سامي عبد العالالتداول يعطى الألفاظ قيم الحركة والتنوع والتبادل والاختلاف بضربةٍ واحدةٍ. فاللغة تتسع فكراً وتعبيراً إلى عمليات تواصل بلا نهاية. إنها تفتح– برأي المفكر الفرنسي بيير بورديو- سُوقاً ضخماً به كافة السلع والأزياء والشفرات والممارسات الثقافية. وبالتالي يصبح الكلام سلعة رمزية تستهدف ربحاً ورواجاً دلاليين على خلفية الأهداف المبتغاة. فخطابٌ من غير تداول لهو لغة دون استعمال. وهذا ضرب من المحال،  ولاسيما في وضع نهتم خلاله بأثر الكلام على المتلقِّي. وقد نلتفت إلى أهمية العمل التسوقِّي في ترجيح المعاني وزيادة تأثيرها العام.

تتحدد الأسواق اللغوية linguistic markets بمناطق الجذب والطرد والتنافس والصراع بين القوى الرمزية في المجتمعات. وذلك بحسب تكوين الثقافات وتراثها الفاعل في حيوات الناس. وعادة اللاعب الرئيس فيها هو السلطة وتحولاتها الثقافية كما في مجتمعاتنا العربية. ولا تُوجد السلطة بدلالتها السياسية فقط، بل كل أطياف القوى التي يسعى الفاعلون إليها لتحصيل النفوذ والقدرة على الاحتمال.

فالعبارات والجمل والصيغ والوحدات الخطابية تحمل سمةَ التباين والتداول بحسب منطق: أيها أكثر نفاذاً، وأيها أكثر قبولاً، وأيها أكثر أثراً لإنجاز الأهداف. حينئذ تغدو اللغة كبضائع معروضة ومقدمة للآخرين، والسلطة (بتنوعها وأرصدتها) تؤدي الدور الأبرز في رسم مواصفات الخطاب الجاري ودلالاته. والأسواق ليست أماكن عينيةً كما أنها لاتعد أفعالاً واضحة بأغلب الأحوال، لكنها فضاءات في ردهات الثقافة يتنفس الكلام خلالها ماذا سيكون وماذا سيرتدي وبأية أشكال سيظهر.

والسوق هنا ليس بمعناه السلبي كما هو دارج، لكنه على غرار يُقال في البيع والشراء الزبون دوماً على حق، فالمتلقي دوماً على حق من جهة فهمه وقدراته على تقبل الخطاب والاقتناع به أم لا. ويظهر ذلك في المجال الاجتماعي والديانات والسياسة من جهة الرؤى والبرامج المطروحة. والسوق هو قدرتنا على جعل الاشياء نسبية وقادرة على التطور حتى نلبي تاريخاً يُغرق كافة ما نقول ونقدم.

لكن هناك ملاحظتين.

1-  كما يستحيل فرض نمط الخطاب على المتلقين، يستحيل أيضاً فرض تداوله. وإذا حدث ذلك فلا يحدث عادةً إلاَّ في المجتمعات المغلقة وفي جماعات ماضوية فقدت صلاحيتها. وبالتالي يتعذر دوماً تكريس سلع خطابية محددة. لأنَّ السوق اللغوية تحتمل كافة السلع الرمزية تبعاً لجودتها ورواجها.

2- التداول يعيد إنتاج الخطاب وتنوع معانيه كحال عملية التسوق اللغوي. لكنه كذلك يسبب تغيراً في جسد العبارات والمقولات كلما طرحت. ثم تقترح اللغةِ أساليب جديدة باستمرار. فالسوق يتطلب ابداعاً بشكل لا يتوقف. نظراً لتوقف الرواج على القوى التنافسية باختلاف مرجعياتهم الخطابية. ومن ثم خطأ كل الخطأ أدلَّجة اللغة كما تفعل المذاهب الدينية والسياسية.

الملاحظتان السابقتان عمليتان. وهذا جوهر التداولية مع جوانب الثقافة طالما وجدت أطراف التواصل. وهي لصيقة بالخطاب لكونه يستهدف ممارسة لغوية بأهداف المجتمع، صراعاته وتحولاته. إذن هناك تزامن بين الخطاب ومجريات الأحداث. فأيُّ إسهام سيقدمه، وكيف سيطرح معناه؟ إن التداول أمر مأخوذ من الاقتصاد. فتداول العُملة يجري وفق قيمتها في السوق. وتبعاً لقوتها الشرائية بالنسبة للمستهلك. كما أنَّ هاتين الظاهرتين (القيمة والقوة) تتحولان إلى سلوك اقتصادي تواصلي. فالعُملة ليست ورقة نقدية فقط، لكنها قوة تتحرك في أسواق رمزية على المستوى السياسي والاجتماعي أيضاً، مُوحِيةً بالثراء والتبادل القيمي وجذب التفضيلات. وهذا  يشابه آثار اللغة في عميلة التواصل الاجتماعي خلال سياق ما.

عادة تفهم القوة الاقتصادية مصيرها التجاري (التاريخي أيضاً)، فإذا بها تزداد قوة سياسيةً حفاظاً على هيمنتها. وبفضل انتشار التداول تدخل لاريب صراعاً مع القوى الأخرى. فالدولار يعبر عن قوة عولميةٍ واسعة النفوذ. فيستثمر رأس المال السياسي والمعرفي في أسواق الاقتصاد والعكس أيضاً. إذ يجعل الاقتصاد خادماً للسياسة والمعرفة. ولذلك ليس مصادفة أنَّ أكبر اقتصاد عالمي اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية. لا لأنَّها مضخة عملاقة للتحولات في عالم اليوم، بل لأنَّ اقتصادها يترجم قواها الأخرى ويخدم مصالحها الحيوية، بدءاً من التعاون مع الدول وانتهاءً بالتدخل العسكري في الشأن الداخلي لغيرها وصناعة الحروب القذرة في غير مكان من العالم.

إذا أردنا شيئاً قريباً من هذا فهو رواج بعض الخطابات بعد أحداث الربيع العربي.  كان الخطاب قوة لغوية تداولية في أسواق عامة اسمها الثورات، عاكساً الرصيد الرمزي لمُنتِجه. ففي مجال الدين السياسي مثلاً حرصت تياراته الاسلامية على التواجد القوي عن طريق الخُطب الميدانية والحشود والتظاهرات. ومع المزاحمة على الأحداث (اجتماعيةً أو سياسيةً) أخذوا يبثون كلامهم بنفس وتيرة الحماسة وآليات التفكير الذي يتبنونه. نزلت الشعارات اللغوية إلى الأسواق خطفاً لقدرة الإنسان العربي على التدين، وأنَّ التدين الأيديولوجي ليس بعيدا من وجهة نظر الاسلاميين عن التدين البسيط. الفارق أن قدرة الجماعات الاسلامية على إغراق الأسواق بالشعارات الدينية الرائجة كان أكثر من سواهم، لأن الشعارات خادعة وتغيب الوعي لمرور كافة محمولاتها.

كان الهدف -كما يتصور الإسلاميون- تحريك الواقع لصالحهم. وفي نفس الوقت هم أولى بدنياهم ممن يرون فيهم عصاة ومختلفين في التوجه. الغاية هي الزعم بتحويل اللغة (الخطاب) إلى سلوك حياتي عائداً عليهم بالمصداقية. فلا تيار ديني إلاَّ ولديه برنامج خطابي يستعمل كل زواجر الدين وإغراءاته لجذب الأنصار. ونجده خطاباً يتكلم في كل شيء داخل الحياة. لا يهمه قضية التعبير والمعنى بقدر اهتمامه بتسويق مرجعية فكرية يراها الأهم والأكثر نفاذاً. حيث يروج معالجتها لمشكلات الواقع المتفجر.

وبالتالي أخذ التداول الخطابي يُطرح في فضاء الثورة المؤثر. فلم يكن يتصور المتابع مع أحداث الربيع إلاَّ أنْ يتواتر الخطاب السياسي كمتغير فاعل. وأن يتساءل القارئ لمن هو موجه وكيف تلقاه الجمهور يومياً مع الأحداث الجارية. ولا سيما أنَّه خطاب افتراضي بمعناه المعاصر (كما في الوسائط الإلكترونية) من حيث إمكانية التخييل والتوجه إلى المتابع المفترض بصرف النظر عن انتمائه. أي كان يهم هذا الخطاب تمثيل الأفكار الدينية ثورياً وتجسيدها كشخصيات افتراضية تتلاعب بالوقائع، وتحل الأزمات في الخيال وتحشد المشاعر وتفك احتقان الجموع أو تدعو أخرى بالصور المجازية.  فجاء الخطاب السياسي معادلاً موضوعياً للعملات النقدية في الاقتصاد. فالتداول سياسياً قوة لرمز يتحدث وينتج صيغاً تعبيرية. ذلك مثلما تحقق بعض العملات هيمنتها  تداولياً في الأسواق.

يؤكد ذلك أنَّ التداول بمثابة الجانب السلعي من معانى الخطاب. ولعل رسالته تختصر المسافة بين المنتج والمتلقي، تحاول اختزالها بين الفكر والممارسة أثناء الأحداث. لأنَّها رسالة منطلقةٌ بموجب إمكانية التعبير عنها على نحو عملي إزاء الآخرين. فالرسائل أداة برجماتية تحاول التعامل مع مفردات الواقع كبدائل قابلة للتوظيف. والجانب الحركي يتلخص في استعمال اللغة لإنجاز الأغراض. ويكتسب الخطاب معاني كلما كان قادراً على حصد النتائج وترك أثره الملموس. بالتالي لا يعدو أنْ يكون أداة استراتيجية اشتباكاً مع الأحداث ومحاولة التأثير فيها. فمعنى الخطاب تاريخياً حتى بمنطوقه يرتبط بالحشود، بل فعل يخطب يُستعمل كطرفٍ في ثنائية "الخطابة والجموع". وحينما يتوافر أحدهما سرعان ما يستدعي طرفه الآخر.

هنا يمكن التفرقة بين خطين متوازيين:

الموقف والتعبير:

يأخذ التداول بجانب الموقف الاستعمالي للغة. وهذا الجانب منطقي-عملي من حيث اعتبار اللغة خطاباً له أصداءه. بينما يحدد الموقف ماذا يقصُد صاحب الخطِاب وماهية الرسالة. كما أنَّ التداول يظهر درجة التفاعل مع أطراف الكلام. فإذا كان للخطاب رسالةٌ على خلفية مُرسِل ومُرسَل إليه فالموقف سياق يكشف طبيعة الرسالة وماذا يريد المُرسِل. وبالتالي يمثل الموقفُ دوائر الفهم circles of understanding. لأنَّه يفرز تداعيات الألفاظ لدينا على نطاق محدد. ويبين ماذا يمكن أن يحدث موضِحاً أفعال القول. والموقف يشمل معاً حدث الكلام وتحوله إلى وسيط إذ يَطرح الأصداء ويتلّقاها. إنَّه الوضع الحواري كما يري ميخائيل باختين.

حيث يفترض الخطابُ (كحدث لغوي تواصلي) أطرافه المحتملين. وبذات الوقت ينمو مع التنوع في الاتجاهات والرؤى. الأهم أنَّ اللغة خطابياً لا تُعتبر وقائع ذهنية إنما تُولِّد توترات ومظاهر تفاوض بشتى أنماطها الثقافية وليس كلاماً فقط. ذلك أنَّ الألفاظ تستند إلى رصيدٍ من المواقف التفسيرية. إن لم تكُّن مباشرة فعلى المستوى الافتراضي بين الذوات اجتماعياً.  كما أنَّ من يمر بنفس المواقف إنما سيسلك طريقاً في الكلام يشابه سابقيه، وسيحقق كيفية التحاور مع الاشخاص المعنيين.

عندئذ يعد الموقفُ التداولي موقفاً تعبيرياً، أي يتكيف التعبير مع حالته التي تحدد المعنى. لأنه يلائم بين الكلمات مبلِّغاً لرسالته المنوط بها. لهذا ستظهر انحناءات عملية في التعبير عن الأفكار. وسيغدو التواصل منطقاً موقفياً situational كما هي أوجه التواصل في العلاقات الاجتماعية والسياسية. الملاحظ أنَّ الموقف سيبرر الخطاب ويُبادله الدلالة على المعاني المطروحة. فلو كانت المعاني عنيفةً على سبيل المثال، فسيُلقي الخطاب مبرراته بأنَّ الوضع يتطلب هكذا نبرة وأداءً. وإن كان الموقفُ يقتضي انحناءً أمام عواصف الموقف فلن يكون  من الخطاب سوى التعبير عن خفة المعاني.

والموقف يزمّن الخطاب (يعطيه زمناً)، فلا يُخرِجه من حدود المكان والزمان. حيث تدل كلماتُه على مضامين قيد الانجاز. ولئن جرى التعبير بموجب تلك الخاصية تظهر ما نسميها بمناسبة الكلام. والسؤال المهم: هل بإمكان الخطاب أن يصبح أكثر فاعلية؟  بالطبع، فهو الوجه الأبرز لنشاط اللغة إذ بإمكانه إظهار العلاقة بين أطراف الحوار كما يطرح الأهداف. ماذا يقولون وكيف يبررون، وإلى أي شيء يرمون بكلماتهم؟ وأنه حينما تتفاعل الأطراف كما حدث أبان الثورات الربيعية إنما تطرح زوايا مكملة، كما أنها لا تفتأ تكشف الجوانب الأخرى. والخطاب بتلك الحالة له صفة الإعلان نتيجة الجانب الاشهاري فيه، وله بالمثل جانبه الحجاجي، لا الحجج العقلية فقط إنما منطق الطرح مع تحول الوقائع المعبر عنها. ورأينا ذلك كثيراً فقد كان المشاركون في الثورات على موعد مع اعلان مطالبهم وبرامجهم للمتلقي.

المعنى والوظيفة:

تولِّد العلاقةُ بين التعبير والموقف وظيفةَ للخطاب. إنها طرح اللغة بمعطاها العملي المنتج للمعنى. فهناك من نظر إلى اللغة مثل تشومسكي باعتبارها حالات ذهنية مرتبطة ببنية العقل أكثر من ارتباطها بأي شيءٍ. ثم راح يحلل الأبنية العقلية الكامنة في المنطوقات على أنها وحدات للفكر ليس إلاَّ. وهذا الرأي مستمدٌ من فلسفات مثالية تري في اللغة صوراً مفارقة للواقع. وبالتالي سيكون لها طبيعتها الخاصة ولها معانيها المطلقة بحكم الانفصال المفارق للألفاظ والدلالات.

لكن هذا الرأي كما هو واضح يتجاهل عمل اللغة في الحياة الواقعية. فليست الكلمات غير مبررة فعلياً إنما مناسبة الكلام كما قلنا جزء لا يتجزأ من التواصل الخطابي. وهو بوصفه رأياً في تكوين اللغة يقف لدى إنتاجها علي صعيد الذهن.  لكن: أين محتوى هذا العقل الذي يتواصل بها، أين المكونات الشعورية والبلاغية للكلام؟ أين السوق الثقافي الاجتماعي للأقوال؟ الوظيفة تجيب عن  تلك الأسئلة. على أساس أنها تخرج المعاني من عقل المتكلم ومن ألفاظه إلى الحياة، فإذا بالخطاب أداة ناجعة في التعامل مع غيره. والحقيقة أن اللغة هنا إرادة قول تترجَم إلى إجراء فعلي. ولا تختلف عما في المجتمع من سلوكيات مؤثرة. فالإنسان ينجز الأشياء والتجارب بما يضعه من عبارات وإن كانت منطبعة في ذهنه.

لقد أشرنا إلى أهمية اللغة من الناحية المذكورة، غير أن الوظيفة تنطوي على التحول. لأنَّ الكلمات ناقلة للأفكار. ويأتي الشق التمثيلي ليعطيها معاني الممارسة والفعل إزاء الآخرين. لقد اُعتبر التواصل عملاً قابلاً للإعادة في مواقف التعبير. ولا ينبغي كما نوهنا تجاهل أن اللغة إجمالاً بها تكرار ناتج عن كليتها المفترضة. هذا الطابع يكاد يطغى على تباين الأفراد والخطابات. إن الوظيفة تتوسط الخطاب لأنها توفر جانبه الأدائي وليست في هوامشه. حقاً قد يتم التعبير عنها بشكل غير مباشر، لكنها من أهم أبنيته. المهم أن المعنى ذاته يتم ترجمته بالوظائف على صعيدي التعبير والمضمون.

لأنَّه إذا كان الخطاب ممارسة لغوية عل قدر من التحقق، فلا يرشق مضمونه أكثر مما ترشقه الوظيفة التي يؤديها. ففي الخطاب الاجتماعي (سواء أكان مصدره الموروث القيمي والفكري أم سلطة اجتماعية) توجد عديد الوظائف بمقدار فهم المعنى عبر السلوك الإنساني. وتتشكل الوظائف ضمن أنماط الحياة الاجتماعية وبحسب مكوناتها. أما ضمن الخطاب الفكري، فتجري الوظيفة دعماً للتمسك بمرجعية معينة، وهو ما يعبر عن بعد أيديولوجي. والمعني مع جميع الحالات سيكون له صفة الفعل، لا الفعل بمدلوله المعتاد حين يعدُّ عملاً بارزاً أنما قد يمثل حثاً عليه أو صورته أو رسمه بطريقة ما أو علاقته أو مضمونه أو إنجازه. وفي الخطابات الأيديولوجية نجد الحرص على التعبئة الوظيفية لما تقول، وتترجم المعاني في شكل أداء يطرح المضامين المقصودة.

للتوضيح سنفرق بين عدة وظائف للخطاب داخل أسواق اللغة:

أولاً: وظيفة تواصلية

مرت الإشارةُ إلى التواصل آنفاً في أكثر من موضع، غير أنَّ المقصود هنا أنَّ أي تواصل لا يخلو فعل لغوي اقتصادي. لا نكاد نذكر خطاباً دون ذكر التواصل كمعنى مفرُوغ منه وإلاَّ لفقد مبرره. ما بين فرد وآخر لا يتم سوى الكلام أو الموت كما يقول  المفكر المصري مصطفى صفوان. هذا الكلام ينقذ الاثنين من العدم. فصاحب الكلام سيمتلئ رغبة في اللغة وبها، وسيشعر بحروفه كأنَّها مصوبةٌ نحو ما يريد. وبخلاف هذا وذلك... لنتصور عدم وجود الآخر، جسداً وطيفاً وموضوعا،ً حينئذ ستحل الكارثة لا محالة. سيؤخذ الإنسان بهلوسات بصرية و أصداء سمعية نحو المجهول. سيسير موزعَ النظرات ومشقوقَ الفكر ومبعثر الخطى. أما الآخر فمالم يكلمه أحد، سيترقب موتاً محققاً أو سيبقى مهدداً بالإهمال. لأنَّ الخطاب يكشف المتواصلين لبعضهما البعض، سيعطيهما حياة مختلفة معاً من واقع اللغة التي تستجلي ما يقصدان. لماذا لا نتأمل - حين نتحاور بشكل خصب- في ثراء الوجود الإنساني؟

إن الحوار بتعبير جورج جادمر لهو التجلي الفعلي للفكر. لا الفكر الصوري، بل الفكر الحي النابض بالمشاعر والعواطف والإحساس. إن الفصل المنطقي بين" الكلام أو الموت" يدل على أهمية الأول كبديل متفرد يأخذ مكان الموت أيضاً، بصيغة محددة:  إما الكلام أو الكلام. وفي هذه الاثناء سيموت الإنسان لو فقد الاختيارين وهما في الحقيقة خيار واحد. فلو مات الإنسان يكون فقد الكلام مع الآخرين أصلاً. لكنه طالماً لا يستطيع الخروج من اللغة فليس من مجالٍ أمامه إلاَّ التكلم، إلا التواصل. وبخاصة أنَّ هذا الإنسان مع آخره يقطنان اللغة وسيدفنان فيها تباعاً.

فإما أنْ يكون الانسان قد مات، فينقطع بحكم الضرورة عن الكلام. فلا يوجد ميت يتكلم. وإما أنَّ الكلام هو الحياة. وبالتالي يوازي عدم التواصل سقوطاً من الحياة. لهذا عادة ما يشعر الصامت بالزمن كأنَّه سجنه المحتوم. على الرغم من أن الصمت لا يعني في بعض حالاته عدم التكلم. ومن ثم فإن الكلام في الحوار أوسع من التبادل اللفظي. لأنه قانون من قوانين الحياة الاجتماعية بكل زخمها.

ثانياً: وظيفة أيديولوجية

لماذا حين يخاطب أنسانٌ إنساناً يترك الكلام أثراً كلياً؟ بعبارة أخرى يتضمن كلامة تجاوزاً للنسبي نحو ترسيخ فكرة مهيمنة. ويكاد لا يمر الموقف مروراً عابراً. ولئن حدث ذلك، فهناك  شيء راسب أكبر من المتحاورين. السبب أنَّ هناك بالخطاب توظيفاً لنمطية الأفكار في صورة جزئية وقابلة للتداول. فعلاوة عن احتفاظ اللغة في أبنيتها التعبيرية بمجمل السمات الثقافية، فإنَّها تمرر تلك السمات عبر وحدات الخطاب ومعانيه. هي تعمل على ذلك، كما لو كانت أداة طيعة لبث سلطة الأفكار بأدق الأساليب بُعداً عن النظر.

لكم استغل أصحاب المذاهب سمة الخطاب هذه وظيفياً لخدمة أغراضهم. وهم من يدرك جيداً أنَّ اللغة مزرعة لفيروسات الأيديولوجيا، بل تنمو داخلها تلك الفيروسات وتتكاثر كما لو طُبعت خلاياها بالميكروب الأصلي. ويحرص هؤلاء علي بث الكلمات بالنماذج الجاهزة إذ تتحدد في ضوء مرجعيتهم. عندئذ يغدو الخطاب عصا غليظة. غير أنها تهوى برفق العبارات وتسلل المعاني. وعن طريق هذا تكرس العبارات مضامين الأفكار باتجاه واحد، اتجاه حشو الأدمغة بالصور المعدة سلفاً، وهي صور تتسلق الخيال على أنها الواقع بعينه.

في هذا الإطار هناك خطابات نفعية ترمي بصيغ التعبير لحصد المنافع والغنائم. ظهر هذا جلياً مع وقائع الحراك العربي كذلك. غايتها التهام عقول الناس وما في أيديهم من مكاسب سواء أكانت قوى أو قيماً أو تجمهراً أو مالاً. إنها لغة التربح بالكلمات في أسواق اللغة. حيث نجد اقتصاداً يوظف المعنى لجني غلال المواقف. وكم نجد أيضاً صيغ الحب والتعاطف والتقدير تُقايض كسلع وقتية، وحتى زمن صلاحيتها سرعان ما ينتهي بانفضاض الخطاب( انفضاض السوق). إلى جوار هذا يأتي الخطاب الديماجوجي demagogy أو كلام الدهماء الذي يذوب مع ظاهر براق يخفي خداعاً صادماً. وهو خطاب يزيف الوعي من خلال تمويه الأفعال وإلقاء الوعود الكاذبة. بذلك ينطلي على الجمهور العادي من حيث يقودهم إلى مصالحه الخاصة.

أيضاً هناك الخطاب التبريري  justificatoryلا بمعنى وجود منطق لمساندة التعبير إنما يمكن تسميته بالكلام التسويغي. وقد يُعرف في السياسة بالخطاب الاستباقي مثله مثل الضربة الاستباقية في الحروب والصراعات المسلحة. فهذه الأخيرة تسددها قوة عسكرية إلى دولة أو جماعة مسلحة بطريقة عاجلة. حيث يكون المقصود منها إجهاض الخطط وتدمير القدرات المتأهبة للانقضاض. وفي الوقت نفسه تصبح الضربة مبررة كإجراء ضد المخاطر المحتملة.

الشق الآخر من هذا الخطاب هو استعماله لتبرير شيء سيحدث، أو كما يقال تمهيد "مسرح العمليات" لإحداث تغيير عن طريق التدخل الفعلي. سلكت الولايات الأمريكية طُرقاً عدةً لتبرير الضربات العسكرية الموجهة للعراق في حربها على هذه الدولة العربية بعد الحادي عشر من سبتمبر ألفين وأحد عشر. كان خطابُها الإعلامي يشي- قبل إعلان الحرب- بحدوث التدخل العسكري. فتطلب الأمر غطاء إعلامياً يتحدث عن الإرهاب الدولي وتبعاته من جهةٍ، وعن أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين من جهةٍ أخرى. ولم يكن الموقف الدولي في حلٍ من عقد الصلة بينهما بموجب تدمير برجي التجارة واستهوال أحداثه ونتائجها على أغلب الأصعدة العالمية.

وعليه تطلب الموضوع غطاءً قانونياً بتقارير أمنية وميدانية من الأمم المتحدة. واقتضى كذلك غطاءً سياسياً من الدول العربية المجاورة للعراق سواء بالإدانة أو الموافقة أو المشاركة. ولاسدال الستار على النخوة العربية وملحقاتها أُمِرت دولها الكبرى أمراً بالمساهمة في جبهات القتال. ثم كانت الصورُ الإعلامية للاعتداء على جنود أمريكيين في ثوب الضحاياً هي الحاملة للتسويغ طوال سنوات الغزو الأمريكي. إلى أنْ أعلن باراك أوباما ترك الأراضي العراقية في خطابات سياسية تطهرية من الدماء وبإشارات تنم عن إتمام النعمة واستقرار البلاد واحترام القانون الدولي!!

بالمثل هناك خطاب تلفيقي، يؤلف بين المتناقضات لمسايرة الحالة المُراد اقتناص مكتسباتها. يظهر في السياسة حيث يتلاعب خطاب كهذا بالأطراف جميعاً.  خطاب سياسي يُعطِي هذا وعوداً، ويمنح ذاك كلاماً، ويومئ إلى الوقوف مع غيرهما. ويلجأ السياسيون إلى خطابٍ كهذا في فترات الانتخابات تحسباً لاحتمال الإخفاق ولمحاولة حصد الأصوات من كافة التيارات.

على مسافة ليست بعيدة، ظهر الخطاب ذاته لدى ما يُطلّق عليهم مفكرو العرب الذين يوفقون(يعقدون قراناً في الحلال) بين التراث والحداثة، بين الأصالة والمعاصرة. وهو زواج يتم بدون رضى الطرفين، فلكل منهما شروط فاعليته التاريخية ولكل منهما أبناؤه ولكل منهما تأويلاته ولكل منهما مفاهيمه المؤسسة الضاربة في الزمن. جاء الأمر أشبه بتحديث سيارة من القرن الثامن عشر بحاشية سيارة أكثر تطوراً في القرن الواحد والعشرين.

من ثمَّ إما أن تتم العلاقة الزواجية بالطلاق وضياع الأبناء وإمَّا أن يعيش الطرفان في حياة نكده مغتربة لا تواءم فيها وسيكون الأبناء أيضاً هم المشردين. هؤلاء المفكرون العرب يمارسون دور المأذون والمحلل معاً. فأغلبهم أصحاب ثقافة أوروبية أو متأوربون على ضفاف المتوسط. لأنهم مفكرون يطرحون آراءً بنبرة خطابية غير أصيلة وتتلاعب بالمعاني وتهمل الظروف التاريخية. يقودهم في ذلك تلفيق الحجج وتعسف التأويلات حاسبين أنَّهم يُحسنون فعلاً. بالمثل هناك أشقاؤهم في الرضاعة، وهم سلفيون يردون كل شيء معاصر علماً ونظريةً ومذاهب إلى أضابير التراث وإلى النصوص المؤسسة للثقافة الاسلامية والعربية. لقد تناسوا وجود زمن مغاير وحياة مختلفة تمام الاختلاف في تاريخ الغرب والشرق معاً.

كذلك لا يجب اغفال الخطاب التغييبي. منتجوه هؤلاء الذين يغيبون وعي الإنسان انتظاراً لحياة أخرى بعد الموت. المشكلة في استعمال رجال الدين لهذا الخطاب بنبرات تبريرية لقبول الاستعباد والظلم الاجتماعي والسياسي. وهؤلاء من يفسر النصوص الدينية تفسيراً رجعياً. مرة باسم الاصلاح وغيرها تحت عنوان الرجوع للأصول والينابيع. وأكثر من هذا يعد خطابهم جزءاً من نظرة عامة للعالم تقول بضرورة اتخاذ الحياة كما هي دون فاعلية الإنسان، ودون وجوده لو أمكن. لأنها دنيا محتقرة انتظاراً للنعيم المقيم. حتى أنهم يبررون الاستبداد السياسي ويرون في الحكام قدراً إلهياً لا يُدفع وإلّا أحدث فساداً أكبر. النتيجة أنهم يؤسسون لنوعٍ فارغٍ من مضامين ثورية وغير واقعية. مع أنَّ كلام الله في الاسلام جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأنَّ كل عملٍ بها ممتد دون تجاهلها وإلاَّ ما فائدتها كحياة من الأساس. ما فائدة المشروع الإلهي بجعل آدم خليفة في الأرض بمنطوق القرآن؟!

على المدى البعيد يصبح المسلم كائناً غائباً عن الوعي تحت ضربات التخدير الديني. يقول إن شاء الله سيجيئ الخير العميم خارج دنيانا في الآخرة. ومن ثم تتحول المشيئة الإلهية (بإنتاج رجال الدين والفقهاء) إلى "فيزا كارت"visa card لتبرير الواقع كما هو. هذا الخطاب يدعمه الحكام المستبدون بجميع قواهم. ويرون فيه غايةً ما بعدها غاية. فإذا كانت ثمة مخدرات تذهب العقل، فهناك تفسير رجعي للدين يُذهب الإرادة والفعل. كلاهما يلتقيان عند صم الآذان عما يجري والغياب التام عن التطور.

بالمناسبة ليس خطاب كهذا مميزاً للتيارات الماضوية دينياً إنما يوجد بصفاته الحرفية في المذاهب الأيديولوجية السياسية. فيوتوبيا الليبرالية كحال الرأسمالية المتوحشة القائمة على انفتاح الاسواق العابرة للقارات مثلاً رغم أنها تدعو إلى الوعي المفتوح بأحوال المجتمعات إلا أنَّ فكرة اليوتوبياً، أي القيامة الدنيوية والجنة الأرضية لمرحلة نهاية العمل والاستمتاع الأخروي بالحرية التامة في الأرض إنما تعد فكرة سلفية مقلوبة.

هي نهاية العناء الإنساني من التقاليد والشقاء، لكنها تفرز عنفاً لا حدود له. كما أنها بمثابة تذكرة سفر بلا عودة إلى الواقع. بمعنى أنها لو حلت كما تحل الآخرة معضلات الدنيا لن ترتفع لأنها قدر اقتصادي يجسد نهاية التاريخ. وإن كانت مرحلة يوتوبية فهي الظلم نفسه باسم جديد. يؤجج صراعات المجتمع بفضل قواه المتفاوتة،  ويسحق  إمكانيات الأفراد داخل أسوق شرسة.

ثالثاً: وظيفة دلالية

يدل الخطاب بوصفه لغة على المعاني التي يضمرها. والدلالة أمر أبعد من التعبير المباشر على الأشياء. فقد نقول هذه شجرة ككيان مادي لو صادفنا نباتاً غير أنّ دلالتها تندمج مثلاً في سياق إنساني لدى شاعر يخاطب" التينة الحمقاء" كما صاغ إيليا أبو ماضي ذلك المعنى في قصيدته المشهورة. فالتينة الحمقاء شجرة عارية من الأوراق والثمر نتيجة شُحها على من يستظل بها. فإذا بصاحبها يراها غير وارفة الأغصان وغير مثمرة ليقطعها طارحاً إياها في النار تستعرُ. بالتالي يُجرِي أبو ماضي مماثلة شعرية بين الشجرة والإنسان من خلال الحُمق. فالبخيل في عواطِفه ومشاعره إنما هو كالتينة مكفهراً ويابساً لا ظل يعطي ولا ثمر يرمي. الدلالة هنا تعبُر الحدود بين الإنساني والطبيعي راسمةً حدوداً غير معهودة.

وإذا اعتبرنا إيليا أبو ماضي صائغاً لخطاب شعري، فإنِّ الدلالة تقدم بُعداً جديداً بطرافة التشبيه بين التينة والإنسان رجوعاً إلى صفة مشتركةٍ. إذ ذاك خلعت الشجرة على الإنسان صفات اليبوسة والاكفهرار بينما ترك الإنسانُ على التينة صفةَ الحُمق. يكشف هذا التبادل الدلالي الصياغة الشعرية لمضامين الألفاظ و سبب العلاقة التي تظهر. إذن الخطاب يدلل على معانٍ أخرى. ليس مهما الاتفاق معها أو رفضها، لكنها تكشف قدرة الخطاب على إضفاء الدلالات على الأشياء. ومن حينها يبدو ما كان عارياً من أية دلالة ناطقاً بوظيفة وصورة معبرتين.

هكذا يحتوى الخطاب على نظام معرفي حول موضوعاته. أي يغير فيها ويجعلها مدركةً بصورة معينةٍ. من جهةٍ أخرى لا يترك الخطاب الكلمات مشتتة إنما يخضعها لصيغته. أي يعيد سبكها وفقاً لاتساقٍ دلالي من نوعٍ ما. إن خطاباً يعبر عن حدث سياسي أو غيره إنما يرسم صورتَّه ويقدمها من منظوره. وفوق ذلك يدلل على الوضع الذي يراه مناسباً لأغراضه. وهذا أمر طبيعي أنَّ الخطاب عموماً لا يستطيع تجاهل دلالات الأشياء والأحداث بالنسبة لمتلقي اللغة. إنَّه يسهم في إبراز تطور المعاني على صعيد الممارسة. فدلالة كلمات مثل الأم والأخ والعائلة والقبيلة تختلف من مجتمع إلى آخر. أي تختلف بحسب تراثه وعلاقاته الرمزية. غير أن خطاباً راهناً، أو في أي عصر، يستعمل دلالة بعينها وفقاً لمنطلقاته الاجتماعية وتبعاً لما آلت إليه الكلمات. فكل استعمال من تلك الجهة يراكم انحرافاً في المعنى. حتى إذا ما وضعنا كلمةً في سياقها سنعرف وظيفة دلالية لها ضمن الخطاب.

نفس القضية مع مؤسسات المجتمع، فدلالة السلطة تتبادل طفراتها مع الخطاب المعبر عنها في مجتمع دون غيره. إن تكوين السلطة محصلة لتكوينات وأنساق فرعية تصب لدى هرمية المجتمع ومركزية ثقافته. كما أنها تنقل تاريخ الممارسة السياسية وتظل مبطنةً بمعانٍ يستعملها الخطاب يومياً على وجه التقريب.

ومع دلالة الألفاظ تبدو السلطة ليست مرجعية فقط وليست مادية إنما إنتاج يومي كذلك، مثل الخبز والغذاء والدواء. وهذا ما يجعل خطابات السلطة طاغية في أي مجتمع حتى مع المجتمعات التي توصف بالديمقراطية. لأنَّ استعمال اللغة لم يكن محايداً ولن يكون في مداه البعيد. فبالتأكيد توثق تلك الوظيفة الدلالية عُرى الفعل ورد الفعل بخلاف الحياد. ولربما إيراد كلمة "الحياد" غير مناسب هنا. لأنَّ اللغة توجد ابتداء للتعبير. وطالما كانت ثمة تعبيرات فستظل مسألة استحواذ المعاني هي المسألة الأساسية.

رابعاً: وظيفة ثقافية

الاعتقاد بأنَّ اللغة لا تلتقي مع فاعلية الثقافة أمر خادع. وأي خداعٍ حين يمارس الإنسان تعبيراً فتختفي أطره ومعانيه ويبدو منطلقاً بصريح الوظيفة؟! إن أي وظيفة للكلام إنما تجري بتأويلات وإشارات ثقافية. قد لا تُسمى كذلك في أغلب الحالات. ربما لا يدرك المتحدث والمتلقي كلاهما هذا المعنى. لكن عدم ادراكهما دليلٌ على وجود الثقافة وهيمنتها. ودليل على نجاحها في إخضاع الكلام لقوانين الجاذبية الدلالية من غير الشعور بتلك العلاقة. بحيث يسقط التعبير مع ثقل المعنى الثقافي للكلمات. ويبقى حاملاً لمعالمها نبراً ودلالة.

يقدم الخطاب نتيجة الوظائف السابقة معانيه في هذا الاتجاه. فلا يجترح طريقاً مخالفاً لما تقرره الثقافة وإلاَّ لأصبح غريباً عن حركتها. كما أنَّه لا ينفصل عن أجواء التعبيرات وتأثيرها الواسع. فلو خاطب فردٌ غيره بكلمات حميمية فإنها تسري إلى متلقيه بأوضاع الثقافة. هي حينئذ ليست تعبيراً لكنها علامة ثقافية بقدر ما تتداعى الصور خلفها. والتعبير إن أرسلّ معناه منقولاً على راحة الثقافة الجارية، فلن يتخلص من رواسب المواقف. إن وصول تلك الرواسب ليس أمراً هيناً لكنه قضية شائكة. وفيها يكمن اللغز الإنساني مع  تداول اللغة، ماهيته وعالمه.

ولكن قد يتساءل القارئ: لماذا تكون ثمة كلمات أكثر تأثيراً من غيرها؟ ربما يقال إنَّ الموقف يقتضي استعمالاً لهذه الكلمات بخلاف كلمات أخرى. وقد يشار إلى أنّ الخطاب يجب أن يكون ملائماً للرسالة التي يوصلها. وربما ينوه إلى اعتبار اللغة بها بعد انجازي، أي يفهم المتلقي ماذا يُراد منه فيفعل مثلما تطرح. كل ذلك لا يتم سوى بنشاط يخترق الوعي والحقائق والتعبيرات، إنه عمل الثقافة التي تربط بين الأشياء فتغدو مضموناً مناسباً للغة. لا يمثل الخطاب الثقافة، لكنه يحيى روحها في اللغة، في دلالات الكلمات. وتظهر تلك القضية مع الترجمة من لغةٍ إلى غيرها. فكل مترجم ما لم يترجم روحَ الثقافة، أي هذا السر(المضمون) الثقافي الكامن وراء قدرة الكلمات على التعبير، لن يستطيع توصيل المعاني. وحين يعبر بلغته سيكون خائناً كما هي المقولة الشائعة" كل مترجم خائن". خائن لأنه لا يستطيع نقل كامل الأسرار للغةِ المنقول عنها. وبذات الوقت يحتاج إلى تقريب الأفكار والمفاهيم بلغته وهذا مستحيل. إذن لا مفر من خيانة النص المترجَم وخيانة لغته الأم على كافة الأوجه.

تلتحم الوظيفة الثقافية مع عمل العقل، مع قعر العقل. يقول أنطون تشيكوف: الثقافة هي ما يبقى في عقل الإنسان بعد نسيان كل شيءٍ. معناه قد لا يذكر العقل شيئاً لأنه لو تذكر لافتعل مفاهيمه وتصوراته. والعقل المقصود هو العقل التواصلي والعملي بمصطلح كانط. فهذا العقل يضع القانون لنفسه سائراً دون تعثر. مما يشير أنَّ هناك نسخة أولية فيه كأرشيف لعمل الدلالات من حوله. وطالما أن الثقافة تعمل في حالة نسيان العقل، فالعقل يفتح جميع حدوده على اللا وعي، على اللا عقل. أي على اللغة، لأن اللغة في سكونها القاتل لهي شفرات تلك النسخة إذ تُحَبِّر أنظمة الثقافة والطبيعة. ومن ثم تحولها إلى نسيان زمني بهذا المفهوم في دماغ فاعلي الثقافة.

النسيان هو جوهر اللغة والثقافة معاً. لأنه مادام يوجد نسيان فلابد من حركة الذاكرة. بذلك يصبح الخطاب طريقاً للتذكر، طرحاً لعمل الذاكرة. الخطاب الديني يعول على هذه الاستراتيجية. كثيراً ما يردد أصحابُه "وذكر فإنَّ الذكْرَى تنفع المؤمنين". كإشارةٍ إلى تبرير الحديث ونهب الفرصة لمعاودة الكلام في قضايا سبقت. لكن الفكرة الضمنية محاولة استدعاء المخزون المعرفي المنقوش في النفس. وجرياً على اليقين المفترض سلفاً يأتي التذكير ترديداً لما سبق في الثقافة الموروثة. تكاد تكون أية ثقافة بها تلك الخاصية التي يلمح إليها منتجو الخطاب الديني بالأسلوب التقليدي. والآية تقترن بذكر المؤمنين. على أساس أن من يتذكر يثق بالذاكرة. يؤمن بما يتذكره لأنه عمل نفسي معرفي. لذلك يعد طريقُه الحي في الدين ممتداً مع الإيمان و جزءاً منه. غير أنَّ الخطاب يعتبر الخاصية السابقةً رصيداً للتواصل ويثبت أنها طي اللغة.

من منا لا يتذكر أحوالاً مرّت به ومر بها في حياته؟! من لا تقلِّبه الذاكرة على كافة الأحوال؟ طبعاً سنشعر بنفس المشاعر والحالات التي انتابتنا من قبل. لكن إضافة إلى هذا تأتينا الذاكرة بزخم المعنى. وربما ما كان مفهوماً في حينه أصبح الآن أكثر إلحاحاً في حيننا. وهذا الموضوع يبرهن على مسألة أنّ صورَ الذاكرة صور دالة. لا لأنها كذلك بطبيعتها لكنها تُشفَر وتُخزَّن في العقل بإمكانيات اللغة على التخزين.

بعبارة أخرى كانت اللغة هي أنظمة الأرشيف بالنسبة للذاكرة. وهي بالمثل ستكون أنظمة الاستدعاء لمخزونها. ففي المرحلة الأولى تحتاج الذاكرة خاصةً وعامةً إلى انظمة دلاليةٍ. لأنَّ مواد الثقافة وصورها تصبح كلمات ومواقع للمعنى وليست مواداً خالية من المضمون. أما بالمرحلة الثانية فنحن لا نعي تماماً ماذا تفعل بنا اللغة أثناء التكلم عن الماضي، ولا ماذا نمارس من طقوس حين نتذكر صور الحياة. كما لا يأخذ المتلقي انتباهه للذكريات من حيث أن لغة الأرشفة هي ما تربط بين عناصر الصور وتعطيها لونا وتكسوها جسداً.

إنَّ من يتحدث عن واقعة مرَّ بها سيعطيها حياة أخرى بحثاً عن المفقود والهارب. في روايته "البحث عن الزمن المفقود" حاول مارسيل بروست تتبع خطوط الزمن من خلال شخصياته الروائية. ولم يأخذها إلا من أعماق الحياة لحظة نسيان الحقائق والأعمال. لكنه في كل هذا ظل يترقب انفلات الزمن من نفسه. ليجده زمناً ينفلت هكذا في حالات خاصة مثل حالة السعادة. بينما لم يجد سعادة مطلقة سوى في الحياة كإيقاع فني. أي وجدها في الفن بانفتاح معناه. فالحياة لها معالم فنية مثل: الشغف والرغبات والولّه والاستغراق والإبداع والخلق والتذوق والمتعة واللعب الطفولي والتحرق شوقاً للبساطة. جميعها صور ذات معنى نفسي وروحي كامن في جوهر الكائن الإنساني. لدرجة أنَّ الفن يجعله يلتقي بالأبدي حتى الأعماق وبالمتعة حتى الثمالة وبالمبهج حتى الجنون. إذن المفقود من الحياة هو الحياة ذاتها. والضائع من الزمن هو الزمن حيث وجود المعنى على الأصالة.

 

سامي عبد العال

 

سامي عبد العالالقراءة في الثقافة العربية معناها "الجَمْع والتّتبُع"، يُقال قَرَأَ فلانٌ كذا وكذا.. أي جمعَ ما يُقرأ إلى بعضهِ البعض. في عبارة واضحة: القراءة هي معرفة وتحديد الرابط الاجمالي الذي بإمكانه ضم معاني الأشياء تطلعاً للفهم. غير أنَّها بصدد الخطاب عملية معكوسة حفرياً واصلةً إلى أدق الجذور والتفاصيل. إنّها استطراق حفري للداخل حتى الأعماق القُصوى، أي تبحث عن شيءٍ ما كامن في صمت اللغة: داخل أنظمتها، أحداثها، طِباقِّها المتراكمة وكذلك في أبعادها الأكثر تأثيراً.

لا بمعنى أنَّ داخل الخطاب كماً من الأسرار البعيدة عن الإدراك، إنما كل خطاب ينطوي على سرٍ إنْ لم يكن هو ذاته السر. لأننا نحتاج إلى فك طلاسمه وكشف جوانبه لمعرفة ما ينطوي عليه وما يتكون منه. إذ ذاك يتم التعرف على ما يقول وأية معانٍ يضمرها برسالته وكيف تتشكل. إنَّ تتبع تلك الحلقات لن يتم دون تعقب لحركة المجتمع على خلفية البنية الثقافية والتنقيب داخل أنظمة الرموز والعلامات وكيف تعبر عن مكنونها.

كثيراً ما نترُك مجال الخطاب جانباً تحت وقع انفصام القول عن الفعل. هذا الشق الثقافي المجهول داخل جدران ذواتنا العربية الصماء. وبخاصة أننا ندُور- فكراً وممارسةً في الحياة العامة - مع دوران الرحى اللغوية. حيث نستطيع اكتساب الايقاع الحياتي نفسه والوصول إلى النتائج ذاتها. فنصبح في حالة أشبه بـ"عجلة مفرغة" تدور بسرعةٍ كبيرةٍ. تعطينا احساساً بالامتلاء والاكتمال بينما هي مازالت فارغة المحتوى وغير تامة البناء. اللغة بمثابة هذه العجلة الدائرة بسرعة قويةٍ، حين تتلقف وعينا وأفكارنا خلالها دونما مخرج (نحن في المجال العام ظاهرة لغوية إنْ شئنا).

إزاء هذا الموقف، لابد من اللجوء - على سبيل التوضيح - إلى النصوص المقدسة ثقافياً. لأنها بخلاف فكرة "الإيمان والكفر" توثق آليات تفكير الجماعة التي كانت فيها ولماذا اكتسبت قداستها خلال هذه الاستدارة المعرفية. أي تبادل الأصداء التاريخية بين النص والفكر. وهنا يعد أرشيف الثقافة ضرباً من الرواسب والمحددات والمرجعيات الدلالية المضمرة التي تكشف الحقائق والأصداء التاريخية. فهو مكتوب ضمناً حتى وإنْ كانت له قداسة تند عن المقارعة. وبذلك يضم الأرشيف كتب الوحي والأقوال والممارسات والعبارات المأثورة والتفسيرات وتخريجاتها حول المتون الفاعلة لدى هذا المجتمع أو ذاك.

في مرحلةٍ ما، أشار خطاب القرآن كوثيقة ثقافية هذه المرة إلى الانفصام الفكري لجماعة المؤمنين. وهو ما يفيدنا في معرفة اللغة كأحداث خطابية مؤسِّسة للوعي بالأفعال وكيف تمارس أدوارها. وسنلاقي الانفصام اليوم في مفترقين حاليين: تسطح مستوى الخطابة (الكلام البراق) وقنص المصالح لدى جماعات الاسلام السياسي( المنافع والأيديولوجيا). "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون" (الصف/2). وإذا كان ذلك مع المؤمنين، فكيف سيكون مع غيرهم؟! خطاب القرآن يُوصِّف ذهنية عربيةً ضمن سياق الكلام. فالمؤمنون هم العرب وغيرهم بطبيعة الحال، سوى أنَّ الثقافة العربية لها السبق في إلقاء القول جانباً وترهل الفعل متلاشياً بجانب مغاير. وهو الازدواج الذي استمر خلال التعامل مع أوامر الدين. وكم خضع خطاب القرآن نفسه إلى ما نهى عنه. وبالتالي يبدو القرآن متمسكاً بإظهار قوة المفارقة كرادع لغوي تحت سلطة له لا تؤثر. لأن المؤمنين قد يفعلون شيئاً بخلاف ما يؤمرون به، وقد حرص القرآن على إظهار هذه المواقف!!

وبهذا ينبغي اظهار الجدل التاريخي للنصوص المقدسة مع الواقع في كل الأحوال. وهي بذلك ستتضمن قوانين الثقافة المحيطة، بل ستخضع لها. لأنَّ الجدل يترك أصداء إنسانيةً عبرها بحكم نتائج الأفعال المترتبة عليها. حتى وإن كانت تلك النصوص متعالية تبعاً لمصدرها. ومن خلال اللغة لن تستطيع التعبير عن آفاق الإنسان إلاَّ بطرائق تفكيره. وبذلك بالإمكان استنطاق معاني النصوص القادرة على إظهار صياغتها وتكوينها. عندئذ لن تتحدد نقطة فاصلة بين المقدس والمدنس، الميتافيزيقي والفيزيقي. طوفان اللغة يقوم بعملية الغمر لمعاني تتولد بين اللغة وبين السياق الذي تجري فيه، هذا الإغراق النوعي لما يراه الإنسان بشكل فريدٍ وحتى مجهول.

يدل معنى الآية وراء تعبير "تقولون" على مغايرتها لتعبير "ما لا تفعلون". كأنَّ القولَ شيء وهو كذلك، بينما الفعل شيء مناقض وهو مختلف. فيتضح أنَّه لا يُوجد تزامن بينهما من جهة المعنى.  بالتالي يصح التبادل الدلالي هكذا: لم تفعلون ما لا تقولون. لأنَّ علَّة الصياغة سقوط الارتباط وتباين المقصدين جرياً على تباين توجههما. ومن ثم يلجأ خطاب القرآن إلى صيغة الاستفهام لإبراز المفارقة بين الموقفين. كأنَّ أصحاب القول ليسوا هم أصحاب الفعل. وهنا لم ولن يترك الاستفهام المتلّقي وشأنه. لكنه سيتركز تحديداً وراء المشهد حيث الخلل في الناس بموصوف إيمانهم. والإيحاء باللوم فاعل في رد الاستفهام إلى تلك النقطة بطريقة خلفيةٍ: يا من تؤمنون كيف تقولون ما لا تفعلون، هل يستقيم إيمانكم مع ذلك!! ومن ثم فالسؤال المتواصل لدى المواقف الدينية هو: كيف يستمر الوضع مع هذا الازدواج؟!

وإذا كان المضارع في الفعلين (تقولون- تفعلون) يفيد الاستمرارية، فالثقافة العربية مشحونةٌ بتتابع الانفصام الخطابي كما في السياسة والخطابات المتداولة. كانت نتيجتها تفريغ القول في حياتنا العامة من أي عمل. فعلى سبيل التأكيد، كان هناك بالمثل انفصام الشعراء ببلاغتهم عن الواقع:" ألم ترَ أنَّهم في كل وادٍ يهيمون، وأنَّهم يقولون ما لا يفعلون" (الشعراء/225، 226). يظهر هذا بارزاً إذا عرفنا أنَّ الشعر كان أبجدية خلق الأشياء مع الأساطير. وأيضاً كانت الأشعار شكلاً أولياً لكيفية التعامل مع الكائنات والطبيعة، وقد ظلت تلك السمة عالقة به ومُلِّحة في طرح أساليب شعرية ابداعية.

لهذا بقي حكام العرب وسلاطينهم وملوكهم مرتعبين من الأشعار بحكم دورها التاريخي. فكان رد الفعل (لا الفعل بطبيعة الحال) فتح قصورهم كحظائر لخصيان اللغة؛ أي لهؤلاء الشعراء المدجنين الذين يلهجون بعبارات المديح والفخر والحماسة والتزلف وإراقة ماء الوجه. وكم جاء وصفهم بالفحول، فحول الشعراء الذين يستعملون فحول الألفاظ. بينما وضعهم الثقافي يشي بإبطال مفعول اللغة واقعياً. وبلمسة تعويضية جاء في وصف أجمل التعبيرات كما يقول ابن سيرين: " ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً"، لكن الواقع شيء منافٍ لهذا تماماً. لقد كان الاختباء في الاستعارات والجناس والسجع حيلة للهروب من الخِصاء السلطوي الرمزي.

علاوة على ذلك وُجدَ في أرشيف الثقافة انفصامُ القول السياسي عن الحال الاجتماعي. وكان هذا النوع عميقَ الأثر في الذاكرة العربية. فالسياسة لا ترضى بديلاً عن خطاب الأمر، عن طريق تصريف الأشياء بما يخدم مصالح الأنظمة الحاكمة. وبخاصة أن رموزها تحتل مركز اللغة التي يُتَحدث بها في المجالات العامة. ترتب على ذلك ازدواجية الخطاب بين المعلَّن والخفي بحسب انفصام الكلام عن الفعل. وسلطة الحاكم العربي نفسه هي من بثت تلك الازدواجية في اللغة. ونتيجة الممارسات المزدوجة جعلتها في حالة تضخم دون قيمةٍ لها في الحياة. فبعض التضخم الاقتصادي أنْ تغرق أيدي الناس بأرقام النقود بلا قيمة تقابلها من إنتاجٍ ولا عملٍ، وهو دليل على فراغ الأرقام من مؤشراتها. وعلى المنوال نفسه أفرز تضخُم الخطاب بهذا المدلول تضخُماً في القيم وعبارات الترحيب والكلمات الوثيرة بينما يضمر قائلُّها تزلفاً وعداءً لا ينفدان.

ليس ذلك الانفصام على مستوى القاعدة الاجتماعية، بل قلّما ينجو منه حاكم عربي واحد. فالأقوال السياسية تمثل مسحوقاً لمحو أي أثر للفعل، حتى أنها تسعى لطمس التوقُع بوجوده. يحدث هذا مع إنبات أجنحة لكلام الخطاب طيراناً دون هبوط وتحليقاً بلا توقف. فلكم همَّ حاكمٌ سياسي ليميّع أي التزام قد يربطه بشعبه بمجرد إلقاء الخطاب. لقد ارتبط الخطاب في التاريخ السياسي العربي بهذه المعاني التي لا تدل على شيء، وبهذه الوعود المقطوعة دون ضمان. حتى اُشيع القول التاريخي الدارج إذا أراد حاكم عربي أنْ يكذب على الناس نهض لإلقاء خطاب أو لإصدار بيانٍ. فالكلام عادةً مهُول اللفظ بينما يتأرجح الواقع مع المجهول. أكثر الأسرار علناً في حياة العرب كلام الخطاب مُنعدِم الحقيقة، هو سر معلَّن. لأننا نتعامل معه تلقائياً بوصفه شيئاً مسلّماً به. لم يناقشه المجتمع على نطاقٍ واسع، ولم يعترض عليه الأفراد إنما ضُمَّ إلى معتقداتنا اليومية. فأصبح الواقع خُرافةً، لأنَّه واقع اللغة الكذوبة لا حال الواقع الفعلي.

هكذا آية أخرى تنبث في أرشيف الثقافة: "كبُرَ مقتاً عند الله أنْ تقولوا ما لا تفعلون"(الصف/3). كان بإمكان الآية القول كبُرَ مقتاً من غير الاسناد الميتافيزيقي (عند الله). وسيغدو الانفصام ممجوجاً بوضوح على الصعيد السلوكي. إلاّ أنها رجعت به إلى مطلق الوجود في الذهنية العربية، إلى الله. ذلك على أساس ضرورة تحمُل مسؤولية القول دون فعلٍ. فهذا إنْ حدث يضيع المسؤولية ويدفع إلى فقدان اللغة لأهميتها التاريخية. حينما قال الله عن نفسه أمراً جللاً أكد: "وإذا قَضَى أمراً فإنما يقول له كن فيكون"(البقرة/ 117).

لم يخبر الله عن ملكوته على إطلاقه، إنما أظهر اللغةً كخالقةٍ للفعل ليس أكثر. لغة القضاء المبرم والمشروط بإرادته المفارقة. فالعظمة إذن ليست في القول مقدساً أم غيره، بل في عملية ترجمة الأقوال إلى أفعالٍ. وبخاصة أن مسؤولية ميلاد اللغة واحدة لدى الفعل الإلهي وعند الفعل الإنساني. لهذا قرن الله مقتاً واقعاً على مزدوجي اللفظ والعمل: بأنَّه مقتٌ عنده وحده، اختص به نفسه نظراً لخصوصية العلاقة بين الخطاب والرسالة. وكم كانت المحاذير من تفكك هذه العلاقة واردة. وفي هذا سأذكر بعض نماذج الخطاب مع هذه العلاقة وكيف تلتئم ويتم معالجتها. وهي خطابات تحول القداسة إلى موضوع إنساني مؤرشف بواسطة حركة اللغة.. لكن كيف يتم ذلك باختلاف الخطابات؟

1-  الخطاب الاجتماعي:

تظهر مشكلة هذا الخطاب مع تحولات العلاقة بين الألفاظ والمعاني، نتيجة أن ضياع الرسالة من الكلمات والتلقي معناه تكريس حالة الأنوميanomy كما أسماها إميل دوركايم. أي فوضى اللا معايير non- norms وتفسُّخ منظومة القيم من جراء تناقض الأهداف وعدم إمكانية بلوغها. الأمر الذي يسبب اغتراباً عن الواقع أثناء التواصل مع الآخرين. إنّ المجتمع خطاب ورسالة تمشياً مع نظام اللغة، والسر كل السر في هذا الارتباط بين المعنى والحقائق المشار إليها. واللعنة الاجتماعية (المقت الدنيوي) ستُلاحق من يتلاعب بالخطاب في المجال العام. مع أنَّ هناك دوماً من يتلاعب بالكلمات ولن يكف عن ذلك. وإيراد الآية السالفة لفعل القول بصيغة الجمع" أنْ تقولوا مالا تفعلون" يفيد وضعاً جمعياً لاحقاً بمنطوق الناس. فالترقب الإلهي بمقتضى "عند الله" يدل على أحد أسرار المجتمع العربي من جهة التباين الجمعي للأقوال وانفصالها عن الأحوال. لهذا يمثل الخطاب الاجتماعي شفرات الوضع الاجتماعي تراكماً وإنتاجاً لعلاقاته.

لا يخلو مجتمعٌ من خطابٍ اجتماعي يبرر وجوده وتفاعلاته. أمَّا الأكثر إدهاشاً أنَّه يعطي الناس خيالاً بديلاً حينما يعجز الواقعُ عن الإيفاء بمتطلباتهم. إنَّ عبارات وسرديات تاريخية، سواء أكانت مآثر لرجال أو جارية على ألسنة أبطال، تهدهد مصيراً اجتماعياً مشتركاً أكثر مما تؤجج نوازع التناحر. ليست القضية في خطابٍ يمتحُ من تراثه الاجتماعي الممتد، لكن لماذا يملأ الخطاب ثغرات الواقع، لماذا يعيش فيه الأفراد أحياناً مع كامل حياتهم؟ لا ريب أنَّ مفردات خطابٍ كهذا تنزل منهم منزلة المجتمع ذاته. ولهذا تستقبل المفردات خبراتَّهم وتأويلاتهم للحياة والكون. لأنّ الخطاب هو ذاكرة جمعية قيد اللغة وحضورها الفاعل.

لربما يُقال إنَّ الامثال الشعبية عبارات حملت عصارة تجربة الحياة. غير أنها فوق ذلك تتحين نتائج التاريخ، تفتح اللاوعي على احتمالات ألاَّ يوجد الإنسان دون تجارب ماضيهِ. فمع أنها تجارب لم يعشها هو بالطبع لكنها تسكن اللغة على نطاق عام وتعيد توجيه ذاكرته نحو ما ينساه. وعلى افتراض أنَّ هذا الإنسان ينسى فلن ينسى المجتمع. لأنَّ كلاماً كتلك العبارات يُنطق جمعاً لا فرداً. وبالرغم من طرح الأمثال تبعاً للمواقف الاجتماعية إلاَّ أنَّ التعبير ينفلت نحو تكرار المعنى الكلي. فيبدو كأنَّه يضع المجتمعَ أمام تاريخه المتناقض.

إذن الخطاب الاجتماعي له سلطة المجتمع. ويدور مع حقائقه الإنسانية دورات بلاغية داخل معجم الحياة مع نزوله إلى الممارسة الثقافية. من ثم ما لم نمتلك القدرة على حل خيوط هذا الخطاب بواسطة فهم المجتمع لن نفهم تشابك معالمه وقوانين توصيله للمعنى. فالخطاب يبلغ من التعقيد درجة تمكنه من صناعة قوانينه الخاصة. وذلك يشكل الخطر الذي يعين المقدسات عن طريق تنويع دلالة المركزية وبذر الاختلاف على نطاق واسع.

وليس صحيحاً تصنيف الخطابات داخل قوالب جاهزة مع تجاهل حواشيها الاجتماعية. فلو تمَّ ذلك لن تقبل اللغةُ ارتياد المواقع الثقافية التي نرصدها للمعاني. فلكل مجتمع، بل لكل طائفة وبالقطع لكل جماعة، دلالات لكلماتها على معانٍ لا تُعطى لها من أول وهلة. ربما يعترض قارئ قائلاً: إنّ الأفراد العاديين يفهمون الكلمات تلقائياً. هذا صحيح وغير صحيح معاً. صحيحٌ لأنَّ الكلمات لها جانبها الاجتماعي التواصلي. وكما يؤكد هابرماس أنَّه الجانب الأكثر إجراءً. ويتجلى من حينه في عبارات الحوار العملي practical dialogue. هو كذلك حيث تُطرح الكلمات بمقدار إيقاعها السريع أثناء العلاقة بين الأفراد. مع هذا كله فالاعتراض السابق غير صحيحٍ بالمثل. إذ لا تتمكن الكلمات ذاتها من نقل كامل المعاني. إنها مشبعة بتاريخ حي من الحركة والالتفاف والمقصود وغير المقصود والمأمول والمحْبَط لأن كل هذا في حياتنا الاجتماعية. وحالما يتم فهمها من جانب يغيب الجانب الآخر.

2- الخطاب السياسي:

يختزن هذا الخطاب معاني أبعد من أهداف الأفراد. عادة حين يعبر الفرد  تسقط الكلمات تحت قامته كحال ظلاله القريبة. وقد تكتفي الكلمات بالأغراض النوعية في عمله وحياته وعلاقاته الاجتماعية. لكن ماذا يجب أن يتوافر للكلمة حتى تكون مؤثرةً كلياً؟ السياسية ليست سلوكاً ولا فعلاً اعتيادياً. ولا بمعنى ساس يسوس كما هو مشهور بالمعاجم العربية. إنها إدارة ما لا ينتمي للفرد، وهذا اللا منتمي عصي على الاحتواء والتقديس. وإلا فإنه لو أصبح منتمياً لشخص أو لسلطة ما، لغدا موضوعاً للقهر. فالإنسان يصل إليه بكافة طاقاته، بمزيجها معاً، يبلغه الخيال المنفلت من قبضته قبل أي شيء.

السياسية في هذا قرينة الانفلات على صعيد الكلام والمعنى. لأننا نتلقى الكلمات لا بملكة الفهم، إنما بأنف التوجس والريبة. هل نحاول تغيير مراكز التلقي العادي حتى نرى ما سينتج؟  بالفعل لأن الخطاب السياسي يدعونا إلى استقبال كلماته بمزيج من الحواس كما صيغ هو بمزيجها المتناقض. فهو يدخل إلى وعينا ولا وعينا معاً، إلى عواطفنا وحواسنا،  إلى رؤيتنا وذاكرتنا معاً. ولئن كنا نقف على قدمين ثابتتين، سرعان يطرحنا أرضاً واقفين على شعورناً. على كل أعصابنا إذ تصلنا العبارات بأعصاب المجتمع آخذين منه ومتربصين تجاهه.

بهذا تتماثل السياسة مع عمل  نظام اللغة كذلك. فالاثنتان تشبعان خيالاً جمُوحاً. بالتالي يترك هذا الارتباط بينهما أثره التحويلي على الخطاب السياسي. وإذا كانت اللغة قوة من جهة التعبير، لأنها تسمح بسريان الطاقات الإنسانية وتشكيلها في الواقع، فإنَّ معاني الخطاب السياسي تلعب على هذا الوتر الحساس. كانت السياسة ومازالت تستعمل الخطاب كأداة لإنجاز دهائها حتى في أشد مراحلها وضوحاً. اللغة بالنسبة إليها ليست مهمة فقط، بل تعطيها مناورات دلالية لتحقيق استراتيجياتها. كما أن اللغة بمثابة الفضاء الذي تنكشف خلاله الأشياء، فتبدو موجودة كما لو كانت لم تُوجد من قبل. إنها مجال الأليثيا aletheia، أو اللاتحجب عند هيدجر.

فلو لم يستطع الخطاب السياسي تسريب المعاني غير المقُولة بشكلٍ مباشر ما كان ليهيمن على العقل الجمعي. فالخطاب يملأ فضاءً يتوزع فيه الأفراد. أليست كلمات مثل "المواطن"، "الحرية"، "الديمقراطية"، "العدالة"، " المساواة " تفتح آفاق الخيال. كلمات هذا الخطاب المسيّس تقطع دون عنف، تقتل دونما موت. إنه بالتالي خطاب الرغبة في امتلاك الآخر.

بناء على ذلك يحتفظ الخطاب السياسي بأسرار التفكير الجمعي. كيف يُدار وكيف يُؤلف صراعاً من أجل الاستحواذ على الواقع. ولماذا يُرسِب وجودَّه الخاص بخلاف المتعارف عليه. ليس للخطاب السياسي توصيف لغوي أكثر من "الحرب والحيلة والمكيدة". فيمكنه تحريك الجموع بها. ويمكنه اشباعهم كلاماً في كلام، وبإمكانه حل المشكلات بذات الطريقة. فالخطاب السياسي يحدوه حلم قديم قدم الإنسان الأول، حلم "خلق" الأشياء بعباراته، وهو تلك اللغة الأسطورية التي تحدثنا عنها.

3- الخطاب الصوفي:

هو تجربة نطق المقدس داخل وجود الذات المحدود (أي المطلق والنسبي). أي محاولة ذاتية لالتئام (القول مع الفعل) على ذات المستوى من الإيمان. وما قِيلّت العبارةُ في مجال التصوف إلا لتأويل السر، هذه الأنفاس الإنسانية – باصطلاح الصوفية- مع المطلق. ويوجد السر حيث انفتاح الروح على اللامتناهي. فالسؤال البارز: كيف يعبر المتصوف عن أحواله وغيباته مع كونه إنساناً؟ إما أنَّه لا يجد مخرجاً غيرَ اللغة، فيبثها فيوضاته و لوعاته مع الأسرار. وإما أنه يعبر عما يحمل، فتغدو عباراته طلسماً بحكم كونه يكابد بكيانه كله لا بحاسةٍ ولا بملكةٍ مفردة.

فيصبح التعبير لدي المتصوف باللا تعبير. والمعنى باللا معنى. والحقيقة باللا حقيقة. أي محاولة التعبير كما نعرف باللا تعبير كما يعْرف. وبالمعنى كما ندرك باللا معنى كما يكابد. وبالحقيقة كما نظن باللا حقيقة كما يتيقن. إذ ذاك يبدو اللغز الأكبر: كيف يجعل المتصوف كلماته كلاماً غير عادي شريطة الالتزام بوجود اللغة؟ أي كيف يعبر باللغة عما تعجز عنه هذه اللغة ذاتها؟ إذن لا مفر من تحويل اللغة إلى رموزٍ وعلاماتٍ وشفرات.. ذلك برغم أنَّ كلمات التصوف بمفردها كلماتٌ قد تكون مفهومةً.

نحن نعرف أنَّ التعبير باللغة يخضع عادة للتفكير أو الحس أو الخيال أو الشعور، لكن ماذا لو كان الشخص المُعبِر يتكلم بجميع تلك الطاقات في نفْس واحد، في لحظة واحدة وفي استغراق كامل بلا تمييز. أكيد تاريخية اللغة لن تقوى على ممارسة هذا التعبير الخاص. لأنَّه أين سيعثر المتصوف على عبارات في قواميس اللغة كي ينقل ذلك الكيان اللا كيان؟ بأية وسيلة سيدمج المنفصل وسيفصل المتصل؟ إنَّ لحظات اتصال المتصوف بالأسرار- على ما يظن - هي لحظات مطلقة، حيث يقْصُر الكون ذاته عن احتوائها وعن الاحساس بها. هي لحظات كل الزمن وخارج الزمن، أي كل الكل وفوق الكل.

هكذا لا يكتب المتصوف وإن حَبّرَ آلاف الصفحات كما فعل ابن عربي. ولا يجرب موتاً وإن صُلِّب وقُطع أشلاءً كما حدث مع الحلاج. لأن الموت بألف ولام التعريف يعيش فيه مع اللغة التي هي وجوده، ومع التجربة التي هي سره. حياته وكلماته ميتات متواصلة لا تنقطع، كيف يموت من هو ميت؟ كيف يحيى من هو في مطلق حياته؟ فهل نتخيل أن هناك سراً وراء السر الصوفي بالنسبة لصاحب الفتوحات الإلهية؟

إنَّ لغة المتصوف لهي الأسرار ذاتها. لأنَّ الميزة الأساسية في اللغة بوصفها خالقة توجد في أبجدية التجارب الصوفية كما في الدين إجمالاً. أي انعدام الفاصلة بين الكاف والنون كما يتراءيان لكيانها. إذن الخطاب الصوفي هو "قيامة اللغة" في الحياة الدنيا بعبارات دينية. فاللغة كما نعرفها وكما نتوسل بها أصبحت هي الصاعقة، هي الصاخة حيث الانفتاح على مشاهدة المجهول.

إنَّ التعبير الصوفي ليس سوى جسد التجربة الصوفية ذاتها. حيث لا مسافة، لا حركة، لا مباعدة من غير اقتناص المستحيل( تجربة الوجود المطلق). لهذا لا يكتب المتصوف مثلما قلنا إنما ينكتب دون بداية ولا نهاية. إنَّه القلم والحرف والخط والكراس والمِداد، إنَّه اللفظ والمعنى، الوجود والموجود. أقرب دلالة على ذلك: أنَّ القلب هو العين هو الجسد مثلما أن العاشق هو المعشوق.  ومن ثم ليست المسألة في الخطاب الصوفي حلولاً ولا اتحاداً، إنما هي جوهر الخلق اللغوي. تلك الحالة التي تفوق الوصف مهما تكن أدواته وعباراته. ويتحول السر إلى جوهر اللغة. لأنَّ التطور الخالق بمصطلح برجسون تمثَّل في المخلوق، والطبيعة الطابعة هي الطبيعة المطبوعة بعبارة سبينوزا. المتصوف أثناء مراحل تجربته لا يتقادم في الزمن، ولا في الوجود، لكنه يبقى دوماً قيد الماهية. إذ لا يعرف كنهها على الرغم من أنها هو. الخطاب الصوفي يعبر عن تلك الماهية بكل تجلياتها. والسر هو الشيء غير القابل للترجمة فما بالنا بفحواه.

 

سامي عبد العال

 

حاتم حميد محسنالهدف من الابستيمولوجي هو إستكشاف ماهية المعرفة وكيف تكتسب طبيعتها بالاضافة الى استكشاف صلاحية المعرفة. الثيولوجيا الاسلامية هي مصدر رئيسي للمعرفة الاسلامية النابعة من الوحي. طريقة اكتساب المعرفة هي عبر إشراك لعبة اللغة، حيث تُعتبر حقيقتها كحقيقة مطلقة معها الكثير من التصديق المنطقي. هذا البناء الابستيمولوجي يحتوي على بعض الأخطاء، خاصة عندما نجعل الدين وسيلة لحل المشاكل الاجتماعية مثل الفقر، عدم احترام التعددية، الكوارث البيئية، او الصراعات الاجتماعية. لذلك فان المسلم مجبر لإعادة النظر بكل مظاهر الثيولوجيا الاسلامية عبر استعارة طرق العلوم الاجتماعية لتوضيح الظاهرة الدينية، ثم بعد ذلك، هو يحاول إعادة صياغة بناء جديد للثيولوجيا الاسلامية طبقا للتطور الحديث. بعض "الاصلاح" المعروض هنا هو سؤال عن دور الجماعة في صياغة الايمان بالاضافة الى الحاجة لشكل ابستيمولوجي كلي، وحتى الى ثيولوجيا غير تأسيسية لاتبرر إيمان معين.

مقدمة

طبقا لليجر وود (Ledger wood)، الابستيمولوجي هو جزء من كنوز الفلسفة الغربية. المصطلح يُعرّف من بين آخرين كفرع من الفلسفة يحقق في أصل وهيكل وطرق وصلاحية المعرفة (1976). مانويل فيلاسويز عرّف الابستيمولوجي كفرع من الفلسفة التي تحقق في طبيعة وأصل ومحددات وصلاحية المعرفة (1999). ان بدايات الابستيمولوجي اساسا وضعها افلاطون. ولكن كفرع من الفلسفة، نما الابستيمولوجي بسرعة بعد تمجيد العقلانية من جانب ديكارت (هاملين، 1994) في القرن السابع عشر و الثامن عشر وحيث لم يعد يشهد الفكر الاسلامي التقليدي بما فيه الثيولوجيا الاسلامية (علم الكلام) اي تطور هام.

وعموما، هناك تياران رئيسيان في الابستيمولوجي. التيار الاول مشهور اكثر بالمثالية او العقلانية كمدرسة للفكر تؤكد على أهمية دور "الفكر"، "الرأي"، "الشكل"، "الصنف" كمصدر للمعرفة. ان دور الحواس الخمس هنا يصبح أقل اهمية. اما التيار الثاني هو الواقعية ومشهور اكثر بالتجريبية مع التأكيد على الحواس الخمس (اللمس، النظر، الشم، الذوق، السمع) كمصدر للمعرفة وايضا كوسائل لإكتسابها. ان دور الفكر هنا هو أقل اهمية (عبد الله، 1992). وخلال تطورها، كانت دراسة الابستيمولوجي في الادب الغربي أدخلت منظورا جديدا في دراسة العلوم المتعددة الأبعاد، بينما نزعة الابستيمولوجي في الفكر الاسلامي بما فيه علم الكلام، اقتربت اكثر الى مجال المثالية والعقلانية ولذلك لم تهتم بالمعطيات التي وفّرتها التجريبية (عبد الله، 1992).

ان سيطرة مظاهر العقلانية في الثيولوجي الاسلامي (علم الكلام) بالنهاية جعل هذا الفكر ينتقل الى تفكير ميتافيزيقي تأملي ووراء حدود إستيعاب وقدرة الانسان العادية . تلك حقيقة الفكر الكلاسيكي لعلم الكلام والذي هو مليء بالغموض. ان ظروف علم الكلام ليست فقط انها نتجت بفعل موضوع دراسة الميتافيزيقا وانما ايضا بواسطة العامل اللساني والذي يصعب فيه وصف الموضوعات. وكما في مقولات الاله، لايمكن إثباتها او نفيها موضوعيا وتجريبيا. لذا عند فهم القرآن، يميل الفرد لإستعمال معايير مزدوجة. شخص ما ربما يعتقد بقدرته وخبرته الانسانية التي تُوجّه نحو موضوع هو يؤمن به وانه وراء المنطق والحواس. بكلمة اخرى، هو يفكّر بناءً على عقيدته، وهو يعتقد بناءً على فكره. في الحقيقة، هناك منطقة معتمة بسبب موقف الايمان الذي يُعتقد انه صحيح، ولكنه غير معروف، وهو ليس في متناول المنطق.هذه المساحة هي التي أعطت الولادة لعلم الكلام (هدايت، 1996).

ان وجود المسافة التاريخية والاختلافات في التقاليد خلق مشاكل في ابستيمولوجيا علم الكلام. كذلك، في تقاليد الفكر الاسلامي، الادب الذي يعالج خصيصا سؤال الابستيمولوجي ككل يمكن استخدامه كمرجعية لإتجاه النقاش في ابستيمولوجيا العلوم، والذي يمكن القول انه غير كاف. الحديث عن الابستيمولوجي جرى تبسيطه الى نقاش حول مصدر وطرق وصلاحية علم الكلام الاسلامي مع الاشارة للحقائق التاريخية التي توجد في مدارس الثيولوجيا الاسلامية.

مصادر الحقيقة

جميع التيارات في مدرسة الثيولوجيا الاسلامية ترتكز على وحي الله كمصدر رئيسي. في هذه الحالة، الاختلافات برزت بسبب مختلف التفسيرات والاتجاهات لنصوص آيات القران والحديث. تلك التفسيرات المختلفة تخلق مختلف التيارات. بعض الثيولوجيين يعتقدون ان افكارنا لها قوة كبيرة للتفسير الحر لنصوص القران والحديث، ومن ثم يبرز الايمان بالثيولوجي الذي اعتُبر ليبراليا في الاسلام، خاصة من قبل المعتزلة. من جهة اخرى، هناك جماعة اخرى من المتكلمين اعتقدوا ان الفكر غير قادر على تفسير نصوص القرآن، واذا استطاع القيام بذلك فان مخاطرة الأخطاء تكون اكبر من الحقيقة المتصورة. وبالرغم من الحقيقة المتحصلة، فان غالبية الثيولوجيين يتفقون على ان جميع مصادر الحقيقة هي من وحي الله.

في هذا الإنموذج من التفكير توجد عادة مختلف القضايا، اي، في فكر علم الكلام، النص الذي قُرأ هو عادة منفصل عن التقاليد او السياق التاريخي المحيط به اينما كان. في الحقيقة، ان التفكير السائد هو اكثر تعقيدا من النص. مثال على ذلك عرضهُ هدايت، حيث النص يشبه صورة لجبل على خارطة. في الحقيقة، الجبل هو اكثر تعقيدا مما يُتصور على الخارطة (1996). بالارتكاز على المنظور، يلعب النص دورا هاما للاتصال بين الله والكائنات البشرية او بين البشر، بين الجوهر (الله) الذي هو ميتافيزيقي والكائنات البشرية الذين هم ماديين. المشكلة غير العادية التي توجد عادة هي ان نص القران كوحي من الله اصبح مساحة تاريخية للنقاش. وهذا يفسر لماذا في فهم القران، وجدنا عدة قياسات مفاهيمية بين عالم البشر وعالم الله. نحن لا نستعمل القياس التاريخي السياقي، مثلا، بين عالم النبي الذي هو عربي وعالم المسلمين الآخرين الذين يعيشون في أماكن واوقات مختلفة كليا. وبالرغم من اننا نعتقد ان نصوص القرآن كما لو كانت "تجسيدا للاله بشكل أرضي" و "حضور" للّه يعود لمنطقة تاريخية، فان وحي الله تقيّد بالقيود الثقافية لعالم الانسان.

هناك ثلاثة عوامل جعلت القرآن يستمر ولايزال يُعتقد به بقوة من جانب الانسان وهي:

1- انه حُفظ لفظيا من جيل الى جيل.

2- انه وثّق على شكل أنيق من الكتابة لتجنّب الاستغلال التاريخي.

3- انه دائما ضُمّن في التقاليد والطقوس الدينية عندما يُستشهد بالآيات القرآنية للقراءة والعبادة. وبالنسبة للتيارات القائمة في علم الكلام الاسلامي، في كل من التيارات التقليدية والتحررية، نجد جميع نماذج وطرق تفكير الجماعات لاتزال مرتبطة بالنصوص. الثيولوجي التحرري يُنتج رؤية تحررية لتعاليم الاسلام. المناصرون لهذا الثيولوجي يعتقدون بالدوغمائيات التي تعبّر بوضوح وتشير الى آيات القران ونصوص الحديث التي يمكن تفسيرها بمعنى مختلف عن المعنى الحرفي. وبدلا من ذلك فان مناصري الثيولوجي التقليدي لديهم مساحة أقل لأنهم مقيدون ليس فقط بالدوغما وانما ايضا بالآيات المنطوية على مقاطع تحتوي على معاني حرفية، وانهم يترجمون تلك الآيات حرفيا.

3- الطريقة

 اللغة هي مظهر يهيمن على كلام الفكر، خاصة عندما يسعى المتكلمون (الثيولوجيون الاسلاميون) لإصدار مخرجات قانونية او تعاليم. ان هيمنة دراسة اللغة في علم الكلام الاسلامي نتجت عن عوامل تاريخية، بمعنى ان حضور الثيولوجيين في البداية كان بمثابة بروبوغندا لتيار معين. ونظراً لعدم توفر أجهزة حاسوب كافية في ذلك الوقت، فان الممارسة البلاغية كانت هي الخيار الملائم. وعلى الجانب الآخر، يصوغ هؤلاء المتكلمون مفهوم الايمان ويصبحون المدافعين عنه (الجابري، 1990). احدى مشاركاتهم الملموسة في قواعد تفسير النص هي ظهور مشاكل الإعجاز(الطبيعة العجيبة للقرآن غير القابلة للتقليد) والتأويل (التفسير). ان قضية اللفظ (نص او كلمة) والمعنى (المعنى او الروح) بين الثيولوجيين الاسلاميين كانت ايضا هامة جدا في نقاشاتهم حول القران كمخلوق او ككلمات لله. هذا يثير السؤال حول ما اذا كان كلام الله ذاته يتألف من لفظ ومعنى ام انه كلام نفسي (كلام الله عن ذاته) لايتألف من لفظ ومعنى. وبالنسبة للتأويل مثلا، كانت كثافة دراسة اللفظ والمعنى عالية جدا لأن التأويل في الفكر الاسلامي طُبق فقط في دراسة القرآن وحده والذي هو غير متحرر من قواعد اللغة. ان استخدام اللغة الصارمة في فهم المعنى يجعل تأويله ذو طبيعة ديالكتيكية او طريقة بلاغية (بيان). في المنطق الكلاسيكي، الديالكتيك يعني طرق النقاش في محادثات توجد فيها افكار متعارضة ومنظورات مختلفة. كل منظور يحاول بيان عيوب وزيف أحد ما بناءً على المعرفة والافتراضات التي اثبتت صلاحية الحقيقة. الاختلافات والتناقضات بين الثيولوجيين الاسلاميين (المعتزلة والاشاعرة مثلا) نتجت بفعل المدارس المسيطرة ايديولوجيا وليس من الاختلافات الابستيمولوجية.

ما حدث لتفكير علم الكلام لا يختلف كثيرا عن ذلك الموجود في التفكير القانوني الذي هو منطق اللغة ومشاكل المعنى. اساسا، وعلى الأقل ان المشاكل الوحيدة هي حول اللفظ والمعنى. قضية كيفية تحديد العلاقة بين الاثنين هي ما ينخرط به خبراء اللغة العربية في هذا الخطاب. النزعة العامة هي بدلا من دعم هذه الدراسة فهم يتصورون اللفظ والمعنى كعنصرين منفصلين، او على الاقل يجعلهما كقطبين، كل واحد يقف لوحده (الجابري، 1990). هذه النزعة توجد ايضا مرة اخرى بين اللسانيين لأن العلاقة بين الاثنين لاحقا اتخذت نزعة بدت مليئة بالتنوع وعرضة لتعريف مختلف . على هذا الاساس، يمكن القول عموما ان مختلف النقاشات التي حدثت واصبحت قضية مركزية هي العلاقة بين اللفظ والمعنى . القضية الاساس لخبراء اللغة تصبح مناقشة فكرة "المعنى" من جهة و "اللفظ" و "الاسم" من جهة اخرى.

قضية اساسية اخرى في التأويل هي العلاقة بين الاسم (لفظ، اسم) و(معنى) معطى. الاسم طبقا للمتكلمين يتألف من نوعين، أي، اسم الجوهر(الجوهرانية) واسم الخاصية او النوعية )الاختزالية). اذا كان اسم الجوهر لايحمل علامة ذات معنى تضاف للجوهر، فان اسم النوعية له معنى يشير لنوعية الجنس لكي يصبح معنى فكريا. وبسبب ما يقوم به الديالكتيكيون من فصل بين اللفظ والمعنى، هم يعطون اولوية للمعنى على اساس اسماء الخاصية. وطبقا لذلك، لايوجد هناك معنى بدون اسم (لفظ). هذا يعني ان معنى اللفظ وُجد قبل ان يُعبّر عنه بـ (الاسم). لذا، قبل ان يُلفظ اللفظ، نحن يجب ان نعرف المعنى المطابق للسياق.

ان غرض وسياق المحادثة هما العنصران الأساسيان في التأويل. السياق هو اتفاقية بين المتكلم والمستمع، وحيث يتم الحصول على نية المتكلم بالقياس، اي، قياس المطلق على الملموس. في هذا القياس، يجب ان تكون هناك عملية تسمى الدليل والقرينة، وهكذا بين المطلق والملموس هناك عملية قياسية. هذا هو التأويل الذي قصده الثيولوجيون الاسلاميون كالمعتزلة. وبهذا، طبقا لعباراتهم، التأويل له ثلاثة مظاهر وهي السياق والغرض وحجة المحادثة. وهكذا، فان التأويل حسب رؤية المعتزلة ليس اكثر من الاشارة الى المقطع كمتشابه (غامض) للمحكم (دقيق وهادف جيدا). طبقا لهذا تكون القطعة من صنفين ثم هم يقسمون نص الشريعة الى مجموعتين، مجموعة تسمى منظوم الكتاب (تُعالج حسب الترتيب) والمجموعة الاخرى تسمى مقول الكتاب (تُعالج على اساس العقل). فيما يتعلق بالعلاقة بين الاثنين، يمكن الاستنتاج انه:

اولا، اللفظ قد يشير للمعنى في قدرته كحجة، والحجة لاتحتاج مساعدة .

ثانيا، اللفظ قد يشير للمعنى المقصود ولكن المعنى هو معنى الآخر.

ثالثا، فقط اللفظ يذكّر بالمعنى الذي تم الحصول عليه، في الظرف الاول دور اللفظ هو فقط كوسيلة للفهم وتجميع المعنى.

 الظرف الثاني لدور العقل هو وسيلة توضيحية تبحث عن المعنى.

الظرف الثالث، العقل هو اداة للتأويل والاستنتاج. من الواضح، ان العلاقات الكلية والمعنى هم فوق اللفظ لا يهم الدور المستقل ولن يطغى عليهما النص الشرعي .اذا كان الامر هكذا، عندئذ فان انماط العمل لوجهة النظر اللغوية المعاصرة، يمكن توضيحها بان تفكير الكلام وعقلية العقيدة هم حول تدفق الوحدانية، وليس الثنائية او التعددية. هناك ثلاثة أصناف من وجهات النظر عندما نناقش مسألة اللفظ والمعنى:

اولا، تقول الوحدانية ان اللفظ والمعنى هما وحدة واحدة لايمكن فصلهما. بكلمة اخرى، لا توجد هناك امكانية للاختلاف في فهم النصوص لأن النصوص والمعنى هما في وحدة واحدة.

ثانيا، الثنائية تقول ان اللفظ والمعنى يمكن فصلهما. بكلمة اخرى، كل واحد وُجد متفردا رغم ان هناك علاقات لكن هذه العلاقة ليست معقدة جدا.

ثالثا، التعددية تقول ان العلاقة بين اللفظ والمعنى هي معقدة جدا. طبقا للتعددية، النص هو بناء ما بعد وظيفي يتألف من معنى خيالي، شخصي، وسياق. بكلمة اخرى، ليس فقط كل معنى وشكل له وجود وانما ايضا العلاقة بينهما هي معقدة جدا (عبد الله 2000).

4- صلاحية الحقيقة في علم الكلام الاسلامي

بناءً على نقاش موضوع الثيولوجيا الاسلامية، اي، وجود الله وصفاته في العلاقة مع الكون والانسان، فان الطرق المستخدمة هي استنتاجية لتثبت وجود الله الذي يُعتقد انه حقيقة. طريقة المنطق الاستنتاجي تتطلب استخدام نظرية متماسكة كقياس للحقيقة في عملية صنع المعرفة. طبقا لنظرية تماسك الحقيقة، الاقتراح يمكن قبوله فقط اذا كان في تطابق مع الاقتراحات السابقة التي قُبلت كحقيقة (برومير، 1981).

عندما كان المعتزلة منشغلون بقضية حرية الرغبة والعمل، فان نقطة البداية هي ليست التفكير بالمشكلة ذاتها وانما هم ينظرون للمسألة من زاوية أي شيء له علاقة بوجود الله والرغبة الحرة، وما اذا كان ذلك تم او لم يتم طبقا لمفهوم الله العادل الأعظم . بالنسبة للمعتزلة، وكما وصفهم (جبار)، يرون ان وجود علاقة وثيقة بين حقوق العدالة ومفهوم الله يعني ان كل شيء يقوم به الله هو جيد، لأن الله لا يمكن ان يعمل خطأ ولايمكنه تجاهل التزاماته تجاه الانسان (1965).

وعلى عكس المعتزلة الذين تمسكوا بمفهوم عدالة الله، هناك ايمان الاشاعرة بمفهوم القوة المطلقة لله. عقيدة الأشاعرة حول علاقة النشاطات الانسانية بالقوة المطلقة لله جرى وصفها بـ (الكسب) الذي يخلقه الانسان. طبقا للأشاعرة، ينبثق الكسب من المكتسب (الانجاز) المخلوق بأيدي السلطة (1955). بكلمة اخرى، الكسب هو حقا الله ذاته لأنه، طبقا للأشاعرة، الله لديه قوة مطلقة تتطلب كل ما يمكن ان يكون مرغوبا. اذا كان الله يريد شيئا، فهو بالتأكيد غير موجود، واذا كان الله سيقوم به، فهو ليس ضروريا (الاشعري، 1990). هذا يرتكز على كلمات الله، "انت لا تريد مالم يرغب الله به"(القرآن76:30). هذه الآية فسرها الأشاعرة بـ "ان الانسان لايستطيع ان يريد شيئا لا يريده الله ". لذا فان مفهوم القوة المطلقة لله دفع الأشاعرة لاحقا للاستنتاج بان نشاطات الانسان خُلقت من جانب الله (الاشعري، 1955).

بناءً على تحليلات العقيدة التي طُرحت من جانب المدرستين في الثيولوجي أعلاه، من الواضح ان استعمال الطريقة الاستنتاجية في دراسة الكلام (ثيولوجي منهجي) اختزل العقيدة العامة الى عقيدة ذات طبيعة خاصة مع محصلة تجسدت في نظرية التماسك للحقيقة كمعيار. ان استعمال نظرية متماسكة كمعيار للحقيقة يجعل السمة الكلاسيكية للفكر الميتافيزيقي للكلام تصبح تأملاً ميتافيزيقيا غير قادر على الانخراط في حوار مع الواقع الميداني للمجتمع المتغير باستمرار. ان اسلوب بناء الثيولوجيا الاسلامية مثل الابستيمولوجي ومعيار الحقيقة انما يرتكز على منطق المطابقة بين المذاهب المتأسسة التي تتطلب وجود نقد تاريخي. ان نتاج الفكر الكلاسيكي للكلام استجابة لظاهرة شخص ما يظهر في جزء تاريخي معين ربما يكون ملائما لقضايا زمانه، ولكن سيكون عقيما وفاقدا للمعنى عندما يُواجه بالظاهرة التجريبية المعاصرة. في هذا الجانب، من المحتمل مطلوب تجديد للابستيمولوجي الكلاسيكي للعلوم مثل الكلام. ان نموذج منطق الكلام القائم على التفكير الاستنتاجي هو مشابه لإسلوب التفكير الافلاطوني. افلاطون يؤكد ان كل شيء يمكن تمييزه من جانب الانسان هو مشتق من الافكار المتضمنة والمتأصلة في الكائن البشري بفعل الطبيعة منذ البدايات الاولى. فمثلا، ان فكرة الفضيلة والعدالة، طبقا لافلاطون، لا يتم تمييزها من خلال التجربة الاستنتاجية والتجريبية التاريخية وانما تُشتق من افكار فطرية جاءت مع الانسان قبل الولادة. الناس يعيشون في استذكار للافكار الفطرية التي كانت متأصلة بهذه الطريقة في الوجود. عبد الله زعم ان افلاطون لم يتفق ابدا على ان المعرفة البشرية يمكن اكتسابها من خلال المعرفة، او اختبار الطبيعة او الواقع الاجتماعي، اوعن طريق الملاحظة والتجربة الحسية. الفكر الاسلامي هو ايضا فكر كلام وهو استنتاجي. انه فقط وظيفة الافكار الفطرية في ذهن افلاطون والتي لا يمكن القول انها اسلامية جرى استبدالها بآيات القرآن ونصوص الأحاديث، وعادة تمتد الى الاجماع والقياس . الانتباه للحاجة للتأمل و الاستدلال كأساس للتفكير والفعل في الحياة اليومية للمسلمين يقود الفرد او الجماعة بسهولة نحو انموذج من التفكير المبرر للنص الموجود (عبد الله، 1992).

بناء الثيولوجيا الاسلامية المعاصرة

اذا كان الثيولوجي يريد حقا ان يكون علما، كما نقل مورفي عن بانبيرغ، فلا يكفي مجرد دراسة القرآن، وانما يجب ايجاد والبحث عن عدد من المداخل المرتكزة على بيانات تجريبية معاصرة (1990). ونفس الشيء، أعلن كابس capps ان مستقبل الدراسات الدينية يجب ان يستعير ويكيّف بعض الاستيعابات والاكتشافات لنطاق واسع من الحقول العلمية الاخرى(1995). في بداية هذه الورقة، ذكرنا ان الذهنية والمنطق المستخدم في الثيولوجيا الاسلامية (عقيدة، مذهب، دوغما) هي ذهنية استنتاجية، تعتمد كثيرا على المصادر الاولية (النصوص). العقلية الاستنتاجية هي مجرد طريقة للذهنية القائمة. لايزال هناك ما يسمى الاستنتاج الاحتمالي والاستقراء (بوهر، 1980). العقلية الاستنتاجية تقترح ان العلوم تأتي من واقع تاريخي تجريبي متغير، يمكن فهمه بالحواس وبتجارب فكرية متخيلة، وايضا انها يمكن ان تُلخّص الى مفاهيم، وصيغ، وافكار، وحجج أنتجها العقل وحده. في العقلية الاستقرائية، لاشيء يسمى وهمي. كل ما هو معروف للانسان في هذا العالم المادي يمكن استخدامه كمعرفة مادية اساسية، الثيولوجي الاسلامي ليس استثناءً. ولكن طبقا لعبد الله، في تحليل التطور التاريخي للمعرفة (تاريخ العلوم)، النماذج الاستقرائية والاستنتاجية لا تُعتبر كافية لكي نكون قادرين على توضيح اجراءات العمل للحصول بشكل دقيق على علم واقعي(1992). ان تطور العلوم في القرن العشرين خلق صنفا جديدا في العقلية العلمية، والتي هي احتمالية. هذه العقلية تؤكد على منطق الاكتشاف وليس منطق التبرير، هي الاختبار النقدي لما يسمى بناء العلوم، بما فيه صياغة المعرفة الدينية او (العقيدة). ان الصياغات يمكن إعادة فحصها من حيث الصلاحية والحقيقة من خلال التجارب التي تتطور باستمرار في التطبيق العملي الاجتماعي الحقيقي. المشاكل التي تُواجه حاليا تصطبغ كثيرا بقضايا استدعت مشاكل بشرية عالمية. قضايا، مثل الديمقراطية، الاديان، التعددية الثقافية، حقوق الانسان، التحطيم البيئي، او الفقر الهيكلي تصبح تحديا هائلا امام الجيل الحالي. هذه القضايا بوضوح تختلف عن القضايا في القرون الوسطى والعصر الكلاسيكي التي برزت في دراسة الثيولوجي الاسلامي والفلسفة الكلاسيكية للاسلام. عندما نُواجه بمثل هذه القضايا، لابد من تطوير وتجديد الثيولوجي الاسلامي . كانت هناك محاولة لإستعادة التوازن بين ثقل التفكير العلمي الذي حفز اخلاقا معيارية للكلام الكلاسيكي ومتطلبات العلوم التجريبية المعاصرة التي هي اساسية جدا في النقد الابستيمولوجي. كذلك، جهود الترميم يجب ان تقود نحو ثيولوجيا يمكنها ان تصوغ حوارا مع الواقع وتطوير التفكير السائد حاليا، لأن موضوع الدراسة العلمية للكلام الكلاسيكي المتعالي ذات الطبيعة التأملية، مثل مناقشة صفات الله، والتي هي أقل وضوحا في مدى ملائمتها لحياة اليوم، يجب ان يُستبدل بدراسة اكثر راهنية، مثل علاقة الله بالانسان والتاريخ والارتباط بين العقيدة الدينية في صيانة العدالة والعديد من المظاهر الاخرى. حتى (حسن حنفي)، الفيلسوف المسلم المعاصر افصح عن الحاجة لتحول راديكالي يتجه من التركيز الفكري السابق على مشاكل نموذج الالوهية الى التفكير بجدية اكبر وتقييم مشاكل الانسانية (انثربولوجي، 1981).

هناك ثمان خطوات عرضها حنفي نحو هذا التغيير:

1- من الله الى الارض

2- من الخلود الى الزمن

3- من القدرية الى الرغبة الحرة

4- من السلطة الى العقل

5- من النظرية الى الفعل

6- من الكاريزما الى مشاركة الجماهير

7- من الروح الى الجسد

8- من الايمان بالآخرة الى الايمان بالمستقبل

ان مصدر حقيقة الكلام في العلم المعاصر لا يركز فقط على مفهوم الوحي وانما منهجيا يجب ان يتلقى مدخلات من مختلف حقول المنتجات المعاصرة (كاب، 1995). أشار مورفي الى النظرية المتماسكة للحقيقة كمعيار في دراسة الثيولوجي الكلاسيكي، وان العلم المعاصر للكلام لم يعد الخيار الابستيمولوجي الوحيد (1990). هنا، ينظر مورفي اولا في ما نقل عن ماكنتير وبيلاه وآخرون حيث انهم جددوا رؤاهم عن الدور الهام للجالية.

الحداثيون يؤكدون على الفرد الذي هو قادر على تأسيس مختلف العقائد والتحدث بلغة . المعرفة واللغات المجتمعية هي مجموعة من الافراد. مع ذلك، في فترة ما بعد الحداثة، تلعب الجالية دورا هاما. العلماء يقررون حينما يُنظر الى الحقائق كحقائق منحرفة . الجالية يجب ان تقرر التغيير وكيف يجب ان تعمل. القواعد في اللغة التي ينخرط بها الفرد تقرر ماذا يجب وما لا يجب التركيز عليه في اهتماماتنا. باختصار، اللغة والمعرفة تُمارسان تقليديا. كلاهما يُعتبر إنجاز للجالية.

في عصر ما بعد الحداثة، تمتلك الكلية (holism) كشكل من الابستيمولوجي ونظرية في المعنى، علاقات لايمكن التساوم فيها. لذلك، حسب رؤية مورفي، لكي نؤسس شبكة للعقيدة خاصة بنا في النظر الى العالم، نحن يجب اولاً ان نغيّر الايمان بـ (الاستيعاب) الخاص للعالم بالاضافة الى تأسيس مختلف المعاني للحصول على افضل النتائج. العقيدة والهدفية لايمكن فصلهما عن بعضهما. وفيما يتعلق بثيولوجيا ما بعد الحداثة، يضع مورفي ثيولوجيا ما بعد الليبرالية لـ لندبيك مع النظرية الكلية للمعرفة واطّلاع جيد بوظيفة مختلف اللغات. كذلك بالنسبة الى تينمان الذي ينظر بعناية للتبرير الذي لايرتكز مؤسسيا على مذهب الوحي (لندبيك، 1984).

في ثيولوجيا لندبيك، هو اولا يستعمل "عمق لامحدود"، وهو تعبير مبسط، بدون ان يتقيد بمذهب مؤسسي او دين مؤسسي معين. في منظور الثيولوجيا الاسلامية، مثلا، الاسلام لم يعد خوارج، الاشعرية، المعتزلة، المالكية. تينمان هنا استعمل نموذج المعرفة المتحررة من نظرية (مؤسسية) او نقطة البدء او ادّعاء الحقيقة او تبرير العقيدة. ان عصر ما بعد الحداثة يرى الظاهرة الاجتماعية، ظاهرة للتنوع كما هي بدون وجوب ان "تنغلق" اولاً بالافتراضات الاساسية والنظريات خصوصا المعيار الخام الذي خُلق في اطار زمني معين (الحداثة). ونفس الشيء، الديني والثقة يُنظر لهما وفق هذا المنظور(مورفي، 1990).

وجهات النظر حول الثيولوجيا بدون هذا المفهوم الاولي، كانت في الأصل صورة للعقيدة المسيحية الرئيسية وممارسات العبادة. انه يحاول بيان العقيدة التي يستطيع المسيحيون فهمها وضبط حدودها وضمان دقتها، ويوفر رؤية شاملة للاهتمامات العملية المتأصلة في المعتقدات الدينية وممارساتها بدلا من مجرد نظرية عظيمة للعقلانين. ان نظريات العلوم الاجتماعية الحديثة تفترض سلفا وجود هيكل لإعادة بناء مواد خام يمكن بنائها بقوة وتطبيقها عالميا. ما يسمى النظرية العظمى، عظيم جدا، لكي يعتقد الناس بالمبالغة في فاعلية النظرية. النظرية العظمى اعتُبرت قادرة على توضيح مختلف انواع الظواهر الاجتماعية على مر الزمن. ان سيطرة مثل هذه النظريات العظمى، التي ذُكرت من جانب عبد الله، تستبعد ظهور نظريات اخرى ربما اكثر فائدة في فهم الواقع وحل المشاكل. الادّعاء بمعيار ميثدولوجي، والذي لايمكن مخالفته، هو محل رفض من جانب الكثيرين امثال Feyerabend .

عندما ترتبط المفاهيم أعلاه بالاسلام، تنشأ مختلف الخصائص لثيولوجيا غير تأسيسية. اولاً، التبرير الخاص للعقيدة هو إيمان المسلم، الجماعة الدينية ومختلف التقاليد. ثانيا، تقديم لغة ثيولوجية هو مقيد بمظهر الايمان. ثالثا، استعمال تبرير ثيولوجي من خلال البحث عن علاقات بين الثقة في الخلافات وشبكة من العقائد المترابطة الكامنة في عملية الاتجاه العقلاني. رغم ان روح الاصولية قوية في هذه الظاهرة، لكنها ليست العارض الوحيد. في الحقيقة، هناك تطورات متناقضة. التغيرات تميل لتكون فوضوية وان الخطاب التعددي حفز بعض الباحثين ليأتوا بنماذج تفكير اكثر شمولية، فيها التسامح، وفهم حاجة الجماعات الاخرى. لذلك، طبقا لمورفي، يجب على المرء الانتباه لسؤال Stout "ما هي حقيقة وصلاحية مختلف الجماعات في فهمهم الخاص بهم فقط "، وهكذا يكشف عن تشاؤمه من احتمالات دعم المعتقدات بنفس معايير "التفكير المحتمل"(مورفي، 1990). اما ثينمان (Thienmann ) فقد أعلن ان لا وجود هناك لأي تلميح على الاطلاق للاختيار بين مختلف الانظمة الثيولوجية، حيث يختلف كل واحد منها عن الاخر. طبقا لـ لنبيك (Linbeck)، ان المشاكل تبرز في شكل الحقيقة. اولا، الانسجام او تماسك كل جزء من النظام، نظام الحجج المقدّمة، البيانات المذهبية الثيولوجية وممارسات الجماعات الدينية. ثانيا، ان لنبيك نفسه طرح اسئلة حول حقيقة الدين (ذاته). في النظر الى الدين كعقيدة، يقارن لنبيك دينه الثيولوجي بفهم نظري للمعرفة، خاصة العلوم. من الناحية النظرية، يجب على المرء تقييم مزاعم الحقيقة بناءً على تجارب وأحكام في عقائد مختلفة . لأجل هذا التقييم، يجب على المرء ان يستعمل مختلف المعايير، بما في ذلك القدرة على فهم بيانات جديدة وإعداد تفسيرات يسهل فهمها في مختلف المواقف (لنبيك، 1984).

6- نقد: الثيولوجي كفعالية نظرية

عبّر مورفي عن افكاره حول كتاب (رونالد ثينمان: الوحي والثيولوجي) وانتقد الاتجاهات الحديثة في رؤية الثيولوجي كدراسة نظرية خالصة. وبالنسبة للثيولوجي الاسلامي، وباستخدام هذا الاتجاه، هناك قضيتان هامتان في دراسة الثيولوجي، أي، اعتباره حرا من عقائد الحجج المنطقية والممارسات الدينية للمسلمين المحليين الذين هم في زمان ومكان معينين، ثم انه يحتوي على مراجع لقياس الرأي الداخلي الاسلامي والتقاليد الاسلامية ذاتها.

في هذه المشكلة، تحدث لاكنوتس Lakntos، وهو عنصر مؤثر كبير في تفكير مورفي، كثيرا عن الكيفية التي يتم بها التعامل مع هذا الثيولوجي بواسطة برنامج بحث، يشبه مابعد الحداثة التي تسعى لتعديل، إصلاح، تحطيم، إعادة بناء التفكير الديني وهو ما اعتبره اقل تأثراً بتحديات التنمية والتغيرات التاريخية الجارية . عبر برنامج بحث، يتم التعامل مع التغيرات الحاصلة ليس بناءً على اساس ديني ككل وانما هو تفسير هامشي او مناطقي للعقيدة. في برامج بحث لاكنوتس، هناك قواعد ميثدولوجية، واحدة منها تسمى negative heuristic وهو برنامج بحثي يوجّه العلماء الى قضايا اخرى. ان الغرض من هذه الطريقة هي المحافظة على نواة صلبة لكنها توجّه الى فرضيات مساعدة حول النواة الصلبة التي تعمل كحزام آمان. الفرضية المساعدة التي هي هدف البحث يجب دائما تعديلها او استبدالها ككل لتأمين النواة الصلبة (لاكتوس، 1970، 00، 1989). وبتعبير آخر، المنطقة المركزية (النواة الصلبة) للوحي والأبعاد المعيارية للدين سوف تبقى كما هي. فقط منطقة تفسير التعاليم الدينية التي هي تاريخيا نسبية سوف تبقى تتطور طبقا لتطور علوم الانسان الفكرية. هذه سوف تتعرض لعملية تفكيك. اذا كان الامر هكذا، عندئذ فان عملية التفكيك تشير بالضبط لديناميكية التنوع الانساني في المشهد الواقعي. وبالمقارنة مع لاكتوس، يريد ثيمان ثيولوجيا بصرف النظر عن قوة المؤسسات او اصول النظريات السابقة لكي يصبح شخصا ما قادرا على ان يرتجل ما هو خاص به. تينمان أعلن ان لا وجود هناك لأدلة لاختيار واحدة من بين مختلف الانظمة الموجودة. لذا، فان شكل الثيولوجي بالنسبة لما بعد الحداثة هو مفهوم مناهض للتأسيس يرفض اي شكل يعمل كنقطة بدء لبناء الحقيقة. ما بعد الحداثة هي ايضا ضد تجميع النظرية الاساسية لمجمل الواقع (آدم، 1995). مورفي يحاول طرح اطروحة تأخذ الكثير من نماذج برنامج البحث في افكار لاكاتس لأجل ثيولوجيا توفيقية يمكنها ان تقيّم مزايا مختلف أنظمة العقيدة. كل برنامج بحث ثيولوجي يُظهر منطقهُ الداخلي مرتكزا على عقائد وتبريرات عُرضت من جانب جالية ملائمة. باختصار، الحقائق الدينية سُمح لها تذهب لما هي عليه، ان جوهر حقيقة ما حدث هو بلا شك نادرا ما يُرفض. الشيء المهم جدا هو الحاجة لإعادة بناء مختلف المفاهيم والنظريات التي بُني في ظلها الثيولوجي الاسلامي.

استنتاج

لا نية هناك في إزالة الخدمات الكبيرة لعلم الكلام الاسلامي كنتاج كلاسيكي للثيولوجيين الذين كانوا يقدمون الشحنات الروحية الاسلامية، لكن النقد الابستيمولوجي لابد منه اذا اراد المسلمون معرفة مختلف الانحرافات التي تحدث في حياتهم ولكي يجعلوا الدين وسيلة لحل المشاكل الاجتماعية لديهم. ان الحاجة للتحسين الذي يتضمن بناء ابستيمولوجيا تحتوي على المصادر، المنهجية، صلاحية الحقائق المتحصلة. الثيولوجيا الاسلامية يجب ان تطوّر من مظهر المصدر مصادر للمعرفة ليس فقط من الوحي والتقاليد وحدها، وانما ايضا من حقيقة مركزية الانسان. يجب على الثيولوجي الاسلامي ايضا ان يشرك من طريقته المنهجية حقولا اخرى كشريك له في حل المشاكل الاجتماعية. اذا لم تكن هناك مشاركة للحقول الاخرى، فان الثيولوجي الاسلامي يكون فقط حقل يهتم بالآخرة وأقل اهتماما في شؤون الحياة الواقعية. ان صلاحية الحقيقة التي تنشأ من الثيولوجي الاسلامي هي ايضا ليست صلاحية معيارية موجهة، صحيحة وجيدة فقط امام الله، وانما الحقيقة قيست امام الانسان كمخلوق لله ايضا. عندما يصبح الثيولوجي الاسلامي حقلا، لم يعد يمنع النقد. الحقل يسمى معرفة عندما يصبح غير محصّن ضد النقد.

 

حاتم حميد محسن

..........................

Islamic Theology: an Epistemological criticism, Research on Humanities and social sciences, ISSN (paper) 2224-5766

 

 

سامي عبد العاللا تسود الخطابات (شكلاً واسلوباً ومرجعيةً ) بصور متشابهةٍ إلاَّ في ثقافة التقليد. تلك الثقافة التي نتعثر في منزلقاتها بحكم أنَّها تحدد جوهر الأفكار المتداولة. ولا سيما أنَّ تاريخنا الثقافي العربي يمثل عصوراً من السلفيات وأقنعتها التي تُسلّم إحداها إلى الأخرى بالتتابع، حيث لا يستطيع المُتلقي صياغة معنى دونما احتذاء الآخرين. وحتى لو لم يُوجد هؤلاء الآخرون على الحقيقة، لاخترعهم المُقلِّد اختراعاً سائراً حذو النعل بالنعل. ولئن كان الخطابُ يحمل في العادةِ اسرارَ المجتمع (أسرار حياته وأفعاله وشفراته الثقافية)، فالقضية كذلك تتجاوز مجرد الاحتذاء فقط عبر مجالٍ بعينه. لأنَّ طرائق التفكير داخل المجتمع العربي تتقارب في محتواها لحد التماثل وإنْ اختلفت المجالات. بحيث قد نرى عالِّماً سلفياً في مجال العلوم والمعارف المتطورة، وكذا قد نجد فناناً موهوباً على الشاكلة السلفية ذاتها، وحتى ربما نرى مُفكراً- يقول عن نفسه مبدعاً- بينما هو سلفي حتى النخاع!!

ضمن الثقافة العربية يتجلى هذا الأسلوب مثلاً في السياسة خلال ترديد المقولات  الرائجة والأفكار نفسها. ومن الصعوبة بمكان الخروج من دوامة التكرار التاريخي الذي يلف الحياة العامة، كأنَّ هناك خطة ممنهجة يتبعها اللاحق تمشياً مع السابق... رأينا ذلك في السياسات والفنون والمعارف والاعلام جنباً إلى جنب. ذهب الربيع العربي العاصف بالقشور الخارجية لجوهر السلطة في دول العرب وجاء بأشخاص وانظمة وحكومات أخرى، ولكن لم تمر فترة وجيرة بعمر الثورات حتى عاد التخلف السياسي من أوسع الأبواب. وأيضاً على مستوى الجماهير، سنجد الالتزام بنبرة التمجيد والنفاق لشخص الحاكم والمسؤولين وكبار القوم وسكب معاني الولاء المتزلف لمهابتهم. ومع اتساع الدائرة - لو تأملنا قليلاً- سنجد تعميماً لآليةِ ذلك الخطاب عبر شتى جوانب الحياة. كالحال السائد داخل الفكر الديني والأخلاق والطقوس الاجتماعية والتعليم والمناسبات العامة.

يا تُرى ما السبب وراء ذلك؟ إنَّ استعمال اللغة بشكل لاهوتي (أي التشبع بالسلطة – بذل التقديس– لهاث التكرار – طقوس الألفاظ – تطابق المعاني) يؤكد حالة الاجترار من مجالٍ إلى آخر. وقد لا يملك الفرد محاولة الخروج من أثقالها الدلالية، وأيضاً ليس ذلك متاحاً بالنسبة لفئةٍ من فئات المجتمع، فهناك تراث يحكم المسألة وهو بمثابة المرجعية الخفية التي تصوغ صور الفكر وآفاق المعنى. ولعلَّ عدم إدراك تلك العملية اللغوية الثقافية إنما يطغى على عقول أصحابها حقباً بأكملها. فمجالات المجتمع - إذا أردنا التدقيق- لا تشبه أوراقاً لكراسٍ تحت أصابعنا نقلبُ الواحدةَ منها وراء الأخرى، لكنها حدودٌ متداخلةٌ بما يستحيل فصلها. أليس هناك مجتمع عميق الجذور؟... إن المجتمع يماثل خفاء اللغة في عملها وضمان وجودها في التاريخ. ففي أصغر وحداته الاجتماعية، يختزن هذا المجتمع أو ذاك أعظم صفاته ومورِّثاته الثقافية.

المسألة من ثمَّ أن الثقافة المهيمنة تخترق كافة الأنشطة الفرعية بواسطة العبارات المتداولة. فماذا ستكون أرصدة الخطاب: إنها كل المفاهيم، كل التبريرات؛ أي كل حيل سيتذرع المُخاطِب بها لطرح رسالته. لدرجة أنَّ الخطاب يقارب بهذا الإطار بين فضاءات الثقافة المتناقضة. وتكاد ترْشَح الصيغُ اللغوية بالمضامين البعيدة كما ترْشَح التربة المتراكمة بمكوناتها التاريخية، فإذا بها مثقلة بصور ومفاهيم نمطية. ولا سيما أنّ الحقيقة كامنة حصراً في السمات الأساسية لهذه الثقافة. أي على سبيل المثال: هناك خطابات الدين كمركز إنتاج يقف وراء الدوافع والأهداف التي تحققها، بل باستطاعته شحن فاعليها بقدرات نوعية وصراعية تجاه الأغيار. من هنا كان توظيف (الدين) أيديولوجياً بجميع أنماطه هو جوهر الاستغلال والقمع. وأسهم في ابقاء الأوضاع المتردية على ما هي عليه اجتماعياً وسياسياً. لأن الخطاب الواحد يتضامن مع المعتقدات الجارية حتى يسود على نطاق عام، وحتى يضمن العودة مرة أخرى إذا وجد تهديداً أو تغييراً.

ولا سيما أنَّ الخطاب الديني لدى الذهنية العربية هو نموذج معياري paradigm نُحتَّت على منواله كافةُ النماذج الفكرية والتواصلية. فالآيات والقصص الدينية والنصوص المأثورة تُرّصِّع عاطفياً أيَّ كلام يطرح في الشأن العام وهذا يوفر تطابقاً مستقبلياً لما سيقال وما سيتم فعله.. وربما لا يجد أدنى مضمون ثقافي نفاذاً دونما الاتكاء على أصداء القبول الديني. بخاصة أن مجال التواصل لدينا نحن العرب مجال أهوج لا قانون موضوعي له، كما أنه يراوغنا بمزيد من الخداع مع ضيق الأحوال المعيشية وتمكين الأنظمة الحاكمة من رقاب مواطنيها. كما أنَّه يناور أحاسيس القطيع الذي تؤسسه السياسة وعقائدها اليومية على نطاق أكبر. وهذه السمة تسللّت بعباءة الفقهاء وأصحاب الفتاوى إلى مظاهر الكلام العام إجمالاً. فاللاوعي الجمعي يلهثُ وراء أنماط خطابية سائدة لها الحظوة عند العامة والخاصة. وحينئذ سيكون السؤال جائزاً: مَنْ غير رجال الدين لهم تلك المكانة العابرة للمجالات؟!

ونتيجة ذلك، فإنَّ إيقاع الخُطب العامة أيا كانت سيكرر لُّهاث الخِطابة الدينية المؤدلجة رغم اختلاف حقولها التواصلية. وستتلاعب بالمشاعر بالطريقة ذاتها التي يمسك بها أصحاب الوعظ الارشاد دلالة الله ويوزعونها على الأتباع حارمين سواهم منها. كما أنَّ اللهجة العنيفة والإقصائية لها تبطن المعاني في شتى الاتجاهات. ولأن الخطاب الديني المؤدلج كلام بلا ضمان إلاَّ بكم " الينبغيات المجانية "، أي ينبغي السمع والطاعة وينبغي الالتزام بالفتاوى وينبغي بذل النفس والمال وينبغي الامتناع عن كذا وكذا وينبغي التأييد والدعم لكذا...، فإنَّه يصادر أيَّ اختلاف متوقع.. بل يفرض أوامره ونواهيه بلا نقاش.

إنَّ سلطة الخطاب الديني بهذا التكوين تمنع وجود خطابات متنوعة، بل تحُول دون التفكير المختلف. لأنها تستحوذ على مجمل الفضاء اللغوي الذي تهيمن عليه، ولا تسمح بتغيير نمط التعبيرات الجارية حتى. كما أنه خطاب يثبت المرجعية في صورة مرجعية عليا لا ينازعها شيء. وبخاصة حين يحدث تواطُؤ تاريخي بين أسس الثقافة الغالبة وبين آليات الخطاب ومنطقه. نقول إنَّ ذلك أمر تاريخي بامتياز، لأنَّ ظروفاً اجتماعية تتدخل بأحداثها في معادلة الصراع بين قوى الخطاب والواقع. فلا يتم نفاذ سلطة لأي خطاب دون قاعدة اجتماعية ثقافية يجري تكريسها وهي بمثابة الحاضنة لتفريخ آثاره ونتائجه. فالتأويلات السائدة للدين هي كذلك عصية على التغيير، لكونها تلجأ إلى بنية عشوائية من الأفكار الدجمائية تتكتل باسمها في الشارع، وتحتمي تحت صدّفة الأفكار الشائعة والقوية. ولهذا يحافظ فقهاء الدين دوماً على هذه "الحاضنة الشعبية" لخطابهم بقدر حفاظهم على مصادر رأسمالهم الرمزي.

في الأغلب تحرُث آليات الخطاب تلك الأرضية الاجتماعية لأجل بذر نمط الخطاب المراد ترسيخه بمجمل تكويناته. وذلك اعتماداً على استثمار موارد ثقافية في إعادة تأكيد رسالته وأهدافه. وبالتالي لا يدّخِر الخطاب الديني المسيَّس جهداً في التلاعب بالموارد تغلغلاً في المجتمع. وأحياناً يبلور هذه الموارد ويأخذ في إنضاجها على مهل كخميرةٍ لإدارة الصراع على نحو طويل الأمد. عندئذ يبدو الخروجُ على اللهجة السياسية خُروجاً على مهابة السلطة وقداسة الدين معاً.

في هذا السياق ليس صحيحاً (على الإطلاق) أنَّ رجال السياسة يريدون تجديد الخطاب الديني، لأن هذا الخطاب لو تغير، سيكونون هم أول ضحاياه مباشرةً. بل في قرارة نفسه يؤيد رجل السياسة جمود الفكر الديني ويدعمه طوال الوقت إن لم يكن هو ذاته يرتدي عباءة الفقهاء ويتمسح بكيانهم. لأن جمود الفكر بمثابة الطبقة العازلة ثقافياً التي يحتمي بها دون أن يراه أحد. كأنه نوع من اليرقات الهشة التي تدخل أية قوقعة تصادفها إذا شعرت بالتهديد والخطر. ولأن اللغة واحدة، فإي تطور يكسر لغة الخطاب الديني ويكتشف معانيه سيتسأل لاحقاً ماذا هناك في الخطاب السياسي. فالتساند والتواطؤ بين الخطابين يمنع فك الارتباط بينهما وتخلية الظهير المباشر لأحدهما معناه تعريض الباقي للمخاطر الآتية لا محالة.

لهذا يكاد رموز الحكم والسلطة ورجال الدين- أثناء مراقبة الشأن العام-  يتشممون الكلام شماً ويلعقون الألفاظ كالقطط السمان. ويحولونها إلى إحساسٍ غريزي، أي يحولونها مجازاً إلى جلد لغوي linguistic skin شاعرين فيه بوخزات المعارضين. كما لو أنهم يتلقون الكلمات بأسلوب مُناخي ما بين السخونة والبرودة والاعتدال والدفيء والعواصف والأمطار والرعود والبروق. حقاً يتم ذلك بطبيعة الحال والمقال، لأنَّ الخطاب الأُحادي خطاب بدائي يتعامل مع اللغة كممتلكات طبيعية خاصة رغم عموميتها. وبالتالي ما كان ينبغي من وجهة نظرهم لغير أصحاب هذا الخطاب الاقتراب منها. إذ كانت اللغة، الرموز، الأيقونات، النقوش في المجتمعات البدائية مسكونة بالألغاز والمجهول، فلا يستطيع ترويضها سوى الكهنة وملوك القبائل وحافظي الأسرار وصائغي تراتيل الآلهة. وتباعاً في المجتمعات البشرية جرى النظر إلي الكلمات على أنها مقدسة بنفس مكانة أصحاب السلطة العليا، فهم مالكُّوها، وهم المؤثرون بها.

مازالت الثقافة العربية تتمسك بتلك الأطر التاريخية، الأطر البدائية القائمة كما يبدو على التراتب السلطوي. لأنّ مجال اللغة لم يشهد فكراً مغايراً وثرياً في جوهره، منذ عصور المعتزلة والأشاعرة والمتصوفة الأوائل وما واكبها من رؤى للبلاغة والفكر اللغوي لتأويل النصوص الدينية. كما أنَّ هذه التيارات الكلامية والصوفية بوصفها تيارات كبيرة بجانب الفكر الشيعي طرحت أفكاراً متباينة على صعيد الخطاب الحواري أو بالأدق الجدلي. مما أسهم في طرح صيغ خطابية مدهشة مبثوثة في كتب البلاغة وقضايا الفكر الكلامي والصوفي.

لكن لم يتم البناء على هذه اللغة، فسرعان ما تمَّ تسيس الأفكار الدينية، فشهدت العصور العربية اضمحلالاً بصدد تنوع الخطاب العام. واتخذ توجُهاً متسلطاً مقارنة بأي خطاب مخالفٍ. وظلت تلك السمة ساريةً حتى أُممت الكلمات العامة في عصر الاستبداد والديكتاتوريات الحديثة. فعلاً مع ظهور الدول القومية العربية تم تأميم مفاهيم الدولة والأخلاق والسياسة والدين والإنسان والحكم والإدارة والمؤسسة وصولاً إلى تأميم الحقيقة والمعنى والفكر. وكانت ازاحةُ التنوع صكّاً لأي نظام استبدادي كي يُرعِب المبدعين والكتاب من الإدلاء بدلوهم في قضايا السياسة والدين والإنسان. ليس سهلاً على الإطلاق الاقتراب من أسئلة حول أية أحداث سياسية قد وقعت، ما هي جوانبها غير المعروفة؟ وما طبيعتها؟ وكيف حدثت أصلاً؟

وبالتالي يجب القول بأن هذا الميراث كله كان ضد منحى التاريخ الإنساني بأي وجهٍ كانَ. لأنَّ اللغة تشهد (خطابياً بوجه خاص) اختلافاً لا مناص من إطلاقه إلى مداه الأبعد. هو اختلاف إنْ لم يكُن في العلن ففي الخفاء، لان اللغة الرسمية لا تجد قبولاً عاماً. ولهذا شهد كلُّ عصر عربي حركاتَّه السرية ومذاهبه الباطنية خارج السرب السياسي الديني. ولو كان ثمة اعترافٌ بتنوع الخطابات ما كانت لتأخذ هذه أطرافاً قصية لمعالجة القضايا ولصياغة النصوص المؤسِسة للفكر الديني.

إن التنوع في التعبير والتكلُّم والتفكير يحمل جوهر أي نظام إنساني. والحياة مليئة بأنظمة دلالية تدفع بالتعدد من قبل البشر وأنه قانون أساسي لاستمرار المجتمعات من عدمها. بل عادة ما يجئ كجزء من حقائق الكائنات والعلاقات والشعوب. وليس ملائماً الإطالة هنا في تلك النقطة، لكنها تعاجلنا بأنَّه: إذا كان الاختلاف يمتّد إلى مجالاتٍ كهذه، فإنَّه يمتد إلى الخطاب بصورتهِ الأعمق. وما لم يكن هناك تنوع في أساليبه المنفتحة ما كنا لندرك أهمية اللغة وتأثيرها داخل المجتمع. كما أنَّ التنوع ليس مهماً فقط على مستواه الوجودي، بل على صعيده اليومي أيضاً. فهو ينتج الأفضل والأجدى لمسيرة الحياة. لماذا نهتم بتنوع الأسواق ومصادر الدخل وأصول الثروات بينما ننصرف عن المغايرة في صيغ الخطاب؟!

وإذا كان الاقتصاد وتنوع منتجاته مهماً لصحة البطون والملذات، فكذلك الخطاب ضروري لصحة العقول والأفهام. مع أنَّ المجالين لا ينفصلان من واقع المجتمع واللغة والثقافة. فالمجتمع يتلقى إفراز البطون والملذات ويتلقى انتاج العقول بالمثل. والمجتمع دائرة جامعة لحركة الطرفين، ومثلما أنَّ لكل بطن عقلاً، فكذلك يوجد هناك لكل عقل بطن. ولهذا تعتمد اللغة كما يقول نيتشه على صحة الاجساد والبطون كذلك. لأنَّ اللغة تأكل كما نأكل وتنمو كما ننمو وتضمحل كما نضمحل وتمرض كما نمرض وتنحط كما تصاب المجتمعات بالانحطاط وتحدث لها تخمة الكلام كما تصيبنا تخمة البطون. ولعل صحة المعاني لا تأتي من بطون بلونية إنما من أجساد تعرف قوانين الاختلاف والتغاير. إنَّ علامة مرض المجتمعات هي سيادة الخطاب الواحد وسيادة البطن الواحد(كرش الحاكم وحاشيته وخطاباته) وأعتقد أن العرب هو الشعوب الأكثر معرفة وإدراكاً لهذه المسألة.

بالمقابل، يمثل التنوع في صيغ الخطاب قدرة إنسانية على ابتكار المعاني. كما أنَّه إثراء لتاريخ المجتمع. فلا توجد ثقافة تطغى بشكل لاهوتي قاهر دون ضمور مكوناتها. الأغرب أنَّ التنوع سيحدث شئنا أم أبينا على الرغم من صلف السلطة بأنواعها. حتى في خطاب تلك السلطة سياسياً واجتماعياً ودينياً لن يستطيع المتكلم إبلاغ معانيه كما هي. لأنَّ اللغة ستفتت جوهره، وستعطيه بنية بلاغيةً تميع منطقه لدى أشد الناس تعصُباً لمحتواه واستراتيجياته. فلو حاول هذا المتعصب مرةً أنْ يردد الكلمات نفسَها كما هو حال أصحاب الخطاب الديني المتشدد، ستفت محاولات الفهم في عضد الألفاظ.

إنَّ المحاولة الثانية للفهم ليست كالأولى وستكون الثالثة حتماً غير الثانية وستأتي الرابعة مختلفةً عن سابقاتها... وهكذا دواليك. جميع هذه المحاولات تعيد تجسيد التعبير بمعالم متباينة، من خلال تمثله لتغدو صياغته الجديدة منحرفة عن غيرها بالضرورة. ليس أمامنا سوى الاقتناع بأنَّ لكل إنسانٍ تجربته النوعية مع فهم المعاني حتى لو أُلقيت التعبيرات مِراراً وسط جموعٍ. ما ينطبق على القارئ الأول سيجري على الآخرين بصورة أكثر انحرافاً. وفجأة سنعرف أننا في الحقيقة تجاه مجموعة خطابات داخل الخطاب الواحد. إذن مع تكرار الخطاب بنغماته ومعانيه إنما يهدر تعبيره الخاص فضلاً عن إهدار الزمن. وسيكشف المقلد عن فقر الكلام من أي معنى في نهاية الأمر. لأنَّه يستحيل إلى درجة الإطلاق ترديد الخطاب على كل الألسن وعلى ذات النغمات والرسوم اللغوية دون تحطيمه. لو رجعنا للمماثلة بين البطون والعقول، هل يمكن تناول طعام مأكول قبل ذلك؟! طبعاً الأمر يأباه الذوق العادي، فما بالنا بتناول الكلام مُعاداً ومكرراً!!

 

سامي عبد العال

 

 

علي محمد اليوسفيعتبر بيركلي زوال المادة من العالم يقوّض كل أساس مذهب الشك ويجعل معركة المعرفة ممكنة. إنكار بيركلي للمادة في موضعتها المستقلة خارج إدراك العقل، يستعيض عنها بيركلي بالإدراك الذي يعتبره الوجود المادي للشيء بذاته. معتمدا مذهبه الابستمولوجي الواحدي أننا ندرك الافكار عن كينونة الشيء في العالم الواقعي له ولا فرق بين الفكرة والمادة المدركة. وهو المبدأ الذي خالفه به ديكارت ولوك بالثنائية الابستمولوجية في إعتبارهما الأفكار عن الموضوع لا تمثل حقيقة الموضوع المادي بل هي صورة له من صور عديدة.

وطرح بيركلي أمام الفلاسفة الذين ينكرون عليه مقولته الفلسفية هذه لا وجود لعالم مادي خارج مدركات الذهن بالفكر المجرّد. طرح بيركلي أسئلة إشكالية فلسفية أراد أن يفحم بها الماديّون الذين لا يشاركونه الرأي هي:

- أيمكن للمادة أن تفكر؟

- أيمكن للمادة أن تنقسم الى ما لانهاية له؟

-  كيف تؤثر المادة على أذهاننا؟

بيركلي يعترف أننا لا ندرك من الاشياء سوى صفاتها ولا ندرك حتى الصفات الحقيقية الاولية للاشياء، عندها لا مناص أمامنا بحسب رأيه في عدم الشك بإدراكاتنا الصحيحة للاشياء، والشك يكون في الوجود المادي للشيء الذي ليس مهّما طالما الادراك والتفكيرللواقع خاصّية الذهن وليس المادة. بيركلي يتغاضى عن حقيقة الموجود المادي المستقل يتسّم بثبات كينونة صفاته بينما الإدراك له هو قدرة إستيعابية محدودة لصفات متغيّرة ممكن تحميل الشك بها كفكرة مجردة عن الشيء.

لو نحن حاكمنا أفكار بيركلي في محاولة إنكاره وجود المادة في عالمنا الخارجي كي لا نقع في شرك الشك الذي لا يفتح أبواب المعرفة ألموصدة أمامنا بخلاف معيار فلسفة ديكارت إعتباره الشك مفتاح كل معرفة يقينية حقيقية لا تحتاج البرهنة العقلانية على صحتها. لو أخذنا بمبدأ ديكارت في الشك الفلسفي لتوّقفّنا أمام نكران بيركلي للواقع المادي خارج الفكر نقطة رأس سطر.

رغبة بيركلي زوال المادة من عالمنا الخارجي كي لا نسقط بالشك معناه إنعدام إمكانية الإدراك الذهني، فالإدراك لا ينوب عن المادة التي في حال إلغائنا لها نكون مع إستحالة تفكيرية هي الإدراك المجرد يدرك نفسه كموضوع يمّثل الوجود كما يرغب بيركلي، بمعنى الأفكار الذهنية التي يؤمن بها بيركلي تدرك نفسها بنفسها في إنعزال تام عن علاقة جدلية الإدراك الفكري بالشيء المادي. والأفكار هي التي تخلق موجودات العالم الخارجي بالذهن. في إعتباره الإدراك التجريدي لتلك الموجودات المادية هو وجود العالم المادي الخارجي بالذهن. ولا يبقى هناك أهمية للموجودات في عالم الواقع سواء أدركناها أم لم ندركها.

الإفتراض التعسّفي في التمّني الأخرق زوال المادة من عالمنا هو الكفيل بتقويض الشك وفتح أبواب المعرفة على مصراعيها كما يرغب الاسقف بيركلي، يصدمنا بحقيقة مادية لا يمكن نكرانها أنه لا يبقى للذهن ما يفكر به كموضوع مادي من جهة، ومن جنبة أخرى الإدراك لا يكون موضوعا بديلا عن المادة كموضوع لإدراك آخر يجانسه الصفات والماهية يكون فضاء إشتغاله هو الذهن التجريدي المفّكروليس الواقع فقط ولا حتى العلاقة الجدلية التي تربطهما حسب رغبة بيركلي. حين يصبح الإدراك موضوعا لإدراك يليه فيه ندخل الفكر متاهة من الدوران حول لا شيء له صلة بالواقع له معنى. وتبقى حقيقة الوجود في الفكر وليس في عالم الطبيعة والموجودات. تخليق بيركلي للادراك عوضا عن الوجود المادي يدخلنا في إنفصام إدراكي لا معنى له ولا نتيجة متوخاة منه.

ولا يبدو مصادرة فكرية لرأي مخالف حين نقول الإدراك بلا موضوع مادي أو خيالي لا يكون ولا يوجد وهو إستحالة معرفية، فالإدراك لا يدرك نفسه بدائرة مغلقة من الفكر التجريدي الذي لا يدخل في علاقة جدلية مع الواقع . الفكر المجرّد يخلق مواضيعه المادية والخيالية نتيجة إستثارة مادية أو إستثارة خيالية متعالقة بالذاكرة والذهن سابقة عليه، الإدراك تفكير بمحتوى مادي ولا يعمل الإدراك بغياب موضوع تفكيره. وليس كل مايدركه العقل يمكن تعبير الفكر واللغة عنه في حقيقته الموجودية. بالمجمل المقتصد ليس هناك إدراك يقبله الذهن التفكيري ناتج عن فراغ لا يسبقه مادة أو موضوع.

أي الادراك لا يدرك نفسه كموضوع مجرد من جهة، ولا يدرك الإدراك ما لا معنى له من جهة أخرى. بمعنى الإدراك هو فعالية ذهنية قصدية لا تعمل في فراغ ولا توجد في إنفصالها عن الواقع المادي. صحيح جدا الإدراك هو لغة تصورّية تجريدية للمادة لكن الإدراك لغة في التعبير عن شيء عن موضوع عن بماذا يفّكر؟

رب قائل يقول الإدراك يعبّر عن واقع خيالي بالذهن لا علاقة له بالعالم المادي. حتى المواضيع الخيالية التي يستذكرها الذهن بالتفكير المجرد بها هي نتاج خبرة تراكمية مصدرها الواقع المادي يجرى تخزينها بالذاكرة تجريديا. مصدر وجود الأفكار بالذهن المادة وليس مصدر وجود المادة أفكار الذهن المجرّدة.

من المسائل التي يتجاهلها بيركلي هي إلغاء إلوجود المادي برغبة شخصية لا تكون متحّققة ملزمة لغيره من نوعه إنسان آخر يعيش ذلك الوجود المادي ويدركه. رغبة إزالة بيركلي المادة كي نخلص من الشك لا يوجد ما يدعمّها أنها تقود فعلا الخلاص من الشك الذي هو ليس مرضا يجب الشفاء منه بل هو مفتاح التفكير الصحيح للوقوف على يقينية مدركاتنا وصحّتها التجريبية العملانية. الشك معرفة مسبّقة لمعرفة يقينية نستمّدها منه. فليس كل مدركاتنا تحمل حقائقها التي لا يطالها الشك بها ولا بنسبيتها. عليه يكون الشك بداية كل معرفة صائبة تثبت صحتها.

في إنكارنا المادة والشك المصاحب لها نقع في منطقة عازلة من اللاإدراك الحقيقي أننا نعيش ضمن عالم يموج بحركة المادة وسجالا معرفيا مفتوحا بما لا يمكن الإحاطة به تماما في محاولة الوصول الى حقائق واقع نحياه بمعنى ليس في خيالنا فقط وبذلك لا نكون ضمن فئة العصابيين الانفصاميين الذين يرون حقيقة ما يعيشونه من خيالات هو الواقع الأسمى الذي يعلو الواقع المادي الذي يعيشه الآخروين بغباء إدراكي غير مجنون.

إنكار الواقع المادي خارج تفكير الذهن ممكن أن تكون مشكلة بيركلي وحده لا مشكلة غيره، كون الواقع المادي هو الواقع الحيوي الذي يجد الناس الأسوياء واقعهم الحياتي فيه. الإدراك تجريد مادي في معرفة الاشياء في وجودها الواقعي المستقل ولا يكون بديلا عن ذلك الواقع في إنتاجية الفكر عنها.

بيركلي كي يعطي تفكير الذهن الأسبقية الأولية للإدراك. يضع المعيارين التاليين:

- الذهن لا يمكنه التأثير على الجسم والموضوعات الخارجية سوى وفقا لقوانين الطبيعة1، بمعنى أننا طالما أن كل شيء من حولنا تحكمه قوانين الطبيعة الثابتة التي هي من صنع إلهي لذا لا يبقى معنى أن يكون الفكر أداة أو وسيلة تغيير الواقع المادي الذي تحكمه قوانين طبيعية ثابتة لا يمكن التلاعب بها وتسخيرها لصالح الانسان في حياته.

- " يقول بيركلي "الوجود المطلق للاشياء لا يمكن تصورها بعيدا عن ذهن يفّكر بها هو كلمات بلا معنى"2، المآخذ الواضحة على هذا المعيار هو أنه لا توجد مادة مطلقة في الوجود سوى السديم الكوني والذات الالهية، وإلا أصبح مفهوم مطلق المادة مفهوما من الميتافيزيقا التي لا تحدّها حدود، لا يتعامل الذهن معها كموجودات يدركها. المادة التي يدركها العقل لا تمتلك صفة المطلق غير المحدود وإلا خرجت عن الادراك لها.

ألذهن لا يدرك مطلقات وجودية لا في الطبيعة المادية ولا في الخيال اللامادي. فكلاهما لايمكن الذهن إدراكهما. إكتساب المادة صفات مطلقة لا يدركها العقل هي فعلا تعبير عن لاشيء بلا معنى أيضا. المادة وجود متحقق متعيّن بصفات فيزيائية وليس وجودا سديميا مطلقا غير محدود لا يدركه العقل.

الخبرة مادة

كل مكتسب معرفي يجري إدراكه وتخزينه بالذاكرة والذهن هو خبرة متراكمة إنما يقوم على مصدر إستثارات ماديّة أخذت صفة الإدراك لها كمواضيع، حتى مدركات الخيال لا تتم معرفيا بالذهن من دون جدليّة التفكير معها كمواضيع قابلة للإدراك المادي في عالم الاشياء كتجريد معبّر عن واقع إفتراضي.

- سؤال بيركلي الاول هل تمتلك المادة خاصّية التفكير؟ طبعا لا يمكننا تصديق المادة غير العاقلة تدرك وتفّكر كما يفكّر الانسان وتمنحه الأفكار الجاهزة الإدراك الحقيقي للعالم الخارجي في علاقة جدلية متكافئة بين المادة كموجود مستقل وعقل الانسان كجوهر ماهيته التفكير على حد تعبير ديكارت.

المادة لا تفكر لأنها ليست عقلا مفّكرا بل تبقى مادة تستثير الإدراك الذهني لها على التفكير. بيركلي حين يطرح هذا التساؤل غير المنطقي (هل يمكن للمادة أن تفكر؟) إنما يتوّخى مصادرة كل تفكير مصدره ماديّا، وطالما المّادة لا تمتلك خاصيّة التفكير فهي لا تمتلك خاصّية التأثير بالأفكار التي هي تقرر وجود المادة وتأخذ عنها كل ما يلزم من عملية الإدراك التي تتم داخل الفكر فقط بمعزل عن الواقع. ولا يقر بيركلي بحقيقة فيزيائية علمية مطلقة هي الوجود المادي يسبق الفكر التجريدي عنه.

إذا كانت المادة موجودا بلا تفكير تجريدي يدركه ألعقل فهي تصبح موجودا لا قيمة لتفكيرالعقل من دونها. بيركلي يريد تسويق أن كل ما لا يستطيع مجاراة خاصيّة التفكير العقلي مثل المادة غير العاقلة، فهذا يترتّب عليه أن الذي يقرر وجوده المادي هو الفكر وليس كينونته المادية المستقلة في عالم الاشياء. لذا ليس هناك عالم مادي خارج الفكر حسب فلسفة بيركلي وكل معرفتنا العالم المادي هي تفكير ذهني لا علاقة له بالوجود المادي خارج الفكر.. موجودات العالم الخارجي عند بيركلي هو مايدركه الفكر تجريدا وما لا يدركه الفكر العقلي التجريدي لا وجود له في عالم المادة.

المادة والادراك

حين ندمغ المادة أنها لا تمتلك تفكيرا ذهنيا فهذا يعني حسب بيركلي أنها لا تمتلك إحساسات هي إستثارات لكل إدراك عقلي يقصدها معرفيا، وبذا ينخلع عنها توصيف أن تكون المادة موضوعا مدركا من غيرها يمتلك إدراكا عقليا هو الانسان لاغيره. وهذا لا يمنح الإدراك العقلي أن ينكر وجود المادة كونها لا تمتلك إدراكا عقليا جدليّا تربطها مع الانسان. إننا ندرك المادة غير العاقلة ولا تستطيع هي إدراكنا. الذات العاقلة عند الانسان تدرك المادة موضوعا لها، والذات الانسانية لا تكون موضوعا لإدراك مادي غير عاقل. وبهذه الطريقة حسب فهم بيركلي يمكننا أن ننكر وجود الطبيعة لأننا ندركها من جانبنا ولا تستطيع هي إدراكنا. أو بمعنى اخّف لا قيمة لوجود الطبيعة سواء أدركناها ماديا أم لم ندركها طالما كل موجود فيها حسب بيركلي يتم تخليقه بالفكر وما عداه لا وجود له في الواقع.

هل المادة تنقسم على نفسها؟

تساؤل بيركلي هل المادة تنقسم الى ما لانهاية له؟ هنا بدورنا نتجاوز فيزياء المادة وقوانينها ونتساءل على صعيد الفلسفة، ما علاقة قابلية المادة الانقسام الذاتي على نفسها الى ما لا نهاية وربط هذه الخاصيّة بموضوع نكران وجودها؟

المادة في كل حالات وجودها هي وجود يسبق الإدراك والفكر ولغة التعبيرعنها، والمادة في بديهية قانونية يتداولها طلاب المرحلة الثانوية لاتفنى ولا تستحدث. وحين تمتلك بعض المواد قابلية الانقسام وفق صيرورة مادية تحكمها قوانين فيزيائية عامة فهذا لا يغيّر من حقيقة إدراكنا المادة في كليتّها الموجودية وفي إدراك جزئياتها معا هو إدراك قائم على وجود مادي أو على موضوع خيالي لا مادي.

أمّا عن تساؤل بيركلي هل تؤثر المادة على أذهاننا؟ فبألتاكيد المادة هي مصدر إدراكات الذهن بالتفكير، وحتى في حال إنكار بيركلي وجود المادة كي نخلص من الشك فهذا لا يلغي حقيقة كل إدراك يترتّب عليه تفكير يختزنه الذهن في الذاكرة موضوعا لمدرك مادي أو خيالي...وتأثير المادة على أذهاننا أنها تمّثل مصدر إستثارة الإحساسات الصادرة عنها عبر الحواس، وبغير الوجود المسّبق للمادة ليس هناك إدراك حسّي ولا تفكير تجريدي بموضوع لا يتمكن الذهن الإحاطة به ولا يحيط تعبير الوعي به بوسيلة إفصاح الفكر واللغة عنه. وهذا يسري على تفكير الذهن بموضوعات الخيال أيضا.

ميزة التفكير العقلي المنبعث عن الذهن أنه لا يستطيع التفكير بلا موضوع محدّد يكون مادة التفكير. كما لا يستطيع الإدراك المجرّد للاشياء المادية إنتاج مادة غير موجودة بالواقع يوجدها التفكير المجرد إفتراضا غير متحقق واقعيا، فالتفكير هو بالحتم تفكير بموضوع معيّن ماديّا أو خياليّا. بيركلي عندما تخذله الحجّة المعرفية المنطقية يلجأ الى تعليل ميتافيزيقي قوله " كل موضوعات العالم الخارجي التي تكون بالفعل أفكارا تبقى بإستمرار محفوظة بعقل الله سواء أدركناها أم لم ندركها"3 بيركلي في عبارته يعتمد مبدأ الوجود المادي الخارجي هو فكر مدرك فقط لا وجود له خارج مدركاتنا الفكرية..

- ما ضمانة أن ما لا تدركه عقولنا من أشياء مادية تكون محفوظة في إدراك عقل الله وما فائدة وكيفية إستفادة الانسان منها وهي محفوظة في عقل الله؟

- الأفكار حسب بيركلي سابقة على كل وجود تعبّر عنه سواء ادركنا تلك الأفكار أم لم ندركها، وبهذا التصريح لبيركلي يعترف ضمنا أن المادة سابقة على الفكر سواء أدركناها أم لم ندركها بدليل أن الافكار هي تخليق إنساني مصدرها العقل التوليدي على عكس المادة فهي جزء من معطى طبيعي موجود غير عاقل لا يدرك ولا يفكر. ولم يسهم تفكير الانسان بخلقه بدلا من إحتواء الطبيعة له كأحد مكوّناتها أو موجود تم تصنيعه وإكتسب صفة المادة مثال ذلك جميع المواد غير العاقلة التي يصنعها الانسان لاستعمالاته لها..

- الإدراك تجريد لموجود مادي سابق عليه أما أن يكون الإدراك يدرك ذاته في فهمه العالم تفكيرا ذهنيا محضا دونما تداخل جدلي معه، فهذا يكون إستحالة إدراكية لا يقبلها العقل. ثم ما فائدة وأهمية الإدراك يدرك نفسه؟

- بيركلي حين تعجزه الحيلة البرهنة على عدم وجود المادة خارج الفكر، نجده يلجأ الى تكليف الله في مرجعية إدراك ما لا يمكننا إدراكه الذي هو إدراك تجريد إفتراضي أيضا. في وقت يتعامل بيركلي مع أشكال لا حصر لها من المادة في حياته اليومية. كما يجد بالذهن إمكانيته تحويل المادة الى فكر تجريدي وهو لاغبار على صحته. لكن هذا لا يجعل من تفكير الذهن هو عوّض المادة في وجودها الواقعي. المادة وجود مستقل متعيّن بصفات وأبعاد والإدراك والفكر تعبيران تجريديان عن ذلك الوجود. الفكر المنهجي يكتسب من المادة التعبير عن صفاتها المادية الحقيقية لكنه لا يكون بديلا عن المادة في وجودها الانطولوجي المستقل في عالم الاشياء.

مذهب الواحدية والثنائية الابستمولوجية

بيركلي على العكس من ديكارت وجون لوك يؤمن بمذهب الواحدية الابستمولوجية التي مفادها "أننا ندرك أفكارا هي إدراك حقيقي لموجودات العالم والاشياء في حقيقتها الواقعية، كما ندرك من الاشياء عن طريق الحواس ظواهرها الخارجية ولا ندرك حتى صفاتها الاولية"4. بيركلي يؤمن أننا ندرك الشيء في حقيقته الموجودية وليس في صفاته المجردة التي هي محمولات كل إدراك لشيء لكن تلك الصفات لا تمّثل حقيقة وجود الشيء.

في حين أن الثنائية الابستمولوجية التي يتبّعها ديكارت وجون لوك أننا لا ندرك الاشياء والموجودات في كليّتها الكينونية الكاملة، ولا في وجودها المستقل الكامل كصفات أولية وصفات ثانوية وجواهر في حال وجودها. وإدراكنا الاشياء لا يتوقف عند معرفة ظواهرها الخارجية فقط، بل لا ندركها بمجملها كيانا كليّا واحدا، ولا يمكننا تجزئة الإدراك على مراحل من الوعي بالشيء.

صحيح أن كل مدركاتنا للاشياء هي إدراكات تجريدية ناقصة بسبب قصور تعبير اللغة وقصور إستيعاب التفكير الذهني لكن هذا لا يترتّب عليه تجزئة الإدراك للشيء على مراحل تحليلية لمعرفته هي ليست من خاصّية الحواس ولا من خاصّية الذهن. الإحساسات الصادرة المنبعثة عن الاشياء في وجودها المستقل في عالم الاشياء هي كل ما يستطيع الإدراك الذهني إستيعابه لكنه بنفس الوقت هو إدراك لا يمكن الحكم على نقصانه قبل قراءتنا تعبير ردود الأفعال الصادرة عن مدركات العقل المادية له في تعبير ملازمة الوعي واللغة.

الفكرة والحقيقية

حسب مذهب الواحدية الابستمولوجية التي يؤمن بها بيركلي، أننا لا ندرك من الواقع الخارجي سوى (الافكار) التي هي حقيقة الشيء بمجمل وجوده ولا أكثرمنها.. في إدراكنا الاشياء على حقيقتها الموجودية الكاملة بالواقع لإنها مدركات فكرية مجردة نستطيع إدراكها. وهذا يقودنا الى تساؤل هو النسخة الثانية من هذه المقولة الإشكالية هل الفكرة تعبيرا عن صورة الشيء أم هي تعبيرا عن حقيقته؟ إذا نحن أخذنا بمبدأ الواحدية الابستمولوجية كما يعتمدها بيركلي يعتبر إدراكنا الشيء يعني إدراكنا لحقيقته الكاملة في وجودها الكلّي كينونة مستقلة واحدة. لكن الإعتراض على بيركلي أننا ندرك الافكار التي هي تعبير عن الصفات الخارجية للمدركات فقط ولا يستطيع الإدراك الفكري المجرّد معرفة الشيء على حقيقته كاملة.

التعقيد المشترك الذي يجعل مثل هذا إلإختلاف قائما هو أن كلا المذهبين الواحدية والثنائية الابستمولوجية يقرّان أن الادراكات هي تصورّات ذهنية مجردة عن الأشياء التي تنطبع بالذهن، لذا يذهب ديكارت ولوك الى أن الإدراكات التجريدية هي تعبيرناقص لإمكانية الإدراك الحسّي إستيعابه في التعبير عن الشيء كينونة موجودية حقيقية وليس تعبيرا فكريا تجريديا يكتفي معرفة الصفات فقط.

لكن يبقى التساؤل الشّكي بين المذهبين قائما هو كيف نميّز إدراك الشيء هو إدراك لفكرة صفاتية ليست حقيقية جوهرية، وبين إدراك الشيء هو إدراك حقيقي يشمل كينونة الشيء المدرك بتمامها؟ مالذي يمكننا إعتماده في التمييز والوصول لحقيقة الإدراك الذي هو في الحالتين إدراك مجرّد عن الاشياء والموجودات في الواقع؟

خاصة عندما نجد أن بعض المدركات الطبيعية يكون إدراكنا لصفاتها الخارجية هو إدراك لحقيقتها الوجودية الماهوية مثل إدراكنا لحيوان أو كرسي. حيث تكون صفات الحيوان الخارجية هي حقيقة إدراكية كاملة لوجوده من حيث هو حيوان محدد لا يمتلك جوهرا ولا يعي ذاته. وكذا تعميم الحال مع كل مدرك جماد من حولنا.لكننا لو نحن طبّقنا هذا المبدأ على إدراكنا لإنسان في صفاته الخارجية لن يكون إدراكنا كافيا لمعرفتنا حقيقته الجوهرية وكينونته الوجودية كاملة، ونكون أوقعنا أنفسنا بخطأ من حيث الانسان لا تكمن معرفة حقيقته الوجودية بإدراكنا لصفاته الخارجية فقط فهو يمتلك بخلاف الحيوان جوهرا أو ماهيّة وهو يعي ذاته جيدا بما لا يتوّفر عليه الحيوان.

عليه يكون إدراكنا الصفات الخارجية لشخص ما لا يجعلنا نمتلك حقيقته كموجود أو كائن حي.هذا الإختلاف الذي ذهبنا له يؤكده العديد من الفلاسفة "أن الافكار تختلف بطبيعتها التصورية عن الصور في حقيقتها. وأننا نعي بالفعل ذواتنا الخاصة الذي يختلف عن وعينا بإحساساتنا عن الاشياء والموضوعات الخارجية ." 5. مذهب بيركلي في الواحدية الابستمولوجية كان مصيبا به تعبيره "كيف يمكن لافكار أن تشبه بصورة صحيحة موضوعات العالم الخارجي التي هي في حقيقتها ليست افكارا؟ وكان رد بيركلي اننا ندرك الموضوع الواقعي في حقيقته ولا نرك صورة منه"6

يزعم بيركلي " أن كل ما هو حقيقي يكون ذهنيا"7، لونحن تماشينا مع مقولة بيركلي هذه لوجدنا أنفسنا نشك بالإدراك وسيلة معرفية للعالم الخارجي، من حيث نرجع الى نقطة البداية في تساؤلنا كيف يمكننا تمييز ماهو مدرك حقيقي عن ما هو مدرك زائف؟ الادراك هو فكرة تجريدية لصورة شيء أو موضوع، والذهن لا يمتلك قابلية تمييزها هل هي مدركات حقيقية ام زائفة؟ كون الذهن بتعريف بيركلي "الذهن لا يكون وحدة بذاتها لأنها فكرة مجردة "8. ولا يمكن تصورنا أن تصدر عن بيركلي المؤمن بالله مثل هذا القول "الوجود المطلق لاشياء لا يمكن تصورها بعيدا عن ذهن يفكر بها هي كلمات بدون معنى"9، لا يمكن لاشياء يدركها الذهن أن تمتلك فضاءا مطلقا وجوديا لا تدخل في مجال الميتافيزيقا التي لا ينكرها بيركلي في تفسير ما يعجز عنه منطقيا فلسفيا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...................

الهوامش:

1- وليم رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، ت: محمود سيد احمد، تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح. ص 189

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه ص 193

4- نفسه ص 195

5- نفسه ص 191

6- نفسه ص 189

7- نفسه نفس الصفحة

8- نفسه نفس الصفحة

9- نفسه ص 199

 

 

سامي عبد العالتاريخياً، لم يكُن التسامح خالصاً للإنسان بما هو إنسان. لأنَّ السياسة كانت ومازالت تعتبره أحد وجوه الهيمنة الناعمة على المجتمعات. حيث لم تتراجع الأنظمة الحاكمة المستبدة عن هذه المنحى طويل الأمد، ولو كان الأمرُ بإشاعة ثقافةٍ مُراوغة تلتقي مع أهداف سلطتها. في كلماتٍ واضحةٍ: سيكون التسامح محدَّداً بما يُراد له أنْ يكون، لا وفقاً لحرية الإنسان تجاه الإنسان ولا بتأسيس تعدديةٍ تستوعب اختلافات البشر. وقبل السياسة( أو بالقلب منها ) كان الدين مُمسكّاً بأطراف التسامح ناحية مرجعيةٍ ذاتيةٍ لا يرى سواها. كلُّ خطاب ديني لا يخرج عن ذاته إلاَّ داعياً أتباعه لقبول الآخرين تمهيداً لاستعمالهم. على الأقل ينتظر منهم قبولاً ضمنياً لما يطرح، حتى لو ألّحَ هؤلاء بكونهم أحراراً ويجب التسامح إزاء ما يفعلون ويعتقدون، فسيكون لهم " نصفَ تسامح "half tolerance  على أفضل الأحوال، والنصف الآخر لون من المقايضة واجبة الدفع عند اللزوم. لأنَّ عملية المقايضة- في هذه الحالة- تستوجب الدينونةَ لمن يعطي نصفاً ممتلئاً، وسيظل النصفُ الفارغ هو مصدر الأشباح المخيفة في ثقافة المجتمعات، فقد يصبح صراعاً يلتهم رقعة الحرية من الأساس.

اللاتسامح

يكشف الخيط السابق- غرباً وشرقاً- عن جذور اللاتسامح intolerance في الذهنيات البشرية، وعن ارتباطه بالتكوين الثقافي السائد، وهو ما يتطلب توضيحاً لهذا الجانب الممتد. وأقرب نقطة هي ابراز عملية التوظف السياسي للعنف في المجتمعات العربية الاسلامية، ذلك نظراً لوثاقة صلتها بالفكرة والسياق. ولأنَّ التسامح لا يكون جزئياً أو هكذا ينبغي، فهو يضع مجتمعاتنا برمتها تحت طائلة الاستفهام. فأمّا تسامح بملء الكلمة أو لا يتحقق، وليس مطلوباً حصره في زاوية ضيقة إلاَّ تمهيداً لمعرفة طبيعة التعامل معه وجوهر الأبنية التاريخية للمجتمعات الأقل تسامحاً. لأنَّ اللاتسامح بدوره يتشكل في ضوء تاريخٍ ما، حين يسيطر ردحاً من الزمن، بل حين يستغرق عصوراً بمجملها ويصبح لصيقاً بأنماط الفكر والفعل.

أولاً: تراث العنف

لعلَّ الإقصاء والعنف قد شكلاً تراثاً ثقافياً في حواشي ومتون المجتمعات العربية. منذ عصور الإسلام المبكر، حين تمَّ اغتيال الخلفاء الراشدين في السياق الإسلامي الواحد تلو الآخر، حيث قُتل عمر بن الخطاب(23 هـ)، مِن قِبل أبي لؤلؤة الفارسي، وعُرف بعد الحقبة الصَّفوية في إيران: بابا شجاع الدِّين، وشُيد له ضريح هناك، لشحذ العاطفة العرقية والطَّائفية. ثم الخليفة علي بن أبي طالب(40 هـ) مِن قبل عبدالرَّحمن بن ملجم الخارجي. واغتيل صاحب علي مالك الأشتر(37 هـ) مسموماً بالعسل، وأُتهم معاوية بن أبي سفيان (ت60 هـ) به، بالتواطؤ مع دهقان القُلزم على طريق مصر، مقابل الإعفاء مِن الخراج، ولما مات الأشتر ووصل الخبر إلى معاوية قال: " إن لله جنوداً منها العسل". وتباعاً قد انتشر القتل في عهد معاوية عندما أمر بقتل حجر الكندي الذي قال عنه المسعودي هو أول من قُتل( نُحِرَ) صبراً في الاسلام، وكان القاتل قد وصفه بأنه رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان(1). وعلى هذا النحو كانت الاغتيالات وسيلة سياسية لترسيخ التعامل مع الأنظمة السياسية مؤيدين ومعارضين. وهناك قصص لا تُحصى ولا تُعد مِن الاغتيالات الدِّينية ذات الدَّوافع السِّياسية. لأن العنف نبت من جذور ثقافية سيّست الدين لخدمة السلطة القائمة.

وظلت الاغتيالات أداة التغيير السياسي- ربما الأداة الوحيدة - طوال العصور العربية الاسلامية، الأمر الذي جعل التسامح عملة نادرة في ثقافتنا القديمة، بقي سياسيّاً شبحياً تحمله كلمات التمني والرجاء والجود والسخاء كما أوضحت. إنَّ التاريخ السياسي العربي طُبع بفكرة الاقصاء حتى الثُمالة، وهو ما كررته مفاهيم الدولة والحاكم والمؤسسات جرياً على معاني الخلافة التي شهدت الأحداث الدموية سواء أكانت حروباً بطريقة الإغارة والغزو أم ملاحقة الكفار وأهل الضلال باسم الدين.

ولذلك يصعُب أنْ نتحدّث عن التسامح بمعناه العمومي في "البيئات العربية الإسلاميّة". فالمجال العام ليس مُعدَّاً سياسياً بناء على مفاهيم التنوير وآلياته، لأنها بيئات طاردة وفارزة لأصحاب الديانات الأخرى. وربما تكون هناك أقليات دينية موزعة بحسب انماط العيش، لكنها بالنهاية تدور في فلك الأغلبية وبخاصة بصدد إدارة الشأن العمومي. وطبقاً للأنظمة الدينيّة الخادمة لأجهزة الدولة تحت عباءة إمبراطور أو خليفة أو سلطان أو ملك أو رئيس، لم تعرف التّسامح كحقٍ عام يجده الإنسان المتمتع بحقوق المواطنة.

يمثل " التسامح الديني" مأساة إنسانية بحرفية العبارة، لأنَّ قبول الآخر الديني والحماية القانونيّة لحقوقه أشياء ظلت محاطة بالمحظورات، بدءاً من وجوده اليومي وانتهاء بدور عبادته الملقاة للإهمال والسخرية. إنَّ التفكير في الآخر نوع من العنف المقنَّع، فالخطاب السياسي ليس مؤهلاً ليكلّمه وكذلك الخطاب الديني ليس به عبارات مدنية تراه مواطناً مساويا لغيره. فمصطلح أهل الذمة في دولة الخلافة كان نوعاً من الفرز الميتافيزيقي، ضربً من "تسامح الاستقواء" إزاء الضعفاء. فكلما ورد وصف(أهل الذمة) على اليهود والمسيحيين كأنه يردد: أنتم أقل مكانة من المسلمين، أنتم في موضع تفتيش لما تضمرون لأن عليكم واجب ينبغي تقديمه كالجزية على سبيل المثال!!

ومع أنَّ هناك نصوصاً ذات طابع إنساني مثل أشعار الحب والغزل وكتب الرحالة والنصوص النثرية للجاحظ والتوحيدي وكتب المتصوفة، إلاَّ أنها كانت مهمشة ثقافياً، كان مصيرها الإهمال في مقابل الاهتمام بكتب الفقهاء ورجال الدين الخادمين للحكام. وهذا ما جعل أية كتب تدور حول الإنسان والتنوع الثقافي والتعدد العرقي من باب نصوص النوادر والغرائب والطرائف، وهذه لعبة الثقافة العنيفة مع نفسها(2). فلم تعرف بنية المجتمع العربي استراتيجية التسامح عمليّاً. ومع أنه، نظريّاً،  لدينا رصيد زاخر من السرديات المقدسة والأحاديث والقصص التي تتكلم عن التسامح ووجود الآخر والتصالح والإخاء، غير أنها لا تطبق في الواقع، تقف فقط عند حدود التخيُل والأوهام النظرية ليس أكثر. مما يكشف عن انفصال اللغة عن الحياة انفصالاً يعري المجتمعات ويكشف زيف الثقافة الدينية الرائجة.

ثانياً: التطرف الديني

التطرف الديني هو المستوى الظاهر من أيديولوجيا العنف، الذي يسرطن أجواء التسامح وخطابه إنْ وجد. بل يعيد تشغيل العنف المضمر في الخطابات الدينية الراهنة، حين تستند إلى تراث العنف وبخاصة نصوص التيارات السلفية التي أدت أدواراً في الطرح الإيديولوجي للعقائد. إذ تحول الخطاب الديني إلى علاقة داميةٍ مع كل آخر بأطيافه العقدية، فهي نصوص تجري بناء على مواقف الإقصاء والاستبعاد. وكأنَّ المسلمين لن يكونوا كذلك متمسكين بدينهم دون اتخاذ مواقف عدائية من آخر ما، سواء أكان الشيطان أم المجتمعات أم الآخر المغاير( شيطنة أصحاب الديانات).

هكذا يجسد التشدد الديني مظاهر العنف عبر تحديد العلاقة العقدية dogmatic مع الآخر المتنوع. لقد تم احياء الكراهية بإغلاق منافذ الحوار وعدم الاعتراف بالآخر، هناك من رجال الدين الذي اعتبر أنَّ الاختلاف قيمةً سلبيةً دافعة للانقسام والتناحر، وتمثل خطراً على فكرة" الجماعة " التي حثَّ عليها الإسلام. هكذا فُسر الحديث الوارد عن رسول الاسلام( من بدلَّ دينه فاقتلوه...) بخلاف الحقيقة وهي أن المرتد المبدل لدينه كان موقفاً سياسياً وكانت عقوبة قتله سياسية أيضاً. لأن حد الردة غير موجود لا في القرآن ولا في الاسلام من حيث المبدأ. أي كان المرتد مرتداً عن الجماعة السياسية التي يفترض منها "تمتين الصفوف وتنقيتها" و"إشهار كلمة الدين السائد" و" تأكيد الإجماع ". حيث انتشرت تدريجياً أفكار" التعالي الديني" religious transcendentality و"المركزية العقدية "dogmatic centrism، و"الاحتقار" لبقية العقائد.

حالة العداء هذه داخل التمثل الدينيreligious representation للآخر شوهت الحرية والمواطنة والتعايش وقبول المغاير، كانت مفاهيم غريبة( دخيلة) على الموروثات الدينية التي تتحكم في سلوكيات الناس العاديين. وجراء ذلك ظهرت سمة التشدد في مجمل ثقافتنا الجارية وليس فقط في الخطاب الديني، وهي سمة مؤسسة بأطر الحقيقة والمعنى والتاريخ والفكر وشكلت امتداداً لها حتى الآن. فالإنسان العادي في مجتمعات العرب يمثل حاشيةً خفية لجماعات الإرهاب، لا بالمشاركة في الأحداث، لكنه بمثابة الظهير الشعبي بسبب رسوخ المعتقدات العنيفة حول الحياة. إنَّ هناك تضامناً مشتركاً بين الإرهابيين والدهماء نتيجة تاريخ الثقافة الحاملة للبذور نفسها. لدرجة أن هذه الثقافة تحدد من تصح عليه الرحمة أو اللعنة ومن هو الكافر والمؤمن، ومن هو القريب والبعيد ومن هو المقبول عند الله ومن هو المذموم في كتابة سيناريو اسلامي قديم" لصكوك الغفران"indulgences  ضمن الحياة اليومية.

يعدُّ الدين الشعبي أكثر عنفاً من الأيديولوجيات الصريحة للأسباب التالية:

أن المعتقدات الشائعة مشبعة ببذور العنف الخفي( المتحول أو الموروث).

غياب الوعي الناقد، بدليل التصديق الساذج لكل ما يُقال وما يتم استعماله في أفكار دينية.

انتشار مناخ التقاليد والأعراف والخرافات دون غربلةٍ لما هو حقيقي وغير حقيقي.

الاستعمال السياسي المستبد للجماهير مما يجعلهم رصيداً فارغاً من المعنى للإرهاب والعنف.

انتشار نزعات التقديس بدءاً من العائلة وليس انتهاء بالأضرحة والشيوخ مما جعل الأفكار العادية محل تقديس هي الأخرى.

غياب الثقافة العلمية في التفكير ومعالجة المشكلات وجاءت الثقافة الأصولية بديلاً عنها وزاحمت الأفكار العنيفة كلَّ انفتاح ممكن.

هذا التطرف سواء أكان من جماعات الارهاب أم من الثقافة الشعبية، وضع مجتمعاتنا العربية على حافة الهاوية. وبات المغاير محلاً لتصفية  الاحتقان والكراهية، ولذلك ليس هناك من قيم ثقافية أو معرفية تقوم على النسبية في النظرة إلى العالم والحياة.  وأكثر من هذا فقد ضاعت اجتهادات الأفراد في ابداء قيمة التسامح مع الآخر المختلف، لأنها بالنهاية مسائل خاصة لا تؤثر في المناخ العام. بينما صُلب المجتمع ظل بمنأى عن التأثر كما لا يوجد فضاء للإنسان القادر على إبداء أفكاره الحرة. مما رسّخ سيادة النمط الواحد عيشاً وفكراً، واختفى تنوع العقول والمعارف اللازمة لنهضة المجتمعات.

ثالثاً: ثقافة القمع

القمع السياسي في البيئات العربية كان الحاضنة الزمنية والمتكررة لتراث العنف الديني. ورغم الادعاء المتواتر أيضاً بكون الأنظمة السياسية تحارب الإرهاب ولا تقبل به، غير أنها بلا وعي تجدد العنف وتسمح بنموه لا تراجعه. وربما الفكرة هنا بعيدة عن التناول، غير أنَّ من يتأمل التاريخ الحديث، سيكتشف التواطؤ بين الاستبداد والإرهاب.

تستعمل الأنظمة العربية الدين بشكل براجماتي للهيمنة على قطعان البشر السائبة. وهذا معناه أنها تنمي ثقافة العنف الموروث في ظل غياب التنوير الحقيقي. فلم تكن الأنظمة سوى هياكل سلفية متنكرة بمظاهر التقنيات الحداثية والعلاقات السياسية الخادعة، ولا سيما منذ قيام الدول القومية بعد الاستعمار الحديث. وسواء أكانت جمهوريات أم ممالك أم أمارات غير أنها لجأت إلى الدين الشعبي لتطهير صورها أمام الجماهير والانضمام إلى ارتال المدافعين عن الموروثات باسم الحفاظ على ثوابت الأمة.

حاربت الأنظمة العربية الأفكار الحرة وخطابات النقد(حتى النظري منها)، وهذا ما عطَّل فكرة المجال العام وجعله مجالاً دون معايير، الأمر الذي سمح بـ"ثقافة الطحالب" سواء أكانت في هيئة الفنون الهابطة أم الجماعات الاسلامية في أشكال متأخرة من أحلام الخلافة. إن أنظمة من هذا الصنف أفشلت مشاريع التنوير والتحديث، لكونها تعلم أن التنوير سيزيحها عن السلطة وأنَّ الخيار الحر سيكون أمام الإنسان العادي وهو ما ترفضه. ناهيك عن تهميشها للمفكرين والعلماء والمبدعين، مما اتاح الفرص سانحة لشيوخ الإفتاء والدجل لتشكيل ذهنية الجموع. وقد انتشرت ثقافة الخرافة والتمسح بالأضرحة السياسية المعاصرة وتقديس شيوخ الشاشات الفضائية وخطاب التزلف السياسي الديني للأنظمة الحاكمة.

غلبت الأنظمة المستبدة ديناً على آخر، وهو الدين الاسلامي عادةً حيث نصت عليه في الدستور بوصفه ديناً للدولة. فرغم أنَّ الدولة كيان معنوي ويستحيل تديينها، غير أنَّ هذا البعد الأسطوري مازال سارياً. ولذلك فهمت جماعة الإخوان المسألة بشكل مقلوب، بمعنى أنها سعت لأخونة الدولة طالما كانت مسلمةً في السابق. وكل ذلك كان في مواجهة المسيحية والأديان الأخرى، مما رسخ التسامح فقط بمدلول الوجود الهامشي لأهل الأديان،  في حين ظل الفرز السياسي باسم الدولة هو الغالب.

روجت الأنظمة السياسية لنوع من التسامح الزائفfalse toleration. وهو ما ترعاه الأنظمة بنفسها عن طريق موائد الحوار والندوات العامة والمنتديات السياسية والتمثيل البرلماني بين أهل الديانات. وسبب هذا التسامح الزائف أنه نخبوي وإعلامي أكثر منه ثقافياً وبنيوياً يمس القطاع العريض من المجتمعات العربية.

وهو كذلك "تسامح زائف" بوصفه لا يعمل على مستوى المبادئ والممارسات العامة التي تخص الدولة والمجتمع. كما أنَّ القائمين عليه شخصيات سلفية سياسياً ودينياً – حتى وإن رفعوا شعارات التنوير والانفتاح- بسبب أنَّ نظرتهم قائمة على الثنائيات التقليدية بين الأديان: المؤمن والكافر، الجماعة والفرد، الاتفاق والاختلاف، الحزب والأمة، وهو الأمر الذي تكرر في السياسة بالتصنيفات نفسها. أي قد يكون هناك رجال سياسة أو اقتصاد أو علوم، لكنهم سلفيون حتى النخاع. لأن السلفية تشكل نماذج التفكير وأساليب الفهم والتعبير بملايين الوجوه والذهنيات. ولذلك يلغي هؤلاء كلَّ مساحة حرة للتنوع مدعين أهمية الاتفاق الشكلي على الحوار الديني. هذا المصطلح الذي لا يعترف في سره بالاختلاف الوجودي بين البشر وحقهم المصيري تعبيراً عن كامل معتقداتهم دون خوفٍ ولا وجل.

رابعاً: إعادة انتاج الكراهية

يضيق الخناق حول التسامح عن طريق الأخلاقيات والخطابات الاجتماعية المتداولة التي تسيس الكراهية لصالح الدين أو النظام الغالب. وإعادة انتاج الكراهية عملية ثقافية فكرية بالأساس تبث عن طريق ماكينة سياسية واسعة الأطراف والمؤسسات، إذ نجد هناك مواداً تربوية وتعليمية وإعلامية قائمة على التقليل من شأن الديانات. وقد لا يحدث ذلك صراحةً، لكنه يتم بلغة" الصوت المتعال" transcendental voice، وهو صوت تاريخي تشكل داخل العادات والتقاليد والمعارف السائدة.

إنَّ الثقافة العربية قائمة في متونها على الصوت الديني المسيّس، باختلاف الأنظمة والعصور ينبعث من تحت الرماد ليجتاح كافة مجالات الحياة. وليس أدل على ذلك من كون الجماعات الإرهابية تحمل برنامجاً تراثياً كاملاً لإعادة تشكيل وعي الناس، لا يقصدون تعليم الناس ولا إخبارهم بدعوة أو أفكار، بل يهتمون بكيفية تدجينهم واستعمالهم أيديولوجيا لأغراض الجماعة. وهو برنامج يضبط عقارب الزمن ناحية الموروثات العنيفة وكأنها قدر تاريخي لا مناص منه (مثل الصراع السني والشيعي في كل المجالات). وكذلك على سبيل التوضيح الحديث المشهور الوارد عن الفرقة الناجية، حيث روي عن نبي الاسلام أنه قال" ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في النار إلاَّ واحدة. قيل ومن هم يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي". والحديث يرد في سياقاته ليس بأسلوب المعرفة، بل للتأكيد على ضرورة التفرقة دون نهاية، لأنه جاء بصيغة المستقبل لا الماضي.

ويُمعن أعضاء الجماعات الإرهابية في شرح الحديث والآراء حوله لتوثيق التفرقة بين الإيمان والزندقة، وضرورة التمايز بين أهل الأيمان وأهل الضلال. وتحول نص الحديث من مجرد حديث نبوي صحيح أو ضعيف إلى كونه آليه أيديولوجية للتفتيش حول مصير الناس والمذاهب والمعتقدات. ولكونه حديثاً غير واصف، فهو يحمل نبرة النبوءة كما يُستعمل. ويحول التفرقة والتمييز بين مكونات الجماعة الإسلامية إلى واقع سائر إليه الناس قبل أنْ يصير كذلك. وحتى دون معرفة سياق الكلام، سيكون التمزق هو المصير الأكيد للمجتمعات.

في هذا المناخ إذا حدث تسامح، فهو بصيغة اللاتسامح، كنوعٍ من الحجْر على الآراء والأفكار. لأنّه تسامح بآلية التفرقة وأية أفعال تترتب علية ستكون مؤقتةً وصولاً لمرحلة " التمكين" بلغة الاخوان. فالتسامح مجرد هدنة انتظاراً لاستئناف الصراع. ويرتبط المعنى بإنتاج خطاب الأقليات والآخر الديني القائم على:" لهم ما لنا وعليهم ما علينا".  وبالمناسبة فهي مقولة مدمرة أيضاً لكل تنوع ممكن، لأن السؤال الجوهري: من الذي سيقول ذلك (هم ونحن) إنْ لم يكن متحكماً في مصير المتحدث عنهم والمترصد لهم بالوقت نفسه. وطالما وجد تصنيف، فلن يتحقق أي تسامح بمعناه الإنساني، لن يميز إنساناً عن آخر إلاَّ بمآل الأقصاء في نهاية المطاف.

بأية صيغة يتم التسامح؟

مرّت فكرة التسامح في التراث الغربي بمراحل من التطور حتى وصلت إلى معنى يتجاوز قبول الآخر المختلف، إلى احترام هذا الآخر وتوقيره والاعتراف به وجعل الحقوق أساساً للتعامل معه. وهذا ما أكده الفلاسفة المعاصرون مثل أكسيل هونيث واليوناني كورونيليوس كوستريادس ونانسي فريزر وسيلا بن حبيب الذين تجنبوا ما قد يفهم من التسامح كاستعلاء، لذا نادوا بأهمية أن ينتهي التسامح  بالاعتراف الكامل وغير المشروط بالآخر.

 

التسامح بالمفهوم الذي أراده هؤلاء الفلاسفة لا يعني أنه رخصة يمنحها الأقوى للأضعف بحيث يتيح ممارسة شعائره الدينية مثلاً في حالة الأغلبية تجاه الأقلية، إنما يجب أن يتعدى إلى معنى التقدير الشامل. وأن يتم- كما يؤكد هونيث- نقض سياسات الاحتقار disrespect الواقعة على الإنسان، لأن الممارسات التي تقلل من شأنه هي أعراض مرضيّة pathological لمسيرة العقلانية التي انحرفت سياسياً في تاريخ المجتمعات(3). وهو ما أكده الفرنسي إديموند جُوبلو Edmond Goblot بأنَّ التسامح اعتراف تام بوجود الآخر دون أن يتخلى الآخر عن قناعاته ومعتقداته، وبالوقت ذاته يواصل السعي لإظهارها والدفاع عنها، مع الامتناع الجمعي عن استعمال أية وسيلة من وسائل التجريح والتدليس، وبكلمة قاطعة: ضرورة احترام الوجود والآراء  مثلما نريد أنْ يقدرنا الآخرون.

ولعلَّ هذه الدلالات للتسامح في تاريخ الحداثة الغربية دفعت المفكر الألماني راينر فورست Rainer Forst إلى أنْ يفرّق في كتابه " التسامح في حدود الصراع: الماضي والحاضر" Tolerance in Conflict: Past and Present  بين أربعة انماط للتسامح وهي أشبه بالنماذج التي تحدد طبيعته وكيف كانت في التاريخ أشير إليها فيما يلي:

النمط الأول: تسامح الإذن permission :

وهو الذي يحدد العلاقة بين الأغلبية الحاكمة والأقلية (أوعدة أقليات) بأنَّ تمارس الأخيرةُ العيش بحسب قناعاتها، لكن على ألَّا تتعارض القناعات مع سيادة الأغلبية وألَّا تتشكك في هيمنة سلطتها من قريب أو بعيد؛ ولذلك أطلق فورست على هذا المستوى وصف (الإذن) وهو غير مقبول لما فيه من عدم المساواة والنظرة الفوقية. ومرسوم نانت لعام 1598، الذي كان من المفترض أنْ يضع حداً للصراعات بين الكاثوليك Catholics والهوجونوت Huguenots ( اتباع الكنيسة البروتستانتية المتأثرين بكتابات كالفن) في فرنسا، يمكن أنْ يكون بمثابة مثال تاريخي، وفي العادة يكون هذا النمط متاحاً لأسباب برجماتية عملية(4).

وفي السياق العربي تسود هذه الفكرة بشكل طاغٍ عبر الأنظمة الاجتماعية والسياسية ذات الأغلبية، وهو تسامح تحت (أسنة الرماح) كما في تاريخ المجتمعات العربية، فلو تحسست الأغلبية تمرداً أو تململاً من الأقليات سيكون مصيرها الإبادة ولو ثقافياً. والغالب أنَّ الثقافة هي مضمار الصراع، حيث يتم حجب الثقافات الفرعية التي تغذي سلطة الثقافة الغالبة. كما أنَّ الإذن يتم بحكم مرحلة التجاور الخارجي ليس أكثر، وتظل الأغلبية مترقبة (متلصصة) على من يتحرش بأفكارها المهيمنة. والخطورة أن أعضاء الأقلية يضطرون لأن يعيشوا حياة مزيفة طوال الوقت، حياة ليست حياتهم، إنما هي قميص خادع لما يتحاشونه وإلّا فالبديل الصراع الذي قد يضع حداً لوجودهم من الأساس.

النمط الثاني: تسامح التعايش coexistence

حيث لا يتعلق بأوضاع الأغلبية والأقلية، بل بمجموعات وطوائف متساوية داخل المجتمع الواحد. ورغم ما في هذا المستوى من مساواة ظاهريةٍ، إلاَّ إنه لا يُنظر للتسامح كقيمة إنسانية في حد ذاته، بل كوسيلة تحقق المصالح وتجنبنا الصراع. ولذلك قد يتمتع بقدر من الاستقرار والاستمرارية، لكنه أشبه بالهدنة المؤقتة من القتال والحروب، فلا يعقل أنْ تستمر الحروب بلا نهاية. تلك الهدنة المعرضة للخرق بأي وقت نظراً لفقدان الثقة بين عناصر المجتمع الواحد. ويعد هذا النمط ذات مساحة أوسع من الأول نتيجة أنَّ آثاره أفقية وليست رأسية كما في النمط الأول(5).

وهذا النمط يُوجد في الثقافة العربية نتيجة "التعايش التاريخي" بين أهل الأديان، وهو ناتج عن تكوين الطوائف بحكم الواقع وحسب. ورغم التاريخ الذي يضمر نوازع الصراع وإثارة الفتن، لكن الأجيال تستشعر أنَّ العيش معاً هو أقرب الحلول لإنجاز مصالحها المشتركة. أي بواقع الحال: ليس هناك مجال للصراع، فلنعش جنباً إلى جنب، وذلك لا يحول دون أحداث العنف وبخاصة من أصحاب السلطة السائدة. ولذلك فإن أتباع المسيحية واليهودية والإسلام تعايشوا مع بعضهم البعص بفضل الارهاق من الصراعات وأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان وبالتالي لا توجد ثقة متبادلة بين أطراف هذا النمط.

النمط الثالث: تسامح الاحترام respect

وهو قائم على الاحترام المتبادل بين الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، إذ يرى كلُّ فرد في المجتمع السياسي أن الآخر مساوٍ له في كافة الحقوق والالتزام بالواجبات تحت حكم القانون(6) ، مما يستوجب أيضاً احترام المرجعية الأخلاقية والقيمية لكل الطوائف والجماعات، وهذا ناتج هن درجة الاحترام المتبادل للقيم والرؤى التي تتمتع بها عناصر المجتمع، إذ ينظر أحدها للآخر بعين التقدير وباعتباره لا يقل أهمية عنه في الممارسات العامة (7).

النمط الرابع: تسامح التقدير  esteem

ويمثل قمة مستويات العلاقة بالآخر، وهذا النمط يُفترض تطبيقه في المجتمعات المتنوعة ثقافياً ودينياً وسياسياً، لأنه يتجاوز فكرة الاحترام الأخلاقي إلى تقدير الآخر وقيمه الحضارية. أي يعتبر الآخر ومعتقداته قيمة في ذاته وأن ما يعتنقه ويعبر عنه يمثل شيئاً مهماً لإثراء المجتمع ولا يقل أهمية عما يقدمه أي انسان، لأنَّه يُجسد التعددية pluralism في أخصب صورها(8).

ومن ثمَّ علينا أن نتجاوز التسامح بمعناه التقليدي ليصبح ممارسةً إنسانيةً- فردياً وجمعياً -محققة للتنوع الإنساني والمشترك الكوني. وهو فضاء حُر أو يجب أنْ يكون كذلك نابعاً من ثراء الإنسانية داخلنا لا استعمالها بشكل قميء. إذ ذاك فالتسامح يرسم مساحات وخطوطاً مشتركة بين الناس جميعاً دون تفرقة ولا تمييز. وعندما يكون ثراءُ الإنسانية بيننا، فإننا نأخذ منها ما يجعلنا ملتقى للآخرين لا العكس، أي لا نجعل انفسنا عنواناً للإنسانية كأنها مرهونة بوجودنا وتكويننا التاريخي فقط.  ومن هذه النقطة تصبح  إنسانيتنا قادرة على تجاوز الخلافات العقدية والمذهبية، وتهدف إلى تحقيق قيم الاحترام والتقدير المتبادل، والنظر إلى الإنسان كإنسان دون البحث عن خلفياته الدينية والعرقية، فالإنسانية قيمة تتجاوز كل معطى ديني يحدد العلاقة مع الآخر، والانسانية هي الدافعة لمزيد من الاندماج مع البشرية جمعاء، بغض النظر عن انتماءاتها الثقافية. لأنَّ الإنسانية تكاد تكون واحدةً في تنوعها العام.

وإذا كانت الجماعات الدينية تقمع إنسانية الإنسان بفضل الخلاص الذي تزعم أنها تمتلكه وحدها، فذلك يمكن نقضه من الجذور لو امتثلنا للإنسانية في ذاتها. لأنَّ الأخيرة هنا معيار لا تستطيع أن تبلغه أية جماعة متطرفة، بل هو معيار يقوض بنيتها. لأنَّ الإنسان كإنسان لا تعرفه جماعات الإرهاب، بحكم تكوينها. وقد أكد إيمانويل كانط على ضرورة اعتماد التسامح وفعل الخير لذاته في كتابه مشروع السلام الدائم perpetual peace، لأنّ الواجب في فلسفته يقتضي ذلك، حيث يجب أن نفعل الخير لأنه خير و نبتعد عن الشر لأنه شر، وهذا يعبر عن الحرية التي نتمتع بها ككائنات إنسانية أولاً، ثم تبلغ تلك الفكرة مرتبة الدستور المستمد من التعاقد بين أفراد المجتمع ثانياً. بجانب تقدير فكرة الحق التي تجسدها السياسة العملية والتشريعات تجاه الآخرين كمواطنين متساويين ثالثاً(9). مما يمثل خطوة استباقية نحو جعل التسامح حقاً متبادلاً يؤكد السلام، ويعني أن التقدير قيمة لا بد من تأديتها لمن يستحقها، فالتسامح قانون إنساني يكاد يبلغ مرحلة القداسة، كل إنسان يجب أن يحاط بالاحترام بوصفه غاية مطلقة في ذاته.

وربما لن يبلغ الإنسان تلك المرتبة إلاَّ إذا انتشرت قيم العقلانية التي توفر مناخاً من التعاون لإنجاز الأهداف وهي القيم التي ترى في الحروب المذهبية والدينية عنفاً لا طائل من ورائه. أي أنَّ التسامح قد يُبني على أساس الفهم، لأن الإنسان ما لم يأخذ حياته بالاحترام والتعايش بمعناهما العام، فيجب أن يتفهم بحسب رأي فيلهلم دلتاي ما يجعل الآخر جزءاً من وجوده، يعيش ما يعيشه ويتألم مما يتألم له ويتعاون كما يتعاون الآخرون وأنَّه لا مناص أمامه من الحياة التي تجعله إنساناً لا شيء آخر.

كانت التعددية دافع الفلاسفة الليبراليين إلى التسامح، ليس من زاوية تراثه المشحُون بالصراع والتناقض، لكنه فرضية مطروحة ضمنياً في كل ممارسة سياسية حرة. ففي القرن العشرين والواحد والعشرين أصبح التسامح ضرورة خارج الأطر والمذاهب والأيديولوجيات. إنَّ التاريخ الدموي القريب للدواعش والقاعدة وغيرهما استحضر حاجة البشرية إلى التسامح لإنهاء العنف السياسي والديني. فلربما يحول التسامح الحيوان داخل المتحاربين إلى كائن إنساني يعرف ماذا يقدر ويحترم. وقد يكشف بالعكس أنّ المذاهب والتنظيمات الدينية قد تعود بالإنسان إلى مرحلةٍ بدائيةٍ من الاقتتال الحيواني وهدم المجتمعات.

إنّ التسامح التعددي العادل، القائم على العيش المشترك، لن يتحقق طالما تم التمسك بمفاهيم أهل الذمة والجزية، أرض الحرب وأرض السلم، ومفهوم الدين السائد، ومفهوم استاذية العالم لدى تنظيمات الارهاب. ولا شكّ كذلك أنّ الدساتير الناصة على الدين الرسمي للدولة، ترسخ للعنف تجاه غير المعتنقين له. فحين يتم تكريس دين بعينه، يصبح الآخر في محل مساءلة: ماذا عنك؟ هل تساير هذا الدين أو ذاك؟ كيف ستتصرف عندئذ؟، وبهذه الحالة ستضمحل المساواة والعدالة بين المواطنين، بل يتحولون إلى مجرد رعايا، وتختفي التعددية الدينية.

وبالنتيجة فإنَّ التسامح له أكثر من وجه، له أكثر من معنى، له أكثر من تاريخ. لكن الأصل أنْ يضع الإنسان نفسه مكان الآخر، فالاثنان يرددان وجود بعضهم البعض رمزياً، كما يقول ابن رشد في كتابه تهافت التهافت: "من العدل أنْ يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي بها لنفسه، أعني أنْ يُجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يُجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه، وأنْ يقبل لهم الحجج من النوع الذي يقبله لنفسه"... لأنّ تسامح الاعتقاد يغاير الفهم نحو الانفتاح على كل آخر ممكن، فالحجج بموقع الآخر اعلان عن الوجود الإنساني المتعدد دون تعالٍ ولا فوقية.

والمعنى أنَّ المجال العام يقوم على افتراض تبادل المواقع شعوراً بالآخر. شعور أنطولوجي تاريخي لا خيالي وحسب. فلو أخذ إنسان هذا المكان المفترض واطمأن إلى ما آل إليه، لوجد هناك تساوياً في المكانة والقيمة ولن يمارس أحدهما دوراً فوقياً إزاء المختلف. وابن رشد يضع الآخر بالتوازي مع رمزية الخطاب الذي يفترض أنَّ جوانبه واحدة، لأنَّ الحُجج التي قد يأتيها لغيره تعادل الحجج التي يأتيها لنفسه. كأن هناك نسقاً عاماً يحدد الخلفية ويدير المسألة بكل حيادٍ وتعادل، وهو خطاب الدفاع عن الآخر مثلما لو أنك تدافع عن نفسك. أي قبل أنْ يحدد الأنا موقفاً أو غيره عليه أن يضع نفسه مكان الآخر ولينظر ماذا يكون. وهذا يقتضي من الأنا الوجود دوماً موقع هذا الآخر. لأنَّه ليس مكاناً خاصاً فقط، بل كذلك نتيجة التواصل والمنطق واللغة سيكون الآخر حاضراً كحدود لا نعبرها إلاَّ وقد عبرنا أنفسنا. والدلالة اللطيفة أنَّ الإنسان هو الفرد الممتد داخل( مواقع) المختلف، وهو الاختلاف عبر مواقع الواحد بالتبادل لا بالإحالة. لأنّ الاحالة تخلق نوعاً من المركزية العنيفة، أما التبادل فيعني أفقاً كلياً يجمعنا تنوعاً لا تناقضاً.

 

سامي عبد العال

...................

[1]- الحسين بن على المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، الجزء الثاني، المكتبة العالمية للكتاب، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1990، ص ص 3-4.

2- تندرج في هذا الإطار كتب الصداقة والنساء والحمقى والمغفلين، فهي تفتش في طبائع الناس وأحوالهم، وتعد كتباً أشبه باليوميات والذكريات وتناقش نوادرهم وحيواتهم وتكشف طبيعة المجتمعات وثقافتها. وأغلب مؤلفيها فقهاء ورجال دين وهذا أمر دال لأن هناك تشدداً تجاه الآخر، بينما يمكن اعتباره أحمق أو مغفلاً لو أدرج في باب النوادر واللطائف.

- أبو القاسم النيسابوري، عقلاء المجانين، تحقيق عمر الأسعد، دار النفائس، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1987.

- أبو الفرج بن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفلين، شرح عبد الأمير مهنا، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى1990.

- ابن القيم الجوزية، أخبار النساء، عرض وتحقيق نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى 1982.

3- Axel Honneth, Disrespect: The Normative Foundations of Critical Theory, Polity Press, 2007, PP3-43.

4- Rainer Forst, Toleration in Conflict: Past and Present, Translated by Ciaran Cronin, Cambridge University Press , New York, 2013 , P27.

Ibid, P28.

Rainer Forst, Toleration in Conflict: Past and Present,

Ibid, P 30.

Ibid, P32.

Immanuel Kant, Perpetual Peace, A Philosophical Essay(1795), Translated. with Introduction and Notes by M. Campbell Smith ... with a Preface by Professor Latta. London, G. Allen & Unwin ltd, 1915, PP120-121.

 

 

علي محمد اليوسفافلاطون يفسّر الزمان بمنهج العود الأبدي الذي كان متداولا معروفا عند فلاسفة الإغريق قبل سقراط من قبل الرواقيين وهيرقليطس، ولم يأت به نيتشة فتحا فلسفيا جديدا إخترعه . فهو أي افلاطون يفهم الزمن دوائر متعاقبة تطورية في التقادم الزمني الذي يعيد نفسه بنفس الوتيرة. أعادة الزمان نفسه ضمن تكراردائري نسقي ثابت. وماكنا عشناه بالماضي ونعيشه حاضرا يعود إلينا بنفس الصيغة لنعيشه وهكذا.. حتما يبدو غريبا إذا قلنا أن الديالكتيك التطوري في المادية التاريخية يقوم على صورة التناقض الجدلي دائريا تطوريّا صاعدا متقدما كالعود الابدي الدائري الذي يعيد نفسه، بفارق أن ديالكتيك الدائرة التطورية في المادية التاريخية لا تعيد نفسها كما في العود الأبدي بل أن الدائرة اللاحقة في المادية تلغي جدليا الدائرة التي سبقتها بتطور نوعي إضافي جديد يتجاوز ما قبلها. بما أطلق عليه كيركارد قبل ماركس معنى التطور التاريخي هو جدل ديالكتيكي  يقوم على شكل (طفرات نوعية) لا تعيد نفسها، بل تستحدث طفرة جديدة من رحمها قبل إندثارها وموتها.

بضوء هذا التحليل لا نجد افلاطون كان مخطئا بشأن التطور الدائري للزمان وليس ألتاريخ لكنه لم يكن يدرك ما جاء به لاحقا سورين كيركارد أن التطور التعاقبي الدائري الديالكتيكي هو نوعي وكيفي يكون على شكل طفرات وقفزات خارجة على الأمتداد الخطي- الدائري لمسار التاريخ ... وهو المعنى الحرفي الذي تبنّاه بعده كلا من هيجل وفيورباخ وماركس. حيث يكون الديالكتيك في وحدة وصراع الأضداد في المجانسة داخل النوع الواحد دائريا، بنفس وقت ينتج طفرات نوعية في إمتداد تطوري خطّي متقدم الى أمام.

أفلاطون يفهم الزمان ألتاريخي دوائر متعاقبة يعيد ما بعدها سابقها في تقادم زمني لا يخرج عن الرؤية التي يقول بها العود الأبدي في التكرار اللانهائي وهي نفس النظرة التي أخذ بها نيتشة عنه. هنا يوجد لدينا إستطراد في فهم كيفية حصول التطور التاريخي، كي يستقيم التحليل معنا علينا تنحيّة تطور التاريخ بإعإدة نفسه ذاتيا وفق نظرية العود الأبدي كون ما كّنا عشناه يعود لنا وما نعيشه حاضرا يندثر في المستقبل وسيعود لنا نعيشه ثانية وثالثة وهكذا، إذن التطور النوعي الانثروبولوجي للتاريخ يصبح معدوما ولا يمكن للتاريخ أن يتقدم في تكرار العود الابدي في الدوائر المتعاقبة التي تعيد نفسها على الدوام دونما تحقيق تبدلات كيفية نوعية في مسارها الذي يبدو خطيّا أفقيا. وهو ما يعتمده ارسطو إعتباره قطوعات الزمان تسير بخط مستقيم وهو خطأ بضوء فهمنا الديالكتيك يتم بصيغة الدوائر ألمتطورة التي تتخللها الطفرات النوعية كما أشرنا له قبل أسطر.أرسطو لم يكن يفهم التطور التاريخي على وفق مبدأ الديالكتيك الذي جاء من بعده بقرون طويلة.

نذهب الآن لمناقشة افلاطون من حيث أن تعاقب الدوائر زمنيا لا ينتج عنه تغيير نوعي بالحياة والتاريخ. وفق هذا التصور لم يكن يدرك افلاطون التطور التاريخي يسير على وفق مسار خطي ديالكتيكي تحكمه الضرورة ألإلزامية في التقدم الى أمام وهو ما تعتمده المادية التاريخية ماركسيا في حاضرها المعاصرالذي لم يكن افلاطون مطّلعا عليه. كما ذكرنا افلاطون فهم تعاقب الدوائر هو عود أبدي يكرر نفسه برتابة غير كيفية دونما تتخلله طفرات نوعية ملزمة له في تقدمه الى أمام. وهو ما قام بتصحيحه سورين كيركارد مثاليا وأورثه لهيجل من بعده. لتأتي أفكار الماركسية وتقلب الطاولة على التفسير المثالي بمجمله في تاريخ الفلسفة..

الحقيقة التي تقّر بها المادية التاريخية ماركسيا أن التاريخ يتطور ديالكتيكيا على شكل من التناقض الدائري المتعاقب الحلزوني الصاعد الذي تتخلله الطفرات النوعية التي تنقل التاريخ من مرحلة الى أخرى أكثر تقدما. والتاريخ في توالي الدوائر المتعاقبة ديالكتيكيا إنما هو يبني التاريخ التطوري الخّطي في المسار. أي أن التطور التاريخي على وفق تعاقب الدوائر لا يتطور عموديا تراكميا بل يتطور كيفيا أفقيا. رغم أن الديالكتيك في وحدة وتناقض الاضداد إنما يكون ضمن تطور دائري تصاعدي عمودي وليس أفقيا محكوما بألتراكم ألكمّي ألذي يخلو من طفرات نوعية ما لم ينضج عاملي التراكم الكمّي بوجوب حصول الطفرة النوعية، وعامل الظروف الموضوعية في تسريع الجدل داخل الظاهرة كي تنبثق عنه ويستحدث الظاهرة النوعية الجديدة التي لن تلبث أن تعيش التناقض وهكذا.. ديالكتيك التاريخ لا يسير بمسار خطي مستقيم نتصوره أفقيا كما ذهب له أرسطو وفي حقيقته ديالكتيك دائري يتطور نوعيا تصاعديا بطفرات نوعية ناتجة عن تراكم كمّي وصل حدود نهايته في وجوب ألإنتقال النوعي لمرحلة متقدمة..

التساؤل إذن مالفرق بين مسار التاريخ الدائري الذي يعيد نفسه في العود الابدي، وبين التطور التاريخي ديالكتيكيا الذي يقوم على توالي تعاقب الدوائرايضا؟.

افلاطون يفهم التطور التاريخي ثبات دائري من التكرار المستمر لا يتخلله طفرات نوعية تنقل التاريخ من مرحلة الى أخرى متقدمة تتجاوز سابقتها، وهو نفس الاقتباس الذي إستعاره نيتشة بألعود الأبدي. بعكس الفهم المادي الذي كان قال به كيركارد قبل هيجل وفيورباخ وماركس أن الديالكتيك هو طفرات نوعية وليس مسارا خطيّا تراكميا لا ينشأ عنه تغيير نوعي كيفي..علما أن الماركسية تجاوزت الفهم المثالي الهيجلي أن التاريخ يحمل بأحشائه العقل الروحي الذي يقود التاريخ، بينما ترى الماركسية أن إرادة الانسان بالتغيير هي سيدة الموقف كما يقال في قيادة التاريخ.

أن مسار التاريخ الذي يقوم على جدل دائري حلزوني صاعد هو مسار خطّي كونه محكوم بإلزام النقلات النوعية ، التاريخ حسب التحليل المادي يسير خطيّا أفقيا في دوائر تعاقب ديالكتيكية لكن ليس بأسلوب إنعدام الطفرات النوعية فيه. وهذا هو الفرق الجوهري بين مفهوم تعاقب الدوائر في إعادة نفسها على أساس أن ما حدث سيحدث لاحقا في العود الابدي، وبين ديالكتيك الدائرة التي تتخللها الطفرات النوعية الكيفية المتقدمة دوما في ملاحقة التجديد الذي يندثر القديم خلفه. ليستحدث نفسه ثانية في الظاهرة الجديدة التي يحكمها الديالكتيك بقانون نفي النفي لها ايضا.

الحاضر الوهمي للزمان

قلنا افلاطون يفهم الزمان على أنه عود أبدي في التكرار الذي يخلو من التنوع الكيفي في طفرات نوعية، وميزة عبقرية افلاطون رغم إعتماده تعاقب الدوائرزمانيا إلا أنه لم يفهم الزمان مسارا أفقيا خطيّا جرى تقسيمه التحقيبي الى ماض وحاضر ومستقبل من أجل تيسير فهم الزمان كيف يعمل في تعالقه بنظام الطبيعة والاشياء وحركة القمر والارض والكواكب الاخرى. بإرتباطها فيزيائيا بحركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر، وفي تعاقب الليل والنهار والفصول الاربعة وغيرها من أمور.

افلاطون يوضّح فهمه للتحقيب الزماني أن الحاضر هو إفتراض وهمي خارج سلسلة التعاقب الزمني من الماضي الى المستقبل، والحاضر تحقيب مؤقت بضوء ماض متشّكل وجودا لا نفهمه إدراكيا بغير الحاضر ، وبين مستقبل يندغم به الحاضر حتميا ألزاميا زمانيا في بناء ملامح مستقبلي يسعى الانسان حضوره وتحققه. والحاضر الزمني لا يمكننا إدراكه كونه تغيير حركي مؤقت لا يتّسم بالثبات المقارن مع الماضي ولا يمتلك كينونة زمنية إستقلالية تفصله عن المستقبل. لذا إعتبر فلاسفة اليونان الحاضر نقطة ليست زمانية ينتقل عبرها تجسير الماضي الى المستقبل في تجاوز الحاضر كقطوعة زمنية لا نمتلك إدراكها.

من الخطأ بضوء هذا المعنى أن نفهم الحاضر حلقة وصل بين ماض إنتهى وبين مستقبل يتشّكل منهما سوية أي يتشكل من ترابط الماضي مع الحاضر.وبتعبير افلاطون (من الخطأ أن نستعمل الحاضر وصورة ما هو كائن، لما هو متغيّر متحّول من الماضي الى المستقبل)1، فهو يعتبر الحاضر لحظة قصيرة جدا عابرة لذا لا يجب معاملتنا لحظة الحاضر المؤقتة كزمان تجسيري يربط الماضي بالمستقبل وهذه حقيقة لا غبار عليها من جنبة فهمنا الحاضر زمانا وليس تاريخا..

والسبب في غمط الحاضر كتحقيب زماني غير مدرك زمانا رغم حقيقة كونه مدرك موضوعيا فيزيائيا لا يكون بدلالة إدراكه الحسّي المباشر كزمن بل بدلالة تحقيبه تجسير ربط الماضي بالمستقبل كتاريخ. ألحقيقة التي سبق لي تكرارها في أكثر من مقال لي أن الزمان في تحقيبه الارضي كزمان مجرد عن تاريخانيتة الى ماض وحاضر ومستقبل هو حدس يدرك بدلالة غيره من حركة أجسام يحتويها ويتمايز عنها بالمواصفات والكيفية. فنحن ندرك الزمن الماضي بدلالة وقائع ما يحتويه من تاريخ، وندرك المستقبل بدلالة سيرورته التاريخية ألمتشّكلة على الدوام وليس في زمانية مجردة نطلق عليها لفظة مستقبل.

هنا في تداخل بسيط نناقش به افلاطون يعتبر ألحاضر وهما غير موجود زمانا من حيث أن مايفعله الانسان في كل حركة من حركاته هي بنية مستقبل غير منظور وليس حاضرا غير منظور فقط لا يمتلك زمانية سكونية كافيّة لبقائه كي يدركه العقل. وكذلك يصبح ماضيا حين يجري إندغامه كحاضر بالمستقبل. فاللغة مثلا التي يتكلمها الانسان هي لغة مستقبل زمانيّا وليست لغة حاضر غادر زمانيته وأصبحت تعبيرا عن ماض إنتهى لحظة الانتهاء من تعبير الجملة. لذا نجد افلاطون يعبّر عن هذا المعنى (الحاضر لحظة غير معقولة لأنها تفترض البقاء ولو أقصر مدة فيما ليس هي بكائن على الاطلاق)2 بمعنى الحاضر ليس بكائن يدرك زمانا على الإطلاق حسب تعبير افلاطون نصّا. وهنا لا يمكن تخطئة افلاطون بتعبيره هذا كونه يتعامل مع زمان حاضر لا يحتويه تاريخ.

الحاضرالزماني حسب تفسير افلاطون هو لحظة لا يعقلها العقل لتعّذر إدراكها، فهي بقاء مؤقت زائل لذا لا يكون الحاضر كائنا مدركا كمفهوم زماني. ولو أننا تماهينا مع افلاطون مع هذا التصور الزماني الميتافيزيقي الذي يبدو لنا صحيحا منطقيا، سوف نسقط في نفس الإستحالة الإدراكية في فهمنا للماضي، على ضوء فرضية أن الحاضر وهمي غير معقول وكذا نفس الحال مع المستقبل ما يجعل من تحقيب الزمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا محض عشوائية لا معنى لها سوى في إذهاننا فقط ولا تحمل مدلولاتها الادراكية. وهذا التحقيب العشوائي الزماني كقطوعات تحقيبية هي موضع شك لا يمكننا البرهنة المنطقية العقلية عليها. كون هذه السلسلة من التعاقبات الماضي والحاضر والمستقبل جميعها ترجع الى أصل المشكلة أن الزمان ليس موضوعا مدركا للعقل لا بالصفات الانفرادية ولا بالماهية...كما أن الزمان وحدة زمنية واحدة في عدم إدراكنا ماهية الزمن كموضوع مدرك فهو سرمدي أزلي لانهائي.. قطوعات الماضي والحاضر والمستقبل تعبيرات مجازية لزمن مجرد يستحيل إدراكه، لكن ألمدرك الحقيقي لنا اننا ندرك هذه القطوعات الثلاث ليست زمنية بل قطوعات تاريخية فقط  نعيشها في ماضيها وفي حاضرها وفي سيرورة مستقبلها.

العلاقة الادراكية بين الزمان والتاريخ

هل ندرك الزمان بدلالة التاريخ أم العكس ندرك التاريخ بدلالة زمانه؟

 ما يشير عكس هذا الفهم الميتافيزيقي لافلاطون منطقيا أنما نجد الرد عليه في المادية التاريخية، كون الماضي موجود كتحقيب لا يطاله التشكيك بعدم حصوله كتاريخ، من جنبة أخرى نحن من المحال فهم وجودنا في الحاضر من غير إلأستناد على مرجعية الماضي في أسبقيته على الحاضر لتكون أسبقيته حاضرا مندغما في مستقبل  يحتويه لا ندركه تحقيبا واقعيا كونه سيرورة غير منظورة.

الحقيقة المشتركة بين المادية التاريخية والزمن أنها لا تأخذ الزمن كمفهوم تعالجه فلسفيا كما ذهب له افلاطون بل هي تدرس تطور تأريخي يحكمه زمن ولا تدرس زمانا يحكمه تطور تاريخي خطأ. بعبارة ثانية التطور التاريخي المادي لا يعير للزمان كمفهوم تجريدي أي نوع من الاهتمام الذي يعيق دراسة التاريخ كوقائع واحداث جرت وتجري بلا توقف.

ولا ضير أن يكون المستقبل هو توقيت مؤقت لثبات نسبي للزمان، والحاضر في لا معقوليته الوهمية الإدراكية لدى افلاطون صحيحة، من جانب شد الماضي له ومحاولة تذويته فيه، ومن جنبة ثانية شد المستقبل للحاضر في تذويته فيه وإحتوائه له. فلا يبقى للحاضر زمنية آنية مستقلة يمكننا إدراكها ما لم نتمّثل الماضي والمستقبل ذهنيا فقط.

الحقيقة التي نخلص  بها هي أن الحاضر بمقدار وهميته غير المعقولة إدراكيا إلا أننا نعيشه فيزيائيا كتاريخ بمعزل عن زمانية الماضي والمستقبل، لكن ما يبعث على عدم صدقيته الزمانية وأعتباره وهما حسب تعبير افلاطون، هو أن الماضي يسحبه من جهة والمستقبل يخاصره من جهة مقابلة. وإذا نحن عملنا المحال في إسقاطنا الحاضر في إعتباره لحظة زمنية عابرة تصل الماضي بالمستقبل بالإدراك، ومن دون حضور الحاضر كوسيط يتوسطهما، إنما نكون بهذا أعدمنا بأنفسنا قابلية وإمكانية الإستدلال في فهمنا الماضي بدلالة الحاضر، وكذلك إعدام أن يكون للمستقبل حضورا متخّلقا عن الحاضر الذي أعدمناه بترسيخ حقيقة وهميته وآنيته الوقتية الزائلة، وهو صحيح بالمنطق الفلسفي لكنه غير متحقق في التحقيب الزمني تاريخا.الحاضر بمقدار حضوره الوهمي كزمن إلا أن حضوره الدلالي والإستدلالي الفيزيائي كتجسير زمني يتوسط الماضي والمستقبل الذي من غيره لا نفهم كيف نفسّر تحقيب الزمن قطوعات تاريخية بمنطق الفلسفة وليس بمنطق فيزياء الكون علميا. ولو أن التحقيب التاريخي للزمان ماضي وحاضر ومستقبل لا يتوقف العلم عنده في إعتباره من مقومات فهمنا قوانين الطبيعة التي تحكمنا كوجود وكأنسان أرضي. والتشكيك بمعقوليته ألإدراكية يكون مضيعة لجهد لا يتوفر عنه البديل. الحقيقة النهائية التي تجعل هذا التداخل ألإدراكي للزمان معقّدة جدا  في عدم ألإقرار أن الماضي والحاضر والمستقبل تحقيبات زمانية تحمل السكون والحركة في نفس الوقت.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش

1- عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص 55

2- نفسه ص56

 

 

محمود محمد علييعد الحب مشكلة من المشكلات الأساسية التى تؤرق تلك الموجودات التي لم تعد تستطيع أن تحيا إلا علي الحب والكراهية، والعدوان، ويمكن أن نعود بأصوله إلي فلسفة أفلاطون . وقد ترجمت إلي العربية بعض محاوراته بشكل تلخيصي، فنجد الطرح الأفلاطوني لقضية الحب كما ورد في محاورة المأدبة يتضمن الإقرار بثنائية النفس والبدن، فيتسامى المرء من حب المواضيع الحياتية الجمالية إلي حب جمال النفوس ليصل في النهاية إلي حب الجمال ذاته أو "الجمال الخبر" .

وقد عضد الحب الأفلاطوني ما شاع لدي المتأدبين ورواة الشعر بخصوص الحب العذري الذي يتجه فيه الشاعر إلي امرأة واحدة ويعلن حبه لها في مستوي الوصال الروحي، حتي وإن هجرته أو زوجت بغيره . فالحب الأفلاطوني يقف علي مستويين يقابل أحدهما الآخر، الأول يمثل العالم السفلي، وتمثله فينوس الأرضية، ويقابل الآخر العالم العلوي أو العقلي، وتمثله فينوس السماوية . فالحب في المستوي الأول يأتي لتوليد الأجسام لخدمة المجتمع، والثاني لتوليد الأرواح فالتسامي بها نحو الصانع، فأفلاطون يضع علي لسان سقراط أن الحب روح عظيمة تجمع بين الألوهية والإنسانية .

يفهم أفلاطون من كلمة الحب أنه ذلك الإحساس الإنساني الذي يجعلنا ننشد سعادة الغير عندما ننشد سعادتنا نحن، وأنه — أي الحب — هو إحساس التوافق بيننا وبين جميع الكائنات، فنحن حين نحب الجبل والنهر، والفرس والكلب، والشجر والعشب، نمتلئ فضيلة وسعادة معًا وننأى عن الرزيلة والتعس.

ويزيد أفلاطون فيقول: إن الحب لا ينفصل من الطيبة والجمال، وإنه يولد الجمال في الجسم والنفس، وإن الحب يسعى لأن يتعلق بما هو طيب وما هو جميل … وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة فإنه يصبح محبًّا للأشكال الجميلة، ثم يرتقي من ذلك إلى أن يعرف أن الجمال في العقل أكبر شرفًا من الجمال في الصورة الخارجية … وينتهي إلى تأمل الجمال في ذاته.

وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة فإنه سيجد أن طبيعة الجمال رائعة دائمة لا تزيد ولا تنقص ولا تفسد. ثم ينتهي إلى أن الجمال لا يتعلق بشيء ما، لا بالسماء ولا بالأرض وإنما هو شيء مطلق قائم بذاته يحتوي نفسه ولا يحتوي غيره.

ونحن نجد في هذه التعابير — التي مضى عليها أكثر من ألفي سنة تتقلب من مترجم إلى مترجم — فكرة عامة عمَّا أراد أفلاطون؛ فإنه قصد إلى أن يقول إنه إذا غمرتنا عاطفة الحب للأشياء والناس فإننا نجد كل شيء جميلًا، وعندئذ نكون سعداء.

فالحب والجمال والسعادة سلسلة نحتاج إلى حلقاتها الثلاث، ولكن أولها الحب، وقد تلاقت جميع الفرق الصوفية في جميع الأديان شرقًا وغربًا علي هذه الكلمات مع أولوية الحب، كما أن رجال المسيحية قد وجدوا في أفلاطون الفيلسوف الذي يؤيدهم في دعوة الحب.

واعتقاد أفلاطون أن الحب أساس الإحساس بالجمال والسعادة لا يمكن أن يجد معارضًا؛ فإن الشاب الذي يحب فتاة يجد فيها أسمى الجمال كما يجد في معاشرته إياها السعادة القصوى، وكذلك الأم التي تحب طفلها لا تعتقد أن هناك من يفوقه جمالًا بين الأطفال، وأنها لن تجد مثل السعادة التي تلاقيها معه باحتضان غيره.

من خلال هذه النظرة ينفتح ذهننا على أعمق معاني الحب: " الشوق العميق العنيف نحو النصف الآخر المكمل للكيان الموحد " ونظرة التكامل هي من الأسس العميقة للنظرة التطورية المبنية على الصعود المستمر من العدم النسبي إلى الوجود في صيرورة متطورة دوما عن طريق اكمال النقص في كل كائن بالغنى المتوفر لدى الكائن المقابل ضمن النوع الواحد . هذا الشعور العميق بالعوز هو الذي يحرك التجاذب النوعي بين كل عنصرين متكاملين.

وتأتي في ختام الخطبة كلمة سقراط، هادئة، جليلة ومطولة لتكلل هذا البحث الشيق حول الحب: ينقل "سقراط " فكرته في الحب عن نبية يونانية تدعى " ديوثيما " عالمة بشؤون الحب . تقول ديوثيما:" الحب صلة وصل، وسيلة تهدف نحو غاية.. " هذه الغاية هي: " الإثمار في الجمال " . ثم تردف:

" الحب ينتج عن رؤية الجمال.. هو تلك الرؤية بعينها.. هو العاطفة والحرارة اللتان ترافقان تلك الرؤية . ولم يوجد الحب أصلاً إلا لكي يجعل ممكناً وجذاباً ذلك العمل الذي يستجيب به الإنسان لنـزوع طبيعته الالهي الخلاق الذي به يستمر ويحاول أن يخلد، وثمة نوعان من الخصب، جسدي وروحي، وكلاهما بحاجة إلى الجمال لكي يثمرا. فالرجل المخصاب بالجسد يفتش عن امرأة لكي يبني أسرة والرجل المخصاب بالروح يفتش عن شباب لكي يلد فيهم الحكمة . وتؤكد ديوثيما أن النوع الآخر هو أكمل وأنبل أنواع الاثمار أو الخصب .

ذلك المفهوم يبرر لدى " ديوثيما " ما يدعى بالعزوبية المثمرة تلك التي تخرج عن قوقعة الآنا، وتحرم ذاتها من الحياة الزوجية لكي تضاعف في العالم، بالمحبة والعلم والتربية الصالحة، أولاد قلبها وعقلها وروحها .

وللحب فيما يري أفلاطون حافزاً وغاية، وغايته القصوى هي تحقيق الخلود والسعادة، لكن السبل تختلف فالذي يسعي لإكثار ذريته يتوخي بقاء نوعه، فيحب النساء للإنجاب . اما الذين ينشدون معرفة وثقي بالمثل الخادلة فهم يسعون لتخليد أسمائهم . وثمة أصحاب الميول الروحية الذين يخلقون ذرية تحمل نزوعاً للحكمة . والحكمة تتوخي التدبر والتنظيم في كل مناحي الحياة والوعي . " ولعل أعظم وأشرف فرع من فروع الحكمة هو الذي يتناول تنظيم الدولة والأسرة، وهو الاعتدال والعدل" .

وحين يصف أفلاطون الطريق إلي السعادة والخلود، فإنه يتبع جدلية معينة، تأثر بها المتصوفة المسلمين ؛ فأفلاطون يري أن الحب يبدأ بتأمل المظاهر الشاخصة من جمال بشري، ثم يتدرج في المعرفة ليدرك أن مظهر الجمال في شخص ما، له ما يناظره في أشخاص كثيرين . وبذلك يضعف حب الإنسان لأشخاص بعينهم، ويتعلق فؤاده بما هو أرقي من ذلك وهو جمال الروح، ويقدره اكثر من تقديره لجمال الجسد، ثم يتسامى في محبته من نموذج فردي بسيط للجمال إلي محبة الجمال في مثاله الأعلى ومعناه الواسع، وهو الجمال المطلق الثابت الذي لا ينتابه فساد أبدا، بل هو لا يوجد إلا بذاته .

والسؤال الذي نود ان نطرحه الآن هو: هل يصل الإنسان إلي هذا الطور من المعرفة السامية؟ الحق أن أفلاطون يتدرج بنا إلي هذه التربية وهي مرتبة تأمل الجمال المطلق والامتلاء به، علي الرغم من انه شكك في النهاية في امكانية أن يتحقق الخلود  لإنسان قط . فيقول أنه ضد ما يستطيع الإنسان أن يري الجمال المطلق بالملكة، فإنه يستطيع أن يمتثل للخير الأسمى في مسلكه، ويتصل بالحقيقة ذاتها لا بظلها . " وإذا ما جاء الخير وربا، أصبح اهلا لحب الله، ويتحقق له الخلود، إن كان من الممكن أن يظفر آدمي بالخلود".

ويبدو أن ما يطمح إليه أفلاطون هو حفز الناس علي الخير في نطاق الحياة الاجتماعية . وإذ يربط الجمال والحب الإلهي المتمثل بفينوس السماوية، فإنما يريد أن يتسامى الإنسان عن الحب الأرضي المرتبط بفينوس الأرضية لخلق مجتمع متحاب مندفع للفضيلة، ومن أمارات حب الناس للفضيلة الزهد في الثياب الفاخرة، وفي الغلمان والفتيان، وكذلك في الطعام والشراب، وبذلك يكون الحب في نظر أفلاطون من طرف واحد فحسب . والإنسان هو المحب دائماً دون أن يبادله الله المحبة، لأن الله فيما يري أفلاطون هو الحافز علي الكمال والخلود والحق، وهي نفس القيم التي ينشدها الإنسان ولا يطلبها الله لأنها من صفات ذاته في الأصل وتتجلي عنه في مظاهر الوجود الجميل فيعشقها الإنسان، ويتسامي من خلالها .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

.............

1-أفلاطون: محاورة المأدبة، ضمن محاورات أفلاطون..

2-وفاء أحمد سليمان: نظرية الحب عند لسان الدين الخطيب، الاردن، 1989.

3- زكريا إبراهيم: مشكلة الحب، مكتبة مصر .

4-سلامة موسي: مشاعل الطريق للشباب، مكتبة هنداوي، 2012.

 

 

الغايةُ مِن تحليل الأنساق الاجتماعية هي تفسير مصادر المعرفة، التي تكتشف تاريخَ الوَعْي الإنساني، وتُحِيله إلى علاقات وجودية منطقية قائمة على منظومة التَّأسيس والتَّوليد، تأسيس قواعد المنهج الاجتماعي، وتوليد أنساق إبداعية تُوازن بين الشكل والمضمون. والأنساقُ الاجتماعية لَيست كُتلةً جامدةً، أو وِعاءً فلسفيًّا لتجميع الأحداث التاريخية، وإنما هي حَيَوَات مُتكاثرة ومُكثَّفة في بُؤرة إنسانية مركزية شديدة العُمق. وهذه البُؤرة كَبِئر الماء، إذا أردنا معرفةَ عُمقها، ينبغي أن نُلقيَ حجرًا فيها، وننتظر ارتطامه بالماء، والوقتُ الذي يستغرقه الحَجَرُ في الوصول إلى القاع، يُظهِر عُمْقَ البِئر. ومركزيةُ الحَجَر في بِئر الماء، تُشبِه مركزية المعنى الاجتماعي في البؤرة الإنسانية.

2

التشابك في الأنساق يُؤَدِّي إلى التَّعقيد في المعنى، ومُهمةُ الوَعْي الإنساني أن يُكثِّف المعنى اجتماعيًّا، ويَمنعه مِن التَّشَظِّي، ويُحوِّله إلى كيان رمزي تفاعلي ومُتماسك، يَحتضنه الناسُ، ويُشاركون في تفسير مَاهِيَّتِه، وتأويل أبعاده، وتطبيقه على أرض الواقع. وإذا انتقلَ المعنى من الغُموض إلى الوُضوح، ومِن سُطور الكُتب إلى صُدور الناس، ومِن الهُلامية إلى الواقعية، اتَّضحت الأنساقُ التي تتحكَّم بسُلوك الناس، وزالَ التعقيد في معنى حياتهم، وبالتالي تُصبح الأنساق طريقًا للخَلاص الاجتماعي، ويُصبح المعنى رحلةً إلى قلب الحقيقة.

3

بَين الأنساق الاجتماعية والمَعنى الاجتماعي، يُولَد مجتمع جديد لا يَقِف على الحِياد، ولا يتفرَّج على الأحداث، وإنما يَخوض في مفاهيم إنتاج المعرفة، ويُشارك في صناعة الأحداث، والتحكُّم بمسارها. والمجتمعُ الجديد لا يعني تغيير الأشخاص أو تبديل الشعارات، والإنسانُ الجديد لا يعني تغيير الملابس، أو تسريحة الشَّعْر. إنَّ " الجديد " لا يتحقَّق إلا بالتَّجديد، وهذا يَستلزم بالضَّرورة مُساءلة الأفكار الذهنية، واختبار القرارات الواقعية، وتحليل الأحداث الاجتماعية. وإذا اعتادَ الفردُ على طرح الأسئلة أمام المواقف الحياتية المختلفة (متى حدث هذا الموقف؟، كيف حدث؟، لماذا حدث؟)، وبحثَ عن إجابات منطقية مُتسلسلة زمنيًّا ومكانيًّا وفكريًّا، فإنَّه سيجد نَفْسَه معَ مُرور الوقت فَيلسوفًا حقيقيًّا دُون أن يدرس الفلسفةَ. وإذا وَصَلَ إلى هذه المرحلة المُتقدِّمة صار سهلًا عليه دراسة كافَّة الاحتمالات، وفحص المُسلَّمات، وأخذ الدروس والعِبَر مِن التاريخ، والاستفادة من تجارب الآخرين. وكُلَّما سيطرت الأسئلةُ على عقل الفرد المُتحرِّك في أنساق الفِعل الاجتماعي أفقيًّا وعموديًّا، صارَ شديدًا على نَفْسِه، مُتساهلًا مَعَ الناس. وسببُ الشِّدة على النَّفْس، لأنَّ الفرد يَعلَم أخطاءه وخطاياه ونقاط ضَعْفه، ويجب ألا يَرضى عن نَفْسه، لأن الرِّضا عَن النَّفْس يَدفعها إلى الخُمول والغُرور، والحياةُ الحقيقيةُ هي سَعْي دائم نحو الكمال، والفِكرُ الإنساني في صَيرورة مُستمرة لا تهدأ ولا تتوقَّف. والتَّوَقُّف لا يَكون أثناء صُعود الجبل، بَل يَكون عِند الوصول إلى القِمَّة. وهذا التَّوَقُّف مُؤقَّت، يُشبِه استراحةَ المُحارب، ثُمَّ تبدأ رحلةُ البحث عَن قِمَم جديدة، وهذا يعني أن الحياة تجارب دائمة، ومُغامرات مُتواصلة، وأحلام مفتوحة على كُل الاحتمالات. أمَّا سبب التساهل معَ الناس، فيعود إلى كَوْنهم مُختلفين في القُدرات والإمكانيات، ويَخضعون لظُروف مُختلفة، وضُغوط مُتعدِّدة، فينبغي مُساعدتهم، والأخذ بأيديهم إلى بَر الأمان. والعاقلُ يتكبَّر على نَفْسِه كَي يَقهرها، ويتحكَّم برغباتها، ويُعيدها مِن الطريق المسدود، بحثًا عن طريق مفتوح. وفي نَفْس الوقت يتواضع للآخرين، كَي يَكسب ثِقَتَهم، ويُرشدهم إلى الطريق المفتوح، ويَفتح لهم نوافذ الأمل بوجود غَد مُشرق. وعلى الفَرد أن يَزرع الأفكارَ الإبداعية في كُل حقول المعرفة، ولا يسأل عن موعد الحصاد، ولا هُوِيَّة الحاصد. ولَيس شرطًا أن يَكون الزارعُ هو الحاصدَ، ولَيس شرطًا أن يكون واضعُ النظرية أفضلَ مَن يُطبِّقها.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

سامي عبد العال"عندما تريد الثقافة العربية التّملص من وجود الآخر، تحيله إلى مجرد تابعٍ اخلاقي..."

"المفارقة أننا نتحدث عن تسامح بلا تنويرٍ حقيقي مما يجعله مهدداً بالإكراه والصراعات ..."

"يجب أنْ يكون التسامحُ فعلاً إنسانياً حُراً من أجل الإنسان لا غير ..."

تقديم:

يشكِّل التسامحُ إطاراً ضرورياً للحياة الإنسانية، ويسهم في بناء المجتمعات التي قد لا تعي مبادئه وأطره في غالب الأحيان. ولكن ليست كل ضرورة مرغوبةً عن طيب خاطرٍ، بل هي كالدواء نتجرعه عادة للاستشفاء وإلَّا فالموت هو البديل. ولذلك فقد يَغِيْب التسامح (أو بالأحرى يُغَيَّب) استناداً إلى جذور العنف وتاريخه. وفي حال غيابه، يعني أنَّ هناك خلَّلاً بنائياً يعصفُ بتنوع أنماط العيش وتصوراتنا حول الآخر. السؤال إذن: ماذا وراء تَعثُر خطاب التسامح، وما هي جوانبه الغائبة؟ هل بالإمكان تسييس التسامح إزاء ظواهر العنف؟! هل السياسةُ تمسُ شيئاً أصيلاً فيه أم عرضيَّاً؟!

لا تحتاج الإجابةُ إلى مشقةٍ كبيرةٍ، إذ يكاد يتلاشى التسامحُ في المجتمعات الأدنى اهتماماً بالإنسان، بل لن يتميز عندئذ بأيُّ معنى يُذكر. لأنَّ وجودنا المتنوع هو الفضاء الرحب للالتقاء معاً human co-existence. فنحن نتسامح لكوننا أُناساً نستطيع تقديم شيءٍ من وجودنا للآخر. وكلُّ محاولةٍ تُخطيءُ تلك الفكرة ستُسمى بأيِّ عنوان مغايرٍ إلّا أنْ تكوُن تسامُحاً. فقد تصبح هدنةً أو عقدَ صفقةٍ أو تبادلَ مصالحٍ أو تخطيطاً براجماتياً للمستقبل أو إعادةَ ترتيب أولويات الصراع، لكن التسامح (في كل أحواله) سيفترضُ طريقاً مختلفاً عن منطق سلطةٍ ما تُغلِّب فئةً على سواها.

وجُه الإشكال كالتالي: أنَّ الإنسان هو نحن في صورة الآخر باختلاف توجهاته ومعتقداته. وما لم نتطلع إليه على المستوى ذاته، فلن تُوجد غيرُ الكراهية بمسمياتٍ شتى. فهل نتسامح عادةً تحت التهديد، أي تحت الضغوط من سلطةٍ ما؟ إننا كمجتمعات شرقيةٍ نحتاج الالتقاء بالإنسان بما هو كذلك من وراء ركام الأحداث والمذاهب والاصوليات المتطرفة التي استباحت وجودنا الحي. وبخاصة مع تسارع وتيرة العنف الديني وموجاته بفعل تنظيمات الارهاب (الإخوان والقاعدة وداعش والسلفية الجهادية وبوكوحرام والجماعة الاسلامية المقاتلة وجبهة النصرة...). التنظيمات التي دمرت المجتمعات وأحيّت تراث الحروب المقدسة وأشعلَّت الأخيلة الدموية بحثاً عن الثأر التاريخي من أهل الديانات الأخرى!!

الحاصلُ أنَّ التسامحُ يصبح ممكناً فقط عبر دائرة الإنسانية التي تجمعنا والآخرين دون تفرقة. وأنَّ الإنسانية يستحيل اختزالها بأي شكلٍّ من الأشكال، وما نحن إلاَّ وجوهٌ ممكنة لتجلياتها المختلفة. الفرضية الأساسية هكذا: " يغيْب التسامحُ لو اعتمدَ على صور الثقافة العنيفة (أشكال السلطة والقُوى الغالبة والفئات والكيانات العامة والطوائف والمذاهب والجماعات الدينية...). إذ يستحيل للتسامح أنْ يكون مشروطاً بالدين أو حالات فردية أو ايديولوجية أو سياسية أو أخلاقية!!.. وإلَّا لأعادَ تشغيل حالاتَ التعصب والكراهية مرةً ثانيةً.. فكلُّ تسامح ينبغي أنْ يُكون للإنسان كإنسانٍ أو لا يكون من الأساس".

إنَّ أي مخطط للتسامح والمصالحة قائمٌ على أغراض سياسية يعدُّ تسامحاً فاشلاً، وسيكون نوعاً من القمع وإدارة الصراع بأدوات ناعمةٍ soft tools. ولعلَّ التاريخ الدلالي للمصطلح tolerance يثبت كونَّه قد وُلد في سياقٍ صراعي ترك بصمات ثقافيةً عليه حتى اللحظة. وهو ما أدخله حيز الأنظمة السياسية الديكتاتورية، حين تُعلي من نبرات خطاب ديماجوجي demagogue discourse للتسامح (الكلام الاستهلاكيConsumer) لتأكيد قوتها المهيمنة على الشعوب. ولذلك ستكون الثقافات التي يسود فيها عنف السلطة على محك الاختبار. وسيصطدم خطاب التسامح- عاجلاً أم آجلاً- مع الفجوات التاريخية السائدة في علاقات الديانات والاتجاهات السياسية داخل المجتمع.

تسييس المفهوم

لا ينطلق أيُّ تسامح بملء الكلمة من مرجعيةٍ غير إنسانية non-human reference مع أنْ تاريخه قد يخالف مع ذلك. ونحن نعرف أنَّ الثقافتين الغربية والعربية تلحقانه بالدين والأيديولوجيا والأخلاقيات، بحكم نشأته في إطار لاهوتي سياسي كما في القرن السادس عشر والسابع عشر من عصر التنوير الأوروبي، وهذه النشأة تركت بصماتها على مصطلحاته وردود أفعاله حتى اللحظة[1]. والتسامح في دائرة الدين بمجمل أنماطه لا يتكلم إلاّ تعصُباً، بينما في مجال الحقوق والعدالة سينطق تعدداً وتنوعاً. لأننا حين نتسامح، يجب(الاعتراف) الوجودي والحياتي والمصيري والحقوقي بالآخر أيا كان. وحتى عملية التسامح ذاتها حينئذ لن يكون أحدُ أطرافها قابضاً عليه كأنَّه عملية تَفضُل(مَنْ، تكرُم، تنازُل، استعلاء، استقواء..) أو تقرير مصير للآخر( تحديد وجوده، التساهل معه، السماح بحركته، غض الطرف عنه..).

والآن سأتتبع خيطاً دلالياً في التسامح سيكشف طبيعته وملابساته، وكيف يمكن فهمه والتعامل معه تباعاً. في المعجم الغربي عبرت كلمة التسامح  toleranceعن عدة معانٍ[2] وجدت بها هذه الهندسة الدلالية semantic geometry، فالكلمة تعني:

أولاً: القدرة (القوة) على التسامح (والتي قد تستند إلى سلطةٍ ما).

ثانياً: القائم بالتسامح (فئة أو جماعة ما لا أفراد).

ثالثاً: المتسامَح معه (فئة أو جماعة أيضاً).

رابعاً: بالتبعية آثار التسامح (الوضع الكلي للوجود معاً- حدود التسامح).

خامساً وأخيراً: إدارة التسامح (المرجعية، المجتمع، الثقافة):

Capacity to endure pain or hardship: Endurance, Fortitude, Stamina.

أي (القدرة على تحمل الألم أو المشقة: معنى التحمل، القوة، القدرة على التحمل).

وهذا المعنى يعبر عن وجود شيء ضاغط ممكن تحمله أو لا يمكن ذلك، وأنَّ الفاعل ماثل في العملية ضمناً، وأنَّ الطرف القائم بالتسامُح عليه التحمل لأسبابٍ ما. والتحمل يشكل ماهية الفعل برمته، لكونه نوعاً من التجاوز والتسامي رغم المرارة والندم والتناقض في قاع المعنى الحاصل. أي أننا قد نندم على تحمل الآخر ونريد التسامي عن ذلك أيضاً. وهذه بداية الخيط الذي يمتد مع الصراعات الدينية والسياسية المشوبة بهذا التناقض. وكأنَّ الخيط يقول عليك ألَّا تنسى ما حدث لك ولكن عليك التحمل أيضاً أو يا ليت لديك القوة للتحمل. وهذا مع بنية الثقافة يعني: أن هناك عنفاً كبيراً كان مقدمةً لقيام التسامح بل لنجاحه لاحقاً. ومن ثم سيكون التسامحُ قائماً على تناقض بنيوي سرعان ما يتأجج لو أتيحت له الظروف التاريخية والثقافية. مثل أحداث التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تحدث في التاريخ السياسي للمجتمعات غير الناضحة إنسانياً. ورغم التسامح إلاَّ أن القائم به يظل شاعراً بالمرارة والخيبة أحياناً مع الذاكرة الجمعية (مثل أحداث العنف الدموي بين التوتسي والهوتو في رواندا).

Sympathy or indulgence for beliefs or practices differing from or conflicting with one's own.

(التعاطف أو التساهل مع معتقدات أو ممارسات تختلف عن معتقدات الفرد أو تتعارض معها)

ينطلق المعنى من مركزيةٍ ما تعاطفاً مع الآخر كنوع من التقارُب والتفضُل. وأما التعاطف فيطرح بالمثل فكرة من يبادر بالتسامح، ولا سيما بصدد دلالة التساهل التي تعنى غضَّ الطرف إزاء المختلف اعتقاداً وحياةً. والتساهل ينضحُ بما في جوف الكلمة من أن المُتسامِح يستطيع عدم التسامح بالمثل، لكنه تساهل إزاء الطرف الآخر. والسؤال يبقى شاغراً: لماذا يتساهل هذا الانسان؟ وما الذي يدفعه لذلك الهدف؟ وهل التساهل يبقى محتفظاً بإقصاءٍ من نوع ما؟  وهل التساهل نتيجة غفلة( دون قصد) أم بشكل مقصود أم رغماً عن أنفه؟ وتلك الأسئلة تفتح باباً خلفياً للتوظيف السياسي والأيديولوجي. وهو الباب نفسه الذي تتسلل منه الكراهية وإثارة الفتن والقلاقل في تاريخ الديانات.

The Act of allowing something: Toleration

(فعل السماح بشيء).

وهو فعل (سَمَحَ) كفعل مبذول على نحو مستمرٍ، حيث يعبر عن السماح بشيء ما، أي يجمع دلالة التغاضي عن التشدد والمنع وكذلك المرونة إزاء المختلف. يبدو أن تركيب المعنى سياسياً يلقى قبولاً لدى منظري السياسة المعاصرين الذين يوافقون على هذا المعنى بخلاف المعاني الأخرى، لأنَّه غير مشروط ولا منحاز سلفاً كأنه القاعدة لكل تسامح. لكن المعنى يضمر وجود الفاعل، أي من هذاwho is this الذي يستطيع السماح بالشيء المقصود. وربما يتعثر المعنى هنا حين ندقق في من يسمح ومن لا يسمح وإمكانية أنْ توجد سياسات خلف هذا الفعل.

The Allowable deviation from a standard especially: the range of variation permitted in maintaining a specified dimension in machining a piece.

أي:(الانحراف المسموح به عن المعيار خاصة: ولاسيما في الأشياء المادية يظهر مدى التباين المسموح  للتغير عن النموذج الموضوع).

هذا المعنى من أكثر المعاني نقلاً للعنف، ويؤكد وجود معايير صارمة للتسامح، وليست الصرامة عملاً عرضياً، لكنها تأتي على نحوٍ جوهري وأنَّ المعايير لا تجري كمعايير عامةٍ سياسية أو اجتماعية إلاَّ بمقدار وجود انحرافات تثبتها وتؤكدها. بمعنى أنَّ الانحراف ليس خرقاً للمعيار أو للثقافة السائدة، لكنه يدعمها ويدفع باتجاهها. وفي حالة التسامح سيأتي ضيقاً وتحت عين المعايير التي قد يحددها المجال العام طالما تسود ثقافة القمع والاقصاء. والتسامح هو الاستثناء وغير القابل للاحتمال إلاَّ عرضاً، وهو الحدث الشاذ وغير الممكن دون إمكانية المعيار ذاته. وهذا يظهر في الأيديولوجيات الدينية والسياسية حين تضع شروطاً للتسامح مع الأقليات والطوائف.

The Capacity of the body to endure or become less responsive to a substance (such as a drug) or a physiological insult especially with repeated use or exposure developed a tolerance to painkillers also.

(تأتي الكلمة بمعنى قدرة الجسم على التحمل أو أن يصبح أقل استجابة لمادة (مثل عقار) أو عملية فسيولوجية خاصة مع الاستخدام المتكرر أو التعرض المتطور، قدرته على تحمل المسكنات أيضاً)

ورغم الاشارة الطبية الواردة بالنسبة للجسم، غير أنَّ معنى التسامح البعيد أن الجسم الاجتماعي social body يُقاس بدرجات تحمل الآخر المختلف، وبدرجات التنوع العرقي والثقافي والديني الحاصل عبر مستوياته التاريخية. لأنَّ أي جسم اجتماعي بمعناه الرمزي يحتاجُ إلى وجود مساحات من الحرية والحركة كي يحافظ على حيويته الثقافية التي تحقق تاريخاً ما. وأمَّا في الوقت الذي تتقلص تلك المساحات وتضيق لحد الاختناق، ستكون درجة تحمُل الجسم الرمزي ضعيفةً، ولا سيما أنَّ العنف شيء جوهري في الأبنية الثقافية والسياسية للمجتمعات. لكن تكريسها قد يؤدي إلى انفجار كامل البناء وإلى وجود ثغرات غير محتملة في أشكال من الصراع والحروب والعدوانية.

وهذا ما دعى فيلسوفاً مثل فلاديمير جانكلفيتش   Jankélévitchللتساؤل تحت عنوان دال إزاء مرتكبي الجرائم ضد الانسانية "هل يجب أن نصفح عنهم؟ ليجيب كالتالي: أنَّ الجرائم ضد الانسانية غير قابلة للتقادم imprescriptible, وأنه لا يمكن تجاوزها بسهولة مع الزمن ولا يمكن أن تسقط العقوبات ضد مرتكبيها[3]. أي هي جرائم يصعُب على الجسم الاجتماعي أن يتحملها أخلاقياً، لأن التزامنا بحدود الإنسانية لم يستوعب الأضرار الجسيمة بها.

Relative capacity of an organism to grow or thrive when subjected to an unfavourable environmental factor.

(القدرة النسبية للكائن الحي على النمو أو الازدهار عندما يتعرض لعوامل بيئية غير مواتية)

دوماً هناك قضية أهمية تطور التسامح إلى اشكال من الاعتراف والعدالة والحرية والمساواة. وتلك مفاهيم قد تكون غريبة على المجتمعات ذات الأطر الدينية والعرقية والأيديولوجية كالمجتمع العربي، لكن التطور غدا سريعاً في شكل الدولة الليبرالية حيث الاعتراف الحقوقي العادل بكل حيوات الآخر. والتسامح لا ينفصل بحال عن عوامل القصور والكبح في هذه المجتمعات. ولذلك هو مشكلة تتطلب معالجات من جنس العنف نفسه، أي ينبغي أنْ يكون تسامحاً عميقاً على المستوى ذاته من تكوين الكراهية والعنف. وأية معالجة تستند إلى مظاهر التسطيح واللقاءات السياسية لن تجدي في هذا الشأن.

في الثقافة العربية، تتحدد معاني التسامح بدلالات بيئية عنيفة تاريخياً ولغوياً، فلم يكن التسامح معروفاً في مجتمعات العرب، وتكاد معانيه تنقل جذور الكراهية التي هي جزء من البنية التاريخية للوعي بالحياة. أبرز قول شعري يعبر عن ذلك ورد ضمن معلقة عمرو بن كلثوم:

ألاَ لا يجهلَّن أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِّ الجاهلين

ونشرب إنْ وردنا الماءَ صفْواً ... ويشربُ غيرُنا كدراً وطيناً

وإذا بلغَ الفطامَ لنا وليدُ ... تخرُ الجبابرَ له ساجدينا[4]

والشعر ليس فقط ديوان العرب، لكنه يمثل شفرات لجينات ثقافية ترسم تحولات الوعي من عصرٍ إلى آخر، لأنَّ إيقاع المفاهيم يأتي إلى ذاكرة العرب بلاغياً، وهذا يضيف للمفاهيم رصيداً من المراوغة والفوضى أثناء الاستعمال. مما جعل الوهم مضروباً في كل كلمات الخطاب العام سواء أكان سياسياً أم دينياً. ورد في العربية[5]: تسامحَ القومُ( لم يقل المواطن، الفرد ): إذا تساهلوا-  بذلوا التساهل، ومنه التسامح في الحق-وهناك التسامح في اللفظ: أي استعمال اللفظ في غير حقيقته اعتماداً على ظهور المعنى المراد دون مراعاة الدقة. وعليه يأتي التسامح بعدة معانٍ لم تكن ناضجةً في تاريخها الثقافي:

فعل الجود: "السَّماحُ والسَّماحةُ، سَمُحَ سَماحَةً أي جَادَ، يقال سَمَحَ وأَسْمَحَ إِذا أَعطى عن كَرَمٍ وسَخاءٍ". وكأنَّ السماح بشيء ما هو من قبيل التفضُل الذي يمتن به شخص على آخر، من قبيل اللياقة الاخلاقية. والثقافة هنا تخلع نفسها من الالتزام بحيوية الآخر لقاء معنى عرضي ليس إلاَّ نوعاً من الضيافة المؤقتة. والجُود نتيجة رأسمال رمزي symbolic capital عبارة عن القوة الاجتماعية والاقتصادية للفرد أو القبيلة. لأن دلالة الاقتصاد تجعل التسامح انفاقاً محسوباً لوضع المردود بشكل اجتماعي.

إذن سيكون التسامح غير ملزم إنسانياً في كل الأحوال، إنه عندئذ استثناء بمنطق ضيافي ليس أكثر. أي أنَّ الجُود يحيل المعنى إلى سلوك شخصي، لأنَّ الثقافة العربية تقوم على فكرة البطولة والخرافة والأساطير والنبوءة الفردية سواء أكانت بشكل مقلوب هو السلطة أم تعلقاً بالشخص الملهم والمخلِّص (النبي- فارس القبيلة- المهدي المنتظر). وبالتالي سيتحول الجود والتسامي إلى نوعٍ من الإقصاء والتسلط والتضخم الفردي في مقابل تدنى حال المتسامَح معه. فمآثر الجُود والكرم تبقى ضمن السرديات الاجتماعية تمجيداً للقائم به (مثلاً كحاتم الطائي). عندئذ سيكون موضوعاً للذاكرة والتندر مقابل اهمال الآخرين.

طيب المعشر: "رجلٌ سَمْحٌ وامرأة سَمْحة وقيل رجل سَمِيحٌ ومِسْماحٌ، أي طيب الحال لدى من يعيش معه". وتصبح عملية التسامح وصفاً لفعل خاصٍ، نوعاً من العاطفة التي لا تمس مفاهيم التسامح بمعناه الاجتماعي ولا السياسي. ودوماً التسامح لن يكون حياة خاصة لكونه أحد قواعد المجال العام، كما أن جميع مفاهيم الدولة الحديثة قائمة عليه باعتباره جانباً إنسانياً. ونظراً لكون الثقافة العربية لا تعترف بالآخر الحر حرية حقوقية، فإنها تحيل التسامح إلى مجرد وصفات أخلاقية وعاطفية. إنَّ نبرة الإفراد تفتت المسؤولية الجمعية المتبادلة بين عناصر المجتمع، فالأقليات والطوائف والديانات الأخرى لا تجد اعترافاً حقوقياً بوجودها ومصيرها مثل الديانة السائدة.

دلالة دينية: وفي الحديث القدسي" يقول الله عز وجل أَسْمِحُوا لعبدي كإِسماحه إِلى عبادي". وهذا المعنى سيصب لصالح المؤمنين بالديانة الغالبة فقط، لسبب بسيط أن التسامح سيكون إيماناً أو جزءاً منه. وفي حالة كهذه لن يخضع لمقاييس إنسانية وسيتوهم أصحاب الإيمان أنهم يمتلكون مصادر التسامح بينما قد يستحق سواهم بعضاً منه فقط. وهذا الأمر سينشئ سلطة للقائم بالتسامُح من لا شيء ويجعل الطرف الثاني أدنى مرتبة. وسيظل التسامح معوَّقاً كأنه يمشي على رجل واحدة أو كسيحاً حيث يبقى قعيد الإيديولوجيا الدينية. وعلى المدى البعيد سيُرسِّخ فكرة احادية المعتقد إزاء الديانات الأخرى( حيث التصنيف والتأرجح بين التسامح والإكراهcoercion إزاء الجماعات الدينية غير المسلمة non-muslim religious communities اليهود والنصارى والمجوس[6]). وبالتالي ستظهر فقط الفئة المؤمنة الواحدة، وقد يمثل مدخلاً للتحارب باسم الاله بين الملل والنحل بالتعبير التراثي.

الانقياد والمتابعة: " أَسْمَحَ فلانٌ.. فإِنما يقال في المتابعة والانقياد ويقال أَسْمَحَتْ نَفْسُه إِذا انقادت". والمعنى هنا دال على الخضوع والرضوخ لأصحاب سلطة التسامح إجمالاً، وهذا من أبرز سمات المجال العام في الثقافة العربية. فأصحاب السلطة يرسلون إشارات إلى أن التسامح مقابل الرضوخ والانقياد. والتسامح يأتي بمبدأ غض الطرف عما يحدث، أي يقول أصحاب الأغلبية سنتساهل معكم مقابل السير في ركابنا وألَّا يحدث هناك رفض لما نريد منكم وأنْ ترغموا لما نقول حتى وإن كنتم رافضين له. وأغلب الأقليات والطوائف وأصحاب الديانات الأقل عدداً في الشرق العربي والاسلامي تطرح عليهم هذه الصفقة بلا مقابل ولا توجد أمامهم أية خيارات سوى الصمت!!

المُساهَلة والسهولة:" وتَسامحوا تَساهَلوا وفي الحديث المشهور السَّماحُ رَباحٌ... أَي المُساهلة في الأَشياء تُرْبِحُ صاحبَها وسَمَحَ وتَسَمَّحَ فَعَلَ شيئاً فَسَهَّل فيه". هذا يحيلنا إلى التساؤل حول من بيده المساهلة، بل يؤكد على وجود طرف يتساهل مع طرف آخر. وكما أنَّه يستطيع ذلك سيظل بإمكانه ممارسة الشدة غير المحكومة بضوابط إنسانية. وربما هذا ما يسمى دورات العنف التي تجتاح المجتمعات الشرقية من حين لآخر. إذ يعتقد الغالبون بالأيديولوجيات الدينية أنَّهم قابضون على زمام الأمر والنهي وأنَّهم حين يحكمون الدول يمارسون العنف من حينهم. وأن خطاب التسامح مجرد وقود براجماتي زلق وصولاً لكسب المراحل.

ضد الضيق والشدة: "قيل اسْمَحْ يُسْمَحْ بك وقولهم الحَنِيفِيَّة السَّمْحة ليس فيها ضيق ولا شدة". ويظل المعنى هنا مبرراً بحسب اعتقاد ومعيار داخل الموصوف بالتسامح، بينما الصحيح أن فعل التسامح يجب ممارسته بناء على معايير موضوعية وغير ذاتية. لأنه يخص المجال العام بما هو كذلك، وفكرتا الضيق والشدة تفترضان سؤالاً حول من يمسك بتلابيب التسامح، ولماذا يكون ضد الشدة، وهل هناك حدود له أم لا؟

الترويض والتذليل: "وأَسْمَحَت الدابة بعد استصعاب لانت وانقادت، يقال سَمَّحَ البعير بعد صُعوبته إِذا ذلَّ، ويقال أَسْمَحَتْ قَرِينتُه إِذا ذلَّ واستقام وسَمَحَتِ الناقة إِذا انقادت فأَسرعت". والقول هنا أنه التسامح أحد أليات الهيمنة على الطرف المسامح معه. لكون التسامح نوع من التدرب الثقافي على الاكتفاء بالأمر الواقع، أي معادلة براجماتية كالتالي: سأُعطي لك فرصةَ العيش نظير أنْ تروض قوى التمرد لديك، وأنْ تكتفي بما هو قائم ولا تثور وأن تعيش كما يعيش الآخرون وحسب. وذلك حدث مع جماعة الإخوان حين سمحت لها الأنظمة الحاكمة بالتواجد في الخريطة السياسية مقابل أنْ تؤيد رأس النظام وتصبح جزءاً من عجلته الدائرة في مناحي الحياة العامة. لكنها مع أقرب فرصة قضمت النظام وحلت محلة شعبياً ولم تنتظر إلاَّ سقوطه.

التثقيف والصقل:" وتَسْمِيح الرُّمْحِ تَثْقِيفُه وقوس سَمْحَةٌ أي قوية. التَّسْميح السُّرعة قال سَمَّحَ واجْتابَ بلاداً وقيل التَّسْمِيحُ السير السهل وقيل سَمَّحَ هَرَب". والفحوى هنا أن التسامح جزء من بنية ثقافية تمثل التكرار والغلبة حتى يفقد الناس قدرات التميز والأصالة. ويلتقي التسامح مع التهذيب والصقل بأمر متعال دينياً وسلطوياً. وبالتاريخ سيكون التسامح نوعاً من الهيمنة التي تتحول إلى سلطة قامعةٍ لكل ما عداها كحال الثقافة التي تنطوي على انياب التسلط والقهر، ويصبح هذا المعنى بارزاً بخاصة في انظمة سياسية تنشغل طوال حكمها بتدجين الشعوب وتعويدها على التذلل والخنوع. أو كما يرى هربرت ماركيوز Herbert Marcuseأن التسامح بهذا المعنى ليس أكثر من حالة من "حالات اللامبالاة" التي يمكنها أن تؤدي إلى التواطؤ مع السلطة.

المعاني السابقة لم تأتِ اعتباطاً، لكنها أظهرت جوانب مسيّسة ذات طابع توظيفي للتسامح. لأنه مفهوم يتحرك في فضاء تاريخي لا يخرج منه، بحكم أنَّ لكل مفهوم فلسفي طاقةً لإعادة انتاج المعنى الذي تشبع به. في هذا الصدد، يؤكد جيل دولوز " أن المفاهيم هي مراكز اهتزازاتvibrations، كل مفهوم موجود في حد ذاته وكذلك موجود بالنسبة لجميع المفاهيم الأخرى. وهذا هو السبب في أنها جميعاً مفاهيم تردد صدى الكل أكثر من الترابط أو التوافق مع بعضها البعض. فلا يُوجد سببٌ لترابط المفاهيم وتماسكها"[7].

هكذا نظر جون لوك إلى التسامح على أساسٍ لاهوتي  theological foundationقولاً وتبريراً وتحولا كذلك[8]، إذ يرى أنَّ التسامح يعنى انعدام أيَّة هيمنةٍ قد يمارسها الفردُ على الآخر، وبحكم الصراع الديني يأتي التعريف بالسلب لا بالإيجاب: فليس لأي إنسان أدنى سلطة في أنْ يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أنْ يؤمن به أو ما يفعله لأجل النجاة، لأنَّ المسألة شأن شخصي ولا يخص أي إنسان آخر. إن الله لم يمنح السلطة لأي إنسان أو جماعةٍ ولا يمكن لأي إنسان أن يعطيها لإنسان فوقه إطلاقاً، كما لا يبدو أنَّ الله قد أعطى هذه السلطة لإنسان على آخر لإجبار أحد على دينه. ولا يمكن حتى منح أي سلطة من هذا القبيل إلى القاضي  magistrate بموافقة الشعب، لأنه لا يمكن لأي شخص حتى الآن التخلي عن رعاية خلاصه salvation بشكل أعمى تاركاً الاختيار لأي شخص آخر، سواء أكان أميراً أم سواه، ليصف له أي إيمان أو عبادة يعتنقها. فلا أحد يستطيع، إذا أراد، أن يطابق إيمانه مع إملاءات  dictates الآخرين مدى الحياة[9].

تتألف قوة الدين الحقيقي عند لوك من الإقناع الداخلي والكامل للعقل، والإيمان ليس إيماناً خارجياً بحال لكونه لا يخضع لأية سلطة كما أسلف القول، من ثمَّ أقر مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة بمعناها الكهنوتي وأحل القانون المدني محل القوى الميتافيزيقية لاهوتاً وطبيعةً[10]. وحتى الكنيسة يراها لوك مجتمعاً حراً free society  لرجال تطوعوا لعبادة علنية لله بالطريقة التي يرونها مقبولة لديه، وهي وسيلة لخلاص أرواحهم salvation of their souls ليست أكثر[11].

ونتيجة مناقشة التسامح رجوعاً إلى اللاهوت، رأى لوك أنَّ الكنيسة غير ملزمة بالتسامح مع أي فرد لأجل البقاء في دائرتها، وبخاصة أن الاساءة إلى الكنيسة هي اساءة إلى القوانين الاجتماعية، وأن خروجاً عليها معناه تفكُّك قوانين المجتمع بالتبعية. إنه لا ينبغي التسامح مع الملحدين  atheists باعتبارهم خطراً على المجتمع ونظام الأخلاقيات ولم يتسامح مع معارضي نظام الدولة وأيديولوجيتها. واعتبر أن الايمان الديني هو مبدأ اليقين في القوانين الطبيعية التي يتأسس عليها العقد الاجتماعي[12].

كذلك طرح فولتير Voltaireفكرة التسامح واقترب كثيراً من المفهوم المعاصر له، بوصفه مفهوماً حقوقياً وقانونياً، إذ وضعه في صيغة المبدأ الطبيعي وكأساسٍ للقول بحقوق واجبة للإنسان. واعتبر التسامح قاعدة بناء المجتمعات والدول، وذلك مثلما يقول فولتير: كلنا ضعفاء وميالون لقانون الطبيعة، والمبدأ الأول الطبيعة هو التنوع والتباين وهذا يؤسس للتعددية في مجال الحياة الإنسانية، وقبول هذا التنوع حق أساسي للوجود. وعندما نتسامح نحن نطبق ما جبلنا عليه وعشنا وفقاً له بحسب اختلافات الإنسان وامتداداتها السياسية والاجتماعية. ومن تلك الجهة لم يؤد التسامح ولو مرة في التاريخ إلى حرب أهليةcivil war[13]. واعتمد فولتير على العقل كأساس لقبول الآخر، فالعقل إنسانيُ الطابع ويعودنا على السخاء ويقمع الفتنة في مهدها بالتفكير الهادئ والرصين ويجعل طاعة القوانين أكثر جاذبيةً من القوة التي تحقق وجودها[14]. هكذا يجب أنْ يستند القانون الإنساني في كل حالةٍ إلى القانون الطبيعي. في جميع انحاء الارض المبدأ العظيم لكليهما هو: لا تفعل للآخرين ما تشاء ولا يجب أنْ يفعلونه لك كما تريد أنت. الآن، وفقًا لهذا المبدأ، لا يمكن لرجل أن يقول للآخر: " عليك أن تؤمن بما أؤمن به، وبما لا أمن به، أو ستموت"[15]. “Believe what I believe, and what thou canst not believe, or thou shalt perish“

لكن فولتير- رغم العقلانية- قد وضع حدوداً سياسيةً للتسامح بالمثل وفقاً لدين الدولة، فمعارضو دين الدولة ليسوا لهم الحق في التسامح!! وحصر الوظائف العامة والمراتب الرفيعة للحكم في من يؤمن بمعتقدات الدولة. الخطورة في ضوء هذه الفكرة: أنَّ الأنظمة الحاكمة كانت تفرز أية جماعات وأية ممارسات ستكون موضع اضطهاد وأياً منها ستتسامح معه!! ففي تاريخ الأنظمة السياسية أُثيرت تساؤلات حول الأسلوب الذي ستنتهجه السلطة مع بعض الممارسات أو المعتقدات المعارضة لها، هل ستتسامح معها حقاً أم تضطهدها بشدةٍ، وإلى أي مدى؟ وبالمثل، في بعض الأحيان كان الحُكام يقومون بتوسيع حدود التسامح لكي يشمل الأقليات الدينية وفي أحيان أخرى يضيقون المجال إذا كانت أقليات متعصبةً.

والمسألة تثار حالياً إزاء المتعصبين وأصحاب أحداث العنف في المجتمعات الديمقراطية. يعتبرها مايكل والزر Walzer أخطر مسألة وأكثرها صعوبة في أية نظرية للتسامح: هل ينبغي علينا التسامح مع غير المتسامح؟ Should we tolerate the intolerant، ذاهباً إلى أنها- مع ذلك- مسألة نسبية بحسب النظام الديمقراطي الذي تكفل قوانينه تحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين، وأن تبادل التعصب والكراهية سيقلص مساحة الاندماج وتفعيل الدساتير والحريات والحقوق العامة[16]. بالمقابل وتأثُراً بسياسات المفهوم، أكد كارل بوبرpopper  في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه" على رفض التسامح مع المتعصبين موضحاً أن هناك حدودًا للتسامح. فالسؤال الذي يطرح نفسه من وجهة نظر بوبر: هل ينبغي لمجتمعٍ قائم على التسامح أن يجيز فكرة التعصب؟ وماذا لو أن التسامح عن الفعل المناوئ للنظام سيخلخل المجتمع؟[17]

في هذه الحالة، ربما يؤدي التسامح إزاء الفعل المناوئ إلى أفكار عنيفة تجاه مؤسسات المجتمع. وطبعاً من الصعوبة بمكان توضيح هذه الجوانب: فالمجتمعات لا تتفق تماماً على التفاصيل، كما أنَّ الأطياف المختلفة في المجتمع الواحد قد تفشل في الاجتماع على توجُه واحد. وهنا تظهر مسألة حدود التسامح في المجتمعات متنوعة الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف على أساس مدني علماني secular civil[18]. ومن ثمَّ فالأمر لا ينفصل عن تبرير التسامح بالنسبة للدولة الحديثة التي تؤسس لمجالها العام، والتبريرات تطورت من لوك وروسو مروراً بالديمقراطية المعاصرة وصولاً إلا الدولة الليبرالية وما بعد الليبرالية[19].

هكذا بخلاف التفكير الكلاسيكي الأخلاقي حول قضايا التسامح، عملت النظريات الراهنة على تدعيم أبعاد التسامح القانونية، أي التسامح كقيمة حقوقية، وبأنه آلية عقلية أو بوصفه نسقاً من القيم الإنسانية أو نوعاً من الفعاليات الثقافية الممكنة. حيث يستخدم التسامح في السياقات الاجتماعية لوصف مواقف واتجاهات تتسم بالطابع الإنساني أو الاحترام الضافي لأفراد مضطهدين اجتماعياً.

 

سامي عبد العال

......................

[1] -Ole Peter Grell and Roy Porter ( Editors), Toleration in Enlightenment Europe, Cambridge University Press, New York, 2000, PP 1- 22.

[2]- المعاني الواردة في النص باللغة الانجليزية مأخوذة من:

-  قاموس: ( Merriam-webster dictionary )On this link:

 https://www.merriam-webster.com/dictionary/tolerance

ويكيبيديا بالإنجليزية English wikipedia:

On this link: https://en.wikipedia.org/wiki/Tolerance

قاموس كامبردج Cambridge dictionary الالكتروني:

On this link:

https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/tolerance

[3] - Vladimir Jankélévitch,  "Should We Pardon Them?! " Translated by Ann Hobart, Critical Inquiry, Volume 22,(Number 23, Spring 1996), the University of Chicago Press 1996, PP 556 - 557.

[4]- ثلاث أبيات من معلقة شعرية طويلة، لكنها معبرة عن رؤى العالم والحياة في الثقافة العربية:

عمر بن كلثوم، ديوان عمرو بن كلثوم، جمعه وحققه وعلق عليه إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1991، ص ص 78- 91.

[5]-  كل المعاني العربية المذكورة في نقاط  (بين تنصيصين) مأخوذة من المعاجم التالية:

- ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، مادة( سَمَحَ )، تحقيق نخبة من الأساتذة، دار المعارف- القاهرة، د. ت، ص 2088.

- مجد الدين الفيروز آبادي، القاموس المحيطـ (حرف السين)، تحقيق وتنقيح وتعليق أبو الوفا نصر المصري، مراجعة أنس محمد الشافعي و زكريا جابر أحمد،  دار الحديث- القاهرة 2008، ص 799.

[6]- Yohanan Friedmann, Tolerance and Coercion in Islam, Interfaith Relations in the Muslim Tradition, Cambridge University Press, New York ,2003, P54.

[7]- Gilles Deleuze and Felix Guattari, What Is Philosophy? Translated by Hugh Tomlinson and Graham Burchell, European Perspectives: A Series in Social Thought and Cultural Criticism Lawrence D. Kritzman ( Editor), Columbia University Press New York, 1 994, P 23.

[8]- Owen Dennis Yeates, Tolerating on Faith: Locke, Williams, and The Origins of Political Toleration, Duke University Press, North Carolina, 2007,  P191.

[9]- John Locke, A Letter Concerning Toleration, In: The Complete Works of John Locke, Delphi Classics(Version 1) 2017, P 613.

[10] -Ibid, P 614.

[11]- Ibid, P 615.

[12] - John Locke, A Letter Concerning Toleration, P 618.

[13]- Voltaire, Toleration and Other Essays, (Great Minds Series),Translated, with an Introduction, by Joseph McCabe, New York: G.P. Putnam’s Sons, 1912, P 24.

[14]- Ibid, P26.

[15]-Ibid, P 27.

[16]-Michael Walzer, On Toleration: Castle Lectures in Ethics, Politics, and Economics, Yale University Press Yale University Press, 1997,P 80.

[17] - Karl Popper, The Open Society and Its Enemies, With a preface by Václav Havel, Routledge & Kegan Paul, London and New York, 2011,P443.

[18] - C. S. Adcock, The Limits The Limits of Tolerance, Indian Secularism and the Politics of Religious Freedom, Oxford University Press, Oxford New York,  2014, PP 167- 173.

[19]-Susan Mendus (Editor), Justifying Toleration, Conceptual and Historical Perspectives, Cambridge University Press, New York, 1988.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: جرى إحتدام شديد بين كلا من ديكارت وجون لوك وجورج بيركلي حول حقيقة الإدراك للواقع المادي هل هو إدراك تطابقي تام حقيقي في التعبير التجريدي عن الأشياء في وجودها الواقعي، أم أن ألإدراك التجريدي لا يتعدّى أن يكون الصورة ألفوتوغرافية ألمستنسخة فكريا عن الشيء المادي ألموجود المدرك في صورته الخارجية، وهذه الصورة من الإدراك تمّثّل الزيف الإدراكي في عدم نقله المدرك الواقعي الشيئي في تمام حقيقته الموجودية كما هي في الواقع وعالم الاشياء.

هذه الإشكالية تشبه الى حد بعيد تداخل إدراك ألشيء مع تعبير اللغة عن ألشيء الموجود حيث يكون متعذّرا علينا ترجيح مصداقية الإدراك الحسّي للشيء كحقيقة تامة على مصداقية التعبير اللغوي الناقص عنه وأيهما أكثر صوابا من الأخرى؟.

ومن الفلاسفة إعتبر الإدراك ألقائم على أي نوع من التعبير اللغوي التجريدي ألمتداخل مع تجريد اللغة الذي يجرى فيه التعبير عن الأشياء في وجودها المستقل بعالم الادراك الخارجي هو في حقيقته تعبير لغوي تجريدي يحمل ألأصل والصورة ألإدراكية في وحدة متداخلة ولا يمكن التفريق بين زيف الإدراك عن أصالة الادراك الحقيقية وتبنّى هذا الطرح كلا من ديكارت وجون لوك.

من الملاحظ أن الإختلاف بهذه القضّية الفلسفية لا يدور حول الإختلاف الفلسفي بين الوجود بذاته في إدراك ألجوهر، الذي يعبّر عنه أحيانا في عدم إمكانية إدراك الجوهر المحتجب خلف الصفات الخارجية. فذاك موضوع خلافي فلسفي آخر يختلف عما تتناوله هذه المقالة عن حقيقة أو زيف ألمدرك في وجوده ألواقعي كينونة صفاتية مدركة واحدة كما هي موجود خارجي في صفاته الأولية المباشرة.

الإشكالية الفلسفية الإدراكية

نتساءل ما هو جديد بيركلي حول الإدراك؟ بيركلي على العكس من ديكارت وجون لوك اللذين يعتبرهما خاطئين في إعتبارهما الفكرة ألمجردة الادراكية عن الموضوع في حقيقته ألواقعية لا تختلف عن حقيقة المدرك كما هو في الوجود، وأثارا إشكالا مهمّا، هو كيف يمكن للأفكار أن تتطابق بصورة صحيحة مع وجود موضوعات العالم الخارجي التي هي ليست أفكارا بل هي تصوّرات ذهنية لمدركات مادية مستقلة منفصلة في وجودها؟ وقد إتخذ بيركلي منهما موقفا مضادا سمّي بالثنائية الأبستمولوجية وليس الواحدية الأبستمولوجية التي قال بها كلا من ديكارت ولوك، التي مفادها (أننا ندرك الموضوع ألواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع،)1 بخلاف بيركلي صاحب نظرية الثنائية الابستمولوجية التي تذهب الى أننا ندرك الافكار عن الشيء ولا ندرك حقيقة الشيء المادي في وجوده الخارجي. كما وجد ديكارت وجون لوك أن بيركلي كان مخطئا في إعتباره الموضوع فكرة ذهنية في حين أن الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة مادية ليست ذهنية بمعنى الذهن يخلق وجودها الواقعي بالفكر كما يروّج له بيركلي.، (بل يعني أن الموضوع ليس ذهنيا تماما كون الذهن هو وظيفة مجردة محايدة يدخل فيها الموضوع الواقعي ويخرج منها كما هو دون أن يتغّير ألمدرك الذي يمّر فيه على الإطلاق، وألنظر- هنا المقصود الحواس -  لأي موضوع لا يغّير منه شيئا). 2

تعقيبنا التوضيحي لهذا التضّاد نجمله بالإختصارات التالية:

- بدءا نقول كل إدراك لشيء هو فكرة ذهنية مجردّة صادرة عن الحواس معبّرا عنها في تجريد لغوي هو الفكرة لموجود واقعي، وألذهن ليس مصدر التفكير النهائي بألمدركات الواصلة اليه عن طريق الإحساسات كما هو ألشائع ألمتداول بالفلسفة، والتعبير ألمنسوب لديكارت وجون لوك أن الموضوع المدرك يدخل الذهن ويخرج منه بلا أدنى تغيير عليه تعبير صائب موّفق...فالذهن لا ينوب عن العقل لا في الإدراك ولا في التفكير ولا في التعبير الفكري اللغوي عنه، ولا يمتلك الذهن قابلية التفكير بألمدركات وإعطاء ردود ألأفعال الإنعكاسية عنها إنما هذه خاصّية الدماغ وليس خاصّية الذهن. هنا يجب الحذر الشديد أن تفكير الدماغ غير منفصل عن تفكير الذهن بل هما حلقة ادراك متكاملة ولا يمكن الفصل بينهما أبدا. لكن الإختلاف هو بالإسبقية الأفضلية ألإدراكية التي يتقدم بها تفكير الدماغ على تفكير الذهن كوسيط.

- ثنائية ديكارت وجون لوك الابستمولوجية صحيحة أننا ندرك الموضوع الواقعي كموضوع حقيقي بالفعل ولا ندرك فقط صورة ذلك الواقع مجردة من حقيقته ألواقعية، رغم أن حقيقة الإدراك لصور ألاشياء إنما هي تجريد صوري - لغوي يجمع مقولتي الواحدية الابستمولوجية ألكليّة بألإدراك عند ديكارت ولوك والثنائية الابستمولوجية عند بيركلي الفكرة لا تعبّر عن حقيقة الموضوع المدرك واقعيا تماما. وتوضيح هذا أكثر في السطور القادمة.

-  نعود تكرار ألفقرة ألاولى من تعقيبنا عن بيركلي قولنا الذهن لا يقوم بمهمّة التفكير الإدراكي بمعنى الذهن لا ينوب عن العقل المصدر الأعلى للتفكير. بل يقوم بمهمة توصيله إحساسات ألإدراكات للدماغ وإستلامه مقولات الدماغ ألإنعكاسية الواردة له في تشكيله الوعي بالشيء، وقول ديكارت وجون لوك أن الفكرة تختلف عن موضوعها المادي الذي ليس هو الموضوع بذاته ليس خاطئا، فالإدراك الحقيقي للاشياء هو فكر تجريدي لا يعبّر تعبيرا تطابقيا عن الموجود في حقيقته ألمادية تماما ولا عن الموجود بذاته، لسببين الاول خداع الحواس بالادراك والثاني قصور الفكر واللغة في التعبير عن الموجود الواقعي في حقيقته. ولا يعني هذا صحة مقولة بيركلي الادراك الحقيقي للشيء هو فكرة ذهنية لا واقع مادي يرتبط بها. بالعكس من ديكارت وجون لوك إعتبارهما إدراك الشيء هو تمثيل حقيقي له في موجوديته المادية كينونة كما تدركه الحواس. الاختلاف هنا بين بيركلي الذي يرى في إدراك الشيء هو فكرة تتشّكل بالذهن ولا ترتبط بعلاقة مع الشيء الموجود ماديا خارجيا، هذا الشيء الموجود خارجيا لا وجود له لو أنك أغمضت عينيك برهة واحدة حسب بيركلي. بينما يقر ديكارت ولوك على أن الفكرة عن الشيء وإن كانت ناقصة إلا أنها مادية مصدرها الواقع وليس مصدر تخليقها الفكر...الفكر لا يخلق الواقع المادي كما يذهب له بيركلي، ولا وجود خارجي لشيء لا يدركه العقل كما يقول بيركلي ايضا.

-  فألإحساسات الصادرة عن الشيء المادي في حقيقته الواقعية لا يمكنها التعبيرألتام عن كمال كينونة ذلك الشيء حتى على صعيد الصفات الاولية والصفات الثانوية، وإلا لما كانت ألإحساسات المنقولة عبر الجهاز العصبي تحتاج الإنتقال عبر إدراك ألذهن وصولا الى الدماغ للبّت في تفسيرها وإعطاء ردود الأفعال الإنعكاسية عنها الذي هو مرتكز فعالية العقل في تحليل وتفسير كل مدرك يصله ويعطي مخرجاته عنه بما أطلق عليه كانط مقولات العقل الصادرة عن إدراك الشيء..

- لا يمكن للأفكار المجرّدة التعبيرعن الموضوع الواقعي المادي المدرك تماما. فالإحساسات عن الشيء منقولة عن قصور طبيعي ثابت في كل من الحواس واللغة المعبّرة عنه معا. وهذا التقصير محال الخلاص منه أن الفكرة عن الشيء ليست تمثيلا حقيقيا صادقا تماما في التعبير عن ذلك الشيء موضوعها. ولا يتوفر للمنظومة العقلية آلية أخرى تستطيع بها إدراك موجودات الواقع بغير دلالة ألفكرة الصوريّة المجرّدة لغويا وهي فكرة ناقصة تماما. سواء أخذناها بمعناها المادي كما يدعو ديكارت أو بمعناها المثالي كما يدعو بيركلي.

-  كما أن الشيء المتعيّن أنطولوجيا وصورته التي تدركها الحواس وتعبير الفكر عنها هي دلالة صورية تجريدية عن الشيء ولا بديل أفضل منها يستطيعه العقل... الإدراك هو تجريد الفكر لغويا عن موضوعات إدراكه موجودات الأشياء في واقعها. أما مدى مطابقة الفكرة مع ألمدرك ألشيئي في حقيقته فليست ممكنة لسببين ذكرناهما هما خداع الحواس في عجزها الطبيعي الثابت علميا أولا، وقصور اللغة التعبير التام عن حقيقة الشيء وإلإلمام ألتام به ثانيا. بما يوحي خطأ بيركلي تعبيره أن الشيء في واقعه المادي ليس هو الشيء في تصوره الإدراكي والتي هي صحيحة ماديا وليست صحيحة مثاليا على صعيد الفكر فقط كما يفهمها بيركلي. دليل ذلك عجز الإدراك واللغة مهما إمتلكا من قدرات كفوءة لا يستطيعان التعبير المتطابق مع الشيء في وجوده الإدراكي. ويترتّب على هذا الإستنتاج ألترجيحي توضيح أن التفكير الذهني بالشيء يختلف تماما عن لغة التعبير عنه بالفكر واللغة. وتفكير الذهن مستمد من تفكير الدماغ في وحدة إدراك تكاملية للاشياء.

- قول ديكارت وجون لوك أننا في حالة الإدراك ندرك كينونة الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع أو الشيء، هو صحيح يحمل محذوره معه إذا أقررنا توافر مشروطية أن حقيقة إدراكنا لأي شيء في الواقع وعلى أية صورة كانت هو لا يعني إدراكنا ذلك الشيء كما هو في وجوده المستقل في عالم الموجودات الخارجية، كون إدراكاتنا للأشياء بالوجود وفي العالم الواقعي من حولنا هو إدراك صوري تجريدي لغوي في حقيقته. وتلعب مخاتلة ومخادعة الحواس وتمثّلات اللغة المستمّدة منها عن الشيء المدرك أمر مسّلم الشك القاطع عدم حيازته الصواب ألتام ألكامل كما يرغبه الإدراك العقلي..وقانون الهوية والتناقض الذي تبنّاه جون لوك هو أن الشيء في وجوده هو هو نفسه، ومن المستحيل بالنسبة لنفس الشيء أن يكون ولا يكون في نفس الوقت. هذه المقولة التي تنسب لجون لوك تعطينا الفرق الواضح بين وجود الشيء واقعيا، عن فكرة وجوده الإدراكي التجريدي في الذهن. فإدراك الشيء لا يغيّر من واقع وجود ذلك الشيء المادي كموجود مستقل والذي يتغيّر هو إدراكه فقط. فالشيء ثابت والادراك له متغيّر.

- لا توجد صورة محسوسة عن شيء لا تعبّرتلك الصورة عن صفات ذلك الشيء الخارجية البائنة المدركة فقط من جانب أحادي هو ما تدركه منها الحواس. وسبب ذلك تناقض فكرة التعبيرعن صورة الشيء المدرك. الإحساسات ومنظومة العقل الإدراكية بحلقاتها جميعها لا تتمكن معرفة الشيء على حقيقته أكثر من الصورة الخارجية المتمّثّلة تجريدا تصورّيا في الصفات الخارجية الاولية التي تنقلها الحواس، والتي تدركها المنظومة العقلية كصفات للشيء وليست كماهيّة غير مدركة له. وبهذا المعيار لا يوجد تناقض سببه ألافكار في عدم أستطاعتها التعبيرعن حقيقة الشيء بذاته بدلا من صورته الخارجية بالصّفات فقط. ثم آلية الإدراك تقوم على نقل الصّفات الخارجية عن الشيء وليس نقل حقيقة ماهيّة الشيء بذاته ولا توجد آلية إدراكية متاحة غير هذه. لذا يكون ديكارت صائبا وليس مخطئا إعتباره إدراك صورة الشيء- وإن كان ناقصا كما أوضحنا -  هو إدراك الشيء كما في وجوده المستقل في عالم الاشياء وليس كما نريده أن يكون في حقيقته الذهنية كاملا تماما. هذا التفسير الذي ذهبنا له يؤكده كانط وهوسرل في منهج الفينامينالوجيا...وما يرغبه العقل من عملية الإدراك لا تستطيع الافكار المتعالقة باللغة والحواس تلبيته، لأنه يمّثل إعجازا إدراكيا لهذه الحلقات الإدراكية التي يكون العقل عاجزا عن إدراك أكثر مما تنقله له حلقات عملية الإدراك بدءا بالحواس والجهاز العصبي والإدراك الذهني الذي هو غير إدراك العقل والوعي وإن كانوا جميعا حلقات مترابطة ضمن عملية الإدراك ألمتجانسة الواحدة.

- كذلك قول بيركلي الموضوع ألمدرك ليس ماديا بل ذهنيا كان مخطئا أيضا. بأعتبار الذهن حسب العبارة الواردة لنا قبل أسطر هو علاقة توسيط وليس ماهية تفكير يتساوى فيها تفكير الذهن والوعي مع تفكيرالدماغ بوظيفة واحدة معا بنفس الأهمية الفيسيولوجية الوظائفية. العبارة التي مررنا سابقا بتثبيتها تذهب الى تأكيد ذلك بأن المواضيع التي تدخل الذهن تخرج منه كما هي لم يطرأ عليها أدنى تغيير أو تبديل. فماذا يكون الذهن أذن؟ غير أنه توسيط نقل المدركات التي ترسلها ألمحسوسات عبر الجهاز العصبي ليقوم بإيداعها الدماغ. وهو الأرجح بدلالة أن رقابة الدّماغ عقليا على جميع حلقات منظومة الإدراك العقلية لا تكون خارجة عن مهام تفكير العقل بمواضيع إدراكه.

- من المهم التفريق بين تفكير الذهن الذي يكون تفكيرا ناقلا وليس تفكيرا مستقلا عن تفكير الدماغ، فالذهن توسيط ناقل لتفكير الدماغ، ولا يوجد ما يثبت أن الذهن ينوب عن الدماغ بالتفكير وإعطاء ردود الافعال الإنعكاسية عن المدركات بل الثابت الصحيح علميا أن تفكير العقل جزء تفكيري متكامل له هو الذهن..

الذات وألإدراك

يعتبر بيركلي (الأنا) أوالذات المدركة للأشياء محورا إرتكازيا في إدراك الموضوعات والموجودات والأشياء من حولنا، وألمدركات التي لا تكون الأنا مرتكزا لها لا يمكننا إدراكها كما وليست موجودة بإستقلالية مادية في العالم الخارجي، والمدركات التي لا تزامنها وتحتويها الذات لا قيمة وجودية لها في الواقع بل وتكون غير موجودة.هذه المثالية المفرطة في إلغاء الوجود الذي لا تداخله الأنا أو الذات، لا تغّير من حقيقة وجود العالم ألمادي من حولنا كواقع مستقل سواء أدركناه أم لم ندركه، ولا يتوقف وجود الأشياء في إستقلاليتها على ذات تلزم الموجودات المزامنة لها الإحتوائية معها كي تكون مدركا واقعيا لها من دون وعي قصدي يقودها لماذا يتوجب إدراك هذا الشيء دون غيره.؟. فتخطئة مثل تلك الأفكار الفلسفية أصبحت من مهملات دراسة إدراك الوجود...لكن ما يهمّنا خارج مناقشة هذه الأخطاء حول الإدراك هو أن بيركلي يعتبر الذهن مصدر التفكير في مصادرة باقي وظائف حلقات الإدراك العقلي المترابطة العديدة معه تكامليا بخلاف عن جون لوك ومن قبله ديكارت. وناقشنا ذلك بمقارنة وظائفية ما هو عمل الذهن وبماذا يختلف عن كل من عملية الوعي وعمل الدماغ في عملية الإدراك.إن أفضل الفروضات مقبولية هو أن الذهن كحلقة ضمن منظومة وظيفة الإدراك العقلية هو ليس عضوا بايولوجيا وأنما هو حلقة إدراكية حقيقية وظائفية إدراكية لكنها مجردّة عن ميزّتين الأولى أن الذهن ليس هو مستودع التفكير في ألمدركات ألواصلة له عبر الحواس ولا يمتلك خاصّية الدماغ في الحكم على تلك ألمدركات بردود فعل إنعكاسية عنها.،

والثانية أن الذهن حقيقة إفتراضية تجريدية بلا ماهيّة فيزيائية ولا صفات يدركها العقل كموضوع مستقل إلا في مخرجات تفكير الدماغ...وأهمّية الذهن هو في أهمية إدراك الموضوعات التي نتعامل بها تجريدا فلسفيا لكنها في حقيقتها الجوهرية ليست موضوعات مدركة عقليّا وإنما هي موضوعات إستدلال تجريدي في معرفة غيرها من موضوعات فقط..ألذهن قيمته الوظائفية الإستدلالية أنما هو حلقة تتداخل مع بعض أجزاء عضوية من تركيبة الدماغ في معرفة وتفسير مدركات العقل. من غير المتاح المقبول أن نجعل من تفكير الذهن بديلا حقيقيا عن تفكير مناطق محددة بتركيبة الدماغ. بل من الإحتمالات الواردة أن يكون الذهن هو مستودع مخرجات تفكير الدماغ وترجمة تلك المخرجات من قبل الذهن في خلق الوعي الفكري التعبيري اللغوي عن تلك المدركات....

الذاكرة والذهن

هنا ننجّر قسرا الى إلتباس تعالق كلا من الذهن و (الذاكرة) في عمل الدماغ، فإذا ماكان الذهن مستودع تفكير الدماغ، فما هو وأين يقع مستودع الذاكرة كوحدة وحلقة مركزية ترابطية في منظومة الإدراك العقلي بأرتباطها بعمل التخليق الإدراكي للدماغ في تعبيره عن مخرجاته؟ من غير الدخول في تفاصيل علم وظائف الدماغ التي أصبحت اليوم حقائق علمية تركن الفلسفة جانبا كما سبق للعلم أن ركن الدين جانبا من قبل، يمكننا التمييز بين تعالق الذهن بالدماغ أنما يقوم على تفسير مدركات الواقع الخارجي المادي المدرك، بينما تبقى علاقة ألذاكرة بألدماغ هو على مستوى تداعيات أفكار (الخيال) لموضوعات تستحدثها ألذاكرة من مخزونها الخيالي الكبير جدا الخاص بألماضي، ويكون تعالق الذاكرة بألدماغ على مستوى التفكير بمواضيع تأريخية ماضية وخيالية لا وجود واقعي لها في عالم الموجودات المحسوس ماديا. ويكون البّت بمخرجات الدماغ عنها ينتظم الجهاز العصبي وصولا الى تشكيل الوعي حول الموضوع، ولا يمكن أن يكون بهذه العملية الإدراكية لموضوعات الخيال من الذاكرة المرور بمرحلة الإدراك الذهني لها إلا فقط على صعيد تشكيل الوعي التعبيري عن مخرجات الدماغ.، فقد أستمّد كلا من الذهن والذاكرة مخرجات الدماغ النهائية عن ألمدركات العقلية في إلتقائهما بصناعة الوعي التعبيري عنها. بهذا المعنى يكون فرق الذهن عن الذاكرة هو في فرق الموضوع ألمدرك إذا كان ماديّا خارجيا، أو يكون الموضوع مصدره الذاكرة إستذكارا إستبطانيا خياليا. ولا يلتقي الذهن بالذاكرة  إلا على مستوى تشكيل الوعي التعبيري عن ألأشياء بدلالة العقل لهما.

الذهن والإدراك

الحقيقة التي لا يمكننا العبور من فوقها أن نتصور تفكير الذهن بديلا عن تفكير ألدماغ في إعطائه مقولاته النهائية ومخرجاته ألتفكيرية بألمدركات. والحقيقة التي تصدم التلفيقية ألتي تسعى مساواة وظيفة تفكير الدماغ مع نفس تفكير الذهن ليس في تلازمهما الوظائفي بل في إختلافهما الفيزيائي – الفيسيولوجي. ممثّلا بحقيقة  أن الدماغ عضو بيولوجي من أعضاء جسم الانسان الأخرى وهذا ما لا ينطبق على ماهيّة الذهن إطلاقا كتجريد إدراكي معرفي لا عضوي في تكوينات الدماغ. ولا يكفي أن يكون للذهن خلايا عصبية مرتبطة بقشرة الدماغ كمناطق فسيولوجية عضوية. الدماغ جهاز عضوي معقّد في تركيب الجسم يضطلع بمهام خاصّة لا يمتلكها أي جزء من أجزاء جسم الانسان العضوية منها وغير العضوية ألأخرى مستقلا عن العقل، بخلاف ألذهن أنه وسيلة تفكير توصيل مخرجات الدماغ الى ألوعي وألفكر وتعبير اللغة عنهما. خلاصة في كلمتين الذهن لا ينوب عن ألدماغ في التفكير العقلي بل هو توسيط لادراك العقل...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش

1- وليم رايت/تاريخ الفلسفة الحديثة ص 189.

2- نفسه ص 199

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نحاول أن ننهي كلامنا عن الأورجانون الأرسطي وكيف يمثل هذا أول كتاب علم البشرية التفكير العلمي؟.. ولهذا نعود ونكمل ونفصل ما بيناه حول كيفية انتقال هذا الأورجانون إلي العالم العربي، ويهنا نقول:لقد كان أول اتصال بين الفكر الفلسفي، والمنطق الإغريقي عن طريق الترجمة في عصر بني العباس، كان في عهد أبي جعفر المنصور 136-158هـ:754-775م، إذ ترجم ابن المقفع الأبن، كما أثبت المستشرق الألماني “بول كراوس” كتب أرسطو الثلاثة ” التي في صورة المنطق، وهي كتاب قاطيغورياس، وكتاب باري أرميناس، وكتاب أنولوطيقا، وذكر أنه لم يترجم منه إلي وقته إلا الكتاب الأول فقط، وترجم ذلك المدخل إلي كتاب المنطق المعروف بالإيساغوجي لفورفوريوس الصوري، وقد أعاد حنين بن إسحاق ومدرسة الترجمة الرسمية النظر في تلك الترجمات القديمة فأصلحوا ما يمكن إصلاحه منه وأعادوا ترجمة ما لم يرضوا ترجمته .

ومن ثم نقل حنين بن إسحاق كتاب المقولات إلي العربية، ونقل إسحاق ابنه كتاب العبارة إلي العربية، بعد أن مهد له والده بترجمته إلى السريانية، كما أشرف حنين على ترجمة “تادروس” لكتاب القياس إلى العربية، ثم تتابعت ترجمة كتب الفلسفة والمنطق، وبخاصة كتب ارسطو المنطقية، والإلهية، والطبيعية، والأخلاقية، وهي كما عرفها العرب بالإضافة إلي الكتب السابقة “أنالوطيقا الثاني: البرهان” و” أبوطيقا: الشعر” و” السماع الطبيعي “بتفسير الإسكندر، وبتفسير يحي النحوي، والسماء،والعالم، والكون، والفساد، والآثار العلوية،والنفس، والحيوان، والحروف المعروف بالإلهيات، والأخلاق . كما ترجم إلى العربية أيضا ما وضع لهذه الكتب من شروح وتفسيرات بالإغريقية أو السريانية، وكذلك ما وصف لها من ملخصات، حتي ليكاد نشاط المترجمين منذ أيام “حنين بن إسحاق”، يكون مقصورا كله على الكتب المعزوة إلي ارسطو بحق أو بباطل، وعلي مختصرات لها وتفسيرات وشروح.

وبانتهاء هذه الفترة كانت الترجمات العربية (التي تمت بوجه عام من السريانية) لستة من ” الكتب السبعة ” في المنطق متاحة بالفعل، وكان كتاب الخطابة قد نقل أيضًا إلى العربية .

وهنا يمكن تقسيم مراحل الترجمة في العصر العباسي من اللغة اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية إلى ثلاثة أجيال من المترجمين بشكل عام من خلال الفترات التالية:-

1-الفترة الأولى:

الجيل الأول، من عام 753 وحتي عام 774م ؛ أي في بداية العصر العباسي، وهو يقع تحت حكم الخليفتين “أبو جعفر المنصور”، و”الرشيد”، وفي هذه الفترة بالذات أمر ” أبو جعفر المنصور”، ابنه “الهادي” ببناء مدينة “الرافقة” بالقرب من مدينة “الرقة البيضاء”. كما أنه طلب من إمبراطور الروم، أن يزوده بأعمال “إقليدس”، و”المجسطي” لـ”بطليموس”، وأنه أيضًا أمر بترجمة كتاب “اقليدس” إلى العربية،  ويضم هذا الجيل مجموعة طيبة من المترجمين من أمثال: “يحيى بن البطريق”، الذي ترجم “المجسطي” في زمن الخليفة “المنصور”، “جرجس بن جبريل” وهو طبيب عاش في زمن “الرشيد”، و”محمد بن عبد الله بن المقفع” الذي عاش في زمن الخليفة “المنصور”، وترجم كتب المنطق، و”يوحنا بن ماسويه”. في إشارات قديمة أخرى أخبار موثقة ترى أن الكاتب “ابن المقفع”، كان قد ترجم للخليفة “المنصور” كتباً أخرى، من بينها كتاب “بانشانترا” الهندي، “قواعد سلوك الملوك”. كما أن الخليفة “هارون الرشيد” الذي حكم من عام 784 وحتي عام 808 ميلادي، قد أمر، وهو في “الرقة” بترجمة المؤلفات الطبية اليونانية، التي تم جمعها أثناء حروب التحرير العربية، وقد أوكل هذه المهمة إلى الطبيب ” يوحنا بن ماسوية” .

ومن أهم المقومات التي تقوم عليها هذه الفترة الانفتاح علي الثقافات والعلوم المختلفة، لا يصد عنها اختلافها مع الفكر الإسلامي هذا الاختلاف الذي يصل إلي حدود التناقض في أحيان كثيرة . ويتضح هذا الأساس المهم أولًا من تنوع العلوم التي بدئ في ترجمتها في هذه المرحلة، فمنها ما يتصل بالآداب كترجمات “ابن المقفع”، وأهمها “كليلة ودمنة”، ومنها ما يتناول المنطق، كبعض ما ينسب له أيضا، وفيها كذلك ما يتعلق بالطب، والفلك، والهندسة  . وثانيًا- من تعدد الأصول المنقولة عنها، فقد اتصل الفكر العربي في هذه المرحلة بالفكر الإغريقي عن طريق غير مباشر في أكثر الأحيان، بوساطة الترجمات السريانية والآرامية والفارسية، كما اتصل بالفكر الهندي أيضًا عن طريق غير مباشر غالبًا بوساطة الترجمات الفارسية . ولكن هذا الاتصال غير المباشر باللغتين اليونانية والسنسكريتية لم يحل دون محاولات أولية للاتصال المباشر بهما، وقد أثبت المحققون من المؤرخين أن العرب قد ترجموا في هذه المرحلة عن اليونانية مباشرة ” كتب أرسطو المنطقية الثلاثة، وهي كتاب، والعبارة، والقياس، وترجم كذلك المدخل إلي كتاب المنطق المعروف بالإيساغوجي لفورفوريوس، بالإضافة إلي اتصالهم المباشر باللغات الفارسية، والسريانية، والآرامية”.

أما الفترة الثانية فتشمل  الجيل الثاني، والذي يعود إلى عهد الخليفة “المأمون” الذي حكم من عام 813 م  حتى عام 833 م، وهذا الجيل ينتمي إليه “حنين بن إسحاق”، ومدرسته التي كانت تضم مجموعة من المترجمين مثل: “ثابت بن قرة”، و”قسطا بن لوقا”، و”يحيى البطريق”، و”الحجاج بن مطر”، الذين كانوا على رأس القائمة من مترجمي المرحلة الأكثر فعالية في حركة الترجمة في العصر العباسي.

وأهم ما يميز هذه الفترة الاتصال المباشر – علي وجه العموم ؛ حيث كان طابع المرحلة الثانية في الاتصال بالثقافات الأجنبية، علي عكس المرحلة السابقة التي كان الاتصال فيها بالثقافات المختلفة يتم غالبًا بوساطة السريانية، أو الفارسية، أو الآرامية، أو النبطية . ومن يقرأ عن المترجمين في هذه المرحلة يجدهم يتصلون اتصالا مباشرًا باللغة السنسكريتية، والبابلية القديمة،واليونانية . وكان كثير من المترجمين عن الإغريقية يجيدون اللغة السريانية، ويطابقون بين ما قد يكون من ترجمات سريانية مع الترجمة العربية، فيضمنون بذلك قدرًا من الدقة العلمية لم يتوافر في المرحلة السابقة .

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى التركيز الشديد علي العلوم الإنسانية، وعلى الفلسفة والمنطق بصفة خاصة،ولعل ذلك يرجع بصورة أساسية إلى ثقافة المأمون التي كان يغلب عليها الطابعان: الفارسي، واليوناني . وقد ظهر التأثير الفارسي في النواحي -السياسية، والاجتماعية للدولة، علي حين بدأ التأثير الإغريقي جليا في ولعه الشديد بالمناقشات العقلية،  وفي حرصه البالغ على ترجمة كل من أثر عن الثقافة اليونانية من فلسفة ومنطق . وقد تناولت الترجمة في الفترة السابقة بعض الآثار العقلية في الفلسفة والمنطق، ولكن طابع المرحلة كلها كان – بحكم الظروف التاريخية – الاهتمام بالعلوم العملية، وبصفة خاصة الطب، والهندسة، والفلك، والصيدلة، فلم تكد هذه الظروف تتغير حتي انصرفت كل الجهود إلى ترجمة كتب الفلسفة والمنطق .

وقد كان أول اتصال بين الفكر الفلسفي، والمنطق الإغريقي عن طريق الترجمة في عصر بني العباس، كان في عهد أبي جعفر المنصور 136-158هـ:754-775م، إذ ترجم ابن المقفع الأبن، كما أثبت المستشرق الألماني “بول كراوس” كتب أرسطو الثلاثة ” التي في صورة المنطق، وهي كتاب قاطيغورياس، وكتاب باري أرميناس، وكتاب أنولوطيقا، وذكر أنه لم يترجم منه إلي وقته إلا الكتاب الأول فقط، وترجم ذلك المدخل إلي كتاب المنطق المعروف بالإيساغوجي لفورفوريوس الصوري، وقد أعاد حنين بن إسحاق ومدرسة الترجمة الرسمية النظر في تلك الترجمات القديمة فأصلحوا ما يمكن إصلاحه منه وأعادوا ترجمة ما لم يرضوا ترجمته .

ومن ثم نقل حنين بن إسحاق كتاب المقولات إلي العربية، ونقل إسحاق ابنه كتاب العبارة إلي العربية، بعد أن مهد له والده بترجمته إلى السريانية، كما أشرف حنين على ترجمة “تادروس” لكتاب القياس إلى العربية، ثم تتابعت ترجمة كتب الفلسفة والمنطق، وبخاصة كتب ارسطو المنطقية، والإلهية، والطبيعية، والأخلاقية، وهي كما عرفها العرب بالإضافة إلي الكتب السابقة “أنالوطيقا الثاني: البرهان” و” أبوطيقا: الشعر” و” السماع الطبيعي “بتفسير الإسكندر، وبتفسير يحي النحوي، والسماء،والعالم، والكون، والفساد، والآثار العلوية،والنفس، والحيوان، والحروف المعروف بالإلهيات، والأخلاق . كما ترجم إلى العربية أيضا ما وضع لهذه الكتب من شروح وتفسيرات بالإغريقية أو السريانية، وكذلك ما وصف لها من ملخصات، حتي ليكاد نشاط المترجمين منذ أيام “حنين بن إسحاق”، يكون مقصورا كله على الكتب المعزوة إلي ارسطو بحق أو بباطل، وعلي مختصرات لها وتفسيرات وشروح.

وبانتهاء هذه الفترة كانت الترجمات العربية (التي تمت بوجه عام من السريانية) لستة من ” الكتب السبعة ” في المنطق متاحة بالفعل، وكان كتاب الخطابة قد نقل أيضًا إلى العربية .

ظل هذا الاورجانون محتفظا بقيمته وكيانه، إلي أن جاء فرنسيس بيكون واخترع أورجانون جديد سماه بهذا المسمي، وهذا الأورجانون الجديد يعد من  مِنْ مَشْروعِ «الإِحْياء العَظِيم» الَّذِي خطَّطَ «فرانسيس بيكون» فِي إِخْراجِهِ فِي سِتَّةِ أَجْزاء، لكِنَّه تُوفِّيَ قَبلَ إِتْمامِه، ولَمْ يُؤلِّفْ مِنْه إلَّا هَذا الجُزْء، وكَانَ قَدْ كَتبَ مِنْ قَبلُ كِتابَ «النُّهُوض بالعِلْم» فجَعلَه الجُزْءَ الأوَّلَ مِنَ «الإِحْياء العَظِيم». وكَانَ يَهدُفُ مِنْ خِلالِ مَشْروعِهِ هَذا إِلَى إِيضاحِ عَلاقةِ الإِنْسانِ بالطَّبِيعةِ وكَيْفيَّةِ سَيْطرتِهِ عَلَيْها مِنْ خِلالِ العِلْم. ولفْظُ «الأُورجانُون» يَعْني الأَداةَ أَوِ الآلةَ نَفْسَها، بوَصْفِها مَنطِقًا للتَّفْكِيرِ العِلْمي، وقَدِ اسْتخدَمَ بيكون هَذَا اللَّفظَ ليُعارِضَ مَنهجَ أرسطو الَّذِي كانَ يُعرَفُ بالاسْمِ نفْسِه «الأُورجانُون». يَحْتوِي الكِتابُ عَلى قِسْمَيْن: الأوَّلُ هُوَ القِسمُ السَّلْبيُّ «شَذَراتٌ فِي تَفْسيرِ الطَّبِيعةِ وفِي مَمْلكةِ الإِنْسان»، والثَّانِي الإِيجابِيُّ «شَذَراتٌ فِي تَفْسيرِ الطَّبِيعةِ أَوْ فِي مَمْلكةِ الإِنْسان»، ومِن أَشْهرِ أَجْزائِهِ «الأَوْهامُ الأَرْبعَة»: أَوْهامُ القَبِيلة، وأَوْهامُ الكَهْف، وأَوْهامُ السُّوق، وأَوْهامُ المَسْرَح.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

سامي عبد العالمن حينٍ إلى آخر، تتصايح حناجر البعض بضرورة تجديد الخطاب الديني، ويرى آخرون أهمية تجديد خطاب التنوير، بينما يؤكد سواهم على مراجعة خطاب الفكر، حتى غدت الأصوات بضائع راكدةً على أسنة المنابر والمنصات العامة. كأننا في ورشة لغوية ضخمة بحجم الحياة تجاه الثقافة التي لم ولن تستقر. وقد يكون مطلوباً هذا التجريب والتمرين الواسعين على الذوات المتعقلة، غير أنَّ هذا يجري دون معرفة كيف نتحدث عن الخطاب، بالوقت نفسه الذي نتجه خلاله إلى قوة غائمة ومتواريةٍ خلف ركام الحياة، فقط نناشدها، نرجوها، نتضرع إليها، ننتظرها لأجل عمل ذلك. ولم تحدث محاولات مبتكرة لكسر طرائق التعامل مع الفكر واللغة معاً. فغدت مسألة التجديد- مثل الحرية والعقلانية والديمقراطية والتطور- مناجاة وطقوساً عبثية تستدعي أرواح الغابرين في الشرق والغرب. وبات قدح زناد العقل نوعاً من النداءات التي لن تجدي شيئاً كعبادة آلهةٍ لا تسمع ولا تُبصر.

لكن الفلسفة كفن للسؤال لديها حساسية قوية المراس تاريخياً وثقافياً حيال المشكلات، هي تضع أصابع نابضة بمصير الفكر على قضايا الحياة. فما بالنا إذا كانت قضية اللغة هي موضوع النظر والتقصي!! ليس هناك ما يمنع التفلسف من مباشرة مهامه قدر ما تكون السذاجة هي سيدة الموقف، وأنَّ وضعاً خطأ للقضية قد يجعلها عصية على الحل. إذن.. كيف هي مسألة الخطاب ابتداءً؟! وما هي إمكانية التعامل مع أفكاره؟ وماذا عن  الوعي بأبرز قُوى اللغة؟!

ربما لا يُجدِي أيُّ تعريفٍ جاهز عندما نكُون بصدد الخطاب وانتاج معانيه. حيث لا تعريف هنالك في الغالب دون تحديدات مسبقة؛ أي دون معرفة تقيدّه، لعل الأهم هو انفتاح الفهم بلا قيودٍ سواء أكان من جانب تكويناته وتاريخه أم عمليات تأويله. فالخطاب يمثل أبنية لغوية ترتبط بسياق التواصل ومتغايرة أشد التغاير عكس ما نظن. كما أنَّ التعريف المُحدد قد يُقلِّص مفهومه حاصراً إياه في زاوية ضيقةٍ. أليس التعريف حدّاً مانعاً لسواه برأي علماء المنطق؟! عندئذ سرعان ما ندرك أنَّ هناك شيئاً أكثر رحابةً إزاء تحولات الخطاب. لأن كل خطاب (من أقصاه إلى أدناه ) تعتريه تحولات عميقة بحكم اللغة وفائض المعاني، فهو شيء أبعد من رص عبارات اللغة بجوار بعضها البعض كقوالب حجريةٍ،  لدرجة أنه حتى مع وجود القيود، سيُثار الخيال الثقافي مثلما تطفُر المعاني فجأة ببلاغة الألفاظ والعبارات.

ـــ  1ــــ

يتطلب الخِطاب باختلاف مجالاته حاسة ثامنةً وتاسعة وليست سادسةً فقط. سْمِها ما شئت عكس المتعارف عليه. ذلك لأنَّه يفترض إحساساً بميلاد اللغة عبر أدق التفاصيل. واللغة تُولد سريّاً- بالرغم من كونها على الملأ- حيث المعاني المتجددة عبر جوانب الثقافة. إنَّ صياغة العبارات الدالة لا تقل عن ميلاد أي كائن حي له مخاضه العسير وحياته المتغيرة. فالمعاني المختلفة لا توجد هكذا واضحة وتامة على قارعة الثقافة... وإن كان الجاحظ  في كتاب " البيان والتبيين" يؤيد هكذا فكرة باعتبار أنَّ المعاني مشاعٌ في الطريق يستحسنها العربي والعجمي والحضري والبدوي والقروي. لكن هناك جذوراً بعيدة وتفاعلات دلالية ليس أكثرها التلقي المباشر فقط. ولذلك يعقب الجاحظ أن المعاني في الشعر تعول على جودة اللفظ وقوة السبك وتخير الكلمات وصحة الصياغة وسهولة المخرج، فإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير.

لعلَّ الصياغة تشكيلٌ (فاعلية سبك) للكلمات بحيث تُتاح عبارتها لاستعمال جديدٍ. وتظهر في الواقع كدوالٍ حيةٍ مفتوحةٍ على المستقبل. بذات الوقت يُتَوقع في محيطها أنْ تضيف إمكانيةً لم تكن مطروقة. لعلَّها إضافة غير مُقدَّرة في جوهرها بسبب وجود أطراف عدةٍ في حركة اللغة. وبخاصة أن أية لغة ليست أحادية (ممارسةً وتاريخاً) إنما لا تُفترض آثار اللغة إلا بافتراض جماعةٍ ثقافية ما، أي توجد هناك جماعة تأويلية تحقق وجوها معينة لنشاط اللغة والفكر. حيث يسهم كلٌّ فيها بدرجةٍ أو أخرى كشأن عملية التواصل التي لا تتم فردياً، بل لابد من وجود آخرين. ففي التواصل يتوقف معنى الكلام على ما يطرحه الآخر، وعلى ما يفهمه، وعلى ما يصوغه. وإذا كانت تلك العملية نسبيةً حين يتواصل فردٌ مع غيره، إلاَّ أنها تضم تاريخاً وأفعالاً ثقافية خارج نطاقها، بل يراقبها المجتمع دونما أنْ يشعرَ الفردان في إطارهما المحدود.

اللغة نظام للتعبير وفق قواعد مرنة من خلال خلفيات الكلمات وصياغتها. وهي بذلك أعمق نظام إنساني يخترق عقول الأفراد بلا تفرقة، موضِحاً الرابطة القابلة للتداول ومُبرزاً الدلالة علي الأشياء والمعاني كما تتداول ثقافياً. ومع جوانب اللغة هناك المخاطَّب دوماً، هذا المتلقي للرسالة مهما يكن وضعُه. إنَّه النقيض والمشابه، الغائب والحاضر، الجمع والمُفرد. هو الرغبة بمجمل تقلباتها. فاللغة تطرح درجات للرغبة بما هي معرفة، بما هي حوار، بما هي هيمنة بواسطة التعبيرات على نحو غير مباشر.

والخطاب -من تلك الجهة- قدرة على الابلاغ وإيصال ما لم يكُن ليصل بسهولة. ومن ثم ينفتح المعنى ليشمل تبايناً وثراءً غير قابلين للاختزال. لأنَّه وليد هذا الصراع المنتج داخل سياقات الثقافة المتنوعة. إذ حينما ننشغل بمسألة نتحدّث إلى أنفسِنا. فيُقال- لو صادفنا أحد الأشخاص- يا للعجب... فُلان يكلِّم نفسه!! دلالةً على فقدان الانسجام ومكابدة التنازع نحو شيء ما. لهذا تتسع دوائر الصراع فردياً واجتماعياً من الأنا إلى الآخر ومن الآخر إلى الغير.

ولا يعني هذا اعتبار تلك الدوائر منفصلة (الأنا+ الآخر+ الغير+ النحن× الثقافة) لكنها دوائر وهمية الانفصال ووهمية الاتصال أيضاً. فاللغة تتيح إمكانية التداخل بينها بواسطة الحوار وتجاوز المسافات قلَّت أو أتسعت. كما أنَّ أصداءها تبقى داخل المعاني التي تُترك ضمن محيطها النشط. وإذا كانت ثمة تمييز بينها رجوعاً إلى اختلافٍ ما، فأنها تتشابك بقدر ما تتنوع. فالحركة قد تعبر عن صراع الخطابات طالما تعبر عن الانسجام من جهةٍ وعن الاختلاف من جهة أخرى. بلغة بور ريكور هناك تشابك خصيب للتأويلات حتى في أدق العبارات التي تحمل معنى نراه قريباً، فأي معنى مبني على نقائض وتحولات أخرى.

حيث تحتفظ صيغُ الخطاب مثلاً بمكونات الصراع وتمنحها فرصاً للظهور. هو ما يُعرف بقضية الفكر واللغة حين تتعدد الاتجاهات والرؤى. فالعلاقة بينهما كالعلاقة بين وجهي العُملة. إذا وُجِدَ أحدهما لا مناص من وجود الثاني وأكثر. إن اللغة فكرٌ منطوق والفكر لغة صامتة

  language is a spoken thought, and thought is a silent language.

فهناك شيء معبر عنه على طريق المعنى. وتبقى اللغة على وعدها التاريخي بنقل المعاني حيث يؤثر الخطاب في الحياة الاجتماعية. فلم يعثر الإنسانُ طوال عصوره على نظامٍ أكثر بساطةً وتركيباً من اللغة. ولهذه الأسباب يطرح بها أفكاره.

أ‌- توفر اللغة اتساقاً نسبياً وهشاً للفكر عن طريق صيغ الخطاب والنصوص. حيث يأتي المعنى معبراً من رحم التناقض دون القضاء عليه.

ب‌- تعطي إمكانية للتفكير في الغائب، المجهول، المختلف. ولهذا يحاول الإنسانُ بواسطتها بناء عالمه، إذ أنَّ طرح الفكرة يُرهص بتحققها.

ت‌- تضمن، ولا تضيّع، الموروثات التاريخية بأنماطها المتنوعة. وتمدِّد العمل بها في أشد الحالات انقطاعاً عن الماضي. لذلك ضياع اللغة معناه ضياع التاريخ.

ث‌- اللغة إذ تختفي تُظهِر الأشياء والعلاقات والأحداث. فهي كالثقافة تعمل في خفاء كخفاء الموت لكنها( ولكنه) الإطار الوجودي لمعنى الحياة.

ج‌- تتيح فرصاً لفهم وتفسير كافة الأنظمة الدالة الأخرى مثل الرموز والإشارات والعلامات والشفرات اجتماعياً ووجودياً.

ح‌- تحقق تواصُلاً بين الإنسان وغيره أيا كان الاختلاف بينهما. وبذلك هي الحارسة - دون تكليف من أحد- لحركة المجتمعات ولمعاني الإنسانية.

ـــ  2ــــ

قد يُنظر إلى الخطاب على أنَّه تدبيج لكلمات منمقة كما هي تقاليد العرب. وأحياناً يُوصف بالكلام المغلف بالبلاغة خطفاً لآذان المستمع. أو كما يقول المتنبي "يُعطِيك من طرفِ اللسان حلاوةً ويرُوغ منك كما يرُوغ الثعلبُ". على هذا الطريق يجيء خطابا الفكر الديني والسياسي. هما خطابان كرنفاليان. الأول يحتفي بالحضور المقدس بفضل الرضا الإلهي على عبادِه أو هكذا يُردِّد. لذلك يرتبط اجتماعياً بالجموع وطقوس الطوائف وأصحاب المذاهب والنِحل. والثاني يحتفي بالمتلقين استناداً إلى تجاذب الرغبات وتوجيه اللاوعي العام.

الخطاب الديني يتذرع بالبلاغة كي يمتلك القداسة المفترضة التي يضعها صاغوه نصب العين والتلقي. لكننا سنجده في النهاية- كحال الكلام الديني الراهن- محض صور إنسانية مرصعةً بالأقوال المأثورة. ولن يفعل الكلام في النهاية غير ترك أثار الحضور المقوى لما يعتقد المتلقي. أما الخطاب السياسي فهو عجينةٌ بلاغية تتشكل مع الوهم الجمعي. فتبدو الكلمات كائنات تسعى مثلما سعت عصا موسى. الإشارة إلى هذين النمطين من الكلام لا يعنى حصر الخطاب فيهما غير أنَّهما يكشفان بجلاء استعمال اللغة بطرق مراوغة. كيف تُحقق المعنى وإلى أي مدى تتخلّق. ومع ذلك لا ندرك ماهية هذا التأثير بسهولة كما نظن. فلو تساءلنا كيف تتخلق فصول السنة، صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً، لن يدرك الإنسانُ إجابةً. لأنَّها تأتي من أعماق الطبيعة. ونحن ننسى ما هي الطبيعة لكوننا الشكل الحي منها.

في العادةِ نغْفل الكلام، ونُلقي به منصرفين حتى مع علاقتنا وجهاً لوجه. بيد أنَّه جزءٌ من ذاكرة حيةٍ. لعلَّه قابل للاستعادة متى كان الإنسانُ قادراً على ذلك. لقد أصبح حينئذ عُنصراً من كياننا، ولا نتوقع أيةَ إمكانية دونه. لو استطاع الإنسانُ المرور بما يُقال له وبما يتصوره وبما يجُول بخاطره، لأمكنه الحصول على تراكم لغوي غير متناهٍ. فأينما يذهب يواجهه كلامٌ آخر وراء الكلام، بل كثيراً ما يخضع لخطابٍ قيد الاتفاق الضمني. وحينما يهم الإنسان بإنجاز أمرٍ لا يفطن إلى أنَّه أمرٌ جاء في وثائق اجتماعية مخطوطة بعقول الآخرين.

وهنا يجب التنويه أنَّ الكلام والكتابة وثائق مدموغة في أرشيف الحياة اليوميةِ (أرشيف الثقافة). فأحداث الحياة تشكل - من أصغرها إلى أكبرها- وثائق بحروف ورموز نستغرق أزمنةً في فهمها. قد يستغرق شخص فيها بالتساؤل عما يجري حوله ولا يجد إجابةً، وربما يدور آخر معها بكثرة الثرثرة (هوس الكلام)logomania، بينما يطارحها شخص مختلف تبادلاً بالحوار والنقاش. وهناك غير هؤلاء من ينشغل بظلال الكلمات. إنَّ  تفسيرات الدين، رؤى المجتمع، التراث، الأفكار، هي أحبارٌ سائلةٌ بين تلك الحروف، وهي مزيج من الخطابات التي تشكل أفقاً إنسانياً. فمنذ أنْ يخضع الكلام إلى رسالةٍ عامة يلتئم في محاولة لشمول المستمع، ويطرح أفقاً أمامه، وفوق هذا وذاك تستند صياغتُه إلى تاريخٍ من التصورات يتيح الوصول إلى غايتها. ولذلك ليس سهلاً بحال الخروج من متاهات القول بأفكار جديدةٍ ولا بمعانٍ مختلفة.

إذا كان ثمة خطاب مقدس (الكلام الإلهي) فهناك خطابات على منواله، كخطابات القوانين والأعراف والطقوس. وإذا كان هنالك خطاب مُراوغ والتفافي، كالشعر والنثر، فهناك خطابات إيقاعية تختزن موسيقى الحياة فرحاً وبهجةً. لو وجد خطاب صارم كالأخلاق والقيم، فهناك خطاب الحقائق إذ يحرص المجتمع على تعقُبها. وإن كان ثمة خطاب مهموس، كعبارات الشائعات والنميمة، فهناك كلمات النفس، تداعي الخواطر، معاني الخيال. أين اللغة من دون اللغة، أين الواقع من غير الوقائع؟! نقوش على أحجار عتيقةٍ، تسلخات وحزوز على لحاء أشجارٍ في غابة برية، رمية نرد تتراقص على كل الأوجه، ضربة ذيل على صفحات المياه لحيتان ضالة ومضطربة، قرقعة لهواء مكتومٍ يتنفس ويتسرب رويداً، آثار على رمالٍ تحت شمس حارقةٍ...، إنَّ ذاكرة التعبير بها كل تلك الصور والنقوش حتى وإن طواها الزمن. لأنها ستكون معبرةً لإنسانٍ ما يرسم بكلماته مسافة وعلامة لغيْرِه. فمكتوب بين عينيه كنظرات الموناليزا هنا يكمن المغزى، هنا ترقد أجداث الحقيقة. القضية من ثم نفس قضية منشأ الخطاب: أنْ ترسم مساحةً لآخر، أنْ تمنحه علامةً تقع منه على معنى لوجوده، هذا الوجود المادي أو الاجتماعي أو الفكري.

ـــ  3ــــ

أبداً ليست اللغةُ أداةً للتواصل فحسب، لكنها أيضاً كَوُن نتنفس خلاله وجودَّنا الحي. وأن هذا الكون الدلالي لا ينتهي في طياته وتحولاته. مثله مثل الحياه، مراحلَ وأزمنةً وبقايا وصراعاً وآثاراً. إذا أردنا التحدث فسرعان ما تمدنا اللغة بكلِ طاقات محتملةٍ ومذهلة. لأنها تعطينا مناسبةَ الحديث وزخم الفهم. اللغة هنا أكثر من مجرد ألفاظ بالمثل. عندئذ تعرفنا فكراً نعبر عنه وتختبر بالكلمات ما نعتقده يقيناً حين تُجسِده موضوعَياً خارج عقولنا. يجري هذا الأمر كما لو يري أصحاب اليقينُ أنفسهم لأول مرة  منسلخين عن ذواتهم. لهذا سيجد اليقين نفسه قزماً وليس يقيناً كما كنا نمتلأ به. لنجرب مثلاً ترديد التصورات التي نعتنق صحتها بصوتٍ عالٍ، ولنسمع صداها مع ترديد العبارات. إذ ذاك ستفقد صلابتها، فاللغة تأخذ منا وتغذي الآخر داخلنا، هذا الذي ينازعنا الحقائق. وعندما ينطق الفكر أو يكتب أو يرمز إليه يتجسد عملاً. وضمن بناء الأفكار وتجسدها يتأرخ المعنى مع التعبيرات ويختزن امكانياته التي يَعد بها. وبواسطة الخطاب يتحول المعنى إلى لاوعي يصعب التحكم فيه. لقد تم تمثُله وتحوله إلى أصداءٍ، بالتالي يُمسِي قابلاً للانتشار مع عباراتٍ أخرى.

أما على مرمى الآخر البعيد، فتعد اللغةُ نظاماً رمزياً اجتماعياً، الخطاب أحد شفراته إذ يرمي بالأهدافِ (فردية وجمعية) حيث تُؤثِر. ويقع التأثير بمضمون المعاني الكامنة خلف العلاقات الإنسانية، لكأنَّما يجيء المضمونُ مؤشِراً وفاعلاً في عين الوقت. ومن هنا فإنِّ المعنى صُور تُضاف إليها مؤشرات أخرى مع  التلقِي. فعندما نخاطِب شخصاً بوجوب مراعاة القواعِد الاخلاقية على سبيل المثال، يستهدف قولُنا تزامنَ الفعل عبر المضمون البعيد. ويستهدف ترادُف الدلالة على قبول القواعد، فضلاً عن سريانها إلى نهاية المطافِ. تبعاً لذلك، المعنى أشبه بنسيج اسفنجي يمتص الفهم والتأويل، ويعيد فرزهما مع ضغط الممارسة الاجتماعية، الثقافية، غير أنَّه يُثرِي تواصُلاً أياً كانت مستوياته، ويظل قادراً على البقاء طي التعبير.

ربما يكون القول (أي مراعاة القواعد الاخلاقية) كلاماً مُعاداً في غير مجالٍ، إلاَّ أنَّه بانتماء المضمون إلى المجتمع يكتسب هندسةَ القوى الفاعلة فيه. أي تلتقط المعاني توزيعات القوى واسعة الانتشار تماماً مثلما تكتسب الرياح قوى الضغط على خريطة التوزيع المُناخي. ألا نرى بلوناً هوائياً في سماء ملبدة بالغيوم، هكذا يسري الخطابُ، يسري توجُهه، ويترك بصماته. إنه نقش، إنه وَسْم على رقائق التعبيرات موصلةً الرسالة حيث يتهادى الهواء، يعصف، يعرْبد، يدوي... وقد لا يتوقف. فالخطاب من تلك الجهة يمثل مقصداً يأخذ تجلياته عبر التفاعل الاجتماعي. فهو الأرض الخصبة لنشوء الكلام ولإعادة بذره، وهو ذات التربة التي تنبت فيها أشجار الكلمات كأكمات ملتفة بالأعشاب. بالتالي لم يكن ممكناً التعرف على شيء، أي شيء، دون إنطاقه. بحيث يأتينا داخل شبكة من العلامات، ويتحول إلى حرف وصوت يأخذان مغزاهما مما يقال.

على سبيل التوضيح لم يكن المسيح حين ولد سوى كائن غُفل ومجهول بالنسبة للمحيطين به. وكم تمنت أمه أنْ تصبحَ نسياً منسياً كما جاء بالقرآن، لكنه تحول إلى خطابٍ حين نطق صغيراً. تكلّمَ عيسى بن مريم فأمسى علامة دالة: "فناداها من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربُك من تحتك سريّاً" (مريم/24).  ثم أصبح المسيح ذاته بمثابة حروف الخطاب للمتلقي مهما يكن اعتقادُه. لأنَّه تبرئة الأم مريم العذراء وحل اللغز الوجودي بات أمراً يخص الإنسان كإنسان. كيف تلد أنثى عذراء بدون ذكر؟! كان المسيح  في الفكر الديني تعطيلاً وتنويعاً لنواميس الطبيعة البشرية والكونية معاً. من ثم جاءت الحادثةُ في حاجةٍ إلي خطاب مختلف، إذ لابد من النطق لأنَّ الطفل آية دلالية قيد اللغة.

وإنْ جاء الكلام من كائن مولود تواً، فالكلام الموجه للأم يتردد منذ الأزل فيما يبدو. أليس الله هو القائل بالسر، بجعل السر من تحتها؟ أي بصيغة الاستفهام: من ولماذا و ما ماهيته؟ ويذهب نفس الكلام إلى الأبد أيضاً بحسب الإيمان المترتب على القول. وعلى الرغم من أنَّ المناداة (وناداها من تحتها) تجاه الأم بالإفْرَّاد، غير أنَّ كلمات المسيح كانت موجهة للبشرية بصيغة الجمع الأنطولوجي بحكم أنه لا يوجد كائن دون علة من جنسه. فاللغز يهم الكائنات بلا استثناء حتى خارج الإنسان. إذن بموجب تلك القضية البسيطة (لا كائن دون أصل يبرر وجوده) كانت النتيجة على درجة من الخطورة كخطورة كسْر الناموس الطبيعي. وكان كلام المسيح نطقاً واستنطاقاً ثقافيين في الوقت نفسه. النطق من جهة التكلُم، لأنَّه لغة مفهومه على مستوى الابجدية المتداولة بمنطوق "ناداها".

هكذا جاءت المناداة بأساليب الكلام الاعتيادي، بدليل فهم الأم للتعبير وتواتر معاني الحزن كما فهمتها وفهمها المسيح الطفل (كما نطق). بينما مستوى الاستنطاق فهو الخطاب، لأنَّه يستنطق تاريخ الإنسانية وموجه إلى مستقبل الإنسان. وعلية سيكون كلام المسيح جديداً كذلك على أنماط الكلام المعروف للإنسانية، كيف تحدث من في المهد، بأية لغة؟ هل توقعنا فهماً له؟ بأي معنى سنحمله؟! من هنا كان المسيح هو الكلمة (في البدء كان الكلمة).

ـــ  4ــــ

من جانبٍ آخر، عبر تداخل الوسائط المعرفية بمعناها الثقافي، ومع حيل الطرح وأساليب التلقي، أصبحت آفاق الخطاب من أفعال اللغةِ. تلك اللغة الحاضنة لأخيلة الإنسان ونتاجاته. إنها العبارة والعلامة المشحونتان بأطياف القُوى لممارسة هذا الأثر في سياق تداولي pragmatic. وعليه فقد أخذ الخطاب أهميته على أهمية اللغة في حمل الفعل الإنساني خارج ذاته. فالعادات والتقاليد خطاب، العلاقات الإنسانية خطاب، الممارسة الحياتية خطاب، الفعل السياسي خطاب، ملامح الوجوه خطاب، الإفراز النفسي خطاب... إلى غير ذلك.

ها نحن في غير موقف نذكر جانباً خفياً من الكلام. وحرصاً على العناية به للتعامل مع الآخرين، نتحسب لنتائج حواراته مع الوقائع ومع تراكمه اليومي. ألسنا ننجز أعمالنا بأفعال الكلام، ألا تظل اللغةُ حاضرة حضوراً صامتاً؟! إذن يعتبر الخطابُ نطقاً للصمت، توجيهاً لشراع الفكر حيث يتفاعل على أكثر المستويات تأثيراً. فهناك مستوى التعبير إذ يحيل الخطاب إلى وسيط نكاد نلامسه مع المتلقي. ويُشار إلي التعبير على أنَّه جسد (لحم) اللغة flesh of language بالنسبة إلى المتلقين. هل يُفهم الكلام والكتابة دون جسد؟ لا يعني ذلك أنَّ التعبير هو الجسد فقط طالما أنَّ المعنى بمثابة الروح لو تصورنا ذلك. لكنه، أي التعبير، هو المادة والروح يداً بيد كعجينة واحدة. كذلك يوجد مستوى العلامة من اللغة، فالتعبير إذ يغدو مادةً بروحٍ وروحاً بمادةٍ ينتج الدلالة، ويمثل مخلباً بلاغياً له ماضيه وأنماطه في السياق الثقافي. لكل سياق مخالبه التعبيرية داخل المجتمع. وهي التي تنتزع صور التواصل ويجري فهمها ضمن الواقع المعيش. حتى إذا ما رأينا رُسوماً مع تأدية الخطاب، فإننا نعرف مدلولَ العلامة وكيف تفيض بما ورائها. من ثم يكون الخطاب أداءً بذات الدرجة التي كان بها عبارة ومعنى. فهذا المستوى المسرحي - إن جاز الوصف- لا يقل خطورةً عن غيرهِ.

وإذا كنا نحسب الخطاب نطقاً لحروف موضوعية فهذا محض تشويه. لأنَّه لا ينفصل عن فاعلية الأداء  activity of performanceالمصاحب والمنتج للمعاني. وقد يجرنا هذا المستوى إلى اللهجة الخاصة بكل مجتمع على حدة. حيث لا تدل اللهجات بالضرورة على اللحن في النطق، لكن اللحن في المفاهيم والإجراءات المنطقية وطرح التبريرات كذلك. فكل خطاب يقف على عمليات من الأداء التمثيلي جنباً إلى جنبٍ مع النطق. وارتباط الذاكرة العربية بالشفاهية orality، إن لم تكن هي الحاضنة الأولى لها وما زالت، معناه الوقوع في أسر الأداء. إنَّ الحكي والسرد لا يقلان دلالة عن مبنى الكلمات وثراء المعاني. فهما اللذان قد يجعلان الخطاب نافذا كسهمٍ لا يفقدُ هدفاً.

 

د. سامي عبد العال

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الأورجانون الأرسطي، وكيف يعد هذا الكتاب أول كتاب علم البشرية التفكير العلمي!، وفي هذا المقال نود ان نتساءل: والسؤال الآن كيف انتقل الأورجانون الأرسطي إلى العرب؟

وهنا يمكن القول: حين انطلق العرب من شبه جزيرتهم بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم-عام 532م، كانت المناطق الآهلة بالمسيحيين الناطقين بالسريانية في الشام –العراق من بين أولى ممتلكاتهم. وقد كانت هذه المناطق هي التي انتقلت إليها التعاليم الهلينية للإسكندرية على يد الطوائف المسيحية المتعددة (اليعاقبة، والنساطرة أساسا).. واستمر المسيحيون السوريون في رعاية الآثار المتبقية من التعاليم اليونانية، من خلالهم أصبح العرب بحق الفتح ورثة هذا التراث. وقد وجهت الطوائف المسيحية الناطقة بالسريانية عنايتها إلى مؤلفي الرياضيات، والفلك، والطب، من اليونان، كما وجهت عنايتها بالمثل إلى الفلاسفة اليونانيين. وكانت هذه الفروع من التعاليم مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدراسات اللاهوتية، ذلك لأن العلم، والفلسفة، اليونانيين، قد قدما التعليل التصوري العقلي؛ حيث وجدت فيه لاهوت هذه الكنائس صياغته الواضحة. وكان الطب علي وجه الخصوص بمثابة جسر بين العلوم واللاهوت، وكان كثير من اللاهوتيين المسيحيين السريان قد تم إعدادهم علي أنهم أطباء بدن وأطباء روح بالمثل، وقد كان المنطق هنا جزءا لا يتجزأ من منهاج تعليم الدراسات الطبية، كما كان سائدا في الإسكندرية، بنفس الطريقة التي أوصى بها جالينوس ” (129- 200م )، وكانت كتب ارسطو معروفة في الترجمات السريانية، وكانت معها تعليقات وتلخيصات، ألف بعضها بالسريانية، وترجم بعضها الآخر من الإغريقية. ولكن المادة الارسطوطاليسية كانت محصورة في مبدأ الأمر في المؤلفات المنطقية.

وكان نقل المنطق اليوناني إلي العرب هو العمل الذي اضطلع به مسيحيو سوريا – العراق الناطقون بالسريانية، والنساطرة علي وجه الخصوص. وكان هذا النقل مشبعا بالتصورات والتفسيرات التي أخذها الباحثون السريان من الإسكندرية. وقد بقي هؤلاء الباحثون على قدر طيب من المعرفة باللغة اليونانية والفكر اليوناني في العالم الإسلامي إبان القرن التاسع عشر. وقد انتقل قدر لا بأس به من التراث النسطوري للمعارف اليونانية من الإسكندرية إلى بغداد خلال أكاديمية جند يسابور.

وقد قسمت الأكاديميات النسطورية كما ذهب بعض المستشرقين منهاجها التعليمي إلى جزأين: 1- برنامج تمهيدي، وهو إعداد لـ 2- دراسة أكثر تقدما في مجال أو أكثر من مجالات التخصص: الفلك، والطب، واللاهوت. وعلي سبيل المثال، فإن الأكاديمية النسطورية في جنديسابور (حوالي 100 ميل من شرقي بغداد ) كان لها كلية للطب (ملحق بها مستشفي)، كلية للفلك (ملحق بها مرصد). أما في الرياضيات فقد كان المنطق موضوعا أساسيًا في البرنامج الإعدادي، علي ذلك يكون المنطق قد أدى دورا مهمًا بوصفه جسرا مشتركًا يربط بين الفروع المتعددة للتعليم ”.

ومن جهة أخرى فإن اتصال العرب بالأفكار الأجنبية لم يكن ضرورة فحسب، بل كان أيضا أمراً واقعًاً، يتمثل في ما كان يحدث من لقاءات ومناظرات بين علماء المسلمين وغيرهم؛ وبخاصة علماء اللاهوت المسيحي الذين كانوا ينتشرون في أديرتهم في الشام، والعراق، وأطراف شبه الجزيرة يدرسون الثقافة اليونانية، وفي مقدمتها منطق ارسطو بلغتهم السريانية حينًا، وبلغتها الأصلية حينا آخر؛ ويقول “أوليري”:” ومن هذا يبدو واضحا أن الفتح العربي لم يوقف الدراسات الأرسطوطاليسية، ولم يتدخل في شئونها، فبقيت الكنيسة النسطورية تحت الحكم العربي ”، وفي تاريخ ابن عساكر مناظرة بين ” خالد بن يزيد بن معاوية (توفي سنة 85 هـ /704 م) ومسيحي”، تدل علي اتصال بالمنطق وقدرة على لمح الشبه؛ مما يحمل على الظن بأنه قد تم شيء من هذا الاتصال بشكل مباشر، ومن ثم لا يستبعد أن تكون هناك في تلك الفترة الباكرة محاولات للترجمة عن الثقافة اليونانية أو الهلينية، ولكن المؤكد بأن مثل هذه المحاولات – إن وجدت – محدودة إلى أبعد الحدود، إذ إن الظروف المختلفة التي أحاطت بالمجتمع الإسلامي لم تيسر البدء في الترجمة بصورة شاملة إلا في رحاب الدولة العباسية. وما حدث من اتصال مباشر بواسطة الترجمة قبل ذلك كان محدودًا في طبيعته ونتائجه جميعاً.

ويؤكد بعض الباحثين السريان المعاصرين، بأن ” السريان قد رحبوا على الأرجح بقدوم العرب، آملين التخلص من التشدد البيزنطي والساساني، وخضعوا برضا للدولة الجديدة، وكان علماء الدين أول من قاموا بترجمة الكتب اليونانية إلي السريانية. وهناك عالم مسيحي شاهد على الفتح العربي لهذه البلاد هو “ساويرس” الذي ترجم بعض الكتب الإغريقية إلى السريانية وشاهد الفتح العربي ”.

وجاء بعده “سابوخت جرجيس” المتوفي 666- 667م أسقف قنسرين الذي ترجم بعض كتب أرسطو إلى السريانية، مثل كتاب التحليلات الأولى كما يقول “أوليري ”؛ وطوال العصر الأموي واصل هؤلاء المترجمون نقل الأعمال اليونانية، والساسانية إلى لغتهم السريانية، وقرب نهاية العصر الأموي كان هؤلاء قد تعلموا العربية وأتقنوها، ولذا شرعوا في نقل بعض هذه الأعمال المترجمة إلي السريانية للعربية، لينهل الفلاسفة العرب ويتعلموا فلسفة اليونان وفكرهم.

ولم تكن عملية الترجمة والنقل في ظل الدولة الأموية علامة ظاهرة، ولم يكن لهم شغل بالعلوم الفلسفية، إلا ما ذكر عن خالد بن يزيد المُلقب بحكيم آل مروان عندما أُبعد عن الخلافة، اتجه صوب العلم واهتم بالكيمياء لرغبته الشديدة في تحويل المعادن إلى ذهب. وهكذا أمر بعض علماء اليونان الذين كانوا في الإسكندرية أن ينقلوا له من اليونانية إلى العربية كتب الكيمياء. كما أمرهم بترجمة “الأورجانون” وهو مجموعة كتب أرسطو في المنطق. ويقول “ابن النديم البغدادي” (توفي سنة380 هـ /900 م) عن “خالد بن يزيد”: “وكان فاضلا في نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة (الكيمياء) فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر، وقد تفصح بالعربية، كما أمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي. وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة”. ومن بين الذين ترجموا إلى خالد بن يزيد هما: “أصطفن القديم”، والراهب “مريانوس”.

إذن الترجمة في هذا العصر الأموي تناولت جانبين في هذه المرحلة:

الأول – ترجمة العلوم الطبيعية، كالطب والكيمياء، دون أن تتجاوزها إلى العلوم العقلية، كالمنطق وما وراء الطبيعة، وذلك لحاجتهم لهذه العلوم مع عدم معارضتها للإسلام في الجملة.

الثاني -حركة التعريب للدواوين: لقد أدرك الخليفة عبد الملك بن مروان أن اكتمال السيادة العربية الإسلامية لا تتم إلا بعد القضاء على كل المظاهر الأجنبية، لذلك عمد الخليفة إلى تعريبها والسيطرة على إدارتها وأعمالها، حتى صارت الميزة الكبرى لعصر الخليفة عبد الملك، إنه عصر التعريب، إذ قاد الخليفة بنفسه حركة التعريب الكبرى هذه ونفذها أمراؤه في أقاليم الدولة المختلفة، وأتمها من جاء من بعده من الخلفاء، وشملت هذه الحركة: تعريب النقود، وتعريب الطراز، والقراطيس والوثائق الرسمية، وتعريب دواوين الخراج.

والواقع إن حركة التعريب كانت ضرورة عملية لتأكيد كيان الدولة السياسي والاقتصادي، وصبغها بالصبغة العربية وعاملاً مهمًّا في توحيد ثقافته ونشرها، فهي لذلك مرحلة حاسمة من مراحل التطور الحضاري في شتى المجالات

ومن جهة أخرى كان أول تقديم للمنطق اليوناني في العربية، كما يؤكد بعض الباحثين خلال الفترة (810- 820 م) تقريبا، وذلك بترجمة الكتب الأولى من الأورجانون. كما ظهرت في هذه الفترة مجموعة من الشروح المختصرة لخلاصة ” الكتب الأربعة ” في المنطق. ويعود الفضل في هذه الأعمال إلي “محمد بن عبد الله المقفع” الابن المغمور للمؤلف ” الشهير عبد الله بن المقفع”، مترجم الأسطورة الفارسية كليلة ودمنة.

وحدثت “النقلة الكبرى” في العصر العباسي (132-656 هـ /750-1258 م)، بعد أن شيد الخليفة المنصور مدينة بغداد (عام 762 ميلادي). وقد وجد المسيحيون مكانًا بارزا في حاشية الخلفاء العباسيين، وأدوا نتيجة لثقافتهم العالية وكفاءتهم المتميزة أدوارا شغلوا فيها مناصب مهمة كأطباء، وأمناء السر، ونالوا أرفع المكافآت من الخلفاء وكان معظمهم من السريان. وبدأ الخليفة المنصور خلال فترة حكمه تدشين عملية الترجمة إلى العربية، وقام بتوظيف المترجمين في حاشيته. ومع الوقت تصبح هذه المهنة وظيفة رسمية من وظائف البلاط، لكن كان يعوق المترجمين والترجمة نقص الكتب اليونانية وغيرها، لذا وجدنا الخليفة يرسل بعثة إلى مدينة القسطنطينية برسالة منه إلى الإمبراطور البيزنطي راجيا فيها تزويده بعدد من الكتب اليونانية، واستجاب الإمبراطور، فطلب الخليفة من المترجمين نقلها إلى العربية على الفور”.

ويمكن هنا استعراض الخط العام لوصول الأورجانون الأرسطي إلى البيئة الناطقة بالعربية في القرنين الثاني والثالث الهجريين. والحصيلة الناتجة عن ذلك هي على النحو التالي:

1- بجهد متماثل وبتدعيم من قبل الطبقة العليا، قامت جماعة من المترجمين (جميعهم أو معظمهم من المسيحيين السريان) خلال الفترة 825 -840 م، بنقل الكتب الأربعة في المنطق إلى العربية، وكذلك كتب الجدل، والسفسطة، والخطابة. وقد بدت هذه الترجمات – التي تمت عن طريق السريانية بوجه عام – ترجمات حرفية فجة، مختلطة باصطلاحات يونانية مكتوبة بالعربية، ولم تؤد هذه الترجمات إلى نص عربي يمكن فهمه بسهولة. لقد كان هؤلاء المترجمون القدماء في أغلب الأحيان (باستثناء شخص مثل يحي ( يوحنا) بن البطريق عبيدات للنص، فقدموا ترجمة حرفية من السريانية إلى العربية.

2- كانت هذه الترجمات السابقة موضع رفض من قبل الجيل الثاني من مترجمي المنطق من العرب، ويضم هؤلاء “حنين بن إسحق” وأخرين تدربوا على يديه؛ وخاصة ابنه إسحق. وقد نبذ هؤلاء الرجال الأساس السابق، وراجعوا النصوص اليونانية، وقارنوا المخطوطات، ووصلوا إلى ترجمات نهائية (عادة عن طريق السريانية) سواء كانت ترجمات جديدة، أو – في حالة أو حالتين – عن طريق المراجعة المتقنة للترجمات القديمة. لقد قام حنين بن إسحق بثورة كاملة في الترجمة العربية للنصوص الفلسفية اليونانية، فقد استحدث الأمور التالية:-

أ- الرجوع للنص اليوناني الأصلي، سواء اتخذه أساسا لترجمة مباشرة إلى العربية، أو لوضع ترجمة سريانية موثوق بها يمكن منها عندئذ وضع ترجمة عربية جيدة.

ب- جمع المخطوطات المتعددة للأصول إلى نص موثوق به.

ج- ترجمة النصوص وفقًا لمعني الوحدات الكبري للتعبير، وليس النقل الحرفي. وعلى هذا الأساس، أعد حنين نصًا سريانيا جديدا لكل كتاب من الأورجانون المنطقي. فقد أعد بنفسه مع ابنه إسحق وبمساعدة أبي عثمان سعيد بن أيوب الدمشقي وإبراهيم بن عبد الله الكاتب، ترجمات عربية لجميع هذه الكتب، فيما عدا التحليلات الثانية وكتاب الشعر.

3- أن حنيناً وزملاءه ( وخاصة ابنه اسحق) قد أتاحوا (عن طريق السريانية) مجموعة متنوعة من الشروح اليونانية علي الكتب المنطقية، وقليلًا من الوسائل الأخرى المعينة للدراسة المنطقية، والتعليم المنطقي، تلك الوسائل التي كانت مستخدمة في الأكاديميات النسطورية.

4- أما عن الأعمال التي تمت خلال الأعوام 830-870 م، فقد قال الكندي ما يمكن أن يقال عنه بوضوح أنه أول ملخصات، ودراسات مستقلة بصورة أصيلة (ليست مترجمة) للنصوص المنطقية في العربية. وقد نجح في ذلك بفضل تلميذه السرخسي (كان نشاطه من حوالي 860- 899م ) وهو الذي لخص الكتب المنطقية الأربعة، وثابت بن قرة، تلميذ حنين ( كان نشاطه من حوالي 855- 901م)، وهو الذي لخص أيضا قدرا كبيرا من الأورجانون.

أما الفترة الثانية فتشمل الجيل الثاني، والذي يعود إلى عهد الخليفة “المأمون” الذي حكم من عام 813 م حتى عام 833 م، وهذا الجيل ينتمي إليه “حنين بن إسحاق”، ومدرسته التي كانت تضم مجموعة من المترجمين مثل: “ثابت بن قرة”، و”قسطا بن لوقا”، و”يحيى البطريق”، و”الحجاج بن مطر”، الذين كانوا على رأس القائمة من مترجمي المرحلة الأكثر فعالية في حركة الترجمة في العصر العباسي.

وأهم ما يميز هذه الفترة الاتصال المباشر – علي وجه العموم؛ حيث كان طابع المرحلة الثانية في الاتصال بالثقافات الأجنبية، علي عكس المرحلة السابقة التي كان الاتصال فيها بالثقافات المختلفة يتم غالبًا بوساطة السريانية، أو الفارسية، أو الأرامية، أو النبطية. ومن يقرأ عن المترجمين في هذه المرحلة يجدهم يتصلون اتصالا مباشرًا باللغة السنسكريتية، والبابلية القديمة،واليونانية. وكان كثير من المترجمين عن الإغريقية يجيدون اللغة السريانية، ويطابقون بين ما قد يكون من ترجمات سريانية مع الترجمة العربية، فيضمنون بذلك قدرًا من الدقة العلمية لم يتوافر في المرحلة السابقة.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى التركيز الشديد علي العلوم الإنسانية، وعلى الفلسفة والمنطق بصفة خاصة، ولعل ذلك يرجع بصورة أساسية إلى ثقافة المأمون التي كان يغلب عليها الطابعان: الفارسي، واليوناني. وقد ظهر التأثير الفارسي في النواحي -السياسية، والاجتماعية للدولة، علي حين بدأ التأثير الإغريقي جليا في ولعه الشديد بالمناقشات العقلية، وفي حرصه البالغ على ترجمة كل من أثر عن الثقافة اليونانية من فلسفة ومنطق. وقد تناولت الترجمة في الفترة السابقة بعض الآثار العقلية في الفلسفة والمنطق، ولكن طابع المرحلة كلها كان – بحكم الظروف التاريخية – الاهتمام بالعلوم العملية، وبصفة خاصة الطب، والهندسة، والفلك، والصيدلة، فلم تكد هذه الظروف تتغير حتي انصرفت كل الجهود إلى ترجمة كتب الفلسفة والمنطق... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسف(1) دائما يقودنا تهويل أمور لا معنى لها  زرع خرافات زائفة باذهاننا.فلسفة اللغة التفكيكية هي تجريد فارغ المحتوى ومبحث فلسفي خال من أية مسألة جديرة بالبحث الفلسفي،لأنها تقوم على تقويض النص والمعنى في عملية تشتيت ذهني وتفكيك نص وخطاب اللغة بلا جدوى وركيزته المحورية الإستراتيجية لا شيء خارج النص من حيث هو تفكيك تجريدي لغوي مقطوع الصلة نهائيا عن الانسان والحياة في حالة دائمية من الهدم والتقويض اللانهائي لخطاب اللغة في موازاة نمط الحياة في عدم المداخلة الجدلية معه. كما أن الفلسفة البنيوية حسب جياني فاتيمو تضع في أسبقية إهتماماتها بنية اللغة (النص) فقط بما هو نص مكتوب مدوّن، ولا أهمية عندها للمتلقي ولا تعير إهتماما للمستقبل الانساني. ألتفكيكية إستراتيج قائم على اللغة كنسق تجريدي لا يمكن تفسيره بمنطق سيرورة الواقع بل في مثالية عملية الهدم والتفكيك على صعيد اللغة فقط وليس خارجها.وأمام هذا الإفلاس الفلسفي في التفكيكية وفي الهورمنطيقا الى حد ما يذهب جورج مور قائلا: (أن التحليل الفلسفي للغة ليس هدفا في ذاته، بقدر ما هو وسيلة لتوضيح أفكارنا وتصوراتنا وقضايانا، والنظرية الفلسفية تقاس قيمتها بقدر إتساقها مع معتقدات الرجل العادي، فاذا جاءت النظرية متنافرة مع هذه المعتقدات حكمنا عليها بالإفلاس.) "نقلا عن ابراهيم طلبة سلكها".وفي تعميق نفس المنحى ذهب فنجشتين أنه (يتوّجب على الفلاسفة العودة الى اللغة العادية والإستخدام المألوف لها). بعيدا عن تفكيك نحوي وبلاغي في اللغة كمبحث لغوي نصّي تجريدي يخّص قضايا الأدب بما هو تجنيس أدبي لغوي وليس بما هومبحث تحليلي منتج في أثراء مباحث الفلسفة بنقد تاريخ الفلسفة لغويا وتاريخ الفلسفة يصفه فينجشتين أنه تاريخ نقد معنى اللغة.

(2)

الحياة ليست خطأ وخطيئة يتحمّلها وجود الانسان رغما عنه وحسب، بل الخطأ الأهم أن يعيشها الانسان مرغما يائسا بإنتظار حتمية فنائه بالموت. وفهم سارتر الوجود الإنساني بفلسفته أنه خواء مطلق مجرد من كل قيمة حقيقية، ويلازم العدم أي الموت الفاني الوجود الانساني كدودة داخل وجوده تعمل على تقويضه والتعجيل بفنائه. إن خلع صفة التشاؤم الفلسفي الذي يعدم سعادة الحياة وبهرجها تخريج ميتافيزيقي لا يغيّر من حقائق الوجود الإنساني الذي لا معنى فيه أن يعيش دورة حياته ويفنى،وأن الانسان عليه أن يعيش الحياة قدره الذي لا إرادة له فيها بكل غبطة وإنتشاء لا واقعي، لا يعدو حقيقته أنه كلام لا يلبث الانسان أن يصطدم بجدار حقيقة وجوده الخاطيء بالحياة الذي لا إرادة له به في صناعة بؤسه الأرضي.

(3)

ثبات الاشياء وموجودات الطبيعة نسبي مكانا وزمانا على الدوام وليس كما ذهب له كانط أن ثبات الاشياءهو السّمة اليقينية المستمّدة من إدراكنا لها بثبات كل من الزمان والمكان في أسبقيتهما على الوجود، وبخلاف كانط أن ثبات الزمان في إدراكه ثبات الأشياء الموهوم في وجودها الظاهري الحسّي أنما هو أي الزمان يدخل في علاقة جدلية في تغييره الاشياء دون أن يتغير، كما أنه يساعد العقل على الإدراك من دون أن يدرك هو بذاته ما هو، بل كل مانعرفه عن الزمان أنه حدس دلالي نتلمسه في ظواهر نتائجه في الإستدلال على وجود الأشياء بعد تخليق العقل لها وليس في إختراع وجودها.

(4)

إدراك وجود الاشياء في  العالم الخارجي مكانيا – زمانيا، أنما هو في حقيقته ادراك زماني واحد فقط، فلا يمكننا أدراك الشيء مكانا من غير زمن لكننا نستطيع إدراك الاشياء زمانا من غير وجود مكاني متعيّن لها، فنحن ندرك الاشياء زمنيا في تفكيرنا الخيالي الذهني لموضوعات تستحدثها الذاكرة مادة لتفكير العقل لا وجود مكاني واقعي لها،وهي أي موضوعات الخيال ليست محددة وجودا مكانا في العالم الخارجي لكننا نحدسها من خلال تناول التفكير بها زمانيا.

(5)

الديالكتيك في المادية التاريخية قانون يحكم المادة والتاريخ والطبيعة، لكنه ليس حتميّة غائيّة في تحديد المراحل التاريخية التي يصلها ماركسيا بالضرورة. فالديالكتيك الذي يحكم المادة والوجود والتاريخ يشتغل على مسارات تحكم المادة وكل ظواهر الحياة بما لا حصر له، والتاريخ ومساره التطوري أحداها، فالديالكتيك قانون يعمل في الطبيعة مستقلا عن الانسان ورغائبه، وليس قانونا وضعيا من أجل الفلسفة أو تفسير تطور التاريخ مراحليا، فقد يعمل الديالكتيك في بلورة معطيات جديدة في الوجود والحياة ليس التاريخ من ضمنها كمرتكز محوري كما في المادية التاريخية، وأخيرا الديالكتيك ليس قانونا وضعيا أوجده فلاسفة مثل هيجل وفيورباخ وماركس وانما هو قانون يعمل في مجاله الطبيعة بمجملها قبل وبعد إكتشافه فلسفيا. من ألمهم معرفة جدلية تناقض الأضداد إنما يكون حدوثها داخل الأشياء والظواهر المتجانسة نوعيا وليس داخل علاقة ترابطية مفتعلة أن التضاد الجدلي يحدث بين أشياء وظواهر لا تجمعها المجانسة النوعية. بمعنى تبسيطي مخّل لا يوجد جدل مادي بين شجرة وإنسان.

(6)

الحواس تدرك وجود الاشياء في العالم الخارجي صوريا بالفكر، وليس صوريا باللغة قبل الفكر، وإدراك الشيء بالفكر لا يشبه تعبير اللغة خارجيا  عنه، واللغة في تعبيرها عن وجود الاشياء تكون أولويتها سابقة على الفكر، فإدراك الاشياء بالفكرذهنيا هو أدراك صامت، والصمت لغة حوارية كامنة بالذهن غير مفصح عنها بالكلام أو الكتابة، في حين يكون تعبير اللغة عن الاشياء في وجودها الخارجي (صائتا) سواء أكان ذلك كلاما شفاهيا أو تعبيرا لغويا مكتوبا.

ويسبق الفكر الصامت في الذهن إدراكنا الاشياء والتعبير اللغوي عنها داخل العقل وليس خارج العقل، وأولوية التفكير العقلي في الذهن يسبق تعبير اللغة عن الموجودات خارجيا، على العكس من أن اللغة تسبق الفكر في التفكير خارج العقل فقط وليس داخله، اللغة تعبير والفكر محتوى، وجود الاشياء في العالم الخارجي تكون فيه الأولوية للتعبير عنه باللغة التي تعّبر عن الاشياء كناتج تخليق عقلي فكري لها.

صمت الفكر في إدراكه العقلي لوجود الاشياء وأن كان يلتقي مع صمت اللغة في حالتي الإدراك العقلي ذهنيا، وفي إلتقائهما في الإفصاح اللغوي – الفكري التعبيري عن وجود الاشياء، لكنما يبقى إدراك الفكر للشيء لا يطابق ولا يشابه تعبير اللغة عنه.وبذا لا يستطيع الفكر الذي هو نتاج عقلي كما هي اللغة أيضا، أن يتطابق مع اللغة في الإفصاح عن المعنى، ويبقى الفكر متخّلفا عن اللغة في عجزه أيجاد حقيقته الوجودية في منافسة اللغة له في التعبير عن الموجودات والأشياء. وتبقى عبقرية اللغة سابقة على تخليق الفكر العقلي في محاولته التعبير عن الوجود بملازمته اللغة أو بمفارقته لها كما في حال إنشغال الفكر في حدسه وتنظيمه إدراك ما تفرضه الذاكرة التخييلية من موضوعات مستمّدة خياليا من الذاكرة ولا علاقة للحواس في أي دور بنقل مواضيع الخيال الى العقل، فالمدركات الحسّية وظيفتها هي فقط نقل معطيات وجود الاشياء في ظواهرها بالعالم الخارجي وليس مواضيع الخيال التي مصدرها العقلي الادراكي لها هو الذاكرة فقط.

وبهذه الحالة تتراجع اللغة المنطوقة أو المكتوبة الى مراتب متأخرة أمام فاعلية العقل والفكر معالجتهما مواضيع الخيال في الذهن. وتكتسب اللغة أهميتها المتمايزة عن الفكر في التعبير عن تخليق العقل لمواضيع الخيال أمّا في محتوى وشكل لغة أدبية أو فنية أو جمالية حال خروج اللغة عن وصاية العقل عليها داخل الذهن المفكّر، وتنتهي وصاية العقل على الفكر واللغة بعد تعبيرهما عن الاشياء في العالم الخارجي.لأن اللغة والفكر يصبحان جزءا متداخلا متموضعا مع وجود الاشياء في التعبير عنها خارجيا، بعد أن كانا(الفكر واللغة) جزءا من التفكير داخل العقل بفكر ولغة صامتين.

(7)

يفهم كانط الزمان والمكان معطيان قبليان فطريان في العقل سابقان على وجود الاشياء وهما وسيلتا إدراك تلك الاشياء، ومن دون هذا الإفتراض لا يمكن للعقل والذات إدراك الاشياء في وجودها الخارجي، وجواهر وظواهر الاشياء لا تدرك من غير ثباتها في تجانسها مع ثبات الزمان والمكان في الذهن، كما أن ثبات الاشياء يتناسب طرديا توافقيا إدراكيا مع الزمان في ثباته، وبهذا يكون كانط أعفى العقل من مهمة إثباته ماهيّات وجواهر الاشياء في وجودها بذاتها أو حتى في ظاهرياتها المتغيرة على الدوام وبإستمرار، وأعطى الثبات المكاني والإدراك الزماني المجانس لثبات الاشياء مكانيا أولوية على العقل.وفي هذا التناقض يصبح عدم إعتراف الفلسفات المثالية بالعقل والوجود خارج إدراك الفكر مقبولا دوغمائيا في المثالية، علما أن الفكر هو نتاج عقلي وليس نتاجا مكتسبا في أدراكه وتفسيره للاشياء وفي هذا مأزق الفلسفة المثالية إنكارها وجود العقل في تاكيدها على الفكر الذي هونتاج لصيق بالعقل. ونجد من ألمهم التنبيه أن العقل لا يفرز الأفكاروظائفيا، لكنه هو منتج الأفكار في عملية تخارج التفكير العقلي مع وجود الاشياء، وليس هناك من فكر لا يسبقه وجود أو موضوع.

(8)

رغم وجودية كيركارد التي أصبحت مادية لاحقا على أيدي هيدجر وسارتر، إلا أنه يذهب نحو مثالية لا تختلف عن المثالية التي يذهب لها فلاسفتها جميعا أنه لا وجود للاشياء ولا العالم الخارجي إلا في الوجود الصوري الإدراكي لها في الفكر فقط لا غير، وأن النسق الفلسفي يحتوي ويقرر ماهيات الاشياء والوجود من خلال الفكر المنطقي المجرّد، وذهب كيركارد نحو وجود غير مادي وغير ميتافيزيقي أيضا بالتبشير بعالم الوجدانات والاخلاق والعواطف الايمانية، معتبرا أن الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي لا خالقا لوجوده من خلاله. وفي هذا يخرج كيركارد عن وجوديته المادية في إستبدالها بوجودية إيمانية دينية صوفية مثالية.

الحقيقة الفلسفية هي محاولة إستدلالية دائمية في ملاحقة تطابق ما في الإذهان مع وجودها الإفتراضي الدائم في المطلق الفلسفي، كما أن الذات ليس بمقدورها تخليق وجود الاشياء بالتفكير الذهني المجرد بها، وحقائق الفكر الفلسفي الإفتراضية غير المتعّينة إلا بوسائل الإستدلال عليها، تبقى محتفظة بصفتها أنها صيرورة تطورية دائمية في مباحث الفلسفة. الاشياء المادية في العالم الخارجي الواقعي هي مبعث الادراك والفكر والاحساسات، لكن هذه الحلقات داخل منظومة العقل الادراكية ولا حتى العقل نفسه لا يستطيعوا خلق مادة أو متعيّن موجود واقعيا.

(9)

ذهب تطرّف براتراند رسل ومعه جورج مور ووايتهيد نوعا ما، فيما أطلقوا عليه الواقعية التحليلية الجديدة الانجليزية حصرا، في إعلائهم شأن معطيات ومدركات الحواس أهمية كبيرة وصلت براسل إعتباره تلك المعطيات الحسّية هي العقل بمعناه  التجريبي العلمي، وليس اللوغوس بمعناه الفلسفي الذي هو نتاج المعرفة بمختلف مباحثها وألوانها.

وأعتبررسل تكوين العقل العلمي يقوم على أولوية معطيات الحواس بخلاف أن المعرفة الفلسفية لا تنتج لنا سوى مناهج ونظريات في التفكير الذي لا يقود الوصول الى عقل تجريبي علمي.أنه من الواضح أن راسل أراد أن تكون الفلسفة علما تجريبيا يقودها العلم ولا تقوده هي.

في نفس المنحى الذي أشرنا له في الفقرة السابقة نجد أن ديفيد هيوم ذهب نحو علم النفس معتبرا أن ليس هناك معرفة مباشرة (للأنا)، بالمعنى الفلسفي الذي نفهمه أنه وعي الذات، وأنما الموجود هو النفس البشرية وليس الذات التي يشكك هيوم بوجودها، معتبرا النفس هي (حزمة من الافكار) المستمدة من معطيات الحواس، وقام بتطوير فكرته هذه في كتابه (تحليل العقل) الذي لم يكتف به نكرانه الذات الإنسانية بل ذهب أبعد من ذلك قوله (لا يوجد شيء إسمه المادة كما ولا يوجد شيء إسمه العقل). وبتعبير فلسفي يعتبر هيوم (أن ما يمّيز ماهو نفسي هو ذاتيته، وهذه الذاتية تعني ماديا تجميع معطيات الحواس وتركزّها في مكان واحد هو الدماغ).

لكن من المهم أن راسل ينكر على هيوم (وجود نفسي على هيئة جوهر قائم بذاته،) ومع ذلك فهو يقر لهيوم (أن الظواهر النفسية أكثر حقيقية من المادة لأننا لا نتوصل للمادة بإدراك مباشر لها مطلقا). من وجهة نظر هيوم وراسل أنه لا يسبق الوجود الانساني ولا الوجود الطبيعي قاطبة الأفكار المستمدة من معطيات الإدراك الحسّي للاشياء في وجودها المادي المستقل الذي ينكران إدراكنا له بغير الحواس التجريبية فقط، كما لا يوجد هناك عقل مستقبل لمجموع معطيات الحواس بما أطلقا عليه حزمة الافكار وتنظيمها عقليا،وأنما الموجود هو حزمة الأفكار ليست المستمدة عن وجود الاشياء السابق عليها في العالم الخارجي بل حزمة الأفكار في الدماغ التي بضوئها نستدل على وجود الاشياء من عدمه.ضاربين عرض الحائط حقيقة أنه لا وجود لفكر لا يتقدم عليه ويسبقه وجود.

من جهة ثانية نجد هيوم وراسل اللذين يدعوان إعتماد العقل الفلسفي تجريبيا كما في العلوم الطبيعية والرياضيات، يتوّسلان اللوغوس فلسفيا في تدعيم دعوتهم الى جعله مبحثا عقليا تحليليا علميا خارج مختبرات العلوم، وليس العكس المطلوب في أعتماد معطيات العلوم الطبيعية في الوصول الى قناعات فلسفية تأخذ من العلم تجريبيته التحليلية بما ينتشل مباحث الفلسفة من الدوران في فلك معرفة الوجود بوسائل تجريدية تستبعد العلم التحليلي والتجريبي. بإختصار العبارة الموجزة أن محاولة جعل مباحث الفلسفة (علما) لا يتم إلا بمنطق العلم الذي لا يلغي قدرات العقل العلمي البرهنة عليه فلسفيا.

(10)

الانسان كينونة وجودية تمتلك وجودها الظاهراتي والعقلي وماهيتها التي هي مجموع صفاتها وكيفياتها كانسان،  تجعل منه كينونة هويّاتية جوهرية ماهوية مستقلة. وفي هذه الخاصذية يتأكد إستحالة الإتحاد غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، أي بين الخالق الالهي والمخلوق الانساني كما تدّعيه الصوفية في تغاير (كيفيتين) أحداهما روحانية لا يدركها الانسان هي الخالق، والأخرى مادية تتمايز ذاتيا مع غيرها بقوانين الطبيعة زمكانيا وهي الانسان، ولا تلتقي كيفية الانسان المادية إلا مع كيفيات مادية تتجانس معها في كل أو بعض الصفات والماهيّات.

لغة الخيال هي قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر، بإختلاف أن لغة الفلسفة تخضع لسطوة العقل المنطقي في لجم الخيال أن يكون تهويميا،بينما الشعر يعيش ويخضع لمرجعية تنظيم اللغة وتنظيم خيال اللاشعورجماليا فنّيا أيضا بعد برودة عاطفة الشعر وبرودة تهويم اللاشعور العقلي في تدوين النص مسموعا أو مكتوبا أو جماليا ممثلا في نص شعري أو في لوحة فنية وفي جميع أنواع التشكيل الفني التي  تكون اللغة فيها في حالة كمون يستنطقها المتلقي المشاهد.

(11)

عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر الذي تعبّر عنه، رغم أن إنتاجية العقل للفكرسابق على إنتاجية الذات للغة، وكلاهما حوار غير معلن لشيء واحد، ويفترقان (اللغة والفكر) عن الخيال العقلي، والتمايز الدلالي بينها ايضا، متى ما أصبحت الفكرة واقعا ماديا معّبرا عنه لغويا يدركه الآخرون في عالم الاشياء.

الانسان ذات وموضوع يتبادلان الادراك بالتناوب داخل النوع.فالانسان يدرك الموضوع في وعيه العقلي أو الخيالي. والانسان يدرك ذاته بذاته عقليا ايضا. والموضوع لا يشترط أن يدرك ذاته ألا بشرط علاقته بمن يدركه وهو الانسان من نوعه، إذا كان وعي الذات ووعي الموضوع من نفس النوع.بمعنى أن يدرك الانسان غيره من البشر لا غيره من الكائنات في الطبيعة والعالم الخارجي. فهنا لا يكون الادراك بين الذات والموضوع متبادلا، بمعنى أن الانسان في هذه الحالة يدرك موضوعه، لكن موضوعه لا يدرك الانسان ولا وعيه به كموضوع لا يمتلك خاصيّة الإدراك العقلي.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

 

محمود محمد عليبعد وفاة ارسطو عام 322 ق.م. قام تلاميذه بجمع مؤلفاته وترتيبها وتنظيمها؛ فجمع عددًا من الرسائل ضُمت معا، ووضعت تحت عنوان الأورجانون أو آلة العلم، وأخذت كلمة المنطق معناها الحديث بعد ذلك بحوالي 500 سنة حين استخدمها الإسكندر الأفروديسي. وتحدد مجال دراسة المنطق بهذا الأورجانون، إلا أن هذه الكتابات لم تشكل كلا مرتبا لأنها كُتبت في أوقات مختلفة، وفي غياب خطة واحدة بعينها . كما أنها لم تنشر في حياة ارسطو نشرًا التزم فيه ترتيبا معينا، وكل ما حدث أنها كانت تتناول متفرقة. لذلك يصعب تحديد تواريخ لأعمال أرسطو، ولو بصورة تقريبية؛ فكثير منها كان في صورة مذكرات قصيرة يُستعان بها في المحاضرات، فضلاً عن أن عادة أرسطو قد جرت على أن يعيد تصحيح هذه الكتب باستمرار، ويستخدمها في الكتابات اللاحقة . وعلى كل حال، فإن ترتيب كتب أرسطو المنطقية على يد تلاميذه قد شكل التركيب المعروف للأورجانون الارسطي منذ أواخر الأزمنة القديمة .

ويتألف من ستة كتب منطقية مرتبة على النحو التالي:

1- المقولات Categoria Seu Praediecamenta، ويتناول مجموعة أساسية من المفاهيم. ويطلق على الفصول الخمسة الأخيرة اسم ” لواحق الحركة Post Praediecamemta .

2- العبارة  Perihermenias Seu Interpretatione، و يعالج تحليل القضايا والأحكام .

3- التحليلات الأولى Analytica Priora، ويتناول بالدراسة نظرية الأقيسة.

4- التحليلات الثانية: Analytica Posteriora (كتابان)، ويعالج نظرية البرهان العلمي .

5- الجدل Topica، Seu De Locis Communis (ثمانية كتب)، ويعالج فن البرهنة المحتملة .

6- السفسطة De Sophisticis Elenchis، ويعد هذا الكتاب بوجه عام الكتاب التاسع من الجدل ، وهو يعالج رفض الحجج السوفسطائية .

هذه الكتب الستة لا شك في نسبتها إلى ارسطو، وإن كانت هناك بعض الشكوك قد حامت حول كتاب المقولات، ذلك لأن الفصول الخمسة الأخيرة ” لواحق الحركة ” تبدو غريبة عن بقية الكتاب وطريقته . ويبدو أن هذا الكتاب كان ناقصاً، ثم جرى إتمامه بطريقة ملتوية، لذلك يغلب الظن أنها ليست من عمل أرسطو، بل من عمل أحد تلاميذه الأولين، ويخص المؤرخون بالذكر هنا ” ثاوفراسطس ” و” أوديموس”، وإن كانت فيها روح أرسطو سائدة، فهي علي الأقل لا تنطوي على شيء يُناقض تعاليم أرسطو، وهي وإن كانت من وضع تلميذ، فهو تلميذ وفي. وأن دلالة هذا الترتيب، هو أنه يبدأ من المفاهيم (المقولات)، ثم ما يتألف من دمج لمفهومين، وهي القضايا (العبارة)، فالقياس الناتج من دمج ثلاث قضايا (التحليلات الأولى)، فنصل هنا إلي النظرية الأساسية للاستدلال، تلك التي نقوم بدراستها في تطبيقاتها الرئيسة وفقاً لترتيب يبدأ من الأعلى إلى الأدنى: قياس برهاني (التحليلات الثانية)، فقياس جدلي (الجدل)، فقياس مغالطة ( السفسطة) .

وقد لاحظ عالم المنطق الفرنسي “روبير بلانشيه” في كتابه الشهير تاريخ المنطق من أرسطو حتي راٍسل": أن هناك شيئا من الافتعال في هذا ترتيب الأورجانون الأرسطي، ذلك لأننا لا نجد عند أرسطو في أي من أعماله نظرية متطورة عن ” المفهوم ” أو التصور، وكتاب المقولات لا يعالج هذا الأمر، بل يعالج تلك المفاهيم التي هي مقولات. هذا فضلاً عن أن أرسطو توصل إلى نظرية القياس في وقت متأخر نسبياً، ومن المؤكد أنه لم يكن قد توصل إليها حين كتب ” المقولات ” و ” العبارة ” . لذلك كان من الصعب أن نجعل هذين الكتابين مقدمة لنظرية القياس التي لم تكن قد ولدت بعد، ومن ثم لا يمكن أن تكون الكتب التالية لها تطبيقا لها، وهذا من شأنه أن يوحي بأن ترتيب الرسائل في الأورجانون لا يتطابق أيضا، وزمن تأليفها .ومع اعتراف “بلانشيه” بعدم وجود معايير خارجية دقيقة لمعرفة الترتيب الصحيح لكتب أرسطو، مثل إشارات من أرسطو، أو أحد المؤلفين القدماء، فإنه يطبق بعض المعايير الداخلية التي من أهمها تحليل كتب أرسطو من حيث مستواها المنطقي، لأن بعض كتب الاورجانون لا يتجاوز نصوص أفلاطون ومعاصريه، في حين يدل بعضها الآخر على قدرة منطقية خارقة، وعلى هذا الأساس وصل “بلانشيه”، كما وصل غيره من الباحثين، إلى ترجيح ترتيب كتب الأورجانون الأرسطي على النحو التالي:

1- المقولات .

2- الجدل .

3- السفسطة .

4- العبارة .

5- التحليلات الأولى.

6- التحليلات الثانية .

وهناك من الباحثين من يجعل ” التحليلات الثانية ” سابقا على ” التحليلات الأولى”، وهذا خطأ، لأننا نجد في ” التحليلات الثانية ” إحالات إلى نظرية القياس التي عرضت بالفعل في ” التحليلات الأولى” من قبل . وهكذا نري أن ” الأورجانون الأرسطي ” الذي نعرفه اليوم لم يكن من ترتيب أرسطو . كما أنه لم يكن يراعي الترتيب الزمني لهذه الكتب، وإنما كان من عمل تلاميذ أرسطو، وربما راعوا فيه الانتقال من البسيط إلى المركب، ومن المبادئ إلى تطبيقها .

وقد أضاف شراح أرسطو المتأخرون؛ وبالذات الإسكندر الأفروديسي، كتاب المدخل (إيساغوجي) الذي وضعه فوروفوريوس، وهو نوع من التقديم العام لمجمل المنطق، إلى هذه القائمة على أنه مجرد مقدمة لهذه الكتب التي تشكل ما يسمي بالأورجانون الأرسطي . لذلك لم يجد المتقدمون بأسًا من إقرار هذا الكتاب بغرض تيسير فهم كتب أرسطو الأخرى؛ فقد روى ” القفطي” في كتابة " إخبار العلماء بأخبار الحكماء ": أن:”البعض راح إلى فورفوريوس يشكو له خللاً داخلاً عليهم في كتب أرسطو ” ففهم ذلك وقال: كلام الحكيم (أرسطو) يحتاج إلى مقدمة، قصُر عن فهمها طلبة زماننا لفساد أذهانهم . وشرع في تصنيف كتاب إيساغوجي، فأخذ عنه، وأضيف إلي كتب أرسطو، وجعل أولًا لها، وسار مسير الشمس إلي يومنا هذا ” .

وهكذا أصبح إيساعوجي جزءا لا يتجزأ من الأورجانون الأرسطي؛ ولذلك وجدنا المستشرق “ديلاس أوليري” في "كتابه الفكر العربي ومكانته في التاريخ "يؤكد أن:” كتاب إيساغوجي Isagoge أو مقدمة مقولات أرسطو لفورفوريوس، قد اُستعمل قرونًا عديدة في الشرق والغرب بوصفه أوضح المتون التي تتناول منطق أرسطو، وأضبطها من الناحية العملية .. وأن هذا المنطق قد لقي شهرة عظيمة بامتياز عرضه في إيساغوجي ” .

ومن جهة أخرى فإن إضافة إيساغوجي إلي الأورجانون قد وجدت قبولاً وترحيباً أيضا من قِبل شراح مدرسة الإسكندرية الذين توسعوا فيه وأتموه، وعلي رأسهم “سيمبليقوس “و”أمونيوس”، اللذين حاولا أيضا إضافة كتابي الخطابة، والشعر لأرسطو ضمن الأورجانون الأرسطي، وفي هذا يقول العالم المنطقي الإنجليزي “نيقولا ريشر”:” ولدينا قدر طيب من المعلومات عن ترجمات السريان لمنطق أرسطو، ومازال الكثير منها موجودًا، وقد نشر بعضها (ويضم هذا كتب المقولات، والعبارة، والتحليلات الأولى) . وكان إيساعوجي فوروفويوس قد وضع على رأس الأورجانون المنطقي بوصفه مقدمة له، ثم أُضيف كتاب الخطابة وكتاب الشعر في النهاية (وقد أحدث الكتاب الأخير نوعا من الاضطراب للكتاب السريان – مثلهم في ذلك مثل خلفائهم العرب – إذ كان الأدب اليوناني، علي عكس العلم اليوناني والفلسفة اليونانية – كتابا مغلقا بالنسبة لهم تماما . ونتيجة لذلك وصل شراح المنطق الأرسطي من السريان إلى التنظيم الأساسي التالي للأعمال المنطقية . إيساغوجي (فورفوريوس)، المقولات، العبارة، التحليلات الأولى، الجدل، السفسطة، الخطابة، الشعر، وكان من المعتقد أن هذه الكتب التسعة تتعلق بفروع للمنطق متميزة نسبيا، ويقوم كل منها علي نصه القانوني . وقد أخذ العرب هذا البناء للمنطق الأرسطي، وأفضى بهم إلى التنظيم التالي لمادة موضوع المنطق” ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنان الآراء الدينية والسياسية عادة تبدو متجذرة في الأذهان، عصية على محاولات الإقناع العقلاني. (نتذكر كيف كانت امهاتنا يحذرننا من الحديث مع الغرباء عن الدين والسياسة). ولكن مؤخرا، جرى تسييس جميع انواع القضايا غير السياسية . الناس الذين على هامش السياسة يميلون لإنكار تقلّبات المناخ، يؤمنون بسطحية الارض، ويقفون بالضد من اللقاحات. لنرى ما هي مشكلة هؤلاء الناس؟ كيف يمكن لهم إنكار الحقائق الواضحة؟ ألا يهتمون بالدليل؟

لا نستطيع توضيح لماذا يتزايد عدد المتشددين حينا ويتراجع حينا آخر، رغم كثرة التفسيرات السائدة بين الناس. سنحاول هنا تقديم اسباب عدم نجاح العمليات العادية للجدال في إقناع الناس على الجانب الآخر. في ضوء ما تعلّمه الفلاسفة وعلماء النفس حول تركيب عقائدنا، فان التشبث بالرؤى المتطرفة هو ما يجب ان نتوقعه. لكي نرى سبب ذلك، نحتاج لفهم بعض أسس العقيدة.

المنطق والسياق

ان عقائدنا ليست متماسكة منطقيا. لا أحد يعتقد دائما حتى في النتائج المنطقية الواضحة لعقيدته، ونحن دائما ما نؤمن ببعض التناقضات المنطقية.

فمثلا، افرض ان محرك سيارتك لا يعمل . وبعد اختبارات بسيطة، مثل فحص الهورن والضوء تستنتج ان البطارية قد نفدت، وانت يجب ان تحاول ربط السيارة الى بطارية حية. لذا، ظاهرا، انت تعتقد انه

 1- "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة"، و

 2- "انت تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة" كأن يكون بربطها الى بطارية حية. كلا العقيدتين تبدوان متناقضتين منطقيا. ربما ان ما تعتقد به حقا هو ليس انك لا تستطيع ابدا تشغيل السيارة ببطارية ميتة، وانما انت تؤمن بعقيدة اكثر تحفظا وعناية وهي انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة بالطريقة العادية. ولكن مثل هذه الاستراتيجيات تعني اننا لانؤمن حقا بمعظم عقائدنا المعبّر عنها. ربما أفضل ستراتيجية هي الإعتراف اننا نؤمن "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة" فقط في المواقف التي نلجأ بها لتلك العقيدة، مثل عندما نحاول توضيح سبب عدم عمل محرك السيارة. عندما يتغير السياق، الى محاولة تشغيل السيارة، نحن نضع جانبا العقيدة "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة"، وبدلا من ذلك نحفز الايمان "بانك تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة عبر ربطها لبطارية حية".

ملاحظتنا هنا هي اننا نتمسك بجميع العقائد التي نعبّر عنها او نعتقد بها بفاعلية، لكن فقط في تلك السياقات التي نعبّر او نفكر بها . لو استطعنا تحديد السياقات التي تعمل فيها العقيدة، عندئذ نستطيع القول بالضبط بماذا نؤمن، بمعنى في مثل سياقات معينة، السيارة ذات البطارية الميتة سوف لن تعمل. لكننا من غير المحتمل ان نعرف جميع السياقات مثل الاعتقاد ان السيارة سوف لن تعمل، او انك تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة. وفي سياق جديد، بعضنا سوف يحفز عقيدة لا يؤمن بها الاخرون. وحتى عندما نتمسك بنفس العقيدة، نحن ربما لانزال نختلف حول السياقات الصحيحة التي يجب استدعائها. نحن جميعنا نؤمن بالحكمة "لاتقتل"، لكن نختلف حول السياقات الملائمة. فمثلا، هل تنطبق الحكمة على الحيوانات؟ وحتى لو حددنا السياق بالكائن البشري، لاتزال هناك خلافات حول السياقات الملائمة: القتل الرحيم؟ الاجهاض؟ عقوبة رأس المال؟ الحرب؟ العقائد لا تأتي معها تعليمات حول السياقات الملائمة.

الإنموذجات والتوضيحات and Explanations models

كوننا نستدعي عقائد معينة في سياقات معينة، واحيانا عقائد غير منسجمة ضمن سياقات اخرى، ذلك ليس عيبا ذهنيا، وانما ضرورة لكي نستطيع المضي في الحياة. نحن نفكر حول العالم ونتخذ ردود أفعال ملائمة تجاهه وفق إنموذجات فكرية – صور للعالم – مرتكزة على عقائد نراها ملائمة لذلك السياق. تلك الانموذجات تتجاهل عدة ظروف وتعقيدات ممكنة . وهكذا، عندما نستدعي العقيدة التي بموجبها نستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة عبر ربطها الى بطارية حية، بهذا نحن ربما نتجاهل إمكانية ان تكون السيارة ايضا خالية من الغاز، وهذا ليس جزءاً من سياق البطارية الميتة.

المسألة ليست مجرد غموض او عدم سعة افق ذهني حول مسائل رتيبة . العلماء ايضا، يعملون بإنموذجات لإستخدامها فقط في سياقات محددة. لنأخذ مثالا مشهورا. فيزياء نيوتن والنظرية العامة للنسبية لاينشتاين هما انموذجان غير منسجمان عن الكون لأنهما في بعض الظروف (مثل حقول الجاذبية القوية) يتنبآن بأشياء متناقضة. فيزياء نيوتن جرى استبدالها بفيزياء اينشتاين، ولكن في انواع المقاييس والحقول التي نواجهها في المواقف اليومية انها لاتزال تعطي الأجوبة الصحيحة وبصراحة وبديهية اكبر، لذا لاتزال تُستعمل بشكل واسع. لهذا، فان الفيزيائيين احيانا يستعملون فيزياء نيوتن، وفي احيان اخرى النسبية اعتمادا على السياق. ونفس الشيء، يستعمل الفيزيائيون نظرية الكوانتم في عدة مواقف ولكن ليس عندما يعدّون طعام الغداء.

من أين تأتي عقائدنا؟

في لحظة ما، انا اعتقد اني أجلس خلف طاولتي لكتابة مقال. حينما انهض من الطاولة، انا سوف أهمل عقيدة (هنا والآن) مفضلا عقيدة جديدة – ذلك لأني الآن أسير في أسفل القاعة، أتناول غداء، وهكذا فان عقائدي السابقة في (هنا والآن) اصبحت عقائد (هناك ومن ثم). لكن العديد من عقائدنا العامة حول العالم ليست مرتبطة بإحكام بالخبرة المباشرة. فمثلا، انا اعتقد أني أعيش في كوكب كروي. نحن نتمسك بمعظم عقائدنا العامة، مثل الاعتقاد في كروية الارض، لأن المصادر التي نثق بها مثل، الآباء، المعلمين، الأصدقاء، الكتب، التلفاز، الانترنيت هي التي أخبرتنا بذلك. نحن لا نعتقد بكل شيء قيل لنا وانما بالكيفية التي توصلنا بها الى معظم عقائدنا العامة.

ثقتنا في الناس الآخرين في توفير عقائدنا العامة هي مرة اخرى ليست عيبا في بنائنا الابستيمولوجي وانما هي قوة. صحيح، ان بعض عقائدنا التي فُرضت علينا إعتباطا سوف يثبت عيبها، ولكن أغلبها ليست كذلك. في الحقيقة، ان الحياة التي نقودها تعتمد على شبكة هائلة من المؤمنين المتخصصين الذين يقولون لنا ما نفكر. عندما نقود السيارة الى السوق لشراء لتر حليب، نحن ليس لدينا الكثير من العقائد التي نحتاجها لتصميم او تطوير سيارة او تكرير المعدن الذي تُصنع منه السيارة او الكازولين الذي يغذيها بالطاقة. ولا يجب ان نحتاج عدة عقائد مفيدة حول كيفية بناء طريق او طريقة حلب البقرة. من حسن الحظ، ان رحلتنا لشراء حليب لا تتطلب منا امتلاك هذه العقائد . يكفي ان الناس الآخرين لديهم العقائد الملائمة واننا نستطيع إستعمال المنتجات التي أتاحتها لنا تلك العقائد .

التجربة وتغيير العقيدة

عندما يحتاج احدنا الى خضراوات ويعتقد ان دكان البقال لازال مفتوحا، فسوف يتجه المرء الى هناك. ولكن عندما يصل الى البقال، يجده مغلقا. من الواضح، هو عليه ان يعدّل عقيدته حول ساعات عمل البقال. ومع إنكشاف الأحداث، والاندهاش بالنتائج، نحن باستمرار سوف نراجع عقائدنا . انه من السهل تعديل عقائدنا حول ساعات عمل البقال، ولكن ليس جميع المسائل المثيرة للدهشة يسهل حلها. لنسوق مثالا آخرا مشهورا، في بداية القرن العشرين وجد الفيزيائيون من الصعب تعديل عقائدهم ليأخذوا بالحسبان النتيجة المدهشة لتجربة مايكلسون ومورلي التي أثبتت ان سرعة الضوء لا تتغير مع اتجاه القياس، بالرغم من حركة الارض خلال الفضاء. هذا المأزق حُلّ فقط بعد تطوير اينشتاين لنظرية النسبية الخاصة، وهي النظرية التي كانت ايضا، مدهشة. عندما قال كوين (wvo Quine) في (من وجهة نظر منطقية، 1961)، كل واحد منا لديه عقائد هامشية يمكن التخلص منها بسهولة، ولكن ايضا لديه عقائد اكثر مركزية يصعب التخلص منها كلما اصبحت اكثر اهمية لحياتنا. بالطبع، الشيء الأساسي لي ربما هو هامشي لك، والعكس صحيح.

التجربة غير المتوقعة لاتخبرنا بذاتها عن أي عقيدة نستطيع تغييرها. نحن نستطيع التمسك بأي عقيدة عامة في وجه التجارب غير المتوقعة لو رغبنا في تعديل عقائدنا الاخرى. طبقا لكوين، الناس سوف يجرون تغييرا أقل تدميرا لعقائدهم عبر التخلي عن عقائدهم الهامشية والتمسك بتلك الأكثر مركزية لهم. حيث يقول كوين:

" ان معرفتنا او عقائدنا الكلية، بدءاً من المسائل الأكثر عرضية في التاريخ والجغرافية الى القوانين العميقة للفيزياء الذرية وحتى الرياضيات الخالصة والمنطق، هي نسيج من صنع الانسان تؤثر على التجربة فقط عند حدود الحافات... الصراع مع التجربة عند التعديلات الطارئة الخارجية في داخل الحقل.. لكن الحقل الكلي لايتقرر بظروفه الهامشية، او التجربة، لدرجة هناك مجال اكبر للخيار حول اي البيانات نعيد تقييمها في ضوء اي تجربة منفردة مضادة.. اي بيان يمكن الايمان به كحقيقة لو قمنا بتعديلات عنيفة و كافية في مكان آخر من النظام. حتى البيان القريب جدا من الهامش يمكن الايمان به كحقيقة في وجه التجربة المتمردة عبر اللجوء الى الهلوسة او الهذيان او عبر تعديل اقوال معينة من النوع الذي يسمى قوانين منطقية".

هذا ينطبق على العلماء بنفس القدر الذي ينطبق فيه على الناس العاديين. فمثلا، عندما أعلن الفيزيائيون في مشروع اوبيرا(OPERA ) في سبتمبر 2011 انهم لاحظوا نيترونات بدت تسافر أسرع من الضوء، معظم الفيزيائيين تبنّوا موقف (ننتظر ونرى). الايمان بسرعة الضوء كحد مطلق كان مركزيا جدا في الفيزياء. ولاحقا في جولاي تعقّب علماء اوبيرا النتيجة ووجدوها تعود لعيوب في أجهزة القياس لديهم.

ان رفض التخلّي عن العقائد المركزية ماعدى في الظروف الاستثنائية من المحتمل ان يحمينا من الحالة الدائمة للارتباك والتردد. بدون مثل هذه المعوقات الابستيمولوجية، سيكون من الصعب جعل الناس يتعاونون او حتى يتصرفون.

الارتباط بالجالية The community connection

غير ان بعض عقائدنا الأكثر أهمية ترتبط بالأفعال ولكن فقط بشكل فضفاض. عقائدنا الدينية ربما تقرر أي كنيسة نذهب وعدد مرات الذهاب، لكن الرؤى حول ولادة المسيح الطاهرة او التحولات الاسطورية (مثل تحويل الخبز والخمر الى لحم ودم المسيح) ربما لها تأثير قليل على أي من أفعالنا الاخرى. ونفس الشيء ينطبق على العقائد السياسية التي ربما تقرر كيفية التصويت، لكن هذا غير دائم ويبقى فعلا خاصا يأخذ القليل من الوقت. بالنسبة لمعظمنا، عقائدنا حول التجارة والهجرة او المسائل السياسية الاخرى هي من غير المحتمل ان تؤثر كثيرا على أفعالنا اليومية. حتى في هذا، يتم التمسك بالعقائد الدينية والسياسية و بقوة الى النقطة التي تكون فيها محصنة من الجدال الحضاري.

وبينما ارتباطها بالفعل ربما يكون ضعيفا، لكن ارتباط العقائد السياسية بالحزب السياسي او ارتباط العقائد الدينية بالجماعة المتدينة يمكن ان يكون قويا. في الحقيقة، ان حزبنا السياسي قد يقرر بعض رؤانا السياسية، والكنيسة التي نذهب اليها تقرر بعض معتقداتنا الدينية بدلا من العكس. لذا، وبعيدا عن كونها جزءاً اساسي من الهوية الذاتية، ديننا او العقائد السياسية ربما ايضا تصبح مركزية للعديد منا لأن تغييرها قد يتطلب تغيير حلقاتنا الاجتماعية.

لماذا لا نتفق؟

الان نستطيع ان نرى لماذا بعض الخلافات يصعب جدا حلها بالجدال العقلاني المهذب.

اولا، الناس ربما يتمسكون بعقائد تبدو كأنها متناقضة لأنهم يستعملون عقائدهم بمختلف السياقات.

ثانيا، الناس يختلفون في أي العقائد هي مركزية لحياتهم، وأي منها هامشية، من غير الواضح ان كانت نشأت بفعل تجربة مقلقة ام بفعل جدال عقلاني مهذب، مختلف الناس ربما يختارون تعديل عقائدهم المختلفة.

ثالثا، العديد من العقائد لا تُشتق من التجربة الشخصية وانما من جماعة موثوقة، ولهذا السبب فان التخلّي عن تلك العقائد قد يهدد الروابط مع الجماعة.

هذه العقبات للاتفاق تبرز من الخصائص العامة والمفيدة لنفسية الانسان. حالات عدم الاتفاق تجعلنا نبحث عن معايير موضوعية. هناك العديد من الآراء، ولكن يمكن ان يكون هناك فقط موضوع واحد حقيقي . لكن الحقيقة ثبت انها زبون متقلب وغامض. نحن نأخذ عقائدنا حول العالم الخارجي لتمثّل العالم، وانها حقيقية للدرجة التي تكون بها تلك التمثلات دقيقة. واذا كان بعض الفلاسفة جادلوا بأن طبيعة العالم الخارجي هي بالنهاية لايمكن معرفتها، لكن أغلبنا مع ذلك يفترض ان هناك عالم خارجي يوجد بشكل مستقل عن كيفية تفكيرنا حوله بدلا من أخذ الرؤية الشكوكية حول العالم الخارجي. وكما جادل ديفد هيوم، انه افتراض يستحيل تجنبه:

"المحطم الاكبر.. للمبادئ المفرطة للشك هو الفعل والاستخدام، ومهن الحياة العامة. تلك المبادئ المشككة ربما تزدهر وتنتصر في المدارس الفلسفية، وحيث انها، من الصعب حقا ان لم يكن من المستحيل تفنيدها. ولكن حالما هي تغادر الظل، وبوجود الاشياء الواقعية التي تنشّط عواطفنا ومشاعرنا، ستوضع بالضد من المبادئ الأكثر قوة في طبيعتنا، انها تتلاشى كالدخان وتترك المشكك المتصلب والأكثر تصميما يعيش في نفس الظروف كالبشر الاخرين". (تحقيق يتعلق بالفهم الانساني، قسم 12، جزء 11، 1748).

لكن الاعتقاد بان هناك عالم خارجي لن يحل مشاكلنا، لأن هناك عدة تمثلات دقيقة لذلك العالم. لو أخذنا تمثلات الاستعارة بشكل جاد، فان عناصر العقيدة ستطابق عناصر العالم، والعلاقات بين عناصر العقيدة سوف تتبع العلاقات بين العناصر المطابقة للعالم. لهذا عقائدنا سوف تمثّل العالم بنفس الطريقة التي تكون فيها خارطة الطريق تمثل المناظر في الطبيعة. النقاط المشار اليها على الخارطة تتطابق مع المدن والقرى، والخطوط المسماة تتطابق مع الطرق الفرعية والطرق السريعة.غير اننا لا نستطيع القفز خارج تجربتنا لنفهم اشياء العالم الخارجي والارتباطات المتداخلة بطريقة مستقلة عن التجربة. نحن عالقون في الجانب التجريبي، ونستطيع معرفة العالم مستقلا عن تجاربنا فقط كسبب افتراضي لتجاربنا وعقائدنا المترتبة على ذلك .

الحقيقة والبراجماتية

نظرية اخرى للحقيقة هي البراجماتية التي ترى ان العقائد تكون صحيحة اذا ساعدتنا في الوصول الى التجارب التي نرغبها. ان قوة هذه النظرية هي إخلاصها للطريقة التي بها حقا نعدّل عقائدنا. عندما يقود التصرف وفق عقائدنا الى تجارب غير متوقعة، نحن سنغير عقائدنا بدون الخوف من أي علاقات غير معروفة بين عقائدنا والعالم الخارجي.

المشكلة مع البرجماتية هي ان أهدافنا تتغير، لذا فأن العقائد المتصارعة ربما مفيدة للناس ذوي الأهداف المختلفة. شارل ساندر بيرس، مؤسس البرجماتية الامريكية حاول حل هذه المشكلة بالقول انه، في النهاية، أنظمة عقائدنا المختلفة سوف تتلاقى في مجموعة منفردة من العقائد المثلى التي تمكّن كل واحد منا تحقيق أهدافه المختلفة. هذه العقائد (الأفضل لكل شخص) ستصبح هي الصحيحة (لعقيدة كل شخص) (الاوراق الملتقطة لشارلس ساندر بيرس، ص267، 1935). ولكن في ضوء التنوع في أهدافنا ومواقفنا سوف لن تكون لدينا ابدا مجموعة من العقائد التي تفيد كل شخص. نحن محكوم علينا بنماذج مجزأة ومتعددة للعالم، ولذلك فان النماذج غير المنسجمة ستخدم على افضل وجه حاجات مختلف الناس في مختلف المواقف والاهداف.

مرة اخرى الخرائط توفر انموذجا مريحا لهذا المفهوم. في التنقل حول العالم، نستعمل مختلف الخرائط اعتمادا على المكان الذي نذهب اليه وكيفية الذهاب – هناك خرائط طرق للسياقة، الابحار في البحر، المسارات الخاصة للمشي، وهكذا. كل خارطة تتجاهل الكثير من الحقائق حول الاقاليم المثبتة في الخرائط لأنها حُكم عليها بشكل غير ملائم لأهداف المستعمل المقصودة. نحن نقول ان الخرائط دقيقة (صحيحة) عندما يقودنا اتّباعها الى المكان الذي نريد الذهاب اليه، حتى عندما يقود الناس ذوي الاهداف الاخرى الى الضلال. ونفس الشيء، لكي نرشد أفعالنا، نحن نستعمل عقائد (او نماذج فكرية) ملائمة لمواقفنا الفردية وأهدافنا. الناس في المواقف الاخرى وبأهداف مختلفة ربما يستفيدون من امتلاك عقائد اخرى.

ماذا نعمل؟

مع عدم وجود معيار موضوعي للحقيقة، كيف نتصرف بشأن تعديل عقائد الافراد الآخرين؟ الناس الذين لايشتركون بالعقائد ربما ببساطة لديهم أهداف مختلفة. ألم يكن (عش ودعه يعيش) هو الجواب المناسب للاختلافات في العقائد؟ نحن ربما سعداء لترك كل شخص يتخذ طريقه في الأفضليات الادبية او الموسيقية، والمسائل الاخرى للذوق الشخصي، لكن ليس عندما نأتي الى المسائل التي تؤثر على الآخرين. فمثلا، ربما نكون سعداء في السماح للناس الذين يرفضون اللقاحات في ان يختاروا ويعانوا النتائج. ولكن ماذا لو خلقت تلك النتائج معاناة للناس الذين لايستطيعون اللقاح بأمان، مثل المواليد الجدد؟ العقائد المضادة للّقاح لم تكن هناك بالصدفة، وهي من غير المحتمل ان تُزاح بالجدال. الحجج التي يعرضها المعارضون للقاح ربما تبدو سخيفة لنا، وهم ربما يشعرون نفس الشيء حول حججنا. ولكن اذا كانت الحجج لا تعمل فما العمل؟

الناس يغيّرون فعلا عقائدهم المركزية، ولكن فقط كنتيجة لحدث شخصي خالص، مثل الوقوع في الحب او موت أحد الاقارب او انتشار واسع لوباء او كارثة كالحرب. الأحداث الشخصية هي غير متنبأ بها، والكوارث غير مرغوبة لذا لايمكننا الوثوق بها في تغيير العقائد. الصراخ عند او السخرية من حجج الخصوم الاخرى قد يجعلنا نشعر جيدا ونقوّي ارتباطنا بعقائدنا الجماعية، ولكن من غير المحتمل تغيير عقائدهم. بالنهاية، هل ان صراخ وسخرية الجانب الآخر غيّر من عقيدتك سوى تخفيض انطباعك عن ذكائهم او اخلاقهم؟ القمع يُستخدم باستمرار لإسكات الناس ذوي العقائد غير المريحة، ولكنه لا يبدو منسجما مع نوع المجتمع المنفتح الذي يفضله أغلب الناس. ورغم ان القمع قد ينجح لفترة قصيرة، لكنه عادة يفشل في المدى البعيد.

تبنّي رؤية طويلة الأجل

اذاً ما مدى قدرتنا على جدال شخص ما انطلاقا من عقيدة ربما تبدو شاذة لنا؟ في جدالهم معنا ومهما كانت العقيدة التي لدينا هم يعتبرونها شاذة. ان نوع التغيير الذي نتحدث عنه يأخذ وقتا وربما أجيالا. هناك عدة أشياء يجب إبقائها في الذهن وهي:

1- كل واحد منا يعتمد على شبكة واسعة من المعتقدين الآخرين للوصول لأهدافنا المختارة. تبنّي عقائد من الناس الآخرين او على الاقل السماح لهم الاستمرار بالعقيدة، هو ضرورة لو اردنا ان نعيش كما نريد. ربما أنا لا أفهم ميكانيكا الكوانتم، لكني سعيد ان الآخرين يفهمونها. الاعتماد على عقائد الآخرين نادرا ما يتطلب منا التخلي عن عقائدنا العميقة. عندما أذهب لشراء حليب لا يهمني عقيدة البقال السياسية والدينية.

نحن عموما نستفيد عبر تعظيم عدد الناس الذين يساهمون في شبكة عقيدتنا. ونحن نعاني عندما يُمنع او لا يُشجع الناس للانخراط في حقل او في التعليم او في خدمات يحتاجونها، بسبب عرقهم وجنسهم ودينهم او بسبب السياسة او اي عوامل اخرى ليس لها علاقة بمقدرتهم على المساهمة.

اخيرا، من الأحسن لو كنا لا نمتلك كلنا نفس العقيدة. في المشكلة الشائكة نحن سوف نحتاج الاختيار من بين نطاق واسع من الحلول المقترحة. الرؤى غير التقليدية يجب ان يُسمح بها حتى لو لم يتم تبنّيها.

الرؤى المتطرفة هي في مد وجزر، لكن النزعة الطويلة الأجل تبدو مفضلة. النقل السريع وانظمة الاتصالات تسارعت في الفترات الاخيرة. المجتمعات المنعزلة في السابق ذات العقائد المتجانسة فجأة وجدت ان يقينياتها امام التساؤل. هم قاوموا واستمروا في الكفاح ولكن بلا أمل. الافكار والعقائد تتسرب، ثم تندفع عبر الحدود . ربما هنا بدايات وتوقفات، تقدّم وتراجع، لكن النتيجة النهائية تبدو واضحة:

في المجتمع المعولم تمتلك مختلف المجتمعات الفرعية عقائدها الخاصة وطرقها في عمل الاشياء، لكنها يجب ان تكون متسامحة في الطرق الاخرى للحياة .

تغيير العقائد الاساسية ربما امر صعب، ولكن على الأقل ان لا يعتقد أطفالنا بكل الهراء الذي نؤمن به. ان ضغط الأحداث سوف يحوّلهم تدريجيا نحو عقائد تعمل لهم، عقائد توسّع ايمان الجالية بينما تحتفظ عالميا بتنوّع الرؤى. انها عملية لا يمكن فرضها ولكنها تبدو حتمية.

 

حاتم حميد محسن

..........................

The Tree of Knowledge, The Limits of Argument, Philosophy Now.Feb/March2021

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نحاول أن ننهي حديثنا عن تجديد الخطاب العقدي في المدرسة الأشعرية، وهنا نقول: يعد الجويني أول من فتح الباب علي مصرعيه لتلميذه الغزالي الذي سيستخدم المنطق بشكل واضح في الدراسات الكلامية والفقهية . وهنا يمكن لنا أن ندرك إلي أي مدي ستكون حاجة الغزالي إلي المنطق، وإلي القياس الأرسطي بالذات، إنه سيكون في حجاة إليه لتقرير عقائد الأشعرية ضد المعتزلة الذين ظلوا متمسكين بمنهجهم المفضل " الاستدلال بالشاهد علي الغائب" وسيكون في حاجة إليه أكثر للرد علي التعليمة الباطنية الذين يبطلون الرأي والقياس، ويقولون بضرورة الأخذ من المعلم المعصوم، وسيكون في حاجة إليه أيضا لبيان تهافت الفلاسفة أنفسهم .

هذه الحجة الماسة إلي المنطق ستدفع الغزالي إلي تطويعه داخل الفكر الأشعري، إلي حد القول أنه هو القسطاس المستقيم، الذي عرض به القرآن العقيدة الإسلامية ورد به علي المجادلين الكفار، وأن أشكال القياس الأرسطي، هي نفسها " موازين القرىن "، كما أن الحاجة إلي المنطق ضريوة في علم الكلام لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات وحراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة والرد علي الباطنية .

فإعجاب الغزالي بالمنطق، ومحاولة ربطه بالدراسات الكلامية، جعل متأخري الأشاعرة يبدأون بحوثهم الكلامية بعرض المسائل المنطقية والمنهجية، والحديث عن طرائق العلم وأنواع الاستدلالات قبل الخوض في المسائل الكلامية، ومن هؤلاء " فخر الدين الرازي"، الذي استوعب الفلسفة المشائية الإسلامية، ثم كان أول من أدخل هذه الفلسفة في علم الكلام، ونتيجة لما قام به الرازي أصبح علم الكلام فلسفة، ويمكن القول بعبارة أخري أنه جعل تلك الفلسفة كلاما، وهكذا امتزج علم الكلام بالفلسفة .

وإذا كان الرازي قد أدخل الفلسفة في علم الكلام، فإنه علي ضوء الفلسفة المشائية السينوية، قد أعطي اتجاها جديدا لعلم الكلام.

فلقد ابتكر الرازي طريقة جديدة في تصنيف المؤلفات العقائدية، قبل تكوين المذاهب الكلامية الخاصة، حيث إستن في كتابه " المحصل " سنة في تبويب المشاكل الكلامية وتقسيمها، وسار عليها معظم من جاءوا بعده، من أمثال " الآمدي " و " البيضاوي" و" الإيجي"، وهو في الجملة ممتاز في التقسيم والتبويب، فهو إذا عرض لمسألة كلامية أو لمشكلة فلسفية استعرض وجهات النظر المختلفة فيها في تصنيف جامع، مع ربط محكم لكل ما يتصل بالموضوع من موضوعات أخري . وقد يجر الموضوع الكلامي أو الفلسفي إلي أبحاث لغوية أو تفسيرية في عرضه لها دون أن يفلت منه زمام، وهو إذ يناقش وجات النظر التي يعرض لها، يحدد موقفه الذي يعتقد أنه الحق، ويدافع عنه، وإذا كانت للرازي تلك القدرة الفائقة علي العرض والطلب، فإن القارئ الذي ليس له سعة إطلاع في مختلف العلوم قد لا يتمكن أن يلاحقه بفكرة في تقسيماته وتفريعاته وتشقيقاته .

ولذلك يمثل الرازي طفرة ممتازة ومرحلة متميزة في تطور كل من المذهب والمنهج الأشعريين، وعلي ارغم من أته قد خالف الأشعري والغزالي في بعض القواعد والأصول، فإنه تأثر ببعض آرائهم، وبخاصة في منهجه الجدلي؛ حيث يقوم جدله علي تعدد الأدلة مثل، وتسيطر عليه نزعة فلسفية مثل تلك التي توجد لدي الغزالي، وهو يستخدم التعريف والتقسيم كسابقيه ويهتم بالقضايا الشرطية " المتصلة والمنفصلة"، ويعرض الأفكار في أشكالها المختلفة، ويقلب الموضوع علي كافة وجوهه في كل معانيه، وهو يستخدم بكثرة هذا المنهج في واحد من أهم كتبه الجدلية وهو " اساس التقديس".

ويعتبر الرازي آخر ممثل كبير لمدرسة الأشاعرة، ولذين جاءوا بعده يتوخون منهجه ويبدو ذلك واضحا لدي "الآمدي" في كتابه " غاية المرام في علم الكلام"، وأيضاً البيضاوي في كتابه " طوالع الأنوار من مطالع الأنظار ".

وهذان الكتابان يمثلان أعظم دراسة تحاكي صنيع فخر الدين الرازي في كتابه " المباحث المشرقية" وكتابه "المحصل" .

كما نجد هذا الاتجاه أكثر بروزا عند متأخري الأشاعرة، وقد تمثل ذلك لدي " عضد الدين الإيجي (680هـ- 756هـ)" في كتابه " المواقف في علم الكلام "، وهو موسوعة كلامية فلسفية، استطاع من خلالها أن يقحم لموضوعات المنطقية واللغوية والميتافيزيقية في علم الكلام ؛ فقد تمكن الإيجي بقدرته الفائقة من تقديم نسق محكم مترابطة موضوعاته متبعاً المنهج المقارن بين المتكلمين بعضها ببعض، حقيقة لقد تضاءل موضوع العقائد، إذا قورن بما عرض له من موضوعات، مع أن العقائد هما موضوع علم الكلام، ومع ذلك فالقارئ، يستطيع أن يلمس الصلة الوثيقة بين الموضوعات الميتافيزيقية أو المنطقية أو الطبيعية، وبين علم الكلام، إلي حد يمكن معه القول بأن موضوعات أصول الدين، هي محور الموضوعات الأخري .

بل إن البحث في العقائد قد اقتضي منه تخليلاً منطقياُ فلسفياُ لموضوع الوحدة والكثرة ونظريتي: شيئية المعدوم والموجود، قد اقتضيا منه تفصيل القول في العلة والمعلول . وهكذا نجده في بقية المسائل التي عرض لها بالحث .

وهنا يتضح لنا مدي تطور الدراسات المنطقية في العلوم الكلامية عند الإيجي، ولقد قلده المتأخرون بدون أن يضيفوا تطورات في المنهج، وقد تمثل ذلك لدي " سعد الدين التفتازاني (ت: 791هـ - 1389م) صاحب كتاب " المقاصد "، وفي هذا الكتاب قامت الدراسات العقلية في العالم الإسلامي إلي أخريات القرن التاسع الهجري خلطت فيها الفلسفة خلطاً تاماً .

وفي القرن التاسع الهجري، نجد السنوسي (ت: 895هـ-1490م)، الذي يعد أكبر ممثل للأشعرية في شمال أفريقيا بعد المهدي بن تومرت (ت:524هـ) وكتابه " السنوسة" أو " عقيدة التوحيد" من متون ادلراسات الكلامية التقليدية في القرون الأخيرة، يقف السنوسي دائما إلي جانب الأشاعرة، ويرفض الآراء الأخري، يأخذ برأي الأشعري في الغالب، وقد يؤثر عليه رأي الباقلاني أو إمام الحرمين " الجويني" في بعض التفاصيل والجزئيات .

ويلاحظ بوجه عام، أن الأشاعرة المتأخرين يرددون آراء السابقين من أمثال الغزالي، والفخر الرازي، وقل أن يضيفوا جديدا في الدراسات الكلامية والمنطقية.

وحول الطرق التي عالج بها المتكلمون موضوعا المنطق اليوناني فيمكن القول بأنه: إذا كان الإسلام بعد فتحه العظيم للبلدان، قد واجه نحلا ومذاهب كثيرة، فإن تلك النحل والمذاهب كانت قد فلسفت مبادئها عشرات اللاهوتيين والفلاسفة، ولم تكن مجابهتها ومناقشتها أمرا سهلا، إن مجرد حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتفسيرهما علي ظاهرهما المتلو، لم يكن كافيا لمواجهة المسارب العقلية الصحيحة والملتوية، وإثارتها لمئات من الأسئلة والقضايا الفكرية وكانت الحاجة ماسة إلي عقلية واعية ومنطق جديد يفهم كتاب الله وسنة رسوله، ويغوص في معانيهما ومقاصدهما ومراميهما، ويستخلص منهما ما أثاره أعداء الإسلام من البلبلة الفكرية والشكوك المطروحة والشبهات الكثيرة، ولا سيما أنها بداـ تجد أعوانا وعقولا ومسارب في حياة المسلمين .

كانت هذه هي الحاجة الفعلية التي دفعت معظم متكلمي وفقهاء الأشاعرة من أمثال " ابي الحسن الأشعري" و" الباقلاني" و" الجويني" و" الغزالي" و" الرازي" و"المدي" وغيرهم من أعلام المتكلمين، كي يواجهوا هذا الخطر الداهم بعد الجهد الذي بذله رجال المعتزلة الأوائل .

لذلك كله، استطاع علماء الكلام، وخاصة المتأخرون منهم، أن يرتبوا عقائدهم الدينية علي أصول عقلية، وأن يوجدوا لأنفسهم كلاما منطقيا مدققا، وأ، يتقنوا المجادلة والمناظرة، حيث وجدوا أنهم لن يتمكنوا من مجاراة مخالفيهم من المسلمين وغير المسلمين، ولن تتهيأ لهم الغلبة عليهم إلآ أن يهدموا مثلهم إلي دراسة الفلسفة والمنطق، ويستعينوا بها في دعم حججهم وتوقيه آرائهم، فالأدلة النقلية بظاهر نصوصها الدينية وحدها، قد تكون أحيانا غير كافية لإقحام الخصوم وإلزامهم الحجة، وما لم تضع هذه الأدلة صياغة عقلية، فإنها تظل تفتقر إلي البراهين العقلية التي تسنندها وتظهر صحة القضايا التي وضعت البراهين لإثباتها .

وهكذا أقبل علماء الكلام علي دراسة الفلسفة والمنطق، كيما يتأتي لهم أن يحاربوا خصوم الدين الإسلامي بنفس سلاحهم، ويخاطبوهم باللغة التي اعتادوا عليها وألفوها.

ولعل هذه الحاجة الماسة إلي المنطق، هي التي دفعت الغزالي إلي ربط المنق بالدراسات الكلامية، ومن مظاهر ربطه المنطق بالدراسات الكلامية كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد"، والفكرة الرئيسية التي يدور حولها هذا الكتاب، هي وجوب استخدامنا لعقولنا عند فهمنا لنصوص الشرع، وذلك بأن نلتمس بين الطرفين ( أعني المنطق والفقه) طريقا تصان فيه أحكام الدين وأحكام العقل معاً، فلا يصح، من جهة أمن نجمد النصوص جمودا يجعلنا في تناقض مع منطق العقل .

كما لا يصح من جهة أخري أن نذهب مع منطق العقل إلي حد خروجنا علي النصوص الدينية، ولقد ختم الغزالي كتابه بفقرة تلخص موقفه هذا إذ قال في تلك الفقرة الخاتمة لكتابه:" ولنختم الكتاب بهذا، فقد أظهرنا الاقتصاد في الاعتقاد، وحذفنا الحشو والفضول المستغني عنه، الخارج عن أمهات العقائد وقواعدها، واقتصرنا من أدلة ما أوردناه، علي الجلي الواضح الذي لا تقتصر أكثر الأفهام عند دركه .

وكان من أهم العبارات دلالة ومن أقواها توضيحا لموقفه، هي كذلك من أهداها لنا نحن في عصرنا هذا، الذي أخذنا نتخبط فيه بين غلو المتطرفين وإسرافهم في تضييق الخناق علي أنفسهم وعلي الناس جميعا، هذه العبارات:" فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن، مثاله مثل المتعرض لنور الشمس، مغمضاً للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان، فالعقل مع الشرع نور علي نور " .

وهكذا أخذ الغزالي في كتابه هذا، يعاود العقل مرة بعد مرة في وجوب التوفيق بين نصوص الشرع من جهة، وبين مقتضيات العقل أو المنطق من جهة أخري، وإذا كان الغزالي قد ربط المنطق بالدراسات الكلامية، فإن هذا المنطق لم يكن إلا المنطق الصوري القائم علي القياس لا المنطق المادي القائم علي الاستقراء ؛ فقد تحدث الغزالي عن نقاط الضعف في الاستقراء مبينا عدم صلاحيته في المباحث العقلية، فبدأ بتعريفه بأنه " تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها علي أمر يشتمل تلك الجزئيات "، ثم نسبته لجزئيات أخري لم تكن في نطاق البحث مما يجعل نتيجته ظنية ؛ وذلك لأنه لا يصلح في المباحث الإلهية، نظراً لاختلاف طبيعة كل من الغائب والشاهد، وقد عبر عن هذا المعني بوضوح تلميذ الغزالي وهو الآمدي، إذ يقول:" فلا يخفي أن ما حكم به علي أحد المختلفين غير لازم أن يحكم به علي الآخر، لجواز أن يكون من خصائص ما حكم به عليه، دون الأخذ وذلك كما إذا كمنا علي الإنسان بأنه ضاحك مثلا أخذ من استقراء جزئيات نوع الإنسان، فإنه لا يلزم مثله في الفرس لمخالف له في حقيقته" .

غير أن مثل هذا الاستقراء غير ممكن في مجال الإلهيات، إذ كيف يتناول البحث والنظر هذا (الغائب) المتعالي علي وسائل الإدراك العادية؟ وحين يقدر لنا إدراك حقيقته فما أغنانا عندئذ عن تتبع أي جزئيات أخري في الواقع (الشاهد)؛ أي أن الآمدي يريد أن يقول أن هذا المنهج فيما يتصل بالمباحث الإلهية غير ممكن وغير مفد أيضاً، وحتي ولو كان ممكنا ( ولو قدر أن ذلك غير محال، فالاستقراء إما أن يتناول الغائب أو ليس، فإن تناوله فهو محل النزاع ولا حاجة إلي استقراء غيره وإن لم يتناوله، بل وقع لغيره من الجزئيات فهو لا محالة – استقراء ناقص، وليس بصادق كما بيناه، وهذا لا محيص عنه " .

وقد كرر الآمدي هذه الوجوه من النقد في مواضع عديدة من كتابه " غاية المرام في علم الكلام ".

وبعد هذا النقد الدقيق للاستقراء، يتوجه الغزالي إلي المنطق الصوري القائم علي التصورات والتصديقات، أعني المنطق الذي يكون مستقلا عن كل مضمون للمتكلم والفقيه والمحدث والمناظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات، لأن مهمته الوقوف علي كافة الحقائق وتمييزها من الأباطيل .

ومن أجل ذلك اتجه معظم مكلمي وفقها الأشاعرة، بعد الغزالي إلي إدخال بعض التعديلات علي موضوع المنطق، وحذف بعض كتب " الاورجانون العربي"، حتي يصلوا إلي المعني الصوري الخالص، حيث تكون عنايته متجهة نحو دراسة صور الفكر.

وقد عبر ابن خلدون عن هذا الأمر بوضوح في الذي عقده عن المنطق في مقدمته، حيث قال:" .. ثم جاء المتأخرون، فغيروا اصطلاح المنطق وألحقوا النظر في الكليات الخمس ثمرته، وهي الكلام في الحدود والرسوم نقلوها من كتاب البرهان، وحذفوا كتاب العبارة الكلام في العكس، لأنه من توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه، ثم تكلموا في القياس، من حيث إنتاج المطالب علي العموم لا بحسب مادته، وحذفوا النظر فيه بحسب مادته، وهي الكتب الخمسة: البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة، وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما، وأغفلوها كأن لم تكن، وهي المهم المعتمد في الفن، ثم تكلموا فيما وصفوه من ذلك كلاما مستبصرا ونظروا فيه، من حيث أنه فن برأسه، لا من حيث أنه آله للعلوم فطال الكلام فيه واتسع، وأول من فعل ذلك الإمام فخر الدين بن الخطيب (الرازي)، ومن بعده أفضل الدين الخونجي وعلي كتابه معتمد المشارقة لهذا العهد، وله في هذه الصناعة كتاب " كشف الأسرار "، وهو طويل، واختصر فيه مختصر " الموجز"، وهو حسن في التعليم، ثم مختصر " الجمل " في قدر أربعة أوراق، وأخذ بمجامع الفن وأصوله، فتداوله المتكلمون لهذا العهد، فانتفعوا به، وهجرت كتب المتقدمين، كأن لم تكن، وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته " .

من هذا النص نستطيع أن نتبين موقف المتأخرين، فبينما أخذ الفلاسفة المشاؤون المسلمون (أعني الفارابي وابن سينا) المنطق علي أنه صوري ومادي معاً، نقول بينما كان موقف الفلاسفة المشائيين " المتقدمين " هو هذا، وهو أمر يمكن استنباطه من هذا النص، كان موقف المتأخرين مناقضاً لذلك، فقدوا أخذوا يدخلون بعض التعديلات علي موضوع المنطق، ويحذفون بعض محتويات الاورجانون، حتي يصلوا بالمنطق إلي المعني الصوري الخالص ؛ حيث تكون عنايته متجهة نحو دراسة صور الفكر.

ولهذا السبب غير المتأخرون اصطلاح، عما كان عليه عند المتقدمين وحذفوا الكتب التي كانت تتحدث عن المنطق بحسب مادته ولم يبقوا إلا علي تلك الكتب التي تؤدي إلي إنتاج المطالب علي العموم .

وهكذا اصطبغت الدراسات المنطقية بالصبغة الصورية الخالصة علي يد المتأخرون، وهو أمر كان له أثره علي طبيعة الدراسات المنطقية في الإسلام، إذ بدأ واضحاً لدي المتأخرين تحرير الدراسات المنطقية من الفلسفة، فالمنطق ليس جزء من الفلسفة، بل آلة للبحث العقلي بوجه عام، وهو آداة تعليمية ضرورية لجميع النظم المعقولة .

ونجد في مقدمة ابن خلدون وصفا لعملية الاستئناس الديني للمنطق ذكره نيقولا ريشر حيث قال:" إن علماء الكلام الحاليين منذ الغزالي، قد اعتبروا أفكار المناطقة عن التوافق العقلي أفكارا صحيحة، ولذلك قرروا أن المنطق لا يتعارض مع العقائد الإيمانية، حتي رغم أنه يتعارض مع بعض الحجج القائمة عليها، والواقع أنهم قد وصلوا إلي أن مقدمات علماء الكلام التأمليين كانت خاطئة لأن حجج علماء الكلام الـمليين علي القواعد الإيمانية استعاضت عما ثبت صحته من الحجج الأخرى بالتأمل، أو بالتفكير التمثيلي (أي القياس)، وأقروا بأن هذا لا يتعارض مع أي وجه مع القواعد الإيمانية السلفية، وهذا ما قال به فخر الدين الرازي ومن قبله الغزالي، ومن تابعهم من معارضتهم .

ولقد قيل أن الفلسفة ليست وحدها التي هي بحاجة إلي المنطق، بل تحتاجه الرياضيات ويحتاجه الطب، بل يحتاجه حتي القانون وعلم الكلام ذاته، وكان هذا الأمر واحدا من الموضوعات لكتاب "ابن رشد (ت: 595هـ)"، وهو " فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال "، ولقد أصح الرأي القائل بأن المنطق هو أداة يمكن تطبيقها بصورة شاملة لتمييز طرق التفكير الصحيحة من الطرق المغالطة، رأيا شائعا علي نطاق واسع، ومعترفا به من ثقاة الكتاب والباحثين والمؤرخين، من أمثال " ابن خلدون"، ولكن مما لا نزاع فيه أن أهم عامل منفرد أدي إلي الاعتراف بأهمية المنطق، وقبوله من الناحية الدينية، كان تدعيم الغزالي لهذا الرأي، فقد أكد أن المنطق هو آلة الفكرة، فهو لا ينطوي علي أي محتوي مذهبي من أي نوع، وبالأولي فليس فيه خطر علي الدين، فهو في الواقع الآداة التي يمكن وضعها لخدمة الأغراض الدينية، فلا وسيلة هناك للوصول لعلم إلا بالمنطق، فالمنطق ليس مقبولا من الناحية الدينية فحسب، بل هو في الواقع أمر جوهري .

إن فصل المنطق عن الفلسفة جعل منه علما آليا ؛ بمعني أنه ليس من علم القاصد، بل من علوم الوسائل التي لا ينبغي التوسع في دراستها علي حد تعبير ابن خلدون .

فقد ميز ابن خلدون بين صنفين من العلوم "علوم مقاصد"، وهي مقصورة بالذات كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام، وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وعلوم آلية وكون وسيلة لعلوم المقاصد، كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة، وربما كان آلة لعلم الكلام، ولأصول الفقه علي " طريقة المتأخرين".

ويري ابن خلدون:" بأنه لا حرج من التوسع والتفريع في علوم المقاصد، أما العلوم الآلية، فلا ينبغي أن ينظر فيها، إلا من حيث هس آلة، لأن المتكلمين اهتمامهم بعلوم المقاصد أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل، فمتي يظفرون بالمقاصد ".

والان، قد نستطيع بنظرة شاملة في طريقة الأشاعرة في المنطق أن نقول بأنه مما لاشك فيه أن متأخري الأشاعرة، وبخاصة الغزالي، قد اهتم اهتماما كبيرا بالدراسات المنطقية، ولكن يبدوا أنه منذ نهايات القرن السادس الهجري، بدأ الحماس للتأليف والشروح يفتر شيئاً فشيئاً، وبدأ الاهتمام بالدراسات المنطقية الجادة، يفقد الكثير من الأنصار والمدافعين، ويبدو أن الذين كان عليهم الاهتمام بالمنطق في ذلك الوقت، وكانوا كثيرين، قد وجدوا أمامهم تراثا ضخما، من الترجمات والشروح تكفل به الأجداد، فما كان منهم , إلا أن راحوا يلخصونه، ويكتبون مادته المنطقية بغية حفظها، وبذلك افتقدنا الدراسات الجادة التي كنا نراها عند الغزالي .

ولا ينبغي إغفال الدور الهام الذي قام به الفخر الرازي في القرن السادس الهجري، حيث حاول أن يعيد إلي الأذهان أمجاد مدرسة الغزالي المنطقية، إلا أن الحال لم يستمر بعده، ولم تجد الدراسات من يواصل هذا الاتجاه في شكل متطور.

ويجدر بنا أن نشير إلي الطرق التي انتهجتها مدرسة الأشاعرة، لتناول موضوعات، فعلي سبيل المثال استعمل الغزالي في تفصيله للمعاني وشرحه لألفاظ المنطق " المنهج التحليلي " الذي يرتكز علي ما أسماه المناطقة المسلمين " مباحث الاستدلال"، وهي تقوم علي أسس تحليلية طبقها الغزالي لتقصي معالم المنطق الارسطي وأبعاده . ولقد درج شراح أرسطو علي هذا المنهج، وبخاصة الفلاسفة المسلمون، أمثال الفارابي وابن سينا عندما تناولوا المنطق الصوري وفسروه .

وها نحن نذكرها هنا لنبين كيف تناول علماء الكلام هذا المنهج، وذلك فيما يلي:

- السبر والتقسيم: اتبع مفكروا علماء الكلام، هذا المسلك في عرضهم وشرحهم لمختلف قضايا الفلسفة والكلام والشرع، فقد استعمله في كتابه " البرهان في أصول الفقه"، بقوله:ط وهو أن يبحث الناظر عن معاني مجتمعه في الأصل ويتتبعها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل، إلا واحدا يراه ويرضاه" .

ولقد ساير الغزالي أستاذه الجويني في هذا المسلك، فقد تكلم عنه في معيار العلم: ثم في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد "، عندما عرض لمناهج الأدلة بقوله معرفاً هذا المسلك:" هو أن يحضر الأمر في قسمين، ثم يبطل أحدهما، فيلزم منه ثبوت الثاني ".

وهذا ما فعله أيضا الفخر الرازي، كلما كانت تطرح أمامه مشكلة فيحللها من جميع جوانبها متتبعا دقائق معانيها، إلأي أن يخرج برأي ينتقيه أفضل برهان يفند رأي المتكلمين، أن يثبته، ثم يصل في النهاية إلي الاستنتاج، وبهذا تنحل الحيرة فيكون قد طرح الحل النهائي بعد سبر جميع الحلول وتقسيمها .

- المقابلة والحذف: ويستعملها كبار علماء الكلام أيضاً في عرضهم لمنهجية تلخيص المنطق اليوناني، حيث نراهم يقابلون بين رأي " الفارابي وابن سينا "، فيحذفون منها البرهان الأضعف، ليحتفظوا بالأجدر والأفضل، ويظهر ذلك واضحا، حين يعرض الفخر الرازي لقيمة علم المنطق، حيث يعرض لرأي" الفارابي "، ثم رأي " ابن سينا"، ثم يحللهما ويقابل بينهما، وأخيرا يختار الرأي الذي يراه صحيحا، يقول " كان الشيخ " أبو نصر الفارابي " يسميه رئيس العلوم، وكان الشيخ " أبو علي ( يعني ابن سينا) ينكر هذا الرئاسة . ويقول: إنه كالخادم للعلوم، والآلة في تحصيلها . وهذا البحث أيضا لفظي . فإن الرئيس إن كان هو الذي يينفذ حكمه علي غيره، ولا ينفذ حكم غيره عليه .فالمنطق رئيس العلوم بأسرها لأن حكم المنطق ناقد في كل العلوم، وشئ من العلوم لا يجري حكمه فيه وأن كان شرط كونه رئيسا أن يكون مقصودا لذاته، فالمنطق ليس كذلك .

وهناك وجه آخر لهذه الطريقة هي " طريقة القابلة " بين الآراء والنقاش الذي جري حول مسائل المنطق الأرسطي، فنجد " الفخر الرازي" في كتاباته المنطقية يقيم حوارا غير مباشر يمر عبره بين أرسطو وشراحه المسلمين أو بينه وبين هؤلاء الشراح، مستندا إلي ما كتبوه حول منطق أرسطو، ويبدو ذلك واضحا حين يناقش ويحاور المناطقة في قضية تعريف اللفظ والمركب حيث يقول:" اعلم أن الحكيم " ارسطاطليس " قال:" اللفظ المفرد هو الذي لا يدلنا جزء منه علي شئ أصلاً . فأوردوا عليه سؤالاً . وقالوا: هذا يشكل بقولنا " عبد الله " فإنه لفظ مفرد، مع أن له جزئين، وكل واحد منهما دال علي معني . وأجاب المناصرون لقوله عن هذا السؤال بجواب حق . فقالوا إن قولنا " عبد الله " قد يذكر ويراد به جعله اسم علم .وقد يذكر ويراد به جعله نعتا وصفه . فإن أردنا به الأول، فهو لفظ مفرد، ولكن لا يبقي لشئ من أجزائه دلالة أصلا . لأن العلم هو اللفظ الذي جعل قائماً مقام الإشارة إلي ذلك الشخص المعين، من حيث أنه ذلك المعين، ولهذا قال النحويون "أسماء الأعلام" لا تفيد فائدة في المسميات البتة، بل هي قائمة مقام الإشارات، وإذا كان كذلك، فقد ظهر أن " عبد الله " إذا جعل اسم علم، فإنه لا يكون لشئ من أجزائه دلالة علي شئ أصلاً أما إذا أردنا أن نجعل قولنا " عبد الله" نعتا وصفه . فهو بهذا الاعتبار مركب لا مفرد . وهذا جواب عن السؤال المذكور:

ومن الناس من ترك تعريف اللفظ المفرد بذلك الوجه، بل هذا: هو الذي لا يدل جزء من أجزائه، علي جزء من أجزاء معناه . وهذا القائل إنما اختار هذا الوجه فرارا من ذلك السؤال . فإن قولنا " عبد الله " إن كل واحد من جزئه علي شئ، لكنه لم يدل شئ من أجزاء هذه الكلمة علي شئ من أجزاء هذا المعني . لأن هذا اللفظ إذا جعل اسم علم، كان مسماه هو ذلك الشخص ولا يمكن أن يقال: إن قولنا " عبد" يدل علي بعض أجزاء ذلك الشخص . وقولنا " الله" يدل علي نعته الآخر . فثبت أن قولنا " عبد الله" لا يفيد شئ من أجزائه شيئا من أجزاء معناه . وأعلم أن اختيار الشيخ الرئيس ( يعني ابن سينا) في "الشفاء " و" الاشارات" هو الوجه الأول، واختياره في هذا الكتاب هو هذا الثاني . ولا منافاه بين القولين، لأن لكل أحد أن يفسر لفظه بما شاء .

مما سبق يتضح لنا الكيفية التي عالج بها الأشاعرة موضوعات المنطق اليوناني، وقد تأثروا فيها بفلاسفة المسلمين، وبخاصة ابن سينا .

 

د. محمود محمد علي

قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول "اللغة على وجه الخصوص هي مادية (أصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية"1

ماديّة اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن إدراكنا لغة التجريد كأصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست خاصّية لها مستقلة عنها، كونها خاصّية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعّين حسّيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبرعنه، بل تتحدّد المادة بوجودها ألأنطولوجي كمتعيّن يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والإرتفاع، وأضاف أنشتاين له البعد الرابع الزمن. وهو الوجود ألمادي السابق على الفكر واللغة.

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن أشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد إدراكي للمادة في موضعتها بها. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة بإكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم إمكانية إدراكنا الصوت مجرّدا عن دلالته ألماديّة هي اللغة.

ألفكر لا تحتويه ألمادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تأكيد صوابية خطأ مقولة هنري برجسون أن تكون اللغة خاصّية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة إمكانية جواز التفكير من دون لغة تصورّية تمثّلية للاشياء. بمعنى الإدراك الحسّي المباشر يكون بديلا عن تجريد اللغة في التعبير. لكن العقبة التي لا يمكن تجاوزها أن المادة غير العاقلة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا معها من غير تداخل تفكير اللغة ألتجريدي التوسيط بينهما. المادة غير العاقلة لا تربطها بمادة أخرى مجانسة لها بالكيفية والصفات من غير تعبيرلغوي تجسيري علائقي تقوم اللغة به كوسيط يربط تلك العلاقات مع بعضها. عليه تكون اللغة كأصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة في التعبير عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصّية التعبير كأصوات وأبجدّية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عن ألمدركات حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن ألمادة والأشياء في وجودها الواقعي. ألوجود بموجوداته الطبيعية ألتي تحكمها القوانين الطبيعية الثابتة هو وجود مستقل سواء أدركه العقل أم لم يدركه، وسواء تم تعبير الوعي بالفكر واللغة عنه أم لم يتم، فالموجودات المادية تبقى موجودات مستقلة في العالم الخارجي.

ألتسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة المثاليين "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله."2. تماشيا مع هذا التعبير إلإفتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية متموضّعة فيه تكوينيا وليست لغة إدراك تجريدي منفصلة عنه، وليس من الصحيح أن تمتلك المادة تجريدا لغويا ما يعني إمكانية أن تعي المادة ذاتها وتعي غيرها من الماديات الأخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة تجريد لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها في كثرة أعدادها وإختلافاتها وتنوّعاتها التي يعجز حصرها.

وهذا أمر ليس محالا على صعيد الإدراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد إلغاء خاصّية التجريد اللغوي عن مدركات اللغة التعبيرية التي هي في حقيقتها تعبير عن مدركات عقلية. بوضوح ألعبارة اللغة لا تمتلك أسبقية الإدراك العقلي للأشياء، كما أن المادة لا تمتلك لغة تعبير لا عن نفسها ولا عن غيرها من الموجودات المتعالقة في الوجود معها.

المادة لا تمتلك صفة الإدراك العقلي كي يتاح لها إمتلاك لغة، لذا تكون ميزة الانسان النوعية عن جميع الكائنات في إمتلاكه اللغة.. اللغة هي إدراك كلّي لأشياء وموجودات لا حصر لها لكن لا يستطيع الانسان جعلها لغة إستيعاب تقوم مقام الواقع بأكمله. عالم الانسان ألإدراكي هو ما تستطع أللغة ألإحاطة به وألتعبير عنه ، وهذا ألإدراك اللغوي يبقى جزئيا ناقصا في محاولة جعل مدركات اللغة إنابة اللغة أن تكون هي كل عالمنا الواقعي الذي تدركه. وعالم الاشياء يتوقف إدراكه عندما تعجز اللغة التعبير عما هو أبعد منه. لا يمكننا الإحاطة بإدراك العالم أبعد من محدودية مدركات العقل.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية والقواعد الصوتية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي للاشياء في محاولته توصيل فهم العقل له وليس العكس توصبل فهم العقل للواقع. ربما يذهب البعض أني أعبّر أن تكون أللغة مادة متموضعة في الاشياء المدركة، بل ما أؤكد عليه تبقى اللغة في كل أنواع ألإدراكات هي تجريد تصورّي في التعبير عن المدركات حتى في حال تموضعها بالموجودات المادية.

كل شيء موجود في الواقع يحمل معه لغة ألإدراك التي يتواصل بها مع إدراك العقل له. ولا تمتلك أيّة مادة لغة الإدراك التواصلية مع غيرها من المواد والاشياء.فالمادة غير العاقلة لا تمتلك خاصّية التعبير العلائقي مع غيرها من دون وسيط ثالث بينهما هو لغة الانسان فقط.

إن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريدا تعبيريا، والمادة تبقى واقعا موضوعيا لإدراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بألأشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي أنطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة منفصل عنها في خصائصها المادية التكوينية ، ولا يحمل إدراك اللغة خصائص تلك المادة كواقع مادي. مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر إعتبرها "دستوت تراسي" من فظائع ألأخطاء التي وقعت بها الفلسفة كما في محاولة بعضهم تربيع الدائرة.

طبيعة الفكر وطبيعة اللغة

يذهب بعض الفلاسفة الدخول قسرا في إفتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" أننا في حال إقرارنا اللغة هي ألفكر، يصبح معنا إمكانية ألإستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة ماديّة تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة "3

في سطور سابقة ناقشنا خطأ إعتبار اللغة فكر مادي غير مجرد تدركه وتعبّر عنه لغة تجريد أخرى تشارك لغة ألإدراك المجانسة لها غير المادية، فإذا نحن خلعنا صفة المادة على الفكر نكون أعطينا الفكر إمكانية إدراكه كموجود أنطولوجي تجريديا بلغة خاصة منفردة عنه، وهو ما لا ينطبق على أن يكون الفكر مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية أيضا.

اللغة في حقيقتها الجوهرية هي مفهوم يعبّر عن وحدة كليّة من الإدراك العقلي لعالم الموجودات وظواهر الحياة. محال أن تنوب اللغة عن المادة كموجود بل اللغة وسيلة تعبير عن مادية الاشياء في وجودها المستقل في عالم الاشياء ، يجب التفريق بين إستحالة ماديّة اللغة كمتّعين واقعي وبين ماديّة اللغة كتعبير تجريدي عن المادة.

إننا في منتهى البساطة يمكننا أن نعبّر عن تجريد ملازمة اللغة والفكر بلغة تجريد أخرى يتلازم فيها الفكر واللغة كتجريد تعبيري أيضا. خير مثال على هذا هو أننا نمارس القراءة بصفحات مكتوبة هي فكر ولغة بلا أصوات منطوقة بل بأصوات تحتويها لغة الصمت ألمكتوبة. اللغة ألمقروءة تعبير تجريدي أخذت شكل أو صورة كلمات الكتابة، ونحن نقرأها بفكر ولغة تجريديين أيضا، فاللغة مدرك تجريدي من الممكن أن يفهمه ويعبّر عنه تجريد لغوي آخر. الفكر هو إنعكاس توليدي لواقع مادي لكنه لا يمتلك خصائص المادة كموجود يماثلها بل كتعبير فكري لغوي يلازمها.

طبيعة الفكر وطبيعة اللغة

والآن نناقش ألإختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادرلتفكيرألذهن هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة وبماذا يختلفان؟ لم نعثرعلى إجابة مقنعة على طرح مثل هذه ألأشكالية الفلسفية.لكننا نقول لا يوجد فرق بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة لا من حيث الإدراك ولا من حيث التصور التعبيري اللغوي ألمجرد عن شيء مادي.

إذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسّمان بالتجريد أحدهما بدلالة الآخرفي إدراك العقل لهما وتعبيرهما عن الأشياء ومواضيع الإدراك، عندها لا يصبح واردا مناقشة إمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة بتجريد فكري خال منعزل من ملازمة اللغة له..

لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..وألإدراك يتبع نفس ألآلية التي تتبعها ألحواس في إدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل ألإنطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.وكلاهما تجريد لغوي واحد عن شيء واحد بعينه.

عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت إمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال إمكانية إنفصاله عن تعبير اللغة التجريدية عنه؟ إدراك اللغة للمادة هو إدراك تجريدي وإدراك مواضيع مخيّلة ألذاكرة المجردة أيضا يكون بنفس آلية إدراك اللغة التجريدية للمادة. الإدراك العقلي للمادة لا يتم إلا بلغة تصورّية تجريدية عنها هي نفس اللغة التي نتحدث بها في وصفنا الاشياء المادية كلاما.

الفكر إنعكاس تصّوري لغوي عن وجود مادي محسوس أو عن موضوع خيالي مصدره الذاكرة، وهذه الخاصية يمتلكها الفكر كونه تجريدا لغويا وليس كونه وجودا أنطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة. موضعة الفكر بالأشياء لا تكون متحّققة دونما ملازمته لغة تصوّراتية تمّثلية عقلية في التعبير عن مدركاته المادية. الفكر والوعي وتعبيرات اللغة هي حلقات في عملية الإدراك لا معنى لها منفردة ولا مجتمعة في تجريدها عن وصاية العقل عليها.

اللغة والآلة

ألاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول إمتلاك كلا من الفكر واللغة طبيعة خاصة مختلفة إحداها عن الأخرى، وإعتبروا اللغة مادة لأنها بإختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجأون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان بإعتبارها ملكة وخاصّية لا يمكن إستنساخها وتحاكي التواصل أللغوي بين البشر،.

الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوّية من فلاسفة بيّنوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض إعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:

- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان ألتواصلية لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالأخلاق والنفس والضمير والعواطف والإخلاص والإلتزام بالوعود والإستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه ألمواصفات الخصائصية أللغوية لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب ألمبرمج بتقنية عالية من إستنساخ لغة الانسان ألخالية من الروح..

- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفّظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع أن تعي ما تقوله وتلفظه" 4

- طرح أيضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب أن يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟ 5

 أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة ممثلا في عدم إمتلاكها (وعيا قصديا) تسير بهديه وعلى ضوئه يتمّكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرّد بها الانسان، والوعي القصدي دعا له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر في تبنّيه وليتسّلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.

- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) إمكانية توليد الجمل اللغوية ألإبتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه إلتقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية ألابتكار التوليدي اللغوي الذي هو إستعداد فطري لا تمتلكه الآلة..

- " إقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في إعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان بألفطرة، وأننا ننطوي وراثيا على حاسّة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة إنطبعت فينا منذ الولادة"6،

هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول إمكانية إستنساخ لغة وظيفية آليا في حاسوب متطوّر.كون الإفتراض الذي يبيح لبعض التقنيّات المتطورة صناعة لغة حاسوب آلي يمكنه الإشتقاق وتوليد الافكار إلا أنه يقف حتما في عجزه مجاراة لغة الانسان وقابليته الخصائصية المتفردة من توليد الأفكار وتطوير لغة الحياة بما تعجز عنه الآلة.

- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية اللغوية الاميركان إمكانية إستنساخ اللغة آليا بالحاسوب وهذا الرفض هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنّين للوعي القصدي، أن توليدية الإبتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن إستنساخها في الحاسوب أبسطها عدم إمكانية تحّكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بإيصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) لكنها لا تفهم ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق هذا الكلام كمحاورة قصدية ذات معنى. ألوعد بماذا؟ ومتى وأين؟

- بقي أن بعض الفلاسفة إعتبروا الانسان يمتلك الروح الذي لا تمتلكه ألآلة، والتي عبّر عنها بعضهم بالنفس وهو خطأ مصطلحي، فالنفس خاصّية إنسانية يمكن حدسها في تجلياتها مثل الضمير والاخلاق والعواطف، والسلوك في حين الروح من مقولات الميتافيزيقا هي كل مالا يدركه الانسان ويلازمه البقاء معه ولا يفترق عنه سوى بالممات. وأدراك ما سمّي بالروح هو في دلالة إدراك بقاء الانسان حيّا فقط.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش:

1- فلسفة اللغة /سليفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت :د. بسام بركة ص 211

2 - نفسه ص 305

3 - نفسه ص306

4 - نفسه ص 301

5 - نفسه ص 306

6 - نفسه ص 308

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن تجديد الخطاب العقدي في المدرسة الأشعرية، وهنا نقول: طور الإمام "القاضي أبو بكر الباقلاني" منهج الجدل الأشعري، حيث أضاف إلي هذا المنهج ما يمكن اعتباره بوادر لتطور أعظم لدي من جاء بعده في منهج الجدل الأشعري، ذلك أن المنهج الجدلي عند "الباقلاني" يقوم علي عدة أصول هي:

أ- إن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول:

ويعد الباقلاني، أول من استخدم هذه القاعدة، حيث يقول ابن خلدون ": إن أُبا بكر الباقلاني وضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار ومنها أن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول ".

وهذه القاعدة التي سلكها الباقلاني تتكون من مرحلتين:

الأولي: أن تتلمس أدلة المثبتين للشئ وتثبت كذبها وضعفها، بحيث لا نجد دليلاً آخر علي ثبوت الشئ سواها .

الثانية: أن يقوم بعملية حصر وجوه الأدلة، ثم نقوم باستقراء دقيق لها ينتهي إلي نفي هذه الوجوه كلها، بحيث لا نجد وجوها أخري، هي الأولي بعينها، إذ أنها تنتهي إلي عدم وجود أية أدلة غير الأدلة المنفية، إلا أنها تمتاز عنها بفكرة الحصر.

ب- قياس الغائب علي الشاهد:

وهو المعروف في علم أصول الفقه بالقياس الأصولي، وقد استخدم الباقلاني هذا القياس في آرائه الكلامية، ليرد علي المعتزلة الذين أخذوا بهذا القياس .

ج- الدليل اللغوي التوفيقي:

وهو يمثل أحد عناصر المنهج الجدلي عند الباقلاني، فقد استخدمه في كثير من المسائل التي تتعلق بالمصطلحات الكلامية، كبيان لمعني العرض ومعني القديم والمحدث وشرحه لحقيقة الإيمان وغير ذلك من المسائل.

د- الدليل الشرعي:

ومثلما اهتم الباقلاني في منهجه الجدلي بالأدلة العقلية، فقد إهتم بالأدلة السمعية الشرعية المستمدة من القرآن والسنة والإجماع والقياس .

هـ- الإلزامات:

وإذا كان الباقلاني قد استخدم في منهجه كلا من الأدلة العقلية والنقلية، فإنه قد سلك في نقده لخصومه طريقة الإلزام علي الخصم، وهذه الطريقة تمثل أحد جانبي القياس الأصولي، وهو " قياس الطرد"، وهذا القياس يعني طرد حكم الأصل في الفرع سواء كان الحكم ثبوتا، فيكون الطرد في الإثبات، أو عدميا فيكون الطرد في النفي ".

و- رد الإشكال بإشكال مثله:

ومن الطرق التي سلكها الباقلاني أيضا، طريقة رد الإشكال بإشكال مثله . وهذه الطريقة تقوم علي أساس أن يثير المناظر أشكالا علي دعوي مناظرة فيقوم هذا برد الإشكال بإشكال مثله علي دعوي الأول، بحيث يجعله بين أمرين: إما أن يتخلى عن أشكاله الذي أثاره ويسلم بالدعوي أو يتمسك بإشكاله، فيؤدي إلي تسليمه بدعوي الخصم ويسلم الخصم بدعوي خصمه الأول، فيصير الرأيان صحيحين مسلمين . وهي طريقة لا تفيد يقيناً وإثباتاً قاطعاً لأي من وجهتي النظر اللتين قام الإشكالان ضدهما، وإن كانت تفيد حسم المناظرة أو الجدال القائم بين المتناظرين .

هذه هي سمات المنهج الجدلي عند الباقلاني، ولقد طور كبار الأشاعرة الذين جاءوا بعد الباقلاني المنهج الجدلي الأشعري .

فقد ساير أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي وفخر الدين الرازي، أستاذهم الأشعري، حينما استثني من خصومته المنطق، لأن قوانينه فيما يقول هي قوانين العقل الذي اتفق عليها جميع بني البشر .

وباختصار، فإن علماء الكلام، اعتبروا المنطق جزء من الدراسات الكلامية أو مقدمة ضرورية لها، وأطلقوا علي هذا الجانب من كتاباتهم المتعلقة بالمنطق اسم " كتاب النظر " تارة، و " كتاب الجدل " تارة أو " مدارك العقول " تارة أخري ؛ وفي هذا يقول الغزالي:" نعم قولهم أن المنطقيات لا بد من احكامها هو صحيح، ولكن المنطق ليس مخصوصا بهم، وإنما هو الأصل الذي نسميه " مدارك العقول "، فإذا سمع المتكايس المستضعف ام المنطق، ظن أنه فن غريب لا يعرفه المتكلمون، ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة، ونحن لدفع هذا الخيال واستئصال هذه الحيلة في الإضلال، نري أن نفرد القول في " مدارك العقول " في هذا الكتاب، ونهجر فيه ألفاظ المتكلمين والأصوليين، بل نوردها بعبارات المنطقيين، ونصبها في قوالبهم، ونقنفي آثارهم لفظا لفظاً، ونناظرهم في هذا الكتاب بلغتهم – أعني بعباراتهم في المنطق، ونوضح أن ما شرطوه في صحة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق، وما شرطوه في صورته في كتاب القياس وما وضعوه من الأوضاع في " إيساغوجي" و" قاطيغورياس " التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته، ولم يتمكنوا من الوفاء بشئ منه في علومهم الإلهية .

وقد كان أمام الغزالي للتخلص من هذا الإحراج أد أمرين:

1- إما أن يطور هجومه ليشمل المنطق فيرفضه، كما رفض الفلسفة، ويظهر تهافت المناطقة، كما أظهر تهافت الفلاسفة .

2- وإما أن ينظر له علي أنه علم قائم بذاته، ويمكن الإفادة منه في علوم أخري، وليس مجرد آلة للفلسفة أو مدخلا لها، ولما كان من غير المعقول، أن يتبني الغزالي الموقف الأول لم يكن أمامه سوي أن يأخذ بالموقف الثاني، ويعتبر المنطق علما قائما بذاته، وليس جزء للفلسفة أو مجرد مدخل لها، وبهذا الموقف يهاجم الفلاسفة في دعواهم الاستئثار بهذا العلم " المنطق " واضعا له أسماء أخري يشاركه فيها المتكلمون والأصوليون ويحاول أن يلتمس له أصلا غير فلسفي، فهو فن " الكلام" الذي يسميه " كتاب النظر "، وقد وجه لهذا الاسم الأصلي بعض التغيير من قبل الفلاسفة لمجرد التهويل، فسموه باسم " المنطق" .

ومعني هذا أن الغزالي، يعتبر أن الخلاف بين المنطقين وغيرهم من نظار المسلمين، يكاد يكون خلافاً لفظياً، ويري أنه لكي يتخلص المسلمون من الخطأ في الاستدلال في شتي علومهم يجب عليهم أن يستخدموا المنطق، فيقول:" وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه، يعترف به كلهم فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان، لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن، وقد ذكرنا تلك الموازين الخمسة في كتابنا " القسطاس المستقيم"، وهي الهي يتصور الخلاف منها  بعد فهمها أصلاً، بل يعترف كل من فهمها، بأنها " مدارك العقول " قطعا، والمحصلون لها يسهل عليهم عقد الإنصاف والانتصاف وكشف الغطاء، ورفع الاختلاف، ولكن لا يستحيل فهم الاختلاف أيضاً، إما لقصور بعضهم عن إدراك تمام شروطه، وإما في رجوعهم في النظر إلي القريحة والطبع دون الوزن بالميزان كالذي يرجع بعد تمام تعلم علم العروض في الشعر إلي الوقوق للاشتقاق عرض كل شعر علي العروض، فلا يبعد أن يغلط .

فهو يري أن نظار المسلمين لا بد وأن يتفقوا علي معيار أو قانون أو ميزان من الموازين الخمسة التي يفردها كتابه " القسطاس المستقيم " في برهانهم، وأن يعتبروا هذه الموازين الخمسة الاحتكام إليها في البرهان بالذي يتعلم الشعر، فعليه أولا تعلم علم العروض .

وتتمثل الموازين الخمسة التي ذكرها الغزالي في الأصل إلي ثلاثة أقسام: " أولها: ميزان التعادل، وثانيها، ميزان التلازم، وثالثها، ميزان التعاند، ولكن ميزان التعادل ينقسم إلي ثلاثة أقسام، إلي الكبر، والأوسط، والأصغر، فيصير الجميع خمسة " .

ثم خطا الغزالي خطوة واسعة في سبيل ربط المنطق بعلم الكلام، إذ بدأ واضحا لديه، أن المتكلم ينبغي أن يكون في مقدوره تقدير وزن الآراء المتعارضة، ووزن الحجج هو مادة موضع المنطق، فهو الذي يميز الحجة " الصحيحة" من الحجة " الخاطئة "، كما يميز الحجج " الإقناعية " و" المغالطية " و " الشعرية" عن الحجج البرهانية، وهكذا أصبح المنطق بشكل متزايد أداة أساسية للدراسات الكلامية، كما هو كذلك بالنسبة للفروع الأخرى من المعرفة .

وقد دافع الغزالي عن المنطق دفاعا كبيرا، وكان له مع أستاذه الأشعري الفضل في إبقاء الدراسات المنطقية في المشرق الإسلامي بصورة نهائية.

وهنا نتساءل متي تم للأشاعرة إدخال المنطق في دراساتهم الكلامية ؟

يري بعض الباحثين أن الأشاعرة بدأوا يستخدمون المنطق الأرسطي منذ القرن الخامس في علومهم الدينية، بحيث يعتبر أواسط القرن الخامس من تاريخ الفكر الإسلامي فاصلاً بين عهدين دقيقين: " عهد لم يلجأ (الأشاعرة) فيه إلي مزج علومهم بالمنطق والفلسفة اليونانية ؛ وعهد بدأو فيه (الأشاعرة) عملية المزج هذه، وخاصة في نطاق المنطق .

ويذكر ابن خلدون أن هذه الحركة الأخيرة قام بها الغزالي، حيث يقول:"إن أول من كتب علي منحي المتأخرين، هو الغزالي، وقد عاد إليه من جاء بعده".

وطريقة المتأخرين هنا كما يسميها ابن خلدون، هي الطريقة التي تم فيها تطعيم الأساليب الكلامية بالمنطق الأرسطي؛ لذا "غلب علي طريقتهم الأسلوب القياسي" .

علي أن هناك طريقة أخري، يسميها ابن خلدون بـ "طريقة المتكلمين"، ويمثلها من وجهة نظره "الباقلاني"؛ وهي طريقة قائمة علي المذهب الذري أولا ثم علي العلاقة المثبتة بين الأصول الفلسفية والعقيدة، وعلي القول بأن " بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول" .

ولكن ما هو القطب الذي يدور حوله منهج المتقدمين؟ أهو عدم اهتمام بالمسائل الفلسفية والمنطقية؟ كلا ما دام الأشعري قد تأثر بمنطق أرسطو، لكن الغريب حقا، أن الباقلاني لا يستعمل اصطلاحات أهل المنطق في دراسته الكلامية ؛ إذ لا نعثر علي مؤلف من مؤلفاته، ما يدل علي خوضه في علوم الفلسفة والمنطق ؛ بل بالعكس هاجم الفلسفة والمنطق هجوما عنيفا ؛ حيث يذكر ابن " تيمية" ( ت: 728هـ)، أن للباقلاني كتباً في نقد المنطق الأرسطي، ومن أشهر كتبه "القائق" الذي رد فيه علي الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب علي منطق اليونان ".

وهنا يتضح لنا أن الباقلاني كان أول أشعري يرفض منطق أرسطو، باعتباره منهجا أدي بصاحبه إلي آراء وأفكار تخالف العقيدة الإسلامية في كثير من أصولها .

ويمكن أن نفهم المقصود بطريقة المتقدمين التي أشار إليها ابن خلدون، وهي تمثل كل من لم يأخذ بالمنطق الأرسطي في العلوم الإسلامية؛ ولذلك فالباقلاني يمثل القطب الأساسي لطريقة المتقدمين؛ وهذه الطريقة تمثل قاعدة منهجية تعد أصلا من أصول المنهج عند الباقلاني، وهي أن " بطلان الدليل يؤذن ببطلان الملول"؛ ولم يكتف الباقلاني بهذا، بل راح يستخدم الأدلة العقلية والأقيسة الأصولية وقياس الخلف والإلزامات ؛ إلي جانب الأدلة النقلية والشرعية من القرآن والسنة والإجماع ؛ فضلا عن الأدلة التوفيقية من كلام العرب ولغتهم؛ إلي جانب الاستشهاد بأخبار وآثار الأئمة والعلماء من السابقين عليه، والمعاصرين له بهدف ابطال دعاوي الخصوم، والكشف عما في آرائهم ومذاهبهم من ضعف وتهافت عن طريق إبطال أدلتهم وحججهم عليها .

ولعل هذه هي الأسباب التي جعلت الباقلاني ممتلكا لناصية الجدل الذي تأثر فيه بالمعتزلة، فقد كان متمكنا من الأساليب اللازمة للحجاج من الدليل الحاضر – حصر موقف الخصم في قضيتين لا ثالث لهما لإبطالهما معاً إلي مقابلة الإشكال بالإشكال أو معارضته نظرية الخصم من نتائج فاسدة، فضلا عما وهبه الله من قوة ذاكرة وحضور بديهة .

إن أهم أثر خلفه الباقلاني في تطور المذهب الأشعري، هو هذا النسق المنهجي لموضوعات علم الكلام، وقد تأثر به معظم من جاءوا بعده من متكلمي الأشاعرة .

وهذا يدل علي أن الباقلاني، لم يكن في آرائه مجرد تابع لأستاذه الأشعري مؤسس المذهب، ولا مجرد مواصل لحمل تراث الأشاعرة السابقين عليه، بل لقد تم علي يديه توضيح بعض النقاط، وتحديد كثير من لمفاهيم والمصطلحات وتقديم بعض الآراء والأفكار الجديدة في بعض المسائل التي يشملها المذهب، وهو ما أدي إلي تطوير المذهب من بعض الوجوه، وإلي تقريبه من رأي المعتزلة، وهذا ما لم يفعله بعض العلماء المتقدمين .

إذن الباقلاني يمثل في حد ذاته مرحلة في تطوير الأشعرية، فهو المؤصل الحقيقي للمذهب الأشعري، فلقد نظر المنهج الذي وضعه الأشعري، فبدأت الملامح الأساسية للأشعرية تبرز وتتضح علي يديه . وقد عبر عن هذا المعني ابن خلدون حينما قال:" واخ ذ عنهم (أي تلاميذ الأشعري) القاضي أبو بكر الباقلاني، فتصدر للإمامة في طريقتهم، فهذبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار، وجملت هذه الطريقة، وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية" .

وكان الباقلاني مالكي المذهب، حتي أن بعض المؤرخين يقولون عنه بأنه " إنتهت إليه رئاسة المالكيين في وقته " .

ومن هنا يمكن لنا أن نفسر سر نقده للمنطق الصوري الأرسطي بتمسكه بالفقه المالكي ؛ حيث أن الفقه عموما والفقه المالكي خصوصا، ليبدو منافيا منافاة جذرية للمنهج الاستدلالي في المنطق اليوناني، فهذا الأخير يتقوم بالصورة الذهنية ويقيس الحقيقة بما تكون العلاقة بين الصورة والأخري في الذهن بقطع النظر عن الواقع . أما الفقه فهو أكثر العلوم ارتباطا بالواقع ؛ إذ هو يعالج قضايا واقعية تخص أمور الناس المتجددة، وهذه الأمور كما يقول الشاطبي (ت: 790هـ) لا تضبط بحصر ولا يمكن استيفاء القول في احداها، فلا يمكن أن يستغني عنها بالتقليد ، فمنهج استدلاله يقوم علي الاستقراء وتتبع الجزئيات .

والفقه المالكي يحمل هذا المعني بأكثر مما يحمله أي فقه من المذاهب الأخري، ويظهر هذا باستعراض أصول المالكية التي منها يستخرجون الحكام الفرعية، والتي هي التسعة التالية: الكتاب – السنة – والإجماع – والقياس- والاستحسان- والعرف – وعمل أهل المدينة – والمصالح المرسلة – وسد الذرائع .

وهي إلي جانب كثرتها أو تنوعها، إذ أنها تزيد علي أصول الشافعية بالخمسة الأخيرة، وعلي أصول الحنفية بالثلاثة الأخيرة، إلي جانب ذلك فإنها تصطبغ بالصبغة العملية التي تتمثل في مراعاة مصالح الناس وما تقتضيه تلك المصالح بدراسة واقع المجتمعات دراسة ميدانية .

ولذلك فإن الفقه المالكي يمتاز من بين أنواع الفقه المختلفة، بأنه يغلب عليه مراعاة المصالح  ؛ حيث أنه يجري في أصوله علي منطقها، وإن كان فقهاء المذهب المالكي يأخذون بالقياس، ولكنهم يخصونه في علله لمنطقهم الفقهي، وهو " جلب المصلحة ودفع المضرة "  . ولقد عبر الإمام الشاطبي عن هذا المعني إذ يقول متحدثا عن الاستحسان:" ...مقتضاه الرجوع إلأي تقديم الاستدلال المرسل علي القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلي مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما يرجع إلي ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي تقتضي القياس فيها أمرا، إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلي فوات المصلحة من جهة أخري، أو جلب مفسدة كذلك وذلك حسب قول  عبد المجيد النجار في كتابة فصول الفكر الفلسفي بالمغرب.

وإذا ما كان الفقه المالكي علي هذا النحو من الواقعية التي تشده إلي ما هو جارٍِِ في حياة الناس الزاخرة المتغيرة لمراعاة مصالحهم، وتطبعه لذلك بالطابع التتبعي الاستقرائي الذي تكون فيه الحقيقة في إصدار الأحكام علي أشد الصلة بالواقع، وإذا ما كان المنطق اليوناني علي ذلك النحو من التجريد الذي لا ترتبط فيه الأحكام إلا بما هو جار في الذهن من الصور، فإنه من الطبيعي أن لا يتأثر الفقه المالكي في صلب منهجه بالمنطق اليوناني لما بينهما من المنافاة في الطبيعة .

إن الفقه المالكي يعالج " سير الحياة المتشابك المعقد ( وهذا) لا يمكن أن يخع لقواعد مقررة جامدة تستنبط استنباطا منطقيا من أفكار عامة معينة، ولو نظرنا إلأي سير الحياة بمنظار المنطق الصوري الأرسطي لبدأ أليا بحتا ليس له في ذاته أصل يبعث فيه الحياة والحركة .

وهنا يتضح لنا أن الفقه المالكي كان له دور بارز في إعراض الباقلاني عن منطق أرسطو .

وثمة إشارة "لأبن خلدون" جديرة بالاعتبار ؛ حيث  يقول:" ثم انتشرت من بعد الجويني علوم المنطق، وقرأه الناس، وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، بأنه قانون ومعيار للأدلة فق يسبر به الأدلة منها يسبر من سواها، ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين، فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدت إلي ذلك، وربما أن كثير منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات، فلما سبروها بمعيار المنطق ردوها إلي ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله، كما صار الإمام القاضي (الباقلاني)، فصارت هذه الطريقة من مصطلحهم مباينة للطريقة الأولي ".

ويشير ابن خلدون إلي ذلك بقوله:" إن الأولين يتقيدون بمبدأ الباقلاني في أ، بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول، علي حين أن المتأخرين، وبخاصة الغزالي يرفضون بعد ذلك دخول المنطق الأرسطي ".

وإذا تساءلنا عن هذا التمييز والفرق بين الطريقتين، نجد أن بعض الباحثين المعاصرين يري أنه ليس إلا الصلة الضرورية المتبادلة، التي أثبتها المتقدمون بين فلسفتهم الطبيعية وبين العقيدة، وها نحن نري هذه الصلة تنفصم، والذي أدي إلي ذلك، هو استخدام منطق جديد، وهذا المنطق الجديد هو الذي يقوم فاصلا، وهو أمر لا نلبث أن نلاحظه لدي الجويني في كتابه " البرهان في أصول الفه"، وليس المنطق في طريقة المتقدمين، إلا منطقا عربيا إسلاميا جاء من الأصول الفقهية التي يعتمد عليها الفقه في سياقه، ولم يظهر فيه القياس الأرسطي بعده، وقد اشتهرت هذه الطريقة بالباقلاني".

في حين أن طريقة المتأخرين إشتهرت بالغزالي، بينما كان الجويني نقطة الوسط بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين ؛ فهو يعتبر أول أشعري أسهم في بناء طريقة المتأخرين، التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب عن الشاهد ؛ وفي هذا يقول الجويني:" فإما بناء الغائب علي الشاهد فلا أصل له، فإن التحكم به باطل وفاقا . والجمع بالعلة لا أصل له، إذ لا علة ولا معلول عندنا، وكون العالم عالما هو العلم الحادث، مخالف للعلم القديم، فكيف يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما؟ والقول الجامع في ذلك: أنه إن قام دليل علي المطلوب في الغائب، فهو المقصود ولا أثر لذكر الشاهد، و؟إ، لم يقم دليل علي المطلوب في الغائب فذكر الشاهد لا معني له وليس في المعقول قياس ".

ولما كان الجويني قد أسهم في بناء طريقة المتأخرين التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب علي الشاهد، فقد استخدم أساليب قياسية منطقية، كفكرة " السبر والتقسيم"، حيث يقول:" السبر والتقسيم، ومعناه علي الجملة أن الناظر يبحث في معان مجتمعة في الأصل، وينتقيها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به، إلا واحدا يراه ويرتضاه، وهذا المسلك يجري في المعقولات علي نوعين: فإن كان التقسيم العقلي مشتملا علي النفي والإثبات حاضرا لهما، فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت ".

وحتي في الوقت الذي تم فيه اعتماد اساليب قياسية منطقية من طرف الجويني بغية تطعيم المناهج اللامية، لم تستطع فيه تلك الأساليب ممارسة نفسها في وضوح وتميز واستقلال، بل انطبعت بالطابع البياني، أي " طريقة المتقدمين "، فالمقدمات أو ألأصول التي تم للجويني أخذها من منطق أرسطو كانت ناقصة ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط