علي رسول الربيعييحاول حنفي تجاوز الممارسات النقدية لاقتراح استراتيجيات للخطاب تتناول ما يراه التحدي الأساس الذي يواجه الأمة الإسلامية اليوم وهو معضلة الحفاظ على الهوية-الاسلامية في عملية التلقي من الثقافات والحضارات الأخرى. لقد اقترح بديلًا منهجيًا يتمثل فيما أطلق عليه " الاستغراب" الذي يعبر عن طريقة أدراكه للمشاكل المتعارضة التي ينطوي عليها التسلسل الهرمي المعرفي. كان هدف حنفي المباشر هو وقف وعكس عملية التغريب التي تبدو بلا عوائق في تغلبها على العالم الإسلامي وذلك من خلال محاولة إعادة بناء الهوية الإسلامية للتغلب على اغترابها، حيث تتعرض الطبقات العليا في المجتمعات الإسلامية الى حالة من الاغتراب لم تعد قادرة معها على التعرف على نفسها من خلال تراث وتقليد يُنظر إليه على أنه راكد ومتحجر. فقد اختاروا بدلاً من تحمل مسؤوليتهم تجاه تراثهم من خلال تغيير تكويناته، وإعادة ضبط محاوره، والاختيار من بين مقولاته الانغماس الأسهل وغير المقيد في نظام فكري غريب. يهدف الاستغراب، وفقًا لحنفي، إلى إعادة تلك الفئات الاجتماعية المنفصلة إلى حيث تنتمي. إنه يشكل خطوة أولى ضرورية نحو تقييد الحضارة الغربية والتخفيف من ثقلها الكبير الذي يلقي بظلاله على الإبداعات البديلة.

يعكس تعقيد هذا الموقف السيولة القطبية المرتبطة بالتركيز على الذات والرفض من جهة، والانهيار في حدود الاعتماد على المحاكاة من جهة أخرى. يشكل حل هذه المفارقة، بحسب حنفي، المهمة الحضارية للمسلمين المعاصرين. فمطلوب ضمن هذه المهمة، تقييم التراث الإسلامي والغربي بشكل نقدي وموضوعي من وجهة نظر تتجنب الاعتذار أو الإدانة. تظل هذه عملية قابلة للتطبيق على كل من التراث والتقليد. يحرض حنفي في هذا السياق على الابتكار المنهجي بوصفه ذو أهمية كبرى حيث تفقد بدونه الديناميات الحضارية الداخلية حيويتها خلافا للتقليد، الذي يؤكد بشكل صحيح أنه "ليس مصدرًا للمعرفة".[1] إن هذا الجهد لإعادة البناء كعمل إبداعي قادر على تلبية هذه المتطلبات لا يسمح فقط بالتفاعل الحضاري المثبت والمحدد من قبل الذات، ولكن أيضًا من أجل النقل المجدي وتكييف عناصر التجربة مع الاحتياجات والمتطلبات الأخرى. يمكن بعد ذلك فهم الحضارة الغربية السائدة في سياق تطورها التاريخي الخاص. ويمكن، بالتوازي مع ذلك، تطوير مقاربة تفصل منهجيا الترابط الذي يبدو مستعصًا على الحل بين الحداثة والغرب.

على الرغم من مقاربته للتيارات الفلسفية واعترافها بالأبعاد الذاتية المرجعية غير الخطية للتاريخ الإسلامي، إلا أن حنفي لا يتعمق بما فيه الكفاية في الآثار الكاملة لهذا التاريخ، أو في القوانين الدائرية للاكتفاء. وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه القوانين، فهو يتعامل معها إما بشكل سطحي أو محدود لدمجها بالشروط اللازمة للنهضة الإسلامية؛ أو يتوقف عن تحديدها بشكل صريح في أحسن الأحوال. وبذلك، فإنه يحد من الإمكانات الكاملة لنهجه "الاستغرابي". تعتبر شروط الاكتفاء ذات أهمية خاصة حتى لا نغفل عن حقيقة أن الموقف المخيب للآمال الحالي للمسلمين لم يتأتى لهم بسبب التفوق الفكري للغرب ومنه الاستشراق. ولكنه بالأحرى، قد تم إلى حد كبير كنتيجة للقوة المادية المتاحة لهم والتي بدونها ربما أصبح العديد من اتجاهاتهم غير مؤثرة أو غير ضارة. إن مواجهة الغرب على مستوى "الاستغراب" في ظل غياب العديد من القدرات التي جعلت الاستشراق فاعلًا قد يقلل من التحدي إلى مجرد فضول فكري. قد يساهم الاستغراب عند حنفي، على مستوى الضرورة في إيقاف حالة الانكسار من أن تصبح غزوًا ذاتيًا داخليًا.  لكنه يبقى، بهذا المعنى، مجرد  رد فعل دفاعي. يظل التفاعل عملية تكيفية، يتم تحديدها إلى حد كبير من خلال تصرفات قوة مستقلة، وتخضع لمقتضياتها البيئية. وبالتالي، يظل ما قد يفعله أو لا يفعله المثقفون العرب والمسلمون نتيجة لمقررات الآخرين وانعكاسًا لمفهومهم الخاص.

لا يتوقف الإحياء على هذا النحو على مسائل العقلانية والتراث والثقافة فقط، ولكن عما ينتج من لقاء عدد لا يحصى من المصادفات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، التي توسع أو تحد من الآفاق التي تواجه الأمم التي تتطلع إلى التجديد. بعبارة أخرى، لا يوجد مخطط أو برنامج عمل أو إسقاط خطي محسوب كميًا لـ "النهضة". قد تتمكن التدرجات الخطية من تحديد النتائج (العلاقات بين السبب والنتيجة) ولكن لا تحدد العواقب في أحسن الأحوال.  فالعواقب هي نتاج الأحداث غير الخطية التي "لا يمكن التنبؤ بها بشكل حتمي".[2]  فبينما قد تعتمد الأحداث جزئيًا على الظروف المادية الموضوعية، إلا إنها ليست مقيدة فيهم بأي حال من الأحوال.  تفشل الخطية التاريخية، كتوجه أيديولوجي، بالضرورة، في الوفاء بوعود التقدم أو قول الكثير عن الأحداث التاريخية المستقبلية. لم يكن من الممكن أبدًا من خلال افتراضاتها نفسها، التفكير في شيء مثل الثورات، ولا يمكن أن يكون ممكنًا في هذا الصدد.  فإذا تم النظر إلى هيمنة الغرب، مثلا، في ضوء محاولات النهضة العربية/ الاسلامية على أنها حدث وليس كتقدم محدد خطيًا، هذا من شأنه أن يضع نظامها الحضاري في سياقه باعتباره محتملًا تاريخيًا بدلاً من كونه ضرورة عالمية. لن تكون الحضارة الغربية قادرة بعد الآن على المطالبة بالسيطرة على التاريخ وستصبح بدلاً من ذلك خاضعة لتقلبات الأحداث اللاحقة. على هذا النحو، يتوقف عن وضع قوانين للتاريخ، أو أن يكون قادرًا على إصدار إعلانات انتصارية حول نهاية التاريخ. وبالتالي، فإن فشل محاولات النهضة في العالم العربي، أكثر من كونها مجرد مسألة مصلحة غربية موضوعية، بل تشكل ضرورة ذاتية لا غنى عنها.

ومع ذلك، فإن عمل حنفي، على الرغم من كونه فلسفيًا بشكل عام ويريد ان يظل يحافظ على الدقة المنهجية، الا أنه عبر ايضًا عن محاولة لتوضيح وصياغة أبعاد المعارضة هذه. والأكثر من ذلك، أنه يساهم في عكس ترتيب الذاتي / الموضوعي الذي كان يحكم حتى الآن الكثير من التصورات الغربية والعربية/ الإسلامية المتبادلة. تكمن أهميته الرئيسة في الآفاق التي يفتحها لإدخال بعد معياري من خلال تقليص الجانب المعرفي إلى حدوده الطبيعية مما يسمح بفك اندماج هيمنة الحضارة الغربية عن المفاهيم المصاحبة للعالمية.  إن النهج المعرفي الذي يستوعب معايير نظام الأدراك الخارجي الذي أنتجه، في غياب الإغلاق المعياري، من شأنه أن يجعل الهيمنة مترادفة والعالمية. وبالتالي، فإن الطابع التاريخي للأول مرتبط بتاريخ الأخير. إن هذه العملية، كما في عمليات الإنتاج، والانحدار، والاتساق، والتناقضات في تجربة تاريخية نسبية تُظهر نفسها على أنها ديناميات الحتمية المطلقة والخطية. يستجيب الاستغراب، في هذا الصدد، الى الحاجة المتزايدة لخطاب تأسيسي يمكن من خلاله إطلاق النقد والارتباطات المضادة للخطاب. يهدف الاستغراب ومن خلال الانعكاس البنيوي لمنطقه إلى تغيير شروط التفاعل بشكل كبير.[3]

ومع ذلك، فإن التوسع إلى ما بعد تحديداته يظل ضروريًا من أجل تجنب الوقوع في "الفخ التفاعلي" الذي قد يقودنا الاستغراب إليه، ولإعادة تأسيس الاستقلال التاريخي غير الخطي للتاريخ الإسلامي. يتطلب تجنب هذا الفخ نظامًا منهجيًا وعمليًا للفعل، غير مثقل بالأمراض داخل الإسلام، أو أعباء النظريات البالية التاريخية. يجب أن يكون هذا مؤهلًا ولائقًا بالطبع من خلال الالتزام الضروري والكامل بالمقتضيات والأسس التي لا يمكن المساس بها للمبادئ الإسلامية وبنى الهوية. وطبعا كل ما تقدم هو حسب راي حنفي.

بناءً على تفاعل العناصر المكونة للاختلاف والاختيار الاجتهاد، والأبعاد الزمنية المقابلة لها - المستقبل والحاضر والماضي - قد يتطور التاريخ الإسلامي بعد ذلك. لم يعد الاجتهاد يعكس حالات منفصلة من الابتكار، ويصبح بدلاً من ذلك عملية توسع مستمرة. يجب أن يكون هذا النمط غير الخطي من النمو دائريًا، للسماح للمستقبل بأن يكون إلى حد كبير انعكاسًا للماضي. "وفقًا لهذا التكرار المبتكر، هناك بعض الحداثة في التكرار؛ كل دورة تحرك المجتمع على طول محور معين، كما قد يكون مصير الدورات المستقبلية غير محدد".[4] طبقًا لهذه المصطلحات، تفقد المفاهيم الخطية "الرجعية" و "التقدمية" للديناميكيات التاريخية الكثير من ملاءمتها ومعناها. عندما يتم استعادة الارتباط بين الماضي والمستقبل، والاستمرارية، فإن الانقسامات "التقليدية - الحديثة" لا معنى لها. وبالتالي، يجب إعادة العمل والقدرات الإسلامية على مستوى الاكتفاء من خلال تحول أولي غير خطي (دائري) من شأنه أن يسمح بالديناميات اللاحقة للفعل المستقل والمعنى. يترتب من هذا، أنه في حين أن قوانين الضرورة قد تكون معرفية، فإن مقدار الاكتفاء يجب أن يكون معياريًا مع تحديد الافتراضات المسبقة المطبقة على كليهما. وسيشكل الفاصل "الخطي" بين الاثنين فرقًا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1]  حنفي، حسن، (1991) مقدمة في علم الاستغراب، دار الفنية، القاهرة، ص 26-27، 83.

[2] Lazio, Ervin )1991) The Age of Bifurcation (Reading: Gordon and Breach). x.

[3]  حنفي، حسن، ( 1991)  مقدمة في علم الاستغراب، دار الفنية ، القاهرة ، ص 9 فمابعد

[4] Lazio, Ervin,(1991) The Age of Bifurcation .50.

 

علي رسول الربيعيقال أوغسطينوس1  إن حياتنا مضطربة وعشوائية لدرجة أنه من الصعب تمييز خطة إلهية وراءها. لكن رعاية الله لنا واضحة من العقل (كيف صمم الله أجسادنا بشكل جيد) والوحي (كيف عاش الأنبياء وماتوا من أجلنا). لذلك، من الأفضل أن ترى الله على أنه وضع لنا خطة غامضة.  هل نوافق؟

قد لا يوافق اللاهوتيون وعموم المؤمنون على هذا تماما.  فقد يقولون: يمكننا استيعاب جزء من خطة الله على الأقل.  لقد قصد الله أن نكافح لنحصل على الحكمة والمحبة في المواقف الصعبة والفوضوية. حياتنا بها تقلبات ونكسات ومآسي وأحداث مجنونة تربكنا وتتحدانا فتدفعنا إلى  ان تنمو الحكمة والمعرفة والمحبة  لله والكائنات الأخرى. وهذا هو ما قصده الله. وبالتالي فإن فوضى حياتنا هي جزء من خطة الله.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

  Augustine,"God's providence," in Swindal 2005: 107-11.

منقول من :

Swindal, James, and Harry Gensler (eds.) (2005) The Sheed and Ward Anthology of Catholic Philosophy, Lanham, MD: Rowman and Littlefield.

محمد لمعمر"ستالين ليس غلطة ماركس، وبونابرت ليس غلطة روسو، وهتلر ليس غلطة نتشه".  نيكولاس بولانتزاس

1- مشكلة نظرية الدولة

إن التحولات الجيوسياسية الكبرى التي حدثت في أوربا على المستوى السياسي، غيرت الرؤية السياسية للراهن الأوروبي، الامر الذي يستدعي فهما سياسيا جديدا للربط بين الدولة والسلطة في عملية التحليل، والتوفر على أليات لفهم واستيعاب ماهية العلاقة الحميمية بينهما، بغية تفكيك التشابكات بين الدولة والسلطة، والطبقة الاجتماعية، خصوصا في زمننا المعاصر حيث توطدت السلطوية في الواقع، وانغرست في النفوس، وتضخمت الأنانيات. لذلك، لا بد من إبداع  نظريات سياسية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيوسياسية الكبرى، أو إخراج بعض النظريات من عزلتها وغربتها، كالاشتراكية مثلا، وتوظيفها لتقديم تفسيرات للراهن السياسي المشوب بشوائب التبدل والتغير، آن أوان الماركسية لمساعدة العقل على الفهم والاستيعاب، في أفق بلورة نظريات سياسية واضحة المعالم حول الدولة، خصوصا، وأنه منذ ماكس فيبر كان التعامل مع الماركسية يتم بالتحاور معها بهدف نقدها لا إبراز جوانب القوة فيها، بهدف توظيف مفاهيمها وألياتها التي تساعد على التحليل السياسي في زمن تقوت فيه مكانة الدولة، وتوطدت المقاربة الأمنية، وتوسعت السلطوية، فانعكس ذلك سلبا على فئات عريضة، وطبقات اجتماعية[1].

وظيفة النظريات السياسية التساؤل عن طبيعة العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، والجواب دائما نفسه؛ الدولة أولا، ثم بعد ذلك القوى الاجتماعية الفاعلة والمجاورة لها؛ كالطبقات الاجتماعية، جماعات الضغط، الاستراتيجيات التي تلجأ إليها الدولة للتحكم في بقية القوى المؤثرة في الفضاء العمومي[2]. بمعنى؛ يصعب الحديث عن نظرية سياسية حول الدولة في غياب المفاهيم الضرورية المساعدة على التحليل السياسي، وتفكيك منطق السلطة المتجلية في أجهزة  ومؤسسات  كقوى وإمكانات لضبط الجماهير وتوجيه الطبقات والاجتماعية والمؤسسات الفاعلة، ذلك هو هدف النظرية السياسية كنسق من المفاهيم والمبادئ المنظمة قليلا أو كثيرا والمطبقة في ميدان مخصوص، إنه المجال السياسي.

الدولة كمؤسسة، وفق تعبير ماكس فيبر، وككائن عاقل حسب هيغل، تتكون من نواة مركزية أساسية هي ذاتها، ومن عناصر أخرى يمكن أن تؤثر فيها الطبقات السائدة أو تتسلل إليها محدثة تغييرا وتأثيرا كبيرين. فالدولة، تتضمن في ذاتها عناصر صامتة خفية مضمرة يصعب فهمها وإدراكها، أما العناصر الأخرى، فيمكن للعقل إدراكها والوعي بها، وتحديد طبيعتها وعلاقتها التفاعلية مع القوى الاجتماعية[3]. لكن، الصعوبة هنا تتمثل في علاقة الفرد بالدولة، كيف يمكن للفرد أن يندمج في الدولة بشكل دقيق وصحيح، وبناء على أية أسس منطقية واجتماعية؟ بمعنى أخر أشد وضوحا، هل اندماج الفرد في الدولة يجعله يحقق مصلحته الخاصة معتبرا الدولة مجرد وسيلة أم أنه يحقق مصلحة الدولة كغاية في ذاتها؟

هناك من يجيب على هذا السؤال من وجهة نظر الماركسية، معتبرا أن أساس الدولة هو السلطة التي تمارس تأثيرها على الأفراد، وهي سلطة مرتبطة بطبقة سائدة ومسيطرة على بقية القوى المبثوثة في المجتمع، فهي التي تصنع الدولة وفق إرادتها، إنها هنا دولة الطبقة السائدة المسيطرة والمحتكرة للإنتاج المادي، وكل دولة بموجب التحليل السابق هي ديكتاتورية طبقة سائدة،[4] وهو الفهم الذي يجعل الدولة مجرد أداة لخدمة طبقة متحكمة، هذا التحليل يذكرنا بتحليل فريديريك إنجلز الذي يعتبر فيه أن الدولة ليست نظاما طبيعيا؛ فهي نتاج المجتمع في مرحلة معينة من تطوره، وليدة تناقضاته وصراعاته التي لا يمكن التوفيق بينها، فانقسام المجتمع إلى طبقات تتوسل المنفعة، وخوفا من ضياع الكل، فإن الضرورة فرضت وجود سلطة عليا من داخل المجتمع، تضع نفسها فوق الجميع، لكن، العيب أن الدولة التي من المفروض ، أن تفرض النظام والعدالة الاجتماعية، ستصبح شيئا غريبا، ومتناقضا، لأنها لا تحقق الحياد الاقتصادي والسياسي، إنها في الحقيقة تكرس دولة الطبقة القوى، الطبقة المسيطرة على الاقتصاد والسياسية، بحيث تبتكر وسائل لاستغلال واضطهاد الطبقة الضعيفة، ، بمعنى أن الدولة ليست نقطة توازن بين مصالح ومنافع، وإنما هي الأداة التي تستخدمها الطبقة المسيطرة لحماية مصالحها.[5]

الرؤية السابقة للدولة تنظر إليها كأداة ووسيلة، وليس كغاية في ذاتها، والمشكل المترتب على ذلك ليس مشكل الطبقية في الدولة، وإنما مشكل الدولة في علاقتها بثنائية الغاية والوسيلة. إن الدولة شيء خاص ومميز ومعتبر، وله قيمة معتبرة، فهي بنية مادية، لا يمكن إخضاعها في نمط سلطة معينة ومحددة بدقة، وكأن هناك تمييز بين الدولة والسلطة، فالبورجوازية تلجأ إلى الدولة لتوظيفها واتخاذها وسيلة للسيطرة عليها أولا، والتحكم في مؤسساتها الفاعلة والحيوية لتحقيق المنافع والمصالح الطبقية ثانيا. هناك أيضا تفسير أخر للماركسية حول النزعة الاستبدادية للدولة، التي هي تعبير عن إرادة الطبقة السائدة أو إرادة السياسيين المأجورين، دون إهمال أن هناك تفسير ماركسي ثالث للدولة، يتمحور حول وجود نواة داخل الدولة، تعمل إلى جانب الطبقة السائدة، بحيث تصبح الدولة مزدوجة، فهناك الدولة الخاصة، التقنية، ذات الوظائف الاجتماعية، وهناك دولة أخرى، ما فوق الدولة، لنصبح في منطق دولة في دولة، فالدولة الفوقية، دولة البرجوازية والسلطة السياسية، التي تتحكم في الدولة الخاصة، وتجعلها وسيلة لتحقيق أهدافها. ذاك هو تفسير النزعة التكنوقراطية للدولة، حيث التركيز على المهام التقنية للدولة، خاصة المجتمعات الما بعد الصناعية.[6]

بمعنى؛ أن التفسيرات الماركسية المختلفة للدولة تشترك في كون الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة ووسيلة تستخدم من طرف قوى ما (الطبقة البورجوازية، التكنوقراط..) لجعل الدولة أوليغارشية، تحمي مصالح طبقة معينة، وفي ذلك نزوع نحو الاستبداد أو التسلط والهيمنة، لتحقيق مصالح فئوية، وفي هذه الحالة تصبح الدولة تابعة للطبقة السائدة والمسيطرة اقتصاديا وسياسيا. كل من ينظر إلى الدولة بناء على التوصيفات السابقة، يعرفها انطلاقا من وظيفتها الأداتية كجهاز يحتكر من طرف فئة ما، وليس بناء على كونها غاية في ذاتها.

إن الدولة كيان مادي لا يرتبط بالسيطرة السياسية، لأن مفاهيم السيطرة والقمع والتحكم مرتبطة بأجهزة الدولة وليس الدولة، أجهزة تتموضع عبر مؤسسات الدولة، أي أن الدولة ليست كيانا يمكن التحكم فيه ببساطة من طرف طبقة سائدة، علما أن هناك طبقة معينة داخل الدولة تترك أثرها في مؤسسات الدولة. الأمر الذي يتطلب البحث عن أسس البناء المادي للدولة والسلطات التي تبث الرعب والخوف وتؤثر في علاقات الإنتاج، وفي التقسيم الاجتماعي،[7] بهذه الكيفية يمكن أن يتشكل جهاز الدولة، ويعبر عن ذاته في المؤسسات، وفهم الأساس المشكل للرابطة النوعية بين الدولة والطبقات.

عنصر الربط بين الدولة والطبقات الاجتماعية يجد أساسه في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، فكل تصور للاقتصاد، يرتبط بنمط الإنتاج أو نوع النظام السائد في مجتمع ما، وهو عنصر ثابت يوجد في جميع أنماط الإنتاج، يجعل الدولة تعيد إنتاج وتنظيم ذاتها بمساعدة تركيبة داخلية محددة، تتجلى في عنصر الاقتصاد. فهذا الأخير هو أساس التناقض أو الصراع كنتيجة للاستغلال وعلاقات الإنتاج السيئة المؤدية إلى سوء العلاقات الإنتاجية، حيث بزوغ الصراع الطبقي، وكأن المشكلة في جميع أنماط الإنتاج اقتصادية بالضرورة، وهنا يجب تحديد علاقة الدولة بالاقتصاد[8].

لو كانت الدولة هيئة مستقلة بذاتها، لتشكلت نظريات حولها، لكن، في ظل التباين بين المفاهيم السياسية حول الدولة ومفاهيم الاقتصاد، يصعب بناء نظرية أو التنظير للدولة، خصوصا وأن النظرية بناء مفاهيمي ومنهجي مؤسس على تعيينات ضرورية وعامة، تختلف من نمط إنتاج إلى أخر، الأمر الذي لا يساعد على تبلور نظريات للدولة، عكس الدولة الرأسمالية، حيث الفصل بين الدولة والاقتصاد، فصار بالإمكان الحديث عن نظرية حول الدولة، ومعها تتحدد معالم نظرية للاقتصاد الرأسمالي، وبموجبها يصوغ الانسان أسسا نظرية عامة للدولة[9].

وعليه، وفي ظل تباين المفاهيم، يصعب الحديث عن نظرية حول الدولة، تخص الماركسية الكلاسيكية. غير أن البعض يعترض على ذلك، بأنه توجد مقومات وأسس يمكن استثمارها لبلورة نظرية عامة حول الدولة، شريطة الابتعاد عن التصورات الميتافيزيقية للفلسفة السياسية، والابتعاد عن التنظيرات المجردة والعامة والفارغة من المعنى[10].

يعتبر نيكولاس بولانتزاس، أن للماركسية نواقص حول الدولة والسلطة، وهي نواقص يجب البحث عنها في المجالات التي تفتقر إلى تكوين نظرية، نواقص تتعلق بالدرجة الأولى، بالأسس النظرية العامة، مقدما مثالا على ذلك، الدولة في البلدان الاشتراكية التي يغيب فيها التحليل الملموس والمتطور للدولة. بمعنى أن بناء نظرية للدولة يتطلب تطوير المقولات العامة، وفي سياق تحليل الدولة الرأسمالية[11]. هذا هو المنهج الذي اتبعه بولانتزاس مبتعدا عن التحليل الهيغيلي والماركسي للدولة، حيث عدم الانطلاق من الدولة الرأسمالية في ذاتها كدولة، وكأنها النموذج الفريد والوحيد الذي يمكن الاستناد عليه، لبناء نظرية حول الدولة. بحيث يدعوا إلى ضرورة الوقوف عند الظروف التاريخية للرأسمالية، لا الدولة الرأسمالية، بهدف صياغة المقولات السياسية العامة ودراستها. لكن، هل يمكن للمقولات السياسية الرأسمالية حول الدولة أن تساعد على الفهم والبناء، وفي سياق مغاير؟

حسب بولانتزاس أن نظرية الدولة الرأسمالية يمكن أن تقدم عناصر مهمة بخصوص الدولة، التي هي في طور الانتقال إلى الاشتراكية، علما أن تلك المقولات النظرية تختلف من مجال إلى أخر، لذا، تعتبر تلك المقولات المستوحاة من الدولة الرأسمالية توصيفات نظرية استراتيجية في وضع عملي، يساعد على ردم الهوة بين النظرية والممارسة، والنظرية والواقع؛ فالنظرية، هي الخيط الرفيع الذي يربط الممارسة بالواقع، وإذا كان البعض يعتبر أن فلاسفة التنوير مسؤولين عن الدولة الشمولية، فإن البعض الأخر يربط وضعية الدول الاشتراكية بالماركسية، وذلك مجرد وهم، لأن المشكل، أن  البلدان الاشتراكية تميز وتفصل بين النظرية والواقع[12].

الكلام السابق ليس دفاعا عن الماركسية وإنما يمكن تفسير ذلك أيضا بكون كل نظرية، لا تحوز النقاء المطلق، وإنما تتضمن عيوبا يمكن استثمارها لممارسة سلطة معينة، وانشاء خطابات ودول شمولية فستالين ليس غلطة ماركس وبونابرت ليس غلطة روسو، وهتلر ليس غلطة نتشه، فبولانتزاس يوجه اللوم للفلاسفة الجدد الذين يتبنون نظريات كارل بوبر حول انبثاق عالم المعسكرات من المنظومات النظرية المعتبرة، ومن الجوانب الاستبدادية للمفكرين. علما أن هناك مسافة شاسعة بين النظرية والواقع، والمفارقة، أن الأنظمة الاستبدادية التي تستند في ممارستها للسلطة على مفكرين كانوا في الأصل مبتعدين عن الدولة.

وفي معرض تبيان علاقة الدولة بالاقتصاد، يرى بولانتزاس أن هناك عدة تفاسير حول علاقة الدولة بالاقتصاد. التفسير الأول، يعتبر أن الدولة مجرد تابع وانعكاس للاقتصاد، وهو تصور ميكانيكي تقليدي للدولة، وهناك التفسير الثاني الذي يؤكد على أن أنماط الإنتاج المختلفة، مرتبطة بتجل الكل الاجتماعي، في شكل هيئات مستقلة ذاتيا، ومؤثرة في البنى الفوقية (الدولة والايديولوجيا)، فالهيئات المستقلة ليست انعكاسا للاقتصاد، ولكنها جوهرية وضرورية لأنماط الإنتاج[13].

مجال الاقتصاد، هو مجال علاقات الإنتاج والاستغلال، خاصة في النظام الاشتراكي، علاقة لم تكن ميكانيكية ومغلقة في الأنظمة الأخرى، بحيث لم تكن الدولة محايدة. بل، لعبت دورا مهما في علاقات الإنتاج، ومن ثمة التدخل في الاقتصاد لخلق البنية التحتية المادية، لذا، يمكن القول مع بولانتزاس، أن دور الدولة مهم في المجال الاقتصادي، بحيث تتدخل في الاقتصاد بمختلف الوسائل، وبأشكال متنوعة، تتدخل في علاقات الإنتاج بغية التوغل والتحكم في المجال الاقتصادي، أو تبقى خارجة، لكنها، تنشط بشكل حيوي على هامشه[14]. فالدولة بناء على مضمون الكلام السابق ليست غاية في ذاتها، ولكنها وسيلة للتحكم والتوجيه والتأطير والتأثير في علاقات الإنتاج وإعادة الإنتاج.

الدولة والاقتصاد لا يؤثران بنفس الكيفية في نفس المجال، لأن جميع أنماط الانتاج ليست مجرد أشكال اقتصادية ناتجة عن تراكيب متفاوتة لعناصر ثابتة، وملازمة لمجال مغلق، على عناصر أخرى مميزة للدولة، بمعنى أن نمط الإنتاج ليس انعكاسا لعناصر ثابتة ومعطاة بشكل قبلي، تتخذ شكل ضرورات، تتجلى في الاقتصاد الذي هو تلاقي تلك العناصر، فنمط الانتاج وحدة تتداخل فيها عدة عناصر تحتية، كالاقتصاد مثلا، وفوقية كالسياسة والايديولوجيا، فحوى ذلك، أن هناك علاقة وطيدة بين الدولة والاقتصاد، ووجود السلطة لحظة أساسية في علاقات الإنتاج[15].

الرأسمالية نظام ينبني على الانخراط المباشر في الإنتاج، ووجود ملكية، بغض النظر عن علاقتها بوسائل الإنتاج، وتلك هي سمة العالم الحر، حيث قوة العمل وتدخل المالك، بحكم عقد يتحكم في قوة العمل، التي تصبح سلعة، ويصبح فائض العمل قيمة، وهنا يتم الفصل بين الدولة والمجال الاقتصادي، فصل مميز للرأسمالية التي تجعل للدولة والاقتصاد أدوارا ومجالات جديدة. فالغاية هنا هي الرأسمالية، بينما الدولة وسيلة لخدمة الرأسمالية، هذه الأخيرة محددة ومحركة للفعل السياسي للدولة ومعه الاقتصاد.

خلاصة القول في هذا الباب أن التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى، استوجبت ضرورة بناء نظرية حول الدولة، نظرا لبزوغ رعب السلطوية، رغم صعوبة تأسيس نظرية ماركسية، بإمكانها أن تفسر رعب الأنظمة الشمولية والتحكمية والديكتاتورية، لأن الشمولية نظام مرعب واقعيا، منفلت سياسيا، يصعب وضعه في تعميمات عامة، خاصة في البلدان الاشتراكية التي تحتاج إلى تعميق وتطوير المقولات النظرية العامة حول الدولة، وذلك بالانطلاق من ظروف تشكل  المفاهيم المتعلقة بالدولة الرأسمالية، خاصة ما يتعلق بعلاقات الإنتاج وتقسيم العمل الاجتماعي. لكن، ما يعاب على نيكوس بولانتزاس في نظريته حول الدولة، أنه ربط الجوانب الشمولية في الدولة الاشتراكية بجوانب رأسمالية تسللت وأثرت في البناء والممارسة السياسية، خاصة علاقات الإنتاج والعمل الاجتماعي والاستغلال، أو تأثير المحيط الرأسمالي على البلدان الاشتراكية، وكأن الدولة الاشتراكية لا تتضمن في ذاته عيوبا ونواقص قد تفضي إلى شكل من أشكال الرعب والسلطوية. فخذ بنا إلى المبحث الثاني لتفكيك الأجهزة الإيديولوجية للدولة، وإبراز علاقتها بالقمع.

2- الأجهزة الإيديولوجية للدولة:

الدولة كجهاز أو مؤسسة تلعب دورا حيويا في علاقات الإنتاج وإعادة انتاج الطبقات الاجتماعية، متوسلة بالقمع المادي المشروع، بغية تنظيم الروابط الاجتماعية، لذلك فقد  ركز بولانتزاس في مبحثه على الحديث عن وضعية القمع والايديولوجيا بالنسبة للدولة، معرفا الأيديولوجيا بكونها ممارسات مادية وأعراف وعادات وأسلوب حياة، وليست فقط منظومة من الأفكار والتصورات، وهو الأمر الدي يجعل من الأيديولوجيا أداة تأثير وقوة ، لأن الروابط الأيديولوجية تلعب دورا مهما في الملكية الاقتصادية والتملك، وتقسيم العمل الاجتماعي داخل علاقات الإنتاج. فالدولة تستعين بالأيديولوجيا وتتخذها وسيلة لإضفاء الشرعية والمشروعية على العنف والقمع وإعادة انتاج وتوطيد السيطرة السياسية، وخلق توازن بين طبقات وأقسام المجتمع، علما أن الأيديولوجيا هنا، ليست محايدة ولكنها تعبير عن سيطرة فئة أو طبقة داخل المجتمع، فالأيديولوجيا ليست مجرد فكر نظري، ولكنها تمظهرات واقعية، في أجهزة الدولة ومؤسساتها[16].

فإعادة الإنتاج والتقسيم الاجتماعي، تضطلع بهما أجهزة معينة هي جزء من مجال عمل الدولة، لأنها أجهزة أيديولوجية للدولة، بما في ذلك تلك التي لها طابع قانوني، كالكنيسة مثلا والمدرسة والاعلام الرسمي والجهاز الثقافي، وأيضا أن الأيديولوجيا تتدخل في تنظيم الجيش والشرطة والقضاء والسجون، بعض هذه الأجهزة مكلف ومختص بممارسة العنف المادي الشرعي[17].

وحسب بولانتزاس أنه يجب التمييز بين الأجهزة القمعية والأجهزة الأيديولوجية، وفهم الدور القمعي للدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، او عبر أجهزتها، فالقمع بالنسبة للدولة شيء طبيعي ومسلم به قانونيا، ولا شك في ذلك، لأن كل دولة تلجأ إلى شكل من أشكال القمع، للحفاظ على وجودها واستمرار فرض النظام، لكن، المشكل هنا، هل القمع غاية الدولة أم أنه مجرد وسيلة لحظية عابرة؟ هنا جوهر الاختلاف ببين الدولة الديموقراطية، دولة الحق والقانون وفصل السلط والكرامة الإنسانية، حيث القمع والعنف المادي المشروع مجرد وسيلة، استثنائية، تضطر إليها الدولة مكرهة، وبين الدولة الديكتاتورية حيث العنف والقمع غاية الدولة، فالأنظمة الشمولية والتحكمية والديكتاتورية تجعل من العنف بمختلف اشكاله أداة رعب وقهر وتعذيب وترويع للناس، فهناك فرق ما بين أن يكون الأصل هو القانون والقمع فرع استثنائي، وبين أن يكون القمع أصل والقانون فرع. فما معنى العنف الفيزيائي المنظم؟

العنف الفيزيائي المنظم؛ عنف ضد الجسد، وجه أساسي للسلطة، وشرط ضروري لترسيخ سياستها وممارستها، فهو عنصر إكراه وتهديد ومذل للجسد، على اعتبار أن الجسد ليس مجرد عنصر طبيعي، ولكنه مؤسسة سياسية، وهذا ما يفسر العلاقة المعقدة بين الدولة/ السلطة والجسد، فالدولة تمارس سلطتها بالتأثير في الجسد، باستخدام وسائل فيزيائية، وجعله أداة في أفق الاستيلاء عليه، إما عن طريق المؤسسات السجنية أو من خلال فرض نظام جسدي بواسطة الدولة، بهدف إضفاء طابع مؤسسي على الجسد، فالدولة، تقولب الجسد وفق مؤسساتها وأجهزتها، لذا، فهي كيان احتقار وإبعاد واستهلاك لأجساد المواطنين. إنها تجسيد للعنف والقمع والترويع وجعل المواطنين موضوعات لا ذوات حرة ومستقلة. فالجسد صيغ بشكل ساسي جديد، جسد السلطة والدولة، ووفق خطة استراتيجية لقتل الشخصية الجسدية أولا بالتحكم في الجسد، ثم قتل الشخصية المعنوية ثانيا.

في ظل دولة الرعب والقمع، لم يعد هناك حديث عن الجسد الطبيعي، وإنما الجسد السياسي، الذي تم ترويضه بمساعدة أجهزة ومؤسسات فيزيائية خاصة، تفننت الدولة الرأسمالية في إبداعها، علما أن بولانتزاس يتحفظ على التصورات التي تميز بين أجهزة الدولة القمعية وأجهزتها الأيديولوجية، فإذا كان غرامشي يعتبر أن هناك علاقة بين الجهازين القمع والايديولوجي، فإن لوي التوسير مجدد الماركسية يقيم تمييزا بين أجهزة القمع حيث تنشط الدولة بشكل فعال، وبين المذهبية الأيديولوجية حيث التأثير والمنع والاعاقة والكذب والتزوير والكتمان والانحجاب[18].

ألتوسير، يعتبر من الفلاسفة الفرنسيين الذين جددوا الفكر الماركسي  عن طريق استثمار مفاهيم وأدوات نظرية مستمدة من التحليل النفسي، ففي معرض حديثه عن نظرية الدولة، يعتبر أن الدولة هي عبارة عن مجموعة من الأجهزة تضم إلى جانب الأجهزة القمعية التي تحدثت عنها الأدبيات الماركسية  التقليدية، أجهزة أخرى أيديولوجية، يقول التوسير:" نقصد بالأجهزة الأيديولوجية للدولة عددا من جوانب القمع التي تمثل أمام الملاحظ المباشر على هيأة مؤسسات متميزة ومتخصصة سنقترح بصددها لائحة تجريبية تتطلب بالطبع ان تفحص في تفاصيلها وأن يتم اختبارها ومراجعتها وتعديلها[...] إذا كان هناك جهاز واحد قمعي للدولة، فإنه توجد عدة أجهزة أيديولوجية للدولة، والوحدة التي تشكل هذا التعدد من الأجهزة الأيديولوجية للدولة في أجسام إذا ما كانت موجودة، فإنها ليست منظورة بشكل مباشر، في لحظة ثانية يمكن أن نلاحظ أنه في حين أن الجهاز القمعي للدولة جهاز موحد وينتمي كله إلى المجال العمومي، فإن أغلب الأجهزة  الإيديولوجية للدولة في تشتتها المظهري تنتسب على العكس من ذلك على المجال الخاص، الكنائس، والأحزاب، والنقابات، والعائلات، وبعض المدارس، ومعظم الصحف والمؤسسات الثقافية"[19].

إن الفصل بين ألية القمع والمذهبية الايديولوجية لن يفضي إلى تحليل وتحديد جيدين للدولة، ولا يساعدان على فهم دور الدولة في علاقات الإنتاج، وكيفية الانتقال من الاقطاعية إلى الرأسمالية، ولا يساعد على فهم الدولة الراهنة، التي تتدخل بالخصوص وبكيفية نوعية في إنتاج رأسمال الدولة، باعتباره المحدد الأساسي وعنصر تغيير الواقع، أي أن دور الدولة الراهنة لا يتمثل في القمع والمذهبية الأيديولوجية. فمثلا؛ يصعب فهم علاقة الدولة بالجماهير والفئات المضطهدة، بالاعتماد على عنصر القمع فقط. إذ لا بد من الانفتاح على جوانب أخرى مهمة، كالمفهوم المثالي للشرطة، كونه أداة ووسيلة الدولة للتحكم في الجماهير عن طريق خطط استراتيجية معينة، فبجانب القمع تحضر أليات أيديولوجية تعمل من خلال بنيات تقوم على الخداع والتمويه وتتمظهر في شكل تصرفات وسلوكات[20].

بناء عليه، يصعب تحديد عمل الدولة بشكل دقيق وواضح، لأنها تنشط بكيفية منلفتة وغير مباشرة، داخل حقل اجتماعي معين لخلق التوازنات بين الطبقات الاجتماعية السائدة والمسودة، متخذة جملة من الإجراءات المادية والرمزية، تلعب فيها الأيديولوجيا دورا كبيرا، حيث التأثير القوي دون اللجوء إلى القمع، فتفسير سلوك الدولة يتطلب الحضور المكثف لثنائية القمع والايديولوجيا، والوعي بهما معا في بعض الأحيان، فيقال مثلا: لقد قمعت الجماهير، وخدعت بالإيديولوجيا الفاشية.

إن الدولة مهما كانت طبيعتها، حتى ولو كانت فاشية تجد نفسها مكرهة على اتخاذ مجموعة من التدابير ذات الأولوية، كالقمع والايديولوجيا لصالح الجماهير، علما، أنه ليس هناك ربط ميكانيكي بين التدابير وتجويد ظروف العيش، فيمكن لتلك التدابير أن تؤدي إلى تفاقم الاستغلال، بحيث تصبح تدابير مرتبطة بالتضليل الأيديولوجي الذي هو وجه من وجوه إنتاج أليات مادية ولا مادية لحصول الاجماع الشعبي حول السلطة. وبالتالي؛ فنشاط الدولة، يتجاوز ما هو متعارف عليه، أعني القمع والايديولوجيا، فربط الدولة بهما، يؤدي إلى فهم سطحي ومغلوط للدولة، نظرا لعدم معرفة الأهداف المتوخاة من ذلك، بحيث ينظر إلى الدولة، نظرة أحادية الجانب، وتختزل في كونها دولة القمع، ولا يلتفت إلى الأدوار الأخرى للدولة، كالوظيفة التنظيمية الخاصة بالطبقة السائدة، والكشف عن سلطتها الإنتاجية بشكل مكشوف يفضح تأثيراتها الاجتماعية، فالدولة لا تنتج خطابا واحدا، وإنما أنواع متعددة تناسب كل طبقة على حدة، إنها استراتيجية السلطة[21].

الدولة عندما تلجأ إلى خطط استراتيجية وتكتيكات معينة، فإنها لا تخفي ذلك. لأن تصرفها جزء منها كدولة ومتضمن في كيانها، باعتبارها الممثلة لجميع الطبقات، وكمثال على ذلك، فهتلر لم يخفي يوما برنامجه السياسي، يعلن عنه، وفي ذلك إعلان عن سلطته، واضعا الخطط الاستراتيجية للتنفيذ. بإنتاج المعرفة والتقنيات، متجاوزا لما هو إيديولوجي، إلى درجة أن الدولة تستعين بالطبقات لمدها بعناصر ضرورية لتحديد الأهداف والخطط وليس الخداع والقمع[22].

وعليه؛ فإرجاع سلوك الدولة إلى ثنائية القمع والايديولوجيا، يفضي إلى القول بأن ممارسة السلطة تتمركز في جهازين: واحد قمعي، وأخر إيديولوجي، وانصهار بقية الأجهزة الأخرى خاصة الاقتصادية في القمع والايديولوجيا، الأمر الذي ينعكس على علاقة الجهاز الاقتصادي بالقمع والمذهبية الأيديولوجية، مما يشكل عائقا أمام الانتقال إلى الدولة الاشتراكية. بمعنى يجب التمييز بين الجهاز القمعي والجهاز الأيديولوجي، لكن، هذا لا يعني الفصل التام بينها، فيمكن للجهاز القمعي كالجيش أن يتحول إلى جهاز ايديولوجي خصوصا الديكتاتورية العسكرية التي تتحول إلى حزب سياسي له أيديولوجية معينة، وكل تمييز بينها يلغي نفسه بنقسه[23].

3- روابط وصراعات السلطة:

هناك مسلمة سياسية أساسية تتمثل في أن الدولة تلعب دورا حاسما في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، فهي قوة فاعلة وحاضرة منذ بداية التكوين وإعادة الإنتاج، وهذا ما يفسر اهتمام الماركسية بالمجال السياسي الحيوي الضروري للحديث عن الدولة، علما أن الماركسية تعرضت لانتقادات بدعوى أنها أهملت الحديث عن الدولة والتركيز على الاقتصاد، وعندما تحدثت عن الدولة اعتبرت بكونها نزعة استبدادية، نقد للماركسية لم ينطلق من ممارسة ستالين السياسية، ولكنه شمل النظرية الماركسية في ذاتها، مع العلم أن الماركسية لا تساوي بين الدولة والسلطة، ولكنها تقيم تمييزا بينهما، فيصعب ربط كل سلطة قمعية بالدولة، فالقوى المنتجة وعلاقات الإنتاج المحددة لسيرورة الإنتاج راجعة إلى السلطوية السائدة حيث هيمنة طبقة مستغلة قد تتحكم في الدولة، وتتخذها وسيلة فاضطهاد، فتنشأ الملكية الاقتصادية والتملك، أي أن الصلاحيات السلطوية تسيطر على وسائل الإنتاج وتخلق شبكة من الروابط بين المستغلين والمستغلين[24]. لكن، ما تأثير تمركز الإنتاج في طبقة سائدة؟

يجيب نيكولاس بولانتزاس، بأن تمركز الإنتاج في يد طبقة، إعلان عن بزوغ فجر الصراع الطبقي والتناقض. لأن المشكل هنا، ملتصق بالممارسة السيئة للسلطوية، حيث افرزت شبكة معقدة ومتداخلة من الصلاحيات السلطوية، مما يوحي بارتباط علاقات الإنتاج بالروابط السياسية والأيديولوجية. فعلاقات السلطة بالنسبة للماركسية ليست بعيدة عن العلاقات الأخرى، خاصة الاقتصادية والاجتماعية، على درجة أن السيرورة الاقتصادية هي الصراع الطبقي الذي هو الأخر مرتبط بالسلطوية أو الجانب السياسي، علاقات متشابكة فيما بينها، مفضية إلى التناقض والصراع الطبقي. إن السلطة في المجتمعات الطبقية تشير إلى المواقع الموضوعية المؤثرة في تقسيم العمل، بحيث تتحدد وظيفة كل طبقة ساعية لتحقيق مصالحها الخاصة في مواجهة الطبقات الأخرى، بحيث يمتد التأثر على العلاقات الاقتصادية، علاقات سلطوية تدخل في الإنتاج خصوصا عندما ترتبط بالبنى السياسية، المتجسدة في أجهزة ومؤسسات خاصة كالمصالح مثلا، التي هي مجال السلطوية حيث الابتزاز والاستغلال[25].

وفي معرض حديثة عن علاقة الدولة بالسلطة يفند بولانتزاس نظرية أن السلطة متطابقة مع للدولة، كما ادعى فوكو وجيل دولوز، حيث يعتبران أن السلطة استمرار للدولة، وعبر أجهزتها ليحصل التطابق بينهما، في مقابل الماركسية التي ترى أن السلطة تتجاوز في ممارستها الدولة، متحكمة في تقسيم العمل الاجتماعي والصراع الطبقي، بمعنى أن أجهزة الهيمنة مرتبط بالسلطة لا الدولة، وفي ذلك تمييز ذكي للماركسية. غير أن بولانتزاس يرى من وجهة نظره، أن المجالات الحيوية كالصحة والضمان الاجتماعي وجهاز الاهتمام بالرياضة، هي مجالات رغم غياب عنصر القمع فيها، فهي سلطة، ومجالات حيوية لتبلور السلطة، حيث إمكانية التأثير في الأفراد والجماعات، لذا، فالسلطة عندما تتوغل وتتغول في مفاصل الدولة، تتجاوزها، تصبح الصراعات السلطوية المنصبة على الطبقات الاجتماعية والصراع الطبقي داخل الدولة، منفلتة من قبضة الدولة. لكن، هناك تصورات أخرى ترى أن الدولة بمفهومها الحديث، هي مركز للأشكال السلطوية، حيث توغلت في المجالات الاجتماعية، واستولت على سائر مجالات السلطة، وعلى كل سلطة طبقية. إن الدولة بناء على البعد الأيديولوجي تلجأ لتكتيكات معينة لترسيخ خطاب خاص بها، بموجبه تتدخل في الاستهلاك الجماعي (النقل، الصحة، السكن، مؤسسات تمضية أوقات الفراغ)[26].

إن السلطة الايديولوجية المعبرة عن ايديولوجية طبقة، تتجاوز الدولة بمختلف أجهزتها التي تصبح أداة مسخرة لخدمة طبقة معينة، متوسلة بأليات السيطرة والاخضاع الأيديولوجي، فالأجهزة الأيديولوجية تقوي من سلطة الطبقة السائدة، وكمثال على ذلك، فالدين لا تخلقه الكنيسة، وإنما الروابط الأيديولوجية التي تتجاوز الأجهزة الأيديولوجية، لذلك، فالعلاقات السلطوية الأيديولوجية لا ترد هنا على الدولة، بل، تتجاوزها في أفق الارتباط والتحكم في تقسيم العمل الاجتماعي مستغلة قوى الإنتاج، بحيث تصبح لها الأولوية على أجهزة الدولة. فمجالات الصراع والاستغلال وعلاقات الإنتاج، مجال خصب للسلطة. لكن، هنا نتساءل أي دور للدولة في هذه الحالة؟ هل الدولة غاية في ذاتها وتتجاوز جميع الطبقات والسلط الناتجة عنها أم أنها وسيلة لترسيخ الوجود المادي لسلطة طبقية معينة؟

يجيب  نيكولاس بولانتزاس، بكون دور الدولة حيوي في عملية إنتاج علاقات الطبقات السلطوية، خاصة الصراع الطبقي، فهي حاضرة في علاقات الإنتاج، بالقوة والفعل، متحكمة ومؤثرة في المجال الاجتماعي وليست تابعة له، كما ذهبت إلى ذلك بعض التصورات السياسية، خاصة في فرنسا، حيث تم نقد الماركسية، وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبته الماركسية الأداتية التي تفهم كون الدولة وسيلة وتابعة للصراعات الاجتماعية والسلطة، تصورات مردها إلى تقاليد الفوضوية في الحركة العمالية الفرنسية، حيث السعي لتوطيد دعائم الإدارة الذاتية التي تجد أساسها وعنصر قوتها في الديموقراطية القاعدية المباشرة، وإهمال الدور الفعال للدولة. حالة غذت هي الواقع الفعلي بالنسبة للفكر القاعدي، حيث استخلاص السياسة والممارسة الاجتماعية المضادة للدولة، وفي ذلك إضعاف للدولة[27].

وبناء عليه، ولتجاوز تلك التصورات ومعرفة الدور التكويني للدولة يجب أن نفهم ونستوعب ونتجاوز السؤال التالي: من وجد أولا: الدولة أم الصراع الطبقي؟

يرى نيكولاس بولانتزاس، أنه لا معنى للقول بوجود حقل اجتماعي متحكم في تقسيم العمل الاجتماعي وسلطة سابق عن الدولة، وأيضا، لا معنى للحديث عن بنية تحتية (الاقتصاد) هي أساس الدولة، مدافعا عن تصور سياسي حول الدولة مفاده، حيث يوجد تقسيم طبقي وسلطة توجد الدولة، بمعنى لا وجود لسلطة سياسية أو اجتماعية ذات طابع مؤسساتي، ولا وجود لصراع طبقي، ولا وجود لأي وضع طبيعي أو اجتماعي سابق عن الدولة. وتبني عكس ذلك، سقوط في التصورات الشائعة، حيث التأثر بالفلسفة السياسية لعصر الأنوار، خاصة فلاسفة العقد الاجتماعي الذين أكدوا على أن العقد أو الاتفاق الحاصل بين الأفراد هو أساس الدولة. والحاصل، أن الدولة هي الأصل والمحدد منذ البداية لحقل الصراع الطبقي، سواء تعلق الأمر بعلاقات الإنتاج، أو تنظيم السوق والملكية، أو توطيد السلطة السياسية. فالدولة هي التي تعين وتقنن وتهندس جميع أشكال تقسيم العمل الاجتماعي، بحيث يصعب قول، أن هناك واقع اجتماعي سابق عن الدولة، لأن الواقع من صميم وجود الدولة ذاتها، ملازم لها، لكن، هذا لا يعني أنه لا يوجد واقع اجتماعي او سلطة دون وجود الدولة، بمعنى يمكن أن توجد روابط اجتماعية سابقة عن الدولة، لكنها ممهدة كرابطة تكوينية مع الدولة[28].

خلاصة القول لهذه القراءة، أن كل فهم للدولة، يقتضي استحضار ثنائية الغاية والوسيلة، هل الدولة غاية في ذاتها أم أنها مجرد وسيلة؟ فالنظر للدولة كوسيلة، معناه السقوط في نزعة تشيء الدولة وجعلها وسيلة وأداة مسخرة لخدمة أجندة طبقة معينة، صحيح، أن الدولة هي المالكة للسلطة، بل، ولجميع السلط، و تقسيم العمل الاجتماعي، ووضع الخطط المناسبة للتنمية الاقتصادية، لأنها مسيطرة على جميع المؤسسات والأجهزة الخفية والمعلنة، الإيديولوجية والمادية، وبموجب ذلك، تلجأ إلى استعمال شكل من أشكال العنف المادي المشروع بعبارة ماكس فيبر لترسيخ سلطتها، ولا عيب في ذلك من وجهة نظرنا، لأنه لو وجدت دولة لا تمارس العنف المادي المشروع لا ختفى مفهوم الدولة من الوجود حسب ماكس فيبر.

فالدولة كيان قوي، متجسد في الجيش والشرطة والمحاكم والسجون، إلى جانب المؤسسات الأخرى، فمن حق الدولة امتلاك السلطة، لكن، وفق التعاقدات القانونية والتشريعات الوضعية التي تحترم الشعب، كي لا تتحول إلى دولة ديكتاتورية مطبوعة بالرعب والقمع والتخويف والتطويع الأيديولوجي.

إن الممارسة السياسية الحديثة نزعت عن الدولة الكثير من الأقنعة والتصورات الأخلاقية، بحيث صارت الدولة ألية وجودية ضرورية لممارسة الحكم، وتنظيم الفضاء العمومي، ومن ذلك استمدت مشروعية وشرعية وجودها. ومادامت الدولة موجودة بالفعل في الواقع، فإن بناء نظرية سياسية حولها يرتبط بوظيفتها كدولة، والمتمثلة في السهر على استتباب الأمن الداخلي ولو بالعنف المشروع، وتحقيق السلم، وأن تكون دولة العنف المعقلن والمنظم والضروري، لا دولة تكرس انحيازا لطبقة محتكرة لجميع وسائل وقوى الإنتاج، الدولة يجب أن تكون معبرة عن عقل المجتمع وإرادته في العمل والإنتاج والتطوير.

 

محمد لمعمر - المغرب

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

.....................

الهوامش:

[1] نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة مشيل كيلو، (التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت)، الطبعة الثانية، ص.7.

[2] الصفحة نفسها.

[3] المصدر نفسه، ص، 8.

[4] المرجع نفسه، ص، 8.

[5] - F. Engles, L’origine de la famille, trad. J, éd, Stern, éd. Sociales, paris,1983, pp.281-28 (بتصرف طفيف)

[6] بولانتزاس، مصدر سابق، ص، 9.

[7] المصدر نفسه، ص، 10.

[8] المصدر نفسه، ص، 12.

[9] المصدر نفسه، ص،16.

[10] المصدر نفسه، ص، 17.

[11] المصدر نفسه، ص، 18.

[12] المصدر نفسه، ص، 19.

[13] المصدر نفسه، ص، 20.

[14] المصدر نفسه، ص، 21.

[15 المصدر نفسه، ص، 22.

[16] المصدر نفسه، ص، 25.

[17] المرجع نفسه، ص، 26.

[18] المصدر نفسه، ص،27.

[19] محمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية، الإيديولوجيا، دار توبقال، 1999، ص، 46-48.

[20] بولانتزاس، مصدر سابق نفسه، ص، 27.

[21] المصدر نفسه، ص، 29.

[22] المصدر نفسه، ص، 30.

[23] المصدر نفسه، ص،31.

[24] المصدر نفسه، ص، 32.

[25] المصدر نفسه، ص، 33.

[26] المصدر نفسه، ص، 34.

[27] المصدر نفسه، ص، 35.

[28] المصدر نفسه، ص، 37.

 

 

علي رسول الربيعي8- لماذا جعل الله والدتي تعاني كثيرا من التهاب المفاصل الروماتيزم؟ هل أرادها الله أن تعاني؟

إن الله لم يجعل أو يرغب في هذا الشر المحدد. ولكن يتناسب هذا الشر مع البنية التي خلقها وصممها الله. ستصاب هناك نسبة مئوية معينة من الناس بمثل هذه الأمراض. يمكننا أن نفهم بشكل عام لماذا خلق الله هذه البنية وصممها. تُعطى لنا هذه الشرور حتى نتمكن من النمو من خلال الاستجابة بالحب. يمنحنا الله القدرة على جعل مثل هذه الشرور مناسبة للحب والنمو (كما كان في الغالب لأمي). إذا أردنا بدلاً من ذلك ان نتلقاه بالوجع والمرارة، فهذا خطأنا. أعطانا الله على الأقل خيار إعطاء إجابة محبة لها قيمة كبيرة. 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

 نشير هنا الى أن هذه الأسئلة التي نطرحها في هذه السلسلة هي من اهم الأسئلة في الإطار اللاهوتي فيما يتعلق بمسألة العلاقة بين الشر والأخلاق والله. 

علي رسول الربيعي7- لماذا كثيرا ما يتألم الصالح او الخير بينما ينجح الشر؟

لنفترض أن الخير ينجح دائمًا بينما يعاني الشر. عندها يصبح من الواضح أن فعل الشيء الصحيح يعزز دائمًا المصلحة الذاتية. إن هذا من شأنه أن يجعل الصراع بين فعل الشيء الصحيح والقيام بما يبدو أنه يعزز المصلحة الذاتية مستحيل؛ وستكون هذه خسارة كبيرة، لأن مثل هذه الصراعات مهمة للغاية. لذلك، على الرغم من أن الأفعال الصحيحة قد تخدم دائمًا مصلحتنا الذاتية (ضع في الاعتبار الحياة الآخرة)، لا ينبغي أن يكون هذا الهدف بذاته في حياتنا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

سامي عبد العالفي المناسبات الدينية والأحداث العامة، تتناثر عبارات التهنئة يميناً ويساراً، كأنَّها تُلبي حاجة ضروريةً للإحساس بالحياة. وقد تكون بالفعل مستوى من التعبير الرمزي الذي يضعنا في زخم الواقع كأفعالٍ على طريقة الفيلسوف الانجليزي جون اوستينJohn Austin حين رأى إمكانية انجاز الأشياء باللغة والكلمات. غير أنَّ تداول التهنئة مع حجب ثراء الحياة (ومع عدم قدرتنا على أنْ نكون نحن) ربما تعبر عن واقع مفقودٍ لا نشعر به عادةً، أو بفكرة واضحةٍ: ستمثل عبارات التهاني (مثل: كلُّ عام وانتم بخير) نوعاً من التزلج فوق أسطح مجهولة يمررها الأقوى للأضعف ويتلاعب بها إلى أقصى درجة.

لأنَّ عبارات من جنس هذه الأقوال تعد تهنئة خاصة بين الأفراد للشعور بالعلاقات الإنسانية الحميمة. ولكنها طالما توجد في الفضاء العامpublic space وبصيغة مجهولة، فإنها تخضع إلى قوى أكبر تتحكم في اللغة وإدارة المناسبات بما يخدم أهدافها. أي تدخل ضمن ما نسميه "سياسات الحقيقة" في تاريخ المجتمعات الإنسانية، معبرةً عما إذا كانت التهاني خطاباً عاماً آخر أم لا. فالتهنئة قد تفقد مسارها الخاص بين فرد وغيره إلى حد الضياع وسط واقع يوجهها لمصالح الأكثر هيمنةً (سواء أكانت جماعة أم سلطة أم أيديولوجيا أم أنظمة سياسيةً).

ومن ثمَّ، فإنَّ إدخال عبارات كهذه حيز الفلسفة يطرح إشكالية خطاب التهنئة كجزء من الوعي المزيف أحياناً مادام يغيَّب فهمنا لأمور أكثر حيوية ثقافياً وتتعلق بجوهر الحياة. وبخاصة أنَّ التفلسف يعطي الجانب الآخر من الأفكار مساحته من العمل والاشتغال فيما نفعل ونقول. وأنَّ عبارات التهنئة بهذا التوظيف تأبى إلاَّ أن تكون موضوعاً معقداً للتفكير بين اللغة والسياسة والاقتصاد والاجتماع. الفلسفة لا تهنئ متلقيها ولا تشعرهم بسذاجة المواقف رغم أنَّ أعماق الفكر مليئة بالسعادة والعزاء والاندهاش والاستغراق. لأن الفيلسوف حكيم محب للحكمة التي قد لا تكون تهنئة حصراً بقدر ما تعرف مكانها من نظام الأشياء والحياة. إنَّ التهنئة تطلق معناها الفلسفي عندما لا تجد موضوعها الحر والقائم على ترك دلالته إلى أخر مداها. لأن هناك نوعاً من التفاؤل كامن في كل عبارة تهنئة، والتفاؤل الفلسفي لا يكفي ليقول ما في جوفه مباشرة، بل يحتاج أشياء في المجتمعات مثل جوانب الفكر الحر و كسر القيود حول سلوك الإنسان وحياته... وهكذا.

ولئن كان ذلك جليّاً بصدد شيء، فإنه أمر جليٌّ بصدد شهر الصيام تحديداً، لأنَّه شريحة زمنية ميتافيزيقية ترفع أفعال الإنسان (بحسب الاعتقاد والإيمان) من مجرى الحياة بمعناها المعروف تطلعاً إلى الأعلى. كما أنَّ المعاني التي يستحضرها الصيام للغة (مثل الهدوء والسكينة والتراحم والإحساس بالآخر والعزاء والشفقة والعفو والتسامح) ترتبط بها معانٍ أكبر خاصة بنسق القيم والأخلاقيات. وهذا النسق تضخه (أو بالأحرى لا تتركه) السلطة بجوانبها المتلونة والسائدة في المجتمعات.

ولذلك قد يسقط نسق القيم أول ما يسقط في " فم الرأسمالية " mouth of capitalism كحوت عملاق سابح داخل حياتنا المعاصرة، يبتلع ما يقابله من أسماك وكائنات دقيقة، وذلك مع توحُش وشراسة مظاهر السوق والتكنولوجيا والأنظمة السياسية. فهذه الرأسمالية هي الوحيدة التي" تفطر- تأكل" حدَّ التخمة خلال شهر الصيام بينما كل المسلمين صيام من بداية اليوم حتى نهايته. ليس هذا فقط، بل قد تلتهم الرأسمالية وجود الإنسان (روحانياته ومعانيه ورموزه) تاركة المجال فسيحاً لتجار السياسة لممارسة أدوارهم الاقتصادية. وعلى المدى البعيد، قد يستقر الإنسان في" معدتها الاستهلاكية" الهاضمة لكل ما ينتمي له، دون أن يدرى هذا الإنسان الضعيف أنه يتحرك ويتنفس عبر ذلك العمق.

بالفعل تكونت تاريخياً طقوس (اعلامية واقتصادية وثقافية) مصاحبةٌ لشهر الصيام ليس أقلها ارتباطه بنمط من العادات الغذائية والاجتماعية المسيَّسة. وجميعها تصب بحسب أوضاع المجتمعات في إدارة القوة الشرائية للمواطن وإسالة الرغبات وإعادة الهيمنة على الوعي الجمعي، وتأكيد أنَّ الغرائز والأجسام وحتى العلاقة بين (الله والبشر) تحت السيطرة، أو بالأحرى بين قبضة نسق من الاخلاقيات والتراتب المراوغ في الفضاء العام. وتلك الممارسة تسري على الصيام والجوانب الروحية جنباً إلى جنب مع سريانها على قضايا الفكر وهذا هو أحد أسباب ضحالته في عالمنا العربي.

وهذه الجوانب تهجسُ بأنَّ هناك قوى اقتصادية سياسية خفية تهيمن على المشاهد وتحركها. ليس بنظرية المؤامرة هذه المرة، لكن بأنْ يُدفع جسد الصائم وإرادته إلى عجلة السلطة القائمة التي تريده ترساً في إطارها. دوماً ليس الأمر كون الصيام منصوصاً عليه في القرآن بآياته ومعانيه وشروطه، وقد غدا مناسبةً لإحياء العبادات والتقرب إلى الله بالطاعة والروحانيات ليلاً ونهاراً، لكن جميع ذلك يرتبط بنوع من" الاقتصاد السياسي" لعمليات جسدية وروحية تحقق أغراض ومآرب الفئات الغالبة ومنافعها في المجتمعات الإسلامية.

فعلى الصائم أنْ يصوم متمسكاً بإقامة الشريعة ومنهمكاً في مجانبة المحاذير التي تبعده عنها، لكنه دون وعي سينهمك في تنفيذ إرادة السوق الشائع في ضوء حركة البيع والشراء والتكالب على الترفيه وتمضية الأوقات ومعاقرة الرغبات وعُري الابهار البصري. وهذا يكشف أسئلة أخرى في مشهد التقوى الدينية بكونها تقوى (فوبيا) أخرى تحركها العلاقات الاجتماعية وتروضها السياسة كترويض الحيوانات المفترسة. وهنا يعد التواطؤ الرأسمالي- السياسي هو لب الحقيقة. وليس ثمة مغزى لحركة الصائم في الفضاء العام إذن دون معرفة جوانب هذا الوضع الغارق في تفاصيل كثيرة.

يثبت ذلك الأمر أنَّ الشيطان ليس كامناً في التفاصيل فقط، بل يمرح ويلعب ويحقق مكاسب طائلة لمن يقف منتظر في الخلفيات السياسية. فلئن كانت الشياطين (كما جاء في الأثر) تُصّفد في رمضان وتُغلَّق أبواب النيران وتفتح أبواب الجنان وتغفر الذنوب، فنحن البشر نستحضر شيطاناً آخر صامتاً يتلاعب بأفعال البشر، وماذا سيشاهدون وكيف سيتم إدارة الشهر على المدى البعيد؟ وبأية أساليب يتحول إلى شهر نهم وخدمات وتسالي تافهة تصب في مصلحة الرأسمالية المسيطرة؟!

الفكرة من ثم أن هناك دورات محكمة الإغلاق حول رقاب الصائمين (بقوانين وآليات الصيام نفسه) تتم بلا وعي وتستخدم موارد المجتمعات لخدمة أغراض رأسمالية شائعة هي الفاعل لجميع مظاهر الحياة الاجتماعية. و الناس إذ يهتمون بالصيام وشروطه ونواهيه وعباداته، سيجدون هناك اهتماماً آخر بالاستثمار الطفيلي في تلك العملية الروحية. فالدول العربية وفرت ترسانة ضخمة من الاعلانات والفقرات الفنية والمسلسلات وبرامج الترفيه والمسابقات المختلطة بالمرح لجذب الصائمين كزبائن لعمل ما يلي:

1- استهلاك الزمن الذي يدّخره الصائم للتفكير في أشياء مهمة ليتم تحويله إلى مجرد كائن اقتصادي واستنفاد طاقاته دون طائل. مما يعني أنه سيكون متكالباً على البضائع بأصنافها المغرية، تلك التي تبدأ من الاعلانات وتفرغ شحناتها في أماكن بيع السلع والأطعمة والملابس.

2- استهلاك الوعي وتسطيحه لدرجة التفاهة، بحيث يظل الصائم أسيراً لما يشاهد ويشتهي. وهذا في النهاية سيجعله مرهوناً بالقيم الرائجة التي تصب لصالح من يتحكم في الأوضاع العامة.

3- استهلاك العقل، لأن اسالة اللعاب المتواصل لا يجعل هناك أدنى فرصة لبناء أية عقلانية، وبخاصة أنّ وسائط التواصل الالكتروني والتلفاز تضع المُشاهد في ورشة يومية للتمثيل الزائف على غرائزه وإثارتها وإلهابها.

4- استهلاك الجوانب الروحية، فرغم أنَّ الصائم يعيش علاقة روحيةً مع الله، إلاَّ أن الرأسمالية الطفيلية تتاجر في هذه العلاقة، تصادرها لصالح المناظر البراقة في المساجد وحتى الملاهي والمراقص والأضواء التي تظهر مستويات المعيشة وتراوغ بها.

5- استهلاك الحرية الذاتية وصناعة كائنات لاهثة وراء احتياجات أولية لا غير. وشهر الصيام بدلا من كونه شهراً للرفض والتحرر والخروج من إصر العادات والتقاليد يصبح شهراً للتدجين والإقامة الجبرية أمام الشاشات وخلف الأسطح الإلكترونية اللامعة.

6- استهلاك الإنسان كوجود أصيل ليصبح وجوداً مفرّغاً من أصالته. هو عندئذ يغدو كائناً مرمياً إلى درجة النسيان بملء الكلمة على قارعة الأسواق.

7- استهلاك الإيمان وذلك عندما يتجسد في طقوس خارجية كل همها أن تأكل وتشرب من زمن الصائم ومن نسغ حياته فقط. ويعود الموقف الشره من الحياة إلى النظرة السلعية المتعاملة مع الروحانيان كبضائع.

8- استهلاك الميتافيزيقا، حينما تهبط النظرة السلعية الرأسمالية إلى فائض المقدسات في صور من الإشباع الحسي والجسدي. فعندما يكون المناخ السائد صور ووصفات وأيقونات للاستهلاك والتسوق، فإن الكلي (أو المقدس) عند الحد الأدنى من الوجود.

المسألة أنَّ التهنئة في الفضاء العام من قبل مؤسسات أو سلطة عامة أو شخصيات معنوية إلى الشعوب والأفراد، تدعونا للتساؤل: لمن تذهب هذه الصيغة البهيجة لدرجة السذاجة؟ هل هناك دورة لعبارات التهنئة تعرف طريقها للتحديد لو ضمنياً؟

الإجابة المفاجئة أنَّ التهنئة تعود بكل العوائد الاقتصادية والسياسية على مصدرها وما يدور في فلكه من رموز وقوى تتربح دلالياً ومادياً من تلك العبارات. وسيكون الصائم في هذه الحالة موضوعاً ليس أكثر ينتظر دوره في طابور طويل لتحقيق المراد له ومنه بالوقت نفسه. المراد له بأن ينتظم وفق الخطط الموضوعة لتدجين البشر ومنه بأن لا يريد إلاَّ ما يُراد له في نهاية الأمر. إن هناك استعمالاً عمومياً للصيام من قبل الأنظمة السياسية العربية تحتم عليها إطلاق عبارات تهنئة لا تذهب لشخص بعينه ولا تعرف معاني محددة. ولذلك لا يخرج الصيام عن كونه أحد أدوات تكملة أسواق الاستهلاك التي ترعاها الدول وتعسعس فيها الرأسمالية الطفيلية لدمج مواقف الدول مع ما تهدف إليه أنظمتها المستبدة. ومن هنا تمثل مسألة الصيام قضية مهمة، لأنها تروى باقي القصة في جوانب الحياة الأخرى، من تعليم وثقافة وحريات عامة وحقوق إنسان.

ولذلك ليس مصادفة أن نرى فئات معينة في المجتمعات العربية هم من يظهرون على الشاشات والوسائط الالكترونية أثناء شهر الصيام، مثل الفنانين ورجال الأعمال والساسة والرياضيين ورموز المجتمع والأطباء المشهورين. فهؤلاء هم نقاط إحداثية على خطوط الدوائر المغلقة سياسياً التي تتربح في إطار استعمال الصائمين لتحقيق المكانة والمنافع بقدر الإمكان. لقد بدا الوضع في الفضاء العام كسوق يتكالب عليه التجار للمضاربة، وكيف يتم جني ما يتسنى من أرباح سواء بالمسلسلات والدراما أم بالبرامج الترفيهية وفقرات المسابقات. ونتيجة الإنهاك في الحياة العامة، سيسلّم الصائم نفسه إلى هذه القوى، سيسلم وعيه وروحه وكيانه على مشارف العدم تاركاً لها أن تكْمل فيما تريد.

أساس الإغلاق لتلك الدوائر بين الفنون والإعلام والسياسة والاقتصاد هو التواطؤ على شغل تلك المساحة الذاتية من الصيام، لأنها هي المساحة التي يشعر فيها المواطنون بخصوصية العلاقة الرأسية (مع المقدس) والأفقية (مع الآخرين) بالوقت نفسه، وأن الصيام قد يدع صاحبه للتفكير عميقاً في الحياة والتاريخ. ومن ثم تتحسس الأنظمة السياسية العربية بغريزتها (كأنف ضخم بحجم الثقافة الجارية) ماذا يكون الصيام وكيف سيؤول إلى وسيط لأشياء أخرى خارج الذات. فالإنسان الذي يتحرر من الشهوات والأنانية بالامتناع عن الطعام والملذات إنما يمثل خطراً سياسياً بالمقام الأول. وكحال هذه الأنظمة تجند كافة أدواتها من فنون وإعلام وانشطة وملاهٍ وأسواق لدرء الأخطار قبل أن تقع.

إن مقولة (كل عام وانتم بخير) تقال قصداً لأصحاب الهيمنة على الفضاء العام، هي تعود عليهم بكل بخير وسعادة كأنهم يسمعون ما يفكرون فيه إزاء الآخرين، رغم أنها في طريقها الكلي تغمر رعايا الدول بمزيد من الحث على الحضور وسط كرنفالات الصيام المنصوبة هنا أو هناك. لكن هؤلاء الرعايا بعد حين سيكتشفون سرقة كيانهم الحر، أزمنتهم الحرة، حياتهم الحرة... وأخيراً إرادتهم الحرة لصالح من يستثمر ويتاجر في غذاء العقول والبطون!!

هكذا لعلَّ الفلسفة مهمة في التفتيش خلف المقولات العامة بصدد الصيام أو غيره من الموضوعات الدينية، ليس من جهة الحثْ عليها كضربٍ من الإيمان، بل لإفساح المجال لكي يكون إيماناً حراً أو لا يكون دون التدخل فيه. الأهم هو صقل "إرادة الاعتقاد" حتى نرى جوهر معتقداتنا بكل شفافيةٍ وصراحة ونقد وما يكتنفها من مثالب أو ايجابيات. لن يكون " رجل الفلسفة" " رجل دين" إطلاقاً، بل يجب أنْ يشترك الاثنان في إنسانية الإنسان. وما لم يلتقيا عند تلك النقطة دون عناوين سابقة التجهيز، فلن يكتشف الاثنان ما تتسلّط على الأديان من توظيفات سياسية بقدر ما تتسلّط على الفكر. فالهموم تجمعهما معاً ويجب تحرير نشاطهما بطرائق التفكير والتعقل الحر.

 

د. سامي عبد العال

 

 

مجدي ابراهيمالناسُ قد تعودوا في عالم البحث العلمي أن يركزوا بحوثهم إمَّا على الشخصيات أو على القضايا؛ فيأتي بحث الباحث منهم منصباً مثلاً على شخصيّة فكرية بعينها؛ ليجعلها مدار اهتمامه يدور بها على جوانبها المختلفة سيرة وحياة فكرية في إطار هذه السيرة، ثم من خلال تلك السيرة تبرز أمامه القضايا التي يتناولها صاحب الشخصية المدروسة ليسلط عليها الباحث جوانب الضوء فيما عساه يظهر فيها مما قد وقف عليه من أفكار ومواقف. أما حين يكون التركيز الغالب على القضايا؛ فإنه يغفل جوانب السيرة والحياة الفكرية، ويجعل تركيزه قائماً على الرأي في معالجة القضية التي هو بصددها من حيث هى فكرة، غاضاً الطرف عن صاحبها.

والواقع أنه لا تنفصل الشخصية بحال عن قضيتها، كما لا ينفصل البحث العلمي نفسه، وإنْ تجرَّد الباحث غاية التَّجَرَّد، عن الدمج فيه بين الشخصيات والقضايا؛ لأننا نعلم بداهةً أن لكل شخصية قضاياها التي تشغلها ولكل قضية شخصيات أبرزوها على ساحة الحياة الفكرية، يكمّل اللاحق ما توقف عنده السابق، ويضيف عليه و يزيد، أو يسدَّ القصور الذي سبقه إليه أقرانه وتجرَّدت له همته؛ موضوعاً في الاعتبار ما استجد من طوارئ الأحداث وما تغير من نبض العصر وحركة الحياة اليوميّة.

لا شك تجيء تلك الإضافة علامة بارزة على الشخصية نفسها من جانب، وعلى القضية من جانب آخر؛ فمن حيث كونها علامة بارزة على الشخصية؛ فإنه لا يستطيع أحد أن يتحدَّث في قضية ما، فضلاً عن أن يكتب فيها، ما لم تكن شواغله الباطنة، عقلية أو وجدانية، هى البواعث التي حركته نحو تناولها والبحث عنها والكتابة فيها، ناهيك عن المواقف الأخلاقية التي تقوم بين الكاتب وقضيته، والشخصية واهتماماتها؛ مما كان تقرَّر عنده سلفاً إزاء ما هو مهتم به.

هنالك جوانب في الشخصية هى نفسها الجوانب التي تجعل من القضية الشاغلة مواطن اتفاق بينها وبين ذلك الذي كتب فيها وسلط عليها الأضواء .. ما لذي جعله يميل إلى هنا ويترك ما دونه، يكتب في هذا ولا يستهويه سواه، يعكف على هذا العلم وَيُفرِّعه على غيره من قضايا بعينها؟ حتى إذا ما تعرضت ادْراكاته إلى علم غيره لم تجد ما يسعفها فيه، ما الذي جعله يفعل ذلك إلّا أن تكون ثمة حالة من الوفاق الباطني بين الشخصية والقضية؟

فإذا نحن وقفنا على دواعي هذا الوفاق أدركنا حالة التَّوحُّد بين الشخصية وموضوعها؛ وإذن ليس ثمة موضوعية على الوجه الذي يحدّده العلم من معنى كلمة موضوعية كما تتحدد في مجال العلوم الطبيعية والرياضية.

هذا عن الإضافة إلى كونها علامة بارزة على الشخصية نفسها. أمّا من حيث كون هذه الإضافة علامة بارزة على القضية؛ فلا توجد قضايا مطروحة على الساحة إلّا ويوجد معها الأشخاص الذين يطرحونها، فلن تطرح القضية نفسها بنفسها، ولا تطرح بغير ما وَرَدَ عنها في السابق.

ومن هنا شَاَعَ بيننا القول المأثور ونحن بصدد تعليم مبادئ البحث العلمي في العلوم النظرية الإنسانية بضرورة مراعاة شخصية الباحث فيما عساه يتناوله من موضوع مبحوث كخطوة منهجية أوليّة يمكنه فيما بعد التعمق فيها، يصقلها بالدراسة وينبتها في تربة صالحة للغرس والإنبات، تبرز فيها إضافته العلمية من حيث الرأي والتوجه والأصالة والمعرفة. ناهيك عن المنهج المستخدم في مجال النقد والمقارنات؛ فإنا لنعتقد أن أفضل المقارنات ما كان بين المتباعدين في البيئة والزمان؛ لأن التشابه بين أبناء البيئة الواحدة والزمن الواحد لا يميز الأضداد، ولا يكشف علة الاختلاف أو التوافق، ولكننا إذا قارنا بين اثنين تفرقهما البيئة والزمان ثم رأينا علامات التشابه بينهما واضحة وكشفنا عن علة التوافق؛ فهو الدليل القاطع على فعل العلة التي يشتركان فيها؛ وإبراز الهوى الذي سيطر على نفسية كل منهما .. وهى علة واضحة لسبب مشترك في هوى إنساني موجود.     

هنالك تكون القضية دالة من الوهلة الأولى على كل مَنْ كَتَبَ فيها من طريق تلك الإضافة العلمية (بمنهج المقارنة والنقد أو غيرهما إنْ شئت)، وما عليك إلاّ أن تتبع جذورها المعرفية؛ لتواجه طابوراً من الأشخاص الذين كتبوا فيها أو أشاروا إليها مجرد إشارة؛ أضافوا أو نوَّهوا، وتلتقي بأفكار فيها كانت مهمة من هنا أو من هناك غير مفصولة عن أصحابها، وغير منسوبة إلاّ للذين كان لهم قصب السَبْق في معالجتها جيلاً وراء جيل.

انفصال الموضوع عن الذات في العلوم الإنسانية النظرية يدل من الوهلة الأولى على غيبة الوعي بكل تأكيد، وبخاصّة فيما لو كانت تلك العلوم هى من قبيل العلوم التي تمس جوانب العقيدة الدينية وتشغل وجدان المؤمنين بها؛ فلن تكون القضية إذْ ذَاَكَ مفصولة عن الشخصية ولا الشخصية تجيء بمعزل عن القضية التي تتناولها. وربما كان هذا الانفصال يمثل على المستوى الخُلقي خطورة شديدة؛ لأنه يعزل الوعي عن الذات، ويقدح في مصداقية الشخص الذي يثير قضيته وهو غير مؤمن بها ولا مؤمن بما يثار حولها، ناهيك عما إذا كان يكتب فيها أصلاً، وبالتالي يجعل الموضوع في ناحية، والمتحدِّث أو الكاتب في هذا الموضوع في ناحية أخرى، ويحلو له أن يسمي هذا أو ما يشبهه بالموضوعية العلمية وهى عندي غيبة غارقة في الوهم بكل تأكيد.

وهمٌ؛ لأنه يفهم الموضوعية العلمية خطأ، وبطبيعة الحال هذا كله شيء، ومراجعة الأفكار ومناقشتها شيء آخر؛ فليس معنى أن تكون القضيّة مستقرة في وعي صاحبها أو الفكرة المعروضة ممزوجة بحياة كاتبها أن يقوده ذلك إلى التعصب لها ورؤيتها هى فقط في حين لا يرى سواها؛ فمثل هذا التعصب نفسه هو كذلك ضد الوعي؛ لأنه ضد منطق العقل؛ وكما يكون ضد الوعي وضد العقل، يكون كذلك ضد الوفاق الأيديولوجي بين النظر والتطبيق أو بين القضية والشخصية المتناولة مما يعكس إغراقاً في الذاتيّة على حساب الموضوعية التي هى أولى خطوات البحث العلمي؛ الموضوعية بمعنى التجرُّد والنزاهة في الحكم وقبول الرأي الآخر المخالف وتوسيع دائرة الوعي حول ما هو مطروح.

وهنا تجيء الموضوعيّة لتفرض نفسها على بساط البحث العلمي؛ فلا سبيل من هذه الجهة إلا بالأخذ بها مادام كل شيء عرضة للمراجعة والنقد والنقاش شريطة أن نفهم بدايةً كيفية ممارستها من طريق الحوار الهادف البنّاء، وإبرار الجوانب السلبية التي تؤثر على الموضوع كما تقدح بذات القدر في صاحب الموضوع نفسه كونه يتحدَّث بما لم تكن قناعاته وافية بما لديه عن موضوعه؛ الأمر الذي يسبب هوة سحيقة وسيعة بين ما يقوله وما يسلكه أو بين عقيدته وتطبيقاتها العملية.

ومن الموضوعية أيضاً أن نقول بداهةً؛ إن إيُماننا بالوعي، مطلق الوعي، يُقرر : إنه لا توجد الأشياء في عالم الأعيان مستقلةً عن ذواتنا العارفة؛ لأننا لو قلنا بذلك لأنكرنا القيم، مطلق القيم، وعزلناها عن الحركة والفاعليّة والحياة.

رمز الفكرة الأخلاقية هو المطلق الحقيقي، والشيء في ذاته، الأمر الذي جعل من فيلسوف كبير مثل "كانط" ينادي بصدارة العقل العملي نصّاً وروحاً؛ فالأخلاقيّة غاية وسيلتها الإرادة الخالصة، والكون هو شرط النشاط الأخلاقي ونقطة ممارسته، وإذا وجدت عقبات في سبيل تحقيق هذا الشرط، فليست العقبة إلَّا فرصة مناسبة لبذل المجهود، وما الذهن إلا مرحلة تتيح له النمو والتطور والصقل مع فاعلية هذا الفعل الحر.

لذلك؛ كان التفلسف هو إقناع المرء نفسه بأن الوجود الواقع ليس بشيء، وأن الواجب هو كل شيء.

ومعنى أن نتفلسف: أن نتبيَّن بطلان العالم "الظاهراتي" مُفارقاً لماهيته المعقولة؛ وأن نرى في عالم الأعيان، لا معلولاً لعلل غريبة عن عقلنا العملي؛ بل نتاجاً للأنا ذات الموضوع.

فليس هناك من علم سوى علم الأنا، أو الوعي، أو الوجدان. والمعرفة ليست في جملتها ولا في جزء منها، نتاجاً للإحساس؛ بل هى كلها من صنع الأنا العارفة، ومن خلق الأنا العارفة. والتفلسف والمعرفة والعلم هى إنتاج الحقائق لا الاهتداء إلى حقائق جاهزة.

ومن الناس من ليس لديهم إلا شعور ضئيل بالقيمة الأخلاقيّة للإنسان ومدى استقلاله؛ لأنهم ضحيّة أوهام خدّاعة وعبودية عقليّة. مثل هؤلاء لا يملكون الشخصيّة الكافيّة ولا الاستقلال اللازم كيما يكونوا فاعلين ومؤثرين؛ لأنهم فقدوا الاندماج الكلي بين العالم الخارجي والذوات العارفة؛ فإذا المعرفة لديهم، مع هذا الفقدان، لا تتجاوز السطح الخارجي والقشرة البرّانيّة. أما الرجال الواثقون بأنفسهم والذين يؤمنون بأنهم متميزون عن غيرهم من الكائنات الطبيعية الحيّة، فهم وحدهم القادرون على الفاعليّة والتأثير .. أي أنهم القادرون على الاندماج الكلي بين العالم الخارجي والذوات العارفة. وهنا تجيء المعرفة فوق الموضوعية بمراحل، تتجاوزها وتعلو عليها إذ تصدر من وعي الذات بعرفانها ولا تصدر حكماً فكرياً من خارج وكفى.

من هذا الفعل وذاك التأثير؛ جاءت الصدارة للفكر الذي يختاره المفكر، أو للفلسفة التي يؤمن بها، أو للقضية التي يطرحها أو بالطريقة التي يعرضها للناس على قناعة وحَبُور. ومن أجل هذا؛ كان اختيار الشخص لأي ضرب من ضروب الفلسفة وقضاياها متوقفاً إلى حد كبير على أي صنف من الرجال عساه يكون؟

معنى هذا؛ أن فلسفة كل إنسان تعتمد في الغالب على طبعه واستعداده وميوله، أي تعتمد على قناعاته، وعلى مدى ارتباط هذه القناعات بمعارفه التي تشكلت منها. ومن الموضوعية - لا ضدها - قبولها كخطوة منهجية نحو التحقق الفعلي؛ فلو سلّمنا تسليماً قطعيّاً بوجود الأشياء في عالم الأعيان مستقلة عن ذواتنا العارفة، لكان معنى ذلك إنكار الوعي الإنساني برمّته. ولكن العكس أيضاً يكون صحيحاً؛ فإنّ اتحاد الأشياء في عالم الأعيان بذواتنا العارفة، أو على الأقل: تمثّلها لهذه الذوات يُعلي من شأن الوعي، ويبلغ به درجات غير عاديّة من الإدراك العالي لا العادي. والحقيقة التي يتجاهلها أكثر الناس خاصّتهم قبل عامتهم هى أن صاحب الدعوة إلى فكرة ما، كائنة ما كانت هذه الفكرة : في الدين، وفي التصوف، وفي الفلسفة، وفي الفن، وفي الأدب، وفي القيم، وفي مسائل التقدّم أو في مسائل المصير .. إذا هو لم يخضع حياته الشخصيّة لما يدعو إليه، فتعكس شخصيته قضيته، وإيمانه على المستوى النظري يجسّده واقعه العملي، جاءت دعوته من الأثر الضعيف في حياة الآخرين بحيث تصبح تلك الدعوة (طق حنك) كما يقول السوريون، تصبح هباءً منثوراً .. كأن لم تكن!

وتلك هى خطورة حملة الأقلام من أصحاب الدعوات وأصحاب الرسالات في العلم والفن والفلسفة والدين والقيم، وفي كل مهنة، وفي كل رسالة، خطورة تبقى على مدار العصور والأحقاب الزمنية المتلاحقة فضلاً عن أثرها السيئ على صاحب الدعوة نفسها. العقيدة في ناحية، والعمل في ناحية أخرى، الخطاب الأيديولوجي في كفة، والممارسة الفعلية في كفة مقابلة. هنالك هُوّة فاصلة بين النظر والتطبيق، الأمر الذي يقدح في الوعي عموماً فضلاً عن ما يسببه انفصال الموضوع عن الذات من ازدواجية المعايير الخُلقية.

***

إذا نحن نقلنا هذه المفاهيم؛ بما فيها من فكرة الوعي، إلى دائرة التصوف، وجدناها محققة في أكثر الذين درسوه، وتوافروا على دراسته بصدق، فانعكس منه على شخصياتهم بموجب القضايا التي أسهموا فيها وأدلوا بدلوهم في تنظيرها وإماطة اللثام عنها. فلم تنفصل الشخصية بحال عن قضيتها، بمقدار ما أنعكس ذلك على الشخصية نفسها من الوجهة الأخلاقيّة فظهر لديهم ما أطلقنا عليه "حالة الوفاق الباطني" بين الشخصية والقضية؛ الأمر الذي جعل التّوحُّد بين الشخصية وموضوعها علامة إسهام حقيقي لا مناص من تسليط الضوء عليه؛ لكشف آثاره فضلاً عن منطلقاته وبواعثه في الكاتب قبل الموضوع.

يُقَاسُ الوعي بمدى اتصاله في نفس الكاتب بالموضوع المطروح سواء من جهة العلم أو من جهة الأخلاق؛ فليس يكفي في هذا الحقل المعرفي أن تعلم وكفى، أو أن تحيط علماً بالموضوع من كل جوانبه وأطرافه دون أن ينعكس ذلك على شخصيتك ليتحوّل علمك بالشيء نظريّاً إلى معرفة محققة في الواقع الفعلي. ليس يكفي العلم فقط ما لم تكن المعرفة مَجْلىَ من مجالي العلم الذي تبحث فيه؛ فإذا كان العلمُ كرؤية النار مثلاً فالمعرفة كالاصطلاء بها. ومن أجل هذا؛ جاءت التفرقة في علم حدود أحكام الألفاظ الصوفيّة واضحة وضوح الشمس في ضحاها بين المعرفة والعلم؛ فكان أكثرهم مع التفرقة يفضل المعرفة على العلم، وبعضهم في القليل النادر يفضل العلم على المعرفة، لكن المعرفة في عبارة الصوفية هى : العلم الذي لا يقبل الشك بوجه من الوجوه، إذا كان المعلوم ذات الله وصفاته. سِرُّ المعرفة هو "التوحيد" والتنزيه المطلق لله : حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته، وسمعه، وبصره، وكلامه، عن التشبيه بصفات الخلق؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وموضوع المعرفة عند الصوفية هو : ذات الله وصفاته وأفعاله، وهو أسمى موضوع لأسمى معرفة. وأداتها : كما هو معروف محقق لديهم هو القلب لا العقل. وحقيقة التوحيد هى : باطن المعرفة، وهو سَبْق المعروف إلى مَنْ به تَعَرَّف، بصفة مخصوصة، بحبيب مُقَرَّب مخصوص، ولا يَسَعُ معرفة ذلك الكافة ... وإذا تناهت عقول العقلاء إلى التوحيد تناهت إلى الحيرة : أي تناهت إلى حيرة المعرفة. هذه الحيرة المعرفية ليست من ميدان الفلسفة، ولا تدل الفلسفة عليها لا من قريب ولا من بعيد، ولكنها حيرة من نوع آخر لا يتمثله العقل الفلسفي بوجه من الوجوه؛ هي حيرة يضمنها عرفان. وعرفانٌ تستولي عليه الحيرة من جميع أطرافه. هذه الحيرة نفسها معرفة !

أوّلُّ الدلالة المباشرة على الوعي العالي في حقول المعارف الذوقيّة هو المعرفة بالله من حيث دلالتها على التوحيد، ومن حيث أداتها المعرفية. فلو أن أحداً قال : في أي مقام تصحُّ المعرفة الحقيقية؟ لكانت الإجابة قاطعة : في مقام الرؤية والمشاهدة بسرِّ القلب. ولكَ أن تلاحظ هنا أن المعرفة الحقيقية تحدث في مقام الرؤية والمشاهدة بسرِّ القلب. لاحظ ثلاث كلمات معرفية رئيسة هى "المعرفة" ثم "المقام" الذي تجري فيه، ثم هناك سر القلب، أي ذلك المستودع الجوَّانيِّ الباطن الذي تقوم فيه المعرفة رؤية وشهوداً؛ لترى الوعي هنا وعياً عالياً ليس بالعادي، وأن مجرى هذا الشهود مرهونٌ بارتقاء هذا الوعي إلى حيث مرَاقيه الروحيّة الخالصة؛ ليتم من خلاله العرفان المؤسس على المضمون الديني : معرفة الله ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً.

فلا تحدث المعرفة حين تحدُث وهى بَرَّانيَّة غير ممدودة بوجود روحي محقق في العارف على التحقيق. فلا بدّ لها من رؤية، ولا بدّ لها من شهود، ولا بد لها من قلب عارف يحفظ السِّر ويلاقيه؛ فسِرُّ القلب هو الذي يستوعب المعرفة الحقيقية ويتغذى بها بمقدار ما لديه من رؤية وشهود. إنما يُرَىَ ليُعْرَفْ؛ ولأن المعرفة حقيقة تكون في باطن "الرؤية"؛ فيرفع الله تعالى الحجب فيريهم، أي يُرِىَ عارفيه نور ذاته وصفاته من وراء الحجب ليعرفوه، يرفع بعضها لا كلها لكيلا يحترق الرائي كما قال بعضهم بلسان الحال :

ولو أَنْيِ ظَهَـرْتُ بِلَا حِجَابِ         ليَتَمْتُ الخَلَائِقَ أَجْمَعِيِنَا

وَلَكِنَّ الحِجَابَ لَطِيِفُ مَعْنَىَ        بِهِ تَحْيَاَ قُلُوبُ العَاشِقِيِنَا

وبمقدار الدلالة المباشرة على الوعي العالي في حقول المعارف الصوفيّة جاءت التفرقة منهجياً بين العارف والعالم؛ فكان مما أطلق عليه شيوخ الصوفيّة - كما يَروي الهجويري- اسم المعرفة على كل علم متصل بعمل تعبُّدي وحال رَبَّاني : حالُ العبد ها هنا مع الله يدل على علمه. وفي هذه الحالة لا يسمى صاحب الحال عالماً ولكن يسمى "عارفاً". أما اسم العلم فيُطلق على كل فن خَلَىَ من معنى رُوُحَاني وعمل تَعَبُّدي؛ أي خَلَىَ من ذلك الاتصال بين نفس الكاتب والموضوع المطروح، أو خَلَىَ من تلك الحالة التي أطلقنا عليها في السابق بحالة  " الوفاق الباطني" بين الشخصية والقضية. وعندهم : أن صاحب هذه المعرفة لا يسمى عارفاً ولكن يُسمى "عالماً"؛ فالعلم بالشيء هاهنا بَرَّانيٌّ لا يدُلُّ على وعي عالٍ, فضلاً عن قلة دلالته على وعي أصلاً لا هو بالعالي ولا هو بالعادي. وعليه؛ فمن عَرَفَ معنى الشيء وحقيقته يسمونه "عارفاً". ومن ألَمَّ بعبارات منطقية وحفظها بدون إدراك حقيقة روحانيّة فهو عالم وكفى، عالم بالشيء غير عارف به. العالم قائم بنفسه. والعارف قائم بربه.

ليس التصوف إذن قراءة نظرية يفني فيها المتصوف عمره بين قيل وقال؛ وإنْ كانت فاعلية القراءة كونها عملاً ذهنياً لا يُستغنى عنه بحال، ولكنها في الوقت نفسه ليست هى المطلوبة في ذاتها حتى ولو كانت موجهة إلى كتب الصوفية أنفسهم، فلن تكون من أهل القرب والوصال وأنت تكتفي بالقراءة في كتب الصوفية صباح مساء، لكن بمجرد أن يتحول فيك ما تقرأ إلى عمل مستمر هنالك يصحُّ أن تكون جديراً بلقب صوفي، وفي الوقت ذاته أيضاً ليس بصوفي من يستغني عن المعارف النظرية ولا عن التوجه المعرفي الذي يمنع الجهالة ويدحر الركود إلى البلادة العقلية؛ لأن الصوفي من هذه الجهة طالب علم فوق كونه طالب تصفية؛ ولأن التصفية تحتاج إلى استبصار لإزالة غشاوة الباطن؛ فلابدّ له من بصيرة تهيئ المطلوب كونه غاية سامية تنال بالعلم أولاً ثم بالعلم ثانياً على الموافقة والتبصرة.

إنه؛ إذا كان المطلوب وجه الله تعالى؛ فليس أصعب إنْ في التصور وإنْ في العلم من مهبّة الاستعداد للوصول إليه. وإذا كانت المشقة على قدر الغاية صارت تقتضي أهبَّة الاستعداد للوصول إليه تعالى أن يتكرر معنا القول بأن التصوف ليس قراءة ولا كتابة بمقدار ما هو علاقة باطنة يُحسن فيها العبد مسيرة الطريق وفق منهج الذوق والشعور والاستبصار، ويرتقي خلال المسيرة إلى حيث إصابة الغاية من الطريق نفسه ثم يُسقطها فيكون إذْ ذَاَكَ مع الله دَوْمَاً بلا علاقة. إلى مثل هذا كانت إشارة طاووس العلماء الجنيد بن محمد البغدادي إلى التصوف : أن يكون العبد فيه بلا علاقة.

تتأتى معرفة الله بالإشراق والانكشاف والإلهام (انظر قلبك؛ لأنَّ ملكوت السَّموات والأرض فيك) هكذا يقول الصوفي. والنظر إلى القلب يدعو باستمرار إلى "الجهاد الباطن" أي : إزالة غشاوة القلب مما ران عليه من مكتسبات الشرور والآثام. وإنه لقول يدلُّ من الوهلة الأولى أبلغ الدلالة على هذا الوعي العالي : وعي الصوفي المُحَقِّق الولي العارف وليس هو بوعي سواه. أبحث - إنْ شئت - عن ملكة التعلق : فيما عَسَاَكَ توجهها؟ أفي شغل دائم لا ينقطع بعلم الأسباب، أم في شغل العلم بالله؟ فلئن كانت الثانية فقد صارت بعيدة بعيدة بعد أن كانت قريبة قريبة. ولئن كانت الحالة الأولى فلقد أورثت صدأً على وجه القلب فكانت مانعاً كثيفاً من تجلي الحق فيه؛ فانقطع.

الغريب في الأمر، أن قبول مجلى تجلي الحق أو عدمه يرجع إلى القلب، فلو كان على القلب صدأٌ لم يعد يقبل جهة الحق .. لماذا؟ لأنه ببساطة شديدة كان قبل غيرها، أي قبل الاشتغال بالأسباب فاستغرقت طاقة النور القلبي بكليّتها؛ فحُجب.

والاشتغال بالأسباب صدأ قلبي .. بالتعبير القرآني البديع هو (الكنّ، والقفل، والعمى، والرَّان).

فإن قلت : فما بالُ العقل؟ ألم يُعرف الحق بالعقل؟

أقول لك مع ابن عربي : مدارك العقل محدودة بحدود ما يدرك من الأمور على جهة : الجوهر، والطبع، والحالة، والهيئة. ولا يدرك العقل شيئاً لا توجد فيه هذه الأشياء. وهذه الأشياء لا توجد في الله تعالى، فلا يعلمه العقل أصلاً من حيث هو ناظر وباحث؛ لأن نظر العقل من حيث برهانه الذي يستند إليه هو الحسّ أو الضرورة أو التجربة الحسية. وكلمة الضرورة تعني من حيث ما يُعلم لديه بالضرورة، وهذا لا يكون إلا لوقائع عينيّة.

يقدح الدليل العقلي في العلم بالله، ويعجب المرء حين يرى الفلاسفة المسلمين يقدّمون أدلة عقلية على وجود الله. ألم يقرأوا حديث رسول الله، صلوات الله عليه : إنّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد ... وفيه : إنّ جلاءها ذكر الله وتلاوة القرآن. ثم هل خلت أنظار الفلاسفة من قلوب تعقل، في أنفسها، عن الله دليله؟

أيحتاج وجود الله إلى دليل غيره؟ أتحتاج معرفة الله إلى دليل سواه؟

شَغَلَ الفلاسفة أنفسهم، وشغلونا من بعدهم، بحجب الأدلة العقلية، ولم يتحققوا قيد أنملة أن معرفة الحق متجلاّه على الدوام بغير انقطاع لا يُتصور في حقها حجاب عنّا، غير أنّ مجلاها القلب الصافي عن لوثات التكدير، الخالي من ظلمة حجب الأسباب. وعلى الله وحده، توفيقه ورعايته، جلاء القلوب التي صدأت من كزازة الدنيا ومعاطب الأسباب.

ومن ذلك ترى؛ منهج الوصول إلى هذه المعرفة يقوم على تنظيف القلب والسّر إلى حيث الوصول بهما على ضوء المنهج الذي يحكم صاحبه ويحكمه صاحبه في موضوعه المبحوث.

ومن المؤكد أن هذه الدلالة نفسها تجمع إلى جانب الأساس المعرفي أساساً أخلاقياً من الدرجة الأولى؛ فالأخلاق لا تنفصل عن المعرفة بل هى ثمرة من ثمارها تقوم عليها أصلاً وتأسيساً وتتأسس في رحابها وتنعكس سلوكاً على صاحبها نتيجة معرفته؛ فليس أصدق من عارف ظهرت لديه المعرفة فأثمرت الأخلاق؛ وليس أعلى من رجل القيم الذي دَلَّتْ معارفه على خُلقه واقعاً وتحقيقاً في ميدان الجهاد. 

   

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

علي رسول الربيعي6 - لماذا لم يخلقنا الله كاملين أخلاقيا ابتداءً؟ لماذا يُصعّب الله علينا فعل الصواب؟

إن الفضيلة التي تتشكل بعد صراع صعب أكثر قيمة وذات مغزى من الفضيلة التي تُعطى لنا أو تُمنح هكذا مباشرة بدون مجاهدة للنفس. وكما قال إيريناوس منذ فترة طويلة، "كلما سعينا بجد، كان الأمر أكثر قيمة. وبالفعل، فإن الأشياء التي تأتي بشكل عفوي لا تحظى بتقدير كبير، مثل تلك التي يتم الوصول إليها عن طريق الكثير من العناية المليئة بالقلق1.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

 1- Swindal, James, and Harry Gensler (eds.) (2005) The Sheed and Ward Anthology of Catholic Philosophy, Lanham, MD: Rowman and Littlefield.55.

 

مجدي ابراهيمقديماً؛ كان "أفلاطون" قد جعل من الجدل علماً أقام الحوار الفلسفي الذي اصطنعه في محاوراته عليه؛ فبلغ بمنهج الجدل قمته؛ إذ كانت فلسفة الحوار هي لب لباب الجدل. ومعنى الجدل: نقل اللفظ من معنى المناقشة المموّهة كما جاءت على يد السفسطائيين إلى معنى المناقشة المخلصة التي تولد العلم. وجعل الحوار الفلسفي من طريق الجدل وسيلة لبلوغ هذا العلم.

وكتب "أرسطو" في الجدل كما كتب في الشعر والخطابة وألف البرهان والأغاليط، وأدخل المنهج الجدلي في سائر العلوم النظرية بعد أن هدته دراسته لطريقة الجدل لدى أفلاطون إلى فكرة تصنيف الكليات الخمس وهى: الجنس والنوع والفصل والخاصّة والعرض؛ وأعتمد أرسطو على طريقة الجدل؛ ليبيّن لنا أنواع القضايا والأحكام التي تعبّر عنها. واعتبر المعاصرون من علماء المناهج المنهج الجدلي هو منهج متمم لمناهج البحث، (الاستدلالي ـ الاستقرائي ـ الاستردادي ـ الوصفي) مُكمل لها. وذلك لأنه يحدد طريقة التناظر والتحاور بين الجماعات العلمية، أو فى المناقشات العلمية على اختلافها. ويقوم على المحاورة ودفع الحجة بالبرهان، وعلى النقاش بين أصحاب التوجهات العلمية على اختلاف اختصاصاتها.

وسوف أسوق مثلاً من واقع الفكر الإسلامي على تطبيق المنهج الجدلي لدى المتكلمين مع نقده؛ إذْ كان منهجهم في مناقشة قضايا العقيدة مناقشة كلامية هو المنهج الجدلي الخطابي؛ فإذا كان منهج الفلاسفة هو المنهج العقلي البرهاني، وكان منهج الصوفية هو المنهج الذوقي الوجداني؛ فمنهج علماء الكلام هو المنهج الجدلي. ومن ثم ظهر أهم ما يميز دائرة علم الكلام: أنها دائرة نظرية تعتمد الجدل كمنهجية وإنشاء الخطابة وممارسة "فن التحاور" في الدفاع عن العقائد الإسلامية.

ولذا؛ كان تعريف علم الكلام كما في عبارة "ابن خلدون"  هو: الدفاع عن العقيدة الإسلامية بالحجج المنطقية والبراهين العقلية ضد النزعات اليهودية والنصرانية، وضد أصحاب الديانات الأخرى كالمجوس والصابئة وغيرهم التي حاولت هدم عقائد الإسلام وتشكيك المسلمين في عقيدتهم الدينية؛ فنشأ علم الكلام بمنهجه الجدلي؛ ليدافع عن العقيدة الإسلامية ويقيم قنوات التحاور النظري ضد طعنات أعداء المسلمين ممّن أرادوا هدم الديانة الجديدة من أصحاب العقائد الأخرى، واتخذوا من الجدل فناً للنقاش وأسلوباً للتحاور إذْ ذاك؛ فكان المنهج الجدلي منهجاً لنشأة علم الكلام يوم كانت النشأة ضرورة فرضتها وقائع المسلمين.

هذا من حيث النشأة .. ولكن من حيث ممارسة العقيدة والتوحيد، لم يكن هذا المنهج فاعلاً وحده. ولم يكن كافياً على المستوى الداخلي لإرساء قواعد التذوق للمبادئ الإسلامية، ولممارسة الدين الإسلامي وكشف حقيقة الإنسان الأصيلة. لقد تكلم الفلاسفة وكبار النُّظَّار في الوحدة الإلهية، ولم نستطع أن نفهم منهم على وجه الدقة ماذا عَسَاهم يريدون بكل هذا التراث الذي يَكَادُ أن يكون مهجوراً إلا بين المختصين؟!

تركوه لنا لندرسه ونحققه ثم لا يَلْبَث أن يَتَلاشى من عقولنا وأفئدتنا لكأننا ما دَرَسْنا ولا تعلمنا منه شيئاً، كل ما هناك أن نأخذ من خلاله الشهادات العلمية والدرجات البَرَّاقة العليا كيما نصبح في مجال العلم من النوَابه المتفوقين، ومن المفكرين المُنَظّرين، ولكن دون جدوى نعيش خنازير ونموت خنازير! لأننا لم نكتشف بعد حقيقتنا الأصلية، ولم نتوحَّد مع معارفنا النظرية بحيث تكون سلوكاً لنا نعيشه حياة ونتملّاه.

لم نكن إلا ببغاوات آدمية تردد على التقليد ما تقرأه وتحفظه بغير أن يسري المقروء والمحفوظ في الضمائر فينا وفي القلوب، وبغير أن نعرف أن الكلمة نقولها ـ فيما لو كانت حقيقة لا دعوى ـ إنْ هى حال صاحبها ولا تزيد، وأننا لازلنا حتى اليوم مع كل ما نقوله أو نكتبه نَتَجَرَّع غُصَص المرارة التي يفترق فيها السلوك عن الاعتقاد، أو الخطاب الأيديولوجي عن الممارسة العملية، أو التصوُّر الذهني عن الدلالة الواقعية، أو المقولة عن التجربة.

لم نتَشرَّب هذه التجربة الروحية، ولم نتذوق قطرة من عبابها الفياض بلوعة المعاناة. ولم نكن من أهلها القادرين عليها في كل حال والصادقين في ولوجها تحققاً بما فيها من مفعول الوعي ومفعول التطبيق.

لم نمشْ مشيهم في طريق الله، ولا حذونا حذوهم اتصالاً بهذا الطريق. ولم نعرف "وحدة القصد" إليه إلا بالنظر نستقيه من الكتب والمصنفات لا من واقع التجربة الروحية الحَيَّة أو واقع الذات العارفة خبرةً واستشرافاً وتحققاً وتطلعاً دائماً نحو الخفاء المجهول.

فنحن من أجل ذلك؛ أجهل في هذا الطريق (طريق الله) من دواب، تلك هى الحقيقة التي ينبغي أن نسطرها هنا رغماً عن أنوفنا صاغرين، وأي قول غيرها كذب وادّعاء، هو دعوى عريضة لا يقوم عليها من واقعاتنا الفعلية أدنى دليل.

والذين تكلموا في هذا الطريق ولا يزالوا فيه يتكلمون بغير معونة من ذوق أو من تجربة أو من تحقيق، هم أسوأ خلق الله وأشَدَّهم ضلالاً فيه، وأكثرهم ضرباً في متاهات دروبه الوعرة بمعونة عقولهم المحدودة لا بمعونة أذواقهم ومواجيدهم التي تكاد تكون معدومة الخبرة، فاقدة الأهلية، عقيمة البصيرة في هذا المجال على التخصيص.

إنّ هُوةً وسيعةً شاسعةً بين القول النظري والتطبيق العملي لهى أكبر الكوارث الخُلقية كما أنها أكبر الكوارث التي تبعدنا عن الله بمقدار ما تقربنا من "الوهم"، وتودي بنا في أودية المهالك، وتفتت عرى روابطنا الروحيّة: تمزقنا أشلاءً متناثرة في دروب الحياة الدنيا التي تمضي بنا إلى سراب هو أقرب إلى الوهم في غير تحقيق.

لم نكن قادرين على سدّ الفجوة بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة التطبيقية أو بين القول والعمل، أو بين العقيدة والسلوك. وإنها لهوة سحيقة غائرة يقع فيها الوجود الإنساني ـ إلا ما رحم ربك ـ وإلا ما كشف عنه الغطاء، وإلا ما تولاه بحفظه ورعايته وعنايته وخَصَّهُ بخصوصية ولايته، إلا هؤلاء جميعاً؛ فالوجود الإنساني مدحورٌ في الجهالة والعمَاية والتردي عن "وحدة القصد"، واكتشاف حقيقة البذرة الإنسانية الموصولة بالله على الدوام في أغواره الباطنة.

أقول؛ إنّ الفلاسفة وكبار النُّظَّار والمتكلمين في تاريخنا الفكري الفلسفي الإسلامي تحدثوا كثيراً عن الوحدة والتوحيد بمناهجهم التي اَسْتَنْوُها وفق ما تدفعهم إليه غايتهم سواء كانت هذه الغايات تقصد وجه الله حقيقة ـ والله وحده يعلم نواياهم ـ أو يتخفى ورائها توجهات سياسية كما حَدَثَ في نشأة الجبرية، وتشجيع خلفاء بني أمية على شيوع مذهب الجبر بين العوام تمكيناً لحكمهم وتعزيزاً لهذا الملك كونه من تمكين الله لهم، وأنهم لمجبرون عليه قهراً لا طمعاً كما يجبر المرء على كل ما لا حيلة له فيه، أو كما كان هو الحال لدى المعتزلة الذين تَذَرَّعوا بذرائع سلطان القوة والملك كيما يقيموا في الضمائر والقلوب سلطان "الفكرة" و"الرأي"؛ ففرضوا على الناس بالسيف أنظارهم العقلية وأنشطتهم المعرفية وتخريجاتهم إزاء النَّص المقدَّس بما يخدم المآرب السياسية؛ الأمر الذي جعل من الخليفة المأمون إذْ ذَاَك يسجن وراء القضبان كبار العلماء في عصره ممّن خالفوه الرأي ـ وهو رأي المعتزلة ـ في مسألة خلق القرآن.

هذه وقائع في تاريخنا الفكري، وإنْ تكن معروفة متداولة فلا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام ولا نتوقف عندها؛ لأنها تكشف عن "كزازة روحية" في المقام الأول، جعلت من الدين غطاءً للوصول إلى السلطة السياسية دون اعتبار للقرآن في ذاته، ودون تحقيق كثير أو قليل في مسائل التوحيد.

وليس في هذا المعترك العلمي المخلوط بتوجهات سياسية ـ مع كل ما قيل فيه أو قيل عنه كائناً ما كان أو من كان هذا القائل ـ ما يمس "وحدة القصد" في شيء، ولا فيه ما يكشف ما لله في باطن الإنسان، ولا فيه ما يشجع على الاتصال به ومعرفته على شرعة المحبة والتحقيق، ولا فيه ما يحقق طريق القصد إليه من أدنى وأقرب طريق.

مَنْ يُمَارس "النظرية" كما مارسها الفلاسفة وعلماء الكلام يخرج في الغالب بثمرة معرفية معزولة عن توجه القلب الذي يعول عليه كل ما لله من معارف وتوجهات. ولم يستفد من العلوم الجدلية الخطابية إلا قدرة تورث العقل التحليق في الفضاءات النظرية المجردة بغير أن تمس الشعور مَسَّات التهذيب والاتصال بالله حقيقة لا مجازاً يفتقر إلى التحقيق. إنما الوحدة هى اكتشاف صوفي بامتياز.

والقصد إليها ومحاولة الوصول إلى كنهها في الضمير الإنساني والعمل لأجلها بوسائل الرياضة والمجاهدة والترقب والاختبار؛ إنما هو مهمة التصوف الإسلامي ممثلاً في أدبياته وشخصياته البارزة بين سنية ومتفلسفة في مقابل أنظار الفلاسفة والمتكلمين ممّن تَوَخْوُا على الدوام منهجاً وطريقاً في السير أحال المعرفة لديهم إلى ظن لا يقين فيه؛ بمقدار ما صار التوحيد ـ مع التخليط في غير وحدة قصد ـ أوْحَالاً يتناقلها خلفٌ عن سلف وترددها على التقليد أبواق الأجيال جيلاً وراء جيل.

لم يستطع أحد منهم ـ إلا في القليل النادر ـ أن يكتشف حقيقة التوحيد في ذاته، أو أن يجعل من هذه الحقيقة سبيلاً يقصده الناس دون أن يفترقوا فيه؛ لينتظم في القلب أولاً ثم يشع النور منه منعكساً على المجموع؛ ليُرى آثاره وثماره في الأخلاق والمعاملة والعبودية والتوجه والتسليك، أو ما شئت أن تضيف في أمور الحياة التي من المفترض فيها أن تخضع على الدوام للرقابة الباطنة: رقابة الله الأحد فيما يتولاه الضمير من علم ومن عمل ومن تقرير.

لم يكن التوحيد كما جاء على ألسنة علماء الكلام والفلاسفة إلا "نظرية" قلدوا فيها نظرات اليونان من أفلاطون وأرسطو وأفلوطين؛ ليجذبهم التنظير الفكري والمجادلات الفلسفية جذباً يكاد يبعدهم عن تقرير الحقيقة التي قررها وحي النبوة، لا بل منهم من ادّعى إمكان اتصال الفيلسوف بالمصدر الذي استقي منه النبي مشكاته؛ فساوى عن قصد وتعمد بين الفلسفة والنبوة كما فعل الفارابي حتى صَرَّحَ ابن طفيل - ناقداً له في غير تردد - بسوء معتقد الفارابي في النبوة.

صحيح أن هنالك محاولات عقلية سواء من جانب الفلاسفة والمتكلمين جادة ومثمرة وثرية في ذات الوقت، ولكنها لا تستهوي من أرادوا لأنفسهم أن تصل إلى "حقيقة الحقائق"، أو تتصل بالوجود الإلهي أو تتكشف حقيقتها الخفية المرقّاة إلى درجة الإنسانية الكاملة. لم يستهو هؤلاء فكرة البحث المجرد عن اللواحق العملية، ولا الغفلة بالكلية عن مسائل المصير. حقيقة إنما الدنيا فترة ضيافة والعمر فيها قصير والأجل محدود فهل يكون حظنا منها هو فقط ما نناله فيها من مغبون القيمة والتقدير؟

إنما القيمة والتقدير هما فيما عَسَاه يصل به المرء إلى حقيقته الأصلية ويكتشف ما لله في باطنه: قلبه وضميره وخفاياه. هنالك يصبح التوحيد معرفة تذاق لا عبارة تلفظ. يصبح تجربة لا عبارة، يصبح "حالة" لا "مقالة" بتعبير القشيري، يصبح تجربة تُخَاض كما تخاض التجارب الكبرى في حياة الإنسان يخوضها القادرون عليها، الصابرون على التحقق منها والموفقون إلى خوضها بعون من الله. يصبح إدراكاً علوياً قائماً على المعايشة لا فكرة نظرية مجردة عن التسليك.

والفرقُ بينهما هو فرق بين مناهج الفلاسفة والمتكلمين من جهة، والصوفية من جهة ثانية. مناهج الفلاسفة نظرية أو جدلية: قصد العلم والغلبة فيه، مقدّم على قصد التصفية والتذوق. ومناهج الصوفية مناهج سلوك ومعايشة وتحقق وتخلق وتذوق.

نعم ! هو فرق بين علوم الأفكار وعلوم الأذكار أو بين طريق العقل وطريق التصفية. إنّ الصوفي وحده لهو الذي تحدى سلطة العقل والنظر والتحليق المجرد؛ فخصّ التوحيد بفرائد الخصوصية، ولم يستطع أن يكون بهذا التخصيص سوى فرداً متفرداً في التوجُّه؛ إنه ليعرف جيداً معنى هذا التوجُّه، فيدركه كما يدرك المرء كل محسوس منظور؛ لأنه تعود على تحدى العوائق المحدودة بحدود ما يفكر فيه الإنسان العادي. وكما تَعَوَّد على التعالي والتجاوز تعود أيضاً على أن يتسامى فوق ما هو منظور في كل حال وفي أية حال.

والتسامي والتجاوز وامتصاص السقطات الإنسانية وتحمل أذية الناس وأخطاء الضعفاء إنما هى قدرة يمنحها الله لمن يشاء حين يشاء من عباده.

لا شك إنّ "تَوَجُّه" الصوفي (لا المتكلم ولا الفيلسوف العقلاني) إلى الملأ الأعلى في الغالب لهو الذي يخلق فيه قوة التحدي ويرشده باليقين إلى أمور كان قد أدركها ولم يكن في مستطاع غيره أن يتوافر على إدراكها. وليس يكفى للصوفي أن يتحدى فقط سلطة العقل والنظر والتحليق المجرد، ولكنه يتحدى أولاً وقبل كل شيء أهم سُلطة يمكن أن تعوق مسيرته الروحية والفكرية وهى: سُلطة التقليد الأعمى لأصحاب السلطة الدينية.

فالذين يَتَسّلطون على الضمائر باسم الدين أسوأ خلق الله على الإطلاق، ولم يكونوا بمثل هذا السوء إلا لأنهم أقل خلق الله شعوراً بمعيته وتطلعاً لقَيوميَّته، فمتى نبذ الصوفي التقليد لأصحاب السلطة الدينية، أياً كان أصحابها، تساقطت أمامه على الفور كل سلطة سواها، ولم يعد يخشى من أمره خوفاً لا من أصحاب السلطة الدينية كائناً ما كانوا أو مَنْ كانوا، ولا من أصحاب السلطة الدنيوية؛ لأنه إذْ ذَاك سيكون قد تَحَرَّرَ وعياً من عبادة السّوى بإطلاق، وهنالك سينقله التوجه إلى الملأ الأعلى نحو الذكر القلبي: عبادة الفكرة الدائمة.

ولن يستطيع أن يصل إلى عبادة الفكرة الدائمة ما لم يكن من قبل قد تحرّر من عبادة السّوى ونبذ التقليد الأعمى لكل ذي منصب أو جاه أو دنيا أو سلطان. هنالك سيَعْرف أن الحياة التي يعيشها بغير الذكر القلبي (عبادة الفكرة الدائمة) إنما هى هَذَيَان: عبثٌ أو يكاد أن يكون عبثاً في كافة الأحوال.

تظهر إذن من هذا المثال الذي سقناه فوارق المنهج في تناول العقيدة بين الفلاسفة والمتكلمين والصوفية؛ إذْ يعمل المنهج نفسه في مضمون العقيدة التي يدين بها بالولاء؛ فتراه يؤدي بصاحبه إلى نتائج قد تختلف أو تفترق عن النتائج التي استخدمها منهج آخر سواه. فالعقيدة واحدة. والتناول المنهجي لها مختلف عند كل فريق، ومن ثم تأتي النتائج مختلفة ومتباينة؛ فليس تناول الفيلسوف لقضايا العقيدة كتناول المتكلم لها، ولا كتناول الصوفي. الفرق في المنهجية التي يستخدمها كل أحد ويُعملها على العقيدة التي يقوم بدراسة موضوعاتها، إمّا بالنظرية إمّا بالتطبيق. وبما أن الموضوعات التي تتوارد في مجال من المجالات مختلفة؛ فطبيعة الموضوع هى التي تحدّد المنهج، والعكس خطأ صريح.

وبعد هذا المثال المُساق؛ لتطبيق المنهج الجدلي على العقيدة بين الفلاسفة والمتكلمين والصوفية، نختم حديثنا بالقول: بأن الفصل بين مناهج البحث العلمي لا يكون مطلقاً. والمفاضلة بينها إنما يكون على أساس طبيعة المشكلة أو الموضوع العلمي الذى يبحث فيه فيختار الباحث منهجه وفق طبيعة موضوعه. والهدف من الدراسة، ونوعها، وحجمها. فموضوعات التربية المنطقية مثلاً تتداخل فيها المناهج الخمسة (الاستدلالي والاستقرائي والاستردادي والوصفي والجدلي). أى يمكن استخدام أى منهج منها في البحوث التربوية باعتبار أن التربية مثلا علم تتداخل فيه التخصصات الكثيرة. ولعلّ أسبق هذه المناهج فى البحث العلمي هو منهج التأمل الاستدلالي أو الاستنباطي، وبه استدل للحصول على أولى المعارف الإنسانية. ولكن مع ذلك كله يبقى البحث العلمي هو "القانون" أو "المبدأ" أو "القاعدة" التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية في أي مجال من المجالات سواء كانت نظرية أو كانت عملية وفي مختلف الميادين البحثية.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

علي رسول الربيعيهل يريدنا الله أن نكون سعداء؟ إذا فعل، وإذا كان بإمكانه أن يجعلنا سعداء، فلماذا يكون معظم الناس بائسين للغاية؟1

تختلف المتعة عن السعادة، المتعة هي شعور ممتع، والسعادة هي الرضا العام عن حياتنا على أساس فهم كيفية ارتباط حياتنا بأهداف أوسع. قد يكون لدينا الكثير من الملذات ولكننا نكون غير سعداء، ونرى أن حياتنا من الملذات لا معنى لها في نهاية المطاف. أو قد يكون لدينا القليل من الملذات ولكننا نكون سعداء، ونرى حياتنا ذات مغزى عميق، كأحداث تغيير إيجابي في حياة الناس. يريدنا الله أن نكون سعداء ولكنه لا يهتم كثيرًا بما إذا كانت لدينا حياة ممتعة.

لماذا الكثير من الناس بائسين؟  يعود ذلك أساسا الى أن أنهم يبحثون عن السعادة في المكان الخطأ، من أجل المصلحة الذاتية والمتعة الفورية. المأساة الحقيقية في الحياة ليست المعاناة من الألم، بل العيش بطريقة أنانية وبلا معنى.

لماذا لا يسعدنا الله؟ مفتاح السعادة هو العيش بشكل لائق، وأن نحيًا حياة كريمة كما يريد الله لنا: مثلا الاهتمام بالآخرين يجعل الحياة ذات معنى. بمعنى آخر، نحن بحاجة إلى الحب والإيمان؛ هذا يكسبنا مائة ضعف هنا والحياة الأبدية فيما بعد. لكن يمكننا أن نختار غير ذلك، لأن الله جعلنا أحرارًا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................

 1- Hume, David, (1779) Dialogues Concerning Natural Religion, ed. Norman Kemp Smith, Indianapolis, IN: Bobbs-Merrill, 1947.

علي محمد اليوسفالعقل ليس جوهرا منفصلا عن الجسم، وان الخصائص العقلية تابعة للخصائص الفيزيائية... ويكيبيديا الموسوعة.

بالحقيقة هذه العبارة المبتورة تعتبر العقل ليس جوهرا منفصلا عن الجسم، وإن الخصائص العقلية التفكيرية تابعة لخصائصه الوظيفية الفيزيائية (للعقل) كعضو من تكوين أعضاء الجسم الذي يحتويه، هذه العبارة تختصر مجلدا من المناقشات الفلسفية المتناحرة والمتناطحة مع بعضها بلا جدوى.

إذ دأبت مباحث الفلسفة منذ افلاطون وارسطو إعتبار علاقة العقل بالجسم أنه جوهر غير فيزيائي منفصل عن الجسم ماهيته التفكير. لكن ما يجب الوقوف عنده بالعبارة أعلاه أن الخصائص العقلية التجريدية للعقل جوهر ماهيته التفكير هي علاقة جدلية مع الخصائص الفيزيائية للعقل على إعتباره عضو بايولوجي في جسم الانسان له وظائف فيزيائية خارج وداخل الجسم أخرى تتجاوز وظائفية العقل جوهر ماهيته تفكير تجريدي منفصل عن الجسم.

حسب النزعة المثنوية أو الثنائية (علاقة العقل بالجسم) ترى العقل جوهرا مستقلا عن الجسم. في حين خالفهم الرأي بعض من أصحاب خصائص العقل البيولوجية الوظائفية الذين يرون العقل جوهرا غير منفصل عن الجسم. هم أصحاب النزعة الواحدية أن العقل والجسم ليسا كيانين وجوديين منفصلين إنما هما جوهر واحد في الإفصاح عن مدركات العالم الخارجي والعالم الداخلي للانسان. وتبّنى اسبينوزا هذا الرأي.

طرح أفلاطون في وقت مبكر تعريفه العقل من وجهة نظر فلسفية تعتبر إبنة عصرها قبل تقدّم مباحث العلم في دراسة وظائف الأعضاء وفلسفة العقل المعاصرة. قوله العقل لا يمكن شرحه بمصطلحات الجسم الفيزيائية، أي بمعنى أراد افلاطون حصر العقل ضمن مباحث الفلسفة كتجريد منطقي لغوي بعيدا عن علم وظائف الاعضاء بيولوجيا التي تركن فلسفة العقل التجريدية جانبا.

بتعبير ربما يكون أكثر وضوحا أن العقل في الوقت الذي هو جوهر ماهيته ملكة التفكير، فهو بنفس الوقت عضو بايولوجي من أعضاء الجسم يقوم بفاعليات ما لا حصر له تدخل ضمن خاصّية العقل الإدراكية ومسؤوليته المباشرة عن كل شيء يصدر عن الانسان من سلوك ومعرفة بالحياة والوجود خارج وداخل الجسم. بالحقيقة هذا الانقسام بين بنية العقل التجريدية الفكرية الفوقية بتعبير ماركسي، مع البنية الوظائفية البايولوجية التحتانية للعقل كعضو تحتويه الجمجمة في غير حصر جوهر العقل أنه تجريد تفكيري لغوي ، يجعل من رأي أصحاب مذهب الواحدية في علاقة إرتباط العقل بالجسم من جهة وعلاقة إنقسام العقل على نفسه أنه ليس خاصّية لغوية إدراكية تجريدية من جهة ثانية صحيحا ، وأن العقل تكوين بايولوجي له وظائف علائقية بالجسم بما لا يمكن حصره وهو يتجاوز تعريف العقل أنه خاصّية تفكيرية تجريدية غير مادية. العقل البيولوجي العضوي لا يفكر فقط بل يبني الحياة بإدراك سلوكي متعدد مناحي الحياة وحاجات الجسم الكائن الحي.

هذا الإنقسام الذاتي للعقل على نفسه يجمع خاصيتي تجريد - بيولوجي إنما يقوم على جدل من العلاقة التي تشبه علاقة جدل الفكر والمادة ، وجدل الفكر واللغة. هناك خاصّية جدلية للعقل تقوم على جدلية الفكرمع الإدراك العقلي المادي من جهة، وجدل آخر يحكم علاقة العقل بالجسد بايولوجيا.

ديكارت والعقل

بمجيء ديكارت في القرن السابع عشر أراد إعطاء العقل ميزة متعالية على مباحث الفلسفة فأوقع نفسه في خطأ لم يكن يتصوره تحت وطأة تطوير فهم افلاطون أن العقل تجريد لغوي لا يخضع لمنظومات العقل البيولوجية الإدراكية.. فعمد  إختصار ومصادرة الجدل البايولوجي حول العقل في تأكيده المنحى الفلسفي للعقل جوهر منفصل عن الجسم ماهيته ملكة التفكيرفقط وأهمل عن قصد العقل كتكوين بيولوجي يرتبط بجسم الانسان.

كما ينسب لديكارت قوله مؤيدا لما يسمى المثنوية (علاقة العقل بالجسم) "العقل غير محدود في إطاره الفيزيائي، فهو جسم غير مادي" نقلا عن ويكيبيديا الموسوعة.

يبدو لي على الأقل وجود تناقض بالعبارة فما هو فيزيائي يكون بالضرورة الماهوية ماديا وليس غير مادي. وكل فيزيائي هو مادي، والتناقض الآخر حين يعتبر ديكارت العقل قدرة غير محدودة فيزيائيا لأنه غير مادي؟ قدرة العقل غير المحدودة فيزيائيا هي كون العقل يجمع خاصيتي الادراك الحسي للاشياء وخاصّية والتعبير التجريدي عنها بالفكر واللغة.

وهذا لا ينفي عن العقل ماديته العضوية البيولوجية داخل الجسم. بالعكس تماما من ديكارت حين يعتبر العقل غير محدود فيزيائيا لأنه مادي يقع في تناقض، فكل فيزيائي يكون ملزما إمتلاكه خصائص مادية عابرة لقدرة العقل المحدودة على أنه ماهية تفكيرتجريدي.

صفة العقل الفيزيائية تلازم صفة العقل المادية إن لم يكونا دلالة لمعنى تعبيري واحد. العقل ليس غير محدود القدرة الفيزيائية لأنه مادي، بل حين يكون العقل جوهرا غير مادي لا ينفصل عن الجسم ماهيته التفكير تكون بذلك مكمن أنه غير محدود القدرة الفيزيائية لأنه مادي وليس لأنه غير مادي..

الإلتباس الحاصل هو في تقسيم العقل الواحد الذي لا يقبل القسمة على نفسه الى قسمين متكاملين غير متعارضين هما قدرة العقل التعبير تجريديا عن العالم الخارجي، وقدرة العقل المادية تلبية جميع إحتياجات الجسم البايولوجية العضوية التي تكون مادية لا تحتاج تعبير العقل التجريدي عنها باللغة وكلتا الخاصيتين هما لجوهر واحد يسمى العقل.. العقل جوهر مادي عضوي يرتبط بالجسم غير مستقل عنه يمتلك خاصيتين متكاملتين هما التعبير عن الخارج تجريديا، والاستجابة لتلبية مطالب اجهزة الجسم استبطانا داخليا. (الاحساسات الخارجية والاحاسيس الداخلية).

العقل سواء إعتبرناه عضوا ماديا في جسم الانسان ،أو إعتبرناه تجريدا إدراكيا لا يرتبط بالجسم ففي كلا الحالتين هي حالة فيزيائية للعقل،وحالة تجريديته التفكيرية لا تغيّران من حقيقة جوهر العقل في حال كونه عضوا غير مادي كما يقول ديكارت أو يجمع الصفتين معا(المادية والتجريد) كما نقول نحن، ودليل ذلك العقل يجمع ثنائية التعبير التجريدي عن جميع الحالات الادراكية داخل الجسم وخارجه لا فرق. وبذا تنتفي حاجة تصنيف العقل ماديا فيزيائيا يحتويه الجسم تارة، وجوهر ماهيته التفكير منفصلا عن الجسم تارة أخرى. فالعقل موجود فيزيائي غير منفصل عن الجسم ماهيته التفكير والإستجابة لكل ردود الإفعال الصادرة عن مدركاته الاشياء والموجودات في العالم والطبيعة.

ويعزى لديكارت أنه كان أول من أعطى العقل أسبقية ربطه بالوعي والادراك الذاتي. بمعنى ديكارت أراد تجريد العقل من خاصيته البايولوجية تماما التي تقود مسؤوليته الوظيفية خارجيا وداخليا عن الجسم، فأوقع نفسه في كمين لم يكن أمر تجاوزه سهلا هو إنكاره العقل عضو بايولوجي يحتويه الجسم ويقوم بمهام وظيفية يعتمدها العلم تتجاوز الفهم الفلسفي المحدود أن العقل جوهر منفصل عن الجسم ماهيته التفكير المجرد فقط. بمعنى إستنسخ ديكارت مقولة افلاطون السابق ذكرها العقل ليس خاصية بيولوجية عضوية بل هو خاصية تفكيرية تجريدية فقط..

كما وخطأ ديكارت الأكبر هو في إعتباره العقل جوهرا مستقلا عن الجسم والعقل خالد خلود النفس الانسانية، والحقيقة البايولوجية التي تحكم الكائن الحي يتقدمها الانسان، أنه لا يبقى جوهر مستقل خالدا لا للعقل ولا للنفس بعد ممات الجسم وفنائه.

ديكارت لم يكن خافيّا عليه تشريح العقل فسلجيا كعضو بايولوجي يمثل أحد أهم أعضاء جسم الانسان في تعامله مع مدركات الحياة، بدليل مقولته الفسلجية الخاطئة التي قال بها ديكارت عن الغدة الصنوبرية الموجودة وسط الدماغ.

حيث إفترض ديكارت حتمية وجود مكان معيّن في الدماغ يجرى فيه تجميع المعلومات قبل إرسالها إلى العقل اللامادي. وكان المرشّح الأفضل لهذا المكان، بالنسبة لديكارت، هو الغدة الصنوبرية، وذلك لأنه رأى أنها الجزء الوحيد في الدماغ الذي يملك بنية واحدة، على عكس بقيّة الأجزاء التي تنقسم بين النصفين الأيمن والأيسر للدماغ.

يلاحظ هنا إصرار ديكارت مغالطة نفسه قوله تجميع المعلومات وإرسالها الى العقل اللامادي ويقصد به العقل غير الفيزيائي غير العضوي بالجسم. وبهذا يريد ديكارت تأكيد فلسفته أن جوهر العقل تجريد تفكيري فقط وهو العقل اللامادي.

الحقيقة التي عبر من فوقها ديكارت أن العقل جوهر واحد مادي وغير مادي معا، فهو في الحالتين خاصيّة تجريدية إدراكية لغوية بنفس وقت هو خاصّية بيولوجية عضوية غير تجريدية داخل الجسم. ولا يمكن الفصل بينهما مطلقا. تماما كما في إستحالة الفصل بين الفكر واللغة.

سيرة حياة ديكارت تشير الى أنه كان مولعا وممارسا لعلم وظائف الاعضاء وتشريح جسم الانسان إضافة الى ولعه بالرياضيات ومنجزات العلم وهذا يعطينا حقيقة ديكارت لم يكن فيلسوفا يتعامل مع تفكير الفلسفة كتجريد عقلي. بل يتعامل مع العقل كعضو بايولوجي يحتويه جسم الانسان كبقيّة أعضاء الجسم الحّي وينكر عليه ماديته.

ديكارت كان ملمّا الماما كاملا بأجزاء تكوين الدماغ وعمل الفص المّخي الايمن بإختلافه عن عمل الفص المّخي الايسر بالنسبة لجسم الانسان حيث تكون فعاليات عمل الفص المّخي الايمن مسؤولا عن الجهة اليسرى من الجسم طوليا، وعمل الفص المّخي الايسر مسؤولا عن وظائف النصف الأيمن من الجسم.

مع هذه المفارقة المعرفية العلمية المطلع عليها ديكارت جيدا علميا لكننا نجده أهمل وظيفة عمل الدماغ كعضو بايولوجي جزء عضوي في تكوين جسم الانسان على حساب تركيز ديكارت على العقل بإعتباره لوغوس (عقل / خطاب) فلسفي تجريدي كان معروفا تماما عند فلاسفة اليونان القدماء. ولم يكونوا عارفين تكوين العقل بايولوجيا كونه إختصاص علمي متقدم ظهر لاحقا بعد قرون من ظهور الفلسفة اليونانية.

ديكارت والعديد من الفلاسفة السابقين عليه لم يكونوا يعطون تمييزا واضحا بين العقل التجريدي الذي ماهيته التفكير وبين العقل البايولوجي المسؤول عن كل إدراكات الانسان وسلوكه بالحياة ومحاولة فهم الطبيعة والوجود واقعيا..

بعض تناقضات فلسفة العقل

عديدة هي المداخلات التي مركز دورانها العقل، فمثلا أصحاب ثنائية العقل والجسم الفلسفية تؤكد بداهة الفكر هو تجربة الوعي المجرّد عن المادة. وهي مقولة صحيحة إذا أخذنا الوعي هو تجريد لغوي يتبع تجريد العقل. وعمدت الفلسفة الهندوسية واليوغا منذ حوالي650عاما قبل الميلاد تقسيمهم العالم الى عقل وروح ومادة.

بغض النظر عن مدى صّحة أو خطأ التقسيم الفلسفي الهندوسي الديني، نطرح بشكل بسيط إشكالية العقل في علاقته بالنفس والروح، ثمة خطأ تداولي بادبيات الفلسفة إعتبارهم لفظة (النفس) مرادفا تطابقيا في التعبير عن معنى (الروح)، المعضلة الواضحة التي لا يصار الإعتراف بها أن مصطلحي النفس والروح كلاهما مصطلحان تجريديان منفصلان عن بعضهما في إرتباطهما بالعقل وجسم الانسان لكنهما مختلفان في الافصاح التجريدي عن نفسيهما.

وبضوء مرجعية هذا التعالق نقول أن النفس ليست هي الروح في دلالة ثنائية مختلفة في المعنى وليس في دلالة مرادفة أحادية المعنى، ما نعني به النفس بعلاقتها بالعقل والجسم هي نفسها لفظة الروح في ترابطها بنفس العلاقة مع العقل والجسم. لكن يبقى التفريق بين النفس هي غير الروح قائما فرقا جوهريا لا يمكن إغفاله.

كما إعتبر ديكارت النفس أو والروح جوهرا منفصلا تجريديا مرتبطا بالعقل والجسم، يشملهما خلود العقل كجوهر خالد حسب ديكارت وهو خطأ بني على خطا سابق عليه في إعتبارهما النفس والروح جوهرين منفصلين عن العقل والجسم لا يقل فداحة من خطأ  إعتبارهما جوهرا واحدا خالدا ملازما خلود العقل.

النفس هي مجموعة الخصائص والفعاليات والعواطف والضمير والسلوك المرتبط توضيحه بعلم النفس السلوكي، والنفس تشكيلات عاطفية شعورية ولاشعورية عاطفية وجدانية مبعثها الإحساسات في العالم الخارجي. والنفس رغم أنها من ناحية الإدراك المرتبط بالعقل هي تجريد صرف قبل تحوّل مدركاتها الى سلوك وعواطف ومشاعر وعلاقات اجتماعية يجري التحقق منها في السلوك المرتبط بوصاية العقل عليه.

إذن النفس لا تمتلك إستقلالية جوهرية منفصلة عن العقل بل هي فعالية خاصّة يمتلكها الانسان بتعالقها مع توجيهات ووصاية العقل عليها. وجميع إفصاحات النفس التي مررنا على ذكر بعضها لها إرتباط وثيق بالعقل في الجسم الحي غير الميّت.

كما أن ربط النفس باللاشعور يلغي عنها ويجرّدها أن تكون النفس وعيّا إدراكيا يتمّثله السلوك الواعي الشعوري في التعامل مع الحياة ويجردها من خاصّية أن النفس وعي قصدي وسيلة تنفيذه السلوك. نعود التذكير بخطأ ديكارت قوله النفس جوهر خالد يلازم جوهر العقل بالخلود كليهما بعد فناء الجسم بعد موته.

أما الروح التي ليس لها علاقة بالنفس، ولا بالعقل غير تعالقها الميتافيزيقي غير المحسوم جدليا لا على مستوى العلم ولا على صعيد الدين ولا على صعيد الفلسفة أيضا، فالروح مصطلح ميتافيزيقي مبهم وغامض على صعيدي الدين والفلسفة وليس بمستطاعتهما تعريف ماهيتها وأين يكون موضعها في الجسم أو على الاقل معرفة مصدرها ومن أي شيء تتشّكل، فالروح تسكن الجسد من غير إدراك عقلي لها لا بالماهية ولا بالصفات سوى الإتفاق على تعبير غائم أن الروح تفارق جسم الانسان بعد وفاة هذا الأخير سريريا. وأدبيات الاديان تتعامل مع الروح أنها لا تعني النفس كما يجري الخطأ بالفلسفة.

علاقة الذهن بالعقل

ننتقل الى إشكالية أخرى ما هي علاقة الذهن بالعقل؟

الرائج فلسفيا الذهن هو مصدر التفكير بمدركات الحواس وهو خطأ دارج متداول فلسفيا، في البدء علينا توضيح هل الذهن خاصّية تفكير أم الذهن خاصّية إدراك داخل منظومة العقل الإدراكية؟.

الحقيقة الذهن هو حلقة إدراك في إستلامه الإنطباعات الواصلة اليه عبر الحواس. ولو إعتبرناه مركز تفكير وتفسير لمدركات الانطباعات الخارجية، لأصبح تنحية دور العقل في وصايته على عملية الادراك منذ بدايتها بالحواس وإنتهائها بالمخ هي جميعها فعالية تجريدية يقوم بها عقل مادي عضوي في جسم الانسان لا حاجة ضرورية لها.

علاقة الذهن بالعقل التفكيري التجريدي هو الذهن حلقة إدراكية في منظومة العقل وليست عضوا ماديا يمكن التحقق من وجوده. وإعتبار الذهن ينوب عن وظيفة العقل بالتفكير خطأ لا يمكن تجاوزه. التفكير خاصيّة دماغية وليس خاصية ذهنية. الذهن وسيط نقل الانطباعات الخارجية للعقل وليست حلقة إدراك مفكر ينوب عن وظيفة العقل بالتفكير...

ولو نحن إعتبرنا الذهن هو حلقة عضوية ترتبط تحديدا بخلايا موجودة بقشرة الدماغ عبر شبكة منظومة الجهاز العصبي، لوقفنا أمام تساؤل محرج يلغي هذه الفرضية الخاطئة إذ لو كان الذهن عضوا بايولوجيا يرتبط بعضوية المخ البايولوجية لتوّجب علينا تحديد موقع الذهن العضوي أين يكون، بمعزل عن معرفتنا لملايين الخلايا العصبية المسؤولة عن إتاحة خاصّية التفكير للذهن ليس بمعزل عن خاصّية العقل بالتفكير.

الحقيقة الفلسفية التي لا يمكن تجاوزها أن العقل يحتوي الذهن ضمن منظومة الإدراك لكن لا يستطيع العقل الإستغناء عنها في أن ينوب عنها كما الذهن يعجز الإستئثار بخاصّية التفكير العقلي وينوب عنه.

وبذا يكون الذهن حلقة توصيلية في منظومة الإدراك العقلي. الذهن كما يصفه بيركلي هو الحلقة الإدراكية التي تستلم الإنطباعات الخارجية ونقلها الى العقل البيولوجي عبر منظومة شبكة الجهاز العصبي بلا تغيير يطرأ على تلك الانطباعات وهو نفس مايراه ديفيد هيوم صحيحا.

ونضيف الذهن ليس مصدر تفكير ينوب عن العقل في إصداره مقولاته الفكرية التجريدية بتعبير اللغة، وهذه الخاصيّة العقلية لا يمتلكها الذهن كونه لا يستطيع التعبير عن مدركات الوجود خارجيا وداخليا دونما مرجعية العقل في مقولاته التي حصرها وأجملها كانط بإثنتي عشرة مقولة يمتلكها العقل ويفتقدها الذهن.

هناك مدرسة فيزيائية عقلية حديثة تعتمد النزعة العلمية تذهب أنه بالنهاية لا يوجد في عمل العقل غير العمليات الفيزيائية التي تقوم على الخاصّية البايولوجية للعقل، معتبرين كل الخصائص العقلية هي خصائص فيزيائية حتى تعبير اللغة التجريدي، سواء نفهم العقل جوهرا تجريديا أم عضوا بايولوجيا يتبع وجود الجسم.

بناءا عليه نقول أن الإحساسات الخارجية التي يدركها العقل إنما يكون رد الفعل العقلي عليها هو تجريد فكري، بينما تكون الأحاسيس التي تثيرها أجهزة الجسم الداخلية مثل الشعور بالجوع أو العطش أو الالم أو الحزن الخ فيكون رد الفعل العقلي عليها عضويا داخليا سواء في إشباعها كغرائز بيولوجية أو في معالجتها كأعراض مرضية أو أحاسيس بيولوجية مصدرها أجهزة الجسم الداخلية العضوية..

تقاطع العقل والجسم

يذهب بعض العلماء والفلاسفة أن العقل لا يطابق رغبات الجسم ولا يطابق تلبية إحتياجات الجسم على الدوام،معتبرين إنفصال العقل عن الجسم حقيقة بيولوجية قائمة لا يمكن نكرانها. ما يرتّب فصل العقل عن الجسم ضرورة تفك الإشكال القائم بينهما على أصعدة عديدة. من الأمور التي أجدها تفيد هذه الإشكالية من منطلق فلسفي فقط وليس من منطلق علمي ليس من إختصاصي هو:

- حاجات الجسم التي يحتاج بها ملازمة العقل له في إشباعها تنقسم نوعين:

1- الاول حاجات المثيرات الناتجة عن عملية الادراك الجدلية مع موجودات العالم الخارجي والطبيعة والحياة.

2- الثاني حاجات إشباع النوازع الغريزية التي يحتاجها الجسم داخليا عبر إجهزته البيولوجية عن طريق ما تثيره من أحاسيس الجسم الداخلية مثل سد حاجة الجوع، العطش، الالم، الحزن، الفرح، النوم الخ.

- السؤال الذي يثار بضوء ما ذكرناه أعلاه، هل هناك في كلتا الحالتين إشباع إحساسات الإدراكات الخارجية، وإشباع أحاسيس أجهزة الجسم الداخلية، حاجتهما الى مرجعية أخرى ذاتية أو غير ذاتية سوى العقل؟

بالتاكيد الجواب بالنفي، فجميع الإستشعارات الخارجية والداخلية الواصلة للجسم لا يستطيع الجسم تلبيتها دونما تكامل عمل العقل مع حركات سلوكية إجرائية ينفذها الجسم، فلا العقل يستطيع إتخاذ الإجراءات اللازمة من دون حاجته لتنفيذ تلك الايعازات العقلية من قبل أعضاء الجسم في ملازمة العقل. ولا الجسم يستطيع منفردا دون العقل القيام بتنفيذ ردود الأفعال لما يستشعره .

- عليه لا يكون هناك حاجة أهمية مناقشة هل العقل جوهرا منفصلا عن الجسم أم لا؟ كما ليس ذات أهمية مناقشة إختلاف حاجات الجسم بايولوجيا (فقط) عن تلبية حاجات العقل الادراكية التجريدية.

وهنا يتأكد ما سبق لنا ذكره أن العقل يمتلك خاصيتين أن يكون عضوا بيولوجيا بالجسم في نفس وقت ملازمة صفته الادراكية أنه مركز التفكير المجرد في التعبير عن الاشياء المادية وغير المادية الخيالية التي لا علاقة لها بالعالم الخارجي بوسيلة الفكر واللغة المجردتين. علما أن العقل في كل إستجاباته الادراكية الخارجية والداخلية إنما هي وعي تعبير ذهني تجريدي تمّثلي وتصّوري لغويا. الادراك بخلاف العقل جوهر لا مادي ماهيته نقل الاحساسات الانطباعية تجريديا عن اشياء وموجودات العالم الخارجي.

- لكن يبقى هناك إستدراك ضرورة التنويه له، هو إحتمال وارد جدا أن العقل يحتاج في إدارته إشباع حاجات تعتبر أساسية بالنسبة له، ثانوية بالنسبة للجسم، فالعقل بما يمتلكه من خاصيّات بيولوجية عضوية، وخواص تجريدية إدراكية وخيالية تكون أولوية مسؤوليته في إشباع حاجات الانسان برمّتها المادية منها، وغير المادية تقوم على عاتق العقل دون الجسم أو معه، مثال ذلك أن العقل في المجال العلمي التخصصي لا يحتاج الجسم تنفيذ ما يرغبه الا في حركات إجرائية بسيطة مثل حركات اليدين والاحساسات الواردة خارجيا، نفس الشيء حين يحتاج العقل المخّيلة والذاكرة والإدراك الذهني الصرف،  لانتاجية ابداعية يرومها في مجالات متعددة مثل الكتابة والتاليف في مختلف الاجناس الادبية والثقافية والفنية والفكروالمعرفة وضروب أخرى عديدة التي يتراجع فيها دور الجسم لإعطاء تقدم وأسبقية العقل القيام بتنفيذها في وصايته على الجسم.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي رسول الربيعي4 - لماذا لا يسمح لنا الله أن نختار بحرية ما نفعله ثم يمنع العواقب السيئة لأفعالنا الخاطئة؟

إذا فعل الله هذا، فلن تكون أفعالنا مهمة أو ذات معنى مرة أخرى. فأنظر مثلا أنه يمكننا أن نحب أطفالنا أو نضربهم. إذا ضربناهم، فسيعانون؛ ولكن لن يتدخل الله لمنع ذلك عادة. الطريقة التي نتصرف بها مهمة لأنها يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في حياة الناس. إن منع الله العواقب السيئة لعملنا من شأنه أن يسلب أفعالنا معناها ومغزاها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

علي رسول الربيعيهل كل شر مطلوب من أجل خير أعظم (حتى لا يكون الخير الكلي أعظم من الشر الذي لم يحدث)؟

لا. إذا كان كل شر مطلوبًا لخير أكبر، فلماذا نحارب الشر (طالما، إن الشر الذي نحاربه مطلوب من أجل خير أكبر)؟ ولماذا لا نتسبب في الشر لأنفسنا (طالما سيجلب هذا الشر خيرا أعظم)؟ إذا كان كل شر مطلوبًا لخير أكبر، فلا يهم إذا كنا نحارب الشر أو نتسبب فيه.

من المهم أن تُحدث أفعالنا فرقًا، وأن يكون العالم حقًا أفضل أو أسوأ اعتمادًا على كيفية تصرفنا. عندها فقط يمكن أن تكون أفعالنا ذات أهمية.

تفترض إجابتي أنه من المنطقي على الأقل الوصول إلى ذروة الخير "الكلي". يرى البعض أن أنواعًا مختلفة من القيمة غير قابلة للقياس؛ لذلك لا يمكننا جمع الخير الأخلاقي والشر الجسدي للحصول على المجموع. هذا من شأنه أن يجعل السؤال 3 بلا معنى.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

علي رسول الربيعي

2 - ماذا نعني عندما نقول الله خيرا؟1

يمكننا أن نعني ثلاثة أشياء (أو ثلاثة في وقت واحد).

1 - إن الله لا يفعل إلا الأعمال الصحيحة والخيرة، وليس ما هو خاطئ وسيء. هذا ناتج من الحقائق العامة عن طبيعة الله - أنه يعلم كل شيء وأنه متسق. بما أن الله يعلم كل شيء فهو يعلم كل الحقائق الأخلاقية. وبما أنه متسق، فإن عمله يتوافق مع كل تلك المذكورة أعلاه.

2- الله حكيم ومحب وله فضائل أخرى (مثل العدل والرحمة). يعتمد هذا أيضًا على الحقائق العامة عن طبيعة الله. وأن لله يدعونا إلى الحياة الأبدية معه.

3 - الله يعطينا هدايا خاصة. فكل ما لدينا هو من عند الله. يمكننا أن نرى الخير الالهي  في مواهبنا، أو في صحتنا، أو في جمال الطبيعة. لا يمكننا أن نقول إن الله ما كان ليصير خيرًا لو لم يعطنا هذه العطايا؛ بدلاً من ذلك، ربما وضعنا امام تحدي أو اختبار، ربما المرض بدلاً من الصحة. يعطينا الله مثل هذه الأشياء حسب تقديره؛ يمكنه أن يتخذ خيارات مختلفة حولها. حتى التحديات التي يواجهنا الله بها، مثل الأمراض، تهدف إلى خيرنا؛ أنها يمكن أن تكون “هدايا خاصة" إذا استجبنا بشكل صحيح أيضًا. اقترح أغناطيوس دي لويولا2  أن نصلي لعدم المبالاة بشأن ما إذا كان الله يرسل لنا في النهاية هدايا أو تحديات (مثل الصحة أو المرض، ونرغب فقط فيما يساعدنا على خدمة الله بشكل أفضل؛ هذا موقف حكيم ولكنه صعب للغاية بالنسبة للمؤمنين بشأن الشرور الشخصية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

1-  لا داع للإشارة ربما دائما الى ان هذا يقع في حقل النقاش اللاهوتي فيما يتعلق بقضية الشر والله والغايات في الوجود.

2-  Loyola  Ignatius (1524)   The    Spiritual   Exercises,  http; www.ccel.org/ccel/ignatius/exercises.html. 

سامي عبد العالتقديم: مع حروب الارهاب وتدخل الدول الكبرى في غير دولةٍ عربية ومع نشوء الصراعات بين المذاهب والطوائف، طفحت مجتمعاتنا العربية الراهنة بنيجاتف أسود لأكثر السيناريوهات قتامةً في تاريخ الثورات السياسية. أي ظهور معاني هذا الخراب الكامن في تدوير الأدمغة ثقافياً كتدوير النفايات waste recycling، رغم أنَّ أصحاب هذه الأدمغة كانوا يحملوا ألقاباً ثورية: هذا الناشط الثوري فلان، وذاك المُشارك السياسي فلان، وبخلافهما الخبير أو المحلل أو المجاهد عِلّان ... إلى أخر القائمة التي تجيئ وتذهب على شاشات التلفاز وعبر الوسائط الإلكترونية.

ولم يكن هذا الوضع على مستوى الأفراد فقط، بل طفحت الأحداث الارهابية بأسماء لافتة مثل: دولة الخلافة في العراق والشام  (داعش) واحياء الدواوين بمعطاها القديم زيادة إلى كم العنف المضاف إليها: "ديوان القضاء والمظالم، ديوان الدعوة والمساجد، ديوان الجند، ديوان بيت المال، ديوان التعليم، ديوان الزراعة، ديوان الفيء والغنائم، ديوان الحسبة، ديوان الزكاة، ديوان الأمن العام، ديوان الإعلام المركزي، ديوان الصحة، ديوان الركاز  (الأموال الدفينة من الذهب والفضة والجواهر في أرض الكفار)، ديوان الخدمات".

وتلك الأسماء هي تخريب استعاري مضمر على مساحة شاسعة من وعينا الحياتي، فلن يدرك المواطن العادي أبعادها مباشرة، لكنه ربما يعيش تحت دلالتها أثناء الممارسات السياسية بإعدام الواقع نفسه. وهذا ما رأيناه أثناء الاحداث الارهابية مع مواطني العراق وسوريا تحت حكم الولاة.  فرمزية الخراب التي اقتحمت العمران في دولة الخلافة الداعشية كانت بمثابة " شطب لاهوتي عنيف " لما تم التعارف عليه في حياة الناس، بحيث تسير هذه اللغة التي تدمر الأفكار وتهيل عليها التراب جنباً إلى جنب مع حُروب ناشبة على الأرض.

وفي هذا الإطار كنّا نرى خليطاً بشرياً مهوشاً من النشطاء والثوار والمتمردين ورجال الدين وفقهاء السياسة ومجاهدي الجماعات الاسلامية. حتى أضحت دول سوريا وليبيا واليمن والعراق قبائل متحاربة في صحراء ممتدةٍ، لا يحميها من نفسها إلاَّ موت الواقع عن بكرة أبيه. موت مدمر يحرق ما يقابله من أخضر ويابس. لا تعرف من الفاعل ولا من المتآمر ولا من الخفي ولا من الظاهر ولا من يحمى هؤلاء جميعاً، لكن باتت النتائج الحاصلة محتومة بغسقٍ لا فجر له (وبخاصة حالتي سوريا وليبيا). على طريقة القول في الأمثال الشعبية: "موت وخراب ديار". فرغم أنَّ الموت نهايةٌ عند نقطة معينةٍ سوى أنَّ المثل أورد الخراب باعتباره ظاهرة في مشاهِد الموت والدمار ومحو آثار الحضارة. أي الصور البشعة لما فعل إنسان الربيع العربي في مجتمعاته كضربٍ من المحاق المُظلم.

إنَّ الخرابُ ليس مُعطَّى مادياً وإلاَّ لتجنبا الاقترابَ منه، وبالمثل ليس فكرةً لأنَّه لا منطقَ محدد له. هو ظاهرةُ احتضارٍ خلال الغسق الثقافي للمجتمعات بفعل صراعُ لا يُبقي ولا يذر. إذ تسُود أنواعُ الفوضى وصولاً إلى ما تمَّ تسميته بالفوضى الخلاَّقة التي اطلقتها أمريكا بالمنطقة. والفكرة ذكرها ابن خلدون بصدد أن الخراب يقترن بالعرب مع سيادة أعمال الصراع والغلبة، حيث يقول صاحب المقدمة: "إذا تغلَّب العربُ على أوطان أسرَعَ إليه الخرابُ" ([1]). مما يدعونا للتساؤل:  لماذا ترجمَ ابن خلدون المعنى إلى ظاهرة الخراب بينما هناك كلمات أخرى للبيئة باديةً وحضراً؟! وبنقلة فلسفية معاصرة أخرى: هل يمكن اعتبار الخراب (طبقاً لإدموند هوسيرل) وجهاً فينومينولوجياًphenomenological لحياة الإنسان؟

مبدئياً علينا إدراك أنَّ جملة ابن خلدون السابقة في حدود " التاريخ الممكن". فهي ليست تخييلاً ولا مستحيلاً ثقافياً. من هنا لا يكتب المؤرخ إزاء الظواهر إلاَّ بإمكانيةٍ إنسانية تُجدِّدُ عودتَّها. ذلك الدهليز السري  secret vestibule الممتد في حواشي الثقافة  كما دلل كتاب "ديوان المبتدأ والخبر..". حيث أخذ يرسم الوقائعَ واضعاً الوعي بمساحةِ الفعل أمام نفسه. فالبصمة اللغوية للتاريخ هي أخذ العبرة والمثل مما قد حدث في عصر من العصور. وهذا يشي باحتمال تكرار ما نعتبر منه. فأيُّ عصرٍ له مبتدأه وخبره دونما نفي (دونما قطيعة) لسوابقه مقارنة بما يتتابع من أزمنة. وبذلك يتوحد بالصورةِ العامة للخيال ثقافةً ورؤيةً، لأن الزمن موصول الحلقات، وقد يحدث بصورة جادة أول مرة كما يقول هيجل ثم يكرر ثانية بصورة ساخرة وهزلية!!

على جانب آخر، يرى هوسيرل أنَّ الخيال phantasy  (imagination) يلعب دوراً رئيساً في معرفة الأبنية الماهوية للتجارب والخبرات. ففي الذاكرة والتوقع والإدراك نعِي الأحداث كما لو أنها توجد الآن أو موجودة في الماضي ثم توجد في المستقبل. من ثم يناقض هذا الفعل رؤية الأشياء كمعطى عيني أو فردي، إنَّه يعبر عن أشياء متخيلّة ([2]).

المهمة السابقة تُبرز الكتابةَ حول هذه الموضوعات باعتبارها تاريخاً داخل التاريخ، كأنها تاريخية التاريخ historicity of history. إنَّ توسطاً للوعي إزاء الخراب (اللاوعي) يتحين من القارئ ترقب الدلالة في الأحداث والظواهر. فالخرابُ ليس انحطاطاً مكانياً ولا غيره بالنسبة لفاعليه لأنهم يمارسونه بعناوين مقبولة لديهم. هو يحمل الأثر والاسم، الزمن والحركة معاً. إذن نحن نحتاج إلى اقتناص تأويلِّه عبر هذا التَّوسط الفلسفي.

إنَّ الخراب إذن هو ذلك الجانب الفينومينولوجي من الأحداث؛ أي تجسُد الظاهرة داخل وعيٍّ راصد لما يجري خلال تاريخ ما. ولسوف يجري الوعي بوصفه جمعاً لا فرداً هذه المرة بحكم المشاركة فيه تحت مظلة ايديولوجيات وأفكار. فلدينا أكثر من وعيٍّ داخل وجودنا الإنساني. وهذا يجري بطرائق الثقافة كفضاءٍ متراكمٍ للغة والخطابات المتداولة. الفكرة الطازجة رغم أصدائها القديمة: أنَّ الخراب كشكلٍّ للاوعي يمثل وعياً خلدونياً متواتراً ضمن زمن العرب الراهن.

تأويل الخراب

الخراب أثر زمانيٌّ ومكانيٌّ فاجعٌ نتيجة التدمير الحاصل، إنه عتمة لكارثة انسانية تحل كالقبح الظاهر، فلا ينفصل عن صورةٍ هو تاركها بشكل مزرٍ. لذلك فالأسئلة الحيوية فلسفياً إزاءه ليست: من أحدثَ هذا؟ إنما: ماذا حدث (ماهية الحدث نفسه)؟  كيف لعقل عمراني أنْ يتصوره؟ لماذا هذا الجنون المكاني؟ كيف نفسره على مستوى الثقافة؟ فالمكان ليس ثابتاً كمادة جذرية للوجود ولا هو كذلك كمتغير فيزيائي يستوعب الفعل وإحداثياته. المكانُ ذو بعد مصيري يرتبك برؤى الحياة والعالم بطبيعة الحال. إنَّه جزء من خيال على مرمى البصيرة مهما تنقلنا في جوانبه. فقد يكون المكان كراهية، وقد يعدُّ المكان حباً، المكان جنوناً، المكان لاهوتاً، المكان تحرراً، وأخيراً المكان جسداً وكائناً في شفرات الوجود باصطلاح كارل ياسبرز.

إذن المكان عميقٌ داخل الإنسان بكلِّ منظوراته. لا يقعُ بمنأى عنه وإلاَّ لما قطن الإنسان موضِّعاً دون غيره ولما أخذه الحنين إلى ترابٍ بخلاف الآخر. فالحياة هي المكان داخل النفس لذاتٍ تعي مصيرها. وصراعات المجتمعات المعاصرة ترجع إلى شكلٍّ جيو سياسي لهوية الأمكنة. إنَّها صراعٌ حول عمران وخرابٍ من نوعٍ ما.

ابن خلدون يُدرك حساسيةَ الثقافة العربية للمكان باعتباره جحيماً بلا أملٍّ. إذا تأملنا دول الاحداث السياسية الراهنة  (اليمن وسوريا وليبيا والصومال) لوجدنا الخرابَ قد تحولَ إلى فعلٍّ سياسيٍّ يوميٍّ. لكن ظلماً بيِّناً استئثار تلك الدول بظاهرة تاريخيةٍ كهذه بخلاف سواها من الدول. هناك أنظمة خرابية أكثر حداثة في دولٍ عربيةٍ أخرى. فلم يكُّن الخرابُ مرحلةً لينقطع ظهورُه، ولم يوجد جغرافياً كي يتحدد في بقعة دون غيرها.  الخراب كوعي يوجد بصيغ مختلفة ويتداعى بكم صغير أو كبير بحسب الشروط المتوافرة لوجوده.

الآن ظهر للخرابُ تداعٍ جمعيٍّ ([3]). فالمؤسسات حين تخادع المواطنين هي ألة خراب. الخطاب المزيِف للوعي أحد مظاهر الخراب. عبارات التكفير المنتشرة إيقاع للخراب. سياسات القهر والاستبداد هي برامج خراب. التعليم بلا ابداع تخريب لقدرات الإنسان. أما تجلي اللغة فأبلغ أثراً مثل: "الخرابة"، "التخريب"، "عمل تخريبي"، "الثورات كمعادل للخراب"، "هدم المنشآت"، "نهب المنازل والأحياء"، "اختلاس المال العام"،" تفجير السيارات"، "قتل الأطفال"، "صور الذبح الديني"، "الصراع الطائفي"، "تكفير الآخر"، "أسواق السبي"، "تجارة الرقيق باسم الدين"، "نكاح الجهاد"، "الاغتصاب الجماعي"، "الجماعات الإرهابية"، " اشغال الشعوب بالتوافه"، " تعطيل الديمقراطية وقيمها".

هذا ما يجعل الخرابَ أكثر من مقولةٍ مكانيةٍ في حياة الناس. إذن هو مقولة تُنطق على أنحاء شتى سياسياً وأخلاقياً ومعرفياً ودينياً واجتماعياً. هذا الانحراف جزء حيوي من التنبؤ الخُلدوني القديم وطبقة أساسية من انفلات الوعي تجاه تبعثُر المعاني كشفاً لتراث الثقافة العربية.

الخراب والروح

لا يخلّو الخرابُ من تدمير روحيٍّ يُحول أصالةَ الحياةِ إلى سرابٍ. هو إحساسٌ مميتٌ بإظهار الوجود في حالة عدم إن صح التعبير. فالخراب والعدم يتقاطعان لحظة الضياع الروحي لمعاني الإنسان. نوَّه هيدجر إلى كون القلق يترك انياب العدم تنهش جسد الحياة التي نحياها داخلنا، هذا الرعب من تلاشي الحقيقة. الخرابُ صنفٌ نادرٌ من القتل الغسقي لمضامين الوجود. ليس الخراب موتاً لكنه تجلي الموت. لهذا قد يحل بكل غثيانه عقب الموت بأنواعه. موتُ البشرِ، موتُ الشجرِ، موتُ الطبيعة، موتُ الزمان، موتُ الواقعِ. وحدُّه التاريخ يبقى حياً شاهداً على ما يحدث إذ يدوِّن (هذا الفعل العربي البارز) يشاهده البشر. في الثقافة العربية ما أكثر التدوين (كتب الحوليات والاخبار واليوميات والآثار والسير) لحروبٍ أبقت مجتمعاتنا خراباً فوق خرابٍ. لن نعي ذلك حتى ندرك كم كان الخرابُ قريناً لغرائز الصراع التي لا تغادر مكانّها.

ليس الخرابُ عكس العمران. فإنْ كان كذلك، لأنهى وجود وانتشار الأبنية الحداثية الشاهقة رجُوعه المتواتر ([4]). قال المسيح ماذا يُجدي لو كسبت العالم وخسرت نفسك؟! الخراب يسكُّن هذا الروح كطيفٍ شرير يتطاير هنا أو هناك. لعلَّه الخسران لأخص ما يملكه الإنسانُ؛ أي الطابع الروحي الثري الذي يجعله إنسانا بملء الكلمة. ولهذا يعتبر الخراب عملاً قصدياً. توقيع القرآن للمسألة واضح تمام الوضوح:" الذين يخْربون بيوتَّهم بأيدِيهم". فما لم تضع روحُ الشر حدّاً للحياة ما كان ليسمَّ خراباً بضربة دلالةٍ عميقة. والعبارة القرآنية تقرنُ التخريب بفعل انسانيٍّ قيد الأيدي وكأنَّه ضد الروح المُنتِج.

من زاويةٍ أخرى لا يتم الخرابُ بغير تدخل الجانب النفسي كهذا الوصف الذاتي لعمل اليد ضد الذات. والبيت والبيوت (والمدن) عمرانٌ من نوعٍ آخر رغم إبقاء القرآن عليه كمصطلحٍ. فالبيوت الخربة هي المسكونةُ بأرواحٍ وكائناتٍ شريرةٍ. من ثم احتفظت اللهجةُ الدارجةُ بألفاظ الخرابات وهي إطلال المدن. وقد استعملها الخيال الروائي لنجيب محفوظ كاشفاً بنية المجتمعات والعلاقات الإنسانية. فالخرابة تماثل اللاوعي الجمعي في رواياته التاريخية. منها تنطلق الأفكار الشاذة وتشرئب الرغبات بحثاً عن الإشباع ويجري خلالها السلطة مع أعدائها. كما لا يغادرها المتآمرون لتدبير المكائد وإحداث الفتن وهي مكان هامشيٌّ للمجون ومعاقرة الملذات. وبالتحول الاجتماعي تُتخَّذ الخرابات موضعِاً للشحاذين واللصوص والعاهرات.

أمام هذا يكشف الخرابُ معاني السكن، البيت، العلاقة بالمصير، الوعي الذاتي بالمكان. جميعُ ذلك ظلال روحية لما ينتجه الفعل الإنساني إجمالاً. وهي قضايا متعلقةٌ بالعمران بوصفه انطلاقاً للروح داخل وجودِّها الحميم. لكن كان الخراب احياناً بالطابع العربي  يمثل فوضى المكان، كان هديراً لرغبة افناء الآخرين. إنَّ الخراب أسلوب للإنسان الآتي على رأس الانحدار الثقافي نحو الهاوية. يصبح الخراب بالنسبة إليه موضوعاً لمقاتلة خصومه ومحاربة المجتمع وترك أفعاله وسط ذاكرة لا تُنسى.

في الثقافة العربيةِ كانت الذاكرةُ الشفاهية قدرةً للاحتفاظ بالأحداث والأخبار كعلامةٍ صارخة بقوتها. حتى أنَّ التأريخ  الماثل أمام الوعي كان يظهر المصيرَ حدثاً غرائبياً غير مسبوقٍ. لا يجب اغفال (على سبيل المثال) تعبير "عام الفيل"، التعبير الذي وثقَّه القرآنُ بسورة الفيل بادئاً بالانتباه إلى ما فعله الله في أصحاب الفيل حتى جعلهم كعصفٍ مأكولٍّ. وظلت التواريخ تذكر عاماً كهذا للتدليل على الميلاد والموت كحال التأريخ لمولد رسول الإسلام.

ومن قبل تحدث القرآنُ عن إرمَّ ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، فصب الله عليهم سوطَ عذاب. وأورد أخبار الأمم السالفة التي أهلّكها بالريح كأعجاز نخلٍّ خاويةٍ.  وكم أخذت الذهنيةُ العربية السائدة بهذا الوضع التصويري الفاجع. فاليقين لا يجرى دون كونَّه نتاجاً قيامياً (نسبة إلى القيامة). ولهذا تحتل علامات الساعة مساحةً ليست بالقليلة في خطاب الاسلاميين لإتمام تصوير المشاهد إلى مداها البعيد.

الخرابُ انعكاس لهذه الحقيقة السيمائية في الذاكرة التي كونتها النصوص الدينية واكدتها بلاغياً وسردياً كتب الرحالة والمفسرين والفقهاء. فصور الخراب نقش عدمي تمثل ظاهرة للاوعي صراعيٍّ عميقٍ تجاه الأغيار. وهو نتيجة مراس من الحروب وأعمال العنف يشتَّد قوامُها كمعطى تاريخيٍّ في تطبيق الأفكار وتحول المجتمعات. كأنَّ الحرب، الغزو، لا تكون تأريخاً إلاَّ إذا دُمغت زمنياً بفضل مصيرها المحتوم. ونظراً لأنَّ الذاكرة الشفاهيةَ تشكلُّ عالماً وخيالاً يجب حفظهما، فكانت آثار الغزو والغلبة على ذات الصعيد.

توحُش الخراب

الحيوان دوماً لا يُخرِّب، لكنه يأكل فقط. حيوانية الحيوان فوق الشبهات المكانية الساخرة التي يتركها الإنسان. إنَّ سُكنى الحيوان لا تولِّد أفعالاً أبعد مما يشتهي ويترك من حياته. فالحيوان  بمثابة رابط طبيعي بين طاقة نامية كان يسميها اليونان الفيزيس (الطبيعة) physis وبين كائن يجسدَّها. بينما عند استغراق الإنسان في عملٍ تخريبيٍّ يأخذ الأخير صفاته الخيالية كرغبة تدمير ليس إلاَّ. الحيوان يُعدم ما يُجده لتحويله إلى هكذا طاقة حياة لكونه مأخوذا بالغرائز. في حين أن الإنسان يسعى لإعدام الحياة بجميع ممكناتها نكايةً وثأراً في الآخرين. فالجانب الافتراضي لديه قائم على جنوح الخيال وجنونه.

بالنتيجة فالإنسانُ أكثر توحشاً من الحيوان، الحيوان يتوحش بالطبيعة على ما طبع عليه. فالطبع يغلب التطبع إذا افترضنا ذلك. أما الإنسان فتوحشه يجري تكلفاً وإمعاناً في العدوانية. لذلك يتفنن بتقنيات ابداعية في القتل وإراقة الدماء كما رأينا لدى الدواعش. ومن ثم فالحروب بأشكالها الأيديولوجية ما هي إلَّا تقنية خراب خارج الزمن.

توثِّق قصيدة الخراب ت. س. إليوتEliot  هذا الطابع السديمي للعدم. إنَّها الأرض الخراب waste land the، جفاف الحياة حتى نضوب المعاني ([5]). فالمعنى وسط اللهاث البشري أشبه بظلال وسط الشمس، لا يوجد بدائرتها أدنى راحة من هجير الزمن. كان العبث حاضراً مع عصر راهن لا يقوى أُناسه على الصمود. فعقب الحرب العالمية الأولى وحده كان نعيق الخراب هو صوت الموت، صوت يعلن عن تقزز بملء الحياة. وتلك الحرب العالمية قزمت  فضاء الكون حتى حُشر في فوة بندقية. خرجت الأسلحة بين الدول الأوربية لتصم آذان العالم، لتصدم كل مبادئ التعايش والسلم والحرية التي روجتها الفلسفة الحديثة والمعاصرة. كانت قصيدة  إليوت الارض الخراب بمثابة رصاصة حداثية لمواجهة فوهات القتل العالمي التي لا تكف عن الدمار. لدرجة أن المدن الاوروبية بعبارة جيمس تومسون Thomson  كانت ذات ليل قاتل ومرعب deadful night ([6]).

لا شيء هنالك سوى المقابر، كومة التراب التي تحوي الإنسان وتمتص جسده مرة ثانية وتتكفل بإعادته إلى ذرات بالية. وهو ما رأيناه مؤخراً كشأن ربيعي عربي مع ثورات سياسية في تاريخ الشرق. فلئن كان ثمة ما يميز الحراك الثوري في تلك المساحة من العالم، فهم قوافل الموتى ومشيعوهم. هناك تطابق بين حروف التراب والخراب!!. ومازلنا نردّد" كل ما فوق التراب تراب"، فهل يعني مضاعفة الخراب؟ هل الخراب هو ارجاع المكان إلى حالة ترابيةٍ نتيجة الموت؟

من ثمَّ تمثل الصور السياسية للثورات لدى العرب المحدثين كفناً مزركشاً لجثث يومية. وهذا ما نراه بالأمس القريب والآن، عندما تحولت ثورات المجتمع العربي إلى ظاهرة الجثث. ليست حروباً بالمفهوم التقليدي. لكنها إطار لطقوس الموتى، كان أبرزها توديعهم تحت بروتوكول ديني سياسي. إنَّها سياسات الجثث المحمولة باسم المقدس أو باسم الدولة أو باسم القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب.  لقد غدا الوضع العربي "جنازة حارة" بينما الأكفان أُناسٌ عابرون على قارعة السياسة.

ولذلك ظهر لدى الاسلاميين تعبير "إدارة التوحش" ([7]). وهي إدارة الفوضى الطاحنة الناتجة عن غياب كل أشكال الإدارة إلاَّ القوي الارهابية الحركية. التَّوحش يُسقط مجتمعات ودولاً بينما يفترض إدارة أكثر قسوةً. وهنا الرابط بالخراب الذي سيكون مترقّباً عن كثب.  كيف يطلق البعض لفظ إدارة على قضية لا موضوع لها؟!

إنَّ إدارة التوحش كما يستعمله الارهابيون وغيرهم لونٌ من استراتيجية الخراب، إدارة الخراب في المجتمعات. فلا معطيات اجتماعية، ولا إمكانيات سياسية، ولا قوى تنموية، ولا انتاج بجميع أصنافه. ومع هذا يكِّد هؤلاء الارهابيون في ايجاد صيغة لإحلال الفوضى. والأغرب زعم (الاسلاميين) أنَّ التوحش خطوة لتحكيم شرع الله. لو كان ابن خلدون حياً لاعتبر ذلك تدميراً لمقاصد الشرع. فثمة انتهاك لأي معنى خاص بالدين، إلاَّ من قتلٍّ واستباحةٍ وتأسيسٍ لدين مغاير.

إذا كان التَّوحُش البدائي سلفاً تمَّ بانعدام التحضر وجريان الصراع الدموي، فإنَّ التوحش حالياً يجري باسم الخلافة. وبدلاً من "الفوضى الخَلاَّقة" يمكن اعتبارها "فوضى الخِلافة". فالاثنتان تؤديان الوظيفة نفسها حيث يتحلُّل الارتباط بالواقع كتحلل الجيف. لأنَّ تفكك المجتمعات لا يتم بتغيير الإدارة أو كما أُشيع "اسقاط النظام". لو كان الأمر هكذا لما قال ابن خلدون عبارته الثقافية السابقة. فكرة الخلافة تعمل على بنية المجتمعات وأنسجتها الحية. ليست الخلافة لافتة فوق جسد اجتماعي قديم، إنما يجب تغيير القوانين الثقافية والرمزية التي تحكم هذا الجسد.

المشكلة أن انفكاك الجسد الاجتماعي يجهز على قدرات الافراد والجماعات ولا يترك لها أية مساحة للتطور والنمو. لأنَّ انهاكاً لا حدود له يستغرق جميع ثروات المجتمع المعرفية والوجودية والثقافية. لدرجة أنه يُسقط كل رأسماله الرمزي في هوة لا خلاص منها. وفي ظني أن ابن خلدون يقصد بالخراب هذه الإبادة الإنسانية والحدية للمجتمع. وتلك المسألة يطرحها الاسلاميون بمنطق خلقي؛ أي يحاولون خلقَ المجتمع خلقاً مغايراً متناسين موروثاته وأساليب وجوده. وحين يفشلون يفجرون أفرادَّه في عمليات انتحارية ويدمرون المدن والقرى. والتعامل مع ذلك بالإبادة المادية معناه فقدان الوجود النوعي لثراء الإنسان.

الخراب والثقافة

الخراب – كما يرى ابن خلدون- ناتج عن حالة البداوة وهي جذر نبتت عنه ثقافتنا العربية ويحتاج إلى نقد متواصل. فالترحال لا يحتفظ بالعمران حياً، لكنه يمر مرور السحاب. وهو يستهلك الوجود استنفاداً لما يجود به المكان سواء أكان واحةً أم كلأً أم ظلالاً للإنسان.

الثقافة البدوية ثقافة عابرة للجغرافيا وللوعي معاً. تضاريس وجودها سطحية وقائمة على سفوح الحياة والمعاني. تتعامل مع الأشياء عبوراً إلى غيرها. لا تستقر في المكان ولا الزمان، بل قد يصبح المكان نهباً للمصادفة الأولى أو الثانية. ولأنَّ ذلك يُفقد فاعلي الثقافة قدرتهم على التكَّيف (بالتالي التطور)، فيغدو المكان لا قيمة له. إنَّه مجرد استراحة مؤقته لتناول ما يسد الجوع والرمق وبعدها يذهب الزائر إلى مكان مغاير.

كما أنَّها ثقافة تعتبر الاستقرار صنفاً من الجمود وداعياً إلى الملل الحياتي. هي بهذا تعلن عن أوليتها الوجودية. فالإنسان قد ينفك من الأنظمة الحياتية المركبة عائداً إلى حالته الطبيعة. هذا رغم أنَّ بها (أي الثقافة البدوية) أنظمة رمزية معقدة تملأ خيال أصحابها برؤى للكون والمجهول والحياة. إن حالة الطبيعة هي الدرجة الصفر للتعامل مع الأشياء. وابن خلدون يرجع بها إلى عدم إدراك ثقافي لمعنى التحضر. وكأن الحضارة التي يعيش في كنفها الإنسان ضروب من المعاني المتراكمة على جسد الطبيعة. حتى أن الخراب لا يأتي إلاَّ إذا كان هناك مَنْ لا يجد أية قيم في هذا التراكم. وبالتالي بآلية التفريغ الثقافي يُجهض هذا الوضع جميعَ الطباق الثقافية من مضمونها.

فالبدويُّ لا يزن عادة الأشياءَ بميزان التَّحضُر؛ أي القيمة  الثقافية والرمزية المضافة للأشياء وفاعلية التقنيات والأنظمة. لكنه يحاول تعريتها هيكلاً وبنيته. الخراب يُشابه هذا العُريَّ الثقافي للأشياء. عُري هو الجسد الخشن للتعامل مع الواقع حتى غدا آلية وسياقاً. وهذا لا يعني أنَّ عالمَ البدوي غير مسكون بالأخيلة. لكن تذهب الرموز وراء هذا اللا معنى في انتاج صور العالم. لأنَّ تلك التصورات البدوية تستغرق (تستنفد) نفسها في فوضى الأفعال.

هنا سوف يصمت الخرابُ كصمت المجهول. فالأماكن الخربّة مهجورةٌ، شبحيّةٌ، قادمةٌ من الماضي المخيف. أبرز معالم الخراب هذا المسخ المكاني الذي ينتج دلالات ثقافية أيضاً. ففي كل الأحوال ثمة تشوّه لا يكف عن الحضور. والمجتمع الذي لا يعي حقيقة التشوه سيقع في أحبولته آجلاً أم عاجلاً. لكونِّه ينعكس كنمطٍ للحياة البشرية القاسية. ورغم ذلك قد تكون مُريحةً لدى البعض بقدر ما  تسلِّبُ العقل وتميِّعُ المعايير!!

لهذا قد لا تشعر الثقافة البدوية بأهمية المعايير من الأساس. فالوعي لدى التصور البدوي مرايا مسطحة مثل الصحراء وسط غبار ثائر كالرمال المتطايرة. وإنْ استقرت مفاهيمٌ فلا تخلو من سراب الأبعاد الغائمة الدافعة للمزيد. والأفكار حول الأشياء مفتوحةٌ وغيرُ منضبطةٍ كمفردات البيئة الصحراوية. والبدوي لا يدرك قيمة الأشياء لأنَّها تترسخ  فقط مع ذهنية الترحال اليومي. لدرجة أنَّه يقف صلداً وقوياً تحت التقلبات المُناخيّة بينما يضجُ بالأنظمة المعمارية التي تقيه ذلك. ولذلك من سوء قدر الفكر الاسلامي التاريخي أنه اختلط بهذه التصورات في السياسة والعلاقات الاجتماعية.

بُومة الخراب

بومةُ الخرابِ تُشبه بومة منيرفا اليونانية. بومة منيرفا تنعق - كما يقول هيجل- محلقة وقت الغسق لاستنهاض الحكمة. "عندما تصور الفلسفة جوهرها ظلاماً في ظلام، تغدو الصورة الوحيدة للحياة باليةً، ولا يمكن تجديدها بواسطة العتمة، فقد تصبح موضوعاً للمعرفة بما هي كذلك. إنَّ بومة منيرفا Owl of Minerva تأخذ في التحليق حينما يخيم الظلام" ([8]).  في حين تنعق بومة الخراب نظراً لأفول الحضارة تحت جحافل التخلف.

وابن خلدون في سياقه الثقافي يترك هذا النعيق يرسم خريطةَ الوجود البشري وأحوال الناس تجاه خراب العمران. فليس الاثنانُ واقعين على طرفي نقيض، لأنَّه لا عمران في جوهره بلا خرابٍ. وهذا لا يتأتى إلاَّ بمنظورٍ أوسع للعالم وحركة الإنسان؛ أي الحكمة البعيدة وراء الأشياء. يتعرض هوسيرل إلى تلك القضية داخل رؤى العالم weltanschauung. وهي فلسفةٌ مشروطةٌ بقيمة الحكمة والكفاح من أجلِّها. حتى يمكن اعتبارها هدفاً في ذاته. وبالمعنى الواسع للحكمة تعدُّ عنصراً أساسياً في قدرتنا القابلة للإنجاز achievable المتعلقة بالجانب الشخصي من الحياة الإنسانية. وخلالها يستطيع المرء الكفاح لأجل شخصية ممكنة عالمياً بقدر انخراطه في توجهات أساسية للحياة تنسجم مع أنماط المواقف الممكنة ([9]).

يعتبر ابن خلدون العمران تحضُراً بينما الخراب حياة معكوسة ومقلوبة. ففي أعماقه يكتم  الخراب موتاً صريحاً عن التحدث بوضوح. لكن ماذا لو تحدث؟ هنا سيذكر ابن خلدون علَّة الخراب أنَّ العرب " أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم  خلقاً وجبلة" ([10]). ذلك أنَّهم –  كما يقصد ابن خلدون- تركوا الطبيعة المتوحشة تتمكن منهم فأصبحت عادةً وفعلاً. والعادةُ تهيمن وتغدو بديلاً للواقع، فيكون لها عوائد؛ أي تمثل قيمةً طاغية بأسباب الحياة. هذا يعني ذلك التحول الذي لم ينصرف تحضراً وتطوراً، بل تراكماً أصلياً. تراكم قشري يُخفي رؤى للعالم والإنسان من جنس أصولها الثقافية.

وحين يكون التوحشُ عادةً (أي ثقافة) يعتبره صاحب المقدمة شيئاً ملذوذاً لدي  أصحابه. ذلك أنَّه يجرى على نحو تلقائي مثل الغرائز والشهوات من حياتهم. فالمعروف عادة أنَّ الثقافة نظامٌ يكتبسه الإنسان اجتماعياً. لكن حين تتيح العادات والتقاليد رجوعاً إلى جذورها، فإنها تستحضر نفس الآثار التي تسببها. فهي مصدر اللذة والمتعة للفاعلين رغم أنَّها في ظروفٍ دون ظروفها وشروطٍ غير شروطها.

اللذة وراء التوحش والعادة تؤسسان لتفلت العرب من" ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة. وهذه الطبيعة منافية للعمران" ([11]). هذا يفسر معنى الثورة في تاريخ العرب الحديث اتساقاً مع الماضي. لم تكن غاية الحراك الربيعي، التمرد، الثورة إلاَّ تملْمُلاً من الحكم لا لأهداف إنسانيةٍ كُبرى، إنما لأجل الترحال والتغلب (اخذ السلطة). فمازالت  جذور العصبيةُ تهيمن على ذهنية الجموع. فأقرب كتلة يكمن فيها هذا العماء تجاه الآخرين هي الجموع السياسية. وتمثل مسارتها رغبات كانت مشتهاة ومازالت لتنتهي بنهب وتدمير مؤسسات المجتمع وامواله.

ولهذه اللذة تجليات ثقافية تنعق بها بومةُ الخرابِ:

أولاً: شهوات البطن أولَّى من  قدرات البناء. يضرب المؤرخ ابن خلدون مثلاً أنَّ الحجر- بحاجة العرب إليه- لنصبه أثافي القِدْر ينقلونَّه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك. نفس الأمر حيال الخشب إنما كانت حاجاتهم إليه ليعمدوا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيتهم فيخربون السقف عليه ([12]). أي أن العربي ينزع مظاهر الحضارة ليشيد بها راحلته أو ليصنع بها طعامه المؤقت. وفي هذا لا يقف الخرابُ حيادياً، إنَّه النقض الحي لبنية العمران، وحلوله ليس غير حركة مضادةٍ لتطور الحياة.

ثانياً: تفشي أعمال السرقة والنهب. يؤكد ابن خلدون على طبيعة انتهاب العرب ما في أيدي الناس. وأنَّ رزقهم الحلال كما يظنون في ظلال الرماح. وليس عندهم في أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه، وكلما امتدت أعينهم إلى مالٍ أو متاع أو ماعون انتهبوه. هذا يعني ترصد  فكرة الخراب للمجال العام. فإذا كان الجانب الاقتصادي ليس مصُوناً، فلن يكون ثمة استقرار أو تطور. فتراكم الرأسمال العام أمر مهم ناتج عن وجود مساحةٍ واسعة للعمل والفعل. وحينما يتعرض لفساد سيكون هو المشهد الأخير لسرقة الممتلكات العامة. وبعض الثورات العربية الربيعية كانت مراناً على تلك الأصول التاريخية للنهب (كما نهبت مؤسسات الدولة في تونس ومصر والعراق).

ثالثاً: ضياع أهمية الأعمال والأشياء. ولأنَّهم (العرب) يكلفون على أهل الصنائع والحرف أعمالهم لا يرون لها قيمةً ولا قسطاً من الأجر والثمن. ومتى فسدت الأعمال وصارت مجاناً ضعُفت الآمالُ في المكاسب. وهذا يفسر راهنا غياب ثقافة العمل لدى مجتمعات عربية كثيرة. وحتى الدول التي تشهد ثراءً فاحشاً نتيجة النفط اعتبرها المواطنون بقرةً حلُّوباً بلا جهدٍ. وتفشت البطالة مدفوعة الأجر سلفاً. متناسين أنَّ العمل ليس اقتصاداً فحسب لكنه تطوير للذهنيات وتأكيد  من المجتمع لوجوده حضارياً.

رابعاً: انعدام العناية بالأحكام وزجر الناس. هناك فقط إغارةٌ وغلبةٌ لكن لا توجد قوانين عامة تحكم الجميع. وهذه هي المفارقة: إزاء الواقع العربي لم تتألف القوة الاجتماعية في قوة سياسية فاعلة، ولم تتبلور مؤسسياً على نطاق رحب. إنَّها الإعاقة التاريخية التي تعطل عمل المؤسسات بدرجات متفاوتة. ويرى ابن خلدون أنَّ العرب إذا فرضوا عقاباً فسيتعلق بجمع الأموال فقط وهذا محمول لتحصيل الفوائد والجباية والاستكثار منها. وذلك ليس ناجعاً في زجر المعترضين ودفع المفاسد. فتحدث الفوضى دون حكمٍ. والفوضى مهلكةٌ للبشر ومفسدةٌ للعمران ([13]).

خامساً: التنافس على الرئاسة واحتكار السلطة.  فالعرب قَلَّ أن يُسلِّم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلاَّ في الأقل وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلفُ الأيدي على الرعيةِ في الجباية والأحكام" ([14]). هذا التفسير الخلدوني لا يعلّل فقط، إنما يوضح كثرةّ الانقلابات في عصور السياسة المختلفة. وشيوع الديكتاتورية في تاريخ العرب الراهن فهي مبطنة بالاستئثار بالحكم. فلا تداول للسلطة إنما التغير يحمله ملك الموت مع وفاةِ  أصحاب الفخامة والسمو: الرؤساء والملوك والأمراء والسلاطين.

سامي عبد العال

......................

[1]- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول، تدقيق وتحقيق خليل شحاته، مراجعة سهيل ذكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2001. ص187.

[2]- Edmund Husserl, Phantasy, Image Consciousness, and Memory (1898- 1925) in: Collected Works (editor: Rudolf Berent, Volume XI) Translated by John B. Brough, Springer, 2005. P 4.

[3]- الخراب يُسمى كذلك نظراً لكونه جمعياً. إنَّه يأخذ في الاتساع مثيراً أزمة لوجود الإنسان. وربما هو من تلك الجهة أكثر دلالة على حدوث خلل بنائي للمجتمعات. فالحادثة الفردية لا تؤثر إلاَّ بالنسبة لمستواها. وإذا كانت الحداثة تترك بصماتها على العمران، المؤسسات ومظاهر البناء فلأن الخراب جزء من التهديد الذي يترصدها. وكانت الحروب المتتالية (العالمية الأولى والثانية) إفرازاً لكمون الخراب في معابد العقل والحرية والمعرفة. من هنا كانت مؤسسات الحداثة (الدولة – القانون- العدالة- السلطة) كانت حذرة أيُما حذر تجاه الخراب. ربما وضعت ضوابط (كوابح) لحركتها خوفاً من الانحدار في هوته. والخراب بهذا المعنى ليس موضوعاً لأنه الحد الأقصى للحذر. لكنه مسألة أخلاقية تأخذ وضعاً أنطولوجياً. ويصعب معرفته دونما تعرية الجذور الثقافية والمعرفية التي يؤسس عليها كما يفعل ابن خلدون وكما أظهره اشبنجلر في كتابه انحطاط الغرب. فالانحطاط، الاضمحلال نوع من الخراب الآتي بقسوة الحضارة.

[4]- الخراب ليس طرفاً لثنائية عصية على التجاوز. لأنه تحول لشيء اسمه العمران يوصف داخله لا خارجه. أي لا يأتي الخارب عارياً من أي وصف سابق. إنَّه قيد الوصف الدائم كشيء مغاير للعمران وهذا يلقي على كاهله الدلالي بعداً تحويلياً. وهذه قدرته كمقولة على كشف حقائق المجتمع.

[5]- نص قصيدة " الأرض الخراب" مع بعض التعليقات والهوامش المهمة.

T.S. Eliot, Collected Poems (1909- 1969), Harcourt, Brace, World, Inc., New York, 1954. PP 51- 70.

[6]-  Lawrence Rainey (editor), The Annotated Waste Land with Eliot ,s Contemporary Prose,  (second Edition) Yale University Press, New Haven & London, 2006. P. 71.

[7]- أبو بكر ناجي، إدارة التوحش، أخطر مرحلة ستمر بها الأمة، مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، بلا مكان نشر ولا تاريخ. ص ص11- 14.

[8]-  G. W. F. Hegel, Philosophy of Right, Translated by S.W. Dyde, Batoche Books (Kitchener) 2001. P 20.

[9]- Edmund Husserl, Phenomenology and Crisis of Philosophy, Translated with notes and an introduction by Quentin Lauer, Harper Torch Books, Harper & Row, Publishers, New York, 1965. P 133.

[10]- ابن خلدون المقدمة، ص 187.

[11]- المرجع السابق، ص187.

[12]- ابن خلدون، المقدمة، ص 187.

[13]- المرجع السابق، ص188.

[14]- المرجع السابق، ص188.

 

علي رسول الربيعي1 – هل على لله واجبات؟

في النقاش واللاهوتي فلسفة الدين نتحدث بشكل طبيعي عن الله فنقول إنه “يقوم بواجبه" أو يفعل الحق والخير"، ولكن من الغريب أن نتحدث عن الله" يفعل ما يجب أن يفعله". ربما يبدو هذا غريبًا لأن" يجب "و" الواجب " تشير إلى أن الفعل هو عبء يتعارض مع النزعة المعاكسة، وهو ما لا ينطبق على الله.

في وضع "يجب" و"واجب"، يمكننا التحدث عن الله أنه "يقوم بعمل الشيء الصحيح". عندما نقول "أ هو الفعل الصحيح"، فهذا يعني أن "أ" صحيح (جائز) وترك "أ" خطأ (غير جائز). هذا قريب من " يجب" و"الواجب" ولكنه لا يحمل ايحاء بميل معاكس. *

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

* (الميل الطبيعي لدى الشخص أو حثه على التصرف أو الشعور بطريقة معينة).

علي رسول الربيعيالمقدمة: تستخدم مشكلة الشر فرضية أخلاقية شائعة ("إذا كان الله ... فهو ليس خيرًا"). لذلك قد تؤثر نظرتنا حول الأخلاق في كيفية فهمنا لمشكلة الشر.[1]

لنفترض أنك ملحد، بناءً على مشاعر أو بعض النظريات الأخرى، فترفض الحقيقة الأخلاقية الموضوعية. لا يمكنك عندئذ استخدام حجة مشكلة الشر بالطريقة المعتادة المعروفة، حيث لا يمكنك أن تعتقد أو تصدق أن فرضيتها الأخلاقية صحيحة من الناحية الموضوعية.[2] ولكن هناك ثلاث خيارات أخرى على الأقل.

أولا: يتجنب فيلسوف نظرية الخطأ[3] ماكي[4] تأكيد المقدمات التي يمكن مقارنتها بالحقائق الأخلاقية. ويجادل بأن الإيمان بالله الواحد غير متسق في الجمع بين المعتقدات الثلاثة: الله كلي القدرة؛ الله خير تام أو محض. والشر موجود. يتطلب اشتقاق أو استنباط التناقض، كما يقول، مبدأين إضافيين يستندان إلى معنى القدرة المطلقة "و "الخير التام. لكن لألفين بلانتينجا[5] رأيً آخر، إذ يرى أن هذه المبادئ الإضافية مشوهة وأن الصياغة الصحيحة تحجب التناقض. لقد جادل، ايضًا، في اتساق المعتقدات الثلاثة من خلال كشف أن الثلاثة جميعًا سيكونون صحيحين في حالة محتملة موصوفة من خلال صيغة تقوم على تقاليد الثيودسي (وهي صيغة مشهورة وتعني إثبات الخير الإلهي والعناية الإلهية في ضوء وجود الشر). وعليه، يمكننا قبول أن بلانتينجا دحض بنجاح تهمة التناقض التي قدمها ماكي.

ثانيا: تجنب أنتوني فلو[6] أيضًا المقدمات التي يمكن تفسيرها على أنها حقائق أخلاقية. لكنه سأل المؤمنين ما هي التجارب التي ستقودهم، بشكل صحيح، إلى التخلي عن القول أن "الله يحبنا". ورأى أن المؤمنين الذين قالوا إنه لا توجد تجارب ستقودهم إلى رفض هذا، فأنهم يعيدون القول بأن هذا الاعتقاد بلا معنى. طبعًا من الواضح يستند هذا الاستنتاج إلى صيغة من الوضعية المنطقية التي فقدت مصداقيتها الآن. ويمكن للمؤمنين أن يجيبوا، "إذا رأيت أن الله يجعلنا نفعل الشر ثم عاقبنا بشدة إلى الأبد على فعل ذلك، فسنتوقف عن تصديق أن الله يحبنا".

ثالثًا: يمكن أن يعطينا العاطفيون حقائق مزعومة حول كيف أن الله، إذا كان موجودًا، سيكون قاسياً لخلقه هذا العالم، على أمل أن يقودنا هذا إلى قول إن الله يحبنا. لذلك، تتوفر عدة أشكال من اعتراض مشكلة الشر من قبل الفلاسفة الملحدين الذين يرفضون الحقيقة الأخلاقية الموضوعية. ويمكن للمؤمنين الدفاع عن أنفسهم باستخدام ما يعرف بـ الثيودسي الإيرياني. [7]Irenaean theodicy

إن حل نظرية الأوامر الإلهية التقليدية لمشكلة الشر؛ الخير = إن فعل ما يريده الله هو خير بشكل تلقائيً؛ وهي بهذا تستند أخلاقيا على إرادة الله الحكيم والمحب. فتكون القضية هي ما إذا كان عالمنا، سوف ينتصر على عذاباته وبؤسه، فيمكن أن يكون قد خلقه إله حكيم ومحب. والجواب هنا طبقًا لـ  Ireanaea theodicy  سيكون بنعم. لكن. هذا غير قابل للتصديق؛ لا بد أن يكون الشر مشكلة للمؤمنين

اعتبرت نظرية القانون الطبيعي أن البشر يخضعون لمعايير أخلاقية من ثلاثة أنواع: عقلانية وبيولوجية وروحية. كيف ينطبق هذا على الله ومشكلة الشر؟ يرى المؤمنون أن:

المعايير الروحية: قد ينطبق حب الله قبل كل شيء على الله أيضًا، لكن هذا لا ينطوي على مشكلة الشر.

المعايير البيولوجية: من بين القواعد البيولوجية التي تنطبق على البشر، تلك التي تمنع السرقة والكذب والقتل والزنا هي القواعد الأساسية. تستند مثل هذه القواعد إلى تطبيق العقل العملي على الطبيعة البشرية ولا تحتاج إلى تطبيقها على كائن عقلاني آخر. تخيل الملائكة وهم لا يحوزون ممتلكات مثل البشر وبالتالي لا يسرقون من بعضهم البعض، ويعرفون بالفعل كل الحقائق فلا يرتكبون الزنا. الله أيضًا له طبيعة مختلفة تمامًا عن طبيعتنا ولن يخضع لمعاييرنا البيولوجية. هل يمكن أن يكذب الله؟ إنه يتحدث إلينا بشكل غير مباشر فقط. هل يسرق الله؟ لا. أنه يملك الله كل شيء. فهل يزن؟ طبعا لا لأنه ليس جنسيا. هل يقتل الله؟ نعم، أنه يقتل الجميع في النهاية. لكن هذا مطلوب في عالمنا الحالي لإفساح المجال للجيل القادم[8]

لقد اتبع الله معيارًا يناسب طبيعته بوصفه الموجود الأسمى. فقد صمم العالم ليست ليجعل الحياة سهلة أو ممتعة، ولكن بالأحرى ذات مغزى مكثف. وضعنا الله في رحلة مليئة بالتحديات للحياة الأبدية، حيث نكافح ضد الشر لننمو في الحكمة والمحبة. سيكون مصيرنا النهائي أكثر قيمة وذات مغزى لأنه يأتي بعد صراع طويل.

المعايير العقلانية: إن الله، ككائن عقلاني على دراية بالحقائق والوقائع، ولايصدر عنه الكذب، وثابتًا. إنه بصفته كائنًا مثاليًا يستوفي هذا تمامًا. لكن هل يتسق هذا حقًا مع القاعدة الذهبية؟ هل يعامل الله، في خلقه العالم، البشر المعذبين كما يمكن أن يتعرض هو نفسه (أو أي شخص يحبه بشدة) للكثير من الألم والمعاناة من أجل حياة ذات معنى بطولي.

يعتقد المؤمنون أن الكسب الذي يحصلون عليه يستحق الألم من وجهة نظر الأبدية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1] أنظر:

Carson, Thomas (2007) "Ontology, realism, and the problem of evil," Philosophy and Phenomenological Research 75: 349-68.

[2] جيم لويس وآخرون يدعون أن أي فرضية أخلاقية تتطلب الإيمان بالحقائق الأخلاقية الموضوعية وبالتالي الإيمان بالله. يتجنب ماكي المشكلة من خلال عدم التأكيد على حقيقة الفرضية الأخلاقية ولكن فقط الإشارة إلى التناقض في نظام معتقدات المؤمن.

[3] أنظر:  الربيعي، علي رسول : نظرية الخطا في الأخلاق  وصلتها بنظرية الأوامر الإلهية

 https://www.almothaqaf.com/a/b12-1/944895    

[4] Mackie, J. L. (1955) "Evil and Omnipotence, Mind 64: 20-12.

[5]Plantinga, Alvin (1974) God, Freedom, and Evil. New -York: Harper and Row.

[6] Flew, Antony (1955) "Theology and falsification, New Essays in Philosophical Theology, ed. Flew arts Macintyre, New York: Macmillan,96-99.

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/Irenaean_theodicy

[8] Clancy, Tim (201:2.) "Engineering immortality: Radical life extension and its crit­ics," Proceedings of the Jesuit Philosophical Association (2012): 17-32.

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: سادت بين هيجل وشوبنهاور علاقة عداوة وبغضاء كان الخاسر الاكبر فيها شوبنهاور في عدم إمكانيته مجاراة خصمه اللدود هيجل، وأخذ شوبنهور إستفزاز هيجل في الجامعة في محاولته تأليب الطلبة عليه في جعله توقيتات محاضراته هي في نفس مواقيت محاضرات هيجل، في مسعى تأكيد فرادته العبقرية الفلسفية وفشل بمسعاه، وأصدر كتابه الشهير (العالم إرادة وتمّثل) أراد التفلسف به، فلم يلق الكتاب أدنى إهتمام لا يستحقه أصلا إلا بعد مرور فترة طويلة من رد ألاعتبار له. وفي هذه المقالة أستكمل مناقشة بعض آراء فيلسوف الارادة شوبنهور، بعد أن تناولته بمقالة سابقة نشرت لي بعنوان ( فلسفة شوبنهاور وبؤس الإرادة).

هيجل والمطلق

عندما يقول هيجل الفن والجميل هو الوجود الحسّي في المطلق. نجد كم كان هيجل عميقا في أفكاره الفلسفية الثاقبة رغم نزعته المثالية، فهو يعتبر العقل هو الروح المطلقة أو الفكرة المطلقة في إدراكها المتناهي محاولة الوصول لمرحلة أدراكها المطلق اللامتناهي، إذ يعتبر هيجل المطلق ليس مفهوما ميتافيزيقيا متواريا خلف محدودية إدراك العقل البشري أن يطاله. بل المطلق هو فكرة لا محدودة ولا متناهية في إدراكها موجودات الطبيعة بنفس آلية ممكنات إدراكها ما هو غير مادي ولا متعّين لا يدرك بالحدس الحسّي المباشر.

ولا فرق عند هيجل بين محدودية الإدراك الذاتي عن إدراك فكرة المطلق الذي لا يعتمده هيجل ولا يتعامل معه ميتافيزيقيا. ويبدو من فلسفة هيجل أنه لا يتنكر لوجهة النظر الفلسفية التي ترى الانسان وجودا وجوهرا ميتافيزيقيا لا يمكن نزعها ولا مصادرتها منه.

المطلق المدرك عقليا حسب الفهم الهيجلي هو الإمكانية غير المحدودة في إدراكها اللامتناهي في تفعيل الخيال بدلالة العقل في محاولة الوصول الى مابعد اللغة والتعالي على محدودية الادراك الحسي. وضرب هيجل مثلا على ذلك الفن والجمال بمقولته الفلسفية " أنّه الوجود الحسّي في المطلق" بمعنى الوجود الحسّي هو إدراك ذاتي ليس غايته إثبات وجود الذات الانطولوجي بالمغايرة المادية أو غير المادية الخيالية، بل هو إدراك مطلق الوجود ورغبة وصول إدراك (الانا) تخوم ما يعجز بلوغه العقل في محدوديته الإدراكية خارج بلوغ فكرة المطلق والوصول له بالعقل الخيالي لا بغيره الذي يعبر المتّعينات الكينونية التي تحّد من إنطلاقة الحس الإدراكي المحدود أنطولوجيا. فالمتصّور الخيالي للمطلق هو تحقق وجود العقل في إدراكه ألاشياء بالطبيعة وفي والكوني معا.

من المعلوم جيدا أن الوجود الحسّي لمدركات الوجود هو متناه محدود لا يتجاوز قدرة إستيعاب منظومة العقل الإدراكية للاشياء خارج أبعادها في محدودية الإدراك الحسّي لها. وبهذه المحدودية للعقل حسّيا لا يمكنه بلوغ ما هو مطلق لا متناهي الوجود. من حيث الوجود الحسّي بحكم محدوديته الإدراكية فهو لا يأخذ منتهى مداه في فضاء اللانهائي المطلق. ولا يأخذ الوجود الحسّي منتهى إدراكه في تحققه الوجودي من غير التحليق خارج محدوديته التي تسلبه قدرة الوصول لفضاء إدراكي لامحدود.

أي حين يكون الوجود الحسّي مطلقا وجوديا لا يكون ذلك ولا يتحقق إلا في ممارسة التحليق والانطلاق خارج محدوديته الإدراكية موجودات أنطولوجية محسوسة. وبهذا تكون مقولة إسبينوزا الذي تعامل معها هيجل بمنهج إدراكيّ مفتوح تماما على جعل المطلق ممكنا حدسيا تلك هي مقولة (أن كل تحديد هو سلب)، المقولة التي تؤكد محدودية الشيء تكون سلبا في الإبقاء على بعض الصفات الإدراكية في كينونة حبيسة الإدراك المحدود على حساب تغييب جميع الصفات الايجابية التي يغتالها الوجود المحدود الذي هو سلب لا يتعايش مع الإيجاب من الصفات التي يلغيها التحديد بإعتباره سلبا. ولا يدخلان صفات السلب التي كرّستها المحدودية مع صفات الايجاب التي نزعتها نفس المحدودية من انطولوجيا الشيء المدرك في تضاد جدلي متجانس الخواص الطبيعية ليكون مبعث إستحداث حالة مستجدة..

الذات التي هي التعبير المادي لمعنى الوجود الحسّي لا يمكنها الخلاص من سجن وتقييد محدوية الوجود الإدراكي إلا عبر وسيلة التموضع في كل ماهو جميل وفي مختلف ضروب الفنون. الفنون والجمال هي مطلق وجودي إتخذ صفة الشكل والمحتوى المتعيّن إدراكيا بينما هو في حقيقته تجسيد لبلوغ الذات مراتب من  تحقيق المطلق اللامتناهي غير المحدود الذي يتجاوز الحسّي الجمالي في محاولة الوصول لكل ماهو مطلق لم يدركه المحدود وجودا.

كل جميل وفن هو خلاص ناجز ل (أنا) من محدودية التعيّن الوجودي لها في بلوغها فضاءا مطلقا تحتويه ذات المتلقي التي تلازم كل معطى جمالي في الطبيعة أو مصنوعا في الفن...علما أن هيجل يعتبر الجمال الفني الابداعي المصنوع أرقى وأسمى يتجاوز المعطى الجمالي الإعجازي في نظام الطبيعة وتكويناتها التي غالبا ما تكون عابرة للخيال الفني والجمالي المصنوع.

الجمال بالفهم الهيجلي الإبداعي المصنوع ليس في محاكاة جمال الطبيعة حسب الافلاطونية القديمة، بل في الخروج على جميع تلك المواضعات المستمدة من الطبيعة، وفلسفة هيجل في خروج الجمال الفني على مواضعات جمال الطبيعة أنتجت بمرور الزمان مدارس فن التجريد الحديث. كما في أعمال كاندسكي وبراك وبيكاسو وسلفادور دالي وغيرهم.

ونستطيع القول أن هيجل بإعتباره الفن الابداعي المصنوع متجاوزا في أصالته وليس في جماليته المجردة، روح الطببيعة في إنفتاحها الفضائي غير المحدود.

هيجل إعتبر النظام الجمالي الإعجازي في الطبيعة، هو إعجاز إيماني كما إعتمده سبينوزا في مذهب وحدة الوجود، الذي كان اسبينوزا يعتبر هذا الاعجاز هو الجوهر الذي يقوم عليه صانع أكبر وأكثر إفصاحا شموليا هو وجود الخالق كجوهر تعرف بدلالته الطبيعة والوجود. سبينوزا قلب مفهوم الجوهر الذي يعرف بدلالة الوجود الى أن الوجود يدرك بدلالة الجوهر.

هيجل أراد فهم مذهب وحدة الوجود فلسفيا لا دينيا ليس بدلالة الإعجاز في نظام الطبيعة كجوهر إيماني ديني بل كجوهر (مثالي) لا يكون جوهر الخالق دلالة الإعجاز فيه بل الجوهر الحقيقي في مطلق لا نهائي يدركه العقل.

الشيء الذي نستطيع البناء عليه هنا أن الطبيعة في إدراكها الحسّي هي معطى محدود بإمكانية إدراكه، بمعنى كل جمال الطبيعة في حقيقته هو سلب محدود الصفات يفقد قيمته بالتقادم الزمني خلاف الفن المصنوع الذي هو نزوع نحو بلوغ مطلق يتجدد بالاضافة واستمرار التراكم الكمي والنوعي عليه. جمال الطبيعة هو جمال إعجازي متآكل لعدم قابليته تقبّل الإضافة عليه ولا قابلية الطبيعة تجديد جمالها الإعجازي ذاتيا. جمال الطبيعة مكتف ذاتيا وثباته محكوم في محدودية السلب الادراكية لذا يكون الابداع الفني المصنوع يبقى تراكما فنيا مصنوعا عرضة دائمية في تقبّله الاضافة التجديدية النوعية عليه.. جمال الطبيعة الاعجازي يصبح ثباتا سلبيا في محدوديته الادراكية وفي تقادم الزمن عليه.

مثال ذلك اللوحة الجميلة هي وجود متعيّن وصل مراحل مطلق الوجود بدلالة ذات إدراكية تستوعبه وتتموضع ذاتيا حسّيا ونفسيا فيه خارج محدودية متعيّن اللوحة التي يشاهدها ويتأملها المتلقي بمشاعرإدراكية عابرة لمحدودية وجودها الحسّي بفهم غير متموضع في تشكيل اللوحة أو المنجز الإبداعي الجمالي التقني الفني المصنوع.

كل لوحة فنية أو متعيّن جمالي هي ذات تريد تجاوز محدوديتها الادراكية الفنية لتكون بالنسبة للمتلقي وجودا حسّيا مدركا في فضاء مطلق غير محدود. لذا نجد تأثير شيلنغ بنزعته الرومانسية، وهولدرين الشاعر الالماني الذي تقمّص حالة الجنون في محاولته كسر وجوده المحدود نحو تحقيق مرتبة متقدمة في التعالي الروحي على طريق بلوغ الوجود الحسّي في المطلق شعريا.

كان تأثير تجربة الشاعر هولدرين الفريدة هذه بعد أن تمكن منه الجنون تماما كبيرا على هيجل ومن قبله نيتشة وعلى هيدجر وفوكو فيما بعد. لقد ردد نيتشة عبارات عن الجنون متاثرا بجنون هولدرين وهو طريح الفراش في مرضه من أن حقيقة وجودنا أن نكون في قلب الجنون ، وأن الجنون حقيقة وجودنا المتفق عليه مجتمعيا، وغيرها من عبارات تعتبر واقعنا المعيش وهما زائفا لا معنى له ربما يكون عالم الجنون أكثر معيارية إنسانية مغيّبة من عالمنا الذي نعيشه كوهم زائف إعتدنا عليه رغم حقيقته الاستلابية التي ينتزعها من الفرد والمجموع.

نيتشة في إنبهاره بتجربة هولدرين في تقمّصه حالة الجنون ليكون مجنونا إجتماعيا وعاقلا فيلسوفا في بحثه عن الخلاص شعريا في تجربة واقع يدركه المجنون ولا يستطيع إختباره العاقل...ما دعى نيتشة يؤمن أن عالم الجنون أكثرأصالة واقعية عقلية وصدقية من عالمنا الذي ندّعيه حقيقيا وفيه الزيف ينخره ويحكمه كل سيء وغير انساني ليتقوّض عالمنا الزائف باستمرار ألإنحدار.

شوبنهاور والمادة

حين أراد شوبنهاور قلب النزعة المادية، عمد الى الآلية الكلاسيكية المثالية في تغليب أسبقية الفكر على أسبقية المادة في محاولة توكيد فرضية إدراك الذات تسبق الوجود المادي. وعبّر عن ذلك قوله " الفيلسوف المادي يذهب بعيدا بالخطأ أن هذا العالم الخارجي هو العالم الحقيقي، ويتخيّل بصورة زائفة أن الذات التي تعرف والإرادة هما نتاج المادة، بدلا أن يفهم بصورة صحيحة أن العالم الخارجي ليس سوى تمّثل بالنسبة لذات تدين بأصلها للارادة أيضا"1

تعقيب توضيحي

- الذات في وعيها الوجود إدراكيا لا تخلق المادة ولا تخلق أي موجود مادي بالعالم الخارجي يكون موضوع تحقق وجودها الحسّي، في محدودية ومطلق الإدراك الذي هو تجريد تصوري لغوي أخذ تموضعه في ادراكاته ليس فقط من أجل تحقيق وعي وجود الذات المدركة ، وإنما من أجل معرفة ماهيّة ما تدركه الذات من مواضيع وأشياء.

- الذات خاصّيتها الأساسية أنها تجريد يتموضع في كل الموجودات المدركة وتعي ذاتيتها تماما وتدرك الوجود من حولها ، لكنها تبقى عاجزة أن تخلق وجودا ماديا لشيء إستوفى وجوده الإدراكي تجريديا من وعي الذات.

إدراك شيء موجود باستقلالية في العالم الخارجي لا يكون موجودا في خلق الذات الادراكية المجردة لوجوده، بل الإدراك في مسعى الذات معرفته تكون من خلال علاقة تجريد إدراكي منفصلة عن الشيء المدرك كمادة.

- تموضع اللغة الإدراكية بموضوع إدراكها لا يجعل منها تكوينا ماديا ملحقا بموضوعها، ولا تخلق موضوعا مستقلا آخر نتيجة إدراكها. ماهيّة الفكر الإدراكي التجريدية لا يمكن أن تكون وتتحول في جدلية إدراكها ألمادة أن يتحول الفكر الإدراكي الى تموضع مادي يدخل تكوينه ويغادر خاصّيته التجريدية.

- تموضع الذات في المادة لا يجعل منها مادة مدركة حسّيا من غيرها كما تدرك الذات المادة في وجودها المادي المستقل في العالم الخارجي والطبيعة. الذات تبقى تجريدا إدراكيا في حال تموضعها الإدراكي في الاشياء أو في حال وعيها لذاتها وللعالم الخارجي.

- العالم الخارجي هو مصدر الإدراك ليس بسبب موجوداته المادية المتعينة إدراكيا، فعالم المخّيلة والذاكرة أيضا يكون مصدرا لإدراكات مواضيع لا حصر لها غير مادية ولا واقعية بل خيالية. ورغم تجريديته الخيالية يبقى موضوعا لإدراك يتناوله.

وإدراك الذات للعالم الخارجي لا يعني إمكانية الذات إستيلاد عالما ماديّا آخر إمتدادا له من الناحية المادية بل تبقى ذاتا منفصلة تحمل إستقلالية تامة عن موضوع إدراكها تتوخى معرفته على مستوى تعبير الفكرواللغة عنه فقط. فالإدراك العقلي غير محايد بل هو عامل جدلي لا يتوقف ولا ينتهي لكنه يبقى الإدراك جوهرا تجريديا مصدره المادة ولا ينوب هو عن المادة وجودا. ومثلما لا يحوّل الإدراك المادة الى فكر كذلك يتعذر أن تؤثر المادة بالفكر وتحويله الى مادة. العلاقة الجدلية بين الفكر والمادة هي علاقة تنتج حالة من الوجود الثالث المستحدث جدليا دونما فقدان خصائص كلا من الفكر كتجريد والمادة كوجود مادي مستقل غير عاقل.

- المادة لا تنتج أفكارا تجريدية مباشرة عنها، بل المادة في جميع تشّكلاتها وتنوعاتها وتجليّاتها إنما هي موجودات مستقلة باعثة إلادراك والتفكير بها ، والذات المدركة هي التي تنتج الافكار وليس المادة في وجودها المستقل في العالم الخارجي كما يعبّر شوبنهاور.

- الوجود المادي للاشياء في العالم الخارجي لا يعطي الإدراك أفكاره، بل المادة تكون مصدر أفكار الإدراك عن تلك المادة ويبقى الإدراك هو الإحساسات التصوّرية والتمّثلات التي تجعل من المادة موجودا يستحق الإهتمام. يبقى الإدراك تفكيرا حسّيا وتبقى المادة موجودا غير إدراكي ولا يستطيع التعبير عن نفسه.

- ماينتج عن الذات المدركة للاشياء بمغايرة صفاتية وماهوية ماديّة عنها، ليست تصورات زائفة لعالم غير حقيقي، الذات لا تكون إدراكا حقيقيا كما يرغب شوبنهور في انتاجها لعالم من التمّثلات والتصوّرات التي لا تشاكل عالم الإدراك الخارجي في وعي نعيشه حينما تكون إدراكات ذلك الوعي لا تمّثل العالم الخفي المحتجب خلف الصفات للعالم الخارجي الذي ندركه كما يرى شوبنهاور، عندها نكون بحاجة حفاظا على الإدراك العقلي أن لا يكون إنفصاما مرضيا أن نضع معايير ماهو الواقع الحقيقي الذي يمكننا إعتماده في علاقته بالذات المدركة التي أصلها إرادة كما يصفها شوبنهاور حين يكون إدراكها العالم الذي تعيشه زائفا غير حقيقي.

الفرق بين العالم المادي الحقيقي هو أنه موجودات يدركها العقل ولا تخلق وجودها الارادة، والعالم الذي يكون رديفا محايثا لعالم الواقع هو من صنع إدراك ذاتي لا يكون بالضرورة هو أفضل من عالمنا الذي نعيشه وتحكمه قوانين ثابتة.

شوبنهاور والزمان

يعبّر شوبنهاور عن علاقتنا الوجودية بالزمان على النحو التالي " إذا نحن تفحصّنا بصورة نقدية مكونات العالم الخارجي، أنظر مثلا الى الزمان ستجد كل ما يقع في العالم الخارجي يحدث في الزمان. أما الزمان فهو لا شيء سوى التعاقب، أنظر الى المكان ستجد لا شيء سوى أنه إمكانية التحديد المتبادل لأجزاء بعضها ببعض في مواضعها الخاصة، ويمكن تصور الزمان والمكان بغض النظر عن المادة، بينما لا يمكن تصور المادة بغض النظر عن الزمان والمكان " 2

تعقيب توضيحي

-  ما هو الجديد المترتب على تعبير شوبنهاور "ستجد كل ما يحدث بالعالم يحدث بالزمان"؟ الزمان إدراك مادي للعالم الخارجي، وليس الزمان وعاءا يحتوي موجودات العالم الخارجي كما تحتوي القربة الماء بل يلازمها بالمزامنة معها. الزمان ليس فراغا يحتوي الطبيعة وموجودات العالم، بل الزمان هو إدراك بدلالة غيره ومن غيره لا قيمة ولا فاعلية لقالبي الادراك الزمان والمكان اللذين قال بهما كانط.

- هذا العالم ندركه ماديا بدلالة الزمان - المكان ولا ندرك الزمان تجريدا منفردا إلا بدلالة مقدار حركة الموجودات مكانيا فقط. المكان ليس مدركا ماديا لا يداخله الزمان وجودا. فالمكان في كل تحولاته وإنتقالاته الحركية هو إدراك زماني. وحين أضاف انشتاين الزمن بعدا رابعا للمادة، إنما يكون تعليل ذلك المهم من الناحية الفيزيائية العلمية إثبات حقيقة أنه لا يمكن إدراكنا المادة مكانيا مجرّدة عن زمانيتها.

كل مادة أبعادها الانطولوجية ثلاث هي الطول والعرض والارتفاع. لكنما بعد إضافة أنشتاين الزمن كبعد رابع للمادة فهو بذلك يؤكد إستحالة إدراك المادة بأبعادها الثلاث الطول والعرض والارتفاع مجردة من بعدها الرابع الزمن الذي هو غير مادي ولا يدخل في تكوين المادة بل هو (إدراك) تجريدي للعقل لا يقوم إلا في تزامن زماني للمكان.

- الزمان هو حركة قياس مقدار حركة جسم وليس تعاقبات متتالية في رصدها الوجود المكاني كما عبّر عنه شوبنهاور. عندما نقول مكان يعني أننا ندرك موجودا (زمكانيا) لا يمكن الفصل بينهما. الزمان وحدة كلية تداخل كل شيء مكانيا حين نقول شجرة ، منضدة فنحن نقصد إدركنا شيئا معيّنا يداخله المكان والزمان معا. الزمان لا يدرك من غير دلالة وجود أو حركة مكانية. والمكان يدرك ماديّا بدلالة زمان غير مادي يداخل وجوده المكاني بالحركة.

بالعودة الى تعبير شوبنهاور بدلالة ماذا يتاح لنا إدراك الزمكان لوجود الشيء؟ حسب تعبير شوبنهاور " يمكننا إدراك الزمان والمكان بغض النظر عن المادة ، بينما لا يمكن تصور المادة من دونهما " الشطر الثاني من العبارة لا يمكننا إدراك الزمان والمكان من دون المادة صحيحا.

ويبقى التساؤل (الساذج) المشروع بدلالة ماذا ندرك الزمان والمكان بغياب الإدراك المادي الحركي للاشياء،؟ حين يقول شوبنهاور" يمكننا إدراك الزمان والمكان بغض النظر عن المادة" كيف نفهم الزمكان تجريدان ندركهما بدلالة لا شيء مادي؟ الزمان والمكان إدراك مادي وليسا تجريدين لامعنى لهما ولا نستطيع إدراكهما لا منفصلين ولا متحّدين بغير دلالة تلازم وجود حركة جسم فيهما.

- لا يمكننا حدس ما هو مجرد غير مادي بإدراك لا مادي، بمعنى الإدراك لا يدرك نفسه. بل هو جدل فاعل بين مادة وفكر. الزمان والمكان قالبا إدراك مركوزان بالعقل فطريا بالولادة حسب تعبير كانط، ومن دون قالبي الزمان والمكان يتعّطل إدراك العقل نهائيا. قالبا الزمان والمكان بضوء فلسفة كانط هما قالبان تجريديان محفوظان بالعقل، ومن غير وجود موضوع مادي يدركانه لا قيمة معرفية لهما، ولا قدرة إفصاحية لهما ندركهما بها غير ملازمة وجود المادة لهما كموضوع يدركانه. فقط إرادة شوبنهاور تدرك الزمكان من غيرمقدار حركة مادة.

الادراك والارادة

فلسفة شوبنهاور في مجملها تقوم على فرضيته الانسان كينونة وجودية عاقلة تحكمها الإرادة. وليس خاصّية الانسان الفطرية النوعية أنه عقل يدرك يتساءل يفّكر. هذه الخاصّية تحكم الانسان أنه موجود يعايش الطبيعة ويتمايز عنها بخصائص عديدة لعل في مقدمتها ضرورة أن يعي وأن يعرف وأن يكون.

يعبّر شوبنهاور في دوران وجود الانسان المحكوم بالدوران المركزي حول تفعيل دور الإرادة قوله " إذا لم تكن لديك رغبات – مبعثها الارادة – فانك لا تكلف نفسك عناء إدراك أي شيء على الإطلاق ". 3

ثمة العديد من مفردات فلسفية متداخلة يمكننا إشراكها برابط واحد تشكّل منظومة العقل الإدراكية، وهي حلقات تجريدية لا نفهمها منفصلة بإستقلالية، هي ألادراك ، الوعي، الفكر، اللغة ، الذاكرة ، المخيّلة، الدماغ، وأخيرا الارادة، التي هي المفردة التجريدية الوحيدة التي تكون ترجمتها التجريدية هي سلوك نفسي مهمته تنفيذ إشباع رغبات وحاجات بيولوجية نفسية. ألمهم يبقى السؤال هل الإدراك مبعثه الإرادة، أم مبعثه الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي التي هي مادية؟ كل تجريد إدراكي يكون مبعثه المادة في وجودها المستقل وليس رغبات الانسان النفسية التي تحركها الإرادة، وفي إنعدام أو غياب المادة كموجود مدرك لا تكون هناك عملية إدراك عقلية. وحين يعتبر شوبنهاور أسبقية الإرادة في تحقق ردود الأفعال الإدراكية، وأنه من دون الإرادة تكون هذه الحلقات الإدراكية لا معنى لها ولا تعّبر عن شيء إنما هو عين الخطأ.

الادراك الحسّي أولى خطوات المعرفة لشيء في نقله الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي، كتداعيات تنطبع بالذهن في طريق عبورها عبر الجملة العصبية الواصلة الى الدماغ وتحديدا المخ، الذي يتم فيه تحويل إنطباعات الذهن العشوائية الواردة الى أفكار عقلية إنعكاسية إسترجاعية تمّثل ردود أفعال الإيعازات الصادرة عن الدماغ المنقولة للذهن الذي يتوزّعه الوعي وتعبير الفكر واللغة ومخزون الذاكرة والمخّيلة. الإرادة ليست حسما عقليا في مصادرة أن تكون هي الباعث التحفيزي الاولي الأسبق لهذه الحلقات الادراكية التجريدية المرتبطة بمنظومة تفكير العقل. وبخلاف شوبنهاور نقول الإرادة ليست مصدر تحفيز حلقات الإدراك للعمل وفي غياب الإرادة تنعدم رغبة الادراك. إدراك العالم الخارجي ليست رغبة تبتدعها الإرادة، بل هي فطرة انسانية، والوجود والطبيعة وما وراءهما هي حوافز لتفعيل الإدراك وليست الإرادة بإعتبارها شعورا نفسّيا لا يحكم العقل بألإدراك..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش:

1- وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة /ت :محمود سيد احمد / مارجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام ص 356

2- نفسه ص 357 /3. ص 351

 

محمد لمعمر"إن طاحونة اليد تعطيك مجتمعا ومعه اللورد الاقطاعي، بينما تعطيك طاحونة البخار مجتمعا ومعه الرأسمالي الصناعي". كارل ماركس

حاجتنا إلى فلسفة كارل ماركس

يجب الاعتراف بأن الحداثة السياسية والحقوقية، جلبت للإنسان المعاصر حقوقه السياسية والمدنية، ورسخت بالقوة والفعل، لوائح الدفاع عن حق الانسان في الوجود والحرية والامتلاك، لكن، منطق الرأسمالية الجشع عوض أن يساير هذا المكتسب الإنساني، أساء إلى تلك الحقوق، حيث تم اغتيال كرامة الانسان العامل، وصار أداة مسخرة لتحقيق الربح السريع وجني الثروة لصالح فئة معينة، خاصة في دول العالم المتخلف، حيث لا زالت العبودية السياسية والاقتصادية والاجتماعية حاضرة بقوة، وعلى حساب الكرامة الإنسانية، والعيش الكريم. هنا تظهر الحاجة إلى فكر ماركس السياسي والاقتصادي، حيث الارتباط بالواقع، والتطلع إلى تحقيق غايات الأفراد والمجتمعات عبر النضال المستميت، فالماركسية أمدت الانسان بأدوات التحليل المادي، لفهم براديغم الممارسة السياسية، وتفكيك منطق السلطة، والوقائع السياسية والاجتماعية.

بعض التحليلات الأيديولوجية المتسرعة، ترى أن ماركس بنقده للدولة الرأسمالية قد بث الروح في الإنسانية الحالمة والمتطلعة إلى السعادة، وذلك بجعلها تعيش الأحلام فقط، تلك قراءة تجزيئية تبسيطية واختزالية لفلسفة ماركس السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأن الرؤية العميقة لمنتوج ماركس، تكشف عن عمق التفسير العلمي الرصين، حيث فهم حركة التاريخ وتطور الأنظمة وتقدم المجتمعات، وإعادة الاعتبار للنضال ومقاومة ظلم الرأسمالية المتوحشة.

روح ماركس، تجلت في نداءات التحرر التي اجتاحت قارات الأرض، حيث رفعت المجتمعات الانسانية شعارات كثيرة، كالحرية والتحرر، والعدالة الاجتماعية والخبز واللقاح ضد كورونا للجميع، داعية لهدم وتقويض أسس الاستلاب، وتحقيق الحق الإنساني في العيش الكريم العادل، ومقاومة الأصنام الرأسمالية الجديدة، انطلاقا من الانسان ذاته، وليس التوسل بنبوءات لاهوتية. النضال والثورة الفكرية والتنوير العقلي والصراع ضد الديكتاتوريات لتغيير العالم المعيش، قد تبدوا هذه العناصر ميتافيزيقية وخيالية، ولكنها لا زالت حاضرة في وقتنا الراهن، وثورات الربيع العربي خير مثال على ذلك، حيث خرجت شعوب إلى الشارع مطالبة بالتغيير، فسقطت أنظمة، وماتت اصنام، وتشكلت دساتير جديدة جعلت للشعوب مكانة معتبرة رمزيا، وأن صمت الشعوب لا يعني الانقطاع عن الكلام، ولكنه تجميع لعناصر القوة. من أجل إنطلاقة جديدة.

فالثورات التي حدثت في العالم المعاصر، موشومة بأطياف ماركس، وروحه الفكرية التي لا زالت محلقة فوق المعامل والمصانع والشركات المتحكمة في رأس المال، والمستغلة للطبقة العاملة، النضال الأممي المفعم بالأمل الإنساني، والمجسد لرغبة الشعوب في الانعتاق من الظلم، إنه نموذج مميز للحداثة الماركسية في ثوبها الإنساني، حيث خلخلة الواقع المادي، وفضح المؤسسات الدينية، وهزها من جذورها، في أفق فهمها وإدراك أوهامها. عبر عملية الوعي بالجدلية المادية، بحيث يصبح العمل الفلسفي ممكنا، عبر أليتي الفهم والتغيير، إنها الهزة السياسية التي أحدثها ماركس داخل الوعي النضالي.

استهلال واستشكالات:

الماركسية بشكل عام تسعى إلى فهم العالم في أفق تغييره، تبعا لمنطق المادية الجدلية، وفي ذلك خدمة للإنسانية، وتغيير للحياة السياسية والاجتماعية، رؤية ماركسية موشومة بالتقدم والتغيير وفق صيرورة جدلية وسيرورة تفاعلية، وتفسير كلي للأحداث بمختلف تجلياتها، الماضية والحاضرة والتطلع للمستقبل. تفسير ينصب على دراسة الأشياء، وكيفية انتقالها، ونشوئها، بما في ذلك البحث في مسالة نشأة الدولة وأفول نظامها، ليبزغ فجر نظام جديد من رحم النظام السابق. فنقد ماركس للدولة الرأسمالية، نقد جذري لجميع أنماط الحكم، بإبراز عيوبها ومساوئها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. يتجلى ذلك في رؤية ماركس لمسألة الاقتصاد والتحليل النقدي للمسار السياسي للتاريخ، لذا، فتعاليم ماركس السياسية، مرتبطة برؤيته للشأن السياسي، وفهم التاريخ والقانون، بمعنى فهم المجتمع في وضعيته الراهنة. وهو ما يفسر اهتمام الفلاسفة بفكره، كألتوسير، ومشيل فوكو، ويورغن هابرماس، وجاك ديريدا...

فكر ماركس السياسي والاقتصادي، غني بتصورات نقدية حول التحولات العالمية الكبرى، المميزة لمنطق العولمة، حيث الصراع على الثروات، والصدام بين الدولة والشعوب، فلا أحد بمكنته اليوم إخفاء الدور الكبير الذي تلعبه نظريات ماركس والماركسية، في فهم أساليب الاستغلال والاضطهاد والاستحواذ الناتج عن جشع النظام الرأسمالي، فالعولمة حالة مفهومية، معبرة عن تاريخ ليبرالي تهيمن عليه النزعة الفردانية والطبقية، حيث ولادة أصنام جديدة من الاستعباد والاستلاب والتشييء.

إن فهم الفكر الماركسي المتعلق بمسألة السياسية/ الدولة، يتطلب الحضور المكثف لمجموعة من المفاهيم، كالمادية التاريخية، والظروف الاقتصادية، وقيمة العمل، والصراع الطبقي، والبنيتين التحتية والفوقية، وتفكيك طبيعة الرابطة بين المادية التاريخية ونظريته حول قيمة العمل [1]. حيث الارتباط بالواقع المادي، والنظر لكيفية تطور حركة المادة، عبر النفي، والصراع بين الأضداد/ الأنظمة، الذي يجعل العقل، وكأنه مجرد تمظهر عضوي لحركة المادة [2]. وفي ذلك، مخالفة للتصورات المثالية التي ربطت الدولة بالعقل المطلق على طريقة هيغل، أو نظرية العقد الاجتماعي مع فلاسفة الأنوار. فالرؤية المادية الواقعية لماركس تتجلي في نقده لهيغل، منهجا وتصورات، معتبرا أن الجدل الهيغلي يمشي على رأسه وقد وجب قلبه ليمشي على رجليه. (علما أن المادية الجدلية علم متطور، وكل اكتشاف رئيسي في العلم الطبيعي، والتغيرات التي تحدث في الحياة الاجتماعية تفيد في دعم وتطور مبادئ وقضايا المادية الجدلية، التي تستوعب الدليل العملي الجديد والخبرة التاريخية للإنسانية) [3]. فما هي نظرية ماركس للدولة؟ وما أصل الدولة بالنسبة له؟ وأين تتجلى أهميتها، خاصة في تاريخنا المعاصر، المشوب بشوائب الاستغلال والاضطهاد؟ ولماذا انتقد ماركس الدولة الرأسمالية؟ وما مآل النظام الرأسمالي في فكر ماركس السياسي والاقتصادي؟

المحور الأول: الماركسية وأصل الدولة

1- الانسان بين العقلانية والانتاجية

ينطلق ماركس في حديثه عن الدولة، من مبدأ يتعلق بكون الاقتصاد هو عصب الدولة الحديثة وقطب الرحى فيها، فهو لب المجتمع بحيث يصعب، بل، يستحيل النظر إلى المجتمع والدولة دون الحديث عن الجوانب الإنتاجية والاقتصادية، لذا، ففهم الاقتصاد يستدعي من الناحية النظرية والمبدئية، فهم العناصر المتحكمة في المجتمع والمساعدة على تطوره الكمي والكيفي، بما في ذلك فهم العلاقات الرابطة بين الطبقات الاجتماعية المحكومة بنمط إنتاج معين، فالاقتصاد هو قوة محركة للمجتمع والدولة والتاريخ. إلى درجة أن هناك علاقة جوهرية بين الدولة والاقتصاد، وبين الاقتصاد والمجتمع، فاكتشاف الاقتصاد هو الأساس الحقيقي للمجتمع، والحياة الإنسانية بصفة عامة [4].

يرى ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، أن ماركس في معرض حديثة عن تحليل الاقتصاد الرأسمالي مثلا، وما يطرحه من تفاوتات واستغلال بشع لقوى الإنتاج، يفكك مفهوم العمل، محددا قيمته، وأثره على ذاتية العامل، فالعمل وسيلة لفهم كيفية حصول الإنتاج، من الإنتاج البدائي إلى الرأسمالي، والانتقال من الماضي إلى الحاضر، ومن نظام الى أخر، وتلك هي المادية التاريخية، حيث النظر في كيفية انتقال الأشياء من طور إلى أخر. والحديث عن المجتمع والدولة في الفكر الماركسي السياسي، هو حديث ودراسة حول الانسان، بطريقة مادية واقعية، دراسة الانسان الحقيقي/ الواقعي، وليس الانسان ككائن مجرد ومتخيل، يعني، أن ماركس يهتم بدراسة الكائن الواقعي، وليس الممكن المثالي، ونفس الشيء بالنسبة لثنائية الدولة والمجتمع، فقد حرص ماركس على تحليل الظروف المادية المشكلة للدولة، وليس فهم خير نتمناه، ونرجو حصوله، ونسعى لحضوره، أو إعادة بناء رؤية جديدة حول إنسان طبيعي عاش في  حالة أصلية اصطلح عليها بالحالة الطبيعية مع فلاسفة الأنوار، وإنما هو حديث سياسي واقعي ومادي عن إنسان منوجد في مملكة الواقع، إنسان تجريبي متفاعل مع حركية الواقع والتاريخ عبر البراكسيس[5].

يخالف ماركس، هيغل الذي يعتبر أن الدولة غاية في ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق غايات خارجية عنها، فالدولة حسب هيغل، تمثل روح وإرادة ووعي أمة من الأمم، وتجسيدا للعقل المطلق في التاريخ [6]. منتقدا أيضا فلاسفة العقد الاجتماعي، الذين تخيلوا حالة افتراضية اصطلح عليها بالحالة الطبيعية، رغم اختلافهم في توصيفها وإبراز خصائصها، وهل هي موصوفة بالخير أم الشر؟ سواء أكانت الحالة الطبيعية، حالة هدوء وسعادة أم حرب الكل ضد الكل، فإن ماركس ذهب عكس ذلك، في فهمه لأصل الدولة عامة، والرأسمالية خاصة، بحيث ينطلق من الواقع، للحديث عن ظروف مادية، تجعل الانسان منتج للأشياء رغم بساطتها، ومستخدم لأدوات، لكن، بازدياد الكثافة السكانية اضطر إلى تحقيق الضروريات للبقاء في الوجود والمحافظة على الذات، فعن طريق الإنتاج، صار الناس مميزين ومختلفين عن بقية الكائنات، وهنا نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن الحياة وفق رؤية ماركس مطبوعة بالعمل والإنتاج، اللذان يعتبران المحددان الأساسيان لنشأة الدولة في التاريخ ومن داخل المجتمع كما سنرى، فالوعي والعقلانية ثانويان [7].

وبناء عليه، يمكن القول، بخصوص الجزئية السابقة، أن الانسان حيوان منتج، إنتاجه، يختلف عن الإنتاج الحيواني، فالإنتاج الإنساني، قصدي وواع، لكن، وفق ضرورات وظروف مادية، إنتاج يجعل الانسان متميز، وفريد من نوعه، وكان على ماركس أن يتحدث عن صفة العقلانية أولا ثم الإنتاجية ثانيا، بمعنى النظر إلى الانسان من زاوية ألة الإنتاج التي هي العقل، ثم النظر بعد ذلك في المنتوج كنتيجة، امتنع ماركس عن قول ذلك، ربما لكي لا يناقض منهجه الجدلي المتمثل في أن أساس الحياة الإنسانية يتمظهر عبر عملية الإنتاج، بينما الجوانب العقلية ثانوية، يعني أن الحاجة إلى تحقيق الضروريات عبر الإنتاج أو الممارسة هي التي دفعت الانسان إلى العمل والانتاج. وبالتالي، (لما كانت الدولة هي الشكل الذي يتمكن عن طريقه أفراد طبقة مسيطرة من ترجيح كفة مصالحهم المشتركة والذي يتلخص فيه كل المجتمع البرجوازي لعصر من العصور، فإن كل المؤسسات المشتركة تمر من خلال وساطة الدولة وتتلقى شكلا سياسيا، ومن هنا كان الوهم القائل، أن القانون يقوم على إرادة، والأنكى من ذلك على إرادة حرة منفصلة عن أساسها العيني) [8].

فضغط الحاجات، اجبر الانسان على أن يسموا بإنسانيته، بحيث سيتحدد مضمون عقله تبعا لظروف مادية واقعية بعيدة عن عقله، هذه الظروف المادية المتمثلة أساسا في الاقتصاد، هي التي ستكون سببا في نشوء السياسي، واختفاء نظام وظهور أخر، موجب لتأسيس دولة.

2- الظروف المادية ونشأة الدولة

لا يمكن تفسير نشأة الدولة في الماركسية، عن طريق نظرية الحق الإلهي، أو التفويض، ولا عن طريق العقد الاجتماعي، لأنهما يرتبطان بالتفسير المثالي المجرد والبعيد عن الواقع، عكس ماركس والماركسية حيث الانطلاق من الظروف المادية الواقعية للحديث عن نشأة الدولة. فأنماط الإنتاج (من البدائي، والاقطاعي، والرأسمالي) أحدثت انشطارات وصراعات داخل المجتمع، وحفاظا على وحدة المجتمع، كي لا تتطاير جميع أجزائه، فإن الحاجة المادية، فرضت ظهور سلطة إكراهية من داخل المجتمع. ويؤكد ماركس استنادا إلى ليو شتراوس وجوزيف كروبسي: (أن سلطة الدولة هي بصورة دقيقة الفاعلية التي اخترعتها القلة الظالمة لكي تتحكم في سلوك الكثرة. إن الدولة هي أداة القهر الطبقي، جعلها تقسيم المجتمع أمرا ضروريا، يوجدها بدورها، التحكم الخاص في وسائل الإنتاج، وغني عن البيان، أن الحكومة لا تظهر بهذه الصورة لجمهور الناس، ويقر ماركس أن الطبقات تشترك في تدعيم الحكومة باحترامها، واحترام سلطة قهرها، بيد أن ذلك يعني سوى أن الناس بسبب قصور ظروفهم المادية مستعدون ومجبرون على أن ينصبوا على أنفسهم طاغيتهم الخاص، مخلوقهم الخاص الذي لا بد، كما يفعل، أن يؤكد نفسه ضدهم) [9].

وعليه، فظهور الدولة جاء نتيجة لتطور المجتمع في سياق تاريخي، إنها تعبير عن طبيعة نمط الإنتاج الاقتصادي السائد في مجتمع ما، والعامل الأساسي والحاسم في نشأة الدولة، يتمثل في الإنتاج الاقتصادي، وما يرتبط به من مفاهيم، كنشأة الملكية الخاصة في التاريخ، التي أدت إلى انقسام المجتمع إلى نوعين من الطبقات: طبقة المالكين لوسائل الإنتاج، وطبقة المحرومين من الإنتاج. بمعنى أن الدولة لم تكن موجودة في التاريخ، وليست شيئا طبيعيا، ولكنها ناشئة وفق ظروف معينة، (لم تكن الدولة موجودة دائما. فلم يكن هناك في المجتمع البدائي شيء إسمه الدولة، بالطبع، كانت هناك وظائف اجتماعية محددة، لكن، هذه الوظائف كان يقوم بها أناس اختارهم جميع أفراد المجتمع، وكان يحق للمجتمع الاستغناء عنهم في أية لحظة، وتعيين أخرين محلهم، وكانت العلاقات بين الناس تضبط في تلك الزمان السحيقة بقوة الرأي العام) [10].

فحوى ذلك، أن من سمات  المجتمع البدائي اعتماد الناس على  وسائل بسيطة للإنتاج بغية تحقيق الحاجات الضرورية، بحيث كان الإنتاج منخفضا، ينتجون فيستهلكون جماعيا، فلم يعرفوا مفهوم الملكية والاستغلال والتخزين، وتسخير فئة لخدمة أخرى بالقهر والاستعباد، لأن الملكية كانت جماعية، مشاعة بين جميع الأفراد، ومن هنا جاءت تسمية الشيوعية، وفي هذه الحالة لم تكن هناك حاجة لوجود دولة، لأن الناس متساوون في النظام المشاعي البدائي، نظرا لانعدام الامتيازات، وغياب الطبقات، فالناس ليسوا بحاجة إلى جهاز إكراه، لكن، ( استمرار تطور القوى المنتجة، أدى إلى تحلل المجتمع البدائي، ظهرت الملكية الخاصة مصحوبة بالطبقتين- العبيد وملاك العبيد- واصبحت هناك ضرورة لحماية الملكية الخاصة، وحماية حكم وأمن ملاكها، وهذا، أدى إلى ظهور الدولة، وصاحب نشوئها  وعملية تطويرها صراع طبقي عنيف، فالدولة هي نتاج المجتمع الطبقي) [11].

إن التطور التاريخي للمجتمع البدائي، أدى إلى ظهور فائض الإنتاج، الذي ظهرت معه جماعات أو طبقات، تستأثر بالمنتوج لصالحها على حساب الأخرين/ قوى الإنتاج، بحيث ظهر الاستغلال في أبشع صوره، والاحتكار بمفهومه الاقتصادي والتجاري، وبزوغ فجر الملكية الفردية الخاصة، لتحل محل الملكية المشاعة. هنا، أصبح المجتمع منقسما إلى جماعات أو طبقات، رافقها ظهور أنماط متعددة من الحكم التي تعاقبت عبر العصور التاريخية. تشترك في الاستغلال والاحتكار والقهر وتكديس الثروة واستعباد الضعفاء بجعلهم أدوات وآلات طيعة ومسخرة لخدمة مصالحا وامتيازاتها. (كل أساليب الإنتاج التاريخية لها خاصية واحدة بوجه عام، وتؤثر هذه الخاصية بدورها في كل المجتمعات المناظرة، لأن كل الناس يشتركون في التحكم في وسائل الإنتاج، ولكن، في كل عصر يكون البعض ملاكا، بينما الكثرة تعطي نفسها، أعني تعطي قدرتها للعمل،(...) لقد حرمت الجماهير من الفرصة لكي يصبحوا أحرارا، وأناسا محترمي الذات، لأنها أجبرت باستمرار على أن تكون في وضع التابعين الأذلاء – أعني العبيد، الأرقاء، البروليتارية- الذين يخضعون على الرغم من أنهم مواطنون عاديون، أو رعايا مثلهم، أو يحرموهم بصورة تعسفية من العيش عن طريق قطع ارتباطهم بوسائل الإنتاج) [12]. يعني، أن الدولة في المجتمع الاستغلالي (العبودي، الاقطاعي، الرأسمالي) تعمل على حماية مصالحها وامتيازاتها الطبقية، سواء تعلق الأمر بعلاقتها بباقي طبقات المجتمع داخليا، وذلك بالسيطرة على الجماهير وإخضاعها بالقهر والاحتكار، أو في علاقاتها مع دول أخرى، حيث السعي للهيمنة والاستنزاف.

تحصل لدينا شيء مهم، أن الدولة في الرؤية الماركسية، خاصة تصور فريديريك انجلز، ليست نظاما طبيعيا، فهي نتاج المجتمع في مرحلة معينة من تطوره، وليدة تناقضاته وصراعاته الطبقية التي لا يمكن التوفيق بينها، فانقسام المجتمع إلى طبقات تتوسل المنفعة، وخوفا من ضياع الكل، فإن الضرورة فرضت وجود سلطة عليا من داخل المجتمع، سلطة تضع نفسها فوق الجميع، لكن، المشكل، أن الدولة التي من المفروض أن تفرض النظام والعدالة الاجتماعية، ستصبح شيئا غريبا متناقضا، لأنها لا تحقق الحياد الاقتصادي والسياسي، إنها وإن كانت في الظاهر تضع نفسها فوق الجميع، فإنها في الحقيقة تكرس دولة الطبقة الأقوى، الطبقة المسيطرة اقتصاديا والمتحكمة سياسيا، بحيث تبتكر وسائل لاستغلال واضطهاد الطبقة الضعيفة. لذلك، فالدولة، بشكل عام، والرأسمالية التي سنتحدث عنها بشكل خاص، ليست نقطة توازن بين مصالح ومنافع مختلفة، وإنما هي الأداة التي تستخدمها الطبقة المستغلة لحماية مصالحها وامتيازاتها، فالدولة بهذا المعنى هي اللجنة التنفيذية للطبقة الأقوى يعبر عن ذلك انجلز بقوله: (ليست الدولة إذن سلطة مفروضة من الخارج على المجتمع، وليست كذلك هي واقع الفكرة الأخلاقية أو صورة وواقع العقل كما يدعي هيغل*. إنها بالأحرى نتاج المجتمع في مرحلة معينة من تطوره، إنها شاهدة على أن هذا المجتمع يتخبط في تناقض مع ذاته(...) لأنه منقسم إلى تعارضات لا يمكن المصالحة والتوفيق بينها(...) بما أن الدولة تولدت عن الحاجة إلى فرملة التعارضات القائمة بين الطبقات، وبما أنها تولدت في قلب هذا الصراع، فإنها في الأغلب الأعم، دولة الطبقة الأقوى أي التي تسود وتسيطر اقتصاديا) [13].

بناء على كلام انجلز، يتضح أن الدولة، نشأت عن طريق انقسام المجتمع إلى طبقات، وأنها دولة الطبقة الأقوى المتحكمة في الاقتصاد والسياسة، وأنها أيضا ليست ضرورية بشكل مطلق، إنها مظهر معبر عن تحول المجتمع إلى مجتمع طبقي، وعندما يحقق هذا المجتمع تنظيم إنتاجه الاقتصادي على أسس شيوعية، فإنها لا بد وأن تزول. (فعندما يعيد المجتمع تنظيم إنتاجه الاقتصادي على أساس التشارك الحر والمتساوي بين المنتجين، فإن ماكينة الدولة ستؤول إلى الموقع الذي سيصبح منذ الآن هو موضعها أي متحف الأثريات بجانب العجلة والفأس البرونزي) [14].

والملاحظ أيضا أن الظروف المادية/ الإنتاج، هي أساس الحياة والتقدم وتحريك عجلة التاريخ، لأن الناس كانوا يفكرون في الإنتاج عن طريق التوفر على قوى تنظيمية تنظم العلاقات فيما بينهم، وذلك بابتكار وسائل كانت في البداية بسيطة، بغية تقسيم العمل، وممارسة التجارة وتنظيم الملكية [15]. هنا، احتاج الناس لشيء من داخل المجتمع ينظم وجودهم الاقتصادي والاجتماعي، فكانت الدولة وسيلة وأداة لتحقيق ذلك، بمعنى أن الدولة ليست شيئا طبيعيا كما ادعى حكماء اليونان خاصة أفلاطون وأرسطو، وليست ناشئة عن عقد اجتماعي أساسه العقل الذي طور وعدل وصوب القانون الطبيعي ليكون وضعيا، وإنما هي ناتجة عن ضرورات متمثلة في الظروف المادية، وانقسام المجتمع إلى طبقات.

إن ظهور الدولة، ارتبط بعملية الإنتاج الناتجة عن الظروف المادية، واضطراب العلاقة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ونمط الانتاج، هذا الاضطراب المفضي للصراع هو الذي ساهم في حركة وتقدم التاريخ والخروج من نمط إنتاج معين إلى أخر، فالنمط السائد في مجتمع، معبر عن طبيعة الدولة، كنمط الإنتاج البدائي، والأسيوي والاقطاعي والرأسمالي، والظروف المادية الواقعية هي التي تفرض نوع المجتمع والنظام، وشكل الدولة، وليس الأفراد هم الذين يحددون بمحض إرادتهم شكل النظام. افرض حالة معينة من التطور في قوى الانسان الإنتاجية، فإنك ستحصل على شكل معين من التجارة والاستهلاك، فإنه سيكون لديك بناء اجتماعي مناظر، أعني سيكون لديك تنظيم للأسرة، للرتب، للطبقات، وباختصار سيكون لديك مجتمع مدني مناظر. افرض مجتمعا مدنيا معينا، فإنك ستحصل على ظروف اجتماعية معينة لا تكون سوى التعبير الرسمي عن المجتمع المدني [16]. ويقول ماركس استنادا إلى ليو شتراوس (إن طاحونة اليد تعطيك مجتمعا ومعه اللورد الاقطاعي، بينما تعطيك طاحونة البخار مجتمعا ومعه الرأسمالي الصناعي) [17].

ظروف الإنتاج المادي هي التي تحدد طبيعة علاقات الإنتاج ونمط الإنتاج، وشكل الدولة، التي إما أن ترسخ عدالة الملكية بمعنى أن من يعمل ويكسب يربح، أو عكس ذلك، ترسخ الاستغلال والظلم والاضطهاد واستلاب العامل عن عمله، خصوصا في ظل نظام الاقطاع، حيث النبلاء يكدسون الثروات ويستحوذون على الملكيات الخاصة، على حساب الأرقاء، ونفس الشيء بالنسبة للنظام الرأسمالي. فخذ بنا للحديث عن نقد ماركس للدولة الرأسمالية.

المحور الثاني: نقد ماركس للدولة الرأسمالية

1- الدولة الرأسمالية، نفي واغتراب وضياع الإنسان

إن التطور الصناعي في حلته الرأسمالية، أفضى إلى بروز نظام رأسمالي مميز للدولة الرأسمالية المطبوعة بالقهر والاستغلال والاستعباد واغتراب العامل عن عمله، لأن النظام الرأسمالي أفرز نوعا معينا من العمال وحدد وظيفتهم، التي تتجلى في كونهم مجرد آلات وقوة للإنتاج الرأسمالي لصالح طبقة مهيمنة ومحتكرة، إلى درجة أن العمال صاروا عبارة عن قوى وأدوات وآلات للإنتاج الرأسمالي. فالعامل لا يملك أي شيء إلا قوته التي يسخرها بالقوة والفعل لصالح الطبقة البرجوازية/ الرأسمالية المتحكمة في الإنتاج ونمط الإنتاج، والآنكى من ذلك، أن النظام الرأسمالي جرد الأفراد/ العمال من صفتهم الإنسانية النوعية، فلا رأي لهم، ولا خطوات يتخذونها من تلقاء أنفسهم، لأنهم مجرد أدوات صنمية تنفذ الأوامر فقط، ولا تعترض، إنهم آلات نمطية ومنتظمة وفق برنامج رأسمالي [18].

لقد ترتب على تلك الوضعية السابقة، أن جرد العامل من عاطفته وصفاته الإنسانية، أصبح ينظر إليه كألة للإنتاج فقط، إنه السقوط في نزعة تغريب العامل عن ذاته، وذلك بعدم إدراكه لقيمته الإنتاجية وصفاته الإنسانية والآدمية، التي تميزه عن باقي الموجودات، واغترابه عن منتوج قوته الذي سلب قهرا وبتخطيط محكم من طرف الألهة الرأسمالية الجديدة، واغترب أيضا عن الأخرين، فما عاد يدرك أنه ذات يجب أن تتفاعل مع ذاتها والغير، لحصول الإنتاج، إنه في وضعية الألة التي وجدت داخل المصنع للإنتاج فقط. دون إخفاء أن النظام الرأسمالي يعيش أزمات خطيرة ومتوالية، بحيث يعمد إلى ابتكار الحلول المناسبة، لكن، على حساب الإنسانية المعذبة، واليد العاملة المقهورة والمغلوبة على أمرها، إلى درجة أن النكوص الاقتصادي والسياسي والاجتماعي صار هو سيد الموقف، ومفتاح التقدم والتطور في الدولة الرأسمالية، تجسد ذلك واضحا في ثقافة السوق والتسليع وتشيء الإنسان، والأخطر من ذلك جعل الديموقراطية الرأسمالية وسيلة فعالة لإخفاء الماهية السوداوية والجهنمية للنظام الرأسمالي ومنحه المشروعية. وهكذا،(باسم الديموقراطية يتجذر الاستسلام الإرادي والقمع والمراقبة الذاتيين والتوظيف الواعي والمقصود لمختلف المؤسسات القانونية والتربوية والتعليمية ونهب الموارد الطبيعية، لذلك، يمكننا القول؛ أنه كلما تقدم السوق الرأسمالي وديموقراطيته عن شكل جديد من الحرية كلما صاحب ذلك بشكل جديد من الاستسلام والخضوع والتشكيل والتضييع، أو قل أشكال جديدة من الاستيلاب على مستوى الوجود والحقوق حيث أن أي إصلاح للزيادة في النمو والتنمية هو إخفاء لخطوات إلى الوراء، حيث تقوم السوق والديموقراطية والرأسمالية بمس الحريات العامة وغزو الدول الضعيفة، وحماية الجشع الفاحش للأغنياء الذين دمروا المرافق والمؤسسات المالية) [19].

الدولة الرأسمالية قلبت المعادلة السياسية، وغيرت الوظيفة الإنتاجية للعامل، فعوض أن يكون العمل الإنتاجي مرآة مجلوة تعكس إنسانية الانسان العامل، وتعبر عن قدرة العقل على تغيير الأشياء والتحكم فيها، صار العمل غاية في ذاته والعامل مجرد وسيلة، أصبح العمل الرأسمالي أداة قهر وتسلط وسلطة لجعل العامل يسقط في جميع أنواع الاغتراب، عن ذاته والآخرين وعمله، لم يعد منسجما مع ذاته، ومدركا لكينونته المتفردة، وإنما أصبح مجرد رقم، كتلة صماء منعزلة عن خصائصها وصفاتها الإنسانية، تلك بعض مخلفات وتجليات الدولة الرأسمالية المنتصرة للطبقة البرجوازية الجشعة، تجعل الانسان العامل وسيلة لجني الربح وتوسيع الملكية.( إن البرجوازية [التي هي سمة الدولة الرأسمالية] في نظر ماركس، هي الناتج والفاعل والمستفيد، من بعض التحولات الكبرى التي نتيجتها جميعا، أن تعيد إلى ما لا نهاية الحدود التي كانت توقف قوة الانسان الإنتاجية، مثل إزالة الأفق الجغرافي المحدود بفضل حركات الملاحة الكبيرة ونمو التجارة غير المحدود)[20].

ينتقد كارل ماركس، الدولة الرأسمالية نظرا لاستغلالها الذي يتبدى، في نظرية فائض القيمة، ومفادها، أن في النظام الرأسمالي، العمل يشترى كسلعة، بمعنى أن العامل يبيع عمله/ مجهوده/ منتوجه لصالح رأس المال، مقابل تكاليف ضروريات الحياة أو تحقيق الحد الأدنى منها، الذي يصطلح عليه بأجر الكفاف. فالرأسمالي يشتري العمل من العامل بقيمة معينة، ولكنه يحصل منها على ثمن يتجاوز الأجر بكثير، الذي يدفعه لكي يحصل على فرق السعر بين قيمة ما يحصل عليه، وما يدفعه للعامل كأجر. أضف إلى ذلك، أن التوسع الرأسمالي في استخدام الآلات أدت الى المنافسة، المؤذنة بزوال صغار الرأسماليين الذين تحولوا إلى عمال صغار في المشروعات الكبيرة فكثر العمال، وازدادت اليد العاملة وانخفضت الأجور، يفعلون ذلك خوفا من البطالة [21].

والأخطر من ذلك، أن الطبقات الرأسمالية في استغلالها تحالفت مع المؤسسات الدينية التي أصبحت هي الأخرى رأسمالية، بحيث أصبح الدين وسيلة ناجعة لتعميق غربة الانسان عن ذاته، ووجوده الطبيعي والاجتماعي، وذلك بتخديره روحيا وعاطفيا، وجعله مشدودا إلى عالم أخر موعود بالفردوس، عوض التفكير في القهر والاغتراب الذي يعانيه في حياته الدنيا، ومن ثمة عدم إحساس الناس بحياة إنسانية كريمة وكاملة، لأن تحقق ذلك يتطلب التحرر التام من جميع القيود وأشكال القهر والاستلاب والاغتراب [22]. فالتحالف الرأسمالي- الديني أفرز سلما جديدا للقيم والمعايير السياسية والإنتاجية، حيث (لا مكان لعدالة أبدا أمام عدالة الإله، ومثلما أنهم عبيد الإله، عليهم أن يكونوا كذلك عبيد الكنيسة وعبيد الدولة، طالما كانت الدولة مكرسة للكنيسة، هذا ما فهمته الديانة المسيحية أكثر من كل الديانات الأخرى الموجودة) [23].

إنه القهر المزدوج، قهر الدولة الرأسمالية المتمثل في جعل العمال أدوات مسخرة لخدمة مصالحها وامتيازاتها، وفي ذلك استبداد سياسي واقتصادي، وقهر ديني، بجعل العامل يقبل مصيره، وأنه عبد وجد لخدمة أسياده، فالدين يضفي المشروعية على سلطة الطبقة البرجوازية المتحكمة في أجهزة الدولة الرأسمالية، والنتيجة؛ ضياع قيمة العامل بسلب إنتاجه ومجهود عمله (فماذا تمثل الدولة [الرأسمالية]؟ إنها حصيلة نفي الحريات الفردية لجميع أعضائها، أو حصيلة التضحيات التي يقدمها أعضاؤها بتنازلهم عن قسم من حريتهم لصالح الخير المشترك...إذا؛ تنتهي الحرية الفردية حيث تبدأ الدولة، والعكس صحيح) [24]. فما هو البناء المؤسسي للدولة الرأسمالية؟

2- البناء السياسي للدولة الرأسمالية

يعتبر كارل ماركس، والماركسية، أن النظام الرأسمالي المميز للدولة الرأسمالية البرجوازية، يتسم بالاستغلال والاضطهاد، فالدولة وفق النظام الرأسمالي، ما هي إلا تنظيم سياسي معبر عن نفوذ وسيطرة وتحكم الطبقة البرجوازية في الاقتصاد، إنها أداة أساسية في يد الطبقة المسيطرة للحفاظ على امتيازاتها ومصالحها وملكيتها الخاصة (أرض/ وسائل الإنتاج/ قوى الإنتاج/ يد عاملة..). فما يسمى بالدولة الديموقراطية البرجوازية، ما هي إلا مؤسسة أو جهاز سياسي برجوازي مهمته مساعدة الطبقة الرأسمالية البرجوازية لتثبيت سيطرتها وتوطيد سطوتها على المجتمع، وذلك بإخضاع الطبقة البروليتارية، بغية استغلالها لتحقيق الحاجات الرأسمالية. ووفق بناء مؤسساتي محكم. يعبر عن ذلك كارل ماركس بقوله:( في حقبة الاقتصاد الرأسمالي لم يعد يبقى غير طبقتين حقيقيتين: البرجوازية والبروليتاريا. حقا، تبقى فئات اجتماعي أخرى مثل: طبقة النبلاء الاقطاعية والطبقة الفلاحية والطبقات الوسطى والحرفيين، وطبقة ما تحت البروليتاريا) [25].

البناء المؤسساتي للدولة الرأسمالية، ينبني على الإنتاج والتحكم في تقسيم العمل الاجتماعي، فكل نقد للدولة الرأسمالية يتطلب حضور مجموعة من المفاهيم السياسية والاقتصادية، كالسيطرة والصراع الطبقي والاستغلال، وعلاقة ذلك، بعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج ونمط الإنتاج، لأن مشكل الدولة الرأسمالية يتمثل في أن الصراعات الطبقية، وخاصة ما يتعلق بالطبقة الأقوى، أنها تتدخل بكيفية حاسمة في تقسيم العمل وتحديده، ليتماشى مع التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية، فهي دولة تتدخل في وعي الأفراد، بجعلهم أدوات لتحقيق الإنتاج والربح، عبر مختلف أطوارها ومراحلها التاريخية، دولة ليبرالية، دولة تدخلية، دولة رهينة استبداد الطبقة البرجوازية [26].

ومن المفارقات الكبرى في الدولة الرأسمالية، أن الطبقة العاملة، تشكل الأغلبية الساحقة مقارنة مع الطبقة المحتكرة للاقتصاد والسياسية، لكن، البرجوازية هي التي تلعب الدور الرئيسي، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، لأنها تمتلك جميع وسائل الإنتاج، والأكثر من ذلك، أنها تسيطر على سلطة الدولة وتتحكم في أجهزتها عبر جملة من الوسائط والوسائل، كالتأثير الأيديولوجي، والاستحواذ على الإنتاج الاقتصادي، وهو ما يجعل الدولة الرأسمالية تتخذ ثلاثة ملامح كبرى: الاقتصاد الذي هو العمود الفقري، والسياسة التابعة للاقتصاد، والايديولوجيا للتأثير في النفوس والعقول. إن الدولة الرأسمالية تجعل من قانون القهر والسيطرة أداتين للتحكم والتطور، وهي القضية التي تجعل الشعوب المقهورة، والمجتمعات المستغلة، تعاني أشد المعاناة، وتسعى إلى التحرر من ظلم الرأسمالية، إلى درجة أن المجتمعات الواقعة تحت نير الدول الرأسمالية، صارت تبحث عن الوسائل الفعالة للإنفلات من استبداد الرأسمالية، لأن أحد أسباب المشاكل الأساسية للتطور الاجتماعي، مرتبط بالفعلين السياسي والاقتصادي للدولة الرأسمالية، المؤسسين على الاضطهاد [27].

الرأسمالية هي الاضطهاد، والقهر والاستلاب، لأنها حفيدة الإمبريالية، حيث أصبح العالم في يد حفنة من الدول الرأسمالية الحاكمة سياسيا والمتحكمة اقتصاديا، والمسيطرة جغرافيا. فداخليا، متحكمة في المجتمع، وخارجيا، باضطهاد الدول الأخرى. (الرأسمالية سهلت في مرحلتها الأولى عملية تحرر الشعوب من النير الاقطاعي، ومن قبضة الكنيسة، أصبحت بدخولها المرحلة الامبريالية القامع الشرس لحرية الأمم والشعوب، وتغير جوهر القضية والقومية، واتسع مداها كثيرا، فتحولت إلى قضية داخلية في الدولة إلى مشكلة عالمية، تؤثر على مصائر ملايين من الشعوب على نطاق العالم بأسره) [28].

المحور الثالث: مآل الدولة الرأسمالية

الماركسية تنبني على قانون الأضداد والصراع والنفي، ونفي النفي، الذي سينقل من مجال دراسة حركة المادة وتطبيقه إلى حركة الواقع السياسي والاجتماعي، وتفكيك مختلف الأنظمة السياسية التي عرفتها البشرية، فالتناقض أساس الوجود والطبيعة والحركة والتاريخ، بحيث لا يمكن للأشياء أن تتطور وتتقدم بدون عنصر الصراع الذي هو محرك التاريخ، فالتناقض موجود في ثنايا الكائن أو الشيء أو الموضوع، بحيث أن هناك أجزاء تموت وأخرى يبزغ فجر وجودها، يعني أن صراع الأضداد، هو القوة الدافعة للتغيير، فحبة القمح مثلا التي تم زرعها في الأرض، تنمو وتتحول إلى شجرة تنتفي كحبة، فالنفي هنا، يعقب الاثبات بالضرورة، وبه تتم حركة التطور والانتقال، ونفس الشيء بالنسبة للحياة الاجتماعية والسياسية، فتاريخ البشر الإنتاجي، تاريخ نفي الأنظمة الاستغلالية وميلاد أخرى أشد استغلالا، فمن رحم كل نظام يتولد نظام أخر جديد، وصولا إلى النظام الرأسمالي الذي هو أخر نظام متناقض واستغلالي، وطبقي، ومعه ستدخل  الطبقة البروليتارية في صراع مع الطبقة المحتكرة والمستغلة للاقتصاد، لميلاد مجتمع بدون طبقات، بمعنى ميلاد نظام ومجتمع وتاريخ جديد، إنه قانون نفي النفي، والأضداد/ الصراع الطبقي، موجودة في المجتمع، ونتيجة لعلاقات الاستغلال والاضطهاد تدخل العناصر/ الطبقات في صراع ضروري وحتمي إلى درجة أن التاريخ لا يتقدم إلا عن طريق الصراع الطبقي، فهذا الأخير أساسي في حركة الأشياء، وبالتالي فهو ضروري لفهم كيف تتشكل أنظمة معينة وتختفي أخرى [29].

الصراع الطبقي، قانون وضرورة حتمية لتطور المجتمع، وهو موضوعي ومستقل عن الوعي الإنساني، وبفهمه تفتح أفاق جديدة لإسعاد الطبقة العاملة، والخروج من عنق زجاجة الدولة الرأسمالية، ذلك هو التفسير المادي الجدلي للمجتمع والتاريخ والدولة، فالمجتمع بمختلف نظمه التي تعاقبت عليه، خاضع لقانون التطور، ومحدود بطرق الانتاج المادي كضرورة مادية لا محيد عنها، فالعمل الإنساني والإنتاج عنصران لفهم الأنظمة [30].

وبالتالي، إن تجاوز ونفي الدولة الرأسمالية، يتم بتجاوز نمط الإنتاج الرأسمالي وتعويضه بالدولة الاشتراكية، في أفق تحقق الشيوعية، حيث يصير النظام مبنيا على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والقطع مع استغلال فئة أو طبقة لأكثرية عامة، هذه الملكية قد تتخذ شكل ملكية الدولة، وذلك بتحريرها من يد الطبقة المسيطرة على الإنتاج والاقتصاد خاصة بعد تحقق الثورة الصناعية وازدياد أعداد العمال، علما أن النظرية الاشتراكية فلسفة اجتماعية لها جذور تاريخية منذ العصر اليوناني إلى الحقبة الحديثة، حيث برهنت مجموعة من النظريات السياسية على عيوب ومساوئ تقسيم المجتمع إلى أغنياء وفقراء، وفي ذلك تهديد لأسس العدالة والمساواة والحرية، فتحقق الاشتراكية كنظرية اجتماعية وسياسية يتطلب تكوين طبقة منظمة من العمال [31].

 

محمد لمعمر

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

........................

الهوامش:

[1] ليو شتراوس، وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، الجزء الثاني، من جون لوك على مارتن هايدغر، ترجمة محمود سيد أحمد، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام، (الناشر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة الطبعة الأولى )،2005، ص، 468.

[2] كارل ماركس، بِؤس الفلسفة، ترجمة، أندريه يازجي، دار اليقظة العربية، ودار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، د ط، ص، 112.

[3] روزنتال ويودين، الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1981، ص، 434.

[4] نفسه، ص، 467.

[5] مصدر نفسه، ص، 468.

[6] هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة، إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، د ط، ص. 497 - 498. (بتصرف).

[7] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، الفلسفة السياسية، ص، 468.

[8] كارل ماركس وفريديريك انجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة، جورج طرابيشي، (دار دمشق للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1966)، ص، 70.

[9] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، الفلسفة السياسية، ص، 475.

[10] إيفانا سييف، أسس المعارف الفلسفية، ترجمة، دار التقدم، موسكو، 1979، (بدون طبعة)، ص، 289 – 992.

[11] مصدر نفسه، ص، 299.

[12] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، ص، 472.

[13] F. Engels, l’origine de la famille, trad. Stern, éd. Sociales, paris, 1983, pp.281-286

[14] F. Engels, ibid., p. 286

[15] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، ص، 469.

[16] ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، تاريخ الفلسفة السياسية، ص، 470.

[17] مصدر نفسه، والصفحة نفسها.

[18] محمد وقيع الله أحمد، مدخل إلى الفلسفة السياسية. (دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 2010)، ص، 200.

[19] محمد بوجنال، السياسة، السوق، الديموقراطية، (منشورات إفريقيا الشرق، بدون طبعة، 2012)، ص، 9.

[20] جون توشار، تاريخ الأفكار السياسية، المجلد الثاني) من عصر النهضة إلى عصر الأنوار (، ترجمة ناجي الدراوشة)، دار التكوين للتأليف والنشر، الطبعة الأولى 2010 (، ص، 836

[21] أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية،) من أفلاطون إلى ماركس (، دار المعارف، الطبعة الخامسة، 1995.  القاهرة. ص، 111.

[22] محمد وقيع الله أحمد، مدخل إلى الفلسفة السياسية. ص، 203.

[23] ميخائيل باكونين، الإله والدولة، تعريب، جلال المخ،) دار المعارف للطباعة والنشر، (د.ت)، تونس، ص، 34.

[24] ميخائيل باكونين، الأعمال الكاملة، عن كتاب الوافي في الفلسفة، دار الفكر اللبناني، بيروت، 2000، د ط. ص، 236.

[25] جون توشار، تاريخ الأفكار السياسية، ص، 835.

[26] نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة مشيل كيلو،) التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت (، الطبعة الثانية، ص، 123. (بتصرف).

[27] إيفانا سييف، أسس المعارف الفلسفية، ص، 283.

[28] مصدر نفسه، ص، 284.

[29] أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية، ص، 108 .

[30] مصدر نفسه، ص، 109.

[31] مصدر نفسه، ص، 105.

 

سامي عبد العال"الصيام أحد أشكال التأويل لطبيعة الجسد وجذوره في الحياة.."

"تدرك السياسة جيداً ما هو الجسد عارفةً تراثه وصراعه الوجودي.."

الجسد هو "التجلِّي الحي" بما يشحن طاقاتَّ الإنسان صوبَ ما هو مرغوب أو ممنوع. واستعمال الجسد في الممارسات العامة يوضح إلى أي مدى تصبح علاماته خطاباً له أبعاد تأويلية. السؤال بناء على ذلك: هل الصيام عملية تحكُّم رمزي في هذه الطاقات؟ هل من تفسير إشكالي لقضايا الروح والجسد بهذا التكوين؟ في هذا الإطار، يعدُّ الصيام إدارةً ميتافيزيقيةً للجسد تحقيقاً لاعتقاد في أصل الحياة. وسيحاول المقال طرح تلك المسألة بقدر ما يستحضر خلفياتها الدينية والفلسفية.

صحيح أنَّ إدارةُ الجسد بهذا المعنى ترتبط بفكرة المقدس (الإله والايمان)، لكنها تبلغ درجة الفعل الوجودي في الأديان بدوافع وغايات متفرقة. لأنَّ هناك من الدوافع والغايات ما هو ماضٍ وما هو مستقبل، خلال لحظةٍ (حاضرة) لا تحتملُ التقاءهما (الآن) إلاَّ بضرورة تأويل مقولات الإله والإنسان والحقيقة (من قبل). أي لن يلتقي قطبا الزمن (الماضي والمستقبل) حول الجسد دون كشف لمعاني المقولات المذكورة وتحولاتها لدى البشر.

إذن بوجود الصيام واختلاف طُقوسه في الأديان الإبراهيمية وقبلها (الزرادشتية والبوذية والهندوسية وحتى الديانة الفرعونية...)، هل سيُمثل – ارتباطاً بالجسد- مشكلةً فلسفيةً؟ أي.. هل تُقدم الفلسفةُ قولاً ذا بالٍ حول (كائن صائم) يُعلِّق بعضاً من رغباته في شكل طقسٍ يومي؟! بحيث تفتح مساراً فكرياً عاماً للإنسان تجاه نفسه، وتعطي دلالة لفعل الصيام ضمن التاريخ الإنساني. على الأقل تجاه ما هو وارد بالدين والسياسة من رؤى بالنسبة لأحداث هذا التاريخ وآثاره (وعليه سيرتبط الصيام بالسلطة والمجتمع).

حساب الجسد

يبدو أنَّ حال الكائن الإنساني يثيرُ جدلاً بمعناه السابق. لأنَّ كائناً إنسانياً– بمجرد ذكر اسمه- ينخرط بالمقام الأول في وجوده الحي، فلا يفتأ مستغرقاً في أوجه حياته المختلطة بالرغبات والغرائز والأهواء، لدرجة أنَّ جميع أفعاله هي نتاج مباشر لذلك التكوين. بالمقابل قد لا نتصور أنْ يُسقِط الإنسان جزءاً من كينونته لصالح قوة أخرى (سلطة عليا) إلاَّ إذا استطاعت القوة تعويض الجزء المرفُوع من الكينونة. ولا يُنظر إليها دون حسابٍ ميتافيزيقيٍّ metaphysical calculation يدَّخر وجوداً مغايراً، ثم يغدو متحولاً إلى جانب الإيمان والاعتقاد (الأخرة: الجنة والنار). وهي أشياء تُحرِّك (تُغري – تُوهم) من زاوية رغبات الكائن قُوى اجتماعية أخرى (مترقبة – متلصصة) في إطار سياسات الجسد.

المسألة تحديداً أنَّ الكائن الإنساني يشكل "مجالَ إغراء" (1) field of seduction ليس من جهة غرائزه فقط (تلك المستعملة في أداء الصيام والتفاعل الاجتماعي)، إنما أيضاً من كونَّه جسداً محاطاً بصراعٍ لكيفية إدارته مرتهناً بعملية الخلق ضمن أفقها اللاهوتي، إضافة إلى محاولات اشغال هذه المساحة بواسطة الأنظمة السياسية والأهداف الساعية إليها.

يحدد الصيامُ - موروثاته وآفاقه - اقتصاداً سياسياً من نوع خاصٍ، الجانب الادخاري فيه ينطوي على تراكم لاهوتي تستثمره الحداثة عندما يصبح جسدُ الصائم سلعةً وسُوقاً ورمزاً، حيث تزيح القوى الرأسمالية- باسم الليبرالية- دلالاته الميتافيزيقية جانباً كي تستعرض حضورها المهيمن. وكينونة الإنسان عندئذ تغدو كالدودة المنهمكة في عبور غصن ملتف الأوراق معتبرة ًإياه كلَّ عالمها، بينما تغفل أنَّ الغصن هو لشجرة عملاقة داخل غابات تخبو خلالها الأضواء.

ثمة مستويات لخلفية الصراع على الجسد كالتالي:

1- اللاهوت: إذ كانت عملية خلقْ الإنسان عملية جسديةً (الخلق من أديم الأرض، طين الأرض وهو معنى كلمة آدم كما وردت في العبرية). وما تبع ذلك من زمن الخلق ومستقبله اللذين سينتجان إمكانية الحياة بأغلب ملابساتها تعويضاً عن الأصل (المفقود- أي السقوط من الجنة)، وسيمثل الأصل ذاكرةً حيةً ترمي إلى الأزمنة الآتية بفعل الماضي السحيق. والصيام يمس كل هذه المعطيات لأنه فعل متكرر في جميع مراحل الديانات (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)

2- الميتافيزيقا: أي المبادئ التي تشدُ كيانَ الإنسان إلى أعلى تجاه قيم تندرج خلف الفكرة السالفة. وبالتالي سيكُّون الجسد" وشماً انطولوجيا " في الحياة حاملاً لبصمات المقدس والمبادئ المفسرة للطبيعة والعالم والحياة. والجسد يحتمل أن يكون مرآة تنعكس عليه هذه البصمات نتيجة قوته الذاتية وخلاصه الروحي.

3- الاجتماع: فالجسد ليس فردياً، لكنه في لحظات السلطة والقوة والهيمنة هو جسد اجتماعي. تغمره الثقافة من أعلاه إلى أدناه، الوجوه والوشوم والهيئة والأزياء والحركات وحتى السمات العامة تعد بمثابة بورتريهات ثقافية حتى النخاع.

4- السياسة: الجسد كتلة سياسية متحركة، أنفاسه ورغباته وآثاره لا تخلو برهة واحدة من تسييس المضامين. حتى أنَّ أشكال الأجساد وأنماطها وعلاقاتها الحيوية في الفضاء العام هي موضوعات لم تفلتها السلطة هباءً. وبالتالي يمكن أن تجد السلطة لنفسها موطئ قدم في فضاء الجسد شريطة أن تأخذه كوسيط وحركة. والسياسة صيام من نوع آخر، صيام الجسد عن غرائز التجمهر والتمرد وانتظامه وفقاً لآلياتها وأهدافها.

5- العلامات: الصوم يصبغ الجسد مبدياً ذلك على معالمه وحركته، وهو في المجتمعات العربية يتخذ كنقش للتدين أمام الآخرين (إذ يتفرس الأشخاص عادة في وجوه الآخرين بحثاً عما إذا كانوا صائمين أم لا). وقد عبر الموروث الإسلامي عن تغيرات الصائم بعبارة رمزية كما جاء في أحد الأحاديث النبوية (لخلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).

6- التأويل: الجسد هو الصورة المؤولة لوضعيات الإيمان والاعتقاد، ليس ينفصل هذا عن ذاك إلاَّ بقدر ما يكون الشكلُّ هو المعنى لما يؤول إليه الأصل المرتهن بقصة الخلق اللاهوتي (حرمان الجسد من النعيم وهو وسيط الخطيئة). لأنَّ الجسد هو مادة الاتصال التاريخي بين عملية الخلق القديمة وحضور المعاني العميقة الآن ضامناً استمراريتها إلى الغد.

لأنَّ الصيام كما أشرت يومئ إلى الأثر الرجعي الكامن فيه كبناء نحو الأمام لحل لغز المعصية التي قام بها آدم قديماً وأكله من الشجرة المحرمة. وبما أنَّ الجسد هو آدم (العاصي لأمر الرب) فإن جسد آدم هو المسؤول عن الصيام الآن وأي آن. وهذا يضمر افتراضاً أنَّ اجساد أبناء آدم (البشر جميعاً) يؤولون جسد أبيهم بطقوس الصيام وعلاماته.

7- التاريخ: يثبت الصوم أن الجسد وسيلة تصفية لتاريخ العالم، لكونه عائداً إلى مصدره الخالق طالما لم يتدارك أدم خطيئته فعلياً، وهو وسيلة اعتراف وخطاب جسدي وروحي يطلب الغفران عن تاريخ قديم وقع بطريقة ما ونحن جزء من مسؤولياته. والصيام من ثم مشاركة بالجسد في محاولة لرتق الانقطاع الزمني عن الأمر الإلهي (أي الأمر بعدم الاقتراب من شجرة الجنة)، لكنه يلجأ إلى مصالحة مع الذات حتى يصالح الآخر وكل آخر سواه.

مَحْبرة الحروف

أمَّا الإيماءة الثرية في هذا السياق، فلا تنقطع عن كون وحدة الجسد البشري احتمالاً قائماً، فالبَون شاسع جداً بما يصعب تخيله بين بداية الخلق والحال الراهن. لكن تكرار الصيام يمثل (عودة وانطلاقاً) في الوقت نفسه، تكرار حفري على سطح الزمن بما يتيحه الجسد من توثيقٍ للخلفية اللاهوتية بشكل جمعي. وكأنَّ أجسادنا هي حصيلة جسد تاريخي كان به حوار أنطولوجي على مستوى الحياة الأولى ثم له تحولاته (الامر الإلهي – الجسد- الخطيئة- السقوط من الجنة). وكما لو أنَّ الجسد التاريخي متوزع كشيء مشترك على صعيد قصتنا التي نعيشها (في الحب – التعلق بالآخر- التفاعل والتواصل اليومي). وهذا الجسد قد ورثناه نحن أبناء آدم وحواء وكان الصوم أحد وجوه وجوده للشعور بهذا التراث وممارسة التقوى التيس تشعرنا بوجود الخالق وأوامره السارية.

هنا سؤال وجيه: هل يعدُّ الصيام رغبة أم أمراً أم قضاءً وقدراً أم طقساً بُناءً على حضور المتعالي؟ لتُّوضح الفلسفة بأيَّة دلالة يمتنع الكائن عن ألته الجسدية (وملحقاتها) لصالح معانٍ داخل ذاته وخارجها. الامتناع نفسه الذي لا يتم دون وجود صراع حقيقي حول الألة العتيقة (الجسد) منذ المدونات القديمة والأساطير وأنظمة السلطة والمِلْكيَّة وأدبيات المتعة واللذة والجوع والألم والموت والحياة. وبالتالي فالإجابة عن السؤال بالأعلى ليست محسومةً (على افتراض أننا لا نعرفها)، لكن ستظل موضوعاً للتفكير كعمليةٍ متواصلةٍ لها تداعياتها غير المنتهية، ومن الصعوبة بمكان إقرار كل ما في جوفها إلاَّ بتتبع تحول الفكرة داخلها على نطاق بعيد.

فالأمر ليس بسيطاً كما نظن، إن الخطيئة التي وردت في نصوص الكتب السماوية (التوراة والعهد الجديد والقرآن) استندت إلى قضية الخلق من جهةٍ، وإلى أمر الخالق بعدم الاقتراب من الشجرة المحرمة ثم الخطيئة التي اقترفها آدم وحواء من جهةٍ أخرى. فجميع ذلك يعتمد على الجسد كسردٍ منصوص عليه خلال المدونات الدينية، لأنَّه المادة الخام ليس لكائن جديد اسمُه الإنسان، لكن لمستقبل الكينونة ولوجود عالم تالٍّ (جميع الديانات الإبراهيمية تشمل علاقة: الإله + الإنسان× الشيطان/ الخطيئة). أي سيناريو الدراما الكونية التي يلعب فيها جسد الإنسان دور البطولة، سواء أكان خَلْقاً أم معصيةً أم خُروجاً من الجنة وهبوطاً إلى الأرض أم ثواباً وعقاباً. كل ذلك يعني إمكانية الصوم فوق هذه المعالم التاريخية وداخل أجوائها القابلة للتأويل. أي أنَّها عملية لا تتم إلاَّ بتحريك وجودها الساري في تاريخ الإنسانية.

لقد كان الجسد " محبرة الحروف" التي (كُتبت وستُكتب) بها الأحداث اللاحقة للخلْق الأول (سيناريو الحياة البشرية والأديان). فالخلْق كان مصدره من تراب كما ورد سواء برمزيته في اليهودية والمسيحية أو بأطواره في الإسلام. وكيف مثل إمكانية حسية مليئة بالرغبات والشهوات (العُري والرغبة والسوءة: فبدت لهما سواءتهما بتعبير القرآن) أو حضور الآخر غريزياً (حواء) كشكل مماثل لجسد نظيره (آدم). وحين يحجب الإنسان رغباته طعاماً وشراباً وجنساً وفُحشاً، فهو مازال يعزف على الآلة الطينية المخلوقة (كما تُوصف). وعلية لم لا نقول إنَّ الامتناع عن ذلك كان متعلقاً بسرد عملية الخلق في النصوص المقدسة وهو عودة تأويلية نحو جذورنا الوجودية البعيدة؟!

إنَّ الصيام هو جملة اعتراضية مستقبلية تعود إلى الأصل على نحو مزدوج، والنهي عن الرغبة تجاه الشجرة المحرمة مازال نهياً متصلاً حتى الآن وبعده. لكن ذلك في صورة طقس وجودي وديني يرد الاعتبار للنهي الإلهي الأول ويعيد تأويله تطبيقاً لطاعة الفريضة تباعاً.

إثباتاً لذلك كان الصيامُ في اليهودية مُرتبطاً بأيام معينة ومناسبات خاصة تعبيراً عن الاستغفار والخطيئة أكثر منه ارتباطاً بمواعيد محددة. ومن الأيام المشهور صيامها عند اليهود يوم الغفران (2) وهو صيام خمسة وعشرين ساعة متواصلة. فيبدأ الصائم قبل غروب الشمس بحوالي الربع ساعة وينتهي في يوم الغفران بعد غروب الشمس بربع ساعة. وهذا يدلل على كون الصيام اليهودي نوع من التكفير عن ذنوبٍ ليست وليدة اللحظة. فالصيام كان ارتباطاً بتاريخ من الجسد الجمعي collective body في موروثات اليهود، ليس هو الخطيئة بمعناها الفردي فقط، لأن يوم الغفران يتم التعامل كطقس جماعي، ثم يستعمل كفترة زمنيةٍ يشعرُ شعب الرب فيها بقدرتهم على ممارسة العلاقة اللاهوتية السياسية معه.

هكذا اصبح الغفران تقنية جسدية سياسية قائمة على الجذور اللاهوتية، ومع وجود الدولة اليهودية (اسرائيل) جاء الجسد كجزء من الخريطة المحددة لوجود الشعب. إنَّ خريطة اسرائيل هي خريطة الجسد اليهودي مع تفاصيل الشتات والتيه والعودة والدولة أخيراً. وفي قلب المعادلة تقع فكرة الخلق وارتباطها بالرب على الأرض، ولذلك كان الجسد (وصيامه) ذاكرة جيوسياسية تسرد علاقة السماء والأرض. بكلمات أخرى، يعد الصيام منشطّاً لذاكرة تحافظ على حدود شعب ما.

لقد تعامل شعب بني إسرائيل مع الرب تعاملاً جسدياً، فهو على ارتباط مباشر معه، وللرب كل السلطة والاختيار في تكوينهم وتفريقهم وعقابهم وإرشادهم، يراهم ويقابلهم وجهاً لوجه، يتجلى ويتجسد لهم فوق الأرض دون سواهم من البشر. يحارب معهم ويعد جيوشهم من عصر إلى آخر لدحر الأعداء ساهراً على تمكينهم من الأرض وتاركاً آثاراً حيث وطأتها أقدامهم من أو هناك.

المدهش أنَّ الدولة الإسرائيلية تعاملت مع حدود جغرافيتها باعتبارها جسداً حياً أيضاً، جسد غير قابل للمس ولا للضرر المباشر. حتى إذا تمَّ المساس بها تستنفر الجماعات اليهودية كل قوتها كأنَّ الجسد كله قد وقع عليه مكروه، لتجند الدولة له جميع القوى دفاعاً عن جسدها. لدرجة أنَّ الأموات اليهود في دول متفرقة ينظر إليهم اليهود باعتبارهم جزءاً من جسدهم الذي يشعر ويقوى ويدافع عن نفسه.

أيضاً يصوم اليهود في ذكري هيكل سليمان، ويصومون في يوم وفاة نبي الله موسى، وكذلك صيام الأسابيع الثلاث الحداد والتي قام فيها الرومان بهدم الهيكل واحتلال أورشليم من السابع عشر من تموز وحتى التاسع من آب. كما كان اليهود يصومون قبل الحروب والقتال. والمماثلة لا تخطئها العين، فالصوم تراث يحضر عن طريق الجسد، أو هو الجسد موروثاً بطريقة سياسية. إنَّ كل ما ينتمي إلى طقوس الديانة اليهودية لا تغيب عنه السياسة لحظة واحدة، حتى مصطلح بني اسرائيل، والعبرانيين، اسرائيل، اليهود،.. جميعها كلمات تاريخية لا تخلو مما هو سياسي. فالعبور يحتوي على الحدود التي هي جسد الواقع والموروثات معاً.

وفي المسيحية يمثل الصيام خضوعاً للرب، ولا يوجد موعد بعينه للصيام لدى المسيحيين وإنْ كانت تقاليد الكنسية قد قالت بالصيام قبل أربعين يوماً من عيد الفصح ثم زيدت لتصبح ستة أسابيع بما يسمى الصيام الأكبر. لكن اللافت أنَّ الصيام يمنع أكل لحوم الحيوان ومنتجاته كالألبان ومشتقاتها. بيد أنَّ الأمر يرتهن بتعاليم الكنيسة، فالكنيسة الروسية مثلاً تمنع أكل اللحوم والسمك، أما الكنيسة الكاثوليكية في انجلترا فسمحت بأكل اللحوم والأسماك أثناء أيام الصيام بخلاف أيام معدودة مثل الأربعاء والخميس والجمعة، بينما الأرثوذوكس يمتنعون عن اللحوم والألبان ومنتجاتها مع السماح بأكل الأسماك.

ليس يخفى علينا أن الصيام يؤكد على إبقاء الحياة في شكل الامتناع عن أكل اللحوم. ونعرف أنَّ اللحم هو الجانب الذي يشكل الجسد الذي هو الحيوان فينا، وبالتوازي ستقول المسيحية يجب النظر إلى الحيوان خارجنا بعين الرحمة. إذن لن يحافظ على الحياة إلاَّ صوم الحيوان البشري (الآثم) داخلنا عن التهام الحيوان بالخارج. والحيوانان لا يأتيان اعتباطاً، لأنهما جزء من منظومة الخَلْق لاستمرارية العالم، فالخضوع للرب ليس وليد اللحظة ولا بناء على إدراك هذا الحيوان أو ذاك لأهمية نظيره، بل لأن هناك خطيئة أصلية سابقة بنيت عليها الحياة.

إن صياماً مسيحياً عن اللحوم الحية هو تذكير متواصل بماهية الحياة التي تحددت مبكراً بصورة آثمة (خطيئة آدم – الإنسان)، وبالتالي سيكون الصيام في المسيحية حفاظاً على الحياة تحديداً والإشارة إليها. في وضع يحتاج إليه الإنسان من جهة أنَّ الحياة لا ينبغي أن تكون قرباناً لشيء أخر. وإذا كانت الحيوانات قرابين قديمة للآلهة، فإن الامتناع عن أكلها هو قربان بالمثل. وتلك إشارة لطيفة إلى وجود قرابين بالمعنى المقصود هنا وهي تصفية للاعتقاد بأن الحياة قائمة على إراقة الدماء.

وهذا أعطى المسيحية فرصة للحديث غير اليهودي عن الحب، فالصيام هو محبة بلا عنف إزاء الطبيعة. وليس أقرب من كون المسيح كابن الرب هو الجسد المتألم لغفران خطايا البشر. غفران مقلوب، فالآلهة منذ القدم كانت تفرض التألُّم على البشر من أجل غفران خطاياهم في حين أنَّ المسيح ابن الرب في المسيحية هو من يصلب ويتوجع لغفران خطايا البشر.

بصيغة أخرى، يتحول الجسد إلى حب، فلا الإله يترك البشر كما هم وكذلك لا تسري الآلام في أجسادهم وأجساد الحيوانات المُضَّحى بها. من ثم كان الصيام في المسيحية من جنس الحياة طالما يحول دون النيل منها داخل كائنات أخرى. والطبيعة تعود إلى جسد المخلوق الأول وقدرتنا على الشعور به رغم زمنه السحيق وقدرته على السريان في الأجساد الآدمية. ولذلك سيظل طقس أكل الخبز المقدس ورمزية لحم المسيح ودمائه طقساً في ماهية الحياة.

ولأن الجسد واحد لدى البشر جميعاً، فلا يتم فقط التنكر لما يكون عليه الحيوان داخلنا و خارجنا، بل بمعرفة المتصل الذي يقع عنده جسد المسيح الحي داخل الاثنين معاً. والتوحيد في طقس كهذا الصيام نوع من شعور الإنسانية بوجودها الممتد.

أما الإسلام فقد قال صراحة: (كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، وقد أشار القرآن بهذا إلى طبيعة المداد (الحبر) الذي كتب به. فالوضع معروف منذ آدم والرسالات السابقة توحيدية وسردياتها تتشابه في قصة الخطيئة واستعجال الغفران. والكتابة الإلهية هنا تبدو بموجب الجسد في ضوء العلاقة التاريخية بين الرغبة والوجود والحياة. وسيكون الصيام مطلوباً بالطريقة نفسها رغم وجود درجات له ترتبط النقطة السابقة (مثل صوم الجوارح وصوم الخاطر وصوم النفس عن النوازع والاشتهاء والكلام كما يقول المتصوفة).

كما يرتبط الصيام في الإسلام بالخالق رأساً، حتى جاء بالأثر على لسان الله تعالى:" أنَّ جميع عمل ابن آدم له إلاَّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، لأن قضايا الخلق تخص الله في الإسلام وهو من باب اثبات تلك الخصوصية، فالجزاء من جنس العمل إعمالاً لوثيقة الجسد منذ وجودها الأول حتى اللحظة. وعقب الصيام بنهاية شهر رمضان، قيل إنه سيظل هذا الطقس معلقاً غير مقبول إلا بإخراج زكاة الفطر، والشيء الدال أنها تسمى" زكاة الأبدان"، مصيرها وعلاقتها بالخالق وصحتها وخلاصها من العذاب الأخروي. وكأن نهاية فترة الصيام اعتراف واضح بتلك المسؤولية التاريخية غير المباشرة بين آدم وأبنائه الذين هم نحن.

إلى هذا النقطة يرتبط الوضع بأسئلة أخرى: هل وجود المقدس خلف الصيام يحُول دون التساؤل حول جانبه الإنساني؟ هل التقوى (لعلَّكم تتقون: غاية الصوم) في الديانة الاسلامية بمثابة التعلق بما هو آت (الآخرة) فقط؟ أي هل التقوى فاعل لصائم ما أم هي مفعول لشيء آخر (سلطة المقدس)؟ وبالتالي: أليست الرغبات تنقسم ما بين الخوف والإقبال طلباً للمزيد؟ ولماذا يتم ترجمة الجانبين اجتماعياً في صورة شهوات، انكشاف، نهم تجاه المغريات؟

جُوع العين

الفرضية المفصلية أنَّه لا يوجد جانب شهوي إلاَّ وتسكنه السلطة وتحاول إدارته لأجل التحكم في الجسد (الفردي– الاجتماعي). خاصة أنَّ الصوم– في المجتمعات العربية الإسلامية- ليس فاعلاً على المستوى الفردي، أي بالنسبة لجسد هذا أو ذاك من المؤمنين، لكنه يتعامل مع الاجساد كـ" شاشة عرضٍ" بصيغة الجمع (كُتب عليكم الصيام) و (لعلَّكم تتقون). فهناك هاجس الجمع وهو المتصل الذي نمارس فيه الإيمان زمناً معيناً. إذن الصيام كتابة صادرة من سلطة إلهية بناء على أقدار تخص عمومية الناس. وتلك النقطة تُفرِّغ مجال الكتابة من الجوانب الإنسانية بحكم أن الوازع يعتمد الإيمان معياراً وليس ثمة مرجعية إنسانية أخرى، لأن الله في الاسلام هو الذي فرض الصيام امتداداً لخط الزمن مع السابقين.

وعلى الجانب الآخر ، ربما الامتناع عن الطعام كان ديدن النساك والزهاد والفلاسفة. وربما لم يكن ثمة فيلسوف يرى بطنه أكثر مما يتسع إدراكه للعالم. وإلاَّ لكان البطن هو مقبرة العقل ولضاع منطق الفكر لصالح منطق النهم الحسي. وربما كانت الفلسفة تاريخياً نوع من النحافة المقصودة لرغبات عليا تركزت على ما هو ضروري في الحياة. وربما قبل الأديان لم تكن المعدة حاوية لرغبات منتقاة، بل كانت " بيت الداء " و" بيت القصيد"، فالمعنى كان في بطن الشاعر – كما يقال في الثقافة العربية- كمجال لخفاءٍ رمزي من نوع ما. وهي تستطيع أن تهضم أية مرجعية وتعيد إفرازها في شكل غرائز ونوازع وملذات. والبِطنَّة (أو السمنة وظهور البطن) تُذهِب الفطنة لكنها تجمع الشهوات، أي هي القوة المرغوبة التي تراكمت تحت جلد الكائن، وتقوده بالوقت نفسه نحو مصيره، نحو حياته الأخرى (نعيما أوعقاباً).

هكذا إذا كان الصيام كفاً عن الطعام (شهوات الجسد)، فماذا لو كان امتناعاً عن التفكير؟ وهل صيغة السؤال تواصل دلالتها بهذا المعنى؟ كيف يتحول الصيام من تقشف الكائن إلى اطلاق غرائز القطيع (النهم الجسدي)؟ وذلك كما يحدث في تسييس هذا الشهر بالأنظمة الاجتماعية وانتاج المسلسلات وانتشار مظاهر الركود والتداعي.

تبدو السلطة هاهنا والجسد هناك... تلك هي المسافة القصيرة التي لا تلبث أن تتلاشى عبر تاريخ المجتمعات وأنظمتها السياسية. حيث يلتقيان معاً في المجال العام، فالسلطة تعاملت تاريخياً مع مواطنيها بمنطق الوجود الواقع بين الرهبة والرغبة. والجانبان تتحكم فيهما الدول بطريقة الخلق اللاهوتي القديم كما أسلفت. لقد كانت هي الوريث غير الشرعي لكل دلالات الإله وحضوره وغيابه الحداثي أيضاً. فالحداثة قالت بموت الإله واعتبرت الدولة هي القوة الكبرى المسئولة عن الحياة والموت في المجتمعات عبر القوانين والصحة والطب والاخلاقيات كما ظهرت في أوروبا. وبالتالي كان منطقياً أن تعيد السلطة تشكيل أجساد البشر وفقاً لمعطياتها الثقافية السائدة.

كأنَّ السلطة تكتسب المعادلة التاريخية من اللاهوت: الإله – الخلْق – الإنسان (المخلوق –الجسد- الخطيئة). وتفسيرها كالتالي: أنَّ السلطة هي التحول الأخير لمكانة الإله في أفق الحداثة الغربية ومنها إلى المجتمعات التي تنشد تُزامنها. وليس أمراً عارضاً أن تنبني مفاهيم السلطة وحالاتها على اشاعة ثقافة الخوف. ورغم وجودها الواضح إلاَّ أنها تكمن لدى مستويات الصمت اللامفكر فيه. كل سلطة تهجس داخل المجتمع بحضورها دون أن تظهر وجها لوجه، غايتها المثلى أنْ تتخفى بقدر ما تتجلى. هي ثنائية استعارية تسبق السلطة بمعناها الحداثي في يد دولة مركزية إزاء مواطنين لهم مواصفات عمومية.

الفارق أنَّ سردية الإله معروفة وحياً في الأديان، بينما تؤسس السلطة وجودها بين السماء والأرض بواسطة " ميتافيزيقا الجسد". فالواضح أن كل سلطة لها تصورات بعينها حول ما هيته وقوالبه وتنظيمه وإعادة تخطيطه، وهذا ميراث " لاهوت الخلق" بينما عبر خفائها تخزن (تراكم) تصورات حول نمطه الممتثل لأوامرها كما تراه. ومن خلال العنف المضمر في هذه الأوامر ينشط الخوف الضمني كألية ضبط جماعي تحت رحمة السياسات.

تحل الأنماط العامة للحياة السياسية في ذهنية المواطنين محل اللاهوت بمضمون الاعتقاد الديني نفسه تجاه إله مفارق. إذ ظلت هذه السمة سارية المعنى حتى اللحظة في حواشي الدول الحديثة، لدرجة أنه ليس بين المواطن والسلطة سوى خوف يجسد فكرة الموت بكل ثقلها. وأيُّ بناءٍ سياسي على السلطة يضرب جذوره في تلك الميتافيزيقا، لأنَّ ميتافيزيقا السياسة هي الافتراض المتضخم إلى حد التجاوز بالنسبة لهيمنة هذه السلطة السائدة.

وإذا كانت السلطة السياسية قد ورثت أفق الإله بشكل مدني، فلا تنسى من حين لآخر أن تمارس وثنيتها بمنطق القوة والعنف كذلك. إذ حاولت – في الأنظمة الاستبدادية- ادعاء الألوهية ومارست قدرات عنيفة تنتهك كل ميتافيزيقا ممكنة.

لكن الجانب الآخر أنَّ السلطة تتناسى موقعها الإنساني لتعيد ممارسة اللاهوت بقضايا الجسد. فهي تؤكد بواسطة هندسة المجتمع ضرورة التزام الناس أفراداً وجماعات بالصور الرسمية لحركة الشوارع والميادين والمؤسسات. فإذا خرج المواطنون عن لوائح العمل بهذه الصور، وقعوا تحت طائلة القانون. الجسد هو آخر معاقل اللاهوت السياسي بالنسبة لتحرر المجتمعات. وقد رأينا في حراك الربيع العربي كيف شكل الجسد مسرحاً سياسياً لنفض غبار الديكتاتوريات ومجابهة الأنظمة المستبدة. شعرت تلك الأنظمة بأنها مؤقتة على قارعة الحياة بمجرد تمرد الأجساد في مظاهرات حاشدة. وربما لم يكن الجسد سوى سكين حي لقطع أوردة السلطة بميتافيزيقاها المورثة. وقد تقلصت الأخيرة مع هتاف الجماهير (الشعب يريد اسقاط النظام) إلى درجة التبخُر.

ولذلك فإنَّ حركة السلطة تتكيف تماماً مع حركة الجسد، إدارته هي آليات الدولة الحديثة مثل: الاعتقال، الحجز، التتبُع، السجن، المنع، الحجر، والتعذيب والسحل والعقاب... وهي ممارسات مقررة وفق تكوين الجسد الإنساني. فالاعتقال يفترض تزمين أوقات الجسد ووضعه داخل حدود مكانية بعينها، أي استغلال الحركة الملموسة في النيل منه ومساءلته بطريقة حياتية، وما يجري على الاعتقال والسجن يجري على باقي الأشياء.

بالتبعية تحركت الثقافة الشائعة نحو استهلاك الجسد (الشهوات)، فالسلطة لا تغفل انهاكه وتخييل وجوده لاستنفاد الطاقات الحيوية واعادة توجيه ميتافيزيقاه. دوماً بالمجتمعات التي تنخفض فيها إنسانية الإنسان، تشتغل السلطة على فضح الجسد. في إشارة إلى التناظر القديم بين الخالق والمخلوق، فعقاب السلطة هو نبذ مواطنيها من جنة الدولة واقعين باجسادهم تحت المراقّبة!!

اللافت للنظر أنَّ فترات الصيام (شهر رمضان) في المجتمعات الإسلامية هي زمن الاحتفاء بالجسد حتى الثمالة. شهر الهوس بالطعام لا الحرمان المؤقت وتوزيع الوجبات بشكل متقارب. والإيعاز لا يحتاج تفسيراً في زيادة النهم المادي وتقليص التطلع نحو غد أفضل وإقرار حقوق المواطنة. خلال هذا الشهر يكون الإنسان معروضاً في الأسواق حيث ركضه المتواصل نحو سد احتياجاته البسيطة من طعام وشراب وملبس. وتفريغ الجسد من روحانياته نحو السماء.

هذا الأمر مرتهن بفكرة الخطيئة، لأنَّ الامتلاء بأفكار التراث الإبراهيمي جعل آلة الخطيئة (الجسد) تستنفد قدراتها حين تتعرى جمعياً (الكل يرغب فيما يسد جوعه اللامتناهي وشرابه اللامتوقف والعودة إلى الظهور المرغوب في شهر الصيام). لنتأمل اعلام الطهي والبرامج التي تقدمه في صور فائقة الجودة والاشتهاء، نجدها لوناً من التعرية اللاواعية للروح وحصرها بملذات تستنفد طاقات الإنسان. وفي مداها البعيد تقلل من أي اهتمام آخر. المجتمعات الإسلامية أكثر المجتمعات استهلاكاً في شهر الصيام للمواد الشهوية (التي تثير الغرائز).

ليس هذا فقط بل تنتشر الأفعال الخارجة عن القوانين تحت ضغط استهلاك الجسد، ولا سيما أن استهلاكاً كهذا يجعل الرغبات ملتهبة، فالرغبة بحسب جاك لا كان دالٌ يواصل دلالته دون توقف. قد تبدأ بالشهوة المادية المتمثلة في الطعام (الإشباع الحسي) لكنها تطلق العنان للخيال بما لا يَشبع. ويغدو المزيد هو النطاق المؤجل الذي يلتهم كل مجهود آخر. حتى أن السلطة – في البلاد العربية- تجعل المجال العام نطاقاً للتعري الجسدي، لكنها بالوقت نفسه نطاقاً لغلق تطلعات الشعوب للحرية والعدالة والمساواة. هذه لا تنفصل عن تلك: لماذا زيادة الرغبات الحسية، بينما الحياة الكريمة وممارسة الحرية تكاد تكون معدومة؟!

الجشع هو ممارسة الإفراغ والامتلاء الجسدي في هذا السياق (3). لأن حرمان الصائم من جوانب إنسانيته- بوصفه مواطناً- يجعله أداة للأنظمة السياسية، ويلقى قهراً بجوانب حياته في السياسة والدين تبعاً لعلاقة الأعلى بالأدنى. ويغدو الجسد مشوهاً لأنه لا يلبي متطلباته الحياتية التي تزيد بوقتٍ تعاق فيه حركته سياسياً.

الحاصل هو "صوم البطن وإطعام العين" دون رحمةٍ، أي إثارة النظر إلى مداه الأخير. من يشاهد الإعلانات (فقرات الاشهار) في رمضان سيجدها ذات سمات تمثيلية تلتزم بالأداء المُنجز سلفاً. وهو أداء يشتغل على اشعال الغرائز الهامشية، أي نتيجة الجوع قد يمتلئ البطن، لكن لابد للنظر من إثارة لا تُبقي ولا تذر. إنَّ الاعلانات التليفزيونية هي جوع العيون التي تصبح بحجم المجتمعات المحرومة إنسانياً. والانفصام يكشف الهوة السحيقة بين الواقع المعيش والمأمول، تحول الواقع إلى مادة وهمية قابلة للإدمان والاجترار. على حين يكون الأفق غير متطور محصوراً على الغرائز المباشرة.

ويمثل السقوط من الجنة بخلفياته اللاهوتية هو المعنى الخفي للسقوط من الحياة العامة باسم الإشباع الحسي المباشر. من ثمَّ كانت سيطرة الأنظمة السياسية على الجسد وإلهاب طاقاته الغرائزية هو إعلان التأله المزعوم لحاكم لا يمل من تقزيم المجتمعات وإضاعة فرص الحياة الحقيقية.

ينبغي على أي فكر فلسفي ينظر للجسد أنْ يعطِّل توظيف شقي الرحى بين اللاهوت والسياسة، لا بد من قطيعة نقدية تدعم الفعل الإنساني وتؤكد تجارب الحرية بموجب ابداع الحياة السياسية والاجتماعية بثرائها المفترض إلى مالا نهاية. أي ضرورة انتاج تاريخ جديد لا يأخذ مراحله المتقدمة فقط، بل عليه أنْ يشكل صورة الماضي- رغم انقضاؤه- واعياً بمصادرها وتحولاتها غير المرئية. فالجسد هي الوثيقة الكونية التي تعكس ما كتب عليها سواء صوماً أم غيره، ومع ذلك تبقي مفاجئات التكوين والآثار أكثر إدهاشاً.

 

د. سامي عبد العال

..............................

 (1) حيث يوجد إنسان، يوجد هناك نوع من الأغراء بالمعنى الثقافي، لأن ما يتحدث عنه الإنسان ويمارسه هو أمر قائم على رغبة الآخر قلت أو كثرت. فالكلام مجال اغراء للتحدث والوجود معاً عبر الحوارات وحتى عمليات البيع والشراء وأطر العلاقات العامة لا تتم دون حضور الآخر المغري من خلال الأوزان النوعية للأفراد في المجتمع.

 (2) يوم كيپبور، يوم هاكيپبوريم أو عيد الغفران (بالعبرية יוֹם כִּפּוּר أو יוֹם הַכִּפּוּרִים)، هو اليوم العاشر من شهر (تشريه)، الشهر الأول في التقويم العبري، وهو يوم مقدس عند اليهود مخصص للصلاة والصيام فقط. ويوم كيبور هو اليوم المتمم لأيام التوبة العشرة والتي تبدأ بيومي رأس السنة، أو كما يطلق عليه بالعبرية روش هاشناه، وحسب التراث اليهودي هذا اليوم هو الفرصة الأخيرة لتغيير المصير الشخصي أو مصير العالم في السنة الآتية.

يبدأ يوم كيبور بحسب التقويم العبري في ليلة اليوم التاسع من شهر تيشريه في السنة العبرية ويستمر حتى بداية الليلة التالية. يعتبر يوم كيبور في الشريعة اليهودية يوم عطلة كاملة يحظر فيه كل ما يحظر على اليهود في أيام السبت أو الأعياد الرئيسية مثل الشغل، إشعال النار، الكتابة بقلم، تشغيل السيارات وغيرها، ولكنه توجد كذلك أعمال تحظر في يوم كيبور بشكل خاص مثل تناول الطعام والشرب، الاغتسال والاستحمام، المشي بالأحذية الجلدية، ممارسة الجنس وأعمال أخرى بهدف التمتع. وبينما تعتبر أيام السبت والأعياد الأخرى فرص للامتناع عن الكد وللتمتع إلى جانب العبادة، يعتبر يوم كيبور فرصة للعبادة والاستغفار فقط. يوم كيبور هو من المناسبات الدينية التي يتبعها اليهود غير المتدينين أيضا، خاصة في إسرائيل حيث تحترم الأغلبية الساحقة من اليهود العلمانيين الحظر على القيادة والسفر بسيارات في هذا اليوم (مع أنهم لا يلتزمون بهذا الحظر الديني في أيام السبت والأعياد الأخرى). عدم الصيام في يوم كيبور هو أحد الدلائل الرئيسية على ترك الدين تماماً أو على الانتماء إلى اليهود العلمانيين، إذ كانت هذه الوصية الدينية ذات أهمية كبيرة في نظر اليهود " التقليديين"، أي اليهود الذين يتبعون وصايا الدين جزئياً. بحسب الحسابات التي يستند التقويم العبري إليها، فإنَّ يوم كيبور قد صادف أو سوف يصادف في الأيام التالية حسب التقويم الميلادي.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%8A%D9%88%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86

 (3) تثير بعض الممارسات السياسية– مثل تزوير الانتخابات وأعمال الفساد - جشعاً لدى الناس العاديين. فالفكرة هنا أن الصيام حرمان بقدر ما يعيش حياة قاحلة هو لا يستطيع خروجاً منها. وبالتالي كما كان قبول القربان من عدمه بين قابيل وهابيل هو الدافع وراء قتل الأول للأخير، فالجشع بنية مفروضة بسياسات الجسد تتجلي لدى الصائم لاحقاً. وتؤكد أمامه هذا النهم للاشتغال على نفسه بشكل محسوس شريطة ألا يقترب من انتزاع السلطة أو يتمتع حتى ببعض منها.