ضياء نافعكان تشيخوف يرتبط بالنسبة لنا - نحن القراء العرب في خمسينيات القرن العشرين – بكتاب هنا وكتاب هناك (منها طبعا كتاب شاكر خصباك المعروف عن تشيخوف، الذي اصدرته مجلة الثقافة الجديدة في بغداد عام 1954)، ثم بدار اليقظة السورية الشهيرة، وباسماء المترجمين فؤاد ايوب وشقيقه سهيل ايوب، حيث أصدرت دار النشر تلك جزئين من قصص تشيخوف المختارة، ثم بدأت الكتب العربية الاخرى لنتاجات تشيخوف بالصدور في بيروت والقاهرة ودمشق...الخ، الى ان  ظهرت في موسكو وبترجمة د. ابوبكر يوسف المؤلفات المختارة لتشيخوف باربعة اجزاء، وهكذا حلّ اسم المترجم المصري الكبير أبو بكر يوسف محل دار اليقظة السورية (واخواتها !) بالنسبة لتشيخوف باللغة العربية، واستمر الحال بهذه الصورة طوال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، رغم رحيل المرحوم أبو بكر يوسف (الذي يسموه الان – مترجم تشيخوف)، ورغم اختفاء دار رادوغا السوفيتية للنشر مع الدولة السوفيتية نفسها.

 استمر تشيخوف طبعا بالانتشار عربيا، لأن تلك الترجمات مجتمعة لم تستطع ان تقدم للقارئ العربي كل نتاجات تشيخوف الواسعة، وبرزت اسماء مترجمين عرب في هذا المجال، ولا يمكن لنا بالطبع (في اطار مقالتنا هذه) حتى التوقف عند تلك الاسماء والنتاجات العديدة التي قدموها لتشيخوف، ولكننا نود في مقالتنا هذه ان نتوقف قليلا (وحسب عنوان مقالتنا) عند المساهمات الجديدة للمترجمين العراقيين بالذات في هذه العملية الابداعية الجميلة لاغناء المكتبة العربية بنتاجات تشيخوف في الفترة الاخيرة من القرن الحادي والعشرين (اي في مرحلة ما بعد ابوبكر يوسف ودار رادوغا السوفيتية ان صح التعبير)، وهي ظاهرة تستحق – من وجهة نظرنا - ان نتوقف عندها ونحددها ونقدمها للقراء العرب، وتستحق من الباحثين العرب ايضا ان يدرسوها بامعان وتفصيل، لانها خطوة جديدة ومهمة في مسيرة الادب الروسي بعالمنا العربي، خطوة تمتلك سماتها الفنية الخاصة بها، وتعكس اجتهادات مترجمين من ذوي التجربة والمعرفة في هذا المجال، وذلك لان تشيخوف هو أحد رموز الادب الروسي.

الاسم الاول، الذي نتوقف عنده هنا هو عبد الله حبه - الاسم الكبير في عالم الترجمة عن الروسية. لقد قدّم حبه كتابين جديدين لتشيخوف في الفترة الاخيرة، واصدرتهما دار المدى الرائدة في بغداد، الكتاب الاول هو –  قصص ومسرحيات لتشيخوف (وهي بشكل عام غير مترجمة الى العربية سابقا)، والكتاب الثاني  – جزيرة سخالين، وهو كتاب متميّز وفريد من نوعه في مسيرة تشيخوف الابداعية، اذ كان تشيخوف نفسه يعتبره (عمله العلمي)، والذي قدّمه حتى الى الكلية الطبية، وطلب – على اساسه – اعتباره دراسة علمية وبحثية، تؤهله كي يكون تدريسيّا للعمل في كلية الطب، اي انه كان يعتبر كتابه هذا (اطروحته)، الا ان الكلية رفضت ذلك في حينه، ولا يمكن الحديث عن ذلك تفصيلا في مقالتنا هذه (رغم اني تذكرت اطروحة علي الشوك الفنطازية في العراق)، الا اننا نستطيع ان نقول، ان كتاب (جزيرة سخالين) مهم جدا في مسيرة تشيخوف الابداعية، وان ترجمته الى العربية من قبل عبد الله حبه قد أكمل – واقعيا - صورة تشيخوف وقيمته واهميته امام القارئ العربي، وهو عمل رائد فعلا. 

المترجم الثاني هنا هو المرحوم خيري الضامن، والتي خسرت حركة الترجمة العربية عن الروسية برحيلة واحدا من أعلامها الكبار. لقد تم الاعلان قبيل رحيل الضامن، انه أنجز ترجمة رسائل تشيخوف باكملها، وانه تردد بنشرها، بعد ان تم اصدار ترجمته لرسائل دستويفسكي في كتاب دون الاشارة الى اسمه، وهو الذي ترجمه عن الروسية وتم اصداره باسمه في حينه. ولا ادري اين الآن رسائل  تشيخوف، التي ترجمها المرحوم الضامن، وكم اتمنى ان يقوم ورثته بنشرها، لاهميتها اولا بالنسبة للقارئ العربي، ولأن مثل هذا الكتاب (في حالة صدوره) سيكون نهاية رائعة ومهيبة لسلسلة كتب المرحوم خيري الضامن، التي ترجمها طوال حياته، حول الادب الروسي من نصوص للادباء الروس او دراسات نقدية عنهم.

المترجم الثالث في هذه المقالة هو فالح الحمراني، الاسم المعروف في عالم الترجمة عن الروسية. لقد صدر في بغداد عام 2021  كتابا لتشيخوف بترجمة د. فالح الحمراني عنوانه – دراما في الصيّد، ويقع في 344 صفحة من القطع المتوسط. احتفظ الحمراني بالترجمة الحرفية لعنوان هذا الكتاب كما اراد تشيخوف نفسه، وهو اجتهاد للمترجم العراقي، الا ان المترجم المصري يوسف نبيل ارتأى ان يترجمه بشكل تفسيري، وهو – (جريمة في حفلة صيد)، ويمكن الان للباحثين العرب ان يدرسوا الترجمتين ويقارنوا بينهما، وفي هذا اغناء للادب الروسي في المكتبة العربية، واغناء لحركة الترجمة العربية طبعا.

نختتم مقالتنا هذه بالتوقف عند اسم عراقي جديد في مجال الترجمة عن الروسية هو – محمد خميس. لقد صدر لهذا المترجم الشاب في بغداد لحد الان عدة كتب بترجمته عن الروسية، ويؤسفني باني لم اطلع على اي كتاب منها، اذ انها لم تصل من بغداد الى (عاصمة الثلوج) حيث أقيم أنا منذ فترة، الا ان عناوين تلك الكتب مثيرة فعلا، وتشير بما لا يقبل الشك، الى ان هذا المترجم الشاب (خريج قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد وماجستير في الادب الروسي من جامعة بطرسبورغ الروسية) يعرف كيف يختار – وبدقة - نماذج (ناطقة !) من الادب الروسي الحقيقي من بوشكين الى أندرييف، ومن بين هذه الكتب يوجد مصدر مهم جدا للمكتبة العربية حول تشيخوف عنوانه – انطون تشيخوف.. دفتر المذكرات واليوميات. ظهور مترجم شاب جديد وبهذا المستوى في بغداد يعني، اننا نستطيع ان نستخدم التعبير العربي الجميل بالنسبة لمقالتنا هذه عن المترجمين العراقيين وتشيخوف، ونقول، ان ختامها مسك. أليس كذلك؟

 

أ.د. ضياء نافع

 

جمال العتابيتحرص الصحف والمجلات والمطبوعات الدورية على ثبات ترويستها، أو ما يعرف بـ(اللوغو)، ونعني به الإسم والشعار الذي يميز المطبوع عن غيره، بوصفه المدخل الأول للتعريف  به وتأكيد هويته، كأحد عناصر نجاحه وإستقراره، فضلاً عن كونه قضية جمالية وفنية، ومتعة بصرية إعتادها القارئ، لا يجوز إنتهاكها والعبث بمكوناتها.

جريدة الأهرام المصرية بعد أكثر من قرن على صدورها، ماتزال ترويستها هي نفسها التي صدرت فيها منذ عددها الأَول، وكذلك جريدة الأخبار، وغيرها من الجرائد والمجلات المصرية، ومثلها تجارب عالمية صحفية راسخة في إحترام التقاليد المهنية في الشكل، وإستقرار الترويسة.

غير ان هذه القضية للأسف الشديد، تقف منها الصحافة في العراق، وكأن الجرائد والمجلات كيانات بلا تاريخ، كيانات خاضعة لمزاج ورغبات إدارات التحرير، في ظل عدم وضوح الرؤية، وغياب التخصص لدى تلك الإدارات، فضلاً عن الإرتباك الاداري والفني السائد في المؤسسات الاعلامية. ودون العودة لتجارب صحفية عراقية رائدة، بقصدٍ، أو بدونه، وأغلب الظن لجهل في تاريخ الصحافة.3223 ترويسة جريدة

ان جريدة يومية واحدة صدرت قبل أكثر من سبعين عاماً، مثل (الأهالي) لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة كامل الجادرجي، إستجابت إدارتها لمتطلبات عصر تحولات سريعة يقتضي  وضع تصميم جديد لترويستها، يوم ذاك لم تتعرف الصحافة على الإخراج الفني، ولم تدخل بعد التقنيات الحديثة في الطباعة، لكن الجريدة تمتلك عقلاً متنوراً يسعى لصنع تاريخ وهوية عراقية (للأهالي)، فكلفت أنذاك الفنان جواد سليم لتصميم شعار الجريدة، بالإشتراك مع عبقري الخط العربي هاشم محمد البغدادي، الذي مشق الإسم بالخط الديواني، وطرحت الجريدة الشعار الجريدة للمناقشة، كتقليد متحضر غير مألوف في صحافتنا أنذاك، للتعرف على آراء القراء، وإستلمت هيأة التحرير مئات الرسائل مع أو ضد التصميم، البعض إعتبر الشعار  قريباً من الشعار (السوفيتي) المنجل والمطرقة، إلا ان كامل الجادرجي زعيم الحزب لم يأخذ بتلك الإعتراضات وإعتمد التصميم، لأمرين مهمين، الاول متعلق بمكانة جواد وهاشم الفنية العالية، وحصيلة ما أنجزاه يعدّ مكسباً مشرّفاً للجريدة ذاتها، لا تناله جهة أخرى بسهولة، وكان إعتماده حدثاً مهماً في دعم الفن الحديث، وتبني أفكاره الجديدة، وظهرت الترويسة لأول مرّة في 17آب 1952، وكتبت الجريدة مقالة بهذه المناسبة جاء فيها: منذ مدة والنية متجهة نحو إجراء تغيير جوهري في شكل وعنوان الجريدة، وكان الهدف الأساس هو ان تكون الشعلة، وهي الرمز التقليدي للأهالي جزءاً من العنوان، كما كان الحال في الشعلة القديمة التي كانت تبدو كأنها لصيقة أو طارئة على العنوان، وتحقيقاً لهذه الفكرة، تركنا للفنان الحرية في إخراج الشكل الجديد الذي يحقق به أكبر تعبير ممكن في هذا السبيل، وقد تعهد بهذه المهمة الفنان الكبير الأستاذ جواد سليم، وبعد ان رسم سليم الشعلة حدّد على وجه التقريب وضعها بالنسبة للخط، تاركاً للخطاط حرية إختيار نوع الخط والنقاط الفنية.

وإختار جواد سليم النموذج الجديد الذي قدّمه هاشم البغدادي، وذكر ان أسباب ترجيحه الخط الديواني، هو نجاح الخطاط في الطريقة التي إختارها عند مزج الخط بالشعلة بحيث جاء الأثنان منسجمين بعضهما مع بعض، بالحركة أكثر من بقية النماذج الأخرى.

وفي حوار مع الفنان جواد سليم سأله الصحفي عباس الصراف : هل ان الشعار بعيد عن السياسة؟ فأجاب جواد : نعم إنه أمل الإنسان، فالحمامة رمز السلام، والمطرقة رمز الصناعة والتقدم، والمدية رمز الزراعة، والشعلة رمز النور والحضارة.

ان محاولة تكثيف مثل هذه الحياة الثرية العريضة بكلمات قصيرة، لا تغني عن الحقيقة شيئاً، ولكننا لا نملك إلا أن نردد ان الآتي من عقود تلك السنين هم اساتذتنا ومعلمونا، وهم صورة الإنسان العراقي في تحولاته الوجدانية والفكرية عبر سنوات الكشف والتحدي، والقدرة على النمو والإزدهار، إذ شهدت تلك الأعوام تمدد وتجدد حركة الأدب والفن، نحو تأصيل التحولات المهمة فيها.

 

جمال العتّابي

 

شاكر فريد حسن"في انتظار غودو" هي مسرحية للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت، وكان الأديب والمثقف الفلسطيني الراحل نواف عبد حسن قد ترجمها ونشرها على حلقات في مجلة "الشرق" التي صدرت بالبدايات في سبعينات القرن الماضي، عن صحيفة "الأنباء"، ورئس تحريرها الأديب محمود عباسي، ثم تحولت لملكيته وصدرت عن مطبعة المشرق في شفاعمرو حتى احتجابها.

تدور المسرحية حول رجلين، الأول يدعى فلاديمير، والثاني استراغون، ينتظران شخصًا آخر يسمى غودو ليغير حياتهم نحو الأفضل. ومسألة الانتظار هي الموضوعة الأساس بل روح المسرحية بكلمة أدق، ومرد كل هذا أن الانتظار بحد ذاته عبث حقيقي خالص لا تشوبه شائبة عندما يكون الشيء المنتظر لا وجود له أصلًا أو لا معنى له، بل لا هيئة له، ويغدو انتظار غودو رمزًا للقادم الذي لا يأتي أبدًا.

المسرحية في فصلين لا يتغير فيهما المشهد وهو طريق مقفر ليس فيه سوى شجرة جرداء، وهي فكرة رمزية صورية تعكس عقم الحياة وعذاب الإنسان في منفاه على الأرض، ويجلس إلى جوار الشجرة شخصان مهرجان ثرثاران ثرثرة لا نهاية لها في انتظار غودو.

إنها مسرحية تمثل رمزًا للمسرح العبثي وتكتنفها نزعة سوداوية تشاؤمية وسخرية لا متناهية من خلال التلاعب بالألفاظ، وتحمل في ثناياها وطياتها الكثير من الترقب والانفعال.

وهذه المسرحية تعتبر من أفضل أعمال صموئيل بيكيت وأشهرها على الإطلاق، وأكثرها سطوة وتأثيرًا، حققت نجاحًا منقطع النظير حين تم عرضها في المسرح، ويمسك فيها بيكيت بخيوط الأحداث التي لم تحدث، وينسج لفكر فلسفي شديد العمق والإثارة، ذلك إنه يمزج بين أمل ميؤوس منه، ويأس مأمول منه في إطار مسرحية أسيرة ظلت لغزًا واحجية لكل عشاق مسرح العبث.

بالمختصر المسرحي تحكي المسرحية قصة انتظار من لا يأتي، صبغتها الرئيسة الصمت والقلق والجمل القصيرة، وبالرغم من الانتظار يظل الامل قائمًا وهذا هو جوهرها.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

ناجي ظاهرعرف عن أهل الابداع في مجالاته المختلفة، منذ فجر الإبداع الأول، أنهم يولون ابداعهم المرتبة الاولى في حيواتهم، ويصلون الليل بالنهار من أجل تقديم أفضل ما يمكنهم تقديمه من إبداع يضيف جديدًا إلى ما سبق وقدّمه مبدعون آخرون، اثرو الذاكرة الابداعية البشرية، وإلى جانب اهتمامهم هذا بالإنتاج، أولى هؤلاء توصيل ما أبدعته قرائحهم إلى عناوينه الصحيحة، فبذلوا جهدًا ما لأداء هذه الغاية الهامة لكن ليس المركزية في دائرة الابداع.

مع تقدُّم الحياة وتطوراتها اليومية المتسارعة، وتوفر الامكانيات المتجددة، يبدو أن المبدعين وجدوا انفسهم في دوّامة، فهم من ناحية يريدون أن يبدعوا وينتجوا، ومن أخرى يودون توصيل إنتاجهم إلى عناوينه الصحيحة، فماذا يفعلون والحالة هذه؟ هل يتحوّل هؤلاء عن همهم الاول، ويصبحون مسوقين لأعمالهم؟، هل يمكن أن يتحول الواحد منهم إلى مدير أعمال ويتخلّى عن هدفه الاول.. الإبداع؟

هكذا ابتدأت تظهر رويدًا رويدًا وظيفة جديدة بإمكانها أن تضيف إلى الابداع، تقف إلى جانبه وتسانده، هذه الوظيفة هي مدير الاعمال، مع مضي الوقت عزّز وجود هذه الوظيفة، ذلك الاهتمام المتزايد بالإبداع وأهله، وما يُدرّه من دخل وفير، هذه الوظيفة الجديدة نسبيًا في تاريخ الابداع البشري، سهّلت على المبدع مسالك إبداعه ومنحته الامكانية لأن يتفرّغ كلية لعمله الابداعي، تاركًا هموم المفاوضات وما تخلّفه من وقت، اخذ ورد، مجادلات ومناقشات لمدير اعماله.

هذه الوظيفة خفّفت عن الانسان المبدع وعفته مما قد يتعرّض له من احراجات وتبديدات للوقت والجُهد، وابتدأت مع مضي الوقت، في التحول إلى وظيفة هامة جدًا ولها مكانتُها في الحياة الثقافية عامة. 

هذه الوظيفة ازدهرت في العالم الغربي لأسباب كثيرة، إلا انها لم تدخل إلى عالمنا العربي بصورة قوية وفعّالة، والسبب واضح، هو أن سوق الابداع ما زال محدودًا فيه، وهو في أفضل حالاته لا يدرّ دخلًا يُذكر على صاحبه، إلا في حالات شحيحة، ويكفي أن نذكر في هذا السياق أن ما يطبع من الكتاب الواحد حتى لكاتب ناجح مثلًا في عالمنا العربي كله، لا يعدو الآلاف في أفضل الحالات، بينما تتجاوز طباعة الكتاب الواحد الناجح بالطبع في اوروبا، الملايين من النسخ.

اما الصورة المُقابِلة في عالمنا العربي المحيط بنا، لهذه الغربية، فإنها تختلف كلية، ففي غياب المبدع ذي القدرات والامكانيات المادية، هذا المبدع الذي يُمكنه أن يثري من ريع أعماله، وبالتالي غياب وظيفة مدير الاعمال التابع له، فقد جعل الصورة مشوشة إلى حد بعيد، وحوّل البعض من المبدعين إلى مسوقين لأعمالهم. ومما يؤسف له أن مثل هذا الوضع اتخذ حالة كارثية لدى المبتدئين وأشباههم... للتأكد مما اقوله ادخلوا إلى الفسيبوك مثلًا وتابعوا تفاصيل الكارثة التسويقية التي تقيم سدًا منيعًا بين الابداع ومدعيه.. وهم في هذه الفترة يعدون بـ ..الآلاف.

 

ناجي ظاهر

 

محمد عبد الكريم يوسف(الطبعة الأولى)

بقلم: توماس لوف بيكوك

نقل معانيها إلى العربية محمد عبد الكريم يوسف


 مدخل: زنوبيا هي ملكة مملكة تدمر خلال الفترة (267-273م)، تُعرف في المصادر الرومانية باسم يوليا أوريليا زنوبيا (Julia Aurelia Zenobia) وأيضاً سبتيما زنوبيا، وفي المصادر العربية باسم زينب والزباء، وأمّا أصل اسمها فهو آرامي وهو بات زباي أي (بنت زباي)، وتزوجت زنوبيا من الأمير العربي أذينة بن حيران.

استغل الزوجان حالة الحرب الدائرة بين الامبراطورية الرومانيّة والفارسيّة، فاستقل أذينة بمملكة تدمر، لكنّه ما لبث أن قُتل غيلةً، فآل الحكم لزنوبيا من بعده، فوسّعت المملكة لتشمل مصر وأجزاء من الأناضول بالإضافة لولاية سوريا الرومانيّة كاملة.

استشعر الامبراطور الروماني أوريليان الخطر القادم من الشرق، فسيّر جيشه نحو الأناضول، وهزم الجيش التدمري هناك، ثُمّ ما لبث أن حاصر تدمر نفسَها ودخلها عنوةً فقضى على المملكة التدمرية وأسر زنوبيا وأخذها إلى روما مُكبّلة بأغلال ذهبيّة، حيث عاشت فيها بضع سنوات قبل أن تموت في ظروف غامضة.

لم تلبث تدمر أن ثارت مُجدداً بعد فترة قصيرة، وخرجت عن الطاعة الرومانيّة في نفس العام، فسيّر أوريليان جيشه ودمّر المدينة تدميراً شديداً، ففقدت أهميتها وتحولت بعد ذلك إلى مركز إداري صغير ملحق بولاية سوريّة الرومانيّة ولم تقم قائمة لها بعد ذلك، ولاعلاقة لذلك باسم المدينة الحالي المأخوذ من الأصل الآرامي (ܬܕܡܪܬܐ، تدمرتو) ومعناه المعجزة.

I

كما تحتدم السيول الجبلية ،

بصوت عالٍ ، ومندفع ، وسريع ، وقوي،

هكذا تتدفق جداول الأعمار السريعة

وتتدحرج مع المد المستمر طويلا.

ويوم الإنسان القصير سرعان ما تتلبد فوقه الغيوم

ويمر يومه الطويل سريعا

يهزم الموت الجميع ويطويهم في تاريخ محتوم

يأتي مثل انفجار صحراوي حارق،

ويكنسه من الحياة الدنيا

وتقاوم أنبلُ أعمال القوة البشرية

عبثا ساعة القدر،

القاعةُ الرخامية ، والبرجُ المشيد من الصخور

كلها تستسلمُ للقدر

وتعصف بها رياح النسيان المخيفة

وتسقط الأعمدة الضخمة في الجوار

وتهوي الحمالات القماشية على الأرض

ويحجبها ظلام النسيان عن الذاكرة

 

II

عالم من الرمال القاحلة في وسط سورية ،

حيث تتمدد بقايا تدمر الرخامية

حيث الخراب وسط السهل المنبسط المنفجر،

لقد أصلح عرشه القوي

أضع علامة فارقة في صمت وحدي

على عهد حزين.

 

هذا الحطام الصامت أكثر بلاغة من الكلام

وينقل لنا العديد من الحكايات المريعة

حقائق أسمى مما يمكن أن يعلمه شاعر أو حكيم،

إن أبهة هذا الخراب تعتصر القلب

من أين جاء ذلك الصوت الغامض الخافت

الذي نطق بوشوشات جوفاء؟

 

كما تجتاح العاصفة الأمكنة

على طول الوادي

وحيث تنتشر العديد من القبور الظاهرة ،

أسمع بذهول في أذني

أصوات الموتى المشهورين اللامعين

وهم يمرون ببطء ويتنهدون قائلين:

يولد الإنسان وأعماله ليموت فقط.

 

III

 

كما تتبعثرين في الفضاء الكئيب ،

يا أرواح الحكماء والعادلة!

أقتفي أثرها في الفكر المبجل،

وقصور ترابك المبجل

وخيالك الحماسي المتييم بالضوء

يسكب في الهواء أشعته الكثيرة البراقة

ويعافى من ليل النسيان العميق،

انجازات الأيام الخوالي.

 

الجبابرة من الرؤساء القدامى

الذين يعتزون بالفضيلة، ويسمون بالبطولة

أراهم الأن في تألق ضعيف

وأستكشفهم بخفوت عبر ضباب الزمن

وعبر البخار المتصاعد من جدول الجبل

مع انعكاس شاحب يضيء شعاع الشمس المتراجع.

IV

ما تزال مثل عباءة الشفق العتيقة

تنتشر متقدمة في السماء

انظر ،مجدهم مرئي،

يجلسون على عرش قاتم في الأعالي

 

لكن لمن الأشكال ، ٱه أيتها الشهرة ، التي يعلنها ،

هذا الحشد المهيب على الهواء؟

إلهة مشرقة! تعال ، على جناح السرعة ،

لتخبرينا عن أعمال الملوك العظيمة.

أين أنت أيتها الشهرة؟

 

كل اسم مشرف

يُعلن من سجلك الأبدي:

أن أيقظ القيثارة

في أغاني النار

للرؤساء المشهورين في الأيام الخوالي.

 

أعلن عبثا!

سلسلة الترحيبات

والمدائح التي لا تطرب أحدا

وأفعالهم المشرقة

التي يجب أن تنام الليل

حتى يوقف الزمن دورته الغربىة.

وأمجادهم الباهرة في ذلك الزمان

وجدول السنين الذي مسح كل شيء،

وأسماءهم التي كانت تلقي الرعب في قلوب الأعداء

لم تعد ترن في الٱذان الذاوية.

V

وحتى عين المؤمن الفرحة

لا تزال تستطيع التعرف على شكله الذي يشبه الإله

والذي مزق أمجاده الملطخة بالدماء على شاطىء الفرات، من جبين سابور

 

وأرسل راية الرومان غير ملفوفة ،

وعندما يكون العبقري الصنديد للموجات المذهلة

انظر نحو العبيد في بلاد فارس

يقذف الخراب المضطرب

والعلم الوديع والذوق الرفيع

ويرتدي القبر مسحة بعيدة عن الموت

لمن له فضيلة تشغيل العقل،

و كل سحر مبارك للغاية

لمن يتابع الدندنة الغامضة للقيثارة

بعين ناقدة وحماس شاعر.

VI

أين شاعر البارد في هذه الأيام المنحلة

لمن تمنع ٱلهة الإلهام الجوائز؟

لمن ترفع الأغنية جياشة العواطف

وتضرب أوتار القيثارة الذهبية المتجاوبة؟

 

له وحده تقدم الأغاني

له كل المديح في هيئته الخالدة

تلك التي تنبجس عبر حجاب السنين

في جلال لا يتغير

مشرق مثل أشعة الشمس التي تبرز

وسط العاصفة المتناثرة.

 

ما هذا السحر الذي لا يحصى المرافق لنشوئها

ما هذه الروعة المبهرة التي تتألق في عينيها

وعلى جبينها المشع بالضياء

تخلط جمال منيرفا مع سمو جانو

وفضائل لا مثيل لها لعقلها الإلهي

تبرز مطبوعة على وجهها الملائكي.

VII

تحية الظل المقدس للطبيعة العزيزة

رغم أن الحزن أغلق سيرتك الباهرة

رغم أن الغيوم حجبت أيامك الجميلة

فإن شهرتك ومجد لن يذويان أبد الدهر

 

يعمل العقل نظرته التي لا تذوي طويلا

ليتابع تألق قوتك المبهرة

وسط الصحاري العربية البرية الشاسعة

وأرض الكنانة حيث أعمل العقل عينه اليقظة.

وابتسمت في البداية عند ولادة العلم والفن،

وأبعدت ظلال الظلام العقلي،

وملأت سهول سورية المتعددة الشعوب

بالعدالةوالجيوش الفاتحة

وقبلت الأمم المتواضعة سلاسلك الحريرية

أو هربت فزعة من سيف زبداس

رغم عبثية الأمل في التشارك بالرداء الأرجواني

وتنتزعين من الجيش الروماني امبراطورية الكون.

VIII

قاد الملك الروماني جحافله المخضرمة

على طول السهل البري الشاسع اليباب

ودحرج عجلاته المشتعلة فوق أكوام المذبوحين

وسمع صوت الطوفان من بعيد

وصرخة الحرب المدمرة

واندفع بعواء كئيب إلى مأدبة الموتى

IX

وللتخفيف على جدران تدمر

فر رعاياها الخائفون المرتبكون

واستعرت النيران وسط قاعاتها

الملكية الواسعة.

ومنذ ذلك الحين تدفقت الجحافل المعادية

لم يشفع لها الشباب الجميل ولا العمر المسالم

ولا سحر الأنثى، ولم يؤثر في الصدور المتوحشة

أو يخفف من غلواء غضب الرومان البربري

أو حدة سيوفهم المجرمة.

زأرت أصوات المذابح بشراسة وقوة ولمدة طويلة

ثم خيم الليل بظلاله، لقد انهىت ٱلة الموت عملها،

وغربت شمس تدمر ، ولم تشرق مرة أخرى.

X

ما هذا الشكل الغامض الفظ والمريع

بخده الذابل ورأسه الأشيب

السريع مثلما تشق نار الموت السماء

يكنس كل شيء بجناحيه وهو يمر؟

 

إنه الزمن: لقد عرفته، إنه عدو الملوك

بمنجله ورمله وجناحي نسر

يلقي نظرة مشتعلة على الجوار

ويلوح بيده العظيمة وهو عابس،

بعيدا عن طيف النيران الممتدة

في حين تتراجع النيران الضعيفة

وتتلاشى أشباحها المولودة في الهواء

مثل النجوم قبل شروق الشمس.

XI

نعم ! لقد انتهى كل شيء

وأنا أقف وحيدا

في ساعة هدوء وتأمل مسائية

وسط القباب المدمرة

والقبور الناشئة

وحطام الغرور والسلطة.

 

لون واحد غامض يغلف السهل ؛

لا يوجد شكل قريب ، لا أصوات تتطفل ،

لتكسر سيطرة الكآبة

والصمت والعزلة.

 

كم مرة تكرر هذا المشهد منذ بداية الزمان

حيث العين منكوبة والتأمل يخيم

وبعيدا عن الجنون والرزيلة والإنسان،

يعقد شراكة مقدسة مع إلهها

 

كم مرة تكرر هذا المشهد ليحزن الحكيم المتأمل

ويحزن على يد القدر وعدالته القاسية

ومسار الحرب العبثي ، وغضب الموت الذي لا يلين

والنسيان القاتم ، المعفر بالتراب

والذي وضع علامة على هذه القبور، وأعلن خلع الملك من عرشه،

وبكى سقوطه ، وغرق لينضم إليهم هناك ،

XII

في يوم عظيم تحولت العظمة إلى خراب

كم مرة ، من سنوات ، نشأت الترنيمة المتورمة

ورددت ترانيم ااشكر العظيم لرب النهار

أو أقيمت الصلاة للإنتقام من الأعداء المنتصرين.

 

لقد كان هناك قبل أن تأتي يد أورليان

القذرةالتي أضرمت النار بالٱثار المشتعلة

في حين تتحرك الجوقة المقدسة

حول نار المذبح المشتعلة

 

وأمر الكاهن بعينه الجامحة الوقحة المتوهجة

الضحية المقيدة أن تموت

وهي يطعم النار البخور المقدس

مع الكثير من الأسرار المقدسة

وأتى الوحي النبوي

ليعلمه بالمصير الوشيك

ثم نحنح جسده الجليل

ليعلن البشرى العظيمة!

في ملاحظات الألم والعميقة والبطيئة

قال لساعة الويل القادمة.

الشباب والخادمات شاحبون من الخوف

سمعوا الحكاية في عذاب لاهث ،

وخيم الصمت

على كل لسان

بينما رن الصوت المتنبئ:

XIII

من أين أتت صرخة الخوف الجوفاء

وأي نغمة خوف سكبتها في أذني المتقلصة؟

من أين أتت تلك الصرخة المعدلة ،

يبدو أنها تتضخم ، وأسرع من قبل؟

ما هذا الحريق المفاجئ الذي أضاء الليل؟

ها! إنه ضوء النيزك المدمر!

من أين أتت نفس الزوبعة الدوامة؟

ها! إنها انفجار الموت الغاضب.

XIV

انظر! إنه إله المعارك الجبار

ينشر قطاره القرمزي في الخارج

وأصوات الخلاف لا تعد ولا تحصى

في السهول التي هزها الرعب والخوف

ترتفع الرايات ،وتتوهج الخوذات

وتصفر السهام في الهواء

ويتردد صداها في السماء المظلمة

وترتفع همهمات اختلاط الجنود الجامحة

 

ويتقارع الفولاذ البراق

ويرن الترس المجوف

ويجلجل الصنج الفضي

وتسمع أخر أنين عميق من الألم

وهدير الأقدام المتسارعة

للتراجع العشوائي

والأصوات المتطاولة للصراخ بالنصر

XV

فوق سهولنا غريب منتقم

يسكب ٱماله العدوانية بنشوة

من سيتحقق من الخطر القادم ؟

ومن يهرب من القدر القادم؟

 

وأنت! أيها القادم من السماء البعيدة

عندما تتراجع ظلال الليل

تحرك عربتك اللامعة بفخر

وتلتف بنار شبه أبدية

 

انت! بنورك الحميد

تحث شياطين الظلام الغريبة والهاوية

على الطيران إلى كهوف جهنم المركزية

والشمس المعجبة تشهد دعاءنا

أيجب أن يسقط شعبك المفضل؟

أيجب أن نغادر سهولنا الباسمة؟

وأن نئن تحت وطأة سلاسل الغرباء؟

انهضي أيتها القوة السماوية الجبارة

وارم أعداءك بحجارة من سجيل

وبسهام الموت القاتلة

حتى تتشتت جيوشهم وتموت

من خلال انتشار حجافلهم المعاكسة

والأمراض القاتلة والخوف الشديد

ووهج الحمى والاضطراب والقلق الموحش

والرعب والجنون واليأس.

XVI

الويل ثم الويل لهذه الأعداد الشرسة الوقحة،

الويل ثم الويل لهذه الجموع المتدفقة بجنون

كأصوات العواصف التي تهب فوق المحيط

الويل ثم الويل للأمم المتكبرة القوية

باجتياحها الصاخب العنيف

وتدحرجها المتدفق كزبد الامواج العالية

وصدى موجها الذي يتردد طويلا

مثل ضوضاء البحار العظيمة،

مثل النسيم يهمس بصوت عال

انهض يا إله النور واجمع اندفاع الأمم وغطرستها

ومد يدك السريعة كالسهام

وانسف صلفها وغرورها

وأوصل مراتبهم للقدر المحتوم

وأطلق نيران اليأس في طريقهم

وقدهم إلى دمار أزلي لا ينتهي

واقلب عاليهم سافلهم

واخسف جبالهم خسفا

XVII

للأسف! عبثا ننادي عبثا

والغريب ينتصر بسقوطنا

ويأتي القدر عابثا لا يرحم

ليدمر تدمر الرائعة

ويشجع على ذلك النفس الثابت للزمن

وزوابع الصحراء تكتسح العظمة

وتغطي الرمال المتحركة في الجبال

الأعمدة المرتفعة

المحمولة على أجنحة العاصفة

وتبحر في سحابة واحدة

وسط السماء المظلمة

إنها تسقط...تسقط على أسوار تدمر

حيث الدمار الثقيل الغامر

وقذف رعد الانتقام

ليشطب مجدها من خريطة العالم

واسمها لم يعد معلوما في الحكاية التي تقول:

يقف المسافر على أطلالها

ويفتش بين رمال الصحراء

عن تاريخها المجيد!

اندرست قصورها ، وبادت مدنها

وغلفها النسيان بظلاله

XVIII

كم مرة علقت اللوحات الاحتفالية

على هذه الجدران التي مزقها الزمن

كأغان تتنفس نشوة.

أواه على فكر قليل و مجد ثري

عندما كانت السعادة الوردية تضحك بأعلى صوتها

هنا وسط أرضهم العريقة

ويلاحظ المتجول في الايام السحيقة

الغيم الحزين يحدق

في هذه الفلاة الرملية الواسعة.

وهنا لا يلتقي صوت بإذن

خلا صوت عواصف الصحراء التي تكنس كل شيء

بهمساتها الهادئة العميقة

وتحتك بالقبور الدارسة هناك في التل

والذين كانوا يوما هنا

ينشرون الحب والسعادة.

XIX

قصيرة هي الحياة المخصصة للإنسان

في هذا الوادي الدنيوي الذي نسير فيه

يتجول الإنسان وكله خطيئة وضلال وضعف وعمى

ويعيش حياة العواطف المتناقضة

متجاهلا حقيقة أن الحب بلسم للجروح.

وهو أعز نعمة يمكن أن يعرفها الإنسان

والغيرة ،بأنفاسها المسومة،

تقتل براعم العواطف الغضة،

واليأس العنيد الذي يسخر من الموت

والانتقام الأسود الذي يستحم بالدم

والخوف الذي يكفن نفسه بالظلام.

ويرتجف في الهواء الخافت

والأمل الذي يرتسم على الغيوم

برؤى سماوية مزيفة لكنها جميلة

كل حكم بالتناوب

اليوم هو يحترق

بألم شديد وضيق شديد

وسماء الغد

تعد بزوال الحزن والألم

وبأحلام سعيدة موعودة.

XX

منذ خيط الشفق الأول

الذي شهد هذا اليوم ولاد الخلق

وحتى حريق الأمس المتناقص

والذي لايزال متدحرجا محتارا بالمصيبة

مربكا عجلات الحياة الكثيرة.

وسيظل يتدحرج حتى انتهاء صلاحية آخر الزمان

في كل عصر وفي كل حين،

وستختفي السنوات المتوالية

والأعمال المتنوعة التي تميز العصر الحاضر

لن تبقى إلا ظلال الأيام الخالية.

XXI

على طول الشاطىء المهجور

حيث يتدفق نهر الفرات واسعا وغزيرا

لا يمكن لعين المسافر القلقة أن تتبع أكثر

البقعة التي كانت يوما ملكة المدن

حيث نصب بيرسيبولس العجوز برجا رائعا

عاليا من خشب الأرز

لم يبق منه شيء إلا الأطلال المدمرة بقسوة

لا يمكن للقوة والأبهة أن تقف في وجه القدر

والتلوث يطأ بقدميه المراوح العملاقة

يا مدينة الشمس!

وتتهاوى قباب الفرح والثراء المصنوعة في مدينة صور

كما تهاوت بوابات طيبة المئة وأبراج طروادة

بعار وحزن مقدر مسبقا له أن يكون،

وسالم الفخور قابل قدرك المحتوم

وغاصت فنون وأسلحة اليونان

مع أمجاد روما الإمبراطورية العتيدة في الظلام

XXII

عندما رفعت يد الطغاة الحديدية

أكوام جبل ممفيس

بقيت عواصف الغضب تتحدى الزمن

وحدق بخيلاء واعجاب ذاتي

وأمر حشود العمال الهائلة أن تتوقف

حتى تموت الطبيعة.

وجاءت رياح الموت مثل الأحمق المغرور

و مسحت اسمك الذي لا يقدر بثمن

والعصور بتدفق خبيث

ووضعت الأنسجة المشتراة بالدم في الدرك الأسفل

ثم يتوقف الغريب ، ليقال له:

هنا إنتصبت يوما الأهرامات العظيمة القديمة

و ابتسم ،يخالجه الشك،بالحكاية التي سمعها

والتي تروي عجائب السنين الغابرة.

XXIII

رغم أن الليل يغتصب السماء

سرعان ما يشرق نور الصباح

ويعيد النور والحياة

لتطلي الشمس بنورها السهول

ويعود الشباب مرة أخرى

لكن الإنسان لن يعود أبدا

 

على الرغم من عبوس الشتاء الشديد

الذي يشوه السنة الضائعة

يبتسم الربيع مرة أخرى بأزهاره المتجددة

ولكن ياله من ربيع حلو بنفس لطيف

فهل يلاحق الموت الجليدي نومه

في شتاء القبر المظلم والقاسي؟

 

أصخ السمع للصوت المثير

الٱتي من قصور الموتى

والذي بنتشر بعمق شديد!

لقد اختلطت الأصوات بشكل رائع من أصوات العواصف الدائرة مليئة بالهواء الصحراوي

XXIV

وأنت يا من لا تفكر! أتعرف كلفة ما تبكيه

تلك الغيوم لتغمر يومك الصغير؟

تكتسح يد الموت العنيدة

كل أمل دنيوي بسرعة وتكنسه بعيدا.

 

تتدفق الساعات السريعة في الظلام،

ولكن هذه الساعات السريعة تستخدم جيدا

وتقود الإنسان من عوالم الويل والخوف

إلى عوالم الفرح الأبدي.

 

ورغم أن أبيك وإلهك

يلوح فوق بعصاه الطاهرة

الرحيمة القاسية

ورغم أن بركة المستقبل تصلح

بكل عناية وبقوة عشرة أضعاف

ما يشير إلى تقدمك هنا.

XXV

انحني له لأنه رجل صالح

ويحب ما صنعت يديه

في التراب والهواء والنار والماء

سخاء والده يشع في كل مكان

انحني له لأنه رجل عادل

رغم أن البشر الفانين يتفحصون مسالكه في الحياة عبثا،

لا تتململ يا بني من التراب

لأنه برحمته يرسل لك الألم

انحني له لأنه رجل عظيم

وكان قبل الطبيعة والزمن والقدر

لقد بدأوا رحلتهم الغامضة

وسيبقى عند اشتعال اللهب

ويغمر الاطار العالمي

في الليل الأبدي البهيم.

انحني له إذن ، إنه سيد الجميع

وهو من يقرر سقوط ونشوء الإمبراطوريات

والأرض والسماء وأحجار الطبيعة

له فقط ، لا نظير له ، وحده لا شريك له

عرشه واسع في الفضاء الفسيح

خالد لا يتغير أبد الدهر

في حين تبيد العوالم والشموس والأقمار

***

....................................

العنوان الاصلي:

Palmyra -first edition-Thomas Love Peacock

Trans 2021

 

 

محمد المحسن-هذا المقال مهدَى حصريا إلى الشاعرين التونسيين: د. طاهر مشي وجلال باباي

كيف يمكن ايجاد مصالحة بين الإنسان والفرح، في خضم التداعيات المؤلمة التي يشهدها الوطن العربي في محنته "الإغريقية".. ؟

وكيف يستطيع الشاعر صياغة هموم وتطلعات أمته شعريا ؟

أليس بإمكان الشاعر الآن.. وهنا تطريز المشهد الشعري بزلازل من الأسئلة الحارقة والمقلقة لهذا الواقع الممجوج والمتخم قلقا وألما، وذلك عبر لغة شعرية صافية تعتمد الأصالة والإضافة، وتنأى عن المحاباة والوصولية.. تصالح ذهنية المتلقي وترتقي بحسه في هدأة الطريق إلى عوالم النص؟

ألسنا إذا وضع يتسم بالقتامة والإنكسار، أفرزته ظروف تاريخية ما فتئت تمر بها هذه الأمة منذ أمد بعيد، وقد شهدت خلالها متغيرات حثيثة، في القيم الرئيسية لمسيرة التاريخ الإجتماعي-الثقافي للعرب، بما من شأنه أن يوظف الأدب، توظيفا واعيا بجدلية الصراع بين الكائن وما يجب أن يكون، ويجعله يقاوم التيار الكاسح، ويتحدى الأمر الواقع، ليصوغه في شكل جدل بين الهزيمة والمقاومة.. !

ألم يواجه أدباء العالم في الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وما استجد من حروب صغيرة هنا وهناك، ظروفا لا تقل وجعا عن التي نحن فيها، غير أنهم سَمَوا بأفكارهم إلى مستوى التحدي، فظهر أدب المقاومة ضد النازي، وهو الأدب الأمريكي و-السوفياتي-والفرنسي، بين العشرينات والخمسينات من القرن الماضي، وبعد أن خلقت الحربان آثارا حضارية قاسية، وآلاما نفسية جريحة وموجعة، انبجست الموجة الوجودية في أدب الغرب، كاحتجاج وتمرد بارزَين..؟

أفلم يكن من الأحرى بنا نحن العرب، الذين خضنا حربا مهزومة عام 67 وثانية بديلة عام 73 وأخرى أهلية عام 75، علاوة على مآسي أخرى، وتراكمات تاريخية مؤلمة، أفضت إلى إنتقاضة جاسرة، مازال يخوضها أطفال فلسطين بالنيابة عنا في أرجاء الوطن السليب والمستَلَب، أن يكون أدبنا موسوما بالرفض والمقاومة، ويؤسس في مضمونه للآتي في موكب الآتي الجليل.؟

أليس للنص الشعري دور ريادي في تفعيل واقعنا، والإرتقاء بحسنا الإبداعي إلى مراتب البلاغة والإبداع، بما يمنحنا سخاء في الرؤيا يتجاوز الذاكرة الحبلى، والحلم العذري، حس المأساة في خاتمة المطاف، وهي تصاغ في حوار مجلجل مع الجيل الشعري الرائد؟!

إن تجاوب الأدب مع كل هذه التداعيات، وتحويلها لمادة للإنتاج، من شأنه أن يقوي الشعور بالوحدة، وبالرابطة القومية، ويذكي الوضع النفسي المتلائم مع القربى، والإنتماء الواحد، والمصير المشترك، ويضعف بالتالي الشعور الإقليمي، الذي يتكوّن تلقائيا في ظل أوضاع التجزئة، ويفتح ثغرة في جدار الحدود الإقليمية..

وقد جسّد شعراء بداية النهضة العربية هذا الدور على أفضل مما يقوم به شعراؤنا اليوم، ولعل في الأبيات التالية -للرصافي-عن تونس ما يؤكّد هذا القول :

أتونس، إن في يغداد قوما***ترف قلوبهم بالوداد

ويجمعهم وإياك انتساب***إلى من خص منطقهم بضاد

فنحن على الحقيقة أهل قربى***وإن قضت السياسة بالبعاد

إن حالة التردي التي يتسم بها واقع الأمة العربية بكل أقطارها، جعلت الراهن متخما بالمواجع، تتكالب عليه قوى الشر وتتحالف فيما بينها، بهدف اجهاض نقاط الضوء الثورية، التي نجحت في تخطي تخوم الإنكسار، واستطاعت بجهد غير ملول أن تجد لها طريقا بين جدران هذا الظرف، مما حدا بهذه القوى إلى احتواء تلك النقاط المشرقة لتصفيتها نهائيا، ولإشاعة جو اليأس والإحباط والتشاؤم بين أبناء الأمة..

وفي خضم-هذا الهم النبيل-وفي ظل تداعيات الوجع العربي بكل أبعاده الدراماتيكية، يقف-الشاعر-يستبطن أبعاد هذا الهم في الواقع الخام والمادة الأدبية، يتابع نبض الهزيمة وإيقاعها المأسوي، ويؤسس في ذات الآن للإنتصار، راسما في أشعاره علامات الزمن الخائب، واعترافات الجيل الضائع، من غير أن تكون الخيبة أو الضياع عنوانا أساسيا أو محورا متعمدا، بقدر ما هو قراءة للذات الراهنة، واستحضار للذكريات الماضية، واقامة جدل موضوعي بينهما في ضوء المدى المنظور..

هذا الضوء، هو-الجانب الجمالي-الذي يصوغ الأزمنة ويقيم الحوار معها، وفق-رؤيا-جديدة تؤسس لللآتي الجليل بأفراحه المرتجاة، وتجسد التخاطب الحي بين الهزيمة والمقاومة، وهذا يعني، أن للشعر فعلا موازيا للدور السياسي والعسكري في تضميد جراح هذه الأمة، واستشراف ضوء شموسها الآتي..

ومن هنا، تكون قضية ايجاد المعادلة الصعبة بين الهموم والتطلعات، وخلق المعادلات المعبرة عنها شعريا ضمن القصيدة، احدى نقاط الإرتكاز الأساسية التي يبحث عنها الشعراء، أثناء "المكاشفة الشعرية "فحالة الإنكسار التس يشهدها الوطن العربي من ناحية، وقضية الشعب الفلسطيني من ناحية ثانية، هما قطبان متلازمان في الخطاب الشعري الحدبث.

ومن البديهي أن تكون الهوية الفلسطسنية من جهة، والأرض المحتلة من جهة ثانية، مصدرا ملهما للشعر، فتتجلى المأساة عريا بوجه عام، وفلسطينيا بوجه خاص.

وقد لا يكون الأمر مفاجئا حين ينخرط الشعراء في البحث الدامي الدؤوب، عن مواقع الضوء في زوايا الواقع العرب، لأن الرؤيا التي أفرزتها-الإنتفاضة، هي الرؤيا المضادة لواقع الهزيمة، إنها الإستيعاب التاريخي لمعاناتنا جميعا، وهي العلامة الرئيسية لأدب المقاومة في مختلف تجلياته..

هذا الأدب الذي بات عليه أن يسبح ضد التيار الكاسح، ويتحدى الأمر الواقع، بإعتباره سيصارع تيار الهزيمة، ويتجاوز بذلك واقعها المترجرج، ويبحث في أدغالها وجذورها العميقة، عن تفاصيل وأسباب هذا-الواقع-المهزوم..

ومن هنا جاز القول، أن-الإنتفاضة الفلسطينية-بالأمس.. واليوم.. وبإسناد من المقاومة الباسلة، بدأت تؤسس للون شعري جديد ومتجدد، يتماهى مع الواقع، ويصوغه على نحو يجلو قيمه الجمالية، ويبرز أبعاده النبيلة التي هي مطمح كل فنان أصيل.

غير أن ما نرومه، هو أن لا تكون أشعارنا راشحة بالمرارة، طافحة بالحزن ومتخمة بالمواجع، بقدر ما هي مشعة بالفرح، تجسد الإنبهار بالحياة حد الشهادة، وتؤسس لروح الإنتصار عبر لغة تستكشف كنوز البيان وخبايا البلاغة، في تاريخية اللفظ والتركيب العضوي للكلمة، فيبوح النص الشعري بما يتضمنه من مفردات إبداعية، وبما كان سرا مستغلقا على الفهم ومستساغا للأذن في ذات الآن، بما من شأنه أن يحرر رقعة واسعة من الذوق التقليدي المتحجّر، ويكتسح مواقع الكلاسيكية عبر رؤيا تتفاعل مع عالم القصيدة الداخلي في ارتباط وثيق بالثورة الحضارية، وأن يتوصل في النهاية إلى ايجاد معادلات معبرة عن همومنا شعريا، بما يحقق تلك المعادلة الصعبة التي تربط، دون قسر، بين الذات والموضوع بصورة شعرية واعية.. ..

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

 

ناجي ظاهرعادة ما يؤدي النقد في الحياة الادبية والثقافة، وما اليهما، دورًا رياديًا يساهم في تصويب المسيرة وتسديد الخطى، ويلفت النظر، عبر منظار من الماس، إلى أمر، أو أمور غابت عن اصحابها، وكان اجدر بهم الالتفات إليها، لتأتي أعمالهم وممارساتهم أيضًا، اكثر تكاملًا ولياقة. لهذا يُطلب من الناقد أن يكون مُثقفًا مُطلعًا ليقوم بدوره على أكمل وجوهه، وليقدّم مساهمته في التقدم والازدهار المنشودين.. دائمًا وابدًا.

الناقد الثقافي والادبي بهذا المعنى يعتبر ضرورة حياتية لا بد منها، لفتًا لما غاب وانبغى أن يكون حاضرًا، ومساهمة في تطورٍ نَشده الجميعُ فغاب عن بعضهم وحضر لدى بعضهم الآخر، ومن المهام الكبيرة التي يقوم بها الناقد الحق، مَهمة المساهمة في الجدل القائم بلورةً لمفهوم أو مفاهيم جديدة عادةً ما تحتاج إليها الحياة بشتى مناحيها واتجاهاتها.

من تجارب نقدية سابقة سجلت نجاحات مشهودة، يُمكننا الاشارة إلى المواصفات التالية التي امتاز بها نقادٌ رياديون في الحياة عامة وفي حياتنا العربية خاصة.

1- تحمّل المسؤولية: أثبتت تجارب الماضيين البعيد والقريب، أن النقاد الحقيقيين، يتحمّلون مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم كاملة، ولم يتردّدوا في قول كلمة حق، وأنهم قالوا للأعور أنت أعور في عينه ولم يكتفوا بالمقولة التمويهية أنت نصف مبصر. ومن المعروف أن هؤلاء خسروا أحيانًا في قولهم كلمة الحق التي رأوها حاجة ملحة للتقدم والتطور، غير عابئين بالخسارة الآنية ومتطلعين إلى الربح الابدي. وقد ذكر الناقد اللبناني الفذ مارون عبود في أكثر من مناسبة أنه خسر الكثير من أصدقائه عندما وجّه إليهم سهام انتقاداته، إلا أنه ربح ضميره. وقد استمعت إلى مثل هذا الكلام من الصديق الراحل الكاتب عيسى لوباني الذي اعتبره الكثيرون تلميذًا مجتهدًا لمارون عبود أو أحد تلامذة مدرسته على الاقل. الناقد بهذا المعنى لا يقف موقف المتفرّج مما يعاني منه مجتمعُه من مثالب، نواقص وسيئات، وإنما يتخذ موقفه الذي تبرّع به ويساهم في المسيرة الصعبة. لا سيما عندما تزداد الظلمة المحيطة بها. إنه بهذا المعنى أشبه ما يكون بذاك البدر الذي تحدث الشاعر عن الافتقاد إليه في الليلة الظلماء. وهو إنسان مسؤول قرّر ألا يكتفي بموقف المتفرّج وخاض المعركة واضعًا في حسابه الربح أو الخسارة.

2- الثقافة والمنطق: يحتاج الناقد والحالةُ هذه إلى ثقافة واطلاع واسعين، وإلا كيف يمكنه المساهمة في تسديد الخطى وتوجيهها إلى أهدافها المنشودة، وسط سديم كوني صعب الاختراق؟ وتزداد الحاجةُ إلى مثل هكذا ناقد كلّما ادلهمت سماء الثقافة وتعقدّت أمور الحياة، ونُشير في هذا السياق إلى تجربة المثقف اللبناني الرائع رياض نجيب الريس فقد بادر بعد مغادرته لبنانه للإقامة في مُغتربه اللندني لإصدار مجلة أطلق عليها اسم "الناقد"، وقد أدت هذه المجلة دورًا هامًا ورياديًا في تطوّر العديد من الرؤى والممارسات الادبية والثقافية، فإليه تحية.

3- الاخلاق: يحتاج الناقد الجدير بهذه الصفة للتحلّي بمواصفات خُلقية أهمها الصدق والتوجه المبني على منهجية، تنطلق من نُشدان الحقيقية الخالصة، مهما كلّفه الامر من خسارة آنية، ونحن نتقاطع هنا مع ما قاله المثقف الفلسطيني البارز إدوارد سعيد طابت ذكراه، فقد وصف المثقف الحقيقي بأنه مشروع لقديس أو شهيد، يحمل روحه على كفه ولا يهاب الردى، بقدر ما ينشد حياة تسر الصديق. الناقد عندما يتحلّى بمثل هكذا خُلق يتعالى عن نزواته الشخصية ويحاول الارتقاء إلى ملكوت الحقيقة، إنه يترفع عن دنايا الامور ويرنو إلى آفاقها العليين. ولا يضع في حسابه سوى الحقيقة الصافية، بالطبع كما يراها من زاويته ومنطلقة المتين القائم على ارض لا تميد.

مُجمل الرأي أن الناقد الحق هو ذاك الانسان المسؤول المثقف ذو الاخلاق الرفيعة الذي آل على نفسه اتخاذ موقفه وموقعه، في دعم المسيرة الحياتية بشتى أبعادها، مؤثرًا موقف المشارك على زاوية المتفرج... ولامعًا مثل بدر في ليلة ظلماء.. شديدة الحلكة.

 

ناجي ظاهر

 

 

صادق السامرائيتقي الدين محمد بن معروف الشامي الملقب بالراصد أو الرصّاد (1521 - 1585) ميلادية (932 - 993) هجرية، عالم عربي دمشقي، موسوعي كان فلكيا ومنجما ومهندسا ومخترعا، وصانع ساعات الحائط واليدوية، ورياضيا وفيزيائيا، وخبيرا زراعيا وجنائيا، وطبيبا وصيدليا وحاكما، وحافظا لمواقيت الصلاة في المسجد، فيلسوفا وصاحب علم الكلام ومعلم مدرسة.

ولد في دمشق وتوفى في إستنبول، وبرع في زمن الدولة العثمانية، وأزدهرت علوم الفلك عند المسلمين لأهمية الوقت.

يقول عن نفسه: "... طالعت الأصلين، المجسطي، وكتاب إقليدس في الأصول، أكمل مطالعة...ورأيت في الأزياج المتداولة (الجداول الفلكية)، من الخلل الواصح والزلل الفاضح، تعلق البال والخلد بتجديد تحرير الرصد"

وأصبح منجم باشا في إستنبول أي رئيس المنجمين أو الفلكيين، وأنشأ (مرصد إستنبول) أو (دار الرصد الجديد)، (987 - 988) في زمن السلطان مراد، وتم هدمه بعد ذلك لأسباب عجيبة.

مؤلفاته:

لديه أكثر من (90) كتاب ومنها: سدرة منتهى الأفكار في ملكوت الفلك الدوار، الدر النظيم في تسهيل التقويم، الكتب السنية في الآلات الروحانية، الكواكب الدرية في البنكامات الدورية، ريحانة الروح في رسم الساعات على مستوى السطوح، في شجرة نابك لتطرف الأفكار، النسب المتشاكلة، المصابيح المزهرة، وغيرها.

إختراعاته:

وصف في كتابه الطرق السنية في الآلات الروحانية، الساعات المائية والآلية والرملية، والروافع بالبكرات والتروس المسننات، والنافورات المائية، وآلات الدوران بإستعمال المراوح البخارية.

-المضخة ذات الإسطوانات الست

- ساعة المشاهدة وهي أول ساعة تقيس الوقت بالدقائق

- أول ساعة ميكانيكية منبهة

حاربه المناوؤن له، واقنعوا السلطان بهدم مرصده فتأثر لذلك كثيرا.

فلكل نابغة أعداء لا يرحمون!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

سوف عبيدأرسل إليّ صديقي الشّاعر الدكتور نور الدين صَمُّود صورة يبدو فيها بيننا اِبني زياد الذي كان يبلغ من العمر سنتيْن وقد التُقطت لنا سنة 1986 بشاطئ مدينة المنستير وأردفها صباح اليوم الثلاثاء 5 ديسمبر2017 بهذه الأبيات جاعلا لها ـ تحيّة صباحية ـ عنوانًا وقد ضمّنها إشارات في الحكمة

تمُرُّ العُقودُ كمَرِّ السّــــــــحــابْ * ويبلغُ ذا الطفلُ سِنَّ الشّبابْ

وجَدَّدَ سُوفـًا فأصبحَ جَـــــــــــدًّا * جديدَ الشُّعور وغَضَّ الإهـــابْ

وما شابَ عقلٌ لهُ شُعــــــــــورٌ * ولكنّما شـَعْرُهُ اليومَ شَـــــابْ

وإنَّ المَشيب وقارُ الـشّـيـــــوخِ * وذلك أمرٌ أتَى في الكتــــــابْ

وإنّ الشّبابَ أوْ إنّ التّـصــــــابِي* بما قد يُؤدّي لشُربِ الشّــرابْ

ونَظمِ القوافي وتركِ العَـفــافِ * وبحثٍ على ما وراء النّقـــــابْ

وكم قلتُ للشّعر:هل مِنْ مَتابٍ * عنِ الشّعر؟قال: وأينَ المَتابْ ؟

ـــــ فأجبته قائلا في مساء نفس اليوم بتحيّة مسائية

إذنْ يا صديقي أردُّ الجَــــــوابْ * بشُكرٍ جزيلٍ بغير حِســــابْ

على صُورةٍ لبُنيَّ صَــبِــــــــــيًّا * وفي الصّيفِ كنّا وبحرًا عُبابْ

هُو العُمرُ يمضِي سريعًا فأيــنَ * الطفولةُ ولّتْ وأينَ الشّبــابْ

ولكنّهُ الشّعرُ باقٍ وفِيــــــــــنَا * يُشِعُّ… وعَذبٌ كأحلَى رُضـابْ

فَواصلْ صديقي صُمُودَ القوافِي * فَلا مِنْ مَتابٍ ولا مِن مَــآبْ

ـــــ ثمّ ردّ صديقي يقول يوم الأربعاء 6 ديسمبر 2017

السّلام عليك هذا الصباح من قليبية إلى تونس ولعله يصل إلى عاصمة النّور، وإلى اللقاء يوم السبت في نابل مع محبة ن ص

هداكَ الإلهُ لدربِ الصّــــوابْ * فأحسنتَ ردًّا بهذا الجَــوابْ

وصالحتَ فـَنَّ الخليل الـــذي* تجنبته في زمان الشبـــــابْ

وأحسنتَ في ما نَثرتَ قديما * وقد لـَذَّ نظمُك عندي وَطابْ

فإنّي أرى الدُرِّ في صُــــــرَّةٍ * يظلُّ ثمينا، ولا يُسْتـَـــطابْ

ولكنْ إذا نَظَمُوهُ عُقُــــــــودًا * ولاحَ بنَحْرٍ نَضِيرِِ3214 سوف عبيد الإهـــــابْ…

سَبانَا بحُسن فَرُحْنَـا نغـــنّـي * كمَا تتغنّى الطّيورُ الطـِّرابْ

فعُدتَ لنظْم الذي قد نَثَرتَ * فلاحَ كَعِقدٍ بأحلَى الــرِّقــابْ

وليسَ بقيدٍ وليسَ بِــــغـُـلٍّ * ولكنّهُ زينةٌ للْكِـــــــــــعَــابْ

ـــ فكان الجواب صباح الخميس 7 ديسمبر 2017 حيث أقول

ألا إنّما الشّعرُ تِــبْـــرٌ يُـــــذابْ * وسَبْكٌ جميلٌ إذا ما اِستجـابْ

فإنْ شئتَ حرٌّ طليقٌ بــديــــــعٌ * وإمّا بِوَزْنِ الـبُــحُور يُــصَـابْ

و ـ صَمّودُ ـ في ذَا وذاكَ قــديرٌ * بِسَبْح البُحور وشَقّ السّـحابْ

وإنّ الجميل يظلّ جـــمــيــــــلا * ومهما تبدّل لـونُ الــثّــيـابْ

ومثلَ شذَى العِطرِ لمّا يَفوحُ فَلَا * لِشَكْل الزّجاجةِ فيهِ اِسترابْ

ــ وكتبتُ في تكريم الصّديق الشاعر الكبير الدكتور نور الدين صمّود بمدينة نابل يوم السّبت والأحد 9 و10 ديسمبر 2017 أقول

أبا النّور* مرحَى * وأسعدْ بتكريمْ

أبو الشّعر أنـتَ * بِقرْض وتحكيمْ

وفي كل بـَحْـرٍ * كتبتَ التّرانيــمْ

فَصارتْ حِساناً * كمِثل البراعيـمْ

لَأنتَ الجديـــرُ * بشُكر وتعظيمْ

أجيئكَ حُـــبّــا * بدُون المَراسيمْ

فطابَ اللقاءُ * بأحلى التّقاسِيمْ

* ـ أبو النّورـ هي كنية الصديق الشاعر نور الدين صمود التي أناديها بها في مخاطباتنا الخاصة

ــــ ونشر قصيدا جديدا في موقع ـ المثقف ـ فكتبت تعليقا بالمناسبة فكتب تحته قائلا

صباحَ الخير يا (سُوفُ ) الذي قد

أتى من فَيْلَــ(سُوفٍ) وهْوَ عالمْ

يُضَاهي (أفلاطونـًا أوْ أرسْطــو)

ولكنْ ليس بُنـْكِـرُ قَوْلَ (ناظِــمْ)

فقدْ رَفضَ الفلاسفةُ القُــدامَى

لِمَنْ قد ظلّ في الأشعَار حَالمْ

(مدينتُهمْ مُفضّلةٌ لديهــــــــمْ)

مُحرَّمة ٌ على (غَاو ٍ وهـائــــمْ)*

ـــ فأجبته قائلا :

مساءَ الخير يا (نُورَ) القوافِي * وللأشْعارِ إنّك خيرُ نَاظـمْ

بِإبداع الجَمال نَصُوغُ شِعـــرًا * يَظلُّ ملاذَنا رغمَ المَظالـمْ

فَلا تَحزنْ لفَلسفةٍ تَهــــاوتْ * وقُلْ بالشّعر تزدانُ العَوالمْ

رادس في 23 ـ 9 ـ 2018

ثمّ أضاف الشاعر نورالدين صمود قائلا :

صباحَ الخير يا (سُوفَ) القوافِي*لقد أصبحتَ للأشعار ناظـمْ

وأضحى ما نثرتَ مـن اللآلي*كـعِــقـْــدٍ لامعٍ في كـَفِّ ناظـمْ

[مديــنــتنا، بفرط الحسن فيها،] * تظل ملادَنا رغــم المظالـمْ

لِـبيتِ الشعر فيها ألفُ معـنـى*يـــراه العاشقون بعـيـن حالــمْ

إذا ما القــلــبُ لم يسكرْ بشِـعْر ٍ*تــراه للمحاسن غــير فاهـمْ

فـلا تـحزنْ لفـلســفـة تـهـاوتْ * وقلْ: بالشّعر تزدانُ العوالمْ

وتصبح كالرياض بدون زهر ٍ *ومثــل الـدُّر يـبدو دون ناظمْ

مدينـتـنا مَـدَى الأزمان ظلتْ*تجودُ بشِعرها أضعافَ (حـاتـمْ)

وتـونـسُ تؤنس الـزُّوار فبـها* بشعـر ٍ ظـل فـيه القــلبُ هائم3208 نور الدين صمود 

علمتُ بتعرّض الصّديق الشاعر الكبير نورالدين صمّود إلى بعض الرّضوض إثر سقوطه في إحدى ردهات منزله ممّا لزم نقله إلى إحدى المِصحّات فأرسلت له هذين البيتين يوم9 جانفي 2020

أبَا النُّورِ هَبْهَا كَسَقْطِ العَرُوضْ

فَقُمْ للبُحُور بِرغْمِ الرُّضُــوضْ

طبيبٌ لِكُلِّ الزّحَافاتِ أنـــتَ

وأنتَ العليمُ بِسَبْكِ القَريضْ !

وبعد أيام قليلة إثر تماثله للشّفاء أرسل لي هذه الأبيات

شكوتُ إلى اللّه شكوَى المريضْ

من الزّمن المُتعدّي البَغيض

رآني طبيبًا لكلّ القوافِـــــــــي

وراسخَ معرفةٍ بالقَريـــــضْ

وأبصرني كالخلبل بصيـــــــــرًا

بكلّ رحافات عِلْم العَـروضْ

إذا ما أردتُ النّهوضَ اِستعنتُ

بطفلٍ صغيرٍ بذاكَ النُّهـوضْ

وناديتُ عزمي: رجوتُك عُدْ لِي

 

ولا تترُكْنِي ضعيفًا مَهيــــضْ

وعندكا نشرتُ قصيدة ـ الفطيرة ـ بموقع ـ المثقف ـ بتاريخ 18 مارس 2020 وبصفحة جمعية اِبن عرفة دبّج الصّديق الشّاعر الكبير نورالدين صمّود عليها أبياتا مشكورا

الفطيرة

تَوَكَّلْ عَلَى اللّه خُذْ بِالـلُّجَـيْـنِ * أَدِرْهُ بِلَمْسٍ يَصـيرُ فَـطِيـرَهْ

أَنَامِلُكَ السِّـحْـرُ مِنْهَا اَلْحَـــلَالُ * بِـفَـنٍّ تَـلُوحُ كَتَـاجِ الأمِـيـرَهْ

بِزيْتٍ وَقَمْحٍ وَعَزْمٍ عَـجَــنْــتَ * جِـبَالا وَجُبْــتَ بِلَادًا كَـــثِيـرَهْ

إِلَى الرِّزْقِ تَسْعَى بِشَرْقٍ وَغَرْبٍ * تَطُوفُ بِهَا وَنِعْمَ اَلسَّفِيرَهْ

لَكَمْ جَاءَكَ اَلْجَائِعُ وَاِشْـتَـهَـاهَا * فَجَاءَتْ إليهِ ـ مَلَاوِي ـ كَبِيرَهْ

وَشَــهْـدُ اَلْمَخارقِ مِثلُ الـزّلَابِي * كَتِلكَ الكَواكبِ وَهيَ مُنِيرَهْ

تَرَى اَلنّاسَ فِي كُلّ شَكْلٍ وَلَوْنٍ* وَوَاحِدٌ أَنْـتَ فِي كُلّ سِيـرَهْ

لَـئِنْ طَوَّحَتْـنَا اَلـدُّرُوبُ فَنَحْـنُ * نَحِنُّ جَمِيعًا لِتِلْكَ اَلْـعَشِـيـرَهْ

نور الدّين صمّود

أَيَا صانـعًـــا من عجينٍ فَـطيـرهْ * يراها بـأهــل الفَـخَـــار جديـرهْ

يـُذهِّـبُــُها غـَــليـــانَ الــزّيـــوتِ * فتغدُو نـُضــارًا، كشمسٍ مُنيرهْ

لـ(غُمراسنَ) الشّكرُ مِن كلِّ مَنْ * رأى في الفطيرةِ خيــرَ سَفيرهْ

وشــكــرًا لـ(سُوف) عــلى فـخـرهِ *فَـاخِرون بــصُـنع الـفـطيــرهْ

***

سُوف عبيد

 

عبد السلام فاروقخبر وراء خبر ..

ثمة فكرة رئيسة في روايات (ميلان كونديرا) كلها وهي: إن الحياة لا معنى لها لذلك أفضل وسيلة لمواجهتها هي ألا ناخذها على محمل الجد..

لطالما اعتبرتُ الحياة مسألة جادة،  وأن علينا أن نأخذ كل ما فيها على محمل الجدّ. حتى المزاح عندي مسألة جادة. غير أنها الحقيقة الصادمة بلا زيادة أو نقصان،  تضع سطر النهاية المحتومة لكل المخلوقات.. وهكذا كانت وستظل دراما الحياة والموت لا تنفك ترزأ البشر بأنوائها ومواجعها منذ بدء الخليقة .

 وسط شلال الأحزان المتدفق عبر(الفيس بوك) بالأخبار المحزنة لرحيل عدد من القامات الفنية والقانونية والإعلامية البارزة: (إبراهيم حجازي، أحمد الحجار،  وائل الإبراشي وتهاني الجبالي). أسعدني خبر نجاح العبقرية المصرية الصاعدة سوسن أحمد في أمريكا..

وصفة نجاح ..

 يأتينا هذا الخبر السعيد ليمنحنا الأمل في غد مشرق يمسح ببهحة النبوغ ونشوة النجاح.. عرق الإرهاق والتعب فوق وجوه حاصرتها الأزمات وأرهقتها المشكلات..

نجاح النابغة المصرية في أمريكا وراءه بالـتأكيد قصة عبقرية فريدة يجب أن تحكي وتعمم علي التلاميذ في مصر إذا كنا نريد بناء المستقبل الصحيح لبلدنا .

وسائل الإعلام الأمريكية،  احتفت بالصغيرة المصرية سوسن أحمد باعتبارها أصغر خريجة في تاريخ كلية بروارد بولاية فلوريدا الأمريكية،  قائلة: إن سوسن استطاعت اجتياز المرحلة الثانوية في سن التاسعة،  والتحقت بالكلية في العاشرة من عمرها،  قبل أن تتخرج نهاية عام 2021،  بعد حصولها على الزمالة في العلوم البيولوجية بمعدل 4 نقاط،  وهي الدرجة الكاملة بالجامعة.

وأيضا،  إن المصرية سوسن أحمد درست طوال حياتها في المنزل،  حيث كانت تشرف والدتها (جينا سانتوس أحمد) على برامجها الدراسية في مختلف المراحل قبل الجامعة.

ما فهمته من كلام والدها الطبيب وسام أحمد -الذي يعمل بمركز الأورام في كليفلاند كلينك بأبوظبي- أنه لم يدفع  ابنته قط إلي التفوق والنجاح الخارق: بل هي من كانت حريصة متطلعة إلي ذلك. وفي تغريدة أخرى عبّر والدها عن فخره بها.

قرأت (سوسن)  دراسة تقول: إن الذكاء الاصطناعي أكثر دقة حتى من أطباء الأشعة في اكتشاف السرطان لدى مرضاهم. لقد شجعني ذلك حقاً على الاهتمام بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الطب .

طريق الفشل ..

أما أقرانها في مصر للآسف،  فإنهم يشكون وذويهم مر الشكوي من نظام تعليمي متقتطع الأنفاس والوصلات ..حتي أصبحت مدارسنا بلا تعليم أو شرح!

الحجة الأكبر التى يتوارَى خلفها النظام التعليمى (كوفيد19). وكأن كورونا هو الذى أفسد علينا التعليم كأشياء كثيرة فسدت بفعل فاعل،  والمتهم ظلماً وباء كورونا . والحقيقة الواضحة أننا نسير عكس الاتجاه السليم بفضل وزير يتشبث بمنظومة تطوير أثبتت فشلها الذريع. وأهدر من أجلها ملايين الجنيهات دون جدوى حقيقية.

إن الذى حدث أن جميع الأسر المصرية باتت تعانى أشد المعاناة من تكلفة الدروس الخصوصية التى تضاعفت بسبب احتياج معظم الطلاب لأغلب المواد الدراسية بعد انعدام وجود الشرح بالمدرسة،  ولأن الدرس الخصوصي بات ملاذاً وحيداً ورسمياً تشجعه الوزارة . فقد أصبحت الدروس تمثل عبئاً ثقيلاً على الجميع،  وبات التعليم على ما فيه من مثالب هو الشبح الذى يطارد البيوت. فأى تعليم بقيَ فى مدارس بلا شرح ومعلمين لا همَّ لهم إلا تحفيز الطلاب على حجز الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية؟!

لماذا تصر الوزارة على ابتكار حلول عقيمة فى كل مرة؟ ولماذا لا تكتفى بتقليد النموذج العالمى للتعليم عن بعد فى زمن الجائحة؟ لماذا الإصرار على تعذيب الأسر المصرية والطلاب،  ومن قبل هذا هدم التعليم حتى لدى المعلمين أنفسهم،  بعد أن استناموا لطريقة التعليم منزوع الدسم والشرح. والتى أسلمتهم لحالة غريبة من الكسل والانتهازية ذات الطابع الرسمى؟!

يا أيها المسئولون عن التعليم فى مصر ارفعوا أيديكم عن التعليم قبل أن يتم القضاء على البقية الباقية منه. وإذا كانت خططكم ومناهجكم قاصرة عن تحقيق التطوير المزعوم فاكتفوا بالنماذج التقليدية المعروفة التى أثبتت فعاليتها وما أكثرها. ألم تكتفوا بتحويل التعليم إلى بيزنس و"سبوبة" تتهافت عليها المدارس الخاصة والدولية ومدارس اللغات؟

 التعليم بات اليوم طريقة للتعذيب والابتزاز بدلاً من أن يصبح وسيلتنا لغد لا أعرف كيف أتفاءل بأنه سيغدو مشرقاً يوماً ما!

 

عبد السلام فاروق

 

 

                               

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: فلنسلم بما وصلنا اليه في الحديث السابق وبأن "الحتميتين الوراثية والنفسية تصنعان مزيدا من التطابق  الخَلقي والأخلاقي لكنهما لا تكونان أبدا  سببا في تطابق الأحلام والتجارب والطموح،  لكن ماالذي يمنع الوالدين من الوصول الى مايدور في أذهان أبنائهم وبناتهم؟، وحينها سيكون سهلا، على ما أعتقد، أن يمنحوهم فرصة تحقيق الذات بعيدا عن تجارب وأحلام الأباء والأمهات !.

شهريار: إنه خلل عميق بالثقة بين الوالدين وأولادهم، هل تذكرين ياشهرزاد حين تحدثنا عن الإنصات ؟، وقلنا: إن  "أعظم أبواب الثقة الى النفس البشرية أن نحقق للمتحدث عن همومه ومشاكله فرصة التعبير بلا مقاطعة، وهو مايسمى (الهواء النفسي) الذي يشعره بأهمية مايقول وبوجود من يستمع أليه من أجل أن يفهمه لا من أجل أن يرد عليه، أو أن يبدي له النصائح، الأنصات بصيغة (التقمص العاطفي) لايعني التعاطف مع صاحب الشكوى فإن التعاطف يعني الإتفاق، بينما نحن نحاول أن نفهم حقيقة الأمر لنكون طرفا أصيلا في حل المشكلة". 

إن النَزْر القليل من الناس عبر الأزمنة البعيدة والقريبة،وحتى يومنا هذا، هم من يجيدون الإنصات بصغية التقمص العاطفي، واذا تمكن الناس من خلع قبعة الخبير بنية الإصغاء لصاحب الهم او الشكوى، لكنهم  لا يستطيعون فعل ذلك اذا كان المتحدث أحد ابنائهم أو بناتهم، كيف لهم أن يتخلّوا عن هذه الصفة وهم يعيشون دور المسؤول والرقيب؟ .

وعلى كل واحد منهم أن يجيب نفسه بالقول: اذا كنتُ لا اصغي لولدي المراهق  او ابنتي الصغيرة وهما يحاولان مد جسور الثقة معي، فكيف لهما أن يقبلان مني قولا او نصحا؟ .

إنَ للثقة المتبادلة  أشد الفعل في العلاقة مابين الآباء والأبناء، وإن الطريق الأمثل لمد جسورها أن نكون مبادرين بالإستماع الى هموم أولادنا ومشاكلهم، وتقمص شخصياتهم، وهم يحلمون بتحقيق ذواتهم، وخوض تجاربهم الخاصة بما يتناسب مع تطلعاتهم، علينا نحن الآباء والأمهات أنْ لا نلتفت الى ماضينا العتيد، وأن ننظر الى مستقبلهم بأعينهم هم، لا بعيون أحلامنا وتجاربنا القديمة .

شهرزاد: وماذا إنْ استطاع أحدنا أن يتجاوز (قبعة الخبير) وينصت بتقمص عاطفي، ويمد جسور الثقة مع أولاده؟ .

شهريار: ذلك مفتاح المحبة، في تلك اللحظات تتجسد أعظم عاطفة بين الطرفين، ويصير الوالدان مشكاة  تنير دروب المستقبل،نحن نمنح أولادنا الثقة لندخل قلوبهم،  فإن دخلناها منحناهم مفاتيح الأبواب المغلقة لتحقيق ذواتهم وطموحاتهم من خلال تجاربهم الخاصة .

شهرزاد: لكن ألا ترى أن الثقة المطلقة مع قلة الخبرة قد تكون سببا في إخفاقات عظيمة، وربما يلوم الوالدان نفسيهما على عدم الإرشاد والتصويب، ويندمان على تجاهل الخبرة المتراكمة؟ .

شهرزاد: ذلك يعتمد على التفويض الذي نمنحه لهم، ويقول أهل التنمية البشرية : إن التفويض نوعان الأول ما يسمى بـ(التفويض الساعي)،  وهذا ما يسير عليه معظم الأباء والأمهات بوصفهم مسؤولين على كل صغيرة وكبيرة، وعلى قاعدة (أفعل ولا تفعل)، وفي هذه الحالة سيفرضون تجاربهم وأحلامهم على مستقبل أولادهم شاءوا أم أبوا، أنصتوا أم لم ينصتوا، وفي ذلك مهلكة للجيل الجديد، وضياع للثقة، وتلاشٍ للمحبة، نحن بهذا التفويض نبعث برسالة دائمة مفادها: (أنتم بحاجة إلينا دائما، لا يمكنكم النجاح بدوننا).

وعلى هذا الأساس ستتشتت طموحات أولادنا فينشأوا مبعثرين ما بين أحلامنا وأحلامهم، مابين ما نرسمه لهم وما يطمحون إليه، وثقتهم بأنفسهم مهزوزة بقدر هوانها نحونا .

ولو منحناهم النوع الثاني من التفويض (التفويض بالوكالة) الذي يعتمد على النتائج وليس على المنهاج الذي نفرضه نحن، فسنهبهم القوة لإكتشاف مواهبهم وقدراتهم على النجاح، فكما يعتقد الآباء والأمهات أنهم أصحاب خبرة ونجاح،فإن عليهم أن يمنحوا أولادهم أسباب القدرة على النجاح بالإعتماد على ذواتهم في خوض تجاربهم الخاصة .

الآن أستطيع أن إجيبك عن سؤالك بوضوح: إن التفويض بالوكالة بحاجة الى صبر على تنمية مهارات الجيل الجديد، على أن تكون الثقة حاضرة بين الطرفين من خلال ماذكرنا آنفا،علينا أن نعلمهم القواعد العامة لكل تجربة، وننبه الى المخاطر المحيطة بها، ونبدي إستعدادنا للمساعدة إنْ طلبوها، ونترك لهم حرية المنهج والتنفيذ .

كأننا نقف معهم في قاعة واسعة، لها عدد كبير من الأبواب،فننبهم الى أبواب الشر،ونشير الى أبواب الخير، ثم نسلمهم كل المفاتيح ليختاروا،بملء إرادتهم، الباب الذي سيعبرون منه .

ولنأخذ مثلا بسيطا من الواقع: إبني (محمد) مولع بالكهرباء وأسلاكها ونقاط توصيلها منذ سن المراهقة، وبطبيعة  الحال كنت أخشى عليه من التعرض لصدمة كهربائية قد تنهي حياته، وأزجره كلما اقترب من ذلك الخطر، وعلى هذا الأساس أصابته رهبة، ولم يعد يهتم بهذا العالم .

حينما بلغ السابعة عشرة كنت أطلب منه المساعدة، أحيانا، وأنا أقوم بإصلاح عطل كهربائي، لكن تلك الرهبة مازالت تلازمه،وكان يتحجج بانشغاله بالدراسة او أي شأن آخر .

أدركت خطأي،وسعيت جاهدا لمنحه الثقة بقدرته على إنجاز المهمات المقبلة فأعطال الكهرباء لا تنتهي في منزلنا .

بدأت بتشجيعه وذكرته بقدرته على التعلم، ثم طلبت منه مراقبتي وأنا أشرح له في كل مرة شأن من شؤون هذه المهمات الخطرة، وعلى مدى أشهر تمنيت أعطالا  أخرى قبل أن ينخفض حماس ابني .

ومرةً بعد أخرى صار يجادلني في طرق إصلاح العطل، وحين أمسك بمفاتيح (اللعبة)، منحته التفويض بالوكالة، وعرضت عليه المساعدة إنْ إحتاج إليها .

لم يطل بنا المقام حتى ظهرت لنا مشكلة جديدة في أنارة إحدى الغرف، وكان الأمر يتطلب تغيير مكونات ما في السقف الثانوي لتعود الإنارة، وأكذب عليك ياشهرزاد إن قلت أنني كنت أعرف طريقة إصلاح ذلك العطل، لقد أدهشني محمد وهو يشرح لي كيف أن العطل لم يكن في المصباح، وإنما في قاطع الدورة الذي يمر عبره التيار الى المصباح .

اليوم وبعد أن أصبح شابا قويا لبس قبعة الخبير، ولم يعد يطلب مساعدتي في إصلاح أي عطل كهربائي، لكنه يجاملني أحيانا ويذكّرني (بأسرار المهنة) التي تعلمها  مني، وكأنه يشكرني على ثقتي به بشكل غير مباشر.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

...........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (44)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

3216 انعام جه جيرُشحت الروائية العراقية، إنعام كجه جي لنيل جائزة نوبل للآداب لعام 2022.، حيث أعلن نادي القلم بالعاصمة السويدية ستوكهولم عن ترشيح الروائية والإعلامية العراقية إنعام كجه جي التي تقيم في فرنسا منذ عقود، لجائزة نوبل في الأدب لعام 2022. وقالت مديرة النادي خلود صقر،إن: نتائج اللقاء السنوي الذي يجريه النادي تمخضت عن ترشيح الروائية إنعام كجه جي، والشاعر السوري سليم بركات، والروائية الأميركية إدويدج دانتيكات

وجرى ترشيح الروائية للمنافسة على الفوز بجائزة نوبل من قبل أعضاء النادي بعد حصولها على العدد الأكبر من الأصوات. ومن المتوقع أن ترسل نتائج الترشيح إلى الأكاديمية السويدية التي تقوم باختيار القائمة النهائية للمرشحين، وذلك بعد الموافقة عليهم

وللروائية إنعام كجه جي روايات عدة منها رواية (سواقي القلوب- 2005) و(الحفيدة الأميركية- 2008) والتي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2009، وقد تمت ترجمة الرواية إلى عدة لغات منها بالإنجليزية والفرنسية والصينية، أما رواية (النبيذة) فقد رُشحت أيضاً لجائزة البوكر في العام 2019.

إنعام كجه جى، صحفية وروائية عراقية. ولدت في بغداد عام 1952 وفي جامعتها درست الصحافة. عملت في الصحافة والراديو العراقية قبل انتقالها إلى باريس لتكمل أطروحة الدكتوراة في جامعة السوربون --تشتغل حاليا مراسلة في باريس لجريدة الشرق الأوسط في لندن ومجلة "كل الأسرة" في الشارقة٬ الإمارات العربية المتحدة -شرت إنعام كجه جي كتابا في السيرة بعنوان "لورنا" عن المراسلة البريطانية لورنا هيلز التي كانت متزوجة من النحات والرسام العراقي الرائد جواد سليم. كما نشرت كتابا بالفرنسية عن الأدب الذي كتبته العراقيات في سنوات المحنة والحروب -- في عام 2004 أعدت وأخرجت فيلمًا وثائقيًا عن الدكتورة نزيهة الدليمي، أول امراة أصبحت وزيرة في بلد عربي، عام 1959 ----- لها من الروايات "سواقي القلوب" (2005) و"الحفيدة الأميركية" (2008) التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009 وصدرت بالإنجليزية والفرنسية والصينية، وكتاب بالفرنسية عن أدب المرأة العراقية أنتج في زمن الحرب --- تم ترشيح الرواية الثانية لكجه جي "الحفيدة الأمريكية" لجائزة البوكر العربية، كما تم ترشيح تشاري ضمن القائمة المختصرة للجائزة العالمية للرواية العربية

لورنا سنواتها مع جواد سليم، دار الجديد (1998

سواقي القلوب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2005

الحفيدة الأميركية، دار الجديد (2008

طشاري، دار الجديد (2013

سارق الاّفندر، دار الجديد (2016

النبيذة، دار الجديد (2017

 تأريخيا ---- أطلق اسم جائزة نوبل بعد رحيل الكيميائي السويدي ألفريد نوبل (1833-1896) الذي أسعده الحظ باختراع الديناميت، وقد منحت أول جائزة نوبل في عام 1901 للأفراد والمنظمات التي قدمت مساهمات هامة في مجالات الفيزياء،الكيمياء،وعلم وظائف الأعضاء أو الطب، الأدب والسلام،إذ قام السويدي نوبل بالمصادقة على الجائزة السنوية في وصيته التي وثّقها في الاكاديمية الملكية السويدية باول احتفال اقيم في 1895-- وتردد ملك السويد عام 1902 في تسليم جائزة وطنية لغير السويديين، ولكنه تقبّل الوضع فيما بعد لإدراكه لكميةالدعاية العالمية التي ستجنيها السويد،تُسلّم جوائز نوبل في احتفال رسمي في العاشر من ديسمبر من كل عام (هو يوم وفاة السويدي، صاحب جائزة نوبل) على أن تُعلن أسماء الفائزين في شهر أكتوبر من العام نفسه من قِبل اللجان المختلفة والمعنية في تحديد الفائزين لجائزة نوبل.

منحت جائزة نوبل حتى الأن لاكثر من عشرين مؤسسة ولعدد 700 رجلا و40 امرأة. وعربيا فان العرب حصلوا على (جوائز نوبل حتى عام 2011واولهما الاديب الراحل نجيب محفوظ عام 1988 للاداب،والياس خوري عام 1990 في الكيمياء ، واحمد زويل عام 1999 في الكيمياء ايضا،واللبناني بيتر مندور في الطب عام 1960 وكان الراحل السادات قد حصل على جائزة نوبل للسلام 1978 والراحل عرفات عام 1994 ود محمد البرادعي عام 2005 وحازت توكل كرمان عام 2011 على جائزة نوبل للسلام ايضاوتردد في الاوساط ان آسيا جبار وأدونيس وغادة السمان وأمين معلوف اسماء عربية مرشحة لنيل نوبل للأدب ،وكان باحثون قد اكدوا ان توزيع جوائز نوبل للاعوام السابقة يؤكد هيمنة الدول التي تزدهر فيها مفاهيم الجدارة والحرية!!

مبدعينا العرب يترشّحون لنوبل ويخرجون منها بلا "حمص"، وتزيد من حجم غُبنهم، وهناك كتابات تلاحق الفائز بنوبل وتحفر في تفاصيله باحثة فيها عن جُزَيْئةٍ يبنون منها قُبّة التجريح في شخصه وفي انتماءاته ،إبداعاته على غرار ما حدث مع نجيب محفوظ ، ولكن يبقى نوبل محفلا دوليا وخيبة عربيا0 غض النظر عما يقوله العرب عن جائزة نوبل في فروعها المختلفة، تظل مؤشرا على التمايز بين الأمم والشعوب والدول، من حيث علاقتها بالبحث العلمي، وتوفير أسبابه ومستلزماته، ففي الوقت الذي نجد جامعات الدول المتقدمة تحظى بالمراتب العليا قياسا إلى الجامعات العربية، وتتطور مختبراتها وتواصل الأجيال المجهودات السابقة، ويقدم لها الدعم المالي الملائم، نجد الجامعات العربية مبنية على الارتجال ومؤسسة على المقاربة الأمنية، ولا تهتم بالبحث العلمي في أي مجال، لقد تجاهل الغرب القضية الفلسطينية ولم يكن هنالك متسع بين جوائزه الكبرى مثل نوبل لمحمود درويش.ولماذا يتم تجاهل أدونيس كل عام،

ومحمود درويش وغادة السمان والنواب يستحقون الجائزة لو كانت هناك مهنية وعدم تعنصر ضد العرب،وكما أوضح المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه "الإمبريالية والثقافة"

جائزة نوبل هي جائزة سياسية أكثر منها أدبية، قليل من حاز الجائزة دون أن يكون له موقف سياسي من قضية أو عرق ما.الجائزة متحيزة ضد العرب، بدليل أن عربيّاً واحداً فقط حاز عليها طوال هذه السنوات

 

نهاد الحديثي

 

 

ناجي ظاهرعُرف الابداع الادبي والفني منذ فجرهما الأول، جانبين، أحدهما هو الهامّ والآخر هو الاقل أهمية، هذان الجانبان تمثّلا في الابداع الحقيقي الذي دخل إلى الذاكرة البشرية، أما الجانب الآخر، فقد تمثّل فيما يمكننا أن نطلق عليه الجانب الاجتماعي وكل ما يتعلّق بصاحب العمل الابداعي.. لا بالعمل ذاته.

عن الجانب الأول نقول، إنه الهدف والمبغى وسدرة المنتهى في الابداع عامة وفي النوعين المذكورين خاصة، فالكاتب أو الفنان الحقيقي، إنما يبغي من كل عمل ابداعي يقوم به وينفّذه، إلى مرمى واحد، هو أن يضيف إلى ما سبق وقاله آخرون سابقون ما هو جديد وجدير، لهذا نراه لا ينام الليل، ويصل هذا الأخير بالنهار كي يقدّم أفضل ما لديه، مسعينًا بكل ما يمكنه التوسل به تحقيقًا لهذه الغاية سواء كان بالاستزادة من الثقافة والاطلاع، أم بالدراسة والمتابعة لكل ما هو جديد وحتى قديم في المجال. لهذا نلاحظ أن المبدعين الحقيقيين الجديرين بصفتهم هذه، يضعون الابداع ذا المستوى الرفيع في أعلى سلم أولياتهم، غير عابئين بما يمكن أن يستتبعه إنتاجهم الابداعي من انتشار وشيوع ذكر، وتحضُرني في هذا السياق رؤية مختلفة لتلك التي عرفناها حتى الآن، عن أن الحرمان، الفقر والجوع، هما الأبوان الشرعيان للإبداع، هذا الرأي هو للمثقف السوري د. سامي الدروبي، المعروف بإثرائه المكتبة العربية بالترجمات الكاملة لكل من الاديبين الروائيين الروسيين البارزين فيودور دوستوفسكي وليو تولستوي، ومفاده أن الفقر الجوع والحرمان قد يكونان نتيجة للحياة التقشفية التي يعيشها الانسان المبدع، وليس مقدمة لها، كما أشيع دائمًا، لقد اورد الدروبي رأيه الثمين هذا في كتابه القيّم عن "علم النفس والادب"، وأعتقد أن مرماه البعيد يتمثّل في أن الانسان المبدع قد ينسى العالم إلا أنه لا ينسى إبداعه.. مهما طاله من ظلم وعسف.

أما عن الجانب الآخر للإبداع الادبي، فهو ذاك الذي يتعلّق بصاحبه وبذيوع ذكره. أعترف أن هذا الجانب هو الدافع لكتابة هذه الكلمات، فما أكثر اولئك الذين ينشدون السمعة الأدبية الطيبة في عصرنا، عصر انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي وهيمنة العولمة/ الأمركة، بعد انتهاء الحرب الباردة، أي انتهاء زمن الحروب، كما يرى عدد وفير من الدارسين والباحثين المجتهدين، هؤلاء لا يهمهم ما يبدعونه وينتجونه، بقدر ما يجذبهم البريق المضلّل للشهرة، ومن هؤلاء أشير إلى مَن يدّعي أنه شاعر أديب أو مبدع فنان، دون أن يقدّم أي إبداع يُعتدُّ به، ومنهم مّن يستكتب آخرين وينشر ما يكتبونه له بالأجرة أو مجانًا، مدّعيًا أنه من بنات إبدعه، ومنهم أيضًا من يستقطب بفهلويته الاجتماعية، أو موضعيته الوظيفية، عددًا من الاصدقاء الذين يداهمونه باللاياكات على الطالع والنازل، غير آخذين بعين الاعتبار المستوى المتدنّي الذي يقدّمه للآخرين، من القراء والمتلقين. في هذا السياق يهمني الاشارة إلى فكرة طالما ردّدها شعراء ومثقفون، منهم الشاعر محمود درويش، مفادها أن هناك فرقًا كبيرًا بين الشهرة والأهمية، فقد ترى مبدعًا مشهورًا دون وجه حق، فيما ترى آخر مبدعًا وغير مشهور، فالشهرة ليست مقياسًا للإبداع، وإنما مقياس الابداع.. هو الابداع ذاته.

إذا كان لي من كلمة أضيفها في نهاية هذه الكلمة، هي تلك التي تتعلق بالإبداع والتسويق، وقد سبق وأشرت إليها في أكثر من كتابة وموقع، لا شك أنه من حق المبدع ذاتيًا، كما هو الشأن في عالمنا العربي عامة، أو مدير أعمال كما هو الامر في الغرب، أن يُسوّق ما يقوم بوضعه من إبداع، شريطة ألا ينسى أن الابداع وليس الانتشار المجّاني هو الهدف، ومما يمكن ذكره في هذا المجال، ما قاله الكاتب الروائي الايطالي المُبدع البرتو مورافيا، صاحب الروايات المشهورة عالميا: السأم، امرأة من روما وأنا وهو. لقد قال مورافيا ما مفاده إنه من حق المبدع أن يسوّق عمله بنسبة عشرة بالمائة، لكن من واجبه أن يبدع بالمتبقي أي تسعين بالمائة، وليس العكس كما يحدث لدينا.

 

ناجي ظاهر

 

 

فيصل عبدالوهابأقيمت أمسية ثقافية في اتحاد أدباء صلاح الدين في يوم 8\1\2022 لتكريم الناقد الكبير د. محمد صابر عبيد حيث ألقى محاضرة بعنوان " فلسفة الكتابة بين الأداة والموضوع " وأدار الأمسية الشاعر د. سعد جرجيس. وتحدث الناقد عبيد في البدء عن مسؤولية الكتابة أو بمعنى آخر استسهال الكتابة والتفاهة المتفشية في زمن الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي حيث تكتب ثلاث روايات في أسبوعين فقط  بينما استغرق الكاتب أورهان باموق أربع عشرة سنة في كتابة روايته " متحف البراءة" بما فيها عشر سنوات للتحضير لكتابتها. وأشّر الناقد ظاهرة كثرة الكتّاب وندرة القراء وأورد إحصائية تقول أن العربي يقرأ ربع صفحة كل سنة بينما يقرأ الأميركي ثلاثة عشر كتابا في السنة والانكليزي تسعة كتب وهكذا. وقال الناقد أن على الكاتب أن يكون من الرهافة والحرص بحيث يدقق في كل كلمة  أو جملة يكتبها وقياس مدى تأثيرها في القارئ وقال أن ذلك لا ينطبق على الكتّاب والشعراء فحسب وإنما على النقاد أيضا. وقال أن هناك فارقا شاسعا بين معلم النقد والناقد وأورد مثلا على ذلك حين وصف أحد النقاد المعروفين بأنه معلم نقد وليس بناقد في ندوة أقيمت في بغداد حيث أحدث هذا التصريح ضجة كبيرة. ثم اعترض الناقد على التسميات المعروفة  في الوسط الثقافي بتصنيفهم وفق المناهج أو الأدوات المستخدمة في نقدهم. فالمناهج أو النظريات النقدية هي أدوات يستخدمها النقاد ومنهم من يبرع في ذلك بينما يخفق البعض الآخر. وتحدث الناقد أيضا عن تجربته في الكتابة الروائية وهو المعروف شاعرا وناقدا ووصفها بأنها تجربة أليمة مقتبسا كلامه من أحد الكتّاب الروس وقال إنها تجربة لن تتكرر مشيرا إلى صعوبة الكتابة في هذا الفن الذي يستلزم خبرة معرفية هائلة.

وانتهز الحضور ومنهم كاتب هذه السطور الفرصة كي يسأل الناقد عما يطرحه من آراء في كتاباته التي تنشرها الصحف والمجلات تباعا حيث بادره بثلاثة أسئلة: الأول عن مقالة كتبها الناقد عن الكتابة حيث قال ان الكتابة لديه (لعب) وهو ما يتناقض مع ما يطرحه الآن في هذه الأمسية عن مسؤولية الكتابة وخطورتها. وقد فسّر الناقد الكلمة تفسيرا فلسفيا يختلف عن المعنى العام لها. أما السؤال الثاني فكان عن النقد الثقافي واهمال الأوساط الجامعية لهذا النوع من النقد حيث اكتفى بالقول ان النقد الثقافي أكذوبة. أما السؤال الثالث فكان عن إحدى مقالاته أيضا حيث هاجم فيها قصيدة النثر والشاعر سرجون بولص ، فأجاب بالقول ان ما كان يقصده هو العكس تماما حيث اكد على قدرة الشاعر سرجون بولص على اظهار أهمية الإيقاع في قصيدة النثر كونه بديلا عن الوزن في الشعر العمودي حيث كتب قصيدة موزونة وفق بحر الكامل ولكن لا يتوفر فيها عنصر الإيقاع  وكتب قصيدة نثر يتوفر فيها هذا العنصر.

ثم انبرى الشاعر د. ابراهيم مصطفى الحمد للدفاع عن النقد الثقافي وقال أن ما جاء به هذا النقد هو فكرة الأنساق الثقافية واظهر سلطة المؤلف والنص والقارئ بعدما أخفيت سلطة المؤلف وفق النظرية البنيوية. وقال الشاعر ايضا أن فكرة النقد الثقافي مطبقة أساسا لدى العديد من النقاد العرب ومنهم الناقد القديم عبد القاهر الجرجاني ومقولته في مسألة اللفظ والمعنى ، ومعنى المعنى. فيما اعترض د. حمدي حميد يوسف على مسألة التخلي عن الكتابة في زمن تكثر فيه التفاهة وقال أنه يجدر بنا أن نقف بوجه هذا الاتجاه ومحاربته وتبرز مسؤولية المثقف في الاصلاح وليس الاستسلام. ثم قرئت شهادتان عن الناقد عبيد من طلبته: الأولى من الشاعر ابراهيم الحمد حيث حدد السمات الفكرية والأدوات المنهجية للناقد عبيد حسب رأيه حيث كان معجبا برولان بارث ومنهج البنيوية واطلق عليه صفة الناقد البنيوي. أما الشهادة الثانية فكانت من الناقد الدكتور غنام محمد خضر حيث أشاد بالناقد عبيد وطريقته بتشجيع طلبته والأخذ بأيديهم للوصول إلى المنصات الجامعية والثقافية.

 

د. فيصل عبد الوهاب

 

صادق السامرائيكمال الدين بن موسى بن يونس بن محمد بن مالك العقيلي الموصلي (550 -639) هجرية، عالم الفلك والطبيعة والمنطق والحكمة، والطب والرياضيات والموسيقى، وبارع في الأدب والشعر وعلوم الدين، فكان عالما موسوعيا من مشاهير عصره.

ولد في الموصل، وقضى حياته فيها وتوفى فيها. ودرس في المدرسة النظامية في بغداد على السلماني والقزويني والشيرازي.

وكان مرجعا للمسائل والقضايا التي يصعب حلها، ويتمتع بذاكرة متميزة، وكان يجتهد في البحث عن الحقيقة والإطلاع على الكتب والحقائق بنفسه.

"برع في الحساب وقطوع المخروط وكتب في المربعات السحرية والجبر والسيمياء والكيمياء والأعداد المربعة والمسبع المنتظم والصرف والمنطق، وقد حل مسألة تتعلق بإنشاء مربع يكافئ قطعة من دائرة"،

" وإستخرج في علم الأوفاق طرقا لم يهتدِ إليها أحد"

أساتذته:

والده، السيد السلماني، والإمام يحيى بن سعدون.

تلامذته:

إبن خلكان، إبن الأثير.

مؤلفاته.

كتاب الإسطرلاب، شرح كتاب التنبيه في الفقه، كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في تفسير القرآن، مفردات ألفاظ القانون، في الأصول، في الفلك، في المنطق، الأسرار السلطانية في النجوم، في الحكمة، عيون المنطق، دواوين شعرية.

مخترعاته:

البرمار التام وهي آلة رصد لرسم أنواع المخروطات الهندسية المعتمدة في علم الفلم.

إكتشاف قانون الرقاص قبل غاليلو

قالوا فيه:

إبن خلكان:"هذا الرجل خلقه الله تعالى عالم إمامة في فنونه، لا يقال على من إشتغل ومن شيخه، فأنه أكبر من هذا"

إبن المستوفي:"...وهو في الفقه والعلوم الإسلامية نسيج وحده، ودرس في عدة مدارس في الموصل، وتخرج عليه خلق كثير في كل فن"

المختصر في أخبار البشر: " كان يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه، وكانت تعتريه غفلة لإستيلاء فكرة عليه"

يقول إبن أبي أصيبعة: "...كان كمال علامة زمانه وأوحد أوانه وقدوة العلماء وسيد الحكماء، قد أتقن الحكمة وتميز في سائر العلوم..."

وقال شاعر فيه:

أجدك إن قد جاد بعد التعبس

غزال يوصل لي وأصبح كؤنسي

وعاطيته صهباء من فيه مزجها

كرقة شعري أو كدين ابن يونس

ومن شعره:

ما كنت ممن يطيع عذالي

ولا جرى هجره على بالي

حُلتُ كما حلتَ غادرا وكما

أرخصتَ أرخصتُ قدرك الغالي

**

حتى ومتى وعدكم لي زور

مطل واف ونائل منزور

في قلبي حب حبكم مبذور

زوروا فعسى يثمر وصلا زوروا

وإبن يونس يقدم مثلا عن الموسوعية التي كان يتميز بها العلماء العرب الذين حياهم ربهم بقدرات معرفية خارقة وكأنها إلهامات أصيلة من ينابيع اليقين.

كما أنه يشير إلى معاناة العقول الثاقبة السابقة لعصرها، حيث تبلغ تفاعلاتهم العقلية ذروتها الإبداعية والإدراكية فيحسبهم الآخرون على غير ما هم عليه.

ولا يُعرف إن تم إتهامه بما ليس فيه، وإلقاء قميص التكفير عليه!!

تحية لهذا الجهبذ العلامة الخارق القدرات والمطلق الدراية والتجليات.

 

د. صادق السامرائي

 

ضياء نافعكان يمكن لهذه المقالة ان تكون بعنوان آخر، وهو: قراءة في مقاله الشاعر شوقي بزيع حول بوشكين، المنشورة في جريدة الشرق الاوسط بتاريخ 5 كانون  ثاني / يناير عام 2022، والتي جاءت تحت عنوان – ناتاليا نيكولايفنا وبوشكين ..الجمال والموت على سرير واحد، وعنوان اضافي تحته، وهو – هل كان ارتباطهما الزوجي هو الفخ الذي نصبه القيصر للايقاع بالشاعر؟.

ترجمت هذا العنوان المثير لصديقي الروسي، فاندهش جدا، وركّز خصوصا  على جملتين فيه، الجملة الاولى هي - (الجمال والموت على سرير واحد)، والجملة الثانية هي – (الفخ الذي نصبه القيصر للايقاع بالشاعر)، وسألني – هل انت متأكد من ترجمتك هذه ؟ قلت له – نعم،نعم، هذه ترجمة حرفية للعنوان، وسألته أنا بدوري – لماذا تشك في ترجمتي لنص عربي امامي من جريدة عربية مشهورة ؟ فقال صديقي – لأني لا اتصور بامكانية الكتابة عن بوشكين هكذا ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، فضحكت أنا  وطلبت منه ان يوضح رأيه بشكل دقيق، فقال ببساطة، ان جملة (الجمال والموت على سرير واحد) مرعبة جدا، وغير شاعرية بتاتا، ولا يمكن لشاعرمعاصر في زماننا ان يكتبها عن بوشكين، هذا اولا، وثانيا، كيف يمكن لشاعر معاصر ان يعتقد، ان قيصر الامبراطورية الروسية (ينصب فخا للايقاع بالشاعر)؟ قلت لصديقي، انك تفكر بطريقة مغايرة، ولا تعرف، ان الاسلوب العربي في كتابة العناوين يعتمد على اثارة القارئ العربي ولفت انتباهه لقراءة المقالة . فسألني – هل ان الجمال والموت عندما ينامان معا على سرير واحد يثير القارئ العربي فعلا ؟، ثم هل يثير هذا القارئ عندما يقولون له، ان امبراطور روسيا بنفسه  (ينصب فخا لشاعر)؟ ثم، هل استشهد شاعركم في مقالته هذه ولو بمقطع من قصائد بوشكين، كي يثبت للقارئ رأيه هذا؟. لم استطع ان اجيبه عن السؤال الاول ولا عن السؤال الثاني، ولكني اجبت فقط عن السؤال الثالث، وقلت له – نعم، هو استشهد بمقطع من قصيدة (النبي) لبوشكين، وكتب امام هذا المقطع ما يأتي – (أطلق بوشكين عبر قصيدته (النبي)  دعوة غير مواربة للاطاحة بنظام الاستبداد الدموي ) ثم يذكر المقطع من تلك القصيدة،  فقال صديقي الروسي– اقرأ لي رجاء هذا المقطع، اذ ربما سيثبت كاتب المقالة بواسطة هذا المقطع من قصيدة النبي لبوشكين  عناصر طريفة وجديدة لم انتبه عليها أنا بشأن دعوة بوشكين (للاطاحة بنظام الاستبداد الدموي!) عندما قرأت انا قصيدة النبي، فقرأت له المقطع الموجود في تلك المقالة، وهو كالآتي، وترجمته الى الروسية –

الا انهض يا رسول روسيا

والتفّ بهذه الحلة المنسوجة من العار

وتقدم والحبل يشدّ على عنقك

امام القاتل الكريه .

 قال صديقي، انه لا يحفظ قصيدة النبي لبوشكين عن ظهر قلب، لهذا دعنا نرجع الى قصيدة النبي في ديوان بوشكين بالروسية، ونجد المقطع . وهكذا رجع الى ديوان بوشكين، وبحث في الفهرس عن القصيدة ووجدها، وقال لي، ترجم المقطع الى الروسية، كي اجده في النص الروسي، قلت له ضاحكا، لقد ترجمت هذه القصيدة قبل اكثر من عشرين سنة، فقال – حسنا، ارجع الى كتابك الموسوم (ثمان وثلاثون مقالة عن بوشكين)، وانا أذكر مقالتك في ذلك الكتاب بعنوان (قصيدة النبي لبوشكين بثلاث ترجمات)، وهكذا وجدت الكتاب، وأخذ صديقي يقرأ  النص الروسي للقصيدة حسب مقاطعها، وانا اقرأ الترجمة العربية، ولكننا لم نجد ذلك المقطع الذي استشهد به كاتب تلك المقالة بتاتا، بل لم نجد حتى ولا اي شئ شبيه به او مقاربا له من حيث المعنى . فقال صديقي وهو يضحك – انشر نص قصيدة النبي كاملا مرة اخرى، كي يقتنع القارئ العربي بما نقول، فقلت له – سانشره حتما، وها هو النص –

(ظمأ الروح اضناني / وانا في عتمة البيداء وحدي / اجرّ بالكاد اقدامي،/ وفي مفترق الطرق / الملاك سيرافيم – المعلّى الاثير / ذو الاجنحة الستة / ظهر امامي، / وكالحلم، وبانامله الرقيقة / لمس مقلتيّ، / فانفتحت المقلتان المتنبئتان، / كما تفعل انثى النسر المرتعبة . / لمس الملاك اذنيّ / وملأهما بالضجيج و الرنين، / واصغيت انا لارتعاش السماء، / وتحليق ملائكة الجنان، / ومسير الاحياء في عمق البحار، / وخمول الكروم في الوديان . / انحنى الملاك على شفتيّ / واجتث لساني الآثم / والماكر والثرثار، / ووضع بيمناه التي يقطّر منها الدم / لسان حيّة حكيمة / في ثغري الاصم، / وشجّ صدري بسيفه / وانتزع القلب المرتعب / وغمد في جوفه / جمرة تلتهب . / استلقيت كالجثة في البيداء / وصوت الرب ناداني - / قم، ايها النبي، وابصر / وانصت،/ ونفّذ ارادتي، / واجّج  بالكلمات قلوب البشر / وانت تجوب البّر والبحر .

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

محمد المحسنالإهداء: إلى كافة المبدعين الذين يمارسون فعل الإبداع.. بجسارة من لا يهاب سطوة - الرقيب

تصدير: ليس للكتابة من جدوى بلا همّ إنسانيّ كبير، ومن غير معاناة مخيلة حية للتعبير عن هذا الهم.. هي انغمار متواصل للتنقيب عن كل ما ينفع منظومة البث على أداء دورها بكفاءة عالية، تغري منظومة التلقي على القراءة المنتجة للتأويل.وبوصفها إجابة لأسئلة وجودية كبيرة، تستدعي مخيلة ذات دربة اشتغال تمنحها القدرة على إنتاج نصوص تنم عن جهد معرفي بيّن.(الكاتب)

* الإبداع قادر على خلخلة الذاكرة واكتناه صيرورة الواقع.. أما سطوة المستبد فلن تفلح في ضعضعة انثيالات الرّوح.. والحد من وميضها الشفيف (الشاعر التونسي المتألق - جلال باباي)

هناك في البرزخ القائم بين حياة يحياها وأخرى يحلم بها، يقيم المبدع/الشاعرالتونسي جلال باباي - على تخوم الردهة المضاءة المسماة كتابة، مستمتعا بجحيم هذا الإنحدار الروحاني، يبحث عن لسعة نار ولو أحرقته، يعانق الشمس فقط كي يزرع حقول الأمل والبهجة والإنعتاق..

يرفض الإنحناء أمام الليالي العاصفات مهما أوغلت في الدياجير، يحاور روحه المتوهجة، الخفاقة، المحلقة، المتمردة و الموغلة في عوالم الصفاء والإشراق والتجلي..

يرفض التدثر بعباءة المؤسسة.. يحلم بالإنفلات من عقال الوهم والخديعة ويؤسس للتوحد مع ذاته والكون..

ينخر الإغتراب و - المرض - شفيف روحه أحيانا، فيلجأ إلى أبي القاسم الشابي حين يقول:”إنني طائر غريب بين قوم لا يفهمون كلمة واحدة من لغة نفسي الجميلة”..

وأنا أضيف: هذا المبدع الخلاق (جلال باباي - الإبن البار لمدينة أكودة الساحلية - سوسة - تونس) الملتحف بمخمل الليل الجريح.. هذا المبدع المتورّط بوجوده في زمن ملتهب.. إنما هو - صقر - غريب حطّ على غير سربه..

تنال منه أحيانا الحزن حد الوجع.. وتنبجس الكلمات من ضلوعه رمادية كي تحلّق في الآقاصي وتخترق سجوف الصمت والرداءة..

هوذا المبدع/ الإنسان كما أراه في مثل زمن بائس كهذا.. وها أني أسمع نشيجه في هدأة الليل وهو يبكي زمانا تحوّل فيه المبدع إلى - حلاّج عصره - محترقا بنار التجاهل واللامبالاة واللإعتراف..

وها أني أسمع بين الحين والآخر صراخه وقد بلغ به الآسى حدا لا يتاق:أنا الجمال.. أنا العمق.. وأنا الصفاء حد الإنبهار والتجلي..

ولكن هذه العزلة التي وضعته الأقدار فيها إستحالت - بقدرة قادر - فنا وبرجا أزتيكيا منتجا وخلاّقا.. وانخراطا طفوليا لنداء يأتي من بعيد موحشا و عذبا..

هو ذا المبدع الحقيقي/ الشاعرالتونسي - جلال باباي - (بدون مجاملة ولا محاباة) - كما أراه - يرقص رقصة”زوربا اليوناني”.. تلك الرقصة التي تعانق برمزيتها سماوات المجد والخلود..

ولا أظن أنّه سينزعج إذا أحسّ بأيد ملائكية ناعمة وهادئة تطرق باب عزلته بهدوء ورقة ووضوح.. لتنخرط معه في رقصها الطفولي وتتقاسم معه لذة الصمود والتحدي.. ومن ثم يلجان معا عوالم الماوراء بحثا عن نبتة الخلود، ورفضا لمتاهات الفراغ العدمي وتأسيسا لحياة موشاة ببهاء الكلمة، جسارة السؤال وجمال الحيرة ليخلدا معا خلودا جلجامشيا في أحضان التاريخ..

سألته ذات مرة سؤالا ينخر شفيف الرّوح:

هل يزدهر الإبداع في أرض يباب جرداء؟!..

فأجابني (بشاعريته المعهودة.. والعذبة.. ).

"طبعا لا.. ذلك أنّ الإبداع لا ينهض ولا يزدهر إلا في مناخ مناسب ومشجّع، وثمة الكثير من ضروب الإبداع تتقلّص وتندثر حين يكفّ المجتمع عن العناية بها ولا يبدي حاجته لها.. "

وإذن يا - جلال - يا من احترقت بلهيب الكلمة الجاسرة المخترقة سجوف الصمت والرداءة ؟!

فقال:"هناك دائما جدل خلاّق بين الإبداع في تجلياته المشرقة، وحاجة المجتمع إلى ذلك الإبداع، هو جدل الإثارة والإستجابة الذي يربط بين طرفي العملية الإبداعية:المجتمع والمبدع.. وبإنفصام عرى هذه العلاقة.. يتدحرج الإثنان صوب مهاوي الضياع، حيث لا شيء غير الندم.. وصرير الأسنان.. "

ويظل في الأخير المبدع الحقيقي.. شامخا شموخ الرواسي أمام أعتى العواصف.. "على غرار الشاعر التونسي العظيم المتألق - تونسيا، إقليميا وعربيا - جلال باباي -

قبعتي - شاعرنا الفاضل - جلال باباي - فما - هادنتا - الدهرَ.. يوما.. رغم مواجعك وآلامك.. التي الا تقلّ عنّي ألما يخرّب ضلوعي.. ويدعفني - قسر الإرادة - بإتجاه شفير الهاوية.. حيث لا شيء غير وجه الله.. ورفقة الأنبياء والرسل والصدقين..

ساحة الكلمة مازالت تحتاج إلى شدوك وصداحك

لست أنا القائل - بل مبدع مثلك تماما، وهو الأستاذ رياض خليف الكاتب التونسي القدير (صحيفة القدس العربي)

ختاما أستمسح من - القراء الكرام - التفاعل مع هذه - الشذرات الإبداعية - لقصيدة بإمضاء الشاعر التونسي جلال باباي، تترجم عمق معاناته وصبره الجليل على مواجعه، محمّلا - في ذات الآن - مسؤولية وزارة الشؤون الثقافية التونسية - الوقوف إلى جانب هذا الشاعر الفذ الذي أثّث الساحة الشعرية التونسية بقصائدعذبة، سيظلّ يرددها القادمون في موكب الآتي الجليل:

«الآن وهنا أتكئ على وتدين» و«خانتني صيف المسير يسراي» و«أنا طريح الرصيف كسير»

صارخا ضد الألم ومعبرا عن الملل:

«أعيدوني مترجلا إلى دفء منفاي

مللت دثار الفراش»

 - وهو يكتب فراش المرض والعزلة - :

«أنا ماكث فوق ربوة الفراش يتيما

يلازمني نزر من وريقات عذراء»

ليس لديّ ما أضيف.. فالدموع تلألأ في المأقي الهرمة.. وأنا ملتاع مثله تماما..

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

 

صادق السامرائي"علماءٌ من بلاد العربِ.. كنجومٍ في فضاءِ الأرَبِ"

يقول إبن خلدون في مقدمته " أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم من العجم"، وعلى ضوء ما ذكره، مضت الأقلام تكتب، وهو رأي حكمي مسبق لا دليل واضح عليه، إلا أنه إعتمد ربما على الأسماء ومكان المولد وحسب، وفي هذا نوع من التحريف وعدم الطرح العلمي والمنهجي القويم.

وإنتشرت مقالات وطروحات وتصريحات، تستنكر على علماء الأمة عروبتهم، وتنسبهم إلى أقوامٍ آخرين، والهدف من ذلك القول بأن الأمة لم تقدم شيئا، وتدّعي ما قدمه علماء الأمم الأخرى.

وهذه فرية هزيلة، ومحاولة للحط من قيمة العرب، ودورهم في صناعة الحضارة الإنسانية، وما قدموه من إنجازات رائدة، دفعت بالتطور للتسارع نحو الرقي والأبداع الأصيل.

فالأمة نادت بالتفكر والتدبر وإعمال العقل، وتسخيره لتلبية حاجات البشرية وما تريده، فالطاقة فيه، وهو القوة الخالقة الموهوبة لنا من خالقنا.

فالقرآن فيه آيات وكلمات حاثة على إعمال العقل في الحياة والإعتماد عليه، وبموجب ذلك إنطلقت العقول العربية وأبدعت.

ومن المعروف أن سكان الجزيرة العربية قد هاجروا إلى أصقاع الدنيا، بعد أن صارت تدين بالإسلام.

فالعديد من العوائل العربية توطنت البلدان المفتوحة، ففيها ما يمنحهم القوة المادية والمعنوية والرسالية، فهم ينشرون الدين ويعملون ويكسبون ويتولون المناصب، ويقودون مسيرات الدين بين الناس، ويعلمونه للداخلين فيه أفواجا أفواجا.

وفي ديارهم الجديدة تكاثروا وتمازجوا، ونبغ فيهم رموز بالعلوم والمعارف وبرعوا فيها، وشاركوا في صناعة مجد زمن عربي حضاري متميز، وكتبوا باللغة العربية المتجذرة في أعماق كينوناتهم الذاتية.

وتجدنا أمام أدعياء إنكار أصولهم، لأنهم قد ولدوا في ديار غير عربية، مع أنهم يكتبون بالعربية وترعاهم الدولة العربية، وتجهز لهم متطلبات التعبير عن مواهبهم وأفكارهم، وهم وإن كان بعضهم ربما من أصل غير عربي ، لكن أمة العرب وفرت لهم الحواضن اللازمة لنضوج إبداعهم وتفتحه.

وهناك كتاب للأستاذ (ناجي معروف) بعنوان (عروبة العلماء...)، يفند فيه بأدلة وبراهين الإدعاءات الهادفة للنيل من أمة العرب.

فلن تنالوا من العرب وأنوارهم ساطعة الإشراق في آفاق السرمد!!

 

د. صادق السامرائي

 

ناجي ظاهريلفت النظر في حياتنا الأدبية الثقافية عامة، هذه الأيام، أمر مستجد إلى حد بعيد، فما أن تلتقي بمن ابتدأ للتو بالكتابة او الرسم او الموسيقى، حتى ينزل عليك بتعريف نفسه وشرح إبداعاته التي لا يُشق لها غبار، وهو لا يكتفي بترك أمر التقدير، تقدير ما يبدعه ويقدمه للحياة الثقافية لك، كما كان يحدث في الماضي، وإنما يحاول إقناعك بشتى الطرق، حينًا بالحجة والمنطق، وآخر باستدرار العطف، وآخر بالقوة.. نعم بالتهديد والوعيد.. باختصار يحاول مَن يدور الحديث عنهم إقناعك بأهميتهم واهمية ما يقدمونه تارة بالترغيب وإذا لم تقتنع بالترهيب!

حدث قبل سنوات، أن زرت معرفة كبيرًا في السن، صغيرًا في الشعر والابداع، للتحدث إليه وتبادل أطراف الحديث معه، فأخذ يذكر محاسنه ومناقبه، ويستعرض الآراء العظيمة التي أغدقها عليه وعلى وابداعاته التي لا يشق لها غبار، كبار النقاد، ففلان قال عني كذا وعليان قال كذا. ومضى حينها الوقت وأنا أقول إنه سيتحدث فيما يفيدنا ويُسرّي عنا، كما كان يفعل في الماضي، إلا أنه لم يتوقف وبقي يجود علي بما جاد به عليه آخرون من دُرر المديح، حتى ابتدأ الملل يسري في دمي، عندها استأذنت في المغادرة، فلحق بي إلى خارج بيته ليروي لي المزيد عن مناقبه ومكارمه كما رواها آخرون، فما كان مني إلا أن قلت له وأنا أودعه إنني استمعت إلى كل ما قاله آخرون عنك، فما رأيك أـنت في نفسك؟.

في زيارة أخرى لكاتب آخر، ابتدأ الكتابة على كبر، دون أية معرفة ودراية سابقة بالفن الادبي والابداعي، كما أعلم، توقعّت أن يدور الحديث فيما بيننا، هو وأنا، حول أمور حياتية أحببت دائمًا التخويض في غمارها حبًا بالحياة ورغبة فيها، إلا أن ما حدث كان أمرًا آخر، فقد اتخذ مضيفي مجلسه قُبالتي وتناول أوراقًا من ملف وضعه إلى جانبه، كما تضع الام طفلها المدلل، وشرع بالقراءة وهو يعقّب على ما يتلوه عليّ من دُرره المتألقة، الرائدة، إلى أية آفاق إبداعية ارتقيت؟ بشرفك هل توفّق آخرون في إبداع مثل هذا الكلام؟ وكنت كلّما استوقفته أو حاولت، طلب مني أن أستمع إليه حتى ينتهي من قراءة الصفحة التالية، إلا أنه عندما كان ينتهي من قراءتها، كان يبدأ بقراءة التالية عليها، غير عابئ بما طلبته منه و.. بما وعد به. لقد حاول مضيفي الكاتب النحرير أن ينتزع مني.. أنا الكاتب الذي يحبه ويعتز به وبصداقته له منذ سنوات بعيدة، اعترافا بأنه اصبح كاتبًا متميزًا.

في لقاء آخر، بصبية جديدة حديثة عهد بالحياة الأدبية، فتحت صفحات الفيس بوك الخاصة بها، وراحت تستعرض أمامي نشاطاتها الخارقة وفعالياتها غير العادية في المجال الادبي، وقد هالني ما عرضته عليّ، حتى أنني بتُّ في حيرة من أمر تصنيف محدثتي، فهل هي باحثة أدبية؟ أم هي عارضة أزياء؟ أم هي الموناليزا في بهاها وسناها؟ ففي كل من هذه المجالات: الأدبية، والتصميمية الأزيائية والجمالية، لمحدثتي نصيب، في سياق ذي صلة سألني واحد ممن يكتبون الشعر منذ سنوات دون أن يحرز فيه وفي كتابته له أي انجاز يذكر ويمكن الاعتزاز به، سألني عن رأيي فيما يكتبه وينشره من شعر، فأجبته إنه لا يروق لي وإنه يفتقر إلى الحرارة المفترض أن يتحلّى بها الشعر الحقيقي. فما كان منه إلا أن انتهرني قائلًا: مِن أين تأتي بهذا الرأي.. ومن قال لك إنني انتظر الاستماع إلى رأيك؟.

تعليقًا على هذه الحالات التمثيلية الآنفة أقول، فيما يتعلّق بالأولى: رحم الله أيام زمان، أيام كان المبدع ينام ملء جفونه عن شواردها تاركًا الخلق ليسهر جراها ويختصم.. ففي هذه الأيام انعكست الآية، وبات الكثيرون هم من يسوقون أنفسهم، وليست ابداعاتهم كما كان يجري في الامس"، عن الحالة الثانية أقول: في الأمس كان المبدع انسانًا متواضعًا.. لا يقول أنا إلا ويتبعها بقوله أعوذ بالله مِنْ أنا، فما الذي جرى لنا في هذه الفترة، فبتنا سُفراء لما ننتجه.. بدل أن يكون ما ننتجه هو سفيرنا؟ أما فيما يتعلّق بالحالة الثالثة، فإنني أقول.. بالأمس كان المبدع، سواء كان ذكرًا أو أنثى، يتصف بالتخفي والانزواء، وأعرف في هذا الاطار مبدعين رفضوا أن ينشروا صورًا لهم طوال أيام حياتهم.. خفرًا وحياء، فما الذي جرى لنا في هذه الفترة، فترة وسائل الاتصال الاجتماعي، حتى أننا بتنا لا نُميّز بين الباحث وعارض الأزياء؟ فصار المظهر يغرينا أكثر من الجوهر؟ ما الذي فعلته بنا أيها الفيسبوك؟

 

ناجي ظاهر

 

 

شاكر فريد حسنكان الصديق الشاعر والكاتب نصر خطيب من بلدة بيت جن الجليلية، أرسل لي مشكورًا، ديوان الشعري الأوّل الموسوم "شوق ترويه حبات المطر" الصادر قبل فترة وجيزة عن منشورات دار الحديث للإعلام، والنشر، لصاحبها الشاعر والكاتب الإعلامي فهيم أبو ركن.

يقع الديوان في 115 صفحة من الحجم المتوسط، وجاء بتصميم وطباعة أنيقة وغلاف قشيب، ويتضمن باقة من أشعاره وقصائده الوجدانية والعاطفية والإنسانية والوطنية والاجتماعية، ويهديه إلى "القلة القلية ممّن يقرؤون، هم ليسوا لوحدهم. والقراءة تُشعرهم بحياة ثانية، وبأهمية الاختلاف بين البشر، وتقبّل الآخر. ويعرفون كيف يتمتعون بما قرأوه، وإن خالف ذوقهم ورأبهم. وإنّ الإنسان قد يتغيّر بعد قراءة كتاب. وإلى عائلتي عسى أن تكون كتاباتي توثيقًا لذكرى طيبة".

وجاءت مضامين الديوان على تنوعها ضمن خيط فنّي بقالب شعري مألوف من حيث الشكل، ومميز ومبهر وأخاذ من حيث الأسلوب في التعبير، واعتماد الصور الشعرية الحسيّة والحيّة، واللغة الأنيقة الآسرة، والعناصر الفنية التي تغلغلت في باطنها أساليب البوح الشفيف والرهيف.

وفي قصائد الديوان يحاكي نصر خطيب الحُبّ والمرأة والحبيبة والوطن والطبيعة الخضراء الخلابّة، ويغازل العيون منبع الوفاء، وكلّه شوق للعشيقة، ويصور الألم والوجع الإنساني والواقع الاجتماعي، ويتساءل عن غياب وموت الضمير، ويرسم صورة جميلة ورائعة لقريته المتربعة على صدر الجليل الأعلى، التي يكحل عينيه من عينيها، وتدغدغ صدره رائحة الزعتر والقهوة المهيلة، ويرشف نسيم العطر من حنينها، ويبشر بميلاد جديد قادم.

وتطغى النزعة الرومانسية على نصوصه وتسيطر على روحه، ونراه متعلقًا بكل المظاهر الطبيعية في الكون، يتأملها ويستوحي منها صوره الشعرية المبتكرة الجديدة المميزة، ويخلع عليها مشاعره.

ومن خلال قراءتنا لقصائد الديوان يتجلى بكل جلاء ووضوح أن نصر شاعر عذب رقيق وناعم يمتلك حسًا إنسانيًا، ونفسًا شعريًا، وصاحب موهبة حقيقة مرهفة، يسكب مشاعره وأحاسيسه الدافئة من خلال ما يخطه شعريًا، وتبدو نفحاته بكل العذوبة والرقة والجمال والشفافية في قصائد الحُبّ والعشق والغزل.

ومن جميل قصائده في هذا الجانب العشقي العاطفي، راقت لي قصيدته "شوق" التي يستهل بها ديوانه، ويذيل بها غلافه الأخير، وهي قصيدة رومانسية في غاية الرقة والروعة، تمزج بين الهوى ومعاناة البعد والشوق العاصف الذي ترويه حبات المطر، ونلمس في سطورها مشاعر نابضة دفّاقة ومعانٍ إنسانية راقية، حيث يقول:

يَنْتابُنِي شّوقٌ لحبِّكِ حَيثُما

لاحَ الجمالُ، ومّن بهِ مترنِّما

ها أنتِ تَختالينَ في قلبٍ سّمَا

بِمحبّةٍ، ما عانقتْ إلّا السَّما

وأنا بِعشقِكِ، عائمٌ بحرَ السّنا

وشواطِئي، تمتصُّ حبًّا ناعمِا

يا بلسَمَ الجرحِ الّذي في بُعدِها

الشّرخُ عادَ مُعانِدا قلبي، دَمَا

وكأنِّي أدمنتُ خمرةِ حبِّكِ

حُلْوٌ مَشارِبُهَا، وريقُكِ بَلسَما

ما غادرَ الأحبابُ، عن متقاعدٍ

ولكُمْ حنينُ فؤادِنا يتجوّلٌ

والشّوقُ يخفقُ في فؤادي، من هوًى

والقلبُ عنّي، في هواكُمْ يرحلُ

ما غابَ مَنْ يهواهُمُ نهرُ النّوى

معظم قصائد الديوان تبنى حول مشهد معين، أو فكرة واحدة، وتنأى بنفسها عن الإنشاد الحماسي والأناقة الرخوة، وإن كان الشاعر لا يغادر غنائيته المسلحة بالوزن والقافية في الكثير من الأماكن والمواقع، وقصائده تميل بمجملها إلى القصر والاختزال والتكثيف من ناحية، وطويلة في أحيان أخرى، وتأتي اللغة نفسها مطواعة، بما فيها مزيج من المهارة والتلقائية والعفوية الصادقة. فنصر يعتني أشد العناية بقاموسه اللغوي والتعبيري، ويبذل جهدًا واضحًا باختيار ألفاظه وانتقاء مفرداته، وفي التزويج بينها والهندسة الخالصة فيها.

وما يميز قصائده ذلك الصدق التعبيري التلقائي والوضوح الممزوج بالإيحاءات والتعابير السلسة، وجمالية الإيقاع والموسيقى المتجلية في القوافي، فضلًا عن الاناقة المفرطة في اللفظ والتعبير، والإسراف الجمالي في اللغة. فهو يلبس ألفاظه حُلّة جديدة مجازية، ويوظف الاستعارة التي تحلّق بنا في عالم الخيال، وتعرض لنا أشكالًا من الصور البيانية الرائعة.

إننا أمام شاعر جميل أنيق في نمط القصيدة النثرية وقصيدة التفعيلة والعمودية، ملتزم بالقضايا الإنسانية والوطنية، يعيش قصيدته بعاطفة صادقة قوية، وداخل لحظة الإبداع، جاءنا بنصوص شعرية خفيفة الظل، سهلة، واضحة المعاني، وبعيدة عن تعقيدات الصورة واغتراب اللغة، وقدم لنا شعرًا وجدانيًا جميلًا، مبعثه خلجات النفس الحرّى، والروح العذبة، والوجدان الرقراق، يفوح منه شذّى وعطرًا يشتمه القارئ والمتلقي فتتفتح أساريره.

نصر خطيب في ديوانه شاعر يجترح ولا يكرر، يهتم بالعلاقة بين السطور كوحدة جمالية، وأتحفنا بقصائد رومانسية وعاطفية ووجدانية بلا زخارف لغوية، حاكتها ونسجتها ثورة النفس المشرقة بالحُبّ والروح الإنسانية المفعمة بجماليات الأشياء.

 

بقلم: شاكر فريد حسن