 أقلام ثقافية

جمال الماضي.. حقيقة أم وهم؟.. الشعر العامي العراقي دليلا

وعد عباسكنتُ قد أشرتُ في كتابي الأول "البعد النفسي في الشعر الفصيح والعامي – قراءة في الظواهر والأسباب" إلى أهمية الشعر العامي، ودوره الكبير في الحياة النفسية والاجتماعية للأفراد في مختلف الشعوب، فهو يكتب باللهجة المحكية التي جعلته واسع الانتشار كتابةً وتلقيًا، بسبب سهولة فهمه والتفاعل مع أبياته، ولعل من أبرز سماته وأدواره مرافقته السواد الأعظم من الناس في سرائهم وضرائهم، فلا نجد حادثة كبيرة تمس حياة الناس عموما، أو صغيرة تمس حياة مجموعة أفراد في قرية نائية إلا وتناولها الشعر العامي بأحد أنماطه، وهذا ما ينفع الباحث عن الحقيقة في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ورغم كثرة الموضوعات التي امتلأت بها القصائد العامية العراقية، فقد شغلني من بينها موضوع "الحنين إلى الماضي" لكثرة ما تناوله ويتناوله الشعراء، ويتداوله الناس بشكل عام، فنادرا ما نجد شخصا ليس فيه حنين إلى الماضي أو ينكر عليه جماله .

نسبيًا، الكل يرى أن الماضي أجمل، وإن الناس كانوا أفضل، وإن الحياة كانت أرقى وأهدأ وأنسب للتفاؤل والراحة، وإذا ما نظرنا إلى الشعر العامي العراقي نجده يؤيد هذه النظرية، ويختصر الشاعر أبو محمد المياحي هذا الحنين إلى الماضي وأفضليته على الحاضر بقوله:

قبل آه يا قبل يختلف عن هسه           قبل آه يا قبل وشكثر بي ونسه

فهل هذا الحنين له ما يبرره؟ وهل كان الماضي جميلا فعلًا؟ وهل كانت الناس أفضل معشرا وأكثر تحابا حقَّاً؟

لن أذهب بعيدا وأبحث عن أدلةٍ في بطون الكتب، بل أن أدلتي والحقائق التي سأسردها لكم هي من الشعر العامي ذاته، فإذا ما عدنا إلى الشعر الذي كتب في الماضي، نجده ينكر ذلك الجمال الذي يحنون إليه، فعن صحبة الناس وخيانتهم يقول الشاعر صاحب الضويري في واحدة من أشهر قصائده:

أســهــر والـــدموع مرافجه الليل     ولا صاحب يشوف إدموعنه تهل

الرفاﮔـه ويارفيـج الهمـك إيشيــل     اهــل هـالـجيل عدوان وعــــواذل

وعن "ضيم" الأيام وقساوتها يقول الشاعر عريان السيد خلف:

وهذا عمري مكالب وي الضيم     

ما مرت الضحكة اعله سني

وهذا حجي الناس     

أون من لوعتي وكالوا يغني

هذا إضافة إلى كثير من الأبيات التي يتداولها الناس دون معرفة شاعرها في غالبها توحي بالألم، وخيانة الناس، وكثرة الوشاة والشامتين والخائنين وناكري المعروف، مثل:

كباله والـشـمات فـرسـتنه اديهم        لا شـــــاكف ولا كال هنتالله بيهم

وأيضًا:

ياما زرعت الطيب بجفوفي آنه       وكــت الحصاد الكيت سل ابمكانه

وأيضًا:

بي بكثر مــــــا بيك يكريم أحاه       تيهني واشي عداي وابن أمي دلاه

نفهم مما سبق إن الماضي ليس مثاليا كما يصوره لنا شعراءُ اليوم، بل هو كواقعنا الآن الذي سيحن إليه شعراء الفترات القادمة، ويصورونه بأبهى ما يتخيله العقل، فلماذا؟؟ . يعتقدُ الباحثون بجملة من الأسباب أبرزها:

الأول: إن غالبية الناس في طفولتهم اعتماديون في المعيشة على آبائهم، وبالتالي هم كانوا يأكلون ويشربون ويمرحون دون أن يتعرضوا للألم، أو قل يتعرضون لألم نفسي بسيط لا يمكن أن يقارن بما يشعرون به الآن في ظل المسؤوليات الملقاة على عاقتهم .

الثاني: الماضي يحمل مرحلة الشباب بما تحتويه من جمال وقوة، فهو يحن إلى تلك الأيام لأنه أصبح الآن وهنًا بعد أن تقدم به السن، وما زالَ يهنُ .

الثالث: إن الأفراد ألفوا الماضي وخاضوا تجاربه ولن يفاجئهم فيه شيء إذا عاد، ولأنهم يخافون مما سيخوضونه في المستقبل المجهول، يودون لو أن الماضي يعود.

الرابع: يتضمن الماضي أصدقاء وأحبة ابتعدوا أو ماتوا، فرحلت أجسادهم وبقيت ذكراهم المليئة بالأماكن التي زاروها معا، والأحاديث التي خاضوها ... .

الخامس (وهو الأهم): يمارس الإنسان في استرجاعه الماضي الانتقائية، أي أنه يتذكر الإيجابيات ويبالغ فيها، وينسى أو يتناسى السلبيات .

على أننا يجب ألَّا ننكرَ أن التطورات المستمرة في شتى مجالات الحياة، وتزايد عدد السكان، يؤديان باستمرار إلى زوال الكثير من جماليات الحياة، وأتمنى أن أجد الفرصة في المستقبل القريب كي أتناول تلك التغيرات التي تحدث دونما توقف.

ختامًا:

البحث في الشعر العامي أمرٌ مرهقٌ حقَّا، لأنه غير مدون، وغير موجود بشكل متسلسل زمنيًا رغم أهميته الكبيرة في تفسير أحوال الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة وكما أشرتُ في مقدمة المقال، وأتمنى أن يتم تبني الموضوع من قبل وزارة الثقافة أو أية مؤسسة أخرى .

 

وعد عباس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5028 المصادف: 2020-06-11 04:10:20


Share on Myspace