 شهادات ومذكرات

يسري عبد الغني: حكاية القسم الأدبي بدار الكتب المصرية!!

يسري عبد الغنيدار الكتب المصرية، أو خزانة معرفة مصر والتي نتمنى أن تقوم بدورها المنوط بها كما كانت في زمن الفكر والثقافة والاستنارة الجميل، دار الكتب التي أسسها أبو التعليم المصري أو عراب الثقافة المصرية / علي باشا مبارك، في عهد الخديوي / إسماعيل، وإليها يرجع الفضل للقدوة المثالية لجل المحققين المعاصرين، ولعل أول نافخ في بوق إحياء التراث العربي على النهج الحديث في الوطن العربي، هو المغفور له الأستاذ / أحمد زكي باشا، شيخه العروبة، الذي قام بتحقيق كتابي: أنساب الخيل لابن الكلبي، والأصنام لابن الكلبي أيضًا .

وقد طبع في المطبعة الأميرية المصرية سنة 1914 م، باسم (لجنة إحياء الآداب العربية)، والتي عرفناها فيما بعد باسم (القسم الأدبي بدار الكتب المصرية)، ولعل هذين الكتابين مع كتاب (تاج) المنسوب للجاحظ، والذي حققه أيضًا زكي باشا، من أوائل الكتب التي كتب في صدرها كلمة (بتحقيق فلان) .

كما أن تلك الكتب قد حظيت بإخراجها على أحدث المناهج العلمية للتحقيق مع استعمال المكملات الحديثة، من تقديم النص إلى القراء، ومن إلحاق الفهارس التحليلية أو التفصيلية بالكتاب، ويضاف إلى ذلك أن العلامة / أحمد زكي باشا، ذلك الاسم الذي سيظل دائمًا فوق النسيان، هو أول من أشاع إدخال علامات الترقيم الحديثة في المطبوعات العربية، وألف في ذلك كتابًا مهمًا سماه (الترقيم في اللغة العربية)، وطبع في مطبعة بولاق المصرية الأميرية، في زمن باكر جدًا هو سنة 1913 م، وإن كان يؤخذ عليه أنه كان يبالغ في استعمال تلك العلامات الترقيمية، ولا سيما في الشعر الذي كان يختم كل بيت مستقل فيه بنقطة يضعها في نهايته .

***

أقول لك: إنه من أوائل مطبوعات دار الكتب المصرية كتاب (صبح الأعشى في صناعة الانشا) لأحمد بن علي القلقشندي المصري، وطبع بمطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة في 14 جزءًا من سنة 1340 هـ = 1922 م، وكانت دار الكتب قد قامت بنشر الجزء الأول منه سنة 1903 م، في 572 صفحة .

وهذا الكتاب عبارة عن موسوعة تضم معارف ضرورية في التاريخ، والسير، واللغة، والأدب، والفقه، والتفسير، والحديث النبوي المطهر، والأمثال، والحكم، ونظام الحكومات عامة، والحكومة المصرية خاصة .

وأذكر لك هنا أن العلامة / وستنفيلد، قام بترجمة قطعة منه، وهي تتعلق بجغرافية مصر الطبيعية، إلى اللغة الألمانية وطبعت في مدينة (جوتنجن) سنة 1879 م .

***

ثم جاء كتاب (نهاية الأرب قي فنون الأدب) من تأليف / شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد بدأت دار الكتب المصرية طبعه محققًا سنة 1923 م، بمطبعتها التي أنشأتها، وفي واقع الأمر استمر هذا الكتاب سنوات طويلة جدًا حتى تصدر جميع أجزاءه عن مركز تحقيق التراث بدار الكتب، وتلك قصة طويلة جدًا لا نجد المجال يسمح بسردها .

ولكني أذكر هنا أنه حتى عام 1965 م كانت دار الكتب المصرية قد أتمت من كتاب النويري 18 مجلدًا، وهذه المجلدات لاقت إقبالاً من القراء، فنفدت من الأسواق، مما اضطر دار الكتب أن تقوم بتصوير المجلدات كلها مرة واحدة، ودفع بها بمنافذ البيع، ومع مرور السنوات خرجت بقية مجلدات الكتاب بشكل لا يسر عدو ولا حبيب، ولا يليق بدار الكتب المصرية، وكم من مرة كتبنا وتحدثنا في ندوات ومؤتمرات وملتقيات علمية وثقافية وفكرية عن ضرورة أن يقوم بتحقيق التراث أهل الخبرة والدراية والعلم والمعرفة، وليس مجرد موظفين يؤدون عملهم الوظيفي بشكل روتيني لا يليق ولا يصح للتعامل مع التراث الذي يجب أن نقدمه للناس معتمدًا على المنهج العلمي السليم لتحقيق النصوص .

***

وكانت الصيحة المدوية لدار الكتب المصرية بتبنيها لطبع كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني علي بن الحسين بن محمد، فقد طبعت دار الكتب هذا الكتاب طبعة محققة مفهرسة، مشروحة، بدأت من سنة 1345 ه، = 1927 م، وخرج منها 16 جزءًا، وكان قد طبع قبل ذلك بالمطبعة الأميرية سنة 1285 هـ في 20 جزءًا تنتهي بأخبار عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير .

ونشر المستشرق الأمريكي / رودلف برتو، جزءًا طبع في ليدن الهولندية، سنة 1305 هـ = 1888 م، وقال إنه الجزء الحادي والعشرين من كتاب الأغاني، ولكن بعض الباحثين (ونحن منهم) يشكك في صحة هذا الجزء لأنه على غير طريقة ونهج الأصفهاني الذي نعرفه جيدًا، وأسلوبه الذي خبرناه ووعيناه .

وقد تم طبع كتاب الأغاني للأصفهاني طبعة ثانية بمطبعة التقدم في مصر سنة   1323 هـ، بتصحيح العلامة / أحمد الشنقيطي .

ولهذه الطبعة فهارس تفصيلية تقع في 4 أجزاء كاملة، وبعد ذلك تم طبع الكتاب في بيروت أكثر من مرة.

ونحب أن نشير هنا إلى أن الأجزاء الـ 16 من الأغاني تم طبعها في دار الكتب المصرية، تحت إشراف القسم الأدبي الذي كان يرأسه شيخنا / أحمد زكي العدوي (عليه رحمة الله تعالى) بناء على اقتراح من الأستاذ الفاضل / علي راتب الذي تكفل مشكورًا بنفقات طبعه كاملة، وبالفعل صدر الجزء الأول من كتاب الأغاني في سنة 1927 م، وحظي بعناية كاملة في إعداد الأصول، وعمل الفهارس التحليلية التفصيلية في نهاية كل جزء من أجزاءه .

هذا، واستمرت دار الكتب المصرية في أداء مهمتها بنشر موسوعات التراث، نذكر منها: ـ

ـ كتاب (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ) للمؤرخ / ابن تغري بردي، جمال الدين، أبو المحاسن، يوسف الأتابكي، المتوفى سنة 874 هـ = 1470 م

ـ كتاب (الجامع لأحكام القرآن) المعروف لنا باسم (تفسير القرطبي)، لمؤلفه / أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، والمتوفى في شهر شوال سنة 671 هـ = 1273 م، وتم طبعه في مطبعة دار الكتب المصرية سنة 1933 م، في 20 مجلدًا، كما أعيد طبعه بدار الشعب القاهرية في مستلات في مشروع كتاب الشعب، كما قامت دار الريان للتراث بطباعته، وبالطبع طبع في بيروت بلبنان أكثر من طبعة .

وتفسير القرطبي يعد من أمهات كتب التفسير القرآني الذي يعول عليها في فهم آيات القرآن الكريم، وبخاصة في مجال الأحكام .

***

ومرت السنون لتضعف العناية بهذا القسم، القسم الأدبي والذي كان بمثابة المعهد العلمي الحقيقي، أو بمثابة هيئة علماء مصغرة، لا يقتصر دوره على تحقيق عيون التراث العربي والإسلامي، بل أنه كان يعد أهل التحقيق، والتصحيح، والتمحيص من الشباب الذي يعمل فيه، ويعترف كبار المحققين الذين علمونا عشق التراث وفن التحقيق التراثي بفضل هذا القسم عليهم .

لقد ضعفت العناية بالقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، إلى أن تولى الأستاذ / أمين مرسي قنديل إدارة دار الكتب المصرية، فقام بجهد مشكور من أجل إنقاذ هذا القسم من الفناء والاندثار، فدبت الحركة فيه من جديد، وحاول أن يخلص كتاب (الأغاني) من ورطته التاريخية المعضلة، فعهد إلى بعض العلماء بإتمام ما بقى من أجزائه، ولكن الظروف لم تسعفه من أجل تنفيذ فكرته النشيطة، وكاد القسم الأدبي على عهده أن يرتقي القمة في نشر الموسوعات التراثية، ولكن للأسف الشديد، أطاحت بكل ذلك فكرة عجيبة غريبة روج لها البعض وفحواها: إنه ليس من وظائف دور الكتب في أوربا أن تضطلع بنشر التراث أو تحقيقه أو إحيائه، وهي فكرة كلها إفك وبهتان، وكأننا نترسم أوربا في حقها، وفي باطلها .

***

وفي أسف كبير، وحزن بالغ، ودع المثقفون وأحباء التراث في أنحاء أمتنا العربية والإسلامية هذا القسم الأدبي الذي قضي على نشاطه بعد عهد الأستاذ / أمين مرسي قنديل .

ومن وجهة نظري الخاصة فإن إلغاء هذا القسم كان جريمة شنعاء مع سبق الإصرار والترصد، جريمة لا تغتفر في حق إحياء التراث العربي والإسلامي، وفي حق الثقافة الجادة الأصيلة، وفي حق شبابنا الذي نطمح إلى أن نعمق فكره وأصالته حتى لا تنماع هويته .

ومن اللازم أللازب أن يبتعث هذا القسم ثانيًا ليؤدي رسالته السامية التي لا يستطيع غيره آداؤها، وذلك نظرًا إلى وفرة المراجع والمصادر المطبوعة والمخطوطة داخل دار الكتب المصرية، رغم ما بدد منها، وما سرق، وما ضاع، وما هرب، وكذلك إن كان تجنيد طائفة من العلماء المشهود لهم بالكفاءة والإجادة، والأمانة والتواضع والإخلاص، لإعداد جيل يتلقى فن التحقيق التراثي بكل أصوله، وفن التعامل مع التراث بكل مجالاته بأسلوب علمي سليم، في رحاب دار الكتب المصرية .

وقد يقول قائل: إن وزارة الثقافة المصرية أصدرت القرار الوزاري رقم 90 لسنة 1966 م بإنشاء مركز لتحقيق التراث، مقره دار الكتب المصرية .

فرد عليه أحدهم:  لقد عشت من سنة 1981 إلى سنة 1994 بجوار هذا المركز وعرفت تقريبًا كل من يعمل فيه، وكنت دائمًا أسأل نفسي: ماذا يفعل هذا المركز ؟، وما دوره في نشر التراث وتحقيقه ودراسته وإحيائه ؟، لقد اقتصر العمل فيه على مساعدي الباحثين من الموظفين بحكم عملهم في هذا المركز، ولا هم لهم إلا الحضور للتوقيع، ثم البحث عن وسيلة للروغان، أو تمضية الوقت فيما لا طائل منه ولا فائدة، والبحث عن المأموريات والأجازات، والعلاوات والمكافأت، والحوافز والترقيات، وبكل أسف فإن معظمهم لا علاقة له بالفكر أو الثقافة أو اللغة أو الأدب،وشاهدي على ذلك ما كان يجري بين العبد لله وبينهم من حوارات ومناقشات .

وتدخل ثالث في الحديث قائلا: نعم، كان المركز ينتدب بعض أساتذة الجامعات ومن المفترض أنهم جهابذة وعلماء في مجال التراث بكل أنواعه، ولكن بكل ألم وأسف فإن بعض هؤلاء كان لا علاقة له بالتراث، وبعضهم خبرته محدودة جدًا في هذا الشأن، وازداد الطين بلة عندما نجحوا نتيجة التسيب والانفلات أن يحولوا كل جهدهم في المركز لحسابهم الخاص، ولا مانع بالطبع أن يستفيدوا من جهد من يعملون معهم.

وأضاف رابع  نحن لا نعرف يعرف حال المركز الآن فلعل الحال قد تم إصلاحه، والله يصلح الحال والأحوال .

وأذكر لكم هنا   أنني أعددت مقترحًا بإنشاء هيئة وطنية أو أكاديمية أو معهدًا لإحياء وتحقيق التراث، من أجل النهوض بتراثنا، وصيانة وحماية تراثنا الثمن، وكذلك إعداد أجيال قادرة على إحياء التراث وتحقيقه ونشره ودراسته، وقمت بعرض هذا المقترح على من يهمهم الأمر، ولكن بالطبع وكعادتنا دائمًا لا أحد يرى أو يسمع، فمن نحن لنقترح أو نسعى لكل ما يفيد العلم والثقافة؟!

أعود بك لأقول: إن مقارنة هذا المركز، مركز تحقيق التراث، الذي مازال يعتمد على جهد القسم الأدبي إلى يومنا هذا، مقارنة ظالمه، وغير واقعية، ولن نتحدث بالتفصيل أكثر من ذلك داعين بالصلاح والإصلاح للجميع .

ولكن ملاحظة بسيطة أريد أن أنبه إليها وهو أن لا يؤاخذني القارئ الكريم في كثرة كلامي عن القسم الأدبي بدار الكتب المصرية (عليه رحمة الله)، ولكني أردت كمواطن يعشق التراث  أن أعرض واقعًا والأرزاق على الله مؤمنا بأنه  يجب ن نستفيد من كل تجاربنا  نتعلم من سلبياتها، ونسعى إلى تدعيم إيجابياتها وتعميقها .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5405 المصادف: 2021-06-23 01:53:17


Share on Myspace