهر واحد هو الله الذي لا يدرك. كما وأن هذه الجواهر لا يمكن ادراكها من حيث الجوهر خالق للوجود وليس مخلوقا منه.

- الإشكال الاخير هو ليس كل معارفنا كما يرغب ارسطو نستمدها من معرفتنا جواهر الاشياء في حين ذهبت في وقت غير متأخر كلا من الوجودية والماركسية والبنيوية في خوض غمار حجاج فلسفي حاد بينهم يرتكز على أن ما يدركه العقل من صفات تغني البحث عما وراءها لمعرفة الجوهر غير الموثوق يقينا في وجوده في تكوينات الاشياء.

نخلص من هذه العروض الى أن مستويات التفكير العقلي تحدده الغايات القصدية التي من المتاح تحققها. ومن غير الصحيح أو الذي لا يمكن إثبات صحته تحميل العقل وظيفة ابستمولوجية واحدة، فالعقل طاقة الانسان المتمركزة به. وتعدد وجهات النظر المتباينة والمختلفة لا يلزم عنها بالضرورة تشتيت وإلغاء القصديات التي يرغب العقل تحقيقها. قصدية الهدف لا يلزم عنه قولبة المنهج في بعد قصدي معرفي واحد. ونختم عن موضوع التاويل المتشّظي لا يحمل مركزية ولا هوية ثابتة، فالتاويل سيرورة يلزمها على الدوام لغة مسايرة لها تستوعبها وتحتويها. وهذه السيرورة نصل ذو حدين فهو لا يمنع الضياع في متاهات وإنزلاقات غير محسوبة نتيجة إمتلاك إستراتيج التفلسف التاويلي فضاءات واسعة، فالتاويل اللغوي لا يحمل تلك اليقينية التي تعجز عنها اللغة وتتوقف عن إضافة معنى متجدد من القراءات التي لايمكن إيقافها عند حد.

(4) العقل والوجود

دعونا نرجيء قليلا عرض بعض الفقرات الفلسفية لرائد فلسفة العقل الانجليزي جلبرت رايل 1900- 1976. حين كانت مقولة ديكارت راسخة منذ القرن السابع عشرمفادها العقل جوهر غير فيزيائي ماهيته الجوهرية التفكير. والعقل جوهر لا مادي ليس له معايير تحققه غير الفيزيائي كجوهر مستقل ميزته الخلود بعد فناء الجسم... اما تعريف العقل في الفلسفة الحديثة فهو متشّعب من حيث هو إستعداد للسلوك كما يعبر عنه فيلسوف العقل الانجليزي جلبرت رايل، والعقل ميزة خصائصية يمتلكها عقل الانسان فقط على أنه سلوك ذكي غير بهيمي، يدرك ذاته ويدرك موضوعه ولا يكون موضوعا إدراكيا لغير حامله. والعقل جوهر موجود لا فيزيائي خالد بعد فناء الجسم.

لنا التوضيحات التعقيبية التالية :

- العقل بالمصطلح العلمي في علم وظائف الاعضاء حين يكون ماديا فيزيائيا وعضوا يحتويه الجسم فهو بهذا المعنى لا يكون جوهرا خالدا بل موجودا فانيا بملازمته فناء الجسم عضويا.

- العقل خصيصته الماهوية التفكير هو تجريد ذكي مستقل يسعى بلوغ الخلود، وبهذا المعنى يكون العقل أقرب الى النفس منه الى الجسم، لتلازمهما العقل والنفس صفتي الذكاء التوليدي للافكار ، وصفة عدم فناء العقل كنفس تلازم فناء الجسم.

- لا يمكن صناعة عقل آلي يزاحم إزاحة العقل البشري لعدة اسباب منها فقدان قابلية التوليد الابتكاري الذكي في الآلة، وكذلك عدم امتلاك العقل الآلي النفس العاطفية أو الروح. وقدرة العقل الصناعي على الحوار يكون محدودا بجملة من التعبيرات التي يكون في مجاوزتها لها يعني انعدام النظام في السلسلة التنظيمية بالتفكيرالعقلي.

- العقل بالمفهوم الفلسفي إشكالية تختلط بها فيزيائية تكوين العقل كأحد أعضاء جسم الانسان وبين لافيزيائية العقل التجريدية كفكرولغة تعبيرية. ولما كانت ميزة العقل هي الوعي الذي هو جوهر غير فيزيائي، فكيف يدرك العقل اللافيزيائي عالم المادة والموجودات في الطبيعة وحوله ؟ وقد أطلق الفيلسوف الاميركي جوزيف ليفني على هذه الإشكالية مصطلح (الفجوة التفسيرية).

- أنكر فيلسوف العقل المعاصر جلبرت رايل1900- 1976 في كتابه الموسوم (مفهوم العقل) مقولتي ديكارت الراسختين لثلاثة قرون وهما: اولا العقل جوهر غير فيزيائي ماهيته توليد الافكار، والثانية أن العقل هو المصدر الوحيد في تزويدنا بالمعارف التي نحتاجها.

من المهم التنبيه الى أن الباحث الفلسفي الاكاديمي المصري صلاح اسماعيل أشار نقلا عن فيلسوف العقل الانجليزي  جلبرت رايل أن هذا الاخير انكروجود العقل – وهذه مقولة سبق لديفيد هيوم أن قالها في أنكاره العقل – سواء أكان العقل جوهرا فيزيائيا أو جوهرا لا فيزيائيا. كما أن رايل أدان بحجته أن وظيفة العقل مصدرنا الوحيد في إكتسابنا المعارف قائلا : في الوقت الذي يكون العقل مصدر توليد الافكار وتطوير اللغة وهما أسمى خاصيتين يمتاز بهما إلا أن العقل ليس جوهرا قائما بذاته منفصلا عن الجسم كما يقول ديكارت. بل هو إستعداد للسلوك الذي تديره فلسفة العقل في توجيها تعبير اللغة الحفاظ على هذا السلوك الانساني المنتظم. وسخر رايل من إعتقاد الفلاسفة الراسخ المستمد من ديكارت أن العقل هو مصدر معارفنا الابستمولوجية التي أضاعت قرونا طويلة من تاريخ الفلسفة بالركض وراء سراب خادع لاقيمة له. وأعطى رايل البديل المنطقي الفلسفي أن العقل بضوء فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى، اصبحت معها وظيفة العقل الفلسفي هي تزويدنا بالمعنى اللغوي الذي هو سلوك بشري بالحياة.

(5) ماهو العقل؟

ربما تكون مفاجئة مدهشة لنا تثبيت قول جلبرت رايل (العقل لاشيء ابدا).

منطلق مقولة رايل هذه هو نتيجة ازدهار فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى أنها  أصبحت الفلسفة الاولى في النصف الثاني من القرن العشرين وتراجعت أمامها معظم مباحث الفلسفة التي دامت قرونا طويلة تكرر الدوران غير المجدي وراء مبحث الابستمولوجيا في اعتباره الفلسفة الاولى. وأصبح رايل الانجليزي في مقدمة الفلاسفة الاميركان الذين أخذوا عنه تطور اللغة والتنقيب فيها عن فائض المعنى هو نظام سلوكي بالحياة مصدره الوحيد اللغة وسيلة العقل الادراكية. من هذا التوضيح السريع نستنتج :

- العقل جوهر لا فيزيائي يمّثل ملكة توليده الافكار واللغة.

-  العقل سلوك معرفي وليس معرفة ابستمولوجية.

- العقل جوهر لا يرتبط بالنفس وليسا خالدين بعد فناء الجسم.

خاتمة

نرى إنتاجية العقل للمعنى في مركزية فلسفة اللغة، تجعل من جوهرالعقل مشروع حضور زائل حتميا غير خالد ولا مفارق لفناء موت الجسم. والعقل جوهر لغوي لا يتسّم بالثبات ولا بالخلود. وفي تعبير كواين "السلوك اللغوي هو فهم المثير كسبب، والاستجابة اللغوية نتيجة ذلك السبب." وأن نظرية المعنى في فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى، ولم تعد فلسفة الابستمولوجيا مبحثا اساسيا في مباحث الفلسفة المعاصرة الغربية.

يتبع لاحقا ج4

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

عدنان عويدكثيرة هي الرؤى التي تناولت الفلسفة الوجوديّة، كالفيلسوف الألماني هورسل، وتلميذه مارتن هايدجر، كما تناولها سارتر الذي تأثر كثيراً بهايدجر، وهناك نيتشه، وكيركغور الذي تناولها من وجهة نظر أقرب إلى الصوفيّه منها إلى وجهة النظر الماديّة لهايدجر وسارتر ونتشه.

عموماً، تنطلق الفلسفة الوجوديّة برأيي في شقيها الماديّ والمثالي من قاعدتين أساسيتين هما:

التفرّد المطلق للذات أولاً، والحريّة المطلقة لهذه الذات في تفكيرها وسلوكياتها العملية ثانياً. وذلك من خلال رؤيّة فكريّة يغلب عليها الموقف المثالي الذاتي، كما سيتبين لنا من خلال عرضنا لجوهرها أو بنيتها، وهو موقف يقول: بـأن (الوجود يسبق الجوهر). على اعتبار الوجود يمثل عند الوجوديين هنا جوهر الأفراد ككائنات حيّة مستقلة ومسؤولة وواعية، وهي منعزلة ومتشكّلة بذاتها في وجودها النفسي والفكري والقيمي والسلوكي عن (الجوهر)، أو المحيط الاجتماعي الذي يمثل في الفلسفة الوجوديّة، (الوجود الاجتماعي) الذي يولد وينشط فيه الفرد، وبالتالي فإن ما يحمله هذا الجوهر – أي الوجود الاجتماعي - من علاقات وسلوكيات تشكل أمام حياة الفرد - أي وجوده - قوّة ماديّة ومعنويّة تفرض عليه بالضرورة السير وفق أنظمة وقوانين وعادات وتقاليد يعيشها (الجوهر)، أي مجتمعه، مثلما تفرض عليه تمثل رموزاً ومعايير أخلاقيّة انتجها هذا الجوهر. وهذه العلاقات والسلوكيات في الجوهر، منفصلة تماماً عن شخصيته النقيّة في داخلها وغير الملوثة أصلاً، وما تمتلكه هذه الشخصية من حريّة يجب أن يتمتع بها الفرد وباستقلاليّة مطلقة.

إذن، إن الحياة الفعليّة للأفراد وفق هذه المعطيات التي جئنا عليها أعلاه، تقوم على معطيين إثنين أساسين هما:

أولاً: وجود نقي طاهر داخل الفرد.

ثانياً: وجوهر ملوث هو المحيط الاجتماعي الذي يعيش وينشط فيه الفرد.

وعلى هذا الأساس، فإن الجوهر، أي المحيط الاجتماعي هو من بفرض على الفرد اختياراته في هذه الحياة الملوثة وليس ما يطلقون عليه "وجودهم الحقيقي" أي نقاء أو طهارة تفكيرهم وسلوكياتهم. بل الذي يفرض هو المحيط الاجتماعي (الاعتباطي) الملوث بسبب العلاقات التي يستخدمها الناس فيما بينهم وفقاً لمصالحهم المادية والمعنوية، حيث يتعرفون من خلال هذه العلاقات على بعضهم ويقيمون بعضهم بعضاً سلباً او إجاباً وفقاً للمعايير التي وضعوها هم.

إن المنطلق في الوجوديّة، هو رفضها الحياة التي تعيش أو تبحث عن معنى محدد لوجود البشر، أو وفقاً لنظريّة أو عقيدة محددة. تريد الحياة التي يجب أن يشكل الطهر الإنساني غير الملوث الكامن في وجود الإنسان قبل أن يحتك بوجوده الاجتماعي، أي الجوهر، في سياقاته الاجتماعيّة والفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

إن العالم أو البشر ليسوا عبثيين وليسوا أنانيين وليسوا خائفين أو مرعوبين في ذاتهم (وجودهم) الفطري، وإنما ينشأ مفهوم العبثية والخوف والأنانية وكل القيم السلبية فقط عن اجتماع الاثنين أي الوجود والجوهر، إذ تصبح الحياة سلبية في قيمها الماديّة والروحيّة بسبب عدم التوافق بين البشر الأنقياء الطاهرين بفطرتهم من أي سلبية، وبين العالم الذي يسكنون فيه. وبالتالي فاللوم هنا لا يقع على طيبتهم أو نوعهم البيولوجي أو طبيعتهم البشرية، وإنما على المحيط الاجتماعي، أي الجوهر الذي يولدون فيه، وينشطون فيه.

من جهة ثانية: إن الفعل الأصيل في الحياة هو الفعل المتسق مع حريّة الفرد. كشرط لحريّة الوقائع.  أي بعيداً عن الجوهر السلبي الذي يمثله محيطه الاجتماعي. فالفرد "يشكل نفسه" هنا، ثم يعيش بعد ذلك في اتساق مع ذاته واختياراته. أي الاتساق مع الذات ضد العبثية واليأس والخوف، مما يجعل الفرد يتحمل المسؤولية لفعله بدلا من الاختيار الذي يفرضه عليه الخارج  بقيمه المتعددة، وضعيّة أو دينيّة، على اعتبار أن أن القوانين  أو الوصايا الدينية، التي تأتيه من خارج ذاته، هو غير مجبر على اتباعها على اعتبار أن هناك طرفاً خارجياً يفرضها عليه.

نقد الفلسفة الوجوديّة:

لقد حظيت الحريّة الفرديّة في الفلسفة الجوديّة باهتمام كبير، عند كل فرد وجودي وبأي اتجاه من اتجاهاتها الماديّة او المثاليّة، فالحريّة عندهم ليست هي الحريّة الملازمة للإنسان فحسب، بل هي جوهر وجوده أيضاً. فقيمة الإنسان في المحصلة هي حريته، بيد أن هذه الحريّة في جوهرها عصيّة على التفسير عند الوجوديين، وهي لا يُعبر عنها بالمفاهيم، لذلك ظلت الحريّة عندهم رغبة جامحة لتحقيق ما تحركه الغرائز أكثر مما يحركه العقل، فالحريّة يعارضونها بالضرورة، التي تقوم على قوانين موضوعيّة وذاتيّة تفرضها البيئة الاجتماعيّة بكل مكوناتها التي يشكلها ويحياها الإنسان ذاته وليس غيره كما يتصور الوجوديون، وغالباً ما تشترط هذه البيئة اختيارات الإنسان أي تحددها. لذلك فحريتهم التي تأتي من خارج المحيط الاجتماعي، هي حالة باطنيّة، ومزاج نفسي، ومعاناة ذاتية. وعلى هذا الأساس تكون حريّة بلا معنى أو قيمة، أو هي مبدأ شكلي فارغ ونداء عقيم لا فائدة منه. إن الحريّة في الفلسفة الوجوديّة لا يهمها تحرير البشر من قسوة الطبيعة، ولا من ظلم الاستغلال الطبقي وصراعاته الدامية. إنها في مشروعها العام ليست أكثر من نصائح تقدم للفرد كفرد كي يبحث عن حريته في أعماق وجوده الذاتي المنعزل والمتعالي عن تناقضات الواقع وصراعاته وقضاياه الجوهريّة في أبعادها الإنسانيّة العامة، وليس  من خلال وعيهم (الذاتي)، وحريتهم (المطلقة).

هكذا تظهر لنا الوجودية في بعدها الفلسفي

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

 

سامي عبد العالهل يمكن للجسد البشري أنْ يتجاوز الحيوان الذي يسكُنه؟ وبالتوازي: هل كل سلطة تستحضر حيواناً ما داخل الإنسان حتى يسهل ترويضه؟ وعلية يجب التساؤل تالياً: ما هي أبرز تحولات الجسد في تاريخه المراوغ مع السلطة؟!

علينا الالتفات مبدئياً أننا جزء لا يتجزأ من فكرة الحيوان بشكل عام، وأنّها إحدى مراتب الوجود الحي مع الآخرين والكائنات الحية. فنحن نحيا كضرب من الوجوه الحيوية المشتركة في الطبيعة. ولكن الإنسان يتجاوز مرحلةً كهذه من خلال تطورات الثقافة والحضارة والإبداع والفكر، كما أنَّ نمط العيش الخاص به يختلف عن سواه من كائنات. بيد أنَّ الاسئلة السابقة تثير إشكالية التجاوز لهذه الحيوانية من عدمها، أو على الأقل يتم تأويلها ثقافياً من جانبنا في تاريخ الوجود الإنساني.

سبب فكرة التجاوز أنَّ السلطة لا ترى في الجسد سوى الحيوان القابل للمراقبة والقمع والحجر والسجن والإقصاء وأنَّه كلما قطع شوطاً من الرمزية الثقافية تعيده إلى الخلف مرةً بعد مرةٍ. والقضية الأعمق أنَّ الغرائز تجعل من الجسد قدرة ذاتية على الوجود والتجلي، ومع كل الرغبات تنشأ السلطة المقابلة التي تحد من فعلها المتجاوز، أي مع فاعلية الرغبات سرعان ما تضع سلطةٌ ما تقنيناً لهذه الغرائز طالما كانت تثير نوعاً من الصراع على نطاقٍ عام. أي أنَّه عبر مراحل التاريخ الأولى في "تراث الجسد" حتى النهاية خضع الجسد لسلطة ما، استغرقت دلالاته بالنسبة إليها وبالنسبة لحياته. فهي تهتمُ بالجسد نظراً لاعتباره امتداداً لها، فإذا كان علَّيه أنْ يصبح موجوداً فهي تنتظر منه مزيداً من الوجود المعبر عنها حين لا تكون (في غيابها الظاهري).

في المقابل استوعبت تحولات الجسد هذه السلطة المتربصة وأثارت حفيظتها بالوقت نفسه. وأنَّ كل تحولات ( تحورات) بيولوجية أو ثقافية في الجسد هدفها الإفلات من التسلط أو على الأقل مراوغته. فلا تخشى السلطة شيئاً قدر ما تخشى من تحرر الأجساد، لأنَّها تهدد كيانها الحي الذي تحافظ عليه يقظاً بين البشر. مما جعل الصراع على مساحة التحرر مشتعلاً مع تغيرات السياسة وأنظمتها المختلفة.

المفارقة أنَّ الدور المزدوج للجسد (البيولوجيا-الثقافة) كان رهاناً على امتصاص عنف السلطة وفلترته لصالح أشكال جديدة من الأجساد الحرة إلى حد ما. فليست دوائر الليبرالية السياسية سوى جزء من هذا الرهان الحر باعتبار أن الاعتراف المفتوح بكيان الجسد دون أدلجته أو قولبته، وحتى ما بعد الليبرالية بمجمل حقوقها الإنسانية إنما هي سياسة انفتاح لمجال الجسد وآفاقه. فمع فرص التحول الذي يحققه يكون الجسد قادراً على التمتع بسلطةٍ ذاتية (الحريات الفردية) وباستطاعته أنْ يدبر شؤونه الخاصة. والحقيقة أنَّ دلالةَ الجسد تنشأ من كونِّه قوة قابلة للتأثير والتأثُر دون قمع، أي أنَّه وسيط فعال فوق العادة لأشياء قد تأتي غالباً بحكم تفاعل البشر. فتكوين المجتمعات يفترض سلفاً هذا الوسيط الحر الذي يلتزم بآلياته ومظاهر حركته.

الأمر فيه جانبان: احدهما الوجود المرتبط بالرغبة الممتدة كبناء شعوريٍّ يجمنا والآخرين، كلَّ الآخرين. فلا يوجد إنسان دون رغباتٍ ولا إمكانيات حسية يكاد يدركها أيُّ من يعيش معه. وذلك يفترض التأثير المجاوز لحدود الجسد في مجاله المعروف. وهو ما يجعل الرغبة – كدالٍّ صائر دون توقف- موضوعاً للآخر ويجعل إمكانية قوته واردة باستمرار.    ومن ذلك نشأ ما اسميه الوجود معاًco-existence وهو المتحقق انسانياً ولغوياَ كما ترى جوليا كريستيفا. فما يميز تاريخ الانسان هو الإحساس بغيره، أنَّه الكائن الذي يأخذ آخريته otherness بعين الوجود ولا يستطيع العيش دونها. فاللغة مثلاً لا تأخذ امكانياتها الدلالية إلاَّ برغبة تجاه الآخر، التكلم هو ترجمة لرسالة ما كانت لتخرج دون وجوده، والكتابة هي الغياب الذي يغزل خيوط ما يستحيل حضوره، وهي تفترض ترك حروف وكلمات وصيغ لمن يأتي في وقتٍ ما.

أمَّا الوجه التالي، فهو البُعد الرمزي الذي يحل محل البعد المادي الأول عبر فضائه غير المدرك. أي هو الشيء الحاضر حين يغيب الآخر مادياً عن قصد أو دونه. فالرمز شيء يحضر مكان شيء غائب دالاً عليه. وكلمة الشيء لا مهرب من استعمالها، فلا يسعفنا معجم اللغة تعبيراً عن رموز بصيغ لا تشير إلى معطياتٍ بعينها. فالموت -على سبيل التوضيح- يُعرف بأنَّه فقدان لروح الحياة في الكائن، لكن ما هي ماهيته؟ ما طبيعته؟ هو وضع رمزي يفعل دلالياً داخل الجسد وخارجه، وهنا يعرِّفنا اللاوعي والخيال أبعاداً أخرى في شكل اللاجسد. ولا يعني ذلك تصفيةً لقضايا الجسد بمعطاه الحي لكن ما يحصل يمثل وجوداً من نوع خاص.

بالتدريج التاريخي يمكننا- لإتمام الفكرة السابقة- رصد تحولات الجسد (من خارجه إلى داخله) واضعاً السلطة في احراج تكويني للتحرر منها. لقد استطاع " الجسد" أن يتحول (يتغير- يشف، يُهجّن، يُصنع) مستثمراً الفجوات الثورية لبنية المعرفة والسياسة والتكنولوجيا والمجتمعات الإنسانية. كان عليه بلوغ أقسى درجات التكيف وانتزاع مصيره الأنطولوجي تعبيراً عن طبيعته كما حدث في الواقع الافتراضي. المدهش أن مسار تطورات الجسد يدفع بالأمور لصالحه حتى اللحظة الأخيرة. أي بنفس منطق السلطة يقارعها الجسد طبيعة بطبيعة محاولاً تصفية كتلته الحرجة ( العضوية والبيولوجية) والتي تثير غرائز التوحش لدى السلطة حين ترى جسداً متمرداً.

إذن ثمة مراحل مرَّ بها الجسد أنطولوجياً حتى وصل إلى صورته الافتراضية الراهنة التي تظهر في تكنولوجيا الصورة والمحاكاة والكائنات الرقمية.

أولاً: الجسد مخلُّوقاً (سلطة اللاهوت):

وهي مرحلة السلطة اللاهوتية المُضافة إلى الجسد من الخارج، باعتباره احدى بصمات الإله في الإنسان. إنه " الجسد– القيمة " من وجهة نظر المؤمنين في الأديان. حيث مثلَّ أثراً لاكتشاف أثار الخالق بصدد التكوين والوظائف والحكمة التي يجسدها. فالإله- من تلك الزاوية- وهب الإنسان جسداً معجزاً في حياةٍ يتحملها كنعمة ميتافيزيقية.

وجميع أصحاب الديانات يبدون امتناناً للسماء، لأنَّها أوجدت الجسد الذي يحس ويشعر ويتمتع بالملذات منتظراً منها المزيد، لكن الأهم أنَّ أية سلطة له في هذه المرحلة لن تكون نابعةً منه تخصيصاً، فدوما تستحضر سواها من مصدرها المتعالي. هذا بخلاف الغرائز التي ستجد تصنيفها داخل أهواء الجسد. أي أنَّ خطابات الأديان وعظياً تطلق تحذيراً من انحرافات الجسد بوصفه دابةً للشر. وهو الدابة التي تجذب صاحبها نحو الأرض وحمأة الخطايا. فالإنسان العاصي ستلاحقه اللعنات، لأنَّه عصي خالق (الجسد) واتبع شهواته الدنيا. وهذا الاعتقاد يضمر كون الجسد محلَّاً لشيطان خفيٍّ سلارعان ما يملى على صاحبه معاقرة الزائل والشهوات.

هناك جانب محقر في المسألة أساسه تدني غرائز الجسد حين تشد الإنسان إلى وهاد الحياة بينما الروح تجذبه إلى أعلى. ونظراً لعجز الإنسان عن التخلص من غرائزه، فالكهانة الدينية تقنعه بأنَّ خلاصة يتم بقمع جسده ووضعه تحت الوصاية. إذن بطبيعة الجسد لا يستطيع الإنسان التحرر من رجال الدين انتظاماً لقطيع طويل باسم العبودية للإله. أي اعتبار القيد نابعاً من الجسد بتسييس حركته لصالح من يتحكمون فيه.

ثانياً: الجسد مؤسطَّراً (سلطة الأسطورة):

والسلطة ها هنا تكمن في إضفاء الطابع الأسطوري على الجسد، فقد تمَّ تصويره في منحوتات ورسوم الفراعنة واليونان على أنَّه خليط من الحيوان الخرافي والجانب الإنساني. والسلطة بطريقة النقطة الأولى خارج قوى الجسد الإنساني، وكأنَّ هناك اسراراً تسكنه ليفعل أشياء خارقة للمألوف.

بإشارةٍ سبقت كانت آلهة الفراعنة دالةً على قوى تنوء بها الطاقة البشرية المعتادة. والسلطة تحرم الجسد الآخر في مجال الأساطير من الوجود حراً. لأن ادراج كيانه الضعيف كإنسانٍ عادي يجعل الجسد الأسطوري خارج التوقع ويجلب أسراراً ترتبط بالآلهة لا البشر.

ثالثاً: الجسد شفافاً (سلطة الروحانيات):

هو ناتج عن التعلق بالروحانيات، إذ تحاول اتجاهات روحانية بث انفاس إنسانية على إيقاع لاهوتي قديم في صورة الجسد. والأمر مبني على اعتبار الجسد أقل أهمية من الروح. وفي ذلك لا تخفى ثنائيات: جسد/ روح، عقل / حس، جوهر / مظهر.

والجسد هاهنا هو البديل الخلفي لما كانت تمارسه السلطة المادية. فالروح هو السلم للمعراج بالجسد نحو الأعلى. ويؤكد هذا التفكير أنَّ الجسد سيتحول من كتلةٍ غرائزيةٍ إلى مستوى شفاف. أي محاولة للتطهر من الإحساس الداخلي بالخطيئة، ذلك على افتراض كون الجسد جراباً لآثام قديمة.

والأخطر أنْ يصل الجسد رغم ماديته إلى سلطة باسم الروح، وهذا ما يعيد قداسته المفقودة. الأمر واسع الانتشار في الجماعات الصوفية وتعاليم الأديان التي تعنى بالروحانيات حيت تختزل القداسة في أشخاص بعينهم. ويصبح الجسد منعزلاً، هائماً، غائباً لصالح الروح. وهذا له جانب سياسي متعلق باصطياد الاجساد الهائمة ضمن حشود الأيديولوجيا، فالسياسة تفرغ الأجساد من طاقات التمرد. وإذا كانت الروح تفعل ذلك، فليس أمام الأنظمة السياسية سوى مد خط الروحانيات إلى المجهول، حتى تترك الأجساد كقواقع مقذوفة على شواطئ الحياة.

رابعاً: الجسد مؤدلجاً (سلطة الأيديولوجيا):

تأتي الفكرة من إلباس الجسد لباس الأيديولوجيا، وكافة الأيديولوجيات تخضع الجسد لمعايير حاكمة، تقده قداً على مقاييس معينة إنْ لم تكن لتخلقه من جديد. الأيديولوجيات الدينية مثلاَ تستعمل لاهوت التحريم للسيطرة على الجسد، فتقرر إسناده إلى الإله وكيفية التعامل معه وآداب اللياقة الجسدية وأزمنته وأهم التغيرات الطارئة عليه. كل هذا في إطار تنظيم اجتماعي ثقافي يستقبل إمكانياته وفق مرجعية الدين.

كذلك الأيديولوجيات السياسية تتعامل مع الأجساد كمعادل موضوعي لتحقق منافعها. فهي تريد الاصطفاف باسمها وتنحت علامات الجسد وفقاً لتراتب يخدم مصالح الفاعلين. فالأيديولوجيا الماركسية تفترض الاصطفاف في مجتمع الطبقات بما يشعل الصراع السياسي ويحسمه لصالح الفقراء.

وبالمثل الاتجاهات الليبرالية تفترض أنَّ الأجساد تتحول إلى ثقافة للتحرر من مركزية السلطة لصالح سلطتها الخاصة، بحيث يتقلص دور الدولة والمجتمع وتزيد رقعة الحرية الفردية. ولأول مرة بعد عصر النهضة وجدت الاجساد صدى لتحولاتها في مسارات نوعية بجب أن تقطعها. ورغم وقوع الايديولوجيات في حفرة اللاهوت من جهة مركزية النظرية السياسية إلاَّ أنها تركت أثراً لم يكن مقصوداً. مؤداه أن الجسد بإمكانه حمل مصيره كطاقة قابلة للانفجار السياسي خلال أية لحظة. ولذلك فإن عصور الأيديولوجيات تنتهي غالباً بانفجار حيوي للأجساد على جثث النظريات المغلقة.

خامساً: الجسد طقساً (سلطة التدين):

حيث انتشرت طقوس الجسد لدى جماعات الاسلام السياسي كانتشار النار في الهشيم. فهم يعتبرون الجسد طقساً جمعياً علينا تغطيته بالرموز. وهو ما يوثق عُرى السلطة الدينية مستدعياً اشباحها في كل مكان. هي سلطة المقدس بمعناه التنظيمي المؤدلج، فالرجال يرتدون جلباباً وبنطالاً قصيرين، وتنقش الذقون بلحى طويله وتحمل الأيدي سواكاً لا يمل صاحبها تخليلاً لأسنانه. ويمشون بتؤدة بين خطى سريعة وأخرى بطيئة تعكس خجلاً خادعاً كإيحاء بالخشية من الله. ولا ينسى رجال الجماعات الاسلامية محاولة التظاهر بالجدية المطلوبة لحسم الأمور.

كان نمط الجسد تسييساً ذكورياً يعكس خطاب الإسلاميين الذي يصطَّاد متابعيه في شباكه من أول طرحِه، مع الزعم أنه مجرد جسد عابد، قانت لله في تفاصيله ومسعاه. بالطبع سيأتي المظهر مع علامة الصلاة (الزبيبة بالجبهة) والوجه الجاد مع الخطوات المهرولة والواثقة كأنَّ ثمة مهمةً له لا تنتهي. أما جسد النساء فهو محط عناية الاسلام السياسي بالمقام الأول. فالتغطية بالنقاب والملابس السميكة والمشي المتواري هي نظرية سياسية في طبيعة المرأة وأفكارها ووجودها الاجتماعي. كما أن جسدي المرأة والرجل مربوطان بمرجعية جهادية تترجم إلى أفعال عنيفة، ولذلك فالجسد كطقس بالمعنى السابق كان عبوة ناسفة تحصد الأرواح لدى الدواعش والقاعدة والسلفية الجهادية وبوكوحرام.

سادساً: الجسد أداة مدمرة (سلطة الموت):

هو ما يظهر في الحروب التي ينخرط فيها البشر بلا طائل، وقد مرت البشرية بحربين عالميتين ضروس في النصف الأول من القرن العشرين، الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. حيث كان الإنسان الأوروبي (إنسان الحداثة والعقلانية والتنوير) آلة تدمير بامتياز.

ظهر الإنسان خلال هذين الحربين راكضاً وراء أشباحه ككائن أحمق وطائش. يركض ليحرق ويدمر تاركاً الأرامل والثكلى والأيتام في شوارع أوروبا. يبدو أنَّ الإنسان إذا أشعل غرائز القطيع والتوحش لن يوقفه سوى الفناء. لا يختلف في هذا مجتمع عن سواه. مما حدا جان بول سارتر إلى طرح سؤال الوجود كنبع أصيلٍّ لحرية الإنسان. الوجود يسبق الماهية أيا كانت، أي ليَعُد الإنسان إلى وجوده كما هو أولاً، ثم ليبحث عما سيكُّونه من مشروعٍ. الإنسان مقذوف وجودي عليه أن يتحمل تبعاته. ومهما تكن المشروعات التي ستحقق جوهر الفرد، فلن تجدي بدون حريةٍ هي لب ماهيته. الوجود كامن في كيانه الجسدي بقدر أصالة الحياة وغرائزها.

سابعاً: الجسد موجُوداً (سلطة الكائن الإنساني):

وهو فكرة جسد الناتج عن الحداثة الغربية. فالجسد الحداثي ليس مسكوناً بالأساطير ولا بالأسرار ولا تحركه قوى مفارقة، لكنه مجرد جسم بيولوجي له سياقه وغرائزه الحسية، يخضع للتغيرات المناخية والطبيعية ويمرض ويشفى بعد الدراسة والفحص الطبي. وهو ما يفترض قدرة َالجسد على المشاركة في الحياة العامة طالما يمكن التحكم فيه. والعنوان البارز أن الجسد يستطيع التعبير عن نفسه، وبإمكاننا تأهيله لتحمل القيم والمسؤولية والحرية داخل مواطني الدول والمجتمعات.

بوضوح قال كوجيتو ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) وهو اعلان صريح بقوة الفكر داخل جسد يغدو موجوداً في ذاته. والكوجيتو هنا اعلان سياسي كذلك وليس فلسفياً فقط. وطالما نستطيع التفكير بحرية، فإننا نستطع الوجود بالدرجة نفسها. هو اعلان لنزع السلطة المقدسة التي أوجدت ذوات الناس سلفاً (الجسد مخلوقاً ومؤسطراً). والفكر يعني ممارسة دلالات الجسد كاشفاً قدراته الطبيعية والرمزية. ورغم ما قيل فلسفياً عن الكوجيتو الديكارتي ( ثنائية الفكر والوجود) إذ يباعد الفكر عن الجسد، لكن تأويلُّه يعني لحظات الفكر الأولى (أنا أفكر) والوجود الثانية ( إنا موجود) قد لا ينفصلان. الفكر هو عين الوجود والوجود هو عين الفكر، الأنا واحد.

وتلك خطوة كبيرة في قطع هيمنة السلطة على الأجساد من الخارج، فالسلطة - ديكارتياً- كامنة في ذات الإنسان طالما هو إنسان وطالما يمتلك فكراً حراً. الخطوة التالية أن الفرد قد يكون خالقاً لحياته، عكس مما يروَّجه كُّهان اللاهوت ( الجسد المحقر).

ثامناً: الجسد طاقة (آلة عمل):

الجسد هو الرصيد العيني لفكرة العمل، فما لم يكن ثمة جسد هو طاقات مختزلة ما كان بإمكاننا تصريفها عملياً. معنى ذلك أن العمل هو الجانب المختزل داخل الجسد بإدارة الذات نحو المنفعة. لكنه يفترض مورداً اجادت الرأسمالية استغلاله لتحقيق الأرباح وفتح الأسواق العابرة للمجتمعات.

كانت المقايضة لا تخطئها العين بين القوى العضلية للجسد والقوى الشرائية التي قد يجنيها، ليجيء جعل الجسد ماكينة بشرية تستنزف قدراته تباعاً. وقد نوَّه ماركس أنَّ العمال يبيعون قواهم الجسدية من أجل احتياجاتهم، وأنَّهم يقعون تحت نير طبقة الرأسمال التي لا ترحم. حيث يراهن الاقتصاد على فائض القوة الجسدية لجني المكاسب التي تهدر عرق الآخرين.

الرأسمالي لدية كل الحيل الممكنة في امتلاك الأجساد بواسطة أمرين.

1- التحكم في الأسواق وسيولة الأسعار وبالتالي سيثير سيولة الطاقة الجسدية الباحثة عن احتياجاتها الأولية.

2- اعتبار الاجساد معاول لزيادة ثرواته عن طريق استنفار غرائزها ببدائل لا تتوافر لجميع الناس نظراً لتدني الأجور. سواء من خلال نوعية السلع المادية أو بالاشتغال على إثارة الرغبات وإدارتها لصالح الأغنياء وأصحاب السلطة.

تاسعاً: الجسد عارياً (الافقار والعُري):

ظاهرتا الفقر والعُري (في مجتمعات معاصرة) مرتبطان بالتقائهما عند مستوى الشهوات. صحيح لا يوجد قانون للأجساد التي يحملها الفقراء وكذلك لأجساد الطبقة الثرية المرفهة، إلاَّ أنَّ الجسد الفقير العاري من إنسانيته ومن حماية المجتمع هو منشور سياسي لفضح الأنظمة الحاكمة المستبدة. هذه الأنظمة المتخمة بإشباع الغرائز لفئات عُليا ليس أكثر، في حين تتلاعب بالفقراء عن طريق الجسد كترمومتر لبسط النفوذ واستهلاك طاقات التحرر واهدار رصيد الحياة.

صناعة الفقر هي صناعة ثقيلة تشغل ماهية الجسد وتربطه بالمجهول حتى الرمق الأخير. وهي صناعة تقول: ليكُّن الجسد هو الآكل لنفسه إنْ لم يجد ما يقتات عليه. وإذا كان " كل تغير كمي يؤدي إلى تغير كيفي " بعبارة الماركسية، فتجويع الجسد يطفئ على الأقل جذوة النهوض والحركة. ومع طبع الفقر في طيات الجسد (الفقراء عادة كالأشباح)، فالفقر علامة واضحة للعيان، الفقر يمشي على رجلين في أحرش المدن والقرى والحواري والأزقة.

أغلب المجتمعات العربية تتَّوحل– بهذا المعنى- في العشوائيات السكانية على نواصي المدن وأحزمة القصور والمزارع. إنه عرض الجسد عارياً لكشف لحم الفقراء أمام العيون، أما حالة العُري المبتذل في الدعارة والنوادي والفنون والدراما والسينما فتكتب رداً على الإفقار المادي بإفقار قيمي (أخلاقي).

ليس ثمة مبرر أخلاقي يلزم الفقير ببيع جسده وعقله وإرادته وحريته لمن يدفع دون أن يشعر بحرية كيانه. حيث يكون الجسد سلعة الأنظمة السياسية وسلعة علب الليل على السواء. إنَّ العُري القائم على الفقر هو أقسى أنماط العُري اذلالاً للإنسان، لأنَّه غدا بضاعة مكشوفة أمام الذباب الاجتماعي والسياسي. وكلمة الذباب نتيجة فضيحة انكشاف الجسد لمن يشتري سواء أكان ديكتاتوراً سياسياً يتاجر بالعقول وإرادة الشعوب أم راغب متعة يتسَّقط ضحاياه الذين هم ضحايا آلة اقتصادية تدهس الفئات الفقيرة.

عاشراً: الجسد كائناً آلياً (الروبوت):

ظهر هذا الجسد نتيجة تخليط التقنيات المتطورة الكترونياً مع الجسد كنسيج بشري. الإنسان الآلي أو مزيج من الجسد الحي وشرائح الكترونية تؤدي وظائف مثل التذكر وتغذية الجسم أو زراعة أعضاء مصنَّعة في اللحم الحي. هذا الجسد يشكك في قدرات السلطة التقليدية على بسط نفوذها. فالسلطة لا تمارس وظائفها بخفاءٍ طوال الوقت، وبلتالي ماذا لو كانت التقنية متغلغلةً فيما هو حي داخلنا؟!

الجسد الآلي ليس خطراً على الجسد البيولوجي، لكنه يشكل خطراً على السلطة، لأنه يأتي من النقطة الأكثر عماءً بالنسبة إليها. فكيف سيشعر بالخوف من لا يشعر بالحياة مثلاً؟ كيف يميز الجسد الآلي بين هذا وذاك دونما برمجة سالفة التجهيز؟ هذا الوضع يحتاج نمطاً معقداً من السلطة، لأن الجسد الآلي يحمل سلطته الخاصة. ويلعب اللعبة ذاتها التي تفرزها السلطة وهي لعبة الوسيط، فلئن كانت السلطة أداة هيمنة ناعمة، فالجسم الآلي وسيط في الفضاء المعمول به. ليضع أية سلطة تقليدية موضع الاستفهام.

حادي عشر: الجسد متخيَّلاً (سلطة الخيال):

هو الجانب المتخيل الذي لا يجري الجسد بدونه. فليس الجسد مادةً حية ثابتة في كل الأحوال، لكنه نزوع نحو التَّوهم بجسد آخر أكثر قبولاً وكمالاً وإدهاشاً. فقد يكون هناك جسد مشوه، ولكنه سيمثل لدى صاحبه دائرة شبه مكتملة في صورة جميلة. كما أنَّ الرغبات تمد الجسد بشحنات من جنسها المفترض على مستوى الخيال. ويغدو موضع القصور موضعاً لإثارة المزيد منها عند حالات العِوُز.

ثاني عشر: الجسد افتراضياً (سلطة الديجيتال):

وهو الجسد الأكثر ذكاء بين جميع أنماط الجسد وتحولاته السابقة. إنّه منظومة رقمية تتوافر لديها إمكانيات تتفلت من السلطة في فضاء المعلوماتية والانفتاح بين البشري والتقني وتجدد الإمكانيات (التحديث). كما أنَّه يشارك إيجابياً في الحياة عبر خلق شبكة علاقات عنقودية بين العقول بمقدار توافر الممارسة فائقة الجودة.

هنا ليس يكفي للسلطة أنْ تراقب وتتابع وترسم الحدود بيولوجياً، فهذه الأشياء تحديداً هي ما يعمل الجسد الافتراضي على هدمها. لأنَّه نسيج خارج – داخل أشكال الزمان والمكان بمعناهما المألوف، أي هو جسد يدمر الثنائيات والمفاهيم الكلية. فالأبعاد المنتمية إلى المكان والزمان لا تنتمي موضوعياً إليهما وإنْ أشارا إلى ذلك. فالزمان والمكان مقولتان ميتافيزيقيتان في تاريخ الفلسفة، أمَّا في الواقع الافتراضي، فيصبح المكان زماناً والزمان مكاناً بموجب أنَّ التشكيل السائل هو الفضاء الأبرز. والجسد الافتراضي بمثابة الإمكانية غير المتصورة لجسد يفعل ما يشاء بحكم قدراته من واقع العالم الذي يسكنه.

الجسد الافتراضي لا يموت ولا يفنى لكونِّه ذاكرة إلكترونية لها نسيجها الخاص حيث يمكن تجديدها. ذاكرة تختزن في تفاصيله مستقبلاً مفتوحاً لم يأت بعد، حتى أنَّه كلما مر بانحنائه زمانية يجدد وضعه غير المنظور، إنَّ الجسد يقاوم موتاً يحتاج مادة لإفنائه. بينما الواقع الافتراضي يكتسب الحيوات تلو الحيوات كاحتمالٍّ لا ينضب، فقوانينه كامنةٌ داخله لا خارجه.

 

سامي عبد العال

 

 

علي محمد اليوسف(1) هيدجر وتشتيت الوجود

يتسم العرض الوجودي لتحقق الذات لدى هيدجر بالغموض في نحته مصطلحات جديدة غامضة في الفلسفة، وترتّب على هذا الاجتهاد الهيدجري ارباكا من سوء الفهم البعيد عن الوضوح المطلوب. من شطحات هيدجر قوله "الانسان لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده" واضح هنا هيدجر لايعتبر تحقيق الذات بمعيارية تعالقها الاختلافي مع الموضوع الملازم لها لا يحققها كبنية قائمة متمّيزة.

بمعنى هيدجر يعتبر الانسان كائن من غير وجود منفصل متمايز عن توزّع وجوده في مدركاته الذاتية كمواضيع تختلف معه بالمجانسة المغايرة وتتحد به في تحقيق ذاتيته الانسانية، هنا يمكننا القول بضوء الفهم الهيدجري أن الانسان هو وجود معطى متحقق غير محتاج إثباته.

بنفس هذا المعنى وأشمل منه تأتي مقولة هيجل (الله هو الوجود) عبارة هيجل هذه لا تشي بتصور صوفي ميتافيزيقي، في تقطير وتكثيف عبارته الله هو الوجود. وأجد بهذا المعنى منتهى المادية وليس المثالية الابتذالية، في موضعة الطبيعة والانسان في وجود الله، ولا توجد موجودات الوجود بذاتها مستقلة بل في ذات تدركها.

يمكننا التعبير بجملة إستنباطية بنفس المعنى حين نقول (العقل هو الوجود) وبذلك لا نكون متناقضين لا مع الله ولا مع الطبيعة المادية للانسان. فما لا يدركه العقل ليس غير موجود في استقلالية، بل تصبح لاقيمة للعقل من غير وجود يشتغل عليه العقل. في إحالة تحقق الوجود الى الله دلالة استدلالية في تعميق الموجودات المادية والطبيعة إستقلاليتها الاقتران المباشر وغير المباشر بالله. لا يمكن للذات الالهية أن تكون موزّعة الجوهر أو موزعة الصفات في موجودات وأشياء يدركها العقل في مرجعية وجود الله.. وإلا ترتّب على هذا إمكانية العقل البشري معرفة الخالق في وجوده.

تعقيب نقدي تحليلي

- اول ملاحظة على فهم هيدجر للوجود أن تذويت الموجودات وإنصهارها في الانسان كوجود وكينونة تعي ذاتها والموضوع لا يحتاج بعدها الى موضوع يغاير به توكيد وجوده. كون الانسان وجود يمتلك مقومات موجوديته الكاملة التي تدخله حسب تفسيرنا لمقولة هيدجر في انفصامية مرضية هي بحث الانسان عن توكيد وجوده خارج وجوده الحقيقي المعطى له، التطابق القائم بين الذات والكينونة، يعني علاقة الذات بالموضوع لا يلغي إنعدام الفروق غير المتجانسة بينهما رغم حاجة أحدهما الآخر، فالذات بلا موضوع يحقق وجودها لامعنى إفصاحي لها، وكذا المواضيع كموجودات إدراكية لا قيمة تكتسبها في وجودها المستقل سوى بإدراك الذات الانسانية لها.

- عبارة هيدجر الانسان لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده. الوجود بمعنى الكينونة المتحققة ذاتيا تحتاج تحقيق وجودها الحقيقي بالمغايرة الوجودية (الموضوع). وحسب عبارة هيدجر تحقق الوجود الاصيل للانسان لا يكون إلا ضمن  وجود – في – عالم تؤكد هذه الحاجة ولا تنفي أهميتها. الانسان لا يحتاج توكيد وجوده الذاتي في وعيه الادراكي بموجوديته الذاتية بمعزل عن معرفة أين يكون وجوده المتحّقق من وجود الآخرين. الاستنكار الذي واجهه كوجيتو ديكارت أنا أفكر في تحقق الذات الانفرادية بسلبية منعزلة عن المجموع أو عن الكليّة الناسيّة إستنسخها هيدجر في تحقيق الوجود في إدراك الذات لذاتيتها.

- وعي الوجود الضائع الذي يضعه الانسان في جيبه ولا يدركه عقليا، هو وعي الانسان بكينونة متكاملة وإلا يكون الوعي بلا معنى ولا قصدية لاقيمة حقيقية له ترفضه الوجودية ذاتها التي ينتسب لها فيلسوفنا هيدجر. الوجود الملازم للانسان كظله لا يجعله في غنى البحث عن تحقيق ذاتيته القيمية كانسان في بحثه عن مدركات تعطي وجوده معناه الحقيقي ضمن عالم يعيشه.

- الانسان في كينونته الكليّة لا ينقسم الى وجود سايكولوجي منفرد، ولا الى وجود (قيمي) آخر انساني أو أخلاقي منفرد حتى لو جاء على صعيد تباين واختلاف السلوك بينهما. ورغم الإفصات السلوكية الانسانية المتباينة عن كلا المحتويين الوجوديين بالحياة. وفي حال تسليمنا أن الانسان ليس بحاجة توكيد وجوده لأنه هو هو وجوده، فبأي وسط يمكن للانسان إمتلاك وجوده الحقيقي غير التكويني الملازم له في محاولته إثبات وجوده المتمايز ضمن فعالية مجتمعية تحتويه هو وغيره.؟ توكيد الذات لنفسها في موجودية منفردة لا قيمة حقيقية لها بالحياة فألانسان موجود لا يحقق كل رغائبه الفردية بمعزل عن مجتمع يحتويه. فما فائدة عبارة هيدجر لايحتاج الانسان البحث عن وجوده لانه هو هو وجوده.؟ وجود الانسان المادي المستقل بالطبيعة هو معطى طبيعي وليس إكتسابا معرفيا يسعى الانسان تحقيقه.

- الوجود الانساني الحقيقي الفاعل بالحياة لا يتم بغير إمتلاكه الفعاليات البيولوجية التالية: التعبير عن الحرية بمسؤولية عن حرية الاخرين، إرادة الفعل والحركة، السعي نحو هدف قصدي يحتاجه الانسان تحقيقه له ولغيره. ويوجد أمور أخرى عديدة تمّثل خصائص الوجود الحقيقي للانسان. فالوجود الانساني لا يقاس إلا بمعيارية (الفعل) البراكسيس فقط. والوجود لا يعبّر عن أصالته الحقيقية إلا بالعمل وفق الوعي القصدي بالحياة. لا وفق الوعي النرجسي في توكيد الذات.

- الوجود الديناميكي للإنسان هو وعي قصدي مدرك أهمية الإمتلاك عندما يكون الانسان مشروع تنمية مستدامة من التطور الفاعل لوجوده. وبحسب سارتر تحقق الوجود المتمّيز الفاعل لا يكون إلا في حالة من التنمية المتصاعدة في تخليق الانسان نفسه بنفسه في إمتلاكه وعيه بالحرية الكاملة، فهي أساس كل إختيار حقيقي في الوجود، كما هي أيضا معيارية أصالة الوجود بالحياة. وممارسة الحرية بمسؤولية لا يكون حقيقيا صادقا بغير وعي الذات لأهميتها في تحقق الإرتباط المثمر بالوجود الانساني في صنع الحياة، لذا الحرية وعي وجودي مدرك بإمتلاء ذاتي ومسؤولية انسانية. وهذا لا يتوفر لكينونة لا تمتلك ذاتيتها الوجودية وتعي إرتباطها بعالم.

- تناقض الوجودية نفسها على لسان هيدجر قوله "الانسان ذاتية خالصة، وليس مظهرا أو تجسيدا لتيار حيوي أشمل منه هو التيار الكوني ". لا أعتقد ونحن نتحدث عن وجود أرضي أن تكون معياريته الحقيقية في ذاتيته الخالصة في تيار أشمل منه هو التيار الكوني. ولا أعتقد هيدجر صاحب مؤلف (الكينونة والزمان) لا يعرف الزمن هو إدراك الانسان وجوده الديناميكي المتواتر، وهذا الإدراك الزمني كتحقيب أرضي هو معيار موجودية الانسان في تحقيق تنميته الانسانية كذات متمايزة غير منفصلة عن محيطها في حالتي المجانسة بالعيش نوعيا داخل مجتمع بشري، وبين عدم تجانسها الماهوي ولا الصفاتي مع موضوعات يدركها في الطبيعة.

- الانسان كينونة مدركة في تعّين زماني- مكاني غير مفارق لها.، وإدراك كينونة الانسان أو بعض جوانبها الماهوية وخصائصها الصفاتية من خلال إفتراض تعطيل الزمن الإدراكي الذي يحكم قوانين الطبيعة شاملة، هو نفس الزمن الإدراكي الذي يحدسه الوجود الكوني من غير وجود انساني فيه.

(2) هارتمان والتفكير المادي

في تفرّد متمايز وفلسفة واضحة بلا تعقيد يطرح نيقولاي هارتمان رؤاه الفلسفية "جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم، بل فقط بشيء ما ". ويضع هارتمان بعض ركائز فلسفته المادية في إعلائه قيمة العقل قوله " أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا، فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حلا لما هو غير ممكن المعرفة، ومع ذلك فإن كل موجود يمكن إدراكه ومعرفته."

بهذه العبارات يجّنبنا هارتمان الخطأ المستمر في تداوله إعتبارنا الميتافيزيقا لا تستطيع معالجة الوجود والاشياء كموجودات مادية، وهذه الخاصّية تتقاسمها الميتافيزيقا مع جميع الفلسفات المادية غير المثالية. كما أن القول الانسان كائن ميتافيزيقي لم تمت رغم إدعاء نيتشة موت الاله وإدعاءات فلاسفة المادية العقلية العلمية إنتحار الاديان.

يقول هارتمان بوضوح إسلوبه الفلسفي الرشيق " العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الإتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيّات ". هنا يتوجب علينا التنبيه الى أن العقل لا يدرك الماهيّات في كل مدركاته كونها مضيعة وقت بحسب فلسفة كانط. أعتقد ما أراد هارتمان التعبير عنه أن العقل يدرك الموجودات المادية والموضوعات الخيالية بما يغنيه عن البحث في محاولة إدراكه الماهيّات أو الجواهر وهو تعبير صحيح.

منذ القرن الثامن عشر عصر كانط تم التبشير بمسلمّة لا تقبل المناقشة أن العقل الذي يدرك إمتلاكه المعارف، يتوازى في مساره التسليم في عدم قدرة العقل إدراك ماهيّات الاشياء في وجودها الدفين وراء حجاب الصفات الخارجية. وبقيت هذه المقولة الفلسفية ساريّة المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة وفلاسفة الفينامينالوجيا عند هوسرل تحديدا، والأهم أن الماركسية تقّر أن العقل غير ملزم بإدراك الماهيات قدر إلتزام إدراكه الصفات الخارجية للاشياء.

يقرّ هارتمان بحقيقة " الميتافيزيقا ليست علما، بل هي مجموعة اسئلة لا يمكن الإجابة عليها". لا حاجة هنا تأكيد أن عبارة هارتمان متكررة ومعادة حد التخمة، لكن ما هو جدير بالملاحظة أنه ليست الميتافيزيقا في حقيقتها الجوهرية وحدها حمولتها تساؤلات متسلسلة لا تقف عند حدود معينة بلا أجوبة نهائية. بل الفلسفة عموما تقوم على سلسلة لانهائية من التساؤلات المتروكة بلا أجوبة أسئلة متوارثة الى اليوم.

إنه لمن الجدير التعقيب عليه أن العقل من حيث المبدأ هو فعالية لا تتوقف في التساؤل عن كل وجود مادي أو ظاهرة طبيعية أو موضوع خيالي، لكن العبرة هي في محدودية قدرة العقل إعطاء أجوبة عن كل شيء. وخير دليل على هذا العجز العقلي الإدراكي نجده أن كلتا الفلسفتين المادية والمثالية تعتبران مرجعية العقل هي الفيصل في إدراك العقل وعدم إدراكه.

(3) سبينوزا وإعجاز الطبيعة

يقول سبينوزا " أن ارادة الله وقوانين الطبيعة شيء واحد، وهما إسمان يعبّران عن حقيقة واحدة، ويتبع ذلك أن كل الاحداث التي تقع في العالم هي نتيجة آلية لقوانين الطبيعة الثابتة، وليست نزوة من نزوات حاكم مطلق يجلس بين النجوم."

تعقيب وتحليل

- لا نعتقد جازمين أن ما يحدث من ظواهر وأحداث خارج قوانين الطبيعة الثابتة، تقف خلفها إرادة الهية في تبعيتها نفس آلية قوانين الطبيعة التي تعمل وفق مشيئة الخالق تنظيمه الطبيعة. الزلازل، البراكين، الاعاصير وغيرها من أحداث طبيعية لا تحكمها نفس آلية القوانين الثابتة، فهذه محكومة بوقت زمني زائل وتندثر بلا رجعة بخلاف قوانين الطبيعة فهي ثابتة أزلية ودائمية ولا تتغيّرزمكانيا.

- الصفات المستمّدة من الطبيعة وتفكير الانسان بها، يجعل الإدراك البشري يخلعها على صفات الخالق، وهي صفات قابلة للادراك العقلي المحدود بخلاف صفات الخالق التي نجهلها تماما ولا نستطيع لإدراكها. صفات الخالق التي يخلعها الانسان على الرب الخالق هي صفات بشرية يدرك مصدرها، هي صفات من الطبيعة، وصفات مأخوذة من تدوينات الكتب المقدسة الدينية، وثالثا وأخيرا هي صفات نموذجية متعالية لا يجدها البشر متحققة في حياتهم فيردونها على الخالق بما يتمنّون أن يكونوا عليه كما هو الخالق يمتلكها.

- صفات الطبيعة ليست هي صفات الله، كون صفات الطبيعة مدركة عقليا، وأفكار الناس في معتقداتهم الأخلاقية الدينية هي صفات بشرية تخلعها على خالق لا يحتاج صفات تؤكد الوهيته. هذا المنطلق الفلسفي الذي إعتمده سبينوزا بمذهب وحدة الوجود أخذه فيورباخ نصّا، أن صفات الطبيعة التي يخلعها الانسان على الله، هي ليست صفاته الإلهية الحقيقية، بينما واقع الحال يشير الى أن الطبيعة تستمد صفاتها من قدرة الله خالق نظام الطبيعة الثابت وفق قوانين ثابتة تحكمها.

- مذهب وحدة الوجود اسيء فهمه كثيرا حسب تعبير سبينوزا نفسه. فالتفسيرات الابتذالية الفجّة التي تصور كل شيء بالطبيعة هو الله، في وقت أن الطبيعة وقوانينها وصفاتها هي مخلوقة من الله وليست خالقة وجوده وخالقة وجودها بنفسها. ويعبّر سبينوزا بتوضيح أكثر قائلا :"لقد أخطأ فهمي اولئك الذين يقولون أن غرضي هو أن أبيّن أن الله والطبيعة شيء واحد. والقائلون بهذا يفهمون من لفظ الطبيعة كتلة معينة من المادة المجسدة، إنني لا اقصد ذلك".

- لماذا قال سبينوزا القوانين الطبيعية الثابتة هي والله شيء واحد في تعبيرهما عن حقيقة واحدة.؟ السبب حسب تحليلنا هو: قوانين الطبيعة ثابتة لا تتغير، لذا هي إعجاز الهي خاص بمن خلق الطبيعة بنظامها الثابت. وجعل إمكانية العقل الانساني اكتشاف القوانين التي تحكمها وليس إختراعها، وعجزه عن مجاراة نظامها في حكمها الطبيعة. لذا إعتبر سبينوزا عدم إمكانية السيطرة الانسانية عليها أنها إعجاز إلهي لا يستطيع الانسان مجاراته.

* صفات الله ليست صفات القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الطبيعة، فهذه القوانين إستطاع العقل إكتشافها، وعرفها كيف تعمل، وهذه المعرفة بقوانين الطبيعة لا يترتّب عليها إدراك كيف يدير الخالق الكون.

* ربط الحوادث الطبيعية على أنها قوانين ثانوية متعالقة بقوانين الطبيعة العامة الثابتة توحدهما نفس الآلية، سوء تقدير سقط به سبينوزا، فلا علاقة ترابطية بينهما لا فيزيائيا ولا ميتافيزيقيا. ما عدا قوانين الطبيعة الثابتة، فكل شيء يحدث ويدركه عقل الانسان في الطبيعة لا يشير الى ارادة الله في ظهورها التدميري ولا علاقة قصدية الهية تسيّطر عليها سوى في الاساطير والخرافات البدائية..

(4) برجسون والحقيقة الفلسفية

ينسب لبرجسون قوله " الحقيقة ليست اكتشافا بل هي اختراعا " وحين يعطي برجسون الحقيقة صفة الاختراع فهو يجزم بما يلي:

- حين يعمم برجسون الحقائق هي إختراعات فهو ينّحي من أمامه قصديا أو غير قصدي خلو عالمنا الارضي من حقائق إكتشفها الانسان ولا دور له في خلقها وإيجادها في مقدمتها جميع القوانين التي تحكم الطبيعة من جاذبية ، وتمدد وحركة وزمن وأمواج كهرومغناطيسية وقوانين فيزيائية وكيميائية جميعها قوانين لحقائق تم إكتشافها ولا دخل للانسان في إختراعها.

- الحقيقة الفلسفية والحقيقة العلمية تحكمهما قوانين نسبية وليست مطلقة.  وتختلف الحقيقة الفلسفية عن الحقيقة العلمية في مناحي عديدة منها الحقيقة الفلسفية هي خارج نطاق التجربة والتطبيق على العكس من الحقيقة العلمية التي هي حاصل نتيجة تجربة وتطبيق. المنطق التجريبي العلمي يقوم على نوع من العلامات المشفرة التي هي المعادلات الرياضية بينما الحقيقة الفلسفية لا تقترب من لغة العلوم الطبيعية الصارمة التي ترفض المنطق اللغوي التجريدي كفكر.

- كل حقيقة فلسفية أو علمية هي نسبية ما يجعل منها مفهوما إستدلاليا في سلسلة من الحقائق المتناسلة تبعا لتغيّرات الظروف وتبّدل الخواص الذاتية التي أنتجتها. هذا يجعل من الحقائق سيرورة دائمية من التشكل والإنحلال في تعاقب متوالي من سلسلة حقائق تتبّدل وتتغّير..

- الحقيقة مفهوم ومصطلح لا تمتلك وجودا زمكنيا ثابتا، والذات الانسانية المفكرة لا تكون خالقة ومخترعة لحقائق الحياة، فالذات الانسانية لا تستطيع تخليق الحقائق بالفكر التجريدي، حتى في حال تسليمنا الإفتراضي أن الحقيقة ليست وجودا إفتراضيا في المطلق. بل هي سيرورة من الإنتقالات الإستدلالية.

- الحقيقة الفلسفية ميلاد فكرة ضمن شروط ذاتية وتوافر إشتراطات موضوعية. كي يكتمل إنبثاقها وتحققها الإفتراضي، غير المتعيّن وجودا ماديا، ولا متعينا فكريا لم يكتسب الإجماع عليه. لذا تكون كل حقيقية يطلق عليها حقيقة فلسفية إنما هي مشروع إنحلال حتمي قادم ضمن سيرورة تحكمها.

- السيرورة الملازمة لكل حقيقة هي مشروع إستدلالي لغيرها من حقائق مستقبلية غير قائمة على إستقلالية دائمية ثابتة. وحقيقة الشيء ليس في وجوده المادي المستقل، بل في معرفته الادراكية الابستمولوجية.

- الحقيقة الفلسفية ليست من إختراعات الذات الانسانية كما يذهب له برجسون، فالذات هي وعي إدراكي لا يستطيع خلق الموجودات المادية في تجريد الفكر. بل حقائق الاشياء فلسفيا هي مفهوم فكري يجري التعبير عنه باللغة.

وعي الذات أكبر خصيصة يمتلكها هو تنفيذ إملاءات العقل في تحديد الموجود أنطولوجيا أو في جعله مدركا فكريا.

(5) جون سيرل والوعي القصدي

يرجع الفضل الاكبر في أسبقية مصطلح الوعي القصدي لبرينتانو بعد أن أسقط ديكارت في القرن السابع عشر الوعي في قاع محكومية الوعي الذاتي الإدراكي مجرّدا من ميزتين الاولى أن الوعي الديكارتي هو وعي إنفرادي لا يلتفت لوجوده ضمن عالم، والثانية إتهام ديكارت عدم تعيينه بماذا كان يفكر ديكارت في إثبات وعيه الذاتي أنه موجود  يفكر بلا موضوع، والتفكير بلا موضوع إستحالة إدراكية لا تتحقق..

جون سيرل فيلسوف امريكي معاصر أخذ مفهوم الوعي القصدي من منطلق مغايرة كان إحتكره الفلاسفة الفرنسيين. فقد ربط سيرل الوعي القصدي بكل من العقل واللغة. ينطلق سيرل من مقولة فلسفية كانت مثار جدل نقاشي شديد بين كل من ديكارت من جهة وبيركلي من جهة مقابلة، تلك هي أننا لا نستطيع أن ندرك العالم الخارجي بصورته الحقيقية. "مقالتي بعنوان الادراك :الاصل والصورة تعطي تحليلا كاملا لهذا الموضوع منشورة على موقع الحوار المتمدن وموقع المثقف. "

تلخيص أفكار سيرل

- سيرل أفضل الفلاسفة الاميركان المحدثين الذين تناولوا الوعي القصدي في تعالقه باللغة وفلسفة العقل، معتبرا قصدية الوعي هو التمّثل المسّبق لموضوع الإدراك. ولا يمكن فهم قصدية الوعي من غير سلوك تحكمه اللغة وليس موجودية الشيء المادي. التجربة الإدراكية هي وعي قصدي يحتاج السلوك الذي تتحكم به لغة وتفكير العقل.

- الإشباع الغريزي لحاجات الانسان البيولوجية تختلف تماما، عن إشباع الوعي القصدي في إدراكه موجودات العالم الذي تحيط به، والوعي القصدي ليس وعيا محايدا في الإدراك بل هو إشباع لمعارف ابستمولوجية يحتاجها الانسان في حياته هي غيرها إشباع حاجات الجسم  الغريزية.

- التجربة الإدراكية مصدرها الموجود المادي، ورغبة الوعي القصدي من التعرف عليه. والقصدية لا تهتم بالوعي من حيث هو فعالية عقلية – بيولوجية تتوقف في تحقق إشباعات الغرائز الانسانية.

- خصائص الوعي القصدي يجملها جون سيرل بالتالي:

* الوعي القصدي حقيقي لا يمكن إختزاله.

* الوعي نوعي بمعنى هناك نوعية تجريبية تخص كل حالة لوحدها، والوعي شخصاني بشري لا يمتلكه الحيوان.

* الوعي عملية يتوزعها الهدف والسلوك نحو الهدف وتحقيق معرفة ذلك الهدف. والوعي هو خاصية الجهاز العصبي عند الانسان.

كلمة ختامية: يذهب الفيلسوف (الفانوي) في مقال نشره بعنوان (تجربة من دون رأس) قائلا"الوعي الإدراكي من الممكن أن يتم خارج الدماغ، وتجربتنا بالوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا، بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي ، الدماغ، والجسم، والبيئة ".

يتبع في ج3 لاحقا.......................

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي رسول الربيعيكيف يجب أن نفهم نظرية القانون الطبيعي؟ يصف ميرفي هذه النظرية على أنها وصف أساسي لـ "العقلانية العملية"، والتي لها هدفان رئيسيان. الأول كشف كيف يمكن أن تكون الافعال "مفهومة من الناحية العملية، مما يعني تبيان أن للأفعال غاية أو هدف، بحيث تستحق التنفيذ.[1] الهدف الثاني هو مساعدة البشر على اتخاذ القرارات بشأن أي من الأفعال الجديرة بالاهتمام التي ينبغي القيام بها؛ إنه في الأساس تفسير لعقلانية الخيارات فيما يتعلق بالأفعال.[2] يتم تحقيق كل من هذين الهدفين عن طريق إعطاء وصف لما هو خير. لنأخذ راي توما الأكويني، على سبيل المثال، بوصفه المُنظر لنظرية القانون الطبيعي، حيث يزعم أن المبدأ الأساسي للقانون الطبيعي هو: يجب القيام بالخير وتجنب الشر. هذا المبدأ بالنسبة إلى الأكويني، هو "المبدأ الأول"، وهو مثل مبدأ عدم التناقض بالنسبة للعقل النظري، وعلى هذا النحو، يعتبر بديهيًا بدون جدال. تتميز نظريات القانون الطبيعي بشكل بإعطاء الأولوية للخير. ولفهم غاية الأفعال ومعرفة الأفعال المعقولة يجب أن نعرف ما هو الخير.

ومع ذلك، من الواضح لا يعطينا هذا المبدأ الأول المجرد في حد ذاته التوجيه أو الارشاد فيما يتعلق بأفعال محددة. نحن بحاجة إلى معرفة ما هو جيد بشكل خاص وبظروف محددة. يقدم منظرو القانون الطبيعي تفسيراً للخيرات بشكل شامل وطبيعي، وقد قام معظمهم بذلك من خلال تقديم تفسير مستوحى من الأرسطية عن الصالح للبشر من حيث ما يكمل الطبيعة البشرية أو يمكن من ازدهارها. لا شك أن أتباع نظرية القانون الطبيعي لم يتبعوا أرسطو بهذه الطريقة. فقد قدم توماس هوبز وصفًا للقانون الطبيعي يرتكز على تفسير ذاتي للخير، مبني على الحقيقة النفسية المتمثلة في رغبة جميع البشر في البقاء وتجنب الموت العنيف.[3]  دافع بعض منظري القانون الطبيعي عن تفسير أفلاطوني للخير، والذي يرى بعض الأشياء، مثل المعرفة والجمال خير في حد ذاتها بصرف النظر عن أي إشارة إلى الطبيعة البشرية. غير أن الغالبية العظمى من منظري القانون الطبيعي فسرت الخير بالنسبة للبشر بأنه يأتي من الطبيعة البشرية ذاتها، وسأعتبر ذلك خاصية مميزة لنظرية القانون الطبيعي.

بالطبع، تم تقديم العديد من التفسيرات حول ماهية السلع الأساسية للبشر من قبل منظري القانون الطبيعي ، بالإضافة إلى روايات متنوعة حول كيفية معرفة البشر لها. أحد الخلافات التي كانت مستمرة بين منظري القانون الطبيعي تتعلق بالمسألة الأخيرة. اذ ترى العديد من نظريات القانون الطبيعي التقليدية أن فهم ما هو خير للبشر يفترض مسبقًا ويجب أن تُشتق من فهم الطبيعة البشرية حيث لا يمكن للمرء فهم ما يُكمل الطبيعة البشرية دون فهم تلك الطبيعة نفسها. يطلق مورفي على مثل هذه النظرة بـ “الاشتقاقية"، حيث تؤكد أن معرفتنا بالخيرات الأساسية مشتقة أو مستمدة من نوع من المعرفة النظري.[4]  أحد البدائل الرئيسية للتفسير الاشتقاقي لمعرفة الخيرات الأساس هو ما يسميه مورفي "المَيليًة"، (وهي النزعة التي تقول إن ماهية الخيرات البشرية مسألة تأويلية، وتأتي الإجابة عنها من خلال التفكير في الحقائق التي يمكن معرفتها على مباشرة حول ميولنا) وهو نوع النظرة للخيرات الأساسية التي يقدمها المفكر المعاصر جون فينيس. بالنسبة لفنيس، يعد فهم الخيرات الأساسية أمرًا بديهيًا وواضحًا وشيئًا داخليًا في حياة العقل العملي. لدى البشر،على سبيل المثال، رغبة طبيعية في معرفة الأشياء، ويعتقد فينيس أنه بالنسبة لكائن لديه مثل هذا الميل، فإنه من الواضح على الفور أن المعرفة خير.[5]

ليس هدفي في هذه الدراسة القصيرة التعبير عن نظرية الأخلاق في القانون الطبيعي في الدفاع عن طروحات أي من مُنظريها المذكورتين أعلاه، وبالتالي، ليس من الضروري بالنسبة لي أن أتمكن من حل النزاعات القائمة ين منظري القانون الطبيعي. ربما تكون كلتا وجهات النظر صحيحة، ويمكن معرفة الخير بكلتا الطريقتين. أجد دفاع مارك مورفي معقول عما يسميه "أطروحة الهوية الحقيقية"، والتي تدعي أن البصيرة الجيدة التي لدينا من خلال ميولنا والمعرفة التي لدينا حول ازدهار الإنسان من خلال فهمنا للطبيعة البشرية تمثل طريقتين بديلتين للامساك بالخيرات نفسها.[6] بغض النظر عما إذا كان فهمنا للخيرات البشرية الأساسية فوريًا أم مشتقًا، فسوف أفترض أن نظرية القانون الطبيعي هي تلك التي تنص على أن تلك الخيرات تحددها طبيعتنا  البشرية بطريقة أو أخرى، بحيث لو كانت هذه الطبيعة مختلفة اختلافًا جوهريًا، فما سيكون خير للبشر مختلفاً عقليا ايضاً.

ما هي الخيرات الأساسية للبشر، وفقًا لنظريات القانون الطبيعي؟ هناك، كما قد يتوقع المرء، بعض الاختلافات في البيانات التي يقدمها مختلف المفكرين. غير أن هناك أيضًا قدر كبير من التداخل والاتفاق، وربما يرجع بعض ذلك على الأقل الى ما يبدو وكأنه خلاف إلى الطريقة التي يتم بها وصف الخيرات وتمييزها.[7] تشمل الخيرات بصورتها النموذجية عادة الحياة والصحة والمعرفة والجمال (أو التجربة الجمالية)، والصداقة وغيرها من الخيرات الاجتماعية (مثل ان يكون المرء جزءًا من أسرة ومجتمع)، والوفاء بالعمل والنشاط (بما في ذلك اللعب)، والخيرات النفسية مثل "السلام الداخلي"، المعقولية العملية، وفي بعض الحالات الدين.

على الرغم من أن تفسير القانون الطبيعي للعقل العملي يعطي الأولوية للخير على الحق، كما النفعية وغيرها من أشكال النظريات التي تعتمد المردودية والنتائج العملية، الاً أن نظرية القانون الطبيعي تختلف عن معظم أشكال النفعية لأنها لا تفترض أن العقلانية تتطلب أنه يجب تعظيم الخير. طبعاً في الحديث عن أولوية "الخير على الحق" أنا أتحدث عن "الخير" بالمعنى غير الأخلاقي. من الواضح أن هناك معنى لـ “الخير والشر" ذو طبيعة أخلاقية، وبهذا المعنى فإن حقيقة أن فعلًا مثل القتل محظور أخلاقًا يرتبط منطقياً بكونه سيئًا أخلاقياً. يعتقد مُنظِر القانون الطبيعي أن العقل العملي يدعو إلى استجابة معقولة لما هو خير، ولكن هناك مجموعة متنوعة من الطرق التي قد تكون بها الأفعال معقولة أو غير معقولة كاستجابة للخير. ما يطلبه العقل العملي ليس مجرد تعظيم بعض الخصائص مثل اللذة، أو حتى تعظيم بعض الخيرات، لكن أن يستجيب الأشخاص بشكل مناسب للخيرات الفعلية التي يواجهونها أو يمكنهم تحقيقها. هذا يعني أنه يمكن لمنظِّر القانون الطبيعي، مثل الكانطيين، يمكن أن يجادلوا بأنه قد يكون هناك بعض أنماط أو أنواع من الأفعال غير مناسبة أو غير معقولة دائمًا، وبالتالي قد تكون هناك قواعد أو مبادئ عامة تستبعد بعض أنواع الأفعال تمامًا. وأخيرا إذا كانت الحياة البشرية أهم خير أساسي، فإن القتل، الذي يُفهم على أنه التدمير المتعمد للحياة البشرية البريئة، يُنظر إليه على أنه خطأ جوهري.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................

[1] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), p. 2.

[2] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality,p.2-3.

[3] توماس هوبز، اللفيثيان، الأصول السياسية لسلطة الدولة، ترجمة، ديانا حرب وبشرى صعب، دار الفارابي، بيروت، 2011. ص 139-165

[4] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality, p.6-17.

[5] Finnis, John.  Natural Law and Natural Rights, New York: Oxford University Press,1980, p.9--60.

[6] Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality, p.17-21.

[7] أنظر: للحصول على ملخص للقوائم أو البيانات التي قدمها مختلف المفكرين

Murphy, Mark (201I) "The Natural Law tradition in ethics," Stanford Encyclopaedia of Philosophy (Winter 20n), ed: Edward N. Zalta, http://plato.stanford .eduf archives/win2011/entries/natural-law-ethics. p.11.

 

 

سامي عبد العالتمثل السلطة فائضَ قوة ذات بدائل متعددة لملءْ الفراغ  بين الواقع والخيال. بكلماتٍ واضحةٍ تحاول كلُّ سلطةٍ إشعار ممارسيها ومتلقيها بعدم وجود أي فراغ من الأساس. فهي ضد أيَّة فجوة تراها خطراً على كيانها العام. ولذلك فقد تغمض السلطة عينيها بعض الأحيان عما يتحرك في محيطها الافتراضي، ولكنها لا تغفل إطلاقاً قدرتها إزاء الذوات، وربما لا يهمها سوى تلك الفاعلية دون اعتراضٍ من قُوى أخرى. وبهذا المضمون، ستحمل السلطة امكانيات بالقوة أكثر منها بالفعل، لأنها تضع أقدامها الخفية فيما هو متوقع وممكن داخل الأفراد والجماعات.

أمَّا الجسد فهو طاقات إنسانية تتجلى في معانٍ وأفعال، وهذا ما يجعل السلطة تتحسّب له لإعادة انتظام وجوده بحسب أهدافها. وإذا كان ذلك صحيحاً في مجالٍّ معين، فلعلَّه أقرب إلى الصحة في المجال السياسي، وبخاصة مع دلالات الجسد كمقولة ثقافية نشطّة على صعيد اجتماعي. لأنَّ السياسة صنف من هندسة السلطة التي توزع الأجساد وفقاً لممارسة الأدوار ضمن خريطة المجتمعات. هي ترسم كيفية الفعل وماذا ينبغي على الاجساد أن تتلقاه إزاء الآخرين وإزاء الكيانات المعنوية في المجتمع.

ولذلك على مستوى الفعل، لم يهدأ الصراعُ بين الجسد والسلطة، رغم اتفاقهما في كثيرٍ من الوجُوه. فكلاهما يتعلق بأفكارٍ مثل: (الوسيط، التحول، السر، العلامة، الذاكرة، الفعل، الوشم، الرمز، الصورة، الشعار، السريان، الشبح، الظل)، فالسلطة وسيط وأسرار في ذاتها، سر تؤثر به على نطاق أكبر من الحقيقي. ولعلَّ ذلك قد ورثته من تاريخ الأساطير والسرديات الشعبية، لأن الجانب غير المحدد فيها أكبر من الواضح. وكذلك الجسد في حالات الممارسة الاجتماعية يُكّون ذاكرة وعلامة وحركة كما أن فكرة الأشباح تعطيه وجوداً مضاعفاً مع عمليات الخيال ... إلى أخر تلك المعاني.

بهذه الأفكار يزاحِم الجسد والسلطة أحدهما الآخر داخل ثقافةٍ تحدد إلى أي مدى سيمارس الإنسان حياته ووظائفه. وهذا هو "مَوطِّئُ الأثر" لأيَّةِ علاقاتٍ بينهما، ويؤكد معاني حضورهما المتبادل (أي قد يصبح الجسد سلطة والسلطة جسد)، إذ اعتبره الاثنان صِراعاً قاسياً إلى الداخلinterior  منهما. إذن يبدو السؤال متاحاً: أيهما يقنن الآخر ويرسم حدود عالمه؟! لأن رسم المسافة بينهما تتطلب معرفة ماذا يجري وبأية أوضاع يكون الجسد وبالتالي تكون السلطة والعكس.

في هذا الإطار يعدُّ "تاريخُ الجسد هو ذاته تاريخ السلطة " نزاعاً حول فضاءٍ لن يتقهقر خلفاً، هو فضاء الحرية. جاءت نتيجته تطورات سياسية نحو استقلال كيان الإنسان، ولذلك كانت الحرية تعني وجود الفعل الأنثروبولوجي للإنسان عبر التاريخ. فمع توتر العلاقة بين ما هو "جسدي وسلطوي"، ثمة إنسانٌ يُقاوم إفرَاغ كيانه من الحياة. يخشى إزاحةَ وجوده الهش دون أنْ يلامس شيئاً، لأنَّ السلطة كامنةٌ في خفاءِ المجتمعات إلى حدِّ القبول الساذج بلا وعي. إذ تمارس السلطة احتواءً ناعماً soft تجاه أي جسدٍ متمردٍ (عام أو خاص)، تنحو إلى تشتيت وحدتَّه واستنزاف طاقاته(= القمع بصوره الثقافية). بالمقابل قد يُحدِث الجسدُ داخل هيكل السلطة اضطراباً، فوضى(=الحراك السياسي)، فغرائز الكتل البشرية وتطلعاتها لا تخضع لمنطق واضح ويصعب التحكم فيها. ودوماً في حالة الثورات السياسية يكون الجسد هو المؤشر للتأثير في الواقع كما في المظاهرات والحشود الثورية.

وفردياً في الأنظمة السياسية، قد يتوَّحد الجسد بالسلطة في هيئة حاكم ديكتاتور يري نفسه بحجم العالم، ويجعلها حِزاماً رخواً من شهواتٍ تستنفد مجالها العام. لأن الجسد عندئذ يقف داخل قوى السلطة ولا يسمح بأي انفصال بينهما. أيضاً قد تتصف السلطة بأوصاف عضويةٍ حسية: تجُوع، وتفتك، وتلتهم وتزأر وتفترس (= حيوان الثقافة)، بالتوازي يتسلَّط الجسد ويضربُ ويُعنِّف، ويتحرش، ويزاحم، ويتعقب، ويراقب، ويقرع أجراسَ الترهيب للآخرين.

أساس المشكلة

تاريخياً، يتولَّد هكذا استفهامٌ فلسفي مزدوجٌ:

أولاً، هل استطاعت السلطةُ كقوةٍ مهيمنة تشكيل جسدٍ إنساني ما، صادفَ الزمنُ أنَّه موجود بوضعٍ معينٍ ( تبعاً للاهوت والأسطورة والتراث الثقافي والأنثروبولوجيا)؟ ومن ثمَّ سينتج الجسدُ معالمها (أي القوة) في فضاءاته، حيث تتعين السلطة بوسائل مؤثرةٍ اجتماعياً، أي السؤال دوماً عن تعامل السلطة مع الجسد، وبأي معنى تنحت صورته وفقاً لقوالبها الجاهزة كما يحدث في الايديولوجيات الدينية والسياسية.

ثانياً، عكس ذلك، هل تُوجد للجسد سلطةٌ في ذاته انفكاكاً من القيود؟ وبالتالي- كما سنوضِّح - لماذا تبدو ثمة فجوة (بين السؤالين الآنفين)؟ وبأية صيغةٍ هي فجوة تُلخص طبيعة الجسد وتحولاته وقدرتنا على تغيير دلالاته؟!

المشكلةُ من ثمَّ ليست في تحديد هوية الجسد ( ذكراً أم أنثى أم خنثى أم صاحب توجه جنسي sexual orientation) وليست كذلك في ابراز التأثيرات الجانبية للسلطة، لأنَّ تشكيل الجسد في ذاته هو البصمة الوراثية السابقة على هذا. إنَّ جيناتَه الثقافية genes cultural الراجعة إلى تحديد أنطولوجي تعدُّ أكثر جذرية. حيث كان هناك  تراث لاهوتي- وجودي كوَّن السلطةَ ولم يُفلتها عبر الأبنية الاجتماعية. وبلغ الوضع أنْ استحوذ تراث كهذا على الكيان البشري منتزعاً وجوده في العالم. ولأنَّ الجسد الإنساني هو أخص شعور حي للفرد التصاقاً بأناه، فلم تتركه أية سلطة وشأنه. وعندما أرادت السلطة التعامل مع الأنا، كان عليها إمساك مساراته الجسدية بحكم الخلفية الثقافية التي تفتحها.

وبخاصة أنَّ الأسئلة المذكورة ترتبط بماهية الجسد (لا هويته الجنسية)، وستأتي تحولاته في حياتنا المعاصرة على صعيدها تحديداً. أي غدا الجسد الآن مسرحاً لانعكاس تقنيات طبية وعلمية وفنية اسهمت في تشكيله، مثل الهندسة الوراثية وكذلك السينما والأجساد الافتراضية. الأمر الذي سيحد من قوة السلطة على فرض هيمنتها بسهولة. وهو ما سيجعل الأنوثة والذكورة على سبيل المثال مع " الجسد الافتراضي" ثنائية غير مهمةٍ، وأنَّها قد تكون مفتعلة أحياناً، أهميتها كامنة في كونِّها أداة عنف ثقافي لوأد المرأة في رداء اجتماعي. بينما الجسد الراهن- كما بالواقع الرقميdigital reality مثلاً - سيطرح تكويناً فائق الغرابة من الجنس الأنطولوجي للمشكلة نفسها. فمبررات التصنيف لثنائية الذكورة والأنوثة مجرد قشرة للجسد واستعمالاته، لكن انفجار طبيعة الجسد ذاته(افتراضياً- عضوياً) يحتم انفجاراً لأية قشور، ويؤدي إلى ترتيب جديد لأوضاع الجسد ومحمولاته الثقافية.

لقد أبقت ممارسات السلطة على البعد البيولوجي للإنسان ولم تعبأ بتحولاته الثقافية، ومن ثمَّ فإنَّ إخماد فاعليته (مثلما تفعل الأنظمة السياسية) لا يتم بمجاراته ثقافياً، إنما بالتعامل البيولوجي معه ككائن يحمل نقيض حياته (غريزة الموت). وهي غريزة اشتغلت عليها السلطة لإيجاد مضاد ثقافي لما هو بيولوجي، أي نشر ثقافة التخويف والعنف والقمع والمراقبة والترهيب. لكنها تناست أنَّ جسد الإنسان (بيولوجيّاً) دخلت عليه تغيرات من جنس الثقافة والمعارف المتقدمة، لدرجة تأكيد اندماجهما (البيولوجيا والثقافة) لدى العوالم الإلكترونية والوسائط الديجيتال. وبينما تعمل مفاهيم السلطة على خلفية "الجسم" لا الجسد، فقد أظهرت تطورات الذكاء الاصطناعي استحالة ارجاع الجسد إلى خانة الجسم مرة أخرى.

تُراث الجسد

وردت خلفية المشكلة في تاريخ الإنسانية عبر فكرة التَّوحُد بالطبيعة- كما في الثقافات الشرقية القديمة- لالتماس القوة واعتبارها الملجأ الذي يزود اجسامنا بالأسرار والإمكانات المطلوبة لمواصلة الحياة. ووردت أيضاً بشأن القوى الخارقة للأجسام حيث عبرت الأساطير عن وجود آلهة بأنصاف بشرية وبرؤوس حيوانية (الحضارتان الفرعونية واليونانية).

إنَّ الرسوم الجدارية في معابد الفراعنة تحمل صوراً تخلط بين البشري والحيواني. وربما كانت الفكرة غريبة بالنسبة إلى المشاهد، لكن الحياة بينهما متصلة من زاوية أبعد. لأنَّ القوة المقدسة تحمل الجانبين طبقاً للخيال البشري، وهو خيال حسي أكثر التصاقاً بالجسد وتداعياته. وبالتالي سيكون الشكل الهجين للآلهة من جنس العمل مباشرة.

ثمَّ مع تطور مسيرة البشرية، ارتبطت الفكرة راهناً بصور النجوم العابرة للثقافات والجغرافيا: مثل رجال السياسة والاعلام وقادة الحروب ورموز الفنون ونجوم الرياضة والمودة والأزياء. حيث اختفى "المسخ الأسطوري" للجسد ليحل معنى العبقرية والإتيان بشيء فائق الوصف وتسجيل الأرقام القياسية. والآن أصبح الجسد كرَّاساً عولمياً للأرقام القياسية (كموسوعة جينيس للأرقام القياسية) لتدوين طاقات وألعاب وأفعال فوق المألوف.

لكن في ضوء ازدواج السلطة والجسد، أليس هذا يفترض مصدراً متعالياً (إله – طبيعة – مثال- تطور- نمط حُكم) وراء القضية؟ ... وإذا كان الأمرُ كذلك، كيف تكون للجسد سلطةٌ ما؟ وإذا لم يكُّن كذلك، فبأي معنى تُعطى أهمية للجسد بحد ذاته؟ كيف ينتج الجسد معانيه عبر الممارسات الإنسانية؟ وما هو مصادر الثراء في تجاربه الحرة على مستوى السياسة والاجتماع؟ والأهم: هل ذلك يستوجب ترويضه في أنظمة ثقافية تستوعب طفراته أم أنَّه فوضوي، ثائر، خارج التوقُع؟

علماً بأنَّ ثمة دلالةً للسلطة لا تأخُذها إلاَّ في حدود الممارسات الثقافة، وهي دلالة التأثير الرمزي الذي يصلح لانتظام موضوعاتها وفقا لنسقٍ ما يخدم أغراضها، بينما الجسد الأن هو "التكملة المتخيلة" لما هو بيولوجي (الجسم) عبر الثقافة. أي أنَّ (السلطة + الجسد) يؤديان دوريهما ضمن الحياة الإنسانية احاليَّاً أحدهما إلى الآخر. وهاجس اللغة كما يشير رولان بارت لا يغيِّب المعنى اللغوي الوجودي، فالجسد آتٍ من التَّجسد، وهو الأثر الباحث عن سواه وهو أيضاً المتأثر إذ يمارس عملاً يعكس نمطَ العيش. إنَّه استعارة وجودية existential metaphor تملأ الفجوة بين الواقع والمأمول، ويصير الجسد وسيطاً يقف وراء الإحساس بامتلاء مجالات الحياة.

الفكرة أنَّ احتكار السلطة بواسطة اللاهوت والأساطير (وأحفادهما) كان يعقبه احتكار (واحتقار) عمومي للأجساد، إذ يطلب منها القيام بأعمال معينةٍ بحكم الخضوع لإملاءات خاصة. وأنَّ تحرر السلطة من عنف الأسماء المفارقة كان تحرراً للجسد أيضاً بواسطة حرية الأفراد وتوافر فرص الحياة الكريمة واختيار ما يليق بالإنسان وزيادة الوعي. فجسدي الحر هو الشرط الرمزي لوجودي الاجتماعي والسياسي، وله كامل الأنشطة التي تحقق خيالاً اعيش واتصرف به. وسأجد الصدى مواتياً فيما عليَّ نيله من حقوق داخل حدود المجال العام وممارساته بدءاً بالفرد وانتهاء بالدولة.

إنَّ الجسد ككيان ذكي يستشعر وجود السلطة ومراقبتها، وكانت الثقافة امتداداً لتك الفكرة. وهو ما اتاح للثقافة أن تعتبر الجسد منتمياً إليها أكثر من أي مجال آخر، فما نخاف منه ونراه إكراهاً تمَّ الاعتراف بكونه حدوداً يجب ألاَّ تعترض الإنسان. فالخوف أساسه الألم والإيذاء الذي يلحق بنا والتضييق على حرية الاجساد، لكنه أخذ اشكالاً غير جسدية مثل القوانين التي تمنع الاعتقال التعسفي ومنع التعذيب بالنسبة للدولة الراهنة. ولذلك يتشوف كل جسد لاكتساب قدرات خاصة يحد من سطوة السلطة وملاحقتها، أو يرسل إشارات إلى أنه لا يمتثل للنمط السائد من الهيمنة سواء أكانت هيمنة اجتماعية أم ايديولوجية.  وإذا كان الجسد يتمرد في مساحات قريبة من حركته الخاصة، فإنها يظل يخاطب السلطة العامة بطرف خفي لأنها لم تنساه. كما أن الجسد ثقافيا يمثل مصفاة لكل شوائبها التي لن تخطئه بحال. فكل قوانين الدول وممارساتها السلطوية تفترض جسداً بشكل أو بآخر، فطالما تظل الأخلاقيات قابعة في القوانين سيكون الإنسان متجسداً في هيئة معينة تستحق المتابعة ثواباً وعقاباً.

 

سامي عبد العال

 

 

حاتم حميد محسنقد لا تختلف حياتهما الخارجية كثيرا. احدهما درامي اشتهر بالذكاء واللباقة، اما الآخر فهو فيلسوف انعزالي عاش وكتب في غموض نسبي، ولكن بالنتيجة والى مدى معين، كل منهما إعتقد بنفسه كشاعر. كلاهما ايضا، وبطريقتهما الخاصة، اهتمّا بتأسيس فلسفة تقوم على فن الحياة، ملتفتين الى اليونان القديمة في مُثلهما الجمالية، واعتبرا فرنسا المعاصرة هي الوريث لتعقيديتها الحسية. كلاهما وبسبب طبيعتهما التحريضية منذ الولادة، كانا مثيران وبلا مهادنة للتمرد الثقافي واحتفظا بنقدهما المدمر لـ "مواطني البلد". رغم معاصرتهما، كانا غير واعين ببعضهما البعض، لكنهما كلاهما جاء بشخصة ملتهبة وأقوالا تجسّد التوترات والخصومات التي كانت سائدة في اوربا في نهاية القرن (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين).

في الأدب، يميل المحتوى لإملاء الشكل، لذا كان من اللافت ان يعبّر وايلد ونيتشة عن نفسيهما بطراز مشابه: الأمثال، القصائد، الأقوال المأثورة. هذه الأشكال كانت قد اختُرعت عمليا من جانب فلاسفة ما قبل سقراط في اليونان، واُتقنت من جانب الأخلاقيين الفرنسيين. الأفكار الواسعة يمكن حملها مكثفة في هذه الأوعية التي تبدو (احتيالا) خفيفة . كذلك، بلاغتهما التعبيرية ضمنت ان يبقيا في الذاكرة : "ايّ كان من يكتب بدم وتذوّق لا يريد ان يُقرأ وانما لكي يُتعلّم بالقلب. في الجبال، أقصر طريق هو من القمة الى القمة: ولكن هنا يجب على المرء ان تكون لديه سيقان طويلة. الأقوال المأثورة يجب ان تكون قمماً، كما يذكر نيتشة في (هكذا تكلم زرادشت) وفي افول الاصنام (Twilight of the Idols): "الأمثال التي انا الاستاذ الاول بها بين الآلمان، هي اشكال من "الخلود"، طموحي هو ان أقول في عشر جمل ما يقوله اي شخص آخر في كتاب وما لا يقوله اي شخص في كتاب". كإسلوبي، أدرك نيتشة انه كان جيدا لدرجة أفسد أذواق قرّائه، طالما هم لا يمكنهم الاستمتاع بأي أحد بعده، وانه الى جانب الشاعر هين (Heine)، سيُعتبر أعظم اسلوبي في اللغة الآلمانية (الأخير أضاف غوتة لهذه القائمة الحصرية). وايلد ايضا إعترف بهذا التقييم العالي لنفسه، في جواب شهير له لمسؤول الجمارك في الولايات المتحدة، "هل لديك شيء غير مسموح به؟" كان جوابه "فقط عبقريتي" . في رسالة مطوله له من السجن، وصف وايلد أعمال حياته: "انا لخّصت كل الأنظمة في جملة والوجود في قصيدة". لكن الشيء المذهل هو مدى التشابه تقريبا بين بعض قصائد وايلد ونيتشة، أغلبها يمكن استخدامها بشكل متبادل شكلا وجوهرا. فمثلا:

ما لا تحطّمه النيران تقوّيه. (وايلد)

ما لا يقتلني يجعلني أقوى. (نيتشة)

الحقيقة البسيطة هي التي لا يكمن بها الشك. (نيتشة)

الحقيقة نادرا ما تكون صافية ولن تكون بسيطة ابدا. (وايلد)

الرأي العام يوجد فقط عندما لاتوجد هناك افكار. (وايلد)

لكي أقولها مرة اخرى، الآراء العامة، كسل خاص. (نيتشة)

نحن نمتلك فنا لكي لا نهلك من الحقيقة. (نيتشة)

قول الأشياء الجميلة وغير الصحيحة هو الهدف الملائم للفن. (وايلد)

الضمير والخوف هما حقا نفس الشيء. (وايلد)

لا ترتكب الجبن كرد فعل لعمل احد ما، لا تتركه يندفع الى الامام . لدغة الضمير غير لائقة. (نيتشة)

الإستياء هو أول خطوة في تقدّم الانسان او الامة. (وايلد)

كل تقدّم عظيم يجب ان يسبقه قليل من الضعف. (نيتشة)

هذه الكلمات الثقيلة اُلقيت برشاقة، لم يُقصد بها كثيرا إظهار الكاتب كما لو انه يؤسس قناعا. "persona" تعني حرفيا (صوت من خلال) حيث ان per تعني "خلال" وsona تعني "صوت" لأن الممثلين اليونانيين تكلموا من خلال قناع . في حواره الافلاطوني (النقد كفنان) يكتب وايلد"اعط الرجل قناعا وهو سوف يخبرك الحقيقة". نيتشه ايضا يعترف، "كل روح عميقة تحتاج قناع" و"الحديث الكثير عن شخص ما يمكن ان يكون ايضا وسيلة لإخفاءه ".

من المدهش، ما يبدو من شخصيتين متفاوتتين جسّدهما وايلد ونيتشة خرجتا الى العالم لتوضيح فلسفات متماسكة (وان كانت رخوة). غير ان هاتين الشخصيتين المزدحمتين يشتركان بعدة مزايا رئيسية:

الاسلوب Style

أحد المبادئ المركزية التي تمحور حولها كل من وايلد ونيتشة كان أهمية الاسلوب. في مثل بعنوان "شيء واحد ضروري"، يعلن نيتشة استراتيجيته: "ان تعطي اسلوب لشخصية ما – فن عظيم ونادر، يمارسه ليفحص كل ما تجسّده طبيعته من قوة وضعف ومن ثم يصوغها بخطة فنية حتى يظهر كل شيء كفن وفكر، وحتى الضعف سيسر العين".

لكي يكيّفا شخصيتهما المتعددة الأبعاد، كلاهما وظّفا اسلوب متعدد الابعاد، يشجع منتقديهما للاشارة اليهما كتباين كبير لأعظم كاتبين . بالضد من القانون الاخلاقي الالزامي، انهما ولأسباب اسلوبية كلاهما استعارا الرعد والايقاعات الانجيلية، نيتشة في زرادشت، ووايلد في سالوم، مكيّفان عبارات دينية لتناسب مزاجهما الغريب. من الجدير ملاحظة انهما كلاهما آمنا بافراط بالرؤى العالية عن أعمالهما. وايلد كان اكثر فخرا بسالوم (هذه القطعة اللامعة التي كتبتها في مزاج غريب) من أي مسرحية اخرى، ونيتشة أعلن وبلا شك ان زرادشت "أعظم هدية للبشرية".

كشخصيتين اسلوبيتين محترفتين، هما كلاهما كتبا جيدا لمصلحتهما سامحين لنفسيهما ليكونا منزعجين بموسيقاهما الخاصة المثيرة عاطفيا وكلامهما المطوّل. كانا في انسجام عال مع موسيقية الكلمات، هما في اوقات معينة ربما سمحا للاسلوب في إملاء المحتوى، او في إخفاء الجوهر. في رسالة كُتبت عام 1884 لصديق قديم، ارن روهد Erwin Rohde، يعترف نيتشة، "اسلوبي رقصة، انه يعزف مع كل انواع التشابهات، فقط ليقفز فوقها ويستهزئ بها. هذا ينطبق حتى على اختيار الحروف المتحركة". ان نقد الروائي الفرنسي غيد Gide لإسلوب وايلد ربما ايضا ينطبق على نيتشة:"لمعان السطح يجعل ذهننا يفقد الرؤية للعواطف الاساسية العميقة". اما برنارد شو فقد وافق على هذه العواطف بشأن وايلد، مجريا القليل من التعديل عليها: "كان وايلد محبا جدا للاسلوب، لدرجة انه لم يدرك الخطر ابدا في التعبير باسلوب اكثر مما تتحمل قضيته". نيتشة أطلق اتجاهه (العلم المرح) . انه رؤية عالمية في تمجيد رقة القلب او الروح (ذكاء ظريف).

اشترك وايلد في هذه الفلسفة المرحة التي حرضت على الوفرة والابتهاج وادامة الروح العالية المرح. (نيتشة كان يكره ايضا المرح الشيطاني الخبيث). هما كلاهما احتفظا بدرجة عالية من القدرات الطفولية للدهشة، المرح، والايمان بالمستحيل. هذا تأكد في العديد من اقوال وايلد وشخصيته السعيدة بعدم النضج الصبياني، بنفس مقدار ما كان في قصصه القصيرة الساحرة للاطفال. الشاعر الارجنتيني والمؤلف Jorges Luis Borges تحدث عن "البراءة المنيعة" لوايلد. وفي ما وراء الخير والشر يعرّف نيتشة الرجولة الناضجة بـ " اعادة اكتشاف الجدّية التي امتلكها المرء كطفل في مسرحية". الى جانب البراءة، "براءة" نيتشة ووايلد ايضا مثلت لامبالاة وعدم احترام، احساس بالمرح واجازة للسخرية. "ليس بالغضب، وانما بالضحك، نحن نمرح. تعال، دعنا نُفرح روح الجاذبية" (هكذا تكلم زرادشت) . في النهاية، جوابهما للمشاكل العميقة كان اسلوبيا: الجمالي فوق الاخلاق. لتحقيق هذا، هما عادة وجدا من الضروري العودة الى سطح الاشياء.

عالم الظهور

فوق كل ذلك، كان نيتشة ووايلد محبين عظيمين للحياة، من المفارقة التاريخية لليونانيين هي في عبادتهم للشمس كقوة للحياة وفلسفتهم المفرطة في الحيوية المشبعة حسيا بهذه الروحانيات الدنيوية. كذلك، في ايمانهم العميق بحكمة الجسد وحيث رددوا الحكمة اليونانية القديمة في اعتماد الذهن الصحي على جسم صحي: "اولئك اليونانيون، عرفوا كيف يعيشوا. ما كان مطلوبا هو الوقوف بشجاعة عند السطح، عند الجلد، المظهر الذهبي، الايمان بالاشكال، بالنغمات، بالكلمات، في المظهر الكلي للاولمب. اولئك اليونانيون كانوا سطحيين في انطلاقهم من العمق"(1). هذا ليس حماس شعري لوايلد، وانما حماس الفيلسوف نيتشة. بالطبع، هذه ايضا نفس الفلسفة الجمالية التي تبنّاها وايلد:"الناس الضحلين فقط هم من لا يحكموا بواسطة الظهور"(صورة دوريان غراي)(2). كذلك، الصقل والذوق جرى تمجيدهما:يقول نيتشة في هكذا تكلم زرادشت "كل الحياة هي صراع حول الذوق والتذوق". مثل هذه الجمالية لم تكن فقط تفسيرا للحياة، وانما فلسفة للحياة.

نيتشة ووايلد ربما كانا "سطحية من العمق" ولكن بطريقة اخرى، لو اعتبرنا ان تفضيلهما للظهور تأثر بنقد كانط الذي جاء في نقد العقل الخالص(1781). طبقا لهذا المذهب، نحن لانعرف ابدا الاشياء كما هي، وانما فقط كما تبدو لنا. في هذا السياق، موقفهما في الوقوف بشجاعة على السطح قد يبدو حكيما .

وعلى مستوى آخر، طبقا لدراسة الاكسندر نيهام Alexander Nehama عن نيتشة (الحياة كأدب)، كشفت ان جمالية نيتشة انطوت على نزعة ينظر فيها للعالم عموما كعمل فني، وكنص أدبي بالذات، تشغله شخصيات ادبية، بما فيها هو ذاته . قراءة وكتابة الكلمات، بالاضافة الى ما تعلّمه من الكتب والجدال معها. يكتب نيهام، "استعماله وتأكيده على الاسلوب هو ذاته جزء من جهوده لتجاهل الفرق بين الشكل والمضمون في الحياة وكذلك في الكتابة".

دمج الحياة مع الادب كان الطبيعة الثانية لوايلد ايضا، الذي اعترف بها علناً لكي يؤدي حياته. هو شعر ان الحياة فنا مقلّدا اكثر من ان تكون العكس، وقال لاندريه غيد Andre Gide، "حياتي تشبه عمل الفن". وايلد اعترف في من الاعماق (De Profundis) : "انا تعاملت مع الفن كواقع أسمى والحياة كمجرد طريقة للخيال". او، كما ذكر في (الناقد كفنان)، "عندما يتصرف الانسان، فهو دمية. وعندما يصف، فهو شاعر". هناك الكثير من نيتشة ضمن هذا الكون اللفظي يؤكد سيادة اللغة، مستعيدا السلطة من المصير من خلال التعبير البليغ والواضح.

في نيتشة نحن لدينا الفيلسوف كفنان اداء، يتصل من خلال النكات، الألغاز، الامثال، القصائد، الأغاني او الأقوال المأثورة. في وايلد، هناك الفنان مؤديا فيلسوف، كونه جعل "الفن فلسفة والفلسفة فنا" كما كتب في (من الاعماق)، او في الثناء الفخم غير المعهود لجورج برنادشو، " بمعنى معين، السيد وايلد بالنسبة لي هو الكاتب المسرحي الشمولي الوحيد. هو يعمل مع كل شيء: مع الفلسفة، مع الدراما، مع الممثلين والمشاهدين، مع كل المسرح"نشرة يوم السبت، reviewing wild’s An Ideal Husband، 12جنوري 1895". بعد وفاة وايلد كتب صديقه ماكس بيربوم: "هو جاء كمفكر، ناسج للافكار.. بناء مسرحي، احساس بالاثار المسرحية، كان كل ذلك بفطرته"(مراجعة السبت، 8 ديسمبر، 1900)

الصراعات الشخصية

في كلا الرجلين كان التناقض بين الحقيقة الخاصة والمظهر العام واضحا. وراء الاسلوب، كانت هناك صراعات ذاتية وذبول في الشخصية. اعترف نيتشة "انا في ساحة المعركة كجسم وروح اكثر مما ككائن بشري ". وايلد ايضا كان مليئا بالدوافع المتصارعة. مع ذلك، اذا كان هناك ضعف بنيوي في تفكير وايلد او نيتشة، فهو بسبب ان صروح فلسفتهما بُنيت على المنطقة الرخوة او خط الصدع. من المفارقة، بالرغم من شخصيتهما العنيفة، لكن كلاهما نظر الى الذات كشيء يُخشى منه وغير موثوق به، وسعيا الى تجاوز الشخصي وإذابة شخصيتهما من خلال توظيف الأقنعة. وفي عداء شديد لما كان مرتبط به بشكل عميق، استنكر نيتشة بصوت عال ما كان تجذّر به بعمق وحاز عليه بافراط: اي، الشفقة، الأسف، التقوى والاخلاق. في محادثة مع نيتشة، لاحظت سالوم Lou Salme (التي اشارت له كتوأم الروح) منذ بداية التعارف بينهما (1882) انه كان ذو طبيعة دينية. لاحقا هي كتبت، "اليوم انا اريد التأكيد على هذا التعبير مضاعفا.. نحن نشعر بذلك وانه سوف يتقدم كمدّع لدين جديد، وحيث سيكون كمنْ يجنّد الابطال ليكونوا تلاميذه". وعن سالوم ذاتها، نيتشة ذو الاسلوب الذاتي "اللااخلاقي" يكتب في مسودة رسالة لصديقهما المزدوج بول ري:"هي اخبرتني ذاتها انها لا تمتلك اخلاقا – وانا اعتقد انها لديها، كما لدي من الاخلاق الشديدة اكثر من اي شخص اخر". نيتشة سقط في الشارع، متأثرا بانهيار عصبي، حينها بكى وذراعاه ملتفان على حصانه المتعب، كانت صورة حزينة مثيرة للشفقة. ملاحظات نيتشة اللاذعة حول الشك والضعف والمثالية، او نقده القاسي للثقافة الألمانية عامة، هي ايضا تُفهم بشكل افضل كتهديد باطني. لأنه، رغم الاستعارات الجنسية المشحونة للغاية، وإدانته لمواعظ الامتناع عن الجنس كخطيئة ضد الحياة، لكن حياته بقيت اساسا باردة جنسيا. وكذلك في جميع احتفالاته ومدحه المتكرر للرقص، هو لم يشرب ولم يرقص ابدا(رغم انه اثناء سنوات جنونه مارس شكلا انطباعيا للرقص). ككاتب اكثر سلطة من المتكلم، كلا القدرتين يبدو انصهرتا اثناء الشهور الاولى من جنونه. وبعد وقت قصير من انهياره العصبي عام 1889، كان نيتشة قد حضر في صف لطلاب الطب، احد الطلاب لاحظ، "نحن لم نسمع ابدا رجلا يتكلم بهذه الطريقة... انا شعرت بالقوة السحرية لاسلوب نيتشة لأول مرة. هو تحدّث كما لو انه كتب: جملا قصيرة مليئة بكلمات غريبة ونقائض متقنة".

التجارب مع القيم

يصف برنارد شو شهرة وايلد ومكانته بعد وفاته كشهيد: كيف كان يمكن ان يُنظر الى وايلد من قبل الأجيال القادمة لو مات قبل مأساته (فضيحته والسجن)؟. في تقييم برنارد شو، "وايلد سيبقى في الذاكرة كلبق ومدهش، وستبقى له مكانة في الدراما الى جانب المسرحي الانجليزي (كونغريف) . نسخة من أمثاله ستبقى مصداقيتها شاهدة على رف المكتبة الى جانب الاخلاقي (Rochefoucauld)(3). ماذا لو مات نيتشة بدون مأساته (الموت بالجنون)؟ ذلك من الصعب معرفته، ولكن سيبقى محطما الرقم القياسي في سجلات الادب وعلم النفس، وسيبقى له مكانا الى جانب الفلاسفة الحديثين ايضا. كمتطرفين، كلاهما اعترف بان التطرف أقرب اليهما من المسار الأوسط للاعتدال الذي استعصى عليهما. او حسب كلمات نيتشة "المواقف المتطرفة لا تأتي من المواقف المعتدلة، وانما تورثها المواقف المتطرفة المضادة".

في (الرغبة بالسلطة)، هو يذكر، "السحر الذي يقاتل لمصلحتنا، عيون فينوس التي تسحر وتعمي حتى خصومنا، هو سحر التطرف، الإغراء الذي يتبنّى كل شيء متطرف.. نحن غير اخلاقيين- نحن الأكثر تطرفا". كلا الرجلين كانا مفتونين بالتطرف في هذه الطريقة، وانهما في رؤية كلا جانبي الجدال في وقت واحد، عادة يخاطران في ان يُصابا بالحول الفلسفي . النتيجة كانت وجود افكار لا تبدو فقط ملتبسة بعمق وانما مربكة ايضا.

في (شوبنهاور كمعلم)، كتب نيتشة، " انا اهتم بالفيلسوف فقط الى المدى الذي يصبح فيه قادرا على ان يكون مثالا". هذا يبرز من نصوص نيتشة ووايلد: كل واحد في طريقته غير العادية نجح في ان يخلق لنفسه مثالا مذهلا جسّد للأجيال القادمة شخصيته الغريبة والتي كانت أعماله جزءا منها. في تركيزه على وايلد كقاص موهوب ومتحدث لامع، وصفه (غيد) "أعظم مدلل.. كما هم فلاسفة اليونان، وايلد لم يكتب وانما تحدث وعاش حكمته". بالنسبة لنيتشة، كتب الناقد جورج براندس " سؤالي الاول هو :ما قيمة هذا الرجل، هل هو مثير للاهتمام، ام لا؟ اذا كان كذلك عندئذ فان كتبه هي بدون شك تستحق المعرفة. اسئلة حول الصحيح والخطأ نادرا ما تطبّق على العوالم الفكرية العالية... نحن لسنا اطفالا نبحث عن تعليمات، وانما شكاك في البحث عن الرجال". هذا الموقف الناضج يمكن تبنّيه تجاه كلا الرجلين. بالتأكيد هما مثيران للاهتمام سواء كانا على صواب او خطأ. السؤال عن قيمتهما هو سؤال أكبر. بدون شك، نحن لانجدهما عنيفين كما كانا في أحاسيس القرن التاسع عشر، وانما في عصرنا المشكك بالمطلقات والعرضة لتعددية التفسيرات، نحن نعتبرهما معاصرين في ادراكهما لقيم تعكس قيمنا . حتى في أعمالهما المتناقضة نحن نعترف بالاعمال المدهشة والمعقدة لنفسية الانسان. وهكذا كعاملي تجديد يعيشان فينا، قبولهما يجدد قيمهما ويجعلهما على الأقل ملائمين اليوم كما كانا قبل قرن.

 

حاتم حميد محسن

..................................

The Twin souls of Oscar wild&Friedrich Nietzsche, philosophy Now

الهوامش

(1) هنا هو يمتدح اليونانيين للعيش السطحي المنطلق من العمق، بمعنى،  قرار ان تعيش سطحيا هو ذاته شيء عميق (مع ان العديد من الناس يعيشون بسطحية فقط لأنهم لايعرفون طريقة اخرى). نيتشة يشجع العيش السطحي – او العيش بخفة، بمرح، مثمناً الأشياء كما تبدو لنا، بدلا من ان نُثقل بالافكار والشكوك حول أنفسنا والعالم. هذا قد يبدو مفارقة طالما اعتقد نيتشة وبعمق في عدة قضايا، لكنه يرى انه بالإمكان لبعض الناس التفكير في الأشياء وبعمق لوقت قصير ثم العودة للعيش في حياة سطحية. هو يقول : انا أعتقد انه من الأحسن لك التعامل مع المشاكل العميقة كما لو كنت في حمام بارد – الدخول بسرعة والخروج منه بسرعة (TGS 381).

(2) صورة دوريان غراي هي قصة حول شاب لم يتأثر جماله بالعمر والفساد طالما وُضعت روحه في لوحته. الإنقسام في هذه الطبيعة الثنائية في دورين غراي يتعمق عندما هو يتفاعل مع باسل هالورد ولورد هنري. القصة تخبر القرّاء عن بطل الرواية، عن حياة دوريان غراي التي كانت مليئة باللااخلاقية والفساد كنتيجة للبحث عن المتعة والجمال الخارجي. دوريان غراي يحطم حياته عبر البحث فقط عن "جمال الجسم" وينتهي به الحال الى "فساد الروح"(Douglas 273).

(3) فرانكوس دي لاروشفوكولد اخلاقي فرنسي ولد عام 1613، يجسد بأفضل صورة الروح الفرنسية. أقواله وحكمه هي في الحقيقة تركز على النكات، الملاحظات او الاقتباسات الساخرة حول العواطف الانسانية والتفاهات ومآسي الانسان. احد هذه الاقتباسات الشهيرة:"هناك نوع واحد فقط للحب، لكن هناك ألف نسخة مختلفة له".

 

 

علي محمد اليوسف(1) فينجشتين والوضعية المنطقية

في الوقت الذي ذهب فيه فينجشتين في الوضعية المنطقية مجموعة فيّنا، التي جرى تعديلها لاحقا فلسفيا الى التحليلية المنطقية الانجليزية بزعامة بيرتراند راسل، وجورج مور، وايتهيد، فلاسفة جامعة اكسفورد والتي إنضم لها كل من كارناب، وفينجشتين الذي كان استاذا للفلسفة في جامعة كامبريدج.

كان لفينجشتين رأيه الخاص في إعتباره اللغة منطق قوانينه قبلية مستقلة عن التجربة لكنها أيضا تحصيل حاصل أنها لا تعني شيئا. ولا تدل على شيء في التجربة. فما قوانين المنطق إلا قواعد نحوية تنّظم تنظيما ميّسرا بفضاءات التجربة الحسّية . وأضاف أن المنطق يتكوّن من قواعد تركيبية أي تنّظم تركيبا وهذه القواعد تستخرج من مباديء تم إخيارها بطريقة تحكميّة.

التحليل النقدي والتعقيب

- كل ما هو قبلي معرفي تجريدي مستقل عن التجربة الإدراكية لا معنى له ولا يعبّر عن مدرك حقيقي مادي ولا عن موضوع خيالي.

- أصحاب الوضعية المنطقية الجدد وجدوا إمكانية التحدّث عن اللغة بوسيلة إستخدام لغة ثانية أطلقوا عليها "لغة اللغة" والتفلسف ما هو إلا شرح معنى لغوي بمعنى لغوي آخر. لغة شارحة بعدية للغة قبلية سابقة عليها في ملاحقة فائض المعنى.

- اللغة هي إحساس نسقي منّظم لا علاقة له بالإدراك الشيئي حسب فلسفة اللغة ونظرية المعنى، وإحساس اللغة يكون إحساسا زائفا حينما لا يكون تعبيرا لمعنى واضح الدلالة حسب المناطقة.

- بحسب المناطقة الجدد لا فرق بين زيف الإحساسات حينما تكون تعبيرا لغويا لا معنى له. ولا يمكن التحقق من صدقيته، لذا يبقى الإحساس موضع شك.

- العديد من المباحث المفاهيمية لا ينطبق عليها المنهج التجريبي النقدي الذي تنادي به الوضعية الجديدة. فكل شيء بمفهوم العلم هو موضع شك، يتطلب تبيان جوانب الإدانة فيه وتصويب أخطائه.

(2) كارناب وربط اللغة بالعلم

يميز رودولف كارناب 1891- 1970 بين عدة وظائف للغة إما أن تدل على معنى أو تعبّر عن رغبات وعواطف. ومن واجب الفلسفة حسب المنطقية الوضعية أن تحصر نفسها في تحليل لغة العلم باستخدام المناهج المنطقية التي أساسها الرياضيات، وما عدا هذه المهام فاللغة تبقى مبحثا ميتافيزيقيا لا معنى له، وخارج ميدان مباحث الطبيعة. وأدان كارناب فلاسفة اللغة الذين يضعون قيودا على الإستعمالات اللغوية، بدل الإهتمام بتجديد الشروط التي تطابق اللغة معناها.

تعقيب تحليلي

- هذه المهام للغة التي لخصّها كارناب لا تقول جديدا ما عدا يجب أن تقوم الفلسفة على تحليل لغة العلم بمنطق الرياضيات كما اسّس له فريجة وتبّناه بيرتراندراسل ومن قبله دي سوسير. فليس سهلا أن تكون الفلسفة تابعة للعلم بمجرد أنها تمتلك منطقا منهجيا تحليليا للعلم. وهذا لا ينفي بل يؤكد حقيقة تاريخ الفلسفة لم تكن تابعة للعلم تقتفي آثاره بل كانت توازيه على الدوام وتتداخل معه في نطاق ضّيق.

- العلوم الطبيعية قاطبة وليس فقط العلوم الانسانية تقوم على مبدأ إستقلالية منطق تجريدي إشاري علاماتي من المعادلات الرياضية لا يخضع الى نقد لغوي عادي سردي كما يجري في لغة نقد سرديات الادب والايديولوجيا وعلم الاجتماع والاديان التي أطلقت عليها ما بعد الحداثة السرديات الكبرى..

- أدان ريشنباغ وهو من فلاسفة الوضعية توّجه كارناب وأشياعه قائلا : أنهم يخطئون حين يحاولون البحث عن يقين مطلق، حيث ليس هناك من بديل، وإنما مجرد إحتمال. ومّيز ريشنباغ بين التحقق التكنولوجي في عصر ما، والتحقق الفيزيائي الذي لا يتعارض مع قوانين الطبيعة،.

- إنتهى كارناب في أخريات تطوره الفلسفي الفكري الى أنه يجب التوّصل الى تعريفات دقيقة للمفاهيم الاساسية التي يستخدمها العلم في إطار لغة صورية تماما.

- كما إنتهى جورج مور على العكس من لغة المنطق ضرورة العودة الى لغة الناس العاديين الجارية المتحاورة معتبرا ذلك الشرط الاساسي للتحليل العلمي الصحيح. وربط التحليل الفلسفي بكل من الإدراك العام أو الإدراك الفطري.

(3) علاقة اللغة بالوجود والادراك

يذهب بيركلي أنه يمكننا تحديد المقصود ب"وجود" دون اللجوء الى أدوات لغوية، وجود الشيء هو وجود إدراكه الشيئي. كما إعتبر أفلاطون الوقائع المعنيّة هي أفكار أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس. وعن ارسطو قوله :الانسان لا يمكنه التحدث إلا إذا تحدّث عن شيء ما مسّبق بذهنه. وأضاف التعبير عن الوجود ليس فقط أن تقول ماهو موجود، وأنما أن تقول أي نوع من الوجود تقصده. وعن بارمنيدس مقولته الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود ،فأنت لا يمكنك إدراك شيء أنت تخلق وجوده بتفكيرك وتدركه بإحساسك.

تعقيب توضيحي

- الوجود المادي للاشياء والمخيال بموضوعات الذاكرة إستبطانيا تكون سابقة على ادراكها المادي خارجيا، وخياليا استبطانيا داخليا.. وسابقة على تعبير الفكر واللغة عنهما في كلا المنحيين.

- السؤال بماذا يختلف ما هو موجود مادي، عما هو غير موجود مادي بالنسبة للفكر واللغة؟ الفرق هو في تعبير اللغة فقط بين ماهو موجود مادي خارجي وبين ماهو خيالي تصوّري داخلي.

- إدراك الوجود لا يتم بغير دلالة عقلية له، لذا يكون الوجود مصدر إدراك العقل، ولا يكون إدراك العقل هو مصدر تحقق موجود مادي لن يتحقق الا بالذهن فقط في مرجعية العقل.

- لا يمكننا معرفة موجود بغير دلالة تعبيرية لغوية عنه. إدراك الشيء هو أن تتصوره بالفكر واللغة. حتى الحواس لا تنقل الاحساسات عن الاشياء بغير تعالق ما تنقله الحواس في تصوّر وتمثّل لغوي.

- الموجود المادي هو موضوع لتعبير اللغة وتفكير العقل، وعندما نقول الموجود المادي هو لغة تجريد انطولوجي لذلك الموجود. وحينما نقول الموجود المادي هو لغة متموضعة في الاشياء والمواضيع التي يدركها العقل، وإدراك الشيء المادي حسيّا هو إدراكه لغويا، كما وإدراك الموضوع الخيالي هو إدراك وتعبير لغوي مجرد ايضا..

- أمّا حين نقول مع أفلاطون الموجودات ومدركات العقل هي أفكار فهو صحيح تماما لا يحتاج أدنى نقاش، فاللغة والفكر المعبّران عن موجود متعّين أنطولوجيا، يكون دليل قاطع أن الموجودات سابقة على إدراك العقل لها وتعبير اللغة والفكر عنها. وهو تعبيرمنهجي مادي. أما الوجه الآخر المقابل في هذا الطرح فهو يقوم على أن الموجود هو لغة مستقلة في التعبير عن دلالة الموجود ماديا ، فالتعبير لغويا عن شيء أو عن موضوع من الخيال لا وجود مادي له بالواقع، فتكون اللغة تفكير لغوي تجريدي صرف لا علاقة تربطه بالموضوع المعّبر عنه سوى جدل علاقة التأثير بالمؤثر على صعيد الفكر فقط.

- جدل علاقة التاثير والمؤثر بين الموضوع في وجوده المادي وتفكير العقل وتعبير اللغة عنه، هو بالمحصلة يقود الى تطوير الفكر المتعالق مع موضوعه ، وتسريع التطور المادي لموضوع الفكر بقدراته الذاتية وليس بقدرات التفكير الذهني به.. جدلية الفكر بالمادة تبقى جدلية غير حقيقية، وسبب ذلك هو إنعدام المجانسة النوعية بين الموجود المادي وتفكير العقل عنه. فالوجود مادي وتفكير العقل هو تجريد لغوي. جدل تناقض الاضداد لا تتم الا داخل مادة او موضوع يحمل المجانسة التكوينية الواحدة في داخله بين سالب وموجب تنبثق عنه الظاهرة المستحدثة الجديدة التي هي بدورها تحمل جدل تناقضها الداخلي ايضا.

(4) الصفات والماهية

يقول أحد تلامذة السوسفطائي جورجياس والذي أصبح من تلامذة سقراط فيما بعد قوله " أنا لايمكنني أن أحدد ماهية الشيء ، وإنما يمكنني فقط أن أحدد بعض الخصائص التي يمتلكها هذا الشيء، وهناك ما هو أسوأ من ذلك فأنا لا يمكنني القول عن شيء محدد ما ليس هو عليه ولا حتى أن أقول عنه غير موجود."

ما يقصده انتسين تلميذ جورجياس لا يمكننا تحديد ماهيّة الشيء ، إنما كان وضع بذلك بذرة فلسفية في حقل فلسفي نقاشي دام قرونا طويلة، وتناول كانط وهيجل وفلاسفة الماركسية وفلاسفة الوجودية جميعا تلك المقولة.

وهؤلاء أكدّوا عدم إمكانية إدراك ماهية الشيء بل المتاح إدراكه هو الصفات الخارجية فقط...فلاسفة الماركسية لم يعيروا إهتماما كبيرا لهذه الاشكالية الفلسفية، بل إكتفوا بمعرفة صفات الشيء تغني عن معرفة ماهيته أو جوهره، بإستثناء سارتر قوله :

- لا يشترط أن يكون لكل موجود أو شيء جوهرا علينا التفتيش عنه وملاحقته. فالماهية وعلاقتها بالصفات للشيء أو الموجود المادي الواحد، من غير الانسان كانت محط إختلاف ونقاش دائم.

- ذهب سارتر في تفرّد عن فلاسفة الوجودية الذين ارادوا ترك القضّية معلقة لا حل لها. أن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يمكننا تأكيد ماهيته. ماهيّة الانسان ليست موضوعا أو معطى مجّاني يتعالق مع الانسان في وجوده الطبيعي، بل الماهية عملية تصنيع ذاتي يقوم بها الانسان ذاته. جوهر أو ماهيّة الانسان عملية سيرورة دائمية من البناءات التراكمية والخبرات المكتسبة للانسان.

- إختلاف الوجود بإختلاف موجوداته التي يحتويها وتشّكل مضمونه. لذا تكون نوعية الوجود وإدراكه تتم بدلالة موجوداته. فالوجود مفهوم لا يحده غير موجوده الذي يحتويه. كل موجود يستمد معناه من محتواه النوعي.

- عبارة انستيسين الماضية الملغمة قوله لا يمكنني القول عن شيء محدد هو ما ليس به ولا حتى أقول عنه غير موجود، فهو أراد بذلك أن الحواس تخطيء الإدراك في الإحساسات، وتكون عاملا أوليا في تضليلها العقل. الشيء الثاني أن تعبير اللغة هو الآخر قاصر عن الإحاطة في التعبير عن مدركاتها الموضوعية بتمامها.

(5) شيلر .. والانسان

يدين شيلر 1874-1921 صاحب مقولة الانسان هو المكان الوحيد الذي يتجمّع فيه الاله. ويدين شيلر المنهج الاستقرائي في المعرفة، قوله "إن ميدان القبليات البديهية لا علاقة لها على أي نحو مع ماهو صوري " ويرى شيلر هناك وجود مادي هي مضمونات مستقلة عن الخبرة وعن الإستقراء، ويرفض شيلر بقوة شديدة ومتكافئة الاتجاه التصوري – المثالي، والإتجاه الاسمي الوصفي.

مثالية شيلر هي نسخة متقدمة عن مثالية كانط أنه لا يوجد مدركات قبلية بديهية معطاة للعقل النظري. كما أن التفريق بين ما هو تصوري مثالي، والإتجاه الإسمي الوضعي في العقل قضّية محسومة أن العقل هو حصيلة الواقع المادي، والواقع المادي يخلق التصورات الذهنية والإدراكية عن الاشياء.كما يرى شيلر في معرض إدانته لكانط في عبارة بليغة جدا قوله " لا يوجد عقل يفرض قوانينه على الطبيعة، وأننا لا نستطيع إثبات إلا ما يعتمد على الإتفاق والإصطلاح، أما القوانين فلا يستطيع أحد فرضها"

تعقيب توضيحي

- الطبيعة المادية هي مصدر قوانين العقل، وليس العكس أن العقل مصدر قوانين الطبيعة.

- القانون المستمد عقليا من الطبيعة لا بد له من التداخل في تخليق العقل لمدركات الطبيعة. والعقل الانساني في طبيعته الادراكية للطبيعة عقل متكيّف مع قوانين الطبيعة الثابتة ، وعقل محتدم متصارع مع ظواهر طبيعية تحاول النيل من الانسان في وجوده ولا تمثل تلك الظواهر التي يصارعها الانسان ويحتدم بها قوانين ثابتة تتبع قوانين الطبيعة بل هي مظاهر طبيعية عشوائية.

- يرى شيلر أن الذي يمّيز العقل الانساني تمييزا قاطعا هو نشاط الافكار التصورية له. أي فصل الماهية عن الوجود، وبالتالي فأن العقل موضوعي وإمكانية وارادة، يحددها شكل وهيئة الاشياء ذاتها في موجوديتها الطبيعية.

- الافكار التصورية للعقل الانساني هي مرتبة ثانية في إدراك العقل للوجود. فالعقل يدرك الوجود المادي للاشياء قبل الإهتمام في التعبير عنها صوريا تجريديا.

- مخرجات العقل لا تدرك وجود الاشياء بهدف التعبير عنها مثاليا تجريديا صوريا من غير ملازمة قصدية تلازم عملية الإدراك العقلي للاشياء. العقل لا يعبّرعن مخرجاته بالفكر واللغة بحيادية. بل يعبّر عنها بجدل تخارجي يلزم عنه محاولته تغييرها.

(6) هيدجر ومازق مفهوم الوجود

يعتبر هيدجر مفهومه عن الوجود في كتابه الشهير (الوجود والكينونة) المليء بالمصطلحات التعبيرية الغامضة النشاز التي تخلط بين المصطلحات الفلسفية دونما أي تحفظ كونها صادرة عن فيلسوف لا يتكرر. فهيدجر يعتبر الوجود من أغمض المفهومات على الاطلاق، والوجود ليس شبيه المتواجد من حيث هو متواجد، الذي هو الموجود هناك الديزاين "الانسان". وماهية ذلك الموجود هناك ليس ما يحتويه، وإنما ماهيته تقوم في كينونته المتعيّنة، والذي يفّسر تلك الماهية هو دائما هذه الكينونة. ويعّبر هيدجر عن أصالة تلك الماهيّة إنما تقوم على إستخلاص المتواجد الانسان من العتمة والظلام.

تعقيب اولي

- بحسب مفهوم هيدجر أنه كي يحقق الموجود هناك "الديزاين" أصالته الوجودية الحقيقية، عليه الإنسحاب من الظلمة المعتمة على حد تعبيره. ويتم هذا الإنسحاب من الكليّة الناسيّة أو المجتمعية، والناسّية حسب فهم هيدجر الذي يعتبر الوجود الحقيقي للذات هو في وجودها ضمن عالم يتسم بالديناميكية والحركة والتغيير المستمر. لكننا نجده مع هذا يطالب الانسان الفرد الخلاص من العتمة والظلام التي هي بحسب هيدجر الانسحاب من الناسّية المجتمعية.

- هذه الكلية المجتمعية أو الناسّية في الوجود كما يرى هيدجر هي تضييع الوجود الاصيل للموجود هناك الدزاين الذي هو الانسان. فتجعل من وجود الانسان كائنا قطيعيا منساقا وضائعا في رتابة الحياة القائمة على إشباع الحاجات الأساسية الروتينية في الحياة.

- إذن لا يكون خلاص الموجود هناك الانسان بغير قرار وإختيار وارادة فيها يمتلك ذاته الحقيقية وحريته التي تحكمه هي، الحرية حسب مفهوم سارتر تحكم الانسان بالمسؤولية ولا قدرة له على التحكم بها. ولا يتحكم هو بها إلا في مسؤوليته عن حرية المجموع، التحقق الذاتي المتعالي على الناسيّة بالوجود هو تحقق نوعي للذات في إمتلاكها لذاتها الحقيقية المتحررة إنفراديا. وهو من أخطاء الفهم الوجودي للذات.

- ويرى هيدجر تحقيق مثل هذه الحقيقة هو في الإنعزال عن الكليّة المجتمعية بما يجعل الموجود هناك الانسان يحس ويعرف قيمة أناه الفردية في تجليات خروجها من سلبية الوجود ضمن كلية مجتمعية زائفة، ويتحرر من هذه الاحتوائية الاستلابية لوجوده الحقيقي الاصيل بالحياة.

الصوفية وافلوطين

كيف يمكن للمتصوف أن يعرف اللامتناهي؟ قبل عرض جواب افلوطين نود التاشير إلى أن مقولة هذا التساؤل المنسوب لافلوطين خاطئة، كون المتصوف لا يدرك اللامتناهي في تجربته الصوفية – الله- فكيف يكون الحال في معرفته؟ التي هي أرفع درجة من الادراك.

يجيب افلوطين الفيلسوف الهلنستيني المتصوف عن السؤال قائلا" اننا – يقصد المتصوفة – لا نعرف اللامتناهي عن طريق العقل، لإن وظيفة العقل التمييز والتحديد، ولا يمكن للمتناهي أن يكون على مرتبة واحدة مع موضوعاته، وإنك لا يمكنك إدراك اللامتناهي إلا بالدخول في حالة لم تعد أنت موجودا فيها. ولا ذاتك المتناهية وهذا يعني تحرر ذهنك من الوعي المتناهي، وعندما تتوقف أن تكون متناهيا فإنك تصبح واحدا مع اللامتناهي"

تعقيب توضيحي:

- اللامتناهي حسب تعبير افلوطين لا يدرك بالعقل، بل يدرك في تسامي روحي يكون أعلى مرتبة من مادية العقل الطبيعية، بمعنى حالة التصوف هي إعدام كليّ لإحساسات العقل المادية غير الروحية. وحسب تعبير والتر ستيس وهو فيلسوف يعنى بالصوفية يجد بذلك مفارقة أن الكشف الصوفي يتجاوز العقل. إننا نرى لا تجربة صوفية يحققها العقل. فالعقل يدرك ما يرغب معرفته بحدود امكاناته المحدودة إدراكيا في إمتلاكه قدرة إدراك الاشياء المادية ويعجزعن إدراك الروحانيات الميتافيزيقية بضمنها التجربة الصوفية.

- الحلول الصوفي بالذات الالهية غير وارد، كون الإله غير مادي وغير مدرك الصفات ولا يتجانس مع الذات الانسانية الصوفية. ويؤكد والتر ستيس :أن الروح لا تستطيع أبدا أن تبلغ درجة الاتحاد بالله. ويذهب الى أن هناك في تراث الديانات السامّية عموما هوة عظيمة تفصل بين الخالق ومخلوقاته، ولا تستطيع روح الفرد إزالتها، بضرب نوع من التجديف.

- لا صحة لإدعاء افلوطين الحلول الصوفي هو إندغام الذات الانسانية المتحررة من العقل والوعي مع الذات الالهية، بحيث يكون الصوفي في حالة من الوجود الارضي غير الموجود الا على صعيد التسامي الروحي فقط. وهي ممارسة وتجربة إعجازية لا يمكن تصديق عدم التحقق منها.

يتبع لاحقا

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي رسول الربيعيالسّؤال: كيف يمكن التّوصّل إلى مفهوم مطابق للعدالة الاجتماعيّة يسمح بتحديد المواطنة؟ من هذا المنظور سأتناول أعمال جون راولز حيث يحاول في كتاباته الأخيرة تطوير مفهوم للمواطنة يستجيب لما أطلق عليه "واقع التّعدّديّة"؛ باعتبار أنّ "تنوع المذاهب الدّينيّة والفلسفيّة والأخلاقيّة الشّاملة في المجتمعاًت الدّيمقراطيّة الحديثة ليس مجرّد وضع تاريخيّ ينتهي بسرعة؛ بل هو سمة دائمة من سمات الثّقافة العامّة للدّيمقراطيّة".[1] وعلى هذا الأساس يسعى راولز إلى بناء مفهوم سياسيّ للعدالة يُمكن اختباره ومناقشته من قبل المواطنين كافّة أيّا كانت مواقعهم الاجتماعيّة أهدافهم ومصالحهم الأكثر خصوصيّة ومهما كانت آراؤهم الدّينيّة والفلسفيّة والأخلاقيّة.[2]

قد لا يكون واضحاً أيّ معنًى للمواطنة فيما قدّم راولز في كتاباته الأولى لاسيما في كتابه العمدة "نظريّة العدالة"، حيث أشار إلى أنّها مجموع المبادئ التي لا يمكن للأفراد العقلانيّين إلاّ أن يؤيّدوها من أجل تثبيت شروط التّعاون الاجتماعيّ. ذلك أنّ هذه المبادئ هي عبارة عن صياغة لحقوق المواطنة، إنّها تشير إلى وكلاء يقدّمون مفاهيم فرديّة للحياة الخيّرة بوصفهم أطرافا لعقد افتراضيّ ولسيت صياغة مباشرة لمفهوم المواطنة. لكنّه يعود في كتاباته اللاّحقة ليؤكّد أنّ مبادئ العدالة وضعت لأشخاص هم بالفعل مواطنين لدولة ديمقراطيّة ليبراليّة من المفترض أن يفكِّروا فيما ينشئ وضعهم كذلك في هكذا دولة ونظام سياسيّ من التزامات ملموسة.

لقد تحدّث راولز في "نظريّة العدالة" عن "أشخاص" هم مجرّد "بشر"، بينما تحدّث عن مواطنين كموضوع للنّظريّة في الكتابات اللاّحقة وهو ما اعتبر تحوّلا في تفكيره. والأكثر أهمّيّة في ذلك التّحوّل النّظر إلى أطروحته حول العدالة كوصف لمفهوم سياسيّ موجّه لعموم أولئك الذين يحملون صفة مواطن، يتناول فيه مجمل التّرتيبات السّياسيّة المتعلّقة بالمجتمع ككلّ، ويقدّم من خلاله حججا تفترض مسبقا اعتماد منظوره بالفعل.

لذلك فهو يرى أنّ أعضاء الدّيمقراطيّات اللّيبراليّة لديهم هوّيّة مزدوجة[3]، من جهة هوّيّة تسمح بالنّظر إليهم بصفتهم الشّخصيّة كحاملين لمفهوم عن الخير وعمّا يمكن أن تكون عليه حياة قيّـمة وخيّرة، فتشمل عن سبيل المثال أذواقهم الشّخصيّة واعتقاداتهم الدّينيّة ... ومن جهة ثانية هوّيّة تنظر إليهم بوصفهم مواطنين قادرين على التّوصّل إلى اتّفاق بشأن مبادئ العدالة التي تحكم ترتيباتهم السّياسيّة مثل الدّستور وغيره. ويفترض أنّ مفاهيم الخير متباينة بشكل جذريّ ولا يوجد احتمال لأن يتوافق النّاس حول ماهية القيم العليا بالنّسبة لهم، على خلاف المفاهيم السّياسيّة للمواطنة التي تعطي الأسبقيّة للمشترك فيكون مطلوبا بالنّسبة لهم أن تسبق هوّيّة المواطنة الهوّيّات الشّخصيّة، أي أن يوافقوا على قصر تصوّراتهم الخاصّة عن المصلحة والخير في الحدود المنصوص عليها في مبادئ العدالة. ومثال ذلك ما قد يطلبه متديّن من الامتناع عن مزاولة النّشاط التّجاريّ في أحد أيّام الأسبوع مثلاً، فيكون لمن هم على رأيه من أهل ملّته الموافقة على ذلك شريطة ألاّ يسعوا إلى رفع هذا المطلب إلى مستوى تشريع يلزم كافّة المواطنين الذين لا يشاركونهم نفس المعتقد، فالواجب يملي عليهم أن يفكِّروا بأنفسهم كمواطنين أوّلاً، وبهذه الصّفة سيطالبون فقطّ بما يمكن تبريره للآخرين الذين لا يشاركونهم نفس المفاهيم الشّخصيّة للخير ... وبالنّسبة له فإنّ هذا المثل يبرز بوضوح صواب أن تعطى المواطنة هذا النوع من الأولويّة.

لماذا يعتبر راولز النّظريّة اللّيبرالية نموذجا لمواطنة تستجيب لما ترفع التّعدّديّة من تحدّيات؟ ماذا يعني أن يكون الفرد مواطناً بالنّسبة له؟ لعلّ في إيمانه بشخص يتبنّى رؤية للعالم فينحو في سلوكه طبقا لمبادئ تلك الرّؤية ليرى نفسه واحدا من بين العديد من الأشخاص الأحرار والمتساوين، ويعترف بأنّ مبادئ المجتمع السّياسيّ الذي ينتمي إليه مقبولة من الجميع بعض الجواب عن هذين السّؤالين. فالفرد عندما يعترف أنّ لدى كلّ شخص آخر مفهوما خاصّا للحياة الخيّرة، يكون قادرا على التّفكير بمبادئ العدالة التي عليه أن يلتزم بها في حياته اليومية، فيستدعي احترامه لحقوق الآخرين الاتّفاق معهم على المبادئ العامّة التي تؤطّر الحياة الاجتماعيّة ومنها مبدأ تكافؤ الفرص عن سبيل المثال.

يكشف موقف راولز من المواطنة رأيا يفترض المواطن شخصا يؤيّد مجموعة من المبادئ التي تجعله عضوا في مجتمع وطنيّ، لكن هذا الافتراض يبقى مجرّد خلفية لتفكير قد يفضي التّصريح به إلى الكشف عن مشكلة تتعلَّق بالتّمييز بين العدالة ومفاهيم الخير. فهو لا ينظر إلى المواطنين على نفس المستوى من ناحية المشاركة النّشيطة في السّياسة مع أنّ مبادئ العدالة تشمل الحقوق السّياسيّة كجزء أساس، إنّه يُـعرِّف (المواطن) بوصفه ذلك الشّخص الذي له الحقّ في المشاركة والمطالب بالإقرار والاعتراف بمبادئ العدالة. ويبدو هذا واضحاً أكثر في جداله للرّؤية المدنية التي تعتبر المواطنين كائنات سياسيّة، وأنّ "المواطنة لا تتحقّق على أكمل وجه إلاّ في مجتمع ديمقراطيّ تكون فيه المشاركة في الحياة السّياسيّة واسعة وقويّة" حينما يدافع عن تقسيم المواطنين إلى نشطين سياسيّاً والبقيّة صالحين للمجتمع معتبرا أنّ "بهذه الطّريقة يطوّر النّاس مواهبهم ومهاراتهم المختلفة والتّكميليّة، فيتعاونون وينخرطون في المنافع المتبادلة"، وبها تكون المشاركة مطلوبة فقطّ بقدر ما هو ضروريّ لحماية الحقوق والحريّات الأساس.[4]

المواطنة اللّيبراليّة والتّعدّديّة

- كيف يمكن أن يتعامل المفهوم اللّيبراليّ للمواطنة بنجاح مع مفهوم التّعدّديّة؟

يتّضح أنّ هوّيّة المواطنة التي يعطيها راولز الأولويّة لشمولها هوّيّة الأشخاص إلى جانب غاياتهم وارتباطاتهم الخاصّة، وباعتبار قابليّتها للمراجعة باستمرار، ثمّ بوصفها أساسا لاستيعاب التّعدّديّة هي تجسيد لمفهوم ذلك الشّخص الذي يمتلك قوّة أخلاقيّة تسعف ليس فقطّ في تأييد وقبول الأفكار والآراء حول الحياة الخيّرة ولكن أيضاً وبشكل حاسم في مراجعة تلك الأفكار الآراء وفي تمحيصها عند الضّرورة؛ والذي يطالب بوصفه شخصاً حرّاً بحقوق يرى نفسه من خلالها مستقلاّ غير تابع لتصوّر مخصوص عن الخير، وغير منقاد لأيّة خطّة ترسم له غايات بعينها.[5] ومن جهة أخرى يسلّم راولز بأنّ الهوّيّات الخاصّة قد تشكّل عائقاً قويّا أمام هوّيّة المواطنة عندما يرى الشّخص نفسه جزءا من مجموعة لها معتقدات دينيّة أو فلسفيّة أو أخلاقية تصوغ عبرها روابط وولاءات دائمة.[6] فالأشخاص الذين ينتمون إلى مذهب دينيّ معيّن أو هم أعضاء في جماعة عرقيّة، والذين قد لا يرون أنفسهم ملزمين بإعادة النَّظر في ولاءاتهم لأنّهم يعتبرونها من ثوابت هوّيّتهم الثّقافية عليهم إعطاء الأولويّة للهوّيّة الوطنيّة التي تحقّق غاياتهم وأهدافهم الخاصّة في إطار ما ترسم مبادئ العدالة من حدود وما تضع من شروط وقيود.

إذ يمكن النّظر لهذه المشكلة طبقاً لراولز من زاوية أنّها لا تعتبر الهوّيّات الشّخصيّة عائقاً في مجتمع ليبراليّ، مادام النّاس ينظرون لأنفسهم أحراراً في اختيار أسلوب حياتهم وفقاً لأذواقهم وتفضيلاتهم الخاصّة دون أن يمنعهم ذلك من الالتزام بروابط أخرى ولا من اعتبارها غير قابلة للمراجعة؛ ومادام ممكنا أن تدعم مذاهبهم الشّاملة المفهوم السّياسيّ للعدالة فإنّ تبنّيَهم لوجهة نظر المواطنة لا يكلّفهم شيئاً بالفعل.

لكن هناك في الواقع أشخاص تمثّل هوّياتهم الشّخصيّة أو الخاصّة عائقاً أمام هوّيّة المواطنة التي يعتبرون تبنّيَها تنازلاً عن أمور خاصّة بهم ومفيدة لهم، والتي يرون التّسليم بها يعني وضع مطالبهم السّياسيّة جانباً لأنّه لا يمكنهم التّعبير عنها وفق ما تقترح من معنى للهوّيّة بوصفهم مرتبطين بجماعة عرقيّة أو بطائفة دينيّة.

- أّيّ جواب عمليّ عن هذه المشكلة؟ هل يكفي تكرار الموقف اللّيبراليّ في الرّدّ؟

- لماذا يتعيّن على الأشخاص الذين يرفضون أو يتحفّظون على المعنى اللّيبراليّ للهوّيّة أن يعطوه الأولويّة؟

- لماذا عليهم أن يقبلوا ما يقترح هذا المعنى من هوّيّة للمواطنة بشكل عفويّ؟

- ما الذي يمنع مبادئ العدالة نفسها من أن تستجيب لمطالب الهّويّات الخاصّة؟

باستعمال أشكال من الحجج والتّسويغات يفترض راولز مجتمعاً مثاليّاً يقوم على عقل عموميّ حرّ ومجموعة مؤسّسات يعيش النّاس في ظلّها ويقبلون تبريرها، لقد نسي أو تناسى وضع المطالب التّأسيسيّة لحججه التي يزعم لها الأهمّيّة بالنّسبة لأغلبيّة النّاس قيد التّجريب الملموس وبذلك يكون موقفه تكرارا للموقف اللّيبراليّ.

يذهب راولز إلى أنّ الشخص عندما يتبنّى المفهوم اللّيبراليّ للمواطنة يصبح ملزما بطريقة هذا المفهوم في تبرير المؤسّسات الاجتماعيّة والسّياسيّة. لكن السّؤال هنا هو: لماذا يتعيّن على شخص أصوليّ يرى أنّ القانون المدنيّ بصيغته اللّيبراليّة لا يتضمّن المعايير الأخلاقيّة للملّة التي ينتمي إليها في موضوع كالإجهاض مثلا؛ لماذا يتعيّن عليه إذن أن يعطي الأولويّة لهوّيّة تتبنّى المعنى اللّيبراليّ؛ أو أن يقبلها بشكل عفويّ لمجرّد الاستناد إلى القانون الوضعيّ وإلى مبادئ قبل بها الآخرون؟ لماذا يجب عليه أن يرى نفسه كمواطن أوّلاً وقبل كلّ شيء في حين أنّ واجبه الأوّل هو اتجاه الله؟ أليس من حقّه ملاءمة نشاطه السّياسيّ مع التزامه الملّيّ والعقديّ؟

تفشل حجّة راولز؛ ويترك فشلها الاختيار اللّيبراليّ أمام خيارات مفتوحة:

أوّلا: الدّفع بحجج برغماتيّة لتبرير المؤسّسات والدفّاع عن التّصوّرات اللّيبراليّة باعتبارها البديل العمليّ الأوفر نجاحا، والأكثر ملاءمة للحرّيّة والدّيمقراطيّة حتى وإن تعذّر أن يكون عالميّا أو أن يحظى بإجماع الأغلبيّة في أي مذهب شامل للحياة الخيّرة بالنّظر إلى الطّبيعة العميقة للتّعدّديّة الثّقافية في عالم متنوّع.

ثانيا: دعوة الجماعات الرّاغبة في إضفاء الصّبغة العموميّة على مطالبها الخاصّة إلى مأسسة تلك المطالب عبر إقامة تكتّلات تراعي إجراءات تشكيل المؤسّسات اللّيبراليّة لتتمكّن من خلالها من حماية وتحقيق تصوّرها الخاصّ عن الحياة الخيّرة مادامت هوّيّاتها محميّة بقوّة القانون من أيّ انتهاك، وهو ما يمكن اعتباره بحسب راولز "تسوية مؤقّتة" وخيارا ممكنا لتجنّب أيّ نزاع مفتوح مع هذه الجماعات.

ثالثا: الانتقال إلى موقف هجوميّ واعتبار اللّيبراليّة أسلوبا مميّزا يستحقّ الدّفاع أخلاقيّا وسياسيّاً، وهو بديل يتخلّى في استراتيجيّاته الفكريّة والسّياسيّة عن أيّ ادعاء للحياديّة حينما يلجأ إلى استعمال القسر في لبرلة المجتمع وهوّيّات الأشخاص فيُعامِل الأفراد كمواطنين ليبراليّين ولا يَقبَل الادّعاءاتِ والمطالبَ السّياسيّةَ التي لا تتوافقُ معه.

ومن المتوقّع جدّا ألاّ تسعف هذه الخيارات كلّها في الدّفاع بشكل مُرْضٍ عن شروط مواطنة ليبراليّة سعى إليها راولز نفسه، ولن يؤدّي أيّ منهما بالضّرورة إلى قيام مؤسّسات ليبراليّة حقيقيّة تسمح بالتّعدّديّة. ويمكن الاستئناس في هذا السّياق بالحجّة التي استشهد بها (ويل كيميلكا) عند الإشارة إلى نظام الملل العثمانيّ الذي لم يكن ليبراليّا ولكنّه كان تعدّديّا ومستقرّاً، والذي تعايشت في ظلّه مختلف الجماعات بعد أن فرضت قيوداً على حرّيّات أعضائها لاسيما فيما يتعلق بمسائل العقيدة الدّينية.[7] فبالرّغم من انقسام الجماعات المؤلّفة له وتباين هوّياتها الملّيّة والعرقيّة فإنّ هذا النّظام أعطى لكلّ منها سلطة تنظيم شؤون الأعضاء ضمن إطار قانونيّ عامّ فكان مستقرّا مع أنّه لم يكن ليبراليّا قطّ.

رابعا: إعمال النّموذج الطّبيعيّ الذي يدعو إلى تنشئة الأجيال بالتّربيّة والتّعليم على الطّريقة اللّيبراليّة، وعلى الاختيار والاستقلاليّة. فيكون التّوجيه بوسائل غير قسريّة، ويكون التّوجّه نحو تبنّي الاختيار اللّيبراليّ حرّا وتلقائيّا يحقّق مشاركة الجميع بسلاسة في الحياة السّياسيّة للمجتمع. ومن المؤمّل جدّا أن يهدي هذا النّمط من اللّيبرالية إلى طرحٍ معتدلٍ حول المواطنة والتّعدّديّة يقبله الجميع، فيتعاملون مع تصوّراتهم عن الحياة الخيّرة كشأن خاصٍّ يمكن تعقّبه بوسائلَ غيرَ سياسيّةٍ.[8]

تصل اللّيبراليّة المتشدّدة في حلّ مشكلة التّعدّديّة إلى حدّ إعلان الحرب على الجماعات التي لا تبدي استعداداً للتّكيّف مع الفهم اللّيبراليّ للمواطنة، ولا تقدّم أسباباً وجيهة ولا أجوبة معقولة حينما تواجه بالسّؤال عن الدّواعي التي تحتّم على هذه الجماعات قبول المؤسّسات اللّيبراليّة، فتُشعِرُ هذه الحالة أعضاء هذه الجماعات بالغربة عن المجال السّياسيّ لتبقى مواطنيّتهم مجرّد صفة رسميّة. يقلّل اللّيبراليّون من حجم الصّعوبات التي تواجه "عمليّة تحرير" الهوّيّات غير اللّيبراليّة ولا يقدّرون ما على النّاس التّخلّي عنه إذا ما قرّروا اعتبار تصوّراتهم الخاصّة للحياة الخيّرة قابلة لإعادة النّظر والمراجعة. ولا يرون أنّ الجماعات ذات الارتباط القويّ بهوّيّاتها تحتاج إلى عدّة أجيال لتقبل الهوّيّة اللّيبراليّة للمواطنة، مع أنّ هذا واضح حتى في المجتمعات التي تعيش في ظل أنظمة ليبراليّة سياسيّا واجتماعيّا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Rawls, J., ‘The Domain of the Political and Overlapping Consensus’, New York University Law Review, 64 (1989), pp.234-5

[2] Rawls J. ‘The Idea of Overlapping Consensus’, Oxford Journal of Legal Studies, 7 (1987), pp5-6

يقدم راولز الخطوط الأساسية لوجهة نظره حول المواطنة ولكنه أيضاً، يستجيب بما يمكن لكل النقد الذي وُجهَ لنظريته في صيغتها الأولى، نلاحظ أنه مال لاحقاً إلى اتفاق جوهري مع المفهوم الجمهوري للمواطنة، خصوصاً في وصفه للعقل العمومي.

[3] Rawls J. ‘Justice as Fairness: Political Not Metaphysical’, Philosophy and Public Affairs, 14 (1985), pp 240-2

[4] Rawls J. Political Liberalism (New York, Columbia University Press, 1993) p.206

[5] Rawls J. ‘Justice as Fairness: Political Not Metaphysical’, P. 241.

[6] Ibid P. 241

[7] Kymlicka, W., ‘Two Models of Pluralism and Tolerance’, Analyse und Critic, 13 (1992), 33-56

[8] هذه الاستراتيجية التي يدافع عنها بريان باري في:

‘How Not to Defend Liberal Institutions’ in Barry B. Liberty and Justice (Oxford, Clarendon Press, 1991)

 

 

علي محمد اليوسفتساؤلات مفتاحية

كيف ندرك وجود الاشياء؟ هل الإدراك معرفة بذاتها إم هو وسيلة معرفية؟ مالفرق بين الإدراك المثالي عن الإدراك المادي؟ هل الإدراك إحساسات تصدرعن الموجودات المادية ويستلمها الذهن؟ هل الذهن عامل تغيير لما يدركه من أشياء خارجية أم عامل محايد مهمّته التفكير بما يدركه فقط؟ هل الإدراك وعي يتقدّم ترجمته في تعبير الفكر واللغة؟ كيف تكون علاقة الإدراك الذاتي للاشياء مع قوانين الطبيعة الثابتة؟ من الذي يتغّيرفي جدلية إفتراضية الإدراك أم الاشياء المدركة وكيف؟ ما علاقة الإحساسات الصادرة عن الحواس بالإدراك؟ هل الإدراك إنطباع ذهني صامت أم فكر تعبيري لغوي عن الاشياء في وجودها المادي؟

ماهو الادراك؟

لا يختلف الفلاسفة الماديون ولا المثاليون على حقيقة توّحدهم أن الإدراك إستجابة لما تثيره الإحساسات المادية عن الاشياء في واقعها الخارجي. والإدراك ميزة نوعية إنفرادية يختّص بها الانسان تختلف عن إدراك الحيوان، كون ما يدركه الحيوان من موجودات الطبيعة هو المثيرات الخارجية منها التي تجعله يتخذ ردود أفعال فورية غريزية في مواجهة تلك المثيرات دفعا للخطر الذي يتهدد حياته. وكذلك إدراكه ما يحفظ بقاءه حيّا بما توفره الطبيعة له من غذاء. يمتلك الحيوان وعّيا محدودا مشروطا بالإدراك المحدود لما يصادفه في الطبيعة. وعي الحيوان هو وعي غريزي يسعى الحيوان إشباعه وليس وعيا مقصودا مخترعا بذهن الانسان لمعرفة ما يدركه من موجودات طبيعية وظواهر عديدة في معنى الوجود... من جنبة أخرى نجد الانسان يدرك ما هو موضع إستثارة إدراكية له،لذا إعتبر بعض الفلاسفة أننا ندرك من عالمنا والاشياء ما نستطيع التعبير لغويا عنه، أي ما هو محدود وجودا في إمكانية إدراكه.

الإدراك بالمنطوق الفلسفي الذي يبدأ بالإحساسات هو أولى درجات سّلم معرفة الشيء في حقيقته المادية الموجودية، والإدراك مرحلة أولى في عملية المعرفة التي تتوزّعها منظومة العقل الإدراكية التي تبدأ بالحواس ولا تنتهي بألدماغ. بهذا المعنى يكون الإدراك ماديّا يدخل في علاقة جدلية متبادلة بين الشيء ومدركه الانسان. وهذا الفهم للإدراك يتعارض مع النظرة المثالية التي ترى في الإدراك شخصا يحمل أفكارا بذهنه لا علاقة تربطها بموجودات العالم الواقعية. وإدراك ألشيء لا يدخل بعلاقة جدلية مع ذاك الشيء.

ورغم التّطرف المثالي الذي يتبّناه بيركلي في فلسفته المثالية فهو يعرّف علاقة الإدراك بالشيء قوله (أن يوجد معناه أن يدرك) وما لا يدرك بالفكر والذهن لا وجود له في عالم الواقع والاشياء. والإدراك يقوم على مثيرات الإحساسات الصادرة عن الموجودات بالعالم الخارجي بل ويقوم الإدراك على الأحاسيس الإستبطانية أيضا التي تستثيرها الذاكرة والخيال في خلقها مواضيع غير مادية للإدراك. بهذا المعنى يتبادر للذهن أن الادراك هو علاقة مشتركة بين وجود الشيء المادي مع تلقي الإحساسات الصادرة عنه تجاه الذهن مستودع التفكير بألاشياء كما نفهمه خطأ. فالذهن ليس مستودع التفكير بل هو وسيط ناقل لإنطباعات ذهنية مصدرها المثير المادي الحسّي في وجود الاشياء في العالم الخارجي. لكن التفسير المثالي يرى أن الإدراك هو تفكير ذهني يتخّلق وينبثق عنه تصوّرنا الموجودات من الاشياء التي يتم إدراكها في وجودها الحقيقي الواقعي. من دون معرفة مصدر إنبعاث ذلك الإدراك في ذهن الانسان، وإذا كان الإدراك هو محض تفكير مستقل بالذهن فكيف تكون علاقته بالمواضيع التي يخترعها ذهنيا من مصدري الخيال والذاكرة وليس من الواقع الخارجي المادي؟

الإدراك معرفة

يرى الماديون أن الادراك مرحلة بدئية أولية في معرفة الشيء المدرك، وإدراك  الشيء لا يعني معرفة ذلك الشيء في حقيقته. فالمعرفة عملية معّقدة لا يتم حسمها بإدراك إنطباعات الذهن لموضوع، فالإنطباع الذهني هو الآخر لا يمنحنا معرفة حقيقية عن موضوع يجري التفكير به بالدماغ. كون  التفكير هو ماهية العقل وليس ماهية الذهن. وبيركلي يرى في الإدراك حسب فهمنا له من فلسفته المثالية :

- الإدراك ومخرجات العقل عنه لا تغيّر شيئا من واقع الاشياء في وجودها الطبيعي بإستقلالية مخلوقة من الله. التي تكون محكومة بقوانين طبيعية ثابتة تلازم الوجود، لذا تكون إنتاجية الذهن والتفكير حول مدركاته هي تفكير هامشي لتجريد معرفي لا علاقة له ولا تأثير بتلك الموجودات في وجودها المادي المستقل في الطبيعة وعالم الاشياء.

- إدراك الشيء موجودا من عدم إدراكه لا يغيّر من حقيقة وجوده الثابت المستقل. والفكر كتجريد إدراكي لا يتداخل جدليا مع مدركه المادي.

- فحوى الذهن الإدراكي التفكيري الانطباعي بالاشياء والمواضيع هي علاقة خارجية تخص فاعلية الذهن أكثر من علاقتها في مهمة تغيير وتبديل علاقات الاشياء والموجودات وتبديلها في الواقع جدليا.

- الذهن إدراك إنطباعي محايد فعندما ندرك كتابا موجودا على منضدة، وننصرف بعد برهة زمنية لإدراك غيره من موجودات عديدة داخل الغرفة فهذا لا يرتّب على الذهن رد فعل تفكيري يضيف شيئا لوجود الكتاب في إستقلاليته المادية دونما تأثير مخرجات الذهن به.. فالإدراكات المتتالية للاشياء تدخل الذهن وتخرج منه بدون تأثير يجري عليها في وجودها المادي الخارجي المستقل. والإدراك صورة تجريدية لغوية بمعنى أنه يبقى صمتا معرفيا لا تعبّر عنه اللغة قبل البّت الفكري عنه عقليا. والإدراك سلسلة من التداعيات الإنطباعية العشوائية التي لا يمتلك الذهن إمكانية السيطرة عليها  ورد الفعل الإنعكاسي عنها قبل رد الفعل الصادر عن الدماغ في تحليله لها.

الادراك والذهن

حين إعتبر بيركلي الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة تعني شيئا ذهنيا فقط. يجد منتقدوه أن الموضوع الواقعي ليس ذهنيا على الإطلاق بما يلغي أهمية وتأثير وجوده المادي على تفكير الذهن، وبخلاف بيركلي ايضا الذي يرى (الذهن مجرد علاقة يدخل فيها الموضوع ويخرج منه دون أن يتغيّر على الاطلاق)1، هذا يعني حسب فلسفة بيركلي :

- إدراك الشيء صدفة طارئة زائلة وليس فعلا قصديّا يحدده تفكير العقل مسّبقا. بمعنى الإدراك ليس وعيا قصديا معرفيا بل هو إنطباع أولي مؤقت عن الاشياء في وجودها المادي المستقل.

- الذهن ليس مستودع الإدراكات بل هو علاقة تواصلية وحلقة وسطية ترتبط مع منظومة الإدراك العقلية الأخرى، وكما يدخل  الموضوع في الذهن يخرج منه بلا مؤثر ولا تأثير. وتبقى خاصية التفكير وتحليل الإستجابات الإدراكية هي من عمل الدماغ حصرا.

- الإدراك فهم إحساسي إستبطاني لا ينوب عن الوعي في تعبيره الفكري اللغوي عن مدركاته التي يحددها الذهن وليس إدراكات الحواس. والوعي يتقدّم الإدراك الحسّي في تعبيره عن الاشياء بالفكر واللغة. بمعنى الوعي هو تفكير العقل أما الإدراك فهو تفكير الذهن في إنطباعات وتداعيات تغادره سريعا وليس أفكارا أنجزها العقل ويعّبر عنها الوعي باللغة.

ديفيد هيوم والادراك

يذهب ديفيد هيوم 1711- 1776 في تعريفه الإدراك pereception، على أنه "فكرة " وهي نفس تسميّة المصطلح المتّفق عليه عند جون لوك وجورج بيركلي طبعا بإختلافات فلسفية جوهرية. هيوم يذهب الى تجزئة الادراك الى "إنطباعات" و"أفكار" فالإنطباع عنده يطلق على أي أحساس مثل عاطفة أو إنفعال عندما يظهر لأول مرة في حياتنا، أما الفكرة فهي نسخة "باهتة" من الإنطباع حسب تعبير هيوم. واضح هيوم يعتبر إنطباعات صور الإدراكات في الذهن أسمى مرتبة من تشكيل الذهن لمدركاته الخارجية بالفكر واللغة. دليل قوله الفكرة نسخة باهتة من الإنطباع. والانطباع إدراك اولي لا يمثل مخزونا ذهنيا بل مخزونا معرفيا بالذاكرة.

يقول هيوم " كلما توّغلت داخل ما أسميّه نفس، فإني أعثر بإستمرار على إدركات جزئية مثل الحرارة والبرودة، النور والظلام، الحب والكراهية، الالم واللذة، ولا أستطيع الإمساك على الإطلاق على هذه النفس في أي وقت دون إدراك ولا أستطيع ملاحظة غير الإدراك"2.

هنا هيوم لا يستطيع إنكار حقيقة النفس إنها تجريد في التعبير عن مدركات شعورية هي الأخرى تجريدية في إدراكها، فتجريد النفس يخلق إدراكات لا يمكن التحقق منها سوى في مرجعية النفس ذاتها. النفس تجريد إفصاحي عن إحساسات ماديّة إستبطانية فردية لا معنى ولا قيمة إدركية عند غير صاحبها، مثلا إننا لا نشعر بالألم كما يشعر الفرد الواقع عليه مسّبب الألم ولا نشعر به في التعبير عنه بكلام صاحبه عن ألمه. وكذا الحال مع جميع إفصاحات النفس مثل الشعور بالحزن والفرح والكراهية والحب واللذة وغيرها.

من المهم التنويه أن ديكارت إعتبر النفس جوهرا خالدا يوازي جوهر العقل ويلتقيان معا بالخلود ولا يفنيان بعد موت الجسم. برأينا النفس حتى وإن كانت جوهرا فهي لا تعلو على العقل وتبقى وصاية العقل عليها قائمة لا خلاص منها. النفس تابعة للعقل ولا يتبعها العقل في أي نشاط تقوم به على أنها تمّثل جوهرا منفردا لوحدها. مخرجات النفس العاطفية بمجملها تجريدات تعبيرية لا تصدرها النفس من غير مرجعية الإدراك العقلي لتلك الإفصاحات النفسية.

ومن أخطر صفات التفكير المثالي هو أنه يدرك الوجود المادي وإفصاحات النفس وموجودات الطبيعة في عملية تجريد ذهني لا يتداخل مع تلك المدركات بعلاقة جدلية التأثر والتأثير مع الموجودات المادية. لذا نجد فلاسفة التفكير المثالي يتجاهلون حقائق عديدة منها على سبيل المثال:

- التفكير المثالي لا يجيب على أسئلة هامّة مثل لماذا ندرك الاشياء وموجودات الطبيعة وظواهر الحياة التي نعيشها؟، في وقت يصبّ التفكير المثالي كل إهتمامه على "كيفية " إدراكنا لهذه العوالم. ولا توضّح المثالية في التفكير كيف وبأية آلية تتطور مداركنا وندرك تطورات الموجودات الواقعية من حولنا؟.

- الثابت الذي لا ينكره التفكير المثالي هو أن الإدراك ليس هو واقع التعبير عن حقيقة الاشياء. التفكير المادي هو إدراك إنطباعي في الذهن ولا يمّثّل الوجود المادي للاشياء تأثيرا في جدلية غير قائمة ولا متحققة بين الذهن والإدراك عنها.

- جميع الإدراكات الناشئة عن الإحساسات الخارجية يكون تخليق تعبيراتها اللغوية في الذهن وليس مصدرها الوجود المادي في التعبير عن موجودات العالم الخارجي.

- يعّبر هيوم أننا ندرك ذواتنا من "حزمة أو تجمّع إدرإكات مختلفة، يعقب بعضها بعضا بسرعة فائقة لا يمكن تصورها، والإدراكات المتعاقبة هي التي تؤلف ويتكون منها الذهن"3. تعبير هيوم هذا ينسف الخطأ الفلسفي الشائع أن الذهن مصدر التفكير في معنى الإدراكات الواصلة له عبر الحواس. ويؤكده فهم بيركلي الذهن حلقة توصيل المدركات الخارجية للدماغ مركز التفكيرومصدره. بمعنى كل تفكير ينسب للذهن منفردا هو أمر لا أساس له من الصحة المعرفية وليس من خصائص الذهن.

الانطباعات والافكار

رغم عبارات ديفيد هيوم السابقة وصفه الإنطباعات لا تشّكل ماهيّة الذهن لأنها إدراكات سريعة تمّر بالذهن بما لا يمكن التثبّت منها. نجده يصّر على أولوية إنطباعات الذهن على أفكار الذاكرة. معتبرا الإنطباعات أكثر وضوحا من الأفكار، ونحن نستمّد الافكار على حد تعبيره من الذاكرة بوصفها إستعادة حقيقية لإنطباعات خبرناها بالماضي، كون هذه الإنطباعات أكثر حيوية من أفكار الخيال الأكثر خفوتا وأقل تماسكا.4

وتعقيبنا نبدأه بالتساؤل لماذا تكون الإنطباعات أكثر وضوحا من الأفكار. نعتقد هيوم يبني هذا الترجيح على أن مكمن الإنطباعات هو الذهن الذي يقوم بتخزينها بالذاكرة. لذا هو يعتبرها أكثر وضوحا من الأفكار لأنها – الافكار -  إكتسبت في تخزين الذاكرة لها موثوقيتها الصادقة في الإعتماد عليها. من المهم قولنا الذهن لا يرتبط بالذاكرة في تخزينه الانطباعات الواصلة له عن طريق الادراكات.

أما المسألة الهامة الأكثر غرابة هي في إعتبارهيوم الإنطباعات خبرة متراكمة بالذاكرة وليس بالذهن وهذه حقيقة يمكن إعتمادها. لذا فهي أي الإنطباعات أكثر حيوية من الأفكار لأننا خبرناها بالماضي قبل تخزين الذاكرة لها. هذه المسألة تحتاج الكثير من المناقشة التي ترى الانطباعت ليست مخزونا بالذاكرة.

فألإنطباعات الذهنية تصبح هي الأفكار التي إتخذت حقيقتها الوثوقية من تفكير العقل بها قبل تخزينها كخبرة متراكمة بالذاكرة. فالإنطباعات هي إحساسات قلقة وغير واضحة شبحية قبل تحويل تفكير الدماغ لها الى أفكار خبرية ويتم تخزينها في الذاكرة.

الإنطباعات هي إدراكات أولية للذهن ومن بعده تصل العقل لتحليلها وإعطائه ردود الأفعال الدماغية عنها.. فالإنطباعات ليست حقيقية أكثر من الأفكار التي يصفها هيوم بالخيالية التي تكون مهزوزة قلقة غير واضحة كما هي الإنطباعات في صدقيّتها الموثيقية التي لا تحتاج  برهنة تجريبية لها. العكس هو الصحيح بدلالة أن الانطباعات هي مخزونات ذهنية زائلة في حين الافكار مخزونها الذاكرة التي إستمدت وثوقيتها من العقل.

الادراك والفعل الاستبطاني

دأبت الفلسفة عبر تاريخها الطويل إعتبار أن الإدراك هو إنعكاس الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي، وأن الإدراك علاقة جدلية تبدأ بين الحواس والموجودات المادية الشيئية في عالمنا الخارجي، ولم يتبادر الى ذهن الفلاسفة قبل هيوم أن الادراك هو فعل استبطاني ناتج عن إحساسات العالم الخارجي، وهنا أدخل هيوم الفلاسفة في معضلة كان هيوم أعطى حّلا لها  في توضيحه القضايا المتداخلة التالية التي ندرجها نحن وتمثّل رأينا وليس هيوم:

- إنطباعات الذهن هي ليست أفكارا

- الإنطباعات تمر بسرعة مذهلة متجاوزة الذهن

- الذهن ليس مستودع الإدراكات المتغيّرة على الدوام

- الذهن ليس خاصّية تفكيرية ولا يمتلك خاصّية تخزين المعارف.

- الإدراكات تستمّد مصدرها من مخزونها الذي هو خبرة متراكمة في الذهن.

هيوم هنا أوقعنا في تناقض حول حسم مصدر الإدراك خارجيا أم داخليا إستبطانيّا وكيف؟ بالحقيقة أن الإدراك في نظر هيوم هي عملية متداخلة المصدر في إحساسات خارجية من الواقع، بنفس وقت الإدراك يكون إستبطانيا داخليا حينما يكون مستّمدا من الخبرة التراكمية بالذاكرة. والأهم من ذلك تفريق هيوم بين الإنطباعات التي هي إدراكات متغيّرة، وهي ليست الافكار المستمّدة من الخيال التي وصفها بالأفكار الخاملة الباهتة مقارنة لها مع الإنطباعات المتجددة بإستمرار في تداعيات عشوائيتها الذهنية.

هيوم يصف الإدراك كما ذكرنا أنه فعل (إنطباعي) إستبطاني داخليا، وهو في تغيير دائم دليل تعبيره "أننا لا نجد على الإطلاق أي شيء في أذهاننا سوى إدراكات تتّغير بإستمرار" 5، مما مر بنا شرحه أن هيوم يعتبر الإدراك إنطباعات ذهنية متغيرة متبدّلة، وليست أفكارا إدراكية تصورّية. والإنطباعات أكثر حيوية من الافكار الخيالية التي غالبا ما تكون خاملة، والسبب أن الإنطباعات هي متحركة دوما في تجدد مستمر دائبة الحركة بالذهن الذي هو في حقيقته مجموعة من الإدراكات. بينما يكون مصدر الأفكار هو المخيّلة التي تتعالق بالذاكرة قبل تحويلها إحساسات المدركات التي تردها الى العقل ليحوّلها افكارا تعتبر نسبية الثبات في مقارنتها بالانطباعات الحركية.. عشوائية الإنطباعات الواردة للذهن ومغادرتها له بسرعة فائقة إنما يقوم تنظيمها وتحوّلها الى أفكار تختزنها الذاكرة هو تفكير الدماغ بها وليس تفكير الذهن الذي لا يمتلك استقلالية تفكيرية غير مرتبطة بالعقل..أهم ما جاء به هيوم متفردا عن فلاسفة آخرين إعتباره الإدراك إنطباعات إستبطانية تتم داخليا هي في تغيير مستمر، وهذا إنفراد نوعي أن الإدراك حسب فلسفته يستمد مواضيعه من خزين الذاكرة، بعد أن يكون إستمدّها من الإحساسات بموجودات العالم الخارجي. بمعنى آخر الإدراكات لا يتّم البّت بها تفكيرا داخل الذهن بل خارجه داخل المنظومة الادراكية العقلية. فالإدراك هو رد فعل إنطباعي لا يمتلك قابلية الوعي بمدركاته في التعبير الفكري واللغوي عنها. وقام هيوم بربط الإدراك بالنفس وليس ربطه بالوجود المادي. وفي أن الإدراك هو بدئيا إحساسات حسيّة مصدرها موجودات العالم الخارجي إلا أنه يتّم فرزه وتمحيصه داخل منظومة العقل قبل تشكيل الوعي به  وتشكيل الفكر وتعبير اللغة عنه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

هوامش:

1- وليم رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، ت:محمود سيد احمد، مراجعة وتقديم امام عبدالفتاح امام. ص 200

2- نفسه ص 212

3- نفسه ص 211

4- نفسه ص 215

5- نفسه ص 216

 

 

علي محمد اليوسفتوطئة مفتاحية: نبدأ بتساؤلات مفتاحية. هل المادة جوهر مفكر؟ هل تستطيع المادة إمتلاك عقل إدراكي يدخلها بعلاقة جدلية مع الانسان وموجودات الطبيعة المادية الاخرى؟ هل المادة جوهر نفسي هو جزء من جوهر كلّي أشمل منه؟ هل يوجد إدراك ما فوق العقل يحكم المادة والانسان خاصة في مجال الايمان الديني والتحكم بالطبيعة؟

هل يوجد بديل يوضّح عملية الادراك العقلي غير التي تذهب الى أنه سلسلة من فعاليات تجري داخل المخ لتعطي الادراك العقلي معنى قصديا؟ هل النفس تتناوب الادراك المنفرد مع الروح أم بالتكامل بينهما النفس والروح في نشدانهما الإيمان الديني للانسان؟ هل النفس تجريد لتجليّات سلوكية بخلاف الروح التي هي تجليّات صوفية إيمانية دينية متفردة غير مدركة ولا منظورة بأية وسيلة إدراكية حدسية؟ هل تمتلك المادة نفسا self لا ندركها هي مافوق عقلي.؟

لوك وتفكير المادة

لا حظ جون لوك الفيلسوف الانجليزي الشهير في عبارة له وردت بكتابه " مقال في الفهم البشري" مانصّه " من الممكن أن تكون للمادة كلها القدرة على التفكير " بمعنى أراد الإفصاح التمهيدي غير المعلن عن ولادة مصطلح مذهب "وحدة الوجود" الذي تبلوّر لاحقا لدى اسبينوزا وهيجل في تقريبه من الصوفية الدينية وتقريبه من الميتافيزيقا بشكل عام. وتعتبر الإرهاصة الاولى لهذا المبدأ كان في الفرقة الدينية الانجليزية المؤلهة "الربوبية" التي رأت أهمية التوحيد المستمد من نظام الطبيعة الإعجازي الذي وصفه فولتير أنه سبب كاف يقودنا التسليم بالإيمان الديني في وجود الخالق.ويذهب وليم رايت في كتابه تاريخ الفلسفة الحديثة إن هذا المصطلح وحدة الوجود يعود بالأصل الى تولاند الذي وصفه رايت بالساذج قوله " العقل وظيفة لنشاط  المخ التي تناسب دينه الطبيعي بما أسماه وحدة الوجود وهي عبارة إستمدها منه سبينوزا وهيجل."1

فولتير والمؤلهة

ينسب لفولتير أنه بعد مكوثه لاجئا ثلاث سنوات في بريطانيا هربا من ملاحقة السلطة الفرنسية وقتذاك تأثر بمذهب المؤلفة الطبيعيين الانجليز الذين لا يؤمنون بالتثليث، وكان رأي فولتير واضحا "أن هناك نظاما كافيا في الطبيعة يؤدي بنا، كما سبق لنيوتن قال به، الى الايمان بالله، وبعد فترة آمن فولتير أن المادة أزلية مثل ازلية الله"2، لكن ما يؤخذ على فولتير تفسيره السطحي لحادثة زلزال لشبونة 1775 قوله "الله قدرة محدودة،"3، وبهذا المعنى الدوغماتي الإفتعالي حاول تبرير وجود الشرور بالارض خارج مسؤولية وقدرات الخالق إمكانيته درء أخطارها عن البشر. وسخر من مقولة لايبنتيز أننا نعيش أفضل العوالم.

تعقيب توضيحي نقدي

- ليس من المتاح ولا المبرر الخلط بين تفسيرين، أحدهما الايمان الديني الذي يقول لاعلاقة للخالق بحدوث الشرور التي تحدث للانسان على الارض، ومثال ذلك زلزال لشبونة الذي لم يتدخل الخالق في درء كارثيته البشرية. وذهب تبرير رجال الدين الكاثوليك وقتذاك لهذا الحادث المروّع أن المسؤولية تقع على عاتق السكان الذين بنوا بيوتا متهالكة لم يحسبوا حساب مثل هذه الكوارث. بينما التفسير المتوازن الذي يقبله العقل والايمان معا أن لا دخل ينسب للخالق أنه يتدخل في شؤون الانسان لا الدنيوية الخيرية منها ولا الشرّيرة الدنيوية ايضا، فقد أغنى الخالق نفسه عن مثل هذه الأمور في تزويده البشر بعقل يسترشدون به في معظم أمور حياتهم ولا يتّكلون على الله حلهّا لهم. فكما أن الخالق لا ينزّل بركاته بسّلة لمن يراه مؤمنا، ويحرم الآخرين منها. أيضا الخالق لا دخل له في أسباب حدوث الشرور التي يقع الانسان البريء ضحيتها كذلك غير مسؤول ولا دخل له أن يغدق خيراته على منتخبين من المؤمنين به ويحرم الفقراء منها. لكن ما لا يمكن الإجابة المنطقية عنه هو أن الظواهر الطبيعية المدّمرة للانسان مثل الزلازل والبراكين والأعاصير والأوبئة لا يستطيع عقل الانسان التنبؤ بها لكي يحتاط ويتجّنب شرورها.

- الملاحظة الثانية يوجد فرق كبير بين نظام الطبيعة الذي تحكمه قوانين طبيعية ثابتة تقوم على تنظيم إعجازي يصعب إدراكه هو فوق العقل حسب تعبير جون لوك من الناحية الإيمانية الدينية التي تقود العقل الانساني الايمان بوجود الخالق المنّظم لمثل هذا الإعجاز في الطبيعة. وهذا ينافي مقولة فولتير الخالق عاجز عن التدخل في شؤون الحياة الانسانية لأنه محدود القدرة، لا في درء الأخطار عن البشر ولا في توفير كل رغائبهم الدنيوية بكل يسر وسهولة، وبذلك ينتفي دور العقل عند الانسان كما تنتفي عنده إرادة صنعه الحياة التي يعيشها والتّغلب على مصاعبها، في نزعتي الخير والشر وبالتالي تكون معيارية ما يرضي الخالق لا معنى لها. كون كل ما يعجز الانسان الحصول عليه ينزّله الخالق بوسائله الإعجازية وهو محال.

-  مذهب وحدة الوجود الذي يرى في جميع مخلوقات الطبيعة وكائناتها ومكوناتها وظواهرها هي (جوهرا) واحدا يمكنه التفكير بكليتّه الجمعية كما في عبارة جون لوك المادة لها قدرة التفكير كونها تمثل جوهرا تابعا أكبر منها يستوعبها ويمنحها بعض خصائصه الصفاتية والماهوية، كلام عار عن الصحة ولا يمكن الأخذ به. فالطبيعة ليست جوهرا يستمد خصائصه المادية من جوهر خالقها الله الذي لا يمتلك خصائص مادية يدركها العقل ولا حتى حاسّة مافوق العقل. فالطبيعة المادية بما فيها الانسان موجودات لا تحمل أيّا من خصائص الجوهر الإلهي بذاتها وحقيقتها، الخالق لا يوزّع صفاته على موجودات طبيعية كي يدركها العقل و يستطيع إدراك خالقها بدلالتها.

ولو تطابقت الصفات الماهوية في المادة وموجودات الطبيعة مع الصفات الالهية للخالق، لأصبح من غير المتّعذر إدراك العقل المحدود إدراك المطلق الإلهي بنفس آلية ادراكه موجودات الطبيعة المادية التي تحمل الصفات الجوهرية الإلهية.

ولكي نزيل الإلتباس الذي يحاول مساواة الإعجاز في نظام الطبيعة التي تقوم على قوانين ثابتة مع صفات الموجودات والاشياء المستقلة التي تحمل خصائصها الصفاتية المدركة عقليا. وهذا يجعل من فجاجة "تولاند" أنه أصبح للمادة - وليس لنظام الطبيعة - إمكانية تفكير عقلي مرتبط بعقل كليّ يسيّره في أبسط وأعقد قضاياه ذلك هو الجوهر التي تتوزعه المادة في تنوّعاتها الطبيعية.حين ندّعي إمكانية إدراكنا بعضا من صفات الذات الإلهية في موجودات الطبيعة المادية هذا يبيح لنا إمكانية إدراك الخالق بمجمله كجوهر بنفس آلية إدراكنا بعض صفاته.. مابين الشارحتين لكاتب المقال.

- القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الانسان والكائنات معها هي قوانين ثابتة زرعها الخالق في الطبيعة بنظام معجز يتّعذّر إدراكه العقلي المحدود وليس قدرة الخالق المحدودة كما ذهب له فولتير بشطحة تفكير. هذه القوانين الثابتة لا تدخل مع الطبيعة بعلاقة جدلية معها في ألتأثير وألتأثر المتبادل كونها ثابتة لا تتغير، وإنما الذي يدخل بجدل تفاعلي وثيق هو علاقة الانسان بالطبيعة وليس علاقة الطبيعة بذاتها وعلاقة الانسان بذاته. الجدل يجري في تضاد متجانس نوعيا. الجدل يجري بين متضادين تجمعهما المجانسة النوعية الواحدة داخل تكوين الشيء أو داخل تكوين الظاهرة، فكيف نبرر تداخل الانسان جدليا مع موجودات الطبيعة وهما مختلفين في المجانسة الواحدة؟

هنا يؤخذ الجدل بين الانسان والطبيعة في علاقة الفكرالعقلي بالمادة غير العاقلة التي هي علاقة جدلية على مستوى الفكر الذي نستطيع القول أنه غير مادي في مجانسة تجريد الفكر مع المادة. فالجدل الذي يحكم تطور المادة هو جدل يعمل داخلها ويعمل خارج رغبة الانسان كقانون يحمل كامل الإستقلالية، لكن جدلية الفكر الانساني مع الطبيعة المادية تتم وفق علاقة تحكم كيف يستطيع الفكر الانساني إدراكه قوانين الطبيعة من جهة، وسعيه إمكانية تحقيق فائدته من هذه العلاقة في تسخير ما تجود به الطبيعة للانسان الاستفادة منه في إدامة حياته.

حين نقول جدل نعني به تناقض داخل مجانسة نوعية لشيء واحد أو ظاهرة مادية واحدة. لذا حين نقول الانسان يدخل في علاقة جدلية مع الطبيعة وهما فاقدي المجانسة النوعية كليهما، فهذا النوع من الجدل لا يقود الى تطور يستحدث مركب ثالث نتيجة جدل علاقة الانسان بالطبيعة، ربما يتطور الانسان ويتكيّف بفعل تأثير قوانين الطبيعة الثابتة لكن رغبة الانسان تغيير ثبات تلك القوانين محاولة عبثية لا معنى لها.

إننا نقع بخطأ كبير حين نعتبر علاقة الانسان الجدلية مع موجودات الطبيعة هي علاقة المجانسة بالنوع. بل هي علاقة الفكر بالمادة، فالانسان علاقته الجدليّة بالطبيعة ليست علاقة ديالكتيك في المجانسة النوعية، بل تبقى تلك الجدلية بين الانسان والطبيعة عملية تعالي الانسان فوق الطبيعة بالفكر والعقل وفي تمايزه بالعديد من الصفات عن الطبيعة، واذا إفترضنا خطأ أن جدل الإنسان الفكري المجرّد مع الطبيعة يجعل من الانسان جزءا من الطبيعة كتكوين مادي منها عندها لا يمكن أن نقول عن الانسان أنه شجرة أو قرد يتبع في وجوده الطبيعة كجزء منها وليس جوهرا قائما بذاته منفصلا عنها.. ولا الحيوان أو النبات يمتلكان قابلية الدخول في جدل تطوري مع الطبيعة. النبات والحيوان غير المتكيّف مع الطبيعة يندثر وينقرض، لذا الانسان في الوقت الذي يتكيّف في العديد من الامور مع الطبيعة لكنه لا يفقد رغبة الإحتدام والصراع معها في تطيعه بعض ما يراه مناسبا لخدمته.

من الأمور المسّلم بها بديهيا أن جميع مكونات الطبيعة المادية لا تعقل القوانين الطبيعية التي تحكمها بإستثناء الانسان فهو يعي القوانين الطبيعية العامة التي تحكم الطبيعة والانسان معا.. كما أن نظام الطبيعة الإعجازي الذي ينتظم الطبيعة هي الأخرى لا تعقل سيطرتها على الطبيعة، ما عدا ما يعقله الانسان منها في عدم إدراكه لمعظمها وكيف تعمل . فما يعقله الانسان من العالم الموجود الطبيعي لا يتعدى 5% فقط من النسبة المئوية 90% الذي يجهله عنها. لذا يكون أي إفتراض إعجازي أن قوانين الطبيعة تمتلك قابلية الإدراك المفكر أنها هي التي تقود الطبيعة بدراية منها أو عدم دراية  محض هراء.

- تشبيه فولتير أزلية المادة هي ذاتها أزلية الخالق تعبير غير دقيق، فلا يمكن للعقل الانساني خاصّة الإيماني إعتبار أزلية المادة هي من أزلية الخالق بمعنى مساواة الخالق بمخلوقه حتى على صعيد توزيع الصفات الإلهية كجوهر كليّاني غير مدرك للعقل إلا في موجودات الطبيعة فقط. وحتى هذا التجزيء محذور تحققه، كون جميع صفات مكونات الطبيعة هي صفات لا تجانس الجوهر الصفاتي للخالق.

هنا نؤكد مسألة سبق لنا ذكرها هي أن صفات المادة التي يدركها الانسان في الطبيعة هي غير النظام الإعجازي الذي يحكمها بقوانين طبيعية ثابتة خارجة عن ارادتها وارادة الانسان معها ايضا. ولا تعتبر تلك القوانين من خصائص المادة ولا هي من خصائص خالقها أيضا،فالذي يدركه عقل الانسان من عالم الطبيعة هو ماسبق له أن إكتسبه خبرة مخزّنة بالذاكرة، لذا العقل لا يستطيع إدراك شيئ لم يسبق أن كوّن له فكرة معرفية مخزونة عنه. مثال ذلك هل بمكنة وقدرة عقل مزارع يعمل في حقل الزراعة طيلة حياته يمكنه إدراك عقليا ويتصور بذهنه كيف يتم إطلاق صاروخ بالفضاء.؟ صفات المادة بالطبيعة تختلف كليّة من حيث الإدراك العقلي لنظام الطبيعة في قوانينها. وهي قوانين لا تسري على إستيلاد فرضية خادعة أن المادة بصفاتها المدركة أصبحت جزءا من أزلية الخالق.

- النظام الإلهي المتحكم في ألطبيعة هو الذي يعطي الإيمان الروحي الذي لا يمكن التحقق الإدراكي العقلي له، فالمادة وجود كيفي غير متجانس بالخالق لا بالصفات ولا بالجوهر، لذا من اليسير على العقل إدراكها لأنها خبرة متراكمة على شكل تصوّرات تتماشى مع خصائص العقل الانساني، ولا تتماشى مع ما لا يمكن للعقل إدراكه الذي ينطبق عليه مقولة جون لوك إدراك "مافوق العقل" بمعنى التسليم بالإيمان غير المدرك عقليا.

ازلية المادة وازلية الخالق

الحقيقة الازلية التي يراها سبينوزا في وحدة الوجود هي الجوهر الذي لا يمكن تصوره من خلال الزمان، عليه يترتب حسب إجتهادنا أن الحقيقة الأزلية لكل شيء تطاله صفة اللاتناهي الوجودي غير المحدود، إنما يكون هو المرادف لمعنى الزمن. وما لا يحتويه الزمن ونعرفه بدلالته لا يكتسب صفة الأزلية خارج الزمن. الازل وجود يعرف بدلالة ازلية الزمن له. والزمن يدرك بازلية الخالق له.

يعتبر سبينوزا الجوهر موجود بالضرورة والذي يقصده هو "الخالق"، أي أن الوجود ينتمي لطبيعة الجوهر بشكل تجريدي منفصل، بمعنى المادة وكل موجود مادي لا يحتوي جوهرا مستمدا من الخالق، فالجوهر غير مخلوق بالنسبة للانسان والطبيعة، فأنت لا يمكنك القول الخالق لكل شيء بالطبيعة وخالق الانسان هو مخلوق. عليه لا يمكن أن يكون الوجود لاشيء حقيقي في تبعيته لجوهر الخالق غير المدرك. فإما أن يكون الجوهر حقيقة بدلالة الوجود، وهو تصّور خاطيء، أو يكون الوجود حقيقة بدلالة الجوهر وهو الصحيح المقبول كوننا أحلنا الوجود المخلوق الى الجوهر الخالق غير المدرك..

كيف لنا توضيح عبارة سبينوزا الجوهر موجود بالضرورة . هنا أراد سبينوزا التلميح الى أن الجوهر خالق غير مخلوق ويستمد أزليته خارج زمن وحدة الوجود الذي يحكم الطبيعة. فكل جوهر لا ندركه، هو جوهر صفاتي لذات إلهية لا ندركها بمحدودية إدراكنا العقلي. وأن تكون الجواهر ملازمة ضرورية للوجود في الدلالة على موجوداته وليس في حلول جوهر بها. الوجود نفهمه وندركه بدلالة الجوهر وهو الصحيح ولا ندرك الجوهر بدلالة الوجود وهو الخطأ الذي دام قرونا طويلة قبل إنبثاق فلسفة الجوهرفي وحدة الوجود عند سبينوزا. فهي بهذا المعنى جواهر لا يمكن التحقق منها بدلالة موجودات لا تحتويها.

قد يبدو مفارقة لم يسبق أن قال بها أحد قولنا أن الوجود في حقيقته كاملا لا جوهر له موزّعا في موجوداته يتداخل بها وجودا تكوينيا بل  الوجود يفهم بدلالة جوهر خالد أزلي غير مدرك يحايث الوجود ولا يداخله، هو جوهر خالق غير مخلوق محايث للطبيعة والانسان خارج مدركي المكان والزمان. وفي هذا أزلية الخالق خارج أزلية المادة ولا رابط بينهما كما فعل فولتير، وكلاهما خارج مدركاتنا التصورية عنهما. ربما يكون لنا عودة لهذا الموضوع، لذا أجد لمن يرغب مزيدا من التوضيح مراجعة مقالتي المنشورتين على موقع المثقف هما (الجوهر: سجالات فلسفية) والثاني (سبينوزا  جوهر وحدة الوجود).

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

هوامش:

1- وليم رايت تاريخ الفلسفة، ت محمود سيد احمد، تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح امام ص 231

2- نفسه ص 234

3- نفسه ص 234

 

 

 

حاتم حميد محسنالفيلسوف اليوناني القديم دايوجانس Diogenes المتشائم (ايضا عُرف بـ دايوجانس سينوب "المدينة التركية") ربما هو أول فوضوي او أول عبثي، و أول ساخر، او أول طبيعي اعتمادا على رؤية القارئ.

وفق معايير الزمن الحاضر، كان دايوجانس رجلا مشردا باختياره وكانت أهدافه في الحياة هي البحث عن الحكمة. اتجاهه المتميز في الحياة لم تكن له أية علاقة بعقائد المجتمع وقواعده لا حاليا ولا في العصور القديمة. هو وجد له مأوى في وعاء كبير من الفخار، رافضا كل أشكال الراحة والرفاهية، ملاحظاته حول الحياة والسياسة والمجتمع كانت صائبة تماما رغم انها تجسدت بلغة هجومية.

فلسفة دايوجانس المتشائم

وُلد دايوجانس في مدينة سينوب المدينة الأيونية على ساحل البحر الأسود عام 412 او 404 قبل الميلاد. حيث اعتُبر أحد مؤسسي الفلسفة التشاؤمية او الكلبية الى جانب أنتيثينيس و كريتس. هو اعتقد ان القيم الاجتماعية والسلع المادية والكماليات تدفع الانسان بعيدا عن السعادة، التي لا توجد الاّ عبر العيش في بساطة الطبيعة. ابوه كان يعمل في سك وختم العملة في مدينة سينوب، اما الشاب دايوجانس عمل الى جانب والده في معظم المشاريع المادية. احدى القصص تقول ان الشاب ذهب الى المكان المقدس oracle of Delphi عند اليونان (وهو المكان الذي يُطلب فيه النصح من الآلهة) وقيل له انه يجب ان "يشوّه العملة". وهذا ما قام به بالضبط عند عودته الى مدينته . هو اعتقد انه يجب ان يشوّه او يمحو الناس المرسومين على وجه العملة، أي الحكام.

هذا بالنتيجة قاد الى نفيه من سينوب، ومن ثم ذهب دايوجانس ليعيش في اثينا. هنا بدأ يعيش الحياة البسيطة والتي أصبحت لاحقا تجسد فلسفته الشمولية. اعتاد دايوجانس ان ينام في وعائه الفخاري الكبير اثناء الليل وفي النهار يشحذ ليعيش اثناء تجواله في الشوارع، وهو السلوك الذي تحدّى فيه المعتقدات والقيم الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت. في الليل، كان يمشي في الشوارع ممسكا بفانوس، مخبراً الناس انه يبحث عن انسان نزيه. لاحقا هو ادّعى انه لم يجد ابدا مثل هذا الانسان. ان كلمة cynic (في اليونانية تعني يشبه الكلب)، وهي مشتقة من كلمة kynos وتعني الكلب، واستُخدمت لوصف سلوك دايوجانس الشبيه بالكلب، حين عاش في الشوارع، احيانا يأكل اللحم النيء، مؤديا وظائفه البدنية الطبيعية في العلن، كالكلب دون خجل.

أظهر دايوجانس دائما عدم احترامه التام لكل شخص، ولكل معتقد في المجتمع. العديد من الناس أطلقوا عليه المختل عقليا، مع ذلك اصبح معروفا وعلى نطاق واسع بذكاءه وروح الدعابة اللاذعة، ونال احترام الفلاسفة. وجد دايوجانس رغبة في تعلّم الزهد من انتيثينيس، الذي كان تلميذا لسقراط. قيل انه عندما طلب من انتيثينيس تدريسه، كان رد الفيلسوف هو تجاهله، وبعد ان ألح دايوجانس ضربهُ الفيلسوف بعصاة.

بعد هذا النوع من التعامل، أجاب دايوجانس: "إضرب، سوف لن تجد خشبا من القوة ما يكفي ليبعدني عنك، طالما أعتقد ان لديك ما تقول".

وفي النهاية، اصبح دايوجانس تلميذا لدى انتثيسيس رغم الجواب العنيف الأول للفيلسوف، وحالا تفوّق على استاذه بطريقته التقشفية في الحياة وأسّس التشاؤمية كمدرسة في الفكر.

حياة الفضيلة

وفق المستويات الحالية، لو تركنا سلوكه الاجتماعي جانبا، فان دايوجانس يمكن تسميته الطبيعي. فلسفته في التشاؤم كانت ان يعيش حياة الفضيلة التي تشبه كثيرا الحيوان الذي لايمتلك سمات انسانية. حياة بسيطة، لا يحتاج فيها للمتع الدنيوية تماما مثل الكلب. الطريقة التي اعتقد بها دايوجانس والتي يمكن بها تحقيق السعادة كانت من خلال عيش الحياة وفقا للطبيعة، متمتعا بالسعادة من ابسط الاشياء مثل أشعة الشمس، او قليل من ماء بارد في حر الصيف، او عضة فاكهة لذيذة من شجرة. كان ذلك مثالاً للحياة الجيدة لدايوجانس.

رفض الفيلسوف الساخر السلطة، لأنها كانت مدمرة جدا للمجتمع بشكل عام واعتقد ان أغلب الناس منافقون بشأن المعتقدات الاجتماعية. بالنسبه له، السياسيون والحكام هم الأكثر نفاقا . دايوجانس لم يحتقر فقط الحكام والارستقراطيين، وانما ايضا العائلة وجميع المنظمات الاجتماعية والسياسية. هو كره ايضا "الجماهير" مبديا احتقارا متساويا للمجتمع ككل.

2264 دايوجانس

عدم إحترام الحكام

هناك نوادر حول عدم احترام دايوجانس للحكام والذي يُفترض انه حدث في مدينة كورنث corinth، حيث عاش الفيلسوف في ذلك الوقت. حين سمع الاسكندر الاكبر ببعض الطرائف عن دايوجانس اراد مقابلته ثم سافر الى كورث فقط لتلك الغاية.

وبناءّ على وصف المؤرخ بلوتارش Plutarch(46-AD119)، تبادل الرجلان فقط كلمات قليلة.

تقدّم الاسكندر نحو دايوجانس الذي كان يتدفأ تحت أشعة الشمس في الصباح. الاسكندر السعيد لمقابلة المفكر الشهير، سأل دايوجانس ان كانت هناك اي خدمة يقدمها له. أجاب دايوجانس، "أزح قليلا نحو اليمين، أنت تحجب عنّي الشمس". عندئذ صرّح الاسكندر، "لو لم أكن الاسكندر، لرغبت ان أكون دايوجانس". اما دايوجانس فقد أجاب الملك "لو لم أكن دايوجانس لكنتُ لا أزال أرغب ان أكون دايوجانس".

وكفوضوي بلغة اليوم، لسوء الحظ لم يؤمن دايوجانس حتى بكتابة أفكاره. لا وجود لعمل مكتوب له اليوم، لأنه إعتقد ان الناس يفهمون تعاليمه أفضل من خلال الأفعال والمحادثات وليس من خلال القراءة.

مواطن عالمي

هو أحب القول "انا مواطن في العالم" كما هو الحال في فوضويي اليوم، الذين لايؤمنون بالامم والحدود، دايوجانس أحب الذهاب الى حيث ما يحب ويبني بيته – او (يبني وعائه). عبر رفضه الراحة العادية للحياة، التي سخّر لها الآخرون كل حياتهم، رفض دايوجانس فكرة الملكية. هو لم يكن بحاجة لبيت وحتى ملابس أكثر من خرق بالية، اعتماداً على الفصول. هناك عدة قصص احاطت بموت دايوجانس عام 323 قبل الميلاد وهو في عمر الـ 89 عاما. العديد منها تبدو ملفقة، اعتمدت على طريقته في الحياة، كتلك التي تقول انه مات بسبب عضة كلب. لكن من الواضح في فلسفته انه نظر الى العالم الآخر بنفس السخرية التي نظر بها للحياة الارضية في مجتمع منظّم. طوال التاريخ الانساني، وُصف دايوجانس بعدة اشياء. هو بالتأكيد كان فيلسوفا ساخرا وايضا كأول فوضوي ليس وفق معايير اليونان القديمة وانما وفق أعراف المجتمعات الحالية ايضا.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي محمد اليوسففيلسوف عصر النهضة جون لوك 1632- 1704 رغم نزعته العلمية التجريبية، وصرامته ألمنهجية في إعتماده مرجعية العقل، إلا أننا نجده مؤمنا بالله الكفيل بسحب الانسان نحو مراتب الأخلاق الرفيعة السامية التي تحقق له سعادته الارضية وهو ما لا يمكن نكرانه كون عماد الأخلاق تهذيب التدّين لها وليس مصدرها الوحيد هو الدين..

جون لوك يعتبر الاخلاق ضرورة حياتية لا غنى للانسان عنها، والضامن والمرجع في التزّود بها هو الإيمان اليقيني القطعي بوجود الله كضرورة ماسّة قصوى في تنظيم حياة الانسان على أسس أخلاقية سليمة. "الله الذي يمتلك القوة اللامتناهية، والخيرية، والحكمة. ما يرتّب على البشر ومن مصلحتهم طاعة أوامره، ولما كان الناس لا يمتلكون أفكارا فطرية، ولديهم قلقا فطريا يلازمهم مدى الحياة، فما عليهم سوى أن يخبروا اللذة ويتجنّبوا الألم."1 هنا جون لوك في دعوته الإيمانية الأخلاقية هذه يتنازعه تيّاران أحدهما منهج الفلسفة التجريبية القائمة على تفعيل العقل البرهاني والمنطق الصارم، والثاني هو الوازع الأخلاقي الذي لا يناله الانسان سوى بالإيمان اليقيني القطعي بوجود الله والإمتثال لأوامره المنصوص عليها في الكتب المقدسة الدينية بغض النظر عن الفوارق بين الاديان في مسألة الاخلاق.

ويسعى لوك خلق توليفة توفيقية تجمعهما معا منهج الاخلاق في الفلسفة والإيمان التديّني بالله..لذا نجد جون لوك عمد  إستنساخ آراء زميله بليز باسكال 1623- 1662 في مذهبه الفلسفي الديني البراجماتي في وجوب الإيمان بوجود الله كضرورة أولى لا يستطيع الانسان العيش بلا قلق يلازمه من دون الإلتزام بالإيمان الديني.

فالإيمان القلبي البراجماتي حسب باسكال بوجود الله لا يخسر به الانسان شيئا يندم عليه في حياته، كما لا يخسر شيئا يندم عليه بعد مماته. فالإيمان الأرضي بالله يمنح الانسان الطمأنينة بالحياة ويزيل عنه القلق والخوف الملازم له. وسوف لن يخسر شيئا في حال لم يتحقق له حلم الخلود في حياة ثانية بعد الممات.

ويصف جون لوك الله " أن الاساس الحقيقي للأخلاق هو إرادة الله وقوته الذي يرى الانسان في الظلام ويمتلك بيده الجزاءات والعقوبات، وهو قوي بدرجة تكفي لمحاسبة المذنب الأكثر تفاخرا". 2 جون لوك يحاول تجذير الاخلاق التي هي سلوك مجتمعي في تشذيبها من الرغبات الغريزية التي لا ينكرها أنها حق الانسان التمتع المعتدل بإشباعها ليس على حساب الآخرين. ومن واجب كل إنسان يرغب تحقيق لذّته بالحياة أن يحتكم بها الى ما يدعو له الإيمان الديني. ومن مصلحة كل شخص أن يكون سلوكه مستمّدا منه.

الله أعطى الانسان عقلا يعرف به تمييز حقائق الأخلاق عن طريق الحدس العقلاني البرهاني، زائدا الوحي فضلا عما يكتسبه العقل من تعاليم أخلاقية متضّمنة في الكتب السماوية، لذا يمكن ترسيخ الأخلاق في تكامل تجربة العقل والوحي. ولا ينسى جون لوك تحذيره من عواقب خرق الأخلاق الإيمانية بأن الانسان يتحمّل مسؤوليته أمام الله وأمام أقرانه في سلوكه الاخلاقي.

الاخلاق الفطرية والمكتسبة؟

جون لوك في الوقت الذي ينكر بإصرارمنهجي عقلي مقولة الأفكار الفطرية إلا أننا نجده يخونه التعبير حينما يستعمل لفظتي الفطرية المعرفية، والغريزة الوراثية بمعنى واحد دليل قوله " العقل حر أن يفكر مليّا وينتقي ويختار، وهو يفعل ذلك وفقا لرغبته الفطرية في تحقيق اللذة وكراهية الالم."2 هنا جون لوك يعمد جعل كل ماهو فطري هو غريزي وكلاهما تحت وصاية العقل عليهما .

اللذة تكون فطرية عندما تكون غريزة موروثة وليست مكتسبة هي حاصل تواضع المجتمع على تداولها وممارستها. لذا يكون كل ما هو فطري غريزيا لا يستطيع العقل التحّكم به بألإلغاء أو الإنصياع البهيمي بإشباعه. أما المعارف فلا تكون موروثة على مستوى توريث العقل لها بل تكون تحصيل حاصل مكتسب من تراكم خبرة مستمدة من المجتمع والمحيط بمرور المراحل العمرية.. ألخبرات المكتسبة ليست خبرات فطرية موروثة. والوراثة تشمل الغرائز وما تحمله كروموسومات الفرد الإنفرادية التي تتوزع خصائص تشكيلة جسمه كافة.

والغرائز الفطرية هي موروثات تلعب فيها الجينات دورا كبيرا في زرعها داخل تكوين الانسان بيولوجيا وفي وظائف الجسم كاملة. لذا تكون الغرائز فطرية على صعيد الإشباع مثل لذة الجنس والإناسة المجتمعية المزروعة بالكائن النوعي الانسان. وحتى نجد فطرية التجمّع النوعي موجودة في الحيوان من نوعه.

أما إجتناب الألم وما تستشعره النفس من بواعث وإحساسات ورغائب إشباعية يتوزّعها السلوك والضمير والاخلاق والحب والعاطفة والحزن والفرح والخوف والقلق وغير ذلك من تجليّات نفسية هي ليست فطرية وانما هي إستعداد فطري  مكتسب بالصقل والتهذيب ويتحّكم بها الفرد بالممارسة والعادة والتقاليد الاجتماعية..

الوحي والمعجزات

يذهب جون لوك ألإيمان بالوحي هو جوهر لا يتعارض مع العقل الذي نسترشد به في كل شيء. وعلينا الإحتكام في تصديق الوحي بمرجعية الايمان بالمعجزات، التي هي فوق العقل لكنها لا تناقضه. من الملاحظ محاولة جون لوك الحّث على الإيمان الديني بالوحي بمرجعية الإحتكام للمعجزات التي لا تقل إشكاليتها مع العقل عن إشكالية الوحي مع العقل وكلتاهما إشكاليتان هما فوق مدركات العقل، لكنهما لا تناقضان العقل حسب ما يرغب جون لوك لا حسب ما تفرضه علينا طبيعة العقل الإدراكية المعرفية. وجون لوك فيلسوف عقلي تجريبي يؤمن بالإدراك التجريبي الحسّي الطريق الوحيد في فهمنا العالم..في نفس وقت يدعو إمكانية البرهنة على المعجزات بالعقل المسّتمد من الإيمان بالله والوحي وهي دعوة ميتافيزيقية صعبة التحقق والتنفيذ.. .

القضية الأخرى التي يثيرها جون لوك والتي يلتقي بها مع ديكارت ويختلفان بالأفكار الفطرية التي يؤمن بها ديكارت ويرفضها جون لوك. الذي يقول في تسويغ حل مسائل اللاهوت بمنطق العقل "إننا لا نستطيع القبول على الإطلاق بحقيقة مناقضة بصورة واضحة ومميزة لمعرفتنا الواضحة المتميزة "3 مبدأ الوضوح والتميّز الذي إعتمده ديكارت وإعتمده جون لوك وأعتمده فينجشتين وأخيرا جورج مور في التحليلية المنطقية هو أن الوضوح والتمييز الذي لا يحتاج برهان العقل عليه هي (البديهيات) المعرفية الشيئية التي لا مجال الشك بها أو مناقشتها، لأن مبدأ الشيئية في الدال والمدلول الفكري اللغوي في التعبير هما من التطابق الذي يلغي أي نوع من الشك الذي يحتاج برهان العقل عليه،مثل قولنا هذا لون ابيض أو هذه منضدة وهكذا من أمثلة شيئية بديهية بالإدراك ألمباشر لها ويتقبّل صحتها العقل بالحدس والحس المباشر الذي يكتسب خاصيّته بالتكرار الذي يصبح عادة بديهية، وهو ما لا يمكننا تعميمه على قضايا ومشكلات فلسفية وفكرية لا يمكن حلّها بالوضوح والتمييز الذي تتطابق به الحواس ومدركات الذهن مع واقع دلالة اللغة والفكر في التعبير عن مدلول شيئي لا يتقّبل برهان عقلي عليه لأنه من بديهيات الموجودات والظواهر المدركة سببيّا أو غير سببيا.

نخلص من هذا الى أن إشكالية الوحي والمعجزات التي هي (فوق عقلية) يجب التسليم بها ليس بالإحتكام العقلي بالوضوح الذي لا يتعارض معها حسب جون لوك، وإنما بالإيمان القلبي الذي لا يخضع الى صرامة العقل التجريبية. من السهل على فيلسوف يحترم مخرجات العقل العلمية جواز قوله أن إشكاليات مثل الوحي والمعجزات التي هي فوق عقلية لا تتعارض مع العقل. حيث يؤكد جون لوك في "مقال في الفهم البشري" أن وجود الله ومباديء الأخلاق يمكن البرهنة عليها بالعقل، والوحي بالكتب المقدسة معرفة لا تناقض العقل ويمكن إمتحان صدقيتها بالمعجزات "4.

جون لوك يلتقي ديكارت في محاولتهما خلق توليفة تجمع العقل والايمان الديني والعلم وهو ما لم يتحقق لكليهما في القرن السابع عشر، فالنسق الإدراكي المفهومي للعقل لا يتقبّل الإنتقائية بالتوظيف المعرفي له، لذا نجد لوك في سعيه خلق مثل تلك التوليفة الإفتعالية كان مناقضا العقل الذي إعتبره الملاذ الاول والاخير الذي يجب أن نحتكم اليه. وهو كما قلنا نفس المّطب الذي وقع فيه ديكارت في محاولة تطويع العقل لإستيعاب المتناقضات بين العقل واللاهوت التديّني الوضعي التي كانت بالنتيجة والمحصّلة محاولة فاشلة.

مصدر الاخلاق

من الأمور التي إستوقفت جون لوك هو مصدر الأخلاق حين يقول "يمكننا تطوير مذهب أخلاقي مستقل عن المنحى التجريبي يقوم على إعتبارات لاهوتية يمكن البرهنة عليها" 5

نستطيع تفسير هذا الرأي بما تحتمله العبارة السابقة بما يلي:

- جون لوك يقرّ ضمنيا أن اللاهوت الديني ليس هو المصدر الوحيد للاخلاق.

- الأخلاق غير المستمّدة من اللاهوت الديني يمكن إخضاعها للعقل البرهاني غير المتعارض معها. بحيث لا تقاطع الإيمان التدّيني ولا تقاطع ممانعة العقل الانصياع لها. وهذه معادلة قلقة غير متوازنة ليس من السهولة التثّت منها..من الأمور التي يتجاهلها لوك في مبحث الأخلاق هي حقيقة الإختلاف الأخلاقي بمعيارية إختلاف المصدر، فالأخلاق التي مصدرها اللاهوت الديني في الوحي والمعجزات والكتب السماوية يطغى عليها الجانب الروحاني الميتافيزيقي الذي لا يطاوع صرامة العقل، أما الأخلاق الوضعية المجتمعية العامة فهي تقوم على قوانين وضعية في تنظيم العلاقات الاخلاقية وفقا لمعطيات عقلية لا تحتاج البرهنة العقلية عليها أنها تخدم الانسان في حياته ولا تقاطع تعاليم اللاهوت الإخلاقية الروحانية. من السهولة إستطاعتنا محاكمة صلاحية الأخلاق المجتمعية للفرد في عدم تقاطعها مع الروحانيات اللاهوتية الدينية وكذلك لا تقاطع تنفيذ ما يجده العقل يحقق مصالح المجتمع.

هذا الإلتباس المتداخل يقودنا الى مسألة هل الأخلاق وحدة كليّة متجانسة تقوم على مثل وقيم وتقاليد لا تكسر توصّيات وتعاليم اللاهوت الديني ولا تقاطع قوانين العقل؟ من جانب الإجابة يجب أن نقرّ بأن الأخلاق الروحانية هي فردية أكثر منها مجتمعية، لأن تنظيم العلاقة الأخلاقية الروحانية لا تخضع لسلطة القوانين الوضعية الأخلاقية التي تنّظم أخلاق المجتمع قبل أخلاق الفرد التي يكفلها ما يسري على الجميع من إنضباط روحاني...

المسألة الثانية ان الأخلاق ليست وحدة متجانسة تحكمّها ضوابط اللاهوت والقوانين الوضعية ولا مشكلة تبقى عالقة في هذا النوع من الإختلاف. فلو نحن أخذنا ترجيح أن مصدر الأخلاق الوحيد هو تعاليم الإيمان التديني نقع في إشكالية وجود شعوب تسكن معنا كوكب الارض اليوم الايمان الديني بينها لا يتجاوز 20 بالمئة من مجموع الشعب وهم ينظمّون حياتهم الأخلاقية على وفق قوانين وضعية طوعية ملزمة يحتاج لاهوت الاديان التّعلم منها الأخلاق مثال اليابان، الصين، دول اوربية، الدول الاسكندنافية وغيرها من دول شرق آسيا.ويختم جون لوك دعوته الاخلاقية أن الايمان بالله هو الطريق الوحيد لتوفير أمن مجتمعي تسوده علاقات المساواة التي تقوم على أخلاق التسامح وقبول الآخر، مستثنيا الملحدين تخريبهم أخلاق المجتمع الدينية والمدنية، معتبرا الملاحدة الذين ينكرون وجود الله هم بالنتيجة لا يؤمنون بأخلاق تقوم على المساواة والتسامح وتعزيز تماسك المجتمع بعيدا عن الكراهية والانتقام وإنتهاك الاخلاق.

توضيح عرضي

نعرّج الى تفريق حول الإيمان الديني الذي هو إشباع حاجة (نفسية) صرفة ونتحفّظ على القول بتعميم الإيمان الديني ميتافيزيقيا على أنه نزعة لا مادية في إشباع حاجة (روحانية) متعاليّة على الملذّات المادية، التي لا ينتج عنها إشباع حاجات ماديّة كما هي إشباع رغبات النفس التي هي تجريد لامادي أيضا ينتج عنها إشباع رغائب بيولوجية في إدامة حياة الانسان.. فالروح سمو عاطفي وجداني ترتبط بالوعي المتعالي على حاجات النفس المادية الحياتية التي هي الأخرى النفس لا مادية أيضا لكنها مقترنة بإشباع حاجات بيولوجية لامادية يحتاجها التوازن السلوكي المجتمعي بالحياة، والنفس بخلاف الروح وكلاهما مصطلحان لا ماديّان تكون محدودة بحاجة إشباع رغبة الطمأنينة والسلوك الاخلاقي والعاطفة والضمير والرحمة وحب الخير والابتعاد عن الشرور والآثام وكلها مفردات تعبّرعن تداخل علاقة الفرد مع المجتمع....أما الإيمان الطبيعي الغرائزي فهو وعي لإشباع حاجات بيولوجية مادية يحتاجها الانسان في حياته اليومية التي هي رغائب النفس وبيولوجيا الجسم الانساني. وكثيرا ما نخلط بين النفس بمفهوم علم النفس مع لفظة الروح بالفلسفة والدين التي هي لفظة ميتافيزيقية- نفسية أشمل من حاجات وتجليّات النفس المطلبية ولا ترادفها لفظة النفس كما هي في أدبيات علم النفس وعلم وظائف الجملة العصبية. كما هو الخطأ المتداول بالفلسفة التي يتعامل مع النفس أنها وعي وجودي. وغالبا ما يتم تداول لفظة الروح بأدبيات الاديان وفي الصوفية أكثر تركيزا من مفهوم النفس. ومن الفلاسفة مثل ديكارت إعتبر (النفس) خالدة لأنها غير مادية ولم يقل خلود (الروح) التي هي أيضا غير مادية وأقرب لتلبية المعنى المراد من الخلود، والأرجح أن تبلور مصطلح الروح كي يكون المقصود به الشعور النفسي العاطفي غير المادي الذي يكون متعاليا متسامّيا على النفس وحاجاتها الجسدية وهي أكثر تجريدا نفسيا مرتبطا بالوعي الايماني الديني، ومعظم أدبيات الاديان تقصد خلود الروح وليس خلود النفس ولا نعدم وجود الخلط بين اللفظتين بالفلسفة كون علم النفس لا يعطي معنى محددا للنفس من خلال الارتباط بالوعي والتفكير والسلوك المتداخل مع علم الاعصاب والدماغ وبيولوجيا المنطقة المحددة المسؤولة في القشرة الجبهوية الامامية الدماغية من حجم الجمجمة عن مثل هذه المصطلحات التي إستطاع علم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي وفسلجة بيولوجيا الدماغ إعطائه تعريفات علمية محددة لكل مصطلح ملتبس المعنى بالفلسفة وعلم النفس...

المذاهب الاخلاقية والدينية في القرن الثامن عشر

كان لجون لوك وديفيد هيوم وبيركلي تأثيرا إستثنائيا ليس بالفلسفة فقط في القرن الثامن عشر،بل في الأخلاق واللاهوت، فقد رفع هيوم المنهج التجريبي في البرهنة على الأخلاق وعلم الاجتماع، ماجعل جون لوك يذهب بعيدا في تعميمه المنهج التجريبي في وجوب تحكيم العقل لمعالجة ليس فقط القضايا الاخلاقية والعلوم الاجتماعية، بل البرهنة العقلية على وجود الخالق الله وإثبات الإيمان بالمعجزات الدينية. ونشر جون لوك كتابه "معقولية المسيحية " في الرد على تيّارين تعاظم شأنهما في منحيين هما أولا ردّه على النزعة الإلحادية التي يتزّعمها ديفيد هيوم وفلاسفة فرنسيين وألمان، والمنحى الثاني ردّه على مزاعم ما سمّي بمذهب "المؤلهة الطبيعيون" معتبرا الوهية المسيح معقولة يمكن التجربة عقليا عليها. وأعتبر الوهية المسيح معقولة بمرجعية العقل. ورفع جون لوك شعار "مافوق العقل" في محاولته المزاوجة القائمة على الإيمان بالوحي مع الإستعانة بالعقل معا. 7 ورفض شعار مافوق العقل كما يتوضّح معنا لاحقا.

الاخلاق والعقل

هذه الارضية التي مررنا عليها سريعا جعلت الإيرل الثالث أوف شافتسبري "1671- 1713" يتبّنى النزعة العقلية التجريبية نقلا عن إستاذه ومربيّه جون لوك، ونادى أن الانسان يمتلك نوعين من العواطف الذاتية التي تدفعه نحو تحقيق مصالحه الخاصة، والثانية العواطف الطبيعية الإجتماعية التي يحاول بها تحقيق مصالح مجتمعه وسعادة الآخرين. وأشار الى أن الانسان يمتلك طبائع بشرية شريرة مثل الحسد والغيرة والانانية، وأبرز شيء أشار له أن الأخلاق ليس مصدرها ديني فقط ولم يقاطع أو يهاجم الدين.8. وعمد فرانسيس هايتشسون "1694-1747" أستاذ فلسفة الاخلاق في كلاسكو ربطه ماهو أخلاقي بكل ماهو جيد وجميل وينسجم مع الذوق الاخلاقي العام، فالجميل للفرد هو جميل للمجتمع. وبخلاف ذلك تكون الأخلاق السير نحو الإنحطاط والشر والقبح، وحين سئل كيف لنا الإحتكام عدم الإنزلاق نحو كل ما هو وضيع أخلاقيا أجاب "يكون ذلك بالرجوع الى "الحاسّة الخلقية " التي هي مصدر الشعور الجمالي بالحياة.

الاخلاق والضمير

جوزيف بتلر"1692- 1752" كان أسقفا في الكنيسة الانجليزية، حاول أيضا ربط الأخلاق بالعقل مقتفيا آثار جون لوك وإعتبر كل إنجاز للعقل في منهج التجريب لا يتناقض مع وجود الله، وعلينا الإحتكام الأخلاقي الى الله الذي زرع في أعماقنا الضمير، الملكة العقلية النوعية التي يمتلكها الانسان وحده، وفي إعتماد الضمير يمكننا التمييز بين ماهو أخلاقي مفيد وما هو غير أخلاقي فاسد. من جانبه قام ريتشارد برايس 2723- 1791 الذي سبق كانط في دعوته عدم إقامة الأخلاق على دوافع ذاتية مصدرها النفس مثل الرغبة في تحقيق اللذّة، والمحبّة الغريزية، والحاسّة الأخلاقية،"فالقوانين الأخلاقية هي "عقلية" و "ثابتة " و "أبدية " لأن عقلنا يعرفها بصورة حدسية "9

مذهب المؤلهة الطبيعيون

ظهر مذهب المؤلهة الطبيعيين في بريطانيا وهم فرقة ينكرون التثليث ويؤمنون بالواحدية الإلهية، وقد إستهوتهم فكرة تغليب الطابع الطبيعي للدين، ووجدوا العودة الى العصور البدائية ما يعزز وجهة نظرهم أن اصل الدين هو الطبيعة، وإنبثق عن هذا التمجيد للطبيعة بما عرف بوحدة الوجود كما هو في فلسفة اسبينوزا وهيجل. ونجد هذا المبدأ بشكل مادي متطرف عند فيورباخ الذي لم يستعمل مصطلح وحدة الوجود،بل إعتبر العلاقة بين الطبيعة والانسان هي منشأ الدين. وأصدر كتابين بهذا المعنى "جوهر المسيحية " و"أصل الدين". ورفضوا أصحاب مذهب المؤلهة الطبيعية أن يكون هناك إدراك فوق عقلي حسب إدعاء لوك فالعقل يقبل برهان التجربة ولا يقبل غيرها ليست من طبيعته العلمية.

كما أثار مذهب المؤلهة الطبيعيين حفيظة ديفيد هيوم فأصدر كتابه "محاورات في الدين الطبيعي" هاجمهم فيه مشيرا الى أن العودة بأصول الدين الى مراحل العصور البدائية غير صحيح ولا يمكن القبول به، كون تلك الديانات البدائية لا تؤمن لا بالوحي ولا بالتوحيد بل تؤمن بتعدد الآلهة. لكن مع كل هذا برز عديد من الفكرين الذين وجدوا بمذهب المؤلهة الطبيعيين كانوا دون دراية منهم فتحوا أبواب دراسة الأديان بوسائل علمية تقوم على منهج البحث العلمي الذي يتجاوز الأساطير والخرافات وما يتعالق مع الميتافيزيقا الدينية خارج قدسية ونزاهة الأديان في حقيقتها الإيمانية الروحانية. وقد وصل الامر اليوم الى نشوء علم الاديان الذي يعتمد مدونات التاريخ واركيولوجيا الحفريات الاثارية بمنهج علمي صرف.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................................

هوامش: وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة/ت محمود سيد احمد/ مراجعة امام عبد الفتاح / 1،2،3،4،5،6/ الصفحتان 174-175

7- نفسه ص 226

8. نفسه ص 227

9. نفسه ص 228

 

 

سامي عبد العالبأية صورةٍ يطرح الخطابُ رسالته حتى وإن كانت غير معلنة؟ كيف يستثمر موارد الثقافة لمراوغة متلقيه؟ وهل ثمة جوانب أخرى في الخطاب غير معروفةٍ؟... تلك اسئلة تخص المتلقي وجهاً لوجه. بالقطع لن أطرح وصفات سحرية إنما سأبرز بعض الأفكار. فالمسار يرتبط باستراتيجية الفكر والتداول وسلطة اللغة. وخاصةً أن حالة المجتمع تحدد إلى درجة بعيدةٍ لماذا تنتشر خطابات دون غيرها. فخطابات الهوس الجمعي (مذاهب- فضائح- شعارات- طوائف- مواكب سياسية زائفة- أيديولوجيات دينية- أخبار كاذبة fake news) تجارةٌ لا تبور. كما أنَّ التأويل المتبادل (بين الأفراد) يبلِّل المواضع الزلقة التي تسربها نحو أهداف  ومآرب مبتغاة. والمسارات خطوط وآثار يترقبها صانع الخطاب لتأكيد المعاني وبث رسائله. وبالطبع سيتذرع بجميع حيل الثقافة وألاعيبها في صقل مهاراته.

أكبر حادثة في مسار أي خطاب هي عملية التلقي. نقول حادثة لأنَّها تبرهن: أن مضامين الخطاب قد تكمُن في تلقيه. هي تتيح له وجوداً ناشطاً في الثقافة مع انجاز الصياغة. فإذا كانت الأخيرةُ مناسبةً، فلا تتحدد اعتباطاً لكن بعد تلك العملية. وإن كانت ذات معنى فسُيعْرف الأمر أيضاً من تأثيرها.

هناك فكرة أنَّ الخطاب الذي لا يُقرأ غير موجود. ويبدو السؤال تلقائياً: ما فائدته إن لم يكن كذلك، أهو بلغة مجهولةٍ أم أنه على شفير النهاية؟! يقال أيضاً بصدد النص إذا ما لم يُقرأ يعتبر كأنَّه لم يكُّن. وتلك الفكرة مأخوذة من نظريات النقد الأدبي. على أساس أنّ القراءات المتعددة، بل المتنازعة والمتنافسة، تعطي الخطاب تأثيره. وكلما كانت السياقات متنوعة تظهر الفوارق بينها. فالخطاب أشبه ببلُّورة دوّارة تحوى جميع الانحناءات والالتواءات والمرايا العاكسة للأضواء. والقارئ حينما يحاول تثبيت البلورة لا يستطيع وقوفاً على لون بعينه. ولا يمكنه حتى التأكُّد من ألوانها. كما أنَّه غير بات الرأي في تداخل الانحناءات. والأكثر بروزاً أنَّ الاختلافات تزداد مع انعكاس الرؤى وزوايا النظر.

يترتب على الفكرة أنَّ الخطاب يمر بعدة مسارات:

1- مسار الصياغة المراوغة: يلجأ الخطاب إلى أقنعةِ التعبيرات الدالة بالنسبة لمتلقيه. إذ تمثل صيغاً تضمن المرور ناقلةً معها حمولات أيديولوجية أخرى. في المعتاد لا يوجد خطاب على تنوع مجالاته إلاَّ ويأخذ اللغة بهذا المفهوم. لهذا يلتقيكَ الكلام كوجه، كسمةٍ معبرة عن المحتوى. والأخير لن يطرح نفسه عفواً. عليك أنْ تجمع أو تطرح أو تضرب المعاني مع بعضها البعض. فعندما يراهن الخطاب السياسي على الوطن والمواطنين بصيغة "أيها الأخوة المواطنون...." كما كان يقال من زعماء العرب، فإنّه يقابل متلقيه بهذا الوجه البرَّاق bright face.

فإذا تحدث الخطاب السابق عن الحقوق والواجبات، كما سنعرف لاحقاً بصدد رسائله، كانت عبارات" ينبغي" محددة للدلالة انحيازاً لقائلها. ثم سرعان ما تتواتر الأهداف في الطَرْقِ على المصالح الساخنة وفقاً لطبيعة المرحلة السياسية. هنا يتغلغل الخطاب في أفق التوقعات العامة، كأنه يباشر عمله فيما وراء المعنى الفوري. إنه يطرح صيغة وراء أخرى بقصد مكثف لتخدير يقظة المتلقي. فإذا بكلامه (أي الخطاب) يتجاوز الواقع نحو كسب مزيد من الثقة.

هكذا تشتغل الصيغ الخطابية على كسب الثقة تجاه الآخرين في المقام الأول. بحيث تفلت من مصفاة النقد ومن غربلة القراءة الفاحصة. إن الصيغ البلاغية مع التدقيق نجدها مدفوعة بطابع التمرير الخفي للمعنى. لهذا يمثل الاستهلال في الخطاب السياسي والديني أمراً ضرورياً. فهو ليس استهلالاً عادياً، لكنه "استقبال واستدبار" في الوقت نفسه. استقبال لوعي المتلقي وملاحقته بالعبارات الخاطفة حتى يتم إرهاق الوعي. تماماً كالملاكم الذي يعاجِل خصمه بالضربات المباشرة. ويفعل ذلك لإحراز فوز ساحق بالضربة القاضية من الجولة الأولى. ومن لا ينتبه بصدد الخطاب السياسي إلى هذا الاستقبال ربما يعاني دواراً نتيجة أثر الصيغ في خطف رؤيته. أما الاستدبار، فلأنَّ الخطاب يريد أن ينهي وعياً سابقاً بعدم أهمية ما سيقول. يحاول الخطاب في تلك اللحظة إعادة برمجة عقول المتلقين وتسريب قناعاته الوظيفية بأنه مختلف في التوجُّه والنتائج.

هكذا من أول وهلة يطرح الخطاب الديني بعد الحمد لله والصلاة على رسوله الكريم أنَّ: "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". هذا الاستهلال الصياغي هو عتبة الخطاب القُصوى. العتبة التي تقودنا إلى صحن ودهاليز التعبيرات التي تطوي السماء والأرض. وكثيراً ما تردد ألسنة الخطباء أنَّ هذا النص حديث شريف. أقرب معنى إليه ما جاء في صحيح البخاري باب الاقتداء بسنن الرسول: "حدثنا آدم بن أبي إياس: حدثنا شُعبة: أخبرنا عمرو بن مُرة، سمعت مُرة الهمداني يقول: قال عَبْدُ اللِه: إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين"( صحيح البخاري، موسوعة الحديث الشريف، الكتب الستة، الجزء الثاني، إشراف ومراجعة صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض السعودية 1419 هـ، ص606).

وطالما أنَّه حديث – ولسنا بجدال ما إذا كان صيحاً أم لا- فإنَّ استعماله بذات الاستشهاد دون مقدمات استعمال مطلق الحدود، مطلق المعنى ولا يقف عند أية محاذير. إنه يطلب بحسب توظيفه الخطابي ألاَّ يتحدث المتلقي، ألاَّ يعترض على شيء!! فهو قاطع رغم عدم توضيح الخطاب: أي الأمور المحدثة كانت شراً وأيها ستكون خيراً؟ وهو كذلك قول نهائي قاطع الدلالة برغم التدرج من الأشياء المحدثة إلى البدعة تحديداً.

واللافت أنه يُطرّح بقصد البدء المفتوح. كأن المخاطِب يقول لا تتحدثوا عن أي شيء جديد. ولا عن مناسبته، ولاعن حقيقته من قريب أو بعيد. لأنَّ شرَّ الأمور محدثاتها. ويوازي بلا تروٍ بين (المحدَث بعامة والشر) من الأمور موازاة تفصيلية. وعليه بات الشيءُ المألوف فقط هي الخير. أي شؤون الأمس أخيَّر من اليوم وأول أمس أكثر خيريَّة من الأمس... وهكذا رجوعاً إلى الوراء حتى العصور الأولى. بالتالي ممكن للقول السابق أنْ يبرر أي شيء قائم مها يكن. وربما ينفي بل يكفِّر أيَ شيء مغاير لأنَّه محدث.

يجري القول في استهلال الخطاب على منوال التعبير الشائع خارج مجاله القرآني "ألا لعنة الله على الظالمين". لكن الظالمين في القرآن معروفون بمواقف معينةٍ قد نفهمها من الآيات الواردة بهذا الصدد. أما وصفهم الإنساني بمحل اللعنة الخطابية بلا تخصيص ففيه شك. لأنّه بالإمكان التلاعب باللعنة إذا كانت تقصد شخصاً مجهولاً. وقد تكون من قبيل العنف اللفظي بين الأفراد. إن صيغة "شر الأمور" سترمي إلى شيء قريبٍ من هذا ما لم تكن الكلمات ملاءمة لسياقها.

لذلك من المسائل الغامضة في صياغة الخطابات الدينية تلك العتبات اللغوية المُجهلَّة. فهي تقود بطبيعتها إلى المجهول. ويصبح الداخل عبرها معرّضاً لنفس المصير. لننظر بدقة ماذا تقول "عتبة البدعة". إنها تخيف المستمع من لحظة دخوله إلى ساحة سماعها: إياك أن تكون من أصحاب المحدثات: يجب عليك ألاَّ تقترب منها أو ترددها أو يأخذك هاجس بالسير وراءها. لكن ما هي... لا يعرف. ولم يخبره أحد عن طبيعتها على الأقل في ذات الخطاب!!

كما أنّ إطلاقها هكذا في سقف اللغة يجعل المستمع عاجزاً عن التركيز فيما سيأتي وستسرق انتباهه. ولربما يردد مادام الأمر من أوله هكذا عين الشر(أول القصيدة كفر كما يقال)، فكيف سيكون باب الخروج من الخطاب. ويبدو أنَّه لن يجد مخرجاً، فالاستدراج واضح إلى النهاية. فإذا كانت محدثات الأمور شراً، فآلية الخطاب الديني أن يعدد الأشياء جراً إلى المصير المرسوم. فها هي المحدَثة بين غمضة عين وانتباهتها تصبح بدعةً، والبدعة ضلالة والضلالة في النار!! والزمن كمرحلة بين البدعة والضلالة منعدم دون مراجعة ودون حكم ولا نقض ولا حتى دفاع. ثم تجرى الضلالة برقاً حاملة المحدثات إلى العذاب دون غفران.  كل هذا استهلال بلا شرح أنَّ البدعة تصبح كذلك إذا كانت في الدين وأصوله الاعتقادية، في ثوابت العقيدة وأصول الشرع كما جرى كلام الفقهاء. وحتى هذا المعنى فالقرآن حسمه من الجذور: " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". أما محدثات الحياة من تطور معرفي وتقني وفكري وعمراني ومدني، فجميعها من البدع القريبة إلى الإبداع، ولا تجري مجرى الأولى.

إذن صياغة الخطاب تطرح قضايا ضمنية في غاية الخطورة. وعلى القارئ إثارة أسئلة في المناطق الرخوة من المعنى وحول أساليب استعمالها. فهذه المناطق في العادة تنمو خلالها طفيليات المصالح وجراثيم المذاهب. إن تقارب المعاني على سطح الخطاب يقتضي التنقيب في تباعده بمجمل أعماقه السحيقة. وهذا خيط مهم في مسار القراءة. لأنَّ موضوع الكلام، أي ترتيب وحداته وتتابع علاقاته ومناطقه الدلالية، سيعطينا فكرةً ما إذا كانت ثمة قفزات منطقية في الصياغة أم لا. إنَّ العقل المعبر(المدبر) وراء الكلام يلجأ إلى صيغ التجاور اللوني. كمن يريد أن يحيك ثوباً من رقائع متنوعة ومتنافرة. حينئذ هل هو محكوم بالأسلوب أم بالنموذج أم بالغاية العملية من الثوب؟

إذا تتبعنا أحد هذه الخيارات سنفهم ماذا نقول هنا. لأنَّ خطاباً من قبيل الخطاب الديني السابق يقع في معضلة الثغرات بين الثلاثة ( الأسلوب والنموذج والغاية ). ولهذا يجب على القارئ الحفر عبر تفاعل الأطراف الثلاثة. لا من أجل التفرقة بينها إنما لكشف أيِّ تاريخ، أي تفسير للدين يهيمن على صيغ الخطاب، أية أغراض ومصالح تحكمه. وما معنى وجود نماذج لغوية معدة لخطف الأهداف الخاصة، وكيف يجري ذلك في سياق التواصل؟

2- مسار المناورات: وهي أساليب وآليات ومفاهيم ومقولات يتوسل بها الخطاب بلوغاً للأهداف. يمكننا الاهتمام بها كمنطق حاكم لتبرير القضايا، وعرض الجانب الحجاجي والدعائي منها، وإلقاء المضامين رغبةً في الاقناع. والآليات يستخدمها الخطاب عادة بشكل ضمني. أي يتفهمها القارئ من بين الأفكار المطروحة. لأنَّها تأتي بصيغة هكذا تجري الحقيقة كما يراها وكما يريد أنْ يطرحها للآخرين بذات الطريقة. كل ما في المسألة هو تعزيزه لرأيه وأغراضه بمناورات تسهل ابتلاع المحتوى.

لا تجري المناورات الخطابية كما نستعملها بمعناها الشائع لكنها أكثر من مجرد أداة. لأن الأداة تحتاج إلى صياغة جديدة في كل مرة يُطرح فيه الخطاب. بالتالي تَجُر معها تصورات تحكم عموماً استعمال اللغة والايهام بها. ففي الخطاب هناك معطى المواقف والرؤى مثلما أوضحنا، وعليهما ينظر صاحب الخطاب ماذا يختار من أداة ناجعة للتأثير في الآخرين، كيف يصوغ الأفكار ويغلفها وكيف يجد منفذاً للإفلات من المآزق.

للتدليل على هذا نوضح أن الخطاب السياسي يستعمل وحداته الخطابية من جهة التعبير عن الأحداث والدور المنتظر للأطراف ومن جهة فاعلية أصحابه. نقول يستعمل كل ذلك بمنطق "القوة" وإمكانية الهيمنة. فالتعبير يبقى مدفوعاً إلى معناه بمقدار ما يتمسك بعنفه المختزن. رأينا خطاب الأنظمة السياسية العربية إلى مواطني الدولة خطاباً قمعياً. لأنَّه يعجن كلماته ودلالاته من بطش السلطة ومدادها. وهي سلطة غاشمة تحت الطلب، فإذا كانت أحلام المواطنين ترمي إلى التغييرٍ فلا ترى السلطة سبيلاً إلى ذلك.

قِسْ على هذا كافة قضايا الخطاب السياسي. فحديثه عن التنمية الاقتصادية على سبيل المثال ينقل أساليب التمويه. أي حين يتحدث عن مشروعات تنموية، يلجأ إلى احصائيات وراء أخرى بجوار أرقام في أرقام. وتلك الأخيرة لا ضابطَ لها. كأن سلطة الدولة تقول بأنها عقل إحصائي. ومن يُرد التحقق فليذهب إلى الجحيم. أي أنْ يأكل نفسه أو يتحقق- دون جدوى- وسط غياب المعلومات وتداولها وشفافيتها. والتلويح بالقوة العنيفة من وراء الأرقام بمثابة استعمالها إزاء الرافضين للمشهد العبثي. إذن آلية الخطاب صياغة للقوة القامعة عبر حسابات وجداول لمصادرة المعرفة بالواقع. وبها يتم الرمي إلى غلق منافذ الحوار. فإنْ كانت الأرقام لا تكذب كما يُقال، فلِمَ نجادل أو نناقش!! وعليه تجري مفاهيم الخطاب السياسي كمفاهيم سلطة عمياء لا غير. بحيث تتقدم بلاغة المشهد الحسابي على أية بلاغة أخرى. ولو كانت تتحدث عن وضع حقيقي.

أما الخطاب الاجتماعي، فتتركز آلياته حول القوة الاجتماعية وأنماط العادات و الرأسمال القيمي. بحيث تكون مقولات العائلة والأبوة والمعتقدات مستعملة انطلاقاً من مرجعية المجتمع نحو المعاني المتداولة. وتسهم الآليات في إيجاد نظام دلالي يعتمد توثيقاً للتعبيرات ووظائفها في إنجاز أعمال الأفراد. وطبعاً يختلف كل خطاب عن غيره في آلياته. لأنها تتغاير وفقاً للسياق الفاعلة فيه. لو وجدنا طقساً اجتماعياً دينياً كالأعياد فإنَّ خطاباً اجتماعياً يلجأ إلى المزج بين العاطفة الدينية والبعد الإنساني لتحديد صور الحياة. لأن حركة المجتمعات العربية حركة بطيئة وتقليدية. ولهذا تستند إلى عوامل السكون أكثر مما تستند إلى مسببات التغير.

ويأخذ الخطاب الاجتماعي في الانتشار آلياً حتى يشمل كافة الفئات والأفراد. فهناك في أي مجتمع خلق فضاءات لتسريب الخطاب. مثل نوافذ العلاقات العامة ومناسبات الحكي وسرد القصص والأشعار. إن استعمال هذه الأشياء كآليات يعيد إنتاج الخطاب ليطرحه على نطاق عام يعلقه بمفاهيم الحياة الاجتماعية.

بناء على ذلك من الأهمية تتبع استعمال آليات الخطاب. لأنها تخترق كافة وحداته وفي نفس الوقت تحمل المعنى. وهي أنسب نقطة يمكن للقارئ النفاذ منها لكشف طبيعة الخطاب ومناوراته. بل بإمكانها أن تربط جميع المفاهيم وبإمكانها بالتوازي أن تُضعفها إلى حد الانهيار. لكن يعتمد ذلك الكشف على قدرة القراءة على تحديد معالم المعاني وارتباطها بالأهداف. فالخطاب يعطى الآلية مساحة من المناورة ومن الوقوف في خلفية الصيغ تقريباً. وعلى وجه السرعة تمثل الآلية بالنسبة إلى المعنى "عربة الطوارئ المتنقلة" لترميم التعبيرات إن حدث خلل. وتتخفى الآليات لدرجة أنها قد تغيب عن وضوح العبارة. فهي مهيمنة بشكل ضمني وتمثل قواعد اللعب على ذهنية المتلقي. هي تحاول أن تقول بمراوغة اللغة: ما أمرره من أفكارٍ إنما يوجد لديكم وأنتم قادرون على قبوله.

3- مسار الرسالة: هي غاية الخطاب من خلال الصياغة والآليات، وهي كذلك النقطة القصوى التي يحاول بلوغها. لكنها تتخفى هي الأخرى بمقدار ما يومئ التعبير ويكشف، وبمقدار ما تحاك الحيل البلاغية لتقريب الصورة المطلوبة. أحياناً تظهر الغاية في المواقف الحدية حينما يطرح الخطاب رسالته إلى فئةٍ أو إلى مجموعة حركية كالحال مع خطاب الجماعات الجهادية. إذ يظهر ملغماً برسائل يفهمها أتباعُه ومناصروه. وقد يتحركون من فورهم لتنفيذ المهام المُوكلة إليهم. والرسالة تضرب موعداً مع الوقائع والأحداث. بمعنى أنها نوع من المساهمة فيها وترك التأثير على المدى المناسب. إذن رسائل الخطاب الديني من حيث المنطلق إدارة للصراع السياسي أو الاجتماعي بقفازات اللغة.

تنطلق الرسالة للمستهدفين من وراء هذه العملية. وطبعاً يجرى ذلك وفقاً لاحتمالات الخطاب نفسه وتجسيده للمصالح. بهذه الزاوية، تترجم الرسالة الوظائف السالفة أو إحداها في ضوء ما يمكن أنْ تحرزه. والرسالة تتويج لنقطتي الصيغة والآلية أثناء الممارسة، فالأخيرتان مرحلتان لبلوغها وتسديدها في المرمى. هي مثل احراز الهدف في مباريات كرة القدم. هناك الخطط والتكتيك والجوانب الفنية والبدنية، وهناك  إيقاع الزمن من أجل تسديد الأهداف في الوقت المناسب. ذلك كله يشمل تكتيك المباراة، احتمالات الإخفاق والنجاح، والعمل على استغلال ثغرات الخصوم واحتواء خططه الفنية. لهذا يقال تُسجل الأهداف عادة نتيجة أخطاء الخصم دفاعاً أو تغطية أو هجوماً أو خططاً. وهذا بالتقريب ما يوجد في الخطاب. فالخطاب نظرية لمباريات التواصل بشتى مجالاته. الجوانب الفنية منه تتوافر على خطط للمعاني وعلى حبكة التعبير وعلى استثمار أخطاء الأطراف المتحاورة. والرسالة بالنسبة إليه هي التصويب أثناء غفلة المراقبة بكل حنكة ودهاء.

أحيانا تجري الرسالة باستراتيجية التفاوض. حيث تُرسل من أجل تقريب وجهات النظر وطرح التبادل الدلالي بين الخطابات. وهي في الأعم رسالة عملية على أساس أنَّ طرفاً سيلتزم بشيء معين في مقابل التزام أطراف أخرى بما عليها. في هذا الإطار تجس الرسالة نبض العلاقة القائمة وإمكانية فهم الخطاب على الوجه المطلوب. ورجوعاً إلى فكرة المباريات تصبح صيغة الرسالة مكتوبة كما لو كانت أفقاً للتفاعل بشكل ما. ففي التفاوض هناك أطراف وهناك اللعب بالقُوى. لصالح من ومن يستطيع مغالبة غيره؟ هذه موضوعات نسبية من واقع المباراة الخطابية. هنالك بالمثل فرص ومكاسب تُوفر تشويقاً للعب. فكلما كانت صيغة التفاوض جارية مع الفرص تستطيع إحراز بعض الأهداف ولو قريبة.

كنا قد سمعنا في بعض الآونة ضمن الخطابات السياسية مصطلح "مغازلة أمريكا" أو "مغازلة الغرب" وبخاصة إذا كان الكلام يطرح تصوراً يأخذ بتوجُه الغرب حول قضايا دولية وإقليمية في هذا الشأن. وعادة تطرح أموراً تتعلق بسياسات الدول الغربية مثل محاربة الإرهاب أو الصراع العربي الإسرائيلي أو تطبيق برامج الديمقراطية وفتح المناطق لوجود الجيوش الغربية. هنا يمكن التفرقة بين أنماطٍ من سياسات الغزل الخطابي وليس نمطاً واحداً.

أولاً: الغزل العفيف

هو رسائل يشي مضمونها بالتقرب من الغرب ودوله. وإذا وجدوا تعبيراً معسولاً قالوا عنه "تفهمات" بين القوى. حيث تُرسِلّ كلمات طمأنة وهدهدة سياسية حول المسائل العالقة. كما هو الشأن بين "الفلسطينيين والاسرائيليين" حول قيام دولتين منفصلتين، كأنَّ الطرفين المتصارعين قد اتفقا ضمناً على أشياء بعينها أو على الأقل لا مانع من الاتفاق. ويبذل الطرفان أقصى جهدهما في طلاء العبارات بكم من التقارب الشكلي. بينما المضمون يحمل صراعاً من نوعٍ ما.. وإلاَّ ما المبرر في وجود تنازع. قد تكون الرسالة في اتجاه كهذا دفعاً بالأمور نحو طريق معين لمعرفة رد الفعل المقابل. لكن ظاهرها يبدو جذاباً وتسمى في هذه الحالة بلون اختبار. أي الاطلاع على ما يريده الطرف الأخر وماهية تصوراته في المرحلة الراهنة والقريبة على الأقل.

ليس هذا الغزل مقصوراً على السياسة فقط، بل واسع الانتشار في الحياة الاجتماعية عند حالات المصاهرة. تطرح الرسائل عن طريق أفراد فاعلين اجتماعياً لمعرفة ردود الأفعال من أهل العروس، وتكون غالباً نوعاً من التودد والتقارب. وفي هذا يبذل الوسيط طاقته الخطابية في توجيه الرسائل بحسب الاتجاه المفضل لدى الطرف المقصود. كنوع من التمهيد لإتمام مهمة الزواج. وهي في النهاية تحمل سمات التفاوض على قاعدة المباريات الاجتماعية. أما إجمالاً في المجتمع العربي فنتيجة لفقدان قيم العمل بات الكلام المعسول من لوازم التعامل مع الفنيين والحرفيين لإنجاز الأعمال على الوجه المقبول. واصبح كذلك من الرشاوى المعنوية في الإدارة للحصول على الأوراق الرسمية واستمالة أصحاب القرار.

ثانياً: الغزل الفضائحي

إذ تنتقل رسالة الخطاب من التلميح إلى الطابع العلني( التصريح). عادة ما تلجأ إليه الدول لممارسة ضغوط قوية على دول أخرى. على سبيل التوضيح قد تُكْشف صفقات أسلحة تحت عنوان التعاون العسكري أو تبادل الخبرات كما في مجال وجود خبراء من دولةٍ غير مرغوبة على الأراضي الوطنية. فإذا ما عُرف ذلك الشأن جماهيرياً، يسبب إحراجاً لمسؤولين أو لإظهار حجم العلاقات بين الدولتين. لقد مارست أمريكا هذه التعرية حين أظهرت ملفات مخابراتية سرية لرؤساء دول ولمسؤولين حكوميين كما حدث في بعض الأوقات مع إيران ومصر وسوريا. هي تريد حرق أوراقهم السياسية للضرب في عمق الحالة الخاصة بالدول المنتمين إليها.

ويظهر ذلك بالخطاب الاجتماعي ضمن رسائل التشهير بأشخاص ومضغ سلوكياتهم والتعليق عليها في غير مكانٍ. هي رسائل تغص بها عبارات النميمة والخطاب اللاأخلاقي العام. وهذا جزء من علاقات الأفراد وخبزهم اليومي في المجتمعات التقليدية. بحكم أنها تتسع إلى مساحة زمنيةٍ ليست بالقليلة للتحدث عن الآخرين. الحديث الذي يُترك للكلام المعمى حيث يتخلل المناسبات والطقوس. إنَّه الكلام المحشو بهتك الأسرار وإفشاء المكنون بالنفوس على الملأ. وعادة ما تتسع رقعته نظراً لفراغ العقل من القضايا وفراغ الأيدي من العمل والانتاج. كارثة ما بعدها كارثة أن يتجذر هذا الفراغ بأعماق المجتمع العربي مع امتلاء الجيوب والكروش. حتى إذا ما تُركت رسالة فضائحية لدى فرد أو في مناسبة تطير بسرعة الضوء في أرجاء الأدمغة  كأنَّها  كلام هوائي.

مع تنوع وسائل الاعلام ظهرت هذه الرسائل في الخطاب الديني من خلال التكفير. إذ تصبح الفتاوى منصة لإطلاق أعيرة تكفيرية تصيب من تصيب. لقد أصبح التشهير عنواناً للبرامج الدينية إزاء أشخاص أو ضد أناس دون سواهم. وشمل التكفير جميع معانيه من التكفير الديني إلى التكفير الاجتماعي إلى التكفير السياسي حين يتم اعتبار المكفَّرين خارجين عن المجتمع وموروثاته والدولة التي ترعاه. وحيث كان ينبغي احترام الآخرين يلاحقهم الإفتاء التشهيري إرسالاً لرسائل تستعمل عبر الأحداث السياسية. وذلك يجد صداه الشعبي، لأنَّ هناك قطاعاً جماهيرياً عريضاً يخلع عقلة مع حذائه حين يشاهد البرامج التليفزيونية. ويتقلب مع الآراء من الأدنى إلى الأقصى مأخوذا بألقاب الخطباء وأشكالهم.

ثالثاً: الغزل العنيف

وهو رسائل إهدار الدم والإيعاز بمحاربة المجتمع إذا لم ينصع لاتجاهات متشددة سياسياً ودينياً. هذا الغزل يسمى كذلك لأنَّه بدأ بإرسال عبارات العداء- من الجماعات الجهادية - إلى أمريكا. وهو غزل لأنَّه رسالة لالتهام أصحابها، أي التهام المرسِل وصانع الخطاب، دعوة مفتوحة لأمريكا للبحث عن عدو محتمل. فماذا تملك تلك الجماعات أمام أكبر قوة مسلحة في العالم سوى تفجير هنا أو تدمير هناك؟! أنت حين تفتح فم أسد وتداعب أسنانه فهذا معناه وضع رقبتك بين فكيه. ولا سيما أنك تمتلك رقبة غزال لا أكثر ولا أقل. أنت تغريه باستثارة قوته الطائشة، وشحذ غرائز التدمير لديه.

إنَّ الجهاديين يحاربون عدوا هلامياً. لأنَّ أمريكا تتوحد في أنحاء العالم مع قوى وعصابات ومافيا محلية. كما أنها مثل ظل العدو يوجد أينما يوجد من يناصبها العداء. وهي تحارب هؤلاء بنفس أسلوبهم وتستدرجهم وتصنعهم من حيث لا يعلمون.

إذن رسائل التهديد الدائمة التي نسمعها عن طريق وسائل الاتصال ومن خلال مواقع إلكترونية إنما هي استحضار للجان والأرواح الشريرة. فماذا ينتظر من يطلق نفير الحرب سوى الحرب؟، ماذا يتوقع من يهدد الآخرين غير تكالب الأقوى على افتراسه؟! نقول في المثل الشعبي: من يُحْضر العفريت عليه بكيفية صرفه، لكن ماذا لو أنَّ العفريت لا ينصرف كما تفعل أمريكا؟ وماذا لو كان يحارب صورته المقلوبة؟ فجماعات التكفير الدموي كانت هي صور أمريكا في مرآة الواقع.

وبالفعل هذا ما حدث. فبسبب رسائل خطابية اجتاحت أمريكا– واعتبرتها فرصة ذهبية- أفغانستان والعراق وبعض مناطق الصراعات المسلحة. وكانت الرسائل تتجدد من حين لأخر حين تحتاجها أمريكا في الأحداث الطارئة مثل خطب اسامة بن لادن والظواهري وأبي بكر البغدادي. وأثير الجدل الطويل حينئذ... من يصوغ تلك الرسائل العدائية، وما هي الأصوات التي تلقيها؟، أهي أصوات الأشخاص المشهورين للتنظيمات الجهادية أم غيرهم أم أصوات مستعارة؟ وماذا عن محتواها، وأية أبعاد ترسِلها ولماذا تحمل طابعها الاستراتيجي بالنسبة للآخر العولمي؟ ولماذا تصدر أولاً من قنوات إعلامية معينة كقناتي الجزيرة والعربية؟ تعاملت امريكا مع صيغ الخطاب الجهادي على أنها خطط في طريقها للتنفيذ.

لقد كثُر في وقته حديث المحللين عن شفرات تحملها الرسائل، فتم الإشارة إلى الخلايا الإرهابية النائمة في القارة الأوروبية، وإلى التنظيمات الموازية التي تتخفى في أسماء أخرى. وجرى النظر إلى مصادر تمويلها والبحث عن أرصدتها في معظم دول العالم. هوس الرسائل الجهادية قابلته هيستريا العنف الأقوى المنظم. هيستريا القوانين المحددة لحركة رجال التنظيمات الدينية وأفكارهم. وعلى الرغم من إدراكنا للرسائل لكن وصل الأمر أننا لم نعد نعرف من يرسل لمن ...الجهاديون يرسلون لأمريكا أم أمريكا ترسل للجهاديين!!

الرسائل الخطابية جزء لا يتجزأ من حركة العالم وقواه. هي فصل من سيناريو إدارة الصراع.  رسائل حقيقية أو غير حقيقية ليست هذه هي القضية مع تجييش مظاهر العولمة، ومع تحالفات دولية عسكرية تحتاج عمل. المهم إذن استنفار أمنى يكفل شحن اللاوعي نحو العدو القادم. فصناعة العدو هي السلعة الأكثر جودة ورواجاً بالنسبة لأمريكا وللقوى العظمى.

إن فائض القوة يقتضي دوماً مناطق للتفريغ وإعادة الانتاج، لمن يطلبها ولو برساله من قندهار أو الصومال أو كهوف الدواعش. و لمن يبحث عنها ولو برساله فضائية وسط أحراش وراء أحراش. في حالة وجود القوة لا بد من الرسالة. أبداً لا تذهب رسالة إلى الضعفاء، ولا تستحق عناء صياغتها. أنما الأقوياء إلى درجة الجنون هم غايتها وإن أرسلوها إلى أنفسهم. ألم يقل بوش الابن ذات يوم إنه يحارب باسم الرب؟  وقال أبو بكر البغدادي لا حقاً أنه يقاتل لإعلاء كلمة الله. إذن تضارب الأرباب يوحد المصالح.

ومن طبيعة هذه الرسائل العنيفة تعدد المتلقين لها. أدركت المجتمعات العربية أن صراعاً عولمياً بين تنظيمات وأطراف دولية سيطال البيئة المحلية. إن لم يكن مباشرة فهناك من يعتنق نفس الفكر واسلوب المواجهة. وليس أمامه سوى للانتظار حتى يتحرك. كانت رسائل الخطاب كلمات للعالم بنفس حروف العولمة وبنفس أزيائها. لأول مرة تحتل الرسالة مكانَ الخطاب كل الخطاب. هكذا ينبغي لقراءة واعية أن تتساءل: لماذا يُختزل العالم في رسائل متبادلة، مادية أو تفجيرية أو إعلامية؟! كان معتاداً أنْ توضح الرسالة طبيعة الخطاب بيد أنها حلت محله وحولته إلى أشباح مسلحة في بقاع العالم. ويمكن للقراءة أن تقول كانت الرسالة إجرائية. فتفجير برجي التجارة كان رسالة ليس إلاَّ. وكان غزلاً عنيفاً لم ندرك أبعاده إلا باجتياح العراق وملاحقة أعضاء القاعدة على طريقة البلاي ستيشن play station. وكان بمثابة الدخول إلى العالم السفلي لصيغ الخطاب السياسي وكتابة لاهوت الإرهاب ومحاربته على يد بوش. عالم وصفته الأساطير اليونانية بأنه مأوى الأرواح النكدة والشياطين العملاقة.

رابعاً: الغزل السخيف

المتمثل في رسائل لا تمل الأنظمة السياسية العربية - على اختلافها- من مخاطبة الجماهير بأنهم يرفلون في أثواب الديمقراطية والاستقرار. وأنهم قاب قوسين أو أدني من معانقة رفاهية اليوتوبيا كمواطني الدول المتقدمة.

كان الحاكم يقصد بها السخرية إلى درجة السخافة من تطلعات شعبه. على الرغم من أن الرسالة تطرح بأسلوب طقوسي ومنضبط في الأعياد الوطنية. حيث يتلقفها مؤيدوه للطواف على بقاع قاحلة من الدولة. وعلى الرغم من أنَّ حاكماً عربياً لو نظر إلى صورته في المرآة لن يجد غير نظرات مراوغة إلاَّ أنه كان يتجاهل مرايا بحجم الجهل الضارب أطنابه ومرايا بحجم التخلف والفقر. لكن بفضل تصديق الكلام على مستوى الوعي الاعتيادي، يذهب الخطاب إلى مداعبة أحلام البسطاء. ويبلغ سخافته أنه يعيش بهم في أوهام ملئوها أوهام. ومازالت تلك الألاعيب سارية بعد طوفان الربيع العربي.

ونظراً لارتباط وضع الديمقراطية في هذه الحالة بعلاقات خارجية مع هيئات دولية، فإن الرسالة تترك اصداءها بالخارج أيضاً. فإذا كان الحاكم يراود الشعب عن نفسه بغزل حول نظامه السياسي، وإذا كان يرسل برسائل وهم يستقبلونها منتشين، فإنَّه حقاً يلتزم بمبادئ حقوق الإنسان وبمبادئ العدالة. إذن هذه الرسالة تهدف إلى مغازلة المجتمع الدولي. وكما يتوقع سيُقال بأن دولته تستحق جميع الألقاب الشرفية من جهة عضويتها بين دول العالم.

خامساً: الغزل الطريف

هو ما كان يصعد مع رسائل المبايعة من أتباع الحكام العرب وحاشيتهم باسم الشعب المغلوب على أمره. على أساس أنَّهم (أي الحكام) مصدر الخير والحرية والعدالة والنعيم في الدنيا والأخرة. وأنه لولا وجودهم ما كان المجتمع لينعم بالرخاء. وهذه طرفة تاريخية لدرجة السخرية، كررت نفسها من مجتمع عربي لأخر، واستعادت زمن آلهة الأساطير اليوم.

الرسالة تقلب المتعارف عليه في الخطاب السياسي. فالمعروف أن الخطاب يصاغ وفقاً لأليات النظام وقواه. أما أن تتصاعد نغمات التبجيل من أفواه الجماهير. أي باسم الخطاب العام، فهذا معناه طرافة الوضع إلى درجة التنكيت. كأنْ يجري على ألسنة الناس هذا الهتاف" الرئيس يريد تغيير الشعب". هذا بالضبط الوجه المطابق لذلك الغزل. بدلاً من تطوير حالة النظام و بناء الممارسة السياسية يكون الدفع باتجاه اسقاط الشعب. طبعاً تلك الرسالة لا تظهر- كما نراها في مناسبة وغير مناسبة- إلا لضحالة الرأي العام وغياب النقد الاجتماعي والسياسي. وفي هذا السياق الثقافي تظهر نعرات التقديس للشيوخ ورجال الدين والتعصب المقيت للمذاهب والرؤى الحدية دون اختلاف. إنه جزء من الرسالة، ما ينطبق على قداسة الحاكم سينطبق على تأليه الأشخاص باسم التحزب الديني. فالخطابات تتقارب لدرجة التماهي اغترافاً من معين اللغة.

 

سامي عبد العال

 

 

علي محمد اليوسفمن المعلوم الثابت في تاريخ الفلسفة جيدا إنقسام الفلاسفة قسمين أحدهم ينادي بألمعرفة ألفطرية، يقابلهم المنادون بألمعرفة المكتسبة، لعل أبرز إثنين هما ديكارت وكانط دعاة ألمعرفة ألفطرية، يقابلهم جون لوك وديفيد هيوم دعاة ألمعرفة ألمكتسبة في الفلسفة الغربية الحديثة. وفي محاولة توفيقية وسطيّة لحل هذا التناقض الإنقسامي ذهب لا يبنتيز الفيلسوف الألماني ألمعروف أن المعرفة الإنسانية فطريّة ومكتسبة في آن واحد وسيرورة معرفية زمنية في وقت واحد.

يقرر لايبنتيز "أن المعرفة فطرية ومكتسبة معا، ويرفض وجود تعارض بين هذين النوعين من ألمعرفة، وبألتالي أتخذ موقفا مخالفا للنظرتين الفلسفتين السائدتين في عصره النظرية الديكارتية التي ترى المعرفة فطرية، وجون لوك الذي يعتبرها مكتسبة "1.، ومنذ الآن نعّبر عن وجهة نظرنا في حقيقة لا يوجد سوى معرفة مكتسبة فقط مهما تبدّلت وتعدّدت المسمّيات. ألمعرفة إدراك موجودات لاحصر لها في تنوّعاتها وهي لا توجد في ذهن ألانسان إلا بتأثير مصدرها الخارجي في عالم الموجودات والعلوم والطبيعة ومختلف الظواهر التي تحيط الفرد والمجتمع.

لايبنتيز والتوفيقية المعرفية

لا يبنتيز كما نفهم من عبارته أراد تعميق التفريق بين معنى ألفطرة التي تنطبق عليها جميع ما تشتمل عليه من الغرائز التي يورثها الفرد كمعطى جيني في الكروموسومات أوما يصطلح عليه اليوم الحمض النووي DNA، وبين الإستعداد الفطري الذي هو مزيج من معرفة قبلية مكتسبة وليست فطرية مخزّنة بألذاكرة والمخّيلة الموضوعة تحت تصرف ألتفكير الذهني بها، ويتداخل مع هذا ألإستعداد الذي يطلق عليه خطأ فطريا وفي حقيقته مكتسبا كما ألمحت له.

برأينا لو كانت معارفنا فطرية أو حتى متداخلة بين الفطرة والإكتساب، فلا يمكن في كلتا الحالتين الذهاب نحو معرفة فطرية تشمل جميع ألغرائز المزّود بها ألفرد وتلازمه منذ الولادة في تزامنيه قبلية مدى ألحياة. أذن لو كانت المعارف هي حصيلة فطرية معطاة بالولادة غير مكتسبة من العالم الخارجي والمحيط، يرثها الانسان عن الابوين بالفطرة الوراثية يولد مزوّدا بها كمعطى جاهز.. لأنتفت ألحاجة إلى سعي الفرد أكتساب معارف جديدة من العالم الخارجي في مختلف مناحيه المجتمعية والسلوكية والأخلاقية والعلمية وهكذا.

الإستعداد ألفطري للتّعلم والتزّود بألمعرفة عند ألانسان، ليس فطريا بل مكتسبا بألتمام، وكل إستعداد فطري هو معرفة بعدية مصدرها تداخل الفرد بمجتمعه مدى الحياة. وهذه تسبق كل فكرة يختزنها ألفرد على أنها فطرية هي في حقيقتها تخزين خبرة تراكمية بالذاكرة وألذهن مصدرها موجودات العالم الخارجي. كل معرفة يمتلكها ألذهن على إعتبارها فطرية بأي وسيلة كانت إنما هي في حقيقتها الجوهرية معرفة مكتسّبة نتيجة خبرة تجريبية تراكمّية مصدرها العالم الخارجي، ومن واقع الفرد يعيش ضمن مجتمع يحتويه يزّوده بكل المعارف التي يحتاجها في حياته.

بعبارة إستشهادية نرى مقولة جون لوك يولد الطفل وذهنه صفحة بيضاء، كان يقصد صفحة بيضاء من المعارف الفطرية الخالي الذهن منها بالولادة . ولم يقصد جون لوك صفحة الذهن البيضاء عدم وراثة المولود الغرائز البيولوجية والنفسية والعقلية. فالغرائز الفطرية لا يستطيع الانسان رفض تشّكلها جينيا لوراثتها لاحقا عن الأبوين. كون الغرائز تورث ويتم صقلها بمعارف مكتسبة من الحياة تزيدها سعة وثباتا.

لذا نجد لايبنتيز "يرفض الرأي القائل بالتناقض بين المعرفة ألفطرية والمعرفة المكتسبة."1 ويعتبرهما معرفة واحدة من حيث المصدر، لكنهما برأينا اذا ما سلمّنا بصّحة العبارة فهما أي المعرفة المكتسبة والمعرفة الفطرية في مخزونهما المعرفي بألذاكرة وألذهن مختلفتين...فالمعرفة المكتسبة قابلة للتجزئة والإختلاف والتنوع والإنتشار في العالم الخارجي لكنها تبقى موّحدة مخزّنة في الذهن والذاكرة ، ونعني بالموحّدة أنّها (وعي) معرفي مخزّن قابل للإستثمار المعرفي المتداخل مع جدلية الحياة. وهذا ينسحب أيضا على ما يسمّى المعرفة الفطرية التي هي الأخرى مخزّنة بالذاكرة والذهن، والتعبير عن كليهما المكتسبة والفطرية إنما يكون في وعي واحد يصدر عن الذهن في مرجعية العقل. بمعنى ليس هناك تفكير ذهني بمعزل عن العقل وتحديدا عن مناطق عصبية معينة موجودة في تركيبة الدماغ البيولوجية.

وليست موحدة بمعنى التنظيم النسقي الذي يجعل كل المعارف ألمكتسبة وحدة متجانسة في الإفصاح التعبيري عنها في التعامل مع مجريات الحياة.. وحدة المعرفة المخزّنة بالذهن وألذاكرة هي مفهوم واسع من الإدراكات المعرفية التي لاحصر لتنوّعها. لكن يبقى التوحيد التراكمي لها في تخزينها التجريدي بالذاكرة والذهن وليس في مصدر إكتسابها الواقع. ويبقى التعريف الادراكي بها هو وعي قصدي واحد. أي لا يمتلك الوعي التعبيري عن المعرفة المخزّنة بالذهن والذاكرة قابليّة التعامل في التفريق بين ماهو فطري بإختلافه عما هو مكتسب.

وجود بالقوة وجود بالفعل

يقرر لايبنتيز "وجود أفكار كامنة في نفوسنا لا يحققها ولا ينقلها من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل "2 لتوضيح ماينبني على هذه العبارة رغم ما يشوبها من إرباك غير متحقق منه حول وجود الأفكار الكامنة في نفوسنا هل يقصد بها أفكارا فطرية أم أفكارا مكتسبة أم هي خليط من ألاثنين حسب نظريته الفلسفية التوفيقية؟

لماذا نرجّح المعرفة البعدية المكتسبة كخبرة تراكمية من العالم الخارجي؟ الجواب كون جميع معارفنا المكتسبة يحدّدها عامل العمر والزمن عند الانسان، لذا يكون معنا كل ألأفكار ألمعرفية المجرّدة يقال عنها فطرية تعبير غير صحيح لمعنى غير دقيق فلا يوجد غير معرفة مكتسبة فقط. أما ماهو فطري فهو يشمل كل موروثات تتوزعها الجينيات الموروثة عن الابوين كصفات غريزية وراثية، وكذلك جميع الغرائز الخصائصية التي يمتلكها ألانسان بالوراثة فقط.

إذ حتى لو إفترضنا دقة أفكار ألفطرة في وجودها ألذهني فهي أفكار غير حقيقية مقطوعة منعزلة عن سيرورة واقع الحياة المتّحرك الذي لا تبنيه ولا تساهم فيه أفكار تعود لماض أصابه التغيير الكبير في مرجعية الحاضر له. ومن المتعّذر أن تكون أفكار شخص ما مخزونها بالذاكرة يصبح صالحا تطبيقها على معارف جديدة يفرزها واقع دائب الحركة والتغيير مختلف هو غير مصدر تلك الأفكار التي إكتسبها ألفرد بألخبرة الزمنّية في ظروف هي غير الظروف التي تحكم صيرورة المعارف وإنتقالاتها التطورية السريعة. وكل معرفة يكتسبها الذهن ويدّخرها بداخله لا تصبح بألتقادم الزمني عليها صفة المعرفة الفطرية لعدم إمكانية إنتقالها من شخص لآخر بالتوريث الولادي.الحقيقة التي نتجاهلها هي أن أفكار الفرد في حال إفتراضنا أنها صحيحة بالمطلق فهي تبقى مبتورة في إمكانيتها تغيير سيرورة معارف ميدانها الحقيقي الفاعل هو المجتمع. والحقيقة الثانية أيضا التي يتجاهلها البعض أن أستثارة ما تختزنه ألذاكرة وألذهن من أفكار قبلية أنما يكون بفضل ألافكار المعرفية الجديدة ألمكتسبة من ألخارج ألمحيط الاجتماعي.

الحافز المكتسب بالمعرفة

أن حوافز ما يكتسبه ألفرد من معرفة بعديّة مستمّرة بلا إنقطاع كونه كائن إجتماعي بالغريزة، معرفة مستمّدة من العالم الخارجي وتجربة الخبرة بالحياة هي وحدها العامل الوحيد الاساسي في تحفيز وإستثارة ما كان إكتسبه ألانسان بمرور الزمن والعمر من خبرة تراكمية قيمتها تكون في تجديدها المستمر وليس في تخزينها المتقاطع مع نزعة إكتساب ألمعرفة الجديدة بإستمرار.

هذا ألترابط يجعل من وحدة إكتساب المعرفة فعّالية حيوّية ناميّة متطورة بإستمرار لا غنى عنه. ويجري التعبير عنها بوحدة الوعي ألمعرفي...ألترابط المعرفي الفاعل الذي أشار له لا يبنتيز هو لا يمكننا الحديث عن معرفتين فطرية وأخرى مكتسبة.. بعبارة أكثر دقّة أن ما يعطي ألإستعداد الفطري المعرفي عند الإنسان هو ألحوافز ألمستثارة التي يفرضها عليه إحساسات العالم الخارجي في تزوّده بمعارف جديدة مكتسبة.من المهم بهذه المسألة هو أن نكون على بيّنة تامة أن المعرفة الفطرية بل ألأصح ألإستعداد الفطري المعرفي لا يمكنه ألإفلات من أسر ألتخزين المعرفي بألذهن وألذاكرة وألإنطلاق نحو العالم الخارجي بقواه الذاتية لإنتفاء ألإنسجام المتداخل مع ما يمتلكه ألفرد من معرفة مع ما يمتلكه المجتمع.

ألفرد لا يستطيع ألعيش بأفكاره الفطرية إذا إفترضنا صحّة إمتلاكه لها بالتقادم الزمني عليها. في تقاطع معارفه الفطرية مع مصدر المعرفة المكتسبة من مجتمع داخل سيرورة معرفية متطورة متسارعة زمنيا. ألمعرفة الخارجية للفرد هي نوع من الديناميكية المتحركة غير الثابتة ولا تستطيع المعارف القبلية المخزّنة بألذهن إيقافها أو ألتقاطع معها بما يمنعها من السيرورة الدائمة. ألمعرفة المجتمعية ألخارجية التي تواكب التغييرات إنما تصهر في جريانها المتقدم نحو نشدان مستقبل أفضل في حالة من التنامي المعرفي. ما نريد الوقوف عنده أنه لا قيمة فكرية لمكتسبات معرفية لا تدخل في جدلية لا فكاك منها مع كل ما هو معطى مكتسب من العالم الخارجي والمجتمع المحيط...

ألفرق الثاني أن ألمعارف الفطرية تبقى معارف إنفرادية تتغّير في تداخلها ألجدلي مع ألمعرفة ألمكتسبة. أفكار ألمعرفة الفردية تتغيّر في إستبدال ألكثير من قناعاتها نتيجة إحتدامها مع محيط شاسع يحمل ما لا حصر له من معارف يكون تأثيرها مجتمعة على الفرد أكبر بكثير بما يحمله من معارف لم يكتسبها من سيرورة الحياة التي تسير به ولا تسعفه معارفه من مجاراتها المستمرة نحو الأمام. بمعنى عجز الفرد العيش الذائم بمعارف فطرية، ولا يتأثر بمعارف مكتسبة متغيرة متجدّدة مصدرها المحيط الاجتماعي.

مبدأ ألسببية المكتسبة

من ألمعلوم جيدا أن قانون السببية الذي يحكم الطبيعة والظواهر والعديد من الاشياء بما لا حصر له من علاقات عديدة تحدث بحياة الانسان، إنما هو قانون غير فطري بل هو مكتسب بألخبرة ألمعرفية ألتراكمية بألحياة. لكن هوبز أحد فلاسفة عصر النهضة إعتمد ألتوفيقية في ربط ألسببية على أنها تسليم إيماني يستمّد مشروعيته في مرجعية إسناده الى الإيمان الديني في اللاهوت. في إلتقائه مع لايبنتيز في مبدئه التوفيقي بين المعرفة الفطرية والمعرفة المكتسبة أنهما الاثنين معا.

ديفيد هيوم كان أنكر الفطرية في تحصيل ألمعرفة معزّزا رؤية جون لوك في إنكاره الفطرة في كل إفصاح يتعّلق في مجال إكتساب المعرفة، وليس على نطاق مورّثات البيولوجيا التي هي فطرية لا مجال لإكتسابها في غيرطريق ألجينات الوراثية.

هيوم سخر من مبدأ السببية أو العليّة في تنظيم العلاقة بين ألأشياء على أساس من سبب ونتيجة لاحقة عليها ناتجة بسببها. ومرجعية هذا ألتحاشي في إنكار هيوم السببية كي لا تقوده ألسببية بالنهاية ألإقرار باللاهوت الديني وهو المعروف بنزعته ألإلحادية، ووضّح السببية أنها تكرار علائقي يربط بين شيئين أو ظاهريتين تتلازمان بنوع من العلاقة في ألإعتقاد الخاطيء أن أحدهما يكون سببا لإنتاج توليدي للآخر ما يعطي ألإنطباع الزائف أنّه أصبح قانونا سببيا يكتسب صفة العادة البديهية في التسليم به. ولو نحن تصورنا قابلية السببية الى ما لا نهاية له فسوف نضطر التوقف عن علة بلا معلول وموجود لا يسبقه علة وجوده الذي هو الله وهو ما لا يتماشى مع تفكير هيوم الالحادي.

هوبز مع تلفيقية لايبنتيز

هوبز كان سبق ديفيد هيوم بإعتباره السببية قانونا طبيعيا يحكم ظواهر الوجود وعلاقات الموجودات الطبيعية فيما بينها، ولا مجال لإنكار السببية أنها ليست كذلك. وقال أن السببية قانون تعالقي يتسّم بألتراتيبية ألتصاعدية في سلسلة لانهائية بين سبب ونتيجة ولا تتوقف إلا حين تصل وجود الله الذي لا تسبقه عليّة ولا سبب ولا حركة. مؤكدا ديناميكية الحركة الدائمية ألتي تحكم الطبيعة المخلوقة ولا تسري على خالقها. معتبرا أيضا الله علة تسري علي كل شيء، ولتحقيق مثل هذا اليقين الإيماني علينا مغادرة الفلسفة نحو اللاهوت الديني المنزّل من عند الله.

وبهذا المعنى إعتبر هوبز مؤيدا لايبنتيز أن المعرفة فطرية ومكتسبة في وقت واحد ومتداخليتين بما يعجزنا التشكيك بهذا التعالق الذي يتناسق في مجانسته اللاهوت الديني التي تكون المعرفة فيه ميتافيزيقا الإيمان المطلق دونما التفتيش عن قوانين تحكم ألطبيعة الماديّة فقط. مؤكدا على أهمية حركة ألمادة الأساس الذي تقوم عليه العلاقات التي تربط أشكالها السببية بقدرة خالقها.

الشيء الذي يجب أن لا نستغرب منه في المتناقضات الفلسفية التي يقع فيها غالبية الفلاسفة ليس هوبز إستثناءا منها، فمثلا في الوقت الذي يعتبر أن المادة لا تمتلك سوى الصفات الفيزيائية، يذهب الى تصنيف صفات المادة الى صفات أولية وأخرى صفات ثانوية، وهذا المصطلح كان بدأه غاليلو ثم من بعده ديكارت، ليعود هوبز بعد إقراره هذا المبدأ الفيزيائي قائلا " الصفات الثانوية ليست سوى حركات فيزيائية تجري في المخ، وهي خيالات ومظاهر ومشاعر"3 نازعا عنها كل صفة مادية.

فطرية المعرفة

من المعلوم جيدا أن جون لوك وديفيد هيوم وبيرتراندرسل وآخرين غيرهم من فلاسفة أنكروا على الانسان المولود طفلا إمتلاكه إفكارا فطرية قبلية من أي نوع معرفي لا في الفطرة التدينية ولا بالفطرة المعرفية أبستمولوجيا.

رفض جون لوك الأفكار الفطرية قائلا " اذا كان الله قد أعطى الناس أيّة أفكارا فطرية فلا بد أن يكون أعطاهم فكرة فطرية عن ذاته لكنه لم يفعل"4، مثار الإستغراب هنا بمقولة لوك هذه أنّه فيلسوف مؤمن بوجود الله وليس ملحدا.

جون لوك حين ضرب مثلا عن أفكار الفطرة الدينية، فهو أراد أن يجعل منها أكثر إمكانية لتعزيز رفض نظرية الفطرة بالولادة على مستوى أرفع من فطرية بعض معارف الابستمولوجيا التي هي معارف مكتسبة من تراكم خبرة تلازم الانسان في جميع مراحله العمرية.

ورغم الإختلاف بين ديكارت بالأفكار الفطرية وجون لوك الذي ينكرها تماما نجدهما يلتقيان معا بالحدس القائم على وضوح الأفكار الذي يجعل من يقينية قبول صحّة بعض الأفكار لا يحتاج الى براهين عقلية تجريبية.فالوضوح الشيئي البديهي لبعض المعارف كاف لمقبولية العقل لها وتسليم الأخذ بها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهامش:

1 و2- الفلسفة الحديثة، د. امل مبروك، ص 107

3- وليم رايت، الفلسفة الحديثة، ت: محمود سيد احمد، ص 84

4- المصدر السابق اعلاه ص 159