 دراسات وبحوث

تداخل الفكر الاسلامي.. والشيعة ليست نقيض السنة / يحيى محمد

يمكن تقسيم علوم التراث ذات العلاقة بفهم النص والخطاب الديني إلى قسمين. فهناك علوم تمهيدية متخصصة ومحايدة لا علاقة لها بشكل مباشر بفهم الخطاب، وإن وظفت لهذا الغرض،

كعلوم العربية والتاريخ والرجال والمنطق وما على شاكلتها. وفي قبالها توجد علوم لها علاقة ماسة بهذا الفهم طبقاً لما تحمله من أدوات معرفية وتأسيسات قبلية فرضت نفسها على آلية الفهم مباشرة، كعلم الكلام والفقه والتفسير والحديث والتصوف والفلسفة...الخ.

ومع أن موضوعات المجموعة الثانية من العلوم مختلفة، إذ لكل علم موضوعه الخاص، فما لعلم الكلام هو غير ما لعلم الفقه من موضوع، وكذا الحال مع التفسير والحديث والفلسفة والتصوف، فلكل من هذه العلوم معالجته الخاصة واستقلاليته النسبية، لكنها مع ذلك تشترك في إخضاع الخطاب الديني للفهم. وعليه لو أنا اعتبرنا الموضوع المشترك الجامع لهذه العلوم هو فهم الخطاب بالذات؛ لأصبحت بمثابة علم واحد متعلق بهذا الفهم، ولكان من الممكن تقسيمها قسمة أخرى بحسب علم الطريقة. إذ لا تشكل تلك الأجزاء والأقسام كتلاً مستقلة لكل منها موضوعها المحدد، بل تقترب بعض الكتل من بعض، أو تندك بها لإتحاد طريقتها العامة في الفهم.

فمن وجهة نظر «طريقية» تُصنف هذه العلوم ضمن كتلتين كبيرتين، لكل منهما روحها الخاصة من النظر والتفكير، إلى الحد الذي تتضارب فيه إحداهما مع الأخرى، وإن تداخلا على مستوى السطح والظهور التاريخي، كما يظهر لدى المفكرين الذين حاولوا التوفيق أو التلفيق بينهما. فبحسب التحليل الإبستمولوجي أن القطيعة والمنافاة بينهما ليست محايثة ولا تاريخية، بل منطقية ذاتية جوانية، بغض النظر عن المجرى التاريخي لهما.

فكتلة علوم الكلام والفقه وغالب تفسير القرآن والحديث؛ تتخذ إتجاهاً محدداً في قبال كتلة الفلسفة والعرفان أو التصوف. فكل من الكتلتين يعبّر عن نظام معرفي قائم في ذاته يتنافى جذراً وروحاً عن الآخر. ولا يعود السبب في هذا التنافي المعرفي إلى إختلاف الموضوع الذي يعالجه النظامان من حيث الأساس. فمع أن الفلسفة والعرفان تتعاملان مع موضوع «الوجود» قبل تعاملهما مع الخطاب الديني، بخلاف الحال مع النظام الآخر، إلا أن هذا التمايز ليس هو السبب في مصدر التضارب المنطقي بين النظامين، فمن المعلوم أن علوم النظام الآخر تعالج أيضاً موضوعات جزئية مختلفة، ومع هذا فليس بينها منافاة من النوع الذي أشرنا إليه. كما لا يمكننا أن نرجع السبب في مصدر التضارب المعرفي للنظامين إلى الإختلاف في وجهات النظر بينهما هنا وهناك، إذ لا يخلو أي نظام وجهاز معرفي من كثرة الخلاف، بما فيها الخلافات الكبيرة، ومع ذلك لا يعني أن بينها قطيعة ومنافاة، على الصعيد المنطقي العام. يضاف إلى أنه لا يسعنا إرجاع مصدر التضارب إلى إختلاف طريقة الاستدلال الصورية، إذ هما كثيراً ما يشتركان في هذه الطريقة. يبقى أن نقول بأن مصدر التضارب يعود إلى التباين الشاسع في الروح العامة لنمط التفكير لدى كل منهما، فطبيعة المعرفة لكل منهما هي ليست من جنس الثانية، إلى الحد الذي يجعل من موضوع البحث المشترك، وهو الخطاب الديني، يتمظهر بمظهرين لكل منهما الجنس المختلف كلياً عن الجنس الآخر. ولنقل أن لكل منهما مرآته الخاصة المختلفة جذراً عن الأخرى. لذلك لم تفض عمليات التوفيق بين الطبيعتين تاريخياً إلا إلى نوع من التأسيس الجديد لصالح إحداهما على حساب الأخرى. فالتضاد بينهما هو تضاد بين روح حتمية وأخرى غير حتمية، وليس من الممكن الجمع بينهما دون خسارة إحداهما لحساب الثانية. وبالتالي فإن ذلك يدفعنا إلى القول بضرورة دراسة هاتين الروحين كموضوعين في ذاتيهما بغض النظر عن العناصر الصورية المحايدة التي توظفها كل منهما.

ومع أن من السهل أن تجد عالماً يجمع بين الفلسفة والعرفان كما هو غالب الفلاسفة، أو يجمع بين الكلام والفقه كما هو غالب المتكلمين، لكن يقل وجود من يجمع بين علوم الكتلة الأولى من جهة، وعلوم الكتلة الثانية من جهة أخرى، سيما الجمع بين الفلسفة والفقه، كما هو حال إبن رشد، وبأقل من ذلك من يجمع بين الفلسفة والكلام، كالذي يلاحظ لدى الكندي، لكن الكندي عالم طبيعي ذو نزعة كلامية اعتزالية أكثر منه فيلسوف محترف على شاكلة سائر الفلاسفة التقليديين؛ لكونه يتجاوز المبادئ الفلسفية مثل موقفه من خلق العالم.

فعلاً أن هناك خروقات حصلت للكثير من الفلاسفة والعرفاء عندما تناولوا القضايا الدينية، ومنها تلك التي عالجها علم الكلام. فمثلاً أن لإبن رشد رأياً حول القضاء والقدر يخالف مبناه الفلسفي. فهو يتوسط في حل المشكلة ويرى أن إرادتنا للأشياء لا تتم إلا بمؤاتاة الأسباب الخارجية والداخلية - في أبداننا - التي سخّرها الله تعالى، والتي منها ما يكون حافزاً على الفعل أو مثبطاً له. بهذا تجري الأفعال على نظام محدود مقيّد بالأسباب والإرادة معاً، حيث كلاهما يشكل الحد العام للقضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده . لكن مع ذلك فهذه الرؤية تخالف مبنى إبن رشد الفلسفي وحتمية نظام الضرورة في الأسباب والمسببات في الوجود كله من أوله حتى آخره .

كما أن لصدر المتألهين آراءاً حول خلق السماوات والأرض تتعارض مع مبانيه الفلسفية. ومن ذلك جمعه بين الإعتبارات الفلسفية القائلة بضرورة أزلية الفيض وأبديته وإستحالة عدم الكائنات أو خلقها من العدم تبعاً لمنطق السنخية، وبين الإعتبارات الدينية التي تقر بأن الله قادر على أن يخلق السماوات والأرض في لحظة واحدة ، كما وله القدرة على إفنائهما متى شاء في أي لحظة ، وأن الدنيا ستفنى بقيام الساعة الكبرى. كذلك إعتقد تبعاً للمنطق الفلسفي أنه لا بد للعقول المجردة أن تظل ثابتة لا تتعرض للتغير والتحول بإعتبارها ليست من جملة العالم ومما سوى الله، بل باقية ببقائه وموجودة بوجوده من دون جعل وتأثير . لكنه مع ذلك أقر بفناء العقول ورقيها بالتحول إلى ما هو أعلى منها شأناً، تلفيقاً مع بعض النصوص الدينية التي صرحت بموت وفناء الكل .

وبالتالي فما نود قوله هو أن واقع الفلاسفة والعرفاء والمتكلمين وحتى الفقهاء؛ لا يعكس بالضرورة الإتساق مع المبادئ الفلسفية والعرفانية والكلامية والفقهية الملتزم بها دائماً، سيما الأصول المولدة وتفريعاتها.

***

إن لكل من النظامين السابقين دائرتين معرفيتين، حيث يمتلك النظام الوجودي دائرتي الفلسفة والعرفان، كما ويمتلك النظام المعياري دائرتي البيان والعقل كما يتمثل في علم الكلام. وجميع هذه الدوائر نجدها لدى الساحتين السنية والشيعية. فكل منهما تحمل تياراً من الفلسفة وعموم النظام الوجودي بدائرتيه الفلسفية والعرفانية، كما وتحمل تياراً آخر من علم الكلام وعموم النظام المعياري بدائرتيه العقلية والبيانية. وبالتالي فإن هناك تكافؤاً في الدوائر الوجودية والمعيارية. فللإتجاه السني دوائره الفلسفية والعرفانية والعقلية والبيانية، والحال عينه بالنسبة للإتجاه الشيعي. يضاف إلى أن ما يغلب على الإتجاه السني - كما في العقائد والكلام - هو النزعة المعيارية، سيما الجانب العقلي منها، وهو عين الأمر بالنسبة للإتجاه الشيعي (الإثنى عشري) بلا فرق.

لذا فمن حيث البحث الإبستيمي يمكن فتح الباب المسدود بين المذاهب الإسلامية. فبحسب هذا النهج من التفكير سوف يمكن إعادة ترتيب مواقع إتجاهات المعرفة بصيغة جديدة تختلف عما هو الشائع قديماً وحاضراً. إذ لم يعد ممكناً إعتبار «المذهب» حاملاً للإتساق والوحدة في ذاته إذا ما تضمّن أنظمة متضاربة ومناهج متضادة. كما ليس من الممكن غلق المذاهب وعزلها عن بعضها - كالمونودات - إذا ما التقت وتقاربت طبقاً لطريقة التفكير عند معالجتها للموضوعات المشتركة. وبالتالي فليس من الصواب حفر الخنادق بين المذاهب ونشر الخلاف والتمايز المطلق دون النظر إلى ما يجمعها ويوحدها في الخصوصية المشتركة الأساسية، كطريقة عامة للتنظير والتمنطق ضمن دينامو تفكير مشترك.

فطبقاً لهذا يمكن القول بأن الشيعة ليست على النقيض من السنة، ولا أن هذه الأخيرة تقع على الضد من تلك. كما أن أياً منهما لا يحمل إتساقاً في ذاته كمذهب عام، إذ في كل منهما عناصر متضادة ومتضاربة من الدوائر المعرفية. وطبقاً لعلم الطريقة والبحث الإبستيمي قد يلتقي منهج معرفي ضمن أحد المذهبين بمنهج معرفي في الآخر، رغم أنه يتضارب - في الوقت ذاته - مع مناهج أخرى تعود إلى نفس المذهب الذي ينتمي إليه. فالإتجاه الإخباري لدى الشيعة يلتقي تماماً مع الإتجاه البياني السلفي لدى السنة تبعاً لطريقة النظر الإبستيمي لدينامو التفكير. وبالتالي فهما يتموضعان معاً في خندق معرفي واحد مضاد لسائر الخنادق المعرفية من الدوائر العقلية المعيارية والوجودية بما فيها تلك التي تنتمي إلى نفس المذهب. وعلى هذه الشاكلة يكون الإتجاه الكلامي الشيعي ملتقياً مع المعتزلة، وهذه الفرقة تلتقي مع متأخري الأشاعرة في العديد من الإعتبارات العقلية. والحال ذاته يصدق على سائر الدوائر المعرفية الأخرى التي تحددها الأصول المولدة من دينامو التفكير وروحه، مما ينطبق على الفقه والفروع.

وهذه النقطة من التداخل والتقسيم تثير اشكالاً حول القضية التي اتفقت عليها المذاهب الإسلامية ضمن النظام المعياري بدائرتيه، وهي أن هناك فرقة ناجية وسط فرق الضلال. إذ كادت المذاهب العقلية والبيانية تتفق على إعتبار جميع الفرق ضالة باستثناء واحدة، رغم التداخل الحاصل بينها. فالتداخل بين المذاهب يحيل أن يكون هناك مذهب نقي خالص يتميز عن غيره من المذاهب، سواء على صعيد المضمون الفكري أو المنهج والطريقة.

والطريقة التي نعرّف بها تجعلنا ندرك بأن المنتمين إلى مذهب معين قد يمارسون الإزدواجية في التفكير بحسب ما تفرضه عليهم المناهج المتعددة، والتي تصل بهم أحياناً إلى حد التناقض حين يُعالج الموضوع ذاته بمنهجين متضاربين في النظام والتفكير، كالتضارب الوارد بين النظامين الوجودي والمعياري. فقد يمارس المنتمي إلى الدائرة العقلية المنهج البياني، في ما يفترض فيه إتّباع المنهج العقلي، وقد يكون العكس، كما قد تحصل فوضى منهجية بالأخذ من هذا المنهج أو ذاك من دون شروط، يضاف إلى أن المنتمي إلى النظام المعياري قد يستعين بتفكير النظام الوجودي لحلّ قضاياه العالقة، كما يحدث العكس. وبالتالي فقد تحدث مزاوجات وتهجينات بين النظامين دون شروط ومراعاة للحدود المنهجية التي تشدّهما نحو التفكير كما تفرضها أصولها المولّدة المستقلة، فيحصل ما نسميه فسيفساء الفكر غير المتجانس. فهذا النوع من المزاوجات والتهجينات قد شهد عليه تاريخ الفكر الإسلامي، فنجد مثلاً شخصيات علمية كبيرة تحمل إتجاهين متضاربين، فتجمع بين مذاهب وجودية (فلسفية أو عرفانية) ومذاهب أخرى معيارية (فقهية أو كلامية). وكان من أبرزهم الكندي والغزالي وإبن رشد والفيض الكاشاني وغيرهم.

وعموماً يتصف الفكر الإسلامي - كتراث معرفي - بالتعدد والتداخل، فهو متعدد بكثرة فرقه، كما أنه متداخل أيضاً. وتبرز إيجابية هذه الظاهرة لدى الفروع من هذا الفكر، كما في علم الفقه وغيره من العلوم. أما في الأصول والعقائد فالأمر مختلف، إذ الفكر فيها وإن تعدد وتداخل إلا أن ما ساد قد تمّ توظيفه بإتجاه التضليل والتكفير. إذ كانت الفرق الدينية أحادية التصور؛ لا تجيز للآخر الإختلاف والتعدد، وبعضها يتهم البعض الآخر بالضلال والكفر، كما كانت تتداول قضاياها العقدية بأنحاء شتى من الإجتهاد، رغم أنها تتنكر - في الغالب - لهذا الإجتهاد ولا تعترف به . لكن رغم كل ذلك فإن النقطة الإيجابية التي تتجاوز هذه السلبيات هي أن تعددية هذه الفرق محكومة بالتداخل. فبحسب البحث الإبستيمي تتصف التعددية المشار إليها بأنها متداخلة على المستويين: المضمون الفكري، والمنهج أو الطريقة. ومن حيث الدقة، هناك ثلاث جهات تتداخل فيما بينها، هي: المناهج والعلوم والمذاهب. ففي المذهب الواحد تتعدد العلوم والمناهج، كما تتعدد في العلم الواحد المذاهب والمناهج، وكذا الحال في المنهج الواحد، فهو أيضاً يتضمن تعدداً في العلوم والمذاهب.

فمثلاً على مستوى المضمون، رغم أن الفرق الإسلامية تتفق على أصل التوحيد، إلا أنها تختلف حول مضمون هذا الاصل. فهناك التوحيد بالمعنى التشبيهي، وفي قباله التوحيد بالمعنى التنزيهي، كما هناك التوحيد بالمعنى الأشعري، وكذا بالمعنى الفلسفي، وعلى شاكلته العرفاني المعبّر عن وحدة الوجود، وغير ذلك من المعاني. وهذا الإختلاف لا يمنع من إشتراك الفرق الكبيرة في حمله. فالمعنى التنزيهي للتوحيد وارد؛ سواء في الساحة الشيعية أو السنية، ومثله المعنى التشبيهي، وكذا المعاني الأخرى. وعلى شاكلة ما سبق أن التسليم بمرجعية العقل وارد لدى الساحتين، كما أن انكار العقل وارد هو الآخر لديهما، وكذا يقال حول قضايا رئيسة أخرى كقضية الحسن والقبح العقليين، وقضية القياس وما اليها. ففي الساحتين (السنية والشيعية) هناك من يعوّل على هذه القضايا، مثلما يوجد من ينكرها. وهو معنى كون هذه التعددية تداخلية.

وينطبق الحال ذاته على الخلاف المنهجي، فجميع المناهج التي يتضمنها النظامان المعياري والوجودي حاصل في الساحتين دون إختلاف. فالمذهب السني يحتضن هذين النظامين مثلما يحتضنه المذهب الشيعي بلا فرق، إذ كل منهما يحمل تياراً من النظام الوجودي بدائرتيه العقلية الفلسفية والكشفية العرفانية، وكذا أنهما يحملان تياراً آخر من النظام المعياري بنزعتيه العقلية والبيانية، وبالتالي فكل منهما يكافئ الآخر في حمله للدوائر الوجودية والمعيارية الأربع، أي الفلسفية والعرفانية والعقلية والبيانية. يضاف إلى أن ما يغلب على الإتجاه السني هو النزعة المعيارية، سيما العقلي منها كما تتمثل لدى الأشاعرة، وهو عين الأمر بالنسبة للإتجاه الشيعي أو الإمامي الإثني عشري من دون فرق. وبالتالي فما من حسنة تجدها هنا إلا وتجدها هناك، وكذا العكس؛ ما من سيئة هنا إلا ويقابلها سيئة هناك.

هذا ما نقصده من التداخل في الفكر الإسلامي، وبه يمكن تجاوز النزعات المذهبية، فما من مذهب إلا ويستعين بذات الطرق التي يوظفها المذهب الآخر، وبالتالي فإن دراسة التراث المعرفي طبقاً لعلم الطريقة والبحث الإبستيمي يمكن أن تؤدي إلى نتائج مختلفة عن تلك التي تفضي إليها النزعات المشار إليها. خاصة إذا ما عوّلنا على العلاقة المنطقية التي تربط بين جهات الفكر الإسلامي الثلاث (المناهج والعلوم والمذاهب). فلو جعلنا المذهب أساس العلم؛ لسقطنا بالفكر الآيديولوجي وضياع الحقيقة. أما لو عكسنا المسألة وجعلنا العلم أساس المذهب، والمنهج أساس التكوين العلمي، فسيدلنا ذلك على الحقيقة والبناء المعرفي الصحيح.

فجميعنا يراهن، سواء وعينا بذلك أم لم نعِ، لكن مع وجود فارق بين من يراهن على المذهب بالمعنى (القبَلي) عندما يكون أساساً للعلم، ومن يراهن على العلم كأساس للمذهب. فالمراهنة الأولى لا تصح وإن كسبت الرهان، في حين تصح الثانية وإن خسرت الأخير. فالفارق بينهما كالفارق بين مَن يتنبأ بظهور وجه الصورة في رمية قطعة النقد المتكافئة الوجهين، ومَن لا يتنبأ بها ولا بالوجه الآخر، بل يتوقف عند النسبة المنطقية (1\2). فمهما كان الوجه الذي يظهر فستبقى الحالة الأخيرة هي الصحيحة دون الأولى. فحتى لو ظهرت الصورة فعلاً وتمّ كسب الرهان فلا يعني أن الأخير صحيح بإعتباره مبنياً على الصدفة، والصدفة لا تمثل أساس العلم، خلاف الحالة الثانية المنطقية.

هكذا فالذين بنوا علمهم على التقليد وسيكسبون الرهان يوم الجزاء لا يختلفون حظاً عن أمثالهم ممن سيخسرونه. فالجميع من حيث النتيجة، رغم التضاد والخلاف القائم بينهم، على السواء، طالما أن العملية مبنية على الصدفة وشائبة (الضميمات القبَلية) دون سعي التحقيق الموضوعي المحايد قدر الإمكان.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1573 الخميس 11 /11 /2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1528 المصادف: 2010-11-11 01:02:46


Share on Myspace