 أقلام ثقافية

هل خاب ظنك في الأوسكار؟

لست الوحيدة.. الدفع نحو جائزة سبيريت كبديل

الكاتبة: فيرونيكا وولسنغام*

ترجمة: نور الهدى البدري

مراجعة وتقديم: د. عزيز جاسم محمد**


 

المقدمة:

عندما شمرت الأوسكار عن ساعدها في مساء الأحد التاسع من فبراير عام 2020 في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا لتبدأ بأختيار من سيحمل اللقب لهذا العام ترجل العديد ممن كان لهم الأمل في نيل ذلك الشرف الرفيع الذي استمر لأثنتين وتسعين عاماً.

أن كان لأوسكار وجهين، الابيض منها والاسود، والذي يتبين من خلال مقالة فيرونيكا وولسنغام والذي نشعر فيه بأنها مستاءة من طريقة التوزيع التي تعتبرها بالمجحفة فيكون لها الحق ان تندهش من سخط الجمهور الذي ضمت نفسها اليه والذي لم يكن راضٍ عن اداء المؤسسة. تنخرط الكاتبة في معترك التمييز العنصري لجائزة الأوسكار وتقوم بطرح بديل لها والذي تشعر بأنه الأكثر موضوعية من سابقته وهي جائزة سبيريت للأفلام المستقلة. اذا نلت جائزة سبيريت، كما تشير وولسنغام، بكل موضوعيتها فلم تكن قد نلت "تمثالاً صغيراً أو تعزيزاً مهنياً" فحسب وانما نلت رضاء الجمهور الذي سأم الأوسكار من قبل.

شنت الكاتبة هجوماً على جائزة الأوسكار في مقالتها لأنها وكما يبدو تشعر بأن الأختيارات التي تقوم بها الأخيرة، وعلى النقيض من جائزة سبيريت، لا ترتقي الى مستوى السلم الأكاديمي الموضوعي الذي كان من المفترض أن تتحلى به بل لها نظرة راديكالية قادتها الى التخبط في أختيار من هم أكثر ملائمة من بين المرشحين. اعطت على ذلك العديد من الأمثلة المستوحاة من التكريمات السابقة للجائزة وقامت بمقارنتها مع ما منحته جائزة سبيريت.

تسعى الكاتبة في مقالها الى انقاذ الجمهور من توتر الأوسكار الذي عانت منه كثيراً والذي لم تجنِ منه إلا التمييز العنصري وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، لا سيما انها ذكرت بأن جائزة الأوسكار ولطوال عمرها الأكاديمي لم تختر إلا مخرجة أمرأة واحدة مقارنة بجائزة سبيريت التي أختارت ورشحت العديد منهن. في الحقيقة لم تلمع وولسنغام صورة جائزة سبيريت فقط بدون التطرق الى بعض الأخفاقات بل بالعكس كانت صريحة في عرض بعض الأخطاء التي ارتكبتها المؤسسة المعنية. لكن بعد كل ما قالته ووضحته الكاتبة يبقى السؤال قائماً: هل بالأمكان التخلي بين ليلة وضحاها عن مؤسسة عريقة استمرت لإثنتين وتسعون عاماً مثل الأوسكار واستبدالها بمؤسسة شابة مثل سبيريت التي لا يتجاوز عمرها الخمسة والثلاثون؟

***

الترجمة بقلم نور الهدى البدري:

منحت أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية في العام الماضي جائزتها الأولى لفيلم "الكتاب الأخضر" (Green  Book) وهي دراما مدهشة تدور حول رجل أبيض يحاول التعلم أن يكون أقل عنصرية من خلال التفاعل القسري مع رجل أسود. وعلى أثر هذا وصف العديد من الناس الفيلم على أنه وصمة عار في سجل الأكاديمية. وهو ما يدل على وجود فجوة بين الناخبين والمناخ الثقافي الحالي. كان العديد من محبي الأفلام بما فيهم أنا منزعجين ومحبطين من هذا الأمر. ربما لم تكن على دراية أو قد نسيت على الأرجح بأن جوائز سبيريت للأفلام المستقلة  (Film Independent Spirit Awards) التي عقدت في الليلة السابقة لجوائز الأوسكار سارت في طريق مختلف تماماً. ففي فيلم "إذا تمكن بيلي ستريت من التحدث" (If Beale Street Could Talk) وهي دراما تاريخية تدور احداثها حول دور النظام العنصري في تمزيق زوجين من ذوات البشرة السوداء حيث نالت استحساناً كبيراً بسبب صورها وعروضها وإتجاه باري جنكينز فيها. وعلى الرغم من تصوير احداث مر عليها عقود ولكن يشعر الفرد بأن موضوعتها ذو صلة ويمكن ان تكون مرجع. مع ذلك لم يتم ترشيح "بيلي ستريت" لأفضل صورة في حفل توزيع جوائز الأوسكار بينما أُعتبرته جوائز سبيريت للأفلام المستقلة من بين أفضل الصور. وبهذا فمن الأفضل أن نولي اهتماماً لجوائز سبيريت أكثر منه الى جوائز الأوسكار وهذا ما يجب أن يحصل فعلاً. ولا يعتبر مثل هذا التنافر الحاد بين هيئات التصويت للجوائز إنحرافاً. سيتم دعوة آدم ساندلر وجنيفر لوبيز ووليام دافو كمرشحين لحفل جوائز الأوسكار لهذا العام في عالم بديل لأدائهم في أفلام "جواهر غير مبلولة" "Uncut Gems" و "المخادع" "Hustlers" و "المنارة" "The Lighthouse". وعلى الرغم من العديد من الجوائز، على سبيل المثال وليس الحصر، تم ترشيح القليل منهم لجائزة سبيريت يوم السبت. مع هذا فاز فيها كل من السيد ساندلر والسيد دافو.

بإعتبار جوائز سبيريت في عام 1984 كجوائز الأصدقاء الاحرار (Independent Friends Awards) قامت الأخيرة في أغلب الأحيان بالأبتعاد عن ما تختاره الأكاديمية كأفضل صورة. وكان التاريخ بشكلٍ عام أكثر ميولاً الى الأختيارات التي تقوم بها سبيريت. فمن بين أكثر الأمثلة فظاعة هو أختيار جائزة الأوسكار لفيلم "توصيل الآنسة دايسي"  (Driving Miss Daisy)كأفضل صورة وهو القرار الذي اعتبره الكثير من النقاد كأحد أسوأ القرارات التي اتخذتها الأكاديمية، بالضبط مثل أختيارها لفيلم "الكتاب الأخضر". واحتفلت جوائز سبيريت في نفس العام بفيلم "الجنس والأكاذيب وشريط الفيديو"  (Sex, Lies, and Videotape)حيث كان ظهور ستيفن سودربيرغ مثيراً للأعجاب مما أدى الى حدوث نقلة نوعية في تغيير مشهد صناعة الأفلام المستقلة.

ذهبت الأوسكار في العام 1994 الى فيلم "فوريست غامب" (Forrest Gump). إذ واجه مؤخراً هذا الفيلم انتقادات كثيرة بسبب نسخته التي تبيّض تاريخ الولايات المتحدة ونظرتها المحافظة للحياة الأنثوية للمرأة. وذهبت في المقابل جائزة سبيريت في تلك السنه الى فيلم "الخيال اللب" (Pulp Fiction) وهو فيلم ذات سرد منحني والذي أصبح محكاً في تاريخ السينما. ومن الصعب نسيان الأعتلال المشين لأوسكار بتفضيلها دراما الإساءة الوحشية للمصالحة العنصرية "تحطم" (Crash) على الفيلم الرائد "جبل بروكباك" (Brokeback Mountain) للمخرج آنغ لي؛ على الأقل حظيت هذه القصة الرومانسية بجائزة سبيريت. في الواقع تعتبر جوائز سبيريت أقرب الى جوائز اختيار الشعب (People’s Choice Awards). على الرغم من محاولات الأكاديمية لتنويع عضوياتها في السنوات الاخيرة إلا أنها لا تزال هيئة تصويت نخبويه وانتقائية حيث يعترف البعض بأنهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء مشاهدة جميع الأفلام المرشحة في عام معين. وعلى النقيض من ذلك فإن العضوية في منظمة الفيلم المستقل (اندي فيلمIndie Film ) الغير ربحية والتي تشمل امتيازات التصويت المفتوحة للجمهور قاطبة تبدأ فيها الرسوم السنوية للعضوية العامة بمبلغ قدره خمسة وتسعون دولاراً. حيث تقوم لجنة من مخرجي الأفلام والنقاد وغيرهم بتحديد مرشحي جائزة سبيريت. وتعتمد عملية أختيار الفائزين بشكل جوهري على هيئة التصويت.

من المفترض أن يساعد هذا التحول النسبي للديمقراطية في هدم العديد من التأثيرات الاجتماعية الاقتصادية الراسخة في جوائز الأكاديمية. غالباً ما تتغلب الملايين التي تُنفق على الحملات وكسب التأييدات على أي حالات تنشأ للجدارة الفنية. صرحت مجلة فوربس الأمريكية في هذا الصدد بأن الممثلة في القائمة "أ" تنفق مبلغ عشرة ملايين دولاراً للاستعداد فقط للسير على البساط الأحمر في حفل توزيع جوائز الأوسكار. وقد لا يتمتع ناخبوا جوائز سبيريت بالحصانة من جاذبية حملة موسم الجوائز العامة التي يتم تنظيمها من خلال المقابلات العامة في وقت متأخر من الليل بجانب الملفات الشخصية المذهلة. في حين انه هنالك قلة في التقيدات التي تمليها المواظبة او العمل المركزي في شراء وجبات عشاء خاصة أو تذكرة طيران معينة أو حتى حضور حفلات موسيقية خاصة كما هي العادة أثناء موسم الجوائز. وعندما يكون المال والسياسة أقل أهمية ستسنح فرصاً أعظم للتمثيل. حيث أن الفائزين في آخر ثلاث جوائز عن أفضل مخرج من جوائز سبيريت كانوا من ذوات البشرة السوداء وهم: جوردان بيل عن فيلم "الخروج" (Get Out)" وباري جينكينز عن فلم "ضوء القمر" (Moonlight) وفيلم "شارع بيلي" "(Beale street). وتم ترشيح في نفس هذه الفئة إثنان وعشرون امرأة بحيث فازت ثلاث منهن: صوفيا كوبولا ومارتا كوليدج وكمساعد مخرج فاليري فارس. ومن المؤكد أن هذه الأرقام قد تكون أعلى من ذلك ولكن لنأخذ في نظر الأعتبار أن امرأة واحدة فقط فازت بهذه الفئة في تاريخ الأوسكار البالغ إثنتان وتسعون عاماً. ففي عام 2018 تم ترشيح عدد أكبر من المُخرجات النساء على الرجال في جوائز سبيريت ويكاد من المستحيل حدوث ذلك في الأوسكار في أي وقت قريب.

لا شك من وجود بعض العيوب في جائزة سبيريت فعلى سبيل المثال تقتصر جائزة سبيريت على الأفلام التي يتم وضع ميزانية معينة لها وهي 22.5 مليون دولار اعتباراً من العام 2020. (لا تفرض الأكاديمية سقف ميزانية محدد رغم أن لديها متطلبات قائمة على العروض المسرحية). مما يعني أن الأفلام ذات الميزانيات الكبيرة والتي نالت إعجاب الجماهير مثل فيلم "النمر الأسود" (Black Panther) لا تُحظى بالاعتراف. ورغم أن ادراج أفلام الامتياز الشهيرة في الأوسكار يبدو لصالح العروض (والتصنيفات) أكثر من أي شيء أخر. فمثل هذه الأفلام نادرا ما تحصل على أفضل صورة. عند النظر الى الوراء ومن المسلّم به أن بعض حالات إغفال جائزة سبيريت في عام معين تثير الحيرة. فلماذا لم يتم ترشيح أفلام تستحق ذلك مثل فيلم "أفعل ماهو صحيح" (Do the Right Thing) وفيلم "ذهول وحيرة" (Dazed and Confused) وفيلم "اللوبوفسكي الكبير" (The Big Lebowski)؟ ومع ذلك فمثل هذه الغفلات لا تساوي شيئا مقارنة مع المرات العديدة التي أخطأت فيها الأكاديمية.  فلماذا نقود أنفسنا للجنون بالتفكير في هذا الموضوع عاماً بعد عام؟

أنا أدرك تماماً أنه من غير المرجح أن يقفز عما قريب الفنانون والمبدعون في هوليوود على متن القطار الذي اقوده "أنسى الأوسكار". فإذا كنت محظوظا بما فيه الكفاية وتم ترشيحك لجائزة الأوسكار فإن الفوز بهذا التمثال الصغير يظل معززاً مهنياً لا مثيل له. ونحن البقية يمكننا أن ننقذ أنفسنا من التوتر والوجع بتوجيه طاقتنا واهتمامنا في مكان آخر. تخيل أن جوائز الأوسكار هذه شيء سيئ بالنسبة لك بسبب الإحباط الدائم والتغيير الواعد والتقصير في الأداء والاحتفال بوجهات النظر المثيرة للمشاكل في العالم .

فأنا هنا أخبرك بلطف لأني صديق أنك كنت في علاقة سيئة وحان الوقت لأنهائها. أنا هنا لأقول لك أن  الخير قادم وهنالك جوائز أخرى في بحر الحياة.

 

.....................

* جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 07.02.2020

** كلية الزهراء للبنات

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4919 المصادف: 2020-02-23 01:58:47