 دراسات وبحوث

النظريات المتعارضة بين العلم والفهم

معلوم ان العلم يتقبل وجود نظريتيتن متناقضتين طالما لا يوجد سبيل للتعويض عن خسارة اي منهما ولا للتوحيد بينهما، مثلما هو الحال مع تناقض النظرية النسبية مع ميكانيكا الكوانتم. فلو كانت الاشكالية هي اشكالية مطابقة لكان من المفترض على العلماء ان ينقسموا الى فريقين، احدهما يأخذ بوجهة النظر الخاصة بالنسبية دون الكوانتم، والاخر يعول على العكس من ذلك، مع ان الحاصل بين العلماء هو غير ذلك تماماً، فهم يعولون على كلا النظريتين، كل في مجاله رغم التعارض بينهما، والغاية من ذلك هو الحصول على اكبر قدر ممكن من الفائدة والاستثمار العلمي. فقد اعتبرت النسبية اكثر جمالاً واقناعاً لكنها اقل تطبيقاً، في حين ان الكوانتم ضبابية لكنها ذات نجاحات قياسية لم يسبق لها مثيل في العلم. والعلماء يقدرون ان التعارض بينهما ينطوي على خلل عميق وخطير في قلب الفيزياء. فالكثير من الفيزيائيين لم يرتاحوا للتناقض الحاصل بينهما، وهم يشيرون الى وجود عيب اساس في فهمنا للعالم الفيزيائي. في حين ان هناك فيزيائيين اخرين يتجاوزون هذه المشكلة عبر تقسيم التعامل الى عالمين.

ومع ان هناك محاولات عديدة لحل النزاع بين النظريتين، وغالباً ما يلجأ الفيزيائيون للبحث في تغيير بنية النسبية العامة من خلال تأثير الكوانتم، والقليل منهم يرى انه من الضروري فعل العكس، وهو تغيير بنية الكوانتم لتلائم ما عليه النسبية، لكن مع ذلك لا توجد لحد الان نظرية متسقة للجمع بينهما دون مشاكل، ومن ذلك لا توجد نظرية جيدة تفسر وجود الكتل للجسيمات، وهي مفهوم مرتبط بمفهوم الثقالة التي هي لب النظرية النسبية العامة، اذ لا وظيفة للكتلة سوى انها مصدر للثقالة. ومن ثم فان دمج النسبية العامة بالكوانتم مبرر للغاية، رغم صعوبة الحال. اضافة الى نواة الذرة تحتوي على جسيمات لها سرعات كبيرة قد تقترب من سرعة الضوء مثل الكواركات، وهي مورد معالجة النسبية. وعليه فهناك دوافع عديدة لحل اشكالية العلاقة بين النظريتين المتعارضتين النسبية والكوانتم. وكان من بين الاتجاهات الهامة التي سعت نحو معالجة هذه الاشكالية ما يعرف بنظريات الاوتار التي تنطوي على شيء يشبه الثقالة، وقد تكون اخصب النظريات المتماسكة رياضياً والمنسجمة مع مبادئ الكوانتم، رغم ان عدد هذه النظريات قد قُدّر بالالاف النظرية المتماسكة رياضياً على غرار نظريتي غرين وشوارتز، وكلها تستجيب للتناظر الاساسي نفسه المعروف باسم التناظر التشاكلي. ويُعتقد اليوم ان نظريات الاوتار لا تحمل الخلافات الجوهرية، بل تمثل على الارجح طرائق شتى لحل نظرية اساسية واحدة. رغم ان لكل واحدة من هذه النظريات التناظرات الخاصة بها، بعضها يستجيب لمبدأ اينشتاين في النسبية، وبعضها الاخر لا يملك اي شيء نعتبره فضاءاً عادياً ذا ثلاثة ابعاد. وهي تعترف بوجود مفارقة وتناقض بين النسبية والكوانتم بحاجة الى حل، واعتبرت ان جزءاً من المفارقة بينهما يعود الى محدودية مقدرتنا على التخيل.

وعموماً يتضح ان التعارض بين النظريات العلمية لا يمنع من الاخذ بها سوية مادام لها ثمار علمية، كالذي تحققه نظريتا النسبية والكوانتم المتناقضتين.

فهذا على صعيد العلم، أما على صعيد الفهم الديني فالامر يختلف. فعندما تتعارض النظريات الدينية بشكل ثابت ومؤكد يصعب حله ينقسم العلماء والباحثون حولها، بحيث لا نجد شخصاً يعول على نظريتين متعارضتين مثلما لاحظنا ذلك في العلم، والا كان متهماً بالتناقض. فكل قارئ عندما يعول على نظرية فهم معينة فانه في الوقت ذاته يرفض او يستبعد ما يعارضها. ففي مسألة الامامة مثلاً ينقسم المسلمون بين مؤيد لنظرية الوصية وبين معارض لها، ولكل من النظريتيتن لوازم تناسبها، ولا نجد بين المسلمين من يعول تارة على هذه النظرية واخرى على تلك، بل عند تعويله على احداهما فانه يرفض الاخرى ولا يتقبلها. نعم توجد بعض الرؤى الشاذة للتوفيق بين الرؤيتين المتناقضتين بجعل كل رؤية تدور في مجال غير المجال الذي تشغله الرؤية المقابلة، وكأن احدى الرؤيتين جاءت لتشغل العالم الكبير، والاخرى لتشغل العالم الصغير، كما في الفيزياء. فالاقتراح المطروح هو لِمَ لا تكون الامامة بمعناها الديني دالة على الرؤية الشيعية، وهي ان هناك مرجعية دينية موصى عليها من قبل الله تعالى منحصرة في اهل البيت، وفي قبالها تأتي الامامة بمعناها السياسي لتدل على الرؤية السنية، وهي ان الخلفاء الراشدين قد تمت توليتهم بطريقة مقبولة شرعاً؛ دون اعتداء ولا اغتصاب ولا مؤامرة كالذي يراه الشيعة، وبالتالي اصبحت المرجعية الدينية حقاً لاهل البيت لا يعارضهم في ذلك معارض، في حين اصبحت المرجعية السياسية مفتوحة غير منحصرة في فئة دون اخرى. وقد كنت خلال الثمانينات من القرن المنصرم اميل الى هذا الرأي الجامع بين المذهبين وفقاً لتوجهاتي التوحيدية او التقريبية. وعلى ما اتذكر اني قرأت لشيخ ايراني (المازندراني) ما يقارب هذه الوجهة من النظر خلال التسعينات، وذلك ضمن احدى اعداد مجلة التقريب بين المذاهب.

فهذه الصورة من الاقتراح يمكن ان تعبر عن معالجة التناقض الوارد وفقاً لفتح الباب امام مجالين مختلفين، مثلما تمت معالجة التناقض في الفيزياء مؤقتاً وفقاً لابقاء العالمين مفتوحين كلاً في مجاله دون خلط بينهما. لكن لكل من الحالين مترتبات غير سارة، ويبقى التناقض مفتوحاً يتطلب شيئاً من الحل او التجاوز. ففي الفيزياء ان انقسامها بالشكل الانف الذكر يجعل الفيزيائيين مضطرين احياناً الى ترجيح احدى الرؤيتين على حساب الاخرى عند اجتماعهما في موضوع واحد، كما في حالة الانفجار العظيم والثقوب السوداء. وعادة ما يميل العلماء الى ترجيح رؤية الكوانتم على النسبية، فالاخيرة تحتم وجود شروط للتكون الزمكاني، وبالتالي فهي مضطرة الى افتراض وجود اسباب تؤدي الى الانحناء الضخم في نشأة الكون ومثل ذلك في الثقوب السوداء. في حين تعتمد الكوانتم على مبدأ الارتياب والاحتمال دون شروط ملزمة، ويؤيدها في ذلك ظاهرة الانحلال للعناصر الثقيلة المشعة، فهو انحلال ذاتي محتمل بنسبة 50%، مما يعني ان الحوادث الكمومية تحدث تلقائياً دون اسباب او شروط خارجية، كالذي كشفت عنه مدام كوري، ومنذ ان تم التعرف على قفزات الالكترون من موضع الى اخر كالذي كشف عنه رذرفورد ونيلز بور. فهذا هو ما يجعل العلماء يميلون الى ترجيح نظرية الكوانتم على النسبية.

اما المترتبات الصعبة في المقترح الخاص حول الامامة فهو انه يغير من طبيعة المترتبات الفقهية والدينية لكلا الدائرتين السنية والشيعية، وبالتالي لا يقبله الشيعة ولا السنة. فاعتراض الشيعة عليه هو انه يؤدي الى التشكيك بالاخبار الفائضة الشيعية التي تؤكد المؤامرة واغتصاب الخلافة، ومن ثم سيؤثر ذلك على مصداقية سائر الاخبار وفق منطق الاحتمالات كما عرضناه في (منطق فهم النص)، وهو ما يوقع الشيعة بانسداد الباب والطريق، سواء في العقائد والاصول، او الفقه والفروع. في حين ان اعتراض السنة عليه هو لكونه سيفضي الى اتهام جل الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم بالتجاهل والتقصير ازاء المرجعية الدينية المنحصرة في اهل البيت وفقاً للافتراض السابق.

ومع انه قد يقال بان في الفهم نجد هناك من يتبنى انساقاً متناقضة؛ يعود بعضها الى النظام الوجودي، والاخر الى النظام المعياري، كالحال مع الكثير من الفلاسفة والعرفاء، اذ نجدهم فقهاء في الوقت ذاته، رغم ان الفقه يقع في مناقضة مع نسق النظام الوجودي. لكن الجواب هو ان اصحاب النظام الوجودي لا يرون انفسهم واقعين في تناقض، ولا يقرون ان بين الفقه والقضايا الدينية عموماً شيئاً من المناقضة لتصوراتهم الفلسفية والعرفانية. فهم يقسّمون الامور الى ظاهر وباطن، وان الحقيقة متعلقة بالاخير لا الاول، ويجعلون الحقائق الوجودية الحتمية تقف خلف الاوامر الفقهية من الظواهر، فلدى الفيلسوف ابن رشد مثلاً ان تكليف الانسان مرتبط بحتمية ما عليه الحركات الفلكية السماوية القائمة على المبادئ العقلية المفارقة. وبهذا الارتباط ينتفي التناقض ما لم تكن الرؤية تلفيقية تجمع من هنا وهناك دون ضابط محدد، كالذي تشهد عليه العديد من رؤى العلماء. بل في كثير من الاحيان انهم يقومون برد الامور المعيارية الى الحقائق الوجودية، او انهم يقومون بتفسيرها تفسيراً محتماً من الناحية الوجودية، كالذي يظهره ابن رشد وابن عربي وصدر المتألهين وغيرهم. فعندهم انه لا فرق بين تنوع الكائنات الى حيوانات ونباتات وبشر وفقاً للرؤية الوجودية الحتمية وبين تنوع السلوك البشري الى كفار ومؤمنين وغيرهم، او الى فقراء واغنياء، فالكل محكوم عليه بالحتم والوجوب الوجودي. وفي جميع الاحوال انهم لا يرون بان هناك اعتبارات متناقضة في الحالين المعياري والوجودي خلافاً لما يراه الفيزيائيون من تناقض في الصفات بين العالمين الكبير والمجهري. وقد تكون هناك رؤية تأويلية للجمع بين العالمين. فالعالم الكبير قائم على الصغير، وكون الاختلاف الجذري بينهما لا يلغي حقيقتهما النسبية. فالحقيقة تتحدد بحسب ما عليه الشيء من ظرف وشروط. فالحال هنا هو اشبه بالحال في علاقة العناصر الكيميائية بمركباتها، فمع ان اصل المركبات يعود للعناصر لكن حقيقة كل منهما تختلف عن الاخرى جذرياً، وكمثل على ذلك علاقة الماء بمكوناته العنصرية، وهي ذرتا هايدروجين لكل ذرة اوكسجين، لكن الاختلاف بينهما عظيم. فللماء طبيعة وصفات تختلف كلياً عن طبيعة وصفات مكوناته، فأقل ما يقال هو أن الأوكسجين يساعد على الاشتعال والهايدروجين يشتعل، لذا فالمناسب من التفاعل بينهما هو أن يفضي الأول منهما إلى إشعال الأخير، لكن ما يحدث هو شيء آخر مناقض لهذا بالتمام، اذ يتكون الماء ضمن النسبة المشار اليها سلفاً وخاصيته أنه لا يشتعل ولا يساعد على الإشتعال، بل يفعل العكس في إخماده للإشتعال، وبالتالي فخاصية الماء تخالف خاصية كل من الهايدروجين والأوكسجين. وقد يقال الشيء ذاته مع علاقة العالم الكبير بالعالم الصغير وهي ان لهما علاقة كيميائية، دون حاجة لاختزال احد العالمين لحساب الاخر.

لكن ما يعترض على هذه الفكرة هو ان الحقيقة النسبية بالشكل المطروح ليست منكرة في علاقة الاشياء ببعضها، انما الشيء المنكر عندما تتعارض احدى الحقائق النسبية مع مسلمات العقل البديهية، فقوانين العالم الصغير كما تسطرها الفيزياء الجسيمية لا يعترض عليها انها مخالفة لقوانين العالم الكبير، بل يعترض عليها لكونها معارضة لبديهات العقل ومسلماته الاساسية، ولو ان هذا الحال يحصل مع العالم الكبير لكان الاعتراض عليه من هذا الباب. فقوانين السببية تكاد تكون ملغاة في العالم الصغير. وبعض البديهات التي يسلم بها العقل هي ايضاً ملغاة ايضاً، وكأن العالم الصغير هو مرتع للنقائض خلافاً للعالم الكبير.

لكن ما الذي يعنيه بحثنا هذا ازاء اشكالية العلم والفهم؟

لا شك ان ما يعنيه هذا البحث هو ان الفهم حريص على اعطاء الرؤية التي تقرّبنا للحقيقة الموضوعية للنص الديني. لذلك كان الفهم المتناقض غير مقبول، فلا يمكن التعويل على فهم في ناحية، وعلى اخر في ناحية ثانية اذا ما كانا متناقضين تماماً. اما في العلم فكما شهدنا ان ذلك مقبول، ولو على الصعيد المؤقت، بمعنى انه مقبول ما لم تكن هناك طريقة معينة لحل التناقض، وهو امر يفضي الى ان الانساق العلمية ليست بصدد الكشف عن الواقع في اخذها بالنظريات المتناقضة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2469 المصادف: 2013-06-09 03:06:29


Share on Myspace