 دراسات وبحوث

مجدي إبراهيم: التنوير والتدبير

مجدي ابراهيمنقد المصادر مهم جداً في البحث عن الشخصيات المؤثرة في ثقافتنا الروحيّة والفكريّة. فلئن كنا نستهدف هنا عَرض الأفكار الرئيسية في كتب ابن عطاء الله السَّكَندري؛ فلن يكون عَرْضَاً من أجل العرض وكفى؛ بل من أجل غاية رأيناها دالة عندنا على بناء هذه المصنفات؛ فهو ليس عَرْضَاً على سبيل الحصر الذي لا غرض من ورائه؛ ولكن على سبيل الإشارة إلى الفكرة الرئيسية التي اتخذنها ابن عطاء عنواناً لمذهب في التصوف يدين له بالولاء، وهى فكرة "إسقاط التدبير".

في نقد المصادر:

إنّما نعمد مباشرة إلى ما كتبه ابن عطاء؛ لنحاول في كل كتاب تسليط الضوء على أهم عناصر هذه الفكرة. ومن أين أخذها؟ وبمن تأثَّر فيها؟ وما هى مصادرها ومكانتها في التصوف السُّني خاصة؟ ولربَّما وجدنا الإجابة على مثل هذه التساؤلات في مؤلفات ابن عطاء مجتمعة ومحصورة ولا نجدها في كتاب بمُفرده، ولو كان عنواناً على هذه الفكرة ونقصد بالطبع كتاب "التنوير في إسقاط التدبير"؛ ولأن هذه الفكرة موزّعة في مؤلفات ابن عطاء مُفَرَّقة على ميادينه الفكرية وإسهاماته العلمية، لافتة من أقرب طريق إلى نشاطه الروحي، ولكن برغم من أنه جمعها في كتاب محدّد وخَصَّها بخصوصية علمية وبحثية في هذا الكتاب المذكور؛ غير أنها في الوقت نفسه دالة على جوهر المذهب دلالة قريبة ومباشرة يلمسها كل من يقرأ أي كتاب أو رسالة من كتابات ابن عطاء أو عن كتابات ابن عطاء.

لاشك أن  أفكار الرجل من التنوع والغزارة بحيث يمكن معها الوقوع في حالة من الاستهواء أو المأسرة لقريحة ابن عطاء الله الفكرية والأدبية وفيوضاته الروحانية وإشاراته الممتعة الجذابة.

لقد صدق الشعراني حين قال عنه إن لكلامه حلاوة في النفوس وجلالة في القلوب، وما كان صاحب "طبقات الشاذلية" بأقل صدقاً من وصف الشعراني حين نعته بأنه "مُبدي أسرار اللطائف". يستطيع من يقرأ ابن عطاء الله على شرعة التذوق والحضور أن يلمس هذه الحلاوة بنفسه، وأن يستشعر جلالة كلامه في قلبه، وأن تستجيش مشاعره لمجرد كلمة كاشفة عن الأسرار الإلهية يقولها خلال بيانه العالي. 

أي نعم، إنّ الرجل بالفعل "مُبدي أسرار اللطائف"، وهو إذْ يبديها، يبديها من ذاته دالة وكاشفة، ويصدرها عن نفسه مجموعةً مشمولة بعد أن ملكت عليه أقطاره، ويُعطي جميع ما عنده إشارة لمّاحة في نَفَسٍ واحدٍ عجيب وغريب، لكأنما ينزع ذاته نزعاً في العبارة يقولها أو يعبر بها، فتجيء مخلوطة بأعصابه ودمه وخلاياه.

العبارة الصوفية عند ابن عطاء الله السَّكندري ـ وإنْ كانت تسبق الإشارة ـ فهى محض ذَوْق؛ روح صرف ومعنى خالص مجَرَّد عن اللوثات الفكرية والعقلية؛ وأن العرفان ليخرج من جميع جوانبه فيضاً مقروناً بجمال العبارة ولطف الإشارة وصدق التوجُّه ووحدة القصد النقي البهي الجميل الجليل.

إن أفكار الرجل عن إسقاط التدبير كونها حالة روحية ومذهباً صوفياً لهى في كل كتاب من التنوع والغزارة بحيث يمكن معها الوقوف عند كل كتاب من كتبه، وتتبعها في كل كتاب، والإشارة إليها في كتاب، ومع كل فكرة ولمحة وإشارة تظهر وقفة الإعجاب والتعقب والإطالة والتعليل بما يَدلُّ على عمق هذا المذهب لديه وأصالته الصوفية تُستقى من عين المضمون الديني يتنسب إليه صوفية الإسلام لاسيما التَّصوف السُّني خاصّة.

فإذا كنَّا ستناول مؤلفاته بعرض الأفكار البارزة فيها، فلأننا نريد الوقوف على جوهر فكرة إسقاط التدبير لديه. كيف استطاع أن يصبَّ كل اهتمامه على هذه الفكرة؛ فيحلو له توزيعها وشرحها وتعقبها لا في منصف بعينه بل في جميع مؤلفاته السبعة، بحيث تبدو للناظر فيها من الوهلة الأولى مذهباً متكامل الأركان يعبر عن حقيقة التصوف السني خَاصَّة، بمقدار ما يُعَبَّر عن "وحدة الروح التصوفية في الإسلام".

صحيحٌ أن الأفكار التي نادي بها ابن عطاء الله السَّكندري في إطار مذهبه الصوفي (إسقاط التدبير) ليست ـ في تقديرنا ـ جديدة كل الجدة؛ إذْ كانت آراءً وأفكاراً سابقة عليه بقرون عدة، وجدت لدى المكي والمحاسبي والجنيد والغزالي والقشيري، بمقدار ما وجدت لدى الكثير من رجالات التصوف السُّنيّ، ولكنها مع ذلك كله لم تكن بهذا البريق الروحي ولا بتلك النشوة الروحية العذبة المؤثرة إلا في كتابات ابن عطاء الله ومصنفاته.

ولعلَّ السّر في ذلك يَرجع إلى التجربة الصوفية العميقة لهذا الرجل، وإلى تشرُّبه مذهب التصوف بعد التبحُّر في العلوم الشرعية، واستقاء علوم الحقيقة مباشرة من شيخه أبي العباس المرسي، وتنبؤ شيخه له بأن يكون مفتياً على المذهبين : مذهب الشريعة ومذهب الحقيقة. هذا فضلاً عن البعد الأدبي الظاهر بامتياز لدى ابن عطاء.

التنوير في إسقاط التدبير:

ويلاحظ  في (التنوير في إسقاط التدبير) عُمدة المذهب الشاذلي أن ابن عطاء؛ كما اعتبَر الكتابة عن شيخيه الكبيرين، منَّةً من منن الله عليه ولطيفةً من تلك اللطائف الإلهية يحمد الله عليها شاكراً أفضاله وعطاياه، كذلك اعتبر فكرة إسقاط التدبير ـ عمدة فقه القلوب في الطريقة الشاذلية ـ تنويراً لقلوب السالكين، فكتب التنوير في إسقاط التدبير ليُجلي الأساس الروحي كله لتصوف الشاذلية الذي يقوم على سلب الإرادة لله : فناء الإرادة الإنسانية في الإرادة الإلهية، أو بالأحرى إسقاط هذه الإرادة في إرادة الله، والبلوغ بها إلى مراحل الفناء النهائية، والبقاء بالله على شرعة الحضور والموافقة. وهذا يقتضي إسقاط الاختيار والتدبير، كما يقول الإمام الشاذلي:

"إذا كُنْتَ مُخْتَارَاً فَاخْتَر ألا تَخْتَار وَفرَّ من ذَلَكَ المُخْتَار".

فلو أن مريداً اعترض على قضاء الله لسَقَطَ من ميدان الإرادة؛ إذْ معنى المريد هو ما لا يكون لديه إرادة؛ فاختيار المريد لعدم الاختيار يجب الفرار منه وإسقاطه، بمعنى أن يلقى نفسه بين يدي الله يختار له ما يشاء، دون اعتراض على أي قضاء، ودون حرج في النفس من أي مسلك يزج الله فيه العبد.

ترك التدبير والاختيار يتصل اتصالاً وثيقاً بمنازل العبودية، فلا يكون العبد عبداً على الحقيقة وعليه من دعوى الربوبِّية شعرة.

والتدبير والاختيار دعوى عريضة فَجّة فيها الشرك الخفي، شرك النفس والنظر إليها، والاعتماد عليها أو على العقل؛ الأمر الذي ينقض فكرة العُبُودَة من الأساس.

ومن هنا، كان هذا الكتاب تفصيلاً تاماً كاملاً لمذهب المدرسة الشاذلية، ولبقاء الروحانية العالية خلال التصوف فيها؛ حتى إذا عرفنا أن فكرة إسقاط التدبير تتصل بالعبودية عرفنا في الوقت نفسه أن التصوف ـ كما يعرِّفه الإمام أبو الحسن الشاذلي ـ تدريب النفس على العبودِّية وردَّها لأحكام الربوبية".

وليس القول بإسقاط التدبير سوى الدفاع عن حق العبودية والارتباط بالحق دون الخلق، وممارسة الفعل على مستوى هذا الارتباط وفي إطاره؛ فإذا أردت أن تكون مرتبطاً بالحق؛ فتبرأ من نفسك وأخرج عن حولك وقوتك، كما قال  وأرضاه.

في المنهج:

وبعدُ؛ فقد مسَسْنَا هذا الكتاب مَسَّاً طفيفاً بغير ورود في تفاصيل كثيرة، لا لشيء إلاَّ لأنه سيبقى معنا على مدار البحث في جزئياته وتفاصيله. وعلى الجملة تجدر الإشارة السريعة إلى أن لغة العقول ترفض القول بإسقاط التدبير؛ وتعتبر القول فيه ممّا يتنافى مع إرادة الإنسان وحريته واستقلاله، وليس هذا من تصوف المدرسة الشاذلية في شيء، ولا هو من التصوف على وجه العموم؛ بل تحرير الإنسان، كما سيأتي، في القول بإسقاط التدبير؛ فميدان العقل هنا غير ميدان الذوق والبصيرة، ومنهج العقل هنا غير معمول به على الإطلاق، نحن بصدد منهج آخر في معالجة الفكرة لا يُقام على أساس العقل ولا يعطى للعقل حق البحث في هذا الميدان؛ منهجنا هو الذوق، المنهج الفاعل في قياس التجربة الصوفية، وهو الذي اسْتَنَّهُ المتصوفة لأنفسهم وراحوا يطبقونه على المادة التي تذوقتها قلوبهم بالممارسة والتسليك.

ولئن كنَّا في بحوثنا ودراساتنا نتوخى دائماً المنهج التحليلي النقدي المقارن؛ فإنه من المقرّر إضَافة إلى هذه المناهج، الاعتماد على منهج الصوفية أنفسهم في الذوق والتحقيق. ليس المنهج هنا منهجاً علمياً وكفى بمقدار ما هو منهج فَنيِّ، يتناسب مع المادة الصوفية وينتمي في الحقيقة إلى الإحساس بالخطاب الصوفي ومعاناة التجربة الروحيّة : المنهج تشديداً هو المنهج الذي أستنّه المتصوفة لأنفسهم وراحوا يطبقونه على المادة التي تَذَوَّقَتَهَا قلوبهم بالممارسة والفعل والعمل والتسليك؛ هو منهج خاص بهم وحدهم دون سواهم.

المناهج العلمية المستخدمة في البحوث والدراسات المختلفة تفشل فشلاً ذَريعَاً فيما لو طُبقت على التصوف بغير ما تضع في اعتبارها منهج التصوف نفسه؛ لتجيء فتغضَّ الطرف عن أذواقه ومواجيده أو عن حَالاته وتجارب أصحابه، وتتعامل مع تجارب العارفين كما لو كانت تتعامل مع مادة صماء لا حياة فيها ولا روح؛ أو لتُكيِّف هذه الحالات والمواجيد والأذواق تكييفاً وفق مناهجها هى، تلك المناهج المادية المبتسرة، بغير إعمال منهج الذوق الصوفي خَاصَّة أو بغير دراية كافية بمطالبه وفروضه ولوازمه أو بغير تطبيقاته على الحياة الحيّة الفاعلة، ثم لا تصل فيه إنْ وصلت إلى نتيجة وجيهة أو رأي سديد؛ فضلاً عن التشويه اللاحق للحقائق الصوفية تشويهاً يكشف عن غيبة تناولها بطبيعة منهجها وتمثله في الوعي الصوفي كما تَقَرَّرَ في ضمائر أصحابه وتجاربهم المعرفية والوجودية كذلك.

ليست مناهج البحث المستخدمة تفيد في التصوف مقدار المنهج الخَاصَ بالتصوف نفسه، أعني الإحساس والتذوِّق. هذا هو المنهج الذي يعطينا خلاصة تجارب المتصوفة أنفسهم، فيما لو تعاطفنا معهم وتَعَرَّفْنَا على آثارهم محاولةً منَّا للفهم وللمعايشة وللتَّعَرُّف قبل النقد والإنكار والاعتراض، ثم قرأنا من بعدُ نصوصهم بشيء من الوعي بجوانب مدركاتهم الذوقية وآثارهم المعرفية؛ ليُفيدنا ذلك كله في استخلاص النتائج الصائبة على مستوى النظر أو على مستوى التطبيق استخلاصاً يَتَوَخْى مَحَجَّة الإنصاف.

المناهج مدارس مَثَّلَتْ نظريات دَرَسَتْ التصوف الإسلامي وَعَرَضَتْ لمصادر التصوف في الإسلام، ونقدها وفق مناهج حديثة ألتزمتها هذه المدارس أو تلك؛ كمنهج البحث الاجتماعي مثلاً، والنـفسي والفلسفي، والاستقرائي، والروحي، والعلمي الموضوعي، وكمنهج البحث المقارن، وهو منهج المدرسة الكاثوليكية الإسبانية والذي مثله الآب الكاثوليكي "أسين بلاسيوس". هذه المناهج وما يشبهها، درست التصوف الإسلامي وفق نظريات كان أهمها نظرية المصدر الهندي، ونظرية المصدر اليوناني، ونظرية المصدر الفارسي، ونظرية المصدر المسيحي.

وتقوم نظرية المصدر الإسلامي في مواجهة هذه النظريات جميعاً؛ وهى التي نُسَميها من جانبنا بـ "نظرية المضمون" ؛ ونعني بها المضمون الديني في أصوله ومعتقداته، وهى النظرية التي تشكّلت منها مجمل التعاليم الصوفية في الإسلام، واستند عليها المتصوفة في تجاربهم الروحيّة ومنازلاتهم الخُلقية والسلوكية.

تستند نظرية المضمون على التجربة الصوفيّة بالأساس، وتستند التجربة الصوفية على نظرية المضمون في أول مقام. ثم إن دراسة هذه المناهج المتباينة وتَفَهُّم طريقة تمثلها للتصوف من وجهة نظر تلك المناهج لتعطينا مما لا شك فيه دلالة على أن التصوف في بداية نشأته لم يكن ظاهرة تنسب إلى دين بعينه، ولكنه كان ظاهرة إنسانية في المقام الأَوَّل وُجدَتْ مع الإنسان في جميع الحضارات الإنسانية واستفادت منها جميع الثقافات : تطلعٌ واصبٌ إلى خفايا الأسرار الغيبية، ونزوعٌ دائبٌ لا ينفك في أشواق النفس الإنسانية نحو المجهول. وتساؤلات جبارة واجهت حكمة العقل البشري لينغمس بكليته غارقاً في لجج بحارها كيما يستطيع في النهاية أن يُقَدّم من خلال الإجابة عنها بعض حلول. ثم إرادة اتصال بهذا الغيب المطلق لم تزل تلح إلحاحاً منقطع النظير على ضمائر الأصحاء المستبصرين.

ولا توجد ثقافة ولا ديانة ولا حضارة بمعزل عن الاهتمام بها؛ وذلك لأنها ظاهرة إنسانية تتوافر فيها على الجملة فضلاً عن التفصيل مطالب الروح الإنساني وتتحقق بمقتضاها تلك النزعة الإنسانية نحو التطلع إلى الملأ الأعلى بغض النظر عن نسبتها إلى دين بعينه من الأديان سواء كانت أديان كتابية أو أديان غير كتابية؛ ولذلك يَسْهُل التماس التشابه بين الأفكار أو بين الآراء والنظريات الصوفية في جميع الحضارات والثقافات المختلفة قديمها وحديثها، ويسهل من ثمَّ رَدُّ اللاحق إلى السابق، وما هو أحدث إلى القديم.

ومن أجل هذا، وَقَعَتْ إسهامات بعض المستشرقين في أخطاء لا حَصْرَ لها حين بحثوا في التصوف بمثل ما كانوا يبحثون في الفلسفة، ولم يضعوا في اعتبارهم أن التشابه في الأفكار لا يلغي "المضمون"، وأن البحث في التصوف ليس كالبحث في الفلسفة : التصوف تجربة تعتمد على مضمون الدين الذي ينتسب إليه الصوفي ويدين له بالولاء.

وعليه؛ فالتشابه في الأفكار بين مطالب الروح الإنساني، وإنْ كان وارداً؛ فهو لا يَلْغي مضمون العقيدة ينتسب إليها هذا المتصوف أو ذاك؛ لهذا كان من الأهمية بمكان بالنسبة لنا على أقل تقدير ـ قياساً إلى النظريات التي فَسْرَتْ نشأة التصوف وَنَسَبَتْهُ إلى مصادر غير مصدره الأساس ـ أن نقول بــ "نظرية المضمون"، وأن نعتمد على هذه النظرية في الشكل والموضوع، ونعني بها : فحص أقوال الصوفي المسلم ودلالاتها الظاهرة والباطنة، الصريحة والضمنيَّة بعد خوضه التجربة الصوفية لمعرفة من أين استقاها؟ هل استقاها من مضمون كتابه الكريم وثقافته الروحيّة أو استقاها من فلسفات اليونان والهنود والفرس ونحو ذلك من مصادر تتشابَه في الظاهر البَرَّاني لا العمق الجُوَّاني مع التصوف الإسلامي شكلاً ينقصه المضمون؟ فمن يتابع أفكار الصوفية المسلمين على كافة أصنافهم وأقسامهم يجد التجربة الروحية، وإن تكن هى هى التي تشكل تلك الأفكار، غير أنها تتقدَّم على سائر الاعتبارات النظرية ليجيء تقدمها يعني أن الصوفي لا يستطيع بحال من الأحوال أن يأخذ في اعتباره مضامين الفكرة نظريّاً دون أن يمارسها عملياً، وألا تتحول الاعتقادات لديه في خضم التجربة وتذوق علوم الحال إلى أعمال فعلية وممارسات حياتية مباشرة.

إنما معطيات التجربة الصوفية نفسها تَفْرض الحركة في إطار المضمون العقدي الذي يعتقده الصوفي ويدين له بالولاء كائناً ما كان هذا المضمون وكائنة ما كانت الديانة التي ينتسب إليها، فلا نستطيع أن نجرّد التصوف المسيحي من مسيحيته، ولا التصوف الهندي من هنديته، ولا التصوف الفارسي من فارسيته ولا التصوف اليوناني، أفلاطوني أو أفلوطيني، من يونانيته، وكذلك التصوف الإسلامي لا نستطيع أن نُجَرّدَهُ من إسلاميته، وإلا كُنَّا كمن يجهل مضمون كل ديانة أو كل فكرة مؤسسة على أصول تلك الديانة، أو كل اعتقاد من شأنه أن يتحوَّل مع التطبيق إلى عمل وتسليك. ومن أجل ذلك كله، قلنا في بداية هذه النقطة إن منهجنا وإنْ كان تحليليلاً ومقارناً ونقدياً إلا أنه في نفس الوقت يكون ناقصاً أشد النقص فيما لو اقتصر على التحليل والنقد والمقارنة فقط دون أن يَمَسَّ جوهر التجربة، ودون أن يُضاف إليه منهج الصوفية أنفسهم في الذَّوْق والتحقيق. 

ومن جملة ما كتبناه عن كتب ابن عطاء الله أو ألمحنا إليه إلماحات تكاد تكون عَرَضِيَّة؛ يَتَبَيَّن في نهاية هذا المقال أن كتاباته كلها تدور حول فكرة إسقاط التدبير مع الله (حقيقة التصوف لديه) لا بل حقيقة التصوف بإطلاق، وبخاصة التصوف السُّني المؤسس على هذه الفكرة لدى أقطابه الأوُّل، وهى أساس المذهب في تصوف الشاذلية كما مرَّت الإشارة إليه، فما معنى إسقاط التدبير، وكيف يتفق القول بإسقاط التدبير مع أمر الخالق عز شأنه بالعقل؟ فحين يكون العمل بالعقل ـ كما يقول - الأستاذ العقاد ـ  أمراً من أوامر الخالق يمتنع على المخلوق أن يعطل عقله مرضاة لمخلوق مثله، ولو كان هذا المخلوق جمهرة من الناس.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5360 المصادف: 2021-05-09 02:53:26


Share on Myspace