 أقلام ثقافية

ضياء نافع: شئ عن كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو

ضياء نافععندما وصلنا الى جامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين أدهشتنا تسميات بعض الكليّات الموجودة فيها، اذ لم تكن ابدا تتناسب او تنسجم مع تسميات الكليّات في جامعة بغداد، ففي كليّتنا، التي كنّا ندرس فيها، وهي كليّة الفيلولوجيا (وكنّا نسميها كلية الاداب)، لم يكن هناك غير قسم اللغة الروسية وآدابها، وقسم اللغات الاوربية وآدابها، أما الاقسام الكثيرة الاخرى في العلوم الانسانية، الموجودة في كلية الاداب بجامعة بغداد، فلم تكن موجودة فيها بتاتا، وانما كانت تلك الاقسام كليّات مستقلة وقائمة بذاتها تماما، وهكذا وجدنا في جامعة موسكو كليّة الجغرافيا، وكليّة التاريخ، وكليّة الفلسفة، وكليّة علم النفس، ومعهد اللغات الشرقية، أما الاقسام الخاصة بالعلوم البحتة، الموجودة في كليّة العلوم  بجامعة بغداد، فلم تكن موجودة ايضا، وانما كانت موجودة هناك ايضا كليّات مستقلة وقائمة بحد ذاتها، وهي -  كليّة الكيمياء وكليّة الفيزياء وكليّة الجيولوجيا، وكليّة البايولوجيا .

الحديث عن انطباعاتنا عند وصولنا الى جامعة موسكو طويل ومتشعب طبعا، ولا يمكن اختصاره بكلمات او سطور، بل هو موضوع يستحق الدراسة التفصيلية الواسعة، اذ انه يعني (فيما يعني) الوصول الى استنتاجات جذرية عميقة مقارنة مع بنية التعليم العالي العراقي، وكل هذا خارج اطار الامكانيات الواقعية المتاحة آنذاك في بلدنا وحتى الوقت الحاضر (والامكانيات هذه اصبحت أسوأ الان في الوطن الجريح)، ولكننا نكتب هذه السطور انطلاقا من مفهوم – (فذكّر ان نفعت الذكرى) ليس الا .

كليّة الفيلولوجيا، التي التحقنا بها عام 1960 كانت واقعيا كليّة تدرس اللغة الروسية وآدابها قبل كل شئ، وبعض اللغات الاوروبية وآدابها مثل الانكليزية والفرنسية والالمانية، اي انها كليّة خاصة لدراسة اللغات وآدابها . كنّا - نحن الطلبة العراقيين جميعا - ندرس في – (الفرع الروسي)، هكذا كانوا يسمونه (رسميّا وشعبيّا)، ويحتوي هذا الفرع على العديد من الاقسام العلمية المستقلة تماما بعضها عن البعض الآخر، فهناك قسم اللغة الروسية المعاصرة، وقسم تاريخ اللغة الروسية ، وقسم علم اللغة، وقسم علم الادب، وقسم الابداع الشعبي الشفاهي (الفلكلور)، وقسم الادب الروسي القديم، وقسم الادب الروسي في القرن الثامن عشر، وقسم الادب الروسي في القرن التاسع عشر، وقسم الادب الروسي في القرن العشرين، وقسم آداب شعوب الاتحاد السوفيتي، وكل هذه الاقسام العلمية المتكاملة بكل معنى الكلمة كانت ضمن (الفرع !) الروسي في كليّة الفيلولوجيا، اذ يوجد رئيس قسم بدرجة بروفيسور، ومقرر قسم بدرجة استاذ مساعد في الاقل، ومجموعة كبيرة من التدريسيين المتخصصين (الاختصاص الدقيق حصرا) في ذلك المجال، وكلهم بدرجات علمية رفيعة، وتوجد غرفة واسعة نسبيا لكل قسم مع مكتبة متخصصة، وكنّا نتجنب الدخول الى تلك الغرف، اذ توجد فيها دائما مجموعة ليست قليلة من التدريسيين والموظفين، وكانت دائما تشبه خلايا النحل كما قال لنا أحد الطلبة الروس مرّة وهو يحذرنا من الدخول الى تلك الاقسام قائلا – الافضل انتظار الاستاذ في الممر، والتحدث معه هناك، اذ لا يمكن القيام بذلك عندما تكونون داخل القسم  ...

لا توجد للطلبة قاعة دائمية، وكنّا نتنقل من قاعة الى اخرى حسب الجدول . كان عدد طلبة الفرع الروسي في تلك السنة الدراسية (1960/1961) اكثر من مئة طالب، وكنّا موزعين على شعب صغيرة (من 6 الى 10 طلبة في الشعبة)، ولكن كانت توجد محاضرات عامة للجميع، ويلقيها علينا بروفيسور متخصص عادة، اما الدروس التطبيقية، فتكون في الشعبة الصغيرة، ويقوم بها تدريسيون شباب بدرجة مدرس او استاذ مساعد بالاساس، وكان يوجد لكل شعبة تدريسي تربوي مشرف على الشعبة، يتابع طلبة تلك الشعبة ومسيرتهم الدراسية بالاساس، وتكون علاقته بهم بشكل عام جيدة .

جدول دروسنا كان يتوزع بين مواد اللغة الروسية وتاريخ الادب الروسي وتاريخ الادب الاجنبي، وكانت لدينا في الصف الاول مادة- مدخل في علم اللغة ومادة - مدخل في علم الادب (والتي تصبح في الصف الخامس علم اللغة او نظرية الادب حسب تخصص الطالب)، وكانت لدى الطلبة الروس عدة مواد سياسية مثل تاريخ الحزب الشيوعي السوفيتي والفلسفة الماركسية ..الخ، الا اننا، الطلبة الاجانب كنّا معفيّين من دراستها. في كل هذه المواد كانت لدينا محاضرات عامة يلقيها بروفيسور متخصص، وهكذا كان يتغيّر البروفيسور حسب الاختصاص الدقيق، فيلقي المحاضرة متخصص بالادب الروسي في القرن الثامن عشر مثلا، ويأتي آخر متخصص بالادب الروسي في القرن التاسع عشر، وكذلك الحال بالنسبة للغة الروسية، فهذا متخصص بعلم الجملة، وآخر بعلم المفردات، وهكذا بالنسبة للادب الاجنبي (الاوربي فقط، اذ ان الاداب الشرقية يدرسونها في معهد اللغات الشرقية)، ويتم من الصف الثاني فصاعدا تقسيم الطلبة الى متخصصين بعلم اللغة او بعلم الادب، وحسب اختيار الطلبة انفسهم، حيث يبدأ الطلبة بكتابة بحوثهم الخاصة حسب هذا التقسيم وباشراف استاذ مشرف، وفي الصف الخامس، يجب كتابة بحث التخرّج حسب ذلك الاختيار، ومناقشته امام اللجنة العلمية، ويتفرّغ الطالب كليّا لكتابة بحث التخرج في الفصل الثاني من الصف الخامس، ويخضع البحث لضوابط  علمية دقيقة وصارمة .

هذه صورة مختصرة جدا جدا للدراسات الاولية في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين كما عشناها ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5420 المصادف: 2021-07-08 02:26:35


Share on Myspace