 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب "العمامة المستنيرة" لأحمد سالم

محمود محمد علييختلف مفهوم التجديد باختلاف الباعث عليه، والمحرك لمحرر ذلك المفهوم، فللأنثربولوجية، والابستمولوجيا دور كبير في ذلك، إضافة إلي الايديولوجيات المطروحة علي الساحة علي تباينها في نقاط واتفاقها في أخري، كل ذلك أدي بدوره إلي صعوبة تحديد هذا المصطلح حداً جامعاً مانعاً وإن أمكنت المقاربة .

وفي التراث الإسلامي نجد تعريف التجديد حاضراً في مدوناتهم، فحين تعرض الإمام المناوي صاحب فيض القدير لشرح حديث المجددين نقل عن العقلمي :" إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، كما عرفوا المجدد بأنه : من له حنكة رد المتشابهات إلي المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والنظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته .

ومنذ أكثر من قرن ونصف والبحث مستمر في مسألة تجديد الفكر الإسلامي ؛ حيث اتخذ التجديد الديني في الفكر العربي المعاصر مناحي شتي، بعضه اتجه إلي ما هو سياسي بمحاولة نقد الأسس الدينية التي يقوم عليها دعاة الإسلام السياسي، وبدا ذلك بكتاب الشيخ "علي عبد الرازق " (الإسلام وأصول الحكم)، والذي قوض فرضية قيام شكل الحكم السياسي في المجتمعات الإسلامية علي نصوص دينية قاطعة، كان مخرجها النهائي هو اعتماد الخلافة الإسلامية كقالب واحد ووحيد للحكم، وجعل الأمر اجتهاداً بشرياً بحسب تطور الخبرات البشرية ومطلوبات العصر .

ثم زلزل عبد المتعال الصعيدي الساحة الفكرية بكتابه (المجددون في الإسلام) وهو ما أكد علي ضرورة واستصحاب البعد النقدي عند النظر للتراث الفكر بشكل عام والفكر الديني يدخل تحت ذلك وعدم التسليم به بشكل مطلق.

ومن هذا المنطلق رأينا أن قضية تجديد الفكر الديني عند المتعال الصعيدي تستحق الدراسة والتوقف أمامها بتفحص وعناية، وذلك علي الرغم من كثرة الدراسات في الفكر الحديث والمعاصر، وذلك لأنها مؤشر هام علي تطور الفكر الإسلامي وواقعيته من ناحية، وقدرته علي التجدد الذاتي ومواجهة التحديات من جهة ثانية، كما أنها مؤشر علي أن تقدم المجتمع مرتبط بقضية التجديد بربط وثيق.

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن تجديد الفكر الديني لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان " كتاب العمامة المستنيرة – تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي " للدكتور أحمد محمد سالم  (ويقع في (230) صفحة من القطع الكبير)، وفي رأيي أن هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين،نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن أحمد سالم (مع حفظ الألقاب) من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

إن البحث الفلسفي في نظر أحمد سالم تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة . وعلاوة علي ذلك فإن جدية أحمد سالم وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد أحمد سالم واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من زملائنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه  الوريقات القليلة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفكر العربي المعاصر، وقد اخترت كتبه بعنوان "العمامة المستنيرة – تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي"، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات الني عني بها مؤلفها أحمد سالم بالدفاع عن  تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي"  حيث تبني الكاتب فكرة الإصلاح والتجديد المنشودة لمجتمعاتنا الإسلامية باعتبارها الأمل المرجو في تغيير الوضع المؤلم الذي تعاني منه الشعوب والدول الإسلامية.

وقد عمد الكاتب في مناقشة قضية تجديد الفكر الديني إلي تحليل كتابات وآراء عبد المتعال الصعيدي (1894-1966م) وقد جاء انتخاب المؤلف لهذا المفكر لانتمائه لمدرسة الفكر المستنير علي نفس نهج الإمام محمد عبده في مطلع القرن الماضي، ومن الجدير بالذكر أن الشيخ عبد المتعال الصعيدي علي الرغم من قلة الأبحاث أو الدراسات التي عنيت بدراسة أفكار هذا المفكر إلا أنه قد خاض حياة فكرية حافلة بالمساجلات والحوارات في قضايا الإصلاح والتجديد مخلفا وراءه الكثير من الخلافات بينه وبين علماء عصره والعديد من المؤلفات في هذه الموضوعات، وكذلك أيضا القليل  من الضوء الملقي علي فكره وشخصه بعد رحيله.

ويتناول الباحث في بداية الكتاب للصراع المحموم بين  النخبة العلمانية والإسلاميين حول رؤية تطور حركة المجتمع في كافة المجالات ؛ حيث قال الباحث :" دارات معارك حامية الوطيس بين العلمانيين والإسلاميين، وانتقلت من صراع الأيديولوجيات إلي صراع التسفيه والتشويه والتجريح ".. ويفيض الباحث في شرح هذا الصراع ثم يعلن بأن كتاب العمامة المستنيرة .. تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي" جاء محاولاً تجسير الفجوة بين الإسلام والعلمانية، الديني والمدني، من خلال عرض رؤية الصعيدي التجديدية، فالصعيدي هو كما ذكرنا من قبل هو امتداد لمدرسة جمال الدين  الأفغاني ومحمد عبده، وسعي من خلال فكره التجديدي لتقديم قراءة معاصرة للفكر الديني تراعي تطور المجتمع والزمن والبيئة التي يعيش فيها، ففي فكر الصعيدي إعادة الاعتبار للعلم والعقل، وإدراك أهمية الزمن في النظر إلي الفكر الديني الجديد .

ومن هذا المنطلق اختار أحمد سالم "عبد المتعال الصعيدي" ليس بوصفه مجددا فقط، بل بوصفه يخدم قضيته الأساسية وهي محاولة تجسير الفجوة بين الإسلام والعلمانية عبر فكر ديني جديد مستنير هو فكر الشيخ الصعيدي، ولعل الاطلاع علي فكر هذا المسلح كما يقول أحمد سالم أن يقلل حدة الاستقطاب بين العملانيين والإسلاميين علي فضاء الانترنت، ووسائل الإعلام.

ولهذا قام سالم بتقسيم البحث إلي مقدمة واربع فصول وخاتمة ؛ ففي المقدمة تعرص أحمد سالم لحالة الاستقطاب بين العلمانيين والإسلاميين، وأبعاد الاتهامات المتبادلة  بينهما، والتأثير السلبي لهذا علي حياة المجتمع .

وفي الفصل الأول، وقد خصصه أحمد سالم بعنوان (الأزهر: من الديني إلي العلماني)، وفيه ناقش سالم مشروع الصعيدي لتطوير الأزهر، وذلك عبر أفق الإصلاح التي تم المناداة بها من داخل الأزهر، وقدم فيها رؤية لعلمنة الأزهر، وضرورة  دخول العلوم الحديثة إليه، ومناقشته لأهمية تجديد العلوم السائدة داخل الأزهر، وأهمية الفضل بين العلم الديني، والعلم المدني الحديث.

وفي الفصل الثاني  وقد خصصه أحمد سالم بعنوان (التجديد: من الغيبي إلي الاجتماعي)، ويعالج هذا الفصل معني التجديد ومعوقاته، وكيف يري الصعيدي ضرورة أن ينتقل التجديد الديني من الغيبي إلي المادي والاجتماعي، وأن يركز علي نقل وظيفة الدين، إلي تحسين حالة الاجتماع والنهضة به، ولهذا كان ينتقد العطالة الصوفية، ومن جانب آخر يري الصعيدي ضرورة إرساء العقلانية والعلم في الفكر الديني الجديد، وكيف كان الصعيدي أقرب لمدرسة الاعتزال الجديد في هذا الأمر، تلك المدرسة التي أرسي دعائمها الإمام محمد عبده.

وفي الفصل الثالث وقد خصصه أحمد سالم تحت عنوان (التجديد: العلوم الإسلامية  من التاريخي إلي العصري، وفي هذا الفصل ناقش سالم تجديد  العلوم الإسلامية في مجالات علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، وناقش المؤلف أيضا حجم إسهام الصعيدي التجديدي  في هذه المجالات، ومدي الإضافة  التي قدمها هذا المجدد في هذه المجالات.

وفي الفصل الرابع والأخير فقد خصصه  المؤلف بعنوان (التجديد: من الديني إلي السياسي)، وقد ناقش فيه علاقة الروحي بالزمني، والديني بالسياسي في مسألة الدولة، وهل ثمة كهانة في الإسلام، ويطرح رؤي الصعيدي التجديدية حول هذه الموضوعات، وحواره مع أعلام عصره مثل خالد محمد خالد، ومحمد الغزالي حول هذه القضايا.

وفي خاتمة الكتاب أبرز أحمد سالم لأهم النتائج التي توصل إليها، ولعل من أهمها أن محاولة عبد المتعال الصعيدي جاءت لتخط الطريق نحو انفتاح الإسلام علي العالم والحداثة والعقل والعلم، وتسعي نحو قراءة مستنيرة للإسلام في ضوء تطور الاجتماع المعاصر بما يعني مسايرة الفكر الديني لمشكلات المجتمع ومستجداته، والدين من خلال فكر الصعيدي لا يقف حجر عثرة في سبيل النهضة والتقديم بل هو معول وداعم لهما .. كما يركز عبد المتعال الصعيدي في مشروعه الإصلاحي علي ضرورة إصلاح التعليم  الأزهري بما يوافق تطور التعليم في زمننا الحديث، فلم تعد متون الكتب القديمة في العلوم الإسلامية قدرة علي إبلاغ رسالتها لتغير العلوم والمعارف والشبهات في العصر الحديث، بما يعني ضرورة تطوير التعليم الديني ليكون قادرا علي أداء الإسلام  لرسالته في العصر الحديث، وأن يظل الإسلام فاعلا في حياة المجتمع بفكر جديد، وقراءة جديدة، ولهذا ركز الصعيدي علي  أهمية إعادة النظر في طريقة ومقررات التدريس بالأزهر الشريف . ومن ناحية أخري طالب الصعيدي بتطوير أنظمة التعليم بالأزهر ووصلها العلوم الحديثة بمتطلباتها، ويوازي خريجي المدارس الحديثة في التعليم، وذلك لأن التعليم بالأزهر منقطع الصلة  عن متطلبات الحياة العملية، كما أكد الصعيدي علي  أهمية تدريس العلوم الحديثة في الأزهر بعيدا عن الخلافات الدينية واللاهوتية، وذلك لأن موضوع علوم الدنيا مغاير في بنيته لطبيعة علوم  الدين فلا ينبغي أن تكون علوم الدين حكماً علي علوم الدنيا، وهو ما يعني أن الصعيدي كان أقرب إلي تجديد  المجالات والاختصاصات بين ما هو يدني وما هو دنيوي.

وأخيراً وليس آخراً أقول إنني استمتعت بقراءة هذا الكتاب الجاد الذي نجح صاحبه أن يبرز لنا كيف حملت رسالة عبد المتعال الصعيدي في تجديد الفكر الديني الإيمان بمركزية العقل والعلم  في الإسلام باعتبار أن إعمار الحياة الدنيا يقوم علي العقل والعلم، كما نجح المؤلف أيضا في أن يثبت لنا بأن مسار الفكر التجديدي عند الصعيدي يتمحور في  دعوته لتجديد العلوم الإسلامية، وضرورة الانتقال بها من الماضي التاريخي إلي الواقع الراهن، لتغير تطور حركة الاجتماع، وتغير الظروف التاريخية للمسلمين من الانتشار إلي الانحصار، ومن الرفعة إلي الانكسار، فتجديد العلوم الإسلامية ضرورة تاريخية وحضارية  لإعادة إنتاج  فكر ديني جديد يسهم  في نهضة المجتمع .

فتحية للأستاذ الدكتور أحمد سالم والذي كشف لي من خلال هذا الكتاب بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت في عنوان الكتاب بأن أحمد  سالم - مؤلف الكتاب يعد بالفعل في مرحلتنا الراهنة "أحمد سالم أيقونة الإبداع في زمن تجلي الاله ".

فتحية طيبة للدكتور أحمد سالم التي كان وما يزال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5204 المصادف: 2020-12-04 03:12:44


Share on Myspace