 دراسات وبحوث

التفسير الكامل لسورة الفاتحة

abdullah al maliki10018تمهيد: من الأسئلة التي تطرح نفسها وتكون محلاً للنقاش تلك التي يكون الشيطان على رأسها وما مدى صحة وجوده، وهل هو حقيقة ملموسة أم أن مرده يكون تابعاً إلى النفس وأوهامها دون التدخلات الخارجية، والحق الذي يبينه القرآن الكريم يثبت أن للشيطان مصاديقاً خارجية تتمثل في الجن والإنس، وهذه الحقيقة لا يمكن حملها على المجاز، وإن كان الأخير قد أخذ النصيب الأكبر من الاطلاقات التوسعية التي ترد إلى الواقع المتأصل في النفس البشرية، ولو لم تكن هذه الحقيقة ظاهرة لما كان للنفس أن تعترف بهذا الخفاء الذي يجعلها تعيش الواقع بغض النظر عن التجرد الذي تترتب على مفهومه عدة مصاديق تحمل في جوانبها مقررات الأبعاد الثنائية الملقاة على عاتق الجن والإنس. ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم***طلعها كأنه رؤوس الشياطين) الصافات 64-65. علماً أن التشبيه لا يمكن أن يصدق إلا على الأشياء الملموسة أو المتعارف عليها، وهذا ظاهر في وجود الملائكة الذي لا يختلف فيه العلماء، بل هو من المسلمات، ولهذا قابل القرآن الكريم حقيقة الشياطين بحقيقة الملائكة في قوله تعالى: (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم) يوسف 31.

 وبما مر يظهر أن الشيطان حقيقة واقعية لها مصاديق لا تتعدى إلى غير الجن والإنس، وقد بين الله تعالى ما يدل على ذلك في قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً) الأنعام 112. وكذا قوله: (من الجنة والناس) الناس 6. أما ما أشار إليه في ذكر شياطين الإنس دون الجن فقد تجده في قوله تعالى: (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون) البقرة 14. ولهذا فإن المصداق الأكبر للشيطان قد تمثل في إبليس الذي هو من سنخ الجن، كما بين تعالى ذلك بقوله: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) الكهف 50.

فإن قيل: ما هو التلازم بين فسق إبليس وبين الجن علماً أن القرآن الكريم قد بين أن في الجن بعضاً من الصالحين كما في قوله تعالى: (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدداً) الجن 11. وكذا قوله: (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً) الجن 14. وقوله تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم) الأحقاف 31. أقول: لم ينسبه تعالى للجن لأنه فسق عن أمر ربه وإنما نسبه لهم لأنهم أصحاب اختيار كما هو الحال في الإنس، وبهذا تظهر النكتة في هذه النسبة.

 

مباحث الاستعاذة:

المبحث الأول: الاستعاذة من الشيطان عند القراءة تجمع في بيانها كل الطرق المؤدية إلى الوسوسة التي تخالج النفس البشرية سواء كان مصدرها شياطين الجن أو الإنس، ولهذا قال تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) النحل 98. أي عند البدء في القراءة يجب أن يكون الإنسان قد تجرد عن جميع أنواع الوسوسة التي تحول بينه وبين استحضار مادة القراءة ولا يراد من الأمر لفظ الاستعاذة وهذا ظاهر في قوله: (فاستعذ) ولو كان المراد اللفظ لقال: (فقل أعوذ) ويشهد لهذا قوله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) الأعراف 201.

المبحث الثاني: معنى الاستعاذة: التحصن في ركن قوي لدفع مكروه، ومنها لغة أخرى هي (اللوذ) واللفظ الثاني قريب من الأول إلا أن دفع المكروه لا يتحقق فيه وإنما يستعمل لطلب محبوب، وقد جمع الشاعر الأمرين في قوله:

يا من ألوذ به فيما أؤمله......ومن أعوذ به مما أحاذره

وقال آخر:

يا من ألوذ به فيما أؤمله......ومن استجير به من كل مكروه

 

المبحث الثالث: اختلف أهل البصرة والكوفة في اشتقاق الشيطان لغة، فذهب أهل الكوفة إلى أن اشتقاقه من (شاط) أي كالشيء الذي يشيط في النار لأنه مخلوق منها، وقال أهل البصرة إنه مشتق من (شطن) أي إذا بعد باعتبار أنه مبعد عن رحمة الله تعالى، ورجح سيبويه المدرسة

البصرية، وحجته أن العرب تقول (تشيطن) لكل من يحمل الصفات الشيطانية، قال ولو صح الأول لقالوا تشيط. فإن قيل: يظهر من آية سورة النحل آنفة الذكر أن الاستعاذة تأتي بعد القراءة، فكيف الجمع في ذلك؟ أقول: عند تقارب الأفعال يحق لك التقديم والتأخير وهذا شائع في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق) هود 71. وكما هو ظاهر فإن البشرى لا يمكن أن تتأخر عن الضحك. وكذا قوله: (ثم دنا فتدلى) النجم 8. وقوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون) الأعراف 4. وأنت خبير بأن الهلاك لا يمكن أن يتقدم على مجيء البأس.

 

الاسم

في حالة حمل مجموعة من الأشخاص نفس الاسم لا يعني أن جميع من ذكر بينهم هذا الاشتراك على نفس الدرجة من الأهمية، فعند امتلاك أحد الناس للعلم أو الجاه بين مجموعة تحمل نفس الاسم المسمى به دون امتلاك المقدرة التي يتصف بها، فههنا قد تسقط المسميات على الرغم من ظهور رمزيتها التي تتلاشى مقابل الأصل الذي تحقق لدى صاحب الاسم الحقيقي بغض النظر عن المشتركات اللفظية بينه وبين المجموعة التي أشرنا لها، ولهذا تجد أصحاب الجاه من الناس يحاولون ايجاد بعض العوائق بينهم وبين من يسمى باسمائهم وإن كان المسمى من نفس العائلة، أما ما تراه متبعاً لدى بعض الناس في امتداد التسمية ما هو إلا تقليد للأصل لئلا يندثر ذكر اسم صاحبه على مر الزمن، دون النظر إلى الاستحقاق اللاحق الذي يكون وريثه قد اتصف به.

من هنا يظهر أن الاسم لا يتعدى إلى أكثر من التشريف المتبع أو المعتاد عليه بين الناس، حتى أخذ هذا النهج طرقاَ أخرى أصبحت كالتقليد المتبع في كثير من الحضارات والمجتمعات التي تضع اسماء الأشراف على بعض الأماكن المهمة وذلك تيمناً ببقاء صاحب الاسم وإن كان غائباً، ولهذا فإن الذي يراد من الاسم لا بد أن يأخذ السمات المبينة للمعنى، دون المعنى الذي يطلق عليه اسماً خارجياً عن الصفة التي يتصف بها، ومن هنا نجد أن الحق تبارك وتعالى يوبخ من يعبد الأصنام بقوله: (أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين) الأعراف 71. أي أن هذه الأسماء لا تحمل مصاديقاً حقيقية إلا في مخيلتكم، وبناءً على هذا كان التوسع في الأسماء لا ينظر إليه من جهة الإضافات المعنوية للمسمى عندما يمتد إلى أكثر من ذلك، حتى تجد أن الأوصاف الفعلية للأشياء لا يشار إلى حقائقها إلا بذكر الأسماء التي تمتلك الجامعية المثلى بين علميتها وما يتطابق منها مع الواقع الخارجي، كما في قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى) النجم 27.

وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) الصف 6. أي: أن صفة الأحمدية هي الصفة الملازمة له، فكان الاسم ناطقاً بالمعنى والعكس هو الصحيح أيضاً، وأقرب شاهداً لهذا المثال قوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً) مريم 7. أي لم نجعل له مثيلاً في الاتجاه الذي سيتخذه أو نوع الحياة التي سوف يحياها، وهذا الوجه هو الأقرب والأمثل لتطابق الاسم مع المسمى ولا يراد من قوله: (لم نجعل له من قبل سمياً) بمعنى شريكاً في الاسم اللفظي، لأن هذا من باب العبث الذي ينزه عنه كلام الحق سبحانه، وما يؤيد ذلك قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً) مريم 65. أي هل تعلم له شريكاً في الربوبية يستحق العبادة، وبهذا يظهر أن الاسم هو العلامة الدالة على المسمى حال اتصافه بتلك الصفة التي تكون تابعة له مبينة لاسمه، كما في قوله تعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) الحجرات 11.

من هنا نعلم أن ابتداء سورة فاتحة الكتاب بـ (اسم الله) يدل على التوجه السليم الذي يرشد الناس إلى الابتداء بـ (اسم الله) وهذا الترتيب يجعل اسم الله تعالى مقدماً في جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان، كالذبح والأكل الذي بينه تعالى بقوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) الأنعام 118. ثم شدد الأمر بقوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الأنعام 121. وكذلك يأمرنا الله تعالى أن نذكر اسمه عند القراءة، كما في قوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) العلق 1. فإن قيل: هل يراد من ذكر اسم الله تعالى اللفظ عند البدء في عمل ما؟ أقول: لا يراد من ذلك اللفظ إلا ما يخرجه الدليل، وانما يراد استحضار التوجه، كما مبين في قوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والأصال ولا تكن من الغافلين) الأعراف 205. ولهذا فإن الخشوع والانقطاع يفضي بالإنسان إلى ذكر الله تعالى في نفسه مما يجعل التوجه يأخذ مجراه الطبيعي المحصن بواسطة الاسم الذي تتفرع عليه مقدمات التزكية، كما في قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى***وذكر اسم ربه فصلى) الأعلى 14-15.

 من هنا يتحصل أن النتائج التي تبدأ مقدماتها بـ (اسم الله) قد أخذت السبل الموصلة إلى بر الأمان، كما يظهر ذلك من قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) هود 41. وأنت خبير بأن هذه المقدمة كانت نتيجتها قوله تعالى: (قيل يا نوح

اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) هود 48. وأقرب مثالاً إلى ذلك ما جرى لملكة سبأ من الكتاب الذي ألقي إليها من سليمان (عليه السلام) حيث كانت مقدماته تشير إلى الابتداء بـ (اسم الله) كما في قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم***إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) النمل 29-30. وكما هو مبين فإن نتائج هذا الابتداء الذي كتبه سليمان جعلت ملكة سبأ تعلن اسلامها مع سليمان لله رب العالمين، كما في قوله تعالى: (قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) النمل 44.

 

لفظ الجلالة.. الرحمن الرحيم

قد يصل الباحثون عند التنقيب عن كنه الأشياء إلى حقيقتها وإن كانت تلك الممارسة تحتاج إلى أبعاد فلسفية جامعة للمدركات التي تؤول إليها حقائق الأشياء سواء كانت ظاهرة أو مرتاب في وجودها الذي لا ينتابه الغموض واللبس، وكذلك لا يحتاج إلى تمزيق الحجب أو الكشف عنها بواسطة علم الكلام أو الفلسفة مثلاً عندما نجعلها وسيطاً بين الأشياء الخافية وبين عللها التي تطغى وتظهر للعيان مبينة الحقائق في وجهها العرضي من ناحية وبين الكاشف لغوامضها من ناحية أخرى، مما يجعل العقول السليمة تدرك آثار المبحوث عنه دون كنه الذات المحيرة.

ولذا قيل: إن لفظ الجلالة (الله) قد اشتق من الوله وهو التحير وإن كان في الاشتقاق نوعاً من التسامح، ولهذا كان العدول إلى الارتفاع أقرب للباحث الذي يجد السير دون الوصول إلى كنه الحقيقة إلا بقدر ما يستدل عليه بواسطة الآثار المشاهدة، مما جعل البعض يظن أن اشتقاقه من أله: أي المكان المرتفع الذي تؤول إليه الأبعاد المعنوية للأشياء غير الظاهرة أو التي يصعب رؤيتها بالعين القاصرة إذا ما أردنا التنازل قليلاً عن ماهية هذه المعارف التي اختلف فيها العلماء كلاً حسب الطريقة التي يراها أقرب للوصول إلى كنه الأشياء دون العلمية التي لا يمكن تفريقها، وهذا الوجه هو المناسب الذي يدل على المعنى البسيط لــ (لفظ الجلالة) الذي لا يقبل التركيب والاختلافات غير المجدية التي اتخذت من الوله والارتفاع نتيجة مجانبة للصواب دون معرفة كنه الذات، التي يمكن اعتبارها اسماً جامعاَ لكل الصفات التي تتفرع على العلمية التي تحمل جميع صفات الكمال الإلهية المتفرعة إلى الجمال والجلال.

أما الأسماء الأخرى فهي تشير إلى جانب من جلال الله تعالى، كالرحيم، العليم، البصير، السلام، المؤمن، المهيمن وغيرها من الأسماء، ولذا نجد أن الحق تبارك وتعالى يجمع هذه الصفات تحت علمية الذات، كما في قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون) الحشر 23. وهذه الصفات لا يمكن أن تقوم مقام لفظ الجلالة الذي عرف به الحق جل شأنه، فقولنا لا إله إلا الرحيم لا يمكن أن يفي بالغرض المطلوب من كلمة التوحيد،فإن قيل:ما فائدة هذه الأسماء التي جعلت كالصفات منسوبة إلى الذات؟ أقول: لا يستطيع الإنسان أن يدرك كنه الذات وإن كان يأخذ أحد الوجوه المحتملة التي يضع لها الشواهد العاجزة عن الادراك، ولهذا فهو يعدل إلى ما يحاكي الفطرة التي فطر عليها أو ما يجده أمامه من مستلزمات مسيرته العامة، فبقدر معرفته للرحمة فإنه يلجأ إلى اسم الرحيم دون معرفة الرحمة الشاملة التي لا يمكن قياسها أو حصرها في اللسان الذي لا يستطيع الافصاح عن كنه تلك الصفات وإن شئت فقل لا يستطيع التعبير عن حقائقها التي جمعت في لفظ الجلالة.

من هنا يظهر أن قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) الأعراف 180. يصور لنا هذه الحقيقة التي دأب الإنسان على التفاعل معها مما يجعله يختصر السبل المؤدية إلى معرفة الله تعالى، وإن كانت تلك المعرفة تقتضي الأخذ بأحد الوجوه اللازمة التي اعتاد الناس عليها، وبهذا نعلم أن لفظ الجلالة لا يمكن اعتباره وصفاً للأسماء الأخرى أما العكس فهو صحيح، وما يدل على علمية لفظ الجلالة هو الاستعمال الشائع قبيل نزول القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: (فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) الأنعام 136. وكذا قوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) الزخرف 87. وقريب منه: العنكبوت 61-63. لقمان 25.

قوله تعالى: الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة التي تعني إرادة الاحسان أو عين الاحسان ولا يمكن التوصل إلى معرفة حقيقة هذه الرحمة إلا من ناحية آثارها المشاهدة،ولا يخفى على ذي لب أن الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم لما في فعلان من المبالغة التي تفوق الصيغة الثانية المتمثلة في فعيل، ومن هنا كان التفريق في نوعية التفسير بين الصفتين من حيث دلالتهما على مراد الله تعالى، أما إذا كان هناك أحد الأسماء الذي يخرج من القاعدة في اختلاف الصيغ فهذا لا يمكن أن يؤثر في بناء القاعدة كما هو الحال في حذر وحاذر.

 

أسباب تقديم الرحمن على الرحيم:

أولاً: قدم الرحمن على الرحيم باعتبار أن الأول يتناول ما عظم من الأموروالثاني يتناول دقائقها.

ثانياً: إن الأول يتناول الرحمة العامة التي تشمل جميع الكائنات والموجودات، أما الثاني فهو خاص بالناس، ويشهد للأول قوله تعالى: (الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً) الفرقان 59. ويشهد للرحيم قوله: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم) الحج 65. وقريب منه: النحل 7-47. الحديد 9.

ثالثاً: استناداً إلى صيغة المبالغة فإن رحمن يلزم منه الدوام كغضبان، والرحيم بمعنى دائم الرحمة لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات الدائمة، بتعبير آخر يمكننا القول إن الرحمن صفة ذاتية تدل على المنشأ والأصالة أما الثانية فإنها تدل على وصول الرحمة إلى المنعم عليه.

رابعاً: الرحمن من الصفات الخاصة بالله تعالى دون أن تتعدى إلى غيره، أما الرحيم فيمكن أن تنسب إلى الله تعالى وإلى غيره، كما في قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) التوبة 128. ولذا قيل: إن الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة. أقول:هذا ما يفهم من أصل الوضع إلا أن ما ذكر في متفرقات القرآن الكريم نجد فيه استثناءً أبعد من الجزء المقرر لمعاني الصفات التي تلحق اسماء الله تعالى، وأنت خبير بأن الرحمة التي خص بها الله تعالى المؤمنين في قوله: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً) الأحزاب 43. لا يراد منها إلا وضعاً خاصاً ولهذا فإن العموم الشامل قد إمتد إلى أكثر من هذا الوصف عندما أشارت الآيات الأخرى إلى عامة الناس والتي مرت عليك خلال البحث.

 

فاتحة الكتاب.. الآية الثانية

افتتح القرآن الكريم من حيث الجمع بعد ذكر اسم الله تعالى بالحمد الذي قُدم ليكون في حصره دلالة على استحقاقه له وحده، وما يفيضه من محامد ما هي إلا من محاسن التبعية المتفرقة في الخلق، ولا يخفى على الإنسان تصورها إلا به تعالى وهو القادر على سلبها متى شاء، ولهذا أتى بقرينة (رب العالمين) ليبين العلة الموجبة لتلقين الإنسان نوعية الحمد ودرجاته التي لا يمكن الوصول إلى أبعادها، ولهذا جمعها في قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) فاتحة الكتاب 2. وهذا الجمع يبين ملامح وصور الكمال الإلهي المتمثل في ربط الوجود بعضه ببعض حتى يصل الإنسان إلى تحليل ما سكن وما تحرك في هذا الكون مما يدلل على أن ما ذكر في الافتتاح لا يمكن أن يكون من فعل المتلقي بل لا بد أن يلقن من قبل رب رحيم، ولهذا كان سياق السورة كالتعليم للعبد على كيفية تنظيم الطريقة التي يلجأ بواسطتها إلى الله تعالى سواء في الأمور العبادية التي لا تستثنى منها السورة أو ما يقارب ذلك من تقلبات المسيرة العامة للإنسان الذي يبدأ أعماله بألفاظ تتناسب ومقام العبودية الشاملة التي تلقاها من السياق التعليمي الذي أنزله الله تعالى وجعله مفتاحاً لكتابه من حيث الترتيب التوقيفي.

من هنا يظهر أن قوله تعالى: (الحمد لله) هو بمنزلة ثناء العبد على الأفعال الاختيارية لله تعالى لكن بتعليم منه جل شأنه، وهذا ما يجعلنا نصل إلى أن الأمر لا يتعدى إلى أكثر من تكرار الوصف المرتب مرة بعد مرة ابتداءً من قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) فاتحة الكتاب 1. الذي سُبق بمحذوف تقديره.. قولوا: (بسم الله......الخ) ثم.. قولوا: (الحمد لله......الآية) وهكذا باعتبار أن المقام العام الذي يصل إليه الإنسان وإن كان متفاوتاً في درجاته يظهر في القصور الذي يجعله لا يرقى إلى الاحاطة بحمد الله تعالى من تلقاء نفسه، باستثناء من خصهم تعالى وجعلهم أقرب إلى معرفته وذكر محامده بالأصالة دون التبعية التي أشرنا لها فتأمل. من هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (سبحان الله عما يصفون***إلا عباد الله المخلصين) الصافات 159-160. أي أن الوصف الذي يطلقه العباد على جلال الله تعالى لا يمكن أن يفي بالغرض الذي يليق به سبحانه، ولهذا أتى بما يقرر الكلام السابق ليبين عدم قدرة الإنسان في وصف محامده باستثناء من وصفهم بـ (المخلصين) من عباده وهذه الحقيقة ظاهرة في متفرقات القرآن الكريم التي تشير إلى هذا المعنى، كما فيقوله تعالى: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء) إبراهيم 39. وقوله: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) فاطر 34. وكذا قوله: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) يونس 10.

وغير ذلك من الآيات التي تجعل الحمد مقروناً بوصف عباد الله الذين أخلصهم واطلعهم على أسرار المعرفة الخاصة التي توحي بأقرب الوجوه الموجبة للحمد الذي لا يصل إليه إلا من ارتضى من عباده المخلصين، كما بين هذا الأمر في قوله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) الأنعام 75. وقوله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) الإسراء 1. وكذا قوله: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) النمل 15. ولما كانت هذه المراحل لا تتأتى إلى عامة الناس عدل القرآن الكريم إلى تلقينهم حمد الله تعالى دون الأصالة الصادرة من المخلصين.

قوله تعالى: (رب العالمين) هو النتيجة المثلى لقوله: (الحمد لله) فكأن مادة التلقين أشارت إلى العلة التي لا يمكن أن يختص بها إلا من كان رباً للعالمين، والرب هو المالك على الأصالة ولا تطلق على غيره إلا بالإضافة كقولنا رب الدار ورب السوق أي مالك الدار ومالك السوق وهكذا، ومصطلح: (عالمين) يعني جمع عالم والعالم ليس له مفرد من جنسه ويعني المركبات التي اجتمعت على صفة واحدة كقولنا عالم الإنسان، عالم الحيوان، عالم النبات، وعالم الجماد إلى غير ذلك، فقوله تعالى: (رب العالمين) يعني رب هذه المجموعات، والرب مشتق من التربية، كما في قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) النساء 23. أي أنتم من يقوم بتربيتهن، ولهذا يظهر في المصطلح أن الله تعالى هو المربي والمالك.

قوله تعالى: (العالمين) يتفرع حسب متفرقات القرآن الكريم إلى اتجاهات مختلفة يجمعها رابط واحد منها:

 أولاً: أهل كل زمان، ويشهد لهذا قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين) الشعراء 165.

ثانياً: الجن والإنس، كما في قوله: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) الفرقان 1.

ثالثاً: عامة الناس، كما في قوله: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) آل عمران 42.

والنتيجة الجامعة لمعنى (رب العالمين) يصورها القرآن الكريم في اللقاء الذي جمع موسى وفرعون عندما أراد الثاني تعريفاً لمعنى رب العالمين، كما في قوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين) الشعراء 23. فأجابه موسى، كما في قوله تعالى: (قال ربالسماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) الشعراء 24. فما كان من فرعون إلا أن ينظر لمن حوله تهكماً بموسى ليدعوهم إلى الاستماع المبطن بشد الانتباه، كما في قوله: (قال لمن حوله ألا تستمعون) الشعراء 25. فأجابه موسى بقوله: (قال ربكم ورب آبائكم الأولين) الشعراء 26. ثم بعد ذلك وصف فرعون موسى بالجنون، كما في قوله تعالى: (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) الشعراء 27. وأخيراً ختم موسى الإجابة بقوله: (قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) الشعراء 28. والطباق ظاهرة في (لمجنون) و (تعقلون).. وبهذا السياق دخلت جميع الأشياء التي ذكرها موسى (عليه السلام) في معنى رب العالمين.

 

الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين

تكرار الرحمن الرحيم في سورة فاتحة الكتاب يأخذ الانعطاف المتجدد لتقرير ملامح المقدمة الكبرى بين الإبهام والتصريح الذي تظهر نتائجه في الخاتمة المبينة للحدود والأطر التي ترسم معالم الرحمة على ما يتم بيانه في الصغرى، وعلى هذا التقدير فإن الأولى تشمل جميع الخلق وصولاً إلى الرحمة الثابتة التي انتقل فيها الحق سبحانه إلى تلقين عباده بالحمد الذي لا يخرج عن سعة اختصاصه الظاهر في تكرار الرحمن الرحيم.

ومن هنا كان استمرار هذا التلقين آخذاً بالترقي في درجات مختلفة بين الحمد لله رب العالمين وبين ملكه تعالى ليوم الدين، ولهذا كان بيان الموازنة الشاملة قد امتد إلى المنحى المفترض الذي يجعل العبد على يقين جامع بين الرحمة المفاضة من الطرق المعاشية إلى مالكية يوم الدين الواقع سلفاً في مخيلة الإنسان والذي يجعله على أمل ورجاء من جهة وخوف ورهبة من جهة أخرى. ومما مر يتبين أن قوله تعالى: (الرحمن الرحيم) في الآيتين الأولى والثالثة من فاتحة الكتاب قد أصبح كالأمان في الموقعين لا أن الثاني يشير إلى الرهبة المتفرقة في سياق السورة وهذا باب مفيد يحتاج إلى تأمل.

 

تفريق الكلمات:

 المالك: لا نريد الخوض في قراءة ملك ومالك لأن هذا يخرجنا عن روح البحث، إلا أن الجامع الحقيقي يظهر في المقلوبات المبينة لمعنى المالكية الدال على القوة باعتبار أن المصطلحين من سنخ واحد مشتق من الكلمة، ولهذا نجد أن القوة ظاهرة في معنى المَلك والمالك والمُلك وكذلك في الكلم الذي هو موضع الجرح واللكم الذي يعني الضرب، وهذه كلها مصادر للقوة وصولاً إلى الكامل الذي هو بطبيعة الحال أقوى من الناقص، وما يدل على وجود القوة في الكلمة يظهر جلياً في قوله تعالى: (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) النساء 171. من هنا نعلم أن المالك هو المتصرف في وجود الأشياء الجامع بين ملكيتها وبين القدرة عليها، وإذا كان اللفظ يتعلق في رب العزة فهنا لا بد من جعل المعنى يتفرع على المالكية الفعلية التي تتحكم بكل ما هو عائد إليه جل شأنه باعتبار أنه المالك لكل شيء على الحقيقة دون الملك الاعتباري سواء في يوم الدين أو في غيره من الأيام كما سيمر عليك.

اليوم: لليوم في القرآن الكريم عدة معاني يجمعها رابط الظرف وتبينها القرائن، وقد يطلق اليوم على القطعة من الزمن وكذلك يطلق على الحدث الجلل الذي لا يفارق صفحات التأريخ، كما في الوقائع والحروب التي لا تفقدها الذاكرة، وقد بين القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) يونس 102. وكذا قوله: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) آل عمران 140. وقد تنسب الوقائع المهمة إلى فاعلها كما في قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) إبراهيم 5.

الدين: سمي يوم القيامة بـ (يوم الدين) لتضمنه معنى الجزاء، كما في قولهتعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) غافر 17. وكذا قوله: (هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق) يونس 30. وقد عظم الله تعالى شأن هذا اليوم بقوله: (إن الأبرار لفي نعيم***وإن الفجار لفي جحيم***يصلونها يوم الدين***وما هم عنها بغائبين***وما أدراك ما يوم الدين***ثم ما أدراك ما يوم الدين***يوم لا تملك

نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله) الانفطار 13-19.

 

الكلمات مجتمعة:

 قوله تعالى: مالك يوم الدين:الغرض من هذا التعبير هو التقريب إلى الأذهان أما الحقيقة التي عند الله تعالى لا يمكن إدراكها أو تصويرها بالكلمات القاصرة حيث أن المالكية المطلقة لا يحدها زمان أو مكان ولذا كان التعبير بعدد الأيام التي يعرضها القرآن الكريم يختلف باختلاف الوقائع والمناسبات، كما في قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) الحج 47. وكذا قوله: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) المعارج 4. ويظهر في الآيتين اختلاف عدد الأيام المتعلقة بالأحداث ومجرياتها تبعاً لنوعية الجزاء ومقدار العمل والتكليف الذي تتوسط الملائكة بفعله، وما يفسر هذا الاختلاف يمكن تأمله في قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً) الكهف 25. وهذا الإبهام قد بينهتعالى بقوله: (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً) الكهف 26.

من هنا نعلم أن مدى قدرة الإنسان على الإحاطة بـ (يوم الدين) تكون أقرب للنسبية قياساً إلى علم الله تعالى، وطريقة الحساب والمراحل التي تمر بها الخلائق وصولاً إلى التقسيم النهائي، وبناءً على ما تقدم يظهر فساد من قال إن الله تعالى قد خصص مالكيته ليوم الدين لأن في الدنيا يوجد من ينازعه في الملك كفرعون ونمروذ وغيرهما، أما في الآخرة فلا ينازعه أحد، وفساد هذا الوجه ظاهر في تقلب الأحوال الأرضية وعدم استقلالها وأنت خبير من أن الله تعالى هو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء،ويشهد لهذا قوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) آل عمران 26. ومن مصاديق هذه الآية قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك) البقرة 258. وكذا قوله: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) يوسف 76. وهذا يدل على أن التأثير المباشر لا يمكن أن يستقل به الإنسان ما لم يخضع للقوانين والسنن الإلهية التي تتحكم في مصالح الناس نظراً للطاعة أو العصيان، وهذا ما بينه تعالى بقوله: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله...

إلى قوله:ونحن أحق بالملك منه) البقرة 246-247. ثم بين تعالى العلة من اختيار الملك بقوله: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) البقرة 247. وما ورد في الآيتين يبين أن إيتاء الملك خاضع لأسباب وسنن لا يعلمها إلا الله تعالى والسياق خير شاهد على ذلك، وفي متابعة هذه القصة تظهر حقائق أخرى تشير إلى المعنى المكمل لهذه السنن، كما في قوله تعالى: (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) البقرة 251. وهذا النهج يبين أن الأنبياء لم يخرجوا عن هذه السنن، ومن هنا كان قتل جالوت نتيجة لإيتاء داود الملك والحكمة والعلم، وبهذا السياق يظهر أن الجهة منفكة بينقوله تعالى: (مالك يوم الدين) فاتحة الكتاب 4. وبين الملك الأرضي الذي يهبه الله تعالى لمن يشاء مع النظر إلى القوانين والسنن التي أوجدها الحق سبحانه، والمترتبة على صلاح الإنسان أو فساده.

 

إياك نعبد وإياك نستعين

الفهم الطولي لحقيقة الخلق لا يضع الأمور في نصابها وذلك بسبب التركيبة التي دأب الناس عليها لا سيما أولئك الذين جعلوا أنفسهم في عداد المشار إليهم لتصدرهم المحافل التي لا تخضع للأسس السليمة التي تمكن أصحاب الحل والعقد من التوصل إلى علة الأشياء والواقع الذي تؤول إليه، ولهذا انتشرت الأخطاء التي تبين أن أصل العبادة يمكن أن ينتهي إلى علته الحقيقية والمتمثلة في واجب الوجود جل شأنه بما يضمن النهج والمصالح دون النظر إلى مقدمات أحداثها. وعلى الرغم من تحسين هذا السبيل في نفسه إلا أنه يجعل أمر التصديق به لا يتعدى إلى أكثر من الأوجه الشكلية التي بني عليها الدين من وجهة نظر الباحث الذي لا يرقى إلى الدخول العرضي المراد من العلل وفوائدها وصولاً إلى منتهاها الذي يحدد المنافع التي تصل إلى العبد دون الخالق سبحانه.

 وعند التزام هذا الطرح يظهر أن قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56. لا يوحي بأن علة الخلق تترتب على العبادة بمفهومها العرفي وإنمايبين أن العدول من هذا النهج يمكن أن يرد إلى العباد ايجاباً لا سلباً، وذلك إذا أخذنا مجانبة أقوال من جعل علة العبادة هو الخالق سبحانه دون عباده، وعند التسليم بصحة ما ذهبوا إليه فإن الحياة سوف تعتمد الصوامع والبيع والصلوات والمساجد دون أن تسير الحياة وتصل إلى ما وصلت إليه، وأنت خبير بأن هذا هو منطق أرباب الدين الذين لا يفقهون سوى الشعارات التي لا تفرق بين العبادة الحقيقية وبين العبادة الصورية التي اتخذت كمهنة لمن لا مهنة له.

 ولو كان هذا النهج صحيحاً كما يظن هؤلاء لجعله الله تعالى سبيلاً إلى طاعته، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، والقرآن الكريم يؤكد الوجه الذي نريد اثباته ههنا، ويمكن استظهار هذا النهج من نهيه تعالى لنبيه "صلى الله عليه وسلم" من عدم مجاهدة المشركين حسب الطرق المألوفة لدى الناس آنذاك والتي ترد نتائجها إلى قهر الأجساد دون الأفكار التي تحتاج إلى تصحيح يزيل ما تعلق بها، ولهذا خاطبه سبحانه بقوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين***إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) الشعراء 3-4. وكذا قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) الكهف 6. وقوله: (فذكر إنما أنت مذكر***لست عليهم بمصيطر***إلا من تولى وكفر***فيعذبه الله العذاب الأكبر***إن إلينا إيابهم***ثم إن علينا حسابهم) الغاشية 21-26.

 ونهجنا ظاهر في الاستثناء المنقطع الذي انتقل به القرآن الكريم من النبي "صلى الله عليه وسلم" إلى الحق سبحانه. وقد تبين من اجتماع الآيات أن الله تعالى لم يقهر الناس على عبادته بل جعل الأمر لا يتعدى إلى أكثر من التكليف الذي ترد منافعه إلى الإنسان نفسه، وبهذا يظهر الفرق بين العاصي الذي يجعل الحياة أشبه بهشيم المحتظر، وبين المطيع الذي يسعى إلى خلق مجتمع فاضل تبنى قوائمه على الأسس الصحيحة.

فإن قيل: هناك مجتمعات كثيرة قد وصلت إلى ما وصلت إليه من الحضارة دون الأخذ بأسباب العبادة العرضية التي بينتها؟أقول:الأخذ بأسباب الحياة قد يجعل المجتمعات تصل إلى تحقيق ما تريد دون النهج المثالي الذي سوف يؤتيه الله تعالى إلى عباده المخلصين عند الاستخلاف في الأرض كما قال: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) النور 55. وقوله تعالى: (يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) هو المصداق الأمثل لقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فاتحة الكتاب 5. وتقديم المفعول في الآية يفيد الحصر أي أن العبادة لا يمكن أن تكون إلا لله سبحانه وتكرار المفعول في الاستعانة يُظهر التتابع اللازم في أخذ العون منه تعالى، باعتبار أن التلقين في السورة قد انتقل من الغيبة إلى الخطاب لأن مقام العبودية يحتاج إلى المواجهة الفعلية بين العبد وربه، فبعد تعليمه حمد الله وربوبيته للعالمين ورحمته بفرعيها وملكه ليوم الدين ونفاد ملك غيره المبين على سبيل الغيبة، انتقل إلى الخطاب الذي يختص بالتوجه الحقيقي إليه جل شأنه.

 ويطلق على هذا الانتقال "الالتفات" في علم البيان، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهورا) الإنسان 21. ثم التفت إليهم في قوله: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً) الإنسان 22. وسبب الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ظاهر في استحقاقهم لهذا الجزاء، وقد نجد العكس من هذا في قوله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك... "ثم انتقل من الخطاب إلى الغيبة" في قوله... وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) يونس 22. والسبب في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ظاهر في عدم استحقاقهم الكلام المباشر الذي ورد في سياق العموم وهذا كثير في القرآن الكريم.

 من هنا نعلم أن سياق آية البحث قد جعل العبد بين يدي الله تعالى من دون مانع يحول بينه وبين أخذ العون منه جل شأنه، وبهذا تظهر النكتة في ضمير الجمع المشار إليه في "نعبد" وفي "نستعين" وذلك لتعليم الناس اعتماد الحياة الجمعية سواء في العبادة أو في غيرها، ويمكن أن نجد هذا المعنى في كثير من الآيات، كقوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) الملك 15. وكذا قوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) التوبة 105.

 

اهدنا الصراط المستقيم

بعد أن بين الله تعالى في الآيات الأولى من سورة فاتحة الكتاب كيفية التلقين المتضمن ذكر الحمد الخاص به وتسليم الأمر له جل شأنه في ملكه ليوم الدين وارجاع أمر العبادة والاستعانة إليه دون غيره، انتقل سبحانه إلى تبيان نوعية الهداية التي جمعت الطرق المتفرقة في "الصراط المستقيم" فقال: (اهدنا الصراط المستقيم) فاتحة الكتاب 6. وكأن هذه المرحلة هي التي وجد الإنسان من خلالها طريقه للعبادة التي استعان بالله تعالى على تأديتها للوصول إلى البغية الحقيقية والمستقر النهائي على وجه التحديد.

وتقسم الهداية في القرآن الكريم إلى قسمين أساسيين أما باقي فروع الهداية الثانوية فقد ترد جميعها إلى هذين القسمين،ويطلق على القسم الأول "الهداية التكوينية"وتعني الايصال إلى المبتغى دون اراءة الطريق المؤدي إليه، وذلك لعدم تدخل المخلوقات في هذه الهداية التي هي خارجة بالفعل عن الاختيار ويشهد لهذا النوع من الهداية قوله تعالى: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) طه 50. أي أن الله تعالى جعل في المخلوقات قابلية السير والوصول إلى المبتغى التكويني دون اختيارها، وذلك بتركيب الاستعداد الفطري فيها والذي يعتمد على قوى تلك المخلوقات وسيرها إلى الكمال المخصص لبقاء نوعها وحركته في الكون تبعاً إلى ما يتناسب والمهمة التي خلقت من أجلها، وهذا ما جعل القرآن يقدم اعطاء كل شيء خلقه على الهدى، ومن هنا يظهر صدق البيان في جعل ارتباط المشيئة التكوينية التي يشكل معناها على كثير من الناس عند مقابلتها بالوازم الارادية التي تفترق عنها في الاختيار المصنف ضمن النوع الثاني من الهداية فتأمل وستجد الفرق.

القسم الثاني من الهداية يطلق عليه "الهداية التشريعية"وتبنى لوازم هذه الهداية على اراءة الطريق بفعل فاعل مما يجعل التحكم بها خاضعاً للاختيار الذي بموجبه يقرر الإنسان مدى الرفض أو القبول، ويشهد لها قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين) البقرة 2. وكذا قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) الرعد 7. وهذا يدل على أن ما يقوم به الهداة ما هو إلا تفرع على إنذار النبي "صلى الله عليه وسلم" ومن مصاديقه قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر 7. وقوله: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى 52. فإن قيل ما وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص 56. أقول: المراد في هذه الآية هو قبول الهداية وهذا بطبيعة الحال لا يدخل في اراءة الطريق وإنما يترتب عليه شأن القابل دون الفاعل وبالتالي يكون مرد النتائج إلى الله تعالى جزاءً وليس ابتداءً.

من هنا يظهر أن قوله تعالى "اهدنا الصراط المستقيم" هو بمثابة التحصن بالله تعالى نتيجة الفيض المتخذ من ذكر الحمد وصولاً إلى الدعاء في طلب العون على العبادة الخالصة له وحده دون غيره، ثم انتقل تعالى بعد ذلك إلى تلقين العبد كيفية طلب الهداية المتضمنة للتوجه السليم المشار إليه في قوله: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) آل عمران 101. وفي حالة جمع متفرقات القرآن الكريم التي تشير إلى هذا المعنى نجد أن مفهوم الصراط يرد إلى الدين وإن اختلفت مصاديقه، وهذا ما يبينه الفرق بين اتباع الشيطان وبين سلوك طريق الحق الذي أشار له تعالى بقوله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين***وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس 60-61. وبناءً على ما تقدم يظهر أن الصراط هو دين الله تعالى الذي بينه على لسان رسله، والذي يدعو من خلاله إلى توحيده جل شأنه كما في قوله: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) الأنعام 161. وهذا النهج يبنى على استمرار الاستقامة دون العدول عنها، وبهذا نصل إلى أن سبب تأكيد الصراط بـ (المستقيم) يعني طلب العبد للاستمرار في الاستقامة، وذلك لأن مصطلح الصراط يتضمن الاستقامة في نفسه، كما قال الشاعر:

شحنا أرضهم بالخيل حتى .. تركناهم أذل من الصراط

أي تركناهم أذل من الطريق المعبد الذي يصل بسالكيه إلى مبتغاهم. فإن قيل: ما هو الغرض من طلب الهداية لا سيما في سورة فاتحة الكتاب التي تكرر في كل صلاة إذا علمنا أن الإنسان قد اهتدى مسبقاً؟ أقول: استمرار طلب الهداية اشبه بالاغتسال الذي يسبق الأمور العبادية وأنت خبير من أن طلب الهدى يؤدي إلى استقراره في نفس الإنسان الصالح، كما في قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم) القتال 17. أما الزيغ عن طريق الحق سبحانه فإنه يجعل القلب لا يتقبل الحقائق الإيمانية، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) الصف 5. من هنا يتضح أن الهداية التي يستمدها الإنسان مباشرة من الله تعالى لا يمكن استمرارها إلا بمتابعة طلبها قولاً وعملاً، ولهذا نجد الاشارة في متفرقات القرآن الكريم تبين هذا الأمر وتجليه على حقيقته التي حرفها البعض إلى اتباع السبل الجائرة، وقد ذكر تعالى هذه الحقيقة بقوله: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فاخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون) فصلت 17.

 فإن قيل: هل يمكن أن نفهم من آية البحث أن الصراط هو أحد الطرق الحسية التي تظهر في الآخرة؟ أقول: الاستعمالات الحسية كثيرة في القرآن الكريم لأنها السبيل الوحيد في تقريب المعاني إلى الأذهان باعتبار أن اللغة هي الوسيلة الأقرب لتبيان الطرق المعنوية إذا ما قرناها بالطرق الحسية المألوفة لدينا وهذا نهج واسع في كتاب الله تعالى، حيث نجد انتشار الصور التي ترمز إلى السقوط من الأعلى إلى الأسفل، وفتح أبواب السماء والانحراف عن سواء السبيل والصعود إلى الأعلى وما إلى ذلك من الاشارات التي يتفهمها الإنسان من خلال المناظر التي دأب على مشاهدتها، وأصبحت راسخة في ذهنه، فعند مشاهدة الأشياء الساقطة على الأرض من الأعلى فإن هذا المنظر يرشد إلى الواقع الخاسر الذي يكرر أمام أعين الناس في كل وقت، ولهذا أشار تعالى إلى الخسران المعنوي بقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) طه 81. وعند التأمل أكثر نجد أن القرآن الكريم يصور السماء بأنها ذات أبواب لا يمكن فتحها للذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها، كما في قوله: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين) الأعراف 40.

وفي موضع آخر نشاهد صورة أخرى لوسط الطريق الذي ضل عنه من يتبدل الكفر بالإيمان، وذلك في قوله تعالى: (ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة 108. أما الطرق الصحيحة التي تؤدي إلى الصراط المستقيم فقد أشار لها تعالى بالارتفاع والصعود، كما في قوله: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) فاطر 10. وكذا قوله: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة 11. وقد جمع الحق سبحانه هذه الوجوه التي تصور تعدد السبل الصحيحة التي تنتهي إلى صراطه المستقيم، وذلك في قوله: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين***يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) المائدة 15-16.

 

فاتحة الكتاب.. الآية الأخيرة

ربما يُحدث الاعتماد على المصادر غير المسؤولة تشويهاً لكتاب الله تعالى، لذلك فإن النأي بالقرآن الكريم عن المناهج الهدامة يدعونا أن نجدد كثيراً من التراكمات السلبية التي يريد البعض أن يجعلها جزءاً من القرآن، وبالتالي يصبح تنزيههم لدين الله تعالى قد أخذ طابع التشويه، فضلاً عن اخراج الناس من الدين فضلاً عن خلق أعداء لهذا الدين، إضافة إلى جعل جميع الطرق مفتوحة للنيل من اتباع الشرائع السماوية على اختلاف مناهجها. ونحن بهذا الطرح لا نريد أن نسجل هذا الأمر على المصادر التي لا تلتقي مع كتاب الله تعالى، وإنما نريد أن نجعل القرآن الكريم هو المصدر الذي يمكن أن نعتمد عليه كلياً في اظهار الحقائق، دون أن نغفل حق المفسرين الذين اتخذوا هذا النهج إماماً لهم حسب استنباطهم وما يتوافق مع مراد الله تعالى، وهذا هو العنوان الأسلم في الأخذ بثوابت التفسير التي اتفق عليها كثير من الأعلام كلاً حسب الطريقة التي يرتضيها وما يظهر له من أدلة تجعل القرآن الكريم هو الشاهد على صدقها.

 من بعد هذه المقدمة يمكننا القول إن الاعتقاد الملازم لعامة الناس والمتمثل في نسبة الجزء الثاني من الآية الأخيرة في سورة فاتحة الكتاب إلى اليهود والنصارى لا يعد إلا ترجيحاً من دون مرجح، وذلك لأن القرآن الكريم لا يمكن أن يلقي الكلام على هذا الوجه إذا كان المشار إليهم ممن التزم شرع الله تعالى الذي أرسل به الأنبياء، فليس من الحق أن نقول إن الله تعالى قد خص هؤلاء بالغضب والضلال دون غيرهم، باعتبار أن التسليم بأخذ النسبة الخاطئة يجعل هذا الأمر متداولاً بين الناس على خلاف المراد من مفهوم النص مما يولّد الكراهية والحقد بين أبناء البشرية لا سيما في هذا الزمن الذي أصبح فيه العالم على مقربة من بعضه. وبطبيعة الحال إذا كانت هناك مجموعة من اليهود أو النصارى قد غضب الله عليهم، فلا بد أن يكون من المسلمين من هو داخل في هذا الغضب إذا كان نهجه مطابقاً لنهجهم، من هنا نفهم أن المصادر القديمة التي تطرقت إلى هذا النوع من التحليل، يجب أن لا ينظر إليها لأنها بعيدة كل البعد عن مراد الله تعالى، وتناقضها ظاهر مع مفهوم الآيات التي تعطي لكل ذي حق حقه، شريطة أن يكون اتباع تلك الشرائع قد ساروا على نهج الله تعالى الذي أنزله على لسان رسله، وهذا ما ينطبق على المسلمين أيضاً، وقد أثنى الله تعالى على جميع أصحاب الشرائع ووصفهم بأبلغ الأوصاف كما في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 62. وقريب منه المائدة 69. وهذا يدل على أن الله تعالى لا ينظر إلى الأسماء والأوصاف وإنما الأصل في ذلك يرد إلى الإيمان به جل شأنه وإلى الإيمان باليوم الآخر، إضافة إلى العمل الصالح الذي يعد علة الأشياء المقررة في الوصف، وما يثبت أن الأسماء والأوصاف لا تقرر قبول العمل عنده تعالى هو ما ذكره من محاسن الأنبياء في قوله: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم) الأنعام 83. ثم ذكر مجموعة من الأنبياء بأحسن الأوصاف والثناء وفي الختام قال سبحانه: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) الأنعام 88.

 وبالإضافة إلى هذا فقد أثنى القرآن الكريم على أهل الكتاب بأبلغ الأوصاف، كما في قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) الأعراف 159. وكذا قوله: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) آل عمران 199. وقوله: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون***يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) آل عمران 113-114. وفي مقابل هذه الآيات هناك آيات تذم المسلمين الذين ضلوا عن طريق الله تعالى ويغنينا عن ذكرها تفرقها وانتشارها في القرآن الكريم وبطرق مختلفة أهمها النفاق وظن السوء وأكل مال اليتيم و التعامل بالربا وغيرها من المحرمات، إذاً لا فضل لأحد على أحد إلا باتباع طريق الحق سبحانه، دون النظر إلى العناوين مع مراعاة التسليم لله تعالى، من هنا يظهر أن الآيات التي تتحدث عن غضبه تعالى لا تختص بقوم دون قوم وإنما بفئة من نفس القوم فتأمل. وهذا ظاهر في قوله: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) البقرة 61. وقريب منه آل عمران 112.

والحقيقة أن الذين قتلوا الأنبياء هم فئة من اليهود، وكذا قوله: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل) المائدة 60. والتبعيض ظاهر في قوله "وجعل منهم" وقوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) الأعراف 152.

 وما يتناسب وهذا الطرح هناك بعض الآيات التي أشارت إلى غضب الله تعالى على المؤمنين أنفسهم، كما في قوله: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) الأنفال 16. وكذا قوله: (والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) النور 9. وهناك آيات أخرى تشير إلى هذا الجانب، وهذا هو كتاب الله تعالى، لم نأت بكلام من عند أنفسنا إنما جعلنا القرآن يظهر الحق، فهل بعد هذا البيان يمكننا أن نطمئن إلى المصادر التي أراد أصحابها تنزيه الإسلام وفي نفس الوقت قد أحدث هذا التنزيه تشويهاً. وعلى من يريد البحث في موضوع كهذا عليه أن يجعل كتاب الله تعالى هو الحاكم على ما يقول وليتذكر قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) الجاثية 29. فإن قيل: لم كرر الصراط عند الانتقال من الآية السادسة إلى آية البحث؟ أقول عندما تحدث القرآن الكريم عن الصراط، فههنا كأن الاطناب قد أثار التساؤل في نفس المتلقي، بتعبير آخر كأنه يقول أي صراط هذا الذي يكون بهذه الاستقامة، فعند ذلك تلقى الاجابة بأن الله تعالى قد لقن العبد أن يخاطبه بقوله: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فاتحة الكتاب 7. وهذا كثير في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة 55. فتكرار الذين يحسب على نفس القاعدة، وكذا قوله: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب***أسباب السماوات فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً) غافر 36-37. فإن قيل: لم أضاف الصراط للذين أنعم الله عليهم وحذفه من المغضوب عليهم ومن الضالين علماً أن السياق يدلل عليه؟ أقول: عند سلب الأشياء الحسنة من الذين لا يستحقونها يكون ذكرها من الاسهاب.

 فإن قيل: لمَ لم يقل غضبت عليهم أو أضللتهم مقابل "أنعمت عليهم" علماً أن السياق يقتضي ذلك؟ أقول: العدول عن هذه المقابلة هو من الأدب الذي دأب عليه القرآن الكريم في التعامل مع مواقف كهذه لا سيما أن سورة فاتحة الكتاب تعد من أهم السور التي تؤدى في الصلاة، وهذه القاعدة قد نجدها في كثير من الآيات، كقوله تعالى: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم***وأن عذابي هو العذاب الأليم) الحجر 49-50. ولم يقل إني أنا المعذب المؤلم، وكذا قوله: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً) الأعراف 44. ومقتضى حال الكلام يجب أن يكون فهل وجدتم ما وعدكم مقابلة بقوله "ما وعدنا" وهذا الاختلاف في التعبير فيه فائدة عظيمة للسير على ما يقتضيه السياق القرآني في التعبير، وفي موضع آخر نجد كيف أن الجن قد نسبوا الرَشد إلى الله تعالى دون الشر الذي نسبوه إلى مجهول، وذلك في قوله: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً) الجن 10. وكذلك نجد تعامل القرآن الكريم مع النبي "صلى الله عليه وسلم" في قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين) القصص 44. وظاهر المقابلة إذا كانت بغير القرآن يجب أن تكون وما كنت بجانب شاطئ الوادي الأيمن باعتبار أن هذا المكان هو الذي كلم فيه تعالى موسى "عليه السلام" كما في قوله: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) القصص 30. وهذا السياق يدل على أن "شاطئ الواد الأيمن" لا يراد منه الجهة وإنما اليمن والبركة وإن كانت الجهة تابعة لهذا الاصطلاح، ولهذا فإن القرآن الكريم لم يشر أدباً إلى عدم وجود النبي "صلى الله عليه وسلم" بجانب اليمن والبركة فتأمل ذلك. فإن قيل: من هم الذين أنعم الله عليهم؟ أقول: الذين أنعم الله تعالى عليهم هم الذين ذكرهم في قوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) النساء 69.

 

* من كتابنا: القادم على غير مثال

 

   عبدالله بدر اسكندر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ما معنى اساور ومن اي فعل شتق

حنين
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2538 المصادف: 2013-08-17 03:10:18