قاسم حسين صالحكنا في ستينيات القرن الماضي عصبة من الشباب تضم ابن أكبر تاجر في الشطرة، وابن رجل دين بارز فيها، وابن فلاّح يجيد قراءة " الأبوذيه" وشاب اسمر صار فيما بعد شاعرا غنائيا مشهورا.. (زامل سعيد فتاح)، وأنا. وعصرا كنا نتمشى بـ(كورنيش) الشطرة من مقهى عبيد الى قصر الحاج خيون العبيد (الذي خصه الملك فيصل الثاني بزيارة في قصره)، لنعبر جسرا صغيرا ونعود في الأتجاه المعاكس.. وكانت (الحلوات) يتمشين ايضا ويتهادين كاسراب الحمام، فنخص بعضهن بنظرة من طرف العين (وشحده) اليتعدى حدوده.

كان زامل وأنا نتبارى بارتجال دارمي حين نرى فتاة جميلة، وكنت في بعض المرات أغلبه واكثر المرات يغلبني.. فعلق أحدهم أن زامل اشطر منك فأجاب.. هناك من هو اشعر مني واجمل ارتجالا.

ظهر اليوم الثاني اخذني الى مصور كان اكبر من كلينا عمرا.. قال هذا الذي قلت لك انه اشعر مني.. فكان (خالد) الذي قرن اسمه بالشطري حبا بمدينته.

سأله: وشسمه الحلو؟.. يقصدني.

+ قاسم

نظر لي وارتجل دارمي:

زامل حلو وحباب   بس قاسم احلى.

وتدور الأيام فاذا بي ارى (خالدا) في مبنى الأذاعة والتلفزيون. أخذته بالأحضان وجلسنا في (كافتريا) الأذاعة.

- شجابك لبغداد ابو علي؟

+ جابني الأقوى مني.. وانت شجابك؟

-  انا اعمل مذيعا باذاعة بغداد

+ معقوله! شيوعي .. وسجنك حزب البعث.. وخاليك مذيع!

وفهمت انه يعمل مشرفا لغويا مع انه لم يحصل على شهادة الأعدادية، ومعه جميل الخاصكي الذي كان ضريرا.. يدخل معنا الأستديو ويصحح للذي يقرأ تقريرا اخباريا او مادة اعلامية.. قواعديا ولفظيا.

ومن طريف ما حصل اننا كنا ستة جالسين بغرفة في القسم الثقافي الذي كان يترأسه الشاعر (العمارتلي) حسب الشيخ جعفر. نظرت للجالسين واندهشت:

+ ولكم تدرون احنه الكاعدين بنص الأذاعة.. كلنا ناصريه!

كان بيننا طالب القرغولي، زهير الدجيلي (رئيس تحرير اشهر مجلة في حينها .. الأذاعة والتلفزيون)،

حسين نعمه، .. وخالد الشطري.

السجن والحرية

من خبرتي الشخصية استطيع ان اقول مقولة (لا تعرف حقيقة الحرية ما لم تعش خبرة السجن).. وخالد الشطري انموذجا لها بوصفه شاعرا.فهو فهو قد خبره في اقسى اماكنه.. (نقرة السلمان) التي امضى فيها عامين، وسجن الكوت مع الصحفي والشاعر الغنائي وابن مدينته زهير الدجيلي، وسجن بغداد المركزي.. وانتهى في العام 1992 الى اعتقاله في الأمن العامة بتهمة التهجم على رئيس النظام، وخرج منها فاقد الذاكرة ليغادر الدنيا بعد اقل من ثلاثة اشهر .

شهادات من كبار

كان للشعر مهرجانات تقام زمن الجمهورية الأولى يصدح فيها كبار الشعراء بقصائد في حب الوطن والناس. وكان خالد قد شارك في مهرجان شعري كبير في بغداد، وبعد ان القى قصائده اعجب به الجواهري فقال له (أتطلع اليك يا شطري مبدعا ومن خلائفي المنتظرين).. وكان كما تطلع، فيما وصفه الدكتور محمد حسين آل ياسين بالشاعر المظلوم نقديا وقرائيا ولم يعط حقه حتى الآن دراسة وكشفا ووقوفا على ابداعه الجميل .. وتعدت شهرته العراق ليصفه الموسيقار العربي فاروق الشرنوبي بأنه من أبرز الشعراء العرب.

وخالد الشطري، بوصف الراحل عريان السيد خلف.. ولد شاعرا، وهذا صحي.. فالشعر موهبة تولد مع صاحبها، ومن مؤشرات ابداعه انه ترك الدراسة مبكرا، كما فعل بيكاسو ومبدعون كثر وجدوا المدارس ليست بمستوى مواهبهم، فغادروها ليبحثوا هم عما يشبع شغفهم المعرفي ويطور ابداعهم في مدرسة الحياة حيث هي التي تصنع الشاعر وليس المدارس ولا الجامعات.

وخالد، بينه والشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، شبه كبير. فكلاهما وقفا مع شعبيهما، وكلاهما يمتازان بحرارة الأنفعال وصدق المشاعر في تجسيد معاناة المقهورين، لكن الأبنودي سجن ستة أشهر فقط، فيما خالد سجن سنوات، والأبنودي حظي بالتكريم وعاش حياة ممتعة، فيما خالد عاش حياة قاسية ولم يكرمه حكّام يعرفونه حق المعرفة.

خالد.. شاعر متفرّد

ما تفرد به خالد انه كتب ثاني موشح بالوطن العربي من مقام اللامي (أجفوةٌ أم دلالُ.. حيرتني با غزالُ) الذي لحنه الموسيقار روحي الخماش وادته فرقة الأنشاد العراقية، واعتمد مادة دراسية لكل معاهد الموسيقى بالعراق، وفقا لنجله الكاتب والشاعر وليد الشطري.

وانه كان يجيد الأرتجال.فحين سالته طالبة جاءت تأخذ عنده صورة شمسيه بمحله أمام مبنى وزارة الدفاع، ان كان هو نفسه الشاعر الذي وصفه استاذها في محاضرته بالشاعر المبدع المغبون، اجابها ارتجالا:

(نعم أنا ياحلوة الضفيرة .. نعم أنا الشاعر ياصغيرة

نعم أنا المعدم غير اني .. أمتلك الخزائن الكبيرة

أعيش العمر للقوافي .. أكتبها بأدمعي الغزيرة

.. .. .. .)

والشاعر نبي زمانه، بمعنى انه يتنبأ بما سيحدث فيقوله شعرا.. ففي الألفية الثانية قال خالد:

(حيوا الحسين عدو كل منافق .. باع الضمير بزرقة الدينار). وقال في مناسبة المولد النبوي:

(حاشاك أن ترضى وانت محمد .. شعب يصاد وواحد يتصيد).. وهذا ما حصل للعراقيين في الألفية الثالثة، حيث باع كثيرون ضمائرهم ونهبوا المليارات بينهم من يدّعون ان جدهم محمدا وامامهم الحسين.

الكاظمي يبادر .. والنتيجة خيبة!

وفقا لما نشر في (الزمان) فان دولة الأخ مصطفى الكاظمي وجهّ مكتبه بمتابعة ملف الشاعر خالد الشطري. ولكن المبادرة توقفت لأنه لا توجد وثائق او كتب تؤيد أنه كان سجينا سياسيا برغم مراجعات نجله وآخرين الجهات المعنية، ليمنح راتبا وقطعة أرض (بالمناسبة.. انا، وآخرين، سجناء سياسيين ولم نحصل على قطعة أرض).

ولنقل، لنعفي السيد الكاظمي من منح الراحل راتبا وقطعة أرض لأنه لا يمتلك المستمسكات المطلوبه التي تخوله ولا تساءله.. ولكن خالد شاعرا كبيرا كتب قصائد في حب الوطن والناس وغنى له مطربون اغنيات بحب بغداد والعراق.. ومستمسكاتها موثقة.. أفلا يستحق التكريم لمن غنى للوطن والناس؟.ألم تصدح مائدة نزهت بأغنية (هذا انا الوطن)، ومهند محسن بقصيدة بغداد، وانوار عبد الوهاب وفاضل عواد.. والفنان الملتزم الكبير لطفي ابو شناق الذي أشجانا وابكانا بقصيدة خالد (ما للمدينة أغلقت ابوابها)..

الا يكفي هذا يادولة رئيس الوزراء ويامعالي وزير الثقافة لتكريم شاعر فيه تكريم لمدينته الشطرة ولوطنه العراق ولكل من وقف بوجه الطغاة مجسدا مقولة الحسين.. هيهات منّا الذّلة؟!

عتب لاهل الشطرة.. ودعوة

اعجبني اهل مدينة الحلة بنحتهم تمثالا لشاعر مدينتهم (موفق محمد) ونصبه في مكان بارز، ليعيش موفق هذا التكريم وهو حي.. وكان على اهلنا في الشطرة اقامة تمثال لخالد منذ زمن.ومع ذلك، ما تزال الفرصة قائمة، بتشكيل لجنة، يكون فيها الأتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، تقوم بتوجيه الدعوة للتبرعات من اهلنا في الشطرة ومحبيه في داخل الوطن وخارجه. واقترح ان يتم نصبه مقابل مقهى عبيد في رأس الجسر الذي يتوسط المدينه.. يكتب تحته بيته الشعري:

(الارض أرضي والتراب ترابي& فعلام تسلب من يدي أتعابي)

ليكون رمزا لكل من لم يحني رأسه لطاغية، ولتتباهى به الشطرة.. مدينة الفنانين والأدباء والمناضلين والشعراء.

*

ا. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمود محمد عليبخالص الحزن وعميق الأسى، انتقل إلى الرفيق الأعلى صباح أمس عن عالمنا اليوم الدكتور كمال الجنزورى رئيس وزراء مصر الأسبق وأحد أهم الشخصيات التي تولت هذا المنصب في مصر، بعد صراع مع المرض، وذلك في مستشفي القوات المسلحة بالتجمع الخامس في محافظة القاهرة . وهو صاحب فكرة الخطة العشرينية التي بدأت في 1983 وانتهت عام 2003، ولُقب بوزير الفقراء والوزير المعارض لما ظهر منه في وقت رئاسته الوزراء وعمله الذي اختص برعاية محدودي الدخل.

لقب بـ"وزير الفقراء" أو "الوزير المعارض" لما ظهر منه في وقت رئاسته للحكومة، وعمله الذي اختص برعاية محدودي الدخل.

ولد الدكتور كمال الجنزوري، رئيس وزراء مصر الأسبق، في قرية جروان بمركز الباجور بمحافظة المنوفية في 12 يناير 1933، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميتشجن الأمريكية؛ وشغل العديد من المناصب بالدولة المصرية، حيث سبق أن شغل منصب محافظ الوادي الجديد ثم محافظ بني سويف، وأسند له إدارة معهد التخطيط القومي ثم أصبح وزيراً للتخطيط، ثم نائبًا لرئيس الوزراء.

بدأ الجنزوري في عهده عدة مشاريع ضخمة بهدف تسيير عجلة الإنتاج والزراعة والتوسع بعيداً عن منطقة وادي النيل المزدحمة، من ضمنها مشروع مفيض توشكى الذي يقع في أقصى جنوب مصر، وشرق العوينات، وتوصيل المياه إلى سيناء عبر ترعة السلام، ومشروع غرب خليج السويس بالإضافة إلى الخط الثاني لمترو الأنفاق بين شبرا الخيمة (بالقليوبية) والمنيب (بالجيزة) مروراً بمحافظة القاهرة للحد من الازدحام المروري بمحافظات القاهرة الكبرى.

كما أقر مجموعة من القوانين والخطوات الجريئة منها قانون الاستئجار الجديد كما ساهم في تحسين علاقة مصر بصندوق النقد الدولي وكذلك بالبنك الدولي. كما شهد في عصره تعثر بنك الاعتماد والتجارة فتدخلت الحكومة لحل الأزمة وتم ضم البنك إلى بنك مصر.

كما تم في عهده إصدار العديد من القوانين المهمة للمواطن المصري مثل قانون الإيجار الجديد، أما على الصعيد الدولي كان له الفضل في تحسين مصر بعلاقتها بكلا من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أيضًا.

كما كان له السبق في العديد من المشاريع الضخمة بهدف تيسير وتسهيل عجلة التنمية والإنتاج الزراعي بعيدا عن منطقة وادي النيل، نذكر منها مشروع “وادي توشكى” الذي محله جنوب مصر وشرق العوينات، وتوصيل المياه إلي سيناء عبر ترعة السلام في مشروع غرب خليج السويس، في مجال المواصلات شهد مد الخط الثاني لمترو الأنفاق وذلك بين شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية و المنيب بمحافظة الجيزة مرورا بمحافظة القاهرة وذلك بهدف التقليل من الازدحام والتكدس المروري، في محافظات القاهرة الكبري.

أُطلق علي الجنزوري لقب "وزير الفقراء"، وأيضًا "الوزير المعارض"، حيث كان يختص برعاية محدودي الدخل، ويعتمد سياسات لصالح الفئات الأولي بالرعاية، وهو صاحب فكرة الخطة العشرينية التي بدأت في 1983 وانتهت عام 2003

وتولي الدكتور الجنزوري، رئاسة الوزراء لأول مرة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، خلال الفترة من 4 يناير 1996 إلى 5 اكتوبر 1999.

وعقب أحداث ثورة يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، رشحه المجلس الأعلي للقوات المسلحة منذ ثورة 25 يناير برئاسة المشير طنطاوي لرئاسة الوزراء، وكلّفه بتشكيل الحكومة معلناً أنه سيكون له كافة الصلاحيات، يوم 25-11-2011، جراء مليونية 18-11-2011 «جمعة الفرصة الأخيرة» والتي استقالت بعدها حكومة عصام شرف؛ واستمر فيها حتى يونيو 2012.

ومنذ أن سيطرت جماعة الإخوان الإرهابية علي مجلس الشعب، بدأت التخطيط لإقالة حكومة الدكتور كمال الجنزورى، عن طريق سحب الثقة منها عبر مجلس الشعب، الذى يمثل حزب الحرية والعدالة، التابع للجماعة، أغلبيته البرلمانية، حيث كان الدكتور الجنزوري يعمل لصالح الوطن في ظروف بالغة التعقيد، في حين كانت تبحث الجماعة عن مصالح التنظيم فقط؛ حتي أن الجماعة هددت بالنزول إلى الشارع في مظاهرات كبيرة للمطالبة برحيل حكومة كمال الجنزوري.

لقد كان للمغفور له ‏إسهاماته المقدرة، فى بناء الاقتصاد الوطنى، ورعاية محدودى الدخل، ‏كما كان له نجاحاته المشهودة فى جميع المناصب التى تقلدها، ‏وتتلمذ على يديه كوكبة من أبناء مصر في شتى المجالات، هم الآن ‏في مقدمة الصفوف، ويحسب للمغفور له ثُلة من المشروعات الكبرى ‏التى بدأت فى فترة توليه رئاسة مجلس الوزراء..

من جانبه، نعي الرئيس عبد الفتاح السيسى، الدكتور كمال الجنزوري رئيس وزراء مصر الأسبق. وكتب الرئيس السيسى، عبر حساباته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي:"فقدت مصر اليوم رجل دولة من طراز فريد، هو الدكتور كمال الجنزوري رئيس وزراء مصر الأسبق.

وأضاف الرئيس :"كان الراحل بارًا بمصر، وفيًا لترابها وأهلها، وصاحب يدٍ بيضاء في شتى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية، وكانت له مكانته العلمية، ورؤيته الحكيمة، وقدراته القيادية المتميزة والناجحة، فضلًا عن أخلاقه الرفيعة العالية، وتفانيه وصدقه وإخلاصه في مراحل مصيرية وحاسمة من تاريخ هذا الوطن".

واختتم الرئيس نعيه للجنزوري، بخالص الدعاء بأن يرحم الله الفقيد الغالي، كما توجه بخالص عزائه لأسرته وأهله، داعيًا المولى عز وجل أن يلهمهم الصبر والسلوان.

وفي نهاية مقالي أقول : فقدنا رجلا كبيرا عمل حتى آخر نفس في حياته من أجل خدمة بلاده والارتقاء بوطنه، ولم يدخر أي جهدا في حب مصر، وكان نموذجاً في البذل والعطاء كما أنه كان يعمل في صمت، فنعزي أنفسنا جميعا بخالص الحزن وعميق الآسى لوفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى صباح اليوم وندعو الله عز وجل، أن يتغمده بواسع رحمته، وعظيم مغفرته، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان.. أسكن الله المغفور له فسيح جناته جزاء ما قدم لوطنه ومواطنيه، ‏وألهمنا وأهله صبر المؤمنين.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

رحم الله الدكتور كمال الجنزوري، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

صادق السامرائيمن أطباء قرطبة في القرن الرابع الهجري، أديب وشاعر مطبوع ومؤرخ، وذو علم بالنحو واللغة.

لا يُعرف تأريخ ميلاده لكنه توفى سنة (369) هجرية.

كان من الأطباء اللامعين والممارسين الماهرين في الصنعة، يعتمد آراء الأقدمين ويتابع أفكار المعاصرين ويدخلها في مصنفاته الطبية؟

وتفاعل مع العديد من أطباء عصره، ودرس إبقراط وديوسقريدس وجالينوس.

مؤلفاته: إختصار تأريخ الطبري، تقويم قرطبة، عيون الأدوية، خلق الجنين وتدبير الحبالى والمولودين، (وهو أول كتاب عربي في إختصاص طب الأطفال)

ينتمي إلى أسرة من المولدين سكنت قرطبة، عمل في خدمة الدولة بالأندلس وتبوأ مناصب إدارية.

وجاء في مقدمة كتابه (خلق الجنين...): " وذكرت ما يخص الملوك نفعه، ويغبط عامة الناس جمعه، من تدبير الأجنة وأسباب الولادة، وأحكام القبول وسياسة التربية التي جعلها الله علة النسل أو علة للنسل وأوعية للزرع ومستقرا للنطفة.

ثمّ ذكرت خلق الأجنة في الأرحام ومواقيت تحريكها، والعلاج المعين على صحتها، والأسباب المستدل بها على الذكران والأناث منها موقتان، بأن الله وحده يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال"

يمكن القول بأن عريب بن سعيد رائد التخصص بطب الأطفال،  فهو الذي وضع في كتابه المؤلف من (15) فصلا، (خلق  الجنين وتدبير الحبالى والمولودين)، أسس التخصص بطب الأطفال، ولو أن الرازي سبقه في الكتابة عن الأطفال، لكنه لم يعده تخصصا وإنما ضمن ضنعة الطب العامة.

فهو من أوائل الأطباء الذين فكروا بالتخصصات الطبية، ووضع المنطلقات الضرورية للشروع بالتفرغ للتخصص الطبي، بدلا من الممارسة العامة للطب.

وبهذا تكون الأمة سبّاقة لغيرها في التفاعلات العلمية اللازمة للوصول إلى أفضل السبل لتقديم الرعاية الكاملة للإنسان والتفاعل مع الصحة البشرية بأساليب متقدمة على عصرها.

وعريب بن سعيد، يقدم مثلا عن أنوار الأمة الساطعة الأصيلة الإبداع.

عاشت أمة الأنوار المعرفية المتوهجة!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيلجنة التأليف والنشر، أُنشئت في القاهرة، سنة 1914؛ في مطلع القرن العشرين، وبقيت، سنين، حيّة قائمة ترفد الثقافة العربيّة بخير الزاد؛ تأليفاً، وتحقيقاً، وترجمة. ولم يأفل نجمها حتّى أخذ القرن يوغل في نصفه الثاني؛ فتبدّلت أحوال كثيرة، وخفيت معالم، وظهرت معالم أخرى، وتقهقر نشاط الأفراد، وأمسكت الدولة بكلّ المنافذ.

غير أنّ ما صنعته لجنة التأليف والترجمة والنشر شيء لا يقدر الزمن أن يطويه.

كانت "اللجنة" قد نشأت حين أراد فتية ناشئون، مازالوا في صدر أعمارهم، أن ينهضوا ببلدهم من خلال نشر العلم، والمعرفة الصحيحة؛ لكي يقوى، ويقدر أن يُدير شؤونه؛ فعقدوا العزم على أن يُنشئوا لجنة تنشر الكتب الرصينة النافعة، وأن يتعاضدوا على تمويلها، وأن ينهضوا بأعبائها كلّها. وقد كان في الصدارة منهم: الدكتور / أحمد أمين، والعلامة / أحمد زكي باشا شيخ العروبة، والبحاثة / أحمد عبد السلام الكرداني، والدكتور / محمّد عبد الواحد خلّاف، والناقد الكاتب / محمّد أحمد الغمراوي، والمؤرخ المحقق / عبد الحميد العبادي، والأديب / محمّد فريد أبو حديد، ووالكاتب / حسن مختار رسمي، والأستاذ / يوسف الجندي، والأستاذ / صبري أبو علم.

كلّهم كانوا من ذوي الثقافة الرصينة المتينة. إذ كان منهم من سلك سبيل العلم الصرف مع إقبال على اللغة والأدب، وكان منهم من أخذ بالتراث العربيّ مع إقبال على ثقافة العصر، وكان منهم رجال قانون يحبّون العربيّة.

فلا غرو أن يتمَّ للجنة بهم التوازن، وأن يسلكوا بها سبيل الحكمة، وأن لا ينشأ ميل يفضي إلى جورِ قديمٍ على حديث، أو حديثٍ على قديم. ثمّ إنّها هيّأت أمرها ووضعت قانوناً يحكم عملها؛ حتّى تجيء خطواتها سليمة صحيحة؛ كلّ خطوة في موضعها، وانتخبتْ الدكتور / أحمد أمين رئيساً لها، فأحسن إدارتها، وبلغ بها غايتها؛ فصارت تجدّد له الرئاسة كلّما انتهت مدتها. وبدأت مسيرتها في تأليف كتب مدرسيّة؛ ليأخذ الناشئة المعرفة واضحة مستقيمة في لغة عربيّة فصيحة؛ وكان أوّل كتاب أصدرته في الكيمياء؛ ألّفه العلامة / أحمد زكي باشا، والبحاثة / أحمد عبد السلام الكرداني.

وقد كان من نظام اللجنة؛ أن تُحيل كلّ كتاب يقدّم إليها على خبيرين قبل طباعته؛ فإن أقرّه الخبيران أخذ سبيله نحو المطبعة، وإن بدا لهما رأي فيه انتفع منه المؤلف في تقويم كتابه حتّى يستوي بعيداً عمّا يشوبه.

ثمّ اتّسع نطاقها، وجعلت من شأنها أن تنشر الأصيل من المؤلفات، وأن تنقل إلى العربيّة ثمرات الفكر الأوربيّ، وأن تحقّق وتنشر عيون التراث العربيّ؛ فكان من ذلك أن نشرت (قصّة الفلسفة اليونانيّة) و(قصّة الفلسفة الحديثة)، و(قصّة الأدب في العالم) من تأليف الدكتور / زكي نجيب محمود، و(فجر الإسلام ) و(ضحى الإسلام) و(ظهر الإسلام) من تأليف أحمد أمين.

وكان من الترجمة أن نشرت (تاريخ الفلسفة في الإسلام )، تأليف / دي بور، وترجمة / محمّد عبد الهادي أبو ريدة، و(تاريخ الفلسفة الغربيّة)، تأليف / برتراند رسل، وترجمة / زكي نجيب محمود، و(قواعد النقد الأدبي) تأليف / لاسل آبر كرومبي، وترجمة / الدكتور محمّد عوض محمّد، و(محاورات أفلاطون) ترجمة / زكي نجيب محمود، و(دفاع عن الأدب) تأليف / ديهامل، وترجمة/ الدكتور محمّد مندور، و(قصّة الحضارة) تأليف / ول ديورانت، وترجمة / زكي نجيب محمود، ومحمّد بدران وآخرين .

وكان من تحقيق التراث أن نشرت (شرح حماسة أبي تمّام للمرزوقي) تحقيق /عبد السلام محمّد هارون, و(العقد الفريد ) تأليف / ابن عبد ربّه، وتحقيق م إبراهيم الأبياري وأحمد الزين.

وغير ذلك ممّا كان ركناً عزيزاً من أركان الأدب الحديث. ولم تكن اللجنة مغلقة على أعضائها المؤسسين؛ بل إن بابها كان مفتوحاً لكلّ ذي مقدرة على التأليف والترجمة فالتحق بها محمّد بدران، وزكي نجيب محمود، وآخرون .

ومن ينظر في آثارها يدرك اتّساع أفق القائمين عليها، ورصانة فكرهم؛ ذلك أنّ سواقي المعرفة تجري عندهم؛ يجاور القديم منها الحديث، والشرقيّ الغربيّ، من دون نفور أو نشوز. وتوطّدت مكانتها بين الكتّاب والقرّاء، ورأت أن تُصدر مجلّة أسبوعيّة فأصدرت (الثقافة) في سنة 1939، وصاحبُ شأنِها القائمُ بأمرها رئيسُ اللجنة / أحمد أمين نفسه. واستطاعت (الثقافة) أن تجد لها حيّزاً بين القرّاء على الرغم ممّا كان لمجلّة (الرسالة) من مدى، ونفاذ.

وقد بقي صدورها متّصلاً حتّى سنة 1953؛ إذ انقطعت عن الصدور، وخلت ساحة الأدب منها ومن (الرسالة) لتنشأ مجلّات أخرى. ووقف أحمد أمين، وهو يقصّ سيرة حياته، عند "اللجنة" قائلاً: " وقد تكوّنت اللجنة... سنة 1914، ونحن الآن سنة 1953 فيكون قد مضى عليها أكثر من ست وثلاثين سنة، وقد طبعت من الكتب أكثر من مئتي كتاب، وكانت لا تقرر كتاباً إلّا إذا حوّلته على اثنين خبيرين بالموضوع يبديان فيه رأياً بالصلاحيّة أو عدمها، أو حاجته إلى التعديل. ولبثت طول هذه المدّة رئيساً للجنة يعاد انتخابي فيها رئيساً لها كلّ عام. وازداد عدد أعضائها إلى أكثر من ثمانين عضواً من خيرة المتعلمين... وأسست لها مطبعة خاصّة... ".

وقد كانت إدارة أحمد أمين للجنة موضع تقدير، وحسن ثناء، فقد منحها من وقته وجهده ورجاحة رأيه شيئاً كثيراً؛ لولا شائبة ما كان أغناه عنها (وهذا ما سمعته من العديدين من أهل الفكر والأدب من الجيل السابق لنا) ؛ إذ كان يضع اسمه أحياناً على كتب كأنّه شريك في التأليف، على حين أنّ جهده فيها لم يزد على قراءتها، وهي مخطوطة، وإجازة نشرها؛ كصنعه في (قصّة الفلسفة اليونانيّة)، و(قصّة الفلسفة الحديثة )، و(قصّة الأدب في العالم) وكلّها من تأليف زكي نجيب محمود! وكصنعه في (شرح حماسة أبي تمّام). أقول ما أغناه عن ذلك؛ وهو الكاتب المؤلف ذو التصانيف الكثيرة!

وأحبّ أن أنقل ما تحدّث به زكي نجيب محمود عن اللجنة ومبناها القديم؛ إذ يقول: " 9 شارع الكرداسي (المتفرع من شارع المالية بحي أللاظوغلي القريب من السيدة زينب) بناء قديم كسيح تكاد تتقوّس جدرانه وتهوي سقوفه؛ لكنّه جزء لا يتجزّأ من حياتي، ومن حياة رجال كثيرين، بل إنّه جزء لا يتجزّأ من تاريخ الأدب المصريّ الحديث، فكما ترتبط الحركات الأدبيّة أحياناً بهذا "الصالون" أو ذاك المنتدى، فسترتبط الحركة الأدبيّة المصريّة من بعض وجوهها بهذا البناء المتهافت 9 شارع الكرداسي، ففي حجراته قامت مشروعات وصدرت مطبوعات واجتمعت حلقات الأدباء والمتأدبين يسمرون وينقدون" .

نعم! إنّ منزلة لجنة التأليف والترجمة والنشر كبيرة في تاريخ الأدب الحديث، في النصف الأوّل من القرن العشرين؛ لكنّها بعد أن توغّل القرن في نصفه الثاني خفتْ بريقُها، ويبس أديمُها، وتهيّأ الزمان لأنماط أخرى من النشر والناشرين؛ غير أنّها تظلّ مفخرة من مفاخر آباء الثقافة العربيّة الحديثة!

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

حسين فاعور الساعديأنهيت المرحلة الابتدائية بتفوق ونجحت في امتحانات الصف الثامن الحكومية التي أهلتني لدخول المدرسة الثانوية التي كانت بالنسبة لي عالما آخر فتح عيني على أشياء كثيرة لم اعرفها من قبل. في هذه المدرسة بدأ حبي للغة الضاد والفضل في ذلك يعود لمدرس هذه اللغة الذي زرع فينا حبها  وكشف لنا ما فيها من عظمة وكبرياء. عشق المتنبي فجعلنا نعشقه وفهم عمق وعظمة القرآن فجعلنا نفهمه. حبب إلينا القراءة والكتابة ونمى فينا الانتماء وحب الوطن. كان ناقدا فذا شديد الملاحظة قوي البصيرة ثاقب الرؤيا .

في هذه المدرسة عرفت جريدة الاتحاد الحيفاوية وتعلقت بها فكنت أقرؤها كلمة كلمة. وفيها كتبت أول مقالاتي الأدبية حيث هاجمت بشدة كاتبا سوريا كان قد تطاول في رأيي على أحد شعرائنا الكبار.  كتبت المقال ليس دفاعاً عن الشاعر وإنما حباً في الظهور.  النشر في الاتحاد  كان يعد عملا بطوليا تلك الأيام لأن من  يقرأها كان يعرض نفسه للملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية فما بالك بمن يكتب فيها.

في تلك الفترة انضممت إلى الشبيبة الشيوعية. لبست لباسها الموحد وطوقت كتفيّ وصدري بمنديلها الأحمر. بدأت بتوزيع الاتحاد، صحيفة الشيوعيين، في القرية التي تعلمت في مدرستها في المرحلة الابتدائية.  وبعد فترة قصيرة أقمت فرعا للشبيبة في هذه القرية. وعدت شاباً بإرساله إلى الدول الاشتراكية لدراسة الطب على نفقة الحزب فساعدني في إقامة الفرع.  هذا الشاب كان يائساً وعلى وشك الانحراف والضياع بسبب ملاحقة الأجهزة الأمنية له. وقد نفذت وعدي وأصبح طبيباً.

في فترة الدراسة في المدرسة الثانوية اضطررت للسكن في نفس القرية  حيث المدرسة مع بعض الزملاء بسبب بعد المسافة وصعوبة المواصلات العامة. الحياة خارج البيت بعيدا عن الأسرة كانت صعبة وغير مريحة وقد احتجت للكثير من الوقت والجهد للتأقلم لحياة القرية .تقاسمت السكن مع ابن عمي الذي دخل المدرسة الثانوية بفضلي. فوالده قرر ألا يرسله للمدرسة بسبب وضعه الاقتصادي ولأن له ثلاثة أبناء غيره. إلا أنه عدل عن رأيه بعد أن فشل في إقناع والدي ألا يرسلني إلى المدرسة الثانوية. أصعب ما واجهته أنا وابن عمي هو استعمال المراحيض التي كانت عبارة عن فتحة بئر دون ماء. في القبيلة لا توجد مراحيض والناس تقضي حاجتها في الطبيعة بين الأشجار. أمضينا أكثر من سنة ونحن نخرج خارج القرية إلى الغابة مرة في اليوم لنقضي حاجتنا كي لا نضطر للدخول إلى المرحاض وشم رائحته الكريهة.

في نهاية السنة الأولى في الثانوية وفي فترة الامتحانات حدثت حرب الأيام الستة. وبسبب خوفنا وفرحنا الشديدين تركنا المدرسة وعدنا إلى بيوتنا مشيا على الأقدام في الجبال والوديان ظنا منا أن كل شيء قد انتهى.

كانت الطائرات تمر فوق رؤوسنا متجهة شرقا. لم نتصور أن الجيوش العربية ستُهزم بهذا الشكل وبهذه السرعة وبقينا حتى آخر لحظة نصدق ما تبثه إذاعات العواصم العربية من بيانات وشعارات وأغاني حماسية.

عدت إلى القبيلة وخلال أيام الحرب ساعدت أخواتي على حصاد القمح. كانت الطائرات تمر من فوق رؤوسنا متجهة شرقا لتفرغ حمولتها على هضبة الجولان. رأينا كتل الدخان الأبيض والأسود تشب من الأرض كالفطر.

بعد أيام اضطررنا للعودة إلى المدرسة مذهولين وغير مستوعبين ما حدث. الصدمة كانت قاسية والمفاجأة لا يمكن تصديقها. الإذاعات كانت تكذب وحتى تعليقات أحمد سعيد من صوت العرب كانت مجرد شعارات عاطفية فالعرب لم يقتربوا وإنما ابتعدوا.

كتبت الشعر وأرسلته للاتحاد فرفضوا نشره لأن الاتحاد يومها كانت تحترم نفسها وتحترم قراءها. كنت أحب كتابة المقالة والقصة وملكت الكثير من القدرات التي لو تم رعايتها لأنتجت ثمارا جيدة جدا. إلا أنني اتجهت إلى الشعر.

حكايتي مع الشعر بدأت بعد أن استدعيت إلى شرطة عكا للتحقيق . المحقق أبرز لي ورقة بخط يدي. سألني عن قصيدة اتهمني أنني ألفتها وكتبتها فأنكرت الأمرين. والحقيقة أنني نقلت هذه القصيدة عن صوت العرب عندما غنتها المطربة فايده كامل أثناء الحرب. لم أجرؤ على مصارحة المحقق بالحقيقة فلجأت إلى الإنكار التام فتلقيت لكمة قاسية منه سال على إثرها الدم من أنفي وفمي وبقيت رهن الاعتقال دون شراب أو طعام من الصباح حتى المساء. قبل أن يطلقوا سراحي جروني إلى سيارة الشرطة التي انطلقت بنا إلى قرية مدرستي الثانوية، إلى بيت مدير المدرسة. المدير استقبلنا بترحاب وكان يبتسم على غير عادته. جلسنا في الصالون وبعد لحظات دخل هو والمحقق إلى غرفة مجاورة وعادا بعد لحظات. فكرت بالهرب ولكنني كنت مقيد اليدين والقدمين. طلب مني المدير بلطف شديد أن ندخل إلى الغرفة المجاورة. قال لي أن التهمة ثابتة علي لأنهم يستطيعون تحليل خطي. لذلك من الأفضل لي أن أعترف. رفضت وأكدت للمدير أنني بريء. فأظهر لي أنه يعرف من الخط أنني من كتبت القصيدة وإن اعترفت أمامه فسيقنع المحقق بإخلاء سبيلي. لم أصدق وعده وواصلت الإنكار. تجهم وجه المحقق الذي كان يبتسم منذ وصلنا بيت المدير وجرني إلى عربة الشرطة التي اتجهت بنا إلى عكا. تمنيت في داخلي لو يطلق سبيلي في القرية لأوفر أجرة السفر عندما يطلقون سبيلي. أعادني إلى عكا فتأكدت أنه سيطول اعتقالي إلا انه عند مدخل مركز الشرطة فك قيودي وأمرني بالانصراف.

بعد هذا اليوم الطويل والمؤلم، وكنت طالبا في الصف العاشر، عرفت أن الشعر مهم إلى هذا الحد فقررت التعامل معه وبدأت أسأل أستاذ اللغة العربية عن عروض الخليل بن أحمد فشجعني كثيرا وبدأ بمواكبة ما أكتب.

القصيدة – التهمة وجدها رجال الشرطة بين دفاتري وكتبي المدرسية عندما فتشوا بيتنا واعتقلوا والدي بتهمة أمنية في أعقاب نكسة حزيران.

بقي والدي رهن الاعتقال أكثر من سبعين يوما أطلق بعدها سراحه فعاد إلينا ملتحياً وشاحب الوجه لكنه قوي العزيمة. أرسلوا له بلاغاً يطلبون منه الحضور لمركز الشرطة. ذهب في الصباح ولكنه لم يعد. لم أجرؤ على الذهاب في أعقابه إلى الشرطة والاستفسار عن مصيره خوفاً من أن يعتقلونني أنا أيضاً. والدتي وأخواتي ألحوا في الطلب مني أن أستفسر عن والدي فأنا الرجل الوحيد في البيت. خجلت أن أخبرهن أنني خائف. ذهبت إلى صديقه العزيز صاحب أحد المحلات التجارية في القرية المجاورة وكان يعرف بعض أفراد الشرطة الذين يترددون على دكانه. أخبرته بما جرى لوالدي فوعدني خيراً. عدت إلى أمي وأخواتي وأخبرتهن أن والدي سيعود إلى البيت قريباً.

مر يومان كأنهما سنتان ولم يعد والدي. ولأسكت أمي وأخواتي ذهبت إلى التاجر صديق والدي فأخبرني أنه فحص الأمر ولا يستطيع المساعدة ونصحني أن أذهب إلى أحد الوجهاء الذين تربطهم علاقة جيدة مع الشرطة. دلني على بيت وجيه يعرف أبي. ذهبت إليه في ساعات الصباح فوجدت زوجته المتجهمة تجلس في مدخل البيت وعندما سألتها عنه قالت لي انه في الداخل ويمكنني الدخول إليه. قرعت الباب فسمعت صوتاً يقول لي: من؟ ففتحت الباب ودخلت. كان مستلقياً على فراشه بلباس أبيض ناصع البياض فصرخ في وجهي بصوت مرتفع: كيف تدخل بهذا الشكل؟

ارتبكت وتمنيت لو تنشق الأرض وتبلعني. كنت يجب أن أقول له من في الباب قبل أن أدخل. ولكنني حتى لو قلت له من أنا فهو لن يعرفني لذلك دخلت متسلحاً بالإذن الذي منحته لي زوجته قبل لحظات. تجمدت مكاني وقلت وصوتي يرتعد: زوجتك سمحت لي بالدخول!. فشتمها وشتم أباها.  فازددت إحراجاً.      .

نهض من فراشة. فرك عينيه وسألني بعصبية: ماذا تريد؟

قلت له ابن من أنا ولماذا جئت إليه فانفرجت أساريره وتغير حاله ورحب بي. صب لي فنجان سادة فقلت له أنني لا أشرب القهوة. فقال: "بدوي ولا يشرب القهوة؟" كدت أقول له "قهوتك لا تُشرب" ولكنني خفت على والدي.

لم يساعدني هذا الوجيه ابن الوجيه رغم أن عمي ذهب إليه في اليوم التالي وأخذ له بعض الهدايا ورجاه أن يفعل شيئاً. قضى والدي أكثر من سبعين يومأ في الاعتقال والتحقيق.

نكسة حزيران خربطت عقولنا وشربكت الكثير من المسلمات والطموحات. فتحت عيوننا على هوة سحيقة بين الخيال والواقع. فبعد أن كنا نتسمر حول المذياع لنستمع إلى خطابات جمال عبد الناصر من صوت العرب ونبني عليها أحلامنا، وإذا بنا أمام واقع لا يمكن تصديقه. انكسرت من الداخل لكن حبي لعبد الناصر زاد رغم الهزيمة.

وفي إحدى المحاضرات التثقيفية لأحد المحترفين من الحزب قام الرجل بمهاجمة وشتم عبد الناصر على اثر توتر في العلاقات بين الجمهورية العربية المتحدة والاتحاد السوفييتي كما يبدو فتصديت له، وحاولت إقناعه أنه مخطئ. فكان تصرفي هجينا على بقية الرفاق الذين لا يعرفون غير الطاعة وأظن أنهم وضعوا حولي علامة استفهام كبيرة أثرت كثيرا على مستقبلي في الحزب وفي الحياة.  كنت من الرفاق النشيطين، أوزع الاتحاد وأشارك في كل اللقاءات والنشاطات الحزبية وقد نجحت في افتتاح فرع للشبيبة في تلك القرية  بعد فشل الكثير من المحاولات التي قام بها رفاق آخرون. هذه الحادثة نسفت ما بنيت لأن من يفكر خارج النمط يحاصر دون أن يدري،  ويدفع الثمن. الطاعة العمياء تتطلب تعطيل مساحات واسعة من الدماغ واستبدالها بمساحات أوسع من غريزة القطيع .

أخلصت في نشاطي في الشبيبة وفي توزيع جريدة الإتحاد فاختاروني لاستلام  كأس المنطقة في احد مهرجانات الشبيبة.

لكن رفضي العفوي أن أكون واحدا من القطيع ظل العقبة التي منعتني من التقدم وأبقتني في الظل . الأحزاب عندنا كالحمولة أو القبيلة، لها بناؤها الخاص غير القابل للتغيير والبعيد عن المرونة. في رأس هذا البناء يتربع فرد بعقلية راع يسوق قطيعا ويوجهه كيفما يشاء رغم وجود لجان مركزية ومكاتب سياسية. المشكلة ليست في هذا الفرد وإنما في جوقة المنافقين والدجالين الذين يحيطونه  دائما ويمنعون المخلصين والشرفاء حتى من إبداء رأيهم ويمنعونه هو من رؤية الواقع من حوله. يحبطون أي محاولة للتغير لأن ذلك سيمس بهم.

هذا الوضع يسود ليس في الأحزاب فقط وإنما في كل مؤسساتنا العامة والخاصة وفي سلطاتنا المحلية. إن تعطيل المؤسسات وتغييب دورها أو تزييفه من قبل جوقات المنتفعين المنافقين أوصلت رعاة القطعان، سواء كانوا رؤساء أحزاب أو رؤساء سلطات محلية أو رؤساء دول، إلى الأخطاء الفاحشة واخفت عنهم ما حل بالقطعان من معاناة وعذاب. وستظل جوقة المنتفعين المنافقين تنقل لهم الصورة الوردية وتحجب عنهم الواقع التعيس  .

وجودي في إطار حزبي أعطاني الكثير من الدعم المعنوي والتثقيفي لكن أهلي كانوا مكشوفين للكثير من الضغوط النفسية خوفا علي وعلى مستقبلي لكوني ابنهم الوحيد . خوفهم هذا منعني من المشاركة في كل الرحل المدرسية وفي الكثير من الفعاليات الحزبية. فالوالدة كانت تتوسل إلي يومياً ألا اذهب إلى أي رحلة خوفا من أن يصيبني أي مكروه وكنت ألبي طلبها على مضض.

هذا الخوف منعني من السفر إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة الطب بعد أن قرر فرع الشبيبة الذي انتميت إليه إعطائي هذه المنحة التي نلتها لنشاطي الحزبي، وبسبب الظروف الخاصة لقريتي والمعاناة القاسية لسكانها. لكنني خسرت الفرصة وأضعتها. وقد كان لأختي الأصغر مني سنا رحمها الله الدور البارز في تخويف والدتي علي وإثارة معارضتها لسفري رغم أن حلمها كان أن أصير طبيبا. كانت سامحها الله مرة تصور لوالدتي كيف سأعود مع زوجة روسية لا تفهمنا ولا نفهمها فإذا تقبلت الوالدة هذا الوضع تروي لها كيف رأت في الحلم أن الطائرة قد سقطت في البحر ليأكل السمك جثث راكبيها، فتجهش أمي في البكاء والعويل وكأن الأمر قد حدث فعلا .

لم أسافر إلى الاتحاد السوفييتي لكنني سافرت إلى حيفا هاربا من دوي القذائف وأزيز الرصاص ومن خوف وحب أهلي وكيد أختي الذي بدأ يضايقني . 

***

حسين فاعور الساعدي

 

ضياء محسن الاسديان تلاقح الأفكار وتعدد المعتقدات الدينية والفلسفية والدراسات الموضوعية الفكرية المطروحة على طاولة البحث العلمي الإدراكي هي ظاهرة صحية وصحيحة يًشد عليها الأيادي وخصوصا إذا كانت ذا مضمون يخدم البشرية والعقيدة الدينية الإسلامية ولا تمس بوحدانية الله تعالى ولا بالعقيدة المحمدية الحقيقية. فكل الطروحات والآراء محترمة إذا كانت تصب في مصلحة وخدمة الإنسانية وتوحد المفاهيم وتعاضد القيم الأخلاقية للفرد فهذا الأمر لا يُعاب عليه حين اعتناق عقيدة أو دين أو رأي يتبناه في حياته بوجهة نظر أو فكرة ولا يسمح لأحد أن يطعن في عقيدته المتبناة أو انتقادها إلا أن يقدم ما هو أفضل منها وبأسلوب الإقناع الحضاري العلمي الفكري بعيدا عن العنف والتكفير والتهجم وأسلوب التشويه للحقائق لأغراض غير سليمة فكل الشرائع والسنن والمعتقدات والأديان في أرجاء العالم ومنها ما نحن بصددها وهي الديانة البهائية وهذا لا يبرر أننا ندافع عنها أو نعتنقها أو نتبناها لكن على سبيل توضيح جزءا مما جاء فيها لغرض التعرف على جزءا كبيرا من معتقداتها.

الديانة البهائية

تعرف كلمة البهاء بالعربية (الروعة أو المجد)

أن مؤسس هذه الديانة هو الباب (علي محمد الشيرازي) ولادة عام 1819 ميلادية وقد تم التواصل مع الحركات الفكرية المجاورة والمعاصرة له آنذاك والتي نشطت وذاع صيتها وبرز نجمها وأفكارها مع تنامي الفكر للمدرسة الشيخية برئاسة الشيخ (أحمد بن زين الدين الإحسائي) وقد آمن الملا (حسين بشروئي) مؤسس المدرسة الشيخية مع (17) شخصا آخرين وبينهم امرأة أسمها الطاهرة أو قرة العين وأطلق عليهم لقب (حروف الحي) وبعد زيادة انتشار هذه الديانة بين الناس وخصوصا في بلاد فارس (إيران) قامت الأسرة القاجرية التركمانية الحاكمة آنذاك بتحريض الدولة العثمانية تم سجن الباب الأعظم ثم إعدامه عام 1850 ميلادية رميا بالرصاص ثم تولى شؤون الطائفة الباب الملقب (بهاء الله) المسمى (حسين علي نوري) ثم سُجن ونُفي إلى العراق وتحديدا في بغداد وأستقر في قصر له حديقة تسمى (حديقة النجيبية) ثم سمية حديقة الرضوان ومنها تأسست جذور البابية وانطلقت الدعوة بقوة وزادت شوكتها وتأثيرها في المجتمع حينها طلب النظام الإيراني بتحريض الدولة العثمانية بنفي بهاء الله إلى إسطنبول ثم إلى أدرنة ومن بعدها إلى مصر ثم أستقر نفيه في فلسطين في مدينة عكا حتى وفاته عام 1892ميلادية وما زال ضريحه مزارا للطائفة والعامة يحج إليه سنويا وقد كتب بهاء الله كتابا أسماه (كتاب عهدي) بخط يده على أن يخلفه من بعده ولده الأكبر (عباس عبد البهاء) ولاية الأمر ولقبه الغصن الأعظم ومن بعده لولده الأصغر من زوجة ثانية له هو الميرزا (محمد علي) الملقب بالغصن الأكبر ثم ظهر من بعدهم فرع آخر تحت مسمى البهائية الأرثوذكس بعد توسع ديانتهم بين الطائفة المسيحية حيث يتواجد من هذه الديانة البهائية في العالم نحو 7- 8 مليون نسمة من المريدين يتوزعون على 247 دولة منها (الهند- أفريقيا –أمريكا الجنوبية – جزر المحيط الهادي –إيران-تركيا-مصر). وهي أحدى الديانات التي تؤمن بوحدانية الله تعالى عز وجل حيث يرتكز معتقدهم الديني على وحدانية الله تعالى أولا ثم على وحدة الدين أي الاعتراف بكل الأديان كاليهودية والمسيحية والإسلام والزردشتية والبوذية وغيرها أنها مرسلة من منبع واحد هو الله تعالى وثانيا وحدة الإنسانية أي أن البشر خُلقوا من قبل الله تعالى ومهم متساوون في النوعية والعرق والطبقة وثالثا وحدانية الله أي أن الله هو الواحد الأحد الخالق لكل البشر وتكون معرفته عن طريق الصلاة والصوم والتأمل الباطني الروحي والعقلي وخدمة الناس جميعا على حد سواء من غير فوارق كونها تذوب أمام إنسانيتهم كما أنها تعترف بالأنبياء الذين سبقوا النبي محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم (إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم) وأنهم قد بلغوا الرسالة السماوية من الله تعالى.ونستطيع أن نلخص مذهبهم أو معتقدهم) بتهذيب النفس، الابتعاد عن السياسة، المشاركة الجماعية المجتمعية، ولا يؤمنون بالصوامع ولا التعبد ولا الرهبنة ولا التكهن ولا الدروشة ولا الاعتزال عن الناس ويحتفلون من الثاني من مارس وحتى 21 منه وهو شهر الصوم للسنة البهائية الخاصة بهم تسمى رأس السنة البهائية.

التعاليم ومبادئ الديانة البهائية

1-الإيمان والاعتراف بوحدانية الله تعالى ووحدة البشرية ووحدة الديانات والهدف من الحياة هي معرفة الله تعالى.

2-التحري الشخصي لحقيقة الدين بدلا من التقليد والتبعية.

3-وحدة جميع العالم الإنساني.

4-ترك التعصب الديني بكل أنواعه العرقي والطبقي والوطني والقبلي.

5-الوحدة بين العلم والدين وتهذيب النفس البشرية في الدنيا لتكون معه في الآخرة يستفاد منها.

6-المساواة بين الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة حيث يُسمون (جناحي طير الإنسانية).

7-التعليم الإجباري للأطفال لكلا الجنسين.

8-اتخاذ لغة موحدة للاتصال بين البشر.

9-إزالة الفوارق بين الغنى والفقر.

10-المشورة في اتخاذ القرارات.

11-تأسيس محكمة عالمية للبت في النزاعات البشرية وبين الدول.

12-التأكيد على العدالة والإنصاف بين البشر.

13-الاعتماد على الدين لضمان أمن الناس.

14-أطاعة الحكومة واجبة إلا في الأمور العقائدية.

15-عدم التدخل في الأمور السياسية أو الانضمام لأي حزب أو حركة.

16-تأسيس السلام العالمي هو الهدف الأسمى للعقيدة البهائية.

17-اعتقادهم أن معرفة الله تعالى لا يتحقق أبدا لكن محاولة معرفة صفاته ومزاياه كالرحمة والعدل والأنصاف والشفقة.

من بعض أحكام الديانة البهائية هي :

- الصلاة: وهي ثلاثة أنواع وعلى المريد اختيار أحداهما.

- الصوم: هو الامتناع عن الأكل والشرب من شروق الشمس إلى غروبها خلال الشهر الأخير من السنة البهائية.

- الزواج: شرط موافقة الطرفين ورضا الوالدين وقراءة آية واحدة عند عقد القرآن وبحضور شهود عيان والآية هي أن يقول الزوج (إنا لله راضون وتقول الزوجة وإنا لله راضيات).

- تحريم المشروبات الكحولية والمؤثرات العقلية.

- تحريم النشاط الجنسي إلا بين الزوجين.

- تحريم تعدد الزوجات.

- قوانين خاصة بالعقيدة لتقسيم الإرث في حال عدم وجود الوصية

- تحديد عقوبة الزنا والسرقة والقتل وغيرهما.

في حين توجه الاتهامات من هنا وهناك لهذه الديانة وعقائدها من قبل البعض منها.

1- أن البهائية تعتقد بوجود الله تعالى الواحد الأحد وبالكتب السماوية كاليهودية والمسيحية والبوذية والزرادشتية وبجميع الأنبياء كالنبي محمد بن عبد الله والنبي إبراهيم والنبي موسى والنبي عيسى وغيرهم عليهم أفضل السلام.

2- أنهم يؤمنون بأن الوحي جبرائيل عليه السلام ما زال مستمرا بالنزول بعد النبي محمد عليه الصلاة وأتم التسليم.

3- أنهم لا يرددون أسم الله تعالى ولا ذكره وهذه الشبه يردون عليها بأن الله له قدسية ومكانة مقدسة لدى الذاكرين له والسامعين وللمكان المذكور فيه.

4- أنهم منكرون الجنة والنار لكنهم يؤمنون بالعقاب والثواب في الآخرة لكن العقاب  على الروح بدل الجسد.

5- أنهم غير محبي الوطن لكن معتقدهم يؤكد على حب الوطن خاصة بالإضافة السعي على حب العالم جميعا وشعوبه لتحقيق الأمن والأمان وكرامة الإنسان والحصول على حقوقه بغض النظر عن جنسه وعرقه ومعتقده.

6- أن لهم قبلة غير قبلة المسلمين يتوجهون إليها وهي مدينة عكا بفلسطين تسمى (قصر البهجة) لكنهم يصرون على أن التوجه هو لله وحده ولا شريك له.

ومن الاتهامات المهمة والخطيرة أنهم قد تعاونوا مع اليهود في فلسطين لتأسيس دولتهم وأن اليهود دخلوا لهذه الديانة وحصلوا على المناصب الرفيعة علما أن بهاء الله قد دخل مدينة عكا بينما اليهود لم يكن لم وجود يذكر في سنة (1844ميلادية) بينما تأسس الكيان اليهودي عام 1948ميلادية). وأخيرا أن للبهائيين دورا إنسانيا وفكريا على أرض الواقع في الكل البلدان التي نزلوا فيها في أحلال السلام وتنمية السلم الأهلي والاجتماعي ونشر المحبة والتنمية في الاقتصاد وبناء الجسور الفكرية والثقافية ولهم صلة وثيقة مع كثيرا من الأدباء منهم (جبران خليل جبران – شكيب أرسلان – محمد عبدة – أمين الريحاني -) ولهم مقولة مشهورة مفادها (إنا لا نخاف الله لعقابه ولا طمعا بجنته بل حبا لله تعالى)....

 

ضياء محسن الاسدي

 

ابراهيم أبراشتوفي في العاصمة الأردنية عمان، فجر اليوم الاثنين الموافق الخامس من أبريل الشاعر والمفكر الفلسطيني عز الدين المناصرة عن عمر يناهز الـ74 عاما متأثرا بإصابته بفيروس كورونا.

إلى هنا ينتهي الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام، ولكن وفاة المناصرة بالنسبة للفلسطينيين ومناصري الحرية والعدالة يفتح جروحاً تتجاوز الحزن  والألم على فقدان شاعر وأديب لتثير مسألة على قدر كبير من الأهمية والخطورة وهي أنه مع فقدان كل شاعر وأديب كبير من جيل الثورة في الستينيات والسبعينيات كعز الدين المناصرة وقبله محمود درويش وسميح القاسم وهارون هاشم رشيد ومعين بسيسو وآخرون، يحدث فراغ كبير في الذاكرة الوطنية الثورية ودورها في تثوير الحاضر وشحن همم الأجيال الجديدة، وهو فراغ لا يستطيع الجيل الجديد من الأدباء والشعراء تعويضه لأن الشاعر والأديب ابن عصره وزمانه يؤثر فيه ويتأثر به، وهذا الزمان ليس زمان الثورة والنضال بل زمن المهادنة والمناورة والمساومة والبحث عن تسويات سياسية .

المثقفون بكل تصنيفاهم يُقتلون مرتين، مرة بالوفاة الطبيعية أو الموت الجسدي ومرة أخرى بتهميشهم والتَنَكر لإبداعاتهم خلال حياتهم، والجزء الأكبر من أدباء وشعراء فلسطين ممن عاشوا بدايات الثورة ونظَّروا لها وكان دورهم لا يقل عن دور حملة السلاح قُتلوا مرتين.

 ولمن لا يعرف عز الدين المناصرة الذي كان لي شرف الجلوس والتواصل معه عدة مرات، فهو أحد شعراء "الثورة الفلسطينية" ومفكر وناقد وأكاديمي فلسطيني من مواليد بلدة بني نعيم، في الخليل، أصدر العديد من الكتب المتخصّصة في النقد والثقافة والفكر ومنها: "الفن التشكيلي الفلسطيني" (1965)، و"السينما الإسرائيلية في القرن العشرين" (1975)، و"المثاقفة والنقد المقارن" (1988)، و"نظرية الأدب.. قراءة مونتاجية في علم الشعريات" (1992)، و"حارس النص الشعري" (1993)، و"إشكالات قصيدة النثر (في ضوء الشعريات المقارنة)" (1998)، و"لغات الفنون التشكيلية" (2003)، و"الهويات، والتعددية اللغوية في ضوء النقد الثقافي المقارن" (2004)، و"علم التناصّ والتلاصّ والتنالاص" (2006)، و"تداخل الأجناس الأدبية (في ضوء الشعريات المقارنة)" (2011)، و"أكبر من دولة فلسطينية، أقل من دولة كنعانية" (2012).

إلى جانب إصداره حوالي عشرين عملاً شعرياً مثل: "قمر جَرَشْ كان حزيناً "(1974)، و"بالأخضر كفّناه" (1976)، و"جفرا" (1981)، و"كنعانياذا" (1981)، و"حيزيّة: عاشقة من رذاذ الواحات" (1990)، و"مطرٌ حامض" (1992)، و"لا أثق بطائر الوقواق" (2000)، وغنى مطربون عرب عدداً من قصائده ومنها "يا نايمين تحت الشجر" و"يا عنب الخليل" و"جفرا" و"بالأخضر كفناه" و"عتم الليل" و"الباب" و"المسافرين" و"مواصلات إلى جسد الأرض" و"الميعاد" و"طواويس" و"كان الصيف موعدنا".

ومن اعماله التي انتشرت شعبيا "جفرا" وقبلها قصيدته الشهيرة "بالأخضر كفناه" والتي غناها المطرب اللبناني "مارسيل خليفة" وتقول كلماتها:

"بالأخضر كفّناه بالأحمر كفّناه

بالأبيض كفّناه بالأسود كفّناه

لا الريح تحاسبنا إن أخطأنا لا الرمل الأصفر

لا الموج ينادينا إن خطف النوم أعيننا

والورد إحمرّ

يا دمَهُ النازف إن كنت عذاباً يومياً

لا تصفرّ ".

***

إبراهيم ابراش

 

محمود محمد عليلقد طغي علي الفكر النهضوي هاجس البحث عن إدراك ركب الحضارة، والأخذ بأسباب التقدم البشري، سواء كان ذلك التقدم يتم بالقطيعة مع الماضي والانفصال عنه أو يكون بالرجوع إلي أسسه النقية الخالصة؛ وهكذا تشكلت لدي الوعي النهضوي مفارقة العدو- النموذج، أي الخصم التاريخ المتفوق علمياً وتقنياً ومؤسسياً الذي لا بد من اللحاق به، مع التمسك بالقيم الروحية والثقافية، وإن اقتضي الأمر تأويلها وتجديدها، ذلك أن القضية التي شغلت مفكري النهضة تدور حول هذا السؤال: كيف يمكن للمسلمين أن يصبحوا جزءً من العالم الحديث دون أن يتخلوا عن دينهم؟

إنه السؤال الذي يصر أن يطرحه بحده المشروع الاصلاحي عند " محمود محمد طه"، ويقوم هذا المشروع علي تصورين مترابطين عضوياً: أولهما: إرجاع أسس التقدم والتطور العملي إلي أًصول إسلامية، باعتبار أن الغرب استمد جذور نهضته وحضارته من الإسلام، ومن تراث العرب، وثانيهما: تبيان أن الإسلام الصحيح هو الذي لا يناقض المدنية الحديثة، بل هو في جوهره انسجام كامل معها، ولكى يضمن "محمود محمد طه" لمشروعه الاصلاحي الانتشار أسس حركة التأليف، والنشر ومنابر الحوار، وأركان النقاش التى تقام فى الطرقات العامة والميادين والحدائق ودور العلم والأحياء، ثورة فكرية لم يعرف لها مثيل فى تاريخ الأديان والأفكار، حيث حمل هو وتلاميذه الفكرة إلى كل مكان ناء من السودان يذهبون إلى الشعب، حيث يعيش، يحدثونه عن الدين ويحاورنه وينقلون له النموذج الحى للإسلام المسجد الذى يمشى على قدمين وقد كانت حركة الحوار الفكرى هذه معالم بارزة فى حياة الشعب السودانى، حيث كانت كثير من أركان النقاش فى الجامعات، وفى الطرقات والأماكن العامة مدارس تعلم فيها الشعب أدب الحوار وأدب الدعوة إلى الدين، وقد كان أساليب الدعوة الفريدة حملات الدعوة الخاصة، حيث كان الجمهوريون يذهبون إلى لقاء المثقفين ورجال الدين والمفكرين فى مقابلات خاصة يتم فيها الحوار الفكرى وتعرض الدعوة إلى الرسالة الثانية من الإسلام وتقدم لهم فيها نسخا من كتب الفكرة الجمهورية (33).

كان شعار ثورة التغيير التى قادها "محمود محمد طه" هو الكلمة (لا إله إلا الله) بعد أن رفعها الأستاذ محمود فى دعوته الجديدة إلى الأستاذ محمود من التحقيق جعلها منهاجا لتغيير النفوس، وقد قامت هذه الحركة الشاملة فى مداها والمنضبطة فى أدائها، والفاعلة فى تأثيرها على موارد الجمهوريين الذاتية، والتى يقتطعونها من دخولهم الشخصية، وعلى العمل التطوعى الذى يكرس له الأعضاء إجازاتهم وأوقات راحتهم، وعلى ريع الكتب التى يوزعونها بعد أن يقوموا بطباعتها يدويا، فكانت بذلك ثورة شاملة فى معناها ومبناها، وإرهاصا كبيرا بالثورة الثقافية المنتظرة والتى تعيد صياغة الأفراد والجماعات (34).

لم يكتف بذلك بل حاول "محمود محمد طه" أن يبين لنا بأن كل أفكاره التي تعتمد في أساسها على ضرورة العودة إلى الإسلام المكي باعتباره الأصل في الإسلام، وتجاهل الإسلام المدني الذي لا يصلح للعصر الحالي مطلقاً. وفي ضوء هذا الفهم كان للمفكر السوداني البارز العديد من الأفكار غير التقليدية التي وصفها البعض بالشذوذ عن الدين، وكانت سبباً في الحكم بردّته"طه" خاض حقلى السياسية والفكر بنهم وإخلاص وخرج بمشروعه التجديدى للتراث الإسلامى وبحزب يرأسه وهو الحزب الجمهورى السوداني، الذى وقف مدافعا عن استقلال السودان فى وجه الاستعمار الإنجليزي والتدخل المصري فى الشئون السودانية (35).

وتحت شعار تاريخي "الحرية لنا وسوانا" عارض طه عددا من المشكلات الاجتماعية والتشريعية التى عانى منها الشعب السودانى، منها على المستوى الاجتماعي رفض عادة الخفاض الفرعونى – الختان – وعلى المستوى التشريعي ما سنه التشريع السودانى من قطع يد السارق استنادا على نصوص دينية (36).

ووفقا لما توصل له طه بأن التفسيرات المنغلقة للنصوص الدينية هى العامل الرئيس فى قمع الفرد باسم الدين فقد كتب مؤلفه "الرسالة الثانية للإسلام" ليحدث ضجة واسعة خاصة بعدما حصر ثمانية قضايا رأى أنها ليست أصولا فى الإسلام، هذه القضايا هى الجهاد، الرق، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال والنساء، تعدد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه (37).

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة ألا وهب أن "محمود محمد طه" ينظر للجمهوريين بأنهم ورثة الصوفية، ذلك بأن الصوفية في حقيقتهم هم أنصار السنة، فقد أحيوا الدين وحفظوا عليه أصالته بعد أن انحط المسلمون عن الأوج الذي تركهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانشغلوا بالدنيا عن الدين، يتضح ذلك في فكر الأستاذ طه عبر كتابه "طريق محمد"؛ حيث يقول: "ان دولة القرآن قد أقبلت، وقد تهيأت البشرية لها بالمقدرة عليها وبالحاجة إليها، فليس عنها مندوحة.. وهذا يلقي على عاتق المسلمين المعاصرين واجبا ثقيلا، وهو واجب لن يحسنوا الاضطلاع به إلا إذا جعلوا محمدا، وحده إمامهم ووسيلتهم إلى الله" (38).

ويزيد إلى ذلك “لقد خدمت الطـرق الصوفية غرضا جليلًا، في نشر الدين الحق، ولقد ربت رجالًا أفذاذا، كانوا منارات هدى، ومثابات رشد للأمة، عبر تاريخها الطويل، في ارتفاعه وانخفاضه، عندهم التمست دينها وخلقها وتربيتها.. ولكن اليـوم!! فإن تحديات العصر أكبـر من الطرق وأكبـر من المشائيخ، وليس لها غير "محمد". ونحن ندعو جميع أصحاب الطرق إلى العودة إلى طريقة الطرق ـ طريقة محمد ـ إذ بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد الدين (39).

بيد أن هذه الأقوال لم ترضي خصومة من جماعة الإخوان المسلمين الذين ألبوا السلطات في ذلك ضده، واتهامه بالردة، ففى ١٨ نوفمبر ١٩٦٨م حوكم "محمود محمد طه" بتهمة الردة أمام محكمة الاستئناف العليا الشرعية، لكنه رفض الامتثال لأمر الحضور للمحكمة، بتهمة ترك الصلاة والدعوة لترك الصيام، وقوله إن الزكاة والجهاد ليسا أصلًا فى الإسلام (40).

لم يكتفوا بذلك بل قالوا إن محمود طه يقول بحلول الله فى جسد الإنسان، كما قالوا فى نص محاكمته إنه دعا لترك الصوم، لأنه عندما سئل قال (أنا آكل وأشرب فى نهار رمضان، وأنا صائم بقلبى وهذا هو الصوم الأصيل، لا كصوم غير الأصيل، فليس المراد من الصوم الجوع والعطش، إنما هو صوم القلب (41).

وبالفعل اعتقل "محمود محمد طه" ومعه عشرات الجمهوريين في يونيو من العام 1983، أي قبل ثلاثة أشهر من صدور قوانين سبتمبر 1983. وكان سبب الاعتقال كتاب أصدره الإخوان الجمهوريون انتقدوا فيه النائب الأول لرئيس الجمهورية آنذاك، اللواء "عمر محمد الطيب"، لكونه قد استجلب إلى مسجده المسمى “مسجد التقوى” في ضاحية "كوبر" بالخرطوم بحري، واعظاً مصرياً اسمه "محمد نجيب المطيعي"، كان يعمل في جامعة أم درمان الإسلامية. وقد شرع ذلك الواعظ في تأليب وتحريض جمهور المصلين ضد الجمهوريين، من على منبر ذلك المسجد. ولقد أشار "محمود محمد طه" في مذكرة بعث بها من معتقله إلى الجمهوريين المعتقلين بسجن "كوبر"، أنه يرى أن اللواء "عمر محمد الطيب" ضالع في مؤامرة ضد الجمهوريين فيها أيد أجنبية، يدل عليها استخدامه لذلك الواعظ الذي أخذ في بث الفتنة الدينية من “مسجد التقوى” التابع له، ومن التلفزيون القومي، ثم باعتقاله للجمهوريين. عموماً، أخذت حلقات المخطط المبيت ضد الجمهوريين، تتجلى على أرض الواقع، منذ منتصف العام 1983م، أي قبل ثلاثة أشهر من صدور قوانين سبتمبر 1983م، واستمرت تلك الحلقات في الظهور المتتابع، حتى محاكمة "محمود محمد طه" في يناير 1985م (42).

وفي العام 1972 أفتى “الأزهر الشريف” (للأسف) بأن فكر الداعية والمفكر "محمود محمد طه" "كفر صراح ولا يصح السكوت عليه"، وخاطب "وزارة الشؤون الدينية والأوقاف السودانية"، قائلاً: "فالرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل على إيقاف هذا النشاط الهدام خاصة في بلدكم الإسلامي العريق"، كما خرج بيانا لجنة الإفتاء بمجمع البحوث الإسلامية ورابطة العالم الإسلامي آن ذاك كضوء أخضر للسلطات السودانية كى تسفك دم المفكر السوداني بدم بارد (43).

ظل الخصوم والأئمة والوعاظ والفقهاء في السودان يستخدمون فتوى "الأزهر الشريف" على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام، منذ عام 1972، وحتى يوم الناس هذا، ويستندون عليها في تكفير الداعية والمفكر "محمود محمد طه"، وتلاميذه، الإخوان الجمهوريين، وتلميذاته، الأخوات الجمهوريات. لم يكن لدى خصوم الفكر الجمهوري والوعاظ والفقهاء غير فتوى الأزهر (44).

وفي الثامن عشر من يناير1985م، وفي صباح الجمعة، كشأن السيد المسيح، صعد "محمود محمد طه" إلى منصة الإعدام بسجن كوبر، وسط تهليل وتكبير، صوره لنا المخرج العالمي "ميل جيبسون" في فيلم (آلام المسيح)، ووسط آمال ورغبات ودموع مريديه – أو قل، للإنصاف- والعاقلين من أبناء وبنات الشعب السوداني والمعمورة.. فما هي الجريرة التي أرتكبها ذاك الشيخ السبعيني، حتى يثور عليه رجال الدين والحكم في بلاده، ويرون أن الموت أنجع وأمضى ما يداوونه به!! (45).

بالنسبة لكثير من السودانيين الذين هللوا لإعدامه في ذلك اليوم، فإنّ "محمود محمد طه" قد اقترف أسوأ جريمة يمكن أن ترتكب. لقد أدين بتهمة الردّة عن الإسلام. وهي تهمة نفاها طه، الذي أصرّ حتى النهاية، أنه ليس مهرطقاً، أو مرتدّاً عن الإسلام، وإنما مصلح دينيّ، ومؤمن وقف في وجه التطبيق الوحشيّ للشريعة الإسلامية، "قانون المسلمين المقدّس"، إنّ الألم لإعدام "محمود محمد طه" كان مضاعفا، فالرّجل أُعدم مرّتين؛ مرّة أولى عندما أعلن "رفاقه الأربعة" الّذين حكم عليهم معه بالإعدام "توبتهم" أمام المحكمة واصفين إيّاه بالمرتدّ الّذي ضلّلهم وأخرجهم عن الملّة. ومرّة ثانية عندما وضع الجلاّدان حبل المشنقة حول رقبته (46).

ولا يسعنا ونحن نختم مقالنا عن الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، إلاّ أن نستعير ما قالته الصحفيّة "جوديث ميلر"، المراسلة السابقة لصحيفة "نيويورك تايمز" في الشرق الأوسط، ضمن شهادتها التي ضمّها كتابها "لله تسعة وتسعون اسماً"، God Has Ninety Nine Names عن واقعة إعدام طه، عندما كانت مُوفدة عن الصحيفة لتغطية الواقعة، حيث كتبت: "أحسست أنا أيضاً أنّ طه لم يُقتل بسبب يتعلق بنقص في قناعاته الدينية، وإنما بسبب من نقصهم هم".

مات "محمود محمد طه" وتفرق دمه بين القبائل؛ خاصة بعدما أعلن رجال الدين ردة الرجل وإحلال سفك دمه فى الوقت الذى أيد فيه "جعفر النميرى" – الرئيس السودانى الأسبق- تنفيذ الإحكام الإسلامية – ليصطاد عصفورين بحجر واحد، الخلاص من "محمود محمد طه" واسترضاء مؤقت للإخوان فى سبيل استمرار قمع المعارضين؛ بعد أن أعلن "نميرى"، تطبيق حدود الشريعة فى سبتمبر ١٩٨٣، قال "محمود محمد طه" بكل شجاعة، (إنها مخالفة للشريعة وللإسلام، وشوهت الشريعة، وشوهت الإسلام، ونفرت عنه.. يضاف إلى ذلك أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلى الاستكانة عن طريق إذلاله.. ثم إنها هددت وحدة البلاد (47).

وعلى خطى “سارقي النّار” في الفكر الإسلامي؛ "قاسم أمين"،" علي عبد الرّازق" و"الطّاهر الحدّاد" تجرّأ قلم “محمود محمّد طه” على استنطاق الصمت وإنارة السّبيل، أمام جيل تائق للحريّة والانعتاق. إلا أن المؤسسات التقليدية القابضة على أجهزة التوعية ومساراتها في وطننا العربي، لا تسمح لمثل أفكار "محمود محمد طه" بالذيوع. غير أن الوقت لم يفت بعد، إذ لا بد أن تأتي اللحظة، التي يجد الناس فيها منصرفاً عن الرجوع إلى تلك الحادثة الشنيعة.

إنّ أكثر ما يثير الحزن في نفس المفكّر أن يتمّ تشويه أفكاره عمداً، إذا لم تتماه تلك الأفكار مع مصالح الطبقات المسيطرة، بل وتهدّد بتقويض تلك السيطرة لحساب المعرفة الإنسانية. ولعل ما حدث مع "محمود محمد طه"،أعدم على يد نظام جعفر النميري في السودان في 18 يناير سنة 1985، يُعد نموذجاً على ما يمكن أن يعانيه المفكر، عندما يهمّ بالخروج عن نمط التفكير السائد ومخالفة العقل الأوحد، إذ سيكون وقتها هدفاً لقوى الظلام التي ترى أنّ مصلحتها تقتضي تكريس الرجعية وتدعيم أسس الاستبداد التي تحفظ لها هيمنتها الثقافية والسياسية.

وفي هذا يمكن القول بأن محمود محمد طه شكّل تحدّياً أخلاقياً في مواجهة وُعّاظ السلاطين وفقهاء السلطة، ومحترفي التجارة بآلام الشعوب وتطلّعاتها، ولم تكن حادثة إعدامه سوى شاهد حيّ على مأساة بشرية ستكلل بحبل المشنقة، وهنا لم نجد تقريظاً لحياة الرجل سوى أن نردّد معه "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء"، وهو الحديث النبوي الذي كان يردده طه، ويكثر من الاستدلال به دوماً، ويحفظه عن ظهر قلب عملاً وقولاً، ليدفع حياته في النهاية ثمناً لتلك الغربة القاسية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

33- محمود محمد طه: الإسلام وإنسانية القرن العشرين، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1973، ص 45-47.

34- عماد البليك: تعرف على المفكر السوداني الذي حوكم بالردة قبل 33 عاماً، نشر في: 19 يناير ,2018: 12:00 ص GST

35- ماهر فرغلى: أفكار فوق حبل المشنقة، محمود محمد طه.. الرجل الذى كشف عملية تزوير الإسلام الخميس 21/يوليه/2016 - 03:20 ص.

36- عبدالله الفكي البشير: التجديد الديني/ الاقتصادي لمشروع الأستاذ محمود محمد طه، 27-06-2020.

37- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و"الرسالة الثانية من الإسلام"، مارس 2021

38- جعفر نجم نصر: التأويل الصوفي للشريعة: راهنية مشروع المفكر السوداني محمود محمد طه للعالم الإسلامي، دراسات 14/07/

39- عبدالله الفكي البشير: التجديد الديني/ الاقتصادي لمشروع الأستاذ محمود محمد طه، 27-06-2020.

40- منشورات الأخوان الجمهوريين- أمدرمان 1984/1985؛ وأنظر أيضا نجيب البكوشي: محمود محمد طه.. الأفكار أعلى من أعواد المشانق، الجزء الثاني،2020-10-31آخر تحديث: 2020-10-31.

41- نفس المرجع.

42- عبدالله الجبور: الأستاذ المفكِّر فى زمن الردَّة، مرجع سابق؛ وأنظر أيضا غسان علي عثمان: محمود محمد طه .. قتلته السياسة ولم يقتله الدين..!!، 26 ديسمبر، 20120

43- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى، جريدة اليوم السابع المصرية، الإثنين، 20 يناير 2014 08:05 ص؛ وأنظر أيضا صحيفة انباء السودان/مقالة بقلم الأستاذ محمود محمد طه بعنوان (تعالوا الى كلمة سواء) 1958.

44-عبدالله الفكي البشير: رسالة مفتوحة الى فضيلة شيخ الأزهر، مركز الدراسات السودانية، نشر في 23-07-2020.

45- موقع الفكرة الجمهورية بالإنترنت www.alfikra.org؛ وأنظر أيضا محمد أسامة: المفكر والسياسي السوداني «محمود محمد طه"، 29/04/2019.

46- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى الإثنين، مرجع سابق؛ وأنظر أيضا منصـور خالـد: شهيد الوطن الاستاذ محمود محمد طه، مجلة الكلمة.الرابط http://www.alkalimah.net/Articles/Read/21186

47- ماهر فرغلى: أفكار فوق حبل المشنقة، مرجع سابق؛ وأتظر أيضا سامح إسماعيل: محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج، 12/11/2017.

48- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و"الرسالة الثانية من الإسلام"، مؤسسون بلا حدود، نشر في 20 مارس،2021؛ وأنظر أيضا الطيب عبد السلام: محمود محمد طه بعيون محمد اركون / الإسلام السوداني و إمكان التحديث – حوارية، الحوار المتمدن-العدد: 6475 - 2020 / 1 / 28 - 10:02.

49- علاء الديب: إعدام رجل يفكر، نشر يوم الأحد 17-03-2013 00:00.

 

 

لطفي شفيق سعيدقبل أن أواصل ما ذكرته في الجزء الثاني استوقفتني فقرة وردت في الجزء الثالث من مقالة الدكتور قاسم وهي (إن الشيوعيين توفرت لهم فرصة استلام السلطة عام 1959 حين ضرب عبد الكريم قاسم وجاءت اللقمة على بعد سنتمترات من الفم وما أخذها... فتولد انطباع بأن الشيوعيين مصابون بـ(عقدة الخوف من السلطة أو أنهم غير قادرون على إدارة بلد محاط بثلاثة دول إسلامية قوية تجمعها على اختلاف أنظمتها ومذاهبها كره الشيوعية..... انتهى نص الفقرة

قبل أن أناقش هذا الرأي أقول بأن الدكتور لم يحدد أي فئة من الشيوعيين كان يقصد فقد وردت وكأنها تشمل جميع شيوعي العالم ولو أنه كان يقصد الحزب الشيوعي العراقي بدليل ما ذكره بأنه بلد محاط بثلاثة دول إسلامية ويعني بذلك العراق وعليه فسوف أناقش ما يتعلق بالحزب المذكور وبحدود السؤال لماذا لم يستلم السلطة في عام 59 ،باعتقادي وحسب تعليلي في أن ما كان يدور في أروقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي من سجلات حول موضوع استلام السلطة ومن عدمه لم يفض إلى نتيجة ولم يستقر على رأي واضح وحاسم  قد كلف ذلك الكثير من ضياع الفرص مثلما وصفها زميلي الدكتور قاسم بقوله (حيث وصلت إلى اللقمة على بعد سنتمترات من الفم) ويمكن أن أضيف لذلك المثل الشعبي (لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي) واعتقد بأن الدكتور قاسم لديه من المعلومات الكافية لهذا السبب   وما جرى في تلك الفترة من تاريخ العراق .

لقد تبين لي إضافة لما ذكرته سابقا وقراءة ما بين السطور وبعض الوقائع التي واكبت وجودي في تلك الفترة أن قيادة الحزب لم تمتلك الحس الثوري المطلوب وإدارة دفة المرحلة بشكل جيد وإن أكثرية أعضاء المكتب السياسي للحزب كانوا خاضعين لإملاءات وتوجيهات الحزب الشيوعي السوفياتي عدا البعض منهم وقد حيدوا ولم يأخذ بمقترحاتهم الخاصة بهذا الشأن   ومنهم وحسبما بينت سابقا عضو المكتب السياسي المسؤول عن اللجنة العسكرية المرحوم ثابت حبيب إضافة للمرحوم لطيف الحاج الذي كان من اشد المطالبين باستلام السلطة عن طريق القوة العسكرية الكبيرة المنضوية للحزب ، أما في خصوص ما ذكره الدكتور قاسم و انطباعه بأن الشيوعيين مصابون ب(عقدة الخوف من السلطة وإنهم غير قادرون على إدارة بلد) وإنني أسأل أخي الدكتور قاسم هل طلب من الشيوعيين وخاصة العسكريين الأشداء منهم تنفيذ تلك المهمة وجبنوا وأبدوا مخاوفهم أو توفرت لهم فرصة استلام السلطة ولم يتمكنوا من أدارة البلد؟ وهل أن الخمسة آلاف منهم جميعهم جبناء أم أن المسؤولين على اتخاذ مثل هذا القرار هم الجبناء، فلو كان الأمر يتعلق بسيكولوجية القادة  لكان بإمكاننا أن نميز بين الجبان والشجاع  ولكنها كانت اساسا تخضع لآيدوليجيات واملاءات محددة وجاهزة، ولأجل أن أضرب مثلا حول مسألة الخوف والجبن  وبين الشجاعة والتصميم والاقدام والإصرار على تحمل المسؤولية التاريخية ومصير شعب ووطن أشير الى ما قام فيه فتية يافعون لم يتجاوز عمر البعض منهم ستة عشر عاما وبقيادة نائب عريف من طبقة المعدمين والفقراء هو البطل الأسطوري حسن سريع وكاد أن ينهي ويقضي على أشرس واعتى مجموعة عاثت بالبلاد قتلا وتنكيلا بعد انقلابهم الأسود وقد نفذت  تلك العملية  مجموعة كان اكثرهم متأثرا بتوجهات الحزب الشيوعي العراقي والبعض منهم منهم  كان ينتمي اصلا للحزب الشيوعي مثل محمد حبيب (أبو سلام) وغيرهم   فنفذوا مهمتهم الباسلة بأسلحة خفيفة وبسيطة والأكثر من ذلك أن قائد المجموعة حسن سريع قد استخدم بيريته بدلا من السلاح  للسيطرة على مدرسة الأسلحة وتجريد ضابط الخفر من سلاحه والاستيلاء على جميع أسلحة المدرسة ولهذا اطلق البعض على حركته (البرية المسلحة) ولولم تحدث بعض الأخطاء لتمكنت تلك المجموعة من استلام السلطة وتسليمها للمخلصين لإدارة دفة الحكم ألا يمكننا القول هنا بأن الإرادة والتصميم والاقدام هي كفيلة بتحقيق الهدف المنشود؟ أما فيما يتعلق بقول أخي الدكتور قاسم (أن الشيوعيين غير قادرين على إدارة بلد محاط بثلاثة دول إسلامية تجمعها كره للشيوعيين..) أقول ان الوقائع التاريخية تثبت عكس ذلك عندما ولنأخذ مثال على انبثاق ثورة 14 تموز 58 الجبارة من قبل الجيش العراقي والتفاف معظم الشعب العراقي حولها ومساندتها منذ الساعات الأولى والمهم أن أذكر هنا بأن العراق كان آنذاك محاط بدول قد تكون معادية في حالة تغير الحكم هي ايران الشاه والأردن الملكية وتركيا العضو في حلف بغداد والاطلسي الامريكي  إضافة لوجود قواعد عسكرية لبريطانية في جنوب وغرب البلاد وارتباطه العر بحلف بغداد الذي أحد بنوده تجيز  التدخل في حالة حدوث خطر اوتهديد ضد مصالح الحلف

وإن ما ساعد على إيقاف ذلك التدخل هو وجود المعسكر السوفياتي كقوة عظمى والذي اعلن الاعتراف ومساندة نظام الحكم الجديد إضافة لموقف مصر ورئيسها المرحوم عبد الناصر الذي كان رمزا للمد القومي العربي في تلك المرحلة وما واكبتها من احداث ضد قوى الاستعمار وهنا يمكننا القول لو أن الحزب الشيوعي قد أقدم في عام 1959 على استلام السلطة وليس عن طريق العنف بل عن طريق التغير في بنية الحكم حتى وإن حدث دون مشورة الحزب الشيوعي السوفياتي لاضطر السوفيات لتأييد ذلك التغيير ومساندته وقد يكون ذلك لاعتبارات أخرى منها الصراع على مناطق النفوذ بين الكتلتين الشرقية والغربية والنظر إلى مصلحة تلك الدولة وقد تعكس مواقف الاتحاد السوفياتي في تأييد ومساندة بعض الدول والحكام لتلك الاعتبارات حتى لو كانت نتائجها سيئة وكارثية كمساندة نميري السودان وسياد بيري الصومال وابن بله الجزائر وحتى عبد الناصر وأنور السادات والكل قلبوا ظهر المجن للسوفيات الذي مدهم بالأسلحة والخبراء، هذ على الصعيد العربي والعراقي وهناك أمثلة أخرى تؤكد بأن التغيرات التي قامت بها بعض القوى التي تنشد الحرية والاستقلال لا يهمها من يحيط بها من دول معادية حتى لو قامت بإسقاط أنظمتها بالقوة والسلاح كمجموعة الثوريين التي قادها فيدل كاسترو واسقط نظام باتيستا العميل لأميركا ولم يتجاوز عدد اعوانه مائة وخمسين فردا أسلحتهم بدائية وخفيفة والغريب أن الحزب الشيوعي الكوبي قد اعتبر إن اقدام كاسترو بمحاولته تلك تعتبر مجازفة ومغامرة سيكتب لها الفشل حتى خلال بيانته التي أصدرها عندما اقتحم كاسترو العاصمة هافانا ولذلك فقد اتخذ  كاسترو خطوة ثورية وجريئة وهي حل الحزب الشيوعي الكوبي وتشكيل لجنة مركزية جديدة واعلن نفسه سكرتيرا لها وهو الدكتور الماركسي الاشتراكي ولم يعر اهتماما لوجود الحوت الأمريكي متحفزا لابتلاع كوبا التي تعتبر كوبا  سمكة صغيرة امام فكه واستمرت كوبا بنهجها الاشتراكي وتحت قيادة كاسترو للحزب الشيوعي الكوبي منذ انبثاقها الذ تزامن مع انبثاق ثورة العراق في 14 تموز عام 58 واستمر لحد الآن رغم محاولات اميركا التدخل واسقاط النظام لعدة مرات، وهكذا تثبت احداث ووقائع  التاريخ أن الإرادة والتصميم تصنع المعجزات وتحقيق الأهداف ولا يهم إن كان شيوعيا عراقيا أو كوبيا أو صينيا أو كوريا شماليا أو فيتناميا أو في أعماق غابات افريقيا على شرط أن لا يعتريهم الخوف والتردد بحجة وجود دول مجاورة معادية في كل المواصفات على حد رأي الأستاذ الفاضل قاسم حسين.

والى قسم رابع وأخير لتكملة سبب النهاية المحزنة التي أدت إلى ضياع أمل العراقيين والمستضعفين في إقامة دولة العدل والحرية والرفاه وذلك بالقضاء على أعظم جمهورية ظهرت على ارض الرافدين منذ عهد السلالات.

 

لطفي شفيق سعيد

الرابع من نيسان 2021

 

 

محمد السعديفي الأداب جامعة بغداد عام ١٩٨٠، ألتقيته في المرة الأولى معرفاً عن نفسه لنا، نحن الطلبة الجدد، أنا جليل كمال الدين كاتب ومختص بالادب الروسي، وسوف ألقي عليكم دروساً في الادب المقارن. طلب منا نحن الطلبة بالتعريف عن انفسنا، وعندما وصل الدور لي عرفت عن نفسي وأسم قريتي الهويدر، قال مبتسماً، أجلس أيها الهويدراوي الدمث ”عزاؤكم مشهود. بعد فترة زمنية سألته ما المقصود؟. الهويدراويون في أربعينية الحسين يلطمون بوجع. من هنا ربما بدأت اللحظة الاولى في فضاء علاقتنا يمتد خارج سياقات طالب وإستاذ الى هموم وتبادل الأراء حول العمل السياسي في العراق. كنت في بداية محاولاتي للكتابة والتردد لابسني إمام قامة أدبية كبيرة تزين يومياً الصحف بمقالاته ومواضيعه ” ومجلة الثقافة الجديدة للراحل صلاح خالص وزوجته المصرية سعاد محمد خضر لايخلوا عدداً من نتاجاته المتنوعة حول الثقافة والأدب مغموسة بهموم الوطن. للأداب في باب المعظم والوزيرية في داخل ذلك المبنى العتيق والشهير أكثر من مكتبة للقراءة والمخطوطات، في أحداها والتي كانت منزوية وقله ممن يرتادها من الطلبة والمتابعين، كان الإستاذ الراحل جليل كمال الدين ملتقاه الصباحي برفقة فنجان قهوته للمراجعة والكتابة والتأليف، في صباحات أحدى الأيام نفضت عن غباري ذلك الخجل القروي، وعرضت عليه ما كتبته لأول مرة حول قصيدة ”موت شاعر ” للشاعر والاديب الروسي ميخائيل ليرمنتوف صاحب رواية ” بطل من هذا الزمان ” أرثى هذا الشاعر لموت رفيقه الشاعر ألكسندر بوشكين والتي أنتشرت في كل أنحاء روسيا، والتي دفع بسببها حياته أثناء مبارزة سخيفة بدفع من سلطة القياصرة.. يقول في مطلعها ……

موت شاعر ….

مات الشاعر عبداً للشرف.. مات وكان مفتريء عليه بأفتراءات خبيثة..

كان مقالي الأول حول تراجيدية المشهد، وفي يومها قدم لي الراحل الدكتور جليل كمال الدين ملاحظات حول كتابة المقال، ومازلت متمسك بتلك الأسس في كتابة مقالاتي، بل دلني وبمساعدته في نشرها في مجلة الثقافة الجديدة بأسم محمد الهويدراوي. ومشت الشهور والسنين في طبيعة تلك العلاقة، وبدأت أتردد على شقته الكائنة في شارع ١٤ رمضان في المنصور الدور الثاني، وكان تحتها محلاً للمشروبات الكحولية، فوفر لنا وقتاً كافياً في جلب البيرة العراقية ”فريدة ” الرائعة المذاق في قيض العراق الحار، كانت أحياناً تلك الزيارات برفقة زميلي محمد عبد الكريم الزبيدي العمر المديد له. فتنة الحرب العراقية/الإيرانية وتداعياته على الحياة اليومية للعراقيين وسياسة النظام والتذمر منها، ومن نافلة الكلام أني ساهمت أن تصل مستوى علاقتي بالإستاذ جليل التبادل في وجهات النظر وإبداء الأراء والنقد حولها، فبحت له بأنتمائي السياسي وعملي الحزبي رغم خطورته المحدقة، وعندما لمست من جانبه بوادر الاهتمام والمتابعة، تفتحت أمامي أفاق جديدة للعمل خارج دائرة الريبة والشك من خلال إيصاله له كل أدبيات الحزب الشيوعي السرية وجريدة طريق الشعب وأخبار عمليات الانصار. ويقدم لنا الراحل أبو فرقد شهرياً إعداد ودراسات حول المشهد السياسي العراقي، وكنت أبعثها الى المنظمة الحزبية للاطلاع والتقييم والنشر أحياناً.

في صيف عام ١٩٨٣ أزداد الخناق عليه من قبل أجهزة السلطة، فأجبرت على ترك مقعدي الدراسي والقرية والعراق ملتحقاً الى الجبل مع الثوار ” أنصار الحزب الشيوعي العراقي ” ولتداعيات المشهد وخطورته وطريقة محاولة إلقاء القبض عليه، تركت كل شيء خلفي معرضاً للاحتمالات والتساؤلات والأشاعات بحكم الظرف السياسي وقوة الدكتاتورية في التحكم بمصير ورقاب شعبنا. إستاذ جليل كمال الدين كان واحد من تلك الملابسات والاحتمالات المفتوحة في السؤال وتتبع أخباري حول مصيري. وقد حدثني عبر ناصية التواصل الإجتماعي بعد ثلاثة عقود من الزمن من مدينة الناصرية زميلي ورفيقي حسن خضير الناصري، كان الانطباع السائد بيننا والهمس الذي يدور حولك أنك في قبضة أجهزة السلطة ومصيرك محتوم الى الموت، لكننا تفاجأنا وأنا أحدهم أن أصل لك عبر هذه الناصية أنك أنت وما زلت حياً رغم تلك السنين العجاف. في الصيف نفسه من ذلك العام، كنت في الجبل مع الثوار وفي أعادة الاوراق مع قيادة التنظيم وآلية توجهي الى بغداد والعمل داخل التنظيم وضعت كخطة عمل قريبة لي في أنتظار الأشارة بتأمين المنزل ومستلزمات التحرك، لكن الذي عرقل تلك الخطط والتوجهات لوجستياً والقرب من القرى والمدن هو سياسة الاحتراب وصراع القوى الكردية بين الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) من جهة والحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والحزب الشيوعي العراقي (حشع) من جهة أخرى، مما أدت تلك السياسات الى تقييد حركتنا في شريط حدودي في جبل سورين، مما تعرقلت خطة نزولي وألتحاقي برفاق التنظيم في بغداد وديالى. وفي أقتراح من قيادة التنظيم من المرحوم طه صفوك (أبو ناصر) والشهيد محمد الخضري (أبو جلال) في التواصل مع الرفاق وأصدقاء الحزب والذين أنقطعت سبل التواصل معهم ومازالوا معلقين وعلى أقل تقدير تبعد عنهم هاجس الخوف ومفاجأة الاحتمالات السيئة، فقمنا بجلسات طويلة أنا والشهيد أبو جلال في قرى وتلال شهرزور بدايات ١٩٨٤ قبل توجهه الى بغداد، والذي أستشهد على أثرها، وهو من أطلق أسمي الحركي لطيف وهذا مفخر أعتزازي. كانت واحدة من تلك الرسائل، التي حملها الشهيد أبو جلال الى الإستاذ جليل كمال الدين تتضمن بعض الأشارات المهمة لتطمينه على أقل تقدير أنني ما زلت حياً وإبعاد شبح الخوف عنه. وصلت رسالتي الى الإستاذ جليل وكان مطمئناً وإيجابياً ومتعاوناً حسب قول المرحوم أبو ناصر لي في ربيع ١٩٨٤ في منطقة ” كرجال ” في سليمانية وهذا كان موضع أرتياح وأعتزاز لي، وما قدمته في تلك الظروف الدموية.

في يوم واحد من الشهر الجديد في السنة الجديدة ١٩٨٦ تعرض التنظيم الى ضربة ماحقة شملت كل أوكاره وشبكات علاقاته أنطلاقاً من محطته الرئيسية في قرية ” جديدة الشط ” في ديالى بساتين عائلة أبو ناصر. في حجم الاعتقالات والاعترافات والاعدامات شملت الإستاذ جليل كمال الدين وحكمته محكمة الثورة عواد البندر مدى الحياة وألقي في ردهات سجن أبي غريب، والذي قضى زمناً طويلاً منها، وخرج منها بعد أن شاخ وتعب وأستهلكت قواه وودع الحياة في العاصمة بغداد. في حديث هاتفي مع الدكتور ضرغام عبدالله الدباغ من منفاه الإلماني في برلين، والذي قضى ١٦ عاماً في سجن أبي غريب باعتباره بعثي يساري ومازال يعتز بهذا الأنتماء رغم ما تلقاه من رفاقه. ذكر لي محطات من أيام السجن ”أبي غريب ” التي جمعته مع الاستاذ جليل كمال الدين ونشاطهم الفكري والثقافي في الترجمه والكتابة والأحلام. وأكد لي واقعة جريئة، أقدم عليها إستاذ جليل في السجن، كادت أن تنهي حياته، في واحدة من وجبات الاعدام المستمرة بحق السجناء، جاؤوا في أخذ مجموعة شباب الى مقاصل الإعدام فوقف جليل كمال الدين بوجهم هاتفاً بالكف عن ذبح الناس، وهذه تعتبر بادرة غريبة وجريئة في داخل ذلك المبنى المرعب.

في رحيله الابدي عام ٢٠١٤ عن عمر ناهز ٨٤ عاماً في العاصمة بغداد نعيته بكلمات بسيطة حزينة بعد ما تلقيت نبأ رحيله من ولده فرقد تعبيراً عن أعتزازي به وبتلك السنوات من النضال والمعاناة والتحدي، مما ألفتت إنتباه الاعلامي عبد الجبار العتابي أنه قامة أدبية وفكرية يرحل عن دنيانا ولم يلقى ذلك الإهتمام الا ببعض الكلمات من أحد طلابه محمد السعدي. بئساً لتلك الثقافة ولذلك الإتحاد الذي لم يحتفي ولايحزن برحيل أعلامه، والذي ساهم في تأسيسه.

نم قرير العين.. فمازال موقعك شاغلاً وقلمك حزيناً.

 

محمد السعدي

مالمو/أبريل٢٠٢١

 

مجدي ابراهيمترجع علاقتي بالجنيد إلى أكثر من خمس وعشرين سنة حين كنت أكتب رسالتي للماجستير في سنة (1991م) عن "حال الفناء بين الجنيد والغزالي"، ولم يسبقني أحد إلى هذا الموضوع سوى الدكتور علي حسن عبد القادر؛ الذي حقق رسائل الجنيد، وصدرت عن طبعة برعي وجداوي؛ القاهرة سنة 1988م. وقد أشرتُ فكتبتُ إذْ ذَاَكَ على سبيل التنبيه لأقول :" وتجدر الإشارة إلى نقصان تحقيق هذه الرسائل تحقيقاً علمياً يكشف لنا عن دقتها؛ إذْ يسقط منها بعد المقارنة بينها وبين المخطوطات التي جمعناها عن الجنيد أهم رسائله المتصلة بموضوعنا؛ الأمر الذي جعلنا لا نعوِّل كثيراً على تحقيق تلك الرسائل بمقدار تعويلنا مباشرة على المخطوطات نفسها". وَنَبَّهتُ إلى ذلك في أكثر من موضع من رسالتنا التي نشرناها، بعد الضبط والتنقيح، كتاباً فيما بعد تحت عنوان :" التصوف السُّني .. حال الفناء بين الجنيد والغزالي" والذي صدر في طبعته الأولى عن مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة سنة 2000م. أما الأعمال التي كُتبت بعد ذلك، فكلها لاحقة على كتابنا التصوف السُّني، حال الفناء بين الجنيد والغزالي.

ولقد كان كتاب " السّر في أنفاس الصوفية " لمؤلفه الإمام الجنيد، ضمن المخطوطات التي تمَّ الاعتماد عليها من جانبنا في كشف حال الفناء لدىَ الجنيد لقرابته مباشرة من تصوفه، وتصوف أقرانه من البغداديين. ولسْتُ أخفي مكانة هذا المخطوط التي كانت ومازالت مُحَبّبة في قلبي، وقد كنت كلما بحثت شيئاً في تصوف سيد الطائفة البغدادية أشرتُ في هوامش كتبي حين أتعرض لكتاباته بالشرح أو بالتعليق، إلى نقصان التحقيق الذي قامَ به على حسن عبد القادر وفقدان كتاب السر منها. ثم أحيل القارئ إلى الدراسة الأساسية التي قمتُ إذْ ذاك بها وهي "حال الفناء"، فمثلاً تقرأ في إحدى دراساتي السابقة :" وهذه الرسائل ناقصة فهناك مخطوطات للجنيد " كالسّر في أنفاس الصوفية "، لا توجد بهذه الرسائل" (راجع : مشكلة الموت عند صوفية الإسلام، تصدير د. عاطف العراقي؛ طبعة مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة سنة 2004م؛ ص 358).

ذكرتُ ذلك في أكثر من موضع، وفي أكثر من دراسة. ولم أكن يومها متحاملاً على الرجل ولا على تحقيقه للرسائل؛ بل كانت غايتي هى التعرف على شخصية الجنيد ومكانته العلمية ودوره في التصوف فلم أجد من ذلك كله إلا قشوراً سطحية لا تشفي غلة باحث يريد أن يعرف عن موضوعه - الجنيد ورسائله وتصوفه - شيئاً دقيقاً وعميقاً في آن، هذا فضلاً عما يعتري ذلك التحقيق، والتحقيقات التي توالت عنه فيما بعد، من فقر غالب للشرح والتخريج والتعليق والتفسير، بمقدار فقرها المُدقع في الهوامش التي يَلزم للمحقق الجاد أن يعتني بها لزومه لضبط النص وقراءته خالياً من عوامل التحريف والتصحيف. كل ما هنالك هو أن تحوَّلت بعض هذه الرسائل من كتابة خطية بقلم الناسخ إلى نسخة مطبوعة وكفى، وَبَقَتْ الوثائق على ما هى عليه من اضطراب وفوضى لا تشفي غُلَّة الباحث المدقق لمعرفة فهم مقاصد الجنيد الصوفية والمعرفية على وجهها الصحيح.

لا جَرَمَ كانت شخصية الجنيد من الشخصيات النادرة في تاريخ التصوف الإسلامي، كانت شخصية محورية في القرن الثالث الهجري ومؤثرة شديدة التأثير فيمن جاء بعده من الأولياء والعارفين وأقطاب التصوف على وجه العموم من قرون متتالية؛ فلنتناول لأجل هذا في ترجمته طَرَفَاً عن حياته، ومكانته العلمية، ثم نشير في عجالة إلى أساتذته الذين تَلَقَّى عنهم، وبعض مواقفه مع نظرائه في الطريق، ومنهجه في التصحيح والترقية، ومصادره التأسيسية، ومذهبه في التصوف والتوحيد من واقع شذراته وإشاراته كما نقلها عنه كُتَّاب التصوف الأوُّل، ونختم بطريقته الصوفية، وأثره في التصوف من بعده؛ ذلك الأثر البالغ الذي لا ينكره قارئ يقرأ من كتب التصوف كتابٌ واحد.

(1)

هو أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد الخراز البغدادي، وقد سُمى بالخراز؛ لأنه كان يعمل الخز. شخصية صوفية مرموقة - كما قلنا فيما تقدَّم - هى من الشخصيات المركزية المؤثرة في التصوف الإسلامي على الإطلاق. كان من العلماء العاملين رواية ودراية، وكان من الأساتذة الكبار الذين اختصوا بالتربية والترقية في آن واحد، ولم يكن نشاطه مقصوراً على جانب التربية وكفى، ولكنه كان بالفكرة والمثل الصالح واعتدال المنهج إمامَ ترقية كذلك.

جمعت كتب الطبقات ألقاباً للجنيد تتفاوت فيما بينها لتدل من أول وهلة على شخصيته ومكانتها في التصوف السُّني المعتدل، كان منها "سيد الطائفة"، "وطاووس الفقراء"،" وطاووس العلماء"، "وتاج العارفين" "ومُقدّم الجماعة"، "وشيخ طريقة التصوف"، ولم تكن هذه الألقاب تطلق كما تطلق سائر الألقاب التراثية على شخصيات مؤثرة وفاعلة وكفى، ولكنها كانت حقائق تصور حياة عَلَمٍ من أعلام الحياة الروحية في الإسلام، يحلو لي أنا أن أطلق عليه لقب "سيد أولياء الإسلام".

إمامٌ التصوف في الإسلام حقيقةً، وسيد أولياء الإسلام حقيقةً، مضبوطٌ مذهبه بأسس الكتاب والسنة ضبطاً محكماً سواء على مستوى النظر أو على مستوى التطبيق. على المستويين كان ممدوحاً بين الناس حتى وصفه صاحب "حلية الأولياء" في مطلع الترجمة التي خصصها له بقوله: "المربي بفنون العلم، المؤيد بعيون الحلم، المنور بخالص الإيمان والإيقان، العالم بمودع الكتاب، العامل بحلم الخطاب، الموفق فيه للبيان والصواب".

هذا الوصف وحده ينجم عن جوانب من شخصية عَارفة، مُبرَّزة في ديوان الولاية، عميقة الأثر في ذاتها وفي غيرها. فمن حيث كون عمقها في ذاتها؛ فتميزُّه فيما أثر عنه من أقوال وإشارات ومعارف بمقدار تميزه بمذهب في التصوف غير مسبوق حقيقةً.

مذهب ليس فيه خروج عن الشرع لا في كلمة ولا في لفظة ولا في عبارة ولا في معنى قريب أو بعيد. مذهبٌ يظهر للقارئ من أول وهلة بامتيازه بالاعتدال المضبوط على الأصول الشرعية، يأخذ هذه الأصول مأخذ الجد الذي لا هزل فيه، فيعمِّقُها في ذاته تطبيقاً ومعايشة وتجربة على محل الاختبار ثم يروح فيستخرجها من أنفاسه خَاصَّة على فطرة ما أخذ وطبَّق وعايش حياة ملآنة بآثار الروح، ظافرة بالتوفيق الإلهي المخصوص بالحفظ، والمحفوظ في ذات الوقت بالكلاءة والرعاية في كل حال.

أما من حيث كون عُمْق هذه الشخصية في غيرها، فيُنظر إليه من هذا الأثر الطيب الذي تركه على الحياة الروحية في الإسلام، فما من متصوف جاء بعده إلا وذكره بكل خير، وتأثر به، وأخذ بطريقته في التصوف، وأشاد بأفضاله في الطريق وبمناقبه الروحية والمعرفية على أكثر رجاله اعتدلاً وقصداً، واتصافاً بالتصوف السُّنيّ المعتدل :

وليُّ من أهل العرفان، متمكن راسخ في ديوان الولاية كالطود الشامخ، يتملك حاله فلا تلونه الحال بل هو الذي يلونها، فيوجهها إلى حيث استقرت به ركائبها، فيؤثر أن تستقيم معه على طريق الشرع بمنهج راسخ متمكن فيه.

وليٌّ هذا حاله فلا بد أن يكون من المتقدِّمين في ديوان الولاية، وأن يجيء ذا قدم راسخ في عالم الشواهد الروحية، يؤثر البقاء على الفناء، وصحوة العقل على فقدان التمييز، والحضور على الغيبة، والصحو واليقظة على السكر والمحو؛ لأنه كان من أهل الرسوخ والتمكين لا من أرباب الأحوال والشطح.

توفى الجنيد في آخر ساعة من يوم الجمعة، ودفن يوم السبت سنة (297 هــ  الموافق سنة 910 م). وفي الليلة التي مات فيه رآه أحد زوَّاره يختم القرآن، ثم يبتدئ من البقرة ويقرأ سبعين آية ثم يلاقي ربه رحمه الله. وكان أبوه يبيع الزجاج ولذلك كان يُقال له القواريري. أصله من "نَهَاوَنْد"، ومولده ومنشأه بالعراق. وقد غلبت عليه جوانب الشريعة، وإنْ كانت الحقيقة أقرب لديه مما سواها، ومع ذلك وازن بينهما في حماسة الاعتدال والحكمة؛ فكان فقيهاً على مذهب أبي ثور، وكان متمكناً من الفقه على هذا المذهب حتى قيل في شأنه أنه كان يُفتي في حلقته وهو ابن عشرين سنة، وحين يتعرض فتى في سن العشرين للفتوى ويتصدَّر على صغره مقامات العلماء والفقهاء، لا يُقال في حقه أنه متمكن في الفقه وكفى بمقدار ما ينبئ تمكنه عن حماسة روحية عالية قلَّ أن يدانيه فيها على زمنه أحد من أقرانه أو أنداده، يدل على لك مناجاته :" يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه، ويا بادئ العارفين بما به عرفوه، و يا موفّق العابدين لصالح ما عملوه، من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك؟ ومن ذا الذي يذكرك إلا بفضلك؟!

طلب الجنيد العلم بشغف وبحب وبجهد وبصبر على بذل المجهود فيه؛ فكانت أقواله في ذلك دالة على حياته، وحياته متسقة مع أقواله فهو إذْ يقول :" فَتْح باب كل علم نفيس بذل المجهود"؛ تجد هذا القول تعبيراً عن حياة الجنيد وعن شخصيته العلمية واهتماماته الروحية والفكرية؛ فبذلُ المجهود من المؤكد قيمة في ذاتها يحصل بها العلوم الشريفة. ولقد كان كثيراً ما يوجه نصائحه لتلاميذه ومريديه بالحرص على لزوم العلم ومفارقة الوقوف مع مطالعة الأحوال؛ فقال وهو يعظ عبد الواحد بن علوان:" يا فتي! ألزم العلم ولو وَرَدَ عليك من الأحوال ما ورد، ويكون العلم مصحوبك؛ فالأحوال تندرج فيك وتنفذ؛ لأن الله يقول:" وَالرَّاسِخُوُنَ في العِلْمِ يَقُوُلُوُنَ آمَنَّا بِهِ كُلٌ مِنْ عِنْدِ رَبِنَا" (سورة أل عمران : آية 7).

كان أوفى تحليل وأدَقّه لمثل هذه الشخصيات الكبيرة والمؤثِّرة في الحياة عموماً؛ مطلق الحياة، هو التحليل الذي قدَّمه عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر" ((Max Weber المتوفى سنة1920م، والذي كان يصف مثل هذه الشخصيات العبقرية الكبيرة بالكاريزما (charisma)؛ وكلمة الكاريزما تعنى الموهبة الإلهيّة، وهى كلمة يونانية معناها "النعمة"، ويقصد بها " فيبر" ذلك السّحر الخاص من السّمو الفردي الذي يمكن أن يَتَحَصَّل عليه الفرد في مجتمع بعينه من فعل الجاذبية الشخصية والتأثير المغناطيسي.

وقياساً على تحليل "فيبر" يمكن القول بأن الإمام الجنيد كان يتمتع بشخصية "كاريزمية" ساحرة على الصعيدين : صعيد المكانة الاجتماعية والعلمية، وصعيد المكانة الروحية والفكرية والثقافية. ولو أننا تأملنا فيما قيل عنه من بعض معاصريه؛ لتأكد لدينا هذا الزعم ولثبٌتت أمامنا جاذبيته الشخصية ومؤثراته الفردية على المستوى الاجتماعي والعلمي، ثم ثبٌتت لدينا كذلك إشعاعاته الروحية والفكرية المُفَاضة وهباً من عند الله. ولقد قيل عنه لجماله وشدة تأثيره في القلوب وجاذبيته المغناطيسية إنه كان يُلقب بــ "طاووس العلماء"؛ ولم يكن غريباً أن يصفه أحد معاصريه بقوله :"ما رأت عيناي مثله"؛ وبأنه كان :" إمام الدنيا في زمانه ". وَعَدَّهُ العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصوناً من العقائد الذميمة، محمي الأساس من شُبَه الغلاة، سالماً من كل ما يوجب اعتراض الشرع. تأمل فيما يقول :" الطرقُ كلها مسدودة على الخلق إلا طريق واحد هو طريق من أقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام، وأتبع سنته، ولزم طريقته؛ فإنّ طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه "؛ أو يقول :" مَنْ لم يسمع الحديث، ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه من المتأدبين أفْسَدَ من أتَّبعه "؛ ومن شدة توكيده على العلم النظري قال:" من عمل بعلم الرواية، ورَّثه الله علم الدراية ". لكنه يركز على العلم النافع، والعلم النافع يتحدَّد في قوله:" إنّ الله أراد من العباد علمين : معرفة علم العبودية ومعرفة علم الربوبية وما سواهما هو من حظ أنفسهم "؛ لأن هذا العلم النافع نفسه هو الذي يعرفك قدرك لا من حظ نفسك ولكن بالله ومن الله؛ كما قال في سر العلم:" العلم أن تُدْركَ قَدْرَك بذاته"؛ أي بذات الله؛

وإنها ولا شك لأقوال تجربة لا أقوال ألسنة، أقوال قلوب لا أقوال حناجر!

وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد. وقال عنه ابن عربي في الفتوحات :     "كان الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه، والشعراء لفصاحته، والفقهاء لتقريره، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه، والمتكلمون لتحقيقه، والصوفية لإشاراته وحقائقه". وفي قول ابن عربي هذا ما يثبِّت شدة تأثيره في القلوب، وجاذبيته للعلماء في عصره بمقدار ما يثبِّت مكانته الاجتماعية يتحصل عليها من طريق العلم والمعرفة.

على أن أحدهم ينسب هذه العبارة لا إلى ابن عربي بل إلى أبي القاسم البلخي أحد كبار المعتزلة في القرنين الثالث والرابع الهجريين (راجع د. كامل مصطفي الشيبي: صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامي؛ دار المناهل؛ الطبعة الأولى؛ بيروت لبنان؛ سنة 1418هـ - 1997م؛ ص 120 وما بعدها) ولعل نسبة المؤلف هذه العبارة إلى أحد رجال المعتزلة ترجع إلى نزوعه الغارق في أن يجعل من الجنيد شخصية أقامت التصوف على أساس عقلي أو فلسفي؛ وهو رأي من أوهن الآراء وأضعفها عندي إنْ لم يكن أقدمها كذلك : تلمس الأفكار الفلسفية في تصوف الجنيد؛ بل وفي تصوف غيره من الأقطاب السُّنية، على ما يحكم به منهج الأشباه والنظائر، كما ناقشناه في كتاباتنا. إنّ تجاهل التجربة الصوفية يَقْدَح في الإخلاص العلمي للتصوف من أول وَهلة.

فلئن كان أحدهم قد فهم من تلك العبارة السابقة، والتي قد تنسب إلى أبي القاسم البلخي وهو أحد كبار المعتزلة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، لا إلى ابن عربي، في وصف مجلس الجنيد؛ فلا ينبغي أن يوصف مذهب الجنيد بإقامة التصوف على أساس عقلي بغير تحديد لكلمة عقل .. ماذا تعني هنا؟ فليس يُخفى أن العقل مطلق العقل قد يختلط بعقل الفلاسفة أو عقل المتكلمين وهو كما هو معروف خارج دائرة اهتمام الصوفية؛ والجنيد منهم بصفة خاصة، ومن ثم يجئ هذا الوصف لا يقوم على أساس صحيح اللهم إذا كنا نريد عَسَفَاً أن نجعل من هذه الشخصية الصوفية شخصية فلسفية وأن تصوفها تصوفاً فلسفياً وهو رأي إلى الوهن أقرب منه إلى قوة العلم والتحقيق. بيد أننا إذا نحن قلنا إن الجنيد أقام التصوف على أساس علمي لكنا أقرب إلى الحقيقة وأصوب في وصف مذهبه؛ لأن اهتمام الجنيد بمسائل الكلام والفلسفة والفقه واللغة والأدب كما ورد في عبارة أحدهم واصفاً إيّاه في مجلسه، إنما يرتد إلى ولعه بالعلم بصفة عامة لا بالعقل المنهجي الفلسفي؛ ناهيك عن أن منهجية التصوف هى في الأساس منهجية ذوقية وجدانية لا عمل للعقل الفلسفي فيها غير عمل التنظيم؛ فإذا كانت ثقافة الجنيد واسعة شملت إحاطته بعلوم الكلام والفلسفة والنحو واللغة؛ فمن المؤكد لدينا أن هذا التوسع نفسه لهو من باب العلم لا من باب العقل.

ولكن نسبة الجنيد إلى المصادر اليونانية وتأثره بالتصوف عند أفلوطين هى نسبة خاطئة تماماً كما سنبينها فيما بعد.

لم يفارق نبوغه العلمي مطلقاً شدة تعبُّده، وتأسيس علومه على الإخلاص، ولنذكر من حكمه : الإخلاص سرٌ بين العبد وربه لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيهلكه. وقال بُنيَ الطريق على أربع : لا تتكلم إلا عن وجود، ولا تأكل إلا عن فاقة، ولا تنم إلا عن غلبة، ولا تسكت إلا عن خشية ".

ومع شدة نبوغه العلمي إلا أنه لزم التعبد، ومن لزومه التعبد فتح الله عليه بكثير من العلوم، وكان إذا تكلم فيها لم تكن له وقفة ولا كبوة. وكان ورده في كل يوم على ما أجمعت عليه مصادر التصوف ثلاثمائة ألف تسبيحة، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش ففتح الله عليه من العلوم النافعة والأعمال الصالحة بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يدخل كل يوم حانوته، ويُسْبل الستر، ويصلى أربعمائة ركعة ثم يعود إلى بيته. وكان يعرف بالإضافة إلى علوم الصوفية إشاراتها وحقائقها، سائر علوم اللسان العربي، وسائر العلوم الدينية على التخصيص حتى قيل إنه كان يقول في المسألة الواحدة وجوهاً كثيرة لم تخطر قط على بال العلماء. وقد قيل لعبد الله بن سعيد بن كلاب : أنت تتكلم على كلام كل أحد، وههنا رجلٌ يُقال له "الجنيد" فانظر هل تعترض عليه أم لا؟ فحضر حلقته؛ فسأل الجنيد عن التوحيد فأجابه فتحير عبد الله، وقال : أعد علىَّ ما قلت، فأعاد بعبارة أخرى. فقال: هذا شيء آخر لم أحفظه، تعيده علىَّ مرة أخرى؛ فأعاده بعبارة أخرى. فقال : لا يمكنني حفظ ما تقول أمْلِهِ علينا، فقال الجنيد : إنْ كنت أجريه فأنا أمليه فقام عبد الله وقال بفضله واعترف بعلو شأنه، يعني أن الله هو الذي أجراه على قلبي فلا أمليه، فليست هى بعلوم كسب ولا حلية دليل، ولكنها علوم وهب وتوفيق، تُعطى فضلاً من الله ولا تكتسب.

كان الجنيد سيد الطائفة البغدادية، بل سيد أولياء الإسلام غير منازع، من أئمة القوم وساداتهم مقبول على جميع الألسنة. ولم يخلو كتاب ولا مصدر من مصادر التصوف الأساسية وعيونه الأولى إلا وكانت أكثر إشاراته في العديد من المواضع الصوفية العليا أكثرها عن الجنيد؛ لعلو حاله، ولسيادة شأنه في علوم القوم ومباحث المعرفة الإلهية.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

محمود محمد عليتحتل أعمال المفكر السوداني "محمود محمد طه" مكانة متميزة من حيث طرافة منهجها، وتعدد مناحيها وشموليتها، كما يتميز "محمود محمد طه" بحرصه علي بعث المشروع الإصلاحي من كبوته، معتبراً نفسه امتداداً طبيعيا لرواد النهضة، مستعيداَ بصفة بارزة وحادة الهم التنويري، متجاوزاً رواسب التمزق والاختلاف التي عصفت به، ولأجل ذلك يدش "محمود محمد طه" حركية النهضة العربية منذ انطلاقتها إلي كبوتها، وتوزعها إلي مواقف متباينة المنحي، داعياَ إلى تقليد النبي محمد صلى الله عليه وسلم كمنهاج للسلوك الديني بهدف توحيد القوى المودعة في الإنسان، من قلب وعقل وجسد، والتى وزعها الخوف الموروث والمكتسب، ثم إلى تطوير التشريع الاسلامي بالانتقال من الآيات المدنية التي قامت عليها بعض صور الشريعة، إلى الآيات المكية التى نسخت فى ذلك الوقت لعدم تهيؤ المجتمع لها، حيث الدعوة إلى الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية، المدخرة فى أصول الدين، وقد بسط "محمود طه" فكرته فى آفاقها الدينية والسياسية والمعرفية بعلمٍ واسع، وحجةٍ ناصعة، وصبرٍ على سوء الفهم وسوء التخريج وسوء القصد الذى قوبلت به فكرته من معارضيها، حتى ذهب يقينه بفكرته وإخلاصه لها، والتزامه إيّاها فى إجمال حياته وتفصيلها، مثلا فريداً فى الدعاة والدعوات (18).

وفي ديسمبر 1955م أصدر "محمود محمد طه"  مشروعه لتجديد الفكر الإسلامي نحو مشروع مستقبلى للإسلام، وقد تمثل ذلك فى ثلاثة أعمال أساسية هى: الرسالة الثانية من الإسلام، ورسالة الصلاة، وتطوير شريعة الأحوال الشخصية، وفيها قدم "محمود محمد طه" الإسلام كدين عالمي لا تنفصل فيه الدولة عن الدين، لكن من غير تغول على حقوق الأفراد، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، رجالا كانوا أم نساء، ولم يقدم الإسلام بوصفه طريقة للسلوك أو منهاج للخلاص الفردي، غير مرتبط بقضايا التحولات الاجتماعية (كما هى الحال فى التصوف) (19).

قدم "محمود محمد طه"  ذلك كله من خلال منهج متماسك لتأويل النص القرآنى، من خلال تصور جدلى عميق لمواد النص مع حركة التطور بمعنى أن النص لا يكشف عن طبقاته بغير النظر الفاحص لحركة التطور، الزمن وحركة الحياة فى كل صورها، فحركة التطور لا تخضع لفهم ثابت جامد للنص وإنما تجليات الحياة هى التي توسع من فضاء النص، وهو يتمدد عبر علاقته الجدلية بالواقع، وبتمدد آفاق الوعى الإنساني (20).

كان "محمود محمد طه"  مؤيداً قوياً للحرية الفردية والضمير الإنساني. وكان مؤمناً بأن للبشر أن ينتموا لتقاليدهم الدينية، أو ينأوا بأنفسهم عن ذلك وفق ما تمليه عليهم ضمائرهم. وكان ضد التحرك صوب الطائفية الدينية، الذي كان يحصل في بلاده، ويؤمن بأن لأتباع كل الأديان الحق في ممارسة شعائرهم بحريّة، كما أن لهم حريّة تغيير معتقداتهم. واقتصادياً اعتنق "محمود طه"  شكلاً من الاشتراكية القائمة على المشاركة في المشاريع التعاونية بدلاً من سيطرة الحكومة المركزيّة (21).

بيد أن "محمود محمد طه"  لم يكن طيلة نشاطه الفكري، والسياسي، منذ منتصف الأربعينات، يطلب سلطةً، أو جاهاً، كان زاهداً في السلطة الفوقية، زهداً مطلقاً، فقد كان يريد تغييراً جذرياً، ينطلق من حيث يقف عامة الناس، لا من حيث تقف الصفوة! وكان يعرف أن ذلك يقتضي زمناً، ولذلك، فقد كان يسابق الزمن ليضع البذرة في الحقل البور، تلك البذرة التي كان ينتظر لها أن تثمر التغيير الجذري، في نهاية المطاف. فهو قد ألقى البذرة، وكان فقط، يود أن يتأكد أن جذوراً من تلك البذرة قد بدأت تمتد إلى داخل الأرض. لم يكن مشغولا متى ستشق تلك البذرة التربة، وتظهر على سطح الأرض، لتنتج الثمر، كان "محمود محمد طه" حامل مشعلاً، ولم يكن طالب سلطة، وشتان بين الإثنين (22).

ولذلك رأينا الكاتب "أحمد زكى عثمان" يوضح لنا مشروع "محمود طه" فى الرسالة الثانية من الإسلام، بأنه يمثل لحظة مهمة على الصعيد الفكري فى العالم العربي، حيث يمكن قراءة هذا الكتاب فى سياق جملة الكتب التي أرخت لدور الفكر فى التمهيد الهزيمة السياسية والعسكرية ومن ثم الفكرية التى أفضت إلى نكسة حزيران -1967 ؛ مثل كتابي نقد الفكر الديني لصادق جلال العظيم، والأيديولوجية العربية المعاصرة لعبد الله العروى، كما يمكن قراءته على أنه بحث فى أصول الفقه ومحاولة بناء منظور حضارى جديد ورؤية فلسفية مختلفة عن التقاليد الفكرية المسيطرة فى العالم العربي (23).

تبنى "محمود محمد طه" طريقاً وسطيا، مقترحاً أن بإمكان الإسلام استيعاب الأفكار القومية العلمانية. ولكن من أجل الوصول إلى تلك المرحلة، لابد من أن تكون الشريعة مرنة بما يكفي لممارسة الاجتهاد، وأن تتفاعل مع التغيير والعالم الحديث، ولتحقيق ذلك؛ على المسلمين المثقفين العودة إلى المصادر الأصلية، القرآن والحديث، ويقول إن الآيات المدنية أكثر تحديداً على عكس الآيات المكية التي هي بمثابة دعوة عامة للبشرية لدخول الإسلام، المتمثل بـ (الرسالة الثانية للإسلام)، ولذا فإن الآيات المدنية يجب أن تخضع للآيات المكية، وبهذه الطريقة يمكن إعادة تأليف القانون الإسلامي من البداية بدلاً من إثقاله بأحكام العصور الوسطى (24).

لقد قدم هذا الكتاب طرحاً لم يألفه الفكر العربي كثيرا، وهذا الطرح يتعلق بتقديم تصور مختلف لموقع الفرد فى منظومة العلاقات الاجتماعية عند "محمود محمد طه"   الفرد فى الإسلام هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه، وهذه الفردية هى مدار التكليف والتشريف وبالطبع ستحيل هذه الرؤية إلى محاولة فك التناقض ما بين الفرد والجماعة والتى يقدمها "محمود محمد طه"   كالتالى، حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة امتداد لحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، ومن الناحية الفقهية فالفرد هو العبادات، والجماعة هى المعاملات وينتهى "محمود محمد طه"  إلى تقديم محتوى أخلاقى لهذا المنظور الفلسفى، وهو أنه ليست للعبادة قيمة إن لم تنعكس فى معاملتك الجماعة معاملة، تعد هي في حد ذاتها عبادة، يمضى الكتاب فى مناقشة القضايا المتعلقة بعلاقة الفرد والجماعة وحدود إرادة الفرد، حتى يصل إلى فصله الخامس والذى يعرض فيه للرسالة الأولى والتي هي رسالة المؤمنين، حيث أورد "محمود محمد طه"  مجموعة من النتائج الفقهية الخطيرة، وقدم حصرا لثمانية قضايا رأى أنها ليست أصولا فى الإسلام، هذه القضايا هى الجهاد، الرق، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال والنساء، تعدد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه (25).

كما دعا "محمود محمد طه" إلى الإسلام كمذهبية تبشر بتحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق تقديم المنهاج الذى يحقق السلام فى كل نفس بشرية، وعلى مستوى الكوكب، حيث يقدم الإسلام فى مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام، وقد ظلت قضايا الفكر (26).

استمر "محمود محمد طه"  فى تطوير أفكاره حتى وصل إلى أنّ نسخ أصول القرآن بفروعه فى القرن السابع الميلادي لم يكن إلغاءً نهائيّا لأحكامه، وإنّما كان مجرد إرجاءٍ لتلك الأحكام لادّخارها للمستقبل، والسبب الذى يراه فى ذلك هو النزول عند حاجة ذلك المجتمع وطاقته، مشيرًا إلى أنّه لو كان النسخ نهائيّا لأصبح أحسن ما فى ديننا منسوخًا بما هو أقلّ منه، أى أنّ السماح وهو خير من الإكراه، يكون قد نُسخ إلى الأبد بحكم أقلّ منه، منبّها إلى نقطة مهمّة تفضى إلى أنّ الأحسن فى الشرائع ليس أحسنَ في ذاته، وإنّما يُقاس بملاءمته لحاجة المجتمع وظرفه التاريخي، وهذا ما حدث بالنسبة إلى آيات الفروع التي نزلت فى المدينة، ونسخت آيات الأصول التي نزلت فى مكة نسخًا مؤقّتًا فرضه السياق التاريخي للقرن السابع الميلادي، بما لا يعنى تعميمه إلى الأبد خارج ذاك السياق، ولذلك فإنّ زماننا هو زمان بعث آيات الأصول، أى الآيات المكية حيث "لا إكراه فى الدين" (27).

سمّى "محمود محمد طه" هذا التصور المفضي إلى استعادة روح الآيات المكّيّة بـ "الرسالة الثانية من الإسلام"، وهى عنده الرسالة الأصل، وقد كتب طه مؤلّفًا حمل الاسم نفسه ضمّنه بضعة عناوين جاء من بينها "الجهاد ليس أصلا فى الإسلام"، و"عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلًا فى الإسلام"، و"الحجاب ليس أصلًا فى الإسلام"، و"تعدد الزوجات ليس أصلا فى الإسلام"، وبذلك ألقى الضوء على كثير من آيات الأحكام التي لم تعد مناسبة لمتطلبات العصر الحديث وتطوّر قيمه الروحية والجماليّة، قاصدًا من ذلك أن ينوّه بالطاقة الكامنة فى التشريع الإسلامي، والتى تستطيع أن تستوعب المتغيّرات الجديدة إذا تمّ بعث "الأصول" دون "الفروع" التى شكّلت شريعة القرن السابع الميلادي (28).

كان "محمود محمد طه" يرى أنّ المخرج للأمة الإسلامية كامن فى الانتقال من نص فرعى فى القرآن خدم غرضه حتى استنفده، إلى نصّ أصلى ظل مرجأً ومدخرًا إلى حين وقت تطبيقه، وها هو قد حان وقته اليوم، بشرط أن نتحرّك من شريعة الفروع وفقهها نحو أحكام آيات الأصول المنسوخة (29)؛    يقول "محمود محمد طه": "إنّ الخلل ليس فى الدين، وإنما هو فى العقول التى لا يحرّكها مثل هذا التناقض لتدرك أنّ فى الأمر سرًّا، هذا السرّ هو ببساطة شديدة أنّ شريعتنا السلفية مرحلية، وأنها لا تستقيم مع قامة الحياة المعاصرة، وأنها حتى تستطيع استيعاب هذه الحياة وتوجيه طاقتها الكبيرة، لا بد لها من أن تتفق وتتطوّر وترتفع من فروع القرآن إلى أصوله" (30) ؛ كما قال "محمود محمد طه" فى كتابه "أدب السالك" :" فالله تعالى إنما يعرف بخلقه، وخلقه ليسوا غيره وإنما هم هو فى تنزل. هم فعله ليس غيره وقمة الخلق وأكملهم فى الولاية هو الله وهو الإنسان الكامل، وهو صاحب مقام الاسم الأعظم (الله)، فالله اسم علم على الإنسان الكامل"(31).

وكان موضوع المرأة من أهم المواضيع التى عالجها "محمود محمد طه"  فى فكره، حيث دعا إلى تطوير التشريع فيما يختص بشريعة الأحوال الشخصية، وإلى وضع المرأة من حيث التشريع فى موضعها الصحيح، بعد أن تعلمت وشغلت الوظائف الرفيعة، متجاوزا بتلك القصور الفكرى الذى ظل ملازما للفكر الإسلامي السلفى تجاه وضع المرأة فى التشريع الدينى، ومتجاوزا دعوات تحرير المرأة التى هدفت لمحاكاة الغرب، ومقدما فهما جديدا مستمدا من أصول الدين، يقوم على مساواة الرجال والنساء أمام القانون وفى النظام الاجتماعي، انطلاقا من فكرة تطوير التشريع الإسلامي، واستلهاما أكبر لغرض الدين فى الحياة الحرة الكريمة للنساء والرجال على قدم المساواة، وقد كان أكبر تجسيد لدعوة الأستاذ محمود إلى تطوير وضع المرأة الدينى هو المرأة الجمهورية نفسها، فقد دخلت تلميذات "محمود محمد طه" من الجمهوريات التاريخ كأول طليعة من النساء تخرج للدعوة إلى الدين بصورة جماعية ومنظمة، فى ظاهرة فريدة ظللتها قوة الفكر وسداد السيرة وسمو الخلق (32).

وهكذا نخلص في هذا المقال الثاني بأن مشروع "محمود محمد طه" التنويري، إذن ينطبع بالبحث عن أسس جديدة لإرساء منهج الحوار والتواصل بين الحركات الايديولوجية والسياسية الموجودة في الساحة السودانية، فهو خطاب يجمع بين الإخوة في الوطن (الماركسيون)، والإخوة في الثورة ( القوميون)، والإخوة في الحرية (الليبراليون)، ومن هنا يرسم "محمود محمد طه" برنامجا دينيا- سياسيا- ايديولوجيا محدد المعالم يجعله رسالة ثانية تقوم علي تحقيق مجتمع لا طبقي تسوده العدالة الاجتماعية، والحريات الديمقراطية، وضمان التعبير الحر، والمشاركة السياسية لكل المواطنين، كما يقوم علي تحرير البلدان الإسلامية المستعمرة ومجابهة الاستغلال الاستعماري، واعتماد سياسة وطنية غير منحازة ومستقلة عن مناطق النفوذ وسيطرة القوي الكبرى، وتدعيم ثورة المستضعفين والمضطهدين في كل مكان.... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

18- أسماء محمود محمد طه: مقدمة كتاب نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ط رؤية، مصر،2012،  ص13-14.

19- د. "إسماعيل صديق عثمان" دراسة نقدية لأفكار "محمود محمد طه" صاحب ومؤسس الفكر الجمهوري، 2013، ص 16.

20- نفس المرجع، ص 14.

21- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى.. الإثنين، 20 يناير 2014 08:05 ص

22- أحمد الجدي: محمود محمد طه... المفكر الإسلامي الذي قتلته رؤيته المختلفة للدين، نشر في 20 ديسمبر، 2018.

23-أحمد زكي عثمان: فى ذكرى إعدام محمود محمد طه: البحث عن بديل للتصفية الجسدية للمختلف، الحوار المتمدن-العدد: 1836 - 2007 / 2 / 24 - 12:25,

24- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و"الرسالة الثانية من الإسلام"، مارس 2021، ص 23-25.

25- مصطفي عبادة: تجديد الخطاب الديني السودان.. محمود محمد طه: الإسلام المستقبلى خارج الجماعات، نشر في الأهرام العربي.، يونيو 10, 2016.

26- د. "إسماعيل صديق عثمان" دراسة نقدية لأفكار "محمود محمد طه" صاحب ومؤسس الفكر الجمهوري، ص 17 ؛ وأنظر أيضا باسم المكي: قراءة في المشروع الفكري لمحمود محمّد طه (1909 ـ 1985)، مارس 2015

27- ماهر فرغلى: محمود محمد طه.. الرجل الذى كشف عملية تزوير الإسلام، تشر بالبوابة نبوز المصرية، الخميس 21/يوليه/2016 - 03:20 ص.

28- محمود محمّد طه : "الرسالة الثانية من الإسلام"، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1969، ص 10-11.

29- نفس المصدر،  ص 11-12.

30- نفس المصدر، ص ص15-16.

31- محمود محمّد طه : أدب السالك، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1969، ص8-9.

32- سامي الذيب: محمود محمد طه: ما للرجل وما عليه، الحوار المتمدن-العدد: 6635 - 2020 / 8 / 3 - 13:47.

 

 

 

رحمة بوسحابةترجمة: د. رحمة بوسحابة

المصدر: صحيفة الأندبندنت البريطانية

الفيلسوفة التي حاربت الصور الساخرة المُقلِّلة من شأن الفلسفة الافريقية في الغرب

صوفي أوليوول Sophie Oluwoleشخصية رائدة في مجال الفلسفة الأفريقية، وهي أول حاصلة على درجة الدكتوراه في هذا المجال في بلدها نيجيريا، وتعتبر أعمالها مثل "الفلسفة والتقاليد الشفهية" (1997 م)، و"الشعوذة والتناسخ والربوبية" (1992م) شاهدا على رسالتها في دحض الادعاءات التي قام عليها نظام التعليم الاستعماري الذي وضعه البريطانيون، والذي تتلمذت على يديه أوليوول نفسها.

ويقوم هذا النظام على فكرة أن "الأفارقة لا يستطيعون التفكير"، وقد صرحت أوليوول لصحيفة "بانش"Punch ": " أنّنا لسنا مفكرين، وأننا بدائيون، هذا ما أشعرني بالتحدي وقررت البحث ما إذا كنا فعلا غير قادرين على التفكير ... كنت أريد أن أثبت أنهم على خطأ".

كانت كلمة "فلسفة" غريبة على أوليوول وهي طفلة، بل وحتى في المدرسة الثانوية، إذ لم يكن هناك ما يسمى بالفلسفة الافريقية في نظر الأسياد المستعمرين.

كما اضطرت أوليوول،التي تُوفِّيت عن عمر يناهز 83 عامًا، إلى محاربة التمييز على أساس الجنس، المتأصِّل مؤسساتيا واجتماعيا في نيجيريا، مُلقية اللَّوم في ذلك على البريطانيين، الذين حصلت نيجيريا على استقلالها منهم عام 1960 بعد أكثر من قرن من التدخًّل والاضطهاد ... "لقد عطَّلوا ثقافتنا" تقول أوليوول.

2352 صوفي أوليوولوُلدت أوليوول"باسم أبوسيدي"أوليوول Abosede Oluwole في إغبارا-أوك Igbara-Oke في ولاية أوندوOndoالنيجيرية عام 1935 م، وهي الطفلة الثامنة لوالدين أنجليكانيين، كانا تاجرين من شعب الإيدز. منحتها مديرة مدرستها اسم صوفيا نتيجة تميُّزها الاستثنائي عندما تمّ تعميدها في سن الثامنة، وقد عدّلت اسمها إلى صوفي لاحقا.

انتسبت صوفي عام 1951 إلى مدرسة البنات الأنجليكانية الحديثة في إيل-إيفIle-Ife – وهي مدينة يوروبا القديمة في جنوب غرب البلاد –لتلتحق بعدها بسنتين بكلية المعلمات فيIleshaإيليشا التي تخرَّجت منها عام 1954م.

في عام 1963م، التحقت أوليوول بزوجها الأول في موسكو أين تحصّل على منحة دراسية، ومن هناك سافرت إلى ألمانيا ثم الولايات المتحدة قبل أن تعود إلى نيجيرياعام 1967 م، حيث تمكنت من الحصول على مقعد في  يونيلاج Unilag/جامعة لاغوس لدراسة الفلسفة. وأثناء ذلك"نصبت خيمتها التي كانت مسرحا للمعركة الفكرية والإيديولوجية الأشد شراسة لروح إفريقيا ما بعد الاستعمارية "، كما وصفها الكاتب تونجي أولوابا Tunji Oloapa

صرّحت أوليوول في العام الماضي للمخرج الهولندي جول فان دير لان Juul van der Laan، بـ"أنّ الواقع يتكوّن مما هو مادي وما هو غير مادي"، مُلقية الضوء على مكمن الصدع قائلة "في الغرب، لا يمكن أن يجتمع الاثنان معا، فهما متناقضان. أما الافريقي فيقول نعم، إن الواقع يشمل المظهرين معا، لكن لا يمكن الفصل بينهما، إذ ليس هناك شيئ مادي مطلقا  ولا غير مادي مطلقا، ففي كل الظواهر في العالم، يوجد الاثنان معا".

واصلت أوليوول دراساتها للحصول على درجة الماستر في يونيلاج Unilag، قبل أن تحصُل على درجة الدكتوراه من جامعة إبادان - Ibadan، لتكون الأولى من نوعها التي يمنحها مركز نيجيري. وقدركّزت أبحاثها على التقاليد الشفهية اليوروبية"إيفا " Ifa، وهي ديانة غرب إفريقيا، ونظام العرافة الذي تمارسه شعوب اليوروبا Yoruba، والايغبوIgbo، والايويEwe.

وعلى الرغم من أن تناقل  الايفاكان يتمّ مشافهة عبر الأجيال، دون أن يكون له أي أساس أدبي مثل الكتاب المقدَّس أو القرآن، إلا أن أوليوول اعتبرت أنَّه كان مدعوما بالفلسفة، مُستدِلَّة في ذلك بأنه لا يمكن أن يوجد أي نظام ديني بدون فلسفة.

وقد وجدت أوليوول أوجه تشابه مذهلة بين سقراط الذي يسمى "أب الفلسفة الغربيّة" والذي لم يخلِّف وراءه أي مؤلَّف مكتوب عن حكمته التي تولّى طلبته كتابتها بعد وفاته، وبين أورونميلا Orunmila، حكيم الإيفا العظيم، الذي ترك وراءه أيضًا شريعة شفهيَّة، ومن هنا –بحسب أوليوول- فإذا كان بالامكان اعتبار سقراط أب الفلسفة الغربية دون أن يترك وراءه أي عمل مكتوب خاص به، فلماذا لا ينبغي اعتبار "أورونميلا"، الذي يُعتقد أنه سبق سقراط، أبالفلسفة إفريقية؟ وهكذا حثَّت أوليوول افريقيا الغربية على استعادة تراثها الفلسفي، مؤكِّدة أن مجموع المعارف التي اكتشفتها في تقاليد اليوروبا غنية ومركبة مثل نظيرتها التي كانت موجودة في الغرب.

كما وجدت أوليوول"في التقاليد الشفهية للايفا أدلة دامغة على معارف قديمة لها علاقة بالحاسوبيات الحديثة وفيزياء الجزيئات، وعند سؤالها عن سبب عدم استغلال مثل هذه المعارف لوضع إفريقيا في مقدمة الدول المتطوّرة علميّا، انتفضت  مُنتقدة النظام التعليمي النيجيري، وخاصة مسألة التعليم باللُّغة الإنجليزية، فقدكانت متحمسة في اعتقادها بأن اللغة كانت جزءًا عظيما من المشكلة قائلة: "إن إفريقيا هي القارة الوحيدة التي تستخدم اللغة الأجنبية وسيلة للتعبير في المؤسسات التعليمية على الرغم من أن دراسات عديدة تؤكد حقيقة أن اللغة الأم هي أفضل وسيلة للتعليم، فهي تُسهِّل استيعاب المعرفة بشكل أفضل".

وأعربت أولوييل عن أسفها لكون النظام التعليمي النيجيري أنجب طلابًا متعلمين تعليماً عالياً، غير أنهم لم يتمكنوا من العثور على عمل بعد التخرج/ كما كانت حازمة بشأن أهمية العمل خارج المنزل للرجال والنساء، رغم تبنيها لفكرة الزواج والولادة المبكِّرين في نفس الوقت. وقد اشتكت مؤخرًا في مقابلة أُجريت معها من أن العديد من أطفالها الستة من زوجيها عاطلون عن العمل.  كما استمرت هي نفسها في العمل حتى نهاية حياتها،إذ عملت مُحاضِرة في قسم الفلسفة بيونيلاج، وأسَّست مركزا للثقافة الافريقية والتنمية .

في عام 2015، نشرت كتابها" سقراط وأورونميلا،آباء الفلسفة الكلاسيكية"، قارنت فيه مباشرة بين الفيلسوفين  اللذين شكّلا أهمّ عمل في حياتها.

 

 

محمود محمد عليإن الإسلام رسالتان؛ رسالة أولي قامت علي فروع القرآن.. ورسالة ثانية تقوم علي أصوله، ولقد وقع التفصيل علي الرسالة الأولي.. ولا تزال الرسالة الثانية تنتظر التفصيل، وسيتفق لها ذلك حين يجيئ رجلها، وحين تجيئ أمتها، وذلك مجيئ ليس منه بد " كان علي ربك حتما مقضيا"..

كلمات ما زلت تتردد لدي كثير من الثوار الذين خرجوا علي الرئيس السوداني " عمر البشير"، ليحيوا من خلالها ذكري الأستاذ الشهيد "محمود محمد طه" (1909-1985)، ذلك المفكر السوداني، والذي يطلق عليه بمجدد العصر، والرجل القومي، والصوفي الزاهد، وصاحب العديد من الكتب التنويرية والتجديدية في مجال العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر، وهو صاحب الكثير من المحاضرات والندوات، والكثير من الأنشطة الأخرى في سبيل التربية والتوعية، ونشر الفكرة الجمهورية (1).

عُرف الشهيد "محمود محمد طه"  بين أتباعه ومحبيه وأصدقائه بلقب "الأستاذ" الذي يسبق اسمه دائماً عند الحديث عنه"؛ ويشار إليه أحياناً باسم (غاندي إفريقيا) لرفضه العنف في مختلف صوره؛ من ذلك دعوته الرئيس السوداني "جعفر النميري" سنة 1971 إلى التسامح والعفو عن الشيوعيّين الذين نصبت لهم المشانق إذّاك واتهموا بالكفر. واعترض على قوانين سبتمبر 1983 المسمّاة بـ"قوانين الشريعة الإسلاميّة" (2)؛ كما لقب بالأستاذ "الشهيد" الذي شارك في واحدة من أكثر المحاولات الجديَّة أواخر القرن العشرين للتوفيق بين المعتقدات الإسلامية والتحديات التي تفرضها الحداثة (3).

تميّز الشهيد "محمود محمد طه" بأنه مفكّر فريد، اشتهر بنصاعة الحجة وقوتها، واستقامة الشخصية، والثبات على المبدأ، وكانت له هيبة وسطوة فكرية، وسط خصومه الذين كانوا من ناشطي حركة الإسلام السياسي السودانية؛ كما تميز طه بقدرته الفائقة على الاستدلال بنصوص القرآن، وكان رجلاً موسوعياً في إلمامه بالتراث الإسلامي وبمختلف تيارات الفكر المعاصر؛ وقد أحدث نقلة في النظرة إلى أنسجة العلاقات داخل المجتمع من خلال إعادة النظر في “شريعة الأحوال الشخصية”، الأمر الذي أفضى به إلى  التجديد لفقه الزواج والميراث وعلاقة الذكر بالأنثى، وغيرها من الأفكار التي خرج بها لمواكبة الحاضر ورآها البعض مخالفة للإرث الديني (4).

من أهم ما طرحه "محمود محمد طه" أنّ الفكر الإسلامي على المستوى الكوني "الكوزمولوجي"، كما أنه قد تنبأ بسقوط الشيوعية قبل عقود من حدوثه الداوي، فكان من أطروحاته أن الرأسمالية والشيوعية وجهان لعملة واحدة، وهي الفكرة المادية عن الوجود. وقال كما يذكر البعض بأن:" الإسلام سيخلف النظامين الشيوعي والرأسمالي، وكان يكثر من الاستدلال بالحديث النبوي «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. وقالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يُحيون سنّتي بعد اندثارها" (5).

ومن رحم الخرافة والاستبداد في السودان؛ حيث يقتات الناس على بقايا أحلامهم، ويتدثرون بغطاء الأمنيات المستحيلة، ولد "محمود محمد طه"، العام 1909، لأب من منطقة مورة بشمال السودان، وأم من "رفاعة" بوسط السودان، ويعود نسبه إلى "قبيلة الركابية"، فرع البليلاب نسبة إلى الشيخ المتصوف حسن ود بليل وهو من كبار متصوفة السودان. توفيت والدته – فاطمة بنت محمود - وهو لمّا يزل في بواكير طفولته، وذلك في حوالي عام 1915م، فعاش الأستاذ محمود وإخوته الثلاثة: بتول، وكلتوم، ومختار، تحت رعاية والدهم، وعملوا معه بالزراعة، في قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته في حوالي العام 1920م، فانتقل الأستاذ محمود وإخوته للعيش بمنزل عمتهم برفاعة (6).

وتحت وطأة الاحتلال والتبعية، وصراع الهويات، كان التصوف هو الملاذ الأخير لنفوس سحقها جبروت الاستعمار ووطأها الفقر والمرض، على ضفاف النيل، سافر "محمود محمد طه" بعقله، وفي حلقات الذكر التي انتظمت حول مقام الشيخ الصوفي الكبير "حسن ود بليل" صفت نفسه وتطلعت للخلاص الجماعي، وبين تأملاته الصوفية المتجردة، وتطلعاته السياسية التي وضعته زعيماً على رأس الحزب الجمهوري، كان عليه أن يخوض غمار الصراع، وأن يشق بنفسه طريقاً جديداً؛ لمواجهة جمود الفكر الديني وانتهازية واستبداد النظام الحاكم (7).

ولهذا وجدنا "محمود محمد طه" ينتقل بعد ذلك ليدرس الهندسة في كلية غوردون التذكارية Gordon Memorial College، التي أصبحت في ما بعد "جامعة الخرطوم"، وتخرّج منها في العام 1936. لم تقتصر دراسته على العلوم الحديثة، بل أخذ على عاتقه البحث في الأفكار الاجتماعية والسياسية الغربية، وتبلور اهتمامه بالسياسة ليؤسس في العام 1945 الحزب الجمهوري الذي كان أول حزب سياسي في السودان يدعو إلى إنشاء جمهورية وطنية، بالتالي كان حزب تصادم مع الاستعمار البريطاني، وإن كان بطريقة لم تتسم بالعنف، وبنتيجة تلك الصدمات سجن البريطانيون طه مرتين؛ في العام 1946، فقضى في المرة الأولى خمسين يوماً في السجن، وفي المرة الثانية عامين، وسبب سجنه في المرة الثانية احتجاجاته الشعبية ضد محاولات البريطانيين  فرض الحظر على عادة ختان الإناث، التي كان طه نفسه ضد تلك العادة لأنه يراها ظاهرة تقليدية وليست إسلامية، ولكن السبب وراء احتجاجاته ضد البريطانيين كان لمحاولاتهم فرض قوانين على السودانيين (8).

ولعل تكوّن خطى أحد أبرز مفكري السودان لم يكن بالأمر السهل، إذ يشير الكاتب "محجوب عمر باشري" في كتابه "رواد الفكر السوداني" إلى حياته الأولى قائلاً: "نشأ محمود محمد طه" ولم يرتكب فاحشة في حياته وعاهد الله على أن يلتزم بالخلق الإسلامي، ودرس في كلية غوردون وتخصص في الهندسة، وخرج للحياة في الثلاثينيات فالتحق بالسكة الحديدية وعمل بعطبرة، وكان قارئاً نهماً في اللغتين العربية والإنجليزية... ودرس مذاهب الفلسفة وكل أنواع المنطق، حتى المنطق الوصفي والمنطق الجدلي، وله دراسات عن مدرسة الجدليين منذ الفيلسوف الألماني هيغل حتى ما كتبه ماركس، وتفرع منه ما كتبه منظّرو الماركسية، وله دراسات عن المنطق الرياضي واعتراضات على وايتهد وراسل، كما له اعتراضات على مدرسة هيغل"(9).

تخرج محمود محمد طه" في العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، والتي كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة، وعندما عمل الاستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا إلى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين، رغم كونه من كبار الموظفين، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادى الخريجين، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا، وأوعزت إلى مصلحة السكة حديد بنقله، فتم نقله إلى مدينة "كسلا" في شرق السودان في العام 1937م، غير أنّ محمود محمد طه" تقدم باستقالته من العمل في عام 1941، وأختار أن يعمل في قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول، بعيدا عن العمل تحت امرة السلطة الاستعمارية. كان محمود محمد طه" في تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان، وفى شحوب غروب شمس الاستعمار عن أفريقيا، علما بارزا في النضال السياسي والثقافي ضد الاستعمار، من خلال كتاباته في الصحف، ومن خلال جهره بالرأي في منابر الرأى، غير أنّه كان مناضلا من طراز مختلف عن مألوف السياسيين،حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها، وقد أدرك الإنجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه (10).

وقد قاد "محمود محمد طه" وهو رئيساً للحزب الجمهوري، نضالاً كبيراً في مواجهة الاستعمار، فقد تبني خط المصادمة، حيث كان يري بأنه يجب أن يخرج الاستعمار من خلال الصدام لا من خلال المفاوضات الفوقية كما تبناها قادة الحركة الوطنية، وحث هؤلاء القادة بأنه لا بد من مواجهة الاستعمار، ولا بد من إشراك الجماهير (11).

وبالفعل نشأ الحزب الجمهوري على المصادمة المباشرة للاستعمار، دون أن تقعده الرهبة، أو يصرفه اليأس، فحفظ التاريخ للأستاذ " محمود محمد طه" صوراً ناصعة من الإخلاص المتجرد من الخوف والطمع، في مواجهات مكشوفة مع الاستعمار، ومع الطائفية السياسية التي كانت تحرك الشعب لمصلحة قادتها (12).

ورغم أن الحزب الوليد اتخذ من الإسلام مذهبيةً له، غير أنه لم يكن يملك، في تلك الفترة، من تفاصيل المذهبية ما يمكن أن يقدمه للشعب، فانصرف أفراده إلى ملء فراغ الحماس، متخذين من سياسة الاستعمار تجاه الجنوب، وقضايا مزارعي مشروع الجزيرة مواضيع للنضال وتحريك الشعب، فضرب رجال الحزب الجمهوري الأمثال في شجاعة المواجهة، حيث كان الحزب يطبع المنشورات المناهضة للاستعمار، ويحرص أفراده على توقيع أسمائهم عليها، وتوزيعها، في عمل فريد من أعمال المواجهة العلنية، إضافة إلى قيامهم بالخطابة في الأماكن العامة، حتى استشعرت السلطات الاستعمارية الخطر، فاعتقلت "محمود محمد طه"  في يونيو من عام 1946م وقدمته إلى المحاكمة، ووضعته أمام خيارين: السجن لمدة عام، أو إمضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسي، فاختار السجن دون تردد. وكان بذلك أول سجين سياسي في تاريخ الحركة الوطنية السودانية (13).

واصل "محمود محمد طه" مقاومته للمستعمر بعدم تنفيذ أوامر السجن، في حين واصل رفاقه في الحزب مقاومتهم خارج السجن، فأضطُرت سلطات الاستعمار إلى إطلاق سراحه بعد خمسين يوماً. وقد أدى نبأ إطلاق سراحه، مثلما أدي نبأ سجنه، إلى تجاوب واسع من قطاعات الشعب، أظهرته برقيات التأييد التي انهمرت على الحزب من كافة محافظات السودان (14).

وبعد إتمامه مدة سجنه في العام 1948م خرج "محمود محمد طه"  إلى مدينة رفاعة، حيث اعتكف مدة ثلاث سنوات في خلوة عن الناس، أتم ما كان قد بدأه في سجنه من تهيؤ لدعوته الإسلامية. كانت أيام خلوته واعتكافه عامرة بالإشراقات الروحية، والسمو النفسى، وقد بدا واضحاً أن الأستاذ "محمود طه"  قد أقبل على موضوع كبير وخطير، وكان الحزب الجمهوري قد توقف نشاطه طوال فترة الاعتكاف (15).

خرج الأستاذ "محمود محمد طه" من اعتكافه في أكتوبر 1951م ودعا الحزب الجمهوري إلى اجتماع عام عقد في 30 أكتوبر 1951م . في هذا الاجتماع طرح الأستاذ محمود المذهبية الإسلامية الجديدة، التي تقوم على الحرية الفردية المطلقة، والعدالة الاجتماعية الشاملة، ليتجه الحزب الجمهوري من ملء فراغ الحماس إلى ملء فراغ الفكر (16).

في عام 1952م صدر لـ "محمود محمد طه" كتاب (قل هذه سبيلي)، وبدأت بذلك حركة واسعة لتأليف الكتب التي تتولى شرح فكرة الدعوة الإسلامية الجديدة وتفصيل مذهبيتها؛ وقد دعا الأستاذ "محمود طه"  إلى الإسلام كمذهبية تبشّر بتحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق تقديم المنهاج الذي يحقق السلام في كل نفس بشرية، حيث يُقدم الإسلام في مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام. وقد ظلت قضايا الفكر، والحرية، والاستقراء العلمي للحضارة الغربية ولواقع المسلمين قضايا مطروحة بإلحاح منذ أن تناولها "محمود طه"  في المنشور الأول (17)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- أبو ذر الغفاري: محمود محمد طه وآراؤه في النسخ في القرآن (عرضا وتحليلا)، البحث العلمي، مقدم إلى كلية أصول الدين مكملا للشروط اللازمة للحصول على درجة بكالوريوس في قسم التفسير والحديث، قسم التفسير والحديث- كلية أصول الدين، ص18.

2- الكيالي، عبد الوهاب، (1985)، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط2، ج6، ص ص 114-115.

3- عبدالله الجبور: الأستاذ المفكِّر فى زمن الردَّة؛ محمود محمد طه (1908-1985(، 6 يونيو، 2018، التنويري.

4- نجاة إدريس إسماعيل: محمود محمد طه الإسلام في رسالتين، بدايات، العدد ١٣ - شتاء ٢٠١٦,

5- نفس المرجع.

6- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 19.

7-سامح إسماعيل: محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج،12/11/2017.

8- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 20-22.

9-محجوب عمر باشري: رواد الفكر السوداني،  الخرطوم : دار الجيل، بيروت،1991،، ص22-25.

10- عادل الامين: سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، الحوار المتمدن-العدد: 3279 - 2011 / 2 / 16 - 11:13.

11- سعيد الحاجي: الرسالة الثانية من الإسلام…هكذا تم إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، السبت 16 مايو 2020 - 9:03 م.

12= عبدالله الجبور: نفس المرجع.

13- نفس المرجع.

13- نفس المرجع؛ وأنظر أيضاً: إسماعيل أحمد محمد: الأستاذ محمود محمد طه زمراً للحرية والديمقراطية، سنودانايل، نشر بتاريخ 28 تشرين 1/ أكتوبر 2015.

14- عادل الامين - سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، نشر بتاريخ 16/2/2016.

15- أسماء محمود محمد طه: مقدمة كتاب نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ط رؤية، مصر،2012، ص 9-10.

16- نفس المرجع، ص 12.

17-محمود محمد طه:  قل هذه سبيلي، أم درمان، الحزب الجمهوري، السودان، 1952م، ص56.

 

 

لطفي شفيق سعيدفي البدء لا يسعني سوى أن أشكر زميلي الأستاذ قاسم لإتاحة الفرصة لي للعودة إلى الكتابة المطولة والتي توقفت عنها بسبب ما تحمله الشيخوخة من مصاعب لا تخفى على أخي العزيز ولكن للضرورة أحكام.

سأبدأ من حيث انتهيت في الجزء السابق وهو ما يتعلق بشخصية الشهيد الخالد الزعيم عبد الكريم قاسم ومدى تأثيرها على مجريات الأحداث سلبا وإيجابا وقد تكون السلبيات أكثر تأثيرا عما جرى من أحداث مأساوية في تلك الحقبة لكونها قد طغت على الإيجابيات والإنجازات المهمة والمفيدة والتي كان أهمها تحرير العراق من ربقة المستعمر ومستغلي ثرواته وربطه بأحلاف ومعاهدات جائرة وبناء عراق متطور ومزدهر وكان تأثير السلبيات كبيرا وبالغا في تدهور الأوضاع وحرف مسيرة التقدم وسيطرة عناصر الشر على المراكز المهمة في الدولة وعودة النفوذ الأجنبي واستمرار استحواذه على ثروات البلاد، ورب سائل يسئل وباعتقادي هو سؤال مشروع :لماذا احمل الزعيم جانبا من ذلك السقوط المريع؟ وللزعيم مكانة مرموقة لدى الكثير من أبناء الشعب العراقي وإن ما قام به من خدمات كبيرة شاخصة للآن ما لم يقدمه حاكم قد حكم العراق سابقا ولاحقا وقد يتصور البعض بأنني أمقته أو أحقد عليه وكيف يكون ذلك وإنني أعرف شخصيته حق المعرفة ودرستها عن كثب قبل قيام الثورة وكيف كان يعطف على الصغير والكبير من أفراد لوائه من الجنود والضباط ويمكن أن ابين حادثة قد شهدتها بأم عيني حلال وجودي في مقره فقد استدعى ضابط الاعاشة وكان برتبة رئيس أول وتبدو عليه مظاهر التعب وسأله فيما إذا هو ينوي الذهاب لعائلته خلال إجازة الخميس والجمعة وبين له الضابط المذكور بأنه سوف يبقى في المعسكر لضيق اليد وعدم امتلاكه النقود التي توفر له الذهاب لعائلته عندها استدعى الزعيم ضابط الرواتب وسأله كم من النقود في القاصة تعود اليه والتي بقيت من راتبه فرد عليه ضابط الرواتب إن لديك عشرة دنانير فقال الزعيم اعط لضابط الاعاشة خمسة وابقي لي خمسة ويبدو أن هذا الاجراء لم يقنع ضابط الاعاشة واستشعر الزعيم حالته وطلب من ضابط الرواتب إعطاء ضابط الاعاشة الخمسة الأخرى قائلا إنني سوف أبقى في المعسكر وليذهب ضابط الاعاشة لأهله لأنه صاحب عائلة، إنني حين أروي هذا الموقف ولو أنه لا يشكل حدثا كبيرا فإنه يعكس نفسية ذلك القائد قبل استلامه المهمة الكبرى ولذلك كنا نحبه ونجله ونعرف بأنه هو المنقذ والذي أنتشر صيته بين الناس قبل قيامه بالثورة وهناك تفاصيل مهمة حول هذا الموضوع سأتطرق اليها في أجزاء أخرى.

إن كل ما سأذهب اليه خلال تشخيص الأحداث وموقف الزعيم منها هو أن الزعيم لم يصغ للنصح وللتحذيرات التي كانت تصدر من أقرب الناس اليه وأكثرهم اخلاصا له وللحفاض على الجمهورية والوقوف ضد من يخطط للإطاحة بها في الوقت الذي أصبحوا فيه في الدائرة القريبة منه وحتى في وزارة الدفاع وبالقرب من مكتبه وكل ما كان يتخذه من إجراءات هي في حقيقتها خاطئة وبتصوره أنها كانت تصب في سياق استقرار البلد واحداث توازن بين القوى المتصارعة آنذاك ولكن ذلك التوازن الذي كان يتصوره قد قرب اشد الأعداء اليه وابعد أشجع المخلصين له وللجمهورية ومنهم على سبيل المثال الشهيد فاضل عباس المهداوي الذي نأى بنفسه عنه في الفترة الأخيرة ولكنه اسرع في يوم الانقلاب للالتحاق به في وزارة الدفاع ثم ليستشهد معه وكذلك الشهيد جلال الأوقاتي الذي كان يردد دائما أن الزعيم بطريقته هذه سيقتل نفسه ويقتلنا معه وبالفعل أنه قتل في ساعة الصفر في الانقلاب المشؤوم .

إن السبب المباشر الذي جعل الزعيم عبد الكريم قاسم أن يتصرف ذلك التصرف الخطأ والمدمر هو أنه اقتنع بما كان يروج له المغرضون من دعايات وأخبار ملفقة وصور مفركة على أساس أن الشيوعيين يقومون فيها وبضمنهم الضباط والجنود المقربين اليه ومن تلك الاشاعات التحضير للقيام بانقلاب واستلام السلطة من قبل تلك المجموعة من الضباط الشيوعيين ، إن ذلك الاعتقاد قد ترسخ لدا الزعيم من دون أن يقوم بالتحقيق عن مصدره والغاية من ترويجه وكل ما قام فيه وخلال تكشف خيوط انقلاب 8 شباط هو اعتقال قادة مهمين من حزب البعث وعلى رأسهم علي صالح السعدي وزمرة أخرى معه خلال عقدهم اجتماع في أحدى الدور في منطقة العطيفية الغرض منه التخطيط للانقلاب وذلك في يوم الأثنين أي قبل ثلاثة أيام من الانقلاب كما أحال قسما من الضباط البعثيين والقوميين على التقاعد في نفس ذلك اليوم ولم يعتقلهم أو يحقق معهم مع أن جميع تفاصيل الانقلاب قد سربها له أحد قادة الانقلاب من الضباط الكبار ويمكنني القول إن تلك الإجراءات الباهتة جعلت باقي المتآمرين ان يسرعوا بتنفيذ الانقلاب بعد ثلاثة أيام من اعتقال المذكورين واحالة قسم ضئيل منهم على التقاعد مما حدى بالمتقاعدين ان يرتدوا ملابسهم العسكرية وينفذوا صفحة من الانقلاب بشراسة واندفاع، أما (القشة التي قسمت ظهر البعير) فهي تتمثل بإحالة عدد مهم من قادة الجيش وضباط مخلصين بمختلف الرتب والاختصاص على التقاعد وتنسيب عددا آخر منهم كضباط تجنيد ومن ضمنهم طيارين مهمين مسئولين عن قيادة طائرا ت مقاتلة حديثة دخلوا دورات على استخدامها في الاتحاد السوفيتي ولذلك اعتبروا شيوعيين حسبما روجه المغرضون، إضافة لذلك العدد عدد آخر من مختلف الصنوف الأخرى أبعدوا خارج بغداد وإلى أماكن نائية جدا مثل حلبجة وجمجمال وقضاء الحي وقضاء سوق الشيوخ وغيرها من الأماكن البعيدة وأخطر من ذلك كله فقد جرى اعتقال ضباط مهمين بحجة التخطيط للانقلاب واستلام السلطة منه ويندرج ذلك ضمن حملة الدس والتضليل التي كان تقوم فيها العناصر المعادية للحكم واضرب مثلا على هذا الاجراء الخطر اعتقال العقيد ضابط الدروع سلمان الحصان وكذلك كل من الرئيس فاضل البياتي الذي قتل تحت التعذيب في قصر النهاية والرئيس مهدي حميد الذي ارسل الى سجن نقرة السلمان قبل الانقلاب واعدم بعده وكذلك الرئيس الأول خزعل السعدي وهو من الضباط الاحرار المهمين حيث كانت الاجتماعات تعقد في داره قبل الثورة وقد التحق خلال الانقلاب في صفوف المقاومة في الكاظمية وقاد المقاومة وحوصر في احدى الازقة والقي القبض عليه لعدم امتلاكه السلاح وهو متقاعد وارسل إلى قصر النهاية واستشهد هناك تحت التعذيب ومثله مثل الرئيس الأول جلال أحمد فهمي والرئيس عباس الدجيلي ومن الضباط الكبار الذين تم أحالتهم على التقاعد بسبب تلك الوشاية وفي الخامس من تموز عام 1959 الزعيم إبراهيم الجبوري الملقب بالخال وكان قبل الثورة يترأس تنظيم الجنود والضباط الديمقراطيين الأحرار الذي تم تشكيله عام 1953 في الفرقة الأولى في الديوانية وما حدث للزعيم إبراهيم الخال يعكس مدى الخطأ والخلل الذي ارتكبه الزعيم والذي كان له الأثر البالغ في قيام المتآمرين بالمهمة القاتلة وهو ما تحدث به الينا في أحد جلساتنا معه في القلعة الحجرية لسجن نقرة السلمان المخصصة لسجناء الاحكام الثقيلة قائلا عند استماعي لبيان الانقلابيين ارتديت ملابسي العسكرية ودخلت الى وزارة الدفاع تحت وابل القصف من أجل الالتحاق بالمدافعين وتقديم المساعدة التي يحتاجها الزعيم إلا أنه حال أن رآني صرخ بي قائلا كيف تسنى لك أن ترتدي الملابس العسكرية وأنت محال على التقاعد عليك أن تترك الدفاع وإلا سوف اعتقلك مما اضطرني للرجوع إلى بيتي وعندها اعتقلت وتم الحكم علي بالإعدام بتهمة مقاومة الانقلاب في وزارة الدفاع ثم خفض الحكم الى المؤبد لعدم ثبوت الأدلة ، ومن الإجراءات الخطيرة والتي اعتبرها خطأ قد اقدم عليه الزعيم في سياق إدارة البلد وما يشبه أدارة دفة معركة خلال الحروب هو نقل عد كبير من الضباط من وحدات مهمة داخل بغداد الى خارجها وفي تاريخ بداية النهاية الذي ذكرته سابقا وهو الخامس من تموز عام 1959 أي قبل الذكرى الأولى لقيام الثورة وممن شملهم هذا الأمر نقلي وعدد آخر معي من اللواء التاسع عشر المرابط في معسكر الرشيد الى أمرة الفرقة الأولى وقائدها الزعيم الركن حميد الحصونة والذي كان يجاهر أمام ضباطه قبل هذا التاريخ بأنه كان يجلس مع سكرتير الحزب الشيوعي العراقي فهد على نفس الرحلة في المدرسة التي كانا يدرسان فيها سوية ولكن بعد ذلك التاريخ انقلب مع المنقلبين واستقبلني بالسخرية والاستهزاء بادعائه بأنني ضابط احتياط حسبما جاء في برقية نقلي المزيفة مما جعلني أن اذكر له أنني ضابط حربي ومن ضباط لواء الزعيم قبل الثورة وبعدها وبينت له جانبا مما كلفت به خلالها وعندها نسبت إلى الناصرية وثم إلى قضاء الشطرة ومن هناك كنت انصت إلى الاحتفالات القائمة في بغداد بمناسبة الذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من تموز الثورة التي عرفت الكثير عنها قبل ولادتها بسنوات خلال وجودي في ذلك اللواء وشهدت ساعة انبثاقها فجر يوم الإثنين المصادف 14 تموز واستمعت لبيانها الأول في ساعة اذاعته عند الساعة السادسة فجرا عندما انطلق صوته من خلال الجهاز اللاسلكي الرقم 9 المثبت في سيارتي العسكرية اللاندروفر المنطلقة ضمن جحفل اللواء المتجه الى بغداد تحت استغراب من لم لهم دراية بالمهمة الحقيقية لكون ما تلقوه من أوامر كانت عبارة عن تمرين اركاب وانزال وفي حدود معسكر المنصورية بينما ينطلق بهم اللواء أبعد من ذلك حتى وصوله إلى مشارف بغداد ، إن الفرق كبير وشاسع بين ما كنت استمع اليه في صبيحة 14 تموز الاغر وبين استماعي للاحتفال في الذكرى الأولى لقيام الثورة في منفاي في الشطرة حيث كان الفرح ولزهو يملأ نفسي في الحالة الأولى أما في الحالة الثانية فقد كان الألم يعتصر قلبي والأسف والخوف على اعز وازهى حدث جرى خلال حياتي في تلك المرحلة العصيبة من مراحل تاريخ العراق وللمداخلة صلة حيث كان لمقالة اخي الدكتور قاسم أثرا في فتح مغاليق الذاكرة التي تراكمت فوقها أحداث واحداث وإلى جزء آخر من هذه المداخلة.

 

لطفي شفيق سعيد

الأول من نيسان 2021

 

 

يسري عبد الغنيالخطيب الذي سيبعث يوم القيامة أمة وحدها

قس بن ساعدة الإيادي هو خطيب من أكبر حكماء العرب قبل الإسلام. رآه النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبيل البعثة يخطب الناس بسوق عكاظ وروى خطبته وعجب من حسنها وأظهر تصويبها ثم قال: «يرحم الله قسا أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده».

حياته

هو من بني إياد أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، في الجاهلية كان أسقف نجران، ويقال إنه كان أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه " أما بعد " وكان يذهب إلى قيصر الروم، زائرا، فيكرمه ويعظمه وهو معدود في المعمرين، طالت حياته وأدركه النبي صلى الله عليه وسلم، قبل الوحى، ورآه في عكاظ .

كان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم وينتظر ظهوره ويقول: إن لله دينا خير من الدين الذي أنتم عليه. وكان النبي يترحم عليه ويقول: يحشر يوم القيامة امة واحدة.

وقيل أرثي بيت قالتة العرب كان لقيس

--عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما

تحية من أوليتهُ منك منة * إذا ذكرت مثلها تملأ الفما

فما كان قيس هلكهُ هلكُ واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما

الابيات لبعدة بن الطيب

عند الجاحظ

قال الجاحظ في البيان والتبيين: ومن خطباء إياد قس بن ساعدة، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: "أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات وكل ما هو آت آت" وهو القائل في هذه:

"آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. ضوء وظلام، وبر وآثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب . ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون. أرضوا فأقاموا أم حبسوا فناموا".

وهو القائل:

"يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر، أقسم قس بالله إن لله لدينا أرضى من دينكم هذا".

وأنشدوا له:

فـي الـذاهـبــيــن الأ ولـيـ *** ن من القرون لنا بـصائـر

لـما رأ يـــــت مـــواردا *** للـموت لـيـس لها مصـادر

ورأ يـــت قومي نـحـوها *** يمضي الأصاغر والأكابر

لا يـرجـع الــماضـي ولا *** يـبـقى مـن البـاقـيـن غـابـر

أيـقــنــت أ نـي لا مــحــا *** لة حـيث صار القوم صائر

وقال الجاحظ في موضع آخر من نفس الكتاب:

ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر تصويبه، وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال. وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث. ولذلك كان خطيب العرب قاطبة.

وقال الجاحظ أيضا:

وفي الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أووصف أواحتج بليغا مفوها بينا، وربما كان خطيبا فقط، وبين اللسان فقط.

فمن الخطباء الشعراء الأبيناء الحكماء: قس بن ساعدة الإيادي، والخطباء كثير والشعراء أكثر منهم ومن يجمع الشعر والخطابة قليل.

وقال الجاحظ في موضع آخر:

"وقال أبو عمرو بن علاء: كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي كان يقيد عليهم مآثرهم، ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخدوا الشعر مكسبة، ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر. ولذلك قال الأول :"الشعر أدنى مروءة السري وأسرى مروءة الدني."

قال: "ولقد وضع الشعر من قدر النابغة الذبياني ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة". (انتهى كلام الجاحظ).

في البداية والنهاية

وجاء ذكر قس بن ساعدة في كتاب البداية والنهاية لابن كثير في عدة روايات، يذكر في إحداها أنه لما جاء وفد إياد إلى النبي صلى الله عليه وسلم سر بقدومهم وسألهم عن قس بن ساعدة، فقالوا هلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهما نسيت فلن أنساه بسوق عكاظ واقفا على جمل أحمر يخطب الناس، وهو يقول... "، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم خطبته المعروفة وقال: "يرحم الله قسا، أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده (أو أمة واحدة). وذكروا كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن قس هل ترك وصية ؟ قيل: وجدوا عند رأسه صحيفة فيها من إنشاء قس بن ساعدة:

يا ناعي الموت والملحود في جدث *** عـلـيـهـم مـن بـقـايا قـولهـم خرق

دعـهم فإن لهـم يـوما يـصاح بـهـم *** فهم إذا انتبهـوا من نومهـم أرقوا

حتى يعودوا بـحـال غـيـر حالـهـم *** خـلقـا جـديـدا كما من قـبله خلقوا

منهـم عـراة ومـنهـم فـي ثـيابـهـم *** منها الجـديـد ومنها المنهج الخلق

ونسبوا إلى قس بن ساعدة قوله: "كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وإليه المآب غدا". وقوله: "كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود". وهذا مطابق لسورة الإخلاص لفظا ومعنا.

وجاء في كتاب "النصوص الأدبية" (مكتبة الرشاد) ذكر قس بن ساعدة. يقول المؤلفون: "وقد نزل القرآن مصدقا لقوله، مقرا طريقة قس في الإستدلال بعجائب المخلوقات على وجود الخالق" ورووا له هذه الخطبة:

أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئا فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا؟ تبا لأرباب الغفلة والأمم الخالية والقرون الماضية.

يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين المريض والعواد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيد، وزخرف ونجد؟ أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم الدهر بطوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية. كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود". وذكروا له الأبيات المعروفة: "في الذاهبين الأولين ... "

من حكمه

وينسب الرواة إلى قس بن ساعدة حكما كثيرة منها: "إذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاصدق، ولا تستودعن سرك أحدا، فإنك إن فعلت لم تزل وجلا، وكان بالخيار، إن جنى عليك كنت أهلا لذلك، و إن وفى لك كان الممدوح دونك. وكن عف العيلة مشترك الغنى تسد قومك". ومنها: " من عيرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، وإذا نهيت عن الشيء فابدأ بنفسك. ولا تشاور مشغولا وإن كان حازما، ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا". وقالوا انه هو أول من قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، وأول من قال: "أما بعد".

**

وحدثنا أبو بكر قال حدّثنا السكن بن سيعد عن العباس بن هشام عن أبيه قال: كان قسّ بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره فقال له قيصر يوماً: ما أفضل العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحقوق.

المصدر كتاب الامالي للقالي ج2 ص 43

ذكره في الشعر الجاهلي

والمثير للإنتباه أن كثيرا من الآيات القرآنية جاءت على منوال هذه الخطبة معنى و لفظا، ولهذا فإن كثيرا من الناس يعتبرون قسا من الأنبياء، وآخرون يعتبرون أقواله من علامات النبوة وإرهاصاتها.

وذكر الدكتور جواد علي قسا بن ساعدة مرارا في كتابه: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. قال: ولدى الرواة أبيات ينسبونها إلى بعض الشعراء الجاهليين، هم الأعشى، والحطيئه، ولبيد، ذكر فيها إسم قس، وقد أشيد فيها بفصاحته وبلاغته وحكمته،  وقد ضرب المثل بشخصيات جاهلية تركت أثرا في أيامها، فضرب بها المثل، مثل "أبلغ من قس" ويراد به قس بن ساعدة الخطيب الشهير.

وجاء في كتاب الإصابة: "قس بن حذافة بن زفر بن إياد بن نزار الإيادي البليغ الخطيب المشهور. ... وكانت العرب تعظمه وضربت به شعراؤها الأمثال. يقول الأعشى في قصيدة له:

وأحلم من قـس وأجرى من الـذي *** بذي الغيل من خفان أصبح حادرا

وقال الحطيئة:

وأقول من قس وأمضى كما مضى *** من الرمح إن مس النفوس نكالها

وقال لبيد:

وأخـلـف قـسـا لـيـتـنـي ولـعـلـنـي *** وأعـيا على لـقـمان حـكـم التـدبـر

وأشار بذالك إلى قول قس بن ساعدة:

وما قد تولى فـهـو قـد فـات ذاهـبا *** فـهـل يـنـفـعـني لـيـتـني ولعـلني

كان قارئا كاتبا

ويقول أهل الأخبار ان قسا كان قارئا كاتبا مطلعا على كتب أهل الكتاب، ولكنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، بل كان حنيفا يدين بالتوحيد. وقالوا انه كان متصلا بقيصر الروم وفد اليه فاكرمه وعظمه وانه توفي قبيل البعثة سنة 600 م.

 فإذا شئت الإطلاع على المزيد من أخباره فانظر مثلا: البداية والنهاية، لابن كثير؛ دلائل النبوة، للبيهقي؛ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي؛ تاريخ الأدب العربي، لأحمد حسن الزيات، وغير ذلك من المراجع.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

لطفي شفيق سعيدإن أهم ما ورد في تلك المقالة وخاصة في الجزء الأول منها هو السؤال الذي كثيرا ما طرح سابقا واستمر طرحه لزمن تعدى نصف قرن وهو (لماذا لم يستلم الحزب الشيوعي العراقي السلطة) وبالتحديد خلال عام 1959 وبعد محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم؟) وأضيف اليه بعد أن وصل عدد أعضاءه من العسكرين ضباطا ومراتب إلى خمسة آلاف عضو حتى لم يصل اليه الجيش السوفياتي  في حينه وهو ما بينه ذلك عضو المكتب العسكري للحزب الشيوعي العراقي المرحوم ثابت حبيب العاني (أبو حسان) في مذكراته، أن الإجابة على هذا السؤال يتطلب شرحا مفصلا ووافيا لا يسع المجال لتحقيقه وإنني قدر الإمكان سألخص بعض ما عايشته واطلعت عليه وواكبت أحداث تلك المرحلة منذ تخرجي من الكلية العسكرية عام 1956 والتحاقي في اللواء التاسع عشر والذي كان بإمرة الزعيم عبد الكريم قاسم ولغاية ابعادي من اللواء في الذكرى الأولى للثورة وهذا الأمر يندرج ضمن الإجابة عن السؤال والذي سترد  تفاصيلها لاحقا، أما ما حدث بعد هذا التاريخ أي بعد الذكرى الأولى للثورة فقد تداعت الأحداث حتى وصلت إلى زمن القسوة والعذاب والمهانة وارتكاب خطأ جسيم  قوض كيان الثورة وقضى عليها وقد تحمل وزر تلك الأخطاء الشعب العراقي وما آل اليه من تردي ومصائب ودمار لا زال يئن من ثقلها وقسوتها لحد الآن.

إن ذلك الخطأ الجسيم لا فائدة من القاء اللوم أو التهم على مرتكبيه حيث لا فائدة منها إن لم تكن تحت طائلة القانون ويلقى مسببها جزاء ما اقترفت يداه من ذنب عظيم بحق الوطن والشعب ومثل ما يقوله المثل العامي (بعد ما وكع الفاس  بالراس) وإن اجترار أحداث تلك المرحلة لا يقدم شيئا ولا يؤخر ولا  يمكن أعادة عجلة الزمن إلى وراء وبالأخص لمن رحل منهم أو من الباقين من هم مثلي على اعتاب التسعين حيث بت اردد  بيت الشعر الذي يذكرني بأصحابي الأوفياء الذين ضحوا بأرواحهم ورحلوا بصمت:

(عرم الزمان على الذين شهدتم       بك قاطنين وللزمان عرام).

ولغرض العودة إلى السؤال المطروح الذي أثار طرحه المواجع وبعد أن وجدت بأن من طرحه قد وضع أصبعا واحدة على الجرح في وقت يتطلب استخدام الكفين لإزاحة الرماد عن الهشيم الذي خلفته تلك الحرائق عن واقع قل ما يوصف بأنه رهيب وفظيع، لقد ورد في سياق المقالة تلك النص التالي:

(في تلك الغرفة الضيقة وعيني على العقيد عبد النبي الدهان كانت بداية تساؤلي : لماذا لم يستلم الحزب الشيوعي السلطة؟ إن ما رواه العقيد محمد عمران عضو القيادة القومية لحزب البعث السوري كطرفة عام 1964 إذ قال: طلب من أحد ضباط الجيش العراقي إعدام إثني عشر ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلا لإعدام خمسمائة شيوعيا ولن يزعج نفسه من أجل إثني عشر فقط (انتهى نص الفقرة) ولغرض إيضاح تلك الحادثة وحقيقتها فهي جرت كالتالي:

إن الضابط المذكور هو العقيد الركن عبد الغني الراوي وهو عضو في جماعة الاخوان المسلمين وقد كان له دورا بارزا في انقلاب شباط 1963 وإن الخمسمائة شيوعي هم ضباط فقط تم نقلهم من السجن الرقم واحد الى سجن نقرة السلمان بفطار الموت بعد فشل انتفاضة البطل نائب العريف حسن سريع وقد اجتمعت قيادة حزب البعث بشقيها العسكري والمدني وتباحثوا عن كيفية التخلص من ذلك العدد بعد أن نجوا  من موت محقق بأعجوبة خلال نقلهم  بقطار الموت فاقترح اعضاء  القسم العسكري  الذي كان يمثله كل من أحمد حسن البكر وطاهر يحيى وصالح مهدي عماش وعبد الغني الراوي وعبد السلام عارف أن يذهب عبد الغني مع ثلة من الجنود إلى سجن نقرة السلمان ويقوم باعدام ذلك العدد من الضباط  وحصل آنذاك خلاف بين القيادة المدنية والقيادة العسكرية حول العدد واقترحت القيادة المدنية أن ينتقى اثني عشر مهم منهم يتم اعدامهم واعترض كل من عبد السلام وغني الراوي على الاقتراح وأكدا بأن لديهما فتوى من مرجع ديني شيعي يحلل قتلهم باعتبارهم كفرة وملحدين وأنهما يحتفظان بورقة  تلك الفتوى ويقال إن ذلك كان ادعاء لم يثبت صحته أما الاعتراض المشار اليه في النص الوارد بالمقالة فقد ورد القول على لسان عبد الغني نفسه.

إن ما سأتطرق اليه والاجابة عن السؤال المهم الذي ورد في المقالة فإنني سأتطرق إلى الجانب العسكري فقط والذي يهمني ويخصني ويشمل العدد الكبير من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي العسكريين من ضباط ومراتب في مختلف الوحدات وقادة خمسة في فرق عسكرية كان معظمهم في بغداد أو بالقرب منها وسوف لن اتطرق الى موقف الحزب الشيوعي العراقي وما دار حول سياسته في تلك المرحلة فقد سبقني الكثيرون للتعرض لها وإن ما يهمني أن أبين سبب انهيار تلك الكتلة الحديدية من العسكريين وعدم التصدي للانقلابيين في 8 شباط وأعدم منهم من أعدم وسيق المئات منهم أذلاء للسجون لا حول لهم ولا قوة بعد لاقوا صنوف العذاب والتنكيل والإهانات وضياع المستقبل.

إن أول أمر يمكن أن اعتبره كان سببا في تلك النهاية المدوية والصادمة هو شخصية الزعيم قائد الثورة والمرحلة عبد الكريم قاسم وتحولها من شخصية ثورية قل نظيرها وفريدة من نوعها ويحمل صفات الفرسان الأسطوريين مثل الذين ورد ذكرهم في الأساطير والروايات أمثال روبن هود والفرسان الثلاثة وغيرهم إلا أن تلك الشخصية سرعان ما فقدت بريقها وعنفوانها  وتقديرها الصائب للمصاعب والمصائب والاكتفاء  بالإرث النفسي الذى حققه له نجاح الثورة والخطة المحكمة التي وضعها لتنفيذها مبتعدا عن من شاركه وساهم معه في إنجاح الثورة مدافعا عنها ببسالة خلال تعرضها في بداياتها والانك والادهى من ذلك فقد قرب اليه المحيطين به من اشد الحاقدين عليه وممن كانوا يخططون للقضاء عليه بل للقضاء على الثورة ومنجزاتها وتفاصيل ذلك قد تم ذكرها في العديد من المناسبات.

إنني حينما أبين جوانب من شخصية الزعيم عبد الكريم لا أعني بذلك المساس به وبكل ما أعرفه وتعلمت منه وعملت معه خلال وجودي في معيته ضمن لوائه التاسع عشر ولمدة ثلاثة سنوات اثنتان منها قبل الثورة وواحدة بعدها ولتبيان ذلك أود أن أطرح تصورا على أخي الدكتور قاسم لبيان ما قصدته حول شخصية عبد الكريم قاسم وبداياتها ونهاياتها فلو كنت أخي موجودا مثلما كنت أنا موجود في ذلك اليوم التاريخي يوم الثالث عشر من تموز عام 1958 وفي معسكر المنصورية لرأيت كيف كان يبدو وضع ذلك الضابط الذي يحمل رتبة زعيم ركن ولم يتعد عمره الرابعة والأربعين أي في شرخ الشباب والذي ينم مظهره بأنه أكبر من هذا العمر بكثير ولا غرابة على الذي يحمل تلك المهمة والمسؤولية الصعبة والخطرة فقد كان آنذاك يتحرك كالأسد الهصور متنقلا من مكان لآخر من أجل التأكد بأن كل شيء على ما يرام وبكل سرية تامة ومنها أن ذهب في صباح ذلك اليوم إلى جلولاء للقاء الشخص الثاني المكلف بتنفيذ صفحات الثورة العقيد الركن عبد السلام محمد عارف ويسلمه البيان الأول الذي كتبه بحط يده ولا يتطلب ذلك إلى نقاش أو تأكيد فقد ورد ذلك في مذكرات المحامي حسين جميل بأن عبد الكريم قد عرض عليه صيغة البيان الأول الذي كتبه بيده وطلب اليه أن يبدي رأيه فيه من الناحية القانونية وتأثيره على الواقع الدولي والمحلي،

إن تفاصيل ذلك اليوم والأحداث المهمة التي جرت فيه من تحضيرات متعلقة بخطة الثورة وكيفية  تأمين متطلباتها كتهيئة العجلات وأملاء خزاناتها بالوقود وتوفير الكمية اللازمة من عتاد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وإصدار أمر الحركة الذي يجب أن يتم دون علم مديرية حركات الجيش أو معرفة الهدف الحقيقي من قبل أمراء الأفواج الثلاثة الذين لم يكونوا من تنظيمات الضباط الأحرار في تنظيم المنصورية لذلك فقد عقد الزعيم عبد الكريم قاسم مؤتمرا للعقداء الثلاثة في الساعة العاشرة من صباح يوم الثالث عشر من تموز 58 ليبين لهم بأنه يروم بتنفيذ خطة اركاب وإنزال لقطعات اللواء على أن يتحرك فجر اليوم التالي أي في يوم الرابع عشر وعليه يجب إبقاء كافة العجلات والجنود بكامل تجهيزاتهم السفرية في ساحة العرض مساء يوم الثالث عشر وأن يبقى جميع الضباط في المعسكر ولا يغادرونه لأي سبب كان أما فيما يتعلق بكيفية تأمين العتاد اللازم فقد جرى ذلك عن طريق أحد ضباط التنظيم الذي كانت المخازن بعهدته وتم تأمين طواقم الرشاشات والهاونات بأشراف ضباط من التنظيم أيضا وكذلك فيما يتعلق بأجهزة الاتصال اللاسلكي ،إن تلك المهمة قد جرت على اتم وجه وكان خلالها الزعيم رابط الجأش ولم تبدو على تصرفاته القلق أو الارتباك وهو يعلم علم اليقين جسامة مهمته وأن روحة وأرواح من هم بمعيته على أكفهم وأن فشل المهمة يعني الإعدام ولا غير ذلك.

لغرض التعرف على مزيد من تفاصيل عن ذلك اليوم يمكن الرجوع إلى الحلقات التي نشرتها في صحيفة 14 تموز تحت عنوان (يوم الثالث عشر من تموز أطول يوم قي عام 1958) وفيها تفاصيل وافية عن الحدث.

انتهى الجز الأول وإلى الجزء الثاني من المداخلة.

 

لطفي شفيق سعيد

31 آذار 2021

 

 

محمود محمد عليهو محمد بن الحسين بن حميد، المعروف بابن الآدمي، لم نجد له ترجمة كاملة سوي إشارة في كل من عمر رضا كحالة في كتابه (معجم المؤلفين – المجلد التاسع)، وصاعد ابن احمد الاندلسي في كتابه (طبقات الأمم)، وجمال الدين القفطي في كتابه (تاريخ الحكماء) وغيرهم.

وحسب هؤلاء فقد كان ابن الآدمي من علماء الفلك المرموقين في الحضارة العربية والإسلامية، فكان له صولة وجولة في هذا الميدان، وخاصة في ما يتعلق في الرصد وتصنيف الازياج، فقد استفاد فائدة عظيمة من اعمال محمد بن موسى الخوارزمي (164-235هـ) في مجال علم الفلك؛ والحقيقة أن ابن الآدمي اعتمد اعتمادا كلياً على نتاج الأستاذ الجليل محمد بن موسى الخوارزمي، في تأليف كتابه (نظم العقد) الذي صار من أهم المصادر في ميدان علم الفلك النظري.

ويذكر كارل ألفونسو نللينو في كتابه (علم الفلك-تاريخه عند العرب في القرون الوسطى) أنه في أيام المأمون وضع محمد بن موسى الخوارزمي زيجه المسمى بـ (السند هند الصغير) وعلى قول ابن الآدمي (عول فيه أوساط السند هند وخالفه في التعاديل والميل فجعل تعاديله على مذهب الفرس، ميل الشمس فيه على مذهب بطليموس، فاستحسنه أهل ذلك الزمان من أصحاب (السند هند) وطاروا به في الآفاق، وما زال نافعا عند أهل العناية بالتعديل الى زماننا هذا).

وقد مات ابن الآدمي قبل اكمال زيجه الكبير الذي جمع فيه جميع نتائج الأرصاد، التي عرفها عن العلماء الأوائل في علم الفلك، ولكن لحسن الحظ أن تلميذه اللبيب القاسم بن محمد بن هشام المدائني، المشهور باسم العلوي، أكمله في سنة 308هـ، واختار له اسم (زيج نظم العقد)، وفي هذا يقول صاعد الاندلسي في كتابه (طبقات الأمم) (كتاب نظم العقد (الزيج الكبير) جامع لصناعة التعديل مشتمل على أصول هيئة الافلاك، وحساب حركات النجوم على مذهب (السند هند) وذكر فيه من حركة إقبال الفلك وادباره، ما لم يذكره أحد قبله، وكنا نسمع عن هذه الحركة ما لا يعقل ولا ينضم الى قانون، حتى وقع هذا الكتاب، وفهم صورة هذه الحركة وكان ذلك سبب التفرس).

ولقد تميز ابن الآدمي في العمل الفني بجانب تفوقه في الأعمال النظرية، مما قاده إلى عمل ساعة دقيقة جدا، استخدمها في رصد حركة الكواكب، لذا يعد ابن الآدمي من علماء الفلك التطبيقي، وذلك لاهتمامه الملحوظ بالجانب العملي مع عدم إغفاله للجانب النظري.

وقد بقيت الساعة التي صنعها ابن الآدمي ردحا من الزمن، يعتمد عليها علماء العرب والمسلمين المتخصصين في علم الفلك والرصد، لأنها كانت تمتاز بالدقة المتناهية، كما أن علماء أوروبا ورثوا آلات الرصد عن علماء العرب والمسلمين، ومنها الأجهزة التي كان ستعملها ابن الآدمي.

نعم لقد كتب عن ابن الآدمي اكثر من غيره من علماء العرب والمسلمين في علم الفلك، على الرغم من أن انتاجه في هذا الحقل محدود للغاية، وتعليل ذلك يرجع لكتابه (نظم العقد) الذي استخدمه علماء أوربا مقررا في جامعاتهم مدة طويلة من الزمن، لما يحتوي عليه من معلومات ضرورية ونافعة، من هذا المنطلق حصل ابن الآدمي على سمعة جيدة بين علماء الغرب.

وخلاصة القول أن ابن الآدمي قليل النتاج في مجال اهتمامه علم الفلك، إذا ما قورن بأحد علماء العرب والمسلمين في هذا المجال، ولكن كتابه (نظم العقد) يعتبر فريدا من نوعه، لما يحتويه من معلومات أصيلة ودقيقة في حقل علم الفلك. نوه كل من صاعد الأندلسي وجمال الدين القفطي وكارل ونللينو وغيرهم، عن مكانة ابن الآدمي في علم الفلك، فهو بدون شك من كبار المفكرين العرب في هذا الميدان الحيوي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد الشاويرحم الله شيخ القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة؛ الأديب والفنان المبدع والمتفرد الحاج سِيدي عبد الرحمن الجباري، وأحسن إليه بقدر عشقه لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وحرصه على التمسك بمحجته البيضاء.

هو ابن العلاّمة العدل سِيدي إدريس الجباري مفخرة العرائش، الذي عمل على تلقينه أسس التربية الدينية المنفتحة وغير الخشنة، سيرا على على نهج التنشئة الأسرية لآل الجباري العالِمة. فكان حفظ القرآن الكريم مرتكزا لهذه التربية، والأحاديث، وعلم التجويد، والنحو، وفقه اللغة، وفن الخط، والخطابة...

ومن إهداءاته لي، التي أعتز بها أيما اعتزاز، ديوانه الزجلي: "عَرُّوشَة" نسبة إلى مسقط رأسه مدينة العرائش، وكما أراد هو أن يُدلِّعها بهذا الاسم  الدال على ظرافة مسمياته، وعذوبة مفرداته. "عرُّوشة" وليست "عرُّوش"، فهي الأنثى الجميلة والفاتنة  "المْسْرَارَة"، التي ينبغي على الرجال مغازلتها، والتودد لها بالتَنَعُّم "فْ مْحَاسْنْهَا نْظْرة". يقول عن عرّوشته:

بيني وبينك لعرايش يـــــاقوثــة

خـضرة عينـك تْطِـــيبها تـُوتـــة

ف شجرة تسايْنك كاشي كتْكُوتة

تـصونْ مـحايـنـك بـزغْـــروتـة

وتْهـدي لـزيـْنـْك ألــفْ حــوتَـة

بيني وبينك لعرايــش جُوهَــرة

تـبْــرد جْــفْــنْــكْ مـع الـبْحَّـارة

بيـني وبـينـك لــعرايش جْــنَــة

تـشهى مْلايْنــك وشْوية مْحْنَّــة

وينضاف إلى ديوانه الزجلي الأول: "عرّوشة" ديوانه الثاني، وهو: "رزة القاضي". لقد عهدتُ في سيدي عبد رحمن منذ نعومة أظافري؛ وخلال المناسبات العائلية حسن الإلقاء، ومبادرة الخطابة الاحتفالية. فعندما تعود بي ذاكرتي، أستبصر ملاحظة حية، عشتُها ذات مرة، وأنا طفل صغير منبهر بطريقة إلقاءه لحكاياته اللطيفة، والمؤنسة أثناء المناسبات، والأفراح، والاحتفالات العائلية... وهو يقرأ على مسمع الحاضرين، قصائده الزجلية التي تصل إلى القلب قبل الأذن. يُحبُّ تنشيط الحضور بقوافيه الرنانة، والآخذة بعبق نغمات موغلة في تطبيقات الحياة اليومية للمواطن العرائشي. تلك القصائد التي تنهل من جينيالوجيا الحكم، والأمثال المغربية الآتية من الشمال.

تلك القصائد الزجلية التي تَمْتَحُ من الفكر الاجتماعي، ومن مفهومات القصيدة العامية المعاصرة، على غير منوال. قصائده كما يقول الأستاذ والكاتب المترجم محمد بنعبود: "تفوق 300 مقطوعة منظومة في شتى المواضيع جلها في مدح العرائش بخشيشها وريشها، ومن أشهرها: كتامة، التاكرة، عرُّشة، جنان بلا رباع، رزة القاضي، وأخرى قامت بنشرها للقراء بعض الجرائد الوطنية، جهوية ومحلية وأكثرهم جريدة الشمال بطنجة".".

2340 Jeberiإن أدب سيدي عبد الرحمن، هو أدب شعبي عالِم يصدر عن الشعب، يعبِّر عن وجدانه. حيث يعكس همومه، وانشغالاته لكي يميط اللثام عن المستوى الإبداعي، والفكري والحضاري الذي يزخر به الفاعلون الثقافيون الذين يوظِّفون العامية في خطاباتهم، وذلك باعتبارها لغة لهذا الأدب. وقد تبدى هذا الأدب تاريخيا في مجموعة من الفنون المتنوعة والمتعددة، وتسمى أجناسا، وهي: الأهازيج، أغاني المناسبات، الزجليات، المحكيات، والأمثال، الأسطورة، السير، الحكاية الخرافية... تلكم السرديات والمرويات التي تتشكل منها الأمم والحضارات، فتحيلنا تارة إلى عهود موغلة في الفكر الاجتماعي الساذج والبسيط، وتارة أخرى إلى دليل تقدم ورقي  الأمم. وإن كان مصطلح الأدب الشعبي أو المكتوب بالعامية تم تبييؤه مع الثقافة العربية، لكونه فولكلورا في أصله، حيث استعاره باحثون عرب خلال الخمسينيات من القرن العشرين، ومنهم: أحمد رشدي صالح، فاروق خورشد، حسين نصار... ويمثل هذا الأدب بالمغرب العلاّمة عباس الجيراري.

فكانت المادة السردية الزجلية المكتوبة لدَى أديبنا سيدي عبد الرحمن، تعكس وبحق عالم الشخوص، والأحداث الواقعية، والمتخية  لمدينة العرائش. وهي مادة سردية تتكئ على بناء ونظم يتسما بالسلاسة التعبيرية وبجمالية الانزياحات والاستعارات البلاغية للعامية المغربية العريقة. كما أن اختياره للغة العامية  لم يكن عن ضعف في الملكة اللغوية، بل إنه  يعكس وبحق مدى ارتباطه بلغته الأم وببيئته الاجتماعية. فهو ضليع في اللغة العربية، وله كتابات ومرويات ومخطوطات أدبية رفيعة المستوى، وأخرى فقهية، عدلية، وإجتهادية... ورثها عن والده العلامة العدل سيدي إدريس الجباري.

عُرف أيضا سيدي عبد الرحمن بتأطيره للعديد من الأنشطة التربوية، والثقافية، وللأوراش الشعرية الزجلية، والابداعية... لفائدة نزلاء المؤسسات الإصلاحية والتربوية، بواد لو-تطوان، والعرائش، خلال مساره المهني والتربوي بإدارة السجون. وهو أيضا خطّاط ماهر،  أجاد فن الرسم والكتابة الذي ورثه عن والده، حيث حافظ على أسلوبه المتسم بتصويرية الحرف، وبتنوع المنظور الجمالي للخط المغربي.

فضلا عن ذلك، لسيدي عبد الرحمن الجباري العديد من المحكيات والقصص الطريفة، فهو حكواتي خبير بالسرديات الشعبية، تارة يحكي لك عن العنصرة دجبالا، قصص الأولياء، حكاية سوكسو بزبيدة وْلْفْتْ، بوجلود، حكوزة، سلطان طُلبة، عن يومياته في العمل مع زملائه، عن الأزلية، ألف ليلة وليلة، حكاية رزة القاضي، المنازل، للا منانة المصباحية، اللا زْوَايْنَة، سلطان شمهاروش، سيدي مدوح، الطاهر النقي، شيخ جبالة، بولولو....وعن دعاباته وقفاشاته مع صديقه الكاتب المسرحي الرائد والدبلوماسي المغربي عبد الصمد الكنفاوي.

وقال في رثائه:

كُنـْتي بــْفْنْكْ ضَاوي    وبـيــك زْهاتْ لـعْـرَايـشْ

حين مُوتي اَلْكْنـْفَاوي   تْدفــنـت معــــك لْهْوايـشْ

كُونْتِي تْعالجْ وتْـدَاوي    وْعـلـينَا ديـــــمَا طَايــشْ

تْحرك لْـكْبـادْ والكْلاوي  وتــْحييها بـْضَوْ لْفْتَايـشْ

ترضي الخَشبة والهَاوي  وانت ف زنادك عايـش

تْرْكُدْ لْمواج والرْغاوي   ومعهم لفنَار والرشايش

وبخيْطْ غُنْبَاجْ تْسَــاوي  مدلـول لْـــحْفَافْرْ والنــمايــش

تْــلاَّها زْمـــانْ سـْفـْسَاوي  دْرَّا لــفْــوَاسْ والـنقــايـــش

وسكنت لحجار والـكْدَاوي  قـبسة من طــوب وحنايــش

وجات الموت جمعت المطاوي  وتْكبْ الحزن عالعرايش

كما تحضر قفاشاته في هذا الصدد، عن جبالا ومدى حبهم للسفر من أعال الجبال إلى مدينة العرائش، للذهاب إلى دور السينما،  ولأكل المثلجات (بولو، ومانتيكا) في فترة الصيف، ولركوب قوارب (فلوكا) رأس الرمل للاصطياف... 

أتذكر إحدى محكياته الغنائية التي كان يحكيها لنا ونحن أطفالا صغارا، محكية: "العَيْلاَ دْجْبْلْ  والسُولَيْمَا"، والتي يقول فيها: "أَوْ تَشَاقْشَاقْ مَاهُو تَشَاقْشَاقْ؟ جَاتْ العَيْلاَ دْجْبْلْ. قَاتْلِي يَالاَهْ مْعَايَا. قُتْلاَ مَاهُو فَايْنْ؟ نْمْشِيوْ نْ لْمُودَيْنَة، نْتْفَرْجُو فْسُولَيْمة..".

عبد الرحمن الجباري مؤسِّسٌ رائد للمسرح الشعري الزجلي بالعرائش. وهو النسَّابة الضليع في علم الأنساب Généalogie بشمال المغرب، والحافظ للقصائد، الدواوين، المنظومات، المتون الشعرية للنوبات الإحدى عشرة للطرب الأندلسي، الحايك، وعددا من المتون الشعرية لعديد من الصنائع، البردة، الهمزية، الدعوة الناصيرية، والأوراد...

وهوالشيخ المادح الذي تفنن في مدح الرسول الكريم، بالطريقة المديحية العالمِة، لفن المديح والسماع الصوفي بالمغرب. لقد عهدتُ فيه أيضا ضبط الإيقاع السماعي الصوفي خلال مشاركاته الوازنة برحاب الزاوية البدوية بالقصر الكبير، وللا عائشة الخضراء، وللافاطمة بنت أحمد... فهو من كبار مشاييخ الذين يضبطون الأوزان والنغمات السماعية على منوال صنعة قدماء الرواد، وجهابدة فن المديح والسماع الصوفي أمثال: الشيخ  الجعفري، والروسي، والكشوري، واليعقوبي، والغربي...

رحم الله الأديب والفنان المتعدد سيدي  عبد الرحمن الجباري، وأحسن مثواه.

إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا عبد الرحمن لمحزونون.

 

بقلم: أ.د. محمد الشاوي

 

 

 

بتاريخ السادس من آذار عام 1980، اعتقلت للمرة الثانية من قبل الأجهزة الأمنية في طهران. الاعتقال الأول كان في حزيران عام 1964، وقد أمضيت سبع سنوات في السجون الإيرانية إلى أن اطلق سراحي وجرى تحويلي في المركز الحدودي في المنذرية إلى الأجهزة الأمنية العراقية في أيار عام 1971. بعد الثورةالإيرانية لجأت من جديد إلى إيران بعد الهجمة الشرسة التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي من قبل الأجهزة الأمنية العراقية في عام 1978، وكان من نصيبي أن ألتجأ من جديد إلى الأراضي الإيرانية بناء على قرار قيادة الحزب الشيوعي العراقي. وحسب الأصول جرى التحقيق وساهم في التحقيق نفس رجال الأمن الذين حققوا معي في عام 1964، وكأن ثورة لم تحدث في إيران عام 1979. بعد سلسلة من الإجراءات، استقر بي الحال في سجن "إيفين" المشهور في ضواحي العاصمة الإيرانية وفي القاطع الثالث من السجن. وقد شاركت في السجن مجموعة من السجناء من مختلف التيارات السياسية يسارية ووطنية وحتى دينية بعد أن جرى احتكار النشاط السياسي التيار الديني المتطرف والهيمنة على جميع مرافق الدولة. كنا نفتقر في السجن إلى الكتب وحتى الجرائد الرسمية، وكان علينا أن نستمع بإستمرار إلى الأدعية التي تنقلها مكبرات الصوت إلى المعتقلين، إضافة إلى قيام بعض طلبة الحوزات الدينية بإلقاء محاضرات على المعتقلين، وهي محاضرات تفتقر حتى إلى محتوى المضامين الموجودة في الكتب الدينية. فعلى سبيل المثال، جاء أحد المحاضرين وشرع بإلقاء محاضرة حول الكفر والكفار، وعرج على المسيحيين واليهود، واعتبرهم فصيلاً من الكفار الواجب إزهاق أرواحهم. بعد إنتهاء المحاضرة، بدأت الأسئلة تنهار على المحاضر، وطرحت أنا على المحاضر سؤالاً يتعلق بكفر المسيحيين واليهود الذين يعتبرون في النص القرآني من أهل الكتاب، وهناك آيات قرآنية تتناول المسيحيين بشكل إيجابي مثل سورة مريم وسورة آل عمران وغيرها من السور القراآنية التي تتناول الدين اليهودي، فكيف تنعتهم بالكفار خلافاً لما جاء في القرآن وهو المرجع الديني لك وللمسلمين. جن جنون المحاضر، وشرع بتوجيه السباب والشتائم إلى الشيوعيين الكفار، بعد أن عرف إنني شيوعي عراقي، ثم جمع أغراضه وغادر المكان على عجل وسط سخرية المعتقلين.

في السجن كان لدينا المزيد من أوقات الفراغ، كنا نجتمع أحياناً لإلقاء محاضرات حول مادة الفلسفة والتاريخ وتاريخ اليسار والحركات العمالية. ولكن يبقى لدينا الكثير من الوقت لنمارس أحياناً لعبة الشطرنج على سبيل المثال أو ألعاباً أخرى رائجة في إيران. ولكن كانت تواجهنا الكثير من العوائق والمحرمات لممارسة لعبة الشطرنج، لأنها كانت من الممنوعات في قوانين السجن الإيراني السارية بعد تولي الحكم من قبل رجال الدين في إيران. وهكذا كنا نسعى إلى صناعة بيادق الشطرج من خمير الخبز ونلعب بها بعد تنشيفها. كما سعينا إلى قيام بعض السجناء بالتناوب إلى تولي الحراسة خشية دخول الحرس وكشف جريمتنا بلعب الشطرنج خلافاً للأوامر الصدرة من إدارة سجن إيفين. في أحد المرات، حيث كنت أمارس لعبة الشطرنج مع أحد الرفاق الإيرانيين، وكان هناك سجين يتولى المراقبة خشية هجوم الحرس على غرفتنا. ولكن من سوء الحظ أن هذا السجين ترك مهمته من أجل قضاء حاجته في دورة المياه. وشاءت الصدف أن دخل الحرس وعثروا علينا متلبسين "بجريمة" ممارسة لعبة الشطرنج. وعلى الفور صدرت الأوامر الصارمة بإصطحابنا إلى إدارة السجن، حيث جاء حاكم الشرع، أظن أسمه كيلاني، وهو منصب قضائي لرجال الدين ساد بعد الثورة إثر إزالة المحاكم المدنية في إيران، وبعد قراءة نص الإتهام على طريقة حكم قراقوش، حكم حاكم الشرع علينا بعقوبة 20 فلقة جراء ارتكاب "جريمتنا". تحملنا إذى الفلقات بعد أن تورمت أرجلنا، وطلب منا الحراس الوقوف والرجوع إلى القاطع. أبديت عدم قدرتي على السير، وطلبت من الحرس لقاء حاكم الشرع. وبعد إصراري، جاء حاكم الشرع وقلت لها لدي سؤال واحد لا غير، وهو لماذا تعتبر لعية الشطرنج جريمة، وهي لعبة تشحن الذهن والفكر، وليست كالقمار الذي يهدر أموال خلق الله. وأجابني على الفور....فقهنا يحرم الشطرنج لأنه عندما جيء برأس الحسين إلى دمشق في بلاط يزيد، كان يزيد يلعب الشطرنج، ولذا فهذه اللعبة محرمة عندنا. وسألته على الفور، لنفترض أن يزيد كان يتناول الوجبة الإيرانية اللذيذة "چلو كباب"، فهل ستحرمون هذه الوجبة على عباد الله؟ ولم تمضي سوى ثوان معدودات حتى إنهال علي بالشتائم وأسوء العبارات، وشُحطت إلى غرفتنا في القاطع.

 

عادل حبه