 كتب وإصدارات

ضياء نافع: عن الجزء الثاني لكتاب - الادب الروسي والعالم العربي (3)

ضياء نافعنعود – وللمرّة الثالثة – للكتابة عن هذا المرجع الوثائقي المهم في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، وذلك كي نتوقف قليلا عند الفصل الثاني للكتاب فقط، والخاص بالاديب والفيلسوف الروسي دستويفسكي في العالم العربي، وكما أشرنا في مقالتنا الثانية عن هذا الكتاب، عندما تكلمنا عن الفصل الاول الخاص بتولستوي .

 دستويفسكي ظهر باللغة العربية متأخرا مقارنة مع الادباء الروس الكبار بشكل عام، رغم انه يقف في طليعة هؤلاء الادباء، وكان اول ظهور له (حسب كتاب المستشرقة الميرا علي زاده المذكور) عام 1911 – 1912 على صفحات المجلة الفلسطينية (النفائس)، التي كان يصدرها خليل بيدس، اذ جاء – ولأول مرة باللغة العربية - اسم دستويفسكي و بعض مقولات له ليس الا في مقالة مسلسلة تم نشرها طوال عام 1911 بعنوان – (رزنامة تولستوي)، وجاء اسمه وبعض مقولاته واشارة الى خطابه عن بوشكين عام 1912 في مقالة اخرى ظهرت في نفس المجلة ايضا . تولستوي وتشيخوف وغوركي مثلا ظهروا في العالم العربي اثناء حياتهم، اما دستويفسكي، فقد ظهر بعد ثلاثين سنة تقريبا من وفاته (توفي عام 1881)، وهذه نقطة مثيرة جدا، و تستحق التأمّل والدراسة والتحليل بعمق من قبلنا، نحن العرب، لانها حالة واضحة المعالم تعكس مستوى وطبيعة الثقافة فعلا في عالمنا العربي الحديث، هذا الواقع الثقافي الذي بدأ بالتبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر فصاعدا ليس الا. ان الظهور المتأخر لهذا الكاتب الروسي هو أول شئ يلاحظه قارئ هذا الفصل عن دستويفسكي من كتاب – (الادب الروسي و العالم العربي)، اذ يبرز رأسا السؤال في ذهن هذا القارئ عن سبب تأخّر ظهور كاتب كبير ومتميّز مثل دستويفسكي بهذا الشكل، ولا مجال طبعا للتوقف التفصيلي في مقالتنا هذه عند هذا الموضوع غير الاعتيادي والجدير بالدراسة التحليلية من قبل باحثينا، اذ اننا نستعرض هنا – ليس الا - كتاب المستشرقة المرحومة الميرا علي زاده عن الادب الروسي والعالم العربي.

الفصل الثاني (والذي جاء في الكتاب المذكور بعنوان دقيق جدا وهو – حياة وابداع دستويفسكي بعيون العرب) يقع في 133 صفحة بأكملها، ومن الواضح تماما الجهود التي بذلتها الميرا علي زاده في البحث عن المصادر العربية، التي تناولت دستويفسكي في بداية القرن العشرين، وهي جهود فذّة فعلا، اذ ان هذه المصادر تكاد ان تكون شبه منسيّة في عالمنا العربي، ولا يتذكرها القارئ العربي المعاصر بتاتا، رغم انها مصادر مهمة في مسيرة الثقافة العربية وتاريخها، وكم حريّ بنا – نحن العرب – ان نتذكّر تلك المصادر وندرس بعمق دورها في مسيرة الثقافة العربية منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، مثل مجلة (المجلة الجديدة)، التي نشرت عام 1929 مقالة بعنوان – في ساعة الاعدام، وفيها رسالة دستويفسكي الشهيرة الى أخيه حول الغاء اعدامه في اللحظات الاخيرة قبل تنفيذ عملية الاعدام وتبديل الحكم الى النفيّ الى سيبيريا، ثم تنتقل المستشرقة للحديث تفصيلا عن ترجمة سلامة موسى لرواية دستويفسكي – (الجريمة والعقاب)، والتي قام بترجمها عن الانكليزية ونشرها على حسابه الخاص لانه لم يجد اي دار نشر لاصدارها، وذلك عام 1914، ويعدّ هذا الاصدار الكتاب العربي الاول لدستويفسكي، وقد طبع سلامة موسى الجزء الاول فقط ويقع في 120 صفحة ليس الا، وفشل فشلا ذريعا بتسويقه، لدرجة انه اضطر في النهاية ان يبيع النسخة الواحدة من الرواية بمليّم مصري واحد فقط كي يتخلص منه، ولم يستمر طبعا باكمال ترجمته للرواية بعد هذا الفشل الذريع . تنتقل المؤلفة بعدئذ – وبالتدريج – للحديث عن المصادر العربية الاخرى التي تناولت دستويفسكي، ومنها مقالة شاملة كتبها الباحث الفلسطيني اديب سعد خوري عنه ونشرها في مجلة (الاخاء) الفلسطينية عام 1931، وتترجم الى الروسية مقاطع كبيرة منها، وتثبت تلك المقاطع – وبلا شك - المعرفة العميقة والدقيقة لهذا الباحث لابداع دستويفسكي، ثم تشير المؤلفة الى مصدر عربي مهم حول ذلك، وهو كتاب حسن محمود، الذي صدر عام 1943 في القاهرة ضمن سلسلة (اقرأ) الشهيرة عن دستويفسكي .

لا يمكن لنا التحدّث عن كل هذه التفاصيل الطريفة والمهمة، التي توقفت عندها الميرا علي زاده في هذا الفصل الخاص بدستويفسكي في الجزء الثاني من كتاب (الادب الروسي والعالم العربي)، اذ ترد هنا اسماء كثيرة لباحثين وادباء عرب كبار، منهم على سبيل المثال وليس الحصر، محمد حسين هيكل ويحيى حقي وميخائيل نعيمه وسامي الدروبي و..و..و، ولكني أود ان أختتم هذه المقالة بالتوقف قليلا عند اسم الدكتور عماد حاتم، صديقي و زميلي في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، والذي كان نموذجا للطالب الملتزم والمجدّ، واريد رأسا ان أذكر، انه الوحيد بيننا (نحن الطلبة العرب آنذاك في تلك الكليّة من سوريا والعراق ومصر)، الذي تخصص بادب دستويفسكي . لقد تحدّثت المستشرقة الميرا علي زاده عن كتابات عماد حاتم من ص 261 والى ص 273 باكملها، واستشهدت ببحوثه عن دستويفسكي، وترجمت مقاطع مهمة منها، وجاء اسمه (31) مرة في تلك الصفحات، وكم شعرت بالفخر وأنا أقرأ تلك الصفحات، وكلمات الثناء، التي كتبتها مؤلفة الكتاب عن الباحث السوري الكبير الدكتور عماد حاتم، والذي لا اعرف عنه الان – مع الاسف - اي شئ ولا أدري اين هو الان، ولكني أود هنا ان ابعث له بتحياتي وتمنياتي ومحبتي واعتزازي اينما يكون، يا ابن جامعة موسكو البار ورافع رايتها العلمية المجيدة، ويا (رفعة راسنا) ...

كتاب المرحومة المستشرقة الميرا علي زاده الموسوم – (الادب الروسي والعالم العربي) يعدّ مصدرا علميّا مهمّا جدا في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، ويجب علينا – نحن العرب – ان نأخذه بنظر الاعتبار ونوليه الاهتمام العلمي الجدير به، ونقدمه للقراء العرب، وان نكمل مسيرته الفذّة .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5329 المصادف: 2021-04-08 03:39:35


Share on Myspace