 كتب وإصدارات

سيكـولوجية المثقف

1469 سكيولوجيا المثقفتنويه: هذا هو الكتاب الثالث إذ سَبَقَ أن صَدَرَ لنا كتابان: الأول تحت عنوان "البُعد النفسي في الشعر الفصيح والعامي – قراءة في الظواهر والأسباب" عن دار ابن السكيت في العراق، والثاني تحت عنوان "مدخل إلى سيكولوجية الفقر" عن دار القارئ في بيروت، وأدناه ملخَّصٌ للكتاب نشره أحد القراء على حسابه الشخصي في فيسبوك وأراه ملخصًا جميلًا ومفيدًا .

بعد مقدمة قصيرة يوضح فيها مضامين الكتاب الذي يتسم بالوضوح والإيجاز المنسجمين وروح العصر، يتناولُ المؤلفُ الاختلافات الدائرة بشأن مفهوم المثقف ومسؤولياته، فيناقشُ ما قاله عددٌ من الفلاسفة والأدباء والباحثين في هذا المجال، كـ "غرامشي، وتشومسكي في شرحهما للمصطلح" وعلي الوردي عند تفريقه بين المتعلم والمثقف، وعلي شريعتي في كتابه مسؤولية المثقف، ومحمد الأحمري تحت العنوان ذاته، وسعد محمد رحيم في كتابه "المثقف الذي يدس أنفه" ...

وينتقل لمناقشة بعض المقالات والدراسات التي أجراها المتخصصون في علم النفس التي تكشفُ أو تدَّعي انتشار اضطرابات معينة لدى عموم المثقفين كالاكتئاب والنرجسية أو تضخم الذات والانتهازية واضطرابات أخرى .

ثم يضعُ المؤلفُ تعريفًا لمصطلح "المثقف" من وجهة نظر سيكولوجية، فيقول أن المثقف وصفٌ يُطلَقُ على ثُلَّةٍ مِنَ أهل الفكر يتسمون بحيوية الضمير، ومستوى جيدٍ من والذكاء، ويملكون كمَّا من المعارف، يمكَّنُهم من تعديل أو خلق رؤية واضحة للحياة، يحاولون إيصالها لمجتمعهم بغية تطويره، أو وقايته، أو تخليصه مما يمر به من أزمات .

أي أنَّ صفة "المثقف" لا  تطلق على المتعلمين الذين ينظرون إلى الظواهر المختلفة على نحو ما ينظرُ البسطاء من الناس إليها، ولا تطلق على المفكرين المعتكفين على البحث فقط، أو المهتمين بأنفسهم دون مجتمعهم، كما أنها لا تطلق بالضرورة على الناشطين المدنيين، فقد يكون أكثرهم طلاب شهرة ومجد ومكانة، أو أنهم يفتقدون إلى الرؤية السديدة، ولا على الشعراء والأدباء الذين ليس لديهم اهتمام بمجتمعهم، فضلاً عن كون المثقف ليس بالضرورة أن يكون من حملة الشهادات العليا، بل قد يكون متواضعاً فـي تحصيله الدراسـي . أي أن المثقف قد يكون شاعرا أو أديبا أو عالما، أو  لا يكون، المهم أن تكون له مشاركات اجتماعية نافعة، ورؤية إصلاحية، وفقاً لهذا فإن المثقف من تتوافر فيه السمات التالية:

- مستوى جيدٌ من الذكاء يسهم إسهاماً فعّالاً فـي مدى دقة الفرد فـي دراسة واقعه الاجتماعـي، وما يمر به محيطه من أزمات، وابتكار أفضل السبل للسير به نحو طريق النجاة .

- كمٌّ من المعارفٌ تُمَثِّلُ وعاءً من البيانات يتحرك عقل الفرد وفقها، ليحولها من صيغتها الجامدة إلى مرنة يوظفها لتحقيق رؤيته وأهدافه.

- حيوية فـي الضمير تُحركه لخدمة مجتمعه وتجعله مستعداً للتضحية من أجله.

- اتزان نسبـي على مستوى الانفعالات، فلا يكون شخصاً ساذجاً أو متسرعاً أو متقلب المزاج .

- ذكاءٌ اجتماعـي يجعله يحسن التعامل مع أفراد مجتمعه، ويجذبهم إليه، ويقنعهم برؤيته .

على أن هذه السمات نسبية لا مطلقة، فهم ليسوا أناسًا مثاليين أو ملائكيين، إنما نقصد أنهم أكثر ذكاءً وعلماً واتزاناً بالنسبة للآخرين فـي محيطهم الاجتماعـي كما أنهم ليسوا على درجة واحدة باتسامهم بتلك الصفات .

يرى المؤلفُ أن المثقفين صنفٌ من المبدعين، وبالتالي فإن لهم دوافع الإبداعِ نفسها، فقد يكون الشعور بالنقص وفقا لآدلر، أو الرغبة في تحقيق الذات وفقا للنظرية الإنسانية، أو التسامي والإعلاء وفقا لفرويد ... هو الذي دفع ببعض الأفراد لأن يكونوا مثقفين .

يمر المثقفُ بمراحل نمو ثلاثة، المرحلة الأولى هي مرحلة الدافع وهي مرحلة مبكرة يندفع فيها الفرد بدوافع معينة نحو مطالعة الكتب ومتابعة أخبار المثقفين ومحاولة تقليدهم حتى في طريقة مسكهم السيجارة والتقاط الصور، ظنًا منه بأن ذلك يصنع منه مثقفًا، ويمكن أن نطلق على الأفراد في هذه المرحلة "أشباه مثقفين" ويبقى فيها عددٌ كبيرٌ من الأفراد، إذ يمضون أعمارهم ولا يصلون إلى المرحلة التالية لأسباب كثيرة تتعلق بمستوى الذكاء وسمات الشخصية وقوة الدافع . ومشكلة أهم تتعلق بالدور، إذ أن غالبية الأفراد الذين يملكون "دافع الثقافة" لا يتوحدون مع الدور الملصق بهم، لأسباب عديدة منها أنهم يملكون أدواراً تتعارض مع دور "المثقف"، أو أنهم يملكون دوافع نحو تحقيق أهداف، أو أخذ أدوار لا تتوافق مع دور "المثقف" ، أي أن علاقة الفرد بدوره "كمثقف" أشبه بعلاقة زوجين جمعتهما الضرورة أو المصلحة لأن يعيشا تحت سقف واحد، وأن يستمرا كذلك حتى لو كان الخصام بينهما علة مزمنة، والصراع بينهما افتتاحية الصباح وختام المساء .

أما المرحلة الثانية "المثقف" فإن الفرد يصلها بعد أن تُصبِحَ العلاقةُ بينه وبين دوره كمثقف كالعربة والحصان متصلين ويسيران باتجاه واحد حتى تصل العلاقة بينهما مثل حبيبين أو عاشقين يتم أحدهما الآخر، أي: يتماهى المثقف ويتوحد مع دوره، وتنسجم أهدافه الخاصة وأحلامه مع الدور، و"يعيش الدور بكل جوارحه" بما يضفيه الكُتَّابُ والمجتمعُ على هذا الدور من سمات كالذكاء وحيوية الضمير وغيرهما، ويتوقفُ هذا التوحد مع الدور على مدى التعزيز الذي يحصل عليه الفرد من الذات أو الأسرة أو المجتمع لقاء السلوكيات الأولية للثقافة التـي كان يقوم بها في المرحلة الأولى كالاهتمام بالمجتمع وقراءة الكتب، لأن "السلوك فـي حقيقته ينتظم بنتائجه، فالاستجابات التـي تقترن بعقوبات أو عدم مكافئة تميل إلى أن يتخلص الفردُ منها، فيما تميلُ الاستجابات التي تؤدي إلى إثابات أو مكافئات إلى أن يستبقيها الفرد"

مع وصول الأفراد إلى هذه المرحلة التـي تتسم بدرجة جيدة من الوعـي، والشعور بالمسؤولية، تبدأ الضغوط النفسية بالازدياد، فإن تعامل معها بالشكل الأمثل، وواجهها استمر في مسيرته، وإلا فإنه سيبلغ المرحلة الثالثة (المثقف المريض)، إذ يصل كثيرٌ من المثقفين إلى هذه المرحلة، فيظهر على الواحد منهم اضطراب ٌ أو أكثر بحسب عوامل عديدة .

فقد يصاب المثقف بالإحباط الشديد، أو الاكتئاب، أو النرجسية والانتهازية، أو قد تنشأ أو تنشط لديه بعض العقد النفسية التي استطاع من قبل تقليل تأثيرها، ويتناول المؤلف كلَّ اضطراب منها على حدة، ويشرح أسبابه، لكنها إجمالًا وبإيجاز تعود إلى الأسباب التالية:

- الهَوَّةُ الواسعةُ بين الهدف الذي وضعه المثقف، وبين واقع مجتمعه، وأساليبه والدعم المقدم له .

- تَعَجُّل المثقف واندفاعه فـي تحقيق أهدافه، وعدم وضعه سُلَّمًا زمنيا صحيحاً يعتمدُ على معطيات الواقع .

- حين يقف المثقف على دكة بعيدة ليرى كيف أصبحت نتائج أعماله فـي المسرح الواقعـي، يجدُ أنه يبنـي، وهناك العشـرات يسيرون خلفه ليهدموا ما بناه بجهد مضنـي، فيعيش ما عاشه الشاعر "بشار بن برد" ساعةَ كتب بيته الشهير:

متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامه      إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدمُ

 

- شدة العائق الذي يحول بين المثقف وهدفه، المتمثل بالسلطات الثلاث: السياسية التي تملك المال والسلطة، والدينية مالكة النفوس، وسلطة الأعراف والتقاليد .

- وجود فكرة أزلية تربط بين الوعـي والحزن، وهذا ما جعل بعض المثقفين يتصنعون الحزن ويحاولـــون اكتسابه لأنهم يشعرون بأنه جزء مهمٌ من شخصيتهم، ولا يُعَدُّ مثقفاً من لا يعيش حزيناً، فيبقى يخلقه ويحاول الإحساس به، حتى يحدث فعلاً، فقد يكون الحزن (مرضًا يأتي بعد تمارض)، وباستطاعتنا ملاحظة ذلك منذ المرحلة الأولى لنمو المثقف .

- حيوية الضمير التـي تجعل من المثقف يحزن لرؤية واقع المجتمع، ويُحبَط لوجود عوائق تمنعه من النهوض به .

- بسبب شيوع الفكرة التـي تقرن بين الثقافة والحزن، واعتبار المثقفين الحزنَ جزءاً من شخصيتهم، أصبح المثقفُ الجديد مضطراً إلى مشاركتهم تلك المشاعر كـي يعدَّ من المثقفين حقاً، ولا يكون مغترباً عن هذه الطبقة .

وأسباب أخرى كثيرة يناقشها الكتاب بشكل مفصل، وينتقل بعدها ليتناول طبيعة العلاقة المضطربة بين المثقف ورجل الدين والتي من بين أسبابها نرجسية الطرفين والنظرة السلبية المسبقة التي يحملها كل منهما تجاه الآخر . ومدى تأثيرها على الطرفين، وعلى المجتمع، ويختتم المؤلف كتابه بتوصيات يمكن عدها وصفة وقائية وعلاجية لعموم المثقفين الذين أرهقتهم الحياة، ويرغبون بالمحافظة على اتزانهم النفسي من أجل الاستمرار بتحقيق أهدافهم وخدمة مجتمعهم .

وتجدرُ الإشارةُ إلى أن المؤلف اعتمد على مصادر عدة لأجل إتمام هذا المجهود العلمي تمثلت بالمقالات والأبحاث التي نشـرها المتخصصون في علم النفس والمتضمنة تحليلات نفسية مختصـرة أو جزئية لشخصية المثقف، فضلاً عن متابعته حسابات المثقفين فـي منصات التواصل الاجتماعـي وتجمعاتهم الافتراضية التـي تمثل وسيلة لإسقاط ما تحتويه النفس من مكنونات، واستفادته من العلاقة الشخصية التـي تربطه بعدد من المثقفين، والتـي جعلته يطلع عن قرب على حياتهم.

 

عنوان الكتاب: سيكولوجية المثقف

المؤلف: وعد عباس

سنة الطبع: 2020

عدد الصفحات: 150

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الزميل العزيز وعد عباس المحترم
تحية طيبة وامنيات بالسلامة وتمام العافية
الرجاء قبول التالي وهو سؤال ورد اماميوانا اقرا العنوان وكاد ان يمنعني من قراءة الموضوع والسؤال هو:
ما معنى كلمة او مصطلح او مفهوم :: سيكولوجية ....الذي وردت في العنوان؟
دمتم بخير

عبد الرضا حمد جاسم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4981 المصادف: 2020-04-25 03:45:03