 دراسات وبحوث

الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (5)

mutham aljanabiلقد بلورت المراحل التاريخية الكبرى (مرحلة النبوة العملية، ومرحلة الخلافة الراشدية، ومرحلة الملكية الإمبراطورية، ومرحلة السلطانية الإسلامية (الثقافية) في لحظاتها التأسيسية معالم وتقاليد الفكرة السياسية الإسلامية. الأمر الذي أعطى لكل لحظة تأسيسية إدراكها الخاص، وتعاملها المتميز مع الفكرة السياسية عن الدولة (الخلافة والإمامة)، والسلطان (نظام الحكم)، والأمة وما يتعلق بها من إشكاليات عديدة ومفاهيم كثيرة تتداخل فيها مناهج الفرق والمدارس المتنوعة ورؤيتها العملية في مختلف علومها وفنونها (الدينية منها والدنيوية). ووجدت هذه المراحل التاريخية انعكاسها في صيرورة أربعة أصناف منهجية في الفكرة السياسية، التي تعددت أنماطها من حيث مزاجها السياسي. إن هذه الأصناف الأربعة هي: السلفية الدينية، واللاهوتية السياسية، والإصلاحية الإسلامية، والإسلامية الثقافية.

وتمثل السلفية الدينية الصيغة العامة لأغلب التيارات السنية التقليدية والشيعية المتأخرة. وأكثر من أسس لها في البداية السلطة الأموية و"أهل الحشو" من فقهاء النقل والحديث والرواية، ثم علم الكلام الحنبلي المتأخر، والتشيع المعارض في بداية الأمر، ثم علم الكلام الشيعي المتأخر. وتتسم تقاليد هذه السلفية بتقديس العقائد، وترتيب القواعد، والتبرير الدائم لها فيما يتعلق بالإمامة (السلطة) وكيفية تقلدها. بحيث تحولت هذه القواعد إلى عقائد راسخة ثابتة و"مقدسة". بمعنى أنها تحجرت في فكرة سلفية (تقليدية) بحد ذاتها لا علاقة لها بالأسلاف.

فقد تطابقت الفكرة السنية النظرية والعملية من حيث الجوهر مع حالة العيش والعمل والاستذكار بلا فكر وتفكر وتفكير، ومع حالة التمسك "بوحي نبوي" (الأحاديث) بلا وحي عقلي، و"الهام إلهي" (القرآن) بدون استلهام ثقافي. الأمر الذي جعل منها في الأغلب الصيغة الأيديولوجية للسلطة المتجبرة. بحيث تطابقت الفكرة السنية السياسية مع فكرة السلطة، أو أن الأخيرة جعلت منها دعامتها الأيديولوجية. من هنا فقدان التاريخ الإسلامي لمعارضة سنية للسلطة على امتداد تاريخ الخلافة وتنوع أشكالها ومراكزها. من هنا أيضا تحول التيارات السنية إلى جزء من تقاليد السلطة، ومن ثم غياب أو اضمحلال العقل النقدي والبدائل المستقبلية. ومع أن بعض هذه النظريات لا يخلو من رؤية واقعية وعقلية، لكنها في الأغلب ليست عقلانية لان مهمتها تبرير الموجود، كما أنها تخلو من أية نزعة إنسانية لأنها محكومة بعقائد الجماعة الدينية، ومعارضة لفكرة الحرية، وذلك لأنها في الأغلب فكرة الجسد الميت والغرائز الحية! والاختلافات الفعلية بينها تدور حول تنوع التشدد العقائدي في تأسيس وتبرير "الجهاد" من اجل تجسيد هذه المواقف. مما جعل منها في نهاية المطاف تنويعات مختلفة الأصوات إما لتبرير سلوك ضيق، وإما لتطويع مصالح الجسد، وإما لتقليد ميت لأموات، وإما تنشيط لفكرة العبودية والموت. وهذه كلها في خدمة السلطة السائدة. وذلك لان معنى "الجهاد" بالنسبة لها محكوم بفكرة دينية لاهوتية صرف، أي أنها ليست فكرة حية، بل كمية من العقائد المغلقة والمقننة بقواعد ثابتة. ومن الممكن أن نتخذ من نظرية أبو يعلى الفراء (380- 458) = (990 - 1060) التي وضعها في كتابه (المعتمد في أصول الدين) نموذجا للرؤية الحنبلية المتأخرة. ومع انه يأخذ في الأغلب بآراء الماوردي (364- 450) = (976- 1058) الواقعية والعقلانية العميقة التي وضعها في مؤلفاته المختلفة، وبالأخص منها كتاب (الأحكام السلطانية)، إلا أنها تتمحور عند أبو يعلى وتخضع في نهاية المطاف للفكرة الحنبلية وعقائدها الكبرى بهذا الصدد. وقد تكون فكرته عن قضية عقد الإمامة، المجال الذي ينعكس فيه مضمون الفكرة السياسية. فهو يقرنها بأربعة أشياء وهي أن عقدها (الإمامة) مرتبط "بجماعة من أهل الحل والعقد" (وليس بفرد واحد)، وضرورة "طاعة الإمام برا كان أم فاجرا"، وأن "الإمام من غلب غيره بالسيف"، وأن "العدالة ليست شرطا في الإمامة".

أما الفكرة الشيعية النظرية والعملية الأولى، فقد ارتبطت بشخصية الخليفة الرابع علي بن أبي طالب(23 قبل الهجرة – 40 هجرية = 599-661) الذي تحول إلى نموذج محوري، وشخصية تأسيسية، وكيان جوهري ذائب في جميع التيارات الشيعية. بحيث أصبح موشورا انكسرت في أشعته جميع الإشكاليات السياسية النظرية والعملية (الأخلاقية) لثنائية الدين والدنيا. ومن ثم مرآة تنعكس فيها كل القضايا المعقدة لفكرة المثال والواقع، أي كل المتناقضات الحية لوجود الدولة والأمة. وهو السرّ الذي يفسر تماهي التشيع مع فكرة الإمام المعصوم، وأنسنة المطلق، وفكرة الإمامة بوصفه عقيدة حية أبدية ثابتة، وارتباطها بالأشخاص والعقيدة بقدر واحد. رغم أن الفكرة الجوهرية المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب كانت ترفع الحق والحقيقة على الرجال، بمعنى أولوية الحقيقة وطابعها المعياري المطلق مقارنة بالأشخاص أيا كانوا وليس العكس.

إلا أن الفكرة المنطقية الخالصة والحقيقة المجردة الموضوعتان في أساس الفكرة السياسية لا يتطابقان بالضرورة مع مجرى تطورها العملي. وذلك لما في المسار التاريخي والصراع الدرامي من قدرة على سك المتناقضات في قالب مصقول هو عين "الجمال والجلال" تمام كما يتحول حجر المرمر إلى أعمدة الهياكل المقدسة! وقد جرى صقل ونحت وتثبيت أعمدة الهيكل المقدس للتشيع السياسي في مجرى المغامرات الدرامية الكبرى للخلافة (الراشدية والأموية والعباسية) وآثارها اللاحقة، وبالأخص ما يتعلق منها بصعود الأموية إلى السلطة وتثبيت نهجها السياسي على انه تمثيل لفكرة "أهل السنّة والجماعة"، ومقتل الحسين بن علي (4 - 60 للهجرة) = (626 - 680) ثم انتفاضة المختار الثقفي (1-67 للهجرة) = (622 - 686) ، وانتفاضة ومقتل زيد بن علي (76- 122= ت - 740) وأثرهما في توسيع مدى التشيع العقائدي والسياسي الأول. بينما أدت الانتفاضات والمواقف الفكرية (الدينية واللاهوتية والسياسية) اللاحقة إلى توسيع نماذج الفرق الشيعية وتباين مواقفها ما بين الغلو والاعتدال فيما يتعلق بالمعتقدات الدينية والسياسية على السواء. ومن ثم لكل منها رؤيته الخاصة فيما يتعلق بالإمامة وقضاياها التقليدية في الفكر الإسلامي. وعلى العموم انقسمت التيارات الشيعية إلى أربعة أصناف كبرى فيما يتعلق بفلسفتها السياسية، وهي التيار الإمامي الإثنيّ عشري، والتيار الإسماعيلي، والتيار الزيدي، وتيار الفرق الغالية.

فقد عمق الاتجاه الإمامي (الاثني عشري) ووسع الفكرة السياسية الشيعية من خلال إرساء منظومة الإمامة بوصفها نصا إلهيا وممثلا بأجيال من الأئمة معصومة، هي الصيغة "المتسامية" والبديلة للخلافة الخارجة على "حقيقة الإسلام" ونموذجه النبوي الأول. بحيث جعلت فكرة الإمامة عنصرا من عناصر العقيدة الدينية وأصولها. الأمر الذي أعطى للفكرة السياسية أبعادا مقدسة هي الوجه الأكثر "رفعة" ونقيا، من الناحية الظاهرية، للفكرة السلفية السنية السياسية. إلا إنهما يكملان احدهما الآخر من حيث حصر الفكرة السياسية بعدد من العقائد الدينية ومعتقدات الفرق اللاهوتية السياسية.

غير أن الإمامية، طورت، بأثر الإرهاب المنظم ضدها من جانب السلطة وقواها الأيديولوجية (السلفيات السنية بشكل عام والحنبلية بشكل خاص)، وبأثر الدور التاريخي الذي قام به جعفر الصادق (80-148 للهجرة = 702-765)، مختلف التقاليد السياسية العملية مثل مبدأ التقية، والباطنية الدينية والسياسية، وفكرة الخواص والعوام، وعلاقة النظرية بالسياسة العملية، ومنهج الظاهر والباطن في التفسير والتأويل، وفكرة المهدي المنتظر وصاحب الزمان، التي تحولت إلى عروة سياسية وروحية، ومصدر فكري وعقائدي لكيفية توظيف ثنائية الظاهر والباطن والتفسير والتأويل، والتقية والثورة في العمل السياسي.

فقد كانت فكرة المهدي الشيعية تتطابق مع فكرة هداية الروح الباطن والظاهر، وفكرة الأمل الأبدي للسلطانية "الحقيقية"، الأصلية والعادلة والنموذجية، التي لم تنته بموت النبي محمد. وذلك لان الأمة دوما تقتف أمام انتظار "رجعة" "الإمام الغائب" و"الإمام المنتظر". ولم يكن ذلك معزولا عن الهزائم المتكررة والقمع الشامل ضد التشيع وأفكاره وأتباعه وأئمته، الذي أدى إلى ظهور فكرة المهدي الميتافيزيقية الحية، أي القادرة على الغلوّ في العلوّ، والعلّو في الغلّو. ومن ثم استحالة الإمساك به. وبالتالي، فان معادلتها لفكرة الأمل الأبدي، عرّضها ضمن تقاليد التشيع بشكل عام، إلى تأويل وتطبيق سياسي مختلف ومتنوع. مع ما ترتب عليه من توسيع لأهمية وجوهرية فكرة القائد الشيعي من البيت العلوي بالمعنى الجسدي (عند الإمامية) والروحي (عند الإسماعيلية) ، أي فكرة القائد المعصوم (الكاريزمي). ولاحقا عند الإمامية أيضا، كما هو جلي في تطور فكرة الإنسان الشيعي الكامل وفكرة ولاية الفقيه.

وساهم كل ذلك في توسيع نوعية وكمية المعارضة للنظام القائم، أي كل ما ساهم في توسيع وتعميق الفكرة السياسية بحد ذاتها والقيم العملية مثل المقاومة والمعارضة والشهادة والتضحية وقيم العدل والحرية والإخلاص المميزة للتقاليد الشيعية بشكل عام.

أما التيار الإسماعيلي، فقد عمق نتاج الفكر السياسي للتيار الإمامي من خلال بلورته لعدد من المنظومات الفلسفية العميقة عن فكرة الإمامة والسياسة، أي انه كان من بين أكثر التيارات الشيعية إبداعا من الناحية الفكرية والفلسفية والخيالية. كما انه أول من بلور ودقق واستعمل الأشكال التنظيمية السرية للعمل السياسي، وأرسى أسس نظرية خاصة عن علاقة الخواص والعوام (النخبة والجمهور)، والظاهر والباطن في علاقة وفكرة الأئمة المستودعين الجسمانيين والروحانيين وكثير غيرها، واستطاع توظيفه في الدول الكبرى التي أنشئها كالخلافة الفاطمية في مصر، والإمامة الزيدية في اليمن، والدولة الصفوية في إيران.

وتجدر الإشارة هنا انه كما لا يختلف سلوك العباسية عن الأموية فيما يتعلق بفكرة السلطة، كذلك لا يختلف سلوك التشيع حالما وصل إلى السلطة في المغرب ومصر (الفاطمية) واليمن (الزيدية) وإيران (الإمامية) فيما مضى، عمن سبقه في تاريخ الإسلام بهذا الصدد. وذلك لأنه أدى في نهاية المطاف إلى استعادة نفس تقاليد الأموية والعباسية في الموقف من السلطة. والسبب يكمن في أنهم جميعا لم يستطيعوا الخروج بصورة نهائية عن اطر الرؤية الدينية اللاهوتية في الموقف من النظام السياسي. بمعنى أنهم جميعا كانوا محكومين بفكرة السلطة. والفرق بينهم يقوم في اختلاف تأسيسهم النظري لفكرة الإمامة (الخاصة بهم).

أكثر من مثل صنف اللاهوتية السياسية في الفكرة السياسية، هي تيارات المعارضة الأولى من خوارج، ورجال القدرية الأوائل مثل الحسن البصري، ومفكري الجبرية الأوائل مثل الجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي.

فقد مثل الخوارج في تقاليدهم السياسية احد النماذج الراديكالية التي لازمت إرهاصات الضمير الملازمة لانكسار الوحدة وتجزئتها، التي عادة ما ترافق الانعطافات الحادة في تاريخ الأمم الصاعدة والأديان والفلسفات الكبرى. فهي تساهم في تعميق التجربة السياسية وإدخال ما يمكن إدخاله من عناصر الراديكالية المعنوية، كما تفعل في الوقت نفسه على ربط المكونات المتصارعة في رؤيتها الخاصة. الأمر الذي يجعلها شديدة الحساسية تجاه كل من وما يعارضها. مما يؤدي بها في حالات عديدة إلى نتائج متضاربة لكنها تكمل الأخرى، لعل أكثرها بروزا هي الغلو السياسي، والفوضوية المتسامية، والتزمت الأخلاقي، وهوس الشك الوجداني (الخطيئة والتوبة). وكل ذلك مخلوط بفكرة ونفسية التمرد والمعارضة لتقاليد الاستبداد.

مّثل الخوارج وتمثلوا روح الإسلام الخالص والإخلاص له في مرحلة الانتقال الكبرى من الخلافة إلى الملك. وهو السبب الذي جعل من خروجهم على السلطة مترادفا ومتطابقا مع فكرة الخروج على الظلم والجور، بوصفه الوجه الآخر للحرية، كما نراها في تأسيسهم لفكرة الانتفاض والثورة. ولا علاقة لهذه الفكرة ومضمونها بالروح العسكري أو تقاليد الفروسية القبلية، بل بفكرة الحق (الإسلامي) التي وجدت تعبيرها الأول في شعار (لا حكم إلا لله، ولا طاعة إلا لله). من هنا ربطهم فكرة الحرب بالحق، والحق بالحرب من اجله. وهي مسئولية فردية، ظاهرية وباطنية. وبهذا يكونوا أول من تمثل وأسس لفكرة الجهاد الفاعل بقيم الحق. بمعنى أنهم أول من حقق في مرحلة التأسيس التاريخي للعقل الثقافي الإسلامي الحقيقة القائلة، بان الحيوان يتأقلم أما الإنسان فيتسامى. وقد تحسس الخوارج هذه المعادلة على أساس الخلاف بين الأرواح والأشباح، أي بين القوى العاقلة (المثقفة) والقوة الغضبية (السلطة). وليس مصادفة أن تكون فكرة "الخروج" و"الخوارج" وقاعدة سلوكهم الظاهري والباطني، ومبدأ وجدهم وغايتهم، ونياتهم وأعمالهم مرهونة بفكرة الصراع ضد السلطة الجائرة. بمعنى أنهم تمثلوا حقيقة الفكرة القرآنية عن "خلافة الإنسان لله في الأرض"، وكذلك الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية في التوحيد الإسلامي.

فقد استظهرت هذه الفكرة التأسيسية الرفيعة المستوى كل تاريخ الخوارج وتعرجاته، بمعنى تأسيس الصيغة الأولية لأولوية الأمة على الدولة، والإنسان على السلطة، والحق على المصلحة، التي وجدت انعكاسها الأول في تراكم وحدة القيم والمفاهيم النظرية والعملية تجاه إشكاليات الحياة الفعلية. وفي هذا يكمن السبب الذي جعل من فكر الخوارج نموذجا أوليا لصنع المنظومات الفكرية في تاريخ الثقافة الإسلامية.

فالخوارج أول من أسس لوحدة المبادئ النظرية والعملية، بمعنى إنهم أول من وضع أسس المنظومة الفكرية في تاريخ العقل الثقافي الإسلامي. ومن خلالها أسسوا لفكرة الحرية، والمساواة، والانتخاب، والعلم والعمل، والاستقامة وغيرها من خلال ربطها بتصوراتهم عن "حكم الله" أي تصوراتهم عن المطلق الإسلامي. من هنا رفضهم الشديد لتجزئة ثنائية الإسلام والإيمان، لأنهم وجدوا فيها ثغرة الانكسار المادي والمعنوي للشخصية الإنسانية وفكرة الحق والقيم الأخلاقية والروحية.

بينما نعثر في القدرية الأولى بشخصية الحسن البصري (21- 110 للهجرة = 642 – 728) على الصفة الفردية والفردانية لإمبراطورية الروح المناهضة لسلطان السلطة المستبدة. وذلك لأنه جسّد بذاته خزين معارك القرن الأول للهجرة وصراعاته وبحثه عن البدائل، أي كل ما كان يحتدم في أعمق أعماق النفس واشد مظاهرها بروزا في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة. مما جعل منه في العرف الإسلامي العام احد المصادر الكبرى للفكرة الإسلامية المتسامية رغم تباين المواقف السياسية منه. وهو أمر طبيعي. فالشخصية الكبرى، التي تنذر نفسها من اجل صنع "الإجماع" عادة ما تصبح احد مصادر الخلاف الأكبر. كما أنه القربان الروحي الضروري لكي تتكامل الدولة بمعايير الحق. وهي الفكرة التي حاول الحسن البصري تحقيقها في سلوكه العملي وأفكاره الأخلاقية. بمعنى انه سعى لأن يحقق في ذاته نموذج المواقف المتسامية عن صراع القوى الحزبية ونزوعها الضيق وأوهامها وأهوائها وظنونها الجازمة! مما جعل منه نغما متموجا في دبيب النفس الاجتماعية، والعقل الحر، والروح الأخلاقي. بحيث جعله على الدوام محل الاحتكاك والحراك، كما جعله قريبا من الجميع وبعيدا عنهم. أما في الواقع فان القرب والبعد ليسا إلا الصيغة الظاهرية عن حقيقة بعده عن الباطل والخطيئة والرذيلة وقربه من الحق والصواب والفضيلة. أما الحصيلة العامة لكل ذلك في مجال الفكرة السياسية، فانه يقوم في تأسيسه الأول للوحدة الضرورية بين السياسة والأخلاق من خلال ربطهما بفكرة الحق والحقوق.

وإذا كانت القدرية الأولى كما مثلها الحسن البصري هي الرد الظاهر على جبرية الأموية السياسية، فان الجبرية المتسامية، كما مثلها الجهم بن صفوان (78 – 128 للهجرة = 696 – 746)، هي الرد الباطن عليها من خلال تذليل جبروت السلطة بجبروت المطلق الأخلاقي. بعبارة أخرى، إن الجبرية المتسامية هي صيرورة الصيغة الباطنية لجبروت الإرادة الإنسانية بوصفها ظلا من ظلال الإرادة المتسامية (الإلهية). وبالتالي هي الرد الفلسفي - اللاهوتي الجديد على أوهام الجبرية السياسية للأموية وحدودها الهمجية.

فقد واجهت الجهمية جبرية الأموية السياسية بفكرة "الجبرية" المتسامية. أما في الواقع، فان "الجبرية" الجهمية ليست إلا الصيغة النظرية والعملية للوحدانية الأخلاقية التي تذّوب جميع خامات السلطة أمام حرارة صدقها في العلم، كما تذّوب أمام إخلاصها في العمل كل دعاوي الإرادة الكاذبة للسلطة. مما جعل من إرادة السلطة ومشيئتها أشبه ما يكون بنشارة متناثرة مقابل مغناطيس الفكرة الوحدانية الأخلاقية للجهمية. وقد أرعب ذلك السلطة بوصفها الصيغة المكملة لحالة الرعب التي أثارها فكر شيخه الجعد بن درهم (46 – 105 للهجرة = 667 – 724). إذ اكتشفت الأموية فيهما "عدو الداخل"، بعد أن كان صراعها الأساسي ضد "عدو الخارج". وهنا التقت للمرة الأولى القدرية والجبرية في وحدة الهموم الأخلاقية. وكشفت عن أن "جبرية" السلطة هي الوجه المخادع لمساعيها الخاصة من أجل تملك إرادة الكلّ، كما أن مساعيها لتملك إرادة الأمة والأفراد ليست إلا الوجه الصريح لنفسية التجبر والسلطان. وفي كلتا الحالتين تمثلان خروجا على الحق والعدل والتاريخ. وهو خروج كانت ملامحه المعاكسة تتراكم في تحسس معاناة البحث عن بدائل هي عين المنظومة النافية للتجزئة الماكرة التي لازمت صعود الأموية إلى سدة الحكم واستمرارها المتقطع فيه. ووجد هذا التحسس انعكاسه فيما يمكن دعوته بالانصهار التاريخي لكافة هذه المكونات التي أدت إلى إدراك القيمة الضرورية للنظام والمنظومة.

أما صنف الإصلاحية الإسلامية، فان أكثر من مثلها أولئك الذين بحثوا عن بدائل عقلانية وواقعية كالمعتزلة وعن بدائل عقلية وواقعية كالأشعرية. فقد ارتبطت الفكرة السياسية للمعتزلة بمنظومة المبادئ الخمسة الكبرى، التي جرى وضعها في أساس الرؤية السياسية أيضا. إذ جرى وضعها في أساس المواقف والحلول لقضايا الإمامة، والاختيار والعقد، وعلاقة الدين بالدنيا، وإشكالية الدين والسلطان، والمصالح العامة، والحقوق، والعدالة، والحرية، والخير وما إلى ذلك. بمعنى انه جرى حل هذه القضايا جميعا بمعايير الفكرة العقلية والعقلانية. من هنا نظرتهم إلى الإمامة، باعتبارها جزء من قضايا المصالح الدنيوية التي يوكل أمرها إلى الأمة بطريق الانتخاب والاختيار. ذلك يعني أنها ليست ركنا من أركان الدين، كما أنها ليست بالتعيين والوصية. كما انه ليس للنسب اصل فيها، أي نفي التقاليد الراسخة في الفكرة السنية والشيعية عن الأصل القرشي والهاشمي. بحيث نرى احد المعتزلة الكبار مثل ضرار بن عمرو ( ت- 190 للهجرة = 805) يفضل أن يتولاها من ليس من العرب، لكي لا يستقوي بالعائلات والعصبيات القبلية والقومية. ذلك يعني أن تولي الخلافة حق عام لكل فرد مسلم في حال تمسكه بما في القرآن والسنة الصحيحة، أي المستجيبة لفكرة القانون الإسلامي وقواعده المدركة بمعايير العقل والمنطق والفائدة. وان توليها يجري عبر الاختيار عن طريق البيعة العامة. ومن ثم يحق عزله في حال مخالفته للقانون أو في حال الإضرار بالمصالح العامة.

وجعل المعتزلة من مبدأ الاحتكام إلى العقل والمنطق حكما أعلى، ومن ثم رفضوا التعصب والغلو في العقائد والمواقف العملية. من هنا جوهرية العمل السلمي من اجل الإصلاح وليس بالقوة والسلاح. واستكملوا ذلك بجوهرية العدل، بوصفه المبدأ الجامع للوحدة الاجتماعية وتنظيمها العقلاني على أساس الحق الطبيعي (الفطرة) والحق العقلي. إذ اعتبر الجاحظ (159-255) = ت-868 ميلادية)، على سبيل المثال، أن الناس طبعوا في جبلتهم على حب المنفعة ودفع الضرر فكانوا ميالين إلى المحافظة على وحدة الجماعة، وكارهين للفرقة والفوضى. أما الحق العقلي، فانه يبرز في محبة البشر للعدل والقسط وكرههم للظلم والعدوان. من هنا تحديده لماهية السياسة، باعتبارها حسن التدبير المبني على أساس وحدة القانون والمصلحة العامة، أو حسب عبارته وحدة الرهبة والرغبة، بوصفها "أصل كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة عظمت أم صغرت". وقصد بذلك أن الناس لا يصلح حالهم ولا يستقيم معاشهم إلا بترغيبهم فيما يحتاجونه وترهيبهم مما يخشونهم حتى يحسن ترويضهم وتأديبهم وإيناسهم واستئناسهم. ومن هذا المنطلق نصح الجاحظ رجل السياسة باطراد التدبير واستقامة السياسة وذلك لموافقتها ما في الفطرة ومجامع المصلحة. بعبارة أخرى، انه جعل من ثنائية الحرية والنظام وحدة مرنة، بحيث لا تصبح الطاعة خضوعا وعبودية ولا الأمر والنهي إكراها وإجبارا. بمعنى بناء المجتمع والدولة على أساس القانون العام والمصلحة المشتركة والعدل.

أما الأشعرية فقد مثلت وتمثلت الفكرة الإصلاحية الإسلامية ولكن بمعايير الواقعية العقلية، بمعنى أنها سارت مع المعتزلة إلى منتصف الطريق وفارقتها في البقية الباقية. من هنا اشتراكها مع المعتزلة بالواقعية، وتباينها عنها في عدم دفعها الفكرة العقلية إلى مداها العقلاني الخالص. الأمر الذي جعل من العقل والعقلانية الجزئية واجتهادها النظري العميق في بعض جوانبه تابعا في حين، ومتوازيا في حين آخر مع العقائد الدينية واللاهوتية التي جرى بلورتها في مجرى تطورها بدأ من الأشعري وانتهاء بالغزالي (قبل انتقاله إلى التصوف).

وقد وضعت التقاليد الأشعرية فكرة "الوسط" و"الاعتدال" في صلب عقلها النظري والعملي. مما جعل منها قوة إصلاحية كبرى في حين، وسلفية في حين آخر. وذلك لأن فكرة الاعتدال والوسط بالنسبة لها كانت محكومة دوما بكمية ونوعية العقائد، وليس بكمية ونوعية التحولات الفعلية الجارية في تاريخ الدولة والأمة والثقافة.

فعندما نأمل مضمون الفكرة السياسية التي بلورها أبو الحسن الأشعري (270- 330 للهجرة) (883-942 ميلادية) في كتابه (الإبانة عن أصول الديانة) وحصيلتها النهائية بهذا الصدد، فإننا سوف نقف أمام نموذج لتأسيس رؤية فقهية وعقلية لفكرة الإمامة والسياسة مبنية على أساس تقرير الواقع كما هو، ومهادنة السلطة والقبول بها كما هي أيا كانت، وتبرير كل ما جرى ويجري على انه جزء من الخير والأفضل (حسب معايير فكرة الكسب الأشعري)، وتحجيم دور الجماعة والأمة (المجتمع) والرؤية السياسية المعارضة والمستقلة، وقمع الحرية، وتكافؤ القيم مع ما يترتب عليه من القبول بالواقع بمعايير التبرير العقلي، أي جعل العقل النظري خاضعا لمتطلبات السلطان.

ففي موقفه من تاريخ الإمامة والصراع السياسي الدائر حولها منذ البدء، نراه ينطلق من أولوية الاستشهاد بالآيات التي تشير إلى بعض من الصحابة وصفاتهم، المؤيدة للفكرة القائلة بإمامة أبي بكر. بمعنى انه يؤسس للفكرة السياسية عبر أولوية الفكرة الدينية اللاهوتية، أي انه يخضع الفكرة السياسية لتأويل لاهوتي ديني صرف بوصفها مقدمة "يقينية" للحكم التاريخي السياسي. وعليها بنى موقفه القائل، بان ما حدث من خلافة أبي بكر، أي صعوده للسلطة، هو نتاج لكونه كان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة. وعليها حاول تفسير (وتأويل) الآيات الداعمة لسلوكه السياسي في حربه على أهل الردة والكفار، وكل من خرج عليه. كما أن إمامته حصلت على "إجماع". ووضع هذه المقدمة البلاغية في أساس موقفه "المنطقي" من تاريخ الإمامة (الخلافة) اللاحق.

بعبارة أخرى، انه اعتبر الصراع في زمن علي بن أبي طالب اجتهادا، وان الجميع مجتهدون، بما في ذلك في الصراع معه، بينما اعتبر من واجه واختلف وصارع من قبله وبعده، ممن استتبت لهم السلطة، "مرتدون" و"كفرة"، أي إننا نقف أمام صيغة تبريرية جلية تجعل من فكرة الاجتهاد والخلاف والصراع، فكرة متحزبة وخادمة. أما محاولة جعل هذا الموقف أسلوبا لصنع "الإجماع" الرادع للفتنة، فان التجربة التاريخية الحية آنذاك وبعدها تكشف عن أن هذه الفكرة لا تؤسس لإجماع لأنها تجمع بين أمور متناقضة وتقدمها على إنها فضيلة. وبالتالي لا يمكنها أن تصنع إجماعا حقيقيا بوصفه مرجعية مسكونة بالعقل السليم، والوجدان الحر، والحقيقة الداعية للحرية والنظام. بعبارة أخرى، أنها تحاول الجمع بين عقل سليم ووجدان سقيم!

ولا تخرج التقاليد الأشعرية اللاحقة من حيث الجوهر عن هذا الأسلوب في رؤيتها وتفسيرها للتاريخ السياسي، مع أنها تتباين في موقفها من القضايا العديدة المتعلقة بالإمامة والإمام وشروطهما، كما هو جلي عند كل من الباقلاني (ت- 403) (1013) في كتاب (التمهيد)، والجويني (419-478) = (1028-1085) في كتاب (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) ، والغزالي في كتاب (فضائح الباطنية) و(الاقتصاد في الاعتقاد). بمعنى أنها جميعا تبقى ضمن سياق المنهج العام للفكرة العقلية والواقعية الممزوجة بالتبرير.

فقد انطلق الباقلاني من المقدمة النظرية المتعلقة بإشكالية النص والاختيار. فالنص بوصفه خبرا قد يصح وقد يكذب. وان الأخبار ثلاثة واجب- ندركه بالضرورة والحس. خبر محال بالحس والضرورة، مثل قلب العصا حية وإحياء الأموات. وخبر ممكن بالعقل كسقوط المطر. واعتقد أن من المستحيل كذب التواتر على أهله وذلك لا يمكن أن تجتمع أعداد هائلة على الكذب، والعادة لا تدعمنا بمثال عن ذلك والعلم بهذا التواتر ضروري. وبالتالي، فإذا "فسد النص صح الاختيار". والدليل على فساد فكرة النص (الشيعية) هو عدم وجود نص نبوي بهذا الصدد. ولو كان موجود لكان ما هو معروف عن الصوم والصلاة والحج وغيرها. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن "الإمامة أمر عظيم ولا يمكن كتمان سره".

ولا تشذ آراء الجويني بهذا الصدد عما وضعه الباقلاني. ففي كتاب (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد)، يعتبر الكلام في قضية الإمامة ليس من أصول الاعتقاد. وان الأدلة العقلية في الوقف من الإمامة تشير إلى انه لا نص فيها وعليها. وان الإمامة بالاختيار. وبالتالي، فإذا إذا بطل النص بقي الاختيار. وانه لم ينكر أي من العلماء اصل الاختيار.

وقد سار الغزالي ضمن نفس السياق مع توسيع وتدقيق لمختلف القضايا المتعلقة بفكرة النص والاختيار وشروط الإمامة. فقد انطلق من نفى فكرة النص بشكل عام وفكرة المعصوم والمعصومية في الإمامة. انه أراد القول، بأنه لا ضرورة عقلية في هذه الآراء كما أنها لا تمتلك صفة الخبر المتواتر. وفي الوقت نفسه اعتبر الإمامة ضرورية، لأنها مصدر تولية القضاة. والحياة مرهونة بقضاء القضاة. وبدونها يعم إفساد ويحل الخراب وتهدر الحقوق. من هنا نراه يتكلم عن "خليفة الله على الخلق"، وان "طاعته على كافة الخلق فرض". وبالتالي، فان الإمام ضروري (لابد منه). من هنا استنتاجه القائل، بضرورة نصب الإمام في حفظ الإسلام. لأنه بدون الإمامة تتناقض الإرادات وتتنازع الشهوات، وتفضي بالآخرة إلى استيلاء الرذائل على الفضائل. كل ذلك يؤدي إلى حصول عصام الأمور الدينية والدنيوية.

لقد كانت راء الغزالي هذه نتاج "المرحلة الأشعرية"، اي مرحلة البقاء ضمن تقاليد الفقه والكلام. لكنها ستتعرض إلى إعادة نظرية شاملة في مرحلته الصوفية، التي تشكل، بهذا المعنى نفيا روحيا لها، وبالأخص ما يتعلق منها بالفكرة السنية السياسية بوصفها فكرة تبرير السلطة والخضوع التام لها اي كان شكلها ومحتواها مازالت تنطق بشهادة الإسلام! بعبارة أخرى، إن تحول الغزالي صوب الفكرة الصوفية يعكس نفيه الشامل لتقاليد التسنن والكلام الأشعري.

غير أن الاستنتاج الأكبر بهذا الصدد يقوم، في أن تقاليد الأشعرية، بوصفها احد نماذج الإصلاحية الإسلامية العقلية، بقت تتأرجح بين رؤية واقعية عقلية وأسلوب (منهجي) محنط بهيمنة أولوية الشرع على العقل والتبرير العقلي في الموقف من الإمامة والسياسة. الأمر الذي افقدها من حيث الأصل والغاية لمعنى العقل والعقلانية والاختيار وما شابه ذلك. وذلك لان جوهرها الفعلي ظل كامنا في نفسية العبودية للسلطة وليس للدولة والأمة. إضافة إلى ضعف أو انعدام الفكرة الفلسفية والتاريخية لإشكالية الإمامة والنظام السياسي وفكرة الدولة، مع ما ترتب عليه من فقدان للفكرة الدنيوية. الأمر الذي جعل اشد أشكالها الواقعية والعقلية والنقدية أحكام اقرب إلى النصائح والصيغة المثالية الواجبة.

أما صنف الإسلامية الثقافية، التي أكثر من مثلها الاتجاهات والمدارس الساعية لتأسيس رؤية عقلانية وإنسانية تتجاوز اطر وذهنية التيارات السابقة، بحيث تناثرت ما بين الرؤية الواقعية والعقلانية الدقيقة وبين مختلف النزعات الطوباوية والفردية المتسامية. الأمر الذي جعل منها ممثلة المعارضة الفكرية الكبرى ومنتجة الخيال المبدع في تاريخ الفكرة السياسية الإسلامية.

فقد تمثل هذا الصنف الحصيلة النظرية العقلية والأخلاقية المتراكمة في تيارات اللاهوت الإسلامي والإصلاحية، وذوبها في مختلف المنظومات الفلسفية والمؤلفات الأدبية والتاريخية، بدأ من إخوان الصفا وانتهاء بابن رشد، أي في مختلف أشكال وأصناف المنظومات العلمية والعملية، كما هون جلي في أراء ومواقف وأحكام ابن المقفع (106-142 للهجرة = 724-759 ميلادية)، وأبو سليمان السجستاني (ت-371 للهجرة = 981 ميلادية)، ومسكويه (330-42 هجرية = 932-1030)، والفارابي (260- 339 = 874-950)، وابن باجه (487-523 = 1095-1138 )، وابن رشد (520-595 = 1126- 1198)، وابن خلدون (732- 808 للهجرة = 1332- 1406) وابن الأزرق (832- 896 = 1491)، وعشرات غيرهم.

لقد ارتبطت الفكرة السياسية عند ابن المقفع بفكرة السلطة والنخبة والسلوك العملي. بمعنى أنها ابتعدت عن إشكاليات الكلام التقليدي فيما يتعلق بفكرة الإمام، والإمامة، والاختيار، والنص، والفاضل والمفضل وغيرها من القضايا التي أنتجتها تقاليد اللاهوت واحتراب الفرق والمذاهب. من هنا اهتمامه الكبير بفكرة الزمن والسلطة، اي التاريخ والواقع السياسي من خلال موشور البدائل الواقعية الفضلى. لهذا السبب يمكن فهم كمية النصائح العملية والأخلاق السياسية. فعندما تناول قضية الزمان والسلطة، كما وضعها في رسالة "اليتيمة"، فإننا نعثر فيها على رؤية نقدية للحالة الاجتماعية وواقع السلطة والموقف. وهذا كله بدوره لم يكن معزولا عن تأثير وضغط الواقع على المفكر.

وبهذا الصدد يمكن فهم تقديمه لما اسماه بأحوال الزمان والولاة، عندما رسم الصورة العامة لمرحلته بالشكل التالي: "أصبح الناس إلا قليلا ممن عصم الله مدخولين منقوصين. فقائلهم باغ، وسامعهم عيّاب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعظهم غير سليم من الهزء والاستخفاف، ومستشيرهم غير موطن نفسه على إنفاذ ما يشار به إليه، ومصطبر للحق مما يسمع، ومستشارهم غير مأمون على الغش والحسد، والأمين منهم غير متحفظ من ائتمان الخونة، والصدوق غير محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورع من تفريط الفجرة". ووضع حصيلة رؤيته النقدية الأدبية والأخلاقية في فكرته السياسية عن الزمان والولاة حيث اعتبر أن الزمان الناس، والناس رجلان وال ومولى. وأن الأزمنة أربعة على اختلاف حالات الناس.

        الزمن الأول: خيار الأزمنة ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية.

        الزمن الثاني: أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس. ولا قوة بالإمام مع خذلان الرعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم، على أن يبلغ ذات نفسه في صلاحهم.

        الزمن الثالث: صلاح الناس وفساد الوالي. وهذا دون الذي قبله، فإن لولاة الناس بدأ في الخير والشر ومكانا ليس لأحد. وقد عرفنا أن ألف رجل كلهم مفسد وأميرهم مصلح اقل فسادا من ألف رجل كلهم مصلح وأميرهم مفسد.

        الزمن الرابع وهو شر الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية.

وبما يجري مع تصوراته هذه نراه يقسم أنواع السلطة إلى ثلاث وهي:

        "ملك دين: إذا أقيم لأهله دينهم أرضاهم ذلك ونزل الساخط منهم منزلة الرضى"

        "ملك حزم: يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والتسخط"

        "ملك هوى: لعب ساعة ودمار دهر".

وهذه كلها لا تخرج عن الحقيقة الكامنة في الرؤية الفلسفية التاريخية، كما وضعها في كتاب (الأدب الكبير) والقائلة، بان الأمور في الدولة لابد وان تعود إلى "حقائقها وأصولها. فما كان مبنيا على غير أركان وثيقة ولا عماد محكم أوشك أن يتداعى ويتصدع". ووضع فكرته هذه في أساس موقفه من وحدة السلطة وترابط مكوناتها، أي وحدة النظام السياسي والدولة والأمة.

ففي موقفه من ترابط مكونات السلطة يقول، بان السلطان لا يستطيع إدارة الدولة "إلا بالوزراء والأعوان. ولا ينفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة، ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف"، و"الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة، كما يزداد البحر بمواده من الأنهار"، و"أن أعمال السلطان كثيرة وقلما تستجمع الخصال المحمودة عند أحد. وإنما الوجه في ذلك والسبيل الذي يستقيم به العمل أن يكون صاحب سلطان عالما بأمور من يريد الاستعانة به"، "ثم على الملوك بعد ذلك تعهد عمالهم وتفقد أمورهم حتى لا يخفي عليهم إحسان محسن ولا إساءة مسيء".

وطبق هذه الفكرة على موقفه من القانون والاقتصاد والنخبة وغيرها من القضايا والجوانب الجوهرية بالنسبة للفكرة السياسية. فعندما يناقش فكرة القانون في (رسالة الصحابة)، نراه يشدد على ضرورة توحيده العام. إذ وجد فيه نفيا لتعدد المذاهب واختلافاتها. وفي هذا وجد أيضا ضمان العدالة والتقدم. من هنا فكرته عما يمكن دعوته بفصل الدين عن الدولة، كما نعثر عليه في كتاب (الأدب الكبير). وصاغ فكرته هذه من خلال تناول ما اسماه بفصلُ ما بين الدينِ والرأي قائلا "أن الدين يسلم بالإيمان، وأن الرأي يثبتُ بالخصومةِ، فمن جعل الدين خصومةً، فقد جعل الدين رأياً، ومن جعل الرأي ديناً فقد صار شارعاً، ومن كان هو يشرعُ لنفسهِ الدينَ فلا دين لهُ". بينما نراه يتناول في (رسالة في الصحابة) ما ندعوه الآن بالنخبة المقربة (السياسية) التي يندرج تحت لوائها أيضا أهل الفكر والعلم والمثقفين. واستشهد بالشعر القائل:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم   ولا سراة إذا جهّالهم سادوا

وهي صيغة شعرية استكملت فكرته عن النخبة بشكل عام والسياسية بشكل خاص، التي انطلق فيها من أن كل مجتمع يحتوي على ما ندعوه بالخاصة أو النخبة. وان الاهتمام بالخاصة هي ضمانة الاستقرار والأمان والإصلاح. والسبب يكمن في جانبين، الأول هو رجوع أهل الفساد إلى الصلاح وأهل الفرقة إلى الألفة، والثاني هو انه لا يتحرك متحرك من أمور العامة إلا وعين ناصحة ترمقه. ولا يهمس هامس إلا وإذن شفيقة تصيخ نحوه. ومن هذه المقدمة توصل إلى استنتاج يقول، بعد عرضه على منطق التاريخ والواقع، "إن عامة قط لم تصلح من قبل نفسها ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها. وأن خاصة قط لم تصلح من قبل أنفسها وأنها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها". ووضع هذه الحصيلة في فكرة فلسفية عامة اقرب ما تكون إلى الفكرة الأفلاطونية وتقاليدها الإسلامية عن حكومة المتفلسف والعالم، التي تشكل فكرة التكنوقراط الحديثة صيغتها المحدثة. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "أحق الناس بالسلطان أهل المعرفة، وأحقهم بالتدبير العلماء". واستكمل ذلك في نصيحة سياسية كبرى يخاطب بها السلطان قائلا:"إن ابتليت بالإمارة فتعوذ بالعلماء".

أما ما يخص الجزء الفلسفي فيما أسميته بالمنهج الإسلامي الثقافي تجاه الفكر السياسية، فمن الممكن استعراضه المكثف على مثال الفارابي. فقد كانت آراءه تسير ضمن سياق الفكرة الفلسفية العقلانية الصرف فيما يتعلق بالفكرة السياسية. فالدولة والمجتمع بالنسبة له ينشئان بأثر الضرورة الكامنة في الحاجة للاجتماع. والاجتماع حالة عقلية وواقعية تتنوع من حيث نوعيتها وكميتها. وهي في الإطار العام أما تجمع عظيم (إنساني وإمبراطوري) وأما تجمع وسط (تجمع الأمم كل بمفرده) وأما تجمع صغير (دولة المدن). فهي التجمعات الكاملة وما عداها غير كامل. واعتبر تجمع المدينة (المدنية) هو الخير الأفضل للمجتمع. وان المدينة الفاضلة هي أسلوب بلوغ السعادة الإنسانية. واعتبر "الأمة التي تتعاون مدنها الفاضلة كلها على ما تنال به السعادة هي الأمة الفاضلة".

وربط بلوغ كل ذلك بالاختيار والإرادة. بعبارة أخرى، إنه جعل من بناء الدولة الفاضلة قضية مرتبطة بالإرادة العقلية، انطلاقا من فكرته الفلسفية العامة القائلة، بأنه لا شيء في الوجود أتم وأكمل من العقل، بل انه لا شيء غير العقل. وان بلوغ الإنسان الكمال العقلي، يعني قدرته على استمداد الوحي في حل كل الإشكاليات والقضايا التي يواجهها. وذلك لأنه مبلغ الحكمة والتعقل. ووضع هذه الفكرة والاستنتاج ضمن سياق رؤيته عن وحدة العقل الفعال والعقل المستفاد. فالعالم والكون وما فيه وما ينبغي والبدائل مرهونة بالعقل الفعال. لأن الكون وما فيه عقل فعال وعقل مستفاد، أي عقل منطقي وآخر عملي تاريخي. الأمر الذي ابعد فكرة "النصوص المقدسة" أيا كان شكلها ومحتواها من إشكاليات الفكرة السياسية. وذلك لان الأخيرة هي من قضايا العقل الفعال والمستفاد.

إن المصدر الوحيد للحقيقة والعمل بمعاييرها فيما يتعلق بالدولة الفاضلة هو العقل ومعاناته في البحث عن بدائل عملية سليمة. والمدينة الفاضلة هي نتاج العقل الفعال والعقل المستفاد. وكل ما عداها أو بالضد منها لا ينتج غير مدن ليست فاضلة، كما هو الحال فيما اسماه الفارابي بالمدينة الجاهلية، والمدينة الفاسقة، والمدينة الضالة وغيرها.

إن المدينة الفاضلة ونظامها السياسي هي الصيغة المعقولة والواجبة والعملية لوحدة الكون المنظومة بنظام الواحد، أي الأكثر كمالا وتماما وجمالا وخيرا واتساقا. وبالتالي، فان حلم المدينة الفاضلة هو حلم العقل الفعال في البحث عن نظام اشمل وأتم وأجمل وأكثر خيرا لوجود البشر بوصفه بحثا عن السعادة. طبعا ليس في آراء الفارابي طوباوية، بل نقد عقليا وعقلانيا عميقا للواقع آنذاك، ومن ثم رفض فكرة الخلافة ونظامها السياسي السائد آنذاك بوصفه نتاجا لتقاليد القوة الغضبية، وليس قوة العقل. بعبارة أخرى، ليست "طوباوية" الفارابي سوى طوباوية العقل الحر. وهذا بدوره رؤية عقلية عميقة، واستشراف للنزعة الإنسانية ومساعيها للعيش بمعايير العقل الحر، أي معايير البحث عن نظام أفضل لا علاقة له بوحي الأنبياء وفقه الفقهاء وكلام المتكلمين وأقوال السلف، أي بالضد من كل نزعة تقليدية وهيبتها.

في حين بلور ابن خلدون فكرته السياسية ضمن سياق فلسفته للتاريخ. لقد أسس ابن خلدون لفلسفته التاريخية من خلال إبراز ما يمكن دعوته بمنظومة القوانين الفاعلة في ظهور التجمعات البشرية والحواضر والمدن والدولة والانتقال الطبيعي من الهمجية إلى الحضارة. وهي عملية طبيعية، بمعنى أنها نتاج تداخل وفاعلية قوى طبيعية (جغرافية مناخية) واجتماعية واقتصادية وثقافية ونفسية وأيديولوجية (دينية وغير دينية). وضعها جميعا في فكرته عن دور العصبية (الاجتماعية والنفسية والثقافية) والانتقال التدريجي في تطور الإنتاج والثروة من البداوة إلى الحضر (المدينة) ومن الهمجية إلى العمران الحضري (الحضارة)، ومن التشتت إلى الوحدة، ومن الفوضى إلى القانون، ومن الاختلاف إلى الوحدة. ويحدث كل ذلك بأثر القوة والقهر بعد سكبها أيضا بقوانين ملزمة عامة. إذ لا دولة من حيث الأصل دون استعمال القوة والقهر، بوصفها الحالة الطبيعية للانتقال الحضاري صوب الدولة والمدنية. وبالتالي ليست الدولة والنظام السياسي سوى الخاتمة الطبيعية لهذا المجرى المعقد ولكنه المحكوم بقوانينه الذاتية. أما تباين الأنظمة السياسية فهو مجرد مظاهر مختلفة لهذه العملية التاريخية الطبيعية وغايتها. من هنا فكرته عن أن تباين النظم السياسية محكوم بنوعية التأسيس العملي للقوانين والإدارة وغايتها. فإذا "كانت القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية. وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية".

بعبارة أخرى، إن ابن خلدون يتكلم عن نوعين من القوانين السياسية، عقلية (دنيوية) ودينية. ذلك يعني انه يتكلم عن نوعين من النظم السياسية دنيوية ودينية. والأول يتنوع من حيث الشكل والأسلوب، لكنه يحصره أساسا بنوعين، "الملك الطبيعي" أي المبني على أساس القوة والشهوة، و"الملك السياسي" أي المبني على أساس "حمل الكافة على مقض النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار". بينما النوع الديني هو "الخلافة"، المبني على أساس "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية". وبغض النظر عن تنوع المواقف النظرية والعملية لابن خلدون تجاه هذه النظم السياسية، التي يتضح فيها موقفه الأكثر تأييدا "للنظام السياسي" العقلي الدنيوي، إلا أن القيمة الجوهرية تقوم في رؤيته العقلية النقدية والعقلانية تجاه فكرة الدولة والنظام السياسي بوصفه اجتهادا عقليا مختلفا ومتنوعا. بمعنى انه لا يقر فقط بفكرة التنوع والاحتمال المختلف فيما يتعلق بالفكرة السياسية والنظام السياسي، بل وبطابعهما الطبيعي أيضا.

من كل ما سبق يتضح ما يلي: أن الحصيلة النظرية لهذا الصنف تقوم في إعلائه وتحقيقه للمنهج العقلي والغاية العقلانية للفكرة السياسية، وبلورة تقاليد الفكرة المنطقية والفلسفية والتاريخية في الموقف من الدولة والمجتمع والنظام السياسي، وإعلاء شأن وأولوية الحق والحقوق، والنزعة الإنسانية وأفضلية النظام المدني.

إن هذا التصنيف العام للأنماط الإسلامية الكبرى في موقفها من الفكرة السياسية، والمرتبطة بما أسميته بالمراحل التأسيسية، يحتوي في أعماقه أيضا على تنوع كبير يمكن إرجاعه من حيث مزاجها السياسي إلى سبعة، وهي:

        النمط الإلهي (النبوي) المميز لتقاليد الخوارج والقدرية والجبرية الأولى،

        والنمط التقليدي، الذي شاطرته السلفية السنية على امتداد تاريخها، والشيعية في أوقاتها المتأخرة،

        والنمط العقلي الإسلامي الإصلاحي المميز لتقاليد الكلام الأشعري، وتيارات الظاهرية (مثل ابن حزم)،

        والنمط العقلاني النقدي الإسلامي المميز لتقاليد الكلام المعتزلي،

        والنمط النقدي العقلي والعقلاني المميز للتيارات الفكرية الفلسفية الأدبية الكبرى (مثل أبو سليمان المقدسي، وابن المقفع، والجاحظ). وتجمعت وتداخلت في هذا النمط آثار ومآثر تيارات وشخصيات متنوعة من فكر بعض فرق الاعتزال وفلسفة الحكمة العملية (مثل احمد بن الطيب السرخي(ت- 286 للهجرة = 899 ميلادية) وأبو اسحق الصابئي ومسكويه وغيرهم والأدباء مثل أبو حيان التوحيدي (310-414 للهجرة = 922- 1023 ميلادية) والمعري (363- 449 هجرية = 973- 1057 ميلادية) والشعراء العظام مثل المتنبي،

        والنمط العقلاني الإنساني المميز للتقاليد الفلسفية بمختلف تياراتها وأصنافها كما هو الحال عند الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجه وأمثالهم. والنمط الفلسفي التاريخي السياسي (ابن خلدون وابن الأزرق).

تكشف هذه الصورة العامة عن أن التيار المبدع للعقل النظري والعملي الإسلامي في مجال الفكرة السياسية كان في اغلبه يعود لتيار المعارضة بمختلف مراحلها وأشكالها وأنماطها. والقضية هنا ليست فقط في أن الصراع من اجل الإمامة (السلطة) كان منذ البدء صراعا من اجل إرساء أسس اللحظة التأسيسية في التاريخ الإسلامي، بل ولدوره أيضا في شحذ طاقة العقل الثقافي في الاقتراب الدائم من إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة.

***

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3102 المصادف: 2015-03-04 21:42:57


Share on Myspace