عادل بن خليفة بالكحلة(لا تهمني السلطة، ولا أسعى وراءها في أي وقت،

ولكن كل ما سأفعله هو أن أضمن أن التضحيات التي يقدمها الكثير من المواطنين لن تذهب سُدى،

مهما كلفني الأمر وأيا ما كان الزمن يخبئ لي)(فيدال كاسترو)

- توطئـــة:

أطلق رئيس الدولة قيس سْعيّد رصاصة الرحمة على منظومة دولة فاشلة (غير معلنة الفشل والإفلاس)، بينما كان رئيس الحكومة يقضي إجازته في الحمامات !

كانت كذبة عشناها منذ 14/1/2011، بل منذ أول انتخابات بعدها. لنجد«ديمقراطية» شكلانية، فارغة المضمون الاجتماعي_الاقتصادي والسيادي_الثقافي؛ بل أميل إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية، و كانت يمينية عمليّا، أي متحالفة مع عناصر من الحزب الحاكم سابقا، من الصفوف الثانية والأولى، ومن الدولة العميقة. فلم يتغير شيء من النظام السابق. وقد كُنا كتبنا مقالات في ذلك، لعل من أبرزها:« بدع الديمقراطية التونسية: مطاعن الغدر على ثورة الشباب» (رأي اليوم، 15/09/2020) ، «في التطبيع التونسي قَطْرةً قطرةً و ظهور التطبيع العلني». ( https://generalsdaily.blogspot.com/2018/11 )

كانت ديمقراطية أهل المال الذي حذر منها حكيمنا الفارابي.

***

كانت قنوات التلفزيون الرسمي إلى حد اليوم الثاني من الحركة التصحيحية، لا علاقة لها بالحدث تنظيمًا للحوار حوله (ونحن ندفع لها ضرائبنا)، بينما بقيت القنوات الموالية للنهضة صامتة، وهي التي كانت زمن الحرب الكونية على سوريا متكرسة للشأن السوري.

ليس لحركة النهضة اليوم «صديق» حقيقي وثابت، واحد. فحتى محمد المنصف المرزوقي «يْسَالْها شْكارة سْمِيدْ» («مدينة له بكيس من السميذ») وليس «مْغَرْفَة»(ملعقة) فقط، كما قال في أحد تدويناته. الصديق شبه الوحيد هو قيادة «اتحاد الفلاحة والصّيْد البحري» لأنها إخوانية أصْلا، وقد كان بيانها من حركة قيس سْعيّد في 25/7/2021 بيانا حمِل الكثير من التقيّة، فلو نقرأه جيّدا لوجدناه أوامر لرئيس الدولة «باحترام الدستور والعودة إليه». أما الصديق الآخر، فهو «أجنبي». إنه «اتحاد العلماء المسلمين» الذي كفّر القذافي والأسد ودعا الولايات المتحدة الأمريكية لكي «تقف وقْفة لله» فتحتل ليبيا وسوريا «لإنقاذ شعبيْهما من الكافريْن»، فالولايات المتحدة الأمريكية_كما تؤكد حركة الإخوان المسلمين منذ نشأتها_ «دولة مؤمنة» عكس «دولة الإتحاد السوفياتي»، و«علاقتها بالإسلام جيدة».

1- هل كانت «حركة تصحيحية» أم انقلابا؟

لن أدخل في جَدل أهل القانون الدستوري وتأويلاتهم المتناقضة. ما يهمني، من وجهة نظر سسيولوجية، أنّ منظومة الدولة الفاشلة وترقيعاتها المتوالية كانت ذاهبة باتجاه الانهيار الفظيع، بل نحو الفوضى الشارعية العارمة. فلقد أصبحت  الدولة التونسية (ومازالت) دولة فاشلة، مفلسة، ليس لها أي رأس مال ثقة شعبية، لأن أهل السلطة فيها لم يراكموا أي رصيد من المراكمة النضالية للاقتصاد العدالي- الشعبي، خاصة بعد تفريط الأكثرية البرلمانية في سيادة الدولة على البنك المركزي التونسي ليكون رهينة لصندوق النقد الدولي.

فعموم الشعب، إنما ضحى بين 17 ديسمبر 2010 و14/1/2011، من أجل مقايضة واضحة: «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق!»، ثم «شغل! حرية! كرامة وطنية!». فعموم الشعب لا يعترفون بـ«نظام برلماني» و«نظام رئاسي» و«تنسيقيات شعبية»، بل ما يهمها مراكمة أفعال في اتجاه شعارات مخاطرتها في الأيام السبعة والعشرين، وأن الطبقة السياسية ليس لها منة عليها، لأنها ليست هي التي واجهت قوات القمع في تلك الأيام، بينما كانت تلك الطبقة مجرد مراقبة. والذي لاحظناه، بعد الرابع عشر من جانفي أن الطبقة السياسية، أصبحت تمارس الكذب الانتخابي والكبرياء بعد «الانتصار». أما السلطة القضائية فمازالت فاسدة، وما إقالة وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية إلا أعظم الأدلة على ذلك لتعمده تجميد ملفات الشهداء والتسفير وغيرها، وهو أحد أقارب قيادي بالنهضة.

2- هل قام الحاكمون قبل 25/7/2021 بانقلابات على الشعب والدستور؟

نعم... قاموا بعديد الانقلابات على شعاريْ الثورة عديد المرات، وشعارات الثورة يجب ان تكون حاكمة على الدستور لا العكس. وقاموا بعديد الانقلابات الانتخابية إذ قاموا بعكس ما أخذوا به أصوات الناس. فقد وعدوا بالتشغيل، ولم يفعلوا. ووعدوا باجتثاث رموز النظام السابق بقانون، ولم يفعلوا. ووعدوا باستجلاب الرئيس السابق من السعودية لمحاكمته، فلم يفعلوا، بل كانت علاقتهم بتلك المملكة جيدة بينما هي في حكم العدو موضوعيا. ووعدوا بمحاسبة المتهربين من دفع الضرائب من أصحاب رؤوس الأموال بقانون واجراءات، ولم يفعلوا، بل تحالفوا مع الكثير من الفاسدين منهم. ووعدوا باسترجاع اموال الدولة المنهوبة بالخارج، ولم يفعلوا. ووعدوا بقانون يجرم التطبيع مع الصهيونية، ولم يفعلوا. ووعدوا بقانون يحظر العمل الحزبي والسياسي لعناصر الحزب الحاكم سابقا، ولم يفعلوا، بل تحالفوا معهم بعد أن أقسموا بأغلظ الأيمان أنهم لن يتحالفوا معهم.

هذا الدستور مصنوع في مساحة هامة منه من الخارج (الولايات المتحدة الأمريكية ذات النظام الرئاسي المركزي حرصت على نظام برلماني يؤدي إلى احتمال الفوضى). ورغم ذلك كانت مخالفات الحاكمين له كثيرة: فقد عطلوا تأسيس المحكمة الدستورية منذ عام 2015؛ ولم ينفذوا حق التشغيل وضرورة الاقتصاد العدالي، وقد شاب الانتخابات ما ثبت أنه تمويلات أجنبية لدى دائرة المحاسبات، ولسنا في حاجة إلى إثبات أن إمارة قطر (غير الديمقراطية والتي ليس لها دستور) قد ضخت الكثير من الأموال لحزب حركة النهضة. وقد تحالف الحاكمون مع رأس المال الكمبرادوري أي مع مركز النظام السابق، وأصبح نحو   نواب البرلمان من المقاولين وخاصة الفاسدين منهم.

ومن الواضح تقاسم حركة النهضة للسلطة الجمعوية مع رأس المال الكمبرادوري (اتحاد الصناعة والتجارة، واتحاد الفلاحة والصيد البحري...)، ومع المنتمين للحزب الحاكم السابق في جمعية الكشافة...  ولقد احتكرت حركة النهضة جمعية وطنية هامة هي جمعية المحافظة على القرآن الكريم، ولم تستدع للمحاضرة فيها سوى السلفيين_الجهاديين من الداخل والخارج من أجل تكفير الديمقراطية (الشيخ بشير بن حسن وبعض رموز حزب التحرير مثلا)، وتكفير أهل السنة والشيعة، وتعبئة الشباب «للجهاد» في سوريا (محمد حسان، العريفي...). وذلك مخالف للدستور ولقانون الجمعيات.

وقد خالف أئمة الجمعة النهضاويون الدستور حين دعوا من منابر جوامع عمومية، تابعة للجميع  على اختلاف توجهاتهم السياسية، إلى «الجهاد» في سوريا. وقد خالف أئمة الجمعة والجماعة مناشير وزارة الشؤون الدينية بحظر صلاة الجماعة عند اشتداد أزمة الكورونا في إجماع بينهم بكامل البلاد، وتلك مخالفة للحق الدستوري في الصحة وانتهاك لحرمة الدولة، بل حرمة الشعب.

ولقد انهارت المنظومة المالية، وأصبحنا في حالة عار اقتراضي غير مسبوقة، فالحاكمون الجُدد لم يقدموا شيئا للسيادة الوطنية، بل مازال نفطنا وغازنا ملكا للمركز الإمبريالي دون سَعي لتأميمها (فحركة النهضة يمينية- كمبرادورية التوجه الاقتصادي). وإذا تعللت حركة النهضة بأنها «لم تَحْكم»، (وتلك واقعة قابلة للتأويل)، فإنه كان عليها أن تقدم استقالتها إذا كان ذلك صحيحا. ولكن شهوة السلطة وسوء التقدير كانا متحكمين في فعلها، علاوة على معاداتها لأصدقائها القدامى (قبل 14جانفي) لا لشيء إلا لأنهم «ضد إسقاط الدولة السورية»، وتلك لعَمري تِعلة واهية، فكيف نعلل التونسي بالسوري؟! ومتى كانت «سوريا» (مع إجلالي لدولتها الممانعة) مقياسًا للفعل السياسي التونسي؟! (انظر: "الباب السادس: الالتفافية الإخوانية والتحالف مع السلفية الحديثة"، من كتابي «الملة السلفية: التحولات والتحالفات»، ومقال عُقيْل البكوش: «كذبة الانقلاب»، المحور العربي، 27 /07/2021).

ومن الغريب أن الإخوان المسلمين في تونس يبكون على «الديمقراطية» في سوريا، فيطالبون بتسليح الشباب من جميع أنحاء العالم لإسقاطه، ولكنهم لم يرفعوا إلى حد الآن السلاح من أجل «الجهاد» ضد ما يعتبرونه «انقلابية» قيس سعيد و«دكتاتوريته»!!!

3- هل نحن في «خطر داهم»؟

نحن فعلا في «خطر داهم». فالمنظومة المالية في حالة انهيار مخيف، والقروض بحجم جَبليّ، وحالة البطالة في تزايد فظيع... و«ائتلاف الكرامة» السلفي_الجهادي (المتحالف مع النهضة!) يهدّد دائما بتسليف المجتمع و«الجهاد» بالداخل والخارج (بعض رموزه كانوا أئمة جمعة عبؤوا الشباب باتجاه إسقاط الدولة السورية، مع زملائهم من حركة النهضة)... والدساترة الجدد يمارسون خطابًا عنيفا، يخيف باحتمال الرجوع إلى منظومة القمع السابقة. وهناك «خطر داهم»، من الناحية الصحية، فلقد أصبحت تونس الأولى في إفريقيا والعالم في نِسب الوفيّات من جائحة الكورونا (ويتحمل ذلك وزراء صحة النهضة ومَن رشحه رئيس الدولة)، ولا عُذر لمن يتعذر بأن الوزير ليس من عصبيته، لأنهم «توافقوا» على هؤلاء الوزراء أو رضوا بـأمرهم الواقع ولم يتحفظوا ولم يستقيلوا من الحكومة.

كان الفعل السياسي لحركة النهضة فعل الترقيع والتبرير، أي فعل البحث عن السلطة من أجل السلطة («التمكين من أجل التمكين») في دَوَر عَبثي لا ينتهي... وهذا ما جعلها تتشبث بأيّ كان يمكن أن يساعدها على هذا التشبث. وكان كل هؤلاء «المساعدين» من الكمبرادوريين، أو من النظام السابق (وأخطرهم الباجي قايد السبسي، المشارك في جريمة استئصال اليوسفيين). فكل الذين تحالفت معهم حركة النهضة مشبوهون، يمينيون.فهم يمثلون «خطرا» دائما مؤسسيا.

عنندما أمسكت حركة النهضة بوزارة الشؤون الخارجية، أصبح ممثلها فيها لا هم له إلا إسقاط «النظام» السوري، ونظم مؤتمر «أصدقاء سوريا» بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وهي التي يشخصها تشافيز بقوله: «أكبر خطر على كوكب الأرض هو دولة الولايات المتحدة الأمريكية».  وذلك ما وفر مشروعية للارهابيين، لتعبئة الكثير من الشباب التونسي القاصر وضعيف المستوى الدراسي، ضد سوريا وغيرها من الدول، وضد حياة التونسيين المناوئين للحرب العالمية على سوريا، وحرياتهم السياسية والفكرية والدينية. فأصبحت تونس بؤرة «خطر داهم» داخلا وخارجا.

ولما كانت وزارة الفلاحة بيد وزراء نهضاويين، لم يكن لهم منوال تغيير وإنقاذ، بل أعادوا إنتاج تدهور الفلاحة والصيد البحري والبيئة والمياه والفلاحين والبحارة والرعاة والعاملات الفلاحيات، بالتعاون مع الدولة العميقة بالوزارة. وكان لهم انحياز واضح للمالكين الكبار في نزاعهم مع الصغار، و لمستوردي المنتجات الفلاحية. وحين أمسك ممثلون للنهضة بوزارة الثقافة ووزارة التربية ووزارة التعليم العالي، أعادوا إنتاج السائد، وأصروا على الاستمرار دون الاستقالة، حبا في الجاه والمال الفرديين والتمكين الحزبي. وهو «خطر داهم» استمر طويلا ضد تمكين الشعب والطبقات المهددة.

لم تتألف حركة النهضة حمّة الهمامي بـ«وزارة شؤون اجتماعية» (وليس وزارة تنمية جهوية قد تهدّد حلفاءهم من المقاولين الفاسدين)، وتألفت مَنْ كانوا يسبّونها من الدساترة القدامى، بل من الذين كانوا من المعذِّبين لهم، واسْتَبعدت المثقفين والمستقلين، الذين كانوا أصدقاءا لها قبل 14 من جانفي. ومازالت «شبهة» التسفير إلى سوريا وليبيا عالقة بها، إلى حدّ اليقين (كان وزيرا الداخلية والخارجية آنئذ منها، وكان زعيمها وأئمتها للجمعة ومكاتبها المحلية لا همّ لهم سوى «سوريا» و«بشّار» متناسين معضلات تونس واستحقاقات الوعود لمن ضحوا في السبعة والعشرين يوما). وعِوض محو هذه الشبهة، تحالفوا مع «ائتلاف الكرامة» الذي لا يُخفي تكفيريته وسلفيته الجهادية، مما يجعل البعض يعتبر هذا الائتلاف ذراعًا مُعْلنة لحركة النهضة التي تمارس التقية السياسية المفرطة.وذلك التحالف «خطر داهم» واضح.

وقد اختلقت إمارة قطر مركزا لجمع المثقفين من الإخوانيين والمتكسبين من أجل التزييف الإديولوجي لثورة الشباب، وجعلت له رديفا بالبلاد التونسية. وهو مما يعمق «الخطر» القطري على تونس وعلى مشروعها الثوري وعلى إجماع المثقفين عليه.

ملفّ الشهداء لا يهم حركة النهضة كثيرًا، إلاّ من جهة تبرئة نفسها. فلقد عادتْ منذ البداية من هم مع الدولة السورية (محمد البْرَاهمي مثلا) لأن همّها الأوّل كان «سوريا» وليس «تونس». وعَادَتْ منذ البداية شكري بلعيد بتِعِلة أنه «مُلْحد»، كأنها شقتْ على قلبه، ولم تَسْع لأي صداقة معه (عكس تقاربها من طرف واحد مع مستئصليها القدامى، ومع آيْ-باك، ومع الولايات المتحدة الأمريكية في «مؤتمر أصدقاء سوريا»، مع السعودية المعادية لتونس بإيوائها لزين العابدين بن علي. ومع الشهيد محمد الزواري (شهيد حركة التحرر الوطني الفلسطيني) نجد زعيم الإخوان في تونس يقول: «لا يمثلنا. ونحن لا نقاوم إسرائيل». ولقد كان خطأ أن تختار قريب أحد زعمائها وكيلاً للجمهورية، فذلك شبهة لتجميد ملفات خطيرة، يتهمها البعض (بحق أو باطل) بالضلوع فيها.

فكيف بهذه الأفعال لا تتعمق الشبهات والشكوك والخوف من تعمق «الخطر الداهم» ؟!

4- هل قيس سعيّد رئيس الشعب التونسي؟

... هو رئيس الدولة التونسية دستوريًّا.. ولكن هل هو رئيس الشعب التونسي؟!

ما قام به له «مشروعية شعبية» لأنه حركة تصحيحية ضد انقلاب السلطات الثلاث على الشعارات التي قامت عليها انتفاضة الشباب (17 ديسمبر -14 جانفي).

نعم... عاد الأمل.. ولكنّ ذلك مشروط بشخصية الرئيس إنْ كانت منحازة فعلا للشعب، وبشجاعته تجاه ضغوط الإمبريالية والصهيونية (وسفاراتهما) والكمبرادورية الداخلية والدولة العميقة، وبإنصاته للقوى الحيّة (المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي يحمل برنامج إنقاذ عاجل ومشروع عدالة اجتماعية آجل منذ بدايته، علماء الاقتصاد الاجتماعي،  المستقلون،  أصحاب الرأي،  منتدى التفكير في الحراك العربي...).

من سوء الحظ أن قيس سْعَيّد نفسه اعترف أثناء التعبئة الانتخابية أنه «لا يملك برنامجا» وهذا أمر محزن. لم تكن له خارطة طريق ولا أهداف تفصيلية واضحة.

في الآن نفسه، لم يُحط نفسه إلا بأهل القانون، كأن القانون وحده هو وسيلة الإصلاح الوحيدة. فلا نجد بحزامه الاستشاري مختصون في الاقتصاد الاجتماعي_التضامني (كالدكتور عبد الجليل البدوي) وفي الاقتصاد الفلاحي(كالدكتور محمد اللومي أو الدكتور الجغرافي عبد الله الشريف مثلا)، بينما الفلاحة والفلاحون والبحّارة في حالة تدهور فظيع. ولقد كتب له منسق منتدى التفكير في الحراك العربي رسالة مفتوحة بعنوان: «نريدك تْشافيز تونس!» عشية قراره انتخابه (لأنه هو «الممْكن» في قائمة المترشحين)، بل أوصَله إلى مكتبه. ثم أوصل له إصدارات المنتدى التي يمكن أن تكون قوة توجيه واقتراح ونقاطا لخارطة طريق: «تونس بين انتخابات 2014 وانتخابات 2019»، «الاقتصاد الاجتماعي_التضامني في سياق الحركة الاجتماعية»، «نقد المدرسة التونسية»(ج1 وج2)، «من أجل شروط دنيا لمغرب موحّد»، «منوال النجاح الإسكندينافي وآفاق التعاون في السياق الثوري العربي»، ولكنْ لم نجِدْ أثرًا لنص المنتدى في خطابه. وكذلك الأمر بالنسبة إلى نصوص المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لم يخْرُج قيس سْعيّد مِن بارادِغْمِي الثوري (مُوخيكا، تْشافيز، الحزب الاشتراكي البوليفاري، الصندينيون، محمد مصدّق- الكاشاني، جمال عبد الناصر، دوميتيلا دوشنْغارا، مورالس، كاسترو...). ولكنني أتفاعل مع الأفضل في الممكن... لا أستطيع ضمانهُ، لكنني أتواصل مع حدثه، حتى أتأكد أنه لا يريد الاستماع إلى قوة اقتراحي، أو لا يستطيع ذلك.

ما قام به ذو مشروعية شعبية، ومشروع الثورة لم ينتهِ بعدُ (عكس ما تُعلن حركة النهضة وغيره: «انتهى عهد الثورة وبدأنا عهد الدولة»). فنحن لم نبدأ الثورة بَعْدُ، فدُونها مئات الكيلومترات.

صحيح أن جزءًا من الأزمة السياسية ساهم فيها. فهو الذي اختار الفخفاخ، وهو الذي اختار المشيشي لرئاسة الحكومة، وقد بينا سابقا خطأ اختياره. الآن، أمامه فرصة جديدة لإثبات رهان شعبه عليه (وقد كانت مشروعيته الانتخابية أعلى كمّيًّا من «مشروعية» النهضة وذراعها ائتلاف الكرامة). كانت حركته تصحيحية استجابة لمطالب شرعية، ورصاصة رحمة على منظومة ذاهبة نحو الفوضى.

صحيح أن ما أعلنه بإمكان مناقشة بعض جزئياته (حلّ البرلمان أم تجميده؟ هل يصبح رئيس الدولة رأس السلطة القضائية مؤقتا أم وزير العدل أم قاضٍ معيّن؟ ضرورة الاستفتاء الشعبي...). لكن من المؤكد أن السلطات الثلاث سلطات فاسدة وقامت بعدّة انقلابات على «ثورة» الشباب وشعاراتها الاجتماعية- الاقتصادية، وعلى الدستور.

ولكن مدة شهر لا تكفي لتحقيق ما يريده. فلابد في نظري من 6 أشهر بالأقل من أجل ذلك...

وما سيقوم به من إجراءات، قد نشخصها بأنها سليمة، ستبقى جوفاء دون محتوى تنموي وعدالي- اقتصادي وسيادي ووحدوي (مغاربي- عربي- إسلامي- عالمي/ ثالثيّ)، ودون استئصال العائلات الكمبرادورية/ المستنزفة لقوت الشعب التونسي وسيادته، ودون استرجاع الدولة التونسية لسيادتها على البنك المركزي حتى لا يبقى وكيل صندوق النقد الدولي والمركز الإمبريالي، ودون إرجاع فوري للعلاقات مع الدولة السورية، ودون وضع فوري لبند تجريم التطبيع مع الصهيونية بالدستور...

إن الطمع في إعانات المركز الإمبريالي وصندوق نقده الدولي سيزيد أزمة دولتنا. أما التعاون الاقتصادي مع الصيني والروسي والإيراني والعربي والأمريكي_الجنوبي، والذهاب نحو الاستثمار في إفريقيا الغربية، والاقتراض من الصين، فهو سبيل ضروري من أجل الإنقاذ العاجل...

5. المطـلـوب: لا بد من تأسيس ثقافة ثورية وكتلة تاريخية دائمة:

إنها فرصة استعادة الأمل... صحيح أنها غير مضمونة على مدى طويل لأننا لا نملك يسارًا ولا كتلةً تاريخية.

...ليس الوقت وقت فرح مفرط ...أخاف أن نفرح ثم تلعب بنا و.م. أ.  وأذنابها كما فعلت بنا بعد 14 جانفي... فينبغي أن نكون متفاعلين مع هذه الحركة التصحيحية وبانين لثقافة سياسية تونسية جديدة لم تكن موجودة من قبل: ثقافة الممانعة والسيادة الشعبية...

المطلوب منا عاجلا، قبل الانتخابات المبكرة، أن نفعل كما فعلت شعوب أمريكا الجنوبية:

-لا بد من فرز قيادة شعبية من نقابيين مستقلين وعلماء اقتصاد ومثقفين ثوريين...

-لا بد من بديل يقوم على الاقتصاد الاجتماعي والسيادة الوطنية على مصادرنا..

-لا بد أن يتخلى "يسارنا" عن الاستخفاف بالدين لأن ذلك ما أسقطه في أعين الشعب (سب الجلالة  في البرلمان من أحد نوابه...).. فتشافيز كسب شعبه بتدينه اليساري ومسيحيته الثورية... فترك الدين محتكرا من السلفية والإخوانية يجعله دين الإمبريالية والأفيون وليس دين الإنسان والتحرر والماعون...

أما آجلا، لن يبقى قيس سعيد أكثر من 5 سنوات أو 10 مهما كانت نواياه الصادقة. فالأهم هو إيجاد ثقافة سياسية دائمة تتميز بالممانعة والانحياز للطبقات الشعبية والسيادة الوطنية تحملها كتلة تاريخية دائمة تحترم ثقافة شعبها الدينية ولا تترك الدين محتكرا من السلفية العالمية والإمبريالية...

قيس سعيد لا يحمل بديلا، وامكانياته الذاتية لا تسمح له بذلك... لا بد من الاقتداء بكفاح شعوب أمريكا الجنوبية ،والا سنبقى نجري وراء السراب....

فلا بد من أن نفكر في ما بعد ،أي البديل عن منوال لم يتغير منذ سنة الاستقلال. ولا بد أن نقتدي بالبيرو و بوليفيا قبل موعد الانتخابات المبكرة لإنقاذ بلادنا:

1-  نلتقي منذ الآن حول برنامج سيادي-اجتماعي.

2-  نؤهل منذ الآن قيادتنا:عبد الجليل البدوي  ( لأنه عالم يحمل أطروحة اقتصاد اجتماعي مفصلة)،أو محمد اللومي(لأنه يحمل أطروحة اصلاح فلاحي مفصلة)، أو عبد الله الشريف (لأنه عالم في الجغرافيا الفلاحية والريفية وخبير بالشأن التنموي الإفريقي) أو بدر الدين القمودي (لأنه قاد إضرابا ناجحا)،أو رشيد القنوني أوصلاح الدين المصري أو منير حسين أو عقيل البكوش أو مصباح الشيباني أو عبد القادر النقبي(لاختصاصه في شأن المعارضة التونسية)، أوغيرهم (لأنهم ذوو ماض نضالي معروف، ولأنهم مستقلون وتجميعيون وغير إقصائيين، ولأنهم يساريون و فلسطينيو البوصلة)...

لا نفكر في من يحكم، بقدر ما يجب أن نفكر في نمط الحكم ومنوال التنمية...

ولكنْ هذه فرصة أيضا لبناء ضروري ليسارٍ من عدم (لم يوجد بتونس إلا لمدة قصيرة مع برسبكتيف). و«التيسّر» (بتحديث لمصطلحية الثورة الفرنسية) هو معارضة الكُمْبْرَادُوريّة والصّهيونية والتبعيّة والإمبريالية، والدفاع عن العدالة الاقتصادية والسيادة السياسية والثقافية والاقتصادية. أمّا «التَّيَمُّن» فهو نقيض ذلك تماما (تقْبل النهضة مصطلح «الديمقراطية»، وترفض مصطلح «التيسّر» و«اليسارية»).

لم تكن هناك أحزاب يساريةٌ تونسية. فاليسار بالدقة العلمية لم يكن إلا مع برسبكتيف، ولكن كانت هناك أحزاب علمانية ذات مخيال يساري، كان للكثير من أفرادها انخراط بالحزب الحاكم السابق لدواع مصلحية أو لمبرر اختراقي لا جدوى واقعية له. ولكن للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ثقافة يسارية، وهو ليس حزبا، بل مركز بحث وتدخل استراتيجي، لم تنصت له سلطة ما بعد الرابع عشر من جانفي، ولم تتحالف معه النهضة ليمينيتها (والتحالف يكون بداية بتناصّ النص الانتخابي مع نصّ هذا المنتدى). وهذا ما عمق الخطر على الطبقات المهدد والسفلى بينما كان المنتدى يعرض حلولا آجلة وأخرى عاجلة لأزمتها.

إن الاحزاب التي تسمي نفسها "يسارية" ليست شعبية الهوى والثقافة، بدليل محاربتها للدين (كتاب «ضد الظلامية» كتبه حمّة الهمامي لنقد إديولوجيا الإخوان و تفنيد القرآن الكريم والسنّة النبوية في الآن نفسه!)، بينما كان تشافيز وحزبه متدينا يساريا، أو بالأحرى يساريا متدينا. ولذلك خافت الطبقات الشعبية حتى المفقرة، من تلك الأحزاب، فلم تنتخبها لتتحصل على ما يقارب صفرا من الأصوات، رغم أن تلك الأحزاب تملك الكثير من الأجوبة الناجعة عن أزمة تلك الطبقات، مما عزز الخطر الاقتصادي «الداهم»  عليها.

ليست الكتلة التاريخية جبهة أحزاب، كما في ابتسار الكثير من المثقفين العرب، وإنما هي أران بركسيسٍ ثقافي شعوري ولاشعوري لتوحيد المفكك، جهاتٍ وطبقات وجنسين وأجيالا، بما هي رد إبداعي عميق على أزمة حضارية عميقة، حتى يكون هيمنة ثقافية مضادة  للهيمنة المركزية منذ قرون، تعيد خلق الأمة المقتدرة والعدالية بموجات المراكمات التاريخية البَدائية.

هل يستطيع أي كان أن يمحو القرآن الكريم من تونس وأن يمحو الميول للألوهية والمحمدية عند التونسيين؟! إذن من الضروري أن نتفاعل مع قرآن شعبنا، وألوهيته ومحمديته، لا لكي لا تكون عائقا له، بل لأن عدم تفاعل المناضلين مع تلك المقولات هو العائق الرئيس أمام أي نجاح لهم، بل يجب أن يجدوا في بحثهم في إبستمية شعبنا عن جيناته الثورية عليهم أن يستخرجوا لاهوت تحرر شعبهم حتى لا يزيفه الآخرون وحتى يخلق كتلته التاريخية الثابتة ( راجع مقالي: « وظيفة الحركة الاجتماعية الغوثية في إعادة بناء الأمة المغربية الحديثة» في الكتاب الجماعي: « من أجل شروط دنيا لمغرب موحد»).

«الحياة عقيدة وجهاد»، كما قال أحد حكماء العرب قديمًا. وبناء الكتلة التاريخية التي ستنتصر للثورة التونسية مُنذ القدّيس دُونات إلى الغوثْ والشاذلي وبِنْ غذاهم والشابيّ، يبدأ بوضوح الرؤية وبالمراكمات الأولى...لا يهم أن تسقطنا الإمبريالية وأذنابها، بل المهم وضوح مراحل الطريق الذي نسقط عليه.

النتائج العامة:

- أطلق رئيس الدولة قيس سْعيّد رصاصة الرحمة على منظومة دولة فاشلة (غير معلنة الفشل والإفلاس).

- كانت كذبة عشناها منذ 14/1/2011، بل منذ أول انتخابات بعدها. لنجد «ديمقراطية» شكلانية، فارغة المضمون الاجتماعي_الاقتصادي والسيادي_الثقافي؛ بل أميل إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية، و كانت يمينية عمليّا، أي متحالفة مع عناصر من الحزب الحاكم سابقا، من الصفوف الثانية والأولى، ومن الدولة العميقة. فلم يتغير شيء من النظام السابق.

- من وجهة نظر سسيولوجية، إنّ منظومة الدولة الفاشلة وترقيعاتها المتوالية كانت ذاهبة باتجاه الانهيار الفظيع، بل نحو خطر الفوضى الشارعية العارمة. فلقد أصبحت  الدولة التونسية دون أي رأس مال ثقة شعبية، لأن أهل السلطة فيها لم يراكموا أي رصيد من المراكمة النضالية للاقتصاد العدالي- الشعبي، خاصة بعد تفريط الأكثرية البرلمانية في سيادة الدولة على البنك المركزي التونسي ليكون رهينة لصندوق النقد الدولي. فقد قاموا بعديد الانقلابات على شعاريْ الثورة عديد المرات، وشعارات الثورة يجب ان تكون حاكمة على الدستور لا العكس. وقاموا بعديد الانقلابات الانتخابية إذ قاموا بعكس ما أخذوا به أصوات الناس.

- نحن فعلا في «خطر داهم». فالمنظومة المالية في حالة انهيار مخيف، والقروض بحجم جَبليّ، وحالة البطالة في تزايد فظيع... و«ائتلاف الكرامة» السلفي_الجهادي (المتحالف مع النهضة!) يهدّد دائما بتسليف المجتمع و«الجهاد» بالداخل والخارج (بعض رموزه كانوا أئمة جمعة عبؤوا الشباب باتجاه إسقاط الدولة السورية، مع زملائهم من حركة النهضة)... والدساترة الجدد يمارسون خطابًا عنيفا، يخيف باحتمال الرجوع إلى منظومة القمع السابقة. وهناك «خطر داهم»، من الناحية الصحية.

- ما قام به قيس سعيد له «مشروعية شعبية» لأنه حركة تصحيحية ضد انقلاب السلطات الثلاث على الشعارات التي قامت عليها انتفاضة الشباب (17 ديسمبر _ 14 جانفي).نعم... عاد الأمل.. ولكنّ ذلك مشروط بشخصية الرئيس إنْ كانت منحازة فعلا للشعب، وبشجاعته تجاه ضغوط الإمبريالية والصهيونية (وسفاراتهما) والكمبرادورية الداخلية والدولة العميقة، وبإنصاته للقوى الحيّة. كما أن مدة شهر لا تكفي لإنجاز ما يريد إنجازه، فلا بد من ستة أشهر.

- المطلوب منا عاجلا، قبل الانتخابات المبكرة، أن نفعل كما فعلت شعوب أمريكا الجنوبية. لا بد من فرز قيادة شعبية من نقابيين مستقلين وعلماء اقتصاد ومثقفين ثوريين..

- لا بد من بديل يقوم على الاقتصاد الاجتماعي والسيادة الوطنية على مصادرنا (وهو موجود ضمن اعمال المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية منذ سنوات) .

- لا بد أن يتخلى "يسارنا" عن الاستخفاف بالدين لأن ذلك ما أسقطه في أعين الشعب. بل إن الدين في حالتنا ضرورة للتحول الثوري.

- لا بد من أن نؤهل منذ الآن قيادتنا: من ذوي الماضي النضالي المعروف، والمستقلين والتجميعيين وغير الإقصائيين، واليساريين و فلسطينيي البوصلة)...

***

هذا أبو القاسم الشابي، من وراء العقود، يشحننا بالأمل في المراكمة الكفاحية:

لـك الـويلُ يـا صَرْحَ المظالمِ من غدٍ   إذا نهـضَ المسـتضعفون وصمّمـوا

إذا حــطَّم المســتعبَدون قيــودَهم         وصبُّـوا حـميم السـخط أيَّـان تعلمُ

أغـرّك أن الشـعبَ مُغْـضٍ على قذى   وأنّ الفضـاء الرّحْـبَ وسنانُ مظلمُ؟

ألاَ إنّ أحـــلامَ البـــلادِ دفينــةٌ             تَجَمْجَــمَ فـي أعماقِهَـا مـا تَجَمْجَـمُ

ولكــن ســيأتي بعـد لأي نشـورُها            وينبثـــقُ اليــوم الــذي يــترنّمُ

هـو الحـقُّ يُغفـي.. ثمّ ينهضُ ساخطًا       فيهــدمُ مـا شـادَ الظِّـلامُ ويَحْـطِمُ

***

عادل بن خليفة بالكَحْلة

(باحث إناسي واجتماعي- تونس)

تونس في28  2021/07/

 

 

جورج كتنيخطئ من يقارن الرئيس التونسي قيس سعيد بالرئيس المصري السيسي، فالاخير جنرال عسكري حرك قواته المسلحة ليقوم بانقلاب عسكري كامل الاوصاف باعتقال راس السلطة المدنية المنتخب، الاخواني محمد مرسي، الذي نجح في الجولة الثانية باغلبية بسيطة بنسبة 51.73 % على منافسه احمد شفيق الذي حصل على نسبة 48.27%  بفارق 3 نقاط ونصف فقط. علما بأن ما رجح فوز مرسي قطاعات محدودة من الناخبين رغم عدم تحبيذها للاخوان، لكنها صوتت بالاساس ضد احمد شفيق خوفا من عودة السلطة للنظام السابق، رغم ان شفيق الذي ايد الثورة ضد مبارك لم يعد محسوبا عليه. وقد اكتشفت هذه القطاعات خطأها وعادت لتشارك في الاحتجاجات الواسعة المليونية ضد مرسي بعد عام من تجربته الفاشلة على رأس السلطة. وبالاستناد لهذا الحراك قام السيسي بانقلابه العسكري وكان من المتوقع ان يعيد تسليم السلطة للشعب ولكنه استأثر بها باتباع اشكال مختلفة اعتاد استخدامها العسكر الانقلابيون.

عكس ذلك تماما فالرئيس قيس سعيد ليس جنرالا والتغييرات التي اجراها مدنية وتعتمد على بنود الدستور التي شارك حزب النهضة في وضعها واقرارها. ورئيس الوزراء الذي اقيل يقيم في منزله ولم يعتقل فيما رئيس البرلمان الغنوشي يمارس حقه في الاحتجاج على الاجراءات ويعتصم امام مجلس النواب المغلق. الرئيس سعيد رغم انه لا ينتمي لاي حزب، نجح في الانتخابات الرئاسية بفارق كبير فقد حصل على 72.71 % من الاصوات، فيما حصل منافسه نبيل القروي على 27.27 %. في تلك الانتخابات ترك حزب النهضة، الذي لا مرشح له، لمؤيديه حرية اختيار من يعطونه صوتهم. سعيد، الأستاذ الجامعي للقانون الدولي المناهض القوي للنظام السابق ولنواقص الحكومات المتعاقبة منذ العام 2011 والداعم لمطالب الثورة التونسية، فاز دون حزب سياسي بل فقط بأفكار يتقاسمها مع شرائح عريضة من الشباب الواعي والمثقف. ويرى مؤيدوه أنه صارم في تطبيق القانون لكن نقطة ضعفه تتمثل في ان التيار الشعبي الواسع المؤيد له غير مؤطر في حزب.

الرئيس سعيد يكاد يكون ممثلا لقطاعات واسعة من الشعب التونسي التي يئست من "الطبقة السياسية" باجمعها وليس من حزب النهضة فقط بل جميع الاحزاب المتعددة الاخرى، في موقف قد يضاهي الحراك الشعبي اللبناني اليائس من الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة، والرفع لشعار:  "كلن يعني كلن" ضد كل الاحزاب، وليس حزب الله فقط، التي اوصلت لبنان الى حافة الانهيارالاقتصادي والمالي والسياسي.  فمن يصور التغيير الذي احدثه الرئيس سعيد بانه موجه فقط ضد "حزب الاخوان المسلمين" كما عاد البعض لتسمية حزب النهضة، يسقط التوجه الحقيقي لهذه التغييرات ضد كل الطبقة السياسية الفاسدة الحزبية وغير الحزبية التي تسببت في ازمة سياسية واقتصادية بانهيار العملة وارتفاع نسبة البطالة وانتشار واسع لوباء كورونا مما ادى لانهيار المنظومة الصحية. فالانقسامات الراهنة في المجتمع التونسي غير مرتبطة بالدين أو بالهوية بل بالفساد وغياب العدالة الاجتماعية والامتيازات وانهيار العملة وعدم توفر فرص العمل.

ويؤشر لذلك ان الاحزاب الرئيسية في البرلمان التي رفضت خطوات سعيد: النهضة 53 نائبا - اكبرها ولكنه لا يملك الاغلبية وحده - ، كتلة قلب تونس 29 نائبا، كتلة التيار الديمقراطي 22 نائبا، وكتلة ائتلاف الكرامة 18 مقعدا. الاحزاب الرافضة للاجراءات تمثل اكثر من نصف المجلس المكون من217 نائبا. بالاضافة لاحزاب اخرى من خارج البرلمان كالحزب الديمقراطي، الحزب الليبرالي الجمهوري، والحزب الماركسي اللينيني. فيما احزاب اخرى قدمت دعما محدودا للرئيس سعيد ولكن فضلت الترقب والانتظار، مع مخاوف بشأن مستقبل الديمقراطية التونسية. علما بأن الاجراءات اتت بعد احتجاجات شعبية واسعة في 25 تموز في ذكرى عيد تأسيس الجمهورية في اكثر من مدينة تونسية دعت لاقالة الحكومة وحل البرلمان واعتقال الفاسدين وتقديمهم للمحاكمة، وقد لجأت للعنف في بعض الاماكن عندما اقتحمت بعض مقار حزب النهضة فاصطدمت مع القوى الامنية.

حزب النهضة رغم سلبياته التي قد تعود لاعتماده بالاساس على نخب ريفية في المجتمعات الزراعية او ريفية نازحة للمدن، يختلف عن احزاب الاخوان في انه لا يطالب بتطبيق الشريعة الاسلامية، واكتفى بنص الدستورعلى ان تونس دولة ديانتها الاسلام. وفصل المجال السياسي في الحزب عن المجال الدعوي الديني والمجتمعي، ورفض استغلال الدولة للدين سياسيا فمهمتها ليس فرض عقيدة ما على المجتمع، بل تقديم خدمات للناس وصيانة الامن. واذا كان حزب النهضة قد ترأس الوزارة بعد الثورة من عام 2011 - 2014  في ظل حليفه الرئيس المرزوقي، من خلال رئيسي الوزراء الجبالي والعريضي المنتميين للحزب، فقد قبل امام هبة شعبية ونقابية حاشدة التخلي عن الحكم لحكومة حيادية تشرف على انتخابات تشريعية ورئاسية كما قبل بتداول السلطة بعد انتخابات 2014 و2019 التي اتت بالسبسي من حزب نداء تونس كرئيس ثم قيس سعيد كمستقل في انتخابات شهد الجميع بنزاهتها. ودل القبول بالنتائج وتهنئة حزب نداء تونس بالفوز عام 2014، وعدم اطلاق التهم بتزوير الانتخابات، على نضج سياسي وانتصار للديمقراطية وقبول الآخر. كما تراجع النهضة عن التعاون مع الحركة السلفية، واتخذ موقفا حاسما ضد عمليات التكفيريين لاغتيال قياديين يساريين، وقبل بممارسة رجالات الحكم السابق لحقهم في العمل السياسي، لتعارض عزلهم سياسيا مع أسس الديمقراطية. ورغم خسارته للاغلبية فلولا هذه التراجعات لكانت نتائجه أسوأ بكثير.

حزب النهضة لا يحكم تونس منذ عشر سنوات كما قال البعض لكنه مشارك اساسي فيها من خلال مجلس النواب والتحالفات مع الاحزاب الاخرى فيه. الحزب بعكس حزب الاخوان المصري قبل بالديمقراطية العلمانية كهدف نهائي وهذا ما اثبتته العشر سنوات الماضية، فيما حزب الاخوان المصري قبل بالديمقراطية كقطار يوصله للسلطة ثم يقوم بتطبيق تدريجي لما يؤمن به من حكم الشريعة. واذا كان حزب النهضة قد قبل بالديمقراطية المدنية غير الدينية فذلك لا يعني انه كحزب مثل جميع الاحزاب الاخرى لا يمكن ان ينجر للفساد في السلطة. وحركة سعيد الدستورية ليس ضد حزب يريد تطبيق الشريعة ولكن ضد حزب شارك في الفساد كما يتهمه مع الاحزاب الاخرى. وهذا ما ينتظر اثباته في محاكم مستقلة كما هو متوقع او كما تسرب من ان القضاء سيفتح تحقيقا مع ثلاثة احزاب منها النهضة لتلقيها اموال من الخارج لدعم حملاتها الانتخابية.

ليس انقلابا كما قال البعض وهذا ما اكدته دول ديمقراطية عديدة اوروبية وامريكية، فقد حث الاتحاد الاوروبي على احترام الدستور وسيادة القانون والحفاظ على المكتسبات الديمقراطية وعدم الانجرار للعنف وحل جميع الخلافات من خلال الحوار. واملت فرنسا بعودة المؤسسات المنتخبة الى عملها الطبيعي في اقرب وقت. بعكس تركيا التي ترى في تأييدها لحزب النهضة فرصة لمد نفوذها الى تونس بعد ان رسخته في ليبيا المجاورة، فقد اعتبرت ما تم "تعليقا للعملية الديمقراطية وتجاهل للارادة الديمقراطية للشعب التونسي"! فيما سارعت احزاب الاخوان في المنطقة العربية مثل حركة مجتمع السلم الجزائرية الاسلامية لاعتبار الخطوات انقلابا. اما حزب العدالة والتنمية المغربي فقد اعتبر ان ما حدث في تونس "مؤلم" ولكنه لم يقل انه انقلاب. فيما ان من تنطح لمهاجمة الاجراءات بقسوة هو اتحاد علماء المسلمين الذي انشأه القرضاوي الذي "افتى!" بعدم شرعية قرارات سعيد ووصفها بانها استبداد وانقلاب غير شرعي موجه ضد حركة النهضة.  كما تحرك بنفس الاتجاه التنظيم الدولي لجماعة الاخوان لحشد التأييد الدولي لحزب النهضة كما ادعى.  

هل سقط الاستثناء التونسي في الربيع العربي؟ لا شيء يشير الى ذلك حتى الآن. تونس لم تتميز فقط بمساهمتها وريادتها للربيع العربي ونجاح ثورتها ضد بن علي سلميا، فهي بالاساس تتميز بمجتمع مدني متقدم وحضاري متأثر بالجوار الاوروبي، وبنهج علماني اختطه العهد البورقيبي، وبقطاعات شعبية مثقفة شبابية ونسائية ونقابية فعالة ترفض اسلمة المجتمع، وقانون للاحوال الشخصية ينصف المرأة ويعطيها حقوقها الكاملة المساوية للرجل، ومجتمع يرفض العنف واعتاد الحوار لحل خلافاته، ولا شيء يشير الى ان حزب النهضة او احزاب اخرى معارضة للرئيس يمكن ان تلجأ للعنف لمواجهة اجراءاته. بالاضافة لجيش حيادي سياسيا، وهامش لا بأس به من الحريات حتى قبل سقوط بن علي.

نعم هناك مخاوف على مستقبل التجربة الديمقراطية التونسية الرائدة ولكننا لا يمكننا ان نتنبأ بما يحدث منذ الآن ، علينا ان ننتظر ونراقب ما ستؤول اليه الامور بعد الاجراءات السياسية الراهنة، وخاصة خلال شهر تجميد البرلمان وما بعده ان كان سيمدد التجميد ام لا، وهو اجراء دستوري يحتاج لموافقة المحكمة الدستورية التي تبت في الحالة الاستثناية من عدمها.  وسنرى ان كان تجميع معظم السلطة بين يدي الرئيس سيستمر ام انه حالة مؤقتة تقتضيها المرحلة. وان كانت بعض الاجراءات المنافية للديمقراطية مثل اغلاق مكتب الجزيرة ستعمم لاسكات الاعلام وحرية التعبير. هذا لم يحصل حتى الآن، كما انه لم يمنع الحراك الشعبي ووسائل التعبير الاخرى من اي طرف كان معارضا او مؤيدا. الاستعجال في اصدار الاحكام ليس عملا رصينا يمكن ان يصل الى حقائق الواقع القائم المتغير من يوم لآخر.

 

جورج كتن - 1 آب 2021

 

 

احمد محمد جواد الحكيمعبارة متناقضة من الناحية المنطقية

تذكرنا هذه العبارة، بالمغالطة المعروفة: "أنا لا أنزل إلى الماء قبل أن أتعلم السباحة"، التي تتضمن تناقضاً منطقياً بين شكلها ومضمونها، لأنها تمثل حجة صحيحة شكلاً، لكنها باطلة مضموناً، بمعنى تجاهل المضمون لصالح الشكل، باستخدام شتى الأساليب والسبل بهدف التضليل وإثبات موضوعاً يتعذر تحقيقه عملياً، لأغراض وغايات عديدة منها، جلب الشهرة، والتعويض عن ضعف وعجز الذين يؤمنون بمثل هذه العبارة، وبهدف أيضاً اقناع أنفسهم أن لهم قيمة وتأثير في المجتمع.

إذن المطالبة بتوفير منظومة انتخابية حرة ونزيهة، وبيئة سياسية آمنة تضمن حرية التعبير وتضع حداً للسلاح المنفلت، والكشف عن قتلة المتظاهرين، ومحاسبة رؤوس الفساد، وتطبيق قانون الأحزاب، ومحاسبة من يستخدم المال السياسي، وغيرها، كلها مطالب مشروعة، صحيحة، لكن السؤال مَن هي الجهة التي تستطيع تنفيذ هذه المطالب الكبيرة؟ بالتأكيد هم يقصدون الحكومة الحالية (التي يطلق عليها ذلك المثقف "الطغمة الحاكمة"!!) وهي غير قادرة حسب رأيهم، لهذا لم يشاركوا في الانتخابات. إذن حسب هذا المنطق لابد من حكومة أخرى جديدة تقوم بذلك، ولكن كيف تأتي حكومة أخرى؟

أنه من الطبيعي تأتي عن طريق الانتخابات أي الاحتكام إلى الإرادة الشعبية برغم كل السلبيات والنواقص التي قد ترافقها، لأنها السبيل الأمثل في ظل نظام غير استبدادي، يسير في بدايات تطبيقه للديمقراطية. أما البكاء والشكوى المسبقة، والدعوة لمقاطعة الانتخابات، لأنها ستعيد انتاج المنظومة السياسية نفسها، كما ستعطي شرعية للفساد والتزوير، فهل هذا يعني أنه من الأفضل إبعاد تلك القوى التي تطالب بالتغيير، مقابل صعود قوى أخرى تقرر وتشرّع قوانين بدلاً عنها. كل ذلك يُعد اعترافاً ضمنياً بضعف قوى التغيير وعجزها وعدم امتلاكها قاعدة جماهيرية واسعة تؤهلها للفوز بمقاعد في مجلس النواب. أضف إلى ذلك متى كانت الأوضاع الأمنية مستقرة بصورة كاملة بعد عام 2003. كما أنهم يتكلمون عن السلاح المنفلت، ولا يتكلمون عن السلاح بيد الإرهابيين، ولا يتكلمون عن مؤثرات وجود القوات الأمريكية والتركية في العراق، أم أن هذه ليس لها علاقة بتوفير بيئة آمنة!

فضلاً عن ذلك ألَم يشاركوا سابقاً في الانتخابات في ظل ظروف أسوأ مما هو حاصل الآن. ثم ألم يشاركوا في بعض الحكومات السابقة، أم أن الحكومات السابقة لم تكن قائمة على المحاصصة والتقسيم الطائفي، وأن الحكومة الحالية هي التي تمثل ذلك فقط.

قواعد عامــة

1- إن كل دعوة بالانسحاب أو المقاطعة هو منهج غير سليم يدل على أن أولئك المقاطعين غير واثقين من قدراتهم في استثمار الجماهير لصالحهم في مواجهة الأطراف الأخرى.

2- إن أي بديل عن الانتخابات، من أجل التغيير، هو أمر غير معروف العواقب، قد يكون الفوضى أو نحوها.

3- لا نتوقع أن بإمكان القوى المقاطعة افشال الانتخابات (إلا إذا حدثت أمور أخرى غير المقاطعة)، أياً كانت نسبة المشاركة. لأن هذه المقاطعة لم تشمل جغرافية العراق كاملاً، إذ أن هناك قوى لم تقاطع في شمال العراق وغربه.

4- إن المتضرر من مقاطعة الانتخابات هم تلك الفئات التي تسعى إلى التغيير وإصلاح المجتمع.

5- إنه في الأنظمة الديمقراطية، ليس كل من يشارك في الانتخابات ويحصل على تمثيل سياسي في مجلس النواب، يكون مسؤولاً عن   فشل الحكومة في تحقيق الإنجازات والمشاريع التي تخدم المجتمع، بسبب أن هناك حرية تكوين معارضة داخل مجلس النواب، وهي بالطبع تكون أقلية، وعليه لا تتحمل مسؤولية الإخفاقات ونحوها. لذلك نحن نستغرب من أولئك السياسيين الذين استقالوا من مجلس النواب لهذه الأسباب، وعلى كل حال فهو موقف خاطئ.

6- إن مشاركة قوى التغيير والإصلاح، والفوز بمقاعد في مجلس النواب، هو العامل الحاسم في تحسين نوعية أعضاء هذا المجلس وعددهم، وليس مقاطعة الانتخابات.

الآثار السلبية المترتبة عن مقاطعة الانتخابات

هناك آثار سلبية عديدة ناتجة عن مقاطعة الانتخابات، نذكر منها:

1- تخلّي الأطراف المقاطعة عن حقها، طواعيةً، في إرسال من يمثلها إلى مجلس النواب، وبذلك تصبح فئة مهمشة، غير فاعلة في النشاط السياسي وغائبة عن المشاركة في صنع القرار الذي يهم مصير المجتمع، بمعنى بلا تأثير فعال على مسار الدولة وقراراتها.

2- قبول الأطراف المقاطعة، أن يقرر عنها آخرون، وبذلك سيخسرون قدرتهم في إصلاح مؤسسات الدولة من الداخل، وسيظلون يصارعون الأطراف الحاكمة، من خارج مجلس النواب، الذي هو المكان الطبيعي للقدرة على التغيير والإصلاح، وبهذه الحالة تتحول هذه الأطراف، أو ذاك الحزب، كما يقول ماثيو فرانكل (Matthew Frankle) إلى معارضة صوتية معتمداً على رهان غضب الجماهير أو على فشل الحكومة.

3- بث اليأس والإحباط في نفوس المجتمع، وهدم الثقة في النفس، وفقدان الأمل في إصلاح الوضع السياسي، لأن تلك القوى لم تنجز شيء لصالح الجماهير، كما يقول سقراط: "الذين فشلوا في انجاز شيء في حياتهم، يحاولون دائماً إحباط الآخرين".

4- إن من نتائج مقاطعة الانتخابات، هي النسبة المتدنية للتصويت، هذا إذا أضفنا إليها عزوف عدداً كبيراً عن الاشتراك في الانتخابات لأسباب أخرى، كل ذلك ستكون حظوظ القوى السياسية المشاركة، كبيرة في الحصول على مقاعد في مجلس النواب. والنتيجة سيكون هناك مجلس نواب جديد يشبه إلى حد ما المجلس السابق.

5- إهدار فرصة ثمينة لانتشار قوى التغيير والدعاية لرؤيتها وبرامجها الانتخابية، وفي أسوأ الظروف إن لم تحقق نتائج إيجابية في انتخابات مجلس النواب، فستحصل على قاعدة شعبية جديدة تدعمها في الانتخابات القادمة، سواء لمجالس المحافظات أم لمجلس النواب.

استنتاجات

1- من المؤسف والمؤلم، أن نجد بعض القوى التي تختار مقاطعة الانتخابات، تحاول إساءة سمعة العملية الانتخابية، ذلك بإرباك هذه العملية أو افشالها أو الطعن بشرعيتها، فضلاً عن التشكيك بنزاهة مفوضية الانتخابات، باستخدام مختلف الحجج والتبريرات، والبحث عن الأخطاء أو السلبيات، التي لا تخلو منها أي عملية انتخابية جديدة، في بلدان العالم الثالث.

2- إن الجهود والوقت الذي تبذله الأطراف التي تبرر فيه مقاطعتها للانتخابات، كان الأجدى والأصح والأمثل أن تبذله في توعية الجماهير، من أجل أن يختاروا بشكل حقيقي من يمثلهم، وقطع الطريق على الفاسدين والمقصرين والذين يتغيبوا عن الجلسات، في الوصول إلى مجلس النواب.

3- إن مقاطعة الانتخابات، تعني خسارة الأطراف المقاطعة، اكتساب خبرة وتجربة ورؤية في ممارسة العمل النيابي، فضلاً عن دورها السلبي في تقليل مشاركة الجماهير في الحياة السياسية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن المشاركة في الانتخابات ستساعد في إدخال فئات جديدة من الجماهير وستعلمهم وتشد من أزرهم وتولّد قيادات جديدة أيضاً.

4- إن الاحتجاجات القائمة على واقع الخدمات والفقر والحرمان ونحوها من السلبيات، لا تغير منها المقاطعة شيئاً، إنما العكس، سوف تخدم الفاسدين الذين سيكونون قادرين على حشد مزيد من الأتباع بأشكال وطرق مختلفة.

5- إن المشاركة في الانتخابات تُعد ضرورة مُلحّة، من أجل ترسيخ قاعدة أساسية، وسن سنّة حسنة، هي أن السلطة والحكم مصدرها الشعب ونتائج صناديق الانتخابات، في النظام الذي ينشد الديمقراطية، هي أفضل وسيلة يمكن للشعوب أن تستخدمها لنيل حقوقها، وإذا كان هناك نقصاً أو تقصيراً أو سلبيات فيمكن إصلاحها تدريجياً.

6- لو افترضنا أن هناك بيئة غير آمنة، وهناك تزوير، وغيرها من الدعاوي التي يتذرع بها المقاطعون، فإن على الأطراف المُقاطعة بهذه الحالة، أن تستغل أي ثغرة أو فجوة بقانون الانتخابات، بشكل مبدع، للتعامل مع المشكلات والصعوبات من أجل المشاركة في الانتخابات، بكل ما يرافق ذلك من أوجاع وآلام، وليس الهروب من المسؤولية، لأن الأحزاب السياسية في البلدان الديمقراطية تتصارع في سبيل إيصال ممثليها، حتى لو تضاءلت حصتها من الأصوات، إلى مجلس النواب، لذلك نجدها ترفض فكرة المقاطعة مهما كانت الدوافع أو العوائق.

7- إن مقاطعة الانتخابات، ليست هي أحد أساليب العمل السلمي، على طريق التغيير الرامي إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية.

8- إن الخطة البديلة لمقاطعة الانتخابات التي تطرحها الأطراف المقاطعة، هي بديل نظري، غير واقعي، غير قابل للتنفيذ.

وأخيراً، نحن لا نبغي في هذا المقال أن ننتقص من قدر أحد، بقدر ما هو دعوة للتفكير العملي، الذي يهدف إلى توحيد الصفوف من أجل البناء وغرس الأمل في نفوس المجتمع، والتعامل مع المشكلات بمنطق "الدولة"، لا بمنطق العواطف أو التخيلات أو الأحكام المسبقة. فمن حق الأطراف السياسية أن يكون لها رأي تدافع عنه وتعتقد فيه، لكن ليس من حقها أن تسميه "الحقيقة". ومقاطعة الانتخابات، تعني هدر آلاف الأصوات، التي يمكن الاستفادة منها في عملية التغيير، وإدخال أعضاء جدد نزيهين، إلى مجلس النواب.

 

أحمد محمد جواد الحكيم

باحث وأكاديمي عراقي

......................

ولمزيد من الشرح عن موضوع المقاطعة يمكن الرجوع إلى مقال:

Threaten But Participate: Why Election Boycotts are A Bad Idea.

لمؤلفه: Matthew Frankle من معهد Brookings في واشنطن، عام 2010. وفرانكل هذا مهتم بالشؤون العراقية، إذ يشرح في هذا المقال أوضاع الانتخابات بعد 2003، كما قام بدراسة واسعة إلى 171 حالة مقاطعة أو تهديد بمقاطعة الانتخابات في عدد كبير من البلدان للفترة من 1990 حتى 2009، واستنتج أن المقاطعة تنتهي دائماً بالفشل.

 

 

 

قصي الصافيبقلم: مايكل كَالنت

ترجمة: قصي الصافي


تضخمت ديون بلدان الجنوب في السنة الاولى من الجائحة بمستويات خطيرة، الامر الذي دعا تلك البلدان الى اتباع سياسات  تقشف أكثر من ذي قبل. تلك الضائقة التي استهدفت عمال عالم الجنوب لا تنحصر تداعياتها ضمن الحدود المحلية، بل أن الصراع ضد عبودية الديون عابرللحدود وتمتد اثاره لتطال العمال في كل مكان.

بينما تعود بلدان الشمال بعد عام من الجائحة لافتتاح البارات وأماكن الطعام، فان دول الجنوب لا تواجه تبعات الفايروس فحسب، بل خرجت بازمات ديون خانقة تهدد معيشة وأنماط حياة الملايين لسنوات قادمة.

منذ بدء الجائحة العام الماضي، توقفت الأنشطة الاقتصادية في جميع أنحاء العالم. وبينما كانت الدول الأكثر ثراءً، في الغالب، قادرة على شق طريقها خلال الأزمة، لم تكن دول جنوب الكوكب تتمتع بالقدرات اللازمة لتجاوز المحنة. وجدت الدول النامية -التي تعاني أصلاً من نقص الموارد والاستغلال المفرط- نفسها في مواجهة  تقلّص الإيرادات، وهجرة رأس المال، وعدم القدرة على سد الاحتياجات الاجتماعية الملحة، وفوق كل هذا مواجهتها لابتزازكارتيل من الدائنين  الذين لا  يرغب أحدهم خسارة أي نقص في سداد الديون. خشية من التخلف عن السداد على نطاق واسع، كان رد فعل الدائنين مثيراً،  فقد قدم صندوق النقد الدولي (IMF) عرضاً لإلغاء ديون محدود ورمزي إلى حد كبير ولمجموعة منتقاة من 25 دولة.  وكانت مبادرة دول مجموعة العشرين لتعليق خدمة الديون تقوم فقط على تأجيل المدفوعات لا إطفاءها، وهي متاحة فقط للبلدان منخفضة الدخل، وتستثني البلدان ذات الدخل المتوسط مثل كولومبيا والسلفادور والفلبين التي غالبًا ما تكون في أمس الحاجة إليها. كما أن البرنامج المعروف لمجموعة العشرين لمعالجة الديون- والذي يهدف إلى تسهيل إعادة هيكلة الديون إلى ما بعد التعليق المؤقت - يعاني هو الآخر من قصور مماثل. كما أنه ضيق النطاق، ومصمم من قبل الدائنين ومن أجلهم، وهوعاجزعن حماية البلدان المشاركة من خطورة تخفيض تصنيفاتها الائتمانية.  لم تلزم أي من المبادرات الرئيسية القطاع الرأسمالي الخاص بشكل حاسم للمشاركة في تخفيف عبء ديون الجنوب العالمي، مما يترك الديون العائدة للقطاع الخاص دون مساس تقريبًا، علماً ان تلك الديون تصل في بعض البلدان إلى ما يقرب من 70 في المائة من إجمالي العبء. وبدلاً من ذلك، طالب قادة أقوى دول العالم مجتمعين القطاع الخاص بتقديم المساعدة طوعاً، وكأن حل الازمة الاقتصادية يتم بالدعوات والصلوات.

بعد مرور أكثر من عام على انتشار الوباء، لم تصحّ التوقعات بحدوث عجز عن سداد الديون بشكل واسع، لكن أولئك الذين نجوا من العاصفة قد دفعوا أثماناً باهظة. في العام الماضي وحده، دفعت الدول النامية (باستثناء الصين) مبلغًا مذهلاً بلغ 194 مليار دولار إلى الدائنين الخارجيين, ولتحمل هذه المدفوعات، اضطرت الدول المتعثرة إلى خفض الإنفاق الاجتماعي وطلب زيادة في الاقتراض لتغطس بشكل أعمق في ضائقة الديون. ارتفعت ديون البلدان النامية نتيجة الأزمة من معدل ما يقارب 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 60 في المائة. باختصار، أدى النظام المالي العالمي ما هو مُصمم له: توفير مساحة تنفس كافية لتجنب حالات العجز عن السداد، لحماية الدائنين من القطاع الخاص على حساب الدعم العام، وبالتالي تعميق الأزمة الأساسية وإجبار دول الجنوب على المزيد من الأرتهان.

أزمة الديون هي مأساة في حد ذاتها، يتفاقم بسببها، الفقر، والبطالة، والتخلف، ونقص الرعاية الصحية، والبؤس لعدد لا يحصى من الناس في جميع أنحاء جنوب الكرة الأرضية. إنه أمر يستدعي غضبنا ومعارضتنا المنظمة على  آلية وأسس ادارة الديون. علما أن أزمة ديون الجنوب العالمي ليست مشكلة لجنوب الكرة الأرضية فقط، إنها أزمة للعمال في كل مكان.

يجب على الطبقة العاملة في شمال الكرة الأرضية أن تنضم إلى رفاقنا الجنوبيين ضد هذا النظام المالي - ليس بدافع الإيثار فقط، ولامن أجل المصلحة الذاتية، ولكن من باب التضامن والكفاح المشترك.

في غمرة (السباق العالمي نحو القاع) عمال العالم بأجمعهم هم الخاسرون:

(السباق نحو القاع Race to the Bottom : مصطلح اقتصادي يشير الى سلوك الحكومات في تنافسها لجذب رؤوس الأموال وذلك باعفاء الشركات الاجنبية من الضرائب أو تخفيضها، وإعفاءها من الضوابط إتجاه اجور أو حقوق العمال أو مسؤولياتها فيما يتعلق بتلويث البيئة،.. الخ.. المترجم).

ديون الجنوب العالمي ليست عرضاً طارئاً بل خاصية من خصائص النظام الاقتصادي العالمي. فإحدى وظائفه الرئيسية تتمثل في تعزيز نفوذ الدائنين لفرض أجندتهم الخاصة على بلدان الجنوب.  لجأت 85 دولة الى صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل إضافي منذ بدء الوباء، في محاولة يائسة لسداد مدفوعاتها، ولتجنب تخفيض تصنيفها الائتماني على أيدي وكالات التصنيف الائتماني ذات النفوذ القوي.

وقد استخدم صندوق النقد الدولي بدوره سلطته - على اعتباره الملاذ الأخير كمقرض - لفرض حزمة شروطه المعتادة من التقشف وإلغاء الضوابط والخصخصة. وفقًا لأحد تقارير منظمة أوكسفام، فإن أكثر من 80 في المائة من قروض صندوق النقد الدولي المقدمة خلال الوباء جاءت مع شروط تخفيض ميزانية القطاع العام،  واتباع تدابير تقشفية لسنوات قادمة.

إن تداعيات هذا الاستهداف الممنهج ضد الطبقة العاملة لا ينحصر ضمن الحدود المحلية. لقد مكّنت هيكليه النظام  المالي العالمي - الذي تم تطويره منذ السبعينيات - رأس المال من التنقل بحرية بين البلدان بحثًا عن أكثر الظروف ربحية. ولهذا فإن الدول الطامحة للسيادة تدخل في مواجهة بعضها البعض في سباق يائس نحو القاع  Race to the Bottom. عندما تستغل برامج صندوق النقد الدولي حاجة البلدان المثقلة بالديون لفرض إصلاحات شاملة مناهضة للعمال، فإن المتضررين ليسوا عمال ذلك البلد وحدهم.

عندما تحدث أزمة ديون في السلفادور مثلاً، وتتلقى قرضًا من صندوق النقد الدولي، يتضمن شروطًا لتسريح العمال من القطاع العام، وتخفيضات في الأجور، وتقليص في تدابير الحماية من البطالة - كما فعلت العام الماضي -، فتفكر شركة امريكيه بنقل مصانعها الى السلفادور لوفرة العمالة الرخيصة والقابلة للاستغلال بسبب اجراءات الصندوق الدولي، وبهذا تكون النتيجة أن العمال السلفادوريين يتحملون العبء الأكبر من هجوم صندوق النقد الدولي، ولكن في الولايات المتحدة أيضاً العمال المسرّحون بسبب انتقال المصانع للسلفادور - في أحسن الأحوال - يفقدون القدرة التفاوضية على الأجور، وفي أسوأ الأحوال ينضمون الى جيش العاطلين. الآن تأمّل هذا السيناريو على نطاق عالمي.

إذن إستهداف العمال في أي مكان هو اعتداء على العمال في كل مكان. وديون الجنوب العالمي تمثل سلاحا قويا لاستهدافهم.

الصحة في العالم كلٌّ مترابط:

الحاجة إلى التسديد للدائنين إضافة إلى شروط التقشف التي يفرضها المقرضون مثل صندوق النقد الدولي، كان له الأثر أيضاً في العجز عن توفير خدمات الصحة العامة في جميع أنحاء جنوب الكرة الأرضية عام 2020، خلال إحدى أكبر الأزمات الصحية في العصر الحديث، أنفقت البلدان النامية في المتوسط على سداد القروض وفوائدها بما يقارب مرة ونصف مقدار ما صرفته على الرعاية الصحية العامة. في خضم أزمة صحية عالمية غير مسبوقة، اضطرت الدول النامية إلى الدفع لدائنيها بدلاً من حماية صحة شعوبها. كان التحويل الصافي البالغ 194 مليار دولار من البلدان النامية إلى الدائنين الخارجيين وحده كافياً لتحصين كل فرد في العالم النامي. وعلى الرغم من أن قروض صندوق النقد الدولي الطارئة المتعلقة بفيروس كورونا المستجد COVID-19 تم استثناءها من وصفات التقشف الخاصة بالأنفاق على الصحة أثناء الوباء، فمن المتوقع أن تدخل هذه التعديلات المالية حيز التنفيذ في السنوات القادمة، ففي خمسين دولة، من المتوقع أن تكون التخفيضات في الميزانية العامة أكبر من إجمالي الإنفاق الحالي على الرعاية الصحية.

باختصار، في خضم أزمة صحية عالمية غير مسبوقة، اضطرت البلدان النامية إلى الدفع لدائنيها بدلاً من حماية صحة شعوبها.

مرة أخرى، تداعيات هذا الامر يمتد الى ما وراء حدود البلدان. مع استمرار انتشار الفيروس في معظم أنحاء بلدان الجنوب، بدأت تظهر طفرات وراثية جديدة أكثر فتكًا ومقاومة للقاحات، وما يفاقم الازمة الاصرار على عدم التنازل عن احتكار الملكيه الفكرية للقاحات وقوانينها القائمه أصلا على التمييز. إن إعطاء دول الشمال العالمي الأولوية للدائنين من القطاع الخاص على الصحة العامة يهدد بإطالة الوباء وعاقبته تطاردنا جميعًا. فإذا ماعاد للانتشار نوع جديد أو جائحة جديدة في الشمال، ستكون الطبقة العاملة مرة أخرى هي التي تتحمل التكلفة.

الدائنون ومعالجة الاحتباس الحراري:

إن تراكم الديون والتقشف القسري يهددان  جنوب الكرة الأرضية بضياع عقد آخر من التنمية، وفي ظل هذه الظروف، من الصعب أن نتخيل أن كفايةً من الموارد العامة ستتوفّر للاستثمارات المطلوبة لمواجهة أزمة المناخ العالمية الملحة. كما قال خبير الديون دانييل مونيفار: "الاستمرار في هذا المسار [الديون] ينذر بتلاشي أي أمل لتحقيق الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ".

بسبب استنزاف الأموال العامة قد تضطر البلدان التي ترغب بالقيام بعمل ما بشأن تغير المناخ إلى اللجوء لاعتماد أكبر على التمويل الخاص، والمعروف أن السير بنهج - رأس المال أولاً - لا يُحكم عليه بالفشل فحسب، بل يعزز قوة الممولين على حساب العمال في كل مكان.

كان من المفترض أن تكون جائحة كورونا حافزاً لإعادة التفكير جذريًا في القواعد التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي وإعادة البناء بطريقة تعالج التهديد الوجودي بسبب تغير المناخ، إلا إن رأسماليي الكوارث *-  كأولئك السؤولين في إدارة بايدن - يستغلون الأزمة بدلاً من ذلك لتنفيذ توجهاتهم في مواجهة أزمة المناخ العالمي بالخصخصة.

مرة أخرى، فإن نتيجة هذا الفشل في مواجهة أزمة المناخ، وتعزيز العلاقة الهرمية الحالية بين رأس المال وقوة العمل، لن يكون محسوسًا في جنوب الكرة الأرضية فحسب، بل سيكون كارثة تفوق التصور على الكادحين في كل مكان.

كسر الأغلال:

أزمة ديون دول الجنوب هي في الحقيقة نوع من أنواع  العنف والاستغلال ضد شعوب تلك البلدان. ولكن من استهداف القوة العاملة العالمية، إلى ما تسببه من تدهور في الصحة العالمية، إلى تقويض العمل في مواجهة ازمة المناخ العالمية، فإن ديون عالم الجنوب هي أيضًا أزمة للعمال في شمال الكرة الأرضية. هذا أكثر بكثير من مجرد مواءمة بالمصادفة للمصالح بين مجموعتين منفصلتين، فالمصالح المشتركة للطبقة العاملة العالمية هي سمة مميزة للاقتصاد العالمي الرأسمالي.

تعمل حكومات الشمال العالمي جنبًا إلى جنب مع رأس المال لاستغلال سكان جنوب الكرة الأرضية. وفي المقابل فأن قطاعًا صغيرًا من عمال بلدان الشمال قد يتلقى فتاتًا بما يكفي من تلك العوائد لتخفيف المعارضة ضد النظام.

في الواقع، إن معاناة عمال الجنوب والشمال مرتبطة ببعضها البعض، وكذلك انعتاقنا الجماعي. بينما يكافح الناس في جميع أنحاء جنوب الكرة الأرضية ضد التقشف وشروط قروض النقد الدولي، ويطالبون بإطفاء الديون، يجب علينا في شمال الكرة الأرضية أن نتبع قيادتهم ونتحد معهم في المقاومة. هذا يعني، على المدى القصير، تنظيم نشاطاتنا لإجبار حكوماتنا على إلغاء شامل للديون السيادية بما في ذلك ما للقطاع الخاص، وقد تشمل التدابير الآنيه الأخرى ضخ السيولة المطلوبة من خلال تخصيص ثلاثة تريليونات من (حقوق السحب الخاصة **) وإعادة توزيعها، بما فى ذلك  انجاز مستلزمات المعالجة الدولية المقترحة لقانون الجائحة. لكن الإغاثة الفورية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور عبودية ديون الجنوب العالمي تماما، يجب أن نحلم بشكل أكبر نحو إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد العالمي. إعادة صياغة هذه القواعد -  في صفقة عالمية خضراء جديدة - لن تشمل فقط الإلغاء الفوري للديون، ولكن أيضًا إنشاء آلية دائمة لتسوية الديون تحت رعاية الأمم المتحدة ؛ إلغاء التقشف في شروط القرض؛ التغيير الجذري الكامل أو حل واستبدال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ إعادة صياغة قواعد التجارة والاستثمار للمساعدة في وضع حد (للسباق نحو القاع.... راجع التعريف أعلاه.. المترجم )؛ التمويل العام غير المسبوق وغير المشروط والتعويضي من الشمال إلى الجنوب وغير ذلك. مثل هذه الأجندة في التغيير الجذري ضرورية. إلا أن ذلك لن يكون ممكناً طالما يتم التعامل مع نضالات الجنوب العالمي على أنها منفصلة عن كفاحنا. بدلاً من ذلك، يجب أن ندرك أن الأغلال التي تقيد بلدان الجنوب تثقل كاهلنا جميعًا .

بالوحدة القوية والمتماسكة العابرة لحدود البلدان يمكن للطبقة العامله كسر تلك الأغلال مرة واحدة وإلى الأبد.

 

........................

هوامش

* حق السحب الخاص SDR: تسمى أيضاً الذهب الورقي وهي وحدة عملة معتمدة في صندوق النقد الدولي لإجراء حسابات الأعضاء، وهي افتراضية ولا وجود مادياً لها, وقد اعتمدت بسبب الشكاوى من تذبذب قيمة الدولار، وتحتسب قيمتها بالقياس مع أربع عملات وهي الدولار والين واليورو والجنيه الإسترليني، وتتم مراجعة قيمتها كل 5 سنوات .............  المترجم

** رأسمالية الكوارث هو مصطلح صاغته الكاتبة الكندية نيومي كلاين في كتاب لها بعنوان " عقيدة الصدمة"، ويعني إستثمار الكوارث الطبيعية أو الحروب او الكوارث التي تعقب إثارة الطائفية أو الفوضى الناشئة عن قلب الأنظمة، استثمارها لفرض اقتصاد نيولبرالي وفرض الشروط التي تسهل لرأس المال الاعتياش والتربح على إستغلال قوة العمل وثروات الشعوب وأسواقها, ومن التجارب التي تسهب في توثيقها وتحليلها في الكتاب، المرحلة التي اعقبت إنقلاب بينوشيت في شيلي، الحرب على العراق، وتصفية برامج الرعاية الإجتماعية والسكن الشعبي والتعيم والصحة العامة في أعقاب اعصار كاترينا  في نيواورليانز بأميركا......المترجم

* نشر المقال في موقع الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا

https://jacobinmag.com/2021/06/debt-crisis-global-south-poverty-unemployment-working-class

 

سعيد بوسامرالعطش مفردة مثيرة للرعب! مجرد ذكرها يحيل العقل إلى اختلاجات نفسية جسدية تاريخية مؤلمة. إنّ عطَش هذه الأرض قضية قديمة متجددة، وحلّها مجرد معالجة سطحية للمشكلة الكبرى. فماذا تعرفون أنتم عن المشكلة الكبرى؟!

إنهم خلقوا المشكلة الصغرى وجهزوا الحلّ الأصغر ليبقى هذا الإنسان الحائم يطالب بمستلزماته الحيوية وينسى إرادته وحريّته وكرامته. إنَّ المشكلة الكبرى تكمن في عدم الاعتراف بهذه الحقوق أو يجدر أن نقول بإنسانية الإنسان قبل أي شيء آخر. هنا، على أغنى بقاع الأرض، ومنذ عقود، سُحق هذا الإنسان إلى درجة الحرمان من أشياء صغيرة وعادية، ويتعرض للإذلال والشتيمة على نحوٍ مستقيم. إنه يعيش على صفيح ساخن دائماً، أو لنقل إنه يعيش معركة موت، إنها طاحونة الموت التي يدور رحاها فتسحق كل معاني الإنسان، إنه يفقد خصوصيته، وتضمحل شخصيته...فكلما استيقظ أسكتوه تسكيت المستكين، وحقنوه بحُقن من الجهل والتطرف والقبلية، إنها حقنات ثخينة جعلته فأراً مختبرياً يقضم من ذيله حال جوعه..إنه خضع لمزاج وأهواء آخرين يكرهونه، إنهم بالفعل يكرهونه، بل يحقدون عليه حقداً مُريباً. وأما حقوقه فأصبحت رغباتهم، إنهم يسوغونها حسب رغباتهم..إنّهم شرسون ولؤماء جداً في معاملته، يعاملونه بناءً على ذلك الحقد التاريخي القديم، بناءً على أسس إثنية وثقافية غارقة في القدم.

إنهم يعملون على تخريب كل مقومات الرغبة في الحياة في هذا الإنسان الأعزل الذي أمسى يشبه حمامة في قبضة وشَق، لا بل ذبابة في شراك عنكبوت غير مرئية، إنهم أفسدوا الرغبة في العزيمة والفعل والطموح فيه.. وجعلوه ييقن أنه لا يستحق الحياة... وأما من يستحقها فهو الآخر فحسب. فجعلوه وقوداً لمنازلهم، فبدأ يتحسد عليهم، والمغلوب مولّع بالغالب غالباً، فحاول أن يتشبه بهم ويقلد مشيتهم لكنهم لطموه.

قد يقول قائل: ماذا فَقَدَ هذا الأهوازي؟...

سؤال مؤلم بقدر ما هو مُستحق، إنه فَقَدَ أشياء كثيرة يا صديقي، إنه فَقَدَ كل ما يملكه أو ما كان باستطاعته أن يملكه، إنه فَقَدَ كل قدراته ومكتسباته، كل أحلامه وطموحاته،إنه يعيش الفقر والتمييز والخراب، ويولد ويعيش ويموت بالبؤس والضيم والاضطهاد فلا أحد يحزن عليه غير أمّه...! ولا أريد أن أكلمك عن الأم هنا؛ فحكايتها حزينة تبکي السماء دماً حين سماعها.

لقد جرّدوه من كل شيء حتى اسمه لم يعد له، لغته لم تعد له، هويته لم تعد له،تاريخه لم يعد له، حروفه لم تعد له، حتى ضحكته وبكاؤه لم يعودا له، إنهم وضعوه في أمكنة لا تنتمي إليها روح إنسان ولا يصلح للعيش فيها قلب إنسان. ثم جيّشوا الكون ضده فلطموه مرة أخرى...

إنّ هذا الأهوازي يا رفاق أمسى مجرد رقم يعدونه وقت الحاجة، يكسرونه ويضربونه ويضيفونه عند الحاجة ويشطبونه إذا سئموا منه.

إذن إنّها ليست قضية ماء وعطش فهذا الإنسان المكرّم والعزيز معروف بصبره، إنها كومة أثقال حملها هذا الإنسان فأتعبت كاهله فرماها كلّها، إنها تراكمات تراكمت حتى وصلت حد الانفجار فانفجرت. وبعدها أصبح هذا الرقم الصغير غير المرئي، راديكاليا، ليلغي جميع العقبات والصعاب، فبرز من عشّه وصار أيقونة الصبر والحكمة والنضال للعالم برمته. إنه عشق الأرض يا أصدقائي، عشق الإبن بأمه، والإبن هو أصدق العشاق.

 

سعيد بوسامر

تموز ٢٠٢١

 

 

محمد بنيعيش1) قد يبدو العنوان وكأنه ينهل من العبثية نهلا حينما يربط بين الأستاذ الجامعي في عصرنا وبين مفهوم الدولة والسياسة، و الذي أصبح معقدا إلى حد الهجانة والرعونة الرعناء، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالثوابت والمبادئ التي ينبغي أن تنبني عليها أسس العدالة والتدبير الحكيم .بحيث قد صار الكل يتكلم عن السياسة والكل يؤسس للسياسة والكل يعارض السياسة والكل يسايس السياسة والكل يتقلد السياسة والكل يقلد السياسة...

من هنا فيكون علم السياسة وقوانين السياسة وأحكام السياسة كل أولئك قد حطه السيل من عل وابتذل أمره، وخلص في النهاية إلى أن يصبح لعبة كما يصطلح عليه الكثير تفاخرا حينما يصفون الأمر بلعبة سياسية وما إلى ذلك .

وعلى هذا المنوال فيمكن اعتبار أن نظريات تأسيس الدولة من لدن أفلاطون وابن خلدون ومكيافللي قد ذهبت أدراج الرياح، وعرتها الرطوبة والتآكل الناتج عن السيول التي جرفت الجار والمجرور والمضاف والمضاف إليه، فلم تعد حينئذ فرصة للتجديد ولا للتحديد أو التجويد.

ومما دفعني إلى كتابة هذه السطور على عجل، ومع حذر ووجل، بالرغم عن جهلي بالسياسة والسياسيين ودواليب الحكم وأساليب السوم والعوم، هو ما تابعته عن قريب مما يحدث في تونس الشقيقة، البلد الصغير مساحة وحجما والكبير ثقافة وتاريخا ونجما.وكيف لا وهي مهد أكبر وأهم منظر سياسي في التاريخ الإسلامي والتاريخ العالمي العلامة عبد الرحمن بن خلدون صاحب المقدمة من غير خاتمة.

2 ) لا أريد أن أتورط في تأييد أحد أو التنديد بأحد أو تحديد من صاحب الصواب من الخطأ فيما يجري في هذا البلد الجريح، والذي قد كان بالأمس كما وصفها وغنا لها الموسيقار فريد الأطرش :"تونس آية خضراء يا حارق الأكباد غزلانك البيضاء تصعب على الصياد".

لكن ومع هذا وبعد تردد فيتسنى لي أن أفصح كوجهة نظر بأنني قد أعجبت برئيس الجمهورية التونسية السيد قيس سعيد وبطريقة تعبيره عن مواقفه وقراراته الجريئة، وبلغة عربية فصحى، قد يمل منها ويمجها بعض المتراقصين ويثمنها من لهم نفس قوي للاستماع بعقل وفكر متقد.

وأهم ما أعجبني فيه هو تشبثه بمنصبه الذي لا يحتمل المساومة أو الإسقاط والامتطاء، ليس منصب رئيس الجمهورية، فهذا إلى زوال عن قريب أو بعيد، ولكن منصب الأستاذ الجامعي الذي به تتحدد معالم ومفهوم الدولة وقانونها الدستوري والإداري ونظام الحكم وطبيعة الدولة ومرافقها ومناطق التوازن والاختلال فيها ووو.

كما أن الأستاذ الجامعي المتمكن والباحث في نظرنا هو من له الأهلية في تحليل النصوص وتأويلها وتفسيرها تفسيرا موضوعيا، وأيضا تنزيلها بحسب مقتضى الوضع القانوني والواقع وما يليه، وذلك لأنه متمرس في تناولها عبر البحث والتدريس والتكرار في المدرجات.وهذا كفيل بأن يجعله صاحب الحق الأول في فهم النصوص وتفهيمها لمن لم يفهما مهما علا مستواه السياسي أو الإداري .

وباعتبار الرجل، أي قيس سعيد، أستاذا في القانون الدستوري والحقوق والحريات فإنه سيكون أدرى بما تتضمنه هذه المواد وطرق تصريفها تصريفا لائقا بمصلحة البلد والشعب والأمة، هذا في حالتما إذا صدقت النية ولم يلجأ إلى لي أعناق النصوص وتوظيفها بالأهواء والخضوع للضغوطات واللوبيات."

3) ومما زادني إعجابا هو أن الرجل لما حاول البعض أن يؤول قراراته بتجميد البرلمان وإقالة رئيس الوزراء وغيره إلى اعتباره انقلاب، نظرا لاعتماده على الجيش والأمن لحفظ النظام وضمان الاستقرار، أجابهم بلغة الأستاذ الجامعي وليس بمهاترات وسوقيات البرلمانات والسياسات الحزبية الضيقة والانتهازية، وذلك بالتأكيد على أن الأمر ليس انقلابا وإنما هو إجراء دستوري ينص عليه الفصل 80 وغيره، وأن الوضع يقتضي تطبيقه بحسب مناسبته للخطورة المهددة للبلاد والعباد.بل، وهذا هو محور حديثنا، اعتبر أن من يروج لهذا المفهوم فهو جاهل بالقانون وقراءة النصوص .وهنا كانت قوة الرجل العلمية والموقف الصارم.

فإما أن تكون جامعيا وعلميا لكي تفسر نصوصا دستورية مصيرية في تحديد طبيعة الدولة والحالة الراهنة وإما أن تكون غوغائيا مهاترا ومزايدا قد تخفي وراءك أطماعا ذاتية وأغراضا شهوية لا علاقة لها بمصلحة الوطن ولا المواطن، وفي الحالة تالية هاته فقد تفسر النصوص بالعفوية والتحريف والتخريف ولغة العصابات والشعارات الجوفاء كلها تدور حول مصلح الديمقراطية الزئبقية، والتي قد تحتمل ألف وجه وتتفلت من ألف قيد !!!.

وهنا، كما نرى، أن الرجل قد أعاد بموقفه هذا قيمة الأستاذ الجامعي للواجهة، وأنه الوحيد أو ذو الأولوية الذي له الحق في تفسير النصوص الشرعية والقانونية والعلمية بمعناها الواسع .كما أن السياسة و الدولة ليست دمية أو لعبة، حسب تعبير السيد قيس سعيد، وإنما هي دولة مؤسسات وليست دولة إسطبلات.إذ المؤسسة ينبغي أن تبنى أولا على العلم والبحث العلمي وضبط المصطلحات وتحديد تاريخها وطرق ومراحل توظيفها حتى يستقيم سيرها وتصبح منتجة ومتقدمة بما تحمله كلمة تقدم من معنى وسمو.والله الموفق للصواب.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

بكر السباتينالمشهد التونسي الراهن

أصدر الرئيس التونسي قيس سعيّد مرسوماً رئاسياً بتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وفق الصلاحيات الممنوحة للرئيس أثناء تعرض البلاد لخطر داهم بناء على الفصل 80 من الدستور التونسي، ويبقى القرار سارياً حتى الشهر أو أقل منه. وتم تعطيل عمل السلطة التنفيذية بعد عزل رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي قام بتعيينه بنفسه، وذلك بسبب خضوعه لسيطرة إئتلاف الغالبية النيابية المتمثلة بحزب النهضة وقلب تونس.

وتلا هذا القرار سلسلة من الإجراءات التي قيل بأنها وقائية مثل إغلاق مكاتب الجزيرة في تونس وفرض حظر التجوال.. ولاحقاً تم إقالة مدير التلفزيون التونسي الرسمي بعد منعه صحفيين من دخول مقر القناة.

قرارات إصلاحية لمحاربة الفساد

وقال الرئيس قيس سعيد بأنه سيصدر في وقت لاحق نصاً قانونياً ينظم صلاحيات قانونية تسمح باسترجاع الأموال المنهوبة وذلك أثناء استقباله وزير الصناعة والتجارة يوم أمس الخميس، منوهاً إلى أن رؤيته تتضمن إلزام من تورطوا في نهب الأموال العامة بتمويل مشاريع في المناطق الفقيرة كما قال إن نواب في البرلمان استغلوا تمتعهم بالحصانة وذلك لتحقيق مصالحهم.. وهذا يفسر قرار رفع الحصانة عن النواب، ويبدو أنه جاء لضغط عليهم أثناء إبرام الصلح الجزائي مع المتورطين من النواب في نهب أموال الشعب.

وقال بأن لديه قائمة بالأسماء، ويجب أن تعود هذه الأموال إلى الشعب من خلال إبرام صلح جزائي وفق ترتيب أسمائهم تنازلياً من الأكثر تورطاً حتى الأقل منهم.. فهل يوحي بذلك إلى ما يقوم به حزب النهضة من نشاطات تنموية في المناطق الفقيرة من باب الاستثمار التي تنحصر عائداتها على الحزب، وخاصة أن المناوئين للحزب يتهمونه باستغلال التبرعات وأموال الصدقات لغايات استثمارية.

وهذا قد يفسر أيضاً سبب عقد قيس سعيد اجتماعاً مع المجلس الأعلى للجيوش، الذي يضم قيادات أمنية عليا في قصر قرطاج.. ولم تقدم الرئاسة أي تفاصيل عن ذلك.

رئيس جماهيري وأجندة وطنية

وكان قيس سعيد الذي تبنى شعار استقلالية القرار التونسي قد تحصل على 72.71% من الأصوات في انتخابات 2019، متفوقا بذلك على منافسه نبيل القروي المؤيد للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي الذي تحصل على نسبة 27،29%

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية في دورتها الثانية، 55%.

المعارضة ترد على الرئيس على النحو الآتي:

أولاً:  رئيس حزب النهضة، رئيس البرلمان راشد الغنوشي ممثل الأغلبية النيابية وصف قرار الرئيس بأنه انقلاب على الدستور "دكتاتورية دستورية".. لأن الدستور التونسي وفق التفسير القانوني للفصل أعلاه يلزم الرئيس بتدارس تفاصيل القرار قبل تشريعه، فيما يبقى البرلمان في حالة انعقاد، والرئيس لم يحدد ماهية الأخطار التي استرعت اتخاذ ذلك القرار، وما حدث جاء خلاف ذلك تماماً.

ثانياً:- توافقت الأحزاب التونسية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان على ضرورة وضع الرئيس لخارطة الطريق واضحة المعالم لحل الأزمة درئاً للعواقب الوخيمة التي قد يؤدي إليها إبقاء الوضع على حاله.

حتى اللحظة، ليس هناك برنامج سياسي واضح للرئيس التونسي، قيس سعيد، يستطيع من خلاله تحديد أبعاد السياسة الخارجية والداخلية التي سيؤسس على أساسها تحرّكاته. هو يستند فقط إلى أمرين: في السياسة الخارجية، فيما يتعلق بمسألة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهذا يجعله في مرمى النيران من دولة الاحتلال الإسرائيلي وحلفائها في المنطقة والحكومات الغربية. وفيما يتعلق بالأمر الداخلي، خاصة بالسياسات الاقتصادية. صحيح أن الحكومة هي المنوط بها رسم السياسة الداخلية، ولكن ليست واضحةً بعد معالم الخطة التي سيسير عليها.

ثالثاً:-رفض الرئيس في فبراير الماضي لأداء الوزراء الجدد اليمين أمامه؛ لذلك حاول الائتلاف البرلماني الحاكم (النهضة وقلب تونس) تجاوز مأزق أداء اليمين الحكومي من خلال تعديل قانون تشكيل المحكمة الدستورية - التي فشل النواب في انتخاب ثلث أعضائها منذ سنة 2015 - بغية منع احتكار الرئيس لتأويل المواد الدستورية.

وهذه محاولة لتحجيم صلاحيات الرئيس الدستورية الأمر الذي من شأنه إفشال خططه التنموية الإصلاحية، فتظل الدولة عرضة للأزمات المتفاقمة ما قد يؤدي بها إلى الإفلاس؛ لذلك رد قيس سعيد القانون إلى البرلمان متعللاً بتجاوز الآجال الدستورية للمصادقة على هذه المؤسسة التي يخول لها تأويل النص الدستوري.. ما أفسح المجال أمام الرئيس التونسي في الظرف الراهن، لتأويل الفصل 80 حتى يتوافق ورؤيته التي شملت قراره المفصلي الأخير الذي فجر المشهد السياسي على حساب الديمقراطية وفق ما تراه المعارضة، ولكن الشريحة الأكبر من الشعب التونسي اعتبرها طريقة ناجحة للعلاج بالكي وإخراج البلاد من عنق الزجاجة؛ لذلك تم تأييد قرار قيس سعيد جماهيرياً خلافاً لغالبية الأحزاب.

تونس شارفت على الإفلاس فهل وجد الرئيس طريقه للحل؟

الأعباء الاقتصادية أدخلت تونس في مأزق استلزم من رئيس تونس تعطيل ما يرى بأنها معوقات تشريعية التي من شأنها هدر الوقت، لوضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالإصلاحات الطارئة، وفي غياب برلماني وإقصاء للمحكمة الدستورية، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة أدت إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 بالمئة على أساس سنوي خلال الربع الأول 2021، مع استمرار الضغوط الناتجة عن جائحة كورونا، وبطء عمليات التلقيح محليا، واستمرار إغلاق مرافق حيوية.. وتعطل قطاعات رئيسة في البلاد، أبرزها السياحة التي دخلت العام الثاني من التوقف، مع استمرار المخاطر الصحية حول العالم، بينما تباطأت قطاعات كالإنشاءات والخدمات.. وازدادت البطالة إلى معدلات قياسية.

وبعد قرار الرئيس بتجميد البرلمان وتعطيل الحكومة توقفت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي بدأت منذ 18 مايو الجاري، بهدف حصولها على قرض جديد بعدما تدخلت فرنسا لتحقيقه وفق الاتفاقية الفرنكوفونية ووعود فرنسا بتقديم الدعم الاقتصادي لتونس وهو ما يراهن عليه الرئيس قيس سعيد، مقابل تقديم تونس برنامج اقتصادي يتضمن إصلاحات أساسية من بينها إلغاء الدعم وتقليص كتلة الأجور.. وقد توقفت هذه المفاوضات بانتظار خروج تونس من الأزمة الحالية المتفاقمة.

وتقدر حاجة تونس من التمويلات بـ 18.5 مليار دينار (6.72 مليارات دولار) متوقعة في ميزانية 2021، ويمكن أن تصل إلى 22.5 مليار دينار (8.18 مليارات دولار)، نتيجة عدة عوامل من بينها ارتفاع سعر البترول.

واعتبرت المعارضة أن تحقيق نمو إيجابي غير ممكن حاليا، نتيجة توقف محركات الإنتاج وتفاقم العجز في الميزانية واستئثار الدولة بالتمويل، وارتفاع سعر البترول.

المَخْرَج الفرنكفوني ورفض تونس للتطبيع مع تل أبيب

فمنذ فوزه بالانتخابات عام 2019، وتشكيل حكومة الياس فخاخ الذي يعتبر من "فتيان الفرنكوفونية" والذي رغم إقالته بضغوطات برلمانية قاده إئتلاف الغالبية (النهضة وقلب تونس) إلا أن علاقته بالسيناريو الفرنسي تجلى بقرار قيس سعيد بالموافقة على عمل اتفاق فرنسي تونسي يقضي بالعودة إلى فتح مكاتب الفرنكوفونية المشروطة بالاستقلالية المطلقة لانعاش الاقتصاد التونسي وإدخال الرساميل إلى تونس والتدخل لدى صندوق النقد الدولي لجدولة ديون تونس وإقراضها من جديد، ويبدو أن قرار قيس سعيد جاء كخطوة عملية لتنفيذ هذا السيناريو الذي يحمل في طياته إنقاذ تونس وفق رؤية الرئيس، بعدما خفت حدة الضغوطات الأمريكية التي مارسها ترامب في وقت سابق لجر تونس إلى التطبيع الذي يعتبر من المحرمات في تونس على المستويين الرسمي والجماهيري.. إلى درجة أن صحيفة يديعوت أحرونوت اعترفت بأنه في "إسرائيل" أيضاً يتابعون التحوّلات في تونس، في أعقاب ما يسمونه ب "الانقلاب" الذي أعلن عنه سعيّد، حيث منع الإسرائيليين من دخول تونس وأوضح أن "كل من يُمسك به وهو يُجري اتصالات مع إسرائيليين أو يهود، سيُعاقب بشدة".

لذلك فهم في "إسرائيل" يخشون من أن يحاول الرئيس التونسي ممارسة تأثيره في البلد الجار، المغرب، لإثارة المعارضة للاتفاقات مع "إسرائيل".

لأن دعم القضية الفلسطينية من ثوابت السياسة التونسية والشعب التونسي وقد أقر بذلك الرئيس التونسي نفسه عام 2019 في سياق خطاب التنصيب.

وأخيراً..

نتمنى الخير والسلام لتونس الخضراء التي تعاني من تشرذم سياسي وأزمة اقتصادية خانقة، ونرجو أن يتمكن الرئيس سعيد من إنقاذ بلاده ومن ثم العودة الى الحياة الديمقراطية بأسرع وقت ونهوضها اقتصادياً دون خضوعها لاجندة التطبيع التي تستهدف تونس! وهذا توجه يقلق أعداء تونس وعلى رأسهم الكيان الإسرائيلي (كما أشرنا آنفاً) وحلفائه، تؤازرهم منظومة الفساد المستشري في تونس، ولنكن أكثر حذراً من تهميش القضية وتبهيتها وتفريغها من محتواها لشرذمة الأسباب الحقيقة للأزمة بتصويره وفق الأجندة الصهيونية بأنه صراع بين الليبراليين تؤازرهم الدولة وحزب الأغلبية، النهضة، الذي يمثل الأخوان المسلمين.. وهذا هراء فالأزمة وعناصرها محلية وتقاطع الأجندات في بلد يتمتع بأهمية استراتيجية كتونس واردة ولا ينكرها إلا جاهل بتفاصيل المشهد التونسي الذي نتمنى أن يصبغ بلون الأمل والنمو الأخضر.. لنتباهى بتونس الخضراء كما رسخت في عقولنا منذ استقلالها..

 

بقلم: بكر السباتين

30 يونيو 2021

 

 

محمود محمد عليلا شك في أن المُتابع لأحوال تونس في العام الماضي تحديداً كان يدرك أن البلاد تعيش وضعاً استثنائياً، بلد على سطح ساخن يزداد سخونة، فى كل لحظة يقترب من الانفجار الكبير. لم تكن أزمة سياسية وحسب، بل أزمة مجتمع ومؤسسات ونخبة ومجتمع مدنى وأحزاب. الانفجار كان متوقعاً بقوة، تدعمه الأوضاع الاقتصادية البائسة، تدهور الاقتصاد التونسي صاحبه تدهور الأوضاع الصحية بشكل عام ومريع من جرَّاء تفشى وباء كورونا وعدم قدرة المؤسسات الصحية على مواجهة تبعاته،

وهنا خرج البسطاء والمقهورون اقتصادياً وسياسياً للتعبير عن غضبهم ضد حركة الإخوان وحرق مقراتها في أكثر من مدينة مطلع الأسبوع الماضي، ورفع الشعارات التى تطالب بإسقاط الحركة ومحاسبة قادتها وأعضائها على دورهم في تخريب البلاد وشل حركتها، وشعارات أخرى دعت إلى إسقاط النظام ذاته وتغيير قواعده الدستورية.

وفي إشارة واضحة إلى محاولة تفكيك منظومة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، قرر الرئيس التونسي قيس سعيد تجميد أعمال واختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن كل أعضائه، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتولى السلطة التنفيذية ورئاسة النيابة العمومية.

وقد أصدر الرئيس قراره مستندًا إلى الفصل 80 من الدستور التونسي الذى ينص على أن لرئيس الجمهورية في حالة وجود خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير فى بيان إلى الشعب.

وكان سعيد قد عين المشيشى رئيسا للوزراء في الصيف الماضي عندما انهارت الحكومة بعد خمسة أشهر فقط من توليها المسؤولية، لكن سرعان ما دب الخلاف بينهما. وسعى المشيشى بعد ذلك إلى نيل دعم أكبر حزبين في البرلمان، وهما النهضة وقلب تونس الذي يرأسه قطب الإعلام المسجون نبيل القروي.وغيّر المشيشى الشهر الماضي 11 وزيرا في تعديل وزاري يُنظر إليه على أنه إبدال لحلفاء رئيس البلاد بحلفاء للنهضة وقلب تونس. لكن الرئيس رفض أن يؤدي أربعة منهم اليمين، قائلا إن الرفض يتعلق بشبهات تضارب في المصالح.والرئيس سعيد، سواء اختلف معه البعض أو اتفق، فإنه كما يقول البعض قد أدار الأزمة بذكاء، عندما حاول أن يتنفر الرأي العام التونسي الليبرالي، وانتظر نضوج حالة الغضب والاستياء الشعبي ووصولها إلى ذروتها، وساير خصومه في اعتقادهم بأنه لا يستند إلى حزب سياسي قوي ، أو قاعدة حزبية ولا يستطيع بالتالي أن يقدم على خطوات حاسمة مثل تلك التي اتخذها ليلة 25 يوليو 2021 تلك الليلية التي قلبت الطاولة علي راشد الغنوشي وتابعيه من دعاة الجماعات الإخوانية الإرهابية خاصة إبعاد رئيس الحكومة “المناكف” وأساس الأزمة في نظر الكثيرين، وتجميد أعمال البرلمان وليس حله.

الأمر المؤكد أن تونس دخلت مرحلة جديدة مختلفة ستقوم أسسها على أنقاض المرحلة السابقة المؤلمة، ولن تعود إلى الوراء مطلقا، لأن البديل هو الفوضى والدولة الفاشلة.

ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة صدامات عنيفة بين " التنظيم المسلح لحزب النهضة" والشعب التونسي، نأمل أن يتمكن “قيس سعيد” من احتوائها، وأن يتحلى الشعب التونسي بالوعى الذى يمكنه من اجتياز مفترق الطرق.. حتى نتمكن من الحديث عن تجفيف منابع أفكار الإخوان .. وفي الساعات التي أعقبت إعلان سعيد تجمعت حشود ضخمة لدعمه في تونس ومدن أخرى وتعالت الهتافات والزغاريد في الوقت الذي طوق فيه الجيش مبنى البرلمان والتلفزيون الحكومي.

ويبدو السؤال الأكثر تداولاً، هو: هل ما قام به قيس سعيد يمثل تصحيحا لمسار الثورة التونسية، أم أنه انقلاب على الدستور؟.

وتمثل الاجابة على السؤال، فجوة متسعة، بين أنصار الرئيس التونسي من جانب، وأنصار حركة النهضة، وزعيمها رئيس البرلمان راشد الغنوشي من جانب آخر، سواء على المستوى السياسي أو المستوى الشعبي. قال الرئيس التونسي نفسه، في الكلمة التي أعلن فيها اتخاذه لتلك الإجراءات، بعد اجتماع طارئ عقده في قصر قرطاج، مع مسؤولين أمنيين وعسكريين، إنه استند في قراراته إلى الفصل 80 من الدستور، الذي يسمح بهذا النوع من التدابير، في حالة "الخطر الداهم". وأشار سعيد إلى أنه قرر “عملا بأحكام الدستور، اتخاذ تدابير يقتضيها الوضع، لإنقاذ تونس، ولإنقاذ الدولة التونسية ولإنقاذ المجتمع التونسي”. مشددا على أن ما قام به "ليس تعليقا للدستور، وليس خروجا عن الشرعية الدستورية".

وثمة سؤالاً آخر مهماً نود أن نطرحه هنا في هذا المقال وهو : هل ينجح قيس سعيد في تضيق الخناق على الاخوان المسلمين المتمثل في راشد الغنوشي وحزب النهضة؟ .. وهل ما فعله الرئيس قيس سعيد ،هو إعادة لنفس سيناريو ثورة الثلاثين من يونيه المصرية والتي أطاخت بكل رموز التيار الديني والإسلام السياسي من المشهد؟..

والإجابة من وجهة نظري تتمثل في أن قرار الرئيس التونسي نحو تجميد أعمال واختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن كل أعضائه، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشى، وتولى السلطة التنفيذية ورئاسة النيابة العمومية.. استناداً إلى الدستور والمادة 80 منه، كان قراراً ذكيا بامتياز وذلك لكونه نجح في أن يستنفر الرأي العام التونسي ؛ وبالأخص رجل الشارع البسيط ، وانتظر نضوج حالة الغضب والاستياء الشعبي ووصولها إلى ذروتها، وساير خصومه في اعتقادهم بأنه لا يستند إلى حزب سياسي قوي مثلهم، أو قاعدة حزبية قوية، ولا يستطيع بالتالي أن يقدم على خطوات حاسمة مثل تلك التي اتخذها ليلة الخامس والعشرين من يوليو الماضي 2012، إذ نجح في أن يقلب الطاولة علي كل جماعات الإسلامي السياسي ؛ وبالذات جماعة "راشد الغنوشي" وحزب النهضة كما نجح أيضا في أن يقلب الطاولة من خلال إبعاد رئيس الحكومة "المناكف" وأساس الأزمة في نظر الكثيرين، وتجميد أعمال البرلمان وليس حله. ثلاثة مواقف عززت “ثورة ” الرئيس سعيد السلمية ضد حزب النهضة وساهمت في نجاح حراكه “الدستوري”، والخطوات السياسية التنفيذية التي أقدم عليها، حتى الآن على الأقل كما يقول الأستاذ عبد  الله عطوان:

الأولى: دعم المؤسستين الأمنية والعسكرية له، وهو الدعم الذي جاء بعد لقائه مع قياداتها، والتنسيق المسبق والاتفاق على تحديد نقطة الصفر للتحرك المحسوب بعناية فائقة.

الثانية: وقوف الاتحاد التونسي للشغل أحد أهم الأذرع السياسية نفوذا واستقلالية وفاعلية في البلاد على “الحياد الإيجابي”، وعدم اتخاذه موقفا مؤيدا أو معارضا في البداية لخطوة الرئيس سعيد “الهجومية”، وعقد مكتبه التنفيذي (القيادي) اجتماعا “مفتوحا” حتى كتابة هذه السطور، وأعطى أمينها العام المساعد مؤشرا مبطنا على تأييد الرئيس عندما قال إنه لا يعتقد أن خطواته تعارض الدستور، واتخذ الحزب الدستوري الحر المتصدر لاستطلاعات الرأي موقفا مماثلا أيضا.

الثالثة: عدم نزول عشرات الآلاف إلى الشوارع دعما لائتلاف حزب النهضة مثلما كان متوقعا، ولوحظ قلة عدد النواب الذين انضموا إلى رئيسه المعتصم أمام المجلس بعد إغلاقه من قبل قوات الأمن.

يقينا ستقهر الإرادة التونسية فيروس الإخوان، نعم تواجه الدولة ببسالة (كورونا) الذى أوصل البلاد إلى حالة متردية فى الرعاية الصحية، كان ينبغي كما يقول الأستاذ طارق الشناوي بأن تبدأ المعركة أولا بمواجهة الفيروس الأشد فتكا بالبلاد والعباد الذى يحمل اسم (كوفيد الإخوان). تونس تستطيع؟ نعم أسرع مما يعتقد الكثيرون، لم تتوقف أبدا هذه الدولة التي عصرنها الحبيب بورقيبة عن إعادة النظر فى كل ما يتصور بعض المتزمتين، أنه يشكل أركانا أساسية فى الإسلام، قرر العلماء أن يتفهموا روح الإسلام، وأخذوا منه ما هو عميق، وأعادوا للمرأة الكثير من حقوقها، لايزال المتزمتون في مصر يعلنون أن ضرب المرأة حلال شرعا، طالما لم يكسر لها ضلعا، وإذا أرادها الزوج في أي وقت عليها أن تستجيب وإلا لعنتها الملائكة، كيف ذلك؟ وهل تفرق العدالة السماوية بين حق المرأة وحق الرجل؟ يقدمون رؤية ذكورية لقراءة الدين الإسلامي، بينما في تونس تبنوا رؤية إنسانية، لا تفرق بين الرجل والمرأة.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- علية الجعار:  تونس تستعيد وعيها.. مقال بالوطن المصرية .

2-طارق الشناوي: إلى تونس (نحبكم برشا)!.. مقال بالمصري اليوم.

3-عمرو الشبكي: أزمة تونس !.. مقال بالمصري اليوم.

4-حسن أبوطالب: تونس تبحث عن نفسها !.. مقال بالوطن المصرية .

5-حسين القاضي: إلى التونسيين.. لا تُكرروا أخطاء إخوان مصر!.. مقال بالوطن المصرية.

6- عبد  الله عطوان: أزمة تونس !.. مقال القدس العربي.

 

ابراهيم أبراشقبل الولوج للحالة الفلسطينية وتبيان الوضع الصعب الذي بات عليه الواقعيون الفلسطينيون- القيادة الفلسطينية ونخبها- لا بأس من مراجعة سريعة تؤصل لنظرية الواقعية السياسية وهي النظرية التي تم التجني عليها كثيراً وباسمها اندلعت حروب واقتُرِفت جرائم وانتشر الاستبداد السياسي، وحتى بالنسبة لحركات التحرر الوطني فقد كانت الواقعية السياسية تصرف عقلاني لبعضها ساعدها على تحقيق كل أو بعض أهدافها الوطنية بأقل الخسائر أما بالنسبة لحركات تحرير أخرى فقد أدت الواقعية السياسية إلى التماهي مع سياسة دولة الاحتلال والاستسلام لمشيئته أو اندلاع حرب أهلية .  

من المعروف أن النظرية الواقعية في السياسة جاءت كرد على/أو في مواجهة النظرية المثالية، فإذا كانت المثالية تنظر للعالم وخصوصاً للعلاقات الدولية وداخل المجتمع نظرة أخلاقية مثالية وتتعامل مع الجانب الإيجابي عند البشر وتنبذ القوة والعنف وتدعو إلى ما يجب أن يكون وتأمل بالوصول إلى عالم خالي من العنف والصراع على المصالح، فإن الواقعية السياسية على العكس من ذلك تنظر الى الجانب السلبي في الطبيعة البشرية وتهتم بالمصالح والصراع حولها وبالقوة وتوازناتها أكثر من اهتمامها بالمثل العليا والجوانب الأخلاقية والقانون الدولي، ومن المدرستين أو المذهبين السياسيين انبثقت عدة مدارس فكرية وفلسفية وانبني عليهما عدة تطبيقات عملية في زمن الحرب وزمن السلم.

وهكذا تم التواضع على أن الواقعية السياسية هي إعمال العقل في الواقع بعيداً عن الشعارات والعواطف، وتسبيق المصلحة على غيرها من الاعتبارات، وأن القوة هي ضمان تحقيق المصالح القومية. إلا أن النظرية الواقعية السياسية تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب مبالغتها بالمراهنة على القوة والمصلحة وأن الوصول للسلام لا يتم إلا من خلال القوة وتجاهلها للقانون الدولي والشرعية الدولية.

الخطورة في الواقعية السياسية لا تكمن في دلالاتها ومفاهيمها الأولى بل في سوء فهمها وتوظيفها لاحقاً بحيث أصبح السياسيون والكيانات السياسية ممن يرفضون فكر الثورة والتغيير والديمقراطية وممن لا يؤمنون بقدرة الشعب على التغيير يبررون ممارساتهم في مواجهة تلك الدعوات ومطالب التغيير بأنهم واقعيون وعقلانيون بحيث أصبحت الواقعية أقرب إلى الفكر المحافظ والرجعي .

وفي هذا السياق نشير إلى عدة منزلقات وتشوهات اقترنت بالواقعية السياسية أو اختلطت بها:-

1- الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للأمر الواقع كما يفسرها أو يروج لها أصحاب النفس القصير والمستسلمون الذين يبررون سياساتهم المتخاذلة وغير الوطنية بأنه ليس في الإمكان خير مما هو موجود-الواقع القائم -.

2- المعنى العلمي والصحيح للواقعية غير منفصل عن العقلانية، إنها إعمال العقل في الواقع بشموليته؛ ووضع الخطط   والاستراتيجيات العملية للتعامل معه بأبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية والمجتمعية وفي سياق البيئة الإقليمية والدولية،فإن كان الواقع يخدم مصلحة الأمة – دولة مستقلة أو حركة تحرر وطني- وأهدافها فالواقعية السياسية تعني تطويره والبناء عليه، وإن كان ضد مصالحها فالواقعية السياسية تعني تغييره.

3- لأن الواقعية السياسية تنطلق من حسابات الواقع وحيث إن الواقع، سواء ضمن البيئة الداخلية أو الخارجية أو كليهما، يتغير باستمرار فإن السياسات المبنية على الواقعية السياسية يجب أن تتغير بتغير الواقع وإلا أصبحنا أمام فكر وسياسة رجعية ومحافظة.

4- الواقعية السياسية لا تعني التجرد كلياً من الأخلاق والمثل أو عدم الالتزام مطلقاً بالشرعية الدولية وبالسلام العالمي، بل تحتاج الدول والكيانات السياسية التي تقول أو تمارس الواقعية إلى بعض هذه القيم والمنظومات، أو التصالح معها؛ أو يكون لها فهم خاص لها، حتى لا يتم نبذها من عالم يدعو للسلام والمحبة.

5- كل دول العالم اليوم تسير على نهج الواقعية السياسية التي تُسَبِّق المصالح القومية على غيرها من الاعتبارات، حتى وإن قالت عكس ذلك، ولكن واقعيتها تتغير وتتبدل حسب مقتضيات الظروف، كما أنها تلطِف واقعيتها وتخفيها أحيانا بالشعارات والايديولوجيات الدينية أو الثورية الخ.

بالعودة إلى الحالة الفلسطينية فإن الواقعيين السياسيين ظهروا منذ السنوات الأولى للثورة عندما تمت الدعوة للتواصل مع القوى اليهودية غير الصهيونية وتبني شعار/ هدف دولة ديمقراطية يتعايش فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون؛ ثم مع تبني سياسة المرحلية 1974 وخطاب الرئيس ابو عمار في الأمم المتحدة في نفس العام (غصن الزيتون والبندقية)، إلا أن المحطة الأبرز للواقعية كان في قرارات المجلس الوطني في الجزائر 1988 (دورة إعلان الاستقلال) وتبني قرارات الشرعية الدولية والقبول بدولة على حدود 1967، آنذاك تبنى أبو عمار ورفاقه - خصوصاً صلاح خلف وخالد الحسن ومحمود عباس- واقعية الثوار المجروحين أو واقعية الانحناء للعاصفة لتجنب ما هو أسوأ، دون التخلي نهائياً عن نهج الثورة، وإعلان (الاستقلال) في الجزائر مهد الطريق لتوقيع اتفاقية أوسلو.

ما دفع القيادة الفلسطينية لهذا النهج (الواقعي) أن وضع منظمة التحرير كان في تراجع بعد خروجها من لبنان 1982، وكان وضع مقاتلي الثورة في الخارج بئيس جداً، والانتفاضة الأولى 1987 بدأت تخبو، وتم محاصرة المنظمة عربياً ودولياً بعد اتهامها بالتواطؤ مع صدام حسين ودعمه خلال حرب الخليج الثانية 1991 /1990... إلا أن هذه الواقعية السياسية انزلقت نحو توقيع اتفاقية أوسلو الذي كان خروجاً عما ورد في إعلان الاستقلال، كما كان مراهنة على أن تؤدي أوسلو إلى وقف الانحدار وإعادة تجميع الأوراق.

 الواقعية السياسية الفلسطينية اصطدمت بالتعنت الإسرائيلي واستمرار الاستيطان ومصادرة الأراضي وبالسياسة الأمريكية التي تراجعت عن وعودها وبمواقف عربية متراخية، كما أن قوى سياسية فلسطينية رفضت هذه الواقعية السياسية واعتبرتها استسلاماً بل خيانة وطنية، آنذاك قرر أبو عمار عام ٢٠٠٠ وبعد فشل لقاء كامب ديفيد ٢ العودة لنهج الثورة والكفاح إلا أن إسرائيل كانت له بالمرصاد.

ما بعد أبو عمار ومع تولي الرئيس أبو مازن عام 2005 لكل الرئاسات دخل النظام السياسي في حالة سياسية ملتبسة، فكلما ازدادت المنظمة والسلطة تمسكاً بالسلام وتأكيداً على رفض كل أنواع العنف ضد الاحتلال حتى حق الدفاع عن النفس كلما زادت إسرائيل من ارهابها ومشاريع استيطانها، وكلما زادت القيادة تمسكا بالشرعية الدولية كلما أوغلت إسرائيل في انتهاك القانون الدولي والشرعية الدولية، مما جعل فكرة حل الدولتين الذي تتمسك به القيادة كتعبير عن الواقعية السياسية بعيدة كل البعد عن الواقع، وبالتالي انفصال السياسية الرسمية عن الواقع.

 وصف نهج القيادة بأنه واقعي وعقلاني فقد معناه عندما تخلت القيادة عن توظيف قوة الشعب وكل أشكال المقاومة الشعبية لردع إسرائيل وكورقة على طاولة المفاوضات؛ وعندما لم تجد القيادة شريكاً إسرائيلياً للسلام، وعندما فقد الفلسطينيون عمقهم العربي والإسلامي كما فقدوا أي حليف دولي قوي مما جعل واقعية وعقلانية المنظمة والسلطة أقرب للاستسلام للأمر الواقع أو أقرب للمثالية السياسية وهذه الأخيرة لا تصلُح مع كيان استعماري إرهابي استيطاني كإسرائيل.

وهكذا فقدت واقعية الثوار والمناضلين قوة دفعها وروحها النضالية بالرغم من كل الجهود التي تبذلها القيادة على المستوى السياسي والدبلوماسي وخصوصاً على مستوى الأمم المتحدة .

هذا التخبط في النظام السياسي والمبالغة في الواقعية لدرجة تحولها إلى وقوعية أدى لتسلق انتهازيين إلى مراكز القرار ووصول النظام السياسي لطريق مسدود وفقدان الأمل وحالة من التيه السياسي والانقسام وتفكك الهوية الوطنية الجامعة وحالة غضب شعبي تجلى مع أحداث حي الشيخ جراح والمواجهات مع الاحتلال وأحياناً مع أجهزة أمن السلطة والمواجهات المسلحة على جبهة قطاع غزة وما يعيشه قطاع غزة من حصار وفقر وتفرد حركة حماس بالسلطة، ومطالبات قوية بالانتخابات وتغيير النظام السياسي، كل ذلك قد يؤدي لتصويب مسار النظام السياسي وعقلنة الواقعية السياسية برفدها بقوة الشعب ووحدته.

 

إبراهيم أبراش

 

 

اسماء شلاشتونس: أصلها "تؤنس" من الأنس والمؤانس. وقد أشار المؤرّخ عبد الرحمن بن خلدون إلى أصل كلمة "تونس" التي أطلقت على حاضرة شمال إفريقيّة، فأرجع أصلها إلى ما عرف عن المدينة من ازدهار عمراني وحيوية اقتصادية وثقافية واجتماعية حتى أنسها الفاتحون والوافدون وتبادلوا مع سكانها الألفة، فقد أشار المؤرخ إلى أنّ اسم "تونس" اشتقّ من وصف سكانها والوافدين عليها لما عرفوا به من طيب المعاشرة والأنس..

اليوم، بعد أن أنست إلى لنفسها وهدأت لديمقراطيتها وعبق ياسمينها الذي فاح منذ عقد بعد سنين من استبداد بغيض.. صرنا نناشد أُنسها مرة أخرى، فهي ميلاد الثورات التي نريدها أن تبقى.. لكن لن تهدأ نفوس أرباب الثورات المضادة، ويناموا ملء جفونهم حتى يحطموا كل التجارب الديمقراطية التي أتى بها الربيع العربي الذي بدأ من تونس..

كذلك لن تهدأ روح محمد بو عزيزي عراب الثورات ومؤججها بعد أن يعرف أن بلده تونس قد هبت عليها ريح غدرهم. تونس أول معقل للثورات وآخرها حتى الآن، تصاب بحمى الحنين إلى الديكتاتورية، ليس صدفة بل هو ميعاد ضربه صناع الفوضى والنهايات لكل حركة حرة..

الذين جعلوا الشعوب أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التطبيع في ظل أنظمة مستبدة، أو دمار وقتل وتجويع..

أنظمة الثورات المضادة ومن يتبعهم من مرتزقة وإعلام ومستفيدين وأتباع، قادوا بإعلامهم وأفواههم ومنابرهم حرباً منظمة ضد الحريات وإعادة تدوير نفايات الاستبداد. فهم أخذوا على عاتقهم أن يجعلوا المواطن في حنين دائم لعهود الاستبداد بعد ان دمروا كل خيارته في حياة كريمة، من دعم لنظام الأسد والسيسي وحفتر.. ورعاية التطبيع وتمويله وتنفيذه، إلى جعل المواطن العربي مدمر بنيوياً ومادياً ونفسياً، لا يفكر سوى برغيف الخبز الذي جعلوه حلماً، ليصرفوا نظره عن أحلام التغيير وحرياته الأساسية، بينما تُصرَف أموالهم الطائلة على تدمير مشاريعه في الحياة. وتمويل الانقلابات على تطلعاته التحررية.

لكن ماذا سوف يقول صاحب أشهر المقولات والصرخات في الربيع العربي بعد إسقاط بن علي ١٤ يناير ٢٠١١ (هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية).. وماذا تقول قرطاج القديمة والجديدة، تلك التي تم تأسيسها عام 814 قبل الميلاد.  والتي شهدت في ذلك الوقت نظاماً سياسياً ديمقراطياً فريداً من نوعه، يتكون من مجلس شيوخ ومجلس شعب مع وجود سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتم تكوينها عن طريق الانتخاب. حيث كان كل شيء يتم عن طريق القانون والدستور، إنه مجتمع مدني وديمقراطي في ذاك الزمن.. أما اليوم، وفي حاضر الديمقراطيات، في "عصرية" العصر قلبوا الحالات وانقلبوا على قديم الديمقراطية وجديدها..

تونس التي ظلت بعيدة عن أيادي صيادي الثورات لكنهم يحاولون الآن إعادتها إلى حظيرة المستبدين ونتمنى أن يكون هناك متسع من أمل كي لا تنجح المهمة حتى نهايتها.. وتفشل أهداف الانقلاب وداعميه.. وتعود الحرية إلى نصابها..

إن الحرية وعدمها مثل اللونين الأبيض والأسود لا تقبل حلولاً وسطى. فإما أن تكون حراً وترى أن ما حدث هو اعتداء على الحرية والديمقراطية وإما أنك لا ترى أبدأ، ولا توجد تسمية أخرى .. لأن الحرية هي فعل "جيني" لايتم اكتسابه من أحد ولايهبه للإنسان أحد.. لا أوروبا، ولا عقدة الدونية أمام الغرب القدوة للكثر المبتهجين بانقلاب تونس وعقلهم الديمقراطي المتناقض الذي يحتاج لبرمجة نفسه كي يعي معنى أن تكون حراً . وعلى ذكر أوروبا، فإن أغلب دول أوروبا إن لم يكن كلها تحكمها أحزاب دينية، وحتى أحزاب دينية متطرفة أحياناً. ومعظم تلك الأحزاب تعاني فساداً سياسياً وفضائح.. لكن أحداً لم ينقلب على دستور بلده بحجة التغيير، بل تركوا القرار للشعب بإجراء انتخابات، لأنهم يحسبون حساب الشعوب، ولأن ذلك من بديهيات الديمقراطية بألا ينقلب رئيس على السلطة التنفيذية والقضائية.. والدستور..

لا توجد حرية على مقاس كل شخص أو وفق هواه وثوبه وعقيدته وأحقاده وإلا لما كانت حرية.

ختاماً: إن الذي حكمنا منذ سبعين سنة، حتى الآن، بالنار والحديد والقمع والتسلط والقبضة الأمنية، هي أنظمة تسمي نفسها علمانية اشتراكية قومية.. وليس إسلاماً سياسياً، سواء نظام مصر أو سورية أو بن علي الذي تهللون الآن لعودة عهده وغير ذلك من الأنظمة الجمهورية والملكية .. لذلك اجعلوا صراخكم أقوى ضد هذه الأنظمة.. لأننا إن تحررنا منها فكل الحريات الأخرى الحقيقية تبدأ..

 

أسماء شلاش

 

 

كاظم الموسويليست مفاجأة هذه الإهانات العنصرية، وليست الأخيرة طبعا، ولكنها الاحدث والأغرب في سياقها في المملكة المتحدة. فقد طالت اللاعبين البريطانيين، ماركوس راشفورد، جايدون سانشو وبوكايو ساكا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، على خلفية إهدارهم لركلاتهم الترجيحية أمام حارس مرمى الفريق الايطالي في نهائي كأس أوروبا لكرة القدم، ما أدى إلى خسارة منتخب "الأسود الثلاثة" 2-3 بعد التعادل 1-1 في الوقتين الأصلي والإضافي على ملعب ويمبلي الشهير. وكان مدرب الفريق غاريث ساوثغيت قد ادخل راشفورد وسانشو في الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني بهدف تنفيذ ركلات الترجيح، معتمدا أيضا على البديل الآخر ساكا. لكن اللاعبين، ذوي البشرة السوداء، أخفقوا في محاولاتهم، ما جعلهم عرضة للإساءة العنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا الامر حصل في الرياضة، التي ترادفها مصطلحات بعيدة جدا عن روح ما حملته تلك الحملات المسيئة. وهذه فضيحة للتناقضات المتفشية.

الأمر الذي دفع رئيس الوزراء بوريس جونسون (12 تموز/يوليو 2021) الى استنكار تلك الإساءات. مغردا عبر تويتر "المنتخب الإنكليزي يستحق الإشادة به كبطل وليس التعرض للإساءة العنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي". وأضاف رئيس الوزراء "هؤلاء المسؤولون عن هذه الإساءة الفظيعة يجب أن يخجلوا من أنفسهم".

 كما رد الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم على تويتر "نشعر بالاشمئزاز لأن بعض أعضاء فريقنا الذين قدموا كل شيء للفريق هذا الصيف، تعرضوا لإساءات تمييزية عبر الإنترنت بعد مباراة الليلة"، مشدداً "نحن نقف بجانب لاعبينا". وتابع في بيان منفصل "الاتحاد الإنكليزي يدين بشدة جميع أشكال التمييز وهالَهُ ما صدر من عنصرية على الإنترنت تستهدف بعض لاعبي إنكلترا على وسائل التواصل الاجتماعي". وشدد "لا يمكننا أن نكون أكثر وضوحاً بأن أي شخص يقف خلف مثل هذا السلوك المثير للاشمئزاز غير مرحب به في متابعة الفريق".

وأفادت شرطة لندن أنها تحقق في منشورات "مسيئة وعنصرية"، موضحة في تغريدة على تويتر "نحن على علم بعدد من التعليقات العدائية والعنصرية على وسائل التواصل الاجتماعي موجهة ضد لاعبي كرة القدم بعد نهائي كأس أوروبا 2020". وتابعت "هذه الإساءة غير مقبولة إطلاقاً ولن يتم التسامح معها وسيتم التحقيق فيها". واتخذ لاعبو إنكلترا موقفاً قوياً ضد العنصرية في البطولة وركعوا قبل مبارياتهم الاخيرة.

شاركت وزيرة الداخلية بريتي باتل: أشعر بالاشمئزاز لتعرض بعض اللاعبين الإنجليز الذين قدموا الكثير لبلادنا خلال الصيف الحالي لإساءة عنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

عكست هذه الأقوال عمق الإهانات والاساءات التي حصلت وعبرت عن ما هو خفي أو ما وراء ما ظهر على الواجهة.. فقد أظهرت حركة "حياة السود مهمة" وتظاهراتها أن العنصرية ثقافة متغلغلة في مجتمعات غربية كثيرة، ومنها المجتمع البريطاني.

كشف استطلاع للرأي جديد مولته صحيفة "الاندبندنت" البريطانية ونشرت مقالا عن نتائجه، (2021/04/05) أن شريحة كبيرة من البريطانيين تعتقد بوجوب أن تشرع المملكة المتحدة في التصدي لمشكلتها المستفحلة المتمثلة في العنصرية.

ورأى كثيرون ممن شاركوا في ذلك الاستطلاع أن مؤسسات بريطانية عدة، بدءاً من الحكومة والشرطة ووسائل الإعلام، وصولاً إلى الأسرة الملكية، تشكل مؤسسات عنصرية. ووفق الدراسة الاستطلاعية التي أجرتها مؤسسة "بي أم جي" BMG بطلب من الاندبندنت"، فإن نسبة الأشخاص الذين يعتقدون بعنصرية المؤسسات البريطانية تزيد على نحو لافت في أوساط السود والآسيويين والأقليات الإثنية (الذين يعرفون في بريطانيا بمجتمع الــ"بامي" Bame، اختصاراً لعبارة Black, Asian & Minority Ethnic).

وبالتزامن مع نشر تقرير "هيئة النظر في العنصرية والتمييز العرقي" بعد مرور أربعة أشهر على الموعد الذي يُفترض نشره فيه، جاءت الدراسة الاستطلاعية الجديدة كي تُبين أن قرابة ثلث الأشخاص المستطلعين المتحدرين من أقليات إثنية (31 في المئة)، يرون في حزب المحافظين حزباً عنصرياً. في المقابل، يتبنى 20 في المئة من عموم البريطانيين (من مختلف الأعراق) ذلك الرأي، الأمر الذي يُشير إلى اختلاف في وجهات النظر مرده إلى تمايز في واقع العيش، وفق مقال الصحيفة.

إذ رأى واحد من كل ثلاثة بريطانيين (33 في المئة) أن قوى الشرطة عنصرية، فيما ترتفع نسبة أصحاب هذا الرأي إلى 42 في المئة، بين المستطلعين المتحدرين من أقليات إثنية. كذلك كشف الاستطلاع أن ما يناهز ثلث البريطانيين المتحدرين من أقليات إثنية (33 في المئة) يعتقدون أن الصحف الشعبية في بريطانيا عنصرية، فيما شاركهم هذا الرأي أكثر من ربع البريطانيين من مختلف الأعراق (28 في المئة).

وعلى نحوٍ مماثل، بشأن سؤال الاستطلاع عن التماثيل والنصب التاريخية وأسماء الشوارع المرتبطة بماضي بريطانيا الاستعماري، رأى قرابة نصف المستطلعين المتحدرين من أقليات إثنية إنهم يودون إزالتها وتغييرها، وقد وافق على ذلك قرابة خُمس البريطانيين من الأعراق كافة (22 في المئة).

ورأت نسبة واحد من كل أربعة بريطانيين من أوساط الـ"بايم"، أن الاسرة الملكية عنصرية. وفي المقابل، وافق 22 في المئة من إجمالي البريطانيين (من مختلف الأعراق) على ذلك الرأي الذي جاء متزامناً مع دخول الأسرة الملكية البريطانية في قلب سجال حول العنصرية، إثر مقابلة أجرتها الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري مع ميغان ماركل والأمير هاري، دوقة ودوق ساسكس.

حسب ما جاء في الصحيفة، رأى رئيس قسم الاستطلاعات في "بي أم جي"، روبيرت ستروذيرس، أن "استطلاعنا يظهر أن واحدا من كل خمسة بريطانيين يعتبرون الأسرة الملكية عنصرية، ما يشكل معدلاً يرتفع على نحو لافت في أوساط الأشخاص المتحدرين من أقليات عرقية". وحرضت مقابلة ميغان وهاري التلفزيونية، الإهتمام بالموضوع "فإن الأسرة الملكية ليست وحدها على الإطلاق معنية بالأمر. وفي الحقيقة، يُظهر استطلاعنا أن نسبة قليلة من الأشخاص تعتبر الأسرة الملكية أسرة عنصرية، بالمقارنة مع الرأي نفسه تجاه مؤسسات أخرى عدة". ويوضح ستروذيرس تلك المسألة، "مثلاً، ثمة عدد متعادل تقريباً من الأشخاص يعتبر أن حزب المحافظين لديه مشكلة تتعلق بالتمييز العرقي، حتى أن هناك نسباً أعلى من الأشخاص يرون (العنصرية) سائدة في وسائط التواصل الاجتماعي، والصحافة المطبوعة، والشرطة". إذ يُظهر الاستطلاع أن ضعفي عدد الاشخاص في الأوساط غير البيضاء، بالمقارنة مع الأوساط البيضاء، يوافقون مع ميغان، بمعدل 45 في المئة، فيما يبلغ ذلك المعدل في أوساط البيض 21 في المئة.

تكشف هذه الأرقام والإحصاءات نسب المشكلة في مجتمع متعدد الاعراق والأديان والثقافات، وتعطي دروسا تاريخية وعبرا بشرية لآفاق إنسانية تقتضي معالجتها للمصلحة العامة.

 

كاظم الموسوي

 

بليغ حمدي اسماعيللماذا لم تسقط حركة الإخوان المسلمين بعد في البلدان العربية ؟ يبدو هذا التساؤل غير المدهش لي ولكثيرين من المستقرئين لتاريخ وشاهد تنظيم حسن البنا في عشرينيات القرن المنصرم، لكن يظل تساؤلا ملحا على كثيرين أيضا غيرنا، وحتى حينما قام الرئيس التونسي قيس سعيد بتقويض البرلمان وإزاحة وزير الدفاع وباقة من وزراء الحكومة برزت على سطح المشهد السياسي هناك حركة النهضة وهي إحدى الكيانات السياسية التابعة لحركة الإخوان المسلمين مثل حزب الحرية والعدالة في مصر الذي تم تدشينه عقب انتفاضة يناير 2011 واستمر حتى العزل الشعبي الاستثنائي والتاريخي لممثل الجماعة في الرئاسة الدكتور محمد مرسي ومن بعده انمحاء الأثر السياسي الرسمي لهذه الجماعة .

وخروج آلاف التونسيين في شوارع العاصمة واعتلاء هتافاتهم المناهضة لحركة النهضة الإخوانية وممارساتها كذلك استيلاء أعضائها على مقاعد مجلس نواب الشعب التونسي واقتحامهم مقار الحركة بمعظم أرجاء تونس الخضراء يعيد إلى الأذهان فكرة عدم انصياع ملايين المصريين الوطنيين لكافة محاولات الاستلاب والاستقطاب التي مارستها جماعة حسن البنا في مصر طيلة عقود طويلة واشتعلت ذروة الاستلاب ومن بعده الإقصاء والتهميش خلال سنة حكم الجماعة البلاد والعباد كذلك .

ويكثر تساؤل الشباب الذي اعتاد عدم القراءة لماذا هذا الظهور المتجدد لجماعة الإخوان خلف أذرع سياسية متباينة وكيانات اجتماعية غير مشروعة رغم أن الحكومات العربية المتعاقبة كانت ولا تزال على حذر من التصاعد غير الطبيعي أو الصحي لهذا الكيان الذي تمرس في خلط السياسي بالديني ؟ .

وإذا تكاثرت الأسئلة وتناثرت التساؤلات حول التنظيم الذي أسسه أستاذ اللغة العربية حسن البنا وانتشر بصورة مدهشة وربما فاقت خيال وتصور مؤسسيها فإن الإجابات تبدو سهلة وبسيطة ولا يمكن تأويلها من جديد أو إعادة تلقي ردود بعينها ونحن بصدد الإجابة عن السؤال الذي تصدر المقالة الحالية .

إن انتشار الجماعة وظهورها من جديد في كل مرة ويعقبها أيضا سقوط كبير وفضائح تتصل بأصحابها وقياداتها ورموزها يعود لأسباب منها اعتماد الجماعة على نصوص الولاء التي لا يمكن الإفصاح عنها بل كل المستندات والمراجع والوثائق التي تتصل بحركة الإخوان المسلمين هي مجرد موضوعات إنشائية تصلح للمدارس الإلزامية عن الفضائل والصبر والجهاد وتكوين الأمم ومواجهة العدو والقضاء على الاحتلال والاحتكار سواء كان سياسيا أم اقتصاديا، لكن زعمي أن هناك نصوص أشبه بنصوص ولاية الفقيه في إيران والتي هي في كنهها بيعة لا يمكن الفكاك من شراكها القوية والمتينة إلا بالموت .

السبب الثاني يبدو بحق بسيطا جدا في استلاب الجماعة المنحلة سياسيا وقانونيا وقضائيا ثم شعبيا في كافة الدول العربية يعتمد على المهمشين، وقصة المهمشين تعود بنا طوعا وكرها إلى معظم كتابات رائد القصة القصيرة يوسف إدريس، حيث إنه أجاد في امتهار عميد الرواية العربية نجيب محفوظ في تصوير المهمشين ليس فقط من حيث المظهر وطبيعة الوظائف التي يشتعلونها، بل أيضا تجسيد الحالة النفسية والطبيعة الاجتماعية لديهم وكيف أن هؤلاء المهمشين هم بحق في حالة امتعاض مستدامة وشعور بالاضطهاد والقمعية من كل البشر على سطح الكرة الأرضية وأنهم بحق يمتلكون الكفاءة والمقدرة والقدرة على إصلاح الكون لكنها تصاريف الزمان التي منعتهم من قيادة الأمم والشعوب .

ومن هذه اللحظة الفارقة يصبح المهمش فريسة سهلة القنص والاصطياد ومن ثم الانقياد طواعية لفكر الجماعة حيث إنها طالما لعبت على وتر الأشخاص الذين يعانون تهميشا ما في مجتمعاتهم لظروف شتى ليس من بينها الدين أو السياسة وهي حرفة تنظيم حسن البنا، لكن هذا الشعور بالتهميش والفقر المجتمعي في الانخراط والتواصل تجعل مهمة قيادات الجماعة سهلة وميسرة من حيث التحكم بالطاعة والتنفيذ والعصيان والاعتصام والإضراب وأخيرا القيام باغتيال كل من يخالف فكر جماعة الإخوان .

حتى لحظة استقطاب سيد قطب منظِّر الجماعة في النصف الثاني من القرن العشرين تم استقطابه تلقائيا وبغير جهد أو بلاء أو كلل وقتما استشعر مؤخرا أنه مجرد رقم لا أكثر ولم يملك كاريزما الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، أو المفكر والأديب العبقري الدكتور طه حسين، أو الإصلاحي المجدد محمد عبده، فشعوره بالتهميش من الطبيعي أن يجعله صوب البروز والظهور على ساحة مشهد الأحداث بصورة تمكنه من الاستشفاء النفسي الداخلي عن طريق تأييد حفنة من المنغلقين على أنفسهم فكريا واجتماعيا.

وسيد قطب هذا وصل بنفسه إلى ادعاء جاهلية المجتمع المصري، مصر بلد الأزهر الشريف حفظة القرآن ورواة الحديث وفقهاء المنطقة، لكن تهميشه أوصله كرها إلى المناداة ليل نهار بفكرة الحاكمية التي أعتقد وهو الآن في دار الحق لم يعي قصد الحكم لله كما تم وروده في القرآن الكريم النص المحكم القاطع ذي الأسرار، لكن هو بادعاءاته كمفكر مصري رأى وجوب الخروج على الحاكم بوصفه ومجتمعه وشعبه وأمته وربما المنطقة العربية كلها كافرة لا فائدة مرجوة من صلاحها إلى بالقتل والتدمير والتخريب، ولعل هذا ما أورده بعد سنوات الحكم عليه بالإعدام شنقا إلى التحليلات النفسية والسيكولوجية لعقله وفكره وطروحاته التنظيرية التي تنم عن عقل مريض .

نفس الأمر حدث حينما نجح الأخير في استقطاب السيدة زينب الغزالي للتنظيم وأن تكون الصوت النسائي المعبر عن الجماعة بصورة مغايرة، فالسيدة وإن فارقت الحياة إلى بارئها لا يمكن أن نتغافل حالات التهميش الأسري والعائلي لها وكونها زوجة ثانية لرجل ليس بالمفكر أو الزعيم أو الأديب .

وماذا عن بقية أسباب هذا الانتشار الواسع للجماعة أيضا في كافة البلدان العربية، إن قيادات الجماعة ومنظريها الذي يرون أنفسهم قادة الرأي والفكر رغم فقرهم في إدارة بلد عظيمة مثل مصر المحروسة دوما يجعلون المجتمع صوب أعينهم، ليس بالضرورة جعل أفراد المجتمع الطبيعي والسليم بالفطرة ينتمون إلى كياناتهم السياسية كالأحزاب، بل عن طريق مبادرات ومشاركات اجتماعية مشبوهة، نعم هي مبادرات مشبوهة وإن كان ظاهرها بريئا طاهرا نقيا كماء النيل، لكن باطن تلك الممارسات المشبوهة هي مجرد استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب إلى تنظيم الجماعة من خلال مسابقات رياضية أو لقاءات تثقيفية عامة تحت مظلة موضوعات يراها البعض عادية لكنها هي في جوهرها تستهدف استمالة الشباب فقير الثقافة والتعليم إلى أفكار وآراء ومعتقدات فكر الجماعة الدموي الذي لم ير شيئا في القرآن سوى الحاكمية مع إن ذكر الحكم لله ورد في سياق مخالف لعقول أولئك الفقراء ذهنيا ودينيا وسياسيا بالقطعية .

ثم ماذا بعد؟ المرأة، تظل المرأة سلاحا ناجحا وناجعا وقويا في أجندة تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وهذه السطور المقبلة لن تتحدث عن السيدة المعروفة إعلاميا بأم أيمن فلها ثمة مقالات ليست بالقصيرة عن دورها السري والأكثر غموضا داخل أروقة الجماعة المحظورة والمنحلة قضائيا، لكن السطور هذه تتحدث عن مبادرات وسعي حثيث خبيث وممارسات جامعية وطلابية مستمرة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الفتيات والسيدات المسلمات وضمهن تحت ستار الدين والعفة والفضيلة إلى التنظيم الدموي المتطرف .

فالحكاية تبدأ من أختي الفاضلة، وإني أراك درة الجنة وفخر للإسلام وأنك جوهر الحكاية والرواية والفصل والمبدأ والمنتهى، ثم حكايات طويلة في سرعة واختزال للسطور عن الفضيلة والعفة والسفور والحجاب والنقاب وأن الإسلام ازدهر عن طريق النساء الصالحات وأنت منهن طبعا وأنك رافد النجاح والتفوق والامتياز البشري، ثم سلسلة مستمرة من الإسطوانات الصوتية لكبار شيوخ وأئمة الجماعة الذين لم يتفقهوا في الدين فقط هم يمتلكون لحى طويلة ويرتدون جلابيب قصيرة ويدعون للجنة .

وحينما نصل إلى جنة الجماعة، نراها جهادا آخر، مرة نكاح المجاهدين الأبرار من وجهة نظرهم بالتأكيد، ومرة جهادا بالحب من خلال مبادرات الانضمام للجماعة بصور مشبوهة تبدأ بجمع معلومات وبيانات هي في الحقيقة شخصية وغير مهمة لكن عن طريقها يقوم أعضاء الجماعة وخلاياها النائمة والعائمة على وجه المجتمع في فترات ركوده أو انشغاله بقضايا مهمة وحيوية كمشكلة سد النهضة وغيرها، فيقوم هؤلاء بترويض عقل الفتاة وقيادته ـ العقل ـ نحو الانصياع المطلق للجماعة وإقناعها بأنها خليفة طبيعية للصحابيات الجليلات، وأن قيامها بالمهام الموكلة إليها هي أقرب للجنة .

الأكثر دهشة في هذا المشهد، أن هذه الفتاة الصغيرة تقع مباشرة في الحب صوب شيخها أو أميرها أو الشخص الإخواني المسئول عن تجنيدها عقب الحصول على كافة بياناتها الشخصية فإما أن يتزوجها تحت مسميات كثيرة ؛ أنها يتيمة أو فقيرة أو مسكينة أو ضعيفة أو بحجة تأهيلها لقيادة الفتيات المجاهدات . أو تزويجها لرجل آخر ينتمي إلى الجماعة، وسرعان ما تكتشف الفتاة أنها وقعت دون قصد في شراك عجيبة وأن الجنة طارت وأن الجهاد صار جسديا وأن العقل لا يصلح لقيادة الأمة .

لذلك يتعين على الحكومات الرشيدة ومنها مصر ألا تواجه تنظيم حسن البنا بالسلاح فقط فهذا أمر سهل وبسيط لكنها تقضي فقط على الكيانات الصغيرة والشابة والمستقطبة دون الكبار والقيادات والزعماء الذين يمتلكون دهاء الذئاب ومكر الأفاعي، بل الأقوى هو المواجهة الفكرية لهؤلاء الشباب، المشكلة لا تكمن في القيادات لأنهم بالفعل يجيدون التخفي وارتداء نقاب السيدات والاختباء وسط المجتمع في حرفية ومهنية في التنكر، لكن الشباب المسكين هو الذي ينبغي التوجه نحوه ومواجهته بحقائق ومشاهدات تنظيم الجماعة الذي فسد في الأرض وطغى ..

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق التدريس(م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

نبيل احمد الاميرإن الولايات المتحدة الإبراهيمية هي دولة فدرالية تم دراستها وإنتاجها علناً للتطبيق على أرض الواقع خلال الخمسين سنة القادمة في مكاتب وزارة الخارجية الأميركية.. وتشمل هذه الدولة مجمل الدول العربية والاسلامية بعد القضاء على المنظومة الاسلامية والشيعية المقاومة تحديداً إذا لم تنضم المؤسسة الدينية الشيعية المتمثلة بمراجعها للمشروع.. وما توصية دوغلاس سليمان سفير الولايات المتحدة السابق بالعراق في تقرير احد اهم مراكز البحوث في امريكا بضرورة التخلص من المرجع الاعلى السستاني إلاّ تأكيد لأهمية التخلص من المنظومة الشيعية الرافضة للتطبيع.. وما اعلان الولايات المتحدة لبعض رموز المقاومة الاسلامية في العراق والوطن العربي كأهداف يجب تصفيتها تحت حجة وذريعة الارهاب وفعلاً تم تصفية من طالتهم صواريخ الراعي الرسمي للمشروع إلاّ دليلاً ثانياً على أنه سيتم تصفية كل من يقف بوجه مشروع التطبيع او مشروع صفقة القرن او مشروع الديانات الابراهيمية او مشروع الولايات المتحدة الابراهيمية .

وتتعدى حدود هذه الدولة الحلم الصهيوني "من النيل إلى الفرات" وغايتها  في النهاية تحقيق الهيمنة الصهيونية المطلقة من خلال بوابة الدبلوماسية الروحية، وهذا ما كشفته الدراسات التي يجري العمل فيها وعليها منذ سنوات رغم ما يخفيه "اتفاق أبراهام"  .

إن مفردات ومصطلحات وتصريحات كثيرة مرَّت في مجرى "صفقة القرن" من دون أن يتوقَّف عندها الخبراء لفحص مضمونها وما تخفيه من أسرار ونيات . والحقيقة ان الباحث أو المحلل السياسي لا يستطيع أن يصل إلى تركيب الصورة إلا إذا اعتمد على المعلومات أو استعان بمجموع القطع المركبة للصورة، فيُغربلها ويختار ما يراه مناسباً، ليصل إلى الصورة الواضحة أو معظمها على أقل التقديرات .

وبما أنَّ المحلّل أو الباحث العربي يعمل وحيداً من دون طواقم متخصّصة معه وحوله كما تعمل مراكز الأبحاث العالمية، فليس غريباً أن تغيب عنه معلومات أساسية لا يمكنه من دونها أن يرى الصورة بشكل واضح، أو يقرأ ما بين سطور التصريحات ومعاني المفردات المستخدمة، وهذا يتطلب جهداً مضاعفاً لفهم ما تخفيه التصريحات والمفردات المستخدمة للدلالة على ماهية "صفقة القرن" والاتفاقيات التي يوقّعها الأطراف بين ليلة وضحاها بأسماء مثيرة في البيت الأبيض بين فترة وأخرى .

لقد لفت إنتباهي خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل التوقيع على الاتفاق الإماراتي البحريني الإسرائيلي وإعلان السلام بينهم في البيت الأبيض، حين سمّى الاتفاق باسم "اتفاق إبراهام"!!!

كما استوقفني حديثه حين قال في خطابه: "هناك تطلّع إلى المستقبل لدى اليهود والمسلمين والمسيحيين، ليعيشوا مع بعضهم البعض، وليحلموا ويصلّوا مع بعضهم البعض، وجنباً إلى جنب، بانسجام وتناغم وسلام .

وتساءلت كذلك مع نفسي إذا كان الاتفاق بين الإمارات المسلمة وإسرائيل اليهودية، فما دخل المسيحيين، وماذا تعني كلمات "أن يُصلّوا مع بعضهم البعض جنباً إلى جنب"؟

2666 نبيل احمداعتقدتُ حينها أنَّه يقصد تقاسم الحرم الإبراهيميّ أو الحرم القدسيّ بين اليهود والمسلمين، ولكن مرة أخرى تسائلت..

ما دخل المسيحيين في ذلك؟

وما دخل الإمارات في تقاسم الحرم القدسي أو الحرم الإبراهيمي، خصوصاً أن الاتفاق لا يعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل يقفز عنها عمداً .

هذه التساؤلات أعادتني إلى تصريحات سابقة رافقت "صفقة القرن"، تقول إن هذه الصفقة لا تعني الفلسطينيين وحدهم، بل تعني شعوب الشرق الأوسط كلها في العلاقة مع إسرائيل، وعدت إلى تصريح جاريد كوشنير بالذات لمحطة "سكاي نيوز" (الإماراتية) يوم 28 شباط/فبراير 2019 بأنّ "صفقة القرن ستلغي الحدود السياسية بين شعوب الشرق الأوسط . وفي ما بعد قال: "إنَّ الرئيس ترامب يشجّعنا لتبنّي التوجّه الجديد، ولتوحيد الناس حول القاسم المشترك، فكيف يكون ذلك؟.. ومَن هو أو ما هو القاسم المشترك الذي يوحّد الناس؟

لاحظت أيضاً في عدد من الدول العربية أنَّ بعض رجال الدين أخذوا يستخدمون مصطلح "الديانات الإبراهيمية الثلاث"، والمقصود هي الإسلامية واليهودية والمسيحية، وتذكرتُ أنَّ منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين، "الأونروا"، التي تُعنى بحياة اللاجئين الفلسطينيين، كانت قد بادرت في العام 2017 إلى تغيير المناهج المدرسية من الصفّ الأول إلى الرابع، ومن ضمن هذه التغييرات الكثيرة استبدال تعريف القدس في المنهاج الدراسي من عاصمة الدولة الفلسطينية إلى المدينة الإبراهيمية المقدّسة للديانات الثلاث.. لذلك اتسائل ألا يوجب كل ذلك التوقف عنده والبحث في مايستتر وراءه من أفكار أو مقاصد، إن لم يكن مخطَّطات ؟

فقد كتب الموقع العبري "بِحَدري حريديم " (غُرف الحريديم) يوم 13 آب/أغسطس 2020، أنَّ تسمية الاتفاق تعود إلى أن "أفرهام"/ إبراهيم هو أب الديانات الثلاث الكبرى، ولا يوجد رمز لنجاح اتفاقية السلام بين إسرائيل والإمارات أفضل من شخصية نبي الله ابراهيم، وشدد الموقع على تصريح كوشنر بالبحث عن القاسم المشترك .

أما معهد أبحاث الأمن القومي في "إسرائيل"، فقد نشر مقالاً يوم 3 أيلول/سبتمبر 2020 تحت عنوان (الإسلام في خدمة السلام.. التداعيات والأسس الدينية لاتفاق أفرهام)، يقول فيه الكاتب : "في الوقت الذي تتجه الأنظار في إسرائيل إلى المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية للاتفاق، هناك اهتمام قليل بما يحمله من تحدّيات في المجال الديني" .

ويضيف الكاتب أنَّ اتحاد دول مجلس التعاون الخليجيّ أقام مكتباً حكومياً خاصاً في العام 2016، وأعلن عام 2019 عاماً للتسامح . وفي هذا السّياق استضافت الإمارات لقاء قمة بين بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، اللذان خرجا ببيان مشترك سمي "بميثاق الأخوة الإنسانية"، دعا إلى التّسامح ومناهضة التطرّف والغلوّ .

وأشّر الكاتب أن الإمارات تقوم ببناء معبد مشترك للديانات الثلاث سيتم افتتاحه في العام 2022  يُسمى "بيت عائلة إبراهيم"، وهو يشمل معبد يهودي وكنيسة مسيحية وجامعاً إسلامياً في قاعة واحدة، مشيراً أن هذا كله له استحقاقات يجب أن تستعد إسرائيل لها، فهل هذا ما قصده ترامب بقوله : "يصلون معاً بانسجام جنباً إلى جنب" ؟

كل هذا لم يكفِ ليستند التحليل بعد إلى حقائق مكتملة، وقد غاب عنا تقرير نُشر في موقع "الوطن" الإلكتروني يوم 13 آذار/مارس 2018  تحت عنوان "الدبلوماسية الروحية بوابة تصفية الصراع مع إسرائيل"، تناول فيه الكاتب دراسة أكاديمية صادرة في العام 2018، تتحدث عن "الدبلوماسية الروحية" التي أُنتِجت في مكاتب وزارة الخارجية الأميركية في ظل الإدارة الديموقراطية (هيلاري كلينتون)، وما تزال هي الدبلوماسية الفاعلة لحل النزاع في الشرق الأوسط في ظل إدارة ترامب وبايدن .

والأهم من ذلك ما يخفيه هذا الاتفاق من مخطط كبير لإنشاء ما يسمى بـ"الولايات المتحدة الإبراهيمية"، وهي دولة فدرالية موعودة، تشمل مجمل الدول العربية في الشرق الأوسط وإسرائيل وإيران وتركيا وحتى المغرب العربي، أي أنها أكثر اتساعاً حتى من "حدود النيل إلى الفرات"، على أن تكون القيادة الفدرالية لـ "إسرائيل"، وتكسب شرعية ذلك من امتلاكها التكنولوجيا الضرورية لاستخدامها في جهود تطوير الشرق الأوسط، وتساعدها في ذلك تركيا لقدرتها على استيعاب المعارضة الإسلامية الإخوانية، التي قد تعارض القيادة الإسرائيلية للمشروع ولكونها عضو في حلف الناتو ولإحتضان بعض الدول الاسلامية التي تعاند وترفض قيادة إسرائيل للمشروع .

لقد إعتمدت في دراستي البحثية هذه على بعض الوثائق الأميركية الموجودة في جامعات هارفرد وفلوريدا وبنسلفانيا، فقد أصدرت جامعة هارفرد وثيقة بهذا الخصوص سميت "مسار إبراهيم" في العام 2013، وتبعتها جامعة فلوريدا بوثيقة اسمتها "مشروع الاتحاد الفدرالي الإبراهيمي" في العام 2015 .

من هنا يتضح لنا أننا أمام مشروع أكبر بكثير من مجرد عملية سلام بين إسرائيل والإمارات والبحرين، البلدين اللذين لم يحاربا إسرائيل يوماً ولم يكونا ضمن دول الحدود المشتركة مع اسرائيل .

لذلك اقول بضرس قاطع أن "صفقة القرن" هي مشروع استراتيجي تاريخي فعلاً إذا ما نجح في ترسيخ أسسه على أرض الواقع .

قد يقول قائل إن هذا المشروع من صنع الخيال، ولا يرتبط مع الواقع بصلة، وهنا يتوجب علينا أن نتذكر أن أصل مشروع الحركة الصهيونية كان من صنع الخيال أيضاً، وبدا حلماً لم يصدق الكثيرون أنه سيتحقق إلا بفعل إصرار الصهاينة على تحقيق أحلامهم بإقامة المؤسّسات وتجهيز الكوادر والأدوات اللازمة لذلك، وتفعيلها وفق برامج محددة ومدروسة الأهداف والمراحل، وبغياب الفعل العربي أو تماشيهم مع مخططات الآخرين وكأنها أوامر من السماء واجب الطاعة .

وبعد الدراسة والبحث وجدت ان لأجل تحقيق هذا المشروع الفدرالي، فقد تم العمل منذ سنوات على 3 مستويات :

1- إقامة مراكز ومؤسَّسات وبرامج ماتسمى "الدبلوماسية الروحية". وفي هذا المستوى تفاصيل كثيرة . ومن هذه المؤسسات مؤسستين يقودهما توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق المعروف بولائه لإسرائيل..

المؤسسة الأولى في أفريقيا، والثانية في الشرق الأوسط، وهاتان المؤسستان تدربان الكوادر الشبابية للترويج لهذا المشروع . كما يُدرّس هذا الفكر الآن في الجامعات الأميركية، ومنها جامعتا فرجينيا وبنسلفانيا.

2- المستوى الحكومي.. فقد أسَّست الإدارة الأميركية إدارة خاصة في وزارة الخارجية عام 2013، ولازالت هذه الادارة تعمل لحد الآن، وكانت تحت الرعاية المباشرة لهيلاري كلينتون، وهي ما تزال فاعلة بقوة في ظل إدارة ترامب وادارة بايدن أيضاً .

وكانت الادارة تحت عنوان "الحوار الاستراتيجي مع المجتمع المدني"، وتضم هذه الإدارة مئة شخصية، منها 50 دبلوماسياً و 50 من الرؤساء الروحيين المؤثرين من المسلمين والمسيحيين واليهود، لتقديم المشورة للدبلوماسيين لتحقيق أهداف المشروع .

3- رعاية "الدبلوماسية الروحية" من قبل المؤسَّسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، باعتبار أن "السلام الديني" يسمح بالتنمية المستدامة، ويقاوم الفقر في الدّول التي لا تمتلك التكنولوجيا الضروريّة للتنمية.

ومن كل ماسبق ولأجل تجسيد هذا المشروع على الأرض، انطلقت أيضاً مشاريع سياحيَّة تحت اسم "مسار إبراهيم" في الدول ذات الصلة، وهو عبارة عن مسارات تُشكّل مقاطع لمسار واحد طويل، وهو مسار يُزعم أنه مسار نبي الله إبراهيم الخليل، كان قد مشى فيه، رغم ان كثير من المؤرخين وعلماء الآثار رفضوا هذه الأسطورة بما في ذلك الإسرائيليون أنفسهم .

ينطلق المسار المُبارك لنبي الله ابراهيم كما تم رسم المشروع من تركيا، وبعضهم يقول من العراق، ويمرّ في سوريا ولبنان وفلسطين، ليصل إلى مكة والمدينة المنورة . ففي الضفة الغربية يُسمى مسار "إبراهيم الخليل"، وفي إسرائيل يسمى "مسار إبراهيم"، حتى أصبحت هذه المسارات تستقطب السياحة الدولية بالفعل .

ولتحقيق هذا الهدف إعلاميا، وصل صحافيون إسرائيليون عاملون في البرنامج الشهير "مساع أحير"/ سفرة أخرى"، إلى مدينة أورفا جنوب شرق تركيا، فجاؤوا بقصص وأساطير تتحدَّث عن بركة نبي الله إبراهيم وعجائب مسيرته وعن بيته ومغارته، وهي من القصص التي تثير شغف السائح، ولكنّها في الأساس والجوهر والهدف تؤسس لوعي جديد ينشر ويعزز الرواية الصهيونية وعلاقة اليهود التاريخية في منطقة الشرق الأوسط، وتحويل الخرافات والأساطير اليهودية إلى تاريخ يُروى للعالم .

ويبقى بعض الاسئلة لأي مراقب.. مثلا

هل كانت ممارسات القاعدة وداعش الدموية والوحشية باسم الإسلام والمسلمين خلال العقد الأخير، ممارسة مقصودة وموجَّهة من جهات معينة ليبتعد المسلمون عن دينهم، فيسهل تبنّيهم للمذهب الإبراهيمي - الإسرائيلي، وخصوصاً أننا نعلم أن الممولين والداعمين للقاعدة وداعش ليسوا سوى أولئك الذين يدعون اليوم إلى هذا المذهب الإبراهيمي، أو الذين سينضمون إليه لاحقاً، أو أنَّ سلوكيات هذه التنظيمات كانت حقيقية ومن دون توجيه، وقد تم استثمارها للترويج للمذهب الجديد وتسهيل قبوله.

والسؤال الثاني.. هل تحتاج هذه الفدرالية الجديدة إلى جيش وتحالف أمني، وهو الذي تحدثت عن إنشائه هيلاري كلينتون في العام 2013، وجاء ذكره في كتابها "خيارات صعبة" .

أما السؤال الثالث فهو ماذا سيفعل العرب؟.. هل ينضمون إلى المشاريع القدرية الصهيونية أو سيتبنى محور المقاومة إفشال هذا المشروع بالفعل؟

بداية الفكرة..

بدأت الفكرة في عام 1990 عندما قام سيد نصير المعتقل في الولايات المتحدة بتهمة اغتيال الحاخام مائير كهانا (ما زال معتقلاً لغاية الآن) بطرح فكرة الابراهيمية (أبناء سيدنا ابراهيم) لتشكل قاعدة انطلاق لحل القضية الفلسطينية مع اسرائيل وامكانية التعايش مع أبناء ابراهيم بسلام، وقد وجّه نصير عدة رسائل من داخل السجن إلى الحكومات الأمريكية المتعاقبة حتى جاءه الرد من قبل ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي جورج بوش الابن بأن رسالتك قد وصلت، وفي بداية التسعينات تحدث جورج بوش الأب عن نظام عالمي جديد قائم على فكرة السلام والدين، وقامت وزارة الدفاع الأمريكية بدعم برنامج دراسات الحرب والسلام والذي يعتبر أن الدين مدخل أساسي لصياغة النظام العالمي الجديد، وأن هذا المدخل ممكن أن يحقق فكرة الاتحاد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وكان الهدف الحقيقي من الفكرة هو هدف سياسي، ولكن الهدف المعلن يتم تقديمه  بأنه تقارب بين الاديان وتلاقي تاريخي وثقافي بين الشعوب .

الابراهيمية والدبلوماسية الروحية..

قامت الحركة الصهيونية وتيار اليمين المسيحي والحكومات الأمريكية المتعاقبة منذ سنوات بدعم الفكرة الابراهيمية والعمل عليها وتطويرها من خلال لجنة خاصة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، ومن خلال توفير دعم مالي لمؤسسات مختلفة ومنها مؤسسات أكاديمية . وكان لجامعة هارفارد دور كبير في تطوير الفكرة والتي عملت عليها لسنوات طويلة . ففي عام 2015 أصدرت وثيقة أرض المسار والمستندة إلى رواية العهد القديم، والمقصود بها رحلة سيدنا ابراهيم في منطقة الشرق الأوسط، والتي بدأت من تركيا وصولاً إلى مكة والمدينة المنورة ولمصر، وهذا المسار الذي يشكل خريطة اسرائيل الكبرى لغاية اليوم، وفيما بعد قامت جامعة فلوريدا في صياغة الفكرة وتقديمها بشكل آخر حيث تحدثت عن الاتحاد الابراهيمي الفدرالي، وأن الإبراهيمية قاعدة لحل الخلافات القائمة اليوم بين أبناء ابراهيم ودياناتهم الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام، وذلك من خلال التركيز على القضايا المشتركة في الأديان والابتعاد عن ما هو مختلف عليه .

وعلى سبيل المثال أن الإسلام يعترف بالديانات الثلاث وأن المسيحية تعترف باليهودية وبالتالي فإن المشترك بينهم هي اليهودية، كما أن المشترك بين الأديان الثلاث هي احترام قدسية الاديان، وأن مسار سيدنا إبراهيم والذي يصل إلى عشرة دول تقريباً يشكل تاريخ مشترك بين شعوب المنطقة، مع مراعاة الشعوب الأصلية (المقصود اليهود تحديداً)، ومن أجل تعزيز فكرة ما هو مشترك يجب العمل بطريقة غير تقليدية قائمة على الدبلوماسية الروحية التي تستند على عقيدة جديدة هي ما تسمى العقيدة الابراهيمية .

مسار ابراهام الديني..

إن هذا المسار يتفق مع خريطة إسرائيل الكبرى، ويحقق لها إزالة الحدود الموجودة حاليا والتي لم تقم اسرائيل بترسيمها بشكل نهائي حتى اليوم، وهذا المخطط يتفق مع تصريحات باراك أوباما عام 2013 حول ما أسماهُ أرض إبراهام العالمية، كما تحدث كوشنير أن الحدود السياسية ليس لها قيمة في المستقبل، وفي اتفاق التطبيع الإسرائيلي مع الإمارات والبحرين تم تسميتها بالمعاهدة الإبراهيمية (اتفاقية ابراهام) في دلالة واضحة لتبني هذه الفكرة، والتي عبر عنها كوشنير بأنها بداية عهد جديد.

ومنذ فترة يوجد تصميم لبيت العائلة الإبراهيمي بمتحف اللوفر في أبو ظبي يجسد هذه الفكرة .

كما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنشاء نموذج عقائدي من الأديان الثلاث وبهذا تكون إسرائيل كيان طبيعي في هذا النموذج هي المركز .

في الولايات المتحدة الإبراهيمية المفترضة، يضمن مكانة اسرائيل المهيمنة في الشرق الأوسط، ومن أجل نجاح هذا النموذج يجب العمل من خلال الدبلوماسية الروحية على تغيير ثقافة شعوب المنطقة، والتركيز على ما يسمونه التاريخ المشترك بينهم، والتخلص من بعض النصوص وتأويلاتها في العقائد، وتعزيز فكرة التعايش بين الشعوب على حساب المدن والأماكن المقدسة، وعلى حساب أن الاحتلال هو الاصل وليس الدين، والعمل على رفض المرجعيات الدينية الشيعية العريقة واستبدالها برجال دين ليسوا بعلماء دين، ورفض السُنّة والأثر، وصحيح البخاري ومسلم، وتوظيف سياسيين يؤمنوا بالفكرة، ومن أجل تحقيق هذه الفكرة لابد من اتهام المرجعيات الدينية كالأزهر  وغيرها من المؤسسات الدينية بالتقليدية والرجعية وممارسة التحريض والإرهاب .

أن الصهيونية العالمية تدرك أن استمرار بقاء إسرائيل على قيد الحياة في هذه المنطقة العربية مرهون بتغيير عميق في ثقافة شعوبها، والذي تعتبر الدولة الاسرائيلية كيانا غريبا ومعاديا لها، ولأن شعوب المنطقة العربية شعوبا كلاسيكية متدينة بالفطرة وتشكل فيها العقيدة الدينية والموروث الثقافي العقائدي الثقافة العامة والجمعية، فإن أى تغيير فى تلك الثقافة الجمعية هو مرهون بتغيير فى العقيدة الدينية لتلك الشعوب، وبالتالي فان إنشاء نموذج عقائدى موازي يبدو أمرا ممكنا خاصة لو كان هذا النموذج نابعا في الأساس من الأديان والمذاهب القائمة على أرض الواقع في المنطقة، وهى أديان ومذاهب متقاربة في كثير من المفاهيم الاخلاقية والانسانية، وفي أحيان أخرى المفاهيم العقائدية، وهذه الوسائل جميعها تسعى إلى تحقيق الاهداف السياسية، ولكن هذا المخطط تجاهل بالمطلق أنه في المقابل لدى العرب والمسلمين روايتهم الدينية الخاصة التي تختلف في مضمونها وأهدافها السياسية والاخلاقية والتاريخية عن روايتهم ذات الاهداف السياسية للسيطرة على المنطقة العربية والشرق الاوسط .

ارض اسرائيل والسلام..

إن المخططات الصهيونية والامريكية التي تدفع باتجاه فكرة الولايات المتحدة الإبراهيمية لا تهدف إلى تحقيق السلام العادل القائم على قرارات الشرعية الدولية بين اسرائيل والدول العربية، او بين اسرائيل والدولة الفلسطينية بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس، بل تسعى إلى فكرة استعادة ما يسمونه أرض بني إسرائيل وأرض الميعاد .

وفي كتاب العودة إلى مكة لآفي ليبكن ضابط الاستخبارات الاسرائيلي السابق أشار إلى أن ارض الجزيرة العربية يجب أن تعود للشعوب الأصلية وهم بني إسرائيل، حسب ما ورد في العهد القديم، لذلك فالولايات المتحدة الابراهيمية لا تعترف بالحدود الحالية بين الدول، فهي تسعى إلى ضم تركيا وايران واسرائيل في اتحاد فدرالي بزعامة اسرائيلية تركية مشتركة في المرحلة الأولى على اعتبار أنهما دولتان تمتلكان التقدم العلمي والتقني (التكنولوجي) والصناعي، ولديهما القدرة على ادارة الموارد البشرية والثروات العربية التي لم يحسن العرب استثمارها في السابق، كما أنها لا تعترف بالفكرة القومية والوطنية، بل أنها تدعو إلى إنشاء تحالف حول الفكرة الابراهيمية، لذلك فهي لا تعترف بفكرة الأماكن المقدسة أو المدينة المقدسة للمسلمين بل تسعى إلى الغائها، وقد حدث ذلك بالفعل عندما حاولت وكالة الغوث الدولية للاجئين منذ سنوات إحداث تغيير في المناهج الدراسية للمرحلة الاساسية في محافظة القدس واطلاق اسم المدينة الابراهيمية على القدس الشريف وقد واجهت هذه الخطوة غضب شعبي أدى إلى إفشال هذه المحاولة، وهناك محاولات سياسية أخرى يتم العمل عليها بصمت للترويج للفكرة الابراهيمية .

ما وراء الفكرة..

أصبحت فكرة الولايات الابراهيمية تتفاعل في أروقة صناعة السياسة الامريكية والاسرائيلية منذ سنوات، ويشير مجموعة كبيرة من الباحثين إلى خطورة هذا المخطط، كما أن الحقائق على الارض تؤكد جدية اسرائيل والولايات المتحدة في تشكيل نظام اقليمي جديد على أساس هذه الفكرة، وهناك بالفعل تحالف وثيق ومعقد بينهما في هذا الشأن قائم على فكرة عقائدية والتي تظهر مؤشراته في بروز تيار اليمين المسيحي الاصولي في الولايات المتحدة والذي أخذ بالظهور منذ أواسط الثمانينات في القرن الماضي، والذي يعرف بالمسيحية الصهيونية ويتم دعمه من المسيحيين المحافظين والحركة الصهيونية .

وقد قال القس المسيحي الاصولي جيري فالويل وهو من ابرز قادة التيار المسيحي الامريكي ” أن من يقف ضد اسرائيل فهو يقف ضد الله”، واعتبر “أن دعم اسرائيل فرض ديني على كل مسيحي” .

خطورة الفكرة..

تكمن الخطورة في محاولة القائمين على الفكرة إلى إعادة تشكيل الوعي الاسلامي والعربي والفلسطيني ليكون أكثر تقبلاً لوجود اسرائيل المحتلة بغطرستها، وبما يخدم تنفيذ مخططاتها، ويستند هؤلاء إلى شئ من المنطق في روايتهم الدينية ومن خلال إجراء مقاربات دينية وفق تصورهم المريض، كما وتظهر خطورتها في أن ملكية أرض مسار سيدنا إبراهيم في رحلته والذي حل ضيفاَ فيها على مدينة الخليل وأهلها، ليس لشعوب المنطقة وسكانها الحاليين بل هي ارض إبراهيمية عالمية، وقد أكد وليام يوري رئيس مبادرة مسار ابراهام في هذا الشأن أنه لا يوجد ولاء للحدود ويجب أن يكون الولاء للفكرة، وبالتالي لا توجد ملكية للاماكن المقدسة، وعلى المستوى السياسي قامت الولايات المتحدة الامريكية من أجل تحقيق هذه الفكرة بطرح كثير من المبادرات والصفقات التي من شأنها أن تنهي قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالعرب وبالحق الفلسطيني، كصفقة القرن حيث صرح جاريد كوشنير في “سكاي نيوز عربية” وكما اشرنا سابقاً في 28 فبراير 2019 أن هدف صفقة القرن إزالة الحدود السياسية الحالية، وقد أكد الرئيس الامريكي ترامب أن صفقة القرن للمنطقة ككل، وهذا يؤكد أن صفقة القرن بالنسبة لفلسطين قد تكون البداية فقط، فخريطة ما يسمونه مسار ابراهيم تقطع المدن الفلسطينية من المنتصف، وهذا يعني أنه لا توجد اراضي فلسطينية وفق هذا المخطط، ومن المخاطر ايضاً تهيئة المناخ الملائم للنظام السياسي الجديد، وهذا يقتضي تحقيق فكرة التطبيع بين الانظمة العربية وشعوبها مع اسرائيل من أجل قبول وجود إسرائيل في المنطقة .

وهذا ما حدث في توقيع اتفاقية ابراهام بين اسرائيل من جهة والامارات والبحرين من جهة أخرى .

وتدعو الفكرة الابراهيمية إلى إعادة قراءة التاريخ وإعادة صياغته بما يضمن قبول الشعب اليهودي الاصيل في المنطقة، وبالتالي قبول دور دولة إسرائيل الحالية في المنطقة، والعمل على تغيير ثقافة شعوب المنطقة إلى ثقافة جديدة إبراهيمية .

الموقف الاسلامي والعربي..

لا يمكن تجاهل الثقل السياسي والديني لاكثر من 1.7 مليار مسلم في العالم، ثلثهم من الشيعة، ومنهم اكثر من 400 مليون عربي، تربطهم عقيدة دينية واحدة وتراث اسلامي عميق وتاريخ يعتزون به، وهؤلاء لهم جميعاً عقيدتهم الخاصة التي يؤمنون بها ويرفضون تجاهلها أو إعادة صياغتها وفق رواية الآخرين، فجميع المسلمين والغالبية العربية يؤمنون بسيدنا ابراهيم عليه السلام، ويؤمنون بأنه ابو الأنبياء، بالاضافة إلى ايمانهم بكافة الانبياء كما جاء في القرآن الكريم فالمسلمون يؤمنون بالدين اليهودي الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام، ويؤمنون أيضاً بالديانة المسيحية التي أنزلت على سيدنا عيسى عليه السلام، ولكن لهم الحق أيضاً أن يقولوا ما قاله الله تعالى: “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.(سورة آل عمران، 67)، وقوله تعالى: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”(سورة آل عمران، 19)، والاسلام أيضا يدعونا إلى السلام والرحمة والمحبة واحترام الآخرين والعفو، حيث قال تعالى في سورة البقرة(آية: 109) “وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”  وقال تعالى: في سورة المائدة (آية:13) ” فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” .

والقرآن الكريم والحديث الشريف والتاريخ الاسلامي توجد فيه شواهد كثيرة على تسامح وعفو ورحمة الاسلام والمسلمين بالآخرين .

وفي المقابل لا نستطيع اليوم إنكار الواقع الصعب على المستوى الاسلامي وتحديداً العربي، وحالة من غياب الوعي وانحسار للفكر وتراجع للثقافة وغياب الحالة الديمقراطية البناءة، وضعف الروابط المشتركة للعروبة والمشاعر القومية والمشاعر الوطنية، وما تعانيه الأمة الاسلامية والأمة العربية من مؤامرات تسعى إلى تشويهها وإضعافها، وكل هذا ساهم في توليد الصراعات الطائفية، وحالة من التطرف لدى بعض الجماعات الاسلامية، وان حالة انعدام الرؤيا في العالم العربي ساهمت في توفير مناخ خصب لحالة من الفوضى والحروب العربية العربية والحروب الداخلية وما يسمى بثورات الربيع العربي،  والذي من شأنه أن يخدم هذه الفكرة ذات الابعاد السياسية، حيث يصبح أكثر سهولة الترويج لها في ظل هذه البيئة الخصبة غير السوية، فهي المناخ الملائم لدعوة  في ظاهرها تدعو إلى فكرة التسامح والتعايش والتطبيع  في المنطقة، وفي باطنها السيطرة الكاملة على مقدرات ومصير 400 مليون عربي .

إن فكرة الولايات المتحدة الابراهيمية تستند إلى رواية التوراة لدى صهاينة اليهود، وهي رواية من وجهة نظر علم الآثار، وعلماء التاريخ الاجانب والإسرائيليين والعرب، وأيضا من عامة المسلمين محرّفة ومنقوصة ولا صلة لها باحتلال فلسطين الذي هو غزو استعماري .

والمسلمون لديهم روايتهم الخاصة التي يؤمنون بمصداقيتها وموضوعيتها وعدالتها والتي تعترف بجميع الأديان وكافة الرسل، وهذا الموقف القائم على الاعتراف بكافة الكتب المقدسة يشكل أساس مقبول لتبني روايتنا والاعتراف بها بوضوح، ويشكل نقطة انطلاق صحيحة للجميع، فالدين الاسلامي قائم على الرحمة والتسامح والمحبة، وهذا يتطلب من المسلمين ومنظمة التعاون الاسلامي وكامل هيئاتها وجامعة الدول العربية العمل الفاعل لمواجهة هذه الفكرة الصهيونية من خلال اصدار المواقف الرسمية، وتعزيز فكرة التراث الاسلامي، وتوضيح الموقف الاسلامي من كافة الاديان، فمشكلة المسلمون العرب تحديداً أرض محتلة وليس نزاع أديان .

ومطلوب أيضا موقف واضح من المؤسسات الدينية كالأزهر ومرجعيات النجف وقم التي تمثل مرجعيات دينية عريقة للمسلمين في العالم ولما يمثله للمسلمين من مئات السنين، بالاضافة إلى مجمع البحوث الاسلامي (الهيئة العليا للبحوث الإسلامية)، والحكومات العربية والمنظمات والمؤسسات العربية، حيث أن هذه المؤسسات قادرة على توضيح الموقف الاسلامي الصحيح بعيداً عن التطرف والجماعات التكفيرية، وهي مطالبة بالرد على هذه المخططات، وهي مطالبة كذلك بإعطاء علماء الدين المساحة الكافية لشرح الموقف الديني من القضايا الملحة في العالم الاسلامي، والرد على الافكار المشبوهة ذات الابعاد السياسية، ومطلوب ايضاً الرد على محاولات التشكيك في التراث الاسلامي الحضاري والسنة كالمحاولات التي تظهر من وقت لآخر للتشكيك في الصحيحين، ويمكن التوصية ايضاً بتشجيع وسائل الاعلام الموثوقة في الرد على هذه المؤامرات، والتعريف بمفهوم الفكر الاسلامي والثقافة الاسلامية وتقديمها بطريقة تليق بها، وابراز مساهمات الحضارة العربية الاسلامية العلمية والحضارية في كافة المجالات ومساهمتها العالمية، وهذا يتطلب خطاب واحد وموقف واحد .

لذلك فالمطلوب اقتراح مبادرات واقعية تظهر الهوية العروبية وقادرة على احداث فرق يساهم في خلق حالة من الاستقرار في المنطقة، وهذا ما ينشده المسلمون والعرب عامة، ففي مقابل هذه المخططات السياسية لا بد من أفكار وخطط قائمة على تحقيق العدالة والسلام اللتين يسعى إليهما الجميع، عدا الاحتلال الصهيوني، وهذا ما نحتاجه في عالم لا يقبل حالة من الفراغ .

وللدراسة البحثية هذه بقية بالتأكيد حيث لا ينتهي البحث والتنقيب عن الحقيقة .

 

دراسة بحثية لـ / الدكتور نبيل أحمد الامير

 

 

محمد سعد عبداللطيفالرياح تهب علي ثورة الياسمين

رياح تحمل معها شعار "إرحلوا سئمنا منكم" في ظل حالة أنتشار وباء كورونا وحصد ارواح كشف عن هشاشة النظام وفشل الحكومة في إدارة الأزمة. وفشل المنظومة الصحية. وفشل الدولة في ملفات اقتصادية وعدم شعور المواطن البسيط بتحسن الحالة الاقتصادية. وشعور طبقة عريضة بعدم الارتياح لجماعة النهضة. كانت المظاهرات قد اندلعت اليوم الأحد في تونس العاصمة وبعض المدن ناحية مقرات حركةالنهضة. عن فشلة في إدارة شئون البلاد الممثلة في الحكومة والبرلمان. رياح عاتية تهب لتعصف بالحكومة والبرلمان وهتافات لإعادة روح ثورة الياسمين. فهل يعيد التاريخ نفسة. ويعلن عن فشل الإسلام السياسي في البلد التي اندلعت منها شرارة ثورات الربيع العربي الاولي.

السيد راشد الغنوشي الذي عاش في الغرب. معارضا فترات طويلة للإنظمة التونسية السابقة. ويعتبر من الساسة المنفتحين علي الغرب. هل تعرض لضغط من المتشددين داخل جبهة النهضة الإسلامية. الفشل جاء من ملفات الفساد داخل الجهاز الإداري. والفشل كذلك من عدم المؤاومة داخل الإتلاف الحالي. هل تجميد البرلمان وحل الحكومة هو نهاية جماعة الإخوان في تونس. كما حذر من قبل في لندن من جماعة الإخوان المسلمين في مصر من خوض انتخابات الرئاسة. من فشلهم بعد الثورة وستكون نهاية الجماعة.. هل صدقت نبوءات الغنوشي في مصر وفشلت في وطنة الام في تونس. وهل سوف تشهد تونس عواصف من عدم الإستقرار السياسي في المرحلة القادمة،السيد الغنوشي يعتبر ذلك إنقلابا علي الدستور والثورة. ويدعوا الشعب الي مظاهرات سلمية. بعد منع الجيش من دخولة الي البرلمان. وهويعتبر البرلمان في حالة انعقاد دائم حسب الدستور؟

وقال السيد الغنوشي عقب قرارات رئيس الجمهورية بإقالة الحكومة وتجميد العمل بالبرلمان ، لم اتصل بالرئيس الذي استشارني فقط لكنة لم يعلمني بقرارته الإستثنائية ؟ وصرح السيد راشد الغنوشي لوكالات الأنباء

أن "الدستور يفرض أن يكون مجلس النواب في انعقاد دائم ويمنع حل الحكومةوأتهم الغنوشي قرارات الرئيس" لا سند لها قانونيا "وهي انقلاب وتأويله للدستور خاطئ. وفي تصريح أخر اعتبر ان دعوة رئيس البرلمان للشعب ،أن يخوض نضالا سلميا لاستعادة الديمقراطية"، محذرا من أن "قرارات الرئيس خاطئة وستدخل تونس والشعب التونسي في ظلمات وسلطة الرأي الواحد. سوف تهدد السلم الاجتماعي للخطر. وان التظاهرات سوف تسمح للفوضي وعدم الإستقرار ، وتأتي قرارات الرئيس التونسي على خلفية الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها البلاد.. وقد تولي السلطة التنفذية ودعا الي تشكيل حكومة جديدة. هل نهاية حركة النهضة في تونس. ستكون علي يد "قيس سعيد ". وأن الأحداث والوضع الاقليمي. سوف يشهد حالة من عدم الإستقرار. إذا دخلت تونس في مواجهات مع الحركة الإسلامية من دائرة عنف. هل الأحداث الجارية في تونس هي إنقلاب أو تصحيح مسار للديمقراطية. وان الأحداث الجارية ظاهرة طبيعية لمخاض ثورة الياسمين،؟

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

 

عبد الخالق الفلاحقبل الاطاحة بالنظام البعثي في 2003 كان لدى العراقيين آمال واحلام كبيرة في إحداث تغيير جوهري في حياتهم بعد ثلاثة عقود ونصف من الاستبداد. لكن في السنوات التي تلت ذلك التاريخ واستلام المسميات من الأحزاب الحالية زمام الحكم والقيادة، لم يتحقق أي شيئ من هذه التوقعات، و تفاقم فشل الحكم هذا بسبب الافتقار إلى المؤسسات الفعالة والنزيهة التي لم تعترف بعضها حتى بشرعية النظام الجديد، بنيت معظم مؤسسات الدولة العراقية بالأصل لخدمة نظام مختلف كليًا عن النظام الدستوري الفيدرالي الديمقراطي الذي كان من المفترض أن يتم إنشاؤه بعد استفتاء عام 2005, وظلت بيروقراطية مليئة بالمسؤولين الموالين للنظام السابق تقود مؤسسات الدولة . الأزمة في النظام السياسي الحالي تحول دون استقراره وتعريف مصالحه والقيام بوظائفه كنظام سياسي فعال يخدم مصالح الشعب، فمن الأساسيات المفترضة للنظم السياسية العامه، وجوب امتلاكه لأدوات تضمن له التكيف مع المواقف الطارئة، وتمكنها من إيجاد الحلول الناجعة لمواجهة تلك المواقف، وتمنح النظام القدرة على الإستمرار، ومنع أي تداعيات من إرباك النظام وفاعليه الرئيسيين. ومن بديهيات النظم أن الأعراف السياسية والدساتير والقوانين النافذة والهياكل المؤسساتية والسلطات هي الكوابح الرئيسية لمنع تصدع النظام. من المؤسف ظهر استبداد الأحزاب بشكل مطلق كواحد من أخطر أنواع الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تاريخ العراق المعاصر. هكذا تجاهل النظام السياسي مفهوم حيادية المؤسسات في الأنظمة الديمقراطية، حيث تكون الدولة محايدة بين جميع الطبقات، والأديان، والمذاهب، والأعراق، والقوميات، والثقافات، والعشائر، وعدم التدخل في شؤون الأحزاب السياسية، وضمان العدالة في المشاركة وفي الحق باختيار الاتجاهات السياسية والفكرية ضمن دولة مدنية ديمقراطية.

لقد اعتادت الكتل السياسية على تشكيل حكومات توافقية من تحالفات مختلفة ومتقاطعة في كثير من الأحيان تتجنب هذه الحكومات الائتلافية الصراعات الصفرية التي من شأنها أن تعرض بقاءها السياسي للخطر إذا كانت ستعارض إرادة الكتل السياسية الكبيرة من خلال تنفيذ أي إصلاحات جذرية حقيقية قد تضر بمصالحها. لذلك، ركزت معظم هذه الإدارات، على قرارات صياغة قرارات لا تؤثر على المصالح الأساسية للكتل السياسية الرئيسية - وبالتالي فإن أي إصلاحات تم اتباعها كانت بعيدة كل البعد عن كونها جوهرية وأساسية. أن اي نجاح الإصلاح الأساسي يعتمد على وجود حكومة فعالة ومتماسكة تدعمها كتلة برلمانية كبيرة وموحدة وهي ليست بتلك السهوة تحقيقها على المستوى القريب و تحتاج قرارات الإصلاح الصعبة أيضًا إلى دعم شعبي من الجمهور الذي يفهم ما هو على المحك.

ان استمرار حالة الانقسام السياسي بين الكيانات والاحزاب والتي تأخذ بالاشتداد يوما بعد يوم في ظل التقرب من الانتخابات التي من المزمع ان تكون في الشهر العاشر من هذه السنة والاختلافات العنيفة التي أخذت تظهر للعلن بين حتى الطيف الواحد "خلافا محمد الحلبوسي وخميس الخنجر" لو صحت واحدة من اعنف الاختلافات الهابطة بين اخواننا السنة وكذلك الاطياف الاخرى الشيعي- الشيعي الكوردي- الكوردي والمسيحي -المسيحي التي لا تقل عنه في الضراوة يدفع إلى تزايد الدور الخارجي والصراع بين القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المشهد العراقي حول دعم الكتل الحليفة لها، وهو ما يغذي حالة الاستقطاب الداخلي بين الكتل والتحالفات السياسية ويؤدي إلى تعقيد الأزمة وانسداد حلولها وتصاعد الأمور في العراق، خاصة مع تزايد أعمال العنف و إشاعة الفوضى التي قد يستغلها تنظيم «داعش» الإرهابي في ممارسة أنشطته واستعادة نفوذه مرة أخرى و لا تُخفي حقيقة كونه يضرب الاستقرار ومفهوم الدولة ويُرهب المواطنين باختلاف مقاماتهم وانتماءاتهم ومعتقداتهم.

لاشك في الامكان بزوغ فجر الاصلاح وأهم خطوة في هذا الطريق؛ نبذ الظلم من الحاكم والمحكوم في وقت واحد و يعطى كل ذي حقٍ حقه، فانه يمثل استحقاق ثقافي ومعرفي في الوسط الاجتماعي، يتحول فيما بعد الى أرضية صالحة تضمن نسب معينة من العدل في الحكم، يفرّج الهموم ويفكّ عقد الأزمات والبشارة قائمة بإمكانية تطبيق هذه القيمة السامية في الحكم، كما يمكن إيجاد المصاديق العملية للعدالة على صعيد المجتمع بتوفر القدرات الاستيعابية لتطبيق هذه القيمة في مختلف أشكال التعامل بين الأفراد والجماعات، وفي نفس الوقت تضييق مساحات الظلم ومكافحة الفيروسات المسببة لنشوء ومحاربة انتشار هذا المرض الاجتماعي والسياسي فيما بعد..

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

محمد عمارة تقي الدينإن الغوص في أكثر مستويات التحليل عمقاً هو أمر من شأنه أن يخبرنا، أن النمط الإدراكي المهيمن والمُسيطر على أذهان أغلبية المتدينين داخل الكيان الصهيوني في لحظته الراهنة، والمُشكِّل لوجدانهم الجمعي نحو العرب عامة والفلسطينيين خاصة، هو باعتبارهم نفايات بشرية سامة، أو حشرات ضارة يجب التخلُّص منها بأسرع وقت: إبادةً أو تهجيرًا.

فوجودهم، وفقًا لقناعات هؤلاء المتدينين، هو أمر من شأنه أن يحول دون تحقق حلم الخلاص وعودة المسيح اليهودي المُخِّلص، ومن ثم إقامة مملكة الرب وفردوسه الأرضي الذي يحيا فيه اليهود وحدهم، بعد أن تتم عملية إبادة أعداء اليهود إبادة تامة في معارك آخر الزمان.

ومن هذا المنطلق، وتأسيسًا على هذا التصور وتلك القناعة، فإن الغالبية العظمى من المتدينين الصهاينة داخل الكيان الصهيوني يرون أن " العربي الجيد هو العربي الميت"، وأنه لا خلاص بمفهومه الديني طالما ظل الوجود العربي في فلسطين، ومن ثم يتحتم إنهاء هذا الوجود العربي بأية طريقة كانت، فكل الوسائل مباحة.

وهو أمر يجعل من المستحيل التوصل لتسوية عادلة للصراع العربي الصهيوني، في ظل احتمال قوي بانقضاض هذه التيارات الدينية على سدة الحكم داخل الكيان الصهيوني بشكل كامل، وهو الانقضاض الذي بدأت ملامحة في التبدِّي في الآونة الأخيرة.

وسنحاول في هذه الدراسة إضاءة واحدة من المنظمات الصهيونية الإرهابية ذات القناعات الدينية الموغلة في عنصريتها، وهي منظمة كاخ، تلك التي أسسها الحاخام "مائير كاهانا" عام 1971م، فهي منظمة إرهابية تؤمن بالعنف في حده الأقصى باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافها، لذلك فقد ارتكبت العديد من العمليات الإرهابية ضد العرب، مما أثار موجة استياء عالمية، والتي على إثرها تم حظر المنظمة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكلمة كاخ هي كلمة عبرية تعنى "هكذا"، وهي تعليق على شعار الحركة، وهو عبارة عن يد تمسك بالتوراة، ويد أخرى تمسك بالسيف، ومكتوب تحته كلمة "كاخ" ، أي أنه هكذا، وبهذا الطريق وحده، والذي يجمع بين التوراة والسيف، أي بالعنف المتأسس على قناعات دينية ستتحقق الأحلام في إقامة دولة إسرائيل الكبرى، والتي تمتد لديهم من النيل إلى الفرات، فشعار الحركة، في حقيقة الأمر، يعبر عن أيديولوجيتها الإرهابية ذات النزعة العنصرية خير تعبير، ويفضح خاصية التوسع والتمدد السرطاني النائمة في عمق الفكر الصهيوني.

وعلى هذا الأساس، وانطلاقًا من تلك الرؤية، يرى كاهانا أن دولة إسرائيل ليست مجرد كيان سياسي، بل هي كيان ديني تحقق بمشيئة الرب، لذلك لا توجد قوة في هذا العالم- وكما يدعى – تستطيع تدميرها أو منعها من التوسع.

فالتاريخ في رأيه ووفق قناعاته يتمركز حول المشروع الصهيوني وحده ويندفع باتجاهه لكن في ثوبه الديني، رافضاً الصيغة العلمانية من الصهيونية، إذ يسير وفقًا لخطة جبرية مرسومة ومحددة سلفًا، ستتحقق في نهايتها دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، في تلك اللحظة سيجرى تنحية العلمانيين الصهاينة جانباً، فقد انتهى دورهم في تلك المسيرة المقدسة، إنهم (حمار المسيح) بمفهومه الديني الذي سيحمل المسيح لمقصده دون وعي منه، وهنا وعند هذا الحد ينتهى دوره.

بل ويهاجم الديمقراطية باعتبارها فكرة وآلية اخترعها الأغيار،غير اليهود، وأن اليهود لا يصلح معهم سوى تطبيق الشريعة اليهودية، التي لن ينصلح حال اليهود إلا بها، وبها وحدها، بحسب زعمه.

وإذا ما تمعنّا برنامج الحركة، سيتضح لنا جلياً مجمل فكر الحركة، وهو يرتكز على عدة محاور هي:

أولاً: حدود دولة إسرائيل هي من النيل إلى الفرات.

ثانياً: طرد العرب من كامل إسرائيل والتوسع في عمليات الاستيطان هو أمر غير قابل للمساومة.

ثالثاً: القدس هي ملكية خاصة لليهود وحدهم، ومن ثم يجب تدمير المقدسات الإسلامية بها لتعود يهودية خالصة.

ومن أجل تحقيق هذا البرنامج، قامت الحركة بالعديد من العمليات الإرهابية ضد العرب، حيث ضمت في داخلها العديد من التنظيمات الإرهابية المتخصصة في هذه الأعمال، ومنها: تنظيم " تاناخ" وهو تنظيم شبابي للتدريب على الأعمال العسكرية وكيفية استخدام السلاح لقتل الفلسطينيين، وتنسب لهذا التنظيم العديد من العمليات الإرهابية ضد العرب، كذلك منظمة " دولة يهودا"، ومنظمة " الإرهاب ضد الإرهاب "، ومنظمة "حملة الخناجر" .

أحد المؤشرات التي تدل على انزلاق المجتمع الصهيوني نحو أقصى التطرف، هو انتخابه كاهانا عام 1984م ليصبح عضوا في الكنيست، رغم كل ما يقوم به هو ومنظمته من عمليات إرهابية.

بعد مقتل المؤسس مائير كاهانا، انقسمت الحركة إلى حركتين رئيسيتين هما: حركة "كاخ" وحركة " كهانا حى"، وبسبب امتعاض الرأي العام العالمي من المجازر التي قام بها أعضاؤها ضد الفلسطينيين تم حظر أنشطة الحركتين وإعلانهما كمنظمتين إرهابيتين.

غير أن من يعتنقون الأيديولوجية الكاهانية لا يزالون يتواجدون بقوة داخل إسرائيل وخارجها، ويعبرون عن أنفسهم وعن فكرهم المتطرف سواء بحراك على الأرض (عمليات إرهابية) أو عبر وسائل الإعلام المختلفة (تحريض على العنف).

ولك أن تعلم أن باروخ جولدشتاين مُرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي ضد المصلين عام 1994م، هو من المنتمين لتلك الحركة، تلك المجزرة التي راح ضحيتها تسعة وعشرون شهيداً، غير مئة وخمسين مصاباً، وذلك بدم بارد، حيث أطلق النيران عليهم أثناء أدائهم لصلاة الفجر.

بين يديّ الآن أحد مؤلفات مائير كاهانا، هو كتاب "شوكة في عيونكم"، والذي يخلع فيه على العرب كل صفات الشيطان، ومن ثم دعا فيه إلى ضرورة الترحيل الفوري للعرب من أرض إسرائيل، إذ يقول: " ليس هناك إمكانية للتعايش السلمي بين الطرفين", فهم في نظره " قنبلة موقوتة " وسوف تنفجر في الدولة اليهودية في أية لحظة.

كذلك فهو يؤكد على أن طرد العرب هو عمل مقدس وواجب ديني، فيقول: " إن فكرة إبعاد العرب من إسرائيل ليست مجرد نظره شخصية، وبالطبع ليست نظرة سياسية، بل نظرة يهودية تعتمد على تعاليم دين التوراة.. إن طرد كل عربي هو واجب ديني".

ويقول أيضا: " بدلًا من أن نخشى ردود فعل الغرباء إذا فعلنا ذلك، يجب أن نرتعد خوفًا من غضب الله إذا لم نفعل ذلك ونطرد العرب بأنفسنا ".

وهي أفكار عنصرية موغلة في عنصريتها ونزوعها نحو العنف والإرهاب، ولا تحتاج لمزيد من شرح أو تعليق.

ومما يجدر ذكره هنا، أن أحد أحفاد الحاخام مائير كاهانا، وهو مئير إتنجر Meir Ettinger، يُعد واحدًا من غلاة المتطرفين في إسرائيل في الوقت الحالي، حيث يسير على نهج جده لأمه، ومن ثم يطلقون عليه لقب (شبح مائير كاهانا)، إذ يدعو للعنف ويشرعنه كوسيلة لتحقيق غايتين بحسب زعمه: الأولى وهي الخلاص من العرب، والثانية وهي إسقاط الحكم الإسرائيلي الحالي الذي يرى أنه حكم علماني كافر، ومن ثم إقامة إسرائيل التوراتية على أنقاضه.

ووفقًا لرؤية إتنجر يجب أن يتصاعد العنف ويتأجج الصراع ليبلغ ذروته حتى تنهار الحكومة الإسرائيلية وتُخلق حالة من الفوضى، ومن ثم يمكن إقامة نظام حكم جديد منبثق عن الشريعة اليهودية، ولأجل هذا الهدف يجب العمل على هدم المؤسسات القائمة وإقامة مؤسسات جديدة، وهو يبدو متأثرًا بشكل كبير بأطروحات الأناركيين ودعاة الفوضى الخلاقة، غير أنه مزجها بنبوءات نهاية العالم بنسختها الدينية. 

يرى أنه يتحتم تطهير كامل "أرض إسرائيل" من (الذين يعبدون الأصنام)، وهو يقصد المسيحين والمسلمين، إذ يعتبر ديانتهم ديانية وثنية، وأن وجودهم بتلك الأرض هو أمر من شأنه الحول دون الانخراط في عملية الخلاص.

وقد تم القبض عليه إثر اتهامه في قضية إحراق عائلة الدوابشة الفلسطينية في عام 2016م، إذ مات أربعة أفراد من الأسرة حرقًا، من بينهم طفل عمره عام ونصف، وكانت تلك الحادثة مثار اهتمام العديد من الصحف العالمية.

والجدير بالذكر أن عمليات إحراق منازل الفلسطينيين من قبل المستوطنين الصهاينة هي عملية متواترة الحدوث، إذ تتسق مع ما سبق طرحه من قناعات لدي هؤلاء المتشددين، بل تجد لها تأصيلًا فقهيًا حول آلية تنفيذها لدى هؤلاء، فها هو المتطرف الصهيوني المتماهي مع الفكر الكاهاني، موشيه أورباخ (Moshe Orbach) ، وهو من سكان بنى باراك، يضع كتيبًا بعنوان " ملكوت الشر " (The Kingdom of Evil) ، يقدم من خلاله برنامج عمل لكيفية إحراق العرب في منازلهم، إذ يقول: " عليك أن تذهب للقرى العربية وتبحث عن منازل العرب مسلمين ومسيحيين، وتكسر الزجاج أو الشبابيك أو الأبواب، وتقذف بالمولوتوف داخله، ولكي تتجنب هرب سكانه قبل احتراقهم أشعل مدخل المنزل هو الآخر، لكي توقع أكبر عدد من الإصابات الكبيرة فيما بينهم، ويمكن أن تضربهم على رأسهم لكي تمنعهم من الهرب فيفقدوا وعيهم ويحترقوا في النيران ".

وهو ذات السيناريو الذي تم به إحراق منزل عائلة الدوابشة، لذا أشارت أصابع الاتهام إليه وللمجموعة الإرهابية التي ينتمي إليها، والتي يطلق عليها (العصيان)، والجدير بالذكر أنه كان قد سبق القبض على موشيه أورباخ من قبل بتهمة إحراق إحدى الكنائس، ومنازل أخرى تمت كتابة عبارات عنصرية على جدرانها، مثل: غادروا (Leave) والموت للعرب (Death to Arabs).

وبالعودة إلى إتنجر، فقد وجَّه خطابًا للمحكمة التي مثل أمامها بتهمة إحراق منزل الدوابشة، قال فيه:" لقد منعتموني من الوصول إلى بيتي، والمكان ليس لكم، ولكنه للنبي يعقوب، مالك أرض إسرائيل، ومنعتموني من العودة إلى منزلي في القدس، والقدس ليست لكم، فهي مقر الهيكل، هذه الحكومة ــــ حكومة إسرائيل ــــــ هي ضد التوراة وضد وصايا الرب"، وهو خطاب يُجسد مجمل رؤيته الدينية وقناعاته العقائدية المتمركزة حول أحقية المتطرفين اليهود بالأرض، وبالتالي شرعية إبادة كل من عليها من غير اليهود.

إذ يدعو إتنجر، الذي يسير على نهج جده مائير كاهانا، لإقامة حكم يهودي وخلافة يهودية خالصة على منهاج التوراة، تماماً كما تدعي داعش، مما دفع البعض لإطلاق لقب (أمير داعش إسرائيل) عليه.

والجدير بالذكر أنه قد وُجِّهت اتهامات صريحة للسياسي والمتطرف الصهيوني أفيجدور ليبرمان بأنه كان عضواً سابقاً في هذا التنظيم الإرهابي.

وفي التحليل الأخير، تبقى كلمة مفادها: أن ما يرتكبه الصهاينة من أعمال إجرامية ضد الفلسطينيين، هي في كثير منها ذات دوافع ومنطلقات دينية تأسست على قراءات خاطئة ومتعسفة ومقتطعة ومجحفة للنصوص الدينية، لكنها تبقى، في التحليل الأخير، قراءات مُتعمَّدة، إذ جرى صبغها عمداً بلون الأيديولوجية الصهيونية.

إذ تنطلق من تفسير حرفي جامد ومنحرف ومؤدلج لكثير من تلك النصوص باقتطاعها من سياقها التاريخي ومحاولة إسقاطها على الواقع الحالي قصراً، وهو واقع مغاير تماماً للواقع الذي نزلت به تلك النصوص وجاءت استجابة لمفرادته، وتماشياً مع حيثياته على الأرض في محاولة لتقويم اعتلالاته وتجاوز إكراهاته لتسمو به بما ينسجم ودعوة السماء، غير أن ذلك لم يحدث، بل ما حدث هو العكس تماماً.

والخطأ في ذلك أن هذا الفهم العنصري يبدأ من أيديولوجيا فكرية ما متجهًا إلى النص ليبحث عما يعضد أيديولوجيته تلك، فاليهودي المتطرف المعاصر يقرأ هذه النصوص على ضوء أيديولوجيته التي تكونت مسبقًا، ومن ثم يُسقطها على واقعه، فالنص المقدس، لديهم، هو الذي عليه أن يُأقلم ذاته مع الأيديولوجية المتطرفة ويخضع لسلطانها وليس العكس، وهي جريمة بحق النصوص المقدسة يجري ارتكابها من قبل جماعات التشدد في كل الأديان ولا تقتصر على أتباع الصهيونية الدينية وحدهم.

من هنا تتخذ فتاوى التشدد اليهودي مساراً واحداً ومركزياً، هو: تشويه وشيطنة الفلسطينيين جميعهم باعتبارهم أحفاد العماليق، وهم، أي العماليق، الأعداء التاريخيون لليهود الذين دعت التوراة لإبادتهم.

في حين أنه كان يجب النظر إليهم باعتبارهم أعداء حقبة تاريخية مرت وانقضت، بل يجرى استدعاء تلك النصوص وإعادة تأويلها، وفق أيديولوجية هؤلاء، ليتخذ العداء مع العرب وضعية أزلية/أبدية، مؤكدين أن كل زمان وله عملاقه الخاص به والذي يتحتم القضاء عليه، وأن العرب هم بالضرورة عماليق هذا العصر.

ومن ثم، فهي قناعات بلون الدماء تضرب بجذورها عميقًا في الوجدان الصهيوني، لتشكل وعيه الجمعي، وتنتشر بين سكان الكيان الصهيوني انتشار النار في الهشيم كمقولة تأسيسية، ومن ثم تنتقل للفعل والممارسة، وهي قناعات من شأنها الدفع نحو مزيد من القتل للعرب، والمزيد من تفريغ الأرض من أهلها، ومن ثم إحلال صهاينة محلهم، عبر إضفاء تبريرات دينية زائفة على تلك الممارسات لتكتسب قداسة زائفة.

ومن ثم يبدو الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، بكل بشاعاته وجرائمه ضد الفلسطينيين، وكأنه أمر إلهي وفرض ديني يتحتم الامتثال التام له من قبل الأتباع في خشوع وإذعان، بل والذهاب فيه إلى حده الأقصى كماً وكيفاً، لتفريغ الأرض تمامًا من أهلها: قتلاً أو تهجيراً، ومن ثم توطين الإرهابيين الصهاينة مكانهم، وفق استراتيجية: التفريغ والإحلال التي كثيراً ما تحدث عنها الدكتور عبد الوهاب المسيري.

الملاحظة المركزية هنا، أن تلك الممارسات الإجرامية بحق الفلسطينيين تتصاعد بمرور الوقت، كنتيجة مباشرة  لما يوفره النظام الدولي المنحاز للكيان الصهيوني من حماية لهؤلاء، عبر منع صدور قرارات دولية رسمية من شأنها إدانة هذا الإرهاب الصهيوني، في ظل وجود آلة إعلامية صهيونية هائلة توجه خطابها بلغات عدة، ولديها المقدرة على أن تصور المجرم كما لو كان هو الضحية.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

علا بياضشكّل وصول سلالة "دلتا" شديدة العدوى إلى أستراليا تحديا كبيرا لاستراتيجية البلد في مكافحة فيروس كورونا، وقد أعلنت السلطات في نيو ساوث ويلز أن المنطقة أصبحت بؤرة لانتشار الفيروس.  ومع زيادة  الإصابات الجديدة، أدى ذلك  إلى إعلان الإغلاق في مدينتي سيدني ومن ثم  مالبورن ، وفرض قيود مشدده وصارمه .

ما الخطأ الذي حدث في طرح اللقاح في أستراليا؟

تعتبر أستراليا واحدة من دول العالم التي تواجه تحديات Covid-19، لكن الإحباط يكتنف تأخر إطلاق التطعيم. وصفت أستراليا، انها  أبطأ من معظم البلدان الأخرى في تحصين سكانها، مع مطالبة بعض الفئات المعرضة للخطر بشدة بالحماية. بينما تسارعت وتيرة التقدم مؤخرًا، تم تطعيم حوالي 3٪ من السكان بشكل كامل. ونسب التأخير إلى نقص الإمدادات وسوء الإدارة.

الآن، تواجه الحكومة ضغوطًا جديدة على الإمداد بعد أن رفعت العمر الموصى به لجرعة   AstraZeneca للأشخاص فوق 60 عامًا. في الوقت الحالي، تعد AstraZeneca المكون الرئيسي لبرنامج التحصين في البلاد.  كما ارتفع تردد اللقاحات في بعض الولايات مع زيادة وتيرة طرح اللقاح في الأسابيع الأخيرة. بدأ التطبيق في فبراير وحتى الآن تم إعطاء 6.1 مليون جرعة لقاح في جميع أنحاءأستراليا . وحصل حوالي 3٪ من السكان على اللقاح، وفقًا لبيانات جامعة جون هوبكنز.

كيف تقارن أستراليا عالميا،  في مواجهة جائحة كورونا؟

 رغم السياسة الصارمة المتمثلة في الإغلاق وإغلاق الحدود وضوابط الحجر الصحي في أستراليا فان إبقاء مستويات الإصابةمازالت مرتفعة. سجلت أستراليا 910 حالة وفاة و 30274 حالة إصابة منذ بدء الوباء . ومع ذلك، وتيرة التطعيم، لاتزال متأخرة . وفقًا لأحدث البيانات، قدمت أستراليا 23 جرعة لكل 100 شخص.  يقارن هذا المعدل بـ 106.1 جرعة لكل 100 شخص في المملكة المتحدة، و 92.9 في الولايات المتحدة، و 73.3 في ألمانيا.  تتطلب معظم اللقاحات جرعتين. تعد أستراليا واحدة من أسوأ الدول أداءً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، على الرغم من أن اليابان ونيوزيلندا تمتلكان معدلات تطعيم أقل لكل 100 شخص.

2662

تصاعد الغضب في أستراليا

تصاعد الغضب في أستراليا مع وضع 13 مليون شخص، حوالي نصف عدد السكان البقاء في بيوتهم  تحت إغلاق كبير  بهدف مواجهة انتشار مرض كوفيد-19. وخرجت مظاهرات في مدن أسترالية ضد قيود الإغلاق  قرابة الشهر والتي فرضتها السلطات لمواجهة انتشار فيروس كورونا. وقد تجمع الآلاف في سيدني حيث هاجموا  المعترضين  الشرطة أثناء رسائل ضد الإغلاق  والحريه والمساعدات الماليه القليله المقدمه من الحكومه التي ارهقت كاهل المواطن  بعد الحجر المطول . وتم إجراء اعتقالات متعددة في محاولة لوجود قوي للشرطة لتفريق الحشد وفرض قيود COVID-19 الموضوعة لمنع انتشار تفشي المرض في سيدني. 

وكانت الانتقادات كبيره ضد رئيس الوزراء سكوت موريسون أولها بدأ خلال قمة ال G7   ،حول تأخير إجراءات شن حملات التطعيم ضد كوفيد 19 ، ووضع قاره  استراليا تحت المتوسط العالمي .

حملة التلقيح

وكانت حملة التلقيح التي اطلقتها استراليا  قد بدأت في شهر فبراير/شباط 2021، للسكان البالغ عددهم 25 مليون وكان من المتوقع أن يتلقى معظمهم اللقاح، لكنها توقفت بسبب نقص الإمدادات من لقاح فايزر والتي فشلت الحكومه من تأمينه، والارتباك بلقاح" أسترازينيكا" ومخاطره المحتملة حيث   أحدث زوبعة من الإنتقادات والحرب الكلامية بين السياسيين في أستراليا وتسبب حالة من عدم اليقين والحَيرة و التردد عند المواطنين.

وقال أدريان إسترمان، رئيس قسم الإحصاء الحيوي بجامعة جنوب أستراليا: "لسوء الحظ، وضعت الحكومة الفدرالية معظم البيض في سلة أسترازينيكا، وقد أصبحت هذه مشكلة كبيرة الآن". وطلبت أستراليا 40 مليون جرعة من لقاح فايزر، ومن المتوقع تسليم نصف هذه الكمية في الربع الأخير من هذا العام.ومن المحتمل الحصول  على لقاحات موديرنا  ونوفافاكس حتى وقت لاحق أيضا  من هذا العام. فعدم القدره  على الاستغناء عن أسترازينيكا هو أنه لا يوجد ما يكفي من لقاحات فايزر لجميع السكان في الوقت الحالي .

  وقد حصل ما يزيد عن 10 في المئة من السكان على جرعتي اللقاح. وتبقى معدلات التطعيم في أستراليا الأقل بين الدول المتطورة، إذ لم تتجاوز 14 في المئة من السكان. وأثارت موجة انتشار الوباء في سيدني انتقادات حادة تعرض لها رئيس الوزراء سكوت موريسون حيث   اعتذر عن إخفاقات حكومته في إدارة حملة التطعيم .

ذكرت صحيفة "ويكلي تايمز الأسترالية" – أن اعتذار موريسون جاء بعد يوم واحد من رفضه الاعتذار عن “الحملة الكابوسية” لتطعيمات كورونا، مكتفيا بالقول إن الحكومة الأسترالية تركز على “إصلاح المشكلات”. ووفقا للصحيفة، قال موريسون: “آسف لأننا لم نتمكن من تحقيق العلامات التي كنا نأملها في بداية هذا العام”. وأضاف : “إنني أتحمل مسئولية برنامج التطعيم، كما أنني أتحمل مسئولية التحديات التي واجهتنا.

 لكن زعيم حزب العمال أنطوني البانيز قال ان الحكومه  فشلت في الوصول الى هدفها المتمثل في أربعة ملايين شخص  وقال البانيز: سكوت موريسون دائما يكون قويا في الإعلان ودائما ما يكون ضعيفا في الفعل .

ألسيناتور شوكت مسلماني غرد قائلا : "فقدت حكومة نيو ساوث ويلز السيطرة بسرعة مع تصاعد الضغط على الأشخاص الذين يعانون من الإغلاق المطول مع القليل من المساعدة المالية مع عدم وجود حلول لقاحات حكومية فيدرالية في الأفق".

الخلاصه

يبدو هناك فشل في سياسات الحكومة اللأسترالية في إحتواء جائحة كورونا ودعم  المواطن الأسترالي للخروج من هذه الأزمة التي كانت لها تداعيات كبيرة جدا على إقتصاد شرائح كبيرة من المجتمع الأسترالي الى جانب قطاع الشركات والاعمال. الاستراليون محبطون من إستراتيجية الحكومه الفيدراليه   في مكافحة الوياء والفشل في تأمين جرعات كافيه من اللقاح وطريقة إدارة حملات التطعيم. وهناك مخاوف من أن يمتد الإغلاق في مدينة سيدني إلى شهر سبتمبر/ أيلول، ة حتى التطعيم الشامل.

ماتحتاجه أستراليا الاستفادة من تجارب بقية الشعوب والإستعانة بخبراتها وابتكاراتها العلمية في مواجهة جائحة كورونا.

 

بقلم: الإعلامية والكاتبة علا بياض ـ سيدني

 

 

صلاح حزامالشعوب الواعية عندما تَمنح صفة عظيم او كبير لأحد القادة، فان لها شروطاً عديدة ولايكفي ان يكون القائد نزيه ونظيف اليد لكي يحصل على هذا اللقب. ماذا لو كان نزيهاً ولايسرق لكنه مُسرِف ومبذّر وينفق دون حدود على رفاهه الشخصي؟هل هو نزيه ؟

من الطبيعي والواجب ان يكون القائد نزيه لذلك لاينبغي الاعجاب الشديد بسياسي نزيه، بل يجب البحث عن ادوار وممارسات أخرى تجعل اللقب مستحقاً.

كذلك لايجوز الاعجاب والانبهار بمسؤول قام ببناء شيء ما، اليس هذا واجبه؟ هل المفروض ان لايبني؟ واذا بنى شيئاً ننبهر به الى حد التقديس؟ من قال له ان يصبح قائداً؟ هو الذي اراد ذلك وعليه ان يتحمل المسؤولية كاملةً.

اليوم ارسل لي صديق عزيز مقالة نشرها شخص يمتدح فيها نزاهة عدد من قادة العالم المعروفين وكيف انهم ماتوا وهم فقراء لانهم كانوا قادة نزيهين..مع انهم قاموا باعمال جبّارة لبلدانهم ..

احدهم وجدوا في جيبه مبلغ بسيط وآخر كان يقترض على راتبه وآخر مات وهو لايمتلك بيت الخ..

بعض هؤلاء القادة كان من الافضل لو كان سارقاً فقط بدون ارتكابه للمجازر الفظيعة وتدمير مجتمعاتهم .

ابتدء الرجل، الذي لا أريد ذكر اسمه تحاشياً للشخصنة وتركيزاً على الظاهرة، بالقائد السوفيتي لينين الذي أسس الاتحاد السوفيتي الذي كلّف تأسيسه ملايين الارواح ثم سقط ذلك الاتحاد السوفييتي بالشكل الذي نعرفه وانتقده المواطنون السوفييت قبل غيرهم.

عاش المواطنون فيه في جوع وفقر مستمر وضغط أمني هائل.

ماجدوى النزاهة اذا كان القائد قد أسس كياناً خاطئاً قال عنه الفيلسوف توينبي (الذي كان معجباً جداً بالنظام السوفييتي) عندما زار الاتحاد السوفييتي بدعوة من ستالين، انه نظام خاطيء ومعاكس لقوانين الطبيعة وسوف يسقط حتماً بعد ستين او سبعين سنة!! وهذا ماحصل بالضبط.

ثم انتقل صاحبنا الكاتب المحترم الى ستالين الذي امتدحه لانه ترك عند موته دولة فيها عشرين ألف دبابة وهزم النازية !!

هل يعرف الرجل كم كلفت قرارات ستالين العسكرية الخاطئة في حربه ضد هتلر، كم كلفت الشعوب السوفييتية من خسائر بشرية دون ضرورة؟ وهل يعرف كم أعدم من خيرة الضباط على الشبهة؟ وهل يعلم ان بعض افضل الضباط تم جلبهم من سجون سيبيريا لكي يشاركوا في الحرب لانهم اكفاء جداً وساهموا في هزيمة النازية!!

وهل يعرف كم كلفت سياساته الزراعية تلك الشعوب من مجاعات؟ هل يعرف انه قتل الملايين على الشبهة ؟

ماجدوى انه مات بدون ان يترك بيتاً لابنته إزاء تلك المجازر؟ لنقل انه نزيه لكنه صاحب الفظاعات الكثيرة،

ومن قال ان روسيا وباقي دول الاتحاد السوفيتي ماكانت لتتقدم ابداً بدون البلاشفة؟؟ ام هي العصبية السياسية والايديولوجية؟

ثم ينتقل الى كاسترو الذي قال عنه بسطحية فائقة : انه أسس كوبا الحديثة !! علما انه لايوجد شيء حديث في كوبا وصارت مدنها تشبه المتاحف المهجورة وسياراتها سكراب الاربعينيات والخمسينيات وبشرها فقراء ومعزولين عن العالم منذ الخمسينيات والضغط الأمني لايطاق.والآن يتظاهر الشعب الكوبي ضد النظام..

ثم يذهب الى سيرة الزعيم الفييتنامي هوشي منه، الذي قال انه جعل فييتنام قوة صناعية جبارة (كلام غير مسؤول).

علماً ان هوشي منه جعل شعبه ضحيةً ووقوداً لحرب بالنيابة بين الصين والاتحاد السوفيتي من جانب وامريكا من جانب آخر انتهت بهزيمة امريكا، لكنها كلّفت الشعب الفييتنامي ثلاثة ملايين ضحية وتدمير غير مسبوق.

اما متى تحوّلت فييتنام الى دولة صناعية، فأنها تحولت بعد الانفتاح على الغرب الرأسمالي وبالذات امريكا واستقبلت الاستثمارات الاجنبية المباشرة من الامبريالية . عدد من مثقفي فييتنام يقولون : لماذا حاربنا امريكا ولماذا عدنا الى حضنها؟ بدأت التنمية عندما تحولوا الى الرأسمالية برعاية الدولة الشيوعية شكلياً.

ثم يتناول تجربة ماو تسي تونغ،في الصين الذي قال عنه: انه حوّل الصين خلال خمس سنوات الى قوة صناعية عظمى، وهذا غير صحيح لأن الصين كانت راكدة وصناعاتها موضع تندّر لرداءتها الى أن جاء دنغ هسياو بينغ

الذي بدء في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي في إرسال البعثات إلى البلاد الغربية لدراسة الهندسة والاقتصاد والادارة الحديثة لغرض تطوير الاقتصاد الوطني.

واعتمد على هؤلاء الذين يسمون "تكنوقراط" في حل مشاكل الصين وتطويرها وتشغيل الصينيين.

وانفتح الاقتصاد الصيني على الاستثمارات الاجنبية وبالذات الامريكية.. وبذلك تطورت الصين عندما اصبحت "عصفور رأسمالي في قفص اشتراكي".. بعض المتعصبين يرفضون القبول بأن التحول نحو الرأسمالية هو سبب التطور ويعتقدون ان الشيوعية هي السبب مع ان الشيوعية لم تستطع إحداث هذه القفزة منذ ان جاءت للحكم نهاية الاربعينيات..قطاع خاص زائداً رأسمالية دولة أمنية قاسية، هذه هي الوصفة الصينية...

يختم الكاتب بالرئيس الجزائري بومدين وعبد الكريم قاسم في العراق،

كانا نزيهين فعلاً لكنهما لم يؤسسا نظاماً مستداماً يستمر بعد رحيلهما.

عبد الكريم قاسم وصفه المرحوم ابراهيم كبة بالقول : (انه كان نموذجاً فذّاً للأميّة السياسية) ..

اهتم بالفقراء بشكل شخصي ولم يستطع اقامة نظام مؤسسي يتولى ذلك ولم يضع دستوراً دائماً ولم يؤسس لانتخابات او تداول سلمي للسلطة واستهل عهده بمجزرة.

وعندما انقلب عليه ابناء الشوارع وروّاد البارات الرخيصة، حطّموا كل مابناه في ايام..

تقييم الزعماء يعتمد على حزمة من الانجازات ولايعتمد على نقاط مضيئة منتقاة لكي نضفي عليهم البطولة والعظمة..

ادارة البلدان مسؤولية جسيمة وليست نوع من العبث والاختبار والتفضّل على الشعوب..

 

د. صلاح حزام

 

 

قاسم حسين صالحفي 31 نيسان 2021 نشرنا مقالا بعنوان (الأنتخابات بين المشاركة والمقاطعة)،  جاء في خاتمته بالنص:

(بوصفي سيكولوجست ومهتم بعلم النفس السياسي، فأن الحالة السيكولوجية للناخب العراقي هي التي تتحكم بموقفه من المشاركة او المقاطعة، وهي التي تحدد نتائج الانتخابات النيابية. ويشير الواقع الى فوضى امنية، ومناخ خوف أحدثته موجة اغتيالات طالت نشطاء لم يحاسب مرتكبوها، وصراع بين قوى الدولة واللادولة.. واجواء مشحونة بالتوتر لا تصلح لأجراء انتخابات نيابية تأتي ببرلمان يمثل 25 مليون ناخبا، وصراع انتخابي يفتح بوابة الاغتيالات .. الخاسر الأكبر فيها هم المرشحون المستقلون، لأن تعليمات مفوضية الأنتخابات تنص على ان انه لا يحق لأي كتلة تقديم مرشح نيابي آخر لأي مرشح يموت او يقتل. والأخطر انها ستعزز سيطرة الاحزاب الحاكمة على السلطة والثروة، وستشرعن فوزها حتى لو كانت نسبة المشاركة 5% مستندة للدستور وقانون الانتخابات، وستصف من يشكك بها بانه خارج على القانون ويجب ان يعاقب.. يقابله موقف القوى التقدمية والتشرينية التي تعد الأنتخابات باطلة.. وستكون المواجهة مشابهة لما حدث في تشرين/اكتوبر 2019 يوم تعاملت السلطة مع النشطاء تعاملها مع غزاة أعداء يجب ابادتهم.

ولتفادي نكبة أوجع في زمن النكبات، وخيبة اقسى في زمن توالي الخيبات.. فان التأجيل  هو الخيار الأفضل للقوى التقدمية والتشرينية والوطنية.. وللعراقيين كشعب ابتلي بطبقة سياسية أفقرتهم وأذلتهم.

وفي 7 حزيران نظم الاتحاد العام للأدباء والكتّاب ندوة عن الموقف من الانتخابات المبكرة شارك فيها سكرتير الحزب الشيوعي الصديق رائد فهمي.. وقد اوضحنا رأينا بان الموقف الصحيح هو عدم المشاركة فيها مستندين الى قراءة سيكولوجية للناخب العراقي.. ويأتي قرار الحزب الشيوعي  (السبت 24 تموز) بعدم المشاركة في انتخابات اكتوبر/تشرين 2021.

استطلاع نيسان 2021

قبل ثلاثة اشهر، كنّا استطلعنا الرأي في المشاركة من عدمها في الأنتخابات

شارك فيه (378) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون، توزعت مواقفهم على النحو الآتي:

الأول: موقف سلبي.

– المقاطعة موقف سلبي، وستجيش الاحزاب الحاكمة انصارها لمشاركة قوية ويبقى المقاطعون يسبون ويلعنون لأربع سنوات اخرى.

–  القانون الانتخابي لا يعطي هامشا لفوز القوى الرافضة لنظام المحاصصة، اذن لا جدوى من المشاركة.

-ترك الساحه لاحزاب الفساد يعزز انفرادهم بالسلطه وغياب الصوت النزيه الذي يفضحهم.

–الموقف سلبي وستجرى الانتخابات حتى لو كانت المشاركة 5٪ .

– من يقاطع عليه ان يضع البدائل لئلا تترك الساحة للغول فيغول اكثر

الموقف الثاني:ليست حلاّ

– بما انه لا يوجد قانون يحدد نسبة المشاركين بالانتخابات فهذا يعني ان لا جدوى من مقاطعتها، ويجب تكملة المشوار لنهايته وفاءا لدم الشهداء.

– المقاطعة في بلد الشعب منحاز للطائفة لا تنفع،  بسبب ان الذين صوتوا في الأنتخابات السابقة سيصوتون للاحزاب الفاسدة.

– ما يزال التدخل الاقليمي عبر الدمى الماسكة بالسلطة سيدة الفساد والمحاصصة تسّير القضاء وتمسك بشؤون السياسة والاقتصاد ان لم يسقط هذا النظام اولا.

الموقف الثالث:مشاركة ام مقاطعة.. لا فرق

– لا اتوقع حصول شيء، إنتاج نفس القمامة.. اتباعهم جاهزون للصعود في اللوريات لملء صناديق الاقتراع،  وسينتج البؤس باقسى مما هو عليه ال?ن.

– أعتقد أن البيئة السياسية تنطوي على إشكالات وتناقضات ففيما يشير قانون الأحزاب إلى منع مشاركة أحزاب سياسية لها أذرع مسلحة نلاحظ أن جماعات مسلحة أنشأت احزابا وحازت على موافقة المفوضية.الأمر الآخر أن قوى السلطة وقد حاصرتها إرادة الشعب في تشرين   2019ارتكبت أعمال قتل غير مبرر إلا لحماية مصالحها فهل تستطيع قبول نتائج انتخابات ليست في صالحها،  ستغرقنا بالدم حين يتهدد وجودها ومصالحها.

– كثيرون مقتنعون بمقولة:من يملك السلطة والمال والسلاح هو الذي يفوز.

استطلاع تموز 2021

تركز هذا الاستطلاع على قرار الحزب الشيوعي بالانسحاب من الانتخابات شارك فيه اكثر من (850).. توزع اغلبهم بين موقفين:

الأول يرى انه موقف صحيح وصائب.. " فلا انتخابات نزيهة تحت اعواد المشانق والكواتم والتفجيرات والسلاح المنفلت والاغتيالات "، "وانه موقف تاريخي يسجل للحزب بوجه هذه المهزلة التي اوجدها وصنعها الانحطاط السياسي والاخلاقي لحفنة من سياسيين طارئين"، "نبارك قراركم الوطني بعدم المشاركة في الانتخابات،  كي لا تكونوا كما كنتم في الدورات السابقة.. مشاركين في تشويه قيم الديمقراطية".. و " الأنسحاب افضل لحفظ ماء الوجه!".

فيما  يرى المقف الثاني ان الانسحاب موقف خاطيء لانه يعني "ترك الساحة للفاسدين"، " وفرصة لاعادة تدويرهم للسلطة"، "وتقويض للحياة المدنية للمواطن دون معارضة برلمانية ولو بصوت واحد"، " وان الانسحاب سيسمح للفاسدين بتمرير انتخابهم ويمنحهم الشرعية" و"ما هو البديل؟ هل هي الثورة؟ الكفاح المسلح؟ أم التظاهرات والصراخ ثم العودة للبيوت؟! ". و.. " اذن لماذا حرقتم الشارع بالتظاهرات ومن اجل من ذهبت ارواح الشباب؟!".

استنتاج وموقف

نستنتج،  ان المزاج السيكولوجي للناخب العراقي قد تغير خلال الاربعة اشهر الماضية لصالح مقاطعة الانتخابات، ويعزى ذلك الى وصول العراقيين ليقين ان حكومة السيد مصطفى الكاظمي عاجزة عن تأمين اجواء انتخابية آمنة، وان سطوة الميليشيات والدولة العميقة التي تمتلك السلاح والمال ستحسم نتائج الانتخاب لصالحها.ويدعم ذلك تصريح الممثلة الخاصة للامين العام للامم المتحدة (جنين بلاسخارت) في 19 تموز الجاري بان الاوضاع الامنية في العراق مهزوزة جدا وانه لا يمكن أن تجرى انتخابات دون تزوير.

الموقف

ان مقاطعة الانتخابات موقف يجب ان يبنى بفكر يقوم على استراتيجية، يشكل تحالف القوى التقدمية والوطنية والدينية المناهضة للفاسدين منطلقها برؤية علمية وعملية تؤمن الخلاص من افسد وافشل واقبح من حكم العراق في تاريخه.. وتلك هي المهمة الأصعب.

  

ا. د. قاسم حسين صالح

 

جواد كاظم البيضانيقبل أيام قرأت مقال لرجل تحدث في حقل معرفي مهم دون دراية بما يقول معتمداً عن التلقين وليس البحث والاستقصاء والتي تعد من أهم صفات المؤرخ الضليع، ولعله بدراية او بتوجيه حاول قلب الحقائق من خلال اعتماد المخيلة الميثولوجيا  التي ترتكز على الأسطورة، ولا شك فان تاريخ الترك في أعمه الأغلب بني على الأسطورة، فآمة لا تملك هوية تاريخية  تعتمد الميثولوجيا في بناء تدوين تاريخها، وقصة الذئاب الرمادية التي يتزين بها هذا الشعب واحدة من الأساطير المعروفة.

ما فهمته من مقال هذا الرجل أن الأرمن لا أصول تاريخية لهم في هذه الارض، وان يريفان مدينة اذرية!  وعلى الرغم من  معرفتي بتاريخ هذه الأرض ورسوخ العرق الأرميني فيها،  بيد أني التزمت الصمت لمراجعة المصادر التاريخية وأمهات المصنفات التي تحدثت عن هذه الأرض، فلا بد لي أن التزم الضوابط المعرفية في الرد اذا كان هناك خطأً تاريخيا، وعليه تصفحت بعناية كتاب فتوح البلدان للبلاذري أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، فوجت ان العرب خاضوا قتال مع الارمن في مدن  الرها، وسميساط، وقرقيسيا، وآمد، وميافارقين ... الخ؛  قال في ذلك وفتح العرب أوزن عَلَى مثل صلح نصيبين ودخل الدرب فبلغ بدليس ..." (1) ولنترك البلاذري ونعود إلى خليفة بن خياط الذي تحدث بازهاب عن فتوح أرمينية(2) في كتابه المعروف تاريخ خليفة بن خياط، ثم ان اليعقوبي الذي عمل في ديوان الانشاء، وذهب إلى أرمينية ووصفها وصفاً مهماً وتحدث عن سكانها ومدنها وخراجها وذكر ا ناهلها من الأرمن فضلاً عن حديثه عن سكان اذربيجان من الاكراد، والحق أن البلاذي تتطرق الى الصلح الذي عقده الأكراد من سكان اذربيجان مع القادة العرب، وذا ذهبنا الى كتب الجغرافية الاصطخري، ابن خرداذبا في كتبهم المسالك والممالك ومسالك الممالك ويبقهم اليعقوبي في كتابه تاريخ البلدان فالحديث يطول عن الاتفاقيات التي عقدها العرب من البطارقة الأرمن، والبطريق هنا يعني النلك ويبدو أن رجال الدين الأرمن في ذلك الوقت كانوا يملكون الصفتين الزمنية والدينية، فهل هناك سبيل الى  مَنَاصٍ من اظهار الحقائق كما هي .

استمرت مراجعتي لهذه المصادر ايام دون كلل، رغم يقيني أن المعلومات التي نقلها صاحب هذا المقال الأسطوري لا ترقى الى الحقيقة بشيء . خلال ذلك تذكرت أساتذتنا رحم رحم اللّٰه الماضين منهم وحفظ الباقين ونفعنا بعلمهم؛ إنهم يقولون أن على المؤرخ أن يتحدث بحقائق التاريخ كما هي وان يمحص الأخبار ويدققها دون الخضوع إلى ميل او انفة او عصبية فهذه الصفات تبعده كثيراً عن صنعته، ويبدو ان صاحب هذا المقال لا يحسن الصنعة في اشاراته غير الدقيقة الى وقائع يجهلها او تجاهلها لغاية سياسية او مادية او بحثاً عن سفرة مع مليحات اذربيجان اللائي تميزن باختلاط جمالهن بين شعوب الأبروم، والآفشار، والبادار، والاشاخسيفين والبايدجائين، وشعوب اخرة من السلاف والفرس والاكراد حتى أصبحت نسائهم مقصداً لعشاق الجمال.

لنعود الى صلب المقال، ان الشعوب التي سكنت في اذربيجان مثلت الهوية الحقيقية لهذا البلد الذي توحد على يد الامبراطورية الفارسية ثم الروسية بعد أن كان أمارات متناثرة من (الكوبينيه، والشيكينية، والباكينيه...) وقسم من هذه الشعوب لا تزال تحتفظ بهويتها رغم ما يمارس عليها من ضغوط كبيرة لاذابتها عرقيا، وهنا على صاحب المقال مراجعة الحقائق فالتاريخ لا يرحم من تلاعب بهويته، ثم ان الحقائق لا تمحى بالادعاء بل هي ثابته عن المنصفين من المؤرخين وارباب هذه الصنعة. وعليه ان يكون عراقي ويغلب مصلحة بلده دون مصلحة الترك وان لا يكون ادات تطمس الهوية التاريخية، فالذي يتحدث بهذه اللغة الضحلة من المخاطبة التاريخية لا شك ان يكون أداة موجهة على بلده تستخدم عن الحاجة.

 

د. جواد كاظم البيضاني

......................

المصادر

1- البلاذري، فتوح البلدان، بيروت، مكتبة الهلال، 1998، ص ص 176 – 184.

2- أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري البصري (ت 240هـ)، تاريخ خليفة بن خياط،  بيروت، دار القلم، ط2، 1992.