 دراسات وبحوث

الأخلاق التطبيقية في القرآن

raheem alsaidiينطوي مفهوم الأخلاق التطبيقية على فهم معاصر متجدد ومتحرك يحمل العديد من التصورات، فهو يتعاطى مع الجانب العملي المعاصر للقضايا الأخلاقية أو ينظر لما بعد الأخلاقيات المعاصرة مبتعدا عن قراءة الأخلاقيات الكلاسيكية.

وبشكل عام فالأخلاق التطبيقية التي ظهرت أواخر الستينات من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، أرادت التنظير في الجنب الأخلاقي من بوابة التصورات الحديثة المتحركة لا الثابتة القديمة التي تتوزع في مجالات السعادة والفضيلة واللذة والخير ....الخ بل تعلق الأمر هنا بالتنظير في المسائل الطارئة المستغرقة في المعاصرة والتكنولوجيا والتطور .

وتبرز الأخلاقيات التطبيقية في الطب والبيئة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والفضاء، وإذا كثفنا تصوراتنا فالقضية تتعلق بالارتباطات أو الأسئلة أو التظيرات التي تتعلق بهذه الأخلاقيات المذكورة وأيضا أهم المشاكل والحاجات الإنسانية المواكبة لهذه التصنيفات .

ومن الغريب إن أهم مؤلف إسلامي كتب في الأخلاق التطبيقية إنما ينتمي للفقه الإسلامي وهو فقه الموضوعات الحديثة للمفكر العراقي محمد صادق الصدر وربما أمكننا التحدث عنه في مناسبة أخرى، وأهميته تكمن في ان تلك الآراء مشتقة من القرآن،والكتاب يمثل بابا واسعا من تنظيرات الفكر البواتيقي، ومن مواضيعه الإشارة إلى ان الرق مانع للإرث، أيضا التعامل مع الإرث عند تبديل جنس الإنسان، اعتبار ما في الكواكب من أموال منقولة وغير منقولة أو مأكولة من المباحات العمامة، إمكان الزواج بين البشر والمخلوقات العاقلة، وحديث مطول عن الإنجاب بالواسطة وعن فقه الكيمياء والاقتصاد والفضاء وغيره .

ويمكنني القول ان ذلك الكتاب يمثل ما بعد الحداثة الفقهية إذا ما أخذنا بالاعتبار ان مفهوم الأخلاق التطبيقية يمثل ما يمكننا وصفه بـ (فقه الفلسفة) فهو ينحو نحو مناقشة الجزئيات التي لها تماس وتداخل بحياة الأفراد سيما البدني منها .

فأخلاقيات الطب والأحياء مثلا أو كما يوصف بالبيوإتيقية، تعمل على توظيف وتحليل وتفسير ومقارنة وتأويل وافتراض العديد من الأسئلة المتعلقة بذات الجانب فالجينات الوراثية والقتل الرحيم وأبحاث الخلايا الجذعية وتأجير الأرحام والحيامن والهندسة الوراثية والاستنساخ البشري وغيرها من الأفكار تعد المادة الأساسية في الأخلاق التطبيقية في المجال البيوتيقي ، وهكذا يمكن القياس على الجوانب الأخرى في القانون والبيئة والتكنولوجيا والأعلام والاقتصاد وسواه .

ونلاحظ هنا مع إني لست في دائرة نقد الأخلاق التطبيقية لأنها تمثل في الحقيقة مواكبة صحيحة للفكر الأخلاقي إذا تم التعامل مع هذه الأفكار وفق تحليل ينم عن فهم واقعي شامل وصحيح، نلاحظ ان الأخلاق التطبيقية تمثل :

1. ما يشبه حالة الهروب من الكلاسيكيات الأخلاقية الكلية إلى تصنيع الأخلاقيات الجزئية

2. انها تمتهن التخصص أو توفير الاختصاص تمهيدا لإلباسه لباس الأخلاق .

3. في القضية ما يشبه التوجيه، فليست العبرة بالجانب الأخلاقي بقدر ما يتعلق بتوفير الأسس والقوانين الأخلاقية التي تصب في مصلحة الأبحاث العلمية المعاصرة أو في مصلحة الفئات الاجتماعية . وذلك يعني تطويع القوانين الأخلاقية من اجل المنفعة والعلم .

4. أيضا انا اعتقد بان في الأخلاق التطبيقية مسحة من الذاتية فبالإضافة إلى اعتمادها على العلوم الحديثة في الفهم والتنظير فهي تتعاطى مع النفع الإنساني أو المشكلة الإنسانية الواقعية التطبيقية والتي لها وجود راهني  بشكل خاص  أو تنظر لتلك المشكلة الراهنة وذلك يمثل ذاتية مماسة للذات الإنسانية .

ولكن هل يمكننا القول بان القرآن الذي يتحدث عن الجانب الأخلاقي بصورة كلية (فضلا عن الأسلوب الذي يعرف به القرآن وهو الحديث في الكليات لا التفاصيل)، هل تحدث عن أخلاقيات تطبيقية؟

ان التحليل العام للنصوص القرآنية  يشير إلى تنوع في جانب الأخلاق التطبيقية، ويمكن إيراد بعض الملاحظات التي تتعلق بالأخلاق التطبيقية في القرآن:

1. يمكن وصف القرآن من الجانب الظاهري بأنه فكر يتعامل مع الأخلاقيات التطبيقية وغير التطبيقية اما في جانبه الآخر الباطني أو الأساسي فهو فكر يتناول الأسس الأخلاقية العامة . وهذا ما نلمح حضوره في توجيه النص القرآني وإرشاده لأفكار مثل توجيهات للعلاقات بين الأفراد والتعامل مع الغير ومع الذات أو البيئة والنهي عن تدنيس النفس، اما الأسس فهي الإشارات إلى ثباتية الأخلاق وقيمة الفعل والواجب الأخلاقي .

2. تطبيقيا فان القرآن يبحث موضوعات أخلاقية تطبيقية تقترب من المجتمع سواء أكان الطبي أم الاجتماعي (السوسيولوجي والانثربولوجي) والقانوني والبيئي والاقتصادي والتربوي ....الخ 

3. يمكننا التأكيد بان الفقه هو من يمكنه استنباط الكثير من أفكار الأخلاق التطبيقية من القرآن، بمعنى انه يملك القدرة على توفير الأسئلة والقوانين .

4. علينا الاعتراف بان كل من الأخلاق التطبيقية والفقه أو الفكر القرآني يتحدث عن قوانين عامة لها علاقة بالطب والإنسان والاجتماع والأخلاق وسواهم، وبالتالي فالإنسان هو محور تأليف او توليف او تنظير القوانين الأخلاقية التي تمتاز بعصريتها وتطلعها ومواكبتها للتطور .

5. اما الموضوعات التي تتصل بالأخلاق التطبيقية في القرآن فهي التي تشكل وحدة ائتلافية من (الفكر الاجتماعي والطبي والنفسي والأخلاقي) ومن تلك الموضوعات بشكل مختصر ما يلي :

أ‌- المثلية الجنسية المرفوضة لأنها تمثل الإسراف في إتيان الخطأ بنص المفردة القرآنية (إنكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء) وهي امتياز لقوم لوط (انظر سورة الأعراف 80-81- النمل 55 – هود 81- الشعراء 167) والمقارن مع صورة أخروية لنصوص قرآنية تقول (يطوف عليهم ولدان مخلدون) الواقعة 17.وتقابل النصين لا يعني تماثلها وشابههما فالإباحة في النص الأخير تفسر حجم التشوهات التي يمثلها أصحاب النص الأول والتي تفسر رفض القرآن من زاوية أخلاقية وبايلوجية وسيكولوجية وسوسيولوجية لمنهج خاطئ  كهذا.

ب‌- إيجار الأرحام، ولست هنا بصدد الإباحة أو الرفض لان هذا من اختصاص الفقهاء الذين رفضوا ذلك اما النص القرآني فيقول  (ان أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ).وهو نص يقارن بقول زوجة فرعون (أو نتخذه ولد)(القصص 9) الذي يمثل الأبوة غير الحقيقية . ويقارن بألفاظ الذرية ومنها (ذرية بعضها من بعض –آل عمران 34) والتي تشير إلى تماسك الأفراد ورفض تأجير الأرحام، فالقضية لا تخص مادة الأب في وقت تكون فيه إلام مجرد آنية بل ( ان أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) أو (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) النساء (23) بالإضافة إلى أساس الذرية الصحيحة .

ت‌- قتل الأطفال بسبب الحاجة (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق - الإسراء 31 – وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت - التكوير 8).

ث‌- الأخلاق التطبيقية التناظرية في المجال القانوني، كما في قوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى – البقرة 178). ويلاحظ ان التقسيم القانوني الثنائي هنا يتعامل بعدالة توافقية وفق الملكات أو القدرة أو التوافق النوعي .

ج‌- مناهضة الإجهاض، فلا تفويض للمرأة بإلغاء الحمل (ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في أرحامهن - البقرة 228)

ح‌- قتل الإنسان لنفسه، قال تعالى، ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما (النساء -29) وقال (قتل الإنسان ما أكفره – عبس 17) بالمقارنة مع النص القرآني فاقتلوا أنفسكم (البقرة 54).

خ‌- تنظير تطبيقي يجمع بين الميتافيزيقا والأخلاق والسايكولوجيا (إنَّ الذٌينّ كّفّرٍوا بٌآيّاتٌنّا سّوًفّ نٍصًلٌيهٌمً نّارْا كٍلَّمّا نّضٌجّتً جٍلٍودٍهٍمً بّدَّلًنّاهٍمً جٍلٍودْا غّيًرّهّا لٌيّذٍوقٍوا العّذّابّ إنَّ اللَّهّ كّانّ عّزٌيزْا حّكٌيمْا)  (النساء56). أو (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ). (22- فصلت) ولا تتعامل الأخلاق التطبيقية في الميتافيزيقا الدينية إلا انها تتعامل مع ميتافيزيقيات تطبيقية تتعلق بالإرادة أو مستقبل الجينات أو حتمية العلم .

وهناك المزيد من الأفكار قد تناقش في مجالات أخرى .

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

وذلك واجب علمي اخي العزيز سامي
محبتي لاطلالتك

د.رحيم الساعدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2882 المصادف: 2014-07-27 14:02:29


Share on Myspace