 دراسات وبحوث

الإمام علي .. القوة والمثال (8).. مثال القوة ومفارقات المصير السلطوي (1)

mutham aljanabiلم يمتلك المجتمع العربي الإسلامي الأول مفهوماً محدداً عن السلطة مقارنة بامتلاكه مفهوم الأمة. وهو واقع مرتبط أساسا بصيرورة الدولة التي تظل في بداية نشوئها كياناً غريباً في وعي الجمهور. كما أن الوعي الأولي كان وعيا إسلاميا خالصا. وبما أن القرآن لم يحتو آنذاك على مفهوم محدد عن السلطة، من هنا تحول "الخلافة" إلى إحدى القضايا المركزية في الصراع السياسي والفكري والعقائدي للمجتمع الإسلامي ككل.

وقد عبّرت هذه الصراعات عن الاستيعاب المتباين لاتجاهية التطور اللاحق للوحدة الاجتماعية الجديدة - الأمة الإسلامية وهرمها السلطوي. فالقرآن يتضمن دون شك على بعض المفاهيم الهرمية والتيوقراطية عن السلطة كما نراها على سبيل المثال في تسلسل الخضوع لله ثم النبي ثم أولياء الأمر. غير أن من العبث البحث في هذه العلاقة عن منظومة هرمية خالصة أو نظرية تيوقراطية متجانسة. فقد وقف الإسلام من حيث الجوهر ضد الهرمية السلطوية والتيوقراطية الفاحشة. وإذا كان بالإمكان الحديث عن هرمية فهي هرمية الروح الأخلاقي والخضوع الكامل للمطلق (الله). أما الشريعة، فإنها لا تشكل من حيث مضمونها أساساً قانونياً للتيوقراطية بفعل وحدتها وإلزامها للجميع، وكذلك بفعل قدرتها على حبك النسيج الحي للتطور القانوني(الفقهي). وإذا كان التطور اللاحق للدولة قد أغلق لحد ما هذه العملية، فان أسبابه الرئيسية تكمن في صيرورة السلطة وانتقالها من الخلافة إلى الملك وانعكاسها الخاص في الوعي السياسي النظري والثقافي(1). وهو انعكاس لعب إسلام السلطة فيه دوراً كبيرا. وفي هذا يكمن سر التمرد السياسي الاجتماعي والأخلاقي الذي ميز القرن الأول الهجري، واظهر للوجود رموزه الكبرى.

فإذا كانت حياة النبي محمد ونشاطه أوسع وأعمق من قواعد السياسة المتعارف عليها، فان ذلك لم يكن بسبب ضعف العلاقات الاجتماعية وغياب تقاليد الدولة آنذاك، بقدر ما كان محددا بخصوصية "السلطة" في الإسلام المحمدي و"نظام" النبوة. فقد كانت النبوة كيانا كونيا ومصدر روحيا ووسيلة عملية تجمّعت في شخصية محمد، بحيث جعلت من السلطة "المستقلة" قضية لا معنى لها. فقد كان نشاط النبي محمد وحدة واحدة لا تنفصم عراها. ولم يكن بإمكانها آنذاك أن تثير عند أتباعه رغبة التصنيف والنسب إلى هذا الميدان أو ذاك. فالنشاط النبوي لم يعرف التجزئة. ولم يكن ذلك معزولا عن فكرة ومفهوم النبوة وخصوصية الشخصية المحمدية في التاريخ الإسلامي. فقد فضل النبي محمد أن يكون عبداً لله على أن يكون "ملكا للعرب"، تماماً كما سيحاول الإمام علي بن أبي طالب تفضيله "الوزارة" على "الإمارة" كما هو مشهور في موقفه القائل، بان يكون وزيراً لهم خيراً منه أميراً. وإذا كان التباين جلياً بين الاثنين فلأن ذلك مرتبط بالمشوار الذي قطعته علاقة الدولة المتصيّرة ما بعد موت النبي محمد حتى صعود الإمام علي إلى الخلافة.

فالخلافة هي الآلة السياسية التي أبدعها النبي محمد بتأثيره غير المباشر على وعي الجماعة الإسلامية، بحيث حوّل استخلافه إلى قيمة كبرى. لهذا كان الصراع الذي جرى حولها بعد موته صراعاً أخلاقياً أيضا. حيث ظهرت هنا للمرة الأولى الملامح الخفية للصراعات الممكنة والمحتملة حول السلطة، أي استدراك أهميتها القصوى. وبغض النظر عن الصعوبة التي نواجهها الآن بتقديم الحكم القاطع عما كان يدور في خلد أولئك الذين انهمكوا في تعيين خليفة الرسول، لكننا نستطيع تتبع الطابع السياسي القائم وراء مجرى الجدل الفكري الأولي لإثبات شرعية الخلافة لهذا الشخص أو ذاك، لهذه الفئة أو تلك.

ومما يمكننا قوله الآن بصورة اقرب إلى اليقين، هو أن الصراع الذي جرى بهذا الصدد لم يكن وليد الصدفة، بل أن له تاريخه الواقعي في الأمة الإسلامية. فالوحدة الداخلية للأمة كانت تحتوي في أعماقها على اختلاف وتباين المهاجرين والأنصار. وهو اختلاف وتباين لا يتعارض مع ارتكازهما الأولي على فكرة الجماعة. فقد تضمّن القرآن الكثير من المواقف الخاصة بصدد كل من المهاجرين والأنصار. إضافة لذلك، إن تباين مواقف النبي محمد في أمور عديدة من الأنصار والمهاجرين، كان بإمكانه أن يشكل في وقت لاحق مقدمات فكرية روحية لبناء استنتاجات قد لا تتطابق في جوهرها مع الحوافز والغايات التي كانت قائمة وراء مواقف النبي محمد. وهو الأمر الذي جعل من المحاولات اللاحقة لمختلف التيارات الفكرية والسياسية المتصارعة حول "شرعية" الخلافة جزء من الأحكام الأيديولوجية وتبريراً للمنطلقات المذهبية.

فقد كان النبي محمد أرفع من أن يسلك في ممارسته العملية المباشرة ازدواجية الرمزية الطفولية، أو أن يترك أمور "التأويل" الحق لأتباعه. فما جرى في وقت لاحق كان جزء من وعي الذات السياسي والحقوقي للأمة. وهو الأمر الذي جعل من حقيقة السلوك النبوي سلوكا إنسانيا رفيعاً. لقد ترك للأمة مهمة اختيارها وسموها العملي. من هنا فإن التقاليد السنية والشيعية اللاحقة التي حاولت أن تنسب للنبي محمد أحاديث على لسان الإمام علي، مثل الحديث القائل: "كنت جالساً عند الرسول فأقبل أبو بكر وعمر فقال لي: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، ولا تخبرهما يا علي!". وهو حديث موضوع (كاذب) يستنسخ الحديث الصحيح القائل:"الحسن والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة". والشيء نفسه يمكن قوله عن الحديث الموضوع (الكاذب) القائل "أبو بكر وعمر لابد لي منهما. هما مني بمنزلة السمع والبصر". فهو الآخر يستنسخ (أو ينسخ!) الحديث الصحيح القائل "علي مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي". ومهما يكن من آمر هذه الأحاديث، فان مما لاشك فيه هو أنها لم تحمل ثقل المضامين التي ستحاول الأيديولوجيات اللاحقة تحميلها إياها. وذلك لأنها جميعا أصبحت جزء من أيديولوجية الحصول على السلطة. لهذا نرى الأيديولوجية "السنية" تسعى من اجل تأسيس فكرة الخلافة على مبدأ القرشية استناداً إلى حديث موضوع (كاذب) يقول "أن الأئمة من قريش". بينما تأخذ الأنصار بكلام محدد للنبي محمد عندما قال لغلامه ثوبان قبل موته بان لا يغلق باب بيته وان يتركه مفتوحاً للأنصار. فعندما سمع بكاؤهم قال:"انه لم يمت نبي قط إلا خلّف وراءه تركة. وان تركتي فيكم الأنصار، وهم كرشي (جماعتي)، التي آوى إليها"(2). وهي عبارة أخلاقية متألمة تحولت في وعي الأنصار إلى "وصية" سياسية. وهو الأمر الذي كان بإمكانه أيضا أن يجعلهم يشددون على "أنهم التركة"، وأنهم الجماعة التي استند إليها النبي، أي الخلف والخليفة بوصفهم بؤرة الأمة الإسلامية. أما في الواقع فقد كان سلوك النبي محمد وكلامه تعبيراً عما يمكن دعوته بسان الحال. بمعنى انه كان تجاوز رد الفعل المباشر بفعل سمو منطلقه الأول.

إلا أن للعالم المادي والتاريخ الواقعي مستلزماته الخاصة. وهي مستلزمات لم تكن غريبة كل الغرابة على النبي محمد. على العكس! أنها شكلت على الدوام أحد المصادر الضرورية لواقعية أحكامه. إذ كان من الصعب توقع صيرورة السنّة النبوية ذاتها خارج هذه الواقعية واهتماماتها الجدية بالمكونات التي تشكل العمود الفقري للفقه الإسلامي وكيفية (طبيعة) ربطه للعادات بالعبادات، والدنيا بالآخرة، والحياة بالموت. وقد أتقنت الجماعات الإسلامية الأولى هذه الحكمة البليغة في التعامل مع قضاياها الملموسة. فهي لم تتعلم من النبي "أصول الدين" فحسب، بل وأصول الحياة العملية أيضا. إلا أن كل فرد اكتفى بما هو "ميسر له". ولا يعني ذلك في الواقع، سوى حصيلة المقدرات الفعلية للشخصية وخصوصية انكسارها في مجرى الصراع التاريخي، الذي يضع مقدمات وخاتمة ما ندعوه الآن بالمصير الفردي. ومن خلاله تظهر ملامح كيانه التاريخي والاجتماعي.

من هنا ارتكاز الصراع الأول الذي أثارته "شهوة" الخلافة على مكوناتها الداخلية. وليس مصادفة أن يظهر الخلاف الأول بين الأنصار والمهاجرين.  فقد اعتبرت الأنصار أنفسهم برئاسة سعد بن عبادة ممثلو الخلافة بفعل مكانتهم ودورهم في الإسلام، باعتبارهم الذين نصروا النبي. وانطلقوا بذلك من أن الله أراد لهم "الفضيلة وساق لهم الكرامة وخصّهم بالنعمة وأرزقهم بالإيمان بالله ورسوله ولأصحابه والإعزاز لدينه"، حسب عبارة سعد بن عبادة. فيما رد أبو بكر، مستنداً إلى نفس المنطق، ولكن من خلال إبراز علاقة القرابة (القبلية والعائلية والشخصية). فنراه يشدد على أن "الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق. فدعا إلى الإسلام فأخذ الله بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه. فكنا معشر المهاجرين أول الناس اسلاماً، والناس لنا فيه تبع. ونحن عشيرة رسول الله. ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً. ليست قبيلة من قبائل العرب إلا قريش فيها ولادة. وأنتم أيضاً والله الذين آووا، وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله. وأنتم إخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في دين الله. أنتم أحب الناس ألينا وأكرمهم علينا وأحق الناس بالرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله عما ساق ولإخوانكم المهاجرين. وهم أحق الناس فلا تحسدوهم"(3).

فإذا كان منطق الأنصار من اجل إسناد شرعية الخلافة بهم مبني على دليل النصرة في الدين، فان منطق أبا بكر يستند على فكرة الأولوية في الإسلام والقرابة بالرسول وجامع العشيرة. وإذا كان الأمر كذلك، فان من المنطقي أن يستثير هذا النوع من الجدل والتأسيس "النظري" ردودا متحمسة وأكثر تجانسا في "البيت العلوي". فهم "آل البيت". ومن هذا المنطلق كان بإمكان الإمام علي وأتباعه أن يستندوا إلى منطق النصرة والأولوية في الإسلام والقرابة من الرسول. ففي إحدى الكلمات المنسوبة لعلي بن أبي طالب، نعثر على عبارات تقول:"لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم (الأنصار). بينما قالت قريش أنها من شجرة الرسول. وبهذا تكون قريش قد احتجت بالشجرة وأضاعت الثمرة(4).

بصيغة أخرى إن الصراع من أجل السلطة لم يحسم بالطريقة السهلة التي تبدو للوهلة الأولى. فما وراء بساطته الظاهرية يكمن عالم مشحون بالتوجس المهيب والاحتقان الدامي، الذي كان بإمكانه تهديد المصير الفعلي للكينونة الإسلامية في أدق حالات صيرورتها وأحرجها. فقد استثار الصراع حفيظة الذاكرة القبلية. ولم يكن ميل الشخصيات الإسلامية الكبرى كأبي بكر وعمر وعلي جزئياً إلى هذا المنطق بسبب تمسكهم الروحي بالقبيلة، بل بفعل خصوصية الصراع  المثار آنذاك. فالكيان التاريخي للأنصار كيان قبلي أيضاً. تماماً كما هو الحال بالنسبة للمهاجرين. بمعنى أن لكل منهما جذوره القبلية العريقة، التي ذلل الإسلام حدّتها الجاهلية، دون أن يفقدها مبرر وجودها النهائي. ومن العبث البحث في ذلك عن مثلبة أو خطيئة، مازالت القبيلة آنذاك هي الإطار الضروري لصيرورة الروح الأخلاقي والوجودي للفرد. كما أنها الكيان الذي أبدع أسمى قيم الجاهلية.

فالصراع الذي دار بين أتباع محمد لم يستند إلى هاجس الاستحواذ السلطوي على السلطة فقط، بل وإلى الحرص الأخلاقي على مستقبل الأمة والإسلام أيضاً. وقد تداخلت هذه التناقضات في الأطروحات المتعارضة ومسالكها العملية و"النظرية". فقد وقفت الأنصار أمام الامتحان الصعب للحصول على تزكية الخلافة بعد مواجهة المهاجرين لها بفكرة الانتماء القرشي والأولية في الإسلام. مما اضطرها لاقتراح فكرة تناوب الخلافة أو الإمارة استناداً إلى هاجس التخوف من المستقبل، وبالتالي من أجل الحفاظ على وحدة الأمة وعدم ضياع زمام المبادرة والقيادة من أيدي المسلمين الأوائل (المهاجرين والأنصار). وهذا ما نعثر عليه في عباراتهم القائلة "إنا نشفق مما بعد اليوم. ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم. فلو جعلتم اليوم رجلاً منا ورجلاً منكم بايعنا ورضينا. على انه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار. فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمة. كان ذلك أجدر أن يعادل في أمة محمد وان يكون بعضنا يتبع بعضاً فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري، ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي"(5). وبغض النظر عن المحدودية التاريخية لهذه الفكرة إلا أنها كانت كبيرة في محتواها. بمعنى انه بالرغم من محاولتها تحديد الإطار القبلي الديني (الأنصار والمهاجرون) لشرعية السلطة ومصدرها البشري، إلا أنها طرحت فكرة تحييد السلطة وتضيقها المتبادل، أو ما يمكن دعوته بحدّ السلطة بالسلطة.

لكنها صيغة كانت محكومة بالفشل بسبب رخاوتها الداخلية وطبيعتها المساومة، في وقت كان ينبغي فيه حسم الأمور. والقضية هنا ليست فقط في أن المثال النبوي كان يستلزم قيادة مركزية موحدة للأمة وترتيب أمورها، بل وبفعل الفراغ الذي أنتجه موته بحيث جعل من كل الحلول الممكنة للصراعات الواقعية تتخذ طابعا سياسيا. بالتالي فان حسمها النهائي كان لابد وان يستند إلى منطق الإقناع أو التبرير أو العسكر أو المخاتلة والمكر أو جميعها. إذ حالما اشتد الصراع حول شرعية الخلافة، فان الصيغة الباردة للأنصار في ردّها المساوم على آراء أبي بكر سرعان ما امتزجت بالدعوة للقوة من أجل إعطائها قيمة تستحق التضحية. فقد وقف الحباب بن منذر (الأنصاري) قائلاً في رده على أبي بكر:"يا معشر الأنصار! أملكوا عليكم أيديكم. فإنما الناس في فيئكم وظلالكم. ومن يجير مجير على خلافكم. أنتم أهل العز والثروة وأولو العدة والنجدة. وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم. أنتم أهل الإيواء والنصرة.  وأنتم أصحاب الدار والإيمان. والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر. وان أبى القوم فمنا أمير ومنهم أمير"(6). وقد كان رد عمر بن الخطاب أكثر تجانساً من الناحية السياسية. فهو لم يستند إلى تعليل الدين وقيمه الأخلاقية، بل سار ضمن سياق المنطق السياسي للأنصار حتى نهايته، مؤكداً على استحالة أن يجتمع سيفان في غمد واحد. وأن العرب لا ترضى أن تؤمّرهم ونبيها من غيرهم. وبالتالي فان لقريش الحجة الظاهرة في العرب. من هنا استنتاجه القائل بأنه لا يمكن لأي كان من العرب أن ينازع قريشاً سلطان محمد وميراثه(7). وإذ حسمت هذه المعركة الأولى لصالح "إمارة قريش" فليس لقناعة الجميع بهذه الإمارة القبلية، بقدر ما أنها نتاج الانكسار الداخلي للأنصار الذي أحدثه بشر بن سعد (من سادات الخزرج) في مبايعته لأبي بكر، ومن ثم هزيمة سعد بن عبادة. وليس مصادفة أن يجري وصف صعود أبي بكر إلى سدة الحكم على انه فلتة!!

أما في الواقع فان الأدلجة اللاحقة هي التي ستعطي لهذا الفعل الذي لم يشترك فيه الإمام علي صفة الشرعية المقدسة، التي جرى لاحقاً إسنادها بأحاديث موضوعة (كاذبة) مثل "الإمامة في قريش" أو "الأئمة من قريش" وما شابه ذلك. ولم يكن ذلك بسبب خلّو القرآن وأعمال النبي من مضمون هذه الفكرة فحسب، بل ولأنها تتعارض تعارضاً عميقاً مع مفاهيم الإسلام الجوهرية. لهذا نرى الإمام علي يجد في هذه الفكرة أمورا تتعارض مع المنطق والحقيقة والواقع. إذ وجد فيها خروجا على حقيقتها، وذلك لما فيها من تمسك جزئي بحقيقة الانتماء القرشي (الشجرة) وإضاعة أصلها (الثمرة). لكنها ظلت مع ذلك عبارة مجازية حلاوتها في مرارتها، شأن الزيتون!

فالصراع من أجل السلطة كان صراعاً اجتماعياً لم تتبلور معالمه بعد. وبغض النظر عن طابعه الدرامي المرهق، إلا انه كان خطوة إلى الإمام، بوصفه الطريق الأول المعبّد بالاستعداد المتفائل للتضحية. وإذا كان التاريخ اللاحق سيكشف عما في هذا التفاؤل من إغراء لا يستند دوماً إلى إدراك واقعي لمجرى الأمور، فلأن فكرة القضاء والقدر الأولية بمضمونها الوجداني ويقينها الفعال (المباشر) كانت تحدد رؤية وإدراك المسلمين الأوائل لوجودهم على صراط الدين الحنيف. مما أعطى لكل انتصار وهزيمة معنى ينبغي للقلب مهمة الاعتكاف في تأمل دقائقهما وتحمّل طرقات المصير بقناعة راسخة على أنها ضربات يد عالمة قادرة كريمة، كما تعامل يد الماهر في طرقاتها نصلاً ينبغي صقل مكوناته من أجل التمتع في إغماده بغمده أو غرسه في جسد الأعداء.  فهي الحركة التي تستثير في رجال البطولة معنى البطولة. لكنها حالما تتناثر هذه الممارسة في ذرات الميدان الاجتماعي وليس الفردي والنفسي، عندها تكفّ عن أن تكون بؤرة لالتفاف الذات الحالمة والأخلاق الخالصة. وهي العملية التي تؤدي إلى صيرورة الروح السياسي الأخلاقي. وهو السبب الذي يفسر مفارقة الصعوبة السهلة التي جرت من خلالها استثارة الصراع الأول بين قوى الإسلام والأمة حول قضية السلطة، والسهولة الصعبة التي جرى من خلالها حل الخلاف. فقد كان الحل العملي في البداية مجرد استبدال جديد لمكونات الهرم الأخلاقي التيوقراطي، القائم في بعض آيات القرآن وسلوك النبي محمد.

فقد أعطى السلوك العملي للنبي محمد وأصحابه للأحكام العامة والجزئية المتناثرة في القرآن والحديث إمكانية التصنيف والأدلجة والتنظير. وهي إمكانية لم تكن معزولة عن خصوصية نشوء طرق ووسائل إدارة الشؤون الاجتماعية والسياسية للأمة، أي كل ما ساهم في إرساء أسس الآلية الجديدة لإدارة شؤون الدولة والأمة. وهي آلية حدد اغلب مفاصلها انتقال الجزيرة العربية من العلاقات الاجتماعية القبلية وما قبل الدولة إلى علاقات الدولة، باعتبارها علاقات سائدة. مع ما ترتب عليه من تغيير المؤسسات والأدوار الاجتماعية القائمة آنذاك، ومن ثم صنع المؤسسات الاجتماعية والسياسية الجديدة عبر سيطرة مفهوم وممارسة الجماعة الإسلامية. فالتباين والفرز الاجتماعي المتوسع والتباين الحاد في توزيع الثروة (الاقتصادي) قد أخذا بالذوبان في الوحدة الدينية الآخذة في التهشّم بعد موت النبي محمد. وهي العملية التي حصلت على انعكاسها العابر في حركة الردة واستمرارها "الطبيعي" زمن خلافة عثمان بن عفان.

ومن غير الدقة والمنافي للتاريخ الفعلي القول بان موت النبي محمد قد أثار وأنتج الصراعات في الأمة الإسلامية. غير أن مما لا شك فيه هو انه فسح المجال أمام هذه الصراعات المتراكمة للظهور بصورة علنية. فملامح حركة الردة تبرز بوضوح في آيات سورة (التوبة). فكونها افتقدت للبسملة، مع أنها "أمان" ونزلت لرفع الأمن بالسيف كما يروى في حديث نبوي عن الإمام علي، يعني احتواءها بحد ذاتها على دلالة على ما كان يختمر في أحشاء الأمة الناشئة. فالبراءة من الله ورسوله إلى الذين عوهدوا من المشركين ليست سوى المقدمة المستندة إلى التقاليد العربية لخوض الحرب الداخلية الخافتة. وهي الحرب التي ستعلنها القوى العربية الوثنية بعد دخولها الإسلام تحت حدّ السيف. فالشرط الضروري لإخلاء سبيل المشركين هو اعتناق الدين الجديد بتنفيذ أهم شروطه: الصلاة والزكاة(8). بل أن القرآن يجعل من المشركين إخوانا في الدين في حالة تنفيذ شروط الصلاة والزكاة(9). كما أن القرآن لم يغفل الصراع مع أولئك الذين دخلوا الإسلام ولم يؤسر قلوبهم بعد. فتعمير مساجد الله يجري من خلال الإيمان بالله واليوم الآخر وإقامة الصلاة وإتيان الزكاة، وليس من خلال القيام بتلك المهام الوثنية المصدر كسقاية الحجاج وعمارة المسجد الحرام. والتخوف الذي يصوره القرآن على اثر المطالبة بسد أبواب الكعبة أمام المشركين (العام التاسع للهجرة) يشير إلى إمكانية كساد التجارة كأحد البواعث التي أثارت فيما يبدو المسلمين أنفسهم. وليس مصادفة أن يتكلم القرآن بهذا الصدد عن الأحبار والرهبان. وجوهر القضية هنا لا يقوم في اتخاذهم أرباباً من دون الله، بقدر ما اغلبهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وفيها نعثر على إشارة تتضمن تحذيراً شديد اللهجة كما هو في الآية الشهيرة: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)(10). وسوف يتحول هذا التحذير إلى أحد المصادر الجوهرية لأفكار وممارسات علي بن أبي طالب وأبي ذر الغفاري وغيرهم من الصحابة والتابعين في الصراع ضد الارستقراطية الإسلامية الجديدة، التي ستأكل أموال الناس بالباطل أكثر مما فعلته أحبار اليهود ورهبان النصارى.

فإذا كان نصيب حركة الردة الاندثار السريع إلى غير رجعة، فان الصراع الاجتماعي بعد استتباب السلطة في مفهومها وممارساتها زمن أبي بكر وعمر سرعان ما تفجّر في أواخر حكم عثمان بن عفان. فقد استثار الأخير كل البواعث الكامنة ودفعها إلى أتون معركة طاحنة. وحاول حصرها فيما بدا له مسارا آمنا من خلال حشرها في قيود الدين وقناعاته الإيمانية. فالصراع الذي عمّقه وسرّعه حكم عثمان بن عفان ونهايته، قد صنع البؤرة التي لم يكن بإمكان أي امرئ آنذاك وعي جميع نتائجها وتأثيرها التاريخي(11). رغم أن الأحداث قد جعلت من ثقلها كابوساً يجثم فوق رؤوس القوى المتحاربة، التي كان علي بن أبي طالب أحد أطرافها. ولعله أكثر من أي امرئ آخر آنذاك أدرك عمق هذه "الفتنة" التاريخية. ولم يكن ذلك فقط بسبب كونه لم يستغلها ذريعة لأهدافه، بل ولأنه أدرك عمق ومغزى استغلالها ضده.

فقد أخذت الأحداث آنذاك في احتوائه من كل جانب. وحالما أصبح في مركز الصراع الاجتماعي، فانه أخذ يتحسس بكل جوارحه ما يجري في الواقع. فالمصادمات الحادة والنزاعات الدموية للقوى المتحاربة من جهة، والدفاع عن الحق من جهة أخرى؛ والمذلة والمهانة أمام قوى المنكر من جهة، والعمل من أجل الله والرعية من جهة أخرى؛ والاندفاع وراء المال والبنين من جهة، والاعتكاف والزهد من جهة أخرى، قد جرى اختزالها عنده إلى طرفين متضادين يقف أحدهما بالضد من الآخر. وهي نتيجة لم تكن معزولة عن المفارقة القائمة في انه كلما تتعقد الحياة كلما تسهل رؤية رموزها. بمعنى اكتشاف الحقيقة المباشرة. وذلك لان وقائع التاريخ لا تجري بمعزل عن تصورات الإنسان أو بمعزل عنها أو خارجها. أما الطابع التاريخي للوقائع ومضمونها السياسي فلم يكن مجهول المعنى في أذهان صانعيها. على العكس! لقد كانت مفهومة لهم بمقدار تفاعلهم الحياتي وموقفهم منها، كما نراه في ظاهرة الدفاع عن المصالح.

فعندما خاطب الإمام علي الخليفة عثمان محذراً إياه من مغبة الأحداث اللاحقة، فانه كان يدرك بأن عثمان يسلك سلوكه عن وعى. فهو يشير في تحذيره إلى انه لا يسعى ليبصره من عمى ولا يعلّمه من جهل. فالطرق واضحة وأعلام الدين قائمة! وإذا كانت هذه العبارة تعكس في ملامحها الأولية بساطة الدولة، فإنها تعبر أيضاً عن بساطة الحقيقة القائلة بإمكانية التفريق الدائم بين الخير والشر، والحق والباطل. لأنهما ليسا من إبداع الخيال ومصالح الذهن الماكر، بل من فعل الروح المباشر، أي إنهما يخضعان إلى منطق ومثل الخير والشر المناسبة لمرجعيات الثقافة السائدة. وقد كان ذلك واضحاً وجلياً بالنسبة للمسلمين. فالوضوح متأتٍ من جلائها في تعاليم الإسلام، بينما اليقين فيها مبني علي وجود العلاقة بينهما. وهو الشيء الذي اختصره الإمام علي في أحد مواقفه من السلطة عندما أكد على أن "أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدى وهدى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة"(12). ولم يعن ذلك في الواقع، سوى الإدراك المتبادل من قبل الجميع لمضمون أفعالهم المباشرة وتأثيرها الممكنة. فالخلافات الممكنة، بما في ذلك في مجال التأسيس الفكري للممارسة السياسية العملية لا ينفي إدراك القوى المتعارضة لمصالحها الخاصة. وعندما اشتد الصراع في وقت لاحق، فاه أدى إلى إقناع الجميع بان تلاقي الرماح وتطاير الأسهم لم يكن نتاجا للبحث عن حقيقة إلهية، بل لغرس مفاهيم وقيم سياسية مختلفة. بمعنى تعبيرها عن مصالح اجتماعية مختلفة. فقد وجد "قميص عثمان" عند معاوية تعبيره "المقدس"، وحصل على تغطية أيديولوجية سياسية. أما الدفاع عن الخلافة عند علي فقد حصل على صيغة الدفاع عن الحق وعن نفسه بوصفه ممثل الحق. وانطلق بهذا الصدد من هذه المقدمة وسعى لتطبيقها في أحكامه وأعماله. ولم يجد حرجاً في أن يطابق بين مفاهيمه ومفاهيم الربّ القرآني. أولم يتكلم محمد ويفعل باسم الله؟ فهو الآن يتكلم ويفعل أيضاً باسم الله ولكن ليس بوصفه نبياً، بل إماما للمسلمين. ولم يعن ذلك تقمصه لدور ما جديد نوعي يتعارض مع مكونات كينونته الذاتية.

 

.....................

الهوامش

1) من الصعب استعراض هذه القضية وتجنب سطحية الأحكام العابرة في الوقت نفسه. وذلك لان هذه القضية تظل من بين أكثر الأمور تعقيداً بالنسبة للتاريخ الإسلامي. فهي تحتاج إلى دراسة آلية تطور الدولة ومؤسساتها وخصوصية تأثير الثقافة عموماً والفقه خصوصاً على تطوير وتجميد الاندفاع العارم المميز للقرون الأولى للخلافة.

2) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص5-6.

3) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة،ج1، ص10.

4) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1ص116. وان الكتب التاريخية أو المؤرخة لقضية الصراع حول السلطة (الخلافة أو الإمامة) قد تناولت بهذا القدر أو ذاك من الوضوح هذه المواقف والتعليلات.

5) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة،ج1،ص11.

6) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة،ج1،ص12-13.

7) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة،ج1،ص13.

8) القرآن: سورة التوبة، الاية5.

9) القرآن: سورة التوبة، الآية 11.

10) القرآن: سورة التوبة، الآية 34.

11) إن التحذير الشديد من مغبة قتل عثمان بن عفان ينسب عادة إلى عبد الله بن سلام، الذي قال "والذي نفسي بيده، لئن قتلتموه لا تؤدى بعده طاعة إلا عن مخافة وتوصل رحم إلا عن مكافأة، ولتقتلن به الرجال ومن في الأصلاب" (ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص64). وبغض النظر عن كل الملابسات التي أحاطت بهذه الكلمة، إلا أنها تتضمن حقيقة لا علاقة لها بمقتل عثمان، ألا وهي تخوفها من صيرورة السلطة المبنية على أساس القوة. ذلك يعني أن انتزاع "الحق الشرعي" بالقوة سوف يؤدي إلى تقوية تقاليد القوة، وبالتالي إلى استجلاب الطاعة بالقوة والى مكافأة الآخرين على مدى خضوعهم للسلطة. أما في الواقع فان هذه الممارسة هي التي ابتدأ بها وانتهى عثمان. وبالتالي فان الانتفاضة المعارضة له، التي أودت بحياته في نهاية المطاف، كانت محاولة لوضع حد للطاعة المبنية على المخافة، والمكافأة على أساس الخضوع والتأييد للسلطة وأفعالها. فقد توج مقتل عثمان بصعود الإمام علي إلى السلطة. وبهذا كان هذا القتل محاولة إحقاق الحق الشرعي. فقد حاول علي بن أبي طالب إثبات الطاعة المبنية على مبدأ اليقين والحق وإيصال الرحم على أساس الشريعة (القانون). وبالتالي فان الكلمات المذكورة أعلاه يمكنها أن تعبر بصدق عن حال مقتل الإمام علي وليس عثمان. أما مقتل عثمان فانه لم يؤد إلى انتهاك الحق، بل إلى تثبيت مبدأ لا طاعة لمخلوق أيا كان في حال انتهاكه لمبادئ الحق.

12) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69.

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2363 السبت 23 / 02 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2363 المصادف: 2013-02-23 12:19:31