ضياء نافعالترجمة الحرفية – الشجرة خرساء، لكنها تعلّم الوقار .

التعليق – مثل جميل جدا، ولو كنت فنانا تشكيليّا لرسمت لوحة مستوحاة من هذا المثل الروسي المدهش بخياله الفني، هكذا قال صاحبي، فقلت له – نعم، فعلا، انه مثل رشيق جدا وغير اعتيادي بكل معنى الكلمة، ويكاد يكون مثل قصيدة نثر ...

**

الترجمة الحرفية – اذا لا تدخل (بضم التاء) روحك الى جهنم، لن تصبح غنيّا .

التعليق – قال صاحبي وهو يضحك – صحيح صحيح، وخصوصا الاغنياء الجدد حولنا بمجتمعاتنا في قرننا الحادي والعشرين، والذين سيلتقون جميعهم في جهنم حتما . سألته متعجبا – لماذا ذكرت قرننا فقط ؟ فقال – لانهم سرقوا  كل شئ، وحتى قوت الفقراء ...

**

الترجمة الحرفية – مندفع في الكلام، وكسول في الاعمال .

التعليق – آه، ما أكثر هؤلاء عندنا، الذين يثرثرون فقط، بل ويتفلسفون ايضا، والمشكلة انهم ليسوا (كسالى) كما يقول المثل الروسي، ولكنهم لا يعملون اي شئ  اصلا، فقال صاحبي ضاحكا، ان المثل يجب ان يكون عندنا كما يأتي – مندفع في الكلام، وصفرعلى الشمال في الاعمال، كي يكون معاكسا لمثلنا الشهير – (قول وفعل)...

**

الترجمة الحرفية – تحت كل سقف فئرانه .

التعليق – تذكر صاحبي المثل المشهور بلهجتنا العراقية، وهو -  ماكو زور يخله من واوية، وقال، هذا هو المثل العربي المناظر للمثل الروسي . علّقت انا على ذلك قائلا –  المعنى قريب فعلا، الا ان المثل بلهجة عراقية بحتة، ويحتاج الى توضيح  لكل مفرداته، فأجاب – هذه مسألة بسيطة، ماكو – لايوجد، زور – مكان مزروع بكثافة ، يخله – يخلو، واويه – جمع واوي اي ابن آوى ...  

**

الترجمة الحرفية – يسحبون الحجر الى الجبل، لكن هو بنفسه يتدحرج الى الاسفل.

التعليق – مثل رمزي واضح المعالم، ويذكرنا بتلك (الاحجار !)، التي (سحبوها !) في مجتمعاتنا الى قمم الجبال، وكيف (تدحرجوا الى اسفل السافلين !) بعدئذ، لانهم غير مؤهلين، بل وغير جديرين ان يجلسوا هناك، حيث وضعوهم ...

**

الترجمة الحرفية – لن تدعك الطين، لن تكون خزّافا .

التعليق –  يوجد مثل روسي (سبق وان أشرنا اليه) في نفس المعنى، وهو-  دون ان تبتل الايدي لا يمكنك ان تغتسل ...

**

الترجمة الحرفية – سلوك ذئب، لكن روح ارنب .

التعليق – يضرب للانسان العدواني، الذي يتصرّف مثل الذئب، لكنه في الواقع  جبان مثل الارنب، وهو مثل صحيح فعلا، وما أكثر الذين استغلوا مواقعهم الادارية والحزبية وقراباتهم العائلية وتصرفوا مثل الذئاب في مجتمعاتنا، رغم انهم واقعيا  جبناء مثل الارانب ...

**

الترجمة الحرفية – تحت الشبكة لا يمكن حبس الدخان .

التعليق – مثل طريف جدا، وهو يضرب عادة لهؤلاء الذين يحاولون اخفاء (دخان أعمالهم !) دون ان يفقهوا، ان غطاء مجتمعاتنا هو شبكة كبيرة، واننا جميعا نسكن تحتها .

**

الترجمة الحرفية – لا يطلقون نيران المدافع على العصافير.

التعليق – هناك مثل  ياباني يقول – لا يقطعون  رأس البرغوث بالطبر، وعلى الرغم  من الاختلاف الجذري في الصورة الفنية بين المثل الياباني والروسي، الا انهما يمتلكان نفس المعنى العام، لكن صاحبي قال، ان المثل الروسي اكثر جمالية  ورشاقة ووضوحا .

**

الترجمة الحرفية – من مدينة واحدة، لكن الاخبار متباينة .

التعليق – يمكن ان تكون الآراء متباينة، لكن الوقائع يجب ان تكون متطابقة، والمفروض ان الاخبار هي وقائع، لكن المثل صحيح فعلا، اذ يوجد اناس يقلبون حتى الوقائع . يضرب المثل لهؤلاء الذين يطرحون الوقائع لخدمة مصالحهم، وكم اكتوينا بنارهم في بلداننا.

***

أ.د. ضياء نافع

...........................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا .

ض . ن .

 

 

ناجي ظاهر(مقدمة الى كتابنا الشباب خاصة)

تعتبر ر واية الدون الهادئ للأديب الكاتب الروائي الروسي ميخائيل شولخوف، واحدةً من دُرر الادب الاجنبي في العالم، وهي عبارة عن رباعية روائية شرع صاحبها في كتابتها وهو لمّا يزل في الثالثة والعشرين من عمره، واستغرق وقت كتابته لها اثني عشر عامًا، وكانت النتيجة انها اهّلت صاحبَها شولخوف للحصول على جائزة نوبل الادبية عام 1965، فكان واحدًا من قلة قليلة جدًا من الادباء الروس الذين حصلوا عليها بقوة ابداعهم الفني الرفيع.

ميخائيل شولخوف (1905- 1984)، كان حين كتابته الجزء الاول من روايته هذه يملك حياة لأكثر من شخصية، فقد كان معلّمًا في مدرسة للفلاحين قليلي التعليم، وكاتبًا مسجّلًا في مكتب التخزين، وكان يعرف فخارة الأجر والشحن والتفريغ، وقد عمل في فصيلة التموين وهو في سن الخامسة عشرة، فكان لذلك اعمق الاثر في ذاكرة الكاتب المقبل، اذ شارك في مصادرة الحبوب من الكولاك (كبار الفلاحين والاقطاعيين)، الحبوب الضرورية لروسيا الجائعة.

شخّص الكاتب الروسي سيرافيموفيش، وهو اقدم الكتاب السوفييت وصاحب الرواية الشهيرة "السيل الحديدي"، في تقديمه لكتاب شولخوف الأول "حكايات الدون"، عام 1926 اهمية الخصائص الفنية في انتاج ذلك الشاب القادم من قرية الدون البعيدة فيشينسكايا في قلب روسيا. وكان شولخوف قد ارسل مخطوطة الجزء الاول من رباعيته الدون الهادي الى مجلة" اكتوبر"، التي كان سيرافيموفيش آنذاك يرئس تحريرها، وتقرر البدء بنشر هذا الجزء في المجلة عام 1928، منذ النشر الاول للجزء الاول من الدون الهادئ، ابتدأت رُقعة القراء في الاتساع، وقد اصابت نبوءة ناشرها سيرافيموفيش عندما تحدّث عنها امام كتاب اجانب بينهم هنري باربوس، وقال في نبرة انتصار: اصدقائي الاعزاء. ارجو ان تتذكروا هذا العنوان:" الدون الهادئ"، وتتذكّروا اسم ميخائيل شولخوف، وهذه كلمتي لكم: عمّا قريب سيكون هذا العمل مشهورًا في رواسيا كلها، وبعد سنتين او ثلاث في العالم اجمع.

قبل ان ينقضي عامان على صدور الجزء الاول من هذه الرواية، كانت قد صدرت ترجمته الى اللغات: الفرنسية، الالمانية، السويدية، الاسبانية، التشيكية والهولندية، وصدر الدون بعد ذلك في كل من: اليابان، انجلترا، الصين، بولونيا والولايات المتحدة الامريكية. بعد خمسين عامًا احتفل الاتحاد السوفييتي سابقًا بمرور نصف قرن على صدور هذه الرواية المذهلة.

تقع رواية الدون الهادئ بأجزائها الأربعة في اكثر من الفي صفحة، وستمائة شخصية، ويتابع مؤلفها في رسمه الحياة فيها، مختلف الفئات الاجتماعية لقوزاق الدون تحرّكات ومصائر ابطاله الذين وقعوا في دوامة الاحداث الجبارة في سنوات الحرب العالمية الاولى، وثورة اكتوبر، والحرب الاهلية، مُظهرًا الصراع المُعقد بين الجديد والقديم في الحياة الاجتماعية، وفي واعية الناس. قال شولخوف عن شخوصه وابطاله الروائيين: يهمني الناس الذين تستحوذهم الفورات الاجتماعية والوطنية.. اذ يبدو لي ان شخصياتهم تتبلور في اللحظات.

جسّد شولخوف نظراته الى لحياة والفن، وواجب الفنان، في كلمته بعد فوزه بجائزة نوبل قائلًا: اود ان تساعد مؤلفاتي الناس ليكونوا افضل وانقى روحًا، وتوقظ الحب نحو الانسان، والسعي إلى النضال الناشط في سبيل مُثُل الروح والانسانية وتقدم البشرية.

 

ناجي ظاهر

 

عبد الله سرمد الجميلأَنْ يبكيَ الشاعرُ على الشبابِ بعدَ أَنْ وخَطَ الشيبُ رأسَهُ، فهذا مألوفٌ والشواهدُ عليهِ أكثرُ من أن يُستدلَّ بها. أمَّا أن يألَفُ الشاعرُ شيبَهُ بلا جَزَعٍ، وينظرَ إليهِ بلا حسرةٍ، فهذا ما جاءَ بهِ شاعرُ العربيةِ العظيمُ أبو الطيّبِ المتنبّي وهو يقولُ:

خُلِقْتُ أَلوفاً لو رجَعْتُ إلى الصِّبا

لفارقْتُ شيبي مُوجَعَ القلبِ باكيا

والبيتُ من قصيدتِهِ المشهورةِ في مدحِ كافورٍ الإخشيديِّ، وهيَ أوّلُ قصيدةٍ يُنشدُهُ إيّاها بعد مفارقةِ سيفِ الدولةِ:

كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا

وحَسْبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا

إنَّ في جملةِ (خُلِقْتُ أَلوفاً) ما يُفسِّرُ لنا استسهالَ المتنبي كَثرةَ تَرحالهِ وتنقّلاتِهِ هنا وهناكَ؛ فهوَ يألَفُ بيئتَهُ الجديدةَ، وليسَ هذا فقط، بل يألَفُ زمانَهُ أيضاً، إذن هيَ أُلفةُ مكانٍ وزمانٍ وما يترتّبُ عليهما من تأثيرٍ في الروحِ والجسدِ كثنائيّةِ الشبابِ والمَشيبِ، فيقولُ: (لو رَجَعْتُ إلى الصِّبا لفارقْتُ شيبي مُوجَعَ القلبِ باكيا). فإذا كانَ الشعراءُ والناسُ يحِنّونَ إلى الشبابِ لملذّاتِهِ، فإنّ المتنبي يسافرُ عبرَ الزمنِ، ليَحِنَّ إلى الحاضرِ والمستقبلِ! فهلّا فطَنَ لهذهِ الصورةِ الشعريةِ الفلسفيةِ دارسو الحداثةِ والمُعاصرةِ، ليُوقنوا كم أنَّ في تراثِنا من كُشوفاتٍ معرفيّةٍ، لو قرأناهُ بأناةٍ ورَوِيَّةٍ

 

عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق من العراق

يسري عبد الغنيوليست موهبة العم بيرم التونسي هي في استخدام العامية الفصيحة أو القريبة من الفصيحة، ولكنها موهبة شاعرية، ترتبط بالتصور الشعري وليست اللغة فيها إلا مطية توصله إلى هذا الهدف الفني .

ونحن لا نعترض على كتابة الأزجال بالعامية (وحتى لو اعترضنا فلن يسمعنا أحد ولا حياة لمن ينادي)، فإن الأدب المصري والعربي بوجه عام يعرف هذا الفن من قديم، ولكنه لا يعترف بأنه شعر، لا بسبب الانتقاص من قيمته كفن من فنون القول، ولكن لسبب آخر هو أن الشعر فن آخر له قواعده وأصوله غير فن الزجل .

وحتى فن الزجل الذي يكتبه بعض الزجالين اليوم، وقد اشتهر بعضهم في وسائل الإعلام شهرة كبيرة لا حدود لها، بل أصبحوا من المقررين علينا في الإعلام صباح مساء يتحدثون في كل شيء وأي شيء، ليس ما يقولونه فنًا يستحق الالتفات إليه، لأنه تكرار لنصوص قديمة معروفة ومنشورة في بعض الكتب القديمة، أخذها بعض الذين يؤلفون الكلمات، أخذوا مطالعها، ثم أضافوا إليها بعض المقاطع التي يسندون بها النص القديم .

ولو أنك رجعت إلى كتاب (سفينة الشيخ شهاب) وهو أضخم مجموعة للأغاني المصرية والشامية لوجدت أن نصف الأغاني التي نسمعها الآن مأخوذة من نصوص قديمة، بل أن هناك مجموعات أخرى للأغاني المصرية مأخوذة بالتمام والكمال منه .

ليس عند وسائل الإعلام شرطة تطبق قانون الملكية الفكرية أو قانون حماية المؤلف، فالشيخ شهاب وأغنياته المجموعة ملك عام، مضى عليه أكثر من خمسين عامًا، وعليه فلن يسمح بمقاضاة أحد، وأذكر أنه ذات يوم ادعى أحدهم أنه مؤلف أغنية مطلعها (عمار يا مصر عمار)، وهذا المطلع ليس له مؤلف، وكان آباؤنا وأجدادنا يسمعونه في شوارع القاهرة أيام زمان، حين يتغنى به رجل الشارع ..

ولكن المشكلة الحقيقية هي الادعاء بأن هذا الكلام شعر مثل شعر المتنبي وشوقي، وأصحاب هذا الادعاء يصممون أحيانًا على أنهم شعراء، مع أن أستاذهم بيرم التونسي كان يخجل كل الخجل من إطلاق لقب الشاعر على نفسه، لأنه كان معاصرًا لشوقي وحافظ، ولو ادعى أنه شاعر لطالبه الناس بقصائد مثل قصائد حافظ وشوقي .

أنت معي حين أقول : إن لغة الشعر في الفصحى، تختلف عن لغة النثر، ولها خصائص دقيقة وقف عندها النقاد منذ القدم، ولاموا بعض الشعراء الذين لم يحسنوا استخدام اللفظ، وأدخلوا ألفاظًا غير شاعرية في قصائدهم، أي أن الشعر له قاموس لغوي خاص، وألفاظه لها جرس أي نغم، وهذه من الأوليات المعروفة في عالم الإبداع الشعري، وقد استخدم بيرم التونسي معجم الشعر الفصيح في بناء إبداعاته، لأنه كان خبيرًا بالشعر العربي عارفًا لأسراره، ولذلك جاءت بعض منظوماته مثل الشعر الفصيح، ولكن بغير حركات الإعراب، واستطاع إدخال أوزان الشعر العربي في هذه المنظومات العامية التي كانت قاصرة على بعض الأوزان المتعارف عليها بين الزجالين .

ولكن حركة العامية التي استشرى أمرها وساعدت وسائل الإعلام والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على إشاعتها، بسبب الجدب الفكري والإبداعي الذي نعيشه وأدى كل ذلك إلى ضياع الشعر الجاد الأصيل، فقد انصرف بعض الشعراء إلى تأليف الأغاني ثم انصرفوا عن الشعر إلى غير رجعة .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيداود بن عمر الإنطاكي المعروف بالرئيس الضرير (1543 - 1599)، ولد في إنطاكيا وتوفى ودفن في مكة.

وكما جاء في مختصر تأريخ الطب العربي، ج2، ص 506، للدكتور كمال السامرائي: "ولد كسيحا صغير الجسم وأعمى، تعلم قراءة القرآن بعد العاشرة من عمره، ثم تعلم الأدب والطبيعيات والطب، وصار يمارس الصنعة بالتلمس والإستجواب.. وكان مغرورا بنفسه فخلق له أعداءً وحساداً كثيرين".

مؤلفاته: "تذكرة الألباب والجامع للعجب العجاب، نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان، رسالة في الفصد والحجامة، كتاب في الطب النفسي"، ولديه كتب في الصيدلة والفلك والمنطق والكلام .

ومن مؤلفاته الأخرى: "كتاب البهجة في الأدوية المجربة، رسالة الحمام، ألفية في الطب، شرح القانوجة، كفاية المحتاج في علم العلاج، شرح قصيدة إبن سينا، كتاب طبقات الحكماء، الملكي في طب الملوك، مجمع المنافع البدنية"

عمل في البيمارستان المنصوري في مصر، وكان رئيسا للعشابين، وحاز على ألقاب متعددة . منها الحكيم الماهر الفريد، الطبيب الحاذق الوحيد، جالينوس أوانه، وأبقراط زمانه.

داود الأنطاكي ظاهرة تستحق الوقوف عندها وفهمها، فقد عاش 56 سنة وأحدث ثورة علمية في الطب والصيدلة والعلوم الأخرى، وهو ضرير منذ مولده، فكيف يصبح الضرير طبيبا مشهورا ومؤثرا في علوم الطب والصيدلة وغيرها؟

فكل مخلوق ميسر لما خلق له، ومهما كانت عاهاته والصعوبات التي تواجهه فأن ما فيه من الطاقات والقدرات، يظهر ويتحقق ويكتسب مهارات تعوّضه عن الحواس المفقودة.

ففي تأريخنا أبو العلاء المعري، وبشار بن برد، وفي القرن العشرين طه حسين، وغيرهم تمكنوا من الإنتصار على العاهة التي ولدوا بها، وتفوقوا على أقرانهم من الأصحاء المبصرين.

داود الأنطاكي كان يطبب بالتلمس والإستماع لشكوى المريض، وإستجوابه، أي يطرح عليه الأسئلة ليعرف ما يريد عن علته.

فهل كان إعتماده على التأريخ المرضي في التشخيص والعلاج، أم أن لديه قدرات أخرى نفسية وروحية تمكنه من إستكناه ما يعانيه المريض وما يراه مناسبا لعلاجه، إذ يبدو أنه كان بارعا في وصف العلاج والمداواة الناجعة للأمراض، ولهذا إكتسب المكانة الرفيعة والشهرة الواسعة.

تلك ظاهرة سلوكية بشرية تُعْجِزُ الألباب!!

 

د. صادق السامرائي

 

لا بد إن المثقف يشعرُ بالسرور لكل بادرة ثقافية، تأتي من خارج المؤسسات الرسمية ولا نقول السلطوية، لأننا نعيش في عصر ما بعد الدكتاتوريات في العراق أو «العراق الجديد»، لذلك فان جميع النشطات الثقافية المستقلة، تستحق الدعم المالي والمعنوي،

لأنها تصدر عن جهودٍ شخصية من أديب أو مثقف أو ناشر، ويكتب فيها نخبة مميزة من الكّاب والادباء العراقيين والعرب، أو تأخذ على عاتقها نشر الكتب والاصدارات الجديدة غير المنشورة، بدون قيود وشروط، سوى المستوى الرفيع والمفيد للمواد المنشورة،ولا فيتو على المحتوى وما شابه، والتي دائماً ما يُسبب الاحباط للادباء والكتّاب، سواء في العراق أو الوطن العربي .

هناك عشرات المؤلفات التي تنتظر النشر أو مئات المؤلفات والابداعات، بشتى مجالات الكتابة الابداعية والفنون، بسبب الشروط والفيتو والمنع وسواها من الاساليب التي مضى عليها الزمن، فمن من الادباء والكتّاب في العراق لا يتذكر لجان الفحص والرقابة على المنشورات والمؤلفات في المجالات الثقافية والاكاديمية والفنية في العراق أو الاقطار العربية،بحيث باتت تشكّل عقدة مستعصية للمثقف ولمنتجيّ الثقافة في الوسط الادبي والاكاديمي،وهما المصدران التنويريان بأي مجتمع من المجتمعات المتقدمة أو النامية، فكانت تلك المؤسسات تشكلُ حاجزا صعب الاختراق بشروطها التعسفية والمنع والتشكيك والعراقيل الروتينية والإدارية المتخلفة، ازاء أي نهوض ثقافي واكاديمي اوابداعي، يتعلق بمسائل التنوير والانفتاح والتبادل الثقافي والفني بين ابناء الوطن الواحد وفي الوطن العربي أو العالم .

لكن كل هذه الحواجر والموانع تهاوت لعدّة أسباب، أبرزها اكتساح العالم الرقمي لوسائل النشر والنشر الفوري، وقلّة تكاليف تأسيس الجرائد والمجلات والمؤسسات الثقافية والفنية على الانترنيت، وأنتشارها ووصولها للقرّاء بشكلٍ واسع، لا يمكن مقارنته بوصول جريدة ورقية أو مجلة أو كتاب أو ماشابه، واصبح بامكان القاريء أن يجد كل ما يبحث عنه على الشبكة العنكبوتية «الانترنيت» بدقائق معدودة، بدلاً عن الانتظار لاسبوع أو شهر، ليصل أليه كتاب مطبوع أو مجلة أو جريدة أو أي نشاط  ثقافي وفني وتنويري، وبانتشار واسع من جميع بلدان العالم، كما لا يمكن مقارنته بالمطبوعات الورقية، لبطء وصولها وتخلفها الفني والتقني على السواء، مقارنة بالمنتجات الثقافية والفنية التي تعتمد الاخراج والاصدار الرقمي .إضافة الى إن العالم الرقمي، الغى غلواء الرقابة أو الرقابات على المنتج الادبي والثقافي بشتى انحاء العالم، وبالخصوص العالم الثالث أو النامي الذي تكثر فيه الرقابات حماية لانظمته ووحدانية قيادته، فاجبرها على الخروج من قوقعتها الذاتية الى عالم مفتوح.. كل شيء فيه معرض للنقد أو الرفض والقبول بدون وصاية من أي جهة كانت سلطوية أو رقابية وبدون شروط أو الزامات مخلة بحرية الابداع وفضائه،

كما إن العالم الرقمي اتاح ترجمة النصوص والمنتجات الثقافية بشكلٍ فوري بدون تدخل وسائط سلطوية أو رقابية من أي نوع، وفسح المجال للمنتجات البصرية الفنون التشكيلية، والنحت ومنتجات الصناعات الحرفية والشعبية، وسواها التي تحمل تاريخاً خاصاً يتميز فيه كل بلد عن الآخر، رغم القواسم المشتركة بينها كفنون شعبية أو منتجات بلدية خالصة، تعبّر عن هوية وتاريخ ومسيرة تطور البلدان في جميع المجالات الفنية والثقافية،

يمكن لنا اليوم التجول في معارض تشكيلية ونحتية أو حرفية وشعبية في أي بلد نختاره للتعرف على فنونه من خلال الشبكة العنكبوتية، بدون رقابة أو خوف أو بمعرض نحتي أو ماشابه أو لوحات تشكيلية منفردة أو منحوتات سواء كانت قديمة من عصور سابقة أو حديثة انتجها فنانون معاصرون، إضافة الى التصاميم الهندسية في البناء والعمارة المرتبطة بالفنون البصرية والمدنية بشكلٍ خاص دون عناء يذكر،

ويضاف الى ذلك ميزة التفاعل المباشر مع المنتج الاديب أو الكاتب أو الفنان او المبدع من خلال فورمات المراسلة المباشرة المرفقة مع المادة المنشورة، وهذا ما لا تتيحه المنتجات الورقية أو غير ممكن في المنتجات الورقية، وفورمات التفاعل الفوري هذه تلعب دوراً كبيراً بانتشار المنتج،خارج حدود بلد منتج النص أو المادة الابداعية والفنية، ولكننا لحد الآن لم ندرك أهمية العالم الرقمي والاستفادة الفائقة من الشبكة العنكبوتية في اختصار الزمن الى اقصى ما يمكن،

ومازال الورق يلعب دوراً مهماً في حياتنا العملية مع كل ما يرافقه من رقابة وعسف وتشويه للابداع وحجره واستغلاله سياسياً وسلطوياً، وفي النتيجة تفريغه من محتواه الابداعي والثقافي،

ومن المفيد دعم المؤسسات الثقافية المستقلة أو المبادرات الثقافية والفنية المستقلة على الشبكة العنكبوتية للتخفيف من غلواء الاحزاب والسياسية والسياسيين، ومنعها من التحكم بالمنتجات الادبية والثقافية سواء من خلال شروطها المتخلفة أو رقابتها المنافية لحرية الابداع الفني والادبي، وكذلك منعها من استغلال امكانياتها المالية للسيطرة على الفضاء المعلوماتي، وما يبثّ على الشبكة العنكبوتية،

المثقف والفنان والمبدع الحقيقي، يعلم بأنه لا يمكن له أن يعمل وينتج تحت الرقابة أو الخوف، ويلزمه فضاء ابداعي خال من الرقابة والمحاسبة على ما ينتجه في المجالات الثقافية والفنية، والعالم الرقمي من خلال الشبكة العنكبوتية كفيل بإيصال صوته وابداعه الى أي مكان يريد، ولأي بلد من البلدان، وبأي لغة من اللغات بالوسائل التي يتيحها العالم الرقمي في عصرنا، بدون عسف ورقابة ومحاسبة فجة أو سلطوية متخلفة، وقد يأتي ربّما يوم ما أقرب مما نظن لا نحتاج فيه الى الورق،سوى في استنساخ المواد والبحوث التي نود استنساخها، أو الاحتفاظ بها في مكتباتنا الخاصة . عندئذٍ يمكن لللمثقفين والمبدعين أن يقولوا : وداعاً للرقابة .

 لا سلطة تعلو على سلطة الابداع .

 

قيس العذاري

 

 

نايف عبوشسيرة ذاتية بنمط موسوعي يستحق التنويه

وصلتني يوم الإثنين  المصادف ١٨ /١/ ٢٠٢١، نسخة من كتاب الأستاذ غانم العناز الموسوم (مذكرات غانم العناز.. الشاعر والمؤلف وخبير النفط )، مهداة لي منه شخصياً، فشكراً جزيلاً له.

يتكون الكتاب بطبعته الأولى لعام ٢٠٢١، الصادرة عن (مكتبة دجلة للطباعة والنشر والتوزيع) في بغداد، من ستة أجزاء، حيث يبلغ مجموع عدد صفحاته ٨٦٢ صفحة، من القطع الكبير .

تتميز هذه المذكرات التي جاءت بتقديم  اللواء الطبيب والكاتب والفنان والرسام سالم مجيد الشماع، بأنها شاملة، وتفصيلية، ومسهبة في أسلوب تناول الكاتب الأستاذ غانم العناز تفاصيل مفردات سيرته الذاتية، حيث أنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة، ولا شاردة، ولا واردة في حياته، إلا دونها، لتكون سيرته الذاتية بهذا النتاج، نمطا موسوعيا جديداً، وشاملا، مضافا إلى ما هو موجود في المكتبة العربية، من مصادر تقليدية أخرى، عن السير الذاتية، وتراجم الأعلام .

فقد جاء الجزء الأول منها تحت عنوان (الجذور العميقة)، حيث وقف الكاتب بإسهاب عند جذوره النشأة الأولى، المتمثلة بطفولته، وصباه في الموصل، ودراسته في بريطانيا، والعمل في عين زالة، ثم الهجرة، والعمل في الإمارات العربية المتحدة. 

في حين تعرض المؤلف في الجزء الثاني من الكتاب، لما وصفه (بخريف العمر، وسنوات العطاء)، لما كتبه وابدعه المؤلف من مقالات وكتابات، حيث اسهب بتفصيل واسع، في تدوين، وتوثيق كل ما قيل، وكتب، ونشر عنه، وعن تلك النتاجات، من مقالات، وكتابات.

وبينما تناول المؤلف في الجزء الثالث من الكتاب، المقالات التي كتبت عن المؤلف، فقد تطرق في الجزء الرابع من الكتاب إلى مؤلفات الكاتب السابقة، ( العراق  صناعة النفط والغاز في القرن العشرين )، و( العراق وصناعة النفط والغاز باللغة العربية )، وما كتب عنهما من نقد وتعليقات، ومنها المقال النقدي لكاتب هذه السطور .

أما الجزءان الخامس والسادس من الكتاب، فقد تضمنا مقالات متنوعة عن الكاتب غانم العناز، ونتاجاته المتعددة .

وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب، يتميز عن غيره من المصادر الأخرى للتراجم، والسيرة الذاتية، بتغطيته الشاملة لكل تفاصيل مجالات اهتمام، وأنشطة الكاتب غانم العناز، خلال مشوار حياته الحافلة، بالمثابرة الجادة، وتجربته الزاخرة بالعطاء، ليكون نمطا جديداً في كتابة السيرة الذاتية، قد لا يتماشى مع معايير بعض كتاب التراجم التقليديين، الذين يميلون إلى الإختزال، وقصر الكتابة على المفردات الشخصية لصاحب السيرة، واهتماماته الأدبية والعلمية فقط .

والاستاذ غانم العناز، كما بدا من نبذة عن المؤلف في صفحة الغلاف الأخيرة للكتاب، من مواليد مدينة الموصل سنة  ١٩٣٧، وهو خبير بشؤون صناعة النفط، ويحمل شهادة بكالوريوس في الهندسة من جامعة شفيلد سنة  ١٩٥٩، وعمل في شركة نفط عين زالة في أواخر العام ١٩٥٩، كما عمل رئيسا لدائرة المشاريع في الشركة العراقية للعمليات النفطية عام  ١٩٧٤، والتحق بعد تقاعده، في شركة الشارقة لتسييل الغاز، سكرتيرا لمجلس إدارتها سنة  ١٩٨٤.

وتأتي قيمة الكتاب العلمية، والمهنية، من كونه جاء، بسرديته التقريرية للسيرة الذاتية، نتاج تأليف مهندس، وخبير مهني، واديب وكاتب وشاعر، عاش تفاصيل مفردات العمل الفني ميدانياً لمدة ١٢ عاماً مع شركة نفط العراق المحدودة حتى تم تأميمها في ١ حزيران من عام ١٩٧٢، ولاحقا في شركة العمليات النفطية حتى عام ١٩٨٦، عندما غادر العراق، ليلتحق بشركة الشارقة لتسييل الغاز، إضافة إلى نتاجاته الغزيرة،وانخراطه في التأليف، وكتابة الكثير من المقالات الثقافية، والأدبية، ونظم القصائد الشعرية. وهو بعد ذلك كله عضو في عدد من اتحادات الكتاب، العراقية والعربية والبريطانية، ليكون بهذا مستودع خبرة متراكمة مهنياً، وادبيا وثقافياً، الأمر الذي يضفي على كتابه هذا، قيمة موسوعية إضافية.

ولعل الكتاب، بهذه المنهجية المهنية، والأدبية الشمولية، يعتبر مصدرا مهما للباحثين، والدارسين، والمهتمين  بالتراجم والسير الذاتية تاريخيا، ومهنيا، وعلميا، لأنه جاء وليد خبرة شمولية متراكمة طويلة، واختصاص مهني رصين، وموهبة أدبية وشعرية ثرة. فصاحب السيرة، كاتب لامع، ومهندس متمكن، وخبير مقتدر في صناعة استخراج النفط والغاز، مما يجعل من مذكراته، المعززة، بتنوع اهتماماته، وخبراته الزاخرة، إنجازاً ثرا، يستحق الإهتمام، والدراسة، والإقتداء .

على أن طرح الكتاب بهذه الصيغة، مترجما لسيرة المؤلف الذاتية، كما عاش تفاصيل مفرداتها الكاتب، الأستاذ غانم العناز بنفسه، جاء مناسباً جداً، لتوخي الإستفادة منه مصدراً للإستلهام، والإستقصاء، والتحليل، بما هو بعد ذلك كله، جهد أدبي، ومهني، يستحق عليه المؤلف، الأستاذ غانم العناز،الكاتب المبدع، والأديب الاريب، والشاعر المرهف، وخبير النفط،الإشادة، والتنويه، باعتباره من أعلام الإبداع في الساحة الثقافية، والأدبية، والهندسية.

 

نايف عبوش

 

يسري عبد الغنيأذكر الشاعر الكبير عبد الفتاح مصطفى (رحمه الله) بعد أن دخل إلى عالم كتابة الأغاني والبرامج الغنائية لم يعد يكتب الشعر، بل أصبح مجرد مؤلف أغان، مع أنه لو كان قد انصرف إلى الإبداع الشعري لاستطاع كتابة روائع تغنى، ولكن ما باليد حيلة، فقد أصبح الجو العام هو تأليف الأغاني بالعامية في الأعم الأغلب، وبالفصحى في بعض الأحيان النادرة.

ثم جاءنا شعراء التجديد، الذين كسروا عامود الشعر، وألقوا بالقوافي في غياهب الجب وبحور النسيان، وبعض هؤلاء يكتب نثرًا مشعورًا يقول لنا: إنه شعر، وآخرون يكتبون مقالات قصيرة تحمل بعض الصور والأنغام اللفظية ويزعمون أنها شعر، وأكثرهم قدرة يستخدم بعض تفعيلات العروض في نظم كلمات مبتورة لا يكمن بها وزن، ولا تنتهي إلى قافية .

إن مشكلة الشعر في وقتنا الراهن، ليست عربية، بل هي مشكلة عالمية، تسببت في خلقها وسائل الاتصال الجماهيري الحديثة، وأخطرها شأنًا وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك اختراع الأقراص الممغنطة والفلاشات بأنواعها المختلفة كوسائل للتسجيل .

في العالم المتحضر أصبحت قصائد عمالقة الشعر العالمي تسجل على أقراص ممغنطة وتباع في الأسواق، وأنت تستطيع شراء قرص ممغنط مسجل في لندن عليه قصائد لكيتس أو بايرون أو مقاطع من مسرحيات شكسبير، كما تجد مثل هذا في ألمانيا، حيث سجلت بعض قصائد جوته وشيللر على أقراص ممغنطة .

وهذه الظاهرة تدل على أن الشعر أصبح فنا مسموعًا وغير مقروء، وبذلك تعود البشرية إلى عصر جاهلية العرب واليونان، حيث كان الشعراء يلقون قصائدهم، ثم يرويها عنهم الرواة، فأصبح الراوية في عصرنا الأقراص الممغنطة وأخواتها ...

ولكن الشعر المسموع من هذه الأقراص ليس شعرًا حديثًا، بل هو شعر قديم رصين، ونحن لم نعد نعرف شاعرًا مشهورًا ذائع الصيت في بريطانيا بعد (ت . س . إليوت) أو شاعرًا في ألمانيا بعد (برتولت بريشت)، ويأتي بعد ذلك مجهولون، أو محليون ...

ويبدو أن الشعر أصبح في أزمة عالمية، وليس الأمر قاصرًا على الشعر العربي، لأن روح العصر في تقدمه التكنولوجي الرهيب لم تعد تطيق القصائد والملاحم التي تربينا عليها، وأكثر ما يمكن تقديمه هو أغنية في ثلاث دقائق، تكتب كلماتها لتوافق لحنًا موسيقيًا .

إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومستوى التعليم المنحدر المتخلف واضمحلال الثقافة في بلادنا كل ذلك كان له أكبر الأثر على فن الشعر عندنا، وعليه فالحياة المادية المعاصرة توشك أن تقنعنا بأن عصر العواطف الملتهبة والمشاعر الراقية والعلاقات الودية بين الأفراد والجماعات قد انتهى إلى غير رجعة، وأن (روميو وجوليت) و (قيس وليلى) و غيرهما من ثنائيات العشاق أصبح شيئًا من تاريخ مضى أو بات نسيًا منسيًا .

ولكن : لماذا يعود الناس إلى هذا الماضي؟! .. إنهم في العالم المتحضر، يستمعون إلى أشعار الشعراء لديهم، ولكنهم لا يجدون بينهم شعراء يقولون شعرًا راقيًا جميلاً عذبًا مثل أشعار شكسبير وبايرون وجوته وشيللر وإليوت وبريشت .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – من الصعب تدقيق النقود في الجيب الغريب .

التعليق – مثل طريف، والصورة الفنية فيه مبتكرة فعلا . يبدو هذا المثل – للوهلة الاولى - وكأنه تعبير لرغبات الفضوليين، الذين يريدون متابعة دقائق حياة الآخرين وتفاصيلها، لكنه في الواقع يصف حالة انسانية عامة لكثير من (المدّعين!) في المجتمعات، وخصوصا مجتمعاتنا، حيث المظاهر الشكلية تمتلك اهميتها و دورها بشكل واسع جدا ...

**

الترجمة الحرفية – لن تخيف الصقر بالغراب .

التعليق – مثل رمزي عميق، اذ انه يعكس طبيعة حياتنا ومجتمعاتنا، التي يخيف القوي فيها الضعيف، وليس العكس، اي لا سلطة فيها للضعيف . المثل الروسي هذا، من حيث صيغته، تجسيّد طريف للمجتمعات (البعيدة!) عن سلطة القانون، فعلّق صاحبي ضاحكا – يا لك من دبلوماسي كبير، و كان يجب ان تقول (على الاقل بيني وبينك)، ان هذا المثل دليل على اننا (اي نحن وهم) أقارب ! ...

**

الترجمة الحرفية – لم يشتر البقرة بعد، وحضّر وعاء الحليب .

التعليق – لنتذكر مثلنا العربي المناظر - حضّر المعّلف قبل الحصان . قال صاحبي، ان المثل العربي يبين اهتمام هذا الشخص بغذاء الحصان، اما المثل الروسي فيبين اهتمام الشخص بغذائه هو، وهذا اختلاف جذري بين الاثنين ...

**

الترجمة الحرفية – يقودون الحصان باللجام، أما الانسان – فبالكلمة .

التعليق – مثل دقيق يؤكد على اهمية الكلمة وقيمتها بالنسبة للانسان، لكن صاحبي قال، ان هذا المثل يساوي بين اللجام والكلمة، اي انه يعني، ان الحصان والانسان يجب ان يخضعا لمن يقودهما، وبالتالي، فان هذا المثل يعكس حالة سلبية في المجتمع الانساني، ولهذا فان صاحبي يرفض فلسفة هذا المثل وفحواه، ولم نصل الى نتيجة مشتركة بشأن هذا التفسير ...

**

الترجمة الحرفية – الحاجة اكثر دهاء من الحكيم .

التعليق – صحيح، فالحاجة ام الاختراع كما يقول مثلنا الشهير،وهي التي تجبر الانسان ان يجد مخرجا من المصائب والكوارث اسرع (وادهى!!!) من اي حكيم ...

**

الترجمة الحرفية – جيران طيبون أفضل من أقارب بعيدين .

التعليق – يوجد مثل عربي في نفس المعنى، وهو – جار قريب خير من أخ بعيد، وتوجد عدة صيغ اخرى لهذا المثل، وبشكل عام تؤكد الامثال العربية على الجار والجيرة، وتشير حتى الى - (حق الجار على الجار) .

**

الترجمة الحرفية – الوئام يوسّع البيت .

التعليق – يستخدم النص الروسي للمثل كلمة خاصة ببيت الفلاح الروسي، وهو عادة بيت خشبي صغير، لهذا، فان الوئام فعلا (يوسّعه !)، لان البيت بحاجة ماسة للتوسع، اذ ان العيش دون وئام يخنق سكانه شكلا ومضمونا . قال صاحبي، ان الوئام يوسّع كل البيوت صغيرها وكبيرها، فقلت له، ان ملاحظته صحيحة، اذ ان الانسان يهرب من اي بيت بلا وئام وانسجام بغض النظر عن حجمه.

**

الترجمة الحرفية – صديقي هو، لكن هو الذي يمتلك عقله .

التعليق – فرح صاحبي وهو يستمع الى هذا المثل الروسي، وقال انه سيستخدمه عندما يطلبون منه (التوسّط) لدى فلان وفستان وعلاّن لانه صديقهم، وغالبا ما تكون هذه الطلبات محرجة، بل وحتى غير منطقية، فقلت له ضاحكا – من الواضح تماما، ان هذه الظاهرة السلبية لا تقتصر على مجتمعاتنا العربية فقط ...

**

الترجمة الحرفية – افضل ان تصمت، من ان تكذب .

التعليق – مثل اخلاقي رائع، وضروري جدا لكل البشر وفي كل المجتمعات الانسانية، فالكذب صفة ذميمة جدا، والصمت ليس صعبا .

***

أ. د. ضياء نافع

...............................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا .

ض . ن .

 

ناجي ظاهررغم اهمية القراءة والاطلاع بالنسبة للكاتب المبدع وجودة ما ينتجه، فان هناك كتابا اجانب عرفوا عالميا، اعلنوا في اكثر من محفل ولقاء، انهم لا يقرؤون الكتب، وقد ادعى بعضهم انه اكتفى بما حصله خلال دراسته بمراحلها المختلفة، فيما تذرع بعض اخر بحجج اخرى مختلفة نتطرق اليها فيما يلي.

* الكاتب الانجليزي كونان دويل: ذائع الصيت ومبتكر شخصية المحقق الشرطي شرلوك هولمز، ردد في اكثر من لقاء صحفي معه، انه لا يقرا الكتب، وان انشغالاته بالكتابة لا تترك له الوقت لقراءة المزيد من الكتب، الا في حالات قليلة وربما نادرة. معروف ان دويل هو مؤلف العشرات من المؤلفات البوليسية، وان الكثير من رواياته واقاصيصه تحولت الى افلام سينمائية شاهدها الناس في شتى بقاع العالم.

* الكاتب الفرنسي جورج سيمنون: مبتكر شخصية المحقق مجريه، ومؤلف المئات من الروايات بينها رواية "هذه المرأة لي"، التي اهلته للترشح للحصول على جائزة نوبل الادبية، كان يقول كلما سئل عما يقرأه من الاعمال الادبية المعاصرة، قائلا انه لا يقرا مؤلفات الآخرين، مبررا هذا بحجتين احداهما خشيته من ان يتأثر بسواه من الكتاب، والآخر ان المواضيع المتعارف عليها في عالم الكتابة والتأليف معروفة ولا يتجاوز عددها الثلاثة والثلاثين موضوعا. سيمنون هذا كان اسرع كاتب تأليفا في العالم. وضع خلال حياته الادبية اكثر من ستمائة رواية، وتحول الكثير من رواياته ايضا الى افلام مشهورة.

* الكاتب الروائي الامريكي إرسكين كالدول: مؤلف القصص القصيرة والروائي الذي عرف العالم قصته مع الكتابة وكفاحه من اجل ان يكون كاتبا، كما قرانا في كتابه المشهور" سمّها خبرة"( ترجم الى العربية مرتين، الجديدة بينهما صدرت مؤخرا عن دار المدى السورية، والقديمة صدرت عن دار منشورات الهلال المصرية)، هذا الكاتب كان يقسم الناس الى نوعين احدهما يقرأ والاخر يكتب، وقد فضل كما ورد في كتابه المذكور ان يكون من النوع الذي يكتب. لهذا انكب على الكتابة وانصرف عن القراءة.

السؤال الذي يطرح ازاء مواقف هؤلاء الكتاب من القراءة وانصرافهم عنها، هل حقا بإمكان الكاتب المعاصر الذي يقف امام تراث ضخم في شتى المجالات، ان ينصرف عن القراءة وان يتكرس للكتابة فقط؟ في رأيي ان الاجابة هي بالنفي، فالقراءة هي البطارية التي تشحن قريحة الكاتب المبدع لا سيما في عصرنا الحديث، كما انها هي التي تتيح له الامكانية لان يكون استمرارا لثقافة ومثقفين اخرين. اضف الى هذا ان تأليف اي من الكتاب كتابا واحدا قد يغني عن العشرات من الكتب، فالكتابة ليست كمًا بقدر ما هي كيف. اضف الى هذا ان ما قاله دويل وسيمنون وكالدول لا يعتبر قاعدة وانما هو استثناء.. ويمكن اعتباره حالات خاصة.

مُجمل الرأي انه لا يوجد كاتب في عالمنا جدير بصفته هذه ويمكنه الانصراف عن القراءة والاطلاع، والانقطاع للكتابة والتأليف، لسبب بسيط هو ان الكاتب ليس نسيج وحده في عالمنا وانما هو استمرار لثقافة وتاريخ ابداعي طويل. كما يرى الشاعر الانجليزي تي. اس. اليوت.. في اكثر من كتابة نقدية وتقعيديه له.

ملاحظة: في ادبنا العربي لم اقرأ تصريحا لكاتب معروف يذهب الى مثل ما ذهب اليه هؤلاء الكتاب فيما يتعلق بعزوفهم عن القراءة، وانكبابهم على الكتابة مكرسين لها جل اوقاتهم. ومما اذكر في هذا المجال ان طه حسين كان ينصح الكتاب الشباب بالقراءة والمزيد منها وقد تجسدت نصيحته هذه بقوله لأنيس منصور: اقرا ثم اقرا ثم اقرا. وكان طه حسين يقترح على الكتاب الجدد ان يقرؤوا اربعة كتب من ادبنا العربي القديم قبل مباشرتهم الكتابة. هذه الكتب فيما اتذكر هي: البيان والتبيين، الكامل في اللغة والادب، الأمالي والعقد الفريد.

 

ناجي ظاهر

 

صادق السامرائيأبو الوليد محمد بن عبدالله بن أحمد الأزرقي الغساني المكي، ولد في مكة وتوفي سنة 250 هجرية.

مؤرخ وجغرافي، ألف كتاب "تأريخ مكة". فهو أول من حاول أن يكتب عن تأريخ مكة، وكان كتابه رائعا إشتمل عن أخبار مكة ورجالها وأوديتها المتعددة وشعائرها الدينية، فقدم فيه عرضا جغرافيا وتأريخيا، ووضع القواعد الأساسية للذين يؤلفون عن المدن.

وقد عايش محنة خلق القرآن ونجا منها، ومقتل المتوكل، وما سبقها من أحداث، وعاصر المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين بالله، حسب ما يُروى.

قالوا فيه:

إبن النديم: " أحد الإخباريين وأصحاب السِيَر"

الأصمعي: "الأزرقي صاحب كتاب "تأريخ مكة"  قد احسن تصنيف ذلك الكتاب آية الإحسان"

مؤلفاته:

أخبار مكة، المسند (مفقود)

شيوخه:

ومنهم أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، أحمد بن نصر بن زياد النيسابوري، هشام ين عمار المقري، إبراهيم بن محمد الشافعي المكي، وغيرهم.

تلاميذه:

إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعي، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي العباسي البغدادي.

ويبدو أنه أول مَن أدرك أهمية ثقافة المدينة وضرورة توثيق حياة المدن، لكي تعرف الأجيال قيمة المكان الذي تكون فيه، وكيف عليها أن تتوافق مع طبيعته الجغرافية والتأريخية، وتأتي بما يناسبه ويعزه ويزيده قوة وجمالا.

ويُذكر أن آخرين قد سبقوه في هذا المجال، لكن كتبهم فقدت، وكتابه الوحيد الذي إمتاز بشموليته وقدرته على البقاء.

ويمكن القول أنه رائد ثقافة المدينة، ومن طلائع العرب في الإشارة إلى تأكيد "إعرف مكانك لتكون"، وبمرور أكثر من ألف سنة على كتابه، لازال أبناء الأمة يعيشون في جهل مكاني وأمية شديدة لمدنهم!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – عش قرنا، اعمل قرنا .

التعليق – العمل عنصر ضروري ومهم جدا في الحياة الانسانية، وتوقف العمل يعني توقف الحياة نفسها . المثل الروسي هذا يؤكد هذه الحقيقة الساطعة في مسيرة الانسان . يوجد مثل روسي مقارب (سبق وان أشرنا اليه) يقول – عش قرنا، ادرس قرنا، (والدراسة عمل طبعا) وهو يذكرنا بالقول العظيم في تراثنا - (اطلب العلم من المهد الى اللحد) .

**

الترجمة الحرفية – والذئب يحب النعجة .

التعليق – قال صاحبي ضاحكا – واخيرا فهمت تعبيرنا العجيب الغريب جدا - (ومن الحب ما قتل)...

**

الترجمة الحرفية – شيب في اللحية – عقل في الرأس .

التعليق –  صورة فنيّة جميلة و طريفة تعكس التناسب الطردي الصحيح بين (سنوات العمر) وبين (تراكم التجربة الحياتية)، ولهذا السبب يقول المثل الصيني – كلمات الكهول غالية مثل الجواهر...

**

الترجمة الحرفية – الحدّاد  يطرق الحديد، وليس المطرقة .

التعليق – الانسان يقوم بالعمل، اما المطرقة فهي اداة ليس الا لتنفيذ العمل من قبل الانسان نفسه . مثل رمزي رائع ينسجم مع كل النشاطات والاعمال،التي يؤديها الانسان في مسيرة حياته ...

**

الترجمة الحرفية – تسلل الى الثروة، ونسى الاخوة .

التعليق –  ونحن نقول - الفلوس تغّير النفوس، الا ان المثل الروسي هنا أكثر دقّة، اذ انه يستخدم فعل (تسلل)، اي انه لم يحصل على الثروة  بشكل قانوني صحيح، ثم يحدد المثل طبيعة هذا (التغيّر)، وهو (نسيان!) الاخوة . مثل واقعي فعلا، وكم يوجد من هؤلاء النماذج في حياتنا بالوقت الحاضر، الذين (تسللوا) بغفلة الى الثروة في زماننا البائس ...

**

الترجمة الحرفية – من الطحين وحده لا تخبز الخبز .

التعليق – صحيح ان الطحين عماد الخبز، لكنه ليس بالطحين وحده يخبزون، كما ان الخبز عماد الحياة، لكن (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان) . كل شئ مهم في حياتنا، وكل شئ يمتلك قيمته وضرورته، والحياة الانسانية هي تناسق وتناغم وتفاعل بين كل الاشياء المادية والمعنوية  المحيطة  بنا  ...

**

الترجمة الحرفية – في قضيتك، انت نفسك لست الحاكم .

التعليق – مثل دقيق جدا، وكم نحتاجه في مسيرة حياتنا، فاننا نعلن دائما احكامنا القاطعة في قضايانا وكأننا الحكام والقضاة، اذ (كل يبكي على ليلاه)، متناسين، ان الحاكم يجب ان يستمع لكلا الطرفين كي يصدر الحكم النهائي ...

**

الترجمة الحرفية – لا يرمون الكلب باللحم .

التعليق – مثل مرح جدا يضرب في ضرورة الاستخدام الصحيح لكل شئ، والا فان النتائج تكون عكسية تماما ...

**

الترجمة الحرفية – لن تذهب الى الجيران طلبا للعقل .

التعليق – مثل طريف جدا وبنيته في غاية الذكاء، اذ ان الانسان غالبا ما يطلب من جيرانه حاجة ما لا يمتلكها في الوقت الحاضر، ولكن العقل ...

**

التر جمة الحرفية – احذر من مدح الخصم .

التعليق –  مثل حكيم جدا، ويجب أخذه بنظر الاعتبار، اذ ان مدح العدو او الخصم يعني، ان هذا الخصم  قرر الوصول الى اهدافه عن طريق الحيلة والخداع .

***

أ. د. ضياء نافع

.....................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا .

ض . ن .

 

 

يسري عبد الغنيحتى يكون الأدب صادقا-، لا بدّ وأن يتكلّم عن الواقع الذي يعيشه الأديب، والظروف التي تحيط به، وتؤثر على نفسيته وعلى يراعه، فتخرج حينئذ الكلمات نابضة بالصدق، وتأخذ طريقها مباشرة إلى فكر القارئ ووجدانه.

أمّا معنى الالتزام فعريق في الادب، قديم مثل كلّ أدب أصيل، وكلّ تفكير صميم، ذلك أنّ الالتزام في الأدب لا يعدو في معناه الصحيح أن يكون الأدب ملتزما الجوهري من الشؤون، منصرفا عن الزخرف اللفظي وعن الزينة الصورية التي هي لغو ووهم وخداع، والالتزام هو أن يكون الأدب مرآة جماع قصّة الانسان وخلاصة مغامراته وتجربته للكيان، وزبدة ما يستنبطه من عمق أعماقه وألطف أحشائه من أجوبة عن حيرته وتساؤلاته، وهو أن يكون الأدب رسالة يستوحيها من الجانب الإلهي من فكره وروحه، ومن هذا الوجدان أو الحدس الإلهي، الذي هو الفكر وما فوق الفكر، والعقل وما فوق العقل، والخيال مع العلم والمعرفة، مع الانطلاق مجربا في كليته وشموليته.

فالأدب الملتزم هو سابق على محاولات المحدثين، وقد وجدنا قديما الأدب يتجسّد في مشاركة الأديب الناس، همومهم الإجتماعيّة والسياسيّة، ومواقفهم الوطنيّة، والوقوف بحزم، لمواجهة ما يتطلّبه ذلك، إلى حدّ إنكار النّفس في سبيل ما يلتزم به الأديب شاعرا أم ناثرا . واطلاعنا على أدبنا القديم وشعرائه، يعرّفنا أنهم كانوا في العهود والأعصر العربية، في الجاهلية والإسلام كافة، كانوا أصوات جماعاتهم . كذلك قبل كلّ واحد منهم أن يعاني من أجل جماعته التي ينطق باسمها، إلى حدّ أنّك إذا سمعت صوت أحدهم وهو يرتفع باسم جماعته أو قومه، لا يمكنك إلا أن تحسّ هذا الالتزام ينساب عبر الكلمات، يصوّر هذا الإيمان وتلك العقيدة دون أن يساوره أدنى شكّ أو حيرة أو تردّد في تحديده للمشكلات التي يواجهه، والتي تتعلّق بمصيره ومصير سواه من أبناء قومه في القبيلة أو الحزب أو الدين، يدفعه إيمان راسخ بضرورة حلّ إشكالية القضايا التي كان يواجهها في حينه

سارتر عرّف الأدب الملتزم فقال: مما لاريب فيه أنّ الأثر المكتوب واقعة اجتماعيّة، ولا بدّ أن يكون الكاتب مقتنعا به عميق اقتناع، حتى قبل أن يتناول القلم . إنّ عليه بالفعل، أن يشعر بمدى مسؤوليته، وهو مسؤول عن كلّ شيء، عن الحروب الخاسرة أو الرابحة، عن التمرّد والقمع . إنّه متواطئ مع المضطهدين إذا لم يكن الحليف الطبيعي للمضطّهدين

ويشير سارتر إلى الدّور الكبير الذي يلعبه الأدب في مصير المجتمعات، فالأدب مسؤول عن الحرية، وعن الاستعمار، وعن التطوّر، وكذلك عن التخلّف.

فالأديب ابن بيئته، والناطق باسمها، وكلمته سلاحه، فعليه تحديد الهدف جيدا، وتصويبها عليه بدقّة، فـ " الكاتب بماهيته وسيط والتزامه هو التوسّط "

وهنا يبرز هدف الالتزام في جدّة الكشف عن الواقع، ومحاولة تغييره، بما يتطابق مع الخير والحقّ والعدل عن طريق الكلمة التي تسري بين الناس فتفعل فيهم على نحو ما تفعل الخميرة في العجين] على ألا يقف الالتزام عند القول والتنظير، فالفكر الملتزم في أساس حركة العالم الذي يدور حوله على قاعدة المشاركة العملية لا النظرية إذ: ليس الالتزام مجرّد تأييد نظري للفكرة، وإنّما هو سعي لتحقيقها، فليست الغاية أن نطلق الكلمات بغاية إطلاقها .

الكاتب مطالب بمسؤوليّة مجرّد أن يكتب وينشر لامته، فهو يجب أن يعبّر عن آلامها وآمالها ونضالها .

" ليس كفعل القلم اجتماعي وتاريخي بكل ما تنطوي عليه كلمة اجتماعي من شؤون الأمّة، والشعب، والقوم، والوطن، والانسانيّة ... وعلى القلم المسؤول أن ينفي عنه أوّل شيء اعتبار عامل الكسب . فذلك هو الشرط المبدئي لصحّة الرأي ونزاهته "

وظروفنا الاجتماعيّة الحالية، الحافلة بالقلق، والمليئة بالمشكلات، تدعو وبشدّة إلى الأدب الملتزم .

ووضع بلادنا العربية وما آلت إليه من تشرذم ومن تآمر الأعداء وتكالبهم عليها، تدعو الكلّ إلى تجنيد الجهود للعمل على رفع مستواها السياسي والاجتماعي والفكري.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيجون فرانسوا شامبليون (1790 - 1832)، عالم لغويات وشرقيات، إشتهر بفكه رموز اللغة الهيروغليفية المصرية، ومن واضعي علم المصريات، ويتحدث اللغة القبطية والعربية، وتمكن من قراءة حجر رشيد المكتوب بثلاث لغات.

مات بالسل او التدرن الرئوي.

هذا الشاب ظاهرة خارقة، فتحت للبشرية آفاقا معرفية لولاه لبقيت مغلقة ومجهولة، ففي سن مبكرة إستطاع أن يقرأ اللغة الهيروغليفية .

ظاهرة تطرح أسئلة، أن يأتي شاب من فرنسا مولعا باللغات وموسوسا بالمصريات، وعاكفا على قراءة كتابات الأولين، وواثقا من فكِ رموزٍ مُسْتعصياتٍ، إنه لأمر محيّر!!

فمن الذي زرع فيه هذا التوجه والإنجذاب؟

وكيف لصبي أن تتفحر في أعماقه رغبة غريبة وإرادة عجيبة تأخذه إلى مصر، وتشده إلى حجر رشيد وتدفعه إلى حل رموزه، وإزالة الحجب عن فترة زمنية حضارية مبهمة!!

من العوامل التي أجدها فاعلة في البشر أنه يولد وفيه  قوة دافعة تأخذه إلى حيث تريد، وهذه القوة هي البوصلة التي ترسم خارطة حياته، وتحدد مستقبله وما سينجزه أثناءها.

ووفقا لهذا المنطلق أشك في أن شامبليون فيه موروثات مصرية تحرك واحدها فأطلق الطاقات التعبيرية عما فيه، فكأن قراءته لحجر رشيد أشبه بالإلهام أو الوحي، رغم أنه ربما إعتمد على محاولات غيره لقراءته.

وكلما أقف أمام حجر رشيد أتخيله أصما مجهولا لولا شامبليون!!

ترى هل هناك طاقة خفية تسيّرنا وتكشف لنا الخفايا عندما يحين وقتها، ونكون مؤهلين لقبولها والتفاعل معها، كما يحصل في الثورات المعرفية والمعلوماتية التي أجدنا قد تفاعلنا معها بعد أن إكتسبنا مهاراتها، ولو أنها ظهرت قبل قرون لما إمتلكنا قدرات الإستفادة منها، بل ربما أن هناك من تخيلها ووضع أسسها قبل مئات السنين، لكن الزمن لا يناسبها.

إنها من الظواهر التي يعجز البشر عن إدراكها وفهمها بسهولة!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيفي كل ليلة يسمع آلاف الناس صوتًا رقيقًا من إذاعة القاهرة (البرنامج العام)، هو صوت السيدة الإعلامية / صفية المهندس (رحمها الله) تقدم برنامج (لغتنا الجميلة)، الذي كان يعده ويقدمه الشاعر والإعلامي الأستاذ / فاروق شوشه (رحمه الله)، وذلك ببيت من الشعر يقول:

أنا البحر في أحشائه الدر كامــــن

فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

وقد لا يعرف كثيرون من السامعين صاحب هذا الشعر، إنه شاعر النيل / محمد حافظ إبراهيم، وهذه القصيدة الرائعة وضع لها عنوانًا هو (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها)، ونشرت سنة 1903، وهي من قافية التاء، وتبلغ 23 بيتًا . (راجع : ديوان حافظ إبراهيم، ص ص 253 - 255)

حافظ إبراهيم هذا الشاعر المصري الكبير الذي كتب عليه البؤس في حياته وبعد موته، وكأنه يطارده، مع أنه من أعظم شعراء العصر الحديث، وقد اقترن اسمه دائمًا باسم أمير الشعراء / أحمد شوقي، لا يكاد ينفصل عنه، حتى بعد وفاتهما بخمسين سنة .

وأذكر أنه عندما أرادت وزارة الثقافة المصرية الاحتفال بهذه الذكرى الأدبية جمعت الشاعرين الكبيرين معًا لأنهما رحلا رحلة الأبد في سنة واحدة، فقد توفى حافظ في 21 يوليو 1932، وتوفى شوقي في 14 أكتوبر 1932، وتقرر الاحتفال في أكتوبر 1982، وكان على حافظ أن ينتظر شوقي حتى في ذكراه !!!

***

كان حافظ إبراهيم يقول:

- الناس يقولون أكثر من عشرين سنة شوقي وحافظ، كما يقولون (بيض وسميط) !!

وعندما أراد عميد الأدب العربي الدكتور / طه حسين الحديث عن الشعر المصري الحديث جمع ما كتبه عن حافظ وشوقي في كتاب واحد .

بل إن جريدة الأهرام المصرية المعروفة هي التي لقبت شوقي في سنة 1899، بلقب (أمير الشعراء)، ووصفت قصائده بالشوقيات، وهي التي لقبت حافظ إبراهيم بلقب (شاعر النيل)، وفقًا لما رواه رئيس تحريرها الأستاذ / داود بركات .

وهذا الاقتران بين اسمي شوقي وحافظ يذكرني دائمًا بالاقتران الذي كان بين اسمي شاعري الألمان : (يوهاث ولفجان فون جوته)، و(فردريش شيللر) المتعاصرين، والمتعانقين في تمثال واحد منصوب في الميدان العام أمام مسرح مدينة فايمار، والتي يطلق عليها الألمان (أثينا ألمانيا)، بل أنهما يرقدان معًا في مقبرة واحدة عظيمة البنيان في هذه المدينة .

كان جوته وزيرًا ثريًا أرستقراطيًا مثل شوقي، وكان شيللر صعلوكًا بائسًا فقيرًا مثل حافظ، حتى قيل : إن جوته هو الذي بنا له بيتًا إلى جواره في مدينة (فايمار) حتى لا يفارقه، برغم مشاكسات شيللر ومناكفاته، مما كان يحتمله جوته في حب شديد، فيتغافل حتى عن سقطات العبقري الشاعر شيللر .

وقرأنا أن شيللر ترك ذات مرة مدينة (فايمار) وذهب إلى قرية صغيرة مجاورة ليشتغل مدرسًا في إحدى مدارس المرحلة الابتدائية، فما كان من الوزير الصديق جوته إلا أن سارع واستعاده مرة أخرى مطالبًا إياه بأن يتفرغ لإبداعه الأدبي .

ولكن لقاء حافظ وشوقي كان مختلفًا، وكان التنافس بينهما قد وصل إلى أبعد الحدود، كما أن شهرة شوقي قد بلغت مبلغًا عظيمًا، غير أن اقتران اسميهما ظل قائمًا حتى يومنا هذا، ويبدو أنه سيظل قائمًا مثل اسمي : جوته و شيللر .

ووجه الاختلاف في هذه المقارنة أن (شوقي) ظل على نعمته وثرائه وأرستقراطيته، وأن حافظًا ظل على بأسائه وفقره وقلة حظه، حتى بعد وفاته، فلم تجمع آلهة الشعر والعبقرية بينهما في تمثال واحد أو مسرح واحد في أي مكان عبر أنحاء مصر المحروسة، مثل (جوته وشيللر) ..!!

عند وفاة حافظ إبراهيم تكونت لجنة من أصدقائه الأفاضل، وعقد اجتماعها الأول في دار (السيد/ عبد الحميد البنان)، صديق حافظ المقرب، وأحد أثرياء التجار في القاهرة، وقررت اللجنة جمع آثاره، ونشرها في طبعات تليق به، وإقامة حفل لتأبينه، ولم يتم شيء في ذلك، بكل أسف وألم ..!!!

وأذكر أنني قرأت ما كتبه الدكاترة / زكي مبارك بتاريخ 9 ديسمبر 1932، حيث قال : " أقيمت لشوقي حفلتان في مصر، وإن شئت فقل ثلاث حفلات، ولم تقم لحافظ حفلة واحدة، وسبب ذلك أن أصدقاء حافظ اجتمعوا يوم وفاته وقرروا طبع ديوانه ووضع كتاب عن شعره ونثره، ثم اجتمعوا مرة ثانية فأجلوا الاحتفال بذكراه إلى نضج العنب، فلما نضج العنب اجتمعوا وقرروا الاحتفال بذكراه إلى نضج التين، وصدق من قال : سعيد الدنيا سعيد الآخرة، وكذلك كان حظ حافظ بجانب حظ شوقي في دنياه وأخراه " !!

وفي خريف سنة 1932، وبعد وفاة الشاعرين الكبيرين بدا لأحدى شركات السجائر أن تخرج علبة سجائر باسم شوقي، وعلبه أخرى باسم حافظ، فجعلت ثمن العلبة الأولى خمسة قروش، وثمن العلبة الثانية أربعة قروش ...!!! ..حقًا إن سعيد الدنيا سعيد الآخرة كما يقول المصريون ..!!

ومن المفارقات العجيبة الغريبة أن يكون حافظ إبراهيم هو أول شاعر مصري تقيم له الدولة مقبرة، ثم تظل هذه المقبرة مجهولة حتى يومنا هذا، فقد لاحظ أحد محافظي القاهرة أن شاعر النيل الكبير مدفون في مقبرة مفردة في عرض الطريق، وكان هذا المحافظ وهو المرحوم / محمد صدقي باشا رئيسًا للجنة الجبانات، فأقام لحافظ مقبرة فاخرة في جبانة السيدة / نفيسة (رضي الله عنها )، وقد عرفتها مصادفة منذ سنوات، لأنها تقترب من نفس المنطقة التي فيها مقابر أسرتي، ولكن المؤكد أن السيد / حارس المقابر في هذه المنطقة أو ورثته قد باعوا هذه المقبرة، أو تصرفوا فيها، كما هي عادة هؤلاء الحراس مع أية مقبرة لا يسأل عنها أهلها .. !!

أمر عجيب حقًا هذا الشاعر في حياته وفي موته، كان يقول في حياته :

مرضنا فما عادنا عائد

ولا قيل : أين الفتى الألمعي ؟

ولا حن طرس إلى كاتب

ولا خف لفظ على مسمع

سكتنا فعز علينا السكوت

ةهان الكلام على المدعي

فيا دولة آذنت بالزوال

رجعنا لعهد الهوى فارجعي

ولا تحسبينا سلونا النسيب

وبين الضلوع فؤاد يعي

وكان يقول وكأنه يتحدث عن نفسه :

أمشي يرنحني الأسى

والبؤس ترنيح الشراب

كان يضحك ويتحدث أعذب الأحاديث وأشجاها، ويروي أجمل النكات، في حين كان فؤاده يتمزق، وحياته كلها يسيطر عليها البؤس والشقاء .

***

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيالتنور: فرن طيني يُخبَز فيه الخبز في العراق ودول عربية أخرى، وهو قديم قِدَم الحضارات البشرية.

هذا موضوع ربما لم يتناوله أحد من قبل، إنتبهت إليه وأنا في خضم البحث عن لماذا أبيدت سر من رأى عن بكرة أبيها في غضون أشهر أو بضعة سنوات على أكثر تقدير.

ومَن يتجول في إسبانيا يحمد الله كثيرا لأن الإسبان حافظوا على الإرث العربي كما كان ولم يمسونه بسوء، وما أصابه بفعل الهزات الأرضية، ولو كان بأيدينا لما أبقينا عليه.

فقرطبة وغرناطة وغيرها من مدن الأندلس الجميلة، لا تزال معالمها متألقة، وما بقي في سامراء إلا الأطلال.

وأعود إلى التنور ودوره في إتلاف تراثنا ومعالم وجودنا، فهو الذي أكل كل شيئ قابل للإحتراق، وفي مدينةٍ  يعز فيها السجير، يكون أي شيئ يحترق طُعما للتنور.

وهناك الكثير من الحكايات التي كان يتداولها الأجداد، أن فلان الفلاني إقتلع باب السور وجعله زريبة للحيوانات ومن ثم أكله التنور، وغيرها التي صارت في بطن النسيان.

فلو سألتني عن أي معلم خشبي في المدينة وأين ذهب، فسيكون جوابي : أكله التنور!!

بل حتى الكتب، وربما المفروشات وغيرها من أثاث قصور بني العباس الثمينة، جميعها وبلا إستثناء إلتهمها التنور، الذي يقدم لنا رغيف خبز حار بثمن لا يعوض.

أين ذهبت أبواب الجامع الكبير وأعمدته وشبابيكه وزخرفاته الخشبية، وما كان في قصور بني العباس من منحوتات ومزينات خشبية، والجواب إلى التنور!!

فالتنور أحال معالم المدينة النفيسة الغالية إلى رماد!!

وقس على ذلك ما يمكن حرقه من آثار الحضارات القديمة في مدن وقرى بلاد الرافدين، فجميعها صار طُعما للتنور المتأجج يوميا في البيوت.

قد نتباكى على ما أحرقه هولاكو في بغداد وخصوصا مكتبة بيت الحكمة، لكن التنور بفعله اليومي التراكمي، ربما أحرق أكثر من ذلك عبر مسيرة الأجيال، فكل ما هو قديم كان يُلقى في التنور.

فاللعنة على التنور وعلى رغيف الخبز الذي يقدمه لنا بعد أن أتلف الكثير من معالم وجودنا!!

 

د. صادق السامرائي

 

ناجي ظاهريُقدّم الكاتب والشاعر الفرنسي خالد الذكر الفونس دي لامارتين (21 تشرين الاول 1790 - 28 شباط 1869)، في روايتيه الهامتين، "جرزيلا"، أولا، و"رفائيل" لاحقا، رؤية دافئة للحب الإنساني الراقي، يزيد في أهمية ما يقدمه.. وفي قيمتهِ أيضًا، انه اعتمد في كتابته هاتين الروايتين على تجربته الذاتية.. تلك التجربة التي ابتدأت سخونتُها تزداد رويدًا رويدًا حتى انتهت إلى جمرة، تحرقُ اليدَ وتشعلُ الروح.. بنار الفقد والحرمان، من اجمل ما خلق الله.. المحبة على هذه الارض.

لامارتين شاعر فرنسي عُرف بأنه من أهم شعراء الحب والرومانسية، ولد في مدينة لاكان الفرنسية عام 1790 ورحل من عالمنا عن عمر ناهز التاسعة والسبعين عامًا. كتب الشعر وله فيه عددٌ من المجموعات أهمها " التأملات"، كما كتب الرواية وله فيها روايتان كما سلف، تحدّث فيهما عن حبه المتقد المشبوب.

سبق وقرأت هاتين الروايتين وعاودتني الرغبة في قراءتهما مؤخّرًا، فقمت بقراءتهما واحدةً اثر الأخرى. ابتدأت بقراءة الرواية الأولى "جرزيلا"، بترجمة إبراهيم النجّار، وقد صدرت في أواسط الثلاثينيات، بعدها قرأتُ رواية "رفائيل"، بترجمة احمد حسن الزيات، عِلمًا ان مجيد غصن قام بترجمة هذه الرواية مجدّدًا، وقد قدّمتُ قبل فترة، محاضرة عنها في المعهد الفرنسي في مدينتي الناصرة، قارنت فيها بين الترجمتين. فرأيت أن الزيات قدم ترجمة اعتمد فيها على تمثُّل الحالة اللغوية الروائية وقام بعدها بتعريبها، وكأنما هي كُتبت بلغةٍ عربية جزلة، في حين كانت ترجمة مجيد غصن اقرب ما تكون إلى النصّ المترجم المتّبع حاليًا فيما يقوم آخرون بترجمته من لغات أخرى إلى لغتنا العربية.

يَتّبع لامارتين في كتابته لكل من هاتين الروايتين أسلوبًا مميّزًا يركّز على التطوّر البطيء للحدث، لكن الغني في تفاصيله ووصفهِ للمشاعر، لهذا ليس من السهل تلخيصهما، أما فيّما يتعلّق بالحدث الروائي ذاته فإن مؤلّفهما، يحكي في جزيلا عن رحلة الى إيطاليا، قام بها أيام شبابه الاول، وتعرّف خلال رحلته هذه على جزيلا، ابنة الصياد الفقير، التي ستقع في هواه، بسبب طيبته وايجابيته في التعامل معها ومع عائلتها، وبسبب انسانيته الدفّاقة. تتعلّق جرزيلا بالراوي، مع علمها انه لن يرتبط بها لبُعد الشقّةِ بينَ عائلته الغنيةِ وعائلتها الفقيرة. وتنتهي الرواية نهايةً محزنة مؤسية تتمثّلُ في الفراق الابديّ بين اثنين، رجلِ وامرأةٍ، كان بالإمكان ان يعيشا قصةّ حبٍّ فريدةٍ من نوعِها. لكن بدلَ ان تنتهي هذه القصة إلى التواصل والوصال، تنتهي بالفراق، لهذا تحقّق نوعًا من خلود .. أمُه الشوقُ وأبوه التوقُ الابدي.~

في روايته الثانية" رفائيل"، واذكر بالمناسبة ان طبعةً منها صدرت في بلادنا، قبل العشرات من السنين، وقُيّض لي ان اطلع عليها في حينها وان اقرأها، فإن الحدثَ الرئيسيّ فيها لا يفترقُ كثيرًا عن الحدث الرئيسي في جرزيلا، فهي تحكي قصةَ حبٍّ ملتهبٍ بينَ شخصيةٍ عظيمة يقوم بتقمّصِها، والتعامل معها على اعتبار انها قناعٌ روائي، هي شخصيةُ الفنّان العالمي العظيم، رفائيل، وبين امرأةٍ قست عليها الحياةُ فأفقدتها الامَ والأب، والقت بها في ميتمٍ للأطفال في ضائقة. في هذا الميتم، او الملجأ، تتعرّف على واحد من رجال العلم يكبرُها بخمسة اضعافِ عمرها، كما تُخبر رفائيل في بداية تعرّف كلٍّ منهما على الآخر، هذا الرجل لا يهمه شيءٌ سوى سعادتها. وعندما يشعر بضيقها الذي سرعان ما يتحول إلى معاناة صحية، يرسل بها لتقيم في بلدة سافوا الفرنسية، وهناك يلمحُها رفائيل، القادم من باريس العاصمة، ويأخذ في تحيّن الفرصةَ للقاء بها. القدر لا يبخل عليه بهذا اللقاء المتمنّى، فيتصادف ان تواجه عاصفة قاربًا يقلُّها، فما يكون من رفائيل إلا أن ينقذها. هاتان الشخصيتان، يقع كلٌّ منهما في هوى الآخر. وتتطوّر الاحدث إلى أن تقوم تلك المرأة المحبوبة بإبعاده عنها، بادعاءٍ تلفّقُه، ليتبيّن لنا، نحنُ القراءَ في نهاية الرواية، انها إنما أبعدته عن معاناتها في ايامها الأخيرة وتقضي هذه الحبيبةُ ليعيش رفائيل مأساةَ حياته بفقدهِ الفادحِ لها.

كما قلت في كل من هاتين الروايتين، مواقف تسمو فيها أحاسيسُ كلٍّ من العاشقين المدنفين المتيّمين، إلى آفاقٍ عاليةٍ شاهقة. تبحر في آفاق الإنسانية العامة، وتقدمان كما سلف صورًا مُبهرةٍ للحبّ الرومانسيّ الطاهر الحنون. روايتان تدفعان من يقرأهما لأن يتفاعل مع احداثِهما، وكأنها تقع الآن وهنا.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

صادق السامرائيمارون بن حنا بن الخوري يوحنا عبود (1886 - 1962)، كاتب وأديب لبناني، ولد في عين كفاع من قرى الجبل. وقد تفاعل مع شعراء عصره وأدبائهم أمثال سعيد عقل، رشيد تقي الدين، أحمد تقي الدين.

ولديه ستين كتابا بين المطبوع والمخطوط، من كتبه: ربة العود، تذكار الصبا، رواية الحمل، أصدق الثناء على قدوة الرؤساء، أحاديث القرية، حبر على ورق، أبو العلاء المعري زوبعة الدهور، آخر حجر، أشباح ورموز،  وغيرها الكثير من الكتب والأقاصيص.

ونال العديد من الأوسمة، ويجيد العربية والسريالية والفرنسية، وكتبَ الشعر.

وهو من رواد النهضة الأدبية الحديثة في لبنان والعالم العربي، كتبَ في الصحافة والرواية والقصص والشعر والنقد والمسرح والتأريخ.

ومن أمثاله كوكبة من الأفذاذ الذين إنطلقوا بمسيرة التنوير والتجديد والإستنهاض منذ بدايات القرن العشرين، وبثوا أفكار الحياة المعاصرة الواعدة بإنطلاقات إنسانية سامية.

وكان لهم دورهم وتأثيرهم، وبسببهم تقدمت الأمة وتطورت أحوالها إلى أحسن مما كانت عليه بكثير، فلو قارنا أحوالها في بداية القرن العشرين وفي بداية القرن الحادي العشرين، لتبين الفرق الواضح، وأنها برغم ما يُقال ويُنشر ويُذاع عنها، في تقدم وتفاعل مع معطيات العصر.

هؤلاء رموز أمة حية واعدة بالمنجزات والتطلعات الأصيلة، ففيهم تأكدت إرادتها وعبّرت عن منهجها في التحدي والتواصل مع جوهر ما فيها من القدرات.

ولاتزال أفكارهم ومشاريعهم النهضوية والمعرفية ذات قيمة تربوية وتنويرية فاعلة في مسيرة الأمة ووعي الأجيال، وعلينا أن لا نغيّبهم و ونبتعد عنهم لأنهم جذوة إنطلاقنا، وعنوان مسيرتنا المتدفقة بالإشراق والعطاء النبيل.

فلنعد إليهم ونرتشف من درر أفكارهم التنويرية!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيالطريق إلى المعرفة.. علم الدين نموذجا

رجلنا علي مبارك عاش بين عامي 1824 م و1893م، حيث ولد في قرية برنبال التابعة لمحافظة الدقهلية بمصر، وتعلم العربية، وقرأ القرآن الكريم، ثم سافر إلى باريس لدراسة العلوم العسكرية، ولما رجع إلى مصر شغل عدة مناصب عسكرية، حتى عين ناظراً (وزيراً) للأوقاف، والمعارف (التربية والتعليم) ثم شغل منصب نظارة الأشغال، واستقال منها أثناء الثورة العرابية سنة 1881م، وكان آخر عمل حكومي قام به هو نظارة المعارف .

كان علي مبارك غزير التأليف، يدل على ذلك كتاباته العديدة، ومنها قصته التعليمية التي سماها (علم الدين)، والتي هي من وجهة نظرنا الخاصة خلاصة لتجربته الحياتية ومسيرته الفكرية، كما أنها تعلن بجلاء فلسفته الأخلاقية والتربوية .

وعندما نقرأ المقدمة التي كتبها لهذه القصة، نعرف أنه كتبها عندما رأى النفوس تميل إلى السير والقصص، فتجرد لعمل كتاب يضمنه كثيراً من الفوائد في أسلوب حكاية لطيفة، وسواء وفق في السرد أم لم يوفق، فقد خرج الكتاب على هيئة مسامرة الأشجار والزهور، وهي تتفاوت طولاً، وأسلوبها تغلب عليه البساطة والوضوح والاستواء .

وتعتمد القصة على السرد والحوار، عارضة لشئون الحياة والدين، مثيرة الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية والتاريخية، أما أحداث القصة فتجري في مصر وأوربا، وبطلاها رجل أو شاب أزهري اسمه علم الدين، ورجل إنجليزي قدم إلى مصر، وحاول أن يتعلم اللغة العربية، وكلاهما كان يخوض في مشكلات الحياة، ويسافر، وينظر، ويسأل، ويحاول أن يصل إلى الحقيقة .

ذلك أن الحقيقة (كما يقول علي مبارك على لسان علم الدين) تختلف بحسب الظروف والأحوال، والوصول عليها يتطلب معرفة بأسرار الوجود، وإحاطة بالعلوم المختلفة وبالفنون وغرائب الموجودات وعجائب الكائنات .

وفي سبيل الحقيقة أو المعرفة نطرح خبايا التاريخ، ونناقش القضايا من وجهها الظاهر والخفي، ولا بأس من الاستقراء، واصطناع المنطق، واستخدام كل وسائل المعرفة .

إننا ندعو إلى دراسة قصة علم الدين، دراسة علمية تاريخية أدبية فكرية متأنية، ولا نتعامل معها كمجرد عمل أدبي في سياق تاريخي .

إن هذه القصة، دعوة إلى المعرفة، أو فلنقل إنها ترسم الطريق إلى المعرفة، سبق بها علي مبارك ذلك الرجل المثقف المستنير الذي لم يأخذ حقه حتى الآن من الدرس والبحث، سبق بها عصره، في نفس الوقت الذي كان له فضل السبق والريادة في كتابة القصة التعليمية .

بقي أن نشير إلى أن النسخة التي معنا من علم الدين، كتب عليها (علم الدين لحضرة العالم الفاضل صاحب السعادة / علي باشا مبارك ناظر الأشغال العمومية سابقاً، قدم له المؤلف)، ونذكر أيضاً أن الطبعة الأولى من هذه القصة، صدرت في الإسكندرية، عن مطبعة جريدة المحروسة، سنة 1299 هـ = 1882 م .

توفي على باشا مبارك في 14 نوفمبر عام 1893م في منزله بمنطقة الحلمية الجديدة، متأثراً بالمرض، بعد حياة حافلة قضى جزء كبير منها في التفاني من أجل نهضة بلده.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

نبيل عرابيحين اتّخذ قراره بمغادرة مدينة طرابلس اللبنانية حيث ولد في العام 1922، لم يكن يعلم بأنه سيسلك درباً صعباً ووعراً في حياته العملية. فقد عمل لفترة في إذاعة (الشرق الأدنى) في مدينة يافا الفلسطينية، وتوجه بعدها إلى مصر حيث تسلّم منصب سكرتير تحريرفي مجلة (روز اليوسف): المحطة الأولى في طريق مهنة البحث عن المتاعب، أي الصحافة، فكان ثمن اكتشافه فضيحة ما ونشر تفاصيلها، خسران وظيفته وطرده من مصر. فعاد إلى بيروت، حيث حرر في عدد من الصحف التي كانت تصدر هناك، إلى أن اشترى إمتياز صحيفة طرابلسية من لطف الله خلاط، يعود تاريخ تأسيسها إلى العام 1911.

حدث ذلك عام 1956، وتحولت هذه الوسيلة الإعلامية المكتوبة بجهوده منبراً لآرائه السياسية اللاذعة، وكأنه يُكمل مسيرة لطف الله خلاط الذي دفع ثمن مواقفه الناقدة للحكم والحكام في زمنه، فنُفِيَ مع عائلته إلى تركيا طوال سنوات الحرب العالمية الأولى، وعاد بعدها إلى لبنان ليعاود إصدار صحيفته من طرابلس.

وخلال حرب السنتين في لبنان (1975-1976)، لجأ صاحب المطبوعة الجديد إلى لندن ليتابع نشاطه الصحفي من هناك، في ظل احتقان نفوس جهات سياسية وعسكرية  لها نفوذها في وطنه تجاه ما كانت تتضمنه مقالاته حيالها.

وفي شهر شباط/فبراير من العام 1980، اضطر للسفر بشكل مفاجىء إلى لبنان بسبب وفاة والدته، لكنه تعرّض للخطف خلال توجهه إلى مطار بيروت للعودة إلى لندن، وكان ذلك في 25 من الشهر عينه، وبعد ثمانية أيام عُثِر على جثته في أحراج (عرمون) جنوب بيروت، وعليها آثار تعذيب حاقد واضحة المعالم.

إنه الصحافي اللبناني سليم اللوزي الذي خسر حياته، في سبيل الكلمة التي آمن بقوتها ووَقعها  فشكلت قناعاته الراسخة كالجذور العميقة، وانضمّ إلى قافلة شهداء الصحافة في الرابع من آذار/مارس لعام 1980.

 

نبيل عرابي