 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب" هكذا تكلم زرادشت" لنيتشه (2)

محمود محمد عليإن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" هو رواية فلسفية كما قلنا، قسمها نيتشه إلي أربعة أجزاء وجعلها أقرب إلي رواية ملحمة ولكن بأسلوب شعري .. يتمحور الكتاب حول شخصية حقيقية وهو " الفيلسوف الإيراني زرادشت الذي ولد وعاش في مناطق أذربيجان حوالي 650 ق.م. وأسس الديانة الزرادشتية وقد ظلت تعاليمه وأفكاره منتشرة في المنطقة حتي وصول الإسلام إليها" (16).

كان الكتّاب بمعظم أفكاره موجهًا نحو تنمية الحضارة الأوروبية والاهتمام بحداثتها والابتعاد عن سيطرة الرأسمالية عليها، وقد بدأ الكتاب بفصول الإنسان المتفوِّق وهنا يظهر لنا تأثّر نيتشه بنظرية التطوّر فقد دعا ضمنيًا إلى هدم الأديان في سبيل تطوير جنس البشر وأنَّ النوع القادم هو الإنسان المتفوِّق الذي يأتي عن طريق مبدأ البقاء للأصلح والأكثر قوة (17).

أمّا الجزء الثاني من الكتاب فقد جاء شارحًا لفلسفة الأخلاق التي نالت نصيب الأسد من أفكار نيتشه التي بُنيت على ضرورة تفعيل الفضيلة دون انتظار الثواب عليها، لأنَّ الفضيلة هي الثواب بحدّ ذاته. وقد بيَّن أنَّ الخير والشر نسبيان وضروريان بنفس المقدار فما تراه أنتَ خيرًا ربّما يكون شرًّا لغيرك والعكس صحيح (18).

الجزء الثالث من الكتاب كان للحديث عن المرأة التي ذمّها نيتشة وحذَّر منها وأكّد على أنّها مجرَّد لعبة للرجل ومهمتها الوحيدة هي الإنجاب وحفظ الجنس البشري (19).

في الجزء الأخير تحدَّث نيتشة عن الدّين الذي كان يدعو من بداية الكتاب إلى هدمه واستبداله بنظرية التكرار الأبدي فالإنسان لن يفنى وإذا صل إلى درجة الإنسان المتفوِّق فسيكون هو إله نفسه (20).

والكتاب إجمالاً موجه نحو تنمية الحضارة الأوربية والاهتمام بحداثتها والابتعاد عن سيطرة الرأسمالية عليها .. وقد بدأ الكتاب بفصول الإنسان المتفوق، والذي طبق فيه نيتشه مبدأ البقاء للأصلح والأكثر قوة .. أما الجزء الثاني من الكتاب، فقد جاء شارحا لفلسفة الأخلاق التي نالت نثيب الأسد من أفكار نيتشه، والتي بنيت علي ضرروه تفعيل الفضيلة دون انتظار التوابع لها، لأن الفضيلة هي الثواب بحد ذاته .

وعندما بدأ نيتشه في تأليف الكتاب قال: بأنه سيكون أعظم كتاب يقدمه للبشرية، ولن يكتب شيئاً بعده، وعلي الرغم من مرور أكثر 150 عام علي تأليف الكتاب، إلا أن أفكاره كانت ولا زالت، ذات صدي كبير .. كما أن الكتاب يحظي بمنزلة عالية وبآثار لا يستطيع أحد إنكارها، فقد جمع نيتشه في كتابه كثير من الأفكار الفلسفية في مختلف مجالات الحياة .. لذا يصنف الكتاب ضمن قائمة أعظم 100 كتاب في البشرية .. لا يخفي علي أحد بأن الكتاب ساهم في تغيير ايديولوجيات بعض المجتمعات .

أما الأسلوب المتّبع في كتابة هذا الكتاب فيشار إليه على أنه عمل فلسفي من الخيال، والذي غالبًا ما يقلد العهد الجديد والحوارات الأفلاطونية بالإضافة إلى الأعمال ما قبل السقراطية، ويحقق نيتشه كل هذا من خلال شخصية زاراثوسترا في إشارة إلى النبي التقليدي للديانة الزرادشتية الذي يلقي خطابات حول مواضيع فلسفية، وبالانتقال إلى النقَّاد فقد قام الناقد هارولد بنقد كتاب هكذا تكلم زرادشت واصفًا الكتاب بالكارثة الرائعة وغير قابل للقراءة، بينما رأى آخرون أن أسلوب فريدرك نيتشه هو أسلوب ساخر عن قصد وأسلوبه الغير تقليدي الذي لا يميز بين الفلسفة والأدب.

إن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" هو أول بيان شامل لفلسفة نيتشه، وكُتبت فى شكل رواية نثرية كما قلنا، بدأت بقصة زرادشت وهى نسبة إلى «زارا» وهو شخص جاء بعد سنوات من التأمل أعلى جبل ليقدم حكمته إلى العالم، يطرح نيتشه فى فلسفته، فكرة أن الإله قد مات، ولعله يشير بذلك إلى أن معبود الناس قائمًا من وهمهم، وأنه تعبير مجازى لم يقصد به الإله السماوى، وعلى الرغم من أنه عمل فلسفى بشكل أساسى، إلا أنه يعتبر تحفة فنية فى الأدب. وله تأثير كبير فى الفنون والفلسفة، وتأثر به عدد من المفكرين فى القرن العشرين. فى مُؤلفه، دعا إلى تحطيم ألواح الوصايا جميعها وإلى خلق دستور جديد، كان يرفض الأديان، فأراد أن يقيم من الإنسان إلهًا لا ينازع، وتصور الإنسان صانع قدره، فمجَّد فى كتابه «الإنسان المتفوق»، فيقول: "لقد علمتنى ذاتى عزة جديدة اُعلمها الآن للناس. علمتنى ألا أخفى رأسى بعد الآن فى رمال الأشياء السماوية، بل أرفعها رأسًا عزيزة ترابية تبتدع معنى الأرض»، ويقول: «غدا سيعتنق هذا الرجل عقيدة جديدة وبعد غد سيستبدل بها أجدّ منها، ففكرته تشبه الشعب تذبذبًا وتوقدًا وتقلبًا" (21).

وعن الخير والشر، يطرح نيتشه فى فلسفته، فيقول: "لقد أقام الناس الخير والشر فابتدعوهما لأنفسهم، وما اكتشفوهما ولا أنزلا عليهم بهاتف من السماء.. لقد وضع الإنسان للأمور أقدارها ليحافظ على نفسه، فهو الذى أوجد للأشياء معانيها الإنسانية.. ما خلق الخير والشر فى كل عصر إلا المتهوسون المبدعون، وما أضرم نارهما إلا عاطفة الحب وعاطفة الغضب باسم الفضائل" (22).

ويستكمل نيتشه فى فلسفته: "إنكم تنظرون إلى ما فوقكم عندما تتشوقون إلى الاعتلاء، أما أنا فقد علوت حتى أصبحت اتطلع إلى ما تحت أقدامى، فهل فيكم من يمكنه أن يضحك وهو واقف على الذُرى".. في هكذا تحدث زرادشت يتكلم نيتشه عن بطل القصة زرادشت، والذي في سن الثلاثين عزل نفسه إلي الجبال من أجل الحصول علي التنوير والذي وجد في العزلة سبيلا لرقي روحه حتي يتمكن من حل معضلة الإنسان والوجود (23).

بعد عشر سنوات، وبعد أن أرهقه التفكير، ومع فيض الحكمة التي اكسبها، يخرج من كهفه لينظر إلي الشمس، وهي تشرق ليقول لها:" أبتها الشمس، إذا لم يكن هناك من يأخذ الدفء من نورك فما هي سعادتك ؟ .. عشر سنوات انرت فيها كهفي، ولولاي ونسري وحيتي، لأكان أصابك الملل من هذه الرحلة، وها أنا الآن أصابني الملل من حكمتي، مثل نحلة جمعت الكثير من العسل، احتاج لمن يمد يده ويأخذ مني (24).

اعتقد زرادشت أن الوقت قد حان لينزل من كهفه وليتشارك ما كسبه من حكمة مع إخوته من البشر، رفع رأسه مخاطباً الشمس مرة أخري فقال: علي أن أهبط إلي أسفل، مثلما تفعلين أنت عندما تغربين وراء البحار .. علي أن أنير للبشر ظلمتهم .. هذه الكأس تريد أن تفرغ .. وزرادشت يريد يغدوا إنساناً من جديد (25).

ومع نزول من الجبل يلتقي زرادشت برجل كبير في السن، فيسأله عما يريد من البشرية؟ .. يجيبه زرادشت أنه يحب البشر، وانه يحمل لهم أجمل هدية، ألا وهي الحكمة، فيحذره من أن البشر لم يأخذوا بكلامه، وانهم سيردون عليه بالاستهزاء والكراهية، لكن زرادشت لا يلقي له بالاً ويقرر إكمال طريقه (25).

يصل زرادشت إلي مدينة قريبة، حيث يري أن أهل المدينة اجتمعوا في الساحة العامة، وهم ينتظرون بهلوانياً يستعد للسير علي حبل مشدود .. حاول زرادشت من خلال هذا التجمع انتهاز الفرصة ليشد انتباههم، فشرع يخطب فيهم:" أريد أن أريكم الرجل الخارق، الرجل الذي علينا تجاوزه، فما الذي فعلتم لتجاوزه ؟ كل الكائنات حتي الآن تبدع لشئ فوق كيانها، فهل تريدون أن تكونوا مرحلة الجزر في هذا المد العظيم ؟ .. هل تفضلون العودة إلي مرحلة الحيوان بدل مرحلة الرجل الخارق؟

نحن نعلم جيدا جواز فكرة التطور الدارونية في القرن 19، والتي تعتمد علي مبدأ الانتقاء الطبيعي، لكن نيتشه رفض هذا المبدأ، ووضع نظريته الخاصة " التطور الإبداعي"، فهو يدعي أن التطور لا يحصل بسبب طفرات عشوائية في الجينات، بل يحصل نتيجة القوة الغائية، والتي تنقل الروح من مرحلة الدنيا إلي مرحلة مستنيرة، هذه القوة تتمثل في الطموح، وهذا الطموح الذي لو قبله الإنسان بدل ربه يستطيع الإنسان أن يتجاوز نفسه وأن يتطور(26).

يحاول نيتشه بهذا الكلام الرد علي المؤسسة الدينية ؛ حيث إن الدين بشكل عام يعتبر أن من الخطيئة  التفكير بالنفس،  بل علي العكس يحرض التوجه نحو إنكارها، لذلك مشاعر مثل الكبرياء والرغبة في القوة كلها تعتبر من نواحي الشر والتي يجب محاربتها حيث وضح نيتشه قائلا: " تحاول الكنيسة استئصال العاطفة بدل أن ترسخها، وبدل أن تتقبل مشاعر كالرغبة والجشع وحب السيطرة، تحاول إنكارها . لكن استئصال المشاعر هو استئصال لجذور الحياة وما ممارسات الكنيسة سوي محاربة الحياة (27)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

16-د الشفيع الماحي أحمد: زرادشت والزادشتية، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية- الحولية الحادية والعشرين- 1422-2001، ص 18-28.

17-د. فؤاد زكريا: نيتشه، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، القاهرة، ص 133-145.

18- فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرداشت، ترجمها عن الألمانية: علي مصباح، منشورات الجمل، كولونيا -  ألمانيا، ط1، 2007، ص 159 وما بعدها.

19- نفس المصدر، ص 291 وما بعدها.

20- نفس المصدر، ص437 وما بعدها.

21- نفس المصدر، ص 133-137.

22- نفس المصدر، ص 144-149.

23- نفس المصدر، ص 154-158.

24- نفس المصدر، ص 188-198.

25- نفس المصدر، ص 221-230.

26- نفس المصدر، ص 245-248.

27- نفس المصدر، ص 310-322.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5299 المصادف: 2021-03-09 01:57:00


Share on Myspace