محمود محمد عليلا شك في أن الأورغانون الأرسطي بشهادة معظم مؤرخي المنطق، قد تطور إلى حد بعيد، وأنه لا يوجد كتاب من كتابات “أرسطو” المنطقية ظل بدون تغيير، فضلاً عن أن معظم تلك الكتب قد وضعها “أرسطو” في زمن متأخر داخل إطار عام يتطابق إلى حد ما مع تعاليمه الأخرى، ولذلك فإن تحليل الخطوات المختلفة في تطوره تعد مهمة صعبة (1).

وهذه الصعوبة تتمثل في أن كل كتابات الأورغانون الأرسطي ليست بمستوي واحد، فبعض النصوص كما يذكر مؤرخ المنطق الألماني “بوشنسكي” لا يتجاوز نصوص “أفلاطون” أو معاصريه، بينما تدل نصوص أخري علي قدرة منطقية خارقة، ومن ثم فهي تكشف عن تقدم ملموس بالمقارنة مع النصوص الأخرى (2).

ويذكر مؤرخ المنطق ” بوشنسكي ” أنه يمكن استخدام معايير عديدة لذلك الأمر، وذلك علي النحو التالي (3):

1- استخدام القياس التحليلي (الحملي)، والذي يعد بمثابة الاكتشاف الأخير

2- استخدام الحروف، كاختصارات وكمتغيرات.

3- مستوي الصرامة المنطقية، والأسلوب والذي كان مختلفاً جداً في كتابات عديدة، وربما من المفترض أن يكون قد تحسن مع الوقت.

4- التحسن الذي طرأ علي تحليل القضية، من الشكل البسيط ” أ – ب ” مروراً باستخدام الشكل الأكثر تعقيداً، وإن الذي يوجد فيه ب في كله يوجد أ “.

5- إن الحروف تظهر علي الأرجح في البداية، كاختصارات بسيطة، ثم كمتغيرات حدية، وفي النهاية كمتغيرات قضوية.

6- إن القضايا الموجهة التي تتوافق مع فلسفة أرسطو الخاصة بالمستقبل، تعد فيما يبدو الاكتشاف الأخير.

ثم يؤكد ” بوشنسكي ” أنه بتطبيق هذه المعايير، فإننا نجد أن الأعمال المنطقية لأرسطو – علي الأقل من حيث الاهتمام – يمكن أن تكون قد كتبت بالترتيب التالي: –

أ- ففي البداية يأتي كتاب الطوبيقا ( مع كتاب السفسطة والذي يعتبر تكملة لكتاب الطوبيقا، وهو بمثابة المقالة التاسعة منه )، وهما لا يشتملان بأية حال علي متغيرات، كما أن القياس لم يكن قد تمت معرفته بعد ؛ علاوة علي أن المستوي المنطقي فيه متدن وتحليل القضية الحملية فيه بدائياً (4).

ب- كتاب المقولات، وهو ينتمي فيما يبدو إلى نس الفترة ؛ حيث يعد مدخلاً لكتاب العبارة (5) ؛ وهو يشتمل علي نظرية في الألفاظ، ويتعامل معها بدون استخدام متغيرات.

ت- كتاب العبارة، ولا بد أنه كتب فيما بعد، ويتضمن هذا الكتاب نظرية السيميوطيقا، التي كانت فيما يبدو في الأصل أفلاطونية، ومع أنه لا يوجد أثر في هذا الكتاب للمتغيرات وللأقيسة، إلا أنه من الملفت للنظر أن مستواه أعلي من كتاب الطوبيقا والسفسطة والمقولات ؛ علاوة علي اشتماله فصل في الموجهات، وإن كان لم يزل أولياً بالمقارنة مع ما يوجد في التحليلات الأولى (6).

ث- يمكن وضع المقالة الثانية من كناب التحليلات الثانية بعد ذلك مباشرة ؛ حيث إن أرسطو الآن في القياس والمتغيرات معاً، وإن كانت المتغيرات تستخدم دائماً كاختصارات فقط. أما عن المستوي المنطقي، فإنه قد كان فيما يبدو أدني درجة من الأجزاء الأخرى لكتاب التحليلات الأولى (7).

ج- أنه يجب أن نضع بعد ذلك الفصول 1، 2، 3، 7، 23، 46، من المقالة الأولى لكتاب التحليلات الأولى، كما أن ما لدينا ليس مجرد متغيرات فحسب، بل إنها مستخدمة كمتغيرات حدية. كما يوجد أيضاً تفصيل كامل للقياس، فضلاً عن أن المستوي التكنيكي للقياس ملفت للنظر (8).

ح- أما أخر الأعمال المنطقية، فربما تكون الفصول 3، 8، 22 من المقالة الأولى للتحليلات الأولى، والمقالة الثانية من الكتاب نفسه ؛ إذ أننا نجد هنا معظم النظريات الدقيقة كنظرية الموجهات. فضلاً عن استخدام المتغيرات أحياناً كمتغيرات قضوية (9).

وعلي ضوء هذا الترتيب الزمني السابق، فإنه يمكن القول بأن الأورغانون الأرسطي، قد تطور بالتمييز بين مرحلتين: مرحلة ما قبل التحليلات، ومرحلة التحليلات. في مرحلة ما قبل التحليلات، قام “أرسطو” بالتنظيم المنهجي لقواعد المجادلة، والتوسع في القسمة الأفلاطونية علي نحو ما يوجد في الطوبيقا والمقولات والعبارة، وهي الكتب التي طور فيها أرسطو إلى حد بعيد وقرر بوضوح مجموعة القواعد أو القوانين التي تقوم عليها هذه القسمة (10).

علاوة علي ذلك، فقد حاول “أرسطو” في تلك المرحلة إبراز العمومية في أعماله عن طريق الاستخدام غير الملائم إلى حد ما للضمائر، أو عن طريق الأمثلة علي نحو ما يفعل “أفلاطون” في محاورة الجمهورية.

أما مرحلة التحليلات، فقد أتاها اسمها من موضوعها ومنهجها، فموضوعها أجزاء القياس والبرهان، وهما آلة العلم الكامل ومنهجها تحليل القياس والبرهان إلى أجزائها، فإن العلم الكامل إدراك الشيء بمبادئه، ولا يتسنى هذا الإدراك إلا بالتحليل، والبرهان ينظر إليه من حيث صورته ومن حيث مادته، فهو ينحل إلى مبادئ صورية، وأخري مادية، والتحليلات التي ترد البرهان إلى المبادئ الصورية التي يتعلق بها لزوم التالي من المقدم لزوماً ضرورياً بصرف النظر عن مادة البرهان، تسمي التحليلات الأولى، والتحليلات التي ترد البرهان إلى المبادئ المادية التي يتعلق بها صدق التالي، تسمى التحليلات الثانية (11).

وكتاب “التحليلات الأولى “، يمثل مرحلة القطيعة المعرفية لكل صور الممارسات السابقة للفكر المنطقي عند كل من الأيليين، والسوفسطائيين، وأفلاطون، والتي كانت متمثلة في منهج القسمة الثنائية، حيث أخذ “أرسطو” في أوائل “التحليلات الأولى ” علي منهج القسمة في أنه لا يوصل إلى نتيجة مفيدة، نظراً لأنه بدلاً من نيل موافقة الآخر علي نحو ما، فإنه يتوجب علي هذا المنهج في كل خطوة من خطواته، أن يرجوه بالموافقة علي إدراك ذلك، ولهذا انتهي أرسطو إلى أن أسلوباً كهذا يعجز عن الإيصال إلى نتيجة، وبالتالي فهو غير استنتاجي. إذ أنه عندما نقسم المرتبة ” أ ” المنتمية إلى ” ب ” بدلاً من ” لا – ب”، إذ لا بد من موافقة المحاور علي ذلك، حتي نتمكن من التقدم، وهو ما نحتاجه باستمرار في كل خطوة جديدة، وحول هذه النقطة لا يقدم لنا منهج التقسيم أية مساعدة، ولهذا انتهي “أرسطو” إلى أن “القسمة الثنائية” ما هي إلا مجرد قياس ضعيف لا يمكنه في الواقع إثبات شيء، ولكنه يكمن في سلسلة الافتراضات (12).

وكذلك فإن كتاب “التحليلات الأولي" يقطع الصلة المعرفية بينة وبين كتاب الطوبيقا لأرسطو نفسه، والذي يعتبر أحد مؤلفات الشباب التي كان يتمرس فيها “أرسطو” ويتدرب علي صياغة القواعد النظرية لعلم المنطق كما جاءت بعد ذلك في التحليلات الأولى (13).

فعلي سبيل المثال لا الحصر، نجد في كتاب الطوبيقا فقرتين سابقتين لنظرية الرد غير المباشر الوارد في الفصول من الواحد والثلاثين إلى الخامس والأربعين من الباب الأول من كتاب التحليلات الأولى الفقرات 46 b 40-50 bH، ومؤدي الفقرة الأولى: إذا ما كان الخير جنساً للذة، فهل تكون أي اللذة، ليست خيراً، لأنه إذا ما وجدت لذة غير خيرة فسوف يتضح أن الخير ليس جنساً للذة، لأن الجنس يجمل علي كل شيء يندرج تحت أي نوع معطي (14).

ونلاحظ هنا أنه توجد إشارة إلى قياس وارد في صورة الضرب Barabara (من الشكل الأول ) ” إذا كانت كل لذة خيراً، وكانت س لذة فإن س هي خير ” لإثبات صحة قياس في صورة الضرب Felapton (من الشكل الثالث)، وإذا ما كانت ” لا س ” هي خير، وكل ” س”، فإن بعض ما هو لذة ليس خيراً (15).

وتوجد إشارة مماثلة لهذا في الفقرة التالية ” لننظر ثانية ما إذا كان النوع المفترض يصدق علي شيء ما، ولكن الجنس لا يصدق عليه، مثل ما إذا جعلنا الموجود أو الذي يمكن معرفته جنساً للذي يمكن أن ندلي برأي عنه. لأن الذي يمكن أن ندلي برأي عنه يمكن أن يحمل علي شيء غير موجود ( لأن كثيراً من الأشياء غير الموجودة هي موضوعات للفكر)، ولكن من الواضح أن الموجود والذي يمكن معرفته هو جنس للذي يمكن أن ندلي برأي عنه (16).

وفيما يلي قياس من الضرب Ferison من الشكل الثالث ط إذا كان لا واحد ما هو غير موجود،، موجود وبعض ما هو غير موجود يمكن التفكير فيه، فإن ليس بعض ما يمكن التفكير فيه يكون غير موجود، ويمكن رد هذا القياس إلى قياس من الضرب Darii من الشكل الأول، فنقول ” إذا كان كل شيء نفكر فيه موجوداً وبعض غير الموجود يمكن التفكير فيه، فإن بعض غير الموجود يكون موجوداً (17).

وفي هذين المثالين من الأقيسة كما في التحليلات الأولى، يشير أرسطو إلى الشكل الأول للرد، ولكنه يصوغ أمثلته دون استخدام متغيرات (18).

وثمة نقطة أخري جدية بالإشارة، وهي أن كتاب الطوبيقا لم يقطع صلته بالفكر المنطقي الأفلاطوني، بدليل أن ممارسة فني التصنيف والتعريف في الأكاديمية، هي التي حددت محتويات كتاب الطوبيقا، ومن المحتمل أن تكون نظرية المحمولات هي التي اكسبت كتاب الطوبيقا الوحدة بما تنطوي عليه من وحدة قد درسها الأكاديميون من قبل، لأن “أرسطو” يعرض للمصطلحات الأساسية، مثل الخاصة والعرض والجنس والنوع والفصل، كما لو كانت معروفة من قبل. وكتاب “الطوبيقا” هو نتاج للتفكير المنهج الجدلي المستخدم في الأسئلة المتعلقة بالتعريف والتصنيف (19).

علاوة علي أن القصد من كتاب “الطوبيقا”، فيما يقول أرسطو هو ” أن نستنبط طريقاً يتهيأ لنا به أن نعمل من مقدمات ذائعة قياساً في كل مسألة تقصد “(20)، فإن الكتاب يكون في الواقع عملاً منطقياً قائماً علي مبدأ عام يمكن علي أساسه البرهنة علي أمور حسية، وهذه المبادئ إما أن تكون قواعد منطقية – ويوجد هنا عدد ليل من هذه الواعد علي عكس ما يحدث في التحليلات أو إرشادات منهجية وملاحظات سيكولوجية (21).

من كل ما سبق يتضح لنا أن كتاب الطوبيقا لم يتعد مرحلة الممارسة العفوية للتفكير المنطقي السابق علي أرسطو، حتي وإن انطوي علي بعض القواعد المنطقية، بدليل أن لغة كتاب “الطوبيقا” هي نفس لغة “أفلاطون” ومن قبله السوفسطائيين والأيليين. ولذلك فإن كتاب الطوبيقا هو أحد مؤلفات الشباب التي كان يتمرس فيها “أرسطو” للتدريب علي صياغة القواعد النظرية لعلم المنطق كما جاءت بعد في التحليلات الأولى... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

1- W. Kneale , M. Kneale: The Development of Logic ,Clarendon Press , Oxford , 1984 , P.23-24.

2-روبير بلانشي: المنطق وتاريخه، ص 41.

3- أ. م. بوشنسكي: المنطق الصوري القديم، دار الثقافة لدنيا الطباعة والنشر، 1990م، ص 102-103.

4-نفس المرجع، ص 103.

5- د. محمد فتحي عبد الله: الجدل بين أرسطو وكنط، دار الوفاء، الاسكندرية، 1999م، ص 36.

6- أ. م. بوشنسكي: المرجع السابق، ص 104.

7- نفس المرجع، ص 104.

8- نفس المرجع، ص 104.

9- نفس المرجع، ص 105.

10- نفس المرجع، ص 105.

11- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص46.

12- أرسطو: منطق أرسطو، ج1، تحقيق عبد الرحمن بدوي، ط1، وكالة المطبوعات، الكويت، 1980، ص225.

13- د. حسن عبد الحميد: التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم الحديث، بحث منشور ضمن كتاب نظرية المعرفة، مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، 1988م،.. ..، ص 201.

14- Aristotle: Topica, Translated by W. A. Pickard-Cambridge، B.IV،ch.1, 120b, 17-20.

15- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص 125.

16- Aristotle: op cit، B.IV,ch.1،101b, 20 ff.

17- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص 125.

18- W. Kneale , M. Kneale The Development of Logic, London, 1990, p.38-39.

19- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص 127-128.

20- Aristotle: op cit، B1،100a, 1 ff.

21- أ. م. بوشنسكي: المنطق الصوري القديم، ص 128.

 

نبيل عودة(تاريخيا الثقافة جاءت بالأساس لخدمة الاستراتيجية الإمبريالية، لذلك هي متشابكة ومتواطئة مع المجتمع الذي انتجها) المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي حذر من الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي (الثقافة أضحت اليوم القوة المحركة للقضاء على كل اشكال الاستعمار والاستبداد).

في كتابه المثير للتفكير (الثقافة والإمبريالية) للمفكر الفلسطيني (الأمريكي الجنسية) د. ادوارد سعيد، والثري بالمعلومات وخاصة حول تطور الرواية عامة وتطور الأدب ضمن اطار التطور الرأسمالي، كأدب يسوق الفكر الامبريالي عن الشعوب المستعمرة والمتخلفة حضاريا مؤكدا المزاعم السياسية للإمبريالية عن الشعوب الخاضعة والنظرة الدونية لها، والمبرر لاستعمارها، بل ضمن الكتاب يعتبر ادوارد سعيد مثلا رواية روبنسون كروزو كدليل عن دور المستعمر في تعليم الشعوب المتخلفة أسس التعامل الحضاري وإعادة تربيتها. وهذا لا ينفي النظرة الإمبريالية المهينة للشعوب الخاضعة للاستعمار ورؤيتها كشعوب مزعجة وهمجية إلى حد كبير، وانها ثقافيا، اجتماعيا وسياسياً هي شعوب متخلفة ولا ترقى لمستوى المستعمر الحضاري. وان استعمارها هو خدمة لترقيتها وتنويرها. وبالتالي لا تستحق أكثر من ان تكون تحت سيطرة الاستعمار واحتلاله. 

"الثقافة والامبريالية"، يتميز بما يطرحه برؤيته المتميزة والجديدة فكريا ونقديا، بمجمل الفكر الإنساني، حول العلاقة بين الثقافة والامبريالية، مقدما تصوره بأن الثقافة جاءت بالأساس لخدمة الاستراتيجية الإمبريالية، لذلك هي متشابكة ومتواطئة (كجهاز اعلامي) مع المجتمع الذي انتجها، وهي شكل من أشكال الاستعمار (الثقافي) الإستعلائي.

يقول د. سعيد في مقدمة كتابه: "ان معظم محترفي العلوم الإنسانية، عاجزون عن ان يعقدوا الصلة بين الفظاظة المديدة الأثيمة لممارسات مثل الرق، والاضطهاد الاستعماري والعنصري، والاخضاع الامبريالي من جهة، وبين الشعر والرواية والفلسفة التي ينتجها المجتمع الذي يقوم بمثل هذه الممارسات من جهة أخرى".

يوضح د. سعيد فكرته حول اندماج الثقافة الكلي مع امبرياليتها بنموذج الامبراطوريتين الاستعماريتين السابقتين، فرنسا وانكلترا، وخاصة إنكلترا، التي كانت تقف في طبقة امبريالية خاصة بها، أكبر وأفخم وأشد مهابة من أي امبراطورية استعمارية أخرى، وفرنسا التي كانت على مدي قرنين، بتنافس مباشر مع إنكلترا، لذلك كما يقول د. سعيد :"ليس من المفاجئ في شيء ان فرنسا وانكلترا تمتلكان تراثا غير منقطع من الكتابة الروائية، لا نظير له في أي مكان آخر، وأن أمريكا التي بدأت تصبح امبراطورية امبريالية في اثناء القرن التاسع عشر، لم تحذُ حذوهما إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد فكفكة استعمار الامبراطوريتين فرنسا وانكلترا".

الكتاب مثير في طروحاته وربما يحتاج الى كتاب آخر لعرض مواضيعه الفكرية المثيرة التي تعتبر فاتحة في الفكر الإنساني كله. فهو الى جانب ذلك مليء بالفكر النقدي والتحليلي المبدع، خاصة حول مفاهيم مثل الثقافة ودور المثقفين.

الكتاب اثار لدي الاهتمام المجدد بموضوع طرح ويطرح اليوم أيضا بأشكال عدة، ويتعلق بموضوع علاقة المثقف مع السلطة. ان المثقف ليس مواطنا عاديا، ليس من ناحية الحقوق الاجتماعية والسياسية، إنما من ناحية التأثير الفكري، وقدرات المثقف على خلق مواقف لها أثرها في تكوين مفاهيم اجتماعية كثيرة والتأثير الفعال على الراي العام، ليس بجانبه الثقافي فقط، إذ يقول ان المثقفون أيضا هم نتاج النظام الاجتماعي والسياسي (السلطة) فما هي قواعد العلاقة، بين المثقفين والنظام الاجتماعي والسياسي؟ هل هي علاقة انتقائية من المثقف او من السلطة؟ ام هي علاقة تفرضها السلطة حسب نهجها وفكرها ومصالحها؟ المثير هنا هل يمكن الافتراض ان السلطة هي التي تخلق مثقفيها؟ وانه لا مجال تاريخيا لوجود مثقفين خارج النهج الرسمي للدول الامبريالية؟ طبعا القصد ليس عصرنا المتحرر، عصر العولمة الذي أصبحت حدوده ما بعد السماء، بل عصور النهضة الاستعمارية في بداياتها وتطورها إذا صح تعبير النهضة لوصف الاستعمار الاستبدادي؟

من الطرح السابق يتضح انه من العبث الرؤية بأن الثقافة مسالة عليا، لا يربطها بالقضايا السياسية والتاريخية أي رابط. ان الثقافة في كل زمان ومكان، كانت بارتباط وثيق بالسياسة. الثقافة هي المعيار الذي يشمل كل المنتوج الاجتماعي، الاقتصادي، العلمي الفني والأدبي. لذلك لا يستطيع المثقف ان يكون منعزلا عن السياسة، لا راي له لما يجري حوله من تطورات واحداث هو في التلخيص الأخير نتاج لها.

هل يستطيع المثقف مثلا ان يكون بلا راي من قضية الديموقراطية؟ من العلاقة بين الدين والدولة؟ من الصراع بين العلمانيين والمتدينين؟ او من قضايا التنمية؟ او من قضايا سياسية دولية ملتهبة مثل العدوان، الاحتلال، جرائم ضد الإنسانية وخطر الحرب المدمرة بشكل عام؟

هل يستطيع المثقف ان يتجاهل قضايا اجتماعية متنوعة كمسالة مساواة المواطنين؟ تحرير المرأة ومساواتها في الحقوق؟ قضايا البيئة؟ او من المفاهيم الجمالية للإبداع الأدبي والفني؟ مثلا المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي (1891-1937) حذر من الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي.

عن دور المثقف يقول ادوارد سعيد في كتابة عن "الآلهة التي تفشل دائما"، على المثقف ان يكون واع لكل التعميمات التي تحدت والافكار التي تطرح من قبل وسائل الاعلام، المرئية، المسموعة والمقروءة، التي لا بد ولها توجهات وايدولوجيات معينه وافكار ربما تكون هدامه. على المثقف ان يفهم هده الافكار ويتنبه لها، وان يتصدى لما يراه منها ضار بالمجتمع وان يتكلم عنها وينبه لها، وان يكون البوصلة الحقيقية للمجتمع التي تسهم في اعاده توجيهه نحو الوجهة الصحيحة".

اذن الثقافة قطعت مرحلة تاريخية، من كونها نتاج الامبريالية، الى القوة المحركة للقضاء على كل اشكال الاستعمار والاستبداد.

 

نبيل عودة

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن قراءتنا النقدية لكتاب الدكتور ميثم الجنابي "محمد رسول الإرادة"، وهنا نتساءل: والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف "ميثم الجنابي" في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في اعتقادي أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن المؤلف ظل يطرح الأسئلة الكبرى، ثم يقدم الإجابة عنها بطريقة المحاججة العقلية البعيدة عن التعسف والاتهام، كما ظل يتكئ علي أكثر من شاهد وأكثر من دليل حتي يجلو الفكرة ويؤكدها، دون الاعتماد علي الشوارد من الشواهد أو المفرد من الأدلة، وخير مثال علي ذلك قوله: لقد أجبر النبي محمد العرب الوثنية على التفكير و"الإبداع" بالشكل الذي يخرجهم عن مألوف ما تعودوه من صيغ الكتابة والتفكير. وشأن كل إجبار "متسام" اتخذ في بادئ الأمر صيغة الإمكان أو الاحتمال المعقول. وحالما تصبح الإمكانية واقعا مقبولا في التأمل والتفكر حينذاك يصبح الخروج على المألوف جزءا من العقل والإيمان. من هنا يمكن اعتبار استعدادهم على أن "يقولوا مثل ما يقوله" إقرارا ضمنيا بإمكانية وقبول الارتقاء عن تقليد الأسلاف، أي انه أجبرهم على الخروج من قيود العادة وأوهامها. وليس مصادفة أن يتوصل الفكر الإسلامي لاحقا للقول، بأن المعجزة هي "خرق العادة"، بمعنى الخروج عن المألوف. بمعنى الإبقاء على إمكانيتها بوصفها إبداعا ممكنا. بعبارة أخرى، ليست "المعجزة" ما هو مستحيل بالطبع، بل ما هو خارق للمألوف. وقد تمتعت هذه الفكرة بقدر هائل من الاستعداد للتغير والتجسد والبرهنة والتحقيق في مختلف الميادين. لكن الميدان الأكبر والأكثر جوهرية بالنسبة لمحمد كان يقوم في استبدال "الجاهلية" بالإسلام، والبرهنة على انه أمر ممكن بما في ذلك تحقيقه في مشروع كوني جديد (30).

كما راح " ميثم الجنابي" يعلق بين الفينة والأخرى، ويحاور القارئ ويشركه في الحوار، ويبدي غضبه أحياناً ممن يمس عقيدته أو ثوابته، حتي ليجعل بعض العبارات القرآنية لازمة تتكرر عنده كعبارة، كما نراها في الآية القائلة:{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فانزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى}؛ وهنا يقول ميثم الجنابي:" إننا نعثر في هذه الآية على وداع رمزي للجاهلية، يتضمن في الوقت نفسه نفيها الشامل، من خلال نفي حمية الدماء بسكينة الروح، والجاهلية بالتقوى. كما نعثر فيها أيضا على تمثل فعلي سوف يظهر لاحقا في تحويل الجاهلية إلى مرحلة ضرورية بالنسبة للوعي الديني والتاريخي والثقافي، عندما أدرجتها الثقافة الإسلامية في فلك الإيمان والعقل والمعرفة والتاريخ، أي عندما حولتها إلى معيار الإدراك اللغوي الدقيق والحقيقي لمعان القرآن، وجعلت من نتاجها الأدبي نموذجا "كلاسيكيا" للمقارنة والاقتداء، بحيث جعلت من فضائلها الكبرى فضائل الإسلام نفسه. ولم يكن بإمكان هذا التحول أن يحدث إلا بعد تذليل الجاهلية بوصفها نموذجا وأسلوبا في التربية والفكر والسلوك والنفسية والقيم" (31).

كذلك يحسب للمؤلف قوله:" كان الحدس النبوي الأول لمحمد يقوم في تعلم قراءة الوجود وليس خطوط القلم. فقد كان الخطاب الأول من أعماق حراء أو من أعماقه يَصْبّ في هذا الاتجاه، بمعنى أن يتعلم قراءة الوجود بقلم "الإبداع الإلهي"، الذي خلق الإنسان وغرس في أعماقه مهمة تعلم ما لا يعلم. وليس مصادفة أن يطلق النبي محمد على وجود العرب آنذاك لفظة الجاهلية، بسبب عنادهم في الأعراض عن التعلم وبالتالي البقاء فيما كان وبَقى. وهذا هو  عين الجهل. وقد كان ذلك بداية ما يمكن دعوته بالجهاد الأول، أي تحدي الجاهلية بالفكر والفكرة، والذي نعثر عليه في اغلب الآيات القرآنية عن الدعوة للتفكر والتأمل والعلم والمعرفة عبر مخاطبة القوم والإنسان بشكل عام بعبارات "ذوي العقول والأفئدة".  الأمر الذي جعل فكرة المجاهدة في العلم مقدمة العمل بوصفها إرادة حية تجاه الحاضر (32) ؛ وأيضا قوله:" قدّم محمد في نبوته الإسلامية ديناً جديداً وتشريعاً خاصاً له رؤيته المتميزة تجاه كل الإشكاليات والقضايا التي واجهها في مجرى صراعه ضد الوثنية العربية أولا، ثم اليهودية ثانيا، والنصرانية ثالثا (33).

كما نجد " ميثم الجنابي" يجمل آراءه باختصار شديد وهدوء لافت، مدافعاً عن منهجه، مبرزاًً حقه في الجدل والنقاش ليس بغرض التجريح الشخصي، بل بحثاً عن الحقيقة العلمية، وفي إشارة من إشاراته الدالة النادرة يكبر المؤلف في صاحب المشروع اعتداده برأيه والجهر فيه بلا مواراة أو تمويه، مؤشراً إلي ضرورة أن علماءنا المعاصرين عن بنية معرفية تبني ولا تهدم، ومن ذلك قوله: صنعت الإرادة الفردية لمحمد شخصيته النبوية، كما صنعت شخصيته النبوية إرادة تاريخية أو طاقة تاريخية ثقافية كبرى وجدت تعبيرها وتحقيقها في الثقافة الإسلامية اللاحقة وحضارتها. بعبارة أخرى، لقد جعلت الإرادة الفردية المتسامية من محمد نبياً، بينما جعلت إرادته التاريخية الكبرى من النبي محمد رسولاً ذا رسالة وشريعة؛ وجسّدت الشخصية المحمدية وحققت فكرة الإرادة التاريخية، بوصفها الإرادة المتفائلة تجاه المستقبل، وذلك لأنها كانت منذ بداية النبوة مليئة باليقين. ونعثر على هذه الحالة النفسية والعقلية للإرادة المحمدية من ناحيتها الفكرية المجردة في ظهور عبارات "عين اليقين" و"حق اليقين" في الآيات الأولى للوحي القرآني. ووجد ذلك تعبيره العملي الدقيق والواضح والجلي والمستميت من أجل تحقيقه في العبارة العميقة والمباشرة التي واجه بها طلبات وتحديات قريش من أجل ترك النبوة والتخلي عنها: "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أنْ اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" (34).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور ميثم الجنابي  تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد في نظري الفيلسوف العراقي الكبير الذي استطاع أن يكون له في كل الشرق والغرب صوت، وفي كل ناد رأي، وفي كل صحيفة بحث، حتي اشتهر أمره، وذاع ذكره في روسيا وسائر الأقطار الأوربية والعربية، وهو عالم بكل ما في هذه الكلمة من معني، وكاتبا، تملأ مقاله  من قوة الحجة آيات بينات، وسياسياً وطنياً، صادق العزم ما وقعت الغرامات ـ وأستاذا في فنه، لا تستعصي عليه منه المشكلات، وهو نعم الرجل الوفي، الذي يضحي في سبيل صداقته، ونعم الباذل للجهد والفكر في سبيل سعادة الوطن وسعادة بنيه. وهو من الرجال الذين تجدهم  من ثبات علي المبدأ، واستقلال في الرأي، وإدراك  لمعني الحياة الحرة البريئة، علاوة علي أن حياته تعد درساً بليغا لمن شاء أن يتعلم: يتعلم الصلابة في القومية، والإخلاص للوطن، والدفاع عن وادي الرافدين مسقط رأسه، ويفني في خدمة قومه، وفي خدمة وطنه.

لقد كان ميثم الجنابي عالما في الفلسفة، وحجة في السياسة، وكاتبا  حكيما،  وكان علي كثرة متاعبه، وتعدد مشاغله، وتنقلاته من ساحة إلي ساحة، ومن تخصص إلي تخصص، يختلس من الليل ساعات، ومن الراحة فترات .. وكثيراً ما كنت استشعر أنه كان صحفيا بطبعه وسليقته، فكم امتلأت الصحف بأخباره، وأفكاره، ونوادره، وتحفه، وكم نقلت عنه أروع ما ينقل عن الوطني، عن الفنان، عن المبتكر، عن المجدد  .. وتلك هي ثروة الأفذاذ العباقرة، كبار النفوس، كبار القلوب.

علاوة علي كونه يمثل شعلة وهاجة، وحركة دائمة، وعربيا صميما، وجرئياً صريحاً، لا يداهن ولا يرائي، يصدر عن عقيدة، ويعمل في غير جلبة، عرفه الكبير والصغير، ولمس فضله الوزير ورجل الشارع وهو والله صورة فريدة من صور الرجال، بعلمه وبيانه وعمله ووطنيته، فطر علي صفات نادرة، سيرته في مراحل عمره سيراً حفل معه بالطيبات، واتجهت قواه منذ صباه لخدمة المصلحة  العامة، وعمل علي هيئته في تواضع خال من التمجيد والتبجح، وما طلب العوض والمكافأة عما أجهد  نفسه فيه، ذلك  أنه كان متشبعاً بروح النهوض، ويعرف كيف يرضي ضميره بأداء فرض لا بد من قضائه. قل أن رأيت من أهل صناعة هذا الرجل العظيم من هضم علمه مثله، أو جمع إلي علمه معارف تمثلها، وهي ليست بحسب الظاهر من اختصاصه أو شارك في مسائل كثيرة مشاركة المستقصي الحصيف، لا مشاركة النتفة.

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب " محمد رسول الإرادة"، كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة، وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت عنه في أحد مقالاتي بأن ميثم الجنابي نموذج كبير لـ "الفيلسوف والإنسان".

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.........

(30) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، ص 114.

(31) نفس المصدر، ص 116.

(32) نفس المصدر، ص 131.

(33) نفس المصدر، ص 162.

(34) نفس المصدر، ص 172-173.

 

عبد الجبار الرفاعيبعد 24 عاما من عملها على بناء فضاءٍ للتفكير النقدي والنقاش والبحث في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، والخروج من تكرار الشروح والكتابات الوعظية والتبجيلية المكرّرة، استطاعت مجلة قضايا إسلامية معاصرة تخصيص 72 عددا من أعدادها الصادرة في سنواتها الماضية لدراسة الموضوعات المحورية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد.

يصدر في بيروت هذا الأسبوع العدد الجديد 73-74 من مجلة قضايا إسلامية معاصرة. تخصّص المجلة هذا العدد للقسم الأول من دراسة: (مشكلة الشر – 1)، وتعمل على أن تستكمل البحث والنقاش في هذا الموضوع في العدد القادم، وربما في عدد ثالث يليه إن وجدت إسهامات جادّة بالعربية، أو موضوعات مترجمة من اللغات الأخرى.

2373 قضايا 1تقدّم هذه الدورية منجزَها هذا للأساتذة والباحثين وطلاب الدرسات العليا في الجامعات ومعاهد التعليم الديني والحوزات، وكلّ المهتمين بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، عسى أن يتنبه الخبراء لدراسة هذا الموضوع، الحاضر على الدوام في الكلام  حول وجود الله وعلمه وقدرته وإرادته وأفعاله وعدالته.

كانت مشكة الشرّ ومازالت من القضايا التي لم يتعطّل فيها التفكر، يتساءل الناس عن الكوارث الطبيعية والزلازل والأعاصير والأوبئة وغيرها، يتساءل عن ذلك الناس بمختلف درجات وعيهم، وهكذا يتساءلون عن الظلم والعنف الذي يصدر عن الإنسان، واعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، واعتداء الإنسان على الكائنات الأخرى في الأرض، واعتداء الإنسان على الطبيعة وتخريبها.

على الرغم من شدّة الحاجة لدراسة مشكة الشرّ، وفرض سؤال الشرّ لحضوره كسؤال ميتافيزيقي إنكاري معلن في أحاديث وكتابات بعض الباحثين والأساتذة والتلامذة، ومختبئ أحيانا لدى غيرهم من البشر. طالما أعلن السؤالُ الإنكاري عن الشرّ حضورَه بكلمات وعبارات لا تخلو من استغاثة وعتب واحتجاج على لسان الأمهات والآباء الذين يفجعون يفقدان أبنائهم، والناس الذين يتعرضون لمصائب ونكبات شتّى في كلّ المجتمعات.

2373 قضايا 2التأليف والبحث في موضوع الشرّ مازل فقيرا باللغة العربية، فلم نقرأ دورية فلسفية أو دينية عربية أفردت عددا لـ"مشكلة الشر"، ولم نقرأ كتابات جادّة تتناول الأسئلة الكبرى في هذا الموضوع الأبدي، ولم نعرف تخصيصَ ساعات في الدراسات العليا تهتم بدراسته فلسفيا ولاهوتيا وكلاميا. ظلّ هذا الموضوع للأسف مهملا في الدراسات العليا في كليات الفلسفة والكليات اللاهوتية والدينية، وغفل عنه أغلبُ التلامذة والأساتذة.

من هنا بادرت قضايا إسلامية معاصرة لدراسة هذا الموضوع، وانشغلت بالإعداد له منذ سنوات، كانت الصعوبةُ في ندرة الخبرة البحثية في مشكلة الشرّ بالعربية، لذلك هاتفت المجلة وراسلت باحثات وباحثين تحترم تكوينَهم الأكاديمي وخبرتَهم العلمية والبحثية في الفلسفة واللاهوت والأديان، وترجمت مادة وفيرة من لغات أخرى، ولم تصدر هذا العدد إلا بعد أن تراكمت لديها مادة وفيرة تغطي أكثر من عدد. بادرت قضايا إسلامية معاصرة لدراسة "مشكلة الشر"، بمداخل متنوعة: فلسفية، ولاهوتية، وكلامية، وأخلاقية، ودينية مقارنة، عسى أن نستمع لصوت يتحدّث لغة بديلة تحدّثنا بما لم نقرؤه من قبل. تعرب مجلة قضايا إسلامية معاصر عن امتنانها لكلّ المشاركين فيها من الكتّاب والمترجمين، ولكلّ من دعمها ووقف معها في مسيرتها الطويلة، وكلّ من اهتم بها وقرأها ونقدها.

2373 قضايا 3كما تعرب عن امتنانها لعائلة صبورة أنفقت جهودا منهكة، وكافحت لسنوات طويلة من أجل أن تفرض مجلة قضايا إسلامية معاصرة حضورَها النوعي للانتقال بالاجتهاد والتجديد لآفاق بديلة للتفكير الديني، تنتزعه من ركام الكلام المكرّر منذ قرون، والانسداد الذي أرهقه الأزمنة السابقة. وقد استطاعت أن تنجز شيئا من أحلامها في بناء حقل دراسات فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد بالعربية الذي دشّنته منذ ربع قرن تقريبا. قضايا إسلامية معاصرة نجحت في تدشين فضاء رحب للتفكير الديني، وسمحت لكتّابها بالبحث والنقاش بحرية في كلّ موضوع يتناولونه في الدين والدنيا، وإن كان ذلك الموضوع من الممنوع التفكير فيه.

تحية وامتنانا للأستاذة انتزال الجبوري، الأم، سكرتيرة التحرير، ومحرّرة النصوص الذكية.

تحية وامتنانا للدكتور محمد حسين الرفاعي، الابن، مدير التحرير، واستاذ علم الاجتماع والفلسفة اليوم في الجامعة اللبنانية والجامعة اليسوعية ببروت، والذي لولا جهوده منذ وقت مبكر من حياته لم تصدر هذه المجلة، ولولا إصراره على المضي في الطريق، لم تواصل مسيرتَها كلّ هذه السنوات الطويلة.كنا كلّما تعبنا من العمل المنهك وقرّرنا التوقف يرفض محمد حسين ذلك بشدّة، ويصرّ على المضي في الطريق مهما كانت العوائق.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

محمد لمعمر"ففي الدولة يظهر المواطن مشخصا بكل مقوماته الذاتية، وله مكان فيها يبدوا وكأنه خلية في بناء هذا الجسد الكبير لا تعرف له ذاتية، فهو خيط من الخيوط الكثيرة المتلاحمة التي تكون منها هذا الجسد[...] إذا؛ كل من المواطن والدولة مكمل للآخر، فلا تكتمل حقيقة المواطنة لدى المواطن بدون دولة ولا تتشكل دولة بدون تواجد المواطنين الذين هم لبها الحقيقي". روسو: في العقد الاجتماعي، ص 85.

الومضة الأولى: استهلال

يمثل الباحثان دومنيك شنابر وكريستيان باشولييه امتدادا نوعيا للمفكرين الحقوقيين الذين عملوا على القيام بحفر جينيالوجي لمفهوم المواطنة، بحيث فككا مفهوم المواطنة، بوضعها في سياقها التاريخي، ووصلها بالفكر الديموقراطي الحديث المميز للحداثة السياسية والقانونية. فأسسا قولا حول أصول وأسس المواطنة، ومبادئ الحداثة السياسية والفردانية الديموقراطية، حيث الربط الجدلي بين التقدم الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي والقانون وميلاد الحداثة السياسية كفكر وممارسة، حداثة معبرة عن قوة العقل، في انتشال النفوس الآدمية من عالم الاحتراب والصراع إلى عالم التعايش والمواطنة العالمية. فالدعوة إلى إرساء ثقافة المواطنة يتطلب من وجهة نظر الباحثان ديموقراطية تربوية وتعليما ناجعا وفعالا، يأخذ بعين الاعتبار مختلف الوضعيات التي يوجد عليها المواطن، وضعية يجب بالضرورة أن تكون موشومة بالوعي والإرادة والقدرة على الاختيار، في أفق تعزيز ثقافة الانتماء. فالديموقراطية والمواطنة وحقوق الانسان بمختلف اشكالها، تشكل وحدة منسجمة ومتكاملة لا تقبل التجزيء، وتلك نظيمة فكرهما وأنسوجة نظرهما، حيث الرؤية العميقة في الطرح والمعالجة، والميل إلى التريث وعدم التسرع في إصدار الأحكام وتوزيع الفهومات، منبهان، إلى أن المواطنة ليس مجرد أحلام طوباوية من فعل المخيلة، ولكنها ممارسة واقعية معها يتبدى الفعل والسلوك والتصرف وحيازة الحقوق في العالم المعيش، كالحق في التنقل والتعبير الحر عن الرأي، بدون قمع أو تعذيب أو تعنيف أو اعتقال. تعزز ذلك بالحقوق الذاتية كالحق في السكن، والحق في السعادة.

إن الباحثان يتقمصان دور الرائي الذي يستشرف مسار وصيرورة المواطنة من الاغريق إلى الأزمنة الحديثة، مؤكدان على أن المواطنة رغم تأسيسها على مبادئ الديموقراطية، إلا أنها سهلة الانعطاب بسبب غباء نظام سياسي، وظلم استبداد حاكم. معنى ذلك؛ أن المواطنة معرضة لعدة شوائب، وأمامها غياهب وغياهم ومهامه، تمس جذورها نتيجة أفعال لا إنسانية، كالعنصرية والعنف، لذلك، فالمواطنة لا تتأسس على فكر ماضوي مضى، ولا على الخيالي والطوباوي، وإنما على فكر واقعي، مؤسس على صخور صلبة، وليس على رمال هشة ومتحركة، مع ضرورة تجذير ثقافة المواطنة في المقررات التعلمية وصياغة القوانين الصارمة، والتعاقدات المعقولة، الخالية من الميولات الإيديولوجية النفعية.

وكأني بالباحثان يلهجان بضرورة إرساء دعائم ثقافة ديموقراطية حقانية تؤمن بالتعددية السياسية، وتحفظ الكرامة الإنسانية، وتنهل من فكر التسامح الأسس والمبادئ. وتحقيق ذلك، يتطلب الجمع بين تربية واعية وسلطة حاكمة وعادلة، وقوانين تحقق المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص. وعليه، فصاحبا الكتاب- قيد الدراسة- أسسا رؤيتهما بالانفتاح على روافد معرفية متعددة، كالانفتاح على علم السياسية والفكر الفلسفي النقدي خاصة مع الماركسية، والمقاربة الاجتماعية خاصة مع اميل دوركايم، لفهم عمق ثنائية الأفراد والمجتمع. بهدف تعميق النظر حول المواطنة كمفهوم مركزي في أطروحتهما مستحضران المفاهيم المجاورة والضرورية كالسياسة، والحقوق، والدولة، والديموقراطية، والمجتمع، والأفراد، والأمة، والتعددية الثقافية.

فما أحوجنا نحن العرب والمسلمين إلى أطروحة الكتاب حول مفهوم المواطنة، خصوصا في زمن التوترات السياسية، وبروز الطائفية والعشائرية خاصة في العراق ولبنان واليمن، والاعتقالات اللاقانونية لرجال الصحافة، وتلفيق التهم المجانية والتشهير بمن يخالف السلطوية سياستها، فمن الواجب إعادة النظر في مفهوم المواطنة. ولا عيب في ذلك، مادام الحديث عنها يدخل في باب المتاح للبشرية بلغة عبد الله العروي، ولأننا لسنا بدعا من الأمم والشعوب والحضارات، فمن حق العقل العربي أن يؤسس قولا حول المواطنة يتماشى والهوية والتاريخ والواقع، شريطة عدم الانغلاق على مفهوم الهوية، وفي نفس الوقت يكون منفتحا على الكوني والعالمي، لخلق منظومة فكرية عربية، لترسيخ ماهية الحقوق وكينونة المواطنة. نحتاج إلى التفكير الحقوقي الجماعي في أسس وشروط ومقومات المواطنة المغربية في ظل أزمة كوفيد 19، حيث صار الحق في الحياة مقدم وبقوة على جميع الحقوق، ففهم المواطنة لحظة تاريخية للوقوف على أعطابنا وأمراضنا الاجتماعية والسياسية والحقوقية والقانونية، والوعي العميق بعلاقة الدولة بالمواطن، والمواطنة بالتراث، والعلمانية بالمواطنة، والمواطنة وجدل الدين والدولة، الدين والسياسة.

الومضة الثانية: ماذا عن الكتاب؟

إن الناظر الممعن في كتاب ما المواطنة؟ يلف نفسه أمام كنز سياسي وحقوقي من 365 صفحة مقسم إلى أربعة فصول كبرى، خصص الفصل الأول للحديث عن الحداثة السياسية في الزمن الحديث وعلاقتها بالمواطنة، والفصل الثاني تطرق لأهم الانتقادات التي وجهت للثورة الفرنسية والفكر الثوري المتطلع لبناء المواطنة على مبدأ سيادة الفرد واستقلاله فكرا وعملا، على حساب المجتمع. بينما الفصل الثالث عالج مسألة المؤسسات الضامنة للمواطنة، وقضية الدولة الحامية ومسألة الشرعية السياسية وأصل السلطات. والفصل الرابع تم فيه النظر لمسألة الفردانية الديموقراطية. وكيف أن تضخم الحقوق الفردانية، يؤدي إلى إعادة ترتيب دور المؤسسات وتفكك الروابط الاجتماعية. وأخيرا الفصل الخامس الذي اثار قضية المواطنة في علاقتها بالأمة والحقوق الثقافية للفرد والجماعة. لهذه المعطيات يمكن القول إن الباحثان حاولا معالجة القضايا الآنية:

- في الأزمنة الحديثة صارت الأمة هي مصدر السلطات، ومعها تجذرت المواطنة فكرا وحقوقا وحريات. فمبدأ الشرعية السياسية مستمد من الأمة عن طريق الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية، بهدف ترسيخ مواطنة على أسس قانونية وعقلية وتعاقدية، بعيدا عن شوائب الطائفية والعشائرية.

- المواطنة الحديثة تتأسس على ضرورة حياد الدولة تجاه الطوائف والمعتقدات الدينية، فالمواطنة تنبني على مبادئ لا دينية ولا عرقية. خصوصا وأن المواطنة أنواع متعددة، فهناك المواطنة الإنجليزية التي تختلف عن المواطنة الفرنسية، اختلاف الديموقراطية التعددية عن الديموقراطية الأحادية، واختلاف الشروط والظروف الاجتماعية والتاريخية ومكانة التراث الموروث، وعلاقة الفرد بالمجتمع.

- جذور المواطنة فلسفي حيث النقاش حول أصل الحقوق، طبيعية أم تعاقدية، بموجب ذلك صارت المواطنة حقوق وواجبات وانفتاح المواطنين على بعضهم البعض، لذلك، يتم الحذر الشديد من الفردانية المتطرفة التي هي بنت الثورة الفرنسية.

- المواطنة تتجلى في الديموقراطية التمثيلية والمؤسسات السياسية والاجتماعية، والحقوق الثقافية، ووجود الدولة الحامية، والقوانين العادلة الضامنة لحق كل مواطن في التصويت والاختيار الحر. مع ضرورة الفصل التام بين السلط، تبعا لنظرية مونتسكيو.

لا شك أن المقاربة المنهجية ضرورية لفهم المحتوى الفكري والمضمون المعرفي لأي عمل، والكشف عن المسالك المنطقية التي طبقت في الكتاب وعبر مختلف الفصول، ومن يقرأ الكتاب بوعي وتبصر، يجد نفسه أمام كتابة شديدة الاتساق، عظيمة التنسيق، تفكيكها يتطلب التوسل برؤية معينة للكشف عن المعاني والدلالات الثاوية خلف الألفاظ، حيث يظهر الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي والشواهد التاريخية الكثيرة من الإغريق إلى العصور الحديثة، لتدعيم الرؤية وتقوية التصور، ولا شك في ذلك، لأن قضية المواطنة مشوبة بشوائب التبدل والتغير، توسيما واعتبارا واستشكالا. لذلك، فتفكيك المواطنة يتطلب التوسل بمقاربات فلسفية واجتماعية وسياسية، ولا نبتذل القول هنا، إن قلنا إن الباحثان نهلا من العلوم الرياضية بعض القواعد وعملا على تطبيقها تصريحا وتلميحان مثل الاستنباط الفرضي، الذي يتجلى في الانتقال من العام إلى الخاص، فهما يفككان المواطنة بشكل تدريجي ليصلا إلى إثبات فكرة تتجلى في ضرورة وجود ديموقراطية سياسية ودولة حامية وثقافة قانونية رصينة. وعليه، فالرؤية المنهجية يمكن تقسيمها إلى عدة ابعاد:

1-البعد الفلسفي- الاجتماعي، يتمثل في الحضور المكثف لمجموعة من المفاهيم الفلسفية والاجتماعية، كالحرية والحداثة والمجتمع والدولة والأفراد والمواطن... في أفق فك الاشتباك بينها.

2-البعد النقدي: (الهدم والتقويض)، يتبدى ذلك في عرضهما للنقد الماركسي حول الدولة البرجوازية، المستغلة للدولة والعمال، وعلاقة ذلك بنشوء المواطنة البرجوازية حيث التمييز بين من يملك ومن لا يملك، وعدم إحداث تماهي بين العامل والمواطن. فماهي انعكاسات الحداثة السياسية على مفهوم المواطنة في الأزمنة الحديثة؟ وما هي أسس ومبادئ الشرعية السياسية والمواطنة؟ وما مصدر السلطات؟ الملك كذات مستقلة أم سلطة لاهوتية أم مجموع المواطنين؟ وإذا كانت المواطنة تتحدد بثنائية الحق والواجب، فماهية ضمانة حيازة المواطنين لحقوقهم؟ وما الروابط بين المواطنة والدولة والديموقراطية والأفراد والمجتمع؟ وهل المواطنة كفيلة بتحقيق التوازن بين متطلبات الذات المستقلة ومطلب الاندماج في المجتمع احترام الفضاء العام؟ وماهي انعكاسات الفردانية الديموقراطية على المؤسسات التقليدية والقوانين العامة والحقوق الثقافية؟

فخذ بنا إلى المضامين الفكرية والمحتويات المعرفية.

المحور الأول: الحداثة السياسية، والأراضي البكر للمواطنة

يتحدث الفصل الأول عن الحداثة السياسية التي هي سمة الأزمنة الحديثة، بعبارة هيغل، حداثة تجلت في التغيرات السياسية والاجتماعية والحقوقية، التي رافقت الثورة الأمريكية حيث ميلاد الديموقراطية التمثيلية، والثورة الفرنسية التي أحدثت تغييرا بموجبه تم التمييز بين العصر القديم والحديث، رغم استمرارية حضور القديم في الحديث، فنشأة الحداثة أفضت إلى تشكل مجتمع جديد، سمته، المواطن والمواطنة. هذه الاخيرة صارت هي أساس ومناط الشرعية السياسية، تنظيرا وعملا، تبدى ذلك في المادة الثالثة من إعلان حقوق الانسان، حيث الأمة هي مصدر كل سلطة [1]. ففي في السابق خاصة في العصور الوسطى كانت السلطة تستمد من شخص الملك، كذات مطلقة في مقابل الشعب أو الجمهور الذي هو عبارة عن موضوع، هذا المنطق تبدل وتغير ببزوغ الفجر الرائع لشمس الحداثة السياسية.

صارت الأمة هي مصدر السلطة، والاعلان العالمي لحقوق الانسان، ما هو إلا شعارات لترسيخ مبدأ سيادة الشعب، وأنه مصدر السلطات، حيث أصبح بالإمكان أن يعبر الشعب عن حريته وحقوقه، ويحتج على الظلم الذي يتعرض له، ويصوغ العرائض للمطالبة بحقه، فالحداثة السياسية إعلان عن ميلاد جديد لجملة من المفاهيم السياسية، كالمواطن والمواطنة، والشعب، وتجذير الدور المركزي للشعب باعتباره أصل ومنبع السلطة، رغم ميل بعض الأنظمة إلى المحافظة عن سلطتها التقليدية، وجعل الممارسة السياسية للسلطة من صميم عمل الحكومة. (لا يوجد دستور وإنما حكومة... فكل سلطة مصدرها الأمة... وكل السلطات مصدرها الشعب) [2].

إن الحداثة السياسية أدت الى إعادة النظر في طبيعة الحياة السياسية، فأساس الشرعية ليس الملك أو سلطة متعالية بعيدة عن الانسان، وانما أساسها الفرد، الأمر الذي افضى إلى نقاشات سياسية حادة وعميقة حول أصل السلطة. هل مصدرها الفرد المستقل أم الملك كمصدر تقليدي لكل سلطة أم أن مصدرها مجموع الأفراد؟ وما مكانة مفهوم المواطنة من كل تلك التغيرات؟

يؤكد الباحثان أنه رغم ظهور مفهوم المواطن كفاعل سياسي واجتماعي مشارك في إدارة الشأن العام، الا أن ميراث الملكية لم يختفي من الحياة السياسية، خصوصا في ظل إعادة تأسيس الهيئات السياسية عام 1789، وجعلها مستقلة في عملها، وترسيخ عملها عن طريق منهج سياسي محكم وممنهج، معنى ذلك أن العالم السياسي الجديد جعل الملوك في أوروبا خاصة في فرنسا، يعيدون ترتيب علاقة الإداري بالسياسي عن طريق تدعيم فكرة استقلالية الهيئة السياسية، بعيدا عن شخص الملك، بما في ذلك ضرب عرض الحائط امتيازات كبار الاقطاعيين و وسطوة الكنيسة[3]. وما ساعد على ذلك تأسيس رجال القانون لهيئتي الملك، وهي هيئة مستوحاة من التركيبة الوجودية للسيد المسيح، وبموجبها يقال بحق الملوك الإلهي، هذه التصورات خضعت لنقاش عميق وتم تجاوزها، بناء على شعار: مات الملك، يحيا الملك، غير أن الملك أقر استمرارية تلك الهيئة، وفي هذه الحالة فمصدر السلطة هو الملك، تصورات لم تعد مؤثرة في زمن الثورات والحداثة السياسية، التي أدت إلى تغيرات جذرية على مستوى الفهم والممارسة، وإعادة توطين مفهومي المواطن والمواطنة، وفق أسس سياسية جديدة.

الأمة/ الشعب/ مجموع المواطنين هي مصدر السلطة، ذلك هو شعار الحداثة السياسية وما ترتب عنه من ممارسات سياسية كتجاوز المصالح الخاصة، بحيث لم يعد المواطنين مجرد أفراد ملموسين متسمين بأصولهم التاريخية ومعتقداتهم الدينية وانتماءاتهم الاجتماعية، والتي تحدث التمايز والتفاضل في بعض الأحيان، وإنما أصبحوا مواطنين متساوين في المواطنة. هذه الأخيرة هي المبدأ الذي ينصهر فيه الكل، إنها المساواة المدنية والقانونية والسياسية، فالمواطن ليس ذات منغلقة ومتمركزة على ذاتها، وإنما ذات منفتحة داخل في علاقات تواصل مع الأخرين. انتماءه لفضاء اجتماعي ليس على أساس العرق أو الدين أو التاريخ وإنما المواطنة [4]. فالمواطن له خصائصه وخصوصيته التي تميزه، لكنه أيضا مندمج في المجتمع، غايته تكوين مجتمع المواطنين، في أفق بناء حياة سياسية واجتماعية وحقوقية مشتركة.

المواطنة الحديثة مرتبطة بالنظام الاجتماعي الجديد، الذي هو الأخر انعكاس للنظام السياسي، والمحدد سياسيا بمجموع المواطنين الذين يكونونه، معنى ذلك، أن ثنائية الخاص/ حياة المواطن الخاصة، والعام/ المجتمع، صارت الميسم البارز للحداثة السياسية وللمواطنة كفعل جماعي، وكل حديث عن المواطن في ثوبه السياسي والحقوقي يقتضي بالضرورة الحديث عن ثنائية الخاص والعام، علما أن الخاص يشير إلى حرية الأفراد في حالة اختلاف، بينما العام فهو التساوي في حقوق المواطنين [5]. بدون تفضيل أو تمييز، فجميع المصالح كانت تابعة للمصالح الخاصة، وفي ذلك انغماس في ذاتية الانسان، واعتبار الذاتية أساس الحق والفعل والحركة وبموجبه، نال بعض المواطنين حقوقهم بوصفهم مواطنين وحرمت البقية من ذلك، لكون بعض ليسوا مواطني المواطنة التامة، لأن المواطنة محددة بالمواطنين النشطاء، وعلى الجميع أن يبذل جهدا عقليا واجتماعيا للوصول إلى المواطنة وحيازتها حقيقة لا وهما [6]. فماذا عن الشخص الغير القادر على الوصول إلى درجة المواطنين النشطاء؟ هل تسلب منه المواطنة؟ وما علاقة ذلك بالشرعية السياسية؟

1- المواطنة والشرعية السياسية

إن مبدأ الشرعية السياسية مستمد من الامة ومن الشعب ومجموع المواطنين النشطاء، وهو مبدأ رسخ ضرورة الفصل بين الكنيسة/الدين والسلطة السياسية، أو ما يمكن الاصطلاح عليه بالفصل بين السلطتين الروحية ممثلة في الكنيسة، والزمنية المتجلية في الدولة، فصل تم نتيجة قيام البشر بتأسيس وتنظيم أنفسهم كسلطة سياسية، وصاروا مصدر السلطة لا الكنيسة[7]، علما أن مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة ليس جديدا هنا، فقد سبق لجون لوك أن قال بذلك داعيا إلى جعل الدولة محايدة بغاية ترسيخ ثقافة التسامح حيال جميع الأديان والمعتقدات، والخروج من عالم الاحتراب والتقاتل حول من يملك الحقيقة الدينية والدخول إلى عالم الاحترام والتسامح واستضافة الأخر في الوجود. فالمواطنة تقتضي توطيد دعائم ثقافة التسامح والحوار والايمان بالاختلاف، وفصل الكنيسة/ الدين عن الدولة، والاحتكام إلى العقل لا على المعتقدات الدينية التي تؤدي على الاحتراب، وادعاء حيازة الحقيقة والفهم الصحيح لقضايا الدين.

أساس المواطنة الحديثة يجد نقطة ارتكازه في حياد الدولة تجاه جميع الطوائف والمعتقدات الدينية، بغية خلق عالم التسامح، وعليه فمبدأ فصل الكنيسة/ الدين عن الدولة، يعني في الصميم حديث عن ثنائية الديني والسياسي، ثنائية تشي بوجود واقع مريب موشوم بتداخل الديني والسياسي في أفق إعادة تنظيم الحقل الديني بتنظيم الكنائس/ الدين، وتحديد أدوراها الدينية والدعوية والأخلاقية وإبعادها عن السياسية، هذه الأمور ضرورية (لإدارة المجتمع الديموقراطي) [8]. ولا شك أن الحداثة السياسية لعبت دورا كبيرا في التأسيس لمواطنة حديثة، لأنها خطاب فكري عقلاني غايته الفصل بين النظامين الديني والسياسي. لكن، هل يستطيع الأفراد الذين لا يتأطرون ضمن دين واحد أو أكثر، الاجتماع وتنظيم وجودهم السياسي والاجتماعي والحقوقي بناء على أسس أخرى غير الدين؟ علما أن الدين في جوهره وسيلة لخلق روابط عقدية وأخلاقية تمتد إلى ما هو اجتماعي؟ بمعنى أخر أكثر وضوحا، هل يمكن قيام المواطنة على أسس لا دينية ولا لاهوتية؟

إن التساؤلات السابقة مرتبطة بالإقرار بسيادة المواطن، ومدى قدرة الأفراد على تحقيق المواءمة بين الاستقلال الذاتي للفرد والفروض والالتزامات الجماعية، خصوصا في ظل الضغوط الجديدة الملتصقة بالمجتمع الحديث، حيث كانت المناداة بتحرر الفرد. وهناك توجه ثان يرى بضرورة تقوية الجبهة الاجتماعية والجمعية لمواجهة المخاطر الناتجة عن ازدهار استقلالية الفرد لتدعيم الأعراف الاجتماعية وتماسك المجتمع [9]. نقاش سياسي عميق تم داخل المجالس الثورية ووفق حلقات (حيث تمحورت الأولى حول حقوق الانسان والمواطن أو بعبارة أخرى حول الحقوق الطبيعية والسياسية، والثانية الحقوق والواجبات. أما الثالثة، فدارت حول تنظيم المؤسسات السياسية والتمثيل) [10].

الاقتصار على القول باستقلالية الفرد، لإنشاء قول حول المواطنة، معناه، الانتصار للحقوق الطبيعية السابقة عن الوجود الاجتماعي المنظم بالقوانين، وذلك هو موقف أنصار الحق الطبيعي كجون لوك، وبالنسبة لهم الطبيعي يسبق المدني إلى درجة القول بأن حقوق المواطن تستنبط من حقوق الانسان باعتباره بشرا. وعلى الضد من ذلك يرى أنصار الحق المدني أن الحقوق الطبيعية هي النتيجة المترتبة منطقيا على الحقوق المدنية [11]. فالمسألة هنا، دائرة حول التأسيس والأسبقية، هل الطبيعي سابق عن المدني ويجب التأسيس عليه أم العكس؟ والملاحظ، أن مفهوم المواطنة أفضى إلى الحديث عن مفهوم المواطن الذي هو بالضرورة ذات طبيعية يجب التفكير فيها أولا، وذلك بمعرفة حقوقها الطبيعية التي كانت تتمتع بها قبل بزوغ فجر المجتمع المدني المنظم.

بناء على ما سبق يمكن القول، أن فكرة المواطنة لها جذور فلسفية وسياسية، تمت في إطار نقاش عقلاني حول أصل الحقوق الإنسانية، هنا يرى روسو أن حقوق المواطن هي التي تؤسس حقوق الانسان، بمعنى أن تحديد المواطن كذات طبيعية مندمج داخل المجتمع يؤدي إلى تشكل الحقوق، لأن الانسان لا وجود و لا قيمة له كإنسان، خارج المجتمع، فهذا الأخير هو الذي يمنح للمواطن حقوقه، ويحدد وضعيته السياسية والاجتماعية، عكس انصار القانون الطبيعي، فبتأكيدهم على الأسبقية الانطولوجية للإنسان، على المواطن، يرسخون مبدأ حرية الفرد وأسبقيته على المدني والاجتماعي[12]. بحيث تتقدم المبادئ على التنظيم الاجتماعي للسلطات عكس التيار الذي يقول بالحقوق المدنية والانتصار لفكرة التنظيمات الاجتماعية، وفكرة أن لا حرية بدون قانون يؤطرها. هنا تبرز لدينا مشكلة أخرى، متمثلة في القوانين في حد ذاتها. خاصة القوانين النازية مثلا التي تتنافى مع حقوق الانسان؟ بمعنى أخر، هل كل القوانين يمكن الاستناد عليها لإنشاء فكر سياسي وحقوقي؟ وأيضا ماذا عن اللاجئين والمقيمين بطريقة غير شرعية؟ كيف يتم التعامل معهم؟ هل بناء على مفهوم حقوق الانسان باعتبارهم ذوات إنسانية أم يتم نفيهم وتهميشهم؟ وهل إعلان حقوق الانسان، هو إعلان حول الانسان كإنسان أم إعلان خاص بإنسان معين ومحدد في الزمان والمكان؟

إن السير في اتجاه تحديد حقوق إنسانية محددة لمواطنة يتطلب الايمان بقدرة العقل على صياغة المبادئ التي تحدد الحقوق والواجبات، فلا معنى للحق في غياب الواجب، خصوصا في ظل الدولة المدنية الحديثة، (فكل ما هو حقي، هو أيضا حق للآخر، بحيث لا يمكنني المطالبة لصالحي بما لا يمكنني منحه للآخرين) [13]. إن الواجبات تظهر بشكل تلقائي عند الحديث عن حقوق الانسان، خصوصا وأن مفهوم المواطنة يحيل على انفتاح الفرد على محيطه الاجتماعي، حيث العلاقات المتبادلة مع المواطنين والآخرين. والتي تقتضي بالضرورة معرفة مجال وحدود وكيفية التصرف والانضباط لما هو قانوني، فواجبات كل مواطن مرتبطة بواجبات الآخرين، لذا، يجب توثيق الروابط الاجتماعية، كي لا تتسل الفردانية المتطرفة والمدمرة، مع ترسيخ فكرة أن قيمة المواطن لا تتحدد بمعرفته ونيله لحقوقه، وإنما بإدراكه لواجباته تجاه مجتمعه. وهذا ما أكده دستور 1839 الإنجليزي، حيث التأكيد على ضرورة تكاتف الجهود بين أعضاء المجتمع، ويجب على هذا الأخير أن يزود المواطنين بالحاجيات الضرورية، وفي ذلك تأكيد على أهمية الحقوق الاجتماعية الناشئة عن مبادئ الحداثة السياسية [14]. وعليه، فأسس المواطنة الحقيقية، حتمية الوعي بثنائية الحق والواجب، وتزويد المواطنين بالوسائل الضرورية كالتعليم والحماية والعمل، على اعتبار الحماية الاجتماعية قضية مهمة، تفترض من حيث المبدأ وجود مؤسسات، لجعل المواطن يمارس سيادته، فبدون المؤسسات يبقى المواطن مجرد فرد صوري مجرد. وهنا تظهر المؤسسات التي تنقل الانسان من وضع الفرد الصوري المنغلق على كينونته إلى وضع المواطن، ومن ثمة ضرورة التساؤل عن كيفية تنظيم عملية الانتقال من الفرد-المواطن إلى تنظيم المؤسسات السياسية؟ فما ألية الانتقال؟

2- القارات الثلاث للحداثة السياسية: المواطن والديموقراطية والمؤسسات السياسية

إن الديموقراطية كنظام سياسي واجتماعي ليست وليدة اليوم وإنما قديمة قدم النظر الإنساني في قضايا الوجود الاجتماعي، غير أنها ديموقراطية مباشرة، متسمة بغياب فكرة توكيل الغير، لأن المواطن كان يعبر ويمارس حقوقه بشكل مباشر، قد يكون هو الحاكم والمحكوم في نفس الآن، بحيث يحدد طبيعة ونوعية العقاب الذي يجب إنزاله على الآخرين [15]. بل حتى اعلان حقوق الانسان أحدث نوعا من التوازي بين الديموقراطية التمثيلية والنسق السياسي داخل المجتمع. (وأن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة. لكل المواطنين الحق في أن يساهموا بشخوصهم أو بمن يمثلونه في صياغته) [16]. فالغاية من الديموقراطية التمثيلية تحقيق الانسجام والتوازي بين الحقوق والواجبات داخل المجتمع، شريطة أن تكون القوانين واحدة وتسري على الجميع حماية وعقابا. هذا الانتقال من وضع الفرد- المواطن إلى وضع المؤسسات السياسية، تطلب جملة من التحولات السياسية والاجتماعية، والقانونية بالخصوص، لأن المؤسسة هي التي تسهر على تطبيق القانون وضمان سريانه لتوزيع الحقوق بشكل عادل ومتساو. وتلك هي سمات الحداثة السياسية التي ابتكرت فكرة التفويض والتمثيل، وأصبحت الجمهورية بموجبها نظاما سياسيا.

الديموقراطيون ابتكروا المؤسسات السياسية الضامنة لحق التمثيل كالانتخابات والبرلمان، فأصبح هناك من يمثل المواطنين مؤسساتيا، ولم يعد من المنطقي أن يأخذ الفرد حقه بيده، وإنما عن طريق من فوض له فعل ذلك مؤسساتيا وقانونيا. فالتفويض ألية ديموقراطية تمثيلية تقتضي من الفاعل السياسي عدم الانفصال عن الشعب، وضرورة البقاء على مقربة من الناخبين [17]. من أجل النقاش حول الصالح العام، هذا النقاش الشعبي هو الذي نقل الأمريكيون خلال عشر سنوات من الديموقراطية المباشرة التي مارسها الإغريق إلى الديموقراطية التمثيلية، وهو في الحقيقة انتقال من فكر العصور القديمة إلى عالم الحداثة السياسية التي هي بنت الأزمنة الحديثة. عكس فرنسا حيث وجدت صعوبات في عملية الانتقال من سيادة الفرد الذي اعتبر منبع الشرعية السياسية إلى تنظيم المؤسسات السياسية التمثيلية [18].

إن الديموقراطية التمثيلية، ألية سياسية لمأسسة العمل السياسي وعقلنته، رغم الصعوبات التي تعترضها والمتمثلة في عدم استيعاب بعض الثوار للتمييز الحاصل بين الحكومة والمجتمع، تمييز يشكل لبنة أساسية للنظام الديموقراطي الموجب للمواطنة الجماعية، فقد صارت السيادة للشعب وتلك هي قمة المواطنة. بمعنى أن الديموقراطية التمثيلية التي كانت في السابق مجرد فكرة فلسفية تمظهرت حديثا في الإرادة العامة لدى روسو. فقد كان هناك خلط واضح بين عمل الحكومة والمجالس النيابية المنتخبة مباشرة من الشعب، والتي أدت إلى شخصنة السلطة. لكن، دوام الحال من المحال، فقد تبدل ذلك الوضع السياسي وصارت الطاعة والولاء للقوانين، وعدم الانصياع لشخص بعينه. فحوى ذلك، إن ترسيخ المواطنة الحقة يتطلب وجود سلطة تستمد شرعيتها من الشعب كمواطنين قادرين على اختيار من يمثلهم في المجالس النيابية، ووجود قوانين من الواجب على الجميع الالتزام بها، فكل الأنظمة السياسية بما في ذلك الليبرالية عندما تشخصن السلطة تصبح هشة ومعرضة للزوال، وقد عصفت بأكثرها الثورات بسهولة وخير مثال على ذلك الملكية في فرنسا. فالنظام التمثيلي الحقيقي هو الكفيل بتوطيد دعائم المجتمع المؤسساتي في أفق ترسيخ المواطنة، فكرا وممارسة، وفي ذلك تجاوز للمجتمعات القائمة على الحكم الذاتي الفردي، حيث الملك أو من يمثله هو المصدر الوحيد للسلطة [19].

الحداثة السياسية المتجلية في الديموقراطية التمثيلية أحدثت توازنا بين إرادة المواطنين في الاختيار والمطالبة بالحقوق، وبين (ضرورة تنظيم المؤسسات السياسية لإدارة المجتمعات المعقدة) [20]. فالمواطنة الحقة هي سمة المجتمع السياسي الحديث، حيث المساواة وتمثيل الشعب بجميع طوائفه وفئاته، مادامت الديموقراطية التمثيلية هي أداة جعل المؤسسات السياسية مرآة المجتمع الحديث، وهنا نتساءل: هل الديموقراطية التمثيلية نظام سياسي واقعي تبدى في المجتمعات الحديثة أم أنه مجرد فكر سياسي صوري وطوباوي؟ وما علاقة الديموقراطية التمثيلية بمفهومي المواطن والمواطنة؟

3- المواطنة والديموقراطية التمثيلية

إن المواطنة مرتبطة بوجود نظام سياسي معين، موشوم بالديموقراطية التمثيلية حيث يصير الشعب هو مصدر السلطات والفصل والتوازن بينها، وفق تصور مونتسكيو ووجود الإرادة العامة من خلال انصهار الفرد والمجتمع. وهنا يمكن أن نستحضر نموذجين للمواطن: المواطن على الطريقة الإنجليزية، والمواطن وفق الطريقة الفرنسية.

الطريقة الإنجليزية تنبني على فكرة التعددية السياسية وفتح المجال للأنظمة والهيئات والطبقات والجماعات الخاصة لمواجهة النزعة الأحادية التي تعلي من شأن المواطن الفرد والمفروضة بالعنف في فرنسا. فالديموقراطية الليبرالية أشكال وأنواع والمواطنة أحد مياسمها، التي تعكس خصائصها الجوهري التي تميزها [21]. النموذج الإنجليزي يتأسس على ضرورة احترام تنوع الانتماءات والارتباطات الخاصة، التي نص عليها الميثاق الأعظم سنة 1215 حيث الحرص على مراقبة عمل الملك نفسه من قبل وفد من البارونات لمعرفة مدى التزامه بالتعهدات [22]. وفي ذلك تأكيد على أهمية الرقابة الشعبية/ المواطنة بمعنى أوضح، أن الملك ليس له صلاحية مطلقة، وإنما مراقب من طرف البارونات، الذين يفرضون شروطا على الملك، والتي تعد إعلانا عن نهاية الاستبداد الملكي، وترجيح كفة البرلمان. فسيادة الملك صارت مؤطرة ومحدودة بحقوق البرلمان، وهي ممارسة سياسية سمحت بإجراء إصلاحات سياسية ودستورية كبرى، حيث إقامة المؤسسات الديموقراطية السياسية والتمثيلية، لزيادة ترسيخ المواطنة، ودعم تماسك النسيج الاجتماعي [23].

يعتبر الباحثان أن المواطنة تقتضي دمقرطة النظام البرلماني بالتدريج، ومنح حق التصويت لفئات جديدة وبمراقبة الشعب، حيث انتقلت السلطة من الهيئات التي توارثها الملك ومجلس اللوردات إلى مجلس عموم المواطنين، فتحول البرلمان وفق الديموقراطية التمثيلية إلى مكان لتأسيس الحريات وقيم المواطنة الحقة والتعبير عنها قانونيا، بدون اللجوء إلى الثورة، وهي المبادئ والمتغيرات التي استحسنها العقل السياسي الأوروبي الحديث القائم على فكرة الضوابط والتوازنات والمكابح، خاصة في بريطانيا، توازن بين سلطة الملك وسلطة البرلمان، بين الملك والشعب، وهو ما سماه دفيد هيوم بالميزان العادل بين جزأي الدستور الملكي والجمهوري[24].

وما يميز التجربة السياسية الإنجليزية في علاقتها بمفهوم المواطنة، سيادة القانون العام ووجود محاكم العدالة العليا وتكييف القانون ليتماشى مع الحالات الخاصة والاستثنائية لمسايرة الوقائع الاجتماعية والسياسية الطارئة، والتي تقتضي رؤية قانونية جديدة، وهو ما يفسر توجس رجال القانون من القواعد القانونية المستمدة من القانون الروماني العام والمجرد، وتلك ميزة الديموقراطية التمثيلية الانجليزية حيث ابتكار سلطات ناشئة ومضادة للقوى السياسية الرسمية والمؤسساتية لخلق التوازنات، وكبح جماح السلطات التقليدية كي لا تتحول إلى تعسف وشطط، وهو ما اوجب ضرورة احترام تنوع الانتماءات والارتباطات الخاصة، وترسيخ ثقافة المواطنة في جميع الفضاءات الاجتماعية والتربوية، علما أن للإنسان ميول سياسية تبدأ من الأسرة، لأن للروابط العائلية دور في توطيد العمل وحب الوطن وغرس قيم ومبادئ المواطنة لدى الناشئة، ومن الأسرة إلى الجيران إلى العلاقات الاجتماعية الشخصية الممتدة في المكان[25].

فالنموذج الإنجليزي يجد أساسه في فكر جون لوك ومونتسكيو، حيث تتبدى الحداثة السياسية الموجبة لضرورة حياد الدولة الديني، وأن مبدأ التسامح تجاه العقائد هو الذي يسمح بالتعايش بين مختلف الأديان والمعتقدات. ويضفي على الروابط الاجتماعية شيئا من التماسك. لذلك، تم اضفاء الشرعية على تعدد العقائد وبالنسبة لمونتسكيو المعجب بالتقليد الإنجليزي، يرى أن دستور الانجليز يضمن حرية البشر، ليس لكونهم قادرون على فعل ما يرغبون، ولكن، لأن لهم حق عمل كل ما تسمح به القوانين [26].

بينما النموذج الفرنسي يتسم بسيادة المواطن كفرد ظهر في المجال السياسي عن طريق الثورات التي تحولت إلى عنف. سيادة المواطن المستقل المستلهم من روح فكر روسو، حيث اعتبار التبعية للبشر مصدر لعدم تحقق المساواة وأن وجود أية هيئة وسطى بين الفرد والدولة، يفضي إلى التعسف وعدم جعل الفرد يستمتع بحريته، فالمواطن هو التعبير المباشر عن الإرادة العامة، بمعنى أنه حر ومستقل ومتحرر من الروابط والوسائط التي تجعله خاضعا للدولة، عكس بريطانيا. لذا، فالنموذج الفرنسي يعبر عن الديموقراطية الأحادية المناهضة للتعددية، فمصلحة المواطن لا تتماهى مع المصلحة العامة، وأن هذه الأخيرة ليست نتاج مصالح جميع الأفراد الحقيقيين، الأمر الذي ينعكس على مفهوم المواطنة [27]. (التي هي كيان غير قابل للتقسيم، يجب تنظيمها وضمانها بواسطة دولة مركزية تعبر عن الإرادة العامة التي توجد المجتمع) [28].

وعليه، فالمواطنة، ليست مجرد تصورات طوباوية لا تبرح مملكة الذهن، وإنما هي ممارسة واقعية، مرتبطة بتجربة سياسية لمجتمع ما، تتجلى المواطنة في الحرية التي هي احترام القوانين المفضية لاحترام الأشخاص، وضمانة ذلك، ضرورة الفصل بين السلط والحرص على توزيعها بشكل عادل، وعدم فعل ذلك، معناه، ظهور التعسف والاستقلال والمغالاة أو الشطط في استعمال السلطة. وكل سلطة يجب أن تتوفر على الأليات والوسائل القانونية الضرورية لعملها ومجال اشتغالها، فمثلا، يجب أن تكون السلطة القضائية مستقلة تماما عن باقي السلط، وأن التوازن بين السلط يتفق مع الروح العامة لأمة ما، وتلك هي نظرية توازن السلط والتعددية المنظمة. بحيث لم يعد العنف كقوة فيزيائية إلى جانب معطيات طبيعية أخرى هما أساس السلطة الشرعية، وإنما عن طريق الاتفاق كميثاق اجتماعي [29]. لكن، هل تم قبول هذه التصورات بشكل مطلق من طرف الفكر الثوري أم أن هناك انتقادات؟

المحور الثاني: المواطنة، وجدل الفرد والمجتمع والدولة الحامية

عالجا الباحثان في الفصل الثاني مسألة الانتقادات، التي رافقت اعلان سيادة المواطن، والتي طرحت مشكلات على مستوى تنظيم السلطات، فالقول بأن الأمة هي مصدر السلطة، معناه، أن الشرعية السياسية الحديثة عملت على زحزحة وخلخلت جميع التصورات التاريخية والدينية والاجتماعية التي كانت سمة المواطن الفرد، لأن المجتمع القائم على المواطنة والمساواة المدنية والقانونية يتعارض مع بعض المبادئ التاريخية والدينية والتي تتطلب معطيات أخرى للحديث عن المواطنة. فأساس المواطنة الحديثة ليس التاريخ أو العرق أو الطائفة أو الدين، وإنما المساواة أمام القانون، لذلك وجهت انتقادات للنزعة الفردانية والتي عملت على تذويب الفرد في المواطن في أفق التأسيس لمجتمع يرتكز على الفرد لا على المجتمع، وكان هناك تمييز بين الفرد والمواطن، والحاصل أن كل فرد هو مواطن بالضرورة، شريطة الحديث عن التساوي في الحقوق الموجودة في الواقع [30]. الأمر الذي جعل رواد الفكر الماركسي يفضحون زيف الثورة الصناعية المبنية على تضليل الجماهير والتطلع إلى ميلاد مواطنة برجوازية جديدة، وذلك مجرد وهم [31]. فهل حقا، هناك تمييز بين المواطن المعنوي المجرد والفرد التاريخي أم أنهما متماثلان ومتطابقان؟

1- الثورة الفرنسية: إشكالية المواطنة الملموسة والفرد المتطرف

إن الناظر الممعن والمتأمل في نتائج الثورة الفرنسية لسنة 1789، يلحظ حجم الانتقادات الموجهة للثورة الفرنسية، وكذلك المفكرين المعادين للثورة في مختلف البلدان الأوروبية حيث انتقدت العقلانية السياسية وفضح التعصب الإيديولوجي، ونقد التجريد والإرادة السياسية باسم الممارسة والتجربة والموروث، كل ذلك من أجل التأكيد حسب رؤية الباحثان على أن النظام الاجتماعي لا يتأسس على مبدأ الاستقلال الذاتي الليبيرالي للفرد، الذي هو مبدأ رسخته الثورة الفرنسية. فالتاريخ الجمعي مشروع تم لمواجهة الفكر الثوري الفرنسي، بغية إعادة بناء النظام الاجتماعي الواعي والعقلاني [32]. في أفق جعل السياسة مجال ومشروع عقلاني وبشري ليس لمواجهة المواطن المجرد والصوري، وإنما للقيام بعملية الدمج لخلق التنوع وتحقيق الحريات الحقيقية التي وصل إليها الانجليز تدريجيا بفضل ثورة 1688. والتي صارت الحقوق والحريات أعلى ضمانة من مثيلتها الفرنسية، بحكم أن هذه الأخيرة تنحو في اتجاه التجريد الميتافيزيقي والبعد عن الواقع والحياة الاجتماعية، عكس التجربة الإنجليزية التي تجذر معها الفكر الحقوقي المبني على الممارسات والتقاليد الموروثة [33].

إن الحريات المحسوسة تناسب المواطنة، عكسي الحريات المجردة، بمعنى أن مبادئ المواطنة لا تتأسس على التجريد والصورنة، لأن الحرية كمبدأ لتجل المواطنة ليست شرطا كافيا لجعل الجميع يشارك في تدبير الشأن العام، لذا، لا بد من وجود شروط سابقة عن الروابط التي رسخت داخل المجتمع. فالعلاقات الاجتماعية ليست عائقا لتحقيق واكتمال الطبيعة الإنسانية، وإنما هي شرط ضروري للأمن [34].

وفي ذلك نقد للتصورات التي تؤسس المواطنة وما يرافقها من حقوق على مبدأ الفردانية واستقلال الذات، كما حصل في الثورة الفرنسية، فالنزوع إلى الفردانية المطلقة طريق لتدمير التقاليد والمعتقدات ومختلف الروابط الاجتماعية التي تساهم في تحسين وضعية الفراد داخل المجتمع. لذا، يصعب هدم الموروث رغبة في بناء مجتمع جديد على أسس الفردانية المتضخمة. معنى ذلك، ضرورة الوعي بأهمية الظروف والعناصر والشروط التراثية المشكلة للمجتمع، والحرص على تقوية المؤسسات السياسية والاجتماعية والهيئات الوسيطة التي تضمن حق مشاركة الأفراد في الحياة الاجتماعية، وفي ذلك تحقق لمفهوم المواطنة وترسيخ الحريات الملموسة والإقرار بتراتبية اجتماعية. وغياب ذلك في فضاء اجتماعي، يعني حلول الطغيان والظلم الاجتماعي وجعل السلطة مجردة. لذلك، فالتجربة الإنجليزية حسب الباحثان طريق لانتقاد مبادئ الفردانية والسلطة الصورية، وعدم الارتباط بالموروث، فكل ثورة تدعي البدء من الصفر، نافية التراكم التاريخي مصيرها المحتوم، الانتهاء إلى الطغيان [35]. وهذا ما حدث للثورة الفرنسية، حيث وجهت لها انتقادات قاسية، من طرف مجموعة من الفلاسفة، كإيمانويل كانط وهيغل، بسبب تمجيدها للفرد على حساب المجتمع.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول مع الباحثان، أن الشرعية السياسية تتأسس أيضا على التقاليد الموروثة، وليس على المبادئ الفردانية المجردة، وهي شرعية تقتضي التغير الدائم للممارسة السياسية، والتأقلم الحذر مع متغيرات الواقع والفكر، أي أن المواطنة السياسية على الطريقة الإنجليزية تستلهم الدروس والمبادئ من التجارب التاريخية والتراث السياسي الموروث، والاحترام لاستمرارية المؤسسات والقيم الاجتماعية والأخلاقية. (وإذا كان الدستور الإنجليزي بناء رائعا.... فيرجع ذلك إلى أن تأسيسه هو ثمرة عمل دام عدة قرون) [36].

يعتبر الباحثان، أن كل ثورة إلا ولها فكر مضاد، وإذا كانت الثورة الإنجليزية مثلا قد تأسست كما سبق ذلك، على التراتبية الاجتماعية والاستمرارية التاريخية، فإن هناك من يذهب عكس ذلك معتبرا الشرعية السياسية والسلطة والمواطنة تتطلب حضور الإرادة العقلانية، حيث سيطرة العقل على السياسية والانصات للفردانية، واعتبار أنه يوجد نظام طبيعي سابق عن النظام الاجتماعي، وعن طريقه يجب احترام الطبيعة التي هي صنيعة الله، والمجتمع مجرد مرآة تعكس العناية الإلهية. فقوانين الطبيعة هي قوانين الله بحيث تعلو وتسمو فوق القوانين البشرية [37]. مضمون الكلام السابق، يترتب عليه قول سياسي، يتمثل في أن مصدر الشرعية السياسية فوقي ومتعال، حيث تمجيد القوانين الإلهية، والرفع من قيمتها مقارنة مع القوانين الإنسانية. والأنكى من ذلك، أن الحقوق والحريات تصبح تابعة ومرتبطة بما هو إلهي وطبيعي. والنتيجة مواطنة لاهوتية وليست مدنية أو سياسية محضة، وهو أمر يتناقض مع مضمون الحداثة السياسية، حيث سيادة الأرض على حساب السماوي والماورائي.

إن المواطنة الجديدة تقتضي مجتمعا جديدا، مبنيا على أسس وقواعد متفق عليها، وليس الانصات لنداء السماء والطبيعة، فوجود المجتمع، لا تمليه إرادة إلهية، وإنما عقد اجتماعي متوافق عليه بين جميع المواطنين. فإما أن يكون مصدر السلطة الحقيقي مجموع المواطنين، وإما أن يستلهم الملك أو الحاكم حكمه وسلطته من الله. ومن ثم فهو أساس السلطة، علما أن هذه التصورات اللاهوتية حول السلطة كانت حاضرة وبقوة في المجال السياسي، إلى درجة اعتبار أن الحرية هبة إلهية، وأن المجتمع ليس ثمرة عقد وجهد عقلي، وإنما هو إرادة إلهية. عكس ما يطمح إليه الفكر الثوري. فما هي أسس الحقوق الإنسانية؟

2- المواطنة وأسس الحقوق الإنسانية

يؤكد الباحثان، أن الحقوق الإنسانية تتأسس على مبدأ التراتبية، سواء تعلق الأمر بالأنظمة السياسية الديموقراطية أو الأنظمة الفاشية حيث تمجيد القائد أو الزعيم، ومبرر ذلك ضرورة وجود تراتبية طبيعية في المجتمع، هذا الأخير يتطور بشكل طبيعي، وأن النظم السياسية والمؤسسات تستقى من تلقائيتها الواقعية. والنتيجة، أن حقوق الشعوب لا تستمد من يقينيات لاهوتية، وإنما من تنازل الحكام [38]. والمجتمع هو في حد ذاته نوع من التراتبية حسب أرنست رينان حيث الكائنات البشرية غير متساوية، وتنجز عملها وفق قدرات طبيعية. ومن هنا، فهذا التوجه يعتبر الطبيعة كقانون إلهي، وأن نفيه وإنكاره، خطأ جسيم، انزلقت إليه الثورة الفرنسية. وهو ما يفسر معارضة الرومانسيون الألمان للثورة الفرنسية، بحجة البقاء من قرب الطبيعة والحياة وادانتهم الشديدة للكاثوليكية والليبرالية العقلانية والفردانية الأنجلوسكسونية [39].

استنادا إلى الباحثان يعتبر الرومانسيون الألمان، أن لا وجود لفرد في حد ذاته، ولا هو ولا عنصرا من عناصر الأسرة والدولة، فهذه الأخيرة كائن حي متسم بالحياة والوحدة المنسجمة والمثمرة، وأن لها الأولوية على الفرد، لأنها دولة عضوية، حصيلة الوحدة والفيدرالية المتوازنة. تحتفظ للجماعة الوسيطة بين الأفراد والأمة بمكانتها، فالمجتمع بمثابة جسم خاضع لتراتبية طبيعية حسب هيردر Herder، يترتب على ذلك، أن لا وجود لفرد مستقل عن المجتمع، فكل فرد هو عضو بالضرورة ويشغل حيزا اجتماعيا وسياسيا، وله وظيفة مرتبطة بالمجموع مما يستدعي أسبقية الجمعي على الفردي [40]. وعليه لا وجود لفردانية جافة وعقلانية منغلقة، والمواطنة الحديثة ستكون نتيجة تلك التصورات حيث اندماج الفرد في المجتمع ومعرفته لدوره ووظيفته وواجباته، أي أن المواطنة حقوق وواجبات، ومرتبط بالتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية. فالفرد ضئيل وهش خارج المملكة الاجتماعية. والفكر السياسي تطور الثوري، تطور بشكل ملحوظ، خاصة مع ظهور مجموعة من المفاهيم، كالواقعية والبراغماتية والاحتفاء بالمحسوس والتجربة في مواجهة التصورات العقلانية المجردة والجافة، وإحياء التقاليد الفكرية التي تجذر الفرد في الجماعة والانغراس في تاريخ وأرض لمواجهة نزعات اقتلاع المواطن.

إنه النقد الحديث الذي واكب متغيرات العصر، نقد مسألة المساواة المطلقة بين البشر، ونقد المشاريع السياسية القائمة على العقل، دون الارتباط بفكرة التراتبية الطبيعية، ساعد على ذلك بزوغ فجر العلوم الإنسانية والاجتماعية التي كشفت اللاوعي الفردي والجمعي وإبراز حدود العقل، في مقابل التراث الموروث وتأثير اللاوعي الجمعي على سلوكات وتصرفات وأفعال البشر [41]. إن النقد الموجه لمفهوم الفرد المجرد عرف انطلاقة جديدة مع فلاسفة الاجتماع، خاصة مايكل ساندل، وشارلز تايلور، ومايكل والزر، وأن الفصل بين العام والخاص ليس كافيا لتحقيق ديموقراطية حقيقية. لذا، لا بد من الاعتراف بالمواطنة، ليس بهدف الكرامة، وإنما الأصالة والشرعية، فالبشر ليسوا مجرد مواطنين مجردين، وإنما أفراد واشخاص محسوسون وملموسون، مواطنين لتاريخ وثقافة. ومن الضروري الاعتراف بذلك، فتجريد المواطن لا يحقق مواطنة. لأن الانسان لم يعد هو مقياس كل شيء [42].

وعليه، فالمواطنة لا تتأسس على فكر ماضوي فقط، ولا على فكر مثالي وطوباوي بعيد عن المجتمع ومتغيرات الواقع، وإنما استنادا إلى مبادئ الحداثة السياسية، حيث المساواة المدنية والسياسية والقانونية التي ينادي بها كل المواطنين. تعزز ذلك المادة الأولى من إعلان حقوق الانسان والمواطن التي تقول: " يولد الناس ويعيشون أحرارا متساوين في الحقوق، ولا يمتاز بعضهم على بعض، إلا فيما يختص بالمصلحة العمومية) [43].

3- النقد الماركسي: وجدل الديموقراطية والمواطنة

إن المواطنة الحديثة لم تعد مجرد مقولة صورية، وإنما صارت مرتبطة بالظروف المادية والاجتماعية، والتي فرضت حضور النقد الماركسي، حيث فضح الدولة الدستورية الليبيرالية، كألية لترسيخ نوع من الخيال البسيط لتوطيد المواطنة البرجوازية، حيث الغش والتضليل. فالنقد الماركسي يعتبر أنه لا توجد حقوق انسان خارج نطاق حقوق المواطن، على اعتبار انه لا يوجد تمييز بين حقوق الانسان وحقوق المواطن، فالإنسان هو مواطن وعضو داخل المجتمع البرجوازي، حيث يصعب الحديث عن الحرية كحق إنساني. فالفرد الحر داخل المجتمع البرجوازي، هو ذلك المنعزل والمنغلق على ذاته والمستلب عن عمله [44]. فهل يمكن الحديث عن مواطنة متساوية في هذه الحالة؟

وحسب الباحثان، أن كارل ماركس لا يشكك في الديموقراطية، لأنها كنه كل دستور سياسي، منتقدا في نفس الوقت الشكل الذي اتخذته الديموقراطية الازدواجية، بين المجتمع المكون من أفراد حقيقيين، وبين الدولة باعتبارها أداة البرجوازية، لذلك، وضع ماركس مفهوم الانسان التصوري المجرد [45]. فالديموقراطية التي تتحقق عبرها المواطنة، هي تلك التي يتحد فيها العامل والمواطن. بمعنى أن ننظر للمواطن كعامل له حق التمتع بعمله ومنتوجه الخاص، وفي اعتراف بمواطنته. ومن عيوب الثورة الفرنسية، أنها لم تساعد على جعل الانسان يحقق ذاته في داخله كعامل ومواطن، فتحقق ذلك واقعيا، يتم عبر تغيير شروط الاقتصاد والظروف المادية، وليس تحرير الانسان من الوهم الديني. إنها الدعوة للمواطنة الحقيقية المتمثلة في نقد الثورة الفرنسية، وإعطائها معنى حقيقي وواقعي يتماشى ورغبة الانسان كمواطن في إثبات ذاته عن طريق منتوجه. الديموقراطية الحقيقية تتجلى في أن تعطي للظروف المادية للأفراد أهمية قصوى، لجعلهم يتمتعون بحرياتهم. فلا بد من وجود مجتمع ديموقراطي حقيقي يستكمل المواطنة التي ظهرت اثناء الثورة الفرنسية [46].

والحديث عن الديموقراطية في علاقتها بالمواطنة، حديث عن مبادئ وشروط تعبر عن تشكل أنظمة تاريخية متطورة، من الديموقراطية اليونانية المباشرة، إلى الديموقراطية البرجوازية في العصر الحديث، لكنها داخل النظام الرأسمالي تبقى ديموقراطية محدودة ومبتورة ومزيفة وخادعة وجنة للأثرياء على حساب المقهورين في والمعذبون في الأرض، وفخ خادع للذين يتم استغلالهم ومما ساعد على ذلك، نشأة التناقضات بين المساواة الإسمية المجردة [46]. وآلاف القيود المانعة التي تجعل البروليتاريين مجرد عبيد. فعن أية مواطنة وكرامة بشرية يمكن الحديث هنا؟

إن المواطنة الحقيقية تقتضي توفير الدولة للوسائل المادية كرامة الوجود البشري، والحق في التعبير والكتابة، وفي حرية الاختيار السياسي [48]. والتعهد بحماية العامل في عملهن وتوفير العمل لجميع المواطنين، وعلى قدم المساواة، وجعل الكل يتمتع بحق التجمع والاضراب، والمطالبة بالحقوق، أو ما يعبر عنه، بالحقوق- الحريات، التي هي من مكتسبات الثورة الفرنسية، فالحقوق- الحريات تضمن حقوق المواطنين قبل وجود سلطة الدولة كحرية الفكر والتعبير والعقيدة والاجتماع، وهي حقوق تمت تنميتها مع روح الثورة الفرنسية حيث الاعتراض على التعسف الملكي، وصياغة الضمانات القانونية لحماية الحقوق. فالقانون صار هو الر جع والمؤطر نقرأ ذلك في إحدى مواد إعلان حقوق الانسان المادة7: (لا يجوز إلقاء الشبهة على رجل أيا كان ولا القبض عليه ولا سجنه إلا في المسائل التي ينص عليها القانون وبموجب الطرق التي يذكرها) [49]. وأيضا في المادة8: (لا يجوز أن يعاقب القانون إلا العقاب اللازم الضروري). غاية الحقوق- الحريات وفق رؤية الباحثان، الحد من توغل وتدخل الدولة، ومن ثمة فالحقوق هي الشروط والعناصر التي تؤدي إلى الانتقال من المواطنة الصورية والشكلية إلى المواطنة الحقيقية، حيث الممارسة الفعلية في الواقع [50]. لكن ما هي ضمانة أن ينال الناس حقوقهم وتترسخ المواطنة لديهم؟

4- المواطنة والدولة الحامية

الدولة الحامية، دولة مدنية تأسست بغرض حماية الحقوق والحريات بشكل ملموس. وتعمل على تحسين الظروف المادية الاقتصادية والاجتماعية التي تؤدي إلى وضع أسس المساواة السياسية والقانونية التي تفضي حتما إلى وضع أسس الروابط الاجتماعية والشرعية السياسية. بمعنى أخر، أنه بدون الحديث عن الظروف الاقتصادية والانطلاق منها، يصعب تحقيق المساواة، والمواطنة الملموسة والنتيجة صعوبة وجود مواطن سيد نفسه. لذا، فكل حديث عن المواطنة يتطلب الارتكاز على عمليات إنتاج وظروف مادية تضمن الكرامة، علما أن المواطنة الحقيقية تعني أن لكل مواطن الحق في أن تيسر له الدولة الحامية سبل تحقيق الحاجيات الضرورية بشكل لائق، وتجعله يحوز الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية، ونظرا لأهمية ذلك، فالدولة تستعين بجميع الوسائل لإعادة توزيع الثروات بشكل عادل [51]. إن الدولة الحامية هي أساس المواطنة وكل المشاريع السياسية والقانونية، بحيث توائم بين النظام السياسي وعمليات الإنتاج الاقتصادي، حسب أدم سميت، تمزج بين في توليفة عجيبة بديعة بين متطلبات الفعالية الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية وفي ذلك تحقيق لمتطلبات القيم الديموقراطية [52]. ومن سمات الدولة الحامية، أنها راعية للمواطنين، ليس على طريقة رعاية العصور الوسطى، وإنما رعاية قانونية وسياسية وحقوقية، حيث الأمة هي مصدر السلطات، والديموقراطية هي منطلق أية عملية سياسية واجتماعية، ترسخ وجود المؤسسات نظرا لدورها المحوري، دولة الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع أرباح النمو الاقتصادي، تضمن الحقوق الأساسية للمواطنين، وتعطي معنى سياسي واجتماعي وقانوني للمواطنة [53].

فالتغيرات السياسية أدت إلى كثرة التنظيرات حول المواطنة فمثلا عالم الاجتماع الإنجليزي توماس همفري يميز بين ثلاثة أبعاد للمواطنة: فهناك المواطنة المدنية التي هي بنت القرن 18م، وتتلخص في ممارسة المواطن لحقوقه وحرياته خاصة الحرية الشخصية وحرية التعبير وحرية التملك التي تضمنها الدولة الحامية. وهناك المواطنة السياسية التي تأسست في القرن 19م وتعرف بممارسة الحقوق السياسية، كالحق في التصويت والمشاركة في الحياة السياسية. وهناك المواطنة الاجتماعية التي نشأت في القرن 20م وتميزت ببروز الحقوق- الغير المادية، كالحق في الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والعمل [54]. والملاحظ أن تلك الحقوق المحددة لطبيعة ونوعية المواطنة، ليست تراتبية بشكل ألي، بمعنى ليس دائما أن الحقوق المدنية سابقة عن الحقوق السياسية والاجتماعية، فالمسألة مرتبطة بالظروف الاجتماعية والقانونية لبلد ما، فمثلا في بعض البلدان ونتيجة لوجود نظام سياسي معين، تكون الحقوق الاجتماعية سابقة عن بقية الحقوق، بحيث يتم إهمال منطق التماهي والتمايز بين مختلف الحقوق، غير أن الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر سنة 1947 وضع الحقوق- الحريات إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتي جعلت فكرة المواطنة المحسوسة ذات محتوى اقتصادي واجتماعي. وعليه، فالمواطنة صيرورة تاريخية وسيرورة اجتماعية تفاعلية، تستوجب تطوير المنظومة القانونية والمؤسساتية لحيازة الأفراد لحقوقهم. فهل للمؤسسات دور في توطيد دعائم المواطنة؟ فخذ بنا للفصل الثالث، لنفصل الكلام تفصيلا.

وفي معرض حديثهما في الفصل الثالث عن دور المؤسسات، يعتبر الباحثان أن المواطنة ليست فكرة جامدة، ولكنها بناء فكري حي، متغير تبعا لتغير السياسي والاجتماعي والحقوقي والتاريخي، تبدل مستمر، سيال وبدال، حيث الصدامات بين الآراء وحدوث توافقات بين القوى الاجتماعية والسياسية، وهذا ما يدل على تعدد أشكال المواطنة تبعا للمبادئ والتقاليد التاريخية الخاصة بكل بلد، وقد سبقت الإشارة في الفصل الأول كيف أن المواطنة الإنجليزية تختلف عن المواطنة الفرنسية، اختلاف الأسس والمرتكزات الفلسفية والسياسية. والحقيقة أن المواطنة لا تؤدي على تنظيم المجتمع إلا إذا تجسدت في شكل قواعد قانونية ومؤسسات اجتماعية، وعدم فعل ذلك، يعني بقاء المواطنة في حدود الصوري والتجريدي [55].

إن المواطنة الحديثة تتميز بكونها تنحو في اتجاه الكونية والعمومية، استنادا على التصويت كعملية وألية لكشف معنى المواطنة حيث يساهم التصويت المؤسساتي في حل الصدامات والنزاعات بين المجموعات السياسية، بدل اللجوء إلى العنف [56]. فغاية التصويت كفعل سياسي، ليس اختيار القادة والفاعلين السياسيين، وإنما هو عملية ترمز للمجتمع السياسي الحديث، المتسم بعمق الروابط الاجتماعية، المحددة لمصير الجماعة، يفتح المجال للتجارب السياسية المتعددة. بحيث يصير كل مواطن مساو للأخر، ويصبح صوت الانسان ألية للفعل وإضفاء الشرعية على النظام السياسي، ويتحقق مبدأ التأسيس الذاتي والفردانية الجماعية والمنظمة، وتتحدد المعالم الكبرى للمجتمع، كنسق ينشأ عن طريق التفاعل بين المواطنين، وليس اعتباره مشروع إلهي أو طبيعي. فالتصويت وسيلة لخلق جماعة المواطنين، وسر من أسرار المساواة الملموسة العاكسة بشكل واضح لمعنى المواطنة [57].

يؤكد الباحثان أن المواطنة الحديثة تجعل كل مواطن مهما كان لونه، يحس بذاته وبوجوده الخاص، فيتحرر تلقائيا من نزعة الخوف الجاثمة على كينونته، ويترسخ في وعيه مبدأ المقاومة، فيستعمل صوته بشكل واع، وتلك إحدى تجليات المواطنة، حيث زوال العنصرية وتحقق مبدأ المساواة. فالتصويت مرآة عاكسة للمواطنة، وبه يتحدد الانتماء إلى مجتمع سياسي. وعليه، لا نستغرب إن سمعنا عن النقاشات الداعية إلى ضرورة منح التصويت للأجانب، لأنه لحظة احتفال سياسي، وما يرافق ذلك من طقوس، كوجود صندوق فارغ ومعزول ومحاط بهالة من التقديس القانوني، يتوسط القاعة مثله مثل المذبح أو الهيكل وسط الكنيسة، هذا التقدم السياسي والحقوقي يدل على قداسة معنى المواطنة بقداسة ألياتها وشروطها ومتغيراتها الانتخابية [58].

زمن الأزمنة الحديثة، زمن المواطنة المتغيرة والمفتوحة لجميع الأفراد وبدون تمييز، بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والتاريخية والدينية، فالمواطنة قيمة وجودية لضم الأفراد والشعوب، وجعلها تتجاوز جميع الاختلافات، في أفق تكوين وحدة منسجمة، فهناك فئات كثيرة كانت مهمشة في بعض المجتمعات- اليهود في ألمانيا النازية مثلا- لكن منح التصويت لها، جعلها حائزة للمواطنة. علما أن المواطنة لا تتحقق بشكل كامل، وهذا ما جعل العقل السياسي الثوري يصوغ فكرة المواطنين النشيطين والفاعلين، لتأكيد أن المواطنة مخاض وصيرورة، متدرجة معرضة للانتقادات من أجل تطويرها وتثويرها وتنويرها. فالحق في التصويت لم يكن متاحا للجميع، غير ان الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية جعلته من حق الجميع، لأن ما يؤسسه كوني وعمومي [59]. غير أن المتمعن في مضمون متن الباحثان يلفي نفسه أمام فكرة جديدة مضمونها ان فكرة المواطنة في الزمنة الحديثة والمعاصرة تمر باختبار وامتحان عسيرين خاصة ما يتعلق باستبعاد من ليسوا بمواطنين- كالمقيمين واللاجئين- الأمر الذي يفرض تحديا على العقل السياسي، بغية التفكير في بناء منظومة مفاهيمية جديدة من صميم فكر المواطنة العالمية، وإزالة المفاهيم ذات الحمولة العنصرية والاستبدادية كالشمولية والاستبعاد [60].

إن المجتمعات المؤسسة على المواطنة منفتحة على الأجانب والغرباء، مقارنة مع أشكال التنظيم السياسي الأخرى، إذ يمكن حيازة جنسية البلد الذي يقيم فيه الانسان، شريطة إبعاد المحددات والموجهات الثيوقراطية، بحيث لا يتطلب الأمر اعتناق دين الدولة الرسمي، فمن الصعب مثلا الانتماء إلى الشعب اليهودي بناء على الدين، لكن، من الممكن الانتماء إلى إسرائيل، رغم عدم اعتراف الحاخامات بهم كيهود [61]. لذلك، فتطور المجتمعات والدول رافقه تطور الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية، المر الذي انعكس على الأجانب الموجودين بشكل قانوني داخل بلدان إقامتهم، بحيث صيغت التشريعات القانونية لمنحهم حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية، ويعد ذلك، تأكيد على فكرة المواطنة العالمية، بموجبها يتمتع الأجانب بجميع الحريات الفردية أو الحقوق المدنية، فلهم حرية التنقل والزواج، والتعبير عن الرأي، معنى ذلك، أن مجمل التشريعات الخاصة بالحقوق الاجتماعية أٌقرت وأصبحت مضمونة قانونيا [62]. لكن ما الطريق لترسيخ ثقافة المواطنة داخل المجتمع؟

إن سيادة المواطن تتطلب نقاشا عميقا يترجم إلى مؤسسات سياسية، وتسبق ذلك وضع برامج تعليمية وتربوية هادفة وناجعة، لغرس مبادئ المواطنة الحقة، على اعتبار أن التعليم هو أساس المشروع الديموقراطي، بحيث يساهم في جعل الأفراد يتمتعون بالقدرات الضرورية المؤهلة للمشاركة في الحياة العامة، فالمدرسة هي النموذج الأمثل لمؤسسة المواطنة، وهذا ما يفسر كون الديموقراطية اليونانية كانت حكرا على الأثرياء من المواطنين بسبب غياب المدرسة، لذا، فالمواطن القادر على ممارسة حقوقه بشكل ملموس مرتبط بالديموقراطية نظرا لتوفر الفضاءات التربوية والتعليمية[63].

مباشرة بعد الثورة الفرنسية صار الحديث عن المعلمين المؤسسين لتأسيس الأمة، كون هذه الأخيرة هي مصدر السلطات والسياسة الشرعية، وكمثال على ذلك، فالمدرسة في فرنسا هي مدرسة المواطن، وأنها أداة سياسية في خدمة الجمهورية. لذلك، ركز عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم على ألأهلية الجوهرية للمدرسة، في التشكل والتكوين المعنوي للبلاد، من أجل أن يترقى الأفراد، ليصبحوا مواطني المستقبل على نحو أفضل. وعليه، فللمدرسة عدة وظائف، فهي تقدم اللغة والثقافة الإيديولوجية للدولة وذاكرة تاريخية مشتركة، وأنها أيضا تساعد على تشكل مساحة خيالية لصورة المجتمع السياسي، فنظام المدرسة مماثل في جوهره لنظام المواطنة [64]. لذلك، ألا يؤدي مبدأ سيادة المواطن إلى فردانية متضخمة قد تعصف بالمؤسسات التقليدية؟

المحور الرابع: الفردانية الديموقراطية وإشكالية المواطنة

يعالج الباحثان في الفصل الرابع قضية الديموقراطية الفردانية ذات الأساس والمنشأ الديموقراطي، بمعنى أن الفردانية بنت الديموقراطية كون هذه الأخيرة ليست مجرد نظام سياسي، السيادة فيه للشعب أو مجموع المواطنين، ولكنها ثقافة تعيد المواطن الفرد إلى ذاته، تجعله في بعض الأحيان يتمركز وينغلق على ذاته، ذلك أن الثورة الفرنسية لم تنتج نظاما سياسيا جديدا وحسب وإنما أفرزت روابط اجتماعية حديثة، حيث حل مفهوم المواطن محل كل المفردات. ظهرت المواطنة المجردة الداعية إلى المساواة، هذا التغيير العنيف أدى إلى تبدل ملحوظ على مستوى التراتبية والدمج الاجتماعي [65].

إن المواطنة هي أصل ومصدر العلاقات الاجتماعية، غير أن السعي في اتجاه تحقيق الموازنة والتوفيق بين الفرد- المواطن ومتطلبات الحياة الاجتماعية عملية صعبة ومعقدة، يتجلى ذلك في علاقة الحق بالفردانية الديموقراطية. فالحق هو ترجمة عملية للقيم الاجتماعية المتعارف عليها، حق افضى إلى البروز الحديث لمفهوم الحق الذاتي على حساب الحقوق الموضوعية الأخرى. خصوصا وأن القانون الأوروبي اعترف بحقوق الأشخاص للمساهمة الفعالة والحقيقية في بناء الشخصية القانونية [66].

ويعتبر الباحثان، أنه رغم سعي بعض الفلسفات إلى نفي الحقوق الذاتية (ليون دوجي) فقد تمت إعادة توطين الحقوق الذاتية والحرص على تنميتها جراء المتغيرات العالمية والمتمثلة في الحرب العالمية الثانية، وأيضا كرد فعل تجاه مآسي ونتائج النازية، حيث ترسخت مجموعة من الحقوق الذاتية الجديدة، كالحق في المبنى محور عقد الايجار، والحق في السكن للأفراد، وترتيب المسؤوليات الناتجة عن حوادث الطريق لضمان الإصلاحات. وأن لكل فرد الحق في احترام شبهة البراءة. وعليه فالحق الذاتي يشمل التعرض للحياة الخاصة والتعرض للحرية وللأسرار المهنية [67]. فمن حق كل فرد اللجوء للعدالة إحقاقا للحق وحيازة الحقوق الذاتية، حيث بالإمكان أيضا الاعتراف للطفل بحقه في التعبير. وقد تطورت الحقوق الذاتية وتضخمت خاصة في الولايات المتحدة الامريكية، حيث تفضيل اللجوء إلى المحاكم في كل القضايا الاجتماعية [68].

إن تضخم القضايا المعروضة على المحاكم قد يضعف النصوص القانونية، ويجعلها هشة، لأنه يصعب بناء على الحقوق الذاتية إعادة تعريف وترتيب حاجات البشر، وفق تراتبية مضبوطة ومحددة المعالم، كالحق في العمل/ والحق في السعادة، والحق في الطفل، والحق في الاجهاض بمعنى تضخم الذاتي والفرداني على حساب الاجتماعي والأسري. لذا، فالحقوق الذاتية، افرغت القانون الموضوعي من محتواه الأمر الذي تطلب نوعا من المواءمة، وتنمية القوانين الخاصة والاستثنائية، والتي تزيد من غرق الحياة الاجتماعية وتعقدها، خصوصا وان أهل الاختصاص هم من يحق لهم الكلام عن مختلف القوانين باعتبارهم أهل الاختصاص والكفاءة وكل مناقشة عامة وعلانية تعلي من سيادة الفرد تبدوا ضبابية [69]. لأنه حسب رؤية الباحثان يصعب وضع حدود متفق عليها حول الحقوق الذاتية، لأن قوة الفردانية مستمرة، إنها كالنهر الجارف، أضف إلى ذلك أن تضخم الفردانية يضعف المؤسسات الوطنية بحيث لم تعد المؤسسات التقليدية كالمدرسة والنقابة تفرض سطوتها وسلطتها على الأفراد بشكل مطلق [70].

إن وجود السلطة يفرض على كل فرد المطالبة بحقوقه الطبيعية والاحتماء بمعتقداته الشخصية، رافضا أية سلطة تقليدية، فالحديث عن أزمة التعليم وأزمة النقابات وأزمة الكنائس مظهر لتجلي العلاقة الجديدة بين الفرد والمؤسسات، إنه الانفجار العنيف للفردانية على حساب المؤسسات وكل اشكال السلطة. فحديث الفرد المناهض للسلطة جعله يبرر سلوكه لجعل شخصيته تزدهر، ليصير صاحب حكم ذاتي مستقل [71].

غياب المعايير الواضحة، أدى إلى تمييع الحياة الاجتماعية الفردانية، حيث تشظت الشرعيات معلنة عن تأثير الفردانية، وأصبح الحوار والتوافق في جميع الفضاءات هما أساسا العلاقات الاجتماعية. فالتفاوض هو أساس الروابط الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب حماية الحقوق الذاتية نظرا لعدم تساوي أطراف التفاوض بين المواطن الأجير وصاحب الكفاءة، فعلى المؤسسات أن تحمي أكثر الناس ضعفا [72]. وأنه من الضروري تدخل الدولة كسلطة وقوة عامة لتأكيد المساواة في الحقوق وتطبيق ذلك بفعالية خاصة في المجتمعات المتباينة، وعدم تدخل الدولة يؤدي إلى ظهور النزعات العنصرية والعرقية وخرق قيم الجماعات. وعليه، يجب صياغة التشريعات الخاصة وتطبيق مبدأ المساواة بين الجميع بشكل فعال داخل الحياة الاجتماعية. لكن، ما علاقة المواطنة بالأمة؟ وما هي شروط حيازة الفرد والجماعة للحقوق الثقافية التي هب بنت الزمن الحديث؟

المحور الخامس: الأمة والمواطنة واشكالية التعددية الثقافية

إن الأمة هي الإطار العام الذي تكونت داخله الشرعية السياسية والممارسة الديموقراطية، ومن تمت فإن هناك علاقة وثيقة بين المواطنة والأمة. فعبر التاريخ اقترنت المواطنة بمطلب الاستقلال الوطني وباسم قيم المواطنة المجسدة لتاريخ الأمة ثارت الشعوب المستعمرة مطالبة بالحق في الاستقلال. لذلك، كثيرا ما يتم الحديث عن المواطنة والقومية وهو ما يفسر مطالبة الشعوب بالحقوق الثقافية الخاصة بالأمة، فنشأت الحركات العمالية المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ التعددية الثقافية في ظل المجتمعات الصناعية. 283 ولا شك في ذلك، لأن كل مجتمع متعدد الروافد الثقافية والجماعات، من حيث الجنس والوسط الاجتماعي والدين الممارس. لذلك، لا بد من إدارة جيدة للتعدد الثقافي والاثني والتحكم في جميع العناصر المتباينة داخل المجتمع، بحيث تغدوا المواطنة ألية لإدارة التباينات الثقافية، وتوطيد مبدأ التسامح وحماية النطاق الشخصي المتمثل في الميولات النفسية، والانتماءات الخاصة والمشاركة في ممارسة الدين بحرية واستخدام اللغة الأم.

إن إدارة التباينات تتجسد في ضرورة التمييز بين الخاص والعام، والجمع بين المساواة المدنية والسياسية للمواطنين مع احترام الارتباطات والانتماءات التاريخية والدينية المميزة لجماعة ما، في أفق ضمان وحدة المجتمع المشتركة. فتبعا لمبدأ المواطنة صارت التعددية الثقافية حقا من حقوق الانسان. خصوصا وأن مسألة التعددية الثقافية ظهرت إلى الوجود الغربي بسبب هجرة العاملين من بلدانهم إلى بلدان أخرى أجنبية، الأمر الذي فرض ضرورة الاعتراف بحق الأقليات الثقافي والديني، خاصة تلك الفئات التي اضطهدت بسبب اللون والدين، وقد تعززت الحقوق الثقافية في إطار النقاش العميق الذي فتح حول الاشكال التي ينبغي ان تكون عليا المواطنة الحديثة. فمادامت الجماعات منضوية داخل المجتمع ومشاركة بالفعل في الحياة المشتركة والقيم الجماعية، فيجب الاعتراف لها بجميع الحقوق الثقافية، شريطة احترام النظام العام. فدولة القانون المتسمة بالديموقراطية الحديثة تضمن الحقوق الثقافية.

إن الحقوق الثقافية، جزء لا يتجزأ من الحقوق الفردية والجماعية، التي هي من سمات الحداثة السياسية. علما أن الحقوق الثقافية لا تعني الحق في القراءة والفن والمعرفة، وإنما أن تكون للفرد حياة ثقافية خاصة، يسعى إلى تنميتها بوجود ومعية الأخرين، داخل مجموعة معينة، ويجب على العقل السياسي المدبر إبداع شروط وقواعد التوفيق بين الحرية والمساواة بين جميع المواطنين، بمعنى أن إدارة التنوع الثقافي تتطلب أليات جديدة تختلف عن تلك التي كانت سائدة. فلا بد من وجود ديموقراطية ثقافية حقيقية، تحفظ كرامة المواطن ثقافيا، وتستوعب الجماعات التي لها ثقافة تميزها مع تجاوز العوائق التي تفتح باب العنصرية والتمييز والسلطوية ودمج الجماعات التي تم تهميش عاداتها وتقاليدها والسماح لها باستعمال لغتها الخاصة. ولها الحق في ان تخلد أعيادها ومناسبات وطنها الأصلي.

يؤكد الباحثان أن بعض البلدان الليبيرالية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية لم تستطع تدبير الاختلافات والاعتراف بالتعددية الثقافية والتأقلم معها، لذلك، هناك مخاطر تهدد الحقوق الخاصة والتي يمكن الاصطلاح عليها بالجماعانية، حيث تطرح مشكلة حرية الأفراد، فالتأكيد على حق الفرد الثقافي قد يحصره داخل مجموعة تضيق من حريته الشخصية، خصوصا وأن المجتمع الحديث ينظر للأفراد على أن لهم أدوار اجتماعية متعددة، ومن حقهم الانتماء والتماهي مع مرجعيات يختارونها بأنفسهم. أضف إلى ذلك خطورة الاندماج الاجتماعي المطلق للفرد في جماعة يرسخ لدى الذاتية والمصالح الخاصة على حساب ما يجمع ويوحد المواطنين. بحيث يغدوا الفرد في هذه الحالة منغلقا على ذاته، ولا يتزود من الأخرين بالوسائل الضرورية للانفتاح، علما ان تلك الجماعة ليست أبدية فهي صيرورة متجددة. بمعنى أوضح، أن الاعتراف العلني بالحقوق الثقافية للجماعة ليس دائما إيجابيا، فيمكن أن يقود على التشظي والتجزيء الاجتماعين خصوصا إذا كانت الجماعة منغلقة.

إن غياب الضوابط الديموقراطية الضابطة للتعددية الثقافية يفضي إلى التجزيء الاجتماعي، لذلك، يجب التقريب بين الجماعات حفاظا على وحدة المجتمع ودوام تماسكه، وأن الاعتراف العلني يجب أن يكون مشروطا بانفتاح كل جماعة على المجتمع وليس الانغلاق، لأن بإمكان تلك الشروط أن تساعد على تأسيس وإقامة المواطنة المختلفة والمميزة. ومن شروط الاعتراف بحق الجماعة الثقافي، ألا تفترض سيادة على الأفراد وأن تترك لهم حرية الانضمام والانسحاب، مع تأكيد الباحثان أن الاعتراف يشمل أيضا العناصر الثقافية المتوافقة مع منظومة حقوق الانسان، وأن المعايير الداخلية للجماعة يجب أن تنسجم والقيم الجمالية السائدة في المجتمع، وفي ذلك ضمان للحق المتساوي بين الجماعات دون أن تطغى الواحدة على الأخرى.

 

محمد لمعمر

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

.................................

الهوامش:

[1] دومنيك شنابر وكريستيان باشولييه، ما المواطنة؟، ترجمة سونيا محمد نجا، الطبعة الأولى (القاهرة، المركز القومي للترجمة 2016)، ص. 27.

[2] مصدر نفسه 28.

[3] نفسه، ص 28.

[4] مصدر نفسه، ص 30.

[5] نفسه، ص 31.

[6] نفسه، ص 31.

[7] مصدر نفسه، ص، 31.

[8] مصدر نفسه، ص 32.

[9] مصدر نفسه، ص 33.

[10] مصدر نفسه، ص 34.

[11] مصدر نفسه، ص 33.

[12] مصدر نفسه، ص 35.

[13] مصدر نفسه، ص 36.

[14] مصدر نفسه، ص 37.

[15] مصدر نفسه، ص، 38.

[16] مصدر نفسه، ص 39.

[17] مصدر نفسه، ص 40.

[18] مصدر نفسه، ص 40.

[19] مصدر نفسه، ص 41.

[20] مصدر نفسه، ص 43.

[21] مصدر نفسه، ص 41.

[22] مصدر نفسه، ص45.

[23] مصدر نفسه، ص46.

[24] مصدر نفسه، ص47.

[25] مصدر نفسه، ص50.

[26] مصدر نفسه، ص51.

[27] مصدر نفسه، ص48.

[28] مصدر نفسه، ص 48.

[29] مصدر نفسه، ص101.

[30] مصدر نفسه، ص102.

[31] مصدر نفسه، ص103.

[32] مصدر نفسه، ص104.

[33] مصدر نفسه، ص106.

[34] مصدر نفسه، ص،107.

[35] مصدر نفسه، ص108.

[36] مصدر نفسه، ص109.

[37] مصدر نفسه، ص109.

[38] مصدر نفسه، ص110.

[39] مصدر نفسه، ص 111.

[40] مصدر نفسه، ص113.

[41] مصدر نفسه، ص115.

[42] مصدر نفسه، ص117.

[43] مصدر نفسه، ص118.

[44] مصدر نفسه، ص119.

[45] مصدر نفسه، ص120.

[46] مصدر نفسه، ص121.

[47] مصدر نفسه، ص 128.

[48] مصدر نفسه، ص123.

[49] مصدر نفسه، ص125.

[50] مصدر نفسه، ص،126.

[51] مصدر نفسه، ص128.

[52] مصدر نفسه، ص129.

[53] مصدر نفسه، ص129.

[54] مصدر نفسه، ص 177.

[55] مصدر نفسه، ص178.

[56] مصدر نفسه، ص179.

[57] مصدر نفسه، ص181.

[58] مصدر نفسه، ص183.

[59] مصدر نفسه، ص185.

[60] مصدر نفسه، ص187.

[61] مصدر نفسه، ص189.

[62] مصدر نفسه، ص190.

[63] مصدر نفسه، ص152.

[64] مصدر نفسه، ص253

[65] نفسه، ص255.

[66] نفسه، ص255.

[67] مصدر نفسه، ص256.

[68] مصدر نفسه، ص257.

[69] مصدر نفسه، ص 258.

[70] مصدر نفسه، ص 159.

[71] مصدر نفسه، ص260.

[72] مصدر نفسه، ص 262.

 

محمود محمد عليعلى خلاف النبوات التى ختمت فى بنى إسرائيل قبل البعثة الإسلامية بنحو تسعة قرون، جاءت النبوة المحمدية نبوة هداية، ليست نبوة استطلاع للغيب ولا إفحام للعقول بالخوارق المفحمة المسكتة، وإنما هى نبوة هداية أراد الله تعالـى لهـا أن تخاطـب وتفتــح "العقول" و"البصائر"، لا أن تفحمها وتقعدها عن النظر والتأمل والتدبر والتفكير والفهـم ـ ليست مهمة النبى أن يعلم الغيب "إِنَمَا الْغَيْبُ لِلهِ» (يونس 20)، وعلمه عند الله، "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَ هُوَ" (الأنعام 59)، "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَاعَةِ أَيَانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِى لاَ يُجَلِيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَ هُوَ" (الأعراف 187).. هذا المعنى الفارق لم يكن محض تصور متروك لاستخلاص الناس أصابوا فى ذلك أم أخطأوا، وإنما هو توجيه قرآنى صادر بأمر ربانى صريح إلى النبى أن يبدى للناس أنه ليس إلا بشرا رسولا اصطفاه ربه لحمل وأداء الرسالة .

لذلك أراد الإسلام لنبوة القرآن أن تكون نبوة فهم وهداية تدعو بكتابها المبين إلى النظر والتأمل والتفكير، وليست نبوة استطلاع وتنجيم وخوارق وأهوال.. النبى ليس منجما ولا عالمـا بالغيب، وليست النبوة نبوة سحر أو رؤى أو أحلام أو قراءة طوالع وأفلاك.. «قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعا وَلاَ ضَرا إِلاَ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَنِى السُوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأعراف 188).

لذلك حرص رسول القرآن أن ينحى عن أذهان الناس سمعة المعجزة المسكتة عندما جاءته ميسرة يوم كسفت الشمس وظن الناس أنها كسفت لموت ابنه إبراهيم، فأبى عليهم ذلك، ونبههم إلى أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفـان لمـوت أحد ولا لحياته.. ومع تعدد ما ورد فى المأثورات عن المعجزات والآيات التى صاحبت مولد محمد عليه السلام وطفولته، إلا أن عنايته الكبرى كانت بلفـت انتبـاه الناس إلـى معجـزة القـرآن وما ينطوى عليه من آيات ومدد لا ينقطع (وذلك حسب ما ذكره أستاذي "رجائي عطية" في مقاله بعنوان "النبوة المحمدية أوائل النبوات").

ومن هذا المنطلق وجدنا أن النزعة العقلية تبدو لنا واضحة في حديث "ميثم الجنابي" عن فقدان "المواد الوثائقية" للنبي صلي الله عليه وسلم؛ حيث يقول ميثم الجنابي:" إن فقدان "المواد الوثائقية" عن حياته السابقة للدعوة هو نتاج لانعزاله الفردي. إذ لا تحتوي كتب السير والتاريخ سوى معلومات قليلة عنه، بينما تسهب عن أهله وأسلافه، ابتداء من قصي وانتهاء بعبد المطلب. لا سيما وإن الموقع الاجتماعي لأجداده وأسلافه والأخبار المنقولة عنهم عبر ذاكرة الأجيال، يجعل من الصعب تجاهل قيمة أخبار البيت الهاشمي حتى في مراحل ضعفهم الاقتصادي والاجتماعي. وقد أدى هذا الضعف على خلفية اليتم المبكر والفقر إلى أن تكون العزلة والانعزال ملاذه الأخير. ونعثر في القرآن على دفاع شديد عن الأيتام، بحيث وضع إهمال اليتيم في مصاف الكذب بالدين كما في الآية: "أرأيت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم"، أو أن يجعل من إطعام اليتيم إحدى "ضمانات" دخول الجنة كما في قوله "وما أدراك ما العقبة. فك رقبة. وإطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة" .. الخ (24).

إن هذه النزعات وما صاحبها من توجهات قد أسهمت في تشكيل رؤي " ميثم الجنابي" وتنظيراته التي ضمنها كتابه الذي بين أيدينا.

وينهج الدكتور "ميثم الجنابي" في معالجته لقضية منهج الكتاب خلال أقسامه، منهجا نقديا في كل أقسامه، مع استخدام منهج تحليلي تركيبي، بمعني أنه كان معنيا بتحليل أقوال الآخرين فيما يتعلق بالمنهج ووسائله ووسائل التحقق به عند كل الطوائف والأفكار الأخرى.

لقد استطاع المؤلف "ميثم الجنابي" الوصول إلي نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلي درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي:

أولاً: الجانب المعرفي: لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب المعرفي من حيث أن المؤلف وقف في الوصول إلي المعارف الضرورية لإنجاز هذا الكتاب، فقد تتبع المسار التطوري للفهم الصحيح للإسلام وحديث المؤلف عن الفهم هو حديث عن المعرفة، وعن نظرية المعرفة؛ لأن المعرفة والبناء المعرفي لا يمكن أن يتحققا إلا بقاعدة ثابتة من الفهم، ومن الأمثلة علي ذلك قول "ميثم الجنابي" في الإرادة الإلهية:" لكن المنطق يكشف ويبرهن على حقيقة جوهرية ألا وهي أنَّ غلبة الإرادة في التحدي الشامل جعلت من "إرادة الله" الملجأ الأول والأخير لاختيار الفعل بوصفه تحدياً. وبالتالي، فإنَّ "إرادة الله" تعني الإرادة المطلقة، أي إرادة اختيار الفعل بمعايير الحق، التي ستجد منفذها الجلي بالنسبة للوعي الديني والسياسي والأخلاقي في ما يسمى بأسماء الله الحسنى، بوصفها مؤشرات على الفضائل العملية. بينما يشكل اختيار أي منها تحقيقاً للإرادة. وضمن هذا السياق يمكن فهم تنوع واختلاف المواقف من الشدة إلى الرحمة، ومن الهجوم إلى الصبر وكثير غيرها، على وحدة الثبات في التغير. وذلك لأنَّ عدم اقتران الفعل المختار بمعايير الحق يؤدي بالضرورة إلى زعزعة اليقين وخلخلة الإرادة. فالإرادة الحقيقة بلا رغبة. بينما الإرادة المقيدة بالرغبة مجرد أهواء عابرة. ومن ثم ليست قادرة على الصمود أمام التحديات الكبرى. فقد جعل النبي محمد من كل تحد درجة قصوى، وانه لا صغائر في الأمور، انطلاقا من أنَّ الأشياء بالنسبة لله كلها سواء. الأمر الذي يجعل من الأشياء كلها سواء بالنسبة للإرادة المتسامية (25)؛ ثم يؤكد قائلا: ونعثر على هذه الصيغة في شخصية محمد وإرادته حالما تجسدت في حالة "شخصية نبوية وإرادة متسامية". ولعل الحادثة الشهيرة عن رفضه المساومة على نبوته وإرادتها الفاعلة مهما كلفه الأمر بالعبارة الشهيرة "حتى يظهره الله أو اهلك دونه". ففي هذه العبارة والموقف نعثر على باعث اليقين بوصفه جوهر الإرادة المحمدية. فالإرادة المتسامية تعادل على الدوام فكرة اليقين. إذ يتغلغل اليقين في الإرادة ويتماهى معها بالشكل والمضمون، بحيث لا يمكن التفريق بينهما. فقد ظهرت عنده منذ البداية فكرة "حق اليقين" و"عين اليقين". وهو يقين يختلف عن يقين العلم والمعرفة، ويقين التقليد، ويقين البلادة والغباء. فالأول يحتمل الشكوك، بينما الثاني لا يعرف الشك، أما الثالث فهو يقين التقليد بمختلف مظاهره وأشكاله، والذي كان يطغي على تقاليد الوثنية العربية. أما اليقين المحمدي فهـو يقين متفائل، وذلك لأنه يقين النبوة أو حدس الوجدان الخالص. من هنا تداخل التفاؤل بالمعاناة العميقة التي تضعه أحيانا أمام هاوية اليأس والقنوط، ثم تعيده من جديد إلى تفاؤل مغر. فالإنسان الذي يدرك إرادته على أنها الحلقة الرابطة بين الأزل والأبد لا يصاب باليأس والقنوط، أو على الأقل أنَّ هذه الأحوال تظهر وتضمحل بوصفها شفرات القطع الحادة لما هو عالق وعابر، أو حجر المبرد الذي يقطع الشكوك بيقين الإحساس الجديد بنعومة "الأذى"!(26).

ثانياً: التتبع الدقيق للحقائق التاريخية للنبي، فقد وفق المؤلف في الوصول إلي الحقائق التاريخية للنبي صلوات الله وسلامه عليه وتقديمها في صورة لا يجد القارئ صعوبة في إدراكها والإلمام بها، فقد اختار الوسائل المساعدة لذلك، من عرض نظري لنقد نصوص المؤرخين، إلي مجال تطبيقي معتمدا في ذلك علي نقد جملة من النصوص التاريخية التراثية، والتي توصل المؤلف من خلالها إلي حقيقة مهمة، ومن الأمثلة علي ذلك قوله:" بلورت الثقافة الإسلامية مختلف الصيغ النموذجية عن النبي محمد. بحيث ارتقى فيها إلى مصاف النبوة المتسامية، أو نبوة التشريع وخاتمة الشرائع والأديان. الأمر الذي جعل من التعامل معه بمعايير النبوة، كما بلورتها الثقافة الإسلامية في مجرى تطورها، ميدانا للاختلاف والاجتهاد، لكن المشترك فيها وبينها هو جعله نموذجا، ومثالا، ومرجعية مطلقة، وميزانا توزن به الأقوال والأعمال. بحيث لم تتورع الثقافة هذه نفسها، على الأقل في بعض تياراتها، من أن تبتدع أحاديث مزورة من حيث الصياغة لكنها معقولة من حيث المعنى كما نراه، على سبيل المثال، فيما ينسب إليه من قول: "إذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تُعرَض عليّ أعمالكم"، و"إني أوشك أن ادعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي" (27).

وهنا ينتقد هذا القول فيقول:" لكن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن كتب "السيرة النبوية" بدأ من عروة بن الزبير (ت-93 للهجرة) مرورا بإبان بن عثمان (ت- 101 للهجرة)، وشرحبيل بن سعد (ت-121 للهجرة)، وابن شهاب الزهري (ت-124 للهجرة)، وانتهاءً بمحمد بن إسحاق (ت-151 للهجرة)، وبعدها أخذ منه وعنه ابن هشام (ت-213 للهجرة) في كتابه المشهور (السيرة النبوية) ولاحقا يضيف لها أو يتوسع في بعض جوانبها محمد بن سعد (ت-230 للهجرة) في (كتاب الطبقات)، هي تجميع كمي للمعلومات فقط (28).

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان المؤلف عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، حتي استطاع أن يوجهها لخدمة الغرض الديني الذي وُضع من أجله الكتاب، ويتضح لنا ذلك من خلال مناقشة ميثم الجنابي لتقييم شخصية محمد عند الغربيين، حيث يقول المؤلف:" اما بالنسبة لدراسات والابحاث التي كتبت عنه في الثقافات غير الإسلامية، وبالأخص عند الأوربيين فقد اختلفت فيه الآراء والمواقف والأحكام. وفي اختلافاتها وتنوعها تعكس اولا وقبل كل شيء اختلاف مراحل الأحكام، ومستوى تطور المعرفة وتدقيق العلوم، ونوعية المناهج، إضافة إلى مختلف الصيغ الظاهرية والمستترة لانتماء الباحثين الديني والقومي والثقافي.. ثم يعطسنا إشارات كثيرة لبعض الكتب "النموذجية" بهذا الصدد، مثل: المؤلفات القديمة التي كتبها بيوتر الموّقر (ولد عام 1594)، الذي ألف كتابان، الأول تحت عنوان (سيرة النبي وحياته) والثاني (جدل بين مسلم ونصراني). وكلاهما مليئان بالتشويه والكذب.()12، ومثل كتاب كوسين دي بيرسيفال(1795-1817) عام 1846-1848 عن (تاريخ الاسلام وحياة محمد) بثلاثة أجزاء. وتبعه أو تزامن معه كتاب ميولر عام 1858 بأربعة مجلدات ضخمة عن حياة محمد هي من بين أفضل الأعمال المكتوبة آنذاك بالإنجليزية وصدرت تحت عنوان (حياة محمد وتاريخ الاسلام منذ الهجرة، مع مقدمة خاصة بالمصادر الأصلية المتعلقة بسيرة محمد). () 13، وكذلك مثل كتاب بيل، ر. (أصل الإسلام في بيئته النصرانية) عام 1928 بالإنجليزية، وكتاب سويتمان ج. (الاسلام واللاهوت النصراني) بثلاثة أجزاء (1945-1955) بالإنجليزية، وكتاب المؤلفان فيول ف.، وشنايدر (حياة محمد) بالألمانية 1955، وأخيرا كتابات واط مونتغومري واط (محمد في مكة) (1953) و(محمد في المدينة) (1956) وكلاهما بالإنجليزية. والأخير من بين أكثر الكتب موضوعية ودقة وتتبعا لحياة محمد العملية (29). ... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(24) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، ص 67-68.

(25) نفس المصدر، ص 178.

(26) نفس المصدر، ص 179.

(27) نفس المصدر، ص 8.

(28) نفس المصدر، ص 9.

(29) نفس المصدر، ص 14.

 

 

محمود محمد علينعود ونستأنف قراءتنا النقدية في كتاب محمد رسول الإرادة لمؤلفه الدكتور ميثم الجنابي، وهنا في هذا المقال نجد الدكتور "ميثم الجنابي" أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صيغة نظرية فلسفية، وهو ما لا يعلم "ميثم الجنابي" أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحداً حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول "ميثم الجنابي":".. يمكن فهم المعنى الحقيقي الكامن فيما أسميته بمحمد رسول الإرادة، أي حياة وفناء الشخصية المحمدية في الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية للعرب (والمسلمين)، التي لا تشكل النبوة فيها سوى أسلوبها العملي ونموذجها التاريخي. وقد كان الجاحظ على حق عندما قال بأن حقيقة الإنسان إرادة. والنبي محمد هو أولا وقبل كل شيء إنسان، وبالتالي فإن حقيقته إرادة، لكنها إرادة البدائل الكبرى. ومن ثم ينبغي قراءة وفهم ما في الكتاب ضمن هذه الرؤية المنهجية وهذا السياق التاريخي والثقافي لصيرورته وكينونته وديمومته أيضا (9).

والسؤال الذي أود أن أسأله للدكتور" ميثم الجنابي": لماذا اختار محمد رسول الإرادة، ولم يختار مثلاً" محمد رسول الحرية"، مثل الكاتب المصري "عبد الرحمن الشرقاوي"، أو"الإنسان لكامل محمد صلى الله عليه وسلم"، مثل الشيخ "محمد متولي الشعراوي"، أو "إنسانيات محمد"، مثل "خالد محمد خالد"، أو "حياة محمد"، مثل محمد حسين هيكل، أو "محمد الرسول"، مثل "أنور الجندي" .. وهلم جرا ؟

وهنا يجيبنا " ميثم الجنابي" فيقول:" لأن رسول الإرادة يستند إلي فلسفتي التاريخية الثقافية ؛ وبالأخص ما له علاقة بفكرتي المنهجية عما أدعوه بالمسار التاريخي ومنطق الثقافة والاحتمال العقلاني للبدائل. والمقصود بالمسار التاريخي هنا هو مسار التاريخ الطبيعي الذي يمر ويتحقق بمراحل سبع أساسية، الثلاثة الأولى "طبيعية" صرف، والرابعة والخامسة بينية، بينما (السادسة والسابعة) "ما وراء طبيعية". وهي كما يلي: المرحلة الاثنية - الثقافية؛ المرحلة الثقافية - الدينية؛ المرحلة الدينية - السياسية؛ المرحلة السياسية - الاقتصادية؛ المرحلة الاقتصادية - الحقوقية؛ المرحلة الحقوقية – الأخلاقية؛ المرحلة الأخلاقية - العلمية.. إن جميع هذه المراحل انتقالية، بمعنى أن التاريخ عملية مستمرة تحتوي على احتمالات متنوعة من الصعود والهبوط، لكنها لا تنفي مضمون القانون الطبيعي للتاريخ، بل تؤكده بوصفه احتمالا عقليا وإرادة حرة (10).

ويستطرد المؤلف " ميثم الجنابي" فيقول: ومن ثم يمكن التوصل إلى استنتاج مفاده، إن الكينونة التاريخية للأمة هي كينونة إرادتها. والإرادة هي ليست فقط ما تريده، بل وما تعيه بمقاييس الواجب التاريخي للوجود والمثال. فاقتران كينونتها التاريخية بصيرورة إرادتها المثلى يكشف عن ضرورة جهادها واجتهادها بمعايير وعيها الذاتي، أي بمعايير الكلّ الثقافي المتراكم في مجرى تجاربه المتنوعة من أجل تذليل الحدود الذاتية في تجاربها التاريخية. وفي الحالة المعنية تذليل الكينونة العربية لصيرورتها التاريخية الثقافية في المرحلة الدينية السياسية عبر نقلها إلى المرحلة السياسية الاقتصادية من خلال تذليل فكرة وحالة الهيمنة الظاهرية والباطنية لفكرة الأصول الدينية (اللاهوتية) في كافة مجالات الحياة ومستوياتها النظرية والعملية (11).

ولعل من المفيد إلي أهم التوجهات الضابطة في مسيرة المؤلف الفكرية عبر قسميه؛ وأبرز هذه التوجهات وهو ما ظهر للمؤلف "ميثم الجنابي" بأن الشخصية الواقعية هي شخصية تاريخية؛ ومحمد واقعي فهو تاريخي. والصورة الأكثر صدقا هي القادرة على رؤية الصيرورة التاريخية والواقعية للشخصية، ومن ثم رؤية أفكارها ومواقفها وعقيدتها ضمن هذا السياق. فهو الأساس الضروري لبناء الصرح الفعلي لعالمها الذاتي. حينذاك فقط يمكن الكشف عما فيه من دهاليز وطرق قادرة على إيصال البحث فيها عما كان محمد نفسه يدعو إليه: الخروج من الظلمات إلى النور! بمعنى كيفية تراكم وتحديد مهمات وغاية التحدي للواقع التاريخي وشحذ الإرادة وعقلها الذاتي من اجل رسم ملامح وحدود البديل التاريخي (12).

بيد أن النبي محمد صلوات الله عليه في نظر " ميثم الجنابي" لم يفكر ولم يضع أمام ناظريه ما ندعوه الآن بمهمات الحاضر والمستقبل، وذلك لأن المرجعيات الممكنة والمحتملة بالنسبة لنقل الأقوام والأمم إلى المرحلة الدينية السياسية تظل دوما محكومة بفكرة الواحد المتسامي والوحدة الخالصة لروح الجماعة النقية والتقية. وهي مرجعية قادرة على إبداع مختلف النماذج العملية الضرورية لحل المشاكل والقضايا التي تواجه الأمة والدولة؛ بمعنى أنها تمتلك الصيغة النظرية المجردة للاجتهاد النظري والعملي. الأمر الذي يجعل من تحرير الرؤية العلمية من غشاء العقائد الدينية واللاهوتية أسلوبا لإرجاع محمد الحقيقي وحقيقة محمد إلى أصل وجذر واحد، ألا وهو كفاحه الذاتي وبناء شخصيته في مجراه. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن المصدر الأكثر دقة لإدراك شخصية محمد وحقيقتها هو القرآن. وبالتالي، فإن إعادة ترتيب آياته بما يتوافق مع زمن "نزولها"، أي بما يتوافق مع ما أطلقت عليه الثقافة الإسلامية عبارة "أسباب النزول" سوف يساهم في رؤية شخصيته التاريخية والواقعية كما هي، ومن خلالها تتبين ملامحها ومعالمها الفعلية. وذلك لأن الرؤية الواقعية والعلمية الدقيقة هي أكثر "قدسية" من تقديس اللاهوت الأجوف (13).

وثمة توجه آخر لميثم الجنابي يتمثل في أن النبي محمد صلوات عليه وسلامه، استطاع أن يجمع بين الإنسان والنبوة، أو أن النبوة امتداد للإنسان فيه واستكمال له وتحقيق ما فيه من خصال وتجارب. إذ لم يتحول محمد إلى نبي بل صار إياه. والنبوة، شأنها شأن كل حالة نوعية في الاحتراف الإنساني لها مقدماتها وخصوصيتها. فالأنبياء كالعلماء والشعراء والفلاسفة والأدباء وقادة الحروب وأهل السياسة والدولة، لكل منهم خصوصيته وموقعه فيما ينتمي إليه وصار جزءا منه، وأثره في تقاليد احترافه وخارجها (14)؛ علاوة علي أن النبي محمد حقق بذاته صيغة ما أسماها الكاتب "بلوغ مصاف المرجعية المطلقة لاتباعه (المسلمين) مما أدى الى أن تقتطف هذه الصيغة من كل الأنواع الأخرى ما يمكّنها من تعزيز قيمتها المرجعية الروحية والفكرية الدائمة. لاسيما وأنها تغلغلت جميعا في مسام المعركة التاريخية الكبرى التي قادها في نقل العرب من الطور الثقافي الديني إلى الطور الديني السياسي، أي إرساء أسس الانتقال الأكبر والأعقد في تاريخ العرب ولاحقا المسلمين بمختلف أقوامهم وشعوبهم وأممهم. وهي العملية الثقافية الكبرى التي أسست للطابع الثقافي للقومية العربية والأمة الإسلامية ككل (15).

أما التوجه الثالث فيتمثل في ربط المؤلف بين شخصية النبي محمد صلي الله عليه وسلم وبين حضوره في الثقافة النظرية الإسلامية (16)، وعلم الكلام (17)، والفلسفة الإسلامية (18)، والتصوف (19)، والتاريخ الإسلامي في القرن السابع والثامن الهجري (20)، والتأليف الحديث (21).

علي أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف: إحداها نفسية والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية. أما الأولي من هذه النزعات، فتتمثل في إفراط " ميثم الجنابي" في القول بأن: الشخصية المحمدية هي وجود جوهري في الوعي التاريخي (العربي والإسلامي). ومن ثم فهي غير قابلة للتكرار، لكنها قابلة للاستعادة المطلقة. وإذا كان الصوفية أكثر قربا في إدراك كليته، فإن قربهم ظل محصورا في ميدان الذوق. بينما تتبعوا في سلوكهم آلية التجزئة، بحيث جعلوا من شخصيته المتعددة الجوانب نموذجا أخلاقياً مطلقاً. بينما جعلت منه السلفية المتحجرة صنما. بمعنى قبوله للتمثل وفقدانه للحياة. وترتب على ذلك حصره في أحادية هشة، ومسخه الميتافيزيقي، وابتذاله المذهبي، بحيث أدى إلى إخلاء الصراع من الأرضية التاريخية القلقة التي بلورت شخصيته الفعلية (22).

وأما التوجه الثاني فتتبدي لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يعزف فيها "ميثم الجنابي" لحن الوفاء للنبي محمد صلي الله عليه وسلم ؛ حيث يقول:" لقد كشف النبي "محمد" صلي الله عليه وسلم عن قدرة عملية هائلة في مختلف ميادين الحياة وعن مساع نقدية ظهرت في البداية برفض ما هو مخالف للحق. غير أن هذا الموقف النقدي والرافض لما هو سائد لم يتبلور بين ليلة وضحاها. انه نتاج أربعين عاما من العيش والتأمل العميق، اللذين استندا بدورهما إلى التقاليد العربية، والتي ظل أثرها بارزا في كلامه وفعله. ولم يجد حرجا في ذلك. على العكس فقد كان نشاطه بينها من أجل توحيدها يجري من خلال نفي التجزئة القبلية نفسها. وكان لا بد من أن تتلألأ هذه "القبلية" أحيانا في أفضل تجلياتها وأسماها. إلا أن ظهورها في سلوكه هو مجرد تمظهرها الخارجي، بوصفها البقايا الضرورية لإرث صيرورته الشخصية (23)... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(9) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، ص 23.

(10) نفس المصدر، ص 19.

(11) نفس المصدر، ص 19-20.

(12) نفس المصدر، ص 24.

(13) نفس المصدر، ص 24.

(14) نفس المصدر، ص 24.

(15) نفس المصدر، ص 26.

(16) نفس المصدر، ص 17.

(17) نفس المصدر، ص 38.

(18) نفس المصدر، ص 41.

(19) نفس المصدر، ص 42.

(20) نفس المصدر، ص 45.

(21) نفس المصدر، ص 48.

(22) نفس المصدر، ص 52.

(23) نفس المصدر، ص 62-63.

 

ضياء نافعنعود – وللمرّة الثالثة – للكتابة عن هذا المرجع الوثائقي المهم في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، وذلك كي نتوقف قليلا عند الفصل الثاني للكتاب فقط، والخاص بالاديب والفيلسوف الروسي دستويفسكي في العالم العربي، وكما أشرنا في مقالتنا الثانية عن هذا الكتاب، عندما تكلمنا عن الفصل الاول الخاص بتولستوي .

 دستويفسكي ظهر باللغة العربية متأخرا مقارنة مع الادباء الروس الكبار بشكل عام، رغم انه يقف في طليعة هؤلاء الادباء، وكان اول ظهور له (حسب كتاب المستشرقة الميرا علي زاده المذكور) عام 1911 – 1912 على صفحات المجلة الفلسطينية (النفائس)، التي كان يصدرها خليل بيدس، اذ جاء – ولأول مرة باللغة العربية - اسم دستويفسكي و بعض مقولات له ليس الا في مقالة مسلسلة تم نشرها طوال عام 1911 بعنوان – (رزنامة تولستوي)، وجاء اسمه وبعض مقولاته واشارة الى خطابه عن بوشكين عام 1912 في مقالة اخرى ظهرت في نفس المجلة ايضا . تولستوي وتشيخوف وغوركي مثلا ظهروا في العالم العربي اثناء حياتهم، اما دستويفسكي، فقد ظهر بعد ثلاثين سنة تقريبا من وفاته (توفي عام 1881)، وهذه نقطة مثيرة جدا، و تستحق التأمّل والدراسة والتحليل بعمق من قبلنا، نحن العرب، لانها حالة واضحة المعالم تعكس مستوى وطبيعة الثقافة فعلا في عالمنا العربي الحديث، هذا الواقع الثقافي الذي بدأ بالتبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر فصاعدا ليس الا. ان الظهور المتأخر لهذا الكاتب الروسي هو أول شئ يلاحظه قارئ هذا الفصل عن دستويفسكي من كتاب – (الادب الروسي و العالم العربي)، اذ يبرز رأسا السؤال في ذهن هذا القارئ عن سبب تأخّر ظهور كاتب كبير ومتميّز مثل دستويفسكي بهذا الشكل، ولا مجال طبعا للتوقف التفصيلي في مقالتنا هذه عند هذا الموضوع غير الاعتيادي والجدير بالدراسة التحليلية من قبل باحثينا، اذ اننا نستعرض هنا – ليس الا - كتاب المستشرقة المرحومة الميرا علي زاده عن الادب الروسي والعالم العربي.

الفصل الثاني (والذي جاء في الكتاب المذكور بعنوان دقيق جدا وهو – حياة وابداع دستويفسكي بعيون العرب) يقع في 133 صفحة بأكملها، ومن الواضح تماما الجهود التي بذلتها الميرا علي زاده في البحث عن المصادر العربية، التي تناولت دستويفسكي في بداية القرن العشرين، وهي جهود فذّة فعلا، اذ ان هذه المصادر تكاد ان تكون شبه منسيّة في عالمنا العربي، ولا يتذكرها القارئ العربي المعاصر بتاتا، رغم انها مصادر مهمة في مسيرة الثقافة العربية وتاريخها، وكم حريّ بنا – نحن العرب – ان نتذكّر تلك المصادر وندرس بعمق دورها في مسيرة الثقافة العربية منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، مثل مجلة (المجلة الجديدة)، التي نشرت عام 1929 مقالة بعنوان – في ساعة الاعدام، وفيها رسالة دستويفسكي الشهيرة الى أخيه حول الغاء اعدامه في اللحظات الاخيرة قبل تنفيذ عملية الاعدام وتبديل الحكم الى النفيّ الى سيبيريا، ثم تنتقل المستشرقة للحديث تفصيلا عن ترجمة سلامة موسى لرواية دستويفسكي – (الجريمة والعقاب)، والتي قام بترجمها عن الانكليزية ونشرها على حسابه الخاص لانه لم يجد اي دار نشر لاصدارها، وذلك عام 1914، ويعدّ هذا الاصدار الكتاب العربي الاول لدستويفسكي، وقد طبع سلامة موسى الجزء الاول فقط ويقع في 120 صفحة ليس الا، وفشل فشلا ذريعا بتسويقه، لدرجة انه اضطر في النهاية ان يبيع النسخة الواحدة من الرواية بمليّم مصري واحد فقط كي يتخلص منه، ولم يستمر طبعا باكمال ترجمته للرواية بعد هذا الفشل الذريع . تنتقل المؤلفة بعدئذ – وبالتدريج – للحديث عن المصادر العربية الاخرى التي تناولت دستويفسكي، ومنها مقالة شاملة كتبها الباحث الفلسطيني اديب سعد خوري عنه ونشرها في مجلة (الاخاء) الفلسطينية عام 1931، وتترجم الى الروسية مقاطع كبيرة منها، وتثبت تلك المقاطع – وبلا شك - المعرفة العميقة والدقيقة لهذا الباحث لابداع دستويفسكي، ثم تشير المؤلفة الى مصدر عربي مهم حول ذلك، وهو كتاب حسن محمود، الذي صدر عام 1943 في القاهرة ضمن سلسلة (اقرأ) الشهيرة عن دستويفسكي .

لا يمكن لنا التحدّث عن كل هذه التفاصيل الطريفة والمهمة، التي توقفت عندها الميرا علي زاده في هذا الفصل الخاص بدستويفسكي في الجزء الثاني من كتاب (الادب الروسي والعالم العربي)، اذ ترد هنا اسماء كثيرة لباحثين وادباء عرب كبار، منهم على سبيل المثال وليس الحصر، محمد حسين هيكل ويحيى حقي وميخائيل نعيمه وسامي الدروبي و..و..و، ولكني أود ان أختتم هذه المقالة بالتوقف قليلا عند اسم الدكتور عماد حاتم، صديقي و زميلي في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، والذي كان نموذجا للطالب الملتزم والمجدّ، واريد رأسا ان أذكر، انه الوحيد بيننا (نحن الطلبة العرب آنذاك في تلك الكليّة من سوريا والعراق ومصر)، الذي تخصص بادب دستويفسكي . لقد تحدّثت المستشرقة الميرا علي زاده عن كتابات عماد حاتم من ص 261 والى ص 273 باكملها، واستشهدت ببحوثه عن دستويفسكي، وترجمت مقاطع مهمة منها، وجاء اسمه (31) مرة في تلك الصفحات، وكم شعرت بالفخر وأنا أقرأ تلك الصفحات، وكلمات الثناء، التي كتبتها مؤلفة الكتاب عن الباحث السوري الكبير الدكتور عماد حاتم، والذي لا اعرف عنه الان – مع الاسف - اي شئ ولا أدري اين هو الان، ولكني أود هنا ان ابعث له بتحياتي وتمنياتي ومحبتي واعتزازي اينما يكون، يا ابن جامعة موسكو البار ورافع رايتها العلمية المجيدة، ويا (رفعة راسنا) ...

كتاب المرحومة المستشرقة الميرا علي زاده الموسوم – (الادب الروسي والعالم العربي) يعدّ مصدرا علميّا مهمّا جدا في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، ويجب علينا – نحن العرب – ان نأخذه بنظر الاعتبار ونوليه الاهتمام العلمي الجدير به، ونقدمه للقراء العرب، وان نكمل مسيرته الفذّة .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

محمود محمد عليهناك نمطان من الكُتاب الأكاديميين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون، فإن ذلك هو الصواب عينه؛ ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور" ميثم محمد طه الجنابي (أستاذ العلوم الفلسفية في الجامعة الروسية وجامعة موسكو الحكومية، من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول، أو في قضايا معاصرة بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

واعتقد أنه في نظر الدكتور "ميثم الجنابي" فإن البحث الفلسفي، هو تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث، وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية "ميثم الجنابي" وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموماً، والمجتمع المصري خصوصاً، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه؛ وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ويعد ميثم الجنابي واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من أساتذتنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن، باحثا، ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته، فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي القديم والحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم بما يكتبه عنه من قبل زملائه الباحثين في الشرق والغرب، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله "أشباه الباحثين" .

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في تراثنا العربي الإسلامي، وقد اخترت كتابه (هذا الذي بين يدي) وهو بعنوان: (محمد رسول الإرادة)؛ وقد صدر هذا الكتاب عن (دار العارف)، بيروت، 2018، وعدد صفحاته 238، وينقسم هذا الكتاب إلي قسمين، الأول وتحت عنوان (أرادة الروح)، والثاني (روح الإرادة)؛ ويتضمن القسم الأول ستة محاور؛ وهي على التوالي: الصيرورة الروحية للإسلام، الإسلام - مجاز الحكمة الخالدة، الصيرورة الروحية للنبي محمد، النبوة- إرادة الحق، الجهاد والاجتهاد النبوي، القرآن- قراءة الأبعاد المتجددة للوجود الإنساني.. أما القسم الثاني فيحتوي على أربعة محاور وهي على التوالي: الإسلام وفكرة التحدي التاريخي، إرادة البديل الشامل، النفي والبدائل، العقل الإسلامي الجديد).

وقبل أن أتحول لقراءة هذا الكتاب أقول: لقد علمتني التجارب البحثية أن هناك أكثر من طريق لقراءة الأعمال الفلسفية قراءة نقدية، وأكثرها عفوية وسذاجة أن نلخص العمل الفلسفي أبواباً وفصولاً ثم لا شئ، وأعمقها أن نحاول تحديد مقولات العمل أولاً حتي نضع المتلقي معنا علي أرضية واحدة مشتركة، ثم نخلص من ذلك إلي تجسيد رؤيتنا النقدية لهذه المقولات وإحالة هذه الرؤية النقدية في النهاية إلي قضايا وظاهرات.

وقد اخترت في قراءتي النقدية لكتاب الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي (محمد رسول الإرادة)، تلك الطريقة الأخيرة التي ترفض الهشاشة وتكابد في طريقها إلي محاولة التنظير والتأصيل .. أولاً: لأن هذا الكتاب عمل علمي جاد يستحق بالفعل أن يعاني الناقد في قراءته وتقويمه، وأزعم أن هذا الكتاب سوف يضيفه التاريخ إلي أمهات الكتب الخوالد، لأن هذا المضاف يفتح السبُل أمام النظر، وإعمال العقل، وأمام البحث ومناهج العلم .. وثانياً الميزة التي يتميز بها الكاتب "ميثم الجنابي" في هذا الكتاب، وهي هذه الجدية في النظر، وهذه الصرامة في المنطق، وهذا العكوف في العمل، وهذا الاحترام للنفس كاتباً وللغير قارئاً هو ما في نظري ما تعودت عليه أنا شخصياً مع ميثم الجنابي (في هذا الكتاب)، يحتشد للموضوع الذي يبحثه من جوانبه التي تخصص فيها، ويتقدم للقارئ لا بالموضوع الذي يبحثه فقط، ولكن بالأدوات المنهجية التي يتعامل مع موضوعه بها، فيعرضها واضحة بما تستدعيه من منطق، ومن أسلوب تدليل ومن ترتيب سياق.

ويمثل كتاب (محمد رسول الإرادة) معلماً بارزاً من معالم خطاب الدكتور ميثم الجنابي الداعي إلي قراءة تراثنا العربي الإسلامي قراءة علمية وموضوعية، بقصد التعرف علي الثقافة التي أنتجها هذا التراث، وإدراكها في إطار سياقها التاريخي والاجتماعي سعياً لمزيد من الفهم لواقعنا الثقافي المعاصر عن طريق استخلاص مغزي الدلالات المختلفة لهذا السياق، ولما كان التراث في رأيه هو مجموع النصوص التي أنتجت عبر العصور المختلفة من تاريخ أمتنا؛ فإن فهم هذه النصوص يصبح السبيل الوحيد لخلق وعي علمي بهذا التراث وبآليات إنتاجه .

والواقع أنه إذا كان صحيحاً القول بأن للفيلسوف حدثاً واحداً يتكرر كل عدة سنوات كما قال الفيلسوف الفرنسي المعاصر " هنري برجسون"؛ فإنه صحيح أيضاً القول بأن للمفكر المتميز خطاياً واحداً يتكرر دائماً عبر مستويات عديدة تعكس كلها رؤية واضحة ومتفردة، كتلك التي نجدها متضمنة في جميع أعمال الدكتور "ميثم الجنابي": كتاباً كانت .. أم مقالات، أو حتي حوارات صحفية ..!

ومن هنا يقع كتاب (محمد رسول الإرادة) الذي نحن بصدده الآن ضمن الدوال الرئيسية علي معالم هذا الخطاب الذي يمثل بحق اتجاهاً معرفياً جديداً في حقل الثقافة العربية المعاصرة .. اتجاها احتل مكانته في قلب هذه الثقافة عن جدارة واستحقاق بصرف النظر عن مدي الاتفاق أو الاختلاف مع ما يمثله من قيمة معرفية ومنهجية في دراسة علوم التراث ونصوصه، وهي قيمة ولا ريب عظيمة ولو كره الشائنون..!

ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه، أن أخمِّن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في موضوع "محمد رسول الإرادة"، وشرح أفكاره بطريقة نقديَّة، وهذا واضح من خلال التوجّه التي سار عليه الدكتور" ميثم الجنابي" عندما أعلن بأن:" الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب تقوم في تبيان أثر الشخصية المحمدية في وضع أسس اللحظة التأسيسية للمراجعات الثقافية المتسامية التي أدت إلي نقل العرب من المرحلة الثقافية الدينية إلي المرحلة الدينية السياسية، وما استتبعها من تأسيس لاحق للثقافة الإسلامية وحضارتها . وبالتالي الكشف عن أنه كلما جري الغوص في حقيقتها التاريخية كلما تعمق الباحث في حقيقتها الما فوق التاريخية . ومن ثم البرهنة علي أثرها الجوهري في تحدي الوجود التاريخي بإرادة البدائل الكبرى . من هنا بقاءها الحي وقدرتها علي الإلهام العقلي والروحي بوصفها شخصية تاريخية وما فوق تاريخية، أي كل ما جري وضعه في مفهوم النبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والإرادة الإسلامية (1).

ومعني هذا أن الكتاب يقوم علي فقه المراجعة، وهذا الفقه يعد فلسفة أصيلة في فكرنا الإسلامي، ولهذا ظلت العلوم الإسلامية طيلة تاريخها تخضع للمراجعة من قبل المتخصصين فيها من العلماء، وهي تلك المراجعة التي ينظر فيها كما يقول الدكتور "عبد المجيد النجار":" اللاحق فيما أنتجه السابق فيتناوله بالتمحيص؛ يلائم بينه وبين مقتضيات ما استجد من أوضاع المسلمين لتنتهي إلي تعديل ما ينبغي تعديله، وإضافة ما ينبغي إضافته، وربما إسقاط ما ينبغي إسقاطه، وبسبب ذلك نري هذه العلوم تتطور باطراد في كمها وكيفها، ومهما يأتي عليها من زمن تخلد فيه غلي الركود، فإنها لا تلبث أن تنبعث فيها الحياة من جديد، وذلك بفعل هذه الفلسفة التي انبتت عليها الثقافة الإسلامية في تطور العلوم، وهي فلسفة المراجعة المستمرة من أجل التطوير والتنمية لمجابهة ابتلاءات الواقع" (2).

في هذا السياق يأتي كتاب (محمد رسول الإرادة) لمؤلفه الدكتور ميثم الجنابي لينخرط في مسلسل المراجعات الاجتهادية التي تتوخي تحريك ديناميكية الفكر الإسلامي، ويجيب عن أسئلته الإشكالية التي يفرضها منطق الواقع ومنطق التاريخ.

وبالتالي فإن هذا الكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية، وإنما هو عبارة عن مراجعة لمئات المصادر والمراجع، وكذلك البحث بصورة نقدية لكل من كتب عن النبي الخاتم " محمد صلي الله عليه وسلم"، وقد جاء الكتاب علي قسمين كما قلنا: الأول ويحمل عنوان (إرادة الروح )، بينما الثاني يحمل عنوان (روح الإرادة)، وبمجموعهما كل واحد . مهمة الأول تتبع فعل الإرادة النبوية لمحمد في تحقيق المبادئ الإسلامية في نواحي الحياة بمستوي الطبيعي والما وراء طبيعي من أجل نقل العرب (ولاحقا المسلمين) إلي المرحلة التاريخية الثقافية الجديدة ( الدينية السياسية) . وكلاهما كل واحد بمعايير التاريخ والحقيقة (3).

وهذا يعني أن " محمد رسول الإرادة" يختلف اختلافا عما سائد في أصناف الكتابة المتنوعة عن " السيرة النبوية"؛ إذ ليس للكتاب علاقة، كما يقول الدكتور " ميثم الجنابي" بهذا الصنف من التأليف؛ بمعني أنه ليس كتاباً عن " السيرة النبوية" و " حياة النبي محمد" بالمعني المنتشر والسائد من الكتب التأريخية والعقائدية والوظيفية ( التعليمية والتربوية والأدبية والسياسية وما شابه ذلك ) (4).

إنه كتاب فلسفي صرف يستند من حيث الأسس النظرية لفهم حقيقة الشخصية النبوية والرسالة لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، وأثرها التاريخي العربي والإسلامي والعالمي إلي فلسفة الدكتور "ميثم الجنابي" التاريخية والثقافية . وبالتالي فهو كتاب تفتقده المكتبة العربية والإسلامية، إذ فكلاهما كما يذكر المؤلف لم يتمرسا بعد في فهم حقيقة الشخصية المحمدية بمعايير الفكرة النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص؛ لاسيما وأنه الأسلوب الأدق من أجل إرساء أسس النظرية المجردة والمتسامية والواقعية في الوقت نفسه عن الشخصية المحمدية والنبي محمد نفسه؛ ومن ثم إزالة الصيغ المبتذلة والظاهرية عن " توظيف " المعلومات عنها وعنه، أو " توظيفهما" هو من أجل " البرهنة " عن رؤيتها العقائدية والمحلية (5).

إن حقيقة الشخصية المحمدية في نظر "ميثم الجنابي" تتطابق كما يقول مع المعني القائم في عبارة " عين الحقيقة"، وهذه بدورها لا تحاج إلي توظيف جزئي أو متجزأ، لأن الحقيقة لا تتقبل التوظيف . إنها كافية بذاتها من أجل تنوير العقل والضمير الفردي والاجتماعي والإنساني (6)؛ إذ ليس هناك من شخصية في تاريخ الإسلام جري تصوير ورسم وتتبع كل دقائق حياتها، وأفعالها، وأقوالها، بل وحتي خلجات نفسها، إضافة إلي أصلها ونسبها وحيثيات وجودها من المهد إلي اللحد أكثر من محمد (7).

وهنا نجد "ميثم الجنابي" يعلن أنه يرغم أن كتابه يجمع بين ينتمي إلي وحدة الرؤية النقدية والمنهج الفلسفي، إلا أنه يجمع بين الرؤية التاريخية الواقعية، والنقدية العقلية، والنظرية الفلسفية؛ وبالتالي، فهو الكتاب الأول في الثقافة العربية والإسلامية في كيفية تناوله لشخصية محمد، والشخصية المحمدية، والنبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والرسالة الإسلامية (8).

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(1) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، دار العارف، بيروت، 2018، ص 9.

(2) أنظر عبد المجيد النجار: مراجعات في الفكر الإسلامي، الطبعة الأولي، دار الغرب الإسلامي، 2008، ص351.

(3) ميثم الجنابي: نفس المصدر، ص9.

(4) نفس المصدر، ص 10.

(5) نفس المصدر، ص 10.

(6) نفس المصدر، ص 10.

(7) نفس المصدر، ص 11.

(8) نفس المصدر، ص 19.

 

 

عبد الرضا علي صدر عن دار العارف للمطبوعات ببيروت قبل أيّام كتابي: (صور من ذاكرة الخوف في زمن الطغيان). وهو الكتاب الحادي والعشرون تسلسلاً في مشروعي الثقافي: متضمِّـناً أربعَ عشرَةَ صورةً كشفت ما كان خافياً على شباب هذا الجيل من جرائم جمهوريَّة الخوف، وأزلام منظمتها السريّة الذين كانوا كالوحوش التي تنهش لحوم البشر، وتلعق دماءَهم.

 وجاء في توطئته ما يأتي:

(1)

 تذكيراً بما فعلتْهُ المنظّمةُ السريّة من خرابٍ في المؤسّسات العلميّة والثقافيّة إبّان الحكم الدكتاتوريّ الشمولي وطاغيته المقبور، أنشرُ في هذا الكتاب بعضاً من صورِ الخوفِ التي عايشتُها، أو كنتُ واحداً ممَّن شملَه خوفها، كي يطّلعَ الجيلُ الجديدُ على ما كان يحدثُ من إجرام في حقِّ الأساتذةِ والمبدعين، وحملةِ الأقلامِ الشريفة الذين رفضوا إغراءات الجَزَرَة بإباء، فصانوا أقلامهم عن التلوُّثِ،ونأوا بها بعيداً عن السلطانِ، وشعرائه، والمطبِّلين له من الصحفيين الذين تدرّبوا بأحضان تلك المنظّةِ السريَّة القميئةِ، وحاولوا تبييضَ وجهَ جمهوريّةِ الخوفِ بدون حياء، فضلاً عمَّا كان من صورٍ أخرى كنتُ فيها شاهد تاريخ .

(2)

 وكنتُ قد نشرتُ في الجريدة الأسبوعيّة (العراق الحرّ) التي كان يصدرها المجلس العراقي الحر برئاسة المرحوم سعد صالح جبر بلندن بعضاً من صور الخوف تلك باسمٍ مستعار أيّام الطغيان تجنّباً من ملاحقة عائلتي في العراق،ودرءاً لما قد يلحقني من أذى المنظّمة المخابراتيّة في الخارج، وكان الأستاذ قاسم غالي (نائب رئيس التحرير) قد تكلّف بطبعها على البورد مشكوراً لكوني لم أكنْ قد تعلّمتُ الكتابةَ بعدُ، ثمَّ توقفتُ عن نشر بقيّة الصور حين تعلّمتُ الكتابة بإصبعٍ واحدة، كي أستكمل مشروعي الثقافي النقدي المؤجّل، لكنَّني عاودتُ نشر صورٍ أخرى من ذاكرة الخوف في بعض الدوريّات العراقيّة بعد سقوط الصنم سنة 2003م.

 أُحبُّ أنَّ أُكرَّرَ القول في أنّ أغلب هذه الصور قد عايشتُها، أو كنتُ شاهداً على حدوثِها، لكنَّ بعضها الآخر قد رواها لي أصدقاءَ موثوقون، أو ممَّن حدثت لهم، ونجوا من الموت، أو الملاحقة على نحوٍ ما، ولعلَّ القارىءَ الذكي سيعرف ما كان منها لصيقاً بذاكرتي،وما كان من المرويّات التي وثقتُ برواتِها .

  وجميعُ هذه الصور هي لكشف ما كان خافياً على شباب هذا الجيل من جرائم جمهوريّة الخوف، وأزلام منظّمتها السريّة الذين كانوا كالوحوش التي تنهش في لحوم البشر، وتلعق دماءَهم.

2358 ذاكرة الخوف عبد الرضا علي

(3)

أول من استخدم مصطلح (المنظّمة السريّة) هوالمفكّر الأستاذ حسن العلوي،أمَّا أول من استخدم مصطلح (جمهوريّة الخوف) فقد كان صاحب الذاكرة العراقيّة الكاتب الشهير كنعان مكيَّة، الذي اتخذ له اسماً مستعاراً هو (سمير الخليل) حين نشر كتابه المشهور (جمهوريَّة الخوف) باللغة الإنجليزيَّة، فوجدتُ هذا المصطلح قميـناً بتوصيفي لجمهوريّة صدّام المخيفة،أمّا مصطلح (الطاغية) فمعروف للقاصي والداني، لكنّني حين قرأتُ كتاب المفكّر الكبير الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام (الطاغية) هالني ما كانت تفعله عوائل الطغيان بشعوبها عبر التاريخ ، لاسيّما طغاة الفرس، وكي لا أطيل سأوردُ الفقرة التي أرَّقتني ليلةَ قراءتي لها في الصفحة 71، من ذلك الكتاب، حين ذكر الدكتور إمام عبد الفتاح  الآتي: (كان الفرسُ يطلقون على الإمبراطور لقب [ملك الملوك] . وهو صاحب السلطة المطلقة في طول البلاد وعرضها، فكانت الكلمة التي تصدر من فيه كافية لإعدام من يشاءُ من غير محاكمة ولا بيان للأسبابِ تماماً كما يحدثُ عند الطغاة اليوم! وكان في بعض الأحيان يمنحُ أُمَّهُ، أو كبيرةَ زوجاتهِ حقَّ القتلِ القائمِ على النزوات والأهواء، وقلَّما كان أحد الأهالي ـ ومنهم كبار وأعيان ـ يجرؤ على انتقاد الملك،أو لومه.كما كان الرأي العام ضعيفاً عاجزاً عجزاً مصدره الحيطة والحذر.لدرجة أنْ كان كل ما يفعله مَنْ يرى الملكَ يقتلُ ابنَه البريءَ أمامَ عينيهِ رمياً بالسِّهامِ أنْ يثني على مهارةِ الملكِ العظيمة في الرماية. وكان المذنبون الذين تُلهِبُ السياطُ أجسادَهم بأمرِ الملكِ يشكرونَ له تفضُّـلَهُ بأنَّهُ لم يغفلْ ذكرَهم).

 ونحنُ نظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّ نظامَ طاغية العراق لو استمرَّ في الحكم، لوصلَ إلى حيثُ وصل إليه طغاة الفرسِ من جبروت، فليسَ غريباً على صاحب المقابر الجماعيَّة،وقاطع ألسنة الناس،وأيديهم، وآذانهم، ومستخدم السلاح الكيمياوي ضدَّ أبناء شعبهِ الكورد، ومشعل نار الحرب على جيرانه،وغازي الشقيقة الكويت، ودافنِ معارضيه وهم أحياء، وزارع فرق الاغتيال في بلدان العالم،وجزّار رفاقه القياديين البعثيينَ، والجاعل من أزلامه عيوناً تحصي أنفاسَ الناس وتكتب تقارير الموت عنهم، و..و.. و.. ألاّ يكون طاغيةَ العصرِ الأوحد، والمستبد المبيد كما كانَ القائد الضرورة الذي شبهه الكمالي (أستغفرُ الله) دون مراعاةٍ لقيم السماء بوجهِ الله حين قال:

(كوجهِ اللهِ يرفلُ بالجلالِ)

أمّا تقديم الكتاب، فقد تفضّل بكتابته الأستاذ أحمد الزكي، وممَّا جاء في فيه: (في هذا الكتاب الذي بين أيدينا أبدعَ الكاتبُ والأديبُ الأريبُ الكبير الدكتور عبد الرضا عليّ - وهو المبدع دائماً- في التقاطِ صورٍ مهمّةٍ لهذا الاستهداف للعقلِ، والإنسان تجاه من يملك القدرة على تحريكِ عقولِ الناسِ، وتحرير إرادتهم بالحكمةِ، والعلم، والمنطقِ، والحجة القاطعة..

 إنَّ ما يرويه الكاتبُ هنا هو جزءٌ مما شاهده وعايشه من صورٍ مرعبةٍ حفرتْ في ذاكرتهِ أخدوداً أكبر من أنْ تدملَ جراحَهُ تلك السنوات العجافُ، فهي ذكريات مرة لما مرَّ به خلال حياتهِ المليئة بالنشاط والحيوية والعطاء..).

 علماً أنَّ كلمة غلاف الظهر قد تفضَّلَ بها عليَّ مشكوراً صديقي الشاعرُ الكبير الدكتور عليّ الشلاه، وجاء فيها: (يقدم كتاب صور من ذاكرة الخوف للناقد والكاتب العراقي الكبير الدكتور عبد الرضا علي صورة موضوعية لما عاناه المثقفون والأكاديميون العراقيون سنوات الدكتاتورية الساقطة، ويري القارئ التشوهات، والانكسارات الكبيرة في الشخصية العراقية . تلك التشوهات التي تركتها سنوات الخوف والملاحقة لدولة بُنيت على هدم الإنسان وتمزيقه.

ولعلَّ أهمية هذه الشهادة المضافة تكمن في إشارتها إلى ملاحقة النظام لكل التفاصيل في حياة الناس حتى ما يعده الآخرون صغيراً، وهامشياً، ووضعه للمثقفين تحت مجهر التخوين في كلِّ حركاتهم وسكناتهم والمبادرة إلى تصفيتهم على الظن والشبهة والحسد والخلاف على أبسط جزئيّة داخل العمل، أو في الندوات والمؤتمرات.

ولعلَّ في هذا الكتاب شجاعة مميزة تبدو في إشارته للأسماء التي باعت ضميرها، وارتضت لنفسها دور المخبر الوضيع، والجلاد لزملائها من أبناء مهنة الحرف، والكتابة، وذلك يعكس الخراب الذي وصلته الثقافة العراقية بعد ثلاثة عقود من دولة الرعب البعثية.

وأجد لزاماً عليَّ التنويه بأهمية هذه الشهادة المتواشجة مع أهمية كاتبها كونه من الأسماء الرصينة، والفاعلة والمؤثرة في المشهدين الثقافي، والأكاديمي وليس شهادة عابرة لشخص عابر يضخم دوره بالادعاء.

آملاً أنْ يقدم هذا الكتاب محفزات أخلاقية لمثقفين آخرين لتقديم شهادتهم عن زمن الخوف أسوةً بكاتبنا الكبير).

***

لكلِّ ذلك كان هذا الكتاب الذي كشفتُ فيه بعضاً من صور الخوف في عهد الطغيان الصدَّامي، والحمد للهِ أولاً، وأخيراً.

 

أ. د. عبد الرضا عليّ

 

 

 

عامر هشام الصفارصدر قبل أيام عن دار ماشكي للطباعة وللنشر في مدينة الموصل في العراق كتاب الزميل الطبيب د. محمود الحاج قاسم والمعنون ب-الأطباء الموصليون المهاجرون- . وقد جاء الكتاب ضمن أصدارات رابطة التدريسيين الجامعيين في نينوى بتقديم د. أحمد الدليمي الأستاذ المساعد في جامعة الموصل.  ويشتمل الكتاب على ثلاثة فصول وعلى أمتداد قرابة المائتين من الصفحات. حيث أهتم الفصل الأول بهجرة الأطباء من الموصل قبل وبعد أحتلال العراق عام 2003، فناقش في محاوره الثلاثة الأسباب الأساسية لهجرة الأطباء، وأقترح مجتهدا ما يمكن أن يساهم في الحد من هذه الهجرة. ثم أن الكتاب قد أهتم بمادته الأصل التي عنى بها، وهي أسماء وسير حياة عدد من أطباء مدينة الموصل، من الذين هاجروا الى بلاد الغربة والمهجر. فذكر ما يقرب من 75 أسما من الأطباء الأعلام المعروفين والذين ولدوا في الموصل، وترعرعوا ودرسوا وعملوا فيها. ولم يرفق المؤلف سيرة الطبيب أو الطبيبة بصورة شخصية، مما تعذّر عليه في الطبعة الأولى هذه من الكتاب، ولعلنا نحظى بالصور في طبعة أخرى.

وقد جاء في مقدمة المؤلف الدكتور الحاج  قاسم ذكره لسبب أهتمامه بموضوع الأطباء المهاجرين، حيث يقول أن الكتاب وثائقي تاريخي يضاف الى أرث مدينة الموصل في علاقته ونصاعته. فضّم الكتاب على ذلك اسماء أطباء لا يعرفهم الأطباء الشباب الجدد وقد لا يذكرهم الآخرون، لأنهم تاهوا في المهاجر أو ماتوا بصمت ودون ضجيج.

ثم أن المؤلف حرص على التوثيق في كتاب ليدعو الى الحفاظ على شريحة الأطباء المهمة ضمن شرائح المجتمع..وهي ثروة من العقول والتي لا تعوّض. ولم يألوا المؤلف جهدا في التطرق الى أسباب هجرة الكفاءات العلمية العربية والعراقية من الموطن الأصل، كما حاول أن يأتي بالحلول، مع الأقرار انه-أي المؤلف- قد أهتم سابقا بالموضوع كل الأهتمام، وأصدر الدراسات، وحاضر بمحاضرات في أروقة الجامعة بالموصل حيث يعمل، وفي قاعات الدرس والمناقشات مع أهل الفكر والعلوم، ولكن المشكلة أستمرت دون حلول، بل وتفاقمت بتفاقم حال الوطن سوءا على الصعيد السياسي والأقتصادي والأجتماعي. وفي أحصائية مهمة يشير د. محمود الحاج قاسم الى أن 50% من الأطباء العرب يهاجرون متوجهين الى أوروبا وأميركا وكندا بوجه خاص، وهي نسبة كبيرة خطيرة بكل المقاييس. كما يذكر أن الأطباء العرب في بريطانيا انما يشكلّون حوالي 34% من مجموع الأطباء العاملين فيها.. كما جاء به مصدر يتحدث عن هجرة الأدمغة العربية وأورده الكتاب.

وحول أسباب هجرة الأطباء حاليا من العراق يذكر الكتاب عدة أسباب، لعل من أهمها:  تكرار تعرّض الأطباء للحوادث والأتهامات من قبل أقرباء المرضى، أضافة الى التهديدات والملاحقات العشائرية التي يتعرض لها الأطباء في العراق، وحالات الخطف والقتل، والذي أصبح أحد أهم العوامل الدافعة للهجرة.

ويشير الدكتور الحاج قاسم الى ما جاء في توصيات نقابة الأطباء في العراق في مؤتمرها الحادي عشر والمنعقد عام ،1973 ضمن مقترحات عشرة للحد من هجرة الكفاءات العراقية، فيدعو الى توفير المحيط العلمي بشكل عادل في المؤسسات الصحية، والعمل على تأمينه، وتوفير أمكانياته، وخاصة خارج بغداد ومراكز المحافظات. كما يدعو المؤلف ويكرّر ما دعت أليه نقابة الأطباء من ضرورة وضع دراسة وافية عن الفرص الوظيفية والمادية التي تعرض لأغراء الأطباء للبقاء في الدول التي يختصون أو يدرسون فيها، ومحاولة معادلتها بعروض وظيفية ومادية وعلمية مساوية لها على الأقل.

كما دعى كتاب الأطباء الموصليون المهاجرون الى الأسراع في أعادة بناء وتأهيل المستشفيات في الموصل، وتأمين العيش الآمن للطبيب في عمله في المستشفى، وفي عمله في العيادة الخاصة. كما دعى الى أحترام الطبيب وحسن التعامل معه وعدم أهانته والأعتداء عليه، أضافة الى تحسين الظروف المعيشية للأطباء.

لقد أحسن المؤلف د. محمود الحاج قاسم جهدا في أصدار كتابه القيّم، والذي يثير فيه ومن خلال مادته العلمية، موضوعا علميا مهما كموضوع هجرة العقول العربية، والذي لابد لأجله من أن تعقد الندوات، والمؤتمرات، وتصدر الدراسات، وتوضع الحلول، والاّ فلن يستعاد مجد، ولن تقوم حضارة من جديد.

 

د. عامر هشام الصفار.

 

 

السعيد بوشلالقللمفكر الحضاري مالك بن نبي رحمه الله

إنّ الكتاب الذي لا يُغيِّرنا لا يربينا لأننا ننتهي مِن قرأته ونحن على حالنا التي بدأناها به. وإنّا نتغير بالكتاب لأنه جاءنا بجديد فأقنعنا بصلاح المبدأ الذي يدعونا إليه، ووضح لنا السيئ من عاداتنا ووجهات نظرنا لذلك نحن نجد في الكتاب الذي يُغيِّرنا اتجاهاً جديداً في نفوسنا..

هذا الكتاب (حديث في البناء الجديد) رغم أنه كتاب من الحجم المتوسط بـ 160 صفحة. إلّا أن الفكر الحضاري الذي حواه يجعله كتاباً تغيِّرياً قيِّماً..

(حديث في البناء الجديد) يتضمن خمس محاضرات ألقاها الأستاذ مالك بن نبي في لبنان وسوريا عام 1959 وجمعها وترجمها إلى العربية الأستاذ عمر كامل مسقاوي .

المحاضرات هي:

1- الفعالية. وهي تعالج مشكلة الفرد وفعاليته في التّاريخ.

2- الثقافة. وهي تتمم معنى الفعالية التي هي من نتائج الثقافة.

3- كيف نبني مجتمعاً أفضل؟ هي تثبت أن انفصال الفرد عن مجتمعه لا يحقق له الضَّمانات الأساسية لحياته.

4- خواطر في نهضتنا العربية. وهي توضح الأخطاء التي نرتكبها في بناء الحضارة وتضع الوسائل الصحيحة لها.

5- رسالتنا في العالم. تبرز مشكلة اتجاه الحضارة في العالم.

تأتي هذه المحاضرات ضمن سلسلة مشكلات الحضارة، إذ يرى الكاتب أن المشكلة في العالم الإسلامي هي مشكلة أفكار فبعض الأفكار المميتة شكلت نوعاً من الجراثيم أسلمت العالم الإسلامي إلى مرضه وتخلفه .

ويدعو إلى تفعيل مبدأ (غَيِّر نفسك تُغيِّر التاريخ) فإذا تم لنا تغيير نفوسنا فقد واجهنا المشكلات بروح جديدة، روح تجعلنا نتجه نحو فكرة واحدة هي فكرة الحضارة.

وتاريخ الإنسانية اليوم يتجه نحو الحضارة المسيطرة في العالم. إنه يؤرخ لها، لأحداثها جميعاً ...

ومن الأفكار التي يناقشها الكتاب فكرة القابلية للاستعمار، وفكرة الثَّقافة فهو يرى أن الثَّقافة تتركب من المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والمنطق العملي والعلم.

1 - المحاضرة الأولى: الفعالية.. فعالية الإنسان في التاريخ:

يبدأ الأستاذ مالك بن نبي محاضرته الأولى هذه بالحديث عن ظاهرة المشكلة في النّهضة العربية بالقول بأنه (في كل خطوةٍ من خطواتنا في طريق الحياة نرى أنه تواجهنا مشكلات، وتعلق على رؤوسنا عدداً من نقاط الاستفهام تحثنا للجواب عليها. وأحياناً نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف بأننا لا نجيد صياغتها الفكرية ولا نجيد التّصرف بها أو توجيه إمكانياتنا التوجيه المناسب لها. فالمشكلة بالنسبة لكل فرد عربي يعيش هذه المرحلة الخطيرة أن يُحاول فهم الصُّعوبات التي تواجهنا في صورة مشكلات متنوعة سواء في الاقتصاد أو الثقافة. وبعبارة أخرى أن يصوغ حياته صياغة جديدة تُطابق حاجاته وما يحس به.) ص 45. ويذهب إلى اعتبار أن المشكلة حالة نفسية يمكن أن نسميها قلق، فإذا أصبحت نفوسنا تشعر بهذا القلق فذلك هو العلامة الأولى للحياة، وهو علامة الولادة الجديدة. فإن الطِّفل يستبشر أهله بولادته ولادة سليمة حينما يبكي. فنحن إذ يعترينا القلق في حياتنا فإننا نشعر بأننا قد ولدنا ولادة جديدة. إن القلق من المشكلة يؤدي إلى حلها. وهو يُرتب المشكلات في فصلين (المشكلات ترتب في فصلين: مشكلة تهمني كمواطن عربي. ومشكلات أخرى تواجهني كإنسان يعيش في المجتمع الإنساني.. مشكلة المواطن ومشكلة الإنسان. غير أن الحياة لا تخطئ في صياغة المشاكل، لأنها تأتي بالنتائج طبقاً للمسببات.) ص 47.

وهو يرى أن المجتمع العربي واجه مشكلات النّهضة بحلول ضعيفة، ودليل ضعفها (أننا لم نضع المشكلات في وضعها الصّحيح. ولم نتأملها في جوهرها. فإن جوهر المشكلات ليس في حوادث خارجية. فإذا تصورنا المشكلات في إطار اجتماعي فقلنا هي الجهل، أو في إطار اقتصادي فقلنا هي الفقر، أو في إطار سياسي فقلنا هي الاستعمار، فإننا في هذا كله نبحث نتائج لأسباب سابقة أصولها في أنفسنا. ومن هنا كان الضعف في ثمرات أعمالنا.. إذ هي ثمرات ل تقنعنا في النِّهاية.) ص 48.

إنّ ما بِأيدينا ثروة مُعطلة لأن تفكيرنا لم يتصل بجوهر القضية. فالقضية ليست قضية إمكانيات، ليست قضية فقر أو غنى. فما هي القضية إذن؟ (إن القضية سواء كانت في إطار اقتصادي أو إطار اجتماعي أو إطار سياسي تتصل بموقفنا نحن كأفراد، تتصل بموقفي كمواطن أمام المشكلات. فإنني عاجز عن صياغتها فكرياً، وإذا صحت فكرياً بصورة ما فإنني عاجز عن التّصرف في الإمكانيات لحلها فعجزي إذن مزدوج وليس عجزاً بسيطاً.) ص 49. ويأتي الأستاذ مالك بن نبي بمثال واقعي عن ذلك العجز فيقول: (حينما نُعالج مشكلة النَّظافة في الشَّوارع مثلاً فإننا نُرجعها إلى إهمال لمواطنين وتهاونهم. وهذا صحيح ومِن ثمَّ فإنني أشعر بِنصيبي مِن التفريط... أني حينما أعالج هذه المشكلة بزيادة عدد سِلال المُهملات في الشَّوارع فقط، فإنني أشعر بخطئي في حل المشكلة حلاً صحيحاً. فإنّ السِّلال الزَّائدة إذا كانت تصلح لمجتمع معين فإنَّها في مجتمع كالمجتمع العربي مثلاً أرى بعد خبرة دامت ثلاثين عاماً أن هذا الحلّ هو نظري. فهو تكديس لعددٍ آخر مِن سِلال المُهملات. ودليلي على ذلك أني شاهدت في كثير من شوارعنا عدداً كبيراً مِن سِلال المُهملات، ولكنها شبه فارغة ومِن حولها الأرض ملأى بِالمُهملات.) ص 50. فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا إمكانيات. بل إن القضية في أنفسنا نحن. القضية في جوهرها في الإنسان في حد ذاته. ولهذا علينا أن ندرس أولاً وقبل كلِّ شيء الجهاز الاجتماعي الأول في البناء الحضاري وهو الإنسان، وليست السِّلال وغيرها. (فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتَّاريخ، وإذا سكن الإنسان سكن المجتمع والتَّاريخ.) ص 50. أن هذه الحركية للإنسان والتَّاريخ هي التي نسميها (الفعالية). فعالية الإنسان في التَّاريخ. إن فعالية الإنسان في التّاريخ تعني النّظرة الإيجابية التفاعلية للإنسان في صنع التّاريخ كون الإنسان هو المُحرك والصانع للتّاريخ وليس مجرد كائن مستسلم له دون تأثير. يحلل الأستاذ مالك بن نبي الفعالية متسائلاً ومجيباً: (الفعالية. فعالية الإنسان في التَّاريخ. فما هي شروط هذه الفعالية؟ للجواب على هذا السُّؤال لابد أن نوضح ما نعني بالتَّاريخ والإنسان؟. إن نظرتنا إلى التَّاريخ لا تؤدي إلى نتائج نظرية فحسب. بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة فهي تُحدد مواقفنا أمام الأحداث، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها، ذلك أننا إذا نظرنا إلى التَّاريخ باعتباره مُجرد حوادث تتعاقب دون ما ربط جدلي بينها فإن هذه النّظرة تؤدي إلى نتائج معينة ليست هي التي تنتج عن نظرنا إليه حينما نعتبره سيراً مُطرداً تترتب فيه الحوادث ترتيباً منطقياً كما تترتب عن الأسباب مُسبباتها. فإن النّظرة الأولى تؤدي إلى تسجيل ما يطرأ من حوادث في أنفسنا، وفي مذكراتنا على أنه من حكم القضاء والقدر أي من حكمٍ لا يد للإنسان فيه ولا يسعه أمامه سوى الإذعان ومسايرة الظُّروف أو كما يعبر البعض الاستسلام للواقع. فهذه النّظرة تجعلنا نُطأطئ الرُّؤوس أمام الأحداث لأن جهلنا بأسبابها ونتائجها يُؤدي بنا إلى أن نُحني لِثقلها ظُهورنا فإذا ما وضعتها عن ظُهورنا يدُ الموت ألقتها على كاهل الأجيال من بعدنا) ص 51.

إنّ هذه النّظرة الأولى للتّاريخ هي نظرة سلبية استسلامية يكون فيها الإنسان مستسلماً للتّاريخ باعتباره قدراً لا يُمكنه تغييره.

أما النّظرة التالية وهي النّظرة الثانية للتّاريخ فهي نظرة فعالية إيجابية يُعتبر فيها الإنسان هو الصّانع والمُحرك للتّاريخ. يحلل الأستاذ مالك بن نبي ذلك قائلا: (أما نظرتنا الثانية إليه فإنها بدلاً من أن تُلقي على أكتافنا ثقل الأحداث تجعلنا نُحدد إزاءها مسؤولياتنا. فبقدر ما ندرك من أسبابها ونقيسها بالمقياس الصَّحيح، نرى فيها مُنبِهات لإرادتنا ومُوَجِهات لِنشاطنا. وبقدر ما نكتشف عن أسرارها نُسيطر عليها بدلاً مِن أن تُسيطر علينا. فنوجهها نحن ولا توجهنا لأننا حينئذ نعلم أن الأسباب التّاريخية كلها تصدر من سلوكنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء أعني مِن إرادتنا في تغيير الأشياء تغييراً يُحدد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية كما رسمها القرآن في قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..). والمعروف في أعم صوره والمنكر في أشمل معانيه يُكونان جوهر الأحداث التي تواجهنا يومياً كما يُكونان لُبّ التّاريخ. هذا هو المعنى العام للفعالية. وشرطها الأول: هو الذي يُحدد موقف الإنسان إزاءها كصانع للتّاريخ ومُحرك له. غير أننا إذا راجعنا الفترة الطّويلة التي قضيناها في معركتنا مع الاستعمار منذ قرن مثلاً لوجدنا أننا قد أضعنا وقتاً طويلاً. إذ لم نضع مشكلاتنا خلال هذه الفترة بمنطق الفعالية... إن الشُّعوب العربية الإسلامية قد تصارعت مع الاستعمار صراع الأبطال لتتخلص منه، لكنها كانت في الواقع تتصارع مع ظِلّ وليس مع واقع بالمعنى الصّحيح.) ص 51 و 52. ويضيف مالك بن نبي أنه (في تاريخنا القريب لم نتبع التّحليل المنطقي في مُعالجة مشكلة الاستعمار وإنما صرفنا وقتنا في التعبير بِكُلِّ وسيلة وبِكُلِّ صيغة عن استيائنا من سلوك الاستعمار كأننا نُطالب إبليس أن يُعدل مِن تصرفاته، ويُصبح مَلَكاً كريماً. أما المريض الحقيقي أعني الإنسان المستعمر، الإنسان الذي أصابه داء القابلية للاستعمار، فقد تركناه يستفحل فيه المرض من غير أن نُحاول مُحاولة جدية في فهم حالته المرضية حتى نُعالجه منها. وما ذلك إلّا لأننا خلال صِراعنا مع الاستعمار لم نعبر عن الأشياء بلغة الفعالية ولكن بلغة العاطفة التي أدت بِنا أحياناً إلى تصرفات ومواقف هزلية تتفق تماماً مع الخُطط الاستعمارية في بلادنا. وهذا ناتج على أننا لا نُقدر حوادث التّاريخ كما ينبغي لنا تقديرها. أعني أن نُقدرها كأفعال وردود أفعال بين عوامل اجتماعية ونفسية..) ص 55. ويركز الأستاذ مالك بن نبي على الإنسان كأهم قيمة ومعادلة في البناء الحضاري، قيمته ككائن حي مكرم، وقيمته ككائن اجتماعي فعَّال (إن الملاحظة تُجبرنا على أن نُقدر للإنسان قيمتين. قيمته كإنسان، وقيمته ككائن حيّ. قيمة توهب له في طينته الأولى بما وضع الله فيها مِن تكريم. وقيمة أخرى تُعطى له بعمليات اجتماعية معينة. وبعبارةٍ أخرى إن الإنسان يُمثل معادلتين. معادلة تُمثل جوهره كإنسان صنعه مَن أتقن كلّ شيء صُنعه. ومعادلة ثانية تُمثله ككائن اجتماعي يَصنعه المجتمع. ومن الواضح أن هذه المعادلة الأخيرة هي التي تُحدد فعالية الإنسان. إنسان في جميع أطوار التّاريخ لا يتغير فيه شيء وفقط تتغير فعاليته من طور إلى طور. وهذا يعني أن شخصيته ليس بالبسيطة، وإنما هي مُركبة تشتمل على عُنصر ثابت يُحدد كيانه كإنسان وعُنصر مُتغير يُحدد قيمته ككائن اجتماعي. وهذا يجعلنا نصُوغ مشكلته صِياغةً جديدة  وأن نتساءل: ما هي الظُّروف التي تجعل المجتمع يخلق في الفرد القيمة التي تبعث فيه الفعالية؟. إننا حينما ندرس مجتمعاً ما في حقبة مِن الزَّمن كافية لتُعطينا خبرة بشؤون المجتمعات في مختلف أطوارها. نرى أن المجتمع نفسه يكون أحياناً في حالة ركود وكساد. ولو أننا قد حللنا في مثل هذه الحالة الوضع النّفسي الذي يكون عليه الفرد فإننا نراه يتمتع بصورة واضحة بشعور الاستقرار. فلا يحتويه أي قلق وبالتَّالي  فإنه لا يبذل أي محاولة لتغيير الوضع مِن حوله. إذ تسير الأشياء والحوادث دونما تدخل مِن إرادته. وهنا يُصبح التّاريخ سيلاً يجرفه إلى حيث لا يدري مُستسلماً له الاستسلام المطلق. فإذا ما حدثت في المجتمع حالة جديدة غيرت هذه الأوضاع كُلّها، فإن موقف الإنسان هنا يتغير أمام الحوادث والأشياء وبالتالي يتغير مجرى التّاريخ... وهكذا يسود المجتمع وضع جديد نستطيع تسميته بحالة إنقاذ. وأول ما يكون من أثر هذه الحالة في نفس الفرد أنها تحرمه الشُّعور بالاستقرار بما يعتريه ويُسيطر على مشاعره مِن قلق لا يُمكن دفعه إلّا بتغيير الوضع. بتغيير الأشياء.) ص 57 و 58. ويختم مالك بن نبي محاضرته الأولى (الفعالية) هذه بالقول أنه إن (الشُّروط النَّفسية الاجتماعية التي تُحرك المجتمعات وتفرض على الأفراد الانسجام مع قانون تلك الحركة بِما لديهم منِ المُؤهلات المكتسبة التي تُكَوِّن المعادلة الاجتماعية أي المعادلة التي تُحدد فعاليتهم أمام المُشكلات وتُعطيهم قيمتهم في المجتمع وفي التّاريخ. وهكذا ينطلق الفرد الذي كان مِن قبل مكبلاً بِكساده ينطلق لأنه يشعر فجأةً بانفجار ذاتي في نفسه. انفجار يُطلق طاقاته المكبلة فتغير وجه التّاريخ...) ص 61.

2 - المحاضرة الثّانية: الثَّقافة:

2354 مالك بن نبيجاءت هذه المحاضرة في سياق المحاضرة الأولى (الفعالية) حديث عن العلم والثقافة والفعالية. وفيها يستعرض المفكر مالك بن نبي مفهومه للثقافة ومبادئها:

يبدأ الأستاذ مالك بن نبي محاضرته الثانية (الثَّقافة) بالإشارة إلى أن الحياة الثّقافية في البلاد العربية والإسلامية تفتقر إلى الشُّروط الأولية وهي شبكة العلاقات الثَّقافية التي تحيا فيها الأفكار. كما لا يوجد الدفء الإنساني الذي يشعر فيه الكاتب بالتَّشجيع على المثابرة. وهو يرى أن شبكة العلاقات الثَّقافية لم تتكون بعد في المجتمع الإسلامي، وذلك قياساً بتجربته في الحضارة الغربية.

يتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن ماهية الثقافة التي تنشئ الصِّلات الثَّقافية في المجتمع وتخلق الفرد الفعال؟. ويعرض مفهومه للثقافة التي هي ليست مجرد علم يتعلمه الإنسان في المدارس ويُطالعه في الكتب. ويضيف محللاً: (إن الثَّقافة هي الجو المشتمل على أشياء ظاهرة، مثل الأوزان والألحان والحركات. وعلى أشياء باطنة كالأذواق والعادات والتَّقاليد. بمعنى أنها الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص يختلف عن الطَّابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر. هذا هو معنى الثَّقافة. غير أن تحديدنا لها على هذه الصُّورة يجعلها في صورة غير مركبة. أعني في صورة لا تُعطي أي فكرة عن تطبيقها في حين أن الغرض من الجهد الذي نبذله في موضوع كهذا ليس هو مجرد المعرفة لمفهوم من المفاهيم ولكن من أجل تحقيقه في مجتمعنا. وإذن فلا بد لنا من أن نُصنف عناصر الثَّقافة التي ذكرناها من عادات، وتقاليد، وأذواق إلخ... تصنيفاً ينتهي إلى تطبيقه، كما يجب أن تنتهي كلّ عملية تحليلية لازمة لفهم الأشياء، إلى عملية تركيبية لازمة لتحقيق هذه الأشياء.)

يحدد الأستاذ مالك بن نبي المبادئ التي تقوم عليها الثَّقافة في أربعة شورط هي: المبدأ الأخلاقي، والذوق الجمالي، ومبدأ المنطق العملي، والعلم.

عن المبدأ الأول يقول: (أن الثَّقافة لا تستطيع أن تكون أسلوب الحياة في مجتمع معين إلّا إذا اشتملت على عنصر يجعل كُلّ فرد مرتبطاً بهذا الأسلوب، فلا يُحدث فيه نشوزاً بسلوكه الخاص. وإذا دققنا النَّظر في هذا العنصر فإننا نرى أن لا بد أن يكون خُلُقِياً. فإذا قررنا وجود هذا العنصر كضرورة منطقية اجتماعية، فإننا نكون بهذا قد حققنا شرطاً أساسياً من شروطها وهو: المبدأ الأخلاقي.) ص 71. (إن شبكة الصِّلات الثَّقافية تختل حتماً في بلد ما، إذا اختل فيه المبدأ الأخلاقي. وإن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بقدر ما يزيد فيها تأثير المبدأ الأخلاقي أو ينقص.. فالمبدأ الأخلاقي يقوم بالضبط ببناء عالم الأشخاص، الذي لا يُتصور بِدونه عالم الأشياء، ولا عالم المفاهيم.) ص 72.

المبدأ الثاني للثَّقافة هو الذوق الجمالي هو (الأساس الثاني الذي تقوم عليه الثقافة: ذوق الجمال. الذي يطبع الصِّلات الاجتماعية بطابع خاص. فهو يُضفي على الأشياء الصورة التي تتفق مع الحساسية والذوق العام من حيث الألوان والأشكال. فإذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته.. ومن هذه الناحية يعتبر ذوق الجمال من من أهم العناصر الديناميكية في الثَّقافة لأنه يُحرك الهِمم إلى ما هو أبعد من مجرد مصلحة. وهو في الوقت نفسه يحقق شرطاً مِن أهم شروط الفعالية، حيث يُضيف إلى الواقع الأخلاقي عند الفرد دوافع ايجابية أخرى مِن شأنها أحياناً أن تعدل مِن بعض الدَّوافع السَّلبية التي ربما يخلقها المبدأ الأخلاقي الجاف في سلوك الفرد حينما يصطدم هذا السُّلوك الصَّادر عن مبدأ أخلاقي مجرد من الحساسية الإنسانية والذوق العام.) ص 74.

أما المبدأ الثالث في مفهوم الثَّقافة هو (مبدأ يخص الانتاج الاجتماعي وهو مبدأ المنطق العملي. شرطاً هاماً من شروط الفعالية في الفرد والمجتمع. تطبيقه يتضمن فكرة الوقت والوسائل البيداغوجية لبث هذه الفكرة في سلوك الفرد وفي أسلوب الحياة وفي المجتمع.) ص 75.

المبدأ الرابع هو العلم (فالمبدأ الأخلاقي وذوق الجمال والمنطق العلمي لا تكون وحدها شيئاً من الأشياء إن لم تكن في أيدينا وسائل معينة لتكوينه. وهو الذي يُعطينا تلك الوسائل. فالعلم يكون عنصراً هاماً في الثَّقافة لا يتم بِدونه تركيبها ومعناها. فهو عنصرها الرابع.) ص 76.

ويختم مالك بن نبي محاضرته عن (الثَّقافة) بأن: (المبادئ الأربعة كفيلة بجمع شروط الفعالية التي هي الشيء الذي نريده من وراء كلمة (ثقافة) ذلك أننا لو حللنا عملاً ما على أنه كائن مركب ومشتمل على دوافع نفسية فإننا نرى أن هذه الدوافع يبعثها المبدأ الأخلاقي في النَّفس حيث لا يُمكن أن يُتصور هذا العمل بدونها كعمل إرادي. وهذا العمل يأتي بصورة معينة يُحددها ذوق الجمال. وبهذا يتم جزء مِن فعاليته. كما أن هذا العمل سنجده يؤدي للمصلحة الاجتماعية بقدر ما فيه من المنطق العملي الذي يُحدد سرعة انجازه، وبه تمام جزء فعاليته الآخر. وهو أخيراً يطلب تطبيق أصول نظرية ووسائل مادية يُقدمها العلم.. فيجب علينا إذن أن نقول إن الثَّقافة تشتمل على أربعة فصول: فصل أخلاق، وفصل جمال، وفصل منطق عملي، وفصل علم.) ص 77.

3 - المحاضرة الثّالثة: كيف نبني مُجتمعاً أفضل؟.

يعتمد الأستاذ مالك بن نبي في مُحاضراته هذه على التساؤل الذي يعقبه الجواب لشد انتباه القارئ ومتابعته واستيعاب الأفكار التي أوردها في هذا الموضوع الهامّ جداً.. فيبدأ المحاضرة بالتساؤل عن حظ العالم من المستقبل؟ وعن مصير وحظ العرب في هذا المستقبل؟.. ويعقب بالقول أن: (الذي ينبغي علينا أن نعلمه ونفكر فيه هو الواجبات التي يُلقيها على كاهلنا بناء النهضة. نهضة مجتمعنا. ذلك المجتمع الذي أصبحنا نشعر بوجوب بنائه وتحريك طاقاته التي عطلها التّاريخ منذ قرون. قرون التّدهور والانحطاط التي كان حظ العالم الإسلامي منها كبيراً بعد ازدهار حضارته. فليس من التّرف الفكري أن يُختار موضوعاً كهذا الموضوع عنوانه: كيف نبني مُجتمعاً أفضل؟) ص 81.

ويضيف (علينا أن نتعلم معنى الحياة الاجتماعية حتى من الحشرات، لأن في حياتها دروساً لنا قيِّمة... والإنسان شأنه في هذا شأن النَّحلة. إنه لا يستطيع أن ينعزل عن المجتمع ويُحاول العيش بجهده الخاص إذ مصيره من غير شك الموت. وإذا سلمنا بهذه البديهة فإن علينا أن نتساءل: هل الفرد يعيش ويحقق قسطه من الحياة ومصلحته فيها بمجرد اتصاله بشيء نسميه المجتمع أي بعدد من الأفراد؟.) ص 82. ويرى مالك بن نبي أن المجتمع ليس تكديساً لمجموعة من الأفراد، بل هو يُركز على وظيفته البنائية. إذ يرى أن (المجتمع الذي يقوم بوظيفته التّاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويُحقق راحة الفرد فإنه بنيان وليس تكديس من الأفراد... فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عامة هي التي تؤلف بين أفراد المجتمع. فإذا فُقِدت هذه الفكرة فقد فُقِدت الصِّلات بين الأفراد، وتفكك المجتمع وضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه... فالقضية إذن ليست قضية تكديس الأفراد. فنسمي كُلّ تكديس مجتمعاً.) ص 83. ويحلل الأستاذ مالك بن نبي معنى التكديس والفرق بينه وبين البناء في المجتمع، قائلاً: (ولسائل أن يسأل: تُرى ما معنى التكديس وما الفرق بينه وبين البناء؟. هناك فروق كبيرة، الفرق بين البناء الذي يحقق النتائج عاجلاً والتكديس الذي ربما يأتي بنتيجة. فلعله يُصادف يوم يخرج من الكدس شيئاً. والتكديس في الحقيقة ظاهرة اجتماعية. فإنه يحصل أن تكدس المجتمعات في مرحلة من مراحلها، ولكنها ليست في مراحل نهضتها، وإنما في عصور انحطاطها، لأنها في هذه المرحلة لا تفكر ولا تنظم أعمالها طبق أفكار وقوانين. وإنما تكديس الأشياء.) ص 94. (وقد يقتضينا هذا أن نفكر في المجتمع تفكير بناء وليس تفكير تكديس، لأن التَّكديس في المجتمع ظاهرة مُضرة، وهي تظهر حتى في الأفكار.) ص 95. ويضيف أن (المجتمع الإنساني يُقرر فكرته في مستوى آخر ليس مستوى البقاء، ولكن مستوى تطور النوع ورُقيِّه. هذه هي حقيقة المجتمع التي ينبني عليها كيانه.) ص 84.

ويتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن الأهداف التي من أجلها يتكون المجتمع؟. ويجيب (هنا سأجيب بكل بساطة فأقول: أن الغاية من ذلك كُلّه تحقيق سعادته. فالفرد إذ يتصل بالمجتمع فإنما لتحقيق سعادته، وما أتت الأديان والفلسفات إلّا لتحقيق السّعادة وما خططت السياسات إلّا لهذا الغرض.) ص 85. ويواصل تساؤله الهادف لخدمة الموضوع وتبسيطه (ولكن ما هي هذه السّعادة التي نتطلع إليها؟ وما هو الشيء الذي يُحققها؟ لو أردنا أن نستخدم لغة العصر، هي لغة الاقتصاد الذي يُسيطر اليوم على عقولنا وعلى سير التّاريخ. لو أردنا أن نقبس من هذا المنطق لندخل في موضوعنا فإننا نقول إنه متوسط الدّخل السّنوي للفرد.) ص 85. فهو يركز على المستوى الاقتصادي كزيادة الدخل الفردي وتوفر الضمانات الاجتماعية كتجنيد الطّاقات وحل مشكلة البطالة، وحل مشكلة الأمية.. إن كُلّ هذه المؤشرات تضمن مجتمعاً أفضل ينسجم فيه الفرد كعنصر ذا قيمة بنائية كيفاً وليس كماً. ونستنتج من هذا التحليل أن (الإنسان الذي لا يكون مجتمعه مجتمع حضارة فهو معرض للحرمان من الضمانات الاجتماعية. فأنا حينما أُحاول تحديد مجتمع أفضل فكأنني أُحاول تحديد أسلوب حضارة إذ أنني حينما أُحقق الحضارة، أُحقق جميع شُروط الحضارة، والأسباب التي تأتي بمتوسط الدّخل المرتفع، بمعنى أنني أُحقق الخريطة الاقتصادية ونتائجها الاجتماعية والثقافية.) ص 91. (فإذا أردنا أن نبني مجتمعاً أفضل فهذا يعني أننا نبني مجتمعاً متحضراً.) ص 92. و(إن علينا أن نكون حضارة. أي أن نبني لا أن نكدس. فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس ولنا في أمم معاصرة أسوة حسنة.) ص 98. و(إن علينا أن ندرك بأن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة. والاستحالة هنا اقتصادية واجتماعية.) ص 99.

(ثُم إن هناك مُغالطة منطقية. فالحضارة هي التي تُكون مُنتجاتها وليست المنتجات هي التي تُكون حضارة. إذ من البديهي أن الأسباب هي التي تكون النتائج وليس العكس. فالغلط منطقي ثُم هو تاريخي لأننا لو حاولنا هذه المحاولة، فإننا سنبقى ألف سنة ونحن نُكدس ثُم لا نَخرُج بشيء.) ص 99.

ثم (يجب أن نتساءل: مِن أي شيء يبتدئ بناء الحضارة؟ وهذا السؤال يفرضه المنطق. فأنا إذا فكرت في بناءٍ فإن عليّ أن أعلم بأي شيء ابتدئ. إن أول ما يجب علينا أ نفكر فيه حينما نريد أن نبني حضارة، أن نفكر في عناصرها... فإننا نجدها تتكون من عناصر ثلاثة: - فالعنصر الأول هو الإنسان، فهو الذي ولدها وصنعها. أما العنصر الثاني فهو التُّراب. إذ من التُّراب كُلّ شيء على الأرض وفي باطنها. وأما العنصر الثالث فهو الزمن (الوقت).) ص 100. وهكذا يصل بنا المفكر الحضاري مالك بن نبي إلى المعادلة الحضارية التالية لبناء أسي حضارة وهي: (الحضارة = الإنسان + التُّراب + الوقت) ص 102.

وفي الأخير يختم محاضرته بالقول: (فأنا إذن حينما أُحاول التّخطيط لحضارة فليس عليّ أن أُفكر في مُنتجاتها، وإنما في أشياء ثلاثة. في الإنسان والتُّراب والوقت. فحينما أُحلُّ هذه المشاكل الثلاثة حلاً علمياً. بأن أبني الإنسان بناءً مُتكاملاً، واعتني بالتُّراب، والزَّمن، فحينئذٍ قد كونتُ المجتمع الأفضل. كونتُ الحضارة التي هي الإطار الذي فيه تتم للفرد سعادته، لأنه يُقدم له الضَّمانات الكافية الاجتماعية.) ص 102.

4 - المحاضرة الرَّابِعة: خواطر عن نهضتنا العربية.

حول تجربة الوحدة العربية بين مصر وسوريا في إطار (الجمهورية العربية المُتحدة). ألقاها الأستاذ مالك بن نبي في جامعة دمشق عام 1959م.

بدأها بالقول (لا شك أن التّجربة التي تقوم بها الأمة العربية اليوم تأخذ معناها أولاً من الاعتبارات الخاصّة النّاتجة من صميم حياة العرب المتّصلة باطراد تاريخهم ثم أنها تأخذ أيضاً معناها من اعتبارات أخرى تتّصل بالاطّراد العام الذي يُكوِّن الإنسانية ويربط أطوارها بعضها ببعض. لأن هذا الاطّراد وذاك يلتقيان اليوم في نُقطةٍ أصبحت تُمثل قُطب التّاريخ.) ص 106. ويُضيف (أن التّجربة العربية تأخذ أيضاً معناها من الوسائل الفنية الضّخمة التي أصبحت اليوم في تصرف الإنسانية تفتح أمامها عهداً جديداً وتعلق في وقتٍ واحد على مصيرها كُلّ التّوقعات.) ص 106. (فالعالم اليوم يختصر الطّريق ويختزل التّاريخ ويعيش تحت قانون اجتماعي وتاريخي جديد هو قانون السُّرعة في جميع وجوه النّشاط، ولا يظهر أثره في عالم الأشياء والاعتبارات العسكرية فقط بل يظهر أثره في عالم النُّفوس التي بدأت تشعر به شُعوراً واضحاً.) ص 107.

ويرى مالك بن نبي بأن هذا الاتجاه التّاريخي السريع في تطور العالم ليس إلّا ضرورة تُعبر عن وحدة المصير التي يتجه إليه التّاريخ. لأن (التّاريخ يعزل مَن لا يسير في اتجاهه، وكُلّ مَن عزله التّاريخ فإنه يدخل حتماً في حظيرة الشُّعوب البدائية أو في حظيرة العدم.) ص 109.

وهكذا (يجب علينا حينما نضع قضية النّهضة العربية نصب أعيننا أن نعتبر مُقتضياتها من جانبين. بنظرةٍ إلى الخارج لِنُحدد واجباتها نحو العالم أي لِنُحدد شروط انسجامها مع ضرورات السّير العام. ثُم بنظرةٍ إلى الدّاخِل لِنُحدد الطّاقات التي يُمكن توظيفها مِن أجل المُحافظة على البقاء في الدّاخل والمُحافظة على الاتجاه الصّحيح في الخارج.) ص 109. و(إنه يجب أن لا ننسى أن الإنسان لا يدخل العمليات الاجتماعية كمادة خام بل يدخل في صورة معادلة شخصية صاغها التَّاريخ وأودع فيها خُلاصة تجارب سابقة وعادات ثابتة تُحدِّد موقف الفرد أمام المشكلات بما يكون هذا الموقف من القوة أو الوهن، من الاهتمام أو التّهاون، من الضَّبط أو عدم الضَّبط إلخ...) ص 113. و(يجب أن يكون - هذا الإنسان - من النوع الديناميكي ، ويجب أن نختبره في حركاته وفي سكناته، وإذا اعتبرنا أن التّاريخ إنما هو تسجيل لحركات مجتمعٍ مُعين فأي قطعةٍ منه نُحللها نجد في نهاية التّحليل إمَّا الصُّورة الحقيقية لِحالةِ الفرد بالنسبة إلى ضرورات المجتمع. وإمَّا على الأقل بعض المعلومات عن معادلته الشّخصية أي عن مدى صلاحيته في العمليات الاجتماعية، كما يُمكننا في نِهاية التّحليل أن نُقرر ما يجب تعديله في تلك المعادلة حتى تُصبح منسجمة مع ضرورات الخارج وحاجات الدّاخل.) ص 114.

وفي مقاربته الّتحليلية للنّهضة العربية يتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن مواطن الضّعف في مجتمعاتنا العربية؟. ويذهب إلى أن التّاريخ العربي قد تحرك من جديد بين سنوات (1868 - 1905) ليسجل بدايات النّهضة العربية. ويقارن بينها وبين النّهضة في اليابان (عهد الميجي) في نفس الفترة ليتساءل أيضاً لماذا حققتْ النَّهضة اليابانية في نفس الفترة ما لم تحققه النّهضة العربية؟. ليجيب (أن اليابان وقف من الحضارة الغربية موقف التّلميذ ووقفنا منها موقف الزّبون. انه استورد منها الأفكار بوجه خاص ونحن استوردنا منها الأشياء بوجه خاص. إنه كان خلال سنوات (1868 - 1905) يُنشئ حضارة، وكنا نشتري بضاعة حضارة، فكان البون بيننا شاسعاً والخلاف جوهرياً، يؤدي حتماً إلى ترجيح كفة اليابان.) ص 119. ويردف (أن هذه النّظرة إلى الماضي أفادتنا شيئين: أن حركة النّهضة العربية كانت تسير على بطء ثُم أنها لم تكن تتجه نحو إنشاء حضارة. أو على الأقل أنها لم تنظم اتجاهها نحو الحضارة. ومن الطّبيعي إذن أن نفترض فيها أولاً وجود عوامل تعطيل نفسية أثّرَتْ في سيرها خلال الحقبة التي جعلناها موضوع البحث. وثانياً وجود عوامل أخرى فكرية أثّرت في اتجاهها تأثيراً سلبياً.) ص 119. ويتساءل مالك بن نبي إن كانت العوامل المعوقة للنهضة قد زال مفعولها أم لا؟ ويرى أن لا جواب على هذا السؤال لأنه لا يملك شيئاً يتيح له الجواب عليه جواباً يُقنع لأن ذلك يتطلب دراسة موضوعية لم يقم بها أحد على حد علمه. حيث أنه لم يقم في العالم الإسلامي والعربي ما يسميه علماء النّفس عملية تصفية الرواسب. وهو (يعتقد أن العلاج يتصل بالثّقافة والتّوجيهات الثقافية في البلاد العربية على شرط أن نُعطي لكلمة ثقافة معناها الصّحيح لتقوم بالدور الخلاق للإنسان العربي الجديد الذي يتواءم مع ضروريات النّهضة في الخارج وفي الدّاخل. هذا من جانب الاعتبارات التي تمس ضعف النّهضة من حيث النّفس. وأما الاعتبارات التي تمس ضعفها من حيث الفكر، فإننا نقدر جملة من الضّعف الذي نشاهده في اتجاه النّهضة العربية من الجانب الفكري خلال الفترة التّاريخية التي اخترناها للمقارنة أي فترة (1868 - 1905) إنما يرجع إلى أسباب منطقية معينة. ويمكن أن نرتب هذه الأسباب كما يأتي:

1 – عدم تشخيص غاية النّهضة بصورة واضحة.

2 – عدم تشخيص المشكلات الاجتماعية تشخيصاً صحيحاً.

3 – عدم تحديد الوسائل تحديداً يُناسب الغاية المنشودة والإمكانيات.) ص 121.

ويحلل الأستاذ مالك بن نبي هذه الأسباب تحليلاً منطقياً:

1 - (فأما عن السَّبب الأول فالضّعف يتصل بقانون الحركة بصفة عامة. أن كلّ حركة تفقد غايتها، ولم تحدد غايتها بوضوح، فإنّ شأنها التّيه في السّبيل والتّبذير في الوسائل والخطأ في الهدف، وبالتالي فإنها حركة تخضع لقانون الصّدفة أي أنها لا تأتي بنتيجة في اتجاه معين وفي وقت معين.) ص 122. إن النّهضة هي حركة من نوع خاص تُحدد غايتها طبقاً لنوعيتها. فهل الحضارة هي تلك الغاية لكل سير في التّاريخ؟. إن الجواب على هذا السؤال يستوجب أولاً اعتبار التّاريخ عملية اجتماعية محددة الأسباب والنتائج ومرتبطة بالإنسان تقدر حظه أو تلقيه في الحضيض. وليس مجرد تسلسل حوادث على شاشة الزمن. (أن النّهضة العربية من الضّروري أن تُحدد غاية سيرها كمحركة في التّاريخ. وأن تتخذ كعملية اجتماعية الحضارة غاية لها. وبقدر ما يصح هذا التّشخيص في ضوء الاعتبارات الاجتماعية والتّاريخية نكون قد تداركنا جانباً من عوامل التّعطيل الذي كشفته المقارنة مع نهضة اليابان.) ص 124.

2 - (وأما بالنسبة للسبب الثاني أي تشخيص المشكلات فإن الضّعف يتسرب في تقدير مشكلات النّهضة من حيث ضرورات الدّاخل وضرورات الخارج تقديراً سليماً. حسب طبيعة الأشياء لا حسب عادات فكرية توجه فكرنا في اتجاه معين، سواء أكان هذا الاتجاه صالحاً يُناسب ما تقتضي المشكلات من حلولٍ أم لا يُناسب. هذه العادات الفكرية تعمل مفعولها أحياناً في صورة البديهيات التي تُطبق دون أي تحفظ، والبديهيات في التّاريخ كثيراً ما قامت بدور سلبي كعوامل تعطيل.) ص 125.

(إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد. الإنسان المتحضر. الذي يعود إلى التّاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الإنسان لا تتم بمجرد إضافة معلومات جديدة إلى معلوماته القديمة لأنه سيبقى هو قديماً في عاداته الفكرية وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية وفي فعاليته إزاءها.) ص 127. (فيجب إذن أن نحترز قدر الإمكان في معالجة المشكلات الاجتماعية، من الطّريقة التي تضع أمام كلّ داء نقيضه كدواء، فنضع مثلاً العلم أمام الجهل دون قيدٍ أو شرط، ونجد أنفسنا أحياناً وبالتالي أمام عالم نفعي غير نافع، يعيش على جسم المجتمع مثل النّبات الطُّفيلي على الأشجار. فقضية الجهل لا تعالج بمجرد وضع البرامج التعليمية. والتّعليم لا ينفع كمجرد إضافة معلومات. بل يجب أن يكون أولاً عملية تصفية نفسية. وتعديل معادلة شخصية زيفتها عهود الكساد. وبكلمة واحدة أن يكون التّعليم بناء الشّخصية الجديدة في الإنسان العربي المتجدد طبقاً لضرورات النّهضة في الدّاخل والخارج. وهذا يعني أن لا توضع برامج التّعليم لما يُسمى (العلم) ولكن طبقاً لشيء أعم بكثير هو: الثّقافة. أي أن توضع برامج تتصل بعالم النّفس والدّوافع الأساسية ثُم بعالم العقل والمفهومات، وبعالم الأشياء والحاجات.) ص 129.

3 – وأما بالنّسبة لمشكلة تحديد الوسائل تحديداً يُناسب الغاية المنشودة والإمكانيات. (فإن النّهضة العربية كانت تحاول تحقيق غايتها بالأشياء التي تستوردها من الحضارة الغربية. فالخطأ يتصل هذه المرة بقضية الوسائل، والسؤال: هل يصح أن تكون الأشياء التي نستوردها من الخارج وسائل لتشييد حضارة دون قيد أو شرط؟. إن الشيء الذي نستورده يكون منتوجاً من منتوجات حضارة معينة، أو منتوجاً حضارياً بصفة مطلقة. فأما من حيث أنه منتوج حضارة معينة فإنه يتفق مع مصلحة البلاد التي استوردته أو لا يتفق معها أحياناً من الجانب الاقتصادي وأحياناً من الجانب النفساني أيضاً.) ص 130. فلا بأس أن نستورد من الشيء ما نسدُّ به حاجاتنا الأساسية مؤقتاً (لأنه لا يمكن لحضارة أن تنشأ في أنبوبةٍ مغلقة لا يأتيها شيءٌ مِن الخارج.) ص 135.

(إن مشكلة الحضارة لا تُحل باستيراد منتوجات حضارية موجودة. لكنها تستوجب حلّ ثلاث مشكلات جزئية:

1- مشكلة الإنسان وتحديد الشُّروط لانسجامه مع سير التّاريخ.

2- مشكلة التُّراب وشروط استغلاله في العملية الاجتماعية.

3- مشكلة الوقت وبث معناه في روح المجتمع ونفسية الفرد.) ص 140.

ويختم الأستاذ المفكر الحضاري مالك بن نبي محاضرته هذه بترتيب منطقي هام ليضع (الإنسان) في أعلى عناصر بناء الحضارة، بقوله (إنني أرى أن توضع (مشكلة الإنسان) في المرتبة الأولى لأنه هو الذي يوجه الأشياء ويصنع الحضارة.) ص 141.

5 - المحاضرة الخامسة: رسالتنا في العالم.

وتضمنت حديث حول الدِّيمقراطية والاشتراكية والسّلام، والدّعوة إلى خيرية الأمة العربية والإسلامية.

(النصيحة لا تنفع إن لم تكن مستمدة من صميم الواقع. فما هو الواقع الذي يواجهنا؟.) ص 144. بهذه العبارة وهذا التساؤل يبدأ الأستاذ مالك بن نبي محاضرته الخامسة والأخيرة في هذا الكتاب. إن هذا الواقع يُشير إلى أننا (نعيش اليوم في عالم أصبح وكأنه عمارة واحدة تسكنها الشُّعوب. ترى كيف توزّع السُّكنى في هذا المبنى على الشُّعوب؟.) ص 145. ويذكر أن الخريطة الإيديولوجية للعالم تتوزع إلى دول دِيمقراطية ودول اشتراكية ودول السِّلام. وأن هذه الحاجات الإنسانية قد قُننت في دساتيرها إذ أن (الإنسانية أصبحت تشعر بحاجات تعبر عنها في الدّساتير المختلفة التي تبني عليها حياتها السِّياسية.) ص 147. وأن (الدِّيمقراطية أصبحت وكأنها قطب يتجه إليه تاريخ الإنسانية على مختلف أصنافها بما فيها من تنوع من حيث التّقدم والتّخلف.) ص 148. (وليست الدِّيمقراطية غير تطبيق للحريات في النُّظُم الاجتماعية وفي المنظمات السِّياسية وفي دستور الحكم.) ص 149. أما الاشتراكية فهي تعبر عن حاجة إنسانية في القرن العشرين. فشعور الإنسانية بهذه الحاجة لا يقلّ عن شعورها بالدِّيمقراطية. ويضيف (ثم نرى من ناحية أخرى أن فكرة ثالثة بدأت تلعب دوراً كبيراً لا تنقُص أهميتها عن دور الدِّيمقراطية والاشتراكية في العالم. فنحن نرى فكرة السّلام قد دخلت في المجال القومي والدّولي. وأصبحت في كُلّ مكان شعاراً للسياسة ومُنبِهاً للأفكار في مختلف البلدان.. وقد باتت اليوم كُلّ سياسة ترفع لواء السِّلم مهما كانت النّوايا وراء الكلمات والمواقف الظّاهرة.. ولا يقوم من يُهدد السّلم بتصرفاته إلّا باسم السّلم في أقواله. هذا هو واقع العالم اليوم. الواقع الجبّار الذي يجذب إليه طاقات الإنسانية وقوى التّاريخ إلى مستقر لا يعلمه إلّا الله.) ص 151.

وبأسلوبه المعهود يتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن موقف العالم العربي والإسلامي من هذا الواقع، ليعلم مركزه وما سوف يكون عليه في هذا العالم. وفي هذا الشأن هو يرى أن عالمنا العربي والإسلامي لا يُمثل حاجةً مِن حاجات الإنسانية الكبرى في القرن العشرين. (فنحن في حالة تغيّب عن العالم الجديد لأننا لا نرى لوناً على الخريطة يدل على وجودنا فيها.. لأننا لا نُمثل مصلحة ذات أهمية عالمية.) ص 153. ويتساءل هل كان هناك مخرج من هذا المأزق؟ أم أنه لا بُد من أن نستسلم لليأس فنُطأطئ الرأس أمام هذا الواقع؟ ويجيب (أنه من اللائق أن نُفكر في الأسباب التي أدخلتنا إلى هذا المأزق قبل أن نُفكر التي يُمكننا بها الخروج منه. إن دوافع الحياة هي التي ورطتنا في الأزمة التي نُحاول لخروج منها. منذ أكثر من نصف قرن حينما استيقظت الشُّعوب العربية الإسلامية على خطر الاستعمار، كانت يقظتنا الفجائية دافعاً من دوافع الحياة وفي الوقت نفسه دافعاً من دوافع الخطأ.. فنحن قد ألقينا بأنفسنا من حيث لا نُريد في هُوة التّقليد حتى ننجو من الاستعمار. إننا لم نُفكر في الخلاص تفكيراً مُعقداً. وإنما دفعتنا دوافع لا شعورية لتقليد حضارة الاستعمار حتى نعصم أنفسنا منه. وقد دعانا هذا إلى السّير في الطّريق التي شقته الشُّعوب الغربية أمامنا على أنه يوصلنا إلى ما وصلوا إليه. ولا شك أن هذا مُمكناً لو أننا نسير جميعاً دون دخل للوقت والتّطور في حياتنا. ولكننا نتطور نحن وَمَنْ نُقلِّده. وعليه فإذا سِرنا على مبدأ تقليده فسوف نُقلِّده إلى ما لا نهاية. وهكذا كان الدّافع الذي دفعنا في مطلع هذا القرن إلى الحياة قد دفعنا في نفس الوقت إلى الخطأ. فبِتنا نسير في هذا الطّريق إلى أهداف لم نُقررها لأنفسنا وإنَّما يُقررها لنا ضِمناً الاستعمار. فنحن نسير بالضّبط إلى أهداف حضارة مادية. ولذلك فإنه لم يعد في وسعنا أن نُحقق مِن وراء هذا حاجة من حاجات الإنسانية تكفل لنا مكاناً لائقاً بنا في المجمع العالمي. فما دُمنا نسير هكذا فإن المنطق البسيط يُشير إلى أن من نُقلده هو أولى بهذه الحاجة التي يُمكن أن تكون في النِّهاية هدف هذا الطّريق. لأن السّابق إلى الشيء دائماً أولى به. ومِن المُسَلم به أن مَن نُقلده أسبق مِنا  في هذا المضمار.) ص 155. (وعلى ضوء هذه الاعتبارات، علينا أن نُراجع أنفسنا ونتساءل: ما هو المخرج؟ إنّه في أن يكون في نشاطنا الرُّوحي ما تعترف به الإنسانية كحاجة مثل الدِّيمقراطية والاشتراكية والسِّلم. حاجة لا بُد مِن إشباعها... يجب أن يكون في نشاطنا شيء تعترف به الإنسانية كحاجة من حاجاتها . شيء يضمن لنا مركزاً كريماً في المجمع العالمي... إن الإنسانية في حاجة إلى صوت يُناديها إلى الخير وإلى الكف عن جميع الشُّرور وإنها لحاجة أكثر إلحاحاً مِن سواها لأن الإنسان تَوَّاق إلى الخيٍر بِفِطرته. وإنّما تحرمه معوقات مختلفة تكونها الظُّروف الاجتماعية والسِّياسية والاقتصادية.) ص 157. (إن الإنسان لا يفقد من نفسه معنى الخير كلّه مهما أحاطت به دوافع الشّر. لأن الأصل في قلبه الخير. والشّر عارض.) ص 159.

ويضيف في الختام (أن الدّوافع النّفسية التي تُعبر عنها فكرة الدِّيمقراطية أو فكرة الاشتراكية أو فكرة السّلام، إنّما هو في الواقع دوافع واحدة في صور مختلفة: إنّها دوافع الخير في نُفوس مختلفة. وأن هذا يعني أن في النّفس مجالاً لِفِكرة الخير. وأن مَن يرفع راية الخير قد يسد حاجة تشعر بها الإنسانية في أعماقها. ويُحقق لنفسه مكاناً كريماً في المجمع العالمي. وهذا المجال يُمكن أن يكون مجالنا إذا حققنا في سلوكنا معنى الآية الكريمة: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران: 104. فإذا ما تحققت هذه الآية في سلوكنا العام، كتخصص لمجتمعنا بالنِّسبة لحاجة الإنسانية، فسوف نكون قد لقينا على الخريطة الإيديولوجية لوناً يجعلنا مِن أكرم سُكان المجمع العالمي.) ص 159. وهذا ما يجعل الأمة الإسلامية تتميز بميزة الخيرية التي ذكرها القرآن الكريم في قول الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) آل عمران: 110.

 

- نقاط على هامش كتاب: حديث في البناء الجديد للمفكر الحضاري مالك بن نبي

- لاستيعاب ما طرحه المفكر مالك بن نبي في هذا الكتاب ينبغي قراءة هذه المحاضرات في سياقها التاريخي الزَّمني الذي قدمت فيه عام 1959 وعدم فصلها عنه.

- المحاضرات الخمس جاءت في وحدة موضوعية واحدة تتعلق بمشكلات الحضارة التي اشتغل بها المفكر الحضاري مالك بن نبي رحمه الله.

- بدا لي مِن خلال قراءة هذه المحاضرات أن الأستاذ مالك بن نبي كان مؤمناً أشد الإيمان بمشروع الوحدة العربية من خلال الجمهورية العربية المتحدة التي قامت بين مصر وسوريا في عهد جمال عبد النّاصر وقد ظهر ذلك جلياً في المحاضرة الرّابعة (خواطر عن نهضتنا العربية). وأذكر أن الجمهورية العربية المتحدة تتكون من الإقليم الجنوبي مصر والإقليم الشَّمالي سوريا، هو الاسم الرَّسمي للكيان السِّياسي المتشكل إثر الوحدة بين مصر وسوريا، أعلنت الوحدة في 22 فبراير 1958م. بتوقيع ميثاق الجمهورية العربية المتحدة من قبل الرَّئيسين المصري جمال عبد النّاصر والسُّوري شكري القوتلي واختير عبد النَّاصر رئيسًا لها. غير أن الوحدة أنهيت بانقلاب عسكري في دمشق في 28 سبتمبر 1961م وإعلان قيام الجمهورية العربية السُّورية.

- اقتباسات في كتاب: حديث في البناء الجديد للمفكر الحضاري مالك بن نبي

- (إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها هي مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى مستوى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) ص 14

- (غيِّر نفسك تغيِّر التّاريخ) ص 15

- (إن الحضارة ليست في أجزاءٍ مبعثرة ملفقة، ولا مظاهر خلابة، وليست الشيء الوحيد، بل هي جوهر ينتظم جميع أشيائها وأفكارها وروحها ومظاهرها، وقطب يتجه نحو تاريخ الإنسانية) ص 15

- (إن الثقافة تتركب من المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والمنطق العملي) ص 25

- (إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتَّاريخ، وإذا سكن الإنسان سكن المجتمع والتَّاريخ.) ص 50

- (إن الثَّقافة لا تستطيع أن تكون أسلوب الحياة في مجتمع معين إلّا إذا اشتملت على عنصر يجعل كُلّ فرد مرتبطاً بهذا الأسلوب، فلا يحدث فيه نشوزاً بسلوكه الخاص. وإذا دققنا النَّظر في هذا العنصر فإننا نرى أن لا بد أن يكون خُلُقِياً. فإذا قررنا وجود هذا العنصر كضرورة منطقية اجتماعية، فإننا نكون بهذا قد حققنا شرطاً أساسياً من شروطها وهو: المبدأ الأخلاقي.) ص 71.

(إن شبكة الصِّلات الثَّقافية تختل حتماً في بلد ما، إذا اختل فيه المبدأ الأخلاقي. وإن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بقدر ما يزيد فيها تأثير المبدأ الأخلاقي أو ينقص.. فالمبدأ الأخلاقي يقوم بالضّبط بِبناء عالم الأشخاص، الذي لا يُتصور بِدونه عالم الأشياء، ولا عالم المفاهيم.) ص 72.

- (إن ارتباط الفرد بالمجتمع هو الذي يُحقق السَّعادة.) ص 88.

- (إن بناء المجتمع يتطلب تنمية اقتصادية وطاقات روحية.) ص 91.

- (أن نُكوِّن حضارة أي أن نبني لا أن نُكدس فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس.) ص 98.

- (إن علينا أن ندرك بأن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة. والاستحالة هنا اقتصادية واجتماعية.) ص 99.

- (الحضارة هي التي تُكوِّن مُنتجاتها وليست المنتجات هي التي تُكوِّن حضارة. إذ من البديهي أن الأسباب هي التي تكوِّن النتائج وليس العكس.) ص 99.

- (التّاريخ يعزل مَن لا يسير في اتجاهه، وكُلّ مَن عزله التّاريخ فإنه يدخل حتماً في حظيرة الشُّعوب البدائية أو في حظيرة العدم.) ص 109.

- (موقف الضّعيف المُتكبر أمام القوي المُتجبر) ص 117.

- (أن كلّ حركة تفقد غايتها، أولم تحددها بوضوح، فإنّ شأنها التّيه في السّبيل والتّبذير في الوسائل والخطأ في الهدف، وبالتالي فإنها حركة تخضع لقانون الصّدفة أي أنها لا تأتي بنتيجة في اتجاه معين وفي وقت معين.) ص 122.

- (إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد. الإنسان المتحضر. الذي يعود إلى التّاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الإنسان لا تتم بمجرد إضافة معلومات جديدة إلى معلوماته القديمة لأنه سيبقى هو قديماً في عاداته الفكرية وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية وفي فعاليته إزاءها.) ص 127.

- (قضية الجهل لا تعالج بمجرد وضع البرامج التعليمية. والتّعليم لا ينفع كمجرد إضافة معلومات. بل يجب أن يكون عملية تصفية نفسية. وأن يكون التّعليم بناء الشّخصية الجديدة في الإنسان المتجدد. وهذا يعني أن لا توضع برامج التّعليم لما يُسمى (العلم) ولكن طبقاً لشيء أعم بكثير هو: الثّقافة. أي أن توضع برامج تتصل بعالم النّفس والدّوافع الأساسية ثُم بعالم العقل والمفهومات، وبعالم الأشياء والحاجات.) ص 129.

 

قراءة: أ. السعيد بوشلالق

 

 

حاتم حميد محسنفي كتابه "صعود وانتصار الذات الحديثة" يفحص كارل ترومان التحول السريع في تصورنا الثقافي للجنس، النوع، الهوية. الكاتب ترومان الباحث في تاريخ الكنيسة، يعتقد ان المسيحيين والمحافظين الاجتماعيين الآخرين يميلون لإساءة فهم هذه التغيرات عبر إلقاء اللوم على الثورة الجنسية والفردية المعبرة(1). بدلا من ذلك، هو يرى الثورة الجنسية كنمو طبيعي لتغير اكبر في فهمنا للذات الانسانية. كل الامريكيين هم افراد معبّرين، سواء المحافظون اوالتقدميون (كما يذكر). لكي نفهم لماذا بعض الخيارات الفردية تنال الاحترام بينما اخرى يتم استبعادها، يتعقب ترومان تطور الهوية الفردية والمجتمع خلال القرون الثلاثة الماضية. دراساته التاريخية هي أقوى من العديد من التفسيرات الاخرى، لكنه ربما سيجد أجوبة اوضح لبعض اسئلته لو ان تحليلاته تضمنت جون ستيوارت مل ومبدأه المؤذي.

يتبنّى ترومان في تحقيقاته التاريخية مفاهيم من ثلاثة فلاسفة معاصرين: السدار ماكنتري، فيليب رايف، شارلس تايلور.

في كتابه "بعد الفضيلة" يوضح السدار عبث النقاش الأخلاقي المعاصر، الذي يستلزم انظمة اخلاقية لا تقبل المقارنة، وفي عدة حالات، تتحول الى عاطفة، وهي الرؤية بان العقائد الاخلاقية هي في الحقيقة تعبيرات لأفضليات عاطفية.

فيليب رايف يجادل في كتابه (انتصار العلاجات)، ان الثقافات التقليدية وجّهت الافراد نحو الخارج لإيجاد معنى في الجالية. في عصرنا السايكولوجي، الذات تخلق ذاتها من الداخل والذي هو اكثر أهمية من مؤسسات المجتمع. في العالم القديم وعالم القرون الوسطى، وُجد الافراد لخدمة الدولة او الكنيسة واكتسبوا هويتهم منهما، اما اليوم فان الدولة والكنيسة وجدتا لخدمة الفرد واحساسه بالرفاهية الباطنية.

اخيرا، من كتاب شارلس تايلور(مصادر الذات)، يأخذ ترومان مفهوم الخيال الاجتماعي، "حيث الفهم المشترك الذي يجعل الممارسات المشتركة ممكنة، وإحساس مشترك وواسع بالشرعية". تايلور ايضا يرى في ذلك الخيال فرقا بين الرؤيتين التقليدية والشعرية للعالم. الـ Mimesis (2) ترى ان العالم كما لو انه يمتلك نظاما يجب ان نكتشفه ونمتثل له. اما الـ Poesis (3) فهي ترى العالم كمواد خام يمكن ان يستخدمها الافراد لخلق معنى وهدف. التكنلوجيا تساعدنا للتفكير في انفسنا في ضوء نيتشوي شعري وتجعل خلق الذات "جزءاً روتينيا من حياتنا الخيالية الاجتماعية الحديثة".

2351 صعود وانتصار الذات الحديثةيستعمل ترومان هذه المفاهيم الفلسفية ليتعقب ببراعة اصول الداخل والعاطفة والذات الشعرية في الخيال الاجتماعي الغربي الحديث. هو يبدأ تاريخه بروسو ويقارن بين اعترافاته واعترافات اوغستين. اوغستين يرى عيوبه الأخلاقية باطنية لذاته، الآثام التي هو ذاته مسؤول عنها. روسو، بالمقابل، يرى عيوبه خارجية، تزييف لإنسانيته الخيرة طبيعيا نتيجة الضغوط المشوهة التي يضعها المجتمع عليه. اوغستين الشاب يسرق كمثري لأنه شرير، اما روسو الشاب يسرق نبات الهليون لأن شخص آخر حثّه على ذلك. بالنسبة لروسو، الهوية الحقيقية للفرد توجد في سايكولوجيته الداخلية، والفرد الأصيل هو شخص يتطابق سلوكه الخارجي مع طبيعته الباطنية (الخيّرة فطريا). هذا التعبير يستمر على شكل صراع دائم، لأن المجتمع وأعرافه تمنع الذات الأصيلة من التعبير عن جوهرها. هذه الديناميكية التأسيسية لزماننا كانت موجودة سلفا في أواخر القرن الثامن عشر.

الشعراء الرومانسيون الانجليز مثل وليم وردسورث و بيرسي فيس شيلي أيدوا روسو في اعترافاته حول الفرد والمجتمع. هم فهموا كتاباتهم والعواطف القوية التي انتجتها كطريقة لوضع القرّاء في تماس مع الطبيعة الاصلية للانسان الكامنة تحت هياكل وفساد المجتمع. هم ايضا ربطوا شعرهم بالسياسة والثورة. شيلي خصيصا رأى الشعر كطريقة لكشف الاضطهاد وتشكيل خيال القارئ بما يشبه التحرر السياسي. قبل اكثر من قرن كتب غرامشي واليسار الجديد حول الثقافة والثورة.

يرسم شيلي ارتباطا واضحا بين الدين، القمع السياسي، والقيود على النشاط الجنسي، خاصة العفة قبل الزواج والزواج بواحدة. وكما يشير ترومان، طالما الحب يكمن في جوهر ما نعنيه بالانسان، "فان القيود غير الطبيعية على الحب تمنع بشكل فعال الكائن البشري من ان يكون انسانا حقا. انها سبب رئيسي لعدم الأصالة الشخصية". اذا كان الامر هكذا، عندئذ فان الاخلاق المسيحية ليست فقط خاطئة وانما شريرة في منع الناس من عيش حياتهم بسعادة. قبل 150 سنة من الثورة الجنسية، جادل شيلي ومعاصروه بان الزواج يجب ان يكون اتحاد من المشاعر، وليس سرا ملزما، وان تحرير الحب يجب ان يكون ضرورة سياسية.

بعد ذلك جاء اساتذة الشك. نيتشة يرفض تماما كون الطبيعة الانسانية كمتعالية وكمبدأ حاكم، الى جانب الادّعاءات بالحقيقة المطلقة. العوائق لخلق الذات غير المحدودة بحاجة للتحقق، لا لكي تُطاع. الاخلاق ليست مسألة تأسيس ضرورات مطلقة (كما في كانط)، وانما كشف الحوافز وديناميكيات القوة المؤطرة للادّعاءات الاخلاقية. ماركس ايضا، يرفض الطبيعة الانسانية العابرة للتاريخ، مدّعيا ان تغيير الظروف الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية للسلطة هو الذي يقرر منْ هو الكائن الانساني. اخيرا، نظرية دارون في التطور توفر تفسيرا للطبيعة الانسانية يزيل منها كل مصير خاص او أهمية . في نهاية القرن التاسع عشر، هؤلاء المفكرون الثلاثة أضروا كثيرا بالإحساس ان الطبيعة الانسانية كمبدأ مؤسس لفهم الهدف الانساني. حسب وجهة نظرهم، العالم ليس له معنى عدى ذلك الذي اُعطي له بواسطة الكائن البشري.

ان صعود الذات السايكولوجية ازداد سرعة مع فرويد. ترومان لاحظ ان أغلب نظريات فرويد جرى دحضها، لكن الاسطورة التي أورثها لنا هي ان الجنس "هو العامل الواقعي للوجود الانساني، معنى ان تكون انسانا ... الهدف من الحياة ومحتوى الحياة الجيدة، هو إرضاء جنسي ذاتي". الجنس كان دائما حافزا انسانيا مهما وفعالية، بعد فرويد اصبح هو الفعالية الأعظم أهمية لهويتنا السايكولوجية. رأى فرويد ان الحياة كلها جنسية بما فيها الطفولة. ترومان يكتب: "لا توجد هناك مرحلة في الحياة لم تكن فيها الرغبة الجنسية وإشباعها اساسيا للسلوك الانساني. كل تلك التغيرات هي وسائل بواسطتها يجد الافراد هذه القناعة". لاحقا في عمله المهني، اصبح فرويد اكثر تشاؤما بإمكانية تحقيق مثل هذه القناعة. هو يجادل ان الأخلاق التقليدية هي مدمرة للافراد، لكنها توفر فوائد واضحة للمجتمع. الحضارة تتطلب كبحا واحباطا للرغبات الجنسية وهكذا، مع كل منافعها فهي تجعل مستقبل السعادة الانسانية والقناعة مستحيلان.

ان الارتباط بين ماركس وفرويد وبتأثير قوي من شيلي، جاء مع صعود النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت. وبعد عقود من وفاة ماركس عام 1883، لم يتحقق انهيار الرأسمالية الذي تنبأ به . الأزمات الاقتصادية الدورية حدثت باستمرار، لكنها فشلت في خلق الوعي الطبقي الضروري الذي تحتاجه ثورة البروليتاريا. مدرسة فرانكفورت طوّرت نقدا للثقافة الرأسمالية التي تساعد في خلق ذلك الوعي الطبقي تدريجيا بمرور الزمن. جزء من ذلك النقد تضمّن مجموعة من تحليلات ماركس وفرويد، تربط القمع الجنسي بالاضطهاد السياسي. كان ترومان صائبا، نحن كلنا جزء من ثورة الذات ولا توجد هناك طريقة لتجنبها.

في عام 1936 نشر ولهيلم رايخ Wilhelm Reich (زميل فرويد وعضو غير رسمي في مدرسة فرانكفورت) كتاب الثورة الجنسية. وفي عمل سابق له وصف رايخ العائلة البطرياركية كوحدة أساسية للقمع، "المصنع الذي صُب فيه بناء الدولة والايديولوجية". الآن يجادل رايخ ان الدولة يجب ان تجبر وتعاقب العوائل التي تعارض التحرر الجنسي لأنها تصبح المعارض الرئيسي للتحرر السياسي. التحرر السياسي والتحرر الجنسي يسيران جنبا الى جنب. كلاهما ضروريان لخلق مجتمع اكثر سعادة وعدالة. تلك الاشياء التي تقف في طريقهما مثل العائلة التقليدية، يجب تحطيمها.

بعد رايخ بعشرين سنة، قدّم هربرت ماركوس رؤية اكثر اتقانا عن التحرر الجنسي. جادل ماركوس ان بعض مستويات القمع الجنسي كانت ضرورية للمجتمع لكي يعمل في الماضي. لكن الأعراف الجنسية الرأسمالية، التي ركزت على الزواج الاحادي والعائلة، كانت لها علاقة كبيرة بالسيطرة على البروليتارية اكثر من علاقتها بتنظيم المجتمع. السلوك الذي يعتبره المجتمع البرجوازي منحرفا يجب احتضانه كجزء من الكفاح ضد القمع. مع فرويد، اصبح الجنس مستبطنا وسايكولوجيا، ومع ريخ وماركوس اصبح مسيسا.

لاحقا جادل ماركوس ان السياسة يجب ان تصبح داخلية وسايكولوجية كما هو الجنس. في مقال له بعنوان "التسامح القمعي، 1965"، كتب اذا كان تشويه النفس بالوعي الزائف هو أصل الاضطهاد، عندئذ فان الاضطهاد يصبح مفهوما سايكولوجيا. الكلمات والافكار التي تعمق الاضطهاد بحاجة للمراقبة بسبب تاثيراتها السايكولوجية السيئة. هذا بدوره، يعني ان الكلام الحر والمنافع الاجتماعية الاخرى لا يجب منحها للجميع، وانما فقط لاولئك الذين هم على صواب وليسوا دعاة للأذى. كانت هذه رؤية السوفيتي الشاب الذي اخبر مرة بروفيسور الادب الروسي غاري سول مورسن، " بالطبع نحن لدينا حرية الكلام، لكننا فقط لا نسمح للناس بالكذب".

الخطوة الاخيرة في دراسة ترومان التاريخية هي كتاب سيمون ديبوفوري "الجنس الثاني" الذي يفصل بشكل واضح بين الجنس والنوع، البايولوجي، وعلم النفس. كما يوضح ديبوفيرو: "الطبيعة لا تعرّف المرأة : هي التي تعرّف نفسها عبر استعادة الطبيعة لنفسها في عاطفتها". انه بالإمكان الادّعاء ان العاطفة يمكن استعادتها رغم الطبيعة، واستعادة علم النفس رغم البايولوجي، واستعادة النوع (ذكر ام انثى) رغم الجنس.

المؤرخون المفكرون اصبحوا مصنعا محليا في السنوات الخمس الماضية، عندما كافح الاكاديميون والصحفيون في كيفية تفسير التحولات الهائلة في المجتمع، خاصة المتعلقة بالجنس والنوع. العديد من هذه التفسيرات التي جرت بسرعة كبيرة في التاريخ، تعطي تفسيرا لصعود وسقوط العصر الذهبي . هذه التفسيرات تميل للقول ان الحضارة الغربية بلغت ذروتها مع توما الاكويني، وان جميع مشاكلنا منذ ذلك الوقت يمكن القاء اللوم فيها على وليم اوكهام، او تعقّبها رجوعا الى جون لوك وفهمه للحرية والعقد الاجتماعي.

تفسير ترومان هو الأقوى وهو التفسير التاريخي الأكثر اقناعا حتى اليوم لأنه مسؤول تاريخيا ويتجنب التعميم المفرط. لا توجد إدانات تاريخية لجون لوك، او المؤسسون الامريكيون او الليبرالية بمختلف تعريفاتها. وانما، ترومان يفحص مصادره بعناية، محققا في اصول الأفكار الحديثة التي كتب بها المفكرون السابقون بوضوح. هذا العمق التاريخي يسمح لترومان ليوضح وبشكل مقنع جذور العديد من الظواهر الثقافية المحيرة، بدءاً من شيوع الاباحية الى التحولات السريعة في فهمنا للزواج، الى حرية الكلام في الجامعة، الى التحولات الجنسية.

وعلى طول الطريق، يستفسر ترومان دائما حيثما يضع الناس القيود على تحقيق الذات والاسس التي يضعونها لعمل كهذا. أوضح الامثلة على هذا هي الاعتداءات الجنسية على الاطفال وتعدد الزوجات : لماذا يمكن لرجل بايولوجي ان يحقق ذاته من خلال الاعتراف به كأمرأة بينما آخر يُمنع من الزواج بثلاث نساء؟ ترومان يدّعي ان مثل هذه القيود هي " حتما عشوائية ويتم تحفيزها سياسيا" ضمن أخلاق ما بعد فرويد الجنسية. لكنه لو أضاف جون ستيوارت مل لسرده التاريخي، فان المنطق سيصبح اكثر وضوحا. نقاشاتنا الأخلاقية العامة تركز على الضحايا والمضطهدين، انتشار تلك النقاشات هو عمل مؤذي. طبقا لمبدأ الأذى لمل، نحن حذرون في ادانة السلوكيات الى النقطة التي تكون فيها مؤذية بوضوح للاخرين. وعندما يصبح اذى مختلف الافعال اكثر وضوحا، هذه الافعال تصبح اكثر التباسا من الناحية الاخلاقية وحتى اكثر ازدراءً. هذا يوضح لماذا يفضل الامريكيون القيود على الاجهاض، لماذا اصبحت الكليات اكثر قلقا حول الجنس في الجامعات حينما اصبحت كلفة ثقافة الجنس العرضي اكثر وضوحا.

مبدأ الأذى ليس شيئا اعتباطيا ولا هو يتحفز سياسيا، انه يوضح لماذا الوقوف ضد الاعتداءات على الاطفال وتشجيع زواج المثليين يُحتمل ان يبقى قويا. انه سوف يقرر ما اذا كان تعدد الزوجات يُنظر اليه كالتزام مسيحي مورموني او قمع اسلامي اصولي او حب متحرر لتعدد زوجات . انه يوضح لماذا النقاش عن التحول الجنسي لم ينتهي بعد – كما يلاحظ ترومان – خاصة بشأن الناس الشباب الذين ربما لاحقا سينظرون الى تأثير هورموناتهم الثقيلة او الجراحة كأذى كبير، او الذين يُهزمون في المنافسات الرياضية المؤلمة من جانب رياضيين من جنس بايولوجي مضاد.

ترومان ربما كان صائبا، المشكلة ليست في الفردية ذاتها، التي تحتوي على تأكيد هام على كرامة الفرد بصرف النظر عن دوره في المجتمع. المشكلة هي ان الفردية المعبرة تفصل كرامة الفرد عن أي خلفية بنظام موضوعي متعالي. نحن يجب ان نكون مدينين لكارل ترومان لمساعدتنا على فهم كيفية حدوث ذلك الفصل وكيف يمكننا البدء بالتفكير في إصلاحه.

 

حاتم حميد محسن

....................

* كتاب (صعود وانتصار الذات الحديثة) لكارل ترومان، صدر عن دار crossway في 10 نوفمبر 2020 في 432 صفحة. المؤلف ترومان بروفيسور في الدراسات الانجيلية والدينية بكلية Grove city.

الهوامش

(1) الفردية المعبّرة Expressive individualism هي شكل من الفردية برزت في تضاد مع الفردية النفعية Utilitarian individualism. الفردية المعبّرة تؤمن ان كل فرد يمتلك شعورا اساسيا متفردا وبديهة يكشفان ويجب ان يُعبّر عنهما اذا اريد بلوغ الفردية. في ظل ظروف معينة، قد يجد الفرد المعبّر بالإمكان من خلال الشعور الحدسي ان "يندمج" مع الافراد الآخرين او مع الطبيعة او مع الكون ككل. اما الفردية النفعية، فهي شكل من الفردية تأخذ الرغبات الانسانية والمخاوف كمعطى، وترى حياة الانسان كجهد يقوم به الافراد لتعظيم المصلحة الذاتية. الفردية النفعية تنظر للمجتمع كبروز من العقد الذي يدخل به الافراد فقط من أجل تطوير مصالحهم الشخصية. انها تتصل عن قرب بالفهم الاقتصادي الاساسي للوجود.

(2) هي مبدأ نظري اساسي في خلق الفن. الكلمة لها اصل يوناني وتعني "تقليد" (بمعنى التمثيل وليس الاستنساخ). افلاطون وارسطو تحدثا عن الـ mimesis كتمثيل او تصوير للطبيعة.

(3) هي النشاط او الفعالية التي بها يجلب الفرد شيئا ما الى الوجود والذي لم يكن موجودا من قبل. الكلمة poiesis مشتقة من كلمة يونانية تعني "يصنع".

 

 

2349 geoffrey pnashترجمة: صالح الرزوق

إذا كان خالد في هذه المرحلة من حياته المهنية في أمريكا يجسد خصائص المتمردين العلمانيين الذين أسسوا للحداثة العربية ورفضوا الثقافة العربية الكلاسيكية (21)، فهو لم يكن أقل تشككاً بكل ما يتعلق بالثقافتين الغربية والعربية على حد سواء. وبدلا من أن يسمح لشخصيته "الشرقية" أن تكون منتهية تماما، وتحت رحمة الشخصية "الغربية"، فإن عقليته خرجت "من معطف تلك الفوضى التي نجمت عن الأرواح المتنافسة دون أن تصاب بخدش... فهو لم يقرر أن ينحاز لأي طرف". وفي إنكاره لآراء جرميا وباسكال المتشائمة حول مصير البشرية  يرفض التقليد المسيحي، ويجد فيه دليلاً على الداروينية؛ لكنه أيضاً يحول توم باين إلى رماد مع جرميا. "بالنسبة له كان التعليم رياضة، وتبعه  بروح حرة مستجيبا لنزواته، دون أي منهج أو طريقة" (22).

هذه الحرية الفكرية، بدلاً من سجنها  في أشكال التقاليد المحلية و التي هاجمها ريحاني في تدويناته المبكرة في بدايات القرن العشرين (23) لم تدفع خالد لاعتناق المادية الإلحادية.  إن انتقاد خالد للمعاصرين الذين دافعوا عن الإلحاد  واتهامهم “بالفشل” و“الزيف” و“مطاردة الدولار”، قدم لبعض النقاد دليلا على محدودية الحرية الفكرية عند ريحاني. إلى جانب تحديد خالد للشرور الاجتماعية التي تهدد إنجيل "النجاح" (الذي أعاد انتاجه باللغة العربية في الريحانيات) يمكن النظر له كدليل على انتماء الريحاني لصفوف العرب والشرقيين الذين يطلقون خطابات وعظية ضد الغرب الكافر (24).

ولكن يمكن أيضاً أن يُؤخذ على أنه مؤشر على يقين رؤية خالد الروحية: فهو يتجنب الفخ الذي انتبه إليه كوكس ورأى أنه يدفع العلمانيين إلى التطرف وتبني العلمانية. ومع ذلك، فإن الرسائل الاجتماعية والروحية التي يقدمها خالد تهتدي برؤية علمانية. وقد علمته تجاربه في نيويورك قيمة الابتعاد عن جميع أنواع السلطات: وبالأخص الدينية والأكاديمية والسياسية، فالمرء

يعيش حياته الخاصة؛ ويفكر بأفكاره الخاصة؛ ويستمر بالتطور والتبدل حتى يصل إلى الحقيقة. وأوقية حقيقة تجدها بنفسك  أفضل من قنطار يعطى لك منة من قبل إنسان من شأنه أن يستعبدك. اذهب بطريقك، يا أخي. وإذا كانت كلماتي تقودك إلى (جهنم) لماذا ستكون هناك مفاجأة بانتظاري.  سوف تشاهد خالقناجالسا على عرش من نهر جليدي شبت به النار في انتظار أمثالك. وسوف يأخذك بين ذراعيه ويلكزك في الأضلاع، وستضحكان معا وتضحكان، حتى يصبح ذلك النهر الجليدي حديقة وتنبت زهرة فيها (25).

إن أمكننا ملاحظة خصلة من خصال إيمرسون في تفكير خالد المتحرر، فهذا يتوازى مع رغبته بـ “الحوريات” (26)، ومع أنه قد لا يحمله قارئ من القرن الواحد والعشرين محمل الجد،  إن سلوكه يؤكد على السهولة التي يمكن له أن يلعب  بها بأوراقه الاستشراقية للتهرب من عري وفقر ”قبو” المهاجر. وفي الوقت الحاضر سيُقرأ كشكل من أشكال الميول الذاتية للاستشراق والتي تحط في نهاية المطاف من شأن الموضوع العربي أكثر مما تفعل العشيقات الغربيات (مع أن الموضوع ظل مغرياً للروائيين العرب من الجنسين).

وتعكس رحلة خالد نحو "جذوع الديمقراطية" (وهي عبارة لكارلايل و استعارها ريحاني منه) رغبته الخطرة باللعب مع النار: "هل يمكن تحقيق حلم المتكلم بالشباب، يا آلهة، في فضاء عربة الجر هذه، مع شعلة الكيروسين و الطبل، حيث تفوح روائح و أصوات جهنم؟.  

 ثم يكتشف خالد (وهو في السجن بتهمة كاذبة هي الاختلاس من أموال الحزب) أن الديمقراطية الأميركية هي في الواقع نوع من العبودية لدين وطني يقوده "مامون <المال>، إلههم العظيم، إلههم الواحد والوحيد"، وهذه إعادة تدوير و استعادة  لاتهام وجهه قبله كارليل للمادية في إنجلترا الفيكتورية (27). عند هذه النقطة بودي أن ألخص ردة فعل ريحاني، كما جسدتها شخصية خالد، أمام انهيار قيم المدينة والتحديات التي تفرضها المدينة العلمانية.

يحدد كوكس معنى العلمانية كما يلي:”تحرير الإنسان من الدين والميتافيزيقا، وإبعاد اهتماماته عن العوالم الأخرى وباتجاه عالمنا هذا” (28).

وكما ذكرت يتبنى خالد العلمانية لأنها توفر فضاء يمكنه من رفض الثقافة الكلاسيكية العربية  واللاهوت الكاثوليكي والذي ترتكز عليه عقيدة أسلافه المارونيين. أضف لذلك تدفع المدينة العلمانية خالد لمواجهة ونفي مركزية ميوله “الشرقية” كي “يتغذى” ويتورط بأحلام غير عملية. ويمكن رؤية  أدنى مستوى من خبراته في نيويورك على أنها اختبار لإبداعه الأخلاقي، بمعنى أنها تظهر لأنها، كما يقول كوكس:”بمصطلحاتنا، تضع مشيئة الله اليوم الإنسان، فيما يتعلق بالعلمنة والتمدن، بأزمة لا يمكن تجنبها. فهو يحمل مسؤولياته من أجل مدينة الإنسان، أو يتحول مجددا إلى عبد رقيق لقوى غير إنسانية” (29). والفترة القصيرة التي أمضاها خالد في السجن والعام الذي أنفقه بجر العربة اليدوية في برونكس لبيع البرتقال قد تركت في داخله رغبة قوية للعودة إلى الوطن. وقد شعر أنه مدفوع لتلبية قدر سماوي. وعاش وسط توتر خلقته الحاجة ليكون أقرب من الطبيعة وفي نفس الوقت في مركز المدينة، وعليه إن حياته في برونكس “بين المدينة والريف، أقرب للطبيعة، وليس بعيدا عن زحام الحياة، <حيث> كان يمتلك بشكل أفضل الصحة والنقود”.  إن رغبة خالد بالريف وتخيلاته عن وطنه قد واجهها الواقع المادي للميتروبول. فأمريكا أصبحت “أم الرفاه والبؤس الروحي”، ومصدرا للإغواء الدائم الذي “يجهزك” لتكون بحالة مادية أفضل، ولكن دون أن يغيب “خطر البؤس والذل”. وباختصار كان “خائفا من أن يتخطاه النجاح”. وفي المدينة تعلم إن ربح ما يكفي من النقود سينعم بالأمان الاقتصادي. ورغم  شكواه من سلطة الدولار ستاح له أن يعيش وفق ما يشاء (“جزداني، مثل معدتي، ملكي وحدي”). وهو يعلم أنه يستطيع ربح ما يكفي من النقود لتجهيز نفسه للعودة إلى بعلبك التي يرغب بها، أو أن يذهب إلى أي مكان يريد (30). ومهما كانت مواعظ خالد (وهذه محاكاة لكارلايل أيضا) عن الفساد المستشري من “آلة النقود” (ويذكرنا المحرر هنا أنه يحمل مورث البحث عن الربح الذي انتقل له من أسلافه السوررين - الفينيقيين)، فقد منحته المدينة فرصة ليكون بين أول “من تمرد على سيادة روح شعبه والميول القوية لعصره، في كل من بلده الأصلي وبلده البديل” (31). وبوجيز العبارة: إن المدينة العلمانية قد ساعدت في تشكيل خالد ليكون واحدا من أوائل العرب المحدثين (32).

ويساوي كوكس بين اللحظة العلمانية و“عصر غياب الدين تماما. فهو لا يحتكم  لأخلاق ومعاني الشرائع والطقوس الدينية” (33). وينظر خالد لذلك بكثير من التفهم والمحبة. وحيث كنا نتوقع منه أن يدين الميتروبول الغربي الملحد، نلاحظ أنه لم يفعل. في الواقع هو يجرب الإلحاد قبل أن يتأكد أنه لا يناسب تفصيلة شخصيته العربية. كذلك إن خالد حين يتقبل العواقب الكاملة لموت الإله في القرن العشرين، لا يفقد توازنه بالطريقة التي ظهرت علاماتها على الأوروبي اللاديني في القرن التاسع عشر. وهو لا ينوح مثل كارلايل ورينان على ضياع الدين الميتافيزيقي في المدينة الافتراضية. وبهذا الخصوص إن خالد، ورغم اقتباسه الليبرالي من كارلايل، يبدو لنا وهو يحيا في العالم الجديد  بجوار ويتمان و إيمرسون، كأنه أقرب لموطنه من الأوربي الفكتوري غير المؤمن. ولكن حينما يعتنق العقيدة الصوفية ويتحالف مع إصلاحات البهائيين المسلمين (34)، لا يحاول أن يحتضن بديلا عن المسيحية التي يئس منها وتخلى عنها.   

وفي وقت لاحق سيوجه طاقاته نحو عقيدة القومية العربية العلمانية، وهي إحدى الأفكار الجديدة والتي يبلورها لنا “كتاب خالد”. وعند هذه التحويلة يمكننا القول، أنه في الوقت الذي كتب به ريحاني عمله، قد استوعب وابتهج بالحرية الذهنية التي وفرتها له الظروف العلمانية. وكان يبدو قبل كوكس بفترة طويلة أن خالد أدرك أن غياب موقف لاهوتي صلب هو الثمن المتوجب تسديده من أجل توحيد البشرية، وهي المرحلة التي قربتها لمتناولنا المدينة التكنولوجية. والطريقة الخاصة التي زكى بها خالد الحداثة العلمانية كانت طريقة عربية تحديدا - لأنها جزئيا تعتمد عل حساب  فجوتها الروحية - وقد تردد صداها في الشرق الأوسط في الجزئين الثاني والثالث من “كتاب خالد”. وقدمت العودة للوطن لريحاني الفرصة ليهاجم تقاليد الكنيسة الشرقية التي تحصن نفسها بهوية قروسطية، والتي حركتها آلية جيزويتية غير وطنية، افترست كبد الدولة العثمانية الفاسدة. وبعد العودة إلى بعلبك كتب خالد مدونته عن المذهب الجزويتي، وتحديدا بهدف التحرر من التبعية للسلطة الكهنوتية. ورفضه دفع ثمن التهرب من الزواج بابنة عمه يستدعي للذهن ازدراء الكنيسة بشكل ثور“تتكلم معه وتتعامل معه وتتلو عليه عبارات تعود لأيام الكنيسة في القرون الوسطى، مثل “فليكن القربان هو” أو “ليكن المحظور هو” وهكذا” (35). وجدل ريحاني مع غموض الشرق الأوسط في بواكير القرن العشرين، الذي اخترقته كما يرى الرأسمالية البورجوازية الدولية الجديدة وصعودها، والقادمة من العالم الجديد، يمكن التعبير عنه بمصطلحات كوكس أنه عودة المهاجر من المدينة التكنولوجية والثورة على القيم الروحية الآفلة للمدينة الصغيرة. وفي كل حال: إن بعلبك خالد، كما بينت سابقا، مجرد نغمة أخرى نضيفها لكوكس: فهي مدينة شرقية قوامها أطلال قديمة، وتحكمها عائلة كلوستروفوبية، ومسحورة ومخيفة، وحداثة بحالتها المتوحشة. إن البعد غير الغربي، وربما ليس في ذلك ما يدهش، غائب تقريبا من تفكير كوكس في عصر المدينة العلمانية (36). وهذا يعقد نظريته. ولكنه الجزء الذي نود أن نتعرف عليه، في أزمنة ما بعد الكولونيالية، وهو سبب هام آخر يفسر لماذا تلفت أعمال ريحاني انتباهنا. جدلا إن الفترة السورية كلها، وضمنا السياسة التي تورط بها خالد في دمشق، هي بامتياز في الكلمة التي ألقاها في المسجد الأموي خلال أيام  الهدنة التي تخللت الثورة التركية الشابة، وتعبر عن أجندا عربي محدث مرتبط من وراء الستار بالمدينة العلمانية (وهي القاهرة، فقد زارها ريحاني عام 1905 ليساهم بالدوائر الوطنية المصرية، ونيويورك أيضا لو وضعنا بعين الاعتبار قراءاته لكتابات أدب الرحلات الاستشراقية البريطانية في مكتبة مدينة نيو يورك).

عموما يتصرف خالد بطريقة أكثر راديكالية من إنسان كوكس المتحضر الذي توجب عليه أن يقفز إلى المرحلة الجديدة من الحداثة الغربية، والحضارة اليهو - مسيحية التي نفترض أنها تطورت بشكل مستقيم وبلا منعطفات ولاتعرجات. وحينما يعود خالد إلى الشرق الأوسط، يطور فلسفته عن اتحاد الدرويش مع المقاول، وأيضا  يؤجل ويتصرف بشكل موجز انطلاقا من دور تبشيري لتقريب نفسه من اليقظة العرب / شرقية” (37).

قد نتفق على أن الفلسفة الصوفية / المتعالية التي قدمها الريحاني من خلال (ما طوره لاحقا في كتابه “طريق للرؤية”) كانت مصطنعة جدًا وتزامنية ومشتقة من كل من الأساليب الواحدية والربانية الغربية والشرقية التي تثير اهتمام القراء المعاصرين. إن رؤية خالد لاحتمالات المستقبل تميل باتجاه السطحية وتفتقر إلى المركز (وبهذا الخصوص كانت سباقة على رسالة جبران في كتابه “النبي”).  في الوقت نفسه، ومع ذلك، يتآزر خالد أيضا مع تشخيصات كوكس للدوامات التي عصفت بالعالم الحضري الحديث من عدة نواح.  ويقر أن "للثقافات المختلفة طرقها لتشجيع بعض أنواع العصاب ومعارضة وكبح جماح أنواع غيرها" (38).  وهو يشارك في رؤية "عمل طارد الأرواح الاجتماعي" الذي أحدث ثورة في الكنيسة لتخليص الرجال والمجتمع "من التقلبات المهدئة التي يستوعبون بها بشكل خاطئ الحقائق الاجتماعية المحيطة بهم،  ومن أشكال العمل والتقاعس المعتادة النابعة من هذه الأوهام". إن المعاناة التي يعانيها خالد في مسقط رأسه تقنعه بضرورة عدم "تحمل أعباء الاختناقات الناجمة عن التراث الأحفوري القديم”.

وأخيراً فإن خبراته مع النشاط الاقتصادي الأمريكي المحموم تقنعه بالخطر الروحي الموجود في "أنماط السلوك القهرية القائمة على تصورات خاطئة للعالم"(39). وهذه الأفكار، كما يؤكد كل من الريحاني وكوكس، وقد وصلا لها كل على حدة أول الأمر ثم اعتنقاها معا، يمكن أن تكون حافزا على "ظهور مجتمع إنساني جديد وشامل" (40). السمة المميزة لفلسفة خالد، كما هي، تتلخص في الواقع بكلمة لكوكس قال فيها: "العلمنة تعني تحرير الإنسان أولاً من الدين ثم من سيطرة الميتافيزيقا"؛ كما أنها تسمح للمسيحيين (وغيرهم) أن يكونوا "أحرارا في النضال جنبا إلى جنب مع جماهير العديد من الاتجاهات لابتكار طريقة للحياة معا مما يسمح للإنسان أن يكون إنسانا" (41).

 

ترجمة: صالح الرزوق

...........................

* عن كتاب: دليل إدنبرة للأدب العربي المكتوب باللغة الإنكليزية: سياسة الأنجلو عرب والأدب والثقافة العرب أمريكية. تحرير نوري جنا Nouri Gana. 2013.

* جيفري ناش: باحث بريطاني. متقاعد. عمل سابقا في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية/ جامعة لندن.

هوامش:

21- عن تمرد المسيحيين العرب بشكل خاص انظر هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب. 1875 - 1914 (بلتيمور، م د: مطبوعات جامعة  جون هوبكنز، 1970). 15 - 18. عن تحويل تمرد الريحاني إلى القومية العربية انظر إيلي قدوري “الدين والسياسة”. بنسخة شانتام هاوس و دراسات شرق أوسطية أخرى (لندن: ويدنفيلد ونيكولسون 1970). 321 - 5. وكيف تغذي هذه الدراسة كتاب خالد انظر: ناش، الكتاب العرب باللغة الإنكليزية. الفصل 1.

22- ريحاني. كتاب خالد. 55 - 6، 58.

23- انظر: هنري م ملكي “موضع وتأثير أمين ف. الريحاني في الصحافة العرب أمريكية”. في: خليل جبران وأمين الريحاني: أنبياء الأدب العرب أمريكي. إعداد ناجي عويجان (لويزة، لبنان: منشورات جامعة نوتردام، 1999).

24- عن موقف العرب من الغرب في القرن التاسع عشر وبواكير العشرين  انظر: ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر الليبرالية 1798 - 1939 (كامبريديج: منشورات جامعة كامبريدج، 1983).

25- الريحاني: كتاب خالد. 71.

26 - انظر جيفري ناش “التوسط والتصوف والتبشير: أمين الريحاني، خليل جبران، والبيئة الطقوسية لشرق - غرب” في: خليل جبران وأمين الريحاني: أنبياء الأدب العرب أمريكي، إعداد: ناجي عويجان (لويزة، لبنان، منشورات جامعة نوتردام، 1999).

27- ريحاني، كتاب خالد، 102 - 112. توماس كارلايل، كراسات الأيام الأخيرة (لندن: شابمان وهول، 1899). انظر ناش: كتاب خالد لأمين الريحاني.

28- كوكس، المدينة العلمانية، 17.

29- مرجع سابق. 132.

30- الريحاني، كتاب خالد، 121، 128، 125، 120، 124.

31- مرجع سابق. 131.

32- حسب س. ب. بشروئي في “العلاقات الثقافية العرب أمريكية في القرن العشرين”، كان خالد “أقرب من يمثل، ربما، العربي المتحرر الحديث بشكل كامل”.

33- كوكس، المدينة العلمانية، 3.

34- عن الريحاني والبهائية انظر ناش “الوسطاء والتصوف والتبشير”.

35- الريحاني، كتاب خالد، 174.

36- عموما في الثمانينات ساهم كوكس جزئيا في اهتمام البروتستانتيين التحررين بالأديان العالمية والحوار معها. انظر: هارفي كوكس، فنادق كثيرة: لقاء المسيحيين مع العقائد الأخرى. (بوسطن، م. أ.: منشورات بيكون، 1988).

37- انظر ناش جيفري. الكتاب العرب بالإنكليزية. 69.

38- كوكس. المدينة العلمانية. 152.

39- مرجع سابق. 154 - 5.

40- مرجع سابق. 145.

41- مرجع سابق، 182 - 161. عن مستقبل “مجمع الأموات”، بوادر الثيولوجيا البروتستانتية الراديكالية لتريش وبونهوفير وبولتمان، تحافظ على مركزية المسيح بالمقارنة مع يوتوبيا الريحاني بمعنى أن خالد ينتمي لمشهد روحاني أعرض من المسيحية الغربية. وينتهي كوكس محقا بهذا الخصوص إلى أن:”الكنيسة المسيحية لديها فرصة المساعدة بتشكيل نسيج روحاني جديد... وسيكون إنسانيا وحضريا حقا، ولكن العقيدة المسيحية، عوضا عن دعم الإيثوس المسيطر، سوف يقدم أحد الخيارات الحية للثقافة التعددية والأصيلة” (مرجع سابق. 92). 

 

 

جمال العتابيالناصرية المدينة في جنوب العراق، ولد فيها صلاح نيازي، مثل ترنيمة عذبة، ورنين قافية، وشوق وإبتهال، في سيرة نيازي (غصن مطّعم في شجرة غريبة)، الصادرة في بغداد عام 2013، عن دار ميزوبوتاميا.

مدينة الناصرية، هي أربع مدن في اليوم الواحد، تستيقظ صباحاً إستيقاظ مريض، لا تقوى غسل وجهها، وفي الظهيرة تبيض فيها الشمس السمتية، فتنام وهي تنزّ عرقاً، لدرجة الموت، وعند العصر يدبّ في أوصالها الغزل، فتندفع إلى النهر الذي هو سلال من طيور ونهود، وفيه يمشّط النخيل سعفه المضفور، وفي الليل تغني غناءً حزيناً، ممتلئاً بالقلوب الجريحة، والتأوه والنجوم، والقمر وخذلان الزمان.

نيازي يكتب سيرته كأنما فيها يودع مدينته الأثيرة، الناصرية، وهو يبتعد عنها، متشبثاً بعروق النخل الممتدة إلى عمق الفرات، يغور في مسالكها، يتوجه إلى السماء أن لا تطفىء رياح اليأس أحلامه.

شجرة الرازقي وورودها الصغيرة البيضاء كاللؤلؤ الرطب، لم يشمّ عطراً كعطرها، وهو الجوّاب والمسافر نحو  الأصقاع، ثمة شعور بالذنب، وتأنيب الضمير، لِم فارق الشجرة؟، يقول: لكني أُقتلعت عنها مجبراً، لو كانت تقرأ أو تكتب لبعثت لها رسائل الآن، بالتأكيد انها أنثى مسحورة، أحسّها للآن تعرش فوق صدري، فراقها عليّ أمضى فراق، كان يجب أن تُسجل كأحد أفراد العائلة في دائرة الأحوال المدنية.

صلاح نيازي يلوذ بالشجرة من طوفان وشيك، هو يفزع نحو بلاد الضباب، بحثاً  عن أيما مكان لايبعد عن تاريخ نسجته العصور حول وجه الناصرية السومري، وشعرها الليلي الأثيث، وفرعها الفائق الإكتمال.

تشكّلت معلومات نيازي مما كان يسمعه من خرافات ومن أغان، وما أكثرالمغنين بمدينة الناصرية، ومن تهاويد ونواح، وفي المدرسة حفظ الأناشيد والقصائد، وظهرت الحاجة إلى النثر في درس الإنشاء، في الدراسة الأولية قرأ البيان والتبيين للجاحظ، كانت تجربة مريرة، لم يكملها، لكنه تعلم منها، ان إتقان الأدب يحتاج إلى عناء وجدّ ومثابرة.

الكتاب الذي قرأته بلهاث حقيقي، يقول نيازي: وعلى ضوء القمر هو (سيرانو دي برجراك)، ترجمة المنفلوطي، رشّ هذا الكتاب في جسده لذة حزينة، لم يجد له مثيلاً فيما بعد، إلا حين تعرف على دستوفسكي.

إنكبّ على حفظ الشعر القديم منذ صباه، محاولاً كتابة الشعر بعسر شديد كما يقول: الكتابة وحدها تدلّك على فقرك الأدبي، ونقاط ضعفك، نشر أول قصيدة له في جريدة (الفيلسوف) التي كانت تصدر في العمارة.

إستحوذت ثيمتان على معظم أشعار صلاح، هما الوداع واللقاء، في أهم ما كتب من قصائد.

أكمل نيازي الدراسة الإعدادية في بغداد، عندما بدأت في الخمسينات تجترح معجزات صغيرة في الفن المعماري، والتشكيل والشعر الحديث، بغداد بالمقارنة إلى الناصرية، أسرع إيقاعاً،، وأكثر حيوية، تستيقظ بغداد متعبة تعب عروس بإكتمال لذتها، وفي الضحى ينشط نحلها، عند الظهر تنام بحماقة وعصبية، في الليل تنفلت وتغرق في الحب، شارع أبي نواس أكبر معرض للرجال المحبطين، وللنساء من ذوات العيون الجارحة.

كلية التربية كرنفال آخر، لأصوات الطالبات فيها رقة الرذاذ مهما كانت اللهجة، كانت فترة الدراسة أهم خميرة في حياة نيازي الأدبية.

الهروب بالجلد، أقصى ما يمكن من طموح، واللعنة على مسقط الرأس، قطع صلاح التذكرة من بغداد إلى لندن عن طريق القطار، بلا لغة ولا فلوس، الهروب، النجاة، الإبتعاد عن الكابوس الذي بدأ يخيم على العراق أوائل الستينات، في لندن بدأ يكتشف عيوبه حينما يعيد صياغة ما ترجَمه من اللغة العربية، أصعب الأيام على الغريب هو يوم الأحد، المدينة تموت جزئياً، تزداد الغربة أضعافاً، وجد طريقه للعمل في إذاعة BBC، فيها تعرف على الأديب السوداني الروائي الطيب صالح، كان يتحاشاه أدباً، يقول نيازي: في الواقع ليس أدباً مائة في المائة، ولكن كنت أخشى أن يفتضح لديه جهلي، علوم الطيب عافية، كعافية الغذاء تنتشر في كل الجسد، الجلسة معه مهدئة للأعصاب، لم أسمعه مرة يتحدث عن نفسه ليتميز عن غيره، يخالفك الرأي بألفاظ مسالمة، وإبتسامة متواددة، كثيراً ما يروي قصائد  طويلة بكاملها عن ظهر قلب، لشعراء إنگليز.

في لندن تحققت له رغبتان، الأولى، انه دائماً ما يحذر من عيوبه، ويتمنى لو أنك عجزت عن إكتشافها، وذلك دفاع جيد من عدة دفاعات يلجأ اليها المرء ليتخفى، والثانية تخوفه من الريادة والقيادة، يتطير من كل تكتل أو تحزب من أي نوع، لم تكن له رغبة في النشر، وفي نفس الوقت تهالك على النشر، لا يعرف كيف يعبّر عن هذا الإحساس الغامص المتناقض.

يختتم نيازي سيرته بتساؤل مثخن باليأس، مالفائدة من كل هذا؟ الشيء اليقين في حياتي الآن هو الحيرة! الحيرة التي رافقتني مع أول كتاب مدرسي، هي ميراثي الأول والأخير، بحثَ گلگامش عن الخلود فأصابنا بعدواه، وأنا أفتش عما ينسيني حيرتي.

نيازي.. هي ذي غربة روح الجنوبي الحزين، أواه ما أقسى الحيرة على وجوه المنشدين!

 

جمال العتّابي

 

 

جمال العتابييسرد سلفادور دالي(1904_1989) سيرة حياته، في أكثر من خمسمائة صفحة، في الكتاب الصادر عن دار الحوار السورية 2016،. بترجمة متيم الضايع، لقد منح دالي إمتياز إثبات حياته قبل أن يموت، وهو إمتياز لم يحظ به غير قلة من الفنانين، واعتراف العالم بعبقريته أثناء حياته، وكانت تصريحاته، في معظمها، مطبوعة بطابع رجل قادر على أن يقف بمفرده في وجه العالم، ومع ان وضعه كرسام كان منسجماً مع المدارس المعاصرة لحياته، كالسريالية، التي يتمثل دائماً في معارضها، ويحتل مكان الصدارة فيها، فان من الصعب تصنيفه في أي المدارس يقف؟ ويبقي معزولاً في العالم الذي خلقه بنفسه، يميل دالي دائماً ان لا يقدم تفسيراً لمعنى لوحاته، كتب ذات مرة :حقيقة كوني أنا نفسي في لحظة الرسم لا أفهم صوري، لا تعني ان هذه الصور بلامعنى، على العكس، فمعناها يبلغ في العمق، التعقيد، التماسك واللا ارادية، بحيث تفلت من أكثر التحاليل بساطة للحدس المنطقي.

سلفادور دالي أحد أشهر الرسامين العالميين في القرن العشرين، ولد لأسرة أسبانية ثرية حققت له كل ما يتمناه، ربما يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت دالي إلى سلوك قريب من الجنون، اتسم بالطيش واللاعقلانية، ان حياته السرية التي دونها في هذا الكتاب تعد أحد الأثار المهمة التي تركها دالي، وهي بهذا العدد من الصفحات، يصعب على المتتبع ان يختزل التفاصيل والاحداث والوقائع، وهي تتخطى الحدود المألوفة في الكتابة.

بدأ دالي حيات السرية، بذاكرة داخل الرحم، ثم الولادة، وذاكرة الطفولة الزائفة والحقيقية، وفي القسم الثاني، تحدث عن مراهقته، ومراحل دراسته، وموت الام، والرحلة الى باريس، وفي القسم الأخير، تحدث عن دوره الريادي في الحركة السريالية، وعن مدن أحبها، أو كرهها، وتحدث عن بشاعة الحرب، ونشأة الكون، والتحول، الموت والبعث.

إلى جانب هذا يسجل دالي بعضاً من حماقاته في مذكراته، فكتب أنه كاد أن يقتل صديقه عندما دفعه عن حافة الهاوية، وركل رأس شقيقته الصغيرة برأسه، كما أنه عذّب هرة حتى الموت، بل كان يعذب نفسه، عندما يرتمي على السلالم، أو يتدحرج عليها أمام أنظار الجمهور.

يقول دالي: أنا التجسيد الأكثر تمثيلاً لأوربا ما بعد الحرب، لقد عشت كل مغامراتها، وكل تجاربها، وكل أحداثها الدرامية، كشخصية رئيسة في الثورة السريالية، عرفت أبسط الأحداث الفكرية اليومية، وانعكاساتها في التطور العلمي للمادية الجدلية، والعقائد الفلسفية المزيفة، درست مطولاً علم اللاهوت، لم أكن مستعداً للإنتماء إلى أي حزب سياسي أياً كان، يتساءل سلفادور دالي، ماهي السماء؟ أين توجد؟ فيجيب، السماء لاتوجد في الأعلى، ولا في الأسفل، توجد السماء بالضبط في مركز صدر إنسان لديه إيمان!

فرادة دالي وان ظلت بمعنى ما، مرتبطة بعصره، وهي في أعمق معانيها، نموذج حياة صاخبة لا يمكن تقليدها، سلفادرو دالي عالم قائم بذاته، من النوادر والأقوال والصور الخيالية الغامصة المعالم، كانت حياته سلسلة من الافعال الدراماتيكية، القريبة في روحها، إن لم تكن في حرفيتها، من الدوافع الثورية للسريالية، فهو في رسمه المستمر لنفسه يمسك بالمتنوع، وبما لا يتكهن به، في حياته إنعطافات فجائية، وإكتشافات عديدة تؤلف حياة دائمة التجدد والإنتعاش، وصار كيان دالي بخلاف أغلب الرسامين شيئاً لاينفصل عن كيان العالم، إن مبدأ حياته كفنان يكمن في حاجته الدائمة إلى التجدد الذاتي الدائم، هذه الحاجة إلى الإكتشاف المتجددة، جعلت منه رساماً يخترق حدود الرسم بإستمرار، إنه ساحر، وعرّاف.

يقول عن نفسه: مثلي كانت تبدو على محياه ملامح عبقرية لا لبس فيها، منذ الطفولة، كنت قاسياً، وطرياً، وجباناً، أراد أن يكون طباخاً، في السادسة من عمره، وفي السابعة أراد ان يكون نابليون.

يتحدث عن أشياء طريفة في حياتة، كان لايتناول السبانغ، يمقته بسبب شكله غير المرتب اطلاقاَ، ليس هناك شيء فيه سوى الرمل، وأثناء ما حاول الطبيب ثقب شحمة أذني أخته، هجم على الطبيب بحزام جلدي وكسر نظارته، أطلق الطبيب العجوز صرخة تنم عن ألم شديد، وسقط على الارض، راهن في احدى المسابقات في مدرسة الفنون الجميلة على نيل الجائزة برسم لوحة دون أن تلمس فرشاته لوح الرسم، وقف على مسافة متر واحد منها، وبدأ بنثر الألوان، ونجح في جعل الصورة(المنقطة)، دقيقة جداً في تصميمها وألوانها ونال الجائزة.

ان الفردانية الساخطة المبالغ فيها، التي أظهرها دالي كطفل، تبلورت في مراهقته على شكل ميول معارضة للمجتمع بشكل عنيف، يقول: تركت شعري ينسدل كشعر الفتيات، وبدأت أتقمص ملامح الكآبة التي سحرتني في صور روفائيل، كنت متأخراً في ممارسة (العادة السرية)، لم أكن قادراً على فهم ماهي.

يتحدث سلفادور بإعجاب عن لقائه الأول المثير بالفنان بيكاسو، في منزله، يقول: كنت أسير وأنا أفيض إحتراماً كما لو أني ذاهب لأقابل البابا، قلت له: جئت لزيارتك قبل زيارة متحف اللوفر، فأجاب، أنت محق تماماً.

كان دالي حريصاً ان يطلع بيكاسو على لوحة صغيرة جلبها معه هي (فتاة صغيرة)، ظل بيكاسو يدقق فيها مدة خمس عشرة دقيقة دون أي تعليق، وظل لمدة ساعتين يعرض العشرات من أعماله، وفي كل لوحة كان يصب عليّ نظرته المليئة بالحيوية والذكاء بطريقة عنيفة، جعلتني أرتعش، وانتهى لقائي معه دون تعليق من أي نوع.

ان المتعة التي وفرها سلفادور دالي للقارىء، تتمثل بغنى التجربة والرؤية والموقف، ولعل احدى المعلومات الجديدة التي أفصح عنها في كتابه هذا، هي إعلانه عن نسبه العربي المؤكد، الموجود في شجرة عائلته، التي تعود إلى زمن (سيرفانتس).

ويمكننا القول في ضوء تلك التجربة الطويلة الغنية، وما قدمه دالي من معلومات تفصيلية، ان عالمه قوامه السحر والخوارق، وهو يحتفظ بالمعنى البدائي الساحر، أي الإنسان الذي يكتشف المجهول.

 

الحياة السرية لسلفادور دالي

 

 

ابراهيم أبراشصدر قبل أيام عن دار الكلمة للنشر والتوزيع في مدينة غزة كتاب تحت عنوان (الصراع في إسرائيل) للروائي والكاتب السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي توفيق أبو شومر، وفي هذا الكِتَاب جال المؤلِف في جوانية وفسيفساء المجتمع الإسرائيلي وما يعتريه من صراعات وخصوصاً بين العلمانيين والجماعات الدينية المتطرفة وحتى داخل هذه الجماعات حيث قام بتفكيك هذه الاخيرة موضحاً أصول كل جماعة ومعتقداتها وما يميزها عن غيرها من الجماعات الدينية الأخرى، كما أبرز دورها في قيام الحركة الصهيونية ثم الدولة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا 1897 إلى اللحظة الراهنة حيث دورها ملموساً في تشكيل الحكومات ولعبها دور (بيضة القبان) مما يؤهلها لابتزاز القوى السياسية الأكبر في النظام السياسي الصهيوني.

رصد الكاتب توفيق أبو شومر عديد الصراعات في المجتمع الإسرائيلي وكثيراً منها غير معروفة خارج إسرائيل وحتى عند العرب والفلسطينيين أنفسهم. في مقدمة كتابه لخص أشكال الصراع داخل إسرائيل كما يلي: "الصراع في المجتمع الإسرائيلي متعدد ومتجدد، وهو يدور بين الأقطاب الكثيرة فهو: بين المتدينين وغير المتدينين وبين المتدينين أنفسهم وبين اليسار المتطرف والمعتدل وبين جيل الصابرا والمهاجرين الجدد وبين المهاجرين من الشرق وبين المهاجرين من الغرب، بالإضافة إلى صراع طويل بين الفلسطينيين الصامدين في أرضهم منذ عام 1948 وبين إسرائيل، مضافاً إلى كل ما سبق الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، وبينها وبين العرب، إن كل أشكال الصراع السابقة صاغت من إسرائيل الدولة المجهولة الهوية فلم تفلح في بلورة صيغة واضحة لها، فلا دستور، ولا هوية، ولا تعريف محدد لمواطنيها، فهي تستحق أن تلقب بجدارة: دولة الصراع" .

لأن الفكرة الناظمة للكتاب تدور حول أهمية معرفة إسرائيل من الداخل باعتبارها خصماً وعدواً وحتى باعتبارها جاراً مفروضاً، فإن الكتاب يأتي في سياق التحولات والتطورات التي طرأت على الاستراتيجيات المتعلقة بالحروب والصراعات وظهور الجيل الرابع من الحرب وما يسمى الحرب الناعمة حيث يتم استعمال ادوات ووسائل غير المتعارف عليها في الحروب القتالية الكلاسيكية، ومن هذه الوسائل اختراق الجبهة الداخلية للخصم وهذا لا يتم إلا من خلال معرفة دقيقة وحقيقية عن العدو ليس فقط في المجالات العسكرية بل أيضاً في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وما يعتري مجتمع الخصم من صراعات، وذلك لمعرفة نقاط الضعف الداخلية و توظيفها في وضع استراتيجية وطنية لمواجهته.

وبالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والذي كان يُسمى الصراع العربي الإسرائيلي والممتد طوال عقود، وبالرغم من الشعارات الكبيرة المدججة بعبارات التهديد والوعيد بالقضاء على إسرائيل، وبالرغم من خوض حروب متعددة مع دولة الكيان الصهيوني، إلا أن حكمة (اعرف عدوك) لم تجد طريقاً لها عند القادة وصناع القرار حيث قليلاً ما كان يتم الاهتمام بمعرفة إسرائيل من الداخل وخصوصاً من طرف القادة العسكريين والباحثين ومراكز الأبحاث العربية والفلسطينية، بالرغم من القاعدة أو الحكمة الصينية القديمة التي تقول (اعرف عدوك)، ومعرفة العدو لا يعني بالضرورة الاعتراف به.

بعد قراءتي لهذا الكتاب المهم تبادر إلى ذهني كثير من التساؤلات لها علاقة بكيفية إدارة العرب والفلسطينيين للصراع مع إسرائيل وجهل العرب لوقت طويل حقيقة العدو الذي يحاربونه وهو جهل كان أحد أسباب هزيمتهم في كل الحروب التي خاضوها معه.

لا شك أنه في السنوات الأخيرة وخصوصاً ما بعد مؤتمري مدريد 1991 واوسلو 1993 زاد الاهتمام بدراسة ومعرفة المجتمع الإسرائيلي حيث كانت مراهنة على السلام والتعايش مع إسرائيل كجار، وفي هذا السياق تم الاهتمام بالترجمة من العبرية إلى العربية كما تخصصت مراكز أبحاث فلسطينية بدراسة المجتمع الإسرائيلي أو تغطية ما يجري فيه ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) ومؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز اطلس للدراسات الإسرائيلية، كما أسست بعض الجامعات في الضفة الغربية المحتلة مساقات دراسية متخصصة بالشأن الإسرائيلي.

 في اعتقادنا أن الجهل بجوانية المجتمع الصهيوني كان يعود لعدة أسباب منها:

1- طغيان البعد الصراعي العسكري والسياسي، حيث انشغل العرب والعالم بالأبعاد العسكرية والجيوسياسية للصراع دون كثير اهتمام بما يجري داخل إسرائيل.

2- قوة الدعاية الصهيونية حيث نجحت الحركة الصهيونية ودولتها بترويج صورة رومانسية طهرية عن المجتمع الصهيوني والصهيونية كحركة ودولة اشتراكية وديمقراطية.

3- نأي العرب والفلسطينيون عن دراسة المجتمع الإسرائيلي من الداخل ولم يتم الالتفات لهذا الأمر إلا في وقت متأخر وبتحفظ، حيث كان أي حديث عن المجتمع الإسرائيلي من المحرمات وكشكل من أشكال الترويج لإسرائيل أو التطبيع الخفي معها، وكان يُمنع دخول كتب تتحدث عن إسرائيل إن كانت تتعارض مع الصورة النمطية التاريخية غير الحقيقية لإسرائيل ولليهودي كما يصوره الإعلام العربي وخصوصاً المسلسلات والأفلام كشخص بخيل ودميم مهلهل الثياب وأشعث الرأس الخ، بينما في إسرائيل مراكز أبحاث وتخصصات وعلماء متخصصون بدراسة المجتمع الفلسطيني و العربي عموماً.

أما السؤال الأكثر اهمية الذي تبادر إلى ذهني بعد قراءة الكتاب فهو: إذا كان في المجتمع الإسرائيلي الصهيوني كل هذه الجماعات الدينية المتطرفة وكل هذه الصراعات فلماذا إسرائيل الدولة الأكثر تطوراً واستقراراً في الشرق الأوسط؟!!!!.

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في مقالنا القادم .

 

إبراهيم أبراش

 

2205 جمال العتابيتنفتح ذاكرة الدكتور جمال العتابي المفعمة بالوعي، على آفاق الماضي القريب، فتنثال صور المدن أو القصبات التي عاش فيها أو ألفها في طفولته وصباه وشرخ شبابه الأول، قبل ان ينتقل إلى عالم بغداد الرحب، تنثال في أكثر من أربعين فصلاً قصيراً (مقالاً)، تغطي 232 صفحة من كتابه " داخل المكمان ــ المدن روح ومعنى " الذي صدر مؤخراً.

يقول الدكتور أحمد الزبيدي في تقديمه للكتاب: "حين تكون الذاكرة،المرتبطة بالمكان، معتملة في خوالج المثقف، تلجأ إلى الكتابة، فهي عنده ليست أمراً ثانوياً، بل جزء ضروري للكلام والمعنى.. لا يوجد معنى خالٍ من الكتابة. لا شيء خارج الكتابة. " يتوزع الكتاب على ثلاثة أقسام يكرّس الأول منها للحديث عن المدن الأولى التي عرفها العتابي، وللمدن الأولى سحرها الخاص على الرغم من مرارة العيش فيها بسبب طبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة آنذاك. لقد تركت هذه المدن الصغيرة أو القصيات، بصماتها على وعي الكاتب وذاكرته معاً مثلما خلّفت سحرها في روحه أيضاً. يستهل هذا القسم بـ " الغازية تتكلم روسي "، والغازية هي واحدة من مدن الغراف الصغيرة شأنها في ذلك شأن المدن أو القصبات الصغيرة الأخرى التي ألفها الكاتب وقدّم من خلالها صوراً للواقع الاجتماعي الذي كان سائداً في ريف الجنوب آنذاك، بأسمائها الأولى التي غيرتها ثورة 14 تموزفيما بعد: "الغازية "االتي أصبح اسمها " النصر "، و"سويج شجر" التي أصبح اسمها " الفجر " ويشير الكتاب إلى أسماء أماكن كانت سائدة آنذاك: "أم التبن " و"محيرجة "و"الكرادي" و"سويج شكبان " وغيرها. ويتحدث العتابي عن " الشطرة " وكأنها كانت العاصمة بين تلك المدن والقصبات فيقول: " لا الذكريات خبت ولا النسيان أدركني، والشطرة تعيد تأثيث ذاكرتي من جديد، فعند عتباتها تتوقف الخطى " (ص 31)، فالشطرة، على حد قول الكاتب،و بـ " مكتبة الغراف " فيها، فتحت نافذة وعيه الثقافي ويعترف بفضلها عليه وعلى غيره من الذين أصبحوا على تماس مع الثقافة آنذاك.

ويكرّس العتابي القسم الثاني من كتابه للحديث عن " مدينة الحرية " المجاورة للكاظمية شمال غربي بغداد، بأحيائها المختلفة فيمر بتسميتها الأولى " مدينة الهادي " نسبة ً إلى " السيد عبد الهادي الجلبي " الذي كان يملك مساحات واسعة من الأرض فيها بالاضافة إلى بستانه. ويشير إلى دَور " الحرية " في بلورة عملية تكوينه الثقافي. يقول عنها: " ما زلت أحمل وشم مدينتي (مدينة الحرية) متشحاً بثوبها، وكأن زمناً سيأتي بالحقول، ويجيء بالغيث يمحي عن بلادي جراح السنين، وتعود تواريخنا الحافلة بالحلم " (ص 77)، وكأنه وجد فيها امتداداً مكانياً للمدن والقصبات الجنوبية التي عاش فيها أو الفها في زمن مضى به في مرابع الماضي. انه يرسم خارطة للمكان بتفاصيله التي أتى عليها الزمن الآن: بأحيائها ومقاهيها التى كانت ملاذاً لعدد من أبرز مثقفي العراق من سكنة المدينة وضيوفهم. ويورد أسماء عدد من هؤلاء المثقفين فإذا بنا نعرف ان "الحرية " كانت موطن كاتبة بارزة مثل فاطمة المحسن ومبدعين مرموقين مثل أحمد خلف وحاتم الصكر وحميد الخاقاني وعبد المنعم الأعسم وحسين الهنداوي وجهاد مجيد وزهير الجزائري و موفق الشديدي وفرات المحسن، والراحلين: نعمان مجيد وعبد الأمير الحبيب وزهير الدجيلي ونصر محمد راغب , وفضلاً على ذلك برزت في "الحرية " نخبة من رواد الغناء الحديث في العراق.

يتوقف الكتاب في قسمه الثالث عند تشكيلة متنوعة من الموضوعات تستهل بالحديث عن دار المعلمين الريفية التي كانت قائمة في الرستمية منذ ثلاثينات القرن الماضي فيقول عتها: " كانت مشروعاً للعمل والأمل وتجاريب التربية الرصينة " (ص 131)، ليقدم عبرها صورة من صور التعليم في الماضي من خلال تجربة أبيه المعلم والمبدع حسن العتابي، وهي تجربة تلقي الضوء على ايجابية نظام التعليم في العراق آنذاك. إلى جانب المرور بسيَر عدد من معارف الكاتب من الأدباء  وفي المقدمة منهم الشاعر مظفر النواب مدرّسه في المرحلة المتوسطة، هووسعدي الحديثى. وفي وصلات مفعمة بالود تتنقل ذاكرته بين ناظم رمزي وغانم الدباغ واسعد العاقولي وجيان ورضا الأعرجي وبسام فرج دون أن يغفل التوقف عند شارع المتنبي. ومستفيداً من سفراته إلى خارج العراق، يشير إلى بعض مشاهداته معلناً عن أمنيته في أن يشاهد في وطنه ولو بعضاً مما كان قد شاهده هناك كأن يتحول شارع الرشيد مثلاً إلى (ممشى المشاهير)، وهي امنية تقع في باب المستحيلات.

ان جمال العتابي فنان حتى في ما يكتب فهو يكتب بلغة موحية يتداخل فيها الشعر بروح السرد، و" داخل المكان " شاهد على ذلك !

 

ناطق خلوصي

 

محمود محمد عليلقد استطاع المؤلف الوصول إلي نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلي درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي:

أولا: الجانب المعرفي: لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب المعرفي من حيث أن المؤلف وقف في الوصول إلي المعارف الضرورية لإنجاز هذا الكتاب، فقد تتبع المسار التطوري للفهم الصحيح للإسلام وحديث المؤلف عن الفهم هو حديث عن المعرفة، وعن نظرية المعرفة؛ لأن المعرفة والبناء المعرفي لا يمكن أن يتحققا إلا بقاعدة ثابتة من الفهم . ويمثل الفهم الفكر الإسلامي القائم على الربط المتوازن بين النقل (الوحي)، والعقل (التفكير)؛ فللعقل مكانة فريدة في الإسلام؛ فهو مناط التكليف، فلا تكليف، ولا حساب إلا على عاقل يستطيع الاختيار والتمييز؛ لذلك لا يجوز الحط من مكانة النقل، ولا التنقيص من قدر العقل، فلكل دوره ومكانته وحدوده (11) .

ثانياً: التتبع الدقيق للحقائق الفقهية، فقد وفق المؤلف في الوصول إلي الحقائق الفقهية وتقديمها في صورة لا يجد القارئ صعوبة في إدراكها والإلمام بها، فقد اختار الوسائل المساعدة لذلك، من عرض نظري لإسهامات الفقهاء، إلي مجال تطبيقي معتمدا في ذلك علي جملة من النصوص الفقهية التراثية، والتي المؤلف من خلالها إلي حقيقة مهمة وهي أن احتمال الخطأ وارد في كل ما نقرؤه إلا ما كان قرآناً، أو سنة ثابتة، واحتمال الخطأ في الفهم عن الله وعن رسوله وارد؛ وعلى ذلك فإن كل ما جاء عن السلف قابل للنقد والمراجعة، شريطة أن يكون ذلك النقد مبنيًا على منهج علمي صحيح، يسير فى ركاب الوحيين، وينطلق منهما، ولا يعطى سلطة للعقل على حساب النقل، ويحرص على تحري الحق ويتغيّاه (12) .

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان المؤلف عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، حتي استطاع أن يوجهها لخدمة الغرض الديني الذي وُضع من أجله الكتاب، كما أستطاع التقرب للنص الديني في انسجام وتوافق تأمين، مما جعل المؤلف يميز بين النص المحكم، والنص المحتمل، فالنص المحكم في نظر الكاتب ينتج عنه فهم واحد فقط، هذا الفهم هو حكم شرعي ثابت وقطعي، ومصدر هذا الفهم كما يعلن الكاتب هو الله، أو رسوله، أو إجماع الأمة، فينبغي معه التسليم والإذعان، أما النص المحتمل فينتج عنه أكثر من فهم، وهذا يضاف إلى الفقه الإسلامي، ومن فضل الله على هذه الأمة أن يدور تعبُّدها لربها بين الشريعة والفقه (13).

وفي ظني أن القيمة الكبرى لهذا الكتاب تنبع من المنهجية المحكمة التي قام عليها وفحواها : ضرورة ربط المنتج الإبداعي بالأرضية الفكرية والمنطلقات الفلسفية التي انطلق منها؛ لأن خيوط هذه المرجعية سوف تظل – مهما كثرت المدارة والتقية – تتحكم في رؤية النص الديني ومستوياته المضمونية والشكلية علي حد سواء.

والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في ظني أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن المؤلف ظل يطرح الأسئلة الكبرى، ثم يقدم الإجابة عنها بطريقة المحاججة العقلية البعيدة عن التعسف والاتهام، كما ظل يتكئ علي أكثر من شاهد وأكثر من دليل حتي يجلو الفكرة ويؤكدها، دون الاعتماد علي الشوارد من الشواهد أو المفرد من الأدلة، كما أن معظم المصادر والمراجع التي اتكأ المؤلف عليها هي من الكتب والدراسات الحديثة لأولئك الذين يحاورهم المؤلف، إذ يثبت بطلان مقولاتهم من مصادرهم هم، ومما حطت أيديهم، مما يجعل عبارة " إن الإسلام لا يضيق بالأفكار طالما أنها في جانب البناء،ولا يضيِّق على الاجتهاد طالما أنه يسعى لخير الناس، ويرحب دوما بالاختلاف الذي يثري ويضيف، ومن ثم فلا مانع من تعدد الجماعات العاملة للإسلام؛ شريطة أن تتلاقى في الهدف، وإن اختلفت في الرؤية والوسيلة، فالاختلاف هنا اختلاف تنوع وتخصص، لا اختلاف تنافر وتعارض، بما تحمله من دليل لا يحتمل الشك (14).

كما أن حرص المؤلف علي الموضوعية والحياد، لم يصل إلي درجة التجرد من الحرص علي منطلقات الأمة وثوابتها، بل راح يعلق بين الفينة والأخرى، ويحاور القارئ ويشركه في الحوار، ويبدي غضبه أحياناً ممن يمس عقيدته أو ثوابته،حتي ليجعل بعض العبارات القرآنية لازمة تتكرر عنده كعبارة "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴿43﴾ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (سورة النحل، من الآية 44 ).. التي يورد من خلالها أقوال من يرد عليهم ليقيم عليهم الحجة.

إن اتكاء المؤلف علي 193 مصدر ومرجع واكثرها كان لمؤلفين ومنظرين من الغرب من أمثال جوستاف لوبون، عدا المجلات والدوريات ليدل دلالة حية علي سعة ثقافة المؤلف، واطلاعه علي التيارات الفكرية والنقدية، وهو ما مكنه من إدارة الحوار مع هؤلاء بكفاءة وفاعلية، ولنا أن نتفهم استطرادات المؤلف الكثيرة، وخروجاته العديدة عن فكرته الرئيسية، إذ يبحث في المرجعيات والمنطلقات، ويأبي عزل النص عن سياقه كما يفعل البنيويون، فهو يفرد الصفحات الطوال للحديث عن مفهوم التنوير بين الثقافتين الغربية والإسلامية، ونقد التيارات الإسلامية وبالأخص السلفية النصوصية التي تحتكر الدعوة الإسلامية الصافية، ولا أنسي روعة المؤلف حين يقول بأن :" فكرة احتكار الدعوة، أو حتى فكرة احتكار العمل السياسي الإسلامي غير مقبولة فضلا عن أن تكون غير واقعية، لاختلاف التحديات، والبيئات والأحوال، والمرجعيات، واختلاف الرؤى والمناهج، ويحسب لكلٍ فضله بحسب إصابته وحسن فهمه، وسلوكه" (15). كذلك يحسب للمؤلف قوله :" إن الحركات الإسلامية الواعية تهتم بإيقاظ الوعي الإسلامي في نفوس المسلمين ابتداء، ثم بعد ذلك عليها قيادة الأمة مع الشركاء نحو التغيير الذي يرجع على الفرد والمجتمع بكل خير ، وهي في حركتها تعي طبيعة المرحلة، فتتحرك وفق قانون الوسع والطاقة والمقدور والمتاح (16).

وفي خاتمة الكتاب نجد المؤلف يجمل آراءه باختصار شديد وهدوء لافت، مدافعاً عن منهجه، مبرزاً حقه في الجدل والنقاش ليس بغرض التجريح الشخصي، بل بحثاً عن الحقيقة العلمية، وفي إشارة من إشاراته الدالة النادرة يكبر المؤلف في صاحب المشروع اعتداده برأيه والجهر فيه بلا مواراة أو تمويه، مؤشراً إلي ضرورة أن علماءنا المعاصرين عن بنية معرفية تبني ولا تهدم مؤكدا أن : إن تفسير النص ليس أمرًا قاطعًا ولا نهائيًا إلا إذا كان يعبر عن العقل الجمعي للأمة، وكان منطلقًا من أصول الإسلام الثابتة، وهو ما يعرف بالإجماع، وما عدا ذلك فيمثل فهما من فهوم وجدت في القديم، وموجودة في الوقت الحاضر، وسيضاف إليها فهوم مستقبلية، وفهم النص مصدره البشر، وهو نسبي، وليس مطلقا؛ بمعنى أنه ليس في الاجتهاد قول نهائي (17). ثم يختم قوله بعدد من التوصيات التي ينبغي الالتفات إليها، وبخاصة ما تعلق منها بالتمسك بالمرجعية الإسلامية التي تكتنز ذخرا ما احوج الأمة إليه، وبهذا يُتم المؤلف كتابه – الذي مهما قيل فيه – سيظل يشكل إضافة معرفية ومرجعية ضافية من مراجع تجديد الخطاب الديني (18).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور معتمد علي أحمد سليمان تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد واحداً من البحاثة الذين تميزوا بنزعة دينية أخلاقية نابعة من تبنيه الاتجاه العقلي في تمحيص الحديث النبوي المرتبط بتصور شامل للعلوم الإسلامية الشرعية إلي جانب البحث الدقيق العميق، تجلت هذه النزعة في نفسه الراضية المطمئنة، وسلوكه الإسلامي الذي ألتزم به في الحياة العامة، وكان تجسيد لعلوم الحديث بجانبيه النظري والعلمي، وعند المتخصصين في الدراسات الإسلامية وعلومها هناك علاقة قوية بين الجانبين، فقد كان باحثاً فاحصاً محققاً، مثالاً، ونموذجاً وواقعياً حياً للخلق الإسلامي .

لا شك في أن الدكتور "معتمد علي أحمد"، كان عالماً مبدعاً، وكان له أثر فعال في مجال عرض الفقه وأصوله، في ثوب جديد أعاد الفقه رونقه وبريقه؛ ففي مجال أصول الفقه اعتمد مصادر التشريع الإسلامي، والأصلية والتبعية، مع التركيز علي بعض المصادر التبعية، مثل الاستحسان والاستصلاح، والعرف، وذلك لأهميتها في الاجتهاد في العصر الحاضر، فعليها يكون، فعليها يكون -غالباً – تجديد الأحكام وتطويرها بما يتلاءم مع كل مكان وزمان، لكن من غير تعد علي الأصول العامة، والأدلة القاطعة في التشريع الإسلامي.

أما في مجال الفقه، فتبين أن للدكتور معتمد علي أحمد آراء بناءة تظهر من خلالها معالم شخصية مبدعة، ومخلصة أثرت في مسيرة الفقه الإسلامي في هذا العصر، فرأيه في المذاهب الفقهية رأي معتدل، ليس كمن رفضها نهائيا، ولا كمن تعصب لأحدها، وغنما يجب أن يستفاد منها جميعا بأن تُجعل كالآراء في المذهب الواحد، ويجب أن يختار العلماء أيسرها بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان، من خلال ضوابط معينة، وليس بالهوي والتشهي؛ خاصة وأن علم الفقه كما يراها معتمد علي أحمد بأنه من أشرف العلوم، وهو المعين الذي حفظ للأمة الإسلامية وجودها بين الأمم علي اختلاف العصور، وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، ولا حياة للأمة بدونه، كيف لا وهو علم الحلال والحرام، وهو جامع لمصالح الدين والدنيا، ولبي مطالب الأمة في جميع ما عرض لها من أحكما ومستجدات فساير حاجاتها وواكب متطلباتها فكان بحق هو فقه الحياة.. اهتم معتمد علي أحمد بتطوير عرض الفقه الإسلامي وتبسيطه ليكون في متناول طلية كلية الآداب – قسم الدراسات الإسلامية، مع حفاظه علي التأصيل الفقهي والمستوي الجامعي، وكانت له عناية شديدة بكل من طريقة العرض الميسر للمادة، والتحقيق والتنقيح لكثير من المسائل الفقهي، من خلال المناهج والتدريس.

وحتى لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحيَّة طيبة لأخي الدكتور ” معتمد علي أحمد ”، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج، هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهيَّة الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور” معتمد علي أحمد ”، بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود.

تحيةً لمعتمد علي أحمد، الذي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في معتمد علي أحمد قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

11- أ. د. معتمد علي أحمد : الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم، ص329.

12- نفس المصدر، ص 329.

13- نفس المصدر، ص 330.

14- نفس المصدر، ص 337.

15- نفس المصدر، ص 337.

16- نفس المصدر، ص 337.

17- نفس المصدر، ص335.

18- نفس المصدر، ص335.

19- نفس المصدر، ص335.

20- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

 

محمود محمد عليتحتل مقاصد الشريعة منزلة هامة في الفكر الشرعي؛ ولذلك فقد أصبحت علمأ أساسياً من العلوم الفقهية، أُلفت فيها المؤلفات، وفُصلت فيها الأقوال، وتوسعت فيها الآراء، وأصبح الدارس للعلوم الفقهية والطامح فيها إلي مراتب الفهم السديد، والنظر البعيد، بله مراتب التفقه والاجتهاد لا مناص له من أن يدرس علم المقاصد ويتفقه فيه، ومن شأنها أن تعين علي ولوجه، وأن تكسبه القدرة علي تحصيل كلياته وفهم دقائقه وجزئياته.

ويعد كتاب "الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم" من الكتب المهمة التي صدرت عن مكتبة الآداب بجمهورية مصر العربية عام 2011م، وتأتي أهميته بسبب تناوله لقضية منهجية معرفية، ذات أثر كبير في تطور الاجتهاد الإسلامي المعاصر.

أما المؤلف فهو الدكتور الأستاذ الدكتور "معتمد علي أحمد سليمان"- أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية وعميد كلية الآداب السابق- جامعة أسيوط، وهو يعد واحداً من كبار المتخصصين في الدراسات الإسلامية، الذين حددوا مجالها، ورتبوا موضوعاتها، وكشفوا النقاب عن شخصياتها، وصاغوا الأطر النظرية لها، وأبان عن تاريخها وأبعادها النظرية والعملية، وعرف الخطاب الديني وخصائصه، وأوضح المنهج العلمي لدراسته. أما تلامذته فقد صرف المؤلف حياته المباركة في بذل العلم وإفادة الطلاب، ولذلك كثر طلابه والآخذون عنه بفضل تميزه بفكر نيّر، متفتح، ناقد، بعيد عن التقليد أو التعصب .

ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه، أن أخمِّن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في موضوع "تجديد الخطاب الديني"، وشرح أفكاره بطريقة نقديَّة، وهذا واضح من خلال التوجّه التي سار عليه الدكتور" معتمد علي سليمان" عندما استشهد بكلام غوستاف لوبون:" .. وتُشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام، والإسلام إدراكه سهل خال مما نراه في الأديان الأخرى، ويأباه الذوق السليم.. وإنك إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقد ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة" (1)، وهذا يعني في نظر المؤلف أن الإسلام دين سمح وسهل وفطري، وجموع المؤمنين به الذين عرفوه حق المعرفة يتعبدون بأحكامه في انقياد وإذعان .

وكتاب "الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم"، هو دراسة في مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد جمع فيه المؤلف الأستاذ الدكتور "معتمد علي سليمان" بين الأصالة والمعاصرة، وقرن فيه بين المصادر القديمة والمصادر الحديثة، وهي دراسة جديدة في الدراسات الإسلامية ؛ ذلك أن المكتبة الإسلامية اليوم غنية بالكتب الفقهية، ولكنها مفتقرة إلي دراسات تجمع بين النصوص الشرعية ومقاصد تلك النصوص حتي يتسني للقارئ أن يجمع بين فهم النص وبين الحكمة من ذلك النص الشرعي.

ولقد جاء الكتاب في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، فكانت المقدمة عرضاً منهجياً لرؤية المؤلف في الفهم الصحيح الواعي المنضبط للإسلام، باعتباره دينا وتشريعا، ولفقهه باعتباره نتاجا إنسانيا، ولفكره وتراثه باعتبارهما معارف بشرية، هو الخطوة الأهم في بناء ذلك النسق الفكري الذي يسعى إليه المصلحون، كما أن تحديد طرائق ومعايير النقد للنصوص يساعد في بناء النظام المعرفي للإسلام ؛ لذا لا بد أن يتم الفهم الصحيح فى صورة كلية، وأنْ يكون فهما وسطيَّا يراعي المخاطب والزمان والمكان، وأسباب النزول للآية، أو أسباب الورود للحديث، أما الفهم المعجمي للنص، أو الفهم الجزئي، وكذا والفهم المتعجل، فهي فهومٌ بعيدة عن النظر والدراية، وليست من أعمال العلماء، أو الحذَّاق (2) .

وكان الفصل الأول خاصاً بالنص الديني: مفهومه وأهم خصائصه، وهذا الفصل يقع في أربعة مباحث: حيث ناقش في المبحث الأول: مفهوم النص الديني، و الثاني: اتجاهات فهم النصوص، والثالث:عصمة النص الديني، والرابع: خصائص النص الديني.. في حين جاء الفصل الثاني ليدرس علاقة النص بالفهم، ويقع في ثلاثة مباحث، الأول: المتوازن للنقل والعقل، والثاني:العصمة للنص وليس لفهمه، والثالث: النص المحكم، والنص المحتمل (فهم واحد وفهومٌ متعددة)، والسنة والحديث وعلاقتهما بالنصوص وفهمها، ومسئولية الفهم والتأصيل.. أما الفصل الثالث فيتناول فيه المؤلف معوقات الفهم الصحيح، وهذه المعوقات تقع في سبعة مباحث: الأول: الجهل بالعربية، والثاني: انحراف التأويل، والثالث: الجهل بالسياق، والرابع: التعصب المذهبي، والخامس: قصور وظيفة الوعظ والإرشاد، والسادس: اتباع الهوي، والسابع: الأحكام المسبقة علي الآراء والأشخاص والأفكار. ثم انتقل المؤلف إلي الفصل الرابع، وفيه تناول لضوابط نقد الفهم (ضوابط الفهم الصحيح)، ويقع هذا الفصل في مبحثين، المبحث الأول، وفيه بين لنا المؤلف، أن هناك ضوابط متعلقة بفهم النص وتفسيره، مثل كل ما جاء عن السلف قابل للنقد والمراجعة، ومراجعة فهم القرآن والسنة والتراث الفقهي، مع ضبط مضامين المصطلح مشكلة المصطلح؛ أما المبحث الثاني، فيتناول ضوابط متعلقة بنقد النص وتفسيره، وتستمل علي: ضوابط متعلقة بنقد النص وتفسيره، والتفرقة بين نقد المنهج، ونقد الممارسة، ونقد الحركات الإسلامية غير نقد الإسلام، وحدود الإنكار والتخطئة (لا إنكار في مسائل الخلاف؛ وأما المبحث الثالث من ذات الفصل، فيدرس ضوابط متعلقة بالناقد، مثل: دقة الفهم، ولكل علمٍ أهلُه ورجالُه من أهل النظر والاعتبار، والاعتدال والوسطية في المراجعة والنقد، العلم بالدليل ومعرفة القصد، والتجرد والإخلاص والتواضع.. أما الفصل الخامس فيتناول فيه المؤلف، مفهوم التنوير بين الإسلام والعلمانية، ويقع في ثلاث مباحث: الأول مفهوم التنوير بين الإسلام والعلمانية، والثاني التنوير في الثقافة العربية الحديثة، والقراءة العلمانية للنص الديني.. أما الفصل السادس: فيدرس المؤلف فيه، العمل للإسلام بين التعددية والاحتكار، ويقع في ثلاثة مباحث: الأول: التعددية في الفكر الإسلامي، وجماعات للإسلام وليست جماعة، والحركات الإسلامية والآخر.. أما الفصل السابع والأخير فيتناول فيه المؤلف نقد التيارات الإسلامية، ويقع في أربع مباحث، الأول: نقد الخطاب الإسلامي، والثاني الاجتهاد بين حرفية النص وتعليل الأحكام، والثالث السلفية منهج لا حركة، وسمات السلفية النصوصية.

لقد أراد المؤلف لمشروعه أن يكون مشروعاً نقدياً مضمونياً، أشبه ما يكون بمحاكمة فكرية لكل التيارات الإسلامية، التي جنحت عن الاجتهاد والفهم الصحيح، وأحسب أن المؤلف وبتوفيق الله عز وجل، استطاع أن يضع بين يدي القارئ، تأصيلاً شرعياً لفقه الأولويات في ظلال مقاصد الشريعة الإسلامية، والتي حين غابت عن واقع المسلمين، تسببت في خلل كبير في ميزان أولوياتهم، حتي صغروا الكبير، وكبروا الصغير، وحقروا الخطير واهتموا بالحقير، وتجادلوا في السنن والهيئات وتركوا الفرائض والواجبات، واهتموا بالجزئيات علي حساب التقصير في الكليات، وتعلموا المتغيرات علي حساب إهمال الثوابت.

وكان ذلك كما يقول الكاتب:" بسبب الانسلاخ عن قيم السماء، وتوقف العقل المسلم عن الابتكار والتجديد والاجتهاد، حيث نُحِّيَ الإسلام بشموليته العلمية، والمنهجية والفكرية، وأضحت أمتنا تعاني مشاكل معقدة مركبة من الاستبداد السياسي، والتبعية والاستلاب والتغريب، والفساد الإداري والظلم الاجتماعي، والتخلف العلمي والتقني، مما سبب حالة من الشلل الحضاري، والقصور في العطاء؛ بل في الفهم والاستيعاب لطبيعة الأزمة " (3).

ويستطرد المؤلف فيقول: وانشغل العقل المسلم بمعرفة العلل وتشخيصها، وتتابع المصلحون، والنابهون من الدعاة والعلماء، على مشروع النهوض والعودة إلى المنابع، في إطار واقع الأمة، وفى ضوء الفهم الصحيح لأصول الإسلام، مستخدمين المنهج الصحيح في التفكير، والنظر، والتحمل، والتلقي، والنقد والمراجعة، والجميع متفقون على ضرورة إعادة بناء النسق الفكري والمعرفي للأمة ؛ كي يستعيد العقل الإسلامي عافيته فيشارك في المشروع الحضاري للأمة الوسط التي تتصف بالخيرية، والشهود الحضاري، وتستعيد المعرفة الإسلامية الواعية بكافة أنساقها بناءها، ويتبوأ الاجتهاد دوره في واقع الأمة التي تحاول النهوض (4).

ومن هذا المنطلق ينصحنا المؤلف في هذا الكتاب بأنه يجب أن تُوجه الدراسات الحديثية والتفسيرية، إلى الفهم الصحيح الواعي المنضبط للإسلام كدين وتشريع، ولفقهه كنتاج إنساني، ولفكره وتراثه كمعارف بشرية، هو الخطوة الأهم في بناء ذلك النسق الفكري الذي يسعى إليه المصلحون، كما أن تحديد طرائق ومعايير النقد للنصوص يساعد في بناء النظام المعرفي للإسلام .

هذا الفهم الصحيح في نظر المؤلف يحتل المساحة الأولى في قضايا العلم، ووزن الرجال، ولذلك خير الناس من رزق الفهم.. لأن الفهم الصحيح من أهم مراحل العلم ودواعي تحمله، فالعلم لا بد فيه من نية، ثم استماع، ثم يكون الفهم والاستيعاب، وبعد ذلك يكون الحفظ فالعمل، وأخيرا النشر ص ستة

وثمة نقطة مهمة نود الإشارة ‘ليها هنا ألا وهي إيمان المؤلف القوي بأن:" أحكام الشرع ثابتة بالنص القرآني، أو بالحديث الثابت التي لا يتحمل إلا فهما واحدا، أما الأحكام الفقهية، أو أقوال الفقهاء واجتهاداتهم فهي كل ما أضيف إلى الفقه الإسلامي على مر العصور من أقوال مبنية على الاختلاف في فهم النصوص المحتملة، وعلى الاجتهاد المذهبي، أو الاجتهاد المطلق (5) .

فالمسلمون مدعوون للنظر العقلي فيما لديهم من نصوص محتملة في القرآن والسنة، والتي تستنبط منها الأحكام الفقهية، أما النصوص القطعية في القرآن والسنة كما يري المؤلف فهي مصدر للأحكام الشرعية (الفهم الواحد)، التي لا يجوز إعمال العقل فيها؛ وهذا يعني في نظر المؤلف أن احتمال الخطأ وارد في كل ما نقرأه إلا ما كان قرآناً، أو سنة ثابتة، واحتمال الخطأ في الفهم عن الله  وعن رسوله وارد ؛ ولذلك ينبغي للناظر في النص الديني أن يعيش محققا مدققا؛ لأن أقواله، وفهمه، واجتهاده، وتأويله – كل ذلك يبنى على الأدلة الشرعية المختلف فيها، وهي الأدلة التبعية، وليست كل هذه الأقوال على درجة واحدة من الصحة، فبينها الراجح والمرجوح، وربما كان من بينها ما هو خطأ، وبعضها أنتجته عقلية المتعصب المتحامل (6).

وهنا يصل المؤلف لحقيقة مهمة وهي أن التفسير كفهم للنص القرآني من أكثر العلوم الإسلامية التي أصابها الخلل، فهو يحتاج إلى جهد مضن، وعمل منظم حتى يقوم بدوره في بناء الفكر الإسلامي المعاصر الذي ينبغي تصحيح كل مساراته، فالحاجة أضحت ملحة لتبني فكرة موسوعة صحيحة للتفسير القرآني، تبتعد عن المذهبية أو المرحلية، تناسب الواقع الحضاري للأمة، وتكون قابلة لاستيعاب الفهوم المتجددة لكل ناظر في كتاب الله تعالى(7).

علاوة علي أن الإسلام دين سمح وسهل وفطري، وجموع المؤمنين به الذين عرفوه حق المعرفة يتعبدون بأحكامه في انقياد وإذعان، وهؤلاء يحتاجون إلى من يعينهم على الفهم الصحيح الخالي من التعقيد، وقضايا الخلاف التي لاتسمن، ولا تغني من جوع . إن سهولة هذا الدين هى من أهم أسباب انتشاره، وهنا نجد المؤلف يعترف بأن دراسته في هذا الكتاب تعول علي الإسلام الفطري الوسطي، انطلاقا من النص الشرعي بنوعيه: القرآن والسنة، وهما الوحي المتلو، وغير المتلو وهما مصدر الأحكام، وأساس التشريع، إنه الإسلام الذي لا تشوبه شائبة "(8).

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صفة نظرية، وهو ما لا يعلم المؤلف أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحدا حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف:" علي تقديم حرية العقل في صفائه وتجرده وموضوعيته، وبحثه الدائب عن الصواب والحق؛ فإن شريعة الإسلام جاءت لتزكية النفس والتسامي بها، ولتنوير العقل وتوسيع سلطته ودائرته . إنَّ عقل الإنسان لا بد أن يكون حاضرًا وهو يمرُّ على السُّطور، وينبغي أن يكون على وعي أن هناك المقدس (الإلهي والنبوي)، وهناك البشري الإنساني (ومنه ما هو نبوي)، وينبغي أن يدرك أن الأفكار غير الأشخاص، وأن الرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال (9)، ومن ثم فإن أمر التجديد الفقهي يحتاج إلى الوعي التام بالنص فقها وتنزيلا وتطبيقا، وليس الأمر أمر حفظ للنص، ثم استدعاء له في وقت ما، إن الأمر يحتاج إلى حسن الفقه والتلقي عن المصدرين الأصيلين (القرآن والسنة)، مع ضرورة التفرقة بين نص الدين، وفهم المفسر أو الشارح،والأخير محكوم عليه بالخطأ والصواب والاستدراك (10) ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.................

الهوامش

1- أ. د. معتمد علي أحمد: الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم، مكتبة الآداب، القاهرة، 2011م، ص.11.

2- نفس المصدر، ص 329.

3- نفس المصدر، ص 5.

4- نفس المصدر، ص5.

5- نفس المصدر، ص8.

6- نفس المصدر، ص9.

7- نفس المصدر، ص 10.

8- نفس المصدر، ص 12.

9- نفس المصدر، ص 333.

10- نفس المصدر، ص 334.