 أقلام ثقافية

نبيل عرابي: كتابٌ عصيٌّ على التصنيف

نبيل عرابيلأوّل مرّة في حياتي، ومذ أصبحتُ مولعاً بالمطالعة، شعرت بحزنٍ شديدٍ وأنا أقرأ الصفحات الأخيرة من كتاب، بذلت قصارى جهدي كي أؤخّر الإنتهاء منه.

ما سبب ردة فعلي هذه؟ ولأي داعٍ هذا الحزن؟ فكلّ مَن يتناول كتاباً، وينوي الخوض في مضمونه، لا بدّ وأنّه سيصل إلى نهايته، بغض النظر عن أيّ انطباع تركه في نفسه، أو درجة التقييم التي نالها المؤلَّف والمؤلِّف من قِبَل القارىء.

وإذا أردتُ ترتيب الأولويات التي دفعتني لأن أخُطَّ هذه الأسطر، فسأبدأ من عملية تصنيف الكتاب، مستشهداً بشيء مما أوردهُ المترجم، نقلاً عن الروسية، في تقديمه:

"في البداية علينا أن نشير إلى أنّ الكتاب يصعُبُ تصنيفه، فهو يضمُّ ألواناً من الكتابة الروائية والقصصية والسيرة الذاتية، والدراسة النفسية والعلمية... هو كتاب عصيّ عن التصنيف".

إذا كان التصنيف صعباً إلى هذا الحدّ، فما بالُنا بما يحويه بين دفتيه..!

وحول هذه النقطة، يشير المترجم إلى أنه:

"على الرغم من مرور أعوام طويلة على صدور هذا الكتاب، وما توصّل إليه العلم، فإنّ قيمة الكتاب الفنّيّة لا تزال مبهرة"

ويضيف في المضمار عينه، دعماً لوجهة نظره:

"لقد كلّف هذا الكتاب صاحبه الكثير والكثير، فسنعرف من مقدمته ظروف كتابته والتضحية التي بذلها من أجل إتمامه"

وبالإنتقال إلى التمهيد الذي بدأ فيه المؤلّف، فهو يصرّح قائلاً:

"طوال ما يقرب من عشرة أعوام كنتُ أجمعُ مادّة هذا الكتاب الجديد، وانتظرتُ أن أحظى بعامٍ هادىء أستطيع فيه الجلوس إلى مكتبي بهدوء وأنهمك في الكتابة. لكن ذلك لم يحدث".

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تعدّاه إلى النقيض تماماً، حيث يتابع كلامه:

"سقطت القنابل الألمانية مرّتين بالقرب من أغراضي، غطّت بقايا الجير والطوب الحقيبة التي تحوي أوراقي، بل إنّ النيران اضطرمت بالفعل في الحقيبة، حتى إني أتساءل متعجباً: كيف نجت الأوراق؟".

وتكرّ سبحة السرد المتلوّن بالمواقف والأحداث والتحليل، لتطال أحياناً جوانب وتفاصيل لا يتوقّع القارىء أنها ستسهم بشكلٍ أو بآخر، في إيضاح الصورة المطلوبة، عبر تشابك مُتّبَع بحِرَفيّة لنسج الخيوط الرفيعة والدقيقة، وصولاً إلى إبراز أقصى ما يُمكن من ملامح لوحة الهدف المنشود مِن وضع هذا العمل بين أيدينا.

وهذا – وبدون أدنى شك أو أيّ أخذٍ ورد – يعني أنّ مشاركة الكاتب مِن قِبَل أيّ فردٍ منا في رحلته تتطلّب تأنّياً واعياً، وحذراً إيجابياً في كلّ خطوة يخطوها قُدُماً. وبالتأكيد فإنّ التشويق والإثارة هما عنصران متوافران، لكن الدقة في توصيف الجزيئيّات لاستنباط التداخل المعقّد لدورها، تفرضُ علينا بلُطفٍ التمهُّل والتوقُّف لمرّاتٍ عديدة عندها، مما قد يدفع بالنّاهل – برأيي- لأن ينصح مَن يعرف من المثقّفين النَّهمين بالسّفر على متن ما يُقارب الأربعماية صفحة، أو أنه سيتعامل مع الأمر بحرص يُشبه الأنانية، فيقرر تكرار الرحلة من جديد، بحثاً عمّا لم يكتشفه في الرحلة الأولى.

وفي الفصل الأخير، يوردُ الأديب في بدايته عبارات عفوية، يودّع فيها القارىء بأسلوبه الخاص فيقول:

"ها هو كتابي يقترب من نهايته. ماذا تبقى لي لأقوله؟ لقد قلت الكثير".

وأجدُني الآن مُلزماً بابراز هوية هذا الكتاب، الذي أثار إعجابي وشدّ اهتمامي إليه، وأوصلني في نهاية المطاف لأن أُخبرَ مَن يهمّه الأمر عنه:

عنوان الكتاب: قبل شروق الشمس.

تأليف: ميخائيل زوشينكو.

ترجمة: يوسف نبيل بساليوس.

مراجعة: د. ناصر محمد الكندري.

إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب / الكويت، ضمن سلسلة إبداعات عالمية، ابريل / نيسان 2020 ، الكتاب رقم 436.

 

نبيل عرابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5448 المصادف: 2021-08-05 03:37:02


Share on Myspace