علي القاسمي(في 16 مارس/آذار 2003، هاجمت جرافةٌ عسكريةٌ إسرائيليةٌ ضخمة ناشطةَ السلام الأمريكية الشابة اليهودية راشيل كوري وسحقتها وقتلتها، وهي تحاول منع الجرافة من هدم منزل فلسطيني في بلدة رفح في قطاع غزة)

عزيزتي راشيل،

اسمحي لي، أوَّلاً، أن أخاطبكِ باسمك الأوَّل مجرَّداً من جميع الألقاب التي نُثِرت عليكِ بعد رحيلكِ المفجع، كما تُنثَر الزهور والدراهم على رأس صبيّة فلسطينية في ليلة زفافها؛ فأنا أنادي جميع مَن أُحبُّهم باسمهم الأوَّل.

واسمحي لي، ثانياً، أن أضمِّن هذه الرسالة بعض الأخبار المتعلّقة بقضيتكِ، لا أعني قضيتك الشخصية فحسب، وإنما كذلك القضية التي أُريق دمكِ وفاضت روحكِ من أجلها. وكم أتمنى أن تبعثي لي بجواب من العالَم الآخر، تجيبين فيه عن أسئلةٍ ظلّت تحيرني عنكِ، فنتبادل الرسائل والأخبار والمعلومات، فنكون صديقيْن بالمراسلة.

أكتب إليكِ بالذات لأنَّ وجهكِ، منذ سبعة أعوام ونَيِّف، يطلّ عليَّ من بين وجوه آلاف الصبايا والصبيان الفلسطينيين الذين ضحّوا بأرواحهم في الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية. أراكم جميعاً في أحلامي بين الفينة والفينة. تُشرِق وجوهكم في سماء لياليَّ الحزينة، تحاصرني، تجتاح ذاكرتي وروحي ووجداني، وأنا عاجز لا أستطيع أن أفعل شيئاً من أجل قضيتكم، قضيتنا، قضيتي، لأنّي لا أمتلك شجاعتكِ الفريدة ولا إقدامكِ الفذ. من بين آلاف الشهداء يُطلّ وجهك عليَّ بجبهتكِ العريضة التي تدلّ على العطاء والكرم والجود، حتى غاية الجود. تطلُّ عليَّ عيناكِ نافذتيْن تتوهجان جرأةً لا حدّ ولا وصف لها. وتتردّد في مسمعي جميع كلماتكِ، كلمات قصيدتكِ التي كتبتِها وعمركِ عشر سنوات فقط عن الأطفال المحرومين والمهمَّشين والبائسين والجياع المحاصرين بلا غذاء ولا دواء، وكلمات تصريحاتك لوسائل الإعلام وأنتِ في غزة، وكلمات رسائلكِ الإلكترونية إلى والديكِ، أبيكِ كريغ وأُمِّكِ سيندي.

كثيراً ما تساءلتُ في ذات نفسي لماذا أنتِ بالذات، وليست صبية أُخرى من بين عشرات الآلاف الذين سقطوا في المجاز الإسرائيلية في دير ياسين وتل الزعتر وقانا وبحر البقر وغيرها وغيرها من المجازر التي يرتكبها النازيون الجدد من الصهاينة. ألأنَّ أولئك الشهداء أصحاب القضية وقد وضعهم القدر الغاشم أمام ماكنة الحرب الإسرائيلية الطاحنة، في حين أنّك لست صاحبة القضية، وإنَّما صاحبة ضميرٍ حرٍّ لا يرضى بالظلم، ويرفض العدوان، ويمارس حرِّيته بالاختيار؟ 

2450 راشيل خوريأسألكِ، راشيل، من أين لكِ كلُّ تلك الحكمة، وأيُّ عزيمة تمتلكين، وبأيِّ شجاعة كنتِ تتسلحين، وأنتِ تجابهين هجوم الجرافة العسكرية المدرَّعة الضخمة، تحمين المنزل الفلسطيني المهدَّد بالهدم بجسدك النحيل، وترفعين يدك اليمنى بأناملها الرقيقة صارخةً في وجه الجندي الصهيوني مستخدمةً مكبِّر الصوت:

ـ " قفْ. هدم البيوت جريمةُ حربٍ وجريمةٌ ضد الإنسانية. قفْ. قتلُ المدنيين جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية." ؟؟؟! 

ألم تعلمي، راشيل، أنَّ جنود إسرائيل لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون؛ فقد أعماهم التعصّب، وأصمَّهم التحيّز، وعميتْ بصيرتهم، وتحجّرتْ أفهامهم، بالحقد والكراهية والعدوان. ومما يشجّعهم على ذلك أنهم منذ أكثر من ستين عاماً وهم يقترفون جرائم الحرب البشعة، وجرائمهم النكراء ضد الإنسانية دون أن يطالهم حساب أو عقاب، حتى أمسى الكيان الصهيوني فوق القانون.

لعلكِ تتساءلين، يا راشيل، لماذا قتلكِ ذلك الجندي وهو يراكِ بوضوح، عِلماً بأن ناشطاً من نشطاء السلام لم يُقتَل من قبل؟؟؟!. الحقيقة يا راشيل أنّ حكام إسرائيل انزعجوا من الأخبار التي كان يبعث بها أعضاء الحركة التي تنتمين إليها، حركة التضامن العالمي، إلى وسائل الإعلام الغربية عن قتل الأطفال، وهدم البيوت، أثناء الانتفاضة الثانية. فقرَّروا وضع حدٍّ لوجودكم في فلسطين، خاصةً غزة. فاغتالوك في 16 مارس 2003. وبعد أقلّ من ثلاثة أسابيع، في يوم 5 أبريل، أطلق جنديٌّ إسرائيلي النار، دون أي سبب، على ناشط السلام براين أفيروي وأصابه في وجهه وسبَّب له إعاقة دائمة. وبعد أقل من أسبوع، في 11 أبريل أطلقوا النار على رأس زميلك المصوّر المتطوِّع في حركة التضامن العالمي، توم هيرندال، فظلَّ في غيبوبة بضعة أشهر ثم فارق الحياة. وفي 2 مايو من العام نفسه، أطلقوا النار على المخرج والمصوّر البريطاني جيمس ميلر الذي كان يصوّر فيلماً سينمائياً في مخيم رفح للاجئين عنوانه " الموت في غزة" وأردوه قتيلاً، فمات هو في غزة. وبعد أيامٍ معدودة، أغلقتْ حركة التضامن العالمي مكاتبها في فلسطين. فكان لحكام إسرائيل ما أرادوا. وبدلاً من هدم البيوت بيتاً بيتا،ً شنَّت إسرائيل في نهاية سنة 2008 حرباً شعواء على غزة أطلقت عليها اسم " الرصاص المصبوب" من طائراتها المقاتلة مخلوطاً بالحقد والكراهية، وممزوجاً بالفسفور الأبيض وقنابل النابالم المحرمة دولياً، هدّمت خلالها أحياء كاملة ومستشفيات ورياض أطفال ومدارس، بما فيها المدرسة الأمريكية التي كنتِ تزورينها، وقتلت الآلاف من الشيوخ والأطفال والنساء، ثمّ فرضت حصاراً ظالماً على القطاع حتى اليوم.

دعيني، راشيل، أخبرك أنَّ موتك انتصارٌ لكِ، ففي الموتِ ألفُ فضيلةٍ لا تُعرَفُ. فبعد يوميْن فقط من رحيلك، يا راشيل، سار طلاب كلّيَّتكِ " الكلية الدائمة الخضرة"، وأهل بلدتك " أولمبيا" في مظاهرة وقور إلى السفارة الإسرائيلية في واشنطن، رافعين صورةً مكبّرة لكِ ونصبوها على جدار السفارة، وأمضوا الليل كلَّه أمامها، حاملين الشموع، في صلاة ترحُّمٍ وخشوع. ثمَّ أطلقت بلدتُكِ وكُلّيتُكِ اسمكِ الجميل على عددٍ من معالمهما، وانضم والداك إلى حركة التضامن العالمي، وأخذا يشاركان في المظاهرات ضد جرائم الاحتلال الصهيوني. وأقام والداك، بالاشتراك مع المؤسسات الإنسانية والحقوقية الأمريكية، الدعوى على شركة كاتربلر الأمريكية التي صنعت الجرافة التي قتلتك، ولكن المحاكم الأمريكية ردّت الدعوى بزعم أنها ليست قضائية وإنما سياسية، معللةً حكمها بأنَّ الشركة تبيع تلك الجرافات المدرَّعة إلى الحكومة الأمريكية، التي تقّدمها ضمن مساعداتها العسكرية وهباتها المالية إلى إسرائيل. ورفع والداك الدعوى على الجيش الإسرائيلي في إسرائيل لفضح ممارسات الصهيونية، لا للحصول على تعويض، فأيُّ شيءٍ يعوّضك يا راشيل فأنتِ جوهرةٌ نادرة الوجود؟ أقاموا مؤسّسةً تحمل اسمك، وموقِعاً باسمك على الشابكة، نشروا عشرات المقالات والكتب عنكِ، أنشد كبار الموسيقيين أكثر من ثلاثين أغنيةً لكِ، يا راشيل. وظلّت كُلِّيتك تنظِّم مهرجاناً سنوياً في الملعب الكبير تخليداً لاسمك. وقبل أيام، يا راشيل، أطلق محبو السلام اسمك " راشيل كوري " على إحدى سفن قافلة الحرية، انطلقت من إيرلندة وهي تحمل الأغذية والأدوية والخيام لأطفال غزة المحاصرة منذ ثلاث سنوات.

 كانت حروف اسمك المخطوطة على تلك السفينة الصغيرة كافيةً لبثِّ الرعب والهلع في نفوس جنرالات إسرائيل الذين يمتلكون القنابل الذرية، والطائرات الأمريكية المقاتلة، والغواصات المجهزة بالصواريخ النووية، وقنابل النابالم، وقنابل الفسفور الأبيض، وجميع أصناف أسلحة الدمار الشامل. ارتعب أولئك الجنرالات لمجرَّد سماع اسمك. هاجموا السفينة الصغيرة في المياه الدولية تماماً كما يفعل القرصان الخارجون عن القانون، هاجموها بمئات الجنود المجهَّزين بالأسلحة الأوتوماتيكية، وقنابل الغاز، والعصي الكهربائية، واعتقلوا مَن عليها، وفيهم مَن يحمل جائزة نوبل للسلام، وأساءوا معاملتهم، وأخذوهم إلى إسرائيل، واستولوا على السفينة وحمولتها، تماماً كما استولوا على مزارع الفلسطينيين وأنعامهم وبيوتهم.

والآن دعيني، راشيل، أخبركِ عمّا فعلناه نحن أصحاب القضية، بعد موتك.

قررنا، نحن أصحاب القضية العرب، أننا سوف نرفع صوتنا، وسوف نستنكر، وسوف نحتج، وسوف نشجب، وسوف ندين، وسوف نطالب، وسوف نتكلّم بالإنكليزية والفرنسية في محافل الأمم المتحدة، لأنَّ العربية لغةً رسميةً فيها. 

نعم، راشيل، سوف نخلع اسمك على مدارس بناتنا، ليقتبسن شيئاً من شجاعتك فيطالبن بالمساواة وبتمكينهن في المجتمع. سوف نطلق اسمك على معبر رفح، لعلّنا نتذكر بعض كلماتك عن حصار المدنيين ومنع وصول الغذاء والدواء إليهم، بوصفهما جريمة ضد الإنسانية. وسوف نصنع لكِ تمثالاً في المكان الذي سقطت فيه بالقرب من الجدار الفولاذي الذي نشيّده الآن تحت الأرض وفوقها، لمنع مهربي الأغذية والأدوية عبر الأنفاق. ولكن قولي لي، يا راشيل، أيّ نحّات هذا الذي يستطيع أن يجاري في عمله ألق الجرأة في عينيك؟ وأيُّ إزميل هذا الذي يمكنه أن يضاهي العزيمةَ التي تجمَّعت على شفتيك، وأنتِ تصرخين في وجه الجندي والجرافة المدرعة بمكبر الصوت: " قفْ. هدم المنازل جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية."؟

ألم أقُل لك، راشيل، أنَّكِ لم تموتي، فقد بقي اسمك حيّاً نابضاً في كلِّ مكان. رحلتِ أنتِ ليحيا اسمك. سقطتِ أنتِ لترتفع قضيتك شامخة. وأخبرك رشيل أنكِ وحدك التي تحظين بمثل هذا التكريم والتخليد. ففي نفس الليلة التي قُتلتِ، وفي نفس البلدة رفح، قتل الجنود الإسرائيليون تسعة فلسطينيين منهم طفلة عمرها أربع سنوات فقط وشيخ يناهز عمره التسعين عاماً. ولم يذكرهم أحدٌ في حينه ولا يذكرهم أحدٌ اليوم. وفي الانتفاضة الفلسطينية التي قُتلتِ خلالها، سقط أكثر من أربعة آلاف شهيد معظمهم من الأطفال والشيوخ، ولم يغنِّ باسمهم أحد ولم يكتب أحدٌ شيئاً عنهم في حينه، ولا يغني أحدٌ لهم ولا يكتب أحدٌ شيئاً عنهم اليوم، حتى أنا، صديقك بالمراسلة.

علي القاسمي

.......................

إضافة: أعدتُ إرسال هذه الرسالة إليكِ، عزيزتي راشيل، لأخبركِ بانتفاضة الفلسطينيين الجديدة، وما أكثر انتفاضاتهم من أجل الحرية منذ قرن كامل. فقد اندلعت هذه الانتفاضة الجديدة في أواخر رمضان 1442ه/مايو 2021، بعد أن بدأت السلطات الإسرائيلية إجراءات تهجير العوائل الفلسطينية من بيوتها في حي الشيخ جرّاح في مدينة القدس الشرقية، ومنع المصلين الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد الأقصى للصلاة تمهيداً لسرقته. انطلقت مظاهرات الفلسطينيين في جميع مدنهم، من حي الشيخ جراح في القدس، واللد، وحيفا، إلى رفح في غزة، وفي قلوبهم عزيمة شبيهة بعزيمتك، وعلى شفاههم ابتسامةٌ حيرت الجلادين. وكالعادة جابهتهم إسرائيل بأنواع الأسلحة الفتاكة، وهاجمت الطائراتُ الأمريكية الصنع المهداة إلى جنرالات إسرائيل (تماماً مثل الجرافة العسكرية التي قتلتك) العمارات السكنية في قلب مدينة غزة، ونسفتها ودمرتها ودكتها، وسقط الأطفال والشيوخ والناس الأبرياء بالمئات، والعالم يتفرج، لأن إسرائيل فوق القانون. تمنيتُ لو كنتِ هنا.

 

بقلم: علي القاسمي

 

 

بليغ حمدي اسماعيلانشغلت وسائل الإعلام العربية والعالمية منذ أيام مضت بالأحداث والمشاهد التي لا تبدو تتصل بالإنسانية تلك التي حدثت بحي الشيخ جراح على أيدي قوات المحتل الصهيوني ضمن مفردات الصراع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني وهي مفردات لم تنقضي حتى حين الكتابة، وعلى حسب كافة وسائل الإعلام في الكرة الأرضية فإن تفاصيل هذا العدوان ترجع إلى قصة قديمة ؛ تحديدا حينما  هُجرت عدة عائلات فلسطينية من ذلك الحي عام 1948، وكان عام 1972، هو الوقت الذي زعمت فيه، جمعيات يهودية، أنها تمتلك وثائق بملكيتها للأراضي التي أقيمت عليها، منازل الحي، وتعود تلك الوثائق إلى أواخر القرن التاسع عشر، بحسب ادعاء لجنتي اليهود الأشكناز والسفارديم . وتذكر الموسوعة المعرفية العالمية ( ويكيبيديا ) عن حي الشيخ جراح أنه  قرية مقدسية - فلسطينية تتبع لمدينة القدس وهي في الجانب الشرقي لها الذي وقع تحت الاحتلال الإسرائيلي السافر في حرب 1967.

وهي الآن من أحياء القدس الشرقية. وتذكر الموسوعة أن حي الشيخ جراح أخذ بالقدس اسمه، من الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، طبيب القائد الخالد صلاح الدين الأيوبي، الذي لا يزال يمثل الرمز العربي والإسلامي الرائع والمثالي للقائد والمجاهد منذ نحو 900 عامًا، ووهذا الحي منذ سنوات وليس الآن يتهدده ـ حسب المصادر التاريخية المعاصرة ـ مخطط إسرائيلي استيطاني تم الإعلان عنه ويتضمن بناء 200 وحدة سكنية لإسكان مستوطنين يهود فيها، وسط هذا الحي العربي الواقع في القدس الشرقية المحتلة عام 1967م.

وتؤكد المصادر التاريخية التي تناقلتها وسائل الإعلام مؤخرا بأن مجير الدين الحنبلي المقدسي العُمري (860-928هـ) ذكر في كتابه الموسوم بـ "الأُنس الجليل في تاريخ القدس والجليل" والذي يُعرف في عالم الوثائق والمكتبات بتاريخ الحنبلي، إنه رأى زاوية في القدس، باسم الزاوية الجراحية، وتقع بظاهر القدس، من جهة الشمال كما حددها، وأضاف الحنبلي في كتابه: "ولها وقفٌ ووظائف مرتبة ونسبتها لواقفها الأمير حسام الدين الحسين بن شرف الدين عيسى الجراحي".

والقصة المكرورة التي نجترها بصورة مدرسية والتي تعني شراسة العدوان الصهيوني على القدس وأهلها وهذه الرارة الإلكترونية المتمثلة في تغريدات العرب ومنشوراتهم أيضا على الفيس بوك وثمة تصريحات ودعوات تبدو بطيئة كالعادة من الحكومات العربية وسط تغافل عالمي غربي بحكم العلاقات الوطيدة بين الغرب الأوروبي وأمريكا والكيان الصهيوني تجعلنا نرمز بغير تلميح بل بقوة التصريح إلى أن العالم العربي من قدره المسكين أنه لم ينتبه العالم العربي بعد أن غفوته الاستثنائية عن الخطر الصهيوني ستسبب له عما قريب الكثير من المشكلات والأزمات التي قد يجد نفسه حائرا في مواجهتها بفضل ما يعتري العالم العربي من أزمات سياسية وظواهر وافدة على المشهد العربي مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والذي يقدم للكيان الصهيوني أكبر خدمة ممكنة في إضعاف وتفتيت النسيج العربي .

كذلك وقبيل العودة إلى قصة الكيان الصهيوني ومجازره الدموية بحق الشعب الفلسطيني، فإن هذا التنظيم جنبا بجنب مع آلاف المنتسبين لجماعة الإخوان الذي ادعوا أنهم سيزحفوا إلى القدس بالملايين ضمن أكاذيبهم التاريخية، فضلا عن مئات بل وآلاف السلفيين وأنصار بيت المقدس وجماعة التكفير والهجرة الذين لم يهاجروا إلى فلسطين بل هاجروا للداخل بحكم تكوينهم النفسي المريض، كل هؤلاء لم ينطلقوا لنصرة شعب فلسطين، ولم يتحرك لهم ساكن صوب القدس الشريف، بل كان ولا يزال جُل همهم ومنالهم ومطمحهم الخالد هو قتال المسلمين في الداخل والجهاد في وجه الشرطة والجيش والمدنيين أيضا بدلا من تجسيد كافة ادعاءاتهم السابقة والزائفة أيضا بنصرة فلسطين .

إن كافة أحداث حي الشيخ جراح تؤكد حقيقة كذب وزيف الجماعات المسلحة في فلسطين مثل حماس التي دعمت جماعة الإخوان في مصر من أجل تقويض الأمن والاستقرار، وصورت أقبح مشهد يمكن توصيفه حينما نجحت جماعات الإرهاب في فلسطين وأيضا تنظيم داعش في تمويل وتغذية التطرف والإرهاب داخل مصر وقتل المئات من الجنود والضباط المصريين وتهريب الأسلحة الثقيلة والخفيفة والمتوسطة وإمداد المتطرفين في سيناء وغرب مصر بالمتفجرات من أجل قتل الضباط والجنود المصريين، وفي الوقت ذاته لم يبرروا هذا التقاعس البليد في نصرة فلسطين .

وربما هوس الإرهابيين وولعهم بمصر وفتنتهم الغرامية بحكم المحروسة جعلتهم لم يقرأوا المشهد بعناية بل اعتبروه إحدى ألعاب التكنولوجيا التي يغرمون بها مثلها مثل غرامهم بالأفلام الإباحية وفقا لم تم الكشف عنه في أجهزة الحاسوب الخاصة بقيادات تنظيم القاعدة، كذلك هوسهم المحموم بجهاد النكاح والحب والمرأة التي تشكل صداعا برؤوسهم الأمر الذي يستدعي التدخل النفسي العلاجي، كل هذه المغيبات التي تجعلهم بمنأى عن أحداث فلسطين    لم توقظهم من سباتهم الطويل ولم يلتفتوا حتى الآن إلى أن الكيان الصهيوني هو عدو غاشم، وأن كل الجماعات التي تتدعي الجهاد الإسلامي هي حفنة من الأسطوانات الصوتية والأفلام الوثائقية والخطب المنبرية فحسب .

1 ـ مَشْهَدُ الغَفْوَةِ:

وهناك ثمة مشكلة تتعلق بهوية المواطن العربي الجغرافية، ودونما شك أن هذا المواطن الذي اغرورق في إحداثيات المشهد السياسي الداخلي ولم يستفق بعد على كتابات وتحذيرات المفكر العربي المصري جمال حمدان، لم يلتفت إلى وجود الكيان الصهيوني في دائرة جغرافيته التي هي بالقطع تاريخ الإنسان على الأرض، والمشكلة أن المواطن العربي لم يلتفت إلى المحاولات الاصطناعية الصهيونية لتغيير معالم الخريطة العربية ليس بحدودها وتخومها التضاريسية والمادية، بل هو تغيير ثقافي وحضاري وتغلغل أيديولوجي في الوقت الذي فطنت فيه إسرائيل بأن العرب أصبحوا مؤهلين تماماً لاستمراء مشهد الغفوة التاريخية لمصيرهم الراهن .

وبرغم احترامنا للخريطة ولعلماء الجغرافيا الأكاديمين رغم فقرهم التنويري في الألفية الثالثة إلا أن علاقتنا بالخريطة وبشكل المنطقة الجغرافي أصبحت علاقة عكسية لدرجة أننا لو استطلعنا الرأي بشأن احتفاظ العربي بخارطة الوطن العربي لاكتشفنا ندرة الاقتناء مما يعكس حالة التوهان والاستغراق في الغفوة القومية . ولاشك أن الكيان الصهيوني في حالة من السعادة المطلقة لشيوع فوضى الإحساس الجغرافي لدى العرب وانتشاء المواطن العربي بحالات الجمود السياسية لاسيما في سوريا واليمن والعراق وليبيا.

2 ـ رَأسِيَّاً صَوْبَ الاسْتِيْطَانِ:

الاعتماد على الذاكرة فيما يخص العلاقة بين العرب وإسرائيل من التفاصيل التي لا يمكن الفكاك من شَرَكها الحتمي، وكعادة الشعوب العربية هي لا ترى أزماتها التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية حتى مشكلاتها المتعلقة بالبنية التحتية إلا من منظور صهيوني استثنائي، بل وبات العرب مولعاً بفكرة الصراع الصهيوني ذي الصبغة الأمريكية على الاستحواذ على عقله وجسده وهويته، وبالتأكيد هذا المعنى موجود بالفعل في أجندة المؤامرات الصهيونية على دول الشرق الأوسط لاسيما الدول التي تتمتع بهويات فريدة وتاريخ ضارب في التكوين مثل مصر وسوريا وبعض الأحايين المملكة المغربية بوصفها آخر القلاع الإسلامية التي كانت شريكة للأندلس قبل سقوطها .

لكن تبقى المشكلة الأزلية التي يعاني منها العقل العربي ولا يمكنه التخلص من آثارها، وهي توصيف الكيان الصهيوني المعروف بإسرائيل من خلال ذهنية عربية خالصة، وهي رؤية تكاد تكون تخييلية قائمة على المشاهد الدموية التي تبثها بعض القنوات الإخبارية عن المجازر الإسرائيلية بشأن الشعب الفلسطيني، أو من خلال مجموعة من المتون الثقافية القديمة التي تصور اليهودي إما على أنه تاجر مرابي، أو صاحب حانوت لبيع الخمور، أو جاسوس متلصص، وهذا بفضل الإعلام المرئي السطحي الذي يعاني منه المجتمع العربي منذ عقود بعيدة .

وبحق، تعد مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز المشكلات المعاصرة والتي تلقي بظلالها على ممارسات المشهد السياسي، وهي مشكلة لها جذور متأصلة  لكننا نصر دوماً على الاقتناع بالرواية الرسمية الفلسطينية الإسرائيلية وهو السرد التي نراه مكتوب في مساجلات المفاوضات العلانية بين طرفي النزاع وإن كان العرب كدول يعد طرفاً رئيساً في هذا النزاع التاريخي، وهذه الرواية الأقرب لمؤتمرات حقوق الإنسان ؛ كلام مجرد وفعل غائب، وجوهر ضائع .

وهذه القضية، قضية الصراع العربي الإسرائيلي تاريخ طويل من المفاوضات السرية التي لا يعلمها المواطن سوى مجموعة من المشاهد التي تبثها الفضائيات، وهذا التاريخ الطويل من المفاوضات السرية يمكن توصيفه بالمعقد أحياناً وبالغامض أحيانا أخرى، فهو معقد لأن المشكلة لم تحل سياسياً حتى اليوم وإسرائيل نفسها تعلم أن بناء دولة حقيقية لفلسطين مالكة الأرض والتاريخ والتكوين يعني زوال الدولة اليهودية أو بالأحرى الكيان الصهيوني، وغامض لأنه لا توجد أجندة واضحة المعالم وضابطة ذات شرائط حاسمة وحازمة لتلك المفاوضات تلزم طرفي النزاع بحقوق وواجبات غير تمييزية .

3 ـ العَرَبُ وإسْرَائِيْل .. مِن الصِّرَاعِ إلى الصِّرَاعِ:

ويعد جوهر الصراع العربي الإسرائيلي معقداً وغامضاً أيضاً، فالعرب ينظرون إلى إسرائيل  على أنها دولة شريرة سارقة لا أخلاق لها، وعلى الشاطئ الآخر يرى اليهود أن العرب ارتضوا الصفقة التي أبرموها مع الفلسطينيين والخاصة ببيع وشراء الأراضي هناك، بل إن من اليهود من يرى أن فلسطين دولة قائمة بذاتها لكنها تحت الانتداب الإسرائيلي بغرض تأهيل وإعداد السكان العرب للحكم الذاتي بعد ذلك، لكن تبقى لهذه القضية ملامح وجذور هي التي تحدد مسار المفاوضات والممارسات بين العرب وإسرائيل.

ولأننا رهن الرواية الفلسطينية الإسرائيلية للأحداث التي تجري على الأراضي العربية فلا يمكن التسليم بصدقها مطلقاً، ولا يمكننا فهم تلك الرواية السياسية بمعزل عن إرهاصاتها التاريخية، ففلسطين التي نراها اليوم جريحة وتستحق الدعم والمساندة كانت الفرصة سانحة أمامها للقضاء على الوجود الصهيوني بأراضيها منذ عقود بعيدة . فهذا محمد أمين الحسيني مفتي القدس 1921 ـ 1922م، طالب بإنهاء فوري الانتداب البريطاني، وبإيقاف الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين، لكنه رغم ذلك قام بوعد غامض وسري من خلال وثيقة سرية مكتوب فيها نصاً " مع احترام الحقوق الدينية والمدنية لليهود الموجودين في البلاد " .

وإذا نظرنا باستقراء إلى نص الوثيقة الظاهري فيمكننا الإشادة بمفتي القدس آنذاك، ولكن ما وراء السطور أن رأياً كهذا من سلطة دينية وفقهية رسمية أباحت لليهود الاستيطان المشروع ليس فقط من خلال حقوقهم الدينية وشعائرهم التعبدية التي تخالف شريعة الإسلام، بل إن فيها التزاماً بالحقوق المدنية لليهود وربما هذه الوثيقة اتخذها اليهود ذريعة للمواطنة والإقامة في أرض فلسطين بغض النظر عن وجودهم بأمر بريطاني عسكري .

4 ـ فِلِسْطِيْنُ الحَائِرَة:

الغريب في شأن تاريخ القضية الفلسطينية، أن بريطانيا نفسها التي أعطت ومنحت بغير وجه حق اليهود صك إقامتهم في فلسطين بمقتضى وعد بلفور جاءت في عام 1939 وأعلنت هدفاً لحكومتها آنذاك وهو كبح جماح الهجرة اليهودية نظراً لتعدد مصالحها ومطامعها التجارية والاقتصادية مع بعض الدول العربية . ورغم صدور هذا الهدف في صورة إعلان رسمي إلا أن الفلسطينيين والعرب لم يستغلوا تلك الفرصة التاريخية في تبرؤ بريطانيا من وعد بلفور المشئوم كمحاولة لزرع سيطرة عربية مطلقة على أرض فلسطين، وربما لأن فلسطين في ذاك العهد كانت تعاني من ثمة أمور مثل المجتمع الزراعي الأمي ثقافياً، والحالة البدائية من الناحية السياسية والتمثيل السياسي الرسمي العالمي هي التي أودت إلى التغلغل اليهودي في الأراضي وسط غياب سياسي رسمي لحكومة فلسطينية. بجانب الافتقار إلى الوعي السياسي على مستوى الأفراد، وغياب مؤسسات الحكم الذاتي هناك .

ثم جاءت عوامل أسهمت بصورة مباشرة في الضياع النسبي للحق الفلسطيني في أرضه، ففلسطين منذ الانتداب البريطاني شهدت حالات الانقسام السياسي والتصدع الداخلي وظهور ما يسمى بالفصائل الفلسطينية وليس اليوم فقط الذي نرى فيه فصائل عديدة مثل فتح وحماس وكتائب عز الدين القسام وأنصار بيت المقدس وغيرها من التيارات والفصائل التي بقدر تعددها وزخمها بالأنصار والعتاد بقدر ما أصبحت وسيلة مساعدة للكيان الصهيوني لتهويد فلسطين ؛ لما تعانيه تلك الفصائل مع انقسام في رؤية المواجهة وآلياتها . بجانب ما يغفل عنه تاريخ العلاقة العربية الإسرائيلية منذ بدء مشكلة الصراع، فالمسيحيون على سبيل المثال في فلسطين وقت الانتداب البريطاني ساعدوا بشكل غير مباشر في استمرار هذا الانتداب الذي يعد البوابة الحقيقية والرسمية لعبور اليهود داخل أرض فلسطين بطريقة شرعية من الوجهة السياسية لكنها غير شرعية من ناحية التاريخ والحقوق.

 فحينما كانت سلطة الحسيني نسبة إلى الحاج أمين الحسيني هي السلطة الفلسطينية الرسمية داخل فلسطين، شهدت البلاد وقتها موجات حارة وثورات مستدامة وعنف موجه ضد مسيحي فلسطين الأمر الذي دفع بعضهم إلى مغادرة البلاد، ودفع بالبعض الآخر التسليم بقوة الانتداب البريطاني ومن ثم الوجود الصهيوني . وظهرت في هذه الآونة شيوع التعبيرات الكتابية على جدران المنازل التي توحي بالعداوة تجاه المسيحيين فكاد رد طبيعي نزوح هؤلاء بعيداً عن مناطق التشاحن والصراع الطائفي والديني . وربما لم يلتفت مؤرخ إلى أن حالات الانقسام الإسلامي المسيحي في فلسطين من أبرز العوامل التي هيأت المناخ لليهود لتسيد البلاد وقتها، بل يمكننا الإشارة أيضاً إلى أنه سادت شكوك في صفوف المسلمين الفلسطينيين من أن يقدم المسيحيون على الخيانة لمصلحة البريطانيين، وانتهزت بريطانيا هذه الفرصة باستغلال عامل الديانة في شق وحدة الصف الفلسطيني لصالح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها بعد ذلك .

وهذا الأمر هو الذي دفع وزير الخاريجية البريطاني إرنست بيفن إلى إطلاق مقولته الشهيرة " ربما يتم التبادل السكاني في المناطق المخصصة للعرب واليهود " وهو نفس المعنى الذي أشار إليه مهندس الدولة الصهيونية تيودور هرتزل بمصطلح الإبعاد الجماعي اللطيف للعرب . وامتداد لذلك وجدنا الأمم المتحدة منذ أبريل 1947 وهي تدرس الموقف وتوحي باستحياء إلى إنشاء دولتين، عربية ويهودية، غير مشيرة إلى كلمة دولة فلسطينية . حتى كان القرار في التاسع والعشرين من نوفمبر 1947 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين .

ومنذ ذلك التاريخ والجهود العربية إزاء قضية التقسيم خائبة وباهتة، حتى عمليات السلام التي لا تزال تجري يمكن توصيفها بسلام الخائب الذي فقد كل ما يملكه، واليوم حينما نرى هجوم بعض الدول العربية على بعضها البعض واستمرار التراشق اللفظي وحالات الانقسام السياسي بشأن بعض الأوضاع الداخلية الأكثر خصوصية ندرك على الفور غياب العرب التام عن المشهد الفلسطيني.

5 ـ إِلَى أيْن سَتأخُذُنِي البُقْعَةُ المُسَمَّاةُ بِأرْضِ العَرَبِ؟

إن تفكك القيادة العربية و جموح التطرف والإرهاب ببعض بلدانها وشيوع حالات الهياج الإعلامي والاستثماري لبعضها أيضاً عوامل تساعد ربما بشكل مقصود غي ضياع قضية أمة وليست قضية وطن فحسب، وبدلاً من أن تهرع بعض القنوات الفضائية الموجهة إلى تقويض الأمن والاستقرار في الشأن الداخلي للدول المجاورة عليها أن تخصص مساحات كبيرة للتأكيد على عروبة هذه القضية المهمة .

إن مشكلات الشأن الداخلي بالعراق وسوريا وليبيا واليمن ربما ستحل قريباً هذا حسب الظن لا اليقين، لاسيما وأن المواطنين هناك ألفوا حياة الاستقرار منذ عقود بائدة، ونعموا طويلاً بحالات من الرفاهية والضبط الأمني، لكن فلسطين التي من قدرها أن تعاني التهميش العربي والتجاهل العالمي على مستوى المؤسسات هي بحق أولى وأهم من إلقاء الضوء على حقها التاريخي في أراضيها، وإذا كان اليهود في شتى بقاع الأرض ينقبون هنا ويفتشون هناك ويزيفون حقيقة ويشوهون معلماً من أجل بقاء لن يدوم على أرض فلسطين، فإن حالات الغياب العلمي عند العربي مؤسفة ومحزنة، ومن المحزن حقاً انفراد جامعاتنا العربية ببحوث مستهلكة ودراسات تفتقر إلى الصدق والمنهجية العلمية من أجل اللهاث وراء شهرة أو مال أن تغيب عن المشهد الفلسطيني، فأين بحوثهم المدعمة وأين الاكتشافات الجيولوجية والجغرافية التي تدحض مزاعم هؤلاء اليهود. وإذا كان من قدر إسرائيل أن تغتصب وطناً عربياً وسط تجاهل وغياب عربي، فإن من قدرها أيضاً أن من بين العرب الغافلين أناساً مهمومين بتقويض الكيان الصهيوني الخبيث، وحلم استرداد المسجد الأقصى بغير رجعة لليهود، وللأيادي الملطخة بدماء الخيانة والتقاعس.

6 ـ فِي تَوْصِيْفِ مَلامِحِ الصِّرَاعِ العَرَبِيِّ الإسْرَائِيلِيِّ:

ولعله من اليسير  توصيف ملامح الصراع بين العرب كدولة كبيرة موحدة ومتكاملة وبين الكيان الصهيوني الذي ظل يسعى ولا يزال لتكوين دولة مؤسسات تستهدف تقويض هذه الدولة القوية والمتماسكة من جهة، وإلى نسف كل معالم العربية والعروبة في منطقة فلسطين في الوقت الذي غاب العرب فيه عن المشهد سياسياً واقتصادياً وتعليمياً وتحول من سيد مطاع إلى حالات من التشتت في الوقت الذي سعت فيه إسرائيل إلى إعلان التسيد المطلق في جوانب التسليح والأمن الداخلي و الارتقاء غير المنازع في مجال الاقتصاديات المعرفية وتكنولوجيا المعلومات .

وبمجرد أن انتهى الكيان الصهيوني من توثيق استيطانه الهمجي الذي خالف فيه كل الأعراف الإنسانية بمساعدة أمريكية وتمويلات مشبوهة من قطاعات أوروبية كثيرة بحجة التعاطف التاريخي إزاء ما جرى لليهود من تعذيب واضطهاد وممارسة عنصرية وتحقير في المجتمعات الأوروبية، جاء التفكير إلى كتابة سيرة ذاتية جديدة لكيان صهيوني تتيح لليهود إقامة وطن ولو عن طريق الاغتصاب وتشتيت الأعراق والأنساب الأخرى، ويكفي للقارئ أن يقرأ مقدمة كتاب الباحث المصري محمد السماك المعنون بـ " الصهيونية المسيحية والموقف الأمريكي " رغم صغره ليكتشف تاريخ التغلغل الصهيوني في فلسطين والذي يمكن توصيفه بملامح كتابة السيرة الذاتية لوطن لا أصل له، لكن حينما نستعرض التواريخ منذ سنة 1492 م حتى عامنا هذا لأدركنا على الفور أن بني صهيون يسيرون وفق مخطط محكم ومنظم ولا يتغير بتغير الأجواء الزمانية والمكانية والإحداثيات السياسية والاجتماعية الواقعة بالمحيط العربي أو بتغير الأنظمة الحاكمة سواء داخل إسرائيل أو في الدول والبلدان المجاورة . ولعل عام 1839 م هو البداية الحقيقية لتكريس واقع وحقيقة جديدة تسمى إسرائيل وبداية تاريخية تمنحهم الوجود المكاني لإقامة دولة وكيان على أرض فلسطين العربية .

فهؤلاء اليهود الذين اعتقدوا أنهم بحق شعب الله المختار، فكروا لوقت طويل كيف يكون لله شعب ولا يكون للرب وطن ؟ ومن هنا جاءت المؤامرة الخبيثة لتكريس وجود صهيوني على أرض فلسطين ولو بصورة ورقية ومؤتمرات تنظيرية وكتب ومطبوعات تمهد لكتابة سيرة ذاتية لوطن لا وجود له في الأصل . ففي عام 1839 جاءت مذكرة سكرتير البحرية الإنجليزية إلى وزير الخارجية بالمرستون التي يقترح فيها دعوة أوروبا إلى الاقتداء بقورش لإعادة اليهود إلى فلسطين . وبعدها بعام واحد أس في سنة 1840 كانت الرسالة من بالمرستون إلى سفير إنجلترا بالقطسنطينية من أجل حث السلطان العثماني الضعيف زمنياً وعسكرياً وسيادياً على تحويل هجرة يهود أوروبا الشرقية إلى فلسطين .

وسرعان ما تحولت الرسائل والمذكرات الشخصية وإن كانت بصفة رسمية إلى مؤتمرات وندوات علانية من أجل تعميق فكرة إقامة وطن يهودي صهيوني على الأراضي الفلسطينية وتلازم مع هذه المؤتمرات قرارات برلمانية تؤيد الفكرة، ففي سنة 1844 وافق البرلمان البريطاني على تأليف وتشكيل لجنة اسمها " إعادة أمة اليهود إلى فلسطين "، ثم جاء عام 1845 ليكون بداية للمشروع الصهيوني في فلسطين بشكل رسمي، فلقد ظهر لأول مرة مشروع إدوارد متفورد وهو " إقامة دولة يهودية متكاملة في فلسطين " وبالطبع كان المشروع تحت الحماية الإنجليزية المؤقتة وذلك حتى تتمكن الدولة الناشئة من الوقوف على أقدامها بثبات . وتوالت الكتب والمشروعات الدنيئة التي تسعى وتحث قادة العالم بضرورة إعادة الأمة اليهودية إلى إسرائيل مثل كتاب إرنست لاراهان المستشار الخاص لنابليون الثالث بعنوان " المسألة الشرقية: إعادة بناء الأمة اليهودية " . ثم كتاب " أرض جلعاد " لعضو البرلمان الإنجليزي لورنس أوليفنت الذي صار بعد ذلك وزيراً للخارجية، وفي هذا الكتاب اقترح إقامة مستوطنة يهودية على مساحة مليون ونصف المليون فدان إلى الشرق من نهر الأردن، وتحديداً ليهاجر إليها يهود روسيا ورومانيا .

7 ـ لِمَاذَا تَسْعَى إسْرَائِيْل إلى تَرْوِيْجِ سِيْرَتِها الذَّاتِيَّةِ ؟

وبالقطع أمر خطير أن نشير على عجل إلى تفكير الكيان الصهيوني بتوثيق وكتابة أي حدث سياسي أو اجتماعي أو ثقافي تتم فيه إشارة بسيطة إلى كلمة يهود أو يهودية أو إسرائيل، وكذلك توثيق أية كلمات تتعلق بوطن أو دولة أو هجرة أو مستوطنة تحديداً في الفترة التي سبقت الإعلان عن الوجود الرسمي لإسرائل في المحافل الدولية أي قبيل عام 1948، وهذه الفترة التي سبقت الإعلان تفرغت الكيانات الصهيونية العالمية إلى تسجيل كل إشارة أو لمحة دالة عن إسرائيل أو وطن لليهود حتى وإن كانت مجرد خبر صحافي قصير في جريدة غير مقروءة أو مطبوعة محلية . وربما المساندة الأمريكية التي وقفت بجانب المساعي غير المحمودة للصهاينة هي التي أغرت اليهود بتوثيق وكتابة سيرة ذاتية لملامح دولة في طريقها للإنشاء . فها هو هاري ترومان الرئيس الأمريكي في عام 1947 يدعو إلى تحقيق أكثرية يهودية في فلسطين، ووجه مذكرة بشأن ذلك إلى رئيس الحكومة الإنجليزية تسمح لمائة ألف مهاجر يهودي بدخول فلسطين . 

المثير في شأن المسألة الصهيونية حقا هو الدعم المسيحي لتأكيد وتكريس هذا الكيان، وهذا لم يكن وليد القرن العشرين، بل له إرهاصات متجزرة في السيرة الذاتية للصهيونية، فنجد على سبيل المثال مارتن لوثر وهو زعيم ورائد حركة الإصلاح الديني المسيحي ورائد المذهب البروتستانتي يقول في كتابه المعنون بـ " عيسى ولد يهودياً " المنشور عام 1523م: " إن اليهود أبناء الله ونحن الضيوف الغرباء " ويردف قائلا في كتابه في موضع آخر: " إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم" . وربما هذا وإن كان يعكس الطبيعة المسالمة بعض الشئ للمسيحيين إزاء اليهود إلا أنه يبرهن عن خشية التيار المسيحي آنذاك من الشعور الدائم بالكراهية من جانب اليهود وهذا نجده في الأسفار اليهودية مثل: " من يفعل خيراً للمسيحيين فلن يقوم من قبره قط "، وأيضاً " يجب على اليهود السعي الدائم لغش المسيحيين ".

لكننا نرى مداً سافراً لمارتن لوثر وهو يمجد اليهود واليهودية بغير تبرير سوى الذي ذكرناه سالفاً فنجده يقول في موضع آخر من كتابه: " علينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات مائدة أسيادها كالمرأة الكنعانية تماماً " . وربما هذا التحول في فكر المسيحية تجاه اليهود واليهودية ارتبط بالظهور الثاني للمسيح والمرهون بقيام دولة لهم على أرض فلسطين .

لكن بات من الملفت للنظر والاهتمام معا أن الظهور الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط تحول من مجرد استيطان بشري طفيف إلى موجات استعمارية تعكس الهدف الأسمى لديهم وهو استقطاب المنطقة وامتلاكها والسيطرة على مفاصلها جميعاً، وهذه الموجات بدأت بالفعل منذ الانهيار العسكري الذي تم في الخامس من يونيو عام 1967، والذي بمقتضاه بدأ الكيان الصهيوني في تسجيل سيرته الذاتية بسطور من الصعوبة محوها رغم انتصارنا التاريخي العظيم في حرب أكتوبر 1973، إلا أن هذا الانكسار الموسوم بنكسة يونيو كان بمثابة الإعلان عن علم ووطن وجيش لكيان هيولي لا أصل له بالنسبة لاعتقاداتنا التاريخية، لكنه تم بالفعل . وهذا ما سمح لإسرائيل التي أصبحت دولة رغم امتعاض الدول العربية والإسلامية ورفضها المطلق لوجودها دون نتيجة أو قرار بحلها، بالإعارة على المخيمات الفلسطينية على الأراضي اللبنانية في 1969مستخدمة طائرات أمريكية الصنع، وهي في الأساس لم تكن تستهدف المخيمات الفلسطينية أو بحاجة إلى مطاردة الفلسطينيين الذين فروا من أراضيهم المقدسة بقدر ما حاولت إسرائيل أن تسجل فصلاً جديداً في سيرتها الذاتية الصنع بأنها قادرة على النيل من دول الجوار أيضاً تحقيقاً لنفوذ عسكري حتى وإن لم تسعى إلى احتلال الأراضي اللبنانية .

وباسترجاع تواريخ سابقة يمكن تحديد معالم السيرة الذاتية التي دشنتها إسرائيل، وهي بالقطع سيرة ذاتية دموية، ولك أن تتأمل الفترة العسكرية التي خاضتها ومرت بها إسرائيل من أجل تفكيك القوة العربية، وسرعان ما انتهت هذه الفترة بتقويض الطاقات العربية حتى تسيدت إسرائيل المجلات الاقتصادية والمعرفية والتكنولوجية، ففي الفترة من 1978 وحتى 1990 نجد إسرائيل تجدد الهجوم على لبنان وتقصف المفاعل النووي بالعراق، وترتكب أبشع مجازر القرن العشرين في صبرا وشاتيلا، ثم تستهدف تهجير يهود الأرض من كل مكان مثل الاتحاد السوفيتي سابقا وأثيوبيا إلى فلسطين العربية، وفي الوقت الذي انشغلت فيه الدول العربية المسكينة في تضميد جراحها سعت إسرائيل إلى التفرد والانفراد الثقافي والعلمي بدليل عدد براءات الاختراعات الهائلة في الكم والكيف والاستخدام والإفادة أيضاً، وأيضاً عدد الفائزين بجائزة نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء، في الوقت الذي ذهبنا نحن مهتمين بالبحث لنا عن مكان ما بزاوية منسية لإلقاء قصيدة تندد بوحشية الصهاينة، وآخر ذهب ليجدد بكاء العجائز من السيدات من خلال رواية محلية الصياغة تشجب مجازر الإسرائيليين، بينما هم مستمرون في كتابة سيرتهم الذاتية بحروف لا تنمحي بتعاقب السنين .

الأمر الذي لم يعد خافياً على المراقبين للمسألة الصهيونية، أن هناك مرحلة رئيسة بعد قيام دولة إسرائيل تحديداً مرحلة السيرة الذاتية لهذا الكيان غير الطبيعي في الأراضي العربية، وهو المساعدات الأمريكية غير المنتهية ففي عام 1984 أقرضت الولايات المتحدة إسرائيل مئة مليون دولار، وبعدها بعام واحدة أي في 1949 قامت بمساعدة إسرائيل من أجل إنمائها بمنحة قيمتها مئة وخمسين دولار، في الوقت الذي فرضت شروطاً صارمة على بيع الأسلحة إلى باقي الدول العربية وهذا ما حدث بالفعل في 1954، وفي الوقت الذي تمد فيه الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل بأحدث الأسلحة النووية تلجأ هي إلى قرارات مجلس الأمن المسيس بضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أية أسلحة نووية حفاظاً على تميز إسرائل العسكري من ناحية وبقاء للسيادة العسكرية الأمريكية من ناحية أخرى.

وقد يعجب القارئ حينما يكتشف وجود عدة مؤتمرات ومنظمات أمريكية يهودية استهدفت ربط سلامة أمريكا بسلامة إسرائيل مثل مؤتمر القيادة الوطنية المسيحية من أجل إسرائيل ومقره بنسلفانيا وشعاره " حتى تكون مسيحياً يجب أن تكون يهودياً "، ومهمته نشر بيانات صحافية تأييداً لإسرائيل،وكذلك الاتحاد المسيحي من أجل سلامة أمريكا الذي يؤكد نظرية رضى الرب على أمريكا من خلال حسن معاملتهم لإسرائيل، بالإضافة إلى منظمة " جبل المعبد " ومهمتها إعادة بناء هيكل سليمان في القدس، ومقرها مدينة القدس نفسها، وهي تقوم بمهمة جمع الأموال لامتلاك العقارات والمباني المجاورة لموقع الهيكل بالإضافة إلى الإنفاق على عمليات الحفر التي تجري ليل نهار تحت المسجد الأقصى .

أخطر ما في الأمر أن خطابنا الثقافي والديني تجاه الكيان الصهيوني لا يزال يردد النغمة القديمة والمكرورة والتي تشير بأن الصهاينة هم أرذل البشر وأنهم القردة والخنازير وعلينا محاربتهم دوماً، وهذا ليس بكفيل لتحقيق النصر والانتصار على كيان ليس طبيعياً لأنه بالفعل جنين مشوه بأرض عربية إسلامية، لقد اعتدت سماع الخطب وقراءة الكتب التي يمكن توصيفها بالرقائق، تلك التي تندد بإسرائيل وبأهلها وأنهم أهل دعارة وفجور وفساد، ويميلون بطبيعتهم إلى الغدر والخيانة، وعشرات بل ومئات المنشورات الورقية التي توزع على المارة من أجل تصوير المجازر الإسرائيلية، لكن الأمر ينبغي أن يتعدى هذا الفعل الأخرس، لأن إسرائيل بالفعل تعمل وتنتج وتصدر وتبتكر وتسعى بأي صورة مشروعة وغير مشروعة للتسيد وافتراس المنطقة العربية من خلال نخب من العلماء والمخترعين والمبدعين، وكثيراً ما أرى أسماء كثيرة إسرائيلية ضمن قوائم علماء الطبيعة والرياضيات والفلك والاقتصاد و الصناعة عموما والزراعة مؤخراً، وقلما أجد أسماء لامعة أو ذات مكانة مرموقة في مجال الأدب والشعر والفلسفة والتاريخ، على العكس من واقعنا المتأجج أدباً وكلاماً وأقوالاً وحكمة وشعارات ضاقت بها الكتب حتى استقرت على الجدران والحوائط المعروفة الآن بالجرافيتي .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ  المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

محمود محمد عليكيف بدأت ردود الفعل الإقليمية والعربية والدولية إزاء ما يتعرض له المقدسيون من اعتداءات إسرائيلية علي المصلين في المسجد الأقصى وسكان حي الشيخ جراح؟ .. وإلي ماذا يمكن أن تُمضي المواقف والتحركات المرتقبة بشأن الممارسات الإسرائيلية بحق القدس والحقوق المشروعة للفلسطينيين فيها .. وما هي الخلفيات والأهداف التي تحكم مضي إسرائيل في اقتحام المسجد الأقصى، وتهديد "حي الشيخ جراح" بالمصادرة والتهويد؟ .. وهل ارتقت ردود الفعل الإقليمية والدولية، خاصة الأمريكية والعربية بخطورة الأوضاع؟ .. وما يمكن أن تتطور إليه في حال استمر القمع الإسرائيلي؟.. وما هي الأبعاد الحقيقية لأزمة القدس الشرقية ؛ وبالأخص حي الشيخ جراح؟

وهنا يمكننا القول بأنه في عام 1967م احتلت إسرائيل القدس الشرقية بأكملها، وكانت كل الأعمال الاستيطانية تتم بكثافة في القدس الغربية، بينما كانت الاستيطانيات الإسرائيلية بسيطة للغاية في القدس الشرقية، وربما كانوا لا يلجأون إليها مطلقاً، وذلك لأن أعداد الفلسطينيين كانت كبيرة جداً ؛ إلا أن حدث وجاء الرئيس الأمريكي " دونالد ترامب"، وأعلن تبعية القدس الشرقية لإسرائيل، ولم يستطيع أحد من الأنظمة العربية معارضته، بل بالعكس دعا معظم إلي التطبيع مع إسرائيل .

وعندما انتقلت السفارة الأمريكية إلي القدس، وأُعطيت شرعية للأعمال الاستيطانية داخل القدس الشرقية، أخذت إسرائيل في استهداف القدس الشرقية بأعمال استيطانية مكثفة، مثلما كانت تفعله في الضفة الغربية .

إلا أن المشكلة في القدس الشرقية، تتمثل في أن أعداد الفلسطينيين كانوا متجمعين في أكبر حي في القدس الشرقية بصورة غير طبيعية،  وذلك عقب حرب 1956م، وهو حي "الشيخ جراح" ؛ وهذا الحي من أكبر الأحياء في القدس الشرقية، حيث يسكنه أكثر 15 ألف فلسطيني ؛ وتسمية هذا الحي جاءت من اسم الطبيب الشخصي للسلطان " صلاح الدين الأيوبي" سلطان مصر والشام، واسمه " حسام الدين بن شرف الدين عيسي الجراحي "، وهذا الرجل كان قد دُفن بالحي في الماضي، فسموه الفلسطينيون حي " الشيخ جراح"، وقد بنوا له جامع، وكانوا يتبركون به، وتم عمل ملجئ في هذا الحي للفلسطينيين المهجرين، وممن يعانون من تبعات الحرب، وغيره إلي أضحي هذا الحي يمثل مركز كبير جداً للفلسطينيين، وهذا الحي لا يقع داخل سور البلدة القديمة ، وإنما يقع خارج السور، وهو كما قلنا من أكبر الأحياء داخل القدس الشرقية .

وحالياً نجد أن عدد الفلسطينيين في هذا الحي،  والبالغ أكثر من خمسة عشر ألف فلسطيني، يمثلون ثمانية وعشرون عائلة فلسطينية داخل حي الشيخ " عيسي الجراحي"، ومن ثم يعد هذا الحي تاريخي، بل ويمثل قلب القدس الشرقية  .

والسؤال هنا الذي أخذ يجُول في نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وحكومته : ماذا لو أخذت إسرائيل هذا الحي بشكل أو بآخر ومحاولة ضمه إلي إسرائيل؟!.. ألا يكون في النجاح كبيراً في تقليل عدد الفلسطينيين داخل القدس الشرقية؟!، ومن ثم يمكن لإسرائيل أن تفرض هيمنتها، ويصبح في إمكانها تطبيق نظرية " تهويد القدس" بشكل رسمي؟!.

الحقيقة  أن المحكمة الإسرائيلية كانت قد أصدرت قانوناً جديداً ينص علي أن " أي أحد يستطيع إثبات في أنه يملك عقود داخل حي الشيخ " عيسي الجراحي" بشرط أن يكون إسرائيلياً، يمكن أن يعود إلي بيته بدلا من الفلسطيني القاطن مكانه"، وفي حالة إذا ما اعترض الفلسطينيون، ولجأوا إلي المحكمة الإسرائيلية بعقود تثبت ملكيتهم لتلك الأراضي، فلن تُقبل، وذلك لأنه لا يوجد قانون في إسرائيل ينصف فلسطيني آيا كان، وإنما ينصف الإسرائيليون فقط .

المعضلة هنا أنه بإمكان أي إسرائيلي يمكن أن يخرج علينا، ويقول "أنا معي عقد داخل حي الشيخ " عيسي الجراحي"، وهذا العقد يخُول للمحكمة الإسرائيلية تمكنيه علي حساب الفلسطيني، وهذا ما تم بالفعل ؛ حيث وجدنا عدد كبير من الفلسطينيين لجأوا إلي المحكمة بحجة أن أغلب الفلسطينيين قد باعوا لهم أراضيهم، وهنا أصدرت المحكمة قرار بإخلاء حي الشيخ " عيسي الجراحي" وإعطاءه للإسرائيليين .

بيد أن المحكمة الإسرائيلية في أول قرار لها حاولت تنفيذ القرار، لكنها فشلت، وذلك بسبب الأعداد الكبيرة للفلسطينيين بحي الشيخ " عيسي الجراحي" ، الذين هم علي معرفة جيدة تامة بأنهم إذا ما خرجوا من حي الشيخ " عيسي الجراحي" فلن يجدوا لهم أي مأوي في القدس الشرقية، وهذا ما تريده إسرائيل في أن تكون القدس حكراً لهم فقط، ومن ثم فإن الفلسطينيين أخذوا يدافعون علي هذا الحي بكل ما أُوتي لهم من قوة، حتي وكان فيه موتهم، ولذلك عندما حاولت لأول مرة إسرائيل إخلاء هذا الحي لم تستطع وتراجعت، وقامت المحكمة الإسرائيلية من شدة المقاومة الفلسطينية بتأجيل قرارها علي الفور لمدة شهر فقط .

وحسب صحيفة الجارديان البريطانية أنه خلال العشر الأواخر من شهر رمضان الجاري، استعدت الحكومة الإسرائيلية بقيادة "بنيامين نتنياهو" بشكل كبير، وفهموا من أول مرة فشلوا فيها في طرد الفلسطينيون من حي الشيخ " عيسي الجراحي" ، وذلك بأن يلجأوا إلي خيار استخدام القوة العسكرية القصوى والغاشمة، وفي ليلة القدر الماضية كانت ليلة دامية إلي أقصي درجة، حيث كانت كميات الحوادث التي تلجأ إليها حكومة "بنيامين نتنياهو"  ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية كانت بشعة إلي أقصي حد، حيث كانوا يستعدون للإخلاء من خلال اللجوء إلي القتل العشواء للفلسطينيين داخل الصفة الغربية، وهذا نوع من التخويف.

المشكلة كما تقول الصحيفة هنا أن تلك الأحداث بدأت إسرائيل تنفذ عمليات القتل ضد الفلسطينيين في العشر الأواخر من رمضان، والذي يذهب فيها الفلسطينيون إلي المسجد الأقصى بأعداد ضخمة، ولذلك الشرطة الإسرائيلية حاولت أن تمنع تلك الأعداد في أن تصل إلي المسجد الأقصى، لكنهم لم يستطيعوا إلي حد ما .

وهنا جاءت الفرصة مواتية للحكومة الإسرائيلية في انتظار ليلة القدر، حيث أرادت استخدام القوة الغاشمة ضد المصليين لطردهم، وإخلاء هذا الحي بأي شك من الأشكال، وبدأوا يطردوا الفلسطينيون من المسجد الأقصى وطردهم أيضاً من حي الشيخ " عيسي الجراحي" ، لكنهم عجزوا تماماً.

وهذا الأمر استدعي المحكمة الإسرائيلية بأن تصدر قرار بتأجيل حي الشيخ " عيسي الجراحي" مرة أخري، وهذا أمر سيكون له وقع كارثي علي الفلسطينيين، وذلك لأن هذا الأمر يجعل "بنيامين نتنياهو"  وحكومته يشعرون بالفشل الذريع، ومن ثم يقلل من شعبية "بنيامين نتنياهو"  عند الإسرائيليين في كونه فشل في تشكيل حكومة إسرائيلية، ولا يستطيع أن يخلي حي الشيخ " عيسي الجراحي" من الفلسطينيين، هذا بجانب غضب إقليمي وعالمي غير مسبوق ضد نتنياهو وحكومته، فجميع الأنظمة العربية انتفضت (سواء المطبعين وغير المطبعين مع إسرائيل) ضد إسرائيل، وكمية خطابات وشجب لجميع سفراء إسرائيل بشكل غير طبيعي .

وهذا الأمر أحدث حرجا كبيراً علي حكومة نتنياهو في جعل أغلب الدول الأوربية تطالب إسرائيل بضبط النفس، كما تتالت ردود الفعل المحلية والدولية منددة باقتحام القوات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، والتي أوقعت أكثر من مائتي جريح، وسط غضب فلسطيني متصاعد رداً علي خطر الترحيل الذي يهدد به السلطات الإسرائيلية سكان حي الشيخ جراح، ضمن مساعي أوسع لتهويد القدس الشرقية .

وتستمر الأجواء في المسجد الأقصى وحوله متوترة في ظل نشر قوات الاحتلال الإسرائيلي مزيداً من التعزيزات العسكرية في القدس والبلدة القديمة، استعداداً لتفاود أعداداً كبيرة من الفلسطينيين إلي المسجد الأقصى لإحياء ليلة القدر .

توتر يبقي قائماً  بالنظر  لاستمرار أسبابه سواء ما تعلق منها باقتحام باحات الأقصى أو ما يتهدد سكان حي الشيخ جراح من ترحيل بسبب سياسات بنيامين نتنياهو التي لوحت بخطوات لم تكشف عن بعضها .

وفي ردود الفعل الدولية قالت الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة قلقة للغاية من التوترات المتصاعدة في القدس بما في ذلك منطقة الحرم الشريف وحي الشيخ جراح، وأضافت الخارجية الأمريكية بأنها تشعر بقلق بالغ إزاء إجلاء عائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح وحي سلوان، والخارجية الروسية أعربت عن قلقها إزاء التدهور الحاد للوضع في القدس الشرقية، ودانت الخارجية بشدة في بيان لها الهجمات التي طالت المدنيين، ودعت جميع الأطراف إلي الامتناع عن أي خطوات من شأنها تصعيد حدة العنف، كما شددت علي موقف موسكو المبدئي والثابت والمنعكس في قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة والذي ينص علي ان مصادرة الأراضي والممتلكات الموجودة عليها، وكذلك إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يحمل أي قوة قانونية.

أما الاتحاد الأوربي فقد طالبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بخفض مستوي التصعيد في القدس، واحترام الأماكن الدينية بالمدينة، كما حذر من امكانية زيادة التوتر علي الأرضي بعد طرد سلطات الاحتلال من حي الشيخ جراج أماكن أخري في القدس الشرقية واصفاً هذه الممارسات بغير القانونية بموجب القانون الدولي .. وننتظر ما تسفر عنه الأحداث وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

علاء اللاميمع رابط تحميل كتاب "الجديد في تاريخ فلسطين القديمة"/ حسب الباحث الدنماركي نيلز لمكة فإنَّ سُميَّ إمبراطورية داود وسليمان لم تستمر أكثر من أربعين عاما، ثم عادت مملكتا إسرائيل ويهوذا إلى مساحتهما الطبيعية والتي تقارب مساحة جزيرة غوتلاند الصغيرة "ثلاثة آلاف كم² تقريبا" من مجموع مساحة فلسطين البالغة 27 ألف كم²!

يرد الباحث الدنماركي "نيلز لمكة" على مزاعم الحركة الصهيونية التي وردت في ورقة "نشرة" رسمية وجهتها الوكالة اليهودية في عام (1946) بفلسطين إلى سلطات الاحتلال البريطانية في القدس المحتلة، وكتبوا فيها: "لقد كان اليهود أول سكان في فلسطين يجلبون معهم الحضارة إلى هذه البلاد. وقد أصبحوا جزءاً من هذه البلاد وحكموا فترة أطول بكثير من أي حكام جاؤوا بعدهم. وفي أثناء هذه الفترة أنشأوا دولتهم الخاصة في فلسطين، وهي الدولة القومية الوحيدة التي وجدت في فلسطين في أي وقت. لقد طوروا البلاد سياسياً واقتصادياً وثقافياً. وفي أثناء هذه العملية تأثروا بالبلاد وأصبحوا أمة تحمل طابعها الخاص المميز".

* يرد نليز لمكة على هذه الفقرة في نشرة المنظمة الصهيونية وغيرها ردا تخصصيا كباحث آثاري بلهجة تهكمية، أقتبس الفقرات التالية مما قاله:

* "هذه النشرة، تمثل علامة فارقة واستغلالاً غير عادي للعهد القديم. "..." المثال التالي - للرد على هذه المزاعم - ليس من الأدب، بل من خرائط لإسرائيل نشرتها دار النشر كارتا في القدس في عام 1974 ت ش. إضافة إلى مقدمة قصيرة، هذه المنشورة مكونة من سلسلة من الخرائط تبين حدود إسرائيل في فترة المملكة (بين عامي 1000 و600 ق تش) وفي فترة ما بعد السبي (بين عامي 500 و300 ق ت ش/ ق.م) والفترة الهيلينستية والرومانية (بين عامي300 ق تش/ ق.م، و300 تش/ م) وحتى العصور الحديثة. وقد يكون مشروع كهذا معقولاً، مع أن بعضهم قد يفكرون باستخدام مشابه للخرائط في التاريخ الأوربي الحديث ولم يكن ذلك مفيدًا إلا نادراً [المقصود هنا استخدام النازيين خرائط تاريخية. زياد منى/ المترجم]. *لكن الخريطة التي تبين حدود إسرائيل في فترة المملكة غير أكيدة. وقد جرى رسم تلك الخريطة على نحو رئيس على أساس حدود "إمبراطورية داود" كما وصفها العهد القديم "التوراة"، التي شملت أكبر مقدار ممكن من الأراضي. كما نجد على خريطة إسرائيل هذه، إضافة إلى فلسطين، سوريا الغربية والقسم الصالح للزراعة من المملكة الأردنية الحالية، والجزء الجنوبي من لبنان وصولاً إلى صور، والجزء الشمالي من شبه جزيرة سيناء حيث تسير الحدود من العريش في الشمال الغربي إلى إيلات في الجنوب الشرقي. تؤلف هذه الخريطة أساس المناقشة التالية عن "حق إسرائيل في حدود آمنة"، مع أن الخريطة تبيّن أن هذه المملكة لم تدم أكثر من أربعين عامًا في أحسن الأحوال، في زمن الملكين داود وسليمان في القرن العاشر قبل التأريخ الشائع. وحتى في تلك الأيام كانت المملكة الإسرائيلية على نحو ما تضم جميع الأراضي التي كانت تعدُّ إسرائيلية في هذه الخريطة. وقد فُقد معظمها بعد جيل واحد في أحسن الأحوال (الجيل يقدر بين 23 و30 عاما تقريبا ويصعد به بعضهم إلى ثلث القرن أي 33 عاما)، وتقلصت الأراضي "الإسرائيلية"، التي كانت وقتها مقسمة بين مملكتي إسرائيل ويهوذا، إلى حجم شبه جزيرة جوتلاند ( Jutland ) الدنماركية.

 

علاء اللامي

........................

* غوتلاند جزيرة دنماركية صغيرة تبلغ مساحتها نحو 3140 كيلومترًا مربعاً، أما مساحة فلسطين فهي قرابة 27 ألف كيلومتر (26,990 كم²).

** يستعمل الباحث مختصر "ق. تش" ويعني به قبل التاريخ الشائع، ويقابل ق.م في الكتابات الأخرى ويعني قبل ميلاد المسيح.

*** تعليقي للتوضيح: لم يتأكد أركيولوجياً حتى الآن الوجود التأريخي لشخصيتي داود وسليمان التوراتيين باعتراف علماء "إسرائيليين" معروفين، أما مملكتهما فكانت من الصغر والهشاشة وقصر العمر بحيث لا يفضل هؤلاء العلماء المعاصرون الكلام عنها كثيرا بشكل رسمي في مؤلفاتهم باستثناء فنكلشتاين الذي أكد عدم وجود أية أدلة آثارية أو حتى شظايا آجورية صغيرة تؤكد أنَّ أورشليم القدس كانت مأهولة بكثافة في زمن الملكين المذكورين "حوالي القرن العاشر ق.م" ولم يتأكد قط أن بها عمرانا متميزا عهد ذاك، وليست هناك أية أدلة على وجود تلك الإمبراطورية الداودية السليمانية / صورة الجدول من كتاب فنكلشتاين أعلاه. أما القصور والبوابات والاسطبلات التي نسبت لداود أو لابنه سليمان فقد تم التأكد بالفحص الشعاعي الكاربوني لأدلة عثر عليها فيها أو قربها أو من خلال المقارنات التاريخية والانثروبولوجية - كما يشرح فنكلشتاين طوال صفحات وصفحات من كتابه - من أنها تعود لفترة زمنية طويلة بعد عهد الملكين المذكورين في التوراة فقط أي أن لا علاقة لهما بها. ويؤكد فنكلشتاين مرارا على سيادة الأثار واللقى الكنعانية القديمة واللاحقة لعهد تلك الإمبراطورية المزعومة في تلك المناطق لأهل البلاد الأصليين الفلسطينيين/ ص 188 "التوراة مكشوفة على حقيقتها"؛ ثم ينتهي المؤلف إلى الاستنتاج و الحكم النهائي التالي "لبضع سنوات مثَّلت بوابات سليمان أكثر اكتشافات علم الآثار أهمية في دعم الكتاب المقدس. إلا أن أسئلة أساسية من المنطق التاريخي طرحت في النهاية وقوضت أهمية تلك لاكتشافات... كانت دولة يهوذا وطن داود وسليمان، دولة متخلفة بشكل واضح، وليس هناك دليل مهم على وجود ثروة لإمبراطورية عظيمة / ص186" ثم يشرح المؤلف كيف أن نموذج قصور بيت حيلاني الذي اعتقدوا أن قصور سليمان بنيت على أساسه في مدينة مجدو الفلسطينية إنما ظهرت للمرة الأولى في سوريا ولكن بعد نصف قرن من عهد سليمان ويتساءل: "فكيف أمكن لمعماريي سليمان أن يتبنوا هذا النمط المعماري الذي لم يكن قد وجد بعد؟".

وعلى ص 189 يخرج فنكلشتاين بالاستنتاج المفند لكل ما قيل حول مملكتي داود وسليمان في صبغة تساؤل فيقول "إذا لم تكن هناك إمبراطورية كبيرة - في عهد الملك التوراتي داود ع.ل- ولم تكن هناك أبنية تذكارية ضخمة، ولم تكن هناك عاصمة رائعة - في أورشليم القدس - فماذا كانت طبيعة مملكة داود إذن؟!" هذا السؤال المهم وجدنا الإجابة عليه في الاستنتاج التالي الذي خرج به فنكلشتاين وشريكه في تأليف الكتاب سليبرمان وقالا فيه "أكثر التقييمات تفاؤلا لهذا الفقدان لأي دليل عن آثار تعود للقرن العاشر قبل الميلاد - فترة داود وسليمان - هو أن أورشليم "القدس" لم تكن في تلك الفترة أكثر من مجرد قرية صغيرة نمطية في المرتفعات/ ص 178"، أما على الصفحة 187 فيخلص إلى القول الفصل والحاسم "أصبحنا اليوم نعرف أن الشواهد الآثارية حول المدى الواسع للفتوحات الداودية وعظمة المملكة السليمانية إنما جاءت كنتيجة لتواريخ مخطئة تماما".

وأخيرا، فربما لا يعرف الكثيرون أن المناطق التي يسميها الصهاينة اليوم "يهوذا والسامرة" والتي كانت المملكتان المنقرضتان وقصيرتا العمر على أرضهما هما اليوم في الضفة الفلسطينية المكتظة بالسكان الفلسطينيين منذ قرون في حين أقامت الحركة الصهيونية دولتها المفتعلة بقوة السلاح والمجازر والتصفية العرقية في مناطق فلسطينية خارجهما، وهذا ما ينفي ويفند الأكذوبة الصهيونية القائلة "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"! ع.ل

رابط لتحميل كتاب "الجديد في تاريخ فلسطين القديمة" وفيه دراسة الباحث الدنماركي نيلز لمكة:

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7...

 

 

ابراهيم أبراشما يجري في فلسطين من البحر إلى النهر ليس مجرد أحداث عابرة أو جولة تصعيد عسكري كما كانت تجري العادة، كما أنها ليست مجرد ردة فعل على محاولة إخلاء فلسطينيين من حي الشيخ جراح ومحاولات اقتحام المسجد الأقصى من طرف المستوطنين وجيش الاحتلال.. بل هي فورة أو إرهاصات ثورة فلسطينية شاملة لم يكن يتوقعها أحد ولم تكن من تدبير جهة محددة، ثورة كانت القدس وأهلنا في القدس الشرارة التي أشعلت أوارها لتمتد لكل ربوع فلسطين وتُعيد حضور القضية الفلسطينية دولياً كقضية شعب يخضع للاحتلال ويُجدد ثورته لاستكمال مسيرة النضال من أجل الحرية والاستقلال.

لقد توهم نتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل بأن الشعب الفلسطيني قد انكسرت شوكته واستسلم للأمر الواقع وأنه غارق بهموم حياته اليومية وقياداته منشغلة بالصراع على السلطة وتوزيع أموال الجهات المانحة وبخلافاتها السياسية والايديولوجية، وأن السلطة تُلجم الشعب من خلال التنسيق الأمني وأن حركة حماس أسيرة الهدنة التي تم توقيعها بعد مواجهات 2014، وأن العالم الخارجي لم يعُد مهتماً بالقضية الفلسطينية والدول العربية تسير في طريق التطبيع مع إسرائيل ....

لكل ذلك توهم نتنياهو والمستوطنون واليمين الصهيوني أن الوقت قد حان لاستكمال تهويد القدس كعاصمة لدولتهم وهي خطوة من وجهة نطرهم لن تكتمل إلا بالسيطرة على المسجد الأقصى وإجلاء الفلسطينيين من القدس بدءاً بحي الشيخ جراح وذلك لإحلال المستوطنين محلهم، وفد اعتقد نتنياهو أنه بهذه الخطوة سيحقق انجازاً يُحسِن وضعه السياسي ويُبعد عنه شبح محاكمته على جرائمه وفساده.

الشعب الفلسطيني أفشل مخططات نتنياهو وأربك المراقبين والمتابعين وأحرج الشامتين والمُطبعين والمتخاذلين وأعاد وضع وتصويب مسار القضية الفلسطينية، وإن كان من السابق لأوانه وصف ما يجري بأنها الثورة الفلسطينية المعاصرة إلا أن ما يجري يؤسس لهذه الثورة ويؤكد أنها ممكنة كما يؤكد أن القوة الظاهرة والخارجية لدولة الكيان الصهيوني لا تستطيع إخفاء نفطة الضعف الداخلي لهذا الكيان أو تعويضها ونفصد هنا أن نصف ساكنة هذا الكيان عرب فلسطينيون متمسكون بهويتهم وعروبتهم وفلسطينيتهم.

ما يجري في فلسطين ثورة أو بدايات ثورة في ظل متغيرات ومتحولات جيوسياسية محلية وعربية وإقليمية ودولية مختلفة عن واقع انطلاق ثورة منتصف الستينيات كما إنها مختلفة عن انتفاضتي 1987 و 200. ما يجري يؤسس لثورة بأبعاد وطنية ودينية وإنسانية ودولية ستأخذ دروس وعبر من التجارب الثورية الفلسطينية السابقة كما أنها لا تتجاهل المتغيرات الإقليمية والدولية.

قد يتوقف التصعيد العسكري في غزة بعد أيام نتيجة وساطات كما هي العادة، وقد تهدأ الأمور في القدس مؤقتاً نتيجة تدخلات خارجية وبما ينسجم مع المكر والمراوغة الصهيونية، أيضاً قد تهدأ المظاهرات وحالة الغضب في كل مناطق فلسطين 48 وفي الضفة، ولكن بالتأكيد فإن الأمور لن تعود كما كانت وأن زمناً فلسطينيا جديد قد بدأ.

ما يجري له بعد استراتيجي سيغير معادلة الصراع في فلسطين وعلى فلسطين ،وفي هذا السياق نوضح معالم ومؤشرات ارهاصات هذه المعادلة الجديدة أو الثورة المتوقعة، كما يلي:

1- إنها ثورة ذات بعد ديني حتى وإن لم يشأ البعض إعطائها هذا البعد، لأن شرارتها كانت عندما قام المقدسيون بالتصدي لجيش الاحتلال وللمستوطنين والمتطرفين الذين يريدون اقتحام المسجد الأقصى والصلاة فيه وتحويله لكنس يهودي وإضا سقط الأقصى بيد اليهود اختلت العقيدة الإسلامية وطُعن الإسلام في كتابه المقدس، والمقدسيون الفلسطينيون من مسلمين ومسيحيين عندما يقومون بذلك إنما يدافعون عن العقيدة الإسلامية التي تعتبر المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين وكما فال تعالى: ﴿ ... سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ... ﴾ ، ولم يقل القرآن إن الإسراء كان لهيكل سليمان، وهذا ما يجب أن يفهمه 2 مليار مسلم يتفرجون على ما يجري دون ان يحركوا ساكناً.

2- إنها ثورة شعب متمسك بأرضه ولن يكرر مرة أخرى مأساة النكبة والتهجير. وعندما يتصدى الفلسطينيون لمحاولات تهجير ساكنة الشيخ جراح إنما يركدون بأن زمن الهجرة واللجوء كما جرى عام 1948 لن يعود، وإن نجح الصهاينة في تهجير عائلات حي الشيخ جراح فإن مسلسل التهجير والطرد القسري سيتواصل في بقية مناطق القدس والمدن الفلسطينية الأخرى.

3- إنها ثورة غزة وفصائل المقاومة ضد الحصار وضد مخطط فصلها عن بقية فلسطين وعن المشروع الوطني وعن سياقها وهويتها الوطنية .

4- إنها ثورة أهلنا في الضفة ضد الاحتلال والاستيطان وعربدة المستوطنين والتهويد ومصادرة الأراضي والاذلال اليومي على الحواجز.

5- إنها ثورة أهلنا في الداخل من النقب الى الجليل ويافا واللد وكل مدينة وقرية ضد التمييز العنصري والتهميش والاذلال ومصادرة الأراضي وتشويه الهوية الوطنية ونشر الفتنة والجريمة المنظمة.

6- إنها ثورة وطنية للكل الفلسطيني، مسيحيين ومسلمين وبغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية أو الايديولوجية، ضد كيان استعماري استيطاني ارهابي.

7- إنها ثورة شعب مسلم دفاعا عن مقدس بالرغم أنه لا يخصهم وحدهم بل يخص ٢ مليار مسلم الا أن هؤلاء يتفرجون على ما يجري في القدس.

8- إنها ثورة شعب عربي دفاعا عن أمة عربية تخلت أنظمتها عن واجبها القومي والقانوني تجاه فلسطين بعد ان أضاعوا فلسطين بحروبهم الفاشلة.

9- إنها ثورة شعب قالوا عنه إنه باع ارضه واستسلم لواقع الاحتلال وأفسدته اموال الدول المانحة .

10- إنها ثورة شعب يعترف به غالبية دول العالم كشعب خاضع للاحتلال ومن حقه أن تكون له دولة مستقلة.

11- إنها ثورة حوالي 7 مليون فلسطيني داخل فلسطين من البحر إلى النهر وهم نصف عدد الفلسطينيين في العالم، ثورة تقول للاحتلال وللمستوطنين نحن هنا باقون ومثل عددنا ينتظرون العودة وليس أمام الاحتلال إلا أن يعترف بحق الفلسطينيين بدولة مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس وحق عودة اللاجئين.

12- إنها ثورة تجاوزت حدود الفصل الجغرافي والانقسام السياسي، وشارك الفلسطينيون فيها حسب خصوصية وضعهم وإمكانياتهم المتاحة.

13- إنها ثورة شعب الجبارين كما وصفهم الزعيم أبو عمار .

واخيراً، نتمنى أن تستمر الثورة في زخمها الشعبي وبُعدها الوطني الشامل وأن لا يتم حرف مسارها لحسابات هنا أو هناك.

 

إبراهيم أبراش

 

 

 

 

سامان سورانيبعد أن فاز جو بايدن في انتخابات تشرين الثاني ٢٠٢٠ في الولايات المتحدة الأمريکية علی منافسه الرئيس دونالد ترامب کانت هناك آراء متوقعة بأن سياسة الرئيس الديمقراطي الجديد سوف تكون مماثلة أو إمتداد لسياسة الرئيس الأسبق باراك أوباما، أي صيغة ثانية لأوباما وسياسة قائمة علی الموازنة بين القيم والمبادئ الأميركية (الرؤية المثالية) والمصالح الأميركية والأمن القومي الأميركي (الرؤية الواقعية)، أي إستخدام سياسة المزج بين المثالية والواقعية.

هناك في منطقة الشرق الأوسط ملفات ساخنة لايمكن لأية إدارة تجاهلها، منها ملف النووي الإيراني و ملف الإرهاب و الحرب و عناصر اللادولة و حقوق الإنسان.

الولايات المتحدة الأمريكية تدرك تماماﹰ بأن وجود فراغ في المنطقة سوف يقود الی تحولات جيوستراتيجية عميقة فيها و سوف تحاول کل من الصين و روسيا دون تريث ملأ هذا الفراغ، لذا وعلى الرغم من مساعي الإدارة الأميركية لتقليل الانخراط في منطقة الشرق الأوسط، ونقل محور التركيز إلى آسيا والمحيط الهادئ، نری بأن إدارة بايدن تعمل علی الموازنة بين التوجه نحو آسيا وإعادة تخصيص الموارد الأميركية للقضايا الشرق أوسطية الأكثر إلحاحاﹰ، التي سيكون تحقيق تقدّم فيها بوابة لتحقيق إنجازات في قضايا أخرى.

إن إنسحاب أمريکا من المنطقة وعدم الإنخراط في أزماتها سيخلقان إشكالياتٍ وتحدياتٍ تفرض على الولايات المتحدة إعادة الانخراط المكثف مجددًا فيها، وتخصيص موارد أكثر من ذي قبل للتعامل مع تداعيات هذا الانسحاب الذي لا يؤثر في مصالح حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة وأمنهم فحسب، بل في مصالح أميركا وأمنها، ولا سيما مع تحوّل المنطقة إلى ساحة للمنافسة مع خصومها الاستراتيجيين الدوليين والإقليميين.

فيما يخص الملف النووي الإيراني فالرئيس جو بايدن يهدف الی عقد إتفاق نووي شامل بحيث يسمح لإيران بأمتلاك برنامج نووي سلمي، لکنه يوسع شروط التفاوض وفي نفس الوقت يحافظ علی القيود الإقتصادية ويستفيد من الضغوط القصوی لإدارة ترامب کوسيلة ردع ودفع نحو إستکمال المفاوضات  ويحضر علی إيران امتلاك القدرة التي تخولها أن تصبح دولة تمتلك أسلحة نووية. إذن الرئيس بايدن يجدد أولوية الدبلوماسية والتحاور بإشراك أطراف إقليمية ودولية للوصول الی إتفاق مع طهران، لکنه لايتجاهل السلوك المزعزع للإستقرار في قضايا الإقليم.

فيما يتعلق بملف الإرهاب، فإن إستراتيجية إدارة بايدن تهدف الی تهدئة التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط وتؤكد علی مواجهة التنظيمات الإرهابية کالقاعدة ومنع عودة داعش من جديد إلى سوريا والعراق والتركيز علی إلحاق الهزائم بهم و التشديد علی على العمل مع الشركاء الإقليميين لردع الميليشيات الخارجة عن  القانون وسياستها العدوانية

سياسة إدارة بايدن تجاه الحرب في اليمن بعد أن تم تعين "تيموثي ليندركينغ" مبعوثاﹰ خاصاﹰ إلى اليمن، رغم أن اليمن ليست ليس أولوية لهذه الإدارة، هي السعي الی احتواء جماعة الحوثيين بعيداﹰ عن إيران و مساندة السعودية في الدفاع عن أراضيها من الهجمات الخارجية التي تتم عبر الجماعات المدعومة إيرانياﹰ.

في ظل إدارة بايدن رغم الإلتزام بضبط النفس قامت القوات الأمريكية مرات عديدة بغارات عسکرية محدودة علی فصائل اللادولة، منها ضرب منشآت تابعة لكتائب "حزب الله العراقي" و "كتائب سيد الشهداء" على الحدود العراقية السورية، مما أدت الی تدمير منشآت تقع عند نقطة حدودية تستخدمها هذه الميليشيات المسلحة.

ستواصل إدارة بايدن دعم التطبيع مع إسرائيل، فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مهمة للغاية بالنسبة لكل طرف وهي بمثابة دليل ريادي على الالتزام الأمريكي تجاه حلفاء واشنطن في المنطقة، وتؤکد هذه الإدراة بشكل كبير حقوق الإنسان وحرية عمل المجتمع المدني.

لقد سعت إدارة بايدن لأن تبرهن على أنها تضع بالفعل حقوق الإنسان في قلب دبلوماسيتها، ولا تتردّد في إدانة قرارات تتخذها دولة حليفة لها. الرئيس بايدن دعی في مناسبات عديدة الی احترام القيم الديمقراطية، قائلا أنه يبقی على مسافة من مرتكبي الانتهاكات الأكثر سوءاً.

السؤال هو، هل يسعی بايدن الی استضافة قمة عالمية لحقوق الإنسان، من شأنها إبراز التزامها باستعادة القيادة الأمريكية تحت مظلة التعددية المتجددة؟

مما ذکرناه أعلاه يتضح بأن الشرق الأوسط معلق نوعاﹰ ما بحبال سياسة بايدن الجديدة وأن الرئیس بايدن يحاول الی حدﹴ ما المواءمة في سياساته الشرق أوسطية بين المثالية التي تؤكد أهمية القيم الأميركية في السياسة الخارجية، خصوصاﹰ الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والسياسات الواقعية التي تراعي المصالح الأميركية العليا في هذه المنطقة المهمة من العالم.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

صلاح حزامفي كتابه المهم: اربع قرون من تاريخ العراق الحديث (صدر عام ١٩٢٥ وترجمه جعفر الخياط)، يقول ستيفن هيمسلي لونگريك واصفاً العراق في زمن الاحتلال التركي: العراق، هذه الولاية العثمانية البعيدة المنسيّة المُعذّبة ..

إنه الإقصاء والاهمال من قبل السلطات التركية التي أتخذت من العراق كمصدر للمال فقط دون اهتمام يُذكر...

ولكن ضِمنَ هذا الإقصاء العام، كان هنالك إقصاء آخر أشد واكثر قسوة، وهو المبالغة في إهمال بعض المناطق ضمن العراق، ومنها الجنوب وتحديداً مناطق الأهوار ...

بدون مستشفيات او عيادات او مراكز صحية، وبدون نشر الوعي والثقافة الصحية لن تستقيم الحياة ولن يتمكن الانسان من العيش حياة آمنة وطويلة وصحية...

كنت أسأل الناس الذين هم من اصول متحدرة من الأهوار، عن عدد من مات من اخوانهم وهم صغار؟ فتصيبني الدهشة عندما احصل على الجواب.

لقد مات الاغلبية منهم !!تتفشى امراض الاطفال نتيجة الاهمال والتلوث وغياب الرعاية الصحية والمعالجة بالخرافات.

وعندما تقرأ كتاب عرب الأهوار الصادر بالانكليزية ومؤلفه (ولفريد ثيسيگر)

The marsh Arabs

الذي يروي مشاهداته في اهوار جنوب العراق في الخمسينيات من القرن الماضي. يصف المؤلف نمط الحياة الذي يعيشه اولئك الناس، وقد يستغرب القاريء كيف تمكنوا من البقاء ولم ينقرضوا !!

الاوضاع الصحية اكثر من بائسة والمياه الصالحة للشرب معدومة والصرف الصحي كذلك . لاوجود لشيء اسمه مستشفى او عيادة، والوعي الصحي غائب تماماً .

التداوي بالاحراز والتعويذات وبعض وصفات الاعشاب الملوثة !!

كان يصف الشحوب على وجوه الاطفال والكبار نتيجة تفشي بعض الأمراض (الامراض التي يعرفها بحكم كونه اوربي متعلم).

التعليم معدوم ماعدا بعض الكتاتيب ( المُلّة) التي تعطي دروس في القرآن ومعظمها دروس خاطئة ومشوهة.

روى لي أحد الأصدقاء من الاساتذة المحترمين (والذي عاشت عائلته في الاهوار قبل ان يهاجروا الى مدينة العمارة لاحقاً حيث حصل هو على فرصة التعليم)، يقول نقلاً عن جدّهِ: كان الملّة الذي يعلمنا القرآن يقول مايلي: يقول جعفر الصادق في القرآن، لاتربط الجرباء مع الصحيحة لانها سوف تنقل لها العدوى !!! طبعاً هو يقول ذلك بلهجة أهل المنطقة وليس بالكلام العربي النحوي ..

لاحظوا الجهل والتجهيل !! مسخ مصدر القرآن وتقويل الامام جعفر الصادق مالم يقل !!!

لقد كانت هنالك ثلاثة اسباب لنشر الجهل بين هؤلاء البسطاء:

-دوافع سياسية، حيث ان الجهل يجعل القيادة سهلة ويمنع التمرد والاحتجاج لانهما يحتاجان الى الوعي كشرط مسبق للرفض.

-دوافع دينية طائفية سيئة لجعل اتباع طائفة معينة جهلة مؤمنين بالخرافات ولايعرفون الدين الصحيح، لكي يقال عنهم لاحقاً انهم طائفة منحرفة.

-دوافع اجرامية فاسدة تهدف لجمع المال من هؤلاء الناس من خلال ارتداء اللباس الديني وأتخاذ لقب او تسمية مقدسة كاذبة (دون دليل او إثبات)، مثل سيّد او شيخ او مومن الخ ..

اصبح النصب الديني مهنة مربحة في ظل الجهل وعدم الرقابة ...

ولازال النصب الديني الذي يمارسه البعض من اللصوص، فاعلاً في مثل هذه المناطق...

الآن نفهم لماذا يتوسّل بعض الناس بالخروف طالباً قضاء حاجته لانه خروف مقدّس !!

ولماذا يطلبون الحاجة من تراكتور مهجور او خرابة قديمة قُيل لهم ان فيها قبر رجل صالح !!

البعض منهم لازال يترك الله ويتجه الى أضرحة كُشف النقاب عنها حديثاً تعود لاحفاد واحفاد أحفاد الصالحين ..

هذه الأضرحة غير مؤكدة ومزعومة ولاندري مدى صحتها، ولكن الله مؤكد وحقيقي ولايحتاج الى كل هذا الكم من الوسائط من المكائن القديمة والخرفان والخرائب المهجورة التي اكتشفها اللصوص ..

ختاماً، لابد من التذكير بأن هذه المظاهر والممارسات موجودة في كل الريف العراقي من الشمال الى الجنوب، لاسيما البعيد عن المدن الكبرى ومراكز الحكم، ولكن بدرجات مختلفة وأشدّها وأخطرها في الاهوار.

 

د. صلاح حزام

 

 

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تأسيس الدولة العراقية (7)

برز رأيان مختلفان حول نوع الإدارة البريطانية للعراق بعد هدنة مودروس (Mudros) في 30/10/1918. دعت وزارة الخارجية البريطانية إلى الإدارة غير المباشرة، بينما  حكومة الهند البريطانية تمسكت برؤية الحكم المباشر، لأنها تحملت أعباء الحملة العسكرية على العراق.

تولى آرنولد ويلسون (Arnold Wilson)، مهام الحكم المدني للعراق في 20/04/ 1918، وتمكن من إرساء النظام الإداري المستقر. كان من المساهمين في وضع لمسات حدود العراق مع الكويت والسعودية. كان يؤمن بضرورة تدريب الشعب العراقي على حياة الحرية قبل منحهم إياها. استخدم الاسم العربي للعراق خلال مؤتمر "سان ريمو"، بدلاً من اسم (Mesopotamia) "بلاد ما بين النهرين" الذي كان سائداً لدى الغرب في ذلك الوقت. كان يهدف من خلال هذه التسمية جمع المجزء بإدخال حكم الموصل وكردستان والمنطقة الجنوبية موحدة في حكم واحد.

ويلسون من العسكريين الشباب الذي عمل كضابط في الجيش البريطاني في الهند، اعتاد على الاسلوب الفظ في معاملة الرعية بما يلائم طبيعة المجتمع الهندي، هذه المعاملة لم تجد لها صدى في العراق لأنها تتناقض مع طبيعة المجتمع. كان يؤمن بما يسمونه "رسالة الرجل الأبيض" في تمدين الشعوب. العراقيون في نظره متخلفون بحاجة إلى مائة سنة لكي يتعلموا كيف يديروا أمور الحكم بأنفسهم.

لم تدرك سلطة الإحتلال خطورة الاسلوب العنفي الجارح في مخاطبة بعض شرائح المجتمع العراقي، لا سيما رجال الدين وشيوخ العشائر. لم تتبلور لديهم المعرفة الكافية بالأعراف والقيم المجتمعية التي يتمسك بها الفرد العراقي الذي يرفض كل أشكال الإهانة، ويعتز بكرامته الشخصية ولا يتردد بالمجازفة بحياته ثأراً لكرامته. اسلوب الإهانة ولد الضغينة في نفوس الكثير من رجال الدين والشيوخ وعامة الناس، مما دفعهم إلى العصيان والإنظمام إلى الثورة الكبرى التي سميت بثورة العشرين.

ويلسون أحد فرسان الإتجاه الثاني الداعي للحكم المباشر. حاول أن يخلق حالة توازن بين الإتجاهين ولم يتمكن، تبنى فكرة الإستفتاء الشكلي للوجهاء والمتعاونين بعيداً عن عامة الشعب ليوهم بها أنصار الإتجاه الأول بأن العراقيين متمسكين بفكرة الحكم البريطاني المباشر. وصلته برقية الموافقة من لندن على الإستفتاء بتاريخ 30/11/ 1918، تدعوه لاستفتاء رأي العراقيين بنوعية الحكم الذي يرتضوه. تضمن الاستفتاء ثلاثة اسئلة:

1- هل يفضلون دولة عربية واحدة تحت إرشاد بريطانيا تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج؟.

2- هل يرغبون في أن يرأس هذه الدولة عربي من أولي الشرف؟.

3- من الذي يفضلون تنصيبه رئيسا للدولة؟.

صيغت الأسئلة بطريقة ذكية تحدد الإشراف البريطاني مهما كانت النتائج. لم يكن ويلسون نزيهاً، مارس الخديعة بتحديد الاستفتاء بالوجهاء، الشيوخ البارزين، الملاكين والمتعاونين مع سلطة الإحتلال. ارفق تعليماته إلى حكام الألوية بان يتداولوا الأسئلة بصورة سرية مع الشخصيات البارزة المتعاونة. لتكون النتيجة مطابقة لرؤيته، وبذلك يثبت لحكومته بأن العراقيين يرغبون من تلقاء أنفسهم بالحكم البريطاني المباشر.

تركزت تعليماته على معرفة إتجاهات الرأي العام في المناطق التي يجري فيها الإستفتاء، فإذا كانت مطابقة لتوجهاته يعقد إجتماعاً عاماً، أما إذا كانت مخالفة لما يريد يؤجل الإجتماع لحين ترتيب الأمور. كان العراق في تلك الفترة مقسماً إلى تسع ألوية، خاض ويلسون وأتباعه حوارات جدلية اسفرت عن معارضة أربعة مناطق اساسية لصيغة الاستفتاء (النجف، كربلاء، الكاظمية وبغداد). أما المناطق الأُخرى جرى الاستفتاء بها وفقاً لما تبناه ويلسون وأتباعه، بالمطالبة بالحكم البريطاني المباشر.

كانت طريقة الاستفتاء شكلية لم تعبر عن رأي غالبية الشعب المناهض للاحتلال، لأن ما جرى هو إنتقاء عينات محددة متعاونة مع سلطة الإحتلال للتوقيع على تأييدهم. ولكن اتضح من خلال مضابط الإجتماعات هناك الكثير من العشائر العراقية الرافضة لعملية الإستفتاء. تركز هذا الرفض في مناطق الفرات الأوسط والجنوب إلى درجة لا يمكن الإستهانة بها.

جرى الاستفتاء الأول في مدينة النجف بتاريخ 13/12/1918، بحضور ويلسون شخصياً في هذه المدينة الثائرة، التي قُمعت إنتفاضتها من سلطة الإحتلال في ربيع 1918، لغرض كسب ودّ الناس والحصول على نتائج إيجابية يمكن إستغلالها للتأثير على بقية المناطق الأخرى للحصول على تأييد الرأي العام. كانت تصرفات ويلسون في إعلانه سياسة بريطانيا مخالفة لمقررات مؤتمر الصلح.

الإستفتاء بحد ذاته كان تجربة رائدة، فبالرغم من كونه ممارسة جديدة غير مفهومة لأغلب العراقيين، لأنه أول تجربة في تاريخ العراق يسأل الحاكم الرعية: ما هو نوع الحكم الذي ترغبون فيه ؟، ومن هو الحاكم الذي تريدونه؟. إلا أن معرفة الناس بحماقة ويلسون وضعف وعيهم السياسي، لم يتمكنوا من إستيعاب وتصديق هذه الممارسة، فانتشرت الإشاعات بأن سلطة الاحتلال قامت بالإستفتاء لكي تفرز الموالين لها من غيرهم، وبالتالي تقرب الأصدقاء وتعاقب الأعداء. أثرت الإشاعات بشكل كبير على الكثير من الشخصيات البارزة الذين أشهروا ولائهم وأثبتوا لسلطة الإحتلال بأنهم من الموالين.

كانت تجربة الإستفتاء مثمرة حفزت الوعي الوطني والفكري لدى الكثير من العراقيين، دفعتهم للإنضواء تحت خيمة الحركة الوطنية المعارضة للحكم البريطاني، الداعية إلى فكرة الإستقلال، وإلى إقامة نظام ملكي دستوري.

عززت فتاوى رجال الدين الروح الوطنية لدى الكثير من العراقيين بتأييد فكرة عدم جواز انتخاب غير العربي المسلم حاكماً على العراق. وجعلت نتائج الاستفتاء تتفاوت تفاوتاً كبيراً من منطقة لأخرى. واجه الإستفتاء إنتكاسة كبيرة في المناطق المعارضة، كان الجواب واضحاً نريد "حكومة وطنية عربية". شكلت هذه الفتاوى تحدياً مباشراً لسلطة الإحتلال، أدت إلى غضب ويلسون، وإتباعه أساليب قسرية أدت إلى تأزم الموقف الشيعي ضد الوجود البريطاني.

نجحت سلطة الإحتلال في كسب وتأييد البعض من رجال الدين، ولكنها أخفقت مع الشيعة. أوعز ويلسون في مذكراته سبب عداء الشيعة إلى: نفورهم من أية حكومة منظمة، ومعاداة أي حكومة دنيوية منظمة مهما كان نوعها، لأنها تهدد نفوذهم وأحلامهم من إقامة حكومة دينية. خالف الدكتور علي الوردي هذا الرأي، وأكد بأن سلطة الإحتلال عملت على اجتذاب رجال الدين عن طريق التحبب إليهم ومنحهم مبالغ كثيرة من المال سراً، ولكنهم وجدوا أن معظمهم رفضوا قبول تلك المبالغ، ولم يقبلها سوى القليل من عملاء الحكومة وجواسيسها، ولديه شواهد كثيرة على ذلك أشار إليها في كتبه.

اعلنت عصبة الأمم في مؤتمر "سان ريمو" عن موافقتها على الإنتداب البريطاني للعراق في أبريل 1920. هذا القرار قلب المعادلة في داخل العراق، فنتج عنه هيجاناً شعبياً واضطرابات في أكثر مناطق العراق. تطورت الأحداث إلى ثورة عراقية كبرى وضعت بريطانيا في مواقف محرجة، أدت إلى موافقتهاعلى إعطاء الاستقلال للعراق.

أدركت الحكومة البريطانية بأن ويلسون لم يعد صالحاً لحكم العراق، بعدما أخفق في اجراء استفتاء لتزييف ارادة الشعب العراقي وتأليف الحكومة التي تتماشى مع رغبته بالحكم المباشر للعراق. ولهذا أعادت تعين السير بيرسي كوكس مندوباً سامياً للعراق لما يملكه من إمكانيات وفهم لطبيعة المجتمع العراقي. وعلى أثر عودة بيرسي كوكس إلى العراق، غادره آرنولد ويلسون في سبتمبر 1921.

 

د. عبدالحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

..........................

المراجع

-  د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج5، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- عبدالرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى 1920، مكتبة نرجس، ط3، لندن 1971.

- نعيم جاسم محمد العلواني: الاحتلال البريطاني للعراق وطبيعة الادارة البريطانية 1914-1920.

- علاء عباس نعمة: استفتاء عام 1918 في العراق، ملاحق المدى بتاريخ 10/04/2013.

رابط المقالة الأولى:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

 رابط المقالة الثانية:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

رابط المقالة الثالثة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953761

رابط المقالة الرابعة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953922

المقالة الخامسة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/954251

رابط المقالة السادسة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/954767

 

 

كريم المظفرقرار المؤتمر العالمي للقاحات، حول منح جائزة أفضل دواء للقاحات COVID-19، للقاح الشركة الأمريكية Moderna وحصولها على جائزة الابتكار، كشف حجم الصراع العالمي بين الولايات المتحدة الامريكية والغرب من جهة وروسيا والصين ويضاف له الهند من جهة أخرى، للحصول على مثل هكذا جائزة، لان الحديث هنا يدور عن جني المليارات من الدولارات للقاح الذي يثبت كفاءته في سوق الادوية العالمية، على الرغم من ان لقاح Moderna وبشهادة المختصين لا يستحق مثل هذه الجائزة، وفيه من الاثار الجانبية الكبيرة، ما يدل على ان القرار جاء نتيجة دوافع سياسية واقتصادية وضغوط دولية .

نافس في المؤتمر العالمي للقاحات (والذي يقام كل عام في واشنطن العاصمة، وعقد هذا العام بتنسيق مغلق عبر الإنترنت للمستخدمين المسجلين) بالإضافة الى عقار الشركة المصنعة الأمريكية Moderna، كل من لقاح Sputnik V الروسي، وكذلك AstraZeneca، وBharat Biotech، وJanssen، وMedicago، وNovavax، وPfizer / BioNtech، ولقاح الحيوانات Zoetis الذي يعمل منذ أكثر من 20 عامًا، وفي الوقت نفسه وبالإضافة الى منح لقاح "موديرنا " الأفضلية في العالم، فقد منح المنافسين من شركة Pfizer وBioNTech "درجات عالية جدًا" فقط، وأُدرج لقاح "سبوتنيك الخامس" الروسي في القائمة المختصرة للترشيح، إلى جانب العقار الذي طورته شركة أسترا زينيكا البريطانية السويدية، الا ان المؤتمر لم يعلن ولا حتى موقعه الإلكتروني المعايير التي تم من خلالها اختيار المتأهلين للتصفيات النهائية والفائز، وشدد مارك فان رانست، أحد علماء الفيروسات البارزين في بلجيكا، إلى أن الاعتراف ب Moderna كأفضل لقاح ضد فيروس كورونا هو خطوة ذات دوافع جيوسياسية، لأن العقار الروسي Sputnik V ليس أسوأ من المنافس الذي فاز في مؤتمر اللقاح، في حين صف مطورو Sputnik V من مركز أبحاث موسكو للأوبئة والأحياء الدقيقة باسم" غماليا "قرار المؤتمر بأنه متحيز ومسيس.

ويعرب الخبراء والمختصين عن استغرابهم لمثل هكذا خطوة، التي افتقرت للمعايير التي تم تقييم كل لقاح، على الرغم من نسبة الاثار الجانبية التي يتركها اللقاح الفائز، وارتفاع نسبة الوفيات ليس فيه فقط وانما في اللقاحات المحتوية على الحمض النووي "الريبي" وكذلك (العقار الذي طورته) AstraZeneca،، وان كان الأخير أقل بكثير من أن اللقاحات المحتوية على الحمض النووي "الريبي"، ويؤكد مدير مركز " غماليا " الكسندر غينسبرغ، ان قرار منح المركز الأول إلى Moderna كقرار سياسي واقتصادي بسعر إصدار 100 مليار دولار.

ويوضح الخبراء ان "American Moderna وAmerican-German Pfizer / BioNTech هما نوعان مختلفان من اللقاحات، يعتمدان على الحمض النووي الريبي المرسال"، وان مبدأ العمل فيها مختلف - ويحتوي الدواء على مصفوفة حمض الريبونوكليك (مرنا) من فيروس كورونا، الذي يحفز إنتاج الأجسام المضادة، ومثل هذه اللقاحات وفقا للخبراء لم تُستخدم على نطاق واسع في الطب البيطري أو في الطب من قبل، باعتبار ان هذه تقنية جديدة، على عكس لقاحات ناقلات الأمراض، وانه قبل إنشاء اللقاحات، تم إجراء اكتشافات علمية مهمة جعلت من الممكن إنشاء مثل هذه الأدوية المستقرة وسهلة التصنيع والفعالة، ما يعتبر هذا " انجاز عظيم. "

ويتفق الجميع على انه من السابق للأوان القول بأن لقاح "موديرنا" أو أي لقاح آخر هو "الأفضل في العالم" وأنه في قرارات مثل تلك التي اعتمدها مؤتمر اللقاحات العالمي 2021، قد يكون هناك أكثر من مجرد دوافع علمية، وعلى أي حال، وقبل تطوير مناعة القطيع في مكان ما، فإن عقار ناقل تقليدي، مثل Sputnik V، له مزايا واضحة - وهذه تقنيات مجربة وإمكانية إنتاج ملايين الجرعات، واجتاز ثلاث مراحل ضرورية من الاختبار وأثبت فعاليته وأكد الأخصائي أنه من السابق لأوانه الحديث عن تفوق أي لقاح.

وفي واقع الامر، وفي أوائل شهر مارس في الولايات المتحدة، سجل الأطباء تأثيرًا جانبيًا متأخرًا مع "موديرنا "، في عدد من المرضى، وتسبب اللقاح في حدوث طفح جلدي والتهابات بعد أكثر من عشرة أيام من التطعيم الأول، وفي أوائل أبريل، تم تسجيل حقيقة الإصابة بمرض COVID-19 في أحد سكان نيويورك بعد شهر من تلقيح هذا الدواء، وفي منتصف الشهر في كلايبيدا الليتوانية، توفي رجل يبلغ من العمر 78 عامًا فور تناول الجرعة الثانية من لقاح " موديرنا "، وبحسب رئيس العيادة، فإن وفاة شخص مسن، حسب البيانات الأولية، لا علاقة لها باللقاح، لكن سيتم التحقيق فيها بمزيد من التفصيل.

وفي المقابل تشير البيانات المجهرية إلى أنه بعد استخدام Sputnik V، يقل عدد الوفيات بمقدار 20-32 مرة، ويقل عدد حالات الإصابة بـ COVID-19 بمقدار 2-6 مرات لكل 100000 لقاح مقارنة بلقاحات الحمض النووي الريبي المستخدمة في المجر،، ووفقا لما صرح به ؤخرًا مدير مركز غماليا القومي لبحوث الأوبئة وعلم الأحياء الدقيقة، ألكسندر جينتسبيرغ، فان هناك أمل معقول في عمل "مدى الحياة" إلى أجل غير مسمى طوره مركز سبوتنيك الخامس، على الأقل لمدة 5-10 سنوات، وليس لمدة عام أو عامين كما كان يعتقد سابقًا، وانه يتم إنشاء لقاح في روسيا من شأنه أن يحث على المناعة ليس ضد نوع واحد من COVID-19، ولكن للعديد في وقت واحد.

والوضع ليس رائعًا عند استخدام منتجات Pfizer / BioNTech، ففي أوائل مارس، تم الإبلاغ عن 41 حالة وفاة من لقاح فايزر في النمسا، وفي ولاية كوينزلاند الأسترالية، تم إدخال مريض مصاب بجلطات دموية إلى المستشفى في أواخر أبريل بعد ثلاثة أيام من تلقي التطعيم، واعتبارًا من 26 أبريل، أعلن حوالي 5 ملايين مقيم في الولايات المتحدة أنهم لن يتم تطعيمهم باستخدام موديرنا أو فايزر، في المقابل فقد وصلت فعالية اللقاح الروسي Sputnik V  الى 97.6٪، وبناءً على تحليل بيانات 3.8 مليون روسي تم تطعيمهم - وهذا أعلى من البيانات التي نشرتها سابقًا المجلة الطبية The Lancet (91.6٪)، والتي تم الإبلاغ عنها في منتصف أبريل في صندوق روسيسكي للاستثمار المباشر (RDIF )

اذن نتائج المؤتمر العالمي للقاحات 2021 أظهرت وجود مظهر من مظاهر المنافسة السياسية والاقتصادية، وان قراره سياسي بحت ولا تمليه مصالح العلم أو الممارسة الطبية، وإن المكون السياسي مفهوم بالنظر إلى الوضع الحالي للعلاقات الدولية، لذلك، من الضروري النظر في منح البطولة في المقام الأول من هذه النقطة، وليس من وجهة نظر جودة اللقاح، ويقول البروفيسور ألكسندر بوتينكو، رئيس مختبر علم الأحياء ودلالة فيروسات المفصليات " هناك تساؤلات حول نقاء التصويت الجماعي في المؤتمر " .

وفي الجانب السياسي فيُنظر إلى قرار المؤتمر العالمي على أنه مصلحة مشتركة، وانه وبمساعدة مثل هذه العلاقات العامة، يحاول مستثمرو " موديرنا " تضخيم أسعار أسهمهم بشكل أكبر، وهذا مثال على أساليب المنافسة غير السوقية تمامًا التي تستخدمها الشركات الأمريكية ضد الشركات الأوروبية، والتي تتضمن، من بين أمور أخرى، لقاح Sputnik V الروسي، ويعرب غليب كوزنتسوف، أستاذ العلوم السياسية، ورئيس مجلس الخبراء في معهد الخبراء للبحوث الاجتماعية (EISI) عن اعتقاده أن خطط المستثمرين الأمريكيين تهدف إلى سحق السوق المتميز بأكمله لأنفسهم، ولذلك، فإنهم يريدون أن يُظهروا أن لقاحات الحمض النووي "الريبي"، بما في ذلك "موديرنا"، مخصصة للأثرياء والمحترمين، وللجميع - الفقراء، وبلدان العالم الثالث، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والهند - لقاحات ناقلات الأمراض، مشيرا إلى أن الألعاب التي تؤدي إلى معدل وفيات هي أيضًا أداة تنافسية لمصنعي اللقاحات.

ان سعي السلطات الروسية التي بدأت في تكثيف المنافسة في سوق اللقاحات الدولية مرة أخرى، قابله إطلاق وابل تحذيري من بنادق دعائية غربية على عدو يعد لتخريب المعلومات - بما لا يقل عن القتل الجماعي المنظم لأشخاص من استخدام "سبوتنيك الخامس"، وان الجمهور المستهدف للمعلومات المضللة المزعومة هو دول أوروبا الشرقية: المجر وسلوفاكيا والجبل الأسود وسان مارينو ومقدونيا الشمالية وصربيا، وفي الأخير، تم بالفعل الإعلان عن أن هذه الحملة الغامضة محكوم عليها "بالفشل في البداية"، ويكشف الميجر جنرال إيغور كوناشينكوف، الممثل الرسمي لوزارة الدفاع،، بان لدى وزارتهم كل تفاصيل الأموال والموارد التي تم إلقاؤها من الخارج لتشويه سمعة اللقاح المحلي في العالم وفي روسيا، ويجري إعداد سلسلة من "التحقيقات" التحليلية الزائفة والشهادات الزائفة من "شهود العيان" حول "الخطر" المزعوم للقاح الروسي على الشبكات الاجتماعية وموارد الإنترنت باللغة الروسية الممولة من المنح الأجنبية، لكن، برايه من الواضح، أنه لم يكن مقنعًا بدرجة كافية.

وعلى خلفية النجاحات الواضحة مع انتشار لقاح Sputnik V الروسي، الذي تم تسجيله بالفعل في أكثر من 40 دولة، قررت الولايات المتحدة شن هجوم على "جبهة اللقاح"، بعد ان فشلت واشنطن في اتهام موسكو، وفي الوقت نفسه بكين، بأنهما تجريان "دبلوماسية اللقاحات"، وتوزع اللقاحات في جميع أنحاء العالم إلى جانب التأثير السياسي على الدول المعنية، بينما يقولون، يجب عليهم التصرف بشكل متواضع من خلال منظمة الصحة العالمية وبرنامج المساعدة في التطعيم ضد COVAX للبلدان الفقيرة،وتلا ذلك اتهامات بأن الروس يتعمدون تقويض الثقة في اللقاحات الغربية من شركة فايزر ومودرنا.

وتخطط الولايات المتحدة وحلفاؤها، وفقًا لأجهزة الاستخبارات الروسية، لإطلاق حملة إعلامية واسعة النطاق تهدف إلى إنشاء انحياز نحو التطورات العلمية المحلية في مجال مكافحة انتشار عدوى فيروس كورونا COVID-19 " / "من خلال المنظمات غير الحكومية الخاضعة للرقابة والهياكل الإعلامية مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومؤسسة طومسون رويترز، ومؤسسة سوروس، بالإضافة إلى بي بي سي، ورويترز، وإنترنيوز، سيتم الترويج للأطروحات حول عدم فعالية وخطر اللقاح، كما يترتب على كلمات "مصدر رفيع المستوى في الكرملين" أن الولايات المتحدة في نفس الوقت تنتهج سياسة عدوانية غير مسبوقة للترويج للقاح " فايزر "، وتسعى إلى تحرير الجانب الأمريكي ليس فقط من دفع مبالغ تعويض محتمل للمواطنين في الدعاوى القضائية في حالة الآثار الجانبية، ولكن أيضًا من المسؤولية المالية عن إهمال المصنع المباشر لكن على ما يبدو .

ان الهجوم الإعلامي الأكثر وضوحًا ضد لقاح سبوتنيك الروسي، والذي سمحت به ممثلة الوكالة الطبية الأوروبية لنفسها عندما قالت، انه من الصعب تخيل أن أي لقاح آخر ينتظر الموافقة سيكون صريحًا للغاية، وبحسب السيدة فيرتومر هوهي، فان "عملية التواصل مع الجانب الروسي بشأن تسجيل اللقاح في أوروبا صعبة، ومن الصعب التنبؤ بتوقيت إدخال الدواء في أوروبا"، ويقال هذا بالضبط على خلفية الموافقة المبدئية للمفوضية الأوروبية على خطة إدخال لقاح ما يسمى بجوازات السفر، مما يسمح بحرية الحركة في أوروبا، ولكن لا يريد الجميع، على ما يبدو، أن يكون لدى الروس جواز سفر كامل أيضًا.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

محمد سعد عبداللطيفمن حرب الإيمان علي الإلحاد الي الحرب علي الإرهاب.

 لعبة الجغرافيا دورا مهما .في الصراع علي الأرض الوعرة والجبال والكهوف في هزيمة القوي العظمي صراع تم  توظيفة إيدولوجيا في سبعينيات القرن المنصرم .عقب الحرب الأهلية الأفغانية، وتدخل القوات السوفيتيةوصعود  التيارات الإسلامية المتشددة ، وكان فجر أول  يوم من السنة الهجرية (1400) من عام1979م من  عملية إقتحام" الحرم المكي"  كانت بداية توظيف  الحادث من قبل " جهاز الاستخبارات الأمريكي"  .لزعماء  الدول الإسلامية والعربية في إرسال هذة العناصر الجهادية أولا : بغرض التخلص منهم في الحرب الدائرة هناك بحجة الجهاد ضد الإلحاد الشيوعي .لقد تم توظيف وإستغلال الدين الإسلامي في صدام غير مباشر في نهاية  الحرب الباردة بين السوفييت والأمريكان في وسط أسيا فى صدام المصالح وتصفية حسابات واستراتيجيات، .حشدت مشاعر وجمعت أموالا وتبارت نظم عربية، خاصة فى مصر والسعودية، على إرسال المقاتلين إلى الحرب الأفغانية.ففي مصر تم نشر فيديوهات مفبركة علي الشباب من عمليات جهادية مجرد رفع شعارات إسلامية تسقط المقاتلات الروسية في افغانستان . عبارة عن الجهاد ضد الألحاد

جرى ذلك كله تحت الإشراف الكامل للإستخبارات الأمريكية،لقد استطاعت المخابرات الأمريكية أن تصنع قوة ادولوجية  دينية لها في الشرق الأوسط .حتي حدود الصين.  ومع أنتهاء العمليات العسكرية والدعم اللوجستي الأمريكي وخروج السوفييت.من افغانستان .كان سقوط جدار برلين ،والأعلان عن هزيمة الروس بتداعيات الهزيمة الاستراتيجية تفككت الدولة السوفييتية والمنظومة الاشتراكية فى أوروبا الشرقية وحلف «وارسو»، الذى كان يوازن حلف «الناتو» فى سنوات الحرب الباردة.

فى فبراير (1989) انسحبت القوات السوفييتية من أفغانستان، كان ذلك إيذانا بنهاية مرحلة كاملة من التاريخ الحديث، فى خريف نفس العام بدأ فتح بوابات جدار برلين قبل هدمه كاملا. لقد خلقت عالم جديد من ولادة رحم المعارك عن ولادة  (تنظيم القاعدة  ). وحركة طالبان ونظام جديد علي الحدود السوفيتية.انتهت الحرب وتفككت الكتلة الشرقية وسقط حلف وارسو  وبقي مابقي من المقاتلين في افغانستان وكانت بداية ولاية إسلامية وعاد من عاد الي ديار المسلمين وشكلوا جماعات مسلحة وفصائل جهادية حملت السلاح في بلدان عربية وشهدت مصر في تسعينيات القرن الماضي مواجهات عنف .وكانت بداية الالفية الجديدة مع أكبر حدث عالمي غير وجه العالم حادث تفجير  برجي التجارة العالمي في أمريكا  ليعيد دائرة العنف مرة اخري في الشرق الأوسط بالحرب المعلنة علي مايسمي الحرب علي الأرهاب لتطيح بالمنطقة كلها  .وتسقط بغداد .وكابول  وتتغير ملامح المنطقة بعدها من حروب مازالت مشتعلة في العراق والشام وشمال افريقيا  وجنوب الصحراء العربية والقرن الافريفي .

لم يكن قرار الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان مفاجئا ، فقدصرحت  الإدارات السابقة خلال العشر سنوات الأخيرة على تبنى ذلك الخيار. من" باراك اوباما الي ترامب الي الادراة الحالية"  جميعهم قالوا عبارة واحدة (لا يمكننا الاستمرار ) لقد حدد الرئيس بايدن  في الذكري العشرين لاحداث 11من سبتمبر القادم  موعد نهائي للإنسحاب من افغانستان .ليسدل الستار علي أطول حرب  خاضتها امريكا خارج حدودها  هل انتصرت امريكا او انها تخفي هزيمتها أمام الصعود التنين الصيني ويكون وسط وسهول اسيا تحت الصاعد الجديد بمشروعه طريق الحرير من كهوف وجبال افغانستان .

وهل سوف تنسحب من العراق والصومال وتعود امارة اسلامية من طالبان بشكل اخر في ثياب جديد  وتنتهي الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط .هل تفكر أمريكا في فراغ سياسي في وسط أسيا أمام صعود الصين وروسيا  .مع التيارات الإسلامية وتكون منطقة غير مستقرة علي حدود الصين وروسيا ؟ 

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

 

محمود محمد عليعزيزي القارئ هل تتذكر معي مفارقة الكذاب Liar paradox المنسوبة لزينون ابن جزيرة كريت وهو يضرب بيد حديد قانون عدم التناقض الأرسطي والذي يمثل أهم مبادئ المنطق لديه .. وهو كالتالي: لنفترض هناك رجل فيلسوف من جزيرة كريت قال أن كل ما يقوله فلاسفة جزيرة كريت هو كذب؛ فهل كلام الرجل صحيح أم كذب؟.. فإذا افترضنا أن ما يقوله هذا الرجل هو الحقيقة، سيكون وصفه لذاته بأنه كاذب حقيقة أيضاً!، ومن ثم فإن أي كلام ينطق به سيكون كذباً، وهو يعاكس افتراضنا، وإن افترضنا أن كلام هذا الرجل كذب، فإن ادعاءه بأنه رجل كاذب هو كذب أيضاً، ومن ثم فهو رجل صادق، وما يقوله صحيح !.. وهو ما يعاكس فرصنا أيضاً!..

وهذا الكلام يصدق بالضبط علي ما قاله آبي أحمد ونظامه الذي يتنصل من كل الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بملف سد النهضة، والتي يصفها بالاتفاقات الاستعمارية حول مياه النيل واتفاقيات الحدود بين البلدين.

والأرض التي قام عليها سد النهضة تقع في منطقة بني شنقول، وهذه ألأرض تاريخيا ينتمون إلي قبائل سودانية، وهذه الأرض كانت مصرية في عهد الخديوي إسماعيل، ثم سودانية في عهد الاحتلال البريطاني، ثم تم الاتفاق بين بريطانيا والإمبراطور الإثيوبي "منلك"، تم الاتفاق علي أن يتم التنازل لإثيوبيا علي منطقة بني شنقول في مقابل عدم إقامة إثيوبيا أي منشآت علي النيل الأزرق .

في الأيام الماضية خرجت إثيوبيا لتعلن أن كل هذه الاتفاقات " اتفاقات استعمارية"، فردت " مريم الصادق المهدي وزيرة خارجية السودان فقالت لهم " والله لو ينفع أن تلغوا كل الاتفاقات بحجة أنها استعمارية علينا أن نلغيها برمتها، ثم أعطونا بني شنقول فهي لنا نحن السوادنيون، رجعوها لنا بالسد الذي عليها وهو سد النهضة، وأفعلوا ما شئتم بعد ذلك .

وهذا أخطر تصريح قامت به وزيرة خارجية السودان، والتي هددت الإثيوبيين بأنه في حالة رغبتكم في إلغاء الاتفاقات القديمة سواء 1902م، و 1929م بحكم كونها استعمارية، من فضلكم إلغوها بس أعطونا بني شنقول، لأن بني شنقول كانت جزء من اتفاق خول للإثوبيين الاستحواذ عليه في مقابل عدم إقامة أي مشروعات علي النيل الأزرق.

وأكد البيان الذي قالت الوزيرة السودانية أن التنصل من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بإطلاق التصريحات الصحفية وتعبئة الرأي العام المحلي ضدها لأسباب سياسية محلية، إجراء يتسم بعدم المسؤولية ومن شأنه أن يسمم مناخ العلاقات الدولية ويجعله عرضة للإرادات المنفردة ويشيع فيها الفوضى ويقوض أسس حسن الجوار التي تأسست عليها العلاقات السودانية الاثيوبية لقرون.

وأختتم البيان: إن جر مسائل أخرى إلى النقاش غير موضوع التفاوض، وهو ملء وتشغيل سد النهضة، غير منتج ولا هدف له إلا الاستمرار فى عرقلة التفاوض سعياً لفرض سياسات الأمر الواقع التي لا تخدم قضايا حسن الجوار وأمن واستقرار الإقليم والقارة، ومن الافضل لمصالح إثيوبيا وخيارات حاضرها والازدهار المستقبلي المؤمل لكل دول وشعوب المنطقة ذات الصلة أن تعول إثيوبيا على العمل المشترك القائم على المصالح المشتركة، وألا تستغرق في محاولات الهروب من مشاكلها الداخلية بخلق عداوات تختلقها مع السودان أو غيره من دول القارة، وأن تعمل مع السودان وغيره للاتفاق على الأطر القانونية المؤسسة لهذه المصالح والمؤمنة لاستدامتها.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، في مؤتمر صحفي، "مازالت التصريحات السودانية العدائية مستمرة ولم يكتف السودان بالاعتداء على أراض إثيوبية بل انتقل إلى الإدعاء بتبعية إقليم سد النهضة"، مشيرا إلى أن "تصريحات السودان بشأن تبعية إقليم بني شنقول أمر مؤسف ونرفضه تماما وسنصدر بيانا مفصلا حوله"، وذلك حسب إذاعة "فانا" الإثيوبية.

وشدد مفتي خلال المؤتمر قائلا: "مازلنا وسنظل نتمسك بقيادة الاتحاد الأفريقي ولن نقبل بتحركات السودان لربط مسألة الحدود بسد النهضة".

وقبل أيام، اعتبرت وزارة الخارجية السودانية، أن تنصل إثيوبيا من الاتفاقيات السابقة يعني المساس بسيادتها على إقليم بني شنقول المبني عليه سد النهضة، والذي انتقل إليها بموجب بعض من هذه الاتفاقيات.

وتصاعد التوتر بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، مع إعلان أديس أبابا موعد الملء الثاني للسد، في خطوة تعتبرها الخرطوم "خطرا محدقا على سلامة مواطنيها" وتخشى مصر من تأثيرها السلبي على حصتها من مياه النيل.

وأكدت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، أمس الاثنين، أن السودان يعطي عملية الملء الثاني لسد النهضة الذي تعتزم إثيوبيا تنفيذه أقصى درجات الاهتمام، باعتباره قضية "أمن قومي"، مشددة على ضرورة الوصول إلى اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا قبل بدء الملء الثاني للسد.

خلاصة القول وبدون تفاصيل نقول وصلت المفاوضات إلي طريق مسدود بسبب أن إثيوبيا تريد تضييع الوقت، وقد أضاعته عبر سنوات، وكذلك التعنت علي اعتبار أن سد النهضة هو الحلم الإثيوبي، وإثيوبيا كما قال أستاذنا عبد الحليم قنديل هو أنها عبر سنوات مقبلات سوف يتحول إلي حالة يوغسلافيا في أوربا أيام تيتو، حيث كانت تضم أقواما عديدة جدا، والنهاية أن يوغسلافيا قد انقسمت لمجموعة من الدويلات، وأتصور أن إثيوبيا معرضة لهذا التفكيك، في محاولة للقفز إلي الإمام، وحصار هذا التفكيك من خلال خلق حلم واحد اسمه " سد النهضة"، هذا ما تحاوله السلطة الإثيوبية الآن.

والسؤال الآن: ماذا تفعل مصر في الأيام المقبلة؟

اعتقد أنه قضي الأمر حيث جفت الأقلام والصحف وانتهت المفاوضات، ومن ثم فإننا ذاهبون إلي صدام .. لماذا؟ .. لأن النيل بالنسبة للمصريين ليس موضوعا للأمن القومي فقط .. النيل يمثل قضية وجود بالنسبة لمصر .. إما أن توجد أو لا توجد لا سمح الله!.. لا قدر الله!.. والنيل هو وسيلة الأجداد إلي الأحفاد .. فالأجداد كانوا يقولون:" إذا نقص منسوب النيل .. فليهرع كل جنود الملك إلي المنابع ".

والصدام هنا ما أعنيه هو ببساطة شديدة جدا ما أراه في هذه اللحظة أنه لا خيار سوي كسر رأس نظام أبي أحمد وذلك لكونهم يمشون في عملية أشبه بمطاردة الأشباح ؛ بمعني أن أبي أحمد يريد أن يخوض الانتخابات في يوليو القادم، ويريد أن يلعب ببرنامج اسمه الملء الثاني لسد النهضة، ومن ثم يربط بين فكرة نجاحه في الانتخابات والملء الثاني، كما أنه يستخدم فكرة سد النهضة كعنوان لتوحيد المفكك وهي محاولة لإبطاء عملية التفكيك، لكن الصدام كما هو معروف عند كل الإثيوبيين هو أننا سنحشد الملايين للدفاع عن السد، وهذا كلام عبثي، ويثير سخرية .

علي أية حال أنا لست عسكريا ولكن هذه رؤياي ووجهة نظر تجاه الخيار العسكري لأزمة سد النهضة، وبالضرورة أن ما أريد أن أقوله هنا في هذا المقال في هذه اللحظة المهمة من تاريخ مصرنا الحبيبة، وهو أنه شرعية بقاء أي حاكم مصري مرتبطة بمنسوب النيل، وبالحفاظ علي قطرة ماء من النيل الوارد تاريخا إلي مصر عبر إثيوبيا، فالقضية ليست قضية تنطوي علي اختيارات كثيرة، حيث لا يوجد بين بين وبين! .. الاختيار الآن أننا في الأيام الماضية عشنا ذكري العاشر من رمضان، وهذه الذكري تذكرنا كيف اقتحم المصريون خط بارليف، والذي لم بعجزه اقتحام خط بارليف لن يعجزه ضرب سد النهضة وتحويله إلي بركة عفنة تأوي القطط والسباع.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ابراهيم أبراشما يجري في القدس وفي حي الشيخ جراح من محاولات للاستيلاء على مساكن الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين وطردهم منها ليحل محلهم المستوطنون اليهود المجلوبون من كل بقاع الأرض لا يخرج عن سياق ما يجري في مدينة الخليل وخصوصا في البلدة القديمة وفي الحرم الإبراهيمي وفي مدينة نابلس وحول قبر النبي يوسف وفي منطقة الأغوار والمنطقة ج في الضفة التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية وبناء  جدار الفصل، ولا ينفصل عن مشروع كنج 1967 في الجليل و مشروع أو مخطط برافر في النقب 20113، ومئات مشاريع الاستيطان التي لم تتوقف منذ تأسيس المستوطنة الأولى (مكفا إسرائيل) في لواء القدس عام 1870. كلها حلقات من مشروع صهيوني متواصل منذ التأسيس النظري له في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 ووعد بلفور 1917 بل ما قبل ذلك، إلى بداية التأسيس العملي مع قيام دولة الكيان على إثر حرب 1948 وهو مشروع لم يكتمل حتى الآن من وجهة نظر الصهاينة .

المواجهات بين سكان الأرض الأصليين في القدس والشيخ جراح والنقب والجليل وحيفا ويافا الخ من جانب، والمستوطنين وجيش الاحتلال من جانب آخر هي حلقات من مسلسل حرب وصراع متواصلين منذ الصدامات الأولى في القدس مع هبة البراق 1929 مرورا بثورة 1936 ثم نكبة 1948 التي شردت 80% من الفلسطينيين سكان البلاد الأصليين وما صاحبها وتبعها من مصادرة أراضي الفلسطينيين داخل الخط الأخضر ومجازر لم تتوقف منذ مجزرة دير ياسين والطنطورة وغزة، بالإضافة إلى الحروب العربية الإسرائيلية 1948 ،1967 ، 1973، والمواجهات المسلحة بين الثورة الفلسطينية التي انطلقت في منتصف الستينيات ودولة الكيان الصهيوني، و المواجهات المتواصلة داخل فلسطين مع الاحتلال سواء بالأعمال الفدائية المتعددة الأشكال سواء مسلحة أو بالمسيرات والمظاهرات أو الدهس والطعن ،أو من خلال الانتفاضات الشاملة 1987 و200 ، أو المواجهات وموجات العدوان على قطاع غزة، هذا بالإضافة إلى المعارك والمواجهات السياسية والدبلوماسية.

صحيح، بعد توقيع مصر 1979 والأردن 1994 لاتفاقات سلام مع إسرائيل ثم موجة التطبيع الأخيرة مع الإمارات والبحرين وعُمان والسودان والمغرب لم يعد الصراع عربياً إسرائيلياَ، على الأقل رسمياً، وصحيح أيضاً أن منظمة التحرير الفلسطينية أبرمت اتفاقية أوسلو كأساس لتسوية سياسية كما كانت تراهن واعترفت بإسرائيل، كما أن حركة حماس وقعت اتفاقية هدنة وأوقفت المقاومة، ولكن هذا لا يعني نهاية الحرب والصراع لأن الطرف الرئيس في الصراع والمستهدَف من المشروع الصهيوني هو الشعب الفلسطيني الذي لم يستسلم أو يتنازل عن حقوقه الوطنية المشروعة، كما ان الكيان الصهيوني لا يكفيه كل ما جرى وهو يعرف حقيقة أنه سيستمر في حالة حرب وصراع ما دام لم يتم التوصل لتسوية سياسية مرضية للفلسطينيين.

المواجهات في حي الشيخ جراح و في القدس وبقية الأراضي المحتلة ليست بسبب خلاف قانوني على ملكية بعض البيوت والأراضي كما تروج دولة الكيان الصهيوني بل تندرج في سياق النضال الفلسطيني المتواصل والممتد طوال مائة عام في مواجهة مشروع احتلال استيطاني إجلإئي متدرج، يبدأ بالاحتلال ثم الاستيطان فإجلاء السكان الأصليين فالضم، والفلسطينيون الذين يواجهون جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين لا يدافعون فقط عن بيوتهم وأراضيهم بل إن نضالهم جزء من النضال الوطني الشامل في مواجهة مشروع صهيوني عدواني لن يتوقف إلا عندما تُطبق دولة الكيان على كامل أرض فلسطين من البحر إلى النهر كما يصرح قادة الاحتلال أو بانتصار الشعب الفلسطيني وتحقيق أهدافه الوطنية.

من المؤسف أن ردة الفعل الدولية على ما يجري في القدس والشيخ جراح لم تتجاوز الإدانات لإسرائيل كما جرت العادة بالرغم أن الأمم المتحدة ما زالت تعتبر القدس الشرقية جزءاً من الأراضي المحتلة التي لا يجوز لدولة الاحتلال تغيير معالمها أو نقل سكانها أو تهجيرهم، كما أنه من المؤسف والمُعيب أن ما يجري في القدس لم يحرك ساكناً عند العرب والمسلمين لا رسمياً ولا شعبياً، ولكن من المثير للغضب أن التعامل الرسمي والحزبي الفلسطيني لا يرتقي حتى الآن لمستوى خطورة ما يجري بحيث كان الانشغال بالانتخابات وإشكال تأجيلها أكثر من الاهتمام بما يجري في القدس.

السلطة الفلسطينية اكتفت بالتوجه للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية لإدانة ما يجري في القدس والشيخ جراح كما هي العادة مع كل سلوك عدواني صهيوني كالاستيطان وبناء جدار الفصل أو لإدانة العدوان على غزة أو ضم القدس، كما أن حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى تكتفي بالتنديد والتهديد وإطلاق صواريخ عبثية بالكاد تتجاوز حدود قطاع غزة، بينما عندما اغتال جيش الاحتلال القائد القسامي أحمد الجعبري في الرابع عشر من نوفمبر 2012 اندلعت حرباً أطلقت عليها المقاومة اسم "معركة حجارة السجيل " وامتدت لثمانية أيام شاركت فيها كل الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة وفيها وصلت صواريخ المقاومة لتل أبيب والقدس ومدن أخرى وسقط في الحرب 191 شهيداً وحوالي 1400 جريحا، وعندما اغتالت إسرائيل في فجر الحادي عشر من نوفمبر 2019  القيادي في الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا ردت حركة الجهاد مباشرة وبقرار منفرد منها وأطلقت عشرات الصواريخ على مواقع ومدن إسرائيلية وردت إسرائيل بقصف عدة مواقع في غزة وسقط عشرات القتلى والجرحى .!!!

نقدر ونثمن ونعتز ببطولات أهلنا في القدس والشيخ جراح ولكن يجب ألا نُحملهم أكثر من طاقتهم فالبطولة والتضحية شيء وتحقيق الانتصار شيء آخر، وإن استمر الموقف الرسمي والفصائلي على ما هو عليه مكتفيا بالتنديد وإصدار البيانات ومناشدة دول العالم بالتدخل لردع إسرائيل، وإن استمرت عملية تجزئة وتفتيت المشهد السياسي وحرف الصراع عن النقطة المركزية وهو الاحتلال الذي بدأ عام 1948 ، وإذا استمرت النخب السياسية منشغلة بقضايا جانبية كالتسوية السياسية وأوهام حل الدولتين والانقسام و الانتخابات والصراع على السلطة، والصراع بين مشروع إسلامي ومشروع وطني ... فإن إسرائيل لن تكسب معركة حي الشيخ جراح فقط بل ستحقق كامل مشروعها الصهيوني على أرض فلسطين.

ليس في قولنا هذا تقليل من شأن  بطولات أهلنا في القدس وفي كل مواقع الاشتباك مع العدو كما أنها ليست دعوة للتشاؤم والاحباط و لتثبيط همة الشعب، بل التحذير مما يخطط له الاحتلال، فسياسته باتت واضحة وهي تصعيد وهجوم ثم تراجع تكتيكي لامتصاص حالة الغضب المحلي والدولي بعد أن يكون حقق بعض أهدافه، ثم هجوم جديد فتراجع تكتيكي وهلم جرا.

وأخيراً، إن لم تكن وظيفة السلطة/ السلطتان في غزة والضفة ووظيفة الفصائل والأحزاب التي تحمل مسميات التحرير والجهاد والمقاومة والنضال الخ تحرير فلسطين ووقف العدوان على شعبنا فما مبرر وجودها ؟.

 

إبراهيم أبراش

 

 

باسم عثمانإن القرار بتأجيل الانتخابات الفلسطينية (دون تسويغات قانونية ووطنية)، شكّل انتكاسة لكل الجهود الوطنية وصدمة حقيقية  للرأي العام الفلسطيني، الذي راهن على أن تكون الانتخابات بمحطاتها الثلاث مدخلا لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وخطوة جوهرية على طريق بناء نظام ديمقراطي تعددي، وتوازنات سياسية جديدة تحيي الأمل لدى الفلسطينيين بفجر سياسي جديد، يُنهي "الثنائية السياسية" التي تحكمت بالمشهد السياسي الفلسطيني لعقود طويلة، وكانت المبررات في تمرير قرار التأجيل "واهية" و"ذريعة" لا تنطلي على احد من متابعي المشهد الفلسطيني وتفاعلاته، وليست مسألة ذات صلة بالشأن الداخلي الفلسطيني وتعقيداته، خاصة وأن قرار التأجيل اعتمد على تنكر الكيان الاسرائيلي للبروتوكول الملحق "باتفاقية أوسلو" بشأن اجراء الانتخابات في مدينة القدس، والذي يحصر حق المشاركة في الانتخابات فقط في بضعة الاف من الفلسطينيين، يدلون بأصواتهم في مراكز بريد إسرائيلية، والذي يحظر ايضا على لجنة الانتخابات المركزية وعلى القوائم الانتخابية وممثليها مجرد التواجد فيها، ويحرم المقدسيين أصلا من حق المشاركة في أية انتخابات فلسطينية ترشيحا وانتخابا ودعاية داخل القدس، ويُحيلهم الى الانتخاب في مراكز الاقتراع في مناطق السلطة خارج المدينة.

من الناحية القانونية:

-لا يجوز للسلطة التنفيذية تأجيل الانتخابات إلا بتوصية من لجنة الانتخابات المركزية، تُقرر فيها تأجيل الانتخابات لفترة تراها مناسبة ولأسباب قاهرة، أما وقد أعلنت لجنة الانتخابات بأنها قادرة على إجراء الانتخابات، فيجب الاستمرار في هذه العملية.

- المادة (115) من قانون الانتخابات عالجت موضوع القدس، إذ تنص على إعداد سجل للناخبين الفلسطينيين في القدس، وعلى أن للجنة الانتخابات الحق في اتخاذ أية إجراءات واتباع أية وسائل تراها مناسبة، لضمان تمكين الناخبين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في الاقتراع، وهذه المادة تؤكد تجاوز اتفاق أوسلو، فضلًا عن أن الدستور والقانون يقران بانتهاء أوسلو.

-الطعن في المرسوم لدى محكمة النقض، كون مرسوم التأجيل مخالفًا للدستور والقانون، بغض النظر على ان القضاء الفلسطيني مُسيّس بمحاكمه الإدارية والدستورية، لكنه يبقى خيارا قانونيا وشكلا من اشكال تعبئة وجمهرة الرأي الفلسطيني العام.

-القانون والنظام الأساسي الفلسطيني لا يتضمن في مواده وبنوده، فقرة تخص نائب الرئيس، مثلما تم الإعلان عنه في بعض القوائم الانتخابية، والذي يتطلب اقراره موافقة ثلثي أعضاء المجلس التشريعي، لذلك فهو لا يستند إلى أساس قانوني أو دستوري، والهدف منه حل خلافات شخصية داخل الحزب الواحد، او عدم السيطرة على تشكيل القوائم الانتخابية داخل الحزب الواحد وخاصة (حركة فتح)، فهناك قائمتان تشكلتا خارج قائمة الحركة الرسمية، وهما قائمة (المستقبل) بقيادة محمد دحلان وقائمة (الحرية) بقيادة مروان البرغوثي وناصر القدوة، فضلًا عن إصرار البرغوثي على الترشح للانتخابات الرئاسية.

أسباب التأجيل:

- لن يغير جوهريًا من فلسطينية القدس ومن حقوقها الوطنية والتاريخية، وفق كل المعايير الداخلية والدولية، من إجراء الانتخابات في مراكز البريد الإسرائيلية (المهينة للشعب الفلسطيني وتضحياته الجسام) او من عدمها، في الوقت التي يجب العمل على تحويلها الى معركة وطنية مع الاحتلال وبكل السبل والمقاييس، من خلال تثبيت حضورها الوطني في نصرة تاريخها وفلسطينيتها، في الاقتراع في المساجد والكنائس والمؤسسات الفلسطينية والدولية ومقرات الاونروا والأمم المتحدة الممثلة بهيئاتها الحقوقية والإنسانية.

- بعد هبة القدس الوطنية واصرارها على التأكيد على هويتها وفلسطينيتها، في وجه كل القرارات الامريكية والإسرائيلية بهدف تهويدها وطمس هويتها الوطنية، فصيغة الانتخابات في مراكز البريد الإسرائيلية هو الذي يكرس سيادة "إسرائيل" عليها وينعش روح الحياة في صفقة "القرن".

- فشل الصفقات الثنائية (الوطنية والبينية الداخلية) بخوض الانتخابات، والتي تجعل النتائج مضمونة في التوافق على الرئيس عباس، كمرشح توافقي واحد في الانتخابات الرئاسية.

- تعدد القوائم الانتخابية الوطنية وداخل الحزب الواحد وبدون "تفاهمات حزبية داخلية "، كالراقص على العزف المنفرد، زاد الطين بلة؟!، خصوصًا أن (15) قائمة منها تنتمي لحركة فتح، ومنها قائمة وازنة هي قائمة "الحرية" بقيادة مروان البرغوثي ورئاسة ناصر القدوة، الأمر الذي يجعل قائمة "فتح" الرسمية معرضة لتشتت أصوات جمهورها، ولن تحوز حتمًا على الأغلبية، فضلًا عن التزام قائمة "الحرية" بدعم ترشح البرغوثي للرئاسة.

- ان الحديث على التمسك بخوض الانتخابات بمراكز البريد الإسرائيلية، هي رسالة وثيقة الارتباط ومقدمة للتحلل من قرارات "وقف التعامل مع أوسلو"! ولضمان استئناف مسيرة المفاوضات كخيار أوحد لدى النخبة السياسية السلطوية.

- عدم التوافق الإقليمي والدولي على إجراء الانتخابات الفلسطينية، ورضوخ النخبة السياسية الفلسطينية لهذه الاملاءات.

خلاصة القول والرأي:

للتأجيل تداعيات وخيمة سياسية ووطنية وقانونية وديمقراطية، وسيعمق حالة الإحباط واليأس للشعب الفلسطيني وقواه السياسية والمجتمعية بنخبته السياسية، الامر الذي سيزيد الهوة وانعدام الثقة بين السلطة السياسية والكل الفلسطيني بمجموع شرائحه وفئاته وقواه الوطنية والسياسية، الامر الذي سيفتح الباب على مصراعيه، لتدخل الاحتلال والمحاور الإقليمية والدولية أكثر فأكثر في الشؤون الداخلية الفلسطينية، وتقويض ما تبقى من نقاط القوة في الحالة الفلسطينية ومشروعها الوطني.

لقد دعونا مرارا وتكرارا، بأن الانتخابات الفلسطينية حاجة أساسية لبناء نظام ديمقراطي يحظى بالمشروعية الوطنية والسياسية، كما باتت ضرورة لتجاوز أزمات “الاستعصاء ” الفلسطينية على الصعيدين البنيوي المؤسساتي ومشروعية النظام السياسي الفلسطيني، ومما لا شك فيه أيضا، ان الانتخابات الفلسطينية  بالإضافة إلى كونها استحقاقا دستورياً وديمقراطيا، فلا بد لها ان تأتي كنتيجة طبيعية لضرورة وطنية استكملت شروطها الداخلية: في أسس استعادة الوحدة الوطنية وانهاء الانقسام، ومن ثم العمل على تشريع مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، من خلال التوافق على الحل السياسي واستراتيجيته الوطنية، في إيجاد مخرج وطني لمأزق سياسي وبنيوي عصف بكل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني وشرعيتها.

في هذا السياق، تكون الانتخابات الفلسطينية جزء من الحل، ونتيجة طبيعية للحل الوطني العام لتحديات الحالة الفلسطينية وتعقيداتها، وليست كل الحل، وليست وسيلة لتقويم المسار السياسي، بل ممكن ان تكون اداة لتكريس الانقسام وتبعاته بغياب الحل السياسي والتنظيمي!، هي الأداة والوسيلة لأهداف وطنية وسياسية وبرنامجية كبرى، وليست هدفاً بحد ذاته، لذلك،تكون عملية اجراء الانتخابات بدون انهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، والتوافق على رؤية وطنية في اطار الشراكة السياسية – مغامرة غير محسوبة العواقب وقفزة في المجهول، الّا اذا كان الهدف منها إدارة الانقسام وإعادة انتاج الذات المأزومة سياسيا، واستنساخ " المشهد البديل"و تزيينه ببعض الرتوش والضوضاء الإعلامية و شيء من المشروعية الشعبية امام الرأي العام العالمي والرهان من جديد على المتغيرات الإقليمية والدولية.

ان "التفاهمات الثنائية" بديل عن الحوار الوطني الشامل والفاعل، شأنها ان تكرس نهج "الأبوة " السياسية واحتكار المسؤولية، وإدارة انتكاسات الحالة الفلسطينية "صورياً"، والامعان في إدارة الظهر لإرادة الجمهور الفلسطيني واغترابه الوطني والسياسي عن حالته الوطنية ومرجعيته السياسية.

ان تجاهل متطلبات النهوض الوطني الفلسطيني والياته، وتجاهل تحديات مشروعه الوطني وقضايا الخلاف الأساسية، بمعزل عن التوافق والاتفاق الوطني العام، سنغرق مجددا في دوامة من الانتكاسات الوطنية، ولن نرتقي بالورقة الفلسطينية الى مستوى المخاطر والتحديات الراهنة، لأن العملية الوطنية ليست انتقائية او تجريبية، بل رزمة كاملة ومتكاملة، والحل في التوافق والاتفاق على استراتيجية وطنية.

اضف الى ذلك، ان حصلت الانتخابات الفلسطينية كخيار وطني(بالتوافق على رؤية وطنية او بدونها)، يجب أن تجري في القدس والضفة الفلسطينية وقطاع غزة، وعلى الطريقة الفلسطينية الخالصة، باعتبارهم وحدة جغرافية واحدة غير قابلة للتجزئة ، واعتبار القدس أولوية : وذلك لكونها عاصمة الدولة الفلسطينية، واعتبار اجراء الانتخابات فيها معركة وطنية، لتجديد التأكيد على موقف الشعب الفلسطيني الرافض لكافة الاجراءات الأحادية التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال، بهدف تغيير الوضع القانوني للقدس وطمس هويتها الوطنية، كما يمثل هذا الموقف، بمثابة تأكيد جديد على الموقف الفلسطيني الرافض للمواقف والاجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، باعتبار القدس عاصمة لكيان الاحتلال وما تبعه من إجراء في نقل السفارة الأمريكية إليها.

ان الحالة فلسطينية ومتطلباتها، بحاجة الى ثورة على وقائع وتفاصيل سياسات باتت مسيطرة على العقل القيادي الفلسطيني وفلسفته، تجاه مختلف قضايانا الأساسية والجوهرية، وبهذا السياق، لابد من اعادة تموضع جديد في سياسة النخبة الفلسطينية وفلسفتها، فلسفة تقوم على ديمومة المقاومة وابتداع ادواتها والياتها، ونبذ "فن التكتيك" والمراوغة في احتراف العمل السياسي ودهاليزه، التي اصبحت تُثقل كاهل قضيتنا وتحملها ما لا يمكن احتماله.

لذلك، وقبل الدعوة لانتخابات فلسطينية جديدة، لا بد من حلحلة العوائق التي حالت دون إجرائها حاليًا، وهي حسابات فصائلية داخلية، لأن قطار التغيير انطلق، وهو ما لا يمكن إيقافه أبدًا، والصراع سيستمر بين التجديد والتغيير وبين الفئوية والانتظارية واحتلال المواقع الثابتة، ولهذا، فان تأجيل الانتخابات هو في واقع الأمر تأجيل لمعركة القدس المهددة يومياً بعمليات التهويد والأسرلة والتطهير العرقي، كما يجري هذه الأيام من تهديد عشرات العائلات بالتهجير من حي الشيخ جراح وحي البساتين ووادي الجوز والعيسوية.

في هذا السياق، يجب تحويل الانتخابات في القدس الى معركة سياسية ووطنية، لكسر المعادلة السياسية التي تحاول سلطات الاحتلال فرضها بالقوة على المدينة ، مستلهمين في ذلك العبر والدروس من تجارب خاضها المقدسيون، معززين بدعم وإسناد ومشاركة الكل الفلسطيني في الوطن وفي الشتات، بدءا بانتفاضة  البوابات في المسجد الاقصى المبارك في تموز من العام 2017، مرورا بهبة الحفاظ على مصلى باب الرحمة عام 2019، وانتهاء بهبة باب العامود، وهي تجارب كفاحية أثبتت الجماهير الفلسطينية في القدس أنها قادرة على الفوز فيها وعلى دفع العدو المحتل الى التراجع .

 

د. باسم عثمان

الكاتب والباحث السياسي

 

 

علاء اللاميإسرائيل شاحاك: أستاذ جامعي إسرائيلي بولندي متخصص في الكيمياء. ولد في وارسو في بولندا، وهو من الناجين من الهولوكوست النازي وقد قضى طفولته في معتقل بليسين النازي. عرف عنه نقده الصريح للحكومة الإسرائيلية وللمجتمع الإسرائيلي على وجه العموم. كما أن كتاباته حول الديانة اليهودية والتراث اليهودي القديم امتازت بالعمق والنقدية والصراحة الشديدة فأثارت الكثير من الجدل، وقد اتهمه الصهاينة بـ "معاداة السامية" على إثرها وتعرض للاضطهاد والتهميش طويلا. كان نقديا ضد الكيان الصهيوني واشتهر بكشفه في الإعلام عن حادثة أو جريمة امتناع يهودي أصولي عن استعمال هاتفه يوم السبت لطلب سيارة إسعاف لإنقاذ رجل فلسطيني قرب القدس لأن عقيدته الدينية تمنعه من فعل ذلك كما قال، وكان شاحاك شاهد عليان على هذه الحادثة، وقد تضامنت الأوساط والمؤسسة الدينية اليهودية مع ذلك الشخص اليهودي وأيدت فعلته. وقد روى هذه الحادثة في كتابة الشهير "التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة"، والذي أقتبس منه هذه السلسلة من المختارات.

ج1/عن معنى "إسرائيل كدولة يهودية": كتب إسرائيل شاحاك: "كان مبدأ كون إسرائيل "دولة يهودية" ذا أهمية فائقة للسياسيين الإسرائيليين منذ قيام الدولة...وعندما ظهرت في أوائل الثمانينات من القرن الماضي أقلية يهودية تعارض هذا المفهوم، صدر قانون دستوري له الأولوية على أحكام القوانين الأخرى، وقد أقرته غالبية كبيرة في الكنيست "البرلمان الإسرائيلي"؛ وبموجب هذا القانون لا يجوز لأي حزب سياسي إسرائيلي يعارض برنامجه مبدأ "الدولة اليهودية" أو يعلن عن عزمه تغيير هذا المبدأ بالوسائل الديموقراطية، أن يشارك في انتخابات الكنيست. أنا نفسي عارضت هذا المبدأ الدستوري، والنتيجة هي أني لا أستطيع، في الدولة التي أنا مواطن فيها، الانتساب إلى حزب سياسي أؤيد مبادئه، ولا يستطيع هذا الحزب الاشتراك في انتخابات الكنيست. ... بموجب هذا التعريف الرسمي تعود "إسرائيل" لأشخاص تعرفهم السلطات بأنهم يهود وهي لهم وحدهم بصرف النظر عن مكان وجودهم ... وهذا يعني عمليا أن أفراد قبيلة في دولة بيرو، إذا تحولوا إلى اليهودية يصبحون مؤهلين لأن يكونوا مواطنين إسرائيليين ينتفعون بحوالي 70 بالمائة من أراضي الضفة الغربية، وجميع غير اليهود - وليس الفلسطينيون فقط - ممنوعون من الانتفاع بتلك الأراضي. مسألة البيروفيين الذين تحولوا الى اليهودية حصلت فعلا منذ عدة سنوات، وقد استوطن هؤلاء اليهود الجدد في الضفة الغربية بالقرب من مدينة نابلس على أرض محرمة على غير اليهود" / ص 12 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

ج2/حدود دولة "إسرائيل" التوراتية ليست في المتاحف بل في التطبيق/ يعتقد البعض أن قضية حدود الكيان الصهيوني التوراتية " من النيل الى الفرات " هي مجرد خرافات أو مقولات دينية مكانها المتحف ولا ينبغي القلق بشأنها في حين أنها مقولات سياسية يحاول الصهاينة تطبيقها وإحياءها بإصرار في عصرنا... لنقرأ ما كتب الكاتب المناهض للصهيونية إسرائيل شاحاك: "قيد التداول الآن نسخ عديدة متناقضة للحدود التوراتية لأرض إسرائيل، التي تعتبرها المراجع الدينية اليهودية أرض الدولة اليهودية. أبعد هذه النسخ مدى تشمل المناطق التالية: جنوباً، تشمل كل صحراء سيناء وجزءا كبيرا من شمال مصر حتى ضواحي القاهرة. وشرقاً، كل الأرض وقطعة كبيرة من السعودية وكل الكويت وجزءا كبيرا من العراق. وشمالا كل سوريا ولبنان وجزءا كبيرا من تركيا حتى بحيرة وان وغربا قبرص. وقد نُشر في إسرائيل كمٌّ هائل من الأبحاث حول هذه الحدود، وصدر العديد من الكتب والأطالس والمقالات ونماذج من الدعاية الشعبية وغالبا بدعم مالي من الدولة. حتى أن الحاخام النافذ دوف ليور (DOV LIOR)، صرح تكرارا إن فشل إسرائيل في احتلال لبنان عقوبة إلهية وقعت على إسرائيل بحق لأنها تخلت عن جزء من أرض إسرائيل وبالتحديد إعادة سيناء إلى مصر. "..." في أيار 1993 اقترح رئيس الوزراء أرييل شارون رسمياً في مؤتمر حزب الليكود أن تتبنى إسرائيل الحدود التوراتية كسياسة رسمية". / ص 20 – 21 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

ج3/ إسرائيل_شاحاك: العقوبات الدينية البدنية حتى الموت التي كان يقيمها "الحاخامات اليهود" على المخالفين لتعاليمهم: يكرر بعض الليبراليين القشريين واليساريين أو البعثيين المنقلبين إلى ليبراليين مجوفين مقولات فارغة من قبيل "أن العنف الديني الرجعي، والعقوبات الدينية البدنية ثيمة خاصة بالإسلام والمسلمين" وإن ما يسمونها "التركيبة الدينية الإسلامية المنغلقة لا تشبه أية تركيبة أصولية في الأديان الأخرى"، ويرفض هؤلاء أن يصدقوا ما يقوله الواقع التاريخي الثيولوجي والمثيولوجي والانثروبولوجي والتحليلات العلمية الحديثة لهذا التاريخ من أن هذه الثيمة أو المقولات التأسيسية العنيفة موجودة في جميع الأديان والحضارات البشرية وليس حكرا على دين أو مذهب معين إلا عند المصابين بالحَوَلِ الفكري وبالانحياز للغرب وثقافته والتي هي – لو فكروا بعقلانية- لوجدوا أنها بصفتها ثقافة حديثة ثمرة أممية كل الحضارات الإنسانية وليست أوروبية غربية أصلا... لنقرأ ما كتبه الكاتب المناهض للصهيونية إسرائيل شاحاك عن العقوبات البدنية في الديانة اليهودية والتي كان يطبقها الحاخامات بأنفسهم: "منذ أواخر أيام الإمبراطورية الرومانية، مارست الجاليات اليهودية - في أوروبا - سلطة قانونية واسعة على أعضائها، سلطة قمع عارية مثل الجلد والحبس والنفي، كل هذا كان يمكن إيقاعه على أي فرد يهودي من قبل محكمة حاخامية عقابا لكل أنواع الجرائم. وفي بلدان عديدة كإسبانيا وبولندا كان يمكن إيقاع عقوبة الإعدام بالمدانين؛ وأحيانا بأساليب متناهية القسوة كالجلد حتى الموت. وكان للسلطات الحكومية في الدول المسيحية والإسلامية مصلحة مالية أحيانا؛ بالإضافة إلى مصلحتها في حفظ النظام تشجع عليه، كان الحاخامون يدفعون تسعة أعشار الغرامات التي يفرضونها على اليهود من أبناء جاليتهم إلى الملك "في ذلك البلد"... كانت قواعد الشريعة اليهودية ملزمة لليهود تحت طائلة الإرغام، ولا يستطيع اليهودي أن يهرب منها إلا بالتحول إلى دين الأغلبية ... ولن يجد المرء في كل كتابات حنة آرندت عن اليهود والشمولية أو كليهما، على غزارتها أي تلميح عن حالة المجتمع اليهودي في ألمانيا في القرن الثامن عشر: كحرق الكتب واضطهاد الكتاب، النزاع حول قوة التعاويذ السحرية، حظر التعليم غير اليهودي حتى لو كان ابتدائيا...وحتى في الثلاثينات القرن التاسع عشر أمر الحاخام  الأقدس "تزاديك" في مدينة صغيرة في أوكرانيا بإعدام منشق يهودي بإلقائه في ماء حمامات وهو يغلي. ص 28 و30 و31 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

ج4/ الإبادة الدينية على طريقة سفر يوشع التوراتي/ كتب إسرائيل شاحاك: "كان هناك عالم اجتماع وتوراتي قوي النفوذ هو يحزقيال كوفمان دعا إلى الإبادة العنصرية على طريقة سفر يوشع"1". والفيلسوف المثالي هوغو شوميل بيرغمان الذي دعا سنة 1914 إلى طرد جميع الفلسطينيين إلى العراق، وكثيرون آخرون. كانوا كلهم في الظاهر "حمائم" لكنهم استغلوا صيغا يمكن استغلالها بتطرف شديد ضد العرب، وكلهم كانوا من ذوي الميول الصوفية الدينية التي تشجع على نشر الأكاذيب متظاهرين بعدم القدرة على إيذاء ذبابة ولهذا السبب بالذات كان تأثير خداعهم أشد. ص 46 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

 

إعداد: علاء اللامي

...................

*هامش "1": في سفر يشوع، وهو سادس سفر من حيث الترتيب في "التناخ" الكتاب المقدس في الديانة اليهودية والذي يضم التوراة والأنبياء والكتابات (توراة – نفيئيم – كتوفيم) ويسمى "العهد القديم" في المسيحية، نقرأ أمثلة التالية على القسوة البالغة والتحريم بحد السيف "القتل" الذي لم يستثنِ الأطفال والنساء والبهائم:

 

أ - في اقتحام أريحا "وحرَّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف.. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها" (س/يش 6: 21، 24). 

ب- عند اقتحام عاي "ودخلوا المدينة وأخذوها وأسرعوا وأحرقوا المدينة بالنار.. فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء أثنى عشر ألفًا جميع أهل عاي. ويشوع لم يرَّد يده بالمزراق حتى حرَّم جميع سكان عاي.. وأحرق يشوع عاي وجعلها تلًا أبديًّا خرابًا إلى هذا اليوم" (س/يش 8: 19-28). 

جـ- في سفر يشوع تتكرَّر عبارة (الضرب بحد السيف وتحريم كل نفس حتى لم يبقَ شارد) بمعنى أو بآخر وذلك في اقتحام مقيدة، ولبنة، ولخيش، وعجلون، وحبرون، ودبير، وكل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح (راجع س/يش 10: 28، 30، 32، 35، 37، 38، 39، 40). 

د - في اقتحام حاصور "ضربوا كل نفس بحد السيف. حرَّموهم ولم تبقَ نسمة. وأُحرق حاصور بالنار. فأخذ يشوع كل مدن أولئك الملوك وجميع ملوكها وضربهم بحد السيف. حرَّمهم كما أمر موسى عبد الرب" (س/ يش 11: 11، 12). 

ج5 والأخير/خطة طرد الفلسطينيين من وطنهم أعدها حزب العمال البريطاني سنة 1944، وهي تشبه خطة هتــلر للتعامل مع اليهود/ كتب إسرائيل شاحاك: "في عام 1944، إبان النضال الفعلي ضد هتــلر، اعتمد حزب العمال البريطاني خطة لطرد الفلسطينيين من فلسطين، تشبه الخطط الأولى التي أعدها هتــلر قبل 1941 للتعامل مع اليهود، وقد اعتُمدت هذه الخطة نتيجة ضغط من الأعضاء اليهود في قيادة حزب العمال حيث أبدى العديد منهم تأييدا لكل سياسة إسرائيل أشد بكثير من تأييد أي محافظ لسياسات أيان سمث ...إن الوضع السائد في الولايات المتحدة مماثل لذلك، والليبراليون الأميركيون هم الأسوأ. هذا ليس مجالا للتحري عن النتائج السياسية لهذا الوضع، ولكن علينا أن نواجه الحقيقة، وهي أن أعدى أعدائنا في نضالنا ضد العنصرية والتطرف في الديانة اليهودية، ليسوا العنصريين اليهود (ومستغلي العنصرية) بل هم غير اليهود الذين يدعون –كذبا في رأيي – أنهم تقدميون في مجالات أخرى" وأيضا "واقع الأمر أن عددا من أعداء الستالينية المزعومين استبدلوه بصنم آخر يعبدونه وجنحوا نحو تأييد العنصرية والتطرف اليهوديين بحماس أشد ونفاق أدهى مما كنا نلمسه لدى الستالينيين في الماضي. هذه الظاهرة بدأت قبل ذلك بكثير لاسيما في الأوساط الاشتراكية الديموقراطية. فأحد أصدقاء ماركس وهو موسى هيس والمشهور على نطاق واسع والمقدر كأحد أوائل الاشتراكيين في ألمانيا فضح نفسه أخيرا كعنصري يهودي متطرف لا تختلف آراؤه عن "العرق اليهودي النقي" عن الآراء الجوفاء عن "العرق الآري النقي - يقصد النازية". ولكن الاشتراكيين  الألمان الذين ناضلوا ضد العنصرية الألمانية ظلوا ساكتين عن العنصرية اليهودية. ص 48/ من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة". 

*رابط لتحميل نسخة رقمية بي دي أف من الكتاب: 

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D8%A3%D8%A9-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A2%D9%84%D8%A2%D9%81-%D8%B3%D9%86%D8%A9-pdf?fbclid=IwAR3tjsqrrfuUweaP3NCqZ7s6lCkW0hesqOdmYMi1HUyHAfFZtmoLInvYinQ

 

***رابط لقراءة مقدمة الراحل أدوارد سعيد لطبعة أخرى من الكتاب: 

https://www.diwanalarab.com/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR249bRLmX6cSDWbcHkl-A8i70Zbh4OQQkYMd1HeaCj2-0w2macnB45_Dcg

 

 

 

جاسم الصفارفي 30 أبريل الماضي بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها بسحب قواتهم من أفغانستان التي احتلتها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وفي التاسع من أبريل مرت الذكرى السنوية لسقوط نظام الدكتاتور صدام حسين عام 2003، الذي أرخ لبداية غزو العراق. فما هي المقاربات بين الاحداث في أفغانستان والعراق والتي بدأت مع بداية هذا القرن، ما هي أسبابها وما الذي يتوقع حصوله بعد مغادرة آخر طائرة تحمل ما تبقى من جنود التحالف من البلدين.

قبل أقل من عشرين عامًا بقليل، بعد أسابيع قليلة من هجمات 11 سبتمبر 2001، دخل تحالف بقيادة الولايات المتحدة أفغانستان في محاولة لسحق طالبان وتدمير البنية التحتية المزعومة لمنظمة القاعدة الإرهابية الدولية. علما بأن إرهابيو القاعدة الذين خططوا وشاركوا في هجمات 11 سبتمبر، لم يكن بينهم أفغاني واحد. كما أن الحجة التي تذرعت بها الإدارة الامريكية بوجود قواعد للمنظمة الإرهابية في أفغانستان وعدم تسليم بن لادن واعوانه الى أمريكا، هي حجة واهية ومبتدعة. والا فلماذا لم تتعرض الباكستان للاحتلال العسكري أو حتى للعقوبات بسبب اختباء بن لادن ومساعديه في أراضيها فيما بعد.

على أي حال، بعد أحد عشر عامًا، أي في عام 2012، في أبوت آباد، خلال عملية خاصة قامت بها قوات كوماندز أمريكية، قُتل مؤسس القاعدة، أسامة بن لادن، بالرصاص ورميت جثته في البحر، حسب الرواية الامريكية. وبعد تسع سنوات من ذلك التاريخ، أي في 30 أبريل الماضي، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها بسحب قواتهم من أفغانستان.

الحقائق على الأرض تشير الى أن حركة طالبان تمكنت، بصورة كاملة أو جزئية، من السيطرة على ما يصل إلى 70 في المائة من البلاد على مدى السنوات الماضية التي مرت على الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وشكلت في العديد من المقاطعات هياكل إدارية موازية لتلك التي أقامتها الحكومة المركزية. يضاف الى ذلك، تفاقم حالة الإحباط والتشتت التي ظلت تعاني منه حكومة كابول رغم الدعم الأمريكي السخي لها.

تحت ضغط هذه الوقائع أعلنت الولايات المتحدة على لسان رئيسها السابق دونالد ترامب عن خروج وشيك من أفغانستان التي وصفها "بمقبرة الإمبراطوريات". مضيفا، أن بقاء القوات الامريكية هناك أصبح "لا معنى له"، و"يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، لذا حان الوقت لإنهائه". ثم أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، في خطابه بتاريخ 14 أبريل 2021، بصورة لا لبس فيها أن "ليس لدينا ما نفعله في أفغانستان لفترة طويلة، وليس من الواضح سبب وجودنا هناك على الإطلاق طوال السنوات الثماني الماضية، لتكن شؤون هذه الدولة من اهتمام الروس والصينيين والهنود والأتراك". بناءَ على ذلك، يعترف بايدن، ولو بصورة غير مباشرة، بيأس الولايات المتحدة من تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي من أجلها جاءت الى أفغانستان. أما أهداف الحملة المعلنة، أو التي تذرعت بها، فلم يتحقق منها شيء. طالبان باقية، أما القاعدة، فقد ولدت من رحمها حركات لا تقل عنها توحشا ودموية.

اليوم لدى طالبان نحو 80 ألف عنصر مدرب على القتال في ظروف قاسية، مع مخزون كاف من السلاح. وإلى جانب ذلك، تتمتع طالبان بدعم نشط للغاية من السكان البشتون المحليين. لذا يفترض العديد من المحللين، أنه بمجرد مغادرة آخر جندي من قوات التحالف الأراضي الافغانية، سيوقف قادة طالبان أي مفاوضات مع كابول ويبدئون هجومًا واسع النطاق على الهياكل الحكومية، لا تصمد أمامه طويلا، حسب التوقعات، حكومة كابول. وللتذكير فقط، بعد انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان، صمد نظام الرئيس الافغاني نجيب الله لمدة ثلاث سنوات دون أي مساعدة كبيرة من الحكومة الروسية.

وتجدر الإشارة الى أنه، قبل عامين، عندما بدأت إدارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب محادثات سلام مع طالبان في الدوحة (دون مشاركة حكومة كابول)، كان واضحا حينها أن طالبان يعتبر نفسه الممثل الوحيد للشعب الافغاني، وأن أمريكا تدرك هذا الواقع، خاصة بعد فشل المفاوضات بين طالبان وكابول، التي بدأت بعد توقيع اتفاق سلام بين طالبان والولايات المتحدة في فبراير من العام الماضي، في الوصول الى أي نتيجة.

في مقاربة منطقية لابد منها أعود الى ما بعد غزو أفغانستان في 11 سبتمبر 2001، فمخطط بسط هيمنة القطب المنتصر في الحرب الباردة، على آسيا كان يفترض كذلك دولة أخرى في الشرق الأوسط لا تقل أهمية عن أفغانستان في كونها حلقة وصل إستراتيجية حيوية لتحقيق طموحات الدول الإقليمية، وهي العراق. لذا فبمجرد استتباب الوضع للقوات الامريكية في أفغانستان، وضع جورج دبليو بوش نصب عينيه غزو بلاد الرافدين واعادتها الى فلك السياسة الغربية.  في وقت مبكر من عام 2002، صرح الرئيس الأمريكي مرارًا وتكرارًا أن واشنطن تسعى لتغيير النظام في العراق باستخدام جميع الوسائل المتاحة لها. في الوقت نفسه اتهم البيت الأبيض العراق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل التي تشكل تهديدا للدول المجاورة والامن العالمي.

في الخامس من شباط (فبراير) 2003، تحدث وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في اجتماع خاص لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقدم أدلة مفبركة "تثبت" أن العراق يخفي أسلحة دمار شامل عن المفتشين الدوليين. ثم عاد ليعترف، بعد الغزو، بأنه استخدم، في خطابه المذكور، معلومات غير دقيقة لم يتم التحقق منها.

في 17 مارس 2003، ألقى الرئيس بوش خطابًا إلى الأمة الامريكية أعلن فيه أنه بمجرد فشل مجلس الأمن الدولي في تحمل مسؤولياته، فإن الولايات المتحدة ستتصرف بمبادرة منها. بعد ذلك بيومين، بدأت الحرب لغزو العراق دون قرار من الأمم المتحدة. وكانت النتيجة انهيار سريع لنظام الدكتاتور صدام حسين في 9 أبريل من نفس العام وتم أسره ثم اعدامه.

لم تفت الرئيس بوش الإشارة الى العلاقة الوثيقة بين الاحتلالين في السياسة ألأمريكية، حين قال في خطاب القاه بمناسبة يوم المحاربين القدامى عام 2003 "مهمتنا في العراق وأفغانستان واضحة لأفراد جيشنا وواضحة لأعدائنا... يكافح رجالنا ونسائنا للمساعدة في بناء الديمقراطية والسلام والعدالة في منطقة مضطربة وعنيفة."

بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح العالم بمجمله، بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، مفتوحا أمام طموحات الولايات المتحدة لبسط نفوذها وتوسيع مجال تأثيرها. ولم تكن بحاجة سوى لاختلاق أسباب تبرر حملاتها العسكرية لتنفيذ مآربها. ولم يقع اختيارها على أفغانستان وبعدها العراق عبثا، فكلاهما يحتل مواقع جيوسياسية لا غنى عنها لتوسيع وحماية المجال الحيوي لمصالح دول إقليمية طموحة كروسيا والصين والهند وإيران وتركيا.

بشكل عام، كان تاريخ العلاقات الدولية في القرن العشرين هو تاريخ العلاقات بين القوى العظمى. الا أن العالم الجديد الناشئ منذ العقد الثاني من القرن الحالي، بخلاف ذلك، أبرز دور القوى الإقليمية الطموحة. اليوم نلاحظ، في بعض قضايا السياسة الأفغانية والعراقية، دورا لإيران وتركيا وباكستان والهند ليست أقل شأنا من الدور الأمريكي. ومن المتوقع أن التأثير الأمريكي، سوف يتضاءل بعد انسحاب قوات التحالف من أفغانستان. وستبدأ دول المنطقة في ملء الفراغ.

بعد احتلال أفغانستان والعراق، عاش كلاهما مرحلة حرب أهلية ساهمت فيها دول الجوار، جعلت الجغرافيا والأنثروبولوجيا والطوبوغرافيا وأخيراً الموقع الجغرافي السياسي مصادر أرق وتهديد لحياة الأفغان والعراقيين على حد سواء.

من وجهة نظر نظام العلاقات الدولية، فإن احتلال أفغانستان والعراق منح الكثير لأمريكا، لكنه أيضًا أخذ منها الكثير. فقد أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة المطلقة في الشرقين الأدنى والأوسط. وأعادت الإدارة الامريكية في الواقع ترتيب نظام العلاقات الدولية والإقليمية برمته. حيث أصبحت حكومات جميع دول المنطقة تقريبًا (مع بعض الاستثناءات) طائعة لأمريكا، استخدمتهم صاغرين لتنفيذ مشاريعها الإقليمية كمشروع الشرق الأوسط الجديد وصفقة القرن. ومن جهة أخري، فإن الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق لم يحقق كل أغراضه، للأسباب التالية:

أولاً، نمو الاستياء الشعبي في أمريكا. التطور الحاصل في تكنولوجيا المعلومات في القرن الحادي والعشرين، لم يعد يسمح بشن حروب طويلة الأمد، لا علاقة لها بالمصالح الانية للمواطن الأمريكي. تظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة "ريو ريسيرج" أن نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون أن على البلاد أن "تباشر الاهتمام بشؤنها الخاصة" لم تكن أعلى من أي وقت مضى منذ نهاية حرب فيتنام. بالطبع، في رأي شريحة واسعة من الامريكيين، أن أفغانستان والعراق ليسا من الشؤون الأمريكية الخاصة.

ثانيًا، تنظر مجموعات النخبة، على اختلافها، إلى دور أمريكا ومكانتها في العالم بشكل مختلف. لطالما كان للتواجد العسكري ألأمريكي خارج البلاد خصوم جادون داخل مؤسسات الدولة في أمريكا. لذا، مع وصول ترامب، القريب من النخب المالية، الى رأس هرم السلطة في أمريكا، انخفض عدد الجنود الأمريكيين في الشرق الاوسط بنسبة 30٪. تم تخفيض القوة العسكرية في العراق بنسبة 13٪، في تركيا (22٪)، الأردن (96٪)، مصر (45٪)، الكويت (83٪)، قطر (84٪)، الإمارات العربية المتحدة (82٪). تستمر هذه العملية ببطء ولكن باطراد. أما في آسيا الوسطى فقد قرر ترامب سحب قوات الولايات المتحدة من أفغانستان بصورة كاملة.

ثالثا، عندما دخلت أمريكا أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر أيدت معظم دول العالم هذا القرار. ولكن مع مرور الزمن وتراكم الأخطاء وتبعات الحرب المأساوية تراجع أغلب دول العالم عن تأييدها لاستمرار الحرب في أفغانستان. بالمناسبة، موسكو كانت الأولى من بين المؤيدين للحملة على أفغانستان. وكان فلاديمير بوتين أول من اتصل بجورج دبليو بوش وأعرب عن دعمه الكامل. بعد عشرين عامًا، أصبحت روسيا وجميع دول المحيط تعارض الحملة الأمريكية.

رابعا، على مدى العقدين الماضيين، شهدت بلدان المنطقة تحولات كبيرة، تجاوزت فيها صعوباتها الاقتصادية وتحولت إلى قوى إقليمية فاعلة وطموحة، ساعية لبناء توازن جديد للمصالح، ومجالات النفوذ، ونظام العلاقات الدولية والإقليمية. وبالتالي لا يمكن للولايات المتحدة مهما بلغ شأنها أن تكبح إرادة تلك الدول بمرسوم أو عقوبات. من تلك الدول الهند وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، إضافة الى باكستان وأوزبكستان وكازاخستان وقطر. أما بالنسبة لروسيا والصين، فانهما ينتهجان سياستيهما دون التفكير بتنسيقها مع أمريكا في الشأن الافغاني أو العراقي.

لكل تلك الأسباب، أصبح من غير الممكن على الولايات المتحدة أن تنفرد بالتحكم بمصير دول الشرق الأوسط أو وسط آسيا. كما أن خروج أمريكا من أفغانستان والعراق وسوريا، كما هو متوقع، سيؤدي لصياغة جديدة لنظام العلاقات الدولية في اسيا برمتها. ولأول مرة في التاريخ، سيكون للقوى العظمى تأثير أقل من الجهات الفاعلة الإقليمية الجديدة في صياغة علاقاتها بدول الاقليم. بالطبع، هذه عملية قد تطول وقد تقصر، ولكنها لابد وأن تتحقق سواء كان الديمقراطيون أو الجمهوريون على رأس السلطة في الولايات المتحدة ألأمريكية. 

 

د. جاسم الصفار

 

 

عامر صالحفاجعة مستشفى ابن الخطيب في بغداد والتي حصلت جراء حريق هائل اندلع في مخازن الأوكسجين والتي تستخدم في اسعاف مرضى كورونا كوفيد ـ 19 في نهاية الشهر الماضي في ليلة يوم السبت على الأحد من 24 ـ 25 ابريل والذي راح ضحيته اكثر من 200 بين وفاة وجريح كان حدثا مأساويا لا يمكن ان يمر مرورا عابرا أو الوقوف عند حدود الأجراءات الشكلية المعتادة التي تحصل يوميا في العراق اتجاه ما يحصل من قتل واغتيالات وحرائق تكاد تكون دورية الى جانب آفة الفساد والنهب والعبث في المال العام، فجميعها تصب في خانة مخرجات نظام المحاصصة الذي تأسس بعد 2003 والذي على ما يبدوا ان مهمته الأولى هو نسف البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والخدمية على مدار 18 عاما مضت.

ان التعاطف والمواساة مع شعب العراق من قبل اغلب دول العالم العربي والأقليمي والعالمي وكذلك من قبل المنظمة الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة يجسد عمق المأساة التي حصلت، حيث المواطن العراقي الذي يتصرف بسجية عفوية يستنجد للخلاص من كورونا في الذهاب الى المستشفى لتلقي جرعات الأوكسجين ولكن يخرج منه متفحما مشويا. وبحسب تقرير اللجنة النيابية، فإن «مستشفى ابن الخطيب»؛ الذي أنشئ عام 1959، " لا يحتوي على منظومة إطفاء حرائق مركزية، مع عدم وجود مراقبة وفحص نظامي من قبل مديرية الدفاع المدني". وأشار التقرير إلى "عدم سيطرة قوات حماية المنشآت وإدارة المستشفى على أعداد المرافقين الموجودين داخل المستشفى مع مرضاهم، حيث يوجد من 3 إلى 4 مرافقين، إضافة إلى وجود آخر من الزائرين، وتبين قيام بعض المرافقين باستخدام الهيترات (السخانات) لطهي الطعام داخل الردهات". وعلى اثر ذلك أقيل عدد من مسؤولي الصحة المحليين وسبقتها سحب يد وزير الصحة ثم قام الاخير بتقديم استقالته بشروط عدم محاسبته " حسب ما تناقلته بعض وشائل الأعلام ".

ان تشخيص اللجنة النيابية" رغم انتقائيتها " من حيث انعدام السلامة والآمان والتقصير في الواجب يجسد عينة ممثلة لكل الوزارات والمؤسسات والمشاريع الحكومية  بل وكل المؤسسات الرسمية والاهلية، وان انفجار مستشفى ابن الخطيب يعكس عمق التدهور في مؤسسات الدولة ويجسدها بوضوح، وكان حصوله هو اماطة اللثام عن واقع مزري يعيشه البلد منذ سنوات ويعكس حجم المزيد من الكوارث التي تنتظر شعبنا، انها خلاصة مركزة لأداء نظام المحاصصة الطائفية الذي يرتكز على التعامل مع مؤسسات الدولة كغنائم تتقاسمها الاحزاب الحاكمة وتفسد فيها ضمن معايير انعدام الكفاءة النوعية في الأداء، وبالتالي فأن مفاهيم الجودة ومعايير الكفاءة العالية لا دلالة لها في نظام يستند الى الأفساد والرداءة في العمل كخيار وحيد لتحطيم مؤسسات الدولة.

ان هذا النوع من الجرائم المرتكبة وذات الطابع المقصود بسبب بنية النظام المتهالكة والفساد العام المقصود والمخطط له لتخريب مؤسسات الدولة في اطار العبث بمعايير الأداء السليم، وان كانت شرارتها اعمال فردية مقصودة وغير مقصودة، فهي تعكس حجم الهلاك والتردي الداخلي الذي يجسد بوضوح انعكاسات المحاصصة في الأطراف كما في القمة، انه عمل يحمل الكثير من القصدية في نتائجه النهائية لتخريب المجتمع ومؤسساته، وبالتالي فهي جرائم لا يمكن ان تسقط بالتقادم، أسوة بجرائم الحروب الطائفية والتهجير وتدمير المدن وسلب الممتلكات العامة والخاصة وقتل المحتجزين، وان من يحرض عليها ويرتكبها يجب ان يساق للعدالة، فهي جرائم ضد الانسانية، وقد انتهكت في العراق كل حقوق المواطن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بكل تفاصيلها بلغت حد تهجيره وقتله ومصادرة ممتلكاته.

 أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى، ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية، حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد، مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد، وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار، وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية، مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة، وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة، أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

وقد عرقل نظام المحاصصة جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد، بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة، بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "، وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل، وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه..

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية، فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها، أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق، وحتى لأتفه الأسباب، وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق.

كارثة مستشفى ابن الخطيب في بغداد هي ليست كارثة ميدانية داخل جدار مستشفى وانتهى الأمر عند حدود التحقيقات الميدانية والتصريحات العبثية، لا أنها كارثة جسدت بوضوح طبيعة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة ومدى خطورته على حياة الناس كالمؤسسات الصحية مثلا، ومثلها ايضا في قطاع الكهرباء والماء والتعليم ومجمل الخدمات الاجتماعية، انه انعكاس مزمن لتردي البنية التحتية الغارقة في الفساد الاداري والمالي، وبالتالي فأن محاسبة مسؤولين ميدانيين من الصحة والمستشفى " رغم اهمية ذلك في ظروف طبيعية " هو امر عبثي لصرف الانظار عن حجم الازمة المستعصية ومحاولات تنفيسها ببعض الاشخاص .

جريمة مستشفى ابن الخطيب هي توأم لجريمة قتل 700 متظاهر سلمي في احتجاجات اكتوبر خرج للمطالبة بحقوق الحد الادنى من العيش الكريم ولكنه لقى حتفه من قوى الظلام المحاصصاتي كما لقاها راقد مستشفى ابن الخطيب بسبب فساد ذات القوى المجرمة التي تتصدى لكل محاولات الاصلاح وتحسين الحياة كما ونوعا. المجد والخلود لكل ضحايا وشهداء نظام المحاصصة والنصر لقضايا شعبنا في التقدم والحرية والسلم المجتمعي.

 

د. عامر صالح

 

عادل رضاقراءة في الصراع الاذري الارمني

الامة العربية المتحدة والوحدة العربية ستكون رهاننا القادم كشعوب وكأنظمة رسمية لأن العالم يرانا "كعرب" وك "أمة واحدة" ليس لأننا نريد ذلك "عاطفيا" وضمن رومانسية "فكرية!"  بل لأنها مسألة مصير وحالة "واقعية" وهي رهاننا للمستقبل لأن التغيير والتطور الحاصل في العالم اجمع وبمنطقتنا بالخصوص والبلدان المحيطة بنا ومنها تركيا والجمهورية الإسلامية الايرانية هو "تحول" كبير يشمل تكتلات ضخمة، وكذلك تغيير لخطوط التجارة الدولية ومشاريع امبراطوريات قطبية قادمة وكذلك   هناك تسارع للتحالفات كلها ستنعكس اثارها على المنطقة العربية والتي ستجد نفسها بلا حماية من الانهيار إذا لم تتدارك الامر.

ان هناك مسألة البقاء والاستمرار لدول ضعيفة وصغيرة الحجم غير قابلة للحياة ولا يمكن حدوث نمو حقيقي فيها ولا امن بظل هذه الكتل الدولية الضخمة الجبارة من حولها لذلك لا حل امامها الا بالوحدة العربية "الحقيقية" للتحول الى قوة دولية مهمة تستطيع ان تفرض نفسها وتكون صاحبة قرار.

وكلنا نعرف ان بالماضي القريب ان الصين كانت تعتبر من دول العالم الثالث وهي لا تملك شيئا من إمكانيات العالم العربي المتوفرة فيها نظرا لتعداد الصين السكاني، والان الصين قفزت قفزة جبارة وفرضت نفسها كقوة دولية متقدمة واصبحت دولة تملك عوامل الاستقلال والسطوة كحالة امبراطورية قطبية ولو كانت منطقتنا العربية "متحدة" ستستطيع التقدم أسرع من الصين حيث لدى العرب الطاقات البشرية الهائلة والثروات والمساحة الكبيرة والعقول المبدعة والأراضي الزراعية ويمكنها عند اتحادها من التحول الى قوة دولية مهمة.

ان الانتقال الامبراطوري القادم من منظور جيوسياسي الى عالم متعدد الأقطاب، هو انتقال سيصنع تغيير في حدود البلدان، وهو سيخلق مجالات جديدة للنفوذ ومواقع للسيطرة مختلفة، ومن لا يستطيع قراءة ذلك ولا التعامل مع ما سيستجد من تطورات فمصيره "الاختفاء" من خارطة العالم، كما اختفت الإمبراطورية العثمانية ؟! وكما انتهت الإمبراطورية الهنغارية النمساوية وكما انهار "الاتحاد السوفيتي".

هذا "الانتقال الامبراطوري" المترقب والقادم، لديه مواقع تأثير واضطراب وتفجير "صواعق تفجير" والموقع الأرميني الاذربيجاني هو أحد هذه المواقع حيث تطل مسألة ناغورني كاراباخ والسيطرة عليها والتي هي تقع ضمن بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا وإيران وتعيش فيها قومية ارمينية.

يقول الاستاذ سعيد الحاج:

"إن تفجر الاشتباكات مجددًا بين أرمينيا وأذربيجان بعد حوالي 22 عامًا من انتهاء الحرب بينهما بسبب إقليم ناغورني كاراباخ يشير بشكل واضح إلى خطورة الأزمات المبنية على اختلافات إثنية-حضارية وإلى دور الدول الإقليمية والعالمية الداعمة للفرقاء المتنازعين في الميدان -تحفيزًا وتثبيطًا-سواء بسواء.

بيد أن العلاقة بين الدول الداعمة والأزمة المحلية قد تتفاعل أحيانًا في الاتجاه المعاكس، بحيث يمتد النزاع المحلي المحدود ليصبح مواجهة إقليمية أو عالمية، كما حصل في أمثلة تاريخية في مقدمتها الحرب العالمية الأولى.

إن المواجهة الحالية في الإقليم المتنازع عليه تحمل صفات نزاعات ما بعد نهاية الحرب الباردة، وخصوصًا التدخلات الخارجية من عدَّة أطراف بسبب تشابكات العلاقات والمصالح والتنافس."

أذربيجان هي ضمن مجال الداعم التركي الطوراني العنصري المتمثل في جمهورية تركيا المحكومة من "أسلام امريكي أطلسي!" والتي ترى نفسها كشرطي المنطقة على العرب وغيرهم في الشرق الاوسط حيث يستخدم الاتراك الطورانيين "العثمانية الجديدة" لأستحمار "الاغبياء والسذج" ويوظفون "حركة الاخوان المسلمين" ودورهم في المنطقة العربية له موقع دراسة ضمن قراءة تحليلية أخرى.

ولكن ضمن الموقع الاذري الأرمني ما تريده تركيا الطورانية العنصرية الأطلسية هو هذه المنطقة الممتدة من الاناضول الى جمهوريات كازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان ومنطقة شيجانغ الصينية وهو المجال الذي يمثل للجمهورية التركية ما تريد صناعته من مجال قومي عنصري طوراني تركي ممتد منها الى اقصى نقطة وهي تعتبر هذا المجال هو نطاقها الحيوي عبر " أفكار قومية طورانية عنصرية اتاتوركية؟" غير موجودة في تلك البلدان !؟، والذي تقف في طريقه جغرافيا "أرمينيا" ك "حاجز" و "مصد" للنفوذ التركي الطوراني القومي نحو ارض اجدادهم – حسب اعتقادهم -التي جائوا منها الى ارض الاناضول، حيث "أحد اهداف" الجمهورية التركية الحالية هو التوحد والاتحاد ضمن ما تعتبره "هي" محيطها الإمبراطوري المطلوب ايحائه وايجاده ضمن PANTURK.

وهذا ما يخالف ويتناقض مع الخطة الروسية الإمبراطورية لصناعة "محور دولي" جديد مقاوم للحالة الأطلسية الانجلوساكسونية التي "جمهورية تركيا الحالية" جزء منها وأداة من ادواتها وخنجر مزدوج ضد الروس ومشروعهم "الاوراسي السلافي الأرثوذكسي الجديد" المتحرك في خط التطبيق والتنفيذ والذي يرى ان وجود "تركيا" على الخريطة ليس له تفسير قومي؟

وهو المشروع الذي يعتبر الجمهورية الإسلامية المقامة على ارض إيران "صديق" مطلوب انضمامه وصناعته وتقويته، كدولة امبراطورية قارية لديها فكر إسلامي ثوري ينطلق ضاما تأييد جمهوريات وشعوب جمهوريات اسيا الوسطى والتي هي تاريخيا "محافظات إدارية سابقة" كانت تابعة للإمبراطوريات الفارسية على مختلف تسمياتها.

هذا الضم "المطلوب روسياً" والهادف الى صناعة امبراطورية" إسلامية فكرية مؤدلجة قارية" تكون مساندة للخطة الروسية الهادفة لصناعة تعدد "دولي" متنوع الأقطاب الإمبراطورية مضاد للحلف الأطلسي الانجلوساكسوني، الذي يريد صناعة نهاية للتاريخ والعالم ضمن ليبرالية جديدة منحرفة وساقطة إنسانيا واخلاقيا وبلا قيم او مبدأ وهذا ما تعتبره روسيا الحالية "هدف الغائي لها" و "خطر وجودي" عليها، ناهيك انه ضد كل ما هو دين "أي دين" وكل ما هو اخلاق "فطرية طبيعية" مع الترويج للشذوذ والانحراف الجنسي واختلاط الانساب وتفكيك العائلة.

جمهورية أذربيجان ذات الغالبية السكانية الإسلامية المنتمية الى المذهب الإسلامي الاثنى عشري، هي دولة ذات علاقة تحالفية عميقة مع الكيان الصهيوني، بشكل فج ومباشر حيث صرح رئيسها ان ما يظهر من التحالف هو فقط رأس جبل الجليد وتسعة اعشار التحالف هو مخفي تحت الماء؟ وأذربيجان كذلك هي المزود الرئيس للصهاينة بما يعادل الأربعين بالمائة من احتياجات هذا الكيان السرطاني الاستعماري المزروع في "دولة فلسطين العربية المحتلة" من النفط والغاز عن طريق تركيا "الحليف الاخر المعلن رسميا مع الصهاينة".

وغير التبادل التجاري الملياري مع الاتراك والاذريين يوجد لدى الكيان الصهيوني نفوذ مزدوج داخل أذربيجان من خلال من هاجر اليها من "يهود أذربيجان من رجال الاعمال وخلافه" وكذلك حسب ما أعلنت جريدة التايمز البريطاني يوجد لدى الكيان الصهيوني قاعدة عسكرية استخباراتية امنية تطل منها على الجمهورية الإسلامية كموقع تأمر وهجوم "وحرب متوقعة" ومحطة "قصف جوي" ضدها.

يقول الباحث الروسي ألكسندر نازاروف:

"بعد تفكك الاتحاد السوفيتي مباشرة، تمكنت أرمينيا من بسط سيطرتها ليس فقط على مناطق قرة باغ، التي يسكنها الأرمن، وإنما أيضا على أراض أذربيجانية خالصة بنفس المساحة حول قرة باغ. ودفعت نشوة النصر تلك إلى نشوء أسطورة تفوق الجيش الأرمني على الأذربيجانيين داخل المجتمع الأرمني، لهذا رفضت أرمينيا جميع مقترحات التسوية، لسنوات عدة، بما في ذلك المقترحات التي تقدمت بها موسكو. وعزز هذا الموقف، حقيقة وجود قاعدة عسكرية روسية على أراضي أرمينيا، ووجود الأخيرة في معاهدة الأمن الجماعي، ما يحتم على روسيا واجب حمايتها من العدوان."

أرمينيا المتحالفة عسكريا مع الروس و الحاجز الجغرافي الصاد للنفوذ التركي الطوراني العنصري المتحالف مع الصهاينة وحلف الناتو هي بالتالي ضمن موقع تحالفي تلقائي مع "ايران" , و التي راقبت و شاهدت ان هناك "كسر للجمود" الذي كان حاصل في منطقة ناغورني كاراباخ و هذا "الكسر للجمود" هو ضمن تحريك "صهيوني شيطاني" من خلال العلاقة مع أذربيجان الإسلامية دينا و الشيعية مذهبا و المحكومة ضمن ديكتاتورية عائلية محدودة , هذا التحريك الصهيوني لأذربيجان هو لكسر تطور الحالات القطبية الإمبراطورية المتطورة صعودا في روسيا و حليفتها "ايران" , ضمن واقع الانتقال الامبراطوري المستقبلي المتوسط و البعيد المدى.

لأن كما ذكرنا سابقا "جمهوريات اسيا الوسطى" هي ضمن المجال الحيوي الذي تريده "امبراطورية اوراسيا المستقبلية" ان تكون هذه الجمهوريات الاسيوية تابعة ومنضمة للحالة الإمبراطورية الإسلامية التابعة للنهج الإسلامي الثوري" المفترض" تبنيه" و "الالتزام" من الجمهورية الإسلامية المتأسسة في العام 1979 على ارض إيران.

هذه الرغبة الصهيونية الشيطانية في "كسر الجمود" في ناغورني كاراباخ تتوافق وتتفق مع الرغبة القومية الطورانية الأطلسية الانجلوساكسونية التي تريد هذه الجمهوريات الاسيوية ضمن نطاقها الحيوي.

اذن ضمن رغبة اذربيجانية في استعادة حقوقها القانونية المؤيدة من الأمم المتحدة وكذلك وجود "قرار" صهيوني شيطاني بالإضافة الى ميول رئيس وزراء أرمينيا "نيكول باشينيان" الى المعسكر الأطلسي واختلافاته مع بعض سياسات روسيا، تم تحريك وكسر الجمود وتفجر الصراع العسكري.

ماذا كانت المحصلة النهائية للصراع العسكري الذي تفجر؟ يقول الباحث الروسي ألكسندر نازاروف بهذا الخصوص:

" تعرضت القوات الأرمينية لهزيمة كارثية من الجيش الأذربيجاني، ومباشرة عقب سقوط مدينة شوشا الاستراتيجية، أصبح سقوط عاصمة إقليم قرة باغ، مدينة ستيباناكيرت، وتطويق جميع القوات الأرمينية، وتدميرها بالكامل، ومن ثم الاستيلاء التام على قرة باغ، مسألة ستستغرق عدة أيام، وربما في أفضل الأحوال، عدة أسابيع. وقد أعلن الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، فعليا عن نيته القيام بذلك، وكانت لديه بشكل عام كل الفرص لتحقيق مبتغاه.

فجأة، وبمشاركة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أوقفت القوات الأذربيجانية، وفي غضون ساعات معدودة كانت قوات حفظ السلام الروسية تنتشر في قرة باغ، على الرغم من أن انتشارا بهذه السرعة، فيما يبدو، كان مجهّزا له منذ عدة أسابيع. أي أن روسيا كانت مستعدة مسبقا لأي تطور للأحداث، (ولم تثق بقدرات نيكول باشينيان في إدارة الازمة)، كي تتدخل بشكل حاسم في الوقت الذي رأته ضروريا.

نتيجة لذلك، عززت روسيا وجودها العسكري في المنطقة، وسيطرت على الممر الواصل ما بين أرمينيا وقرة باغ، وهو أمر حيوي للأرمن، كما سيطرت روسيا أيضا على الممر الواصل بين أذربيجان وجيب ناختشيفان الأذربيجاني، والواقع على أراضي أرمينيا، وهو ما يحتاج إليه الأذربيجانيون حقا. ويتمركز جنود حفظ السلام الروس في قرة باغ، بحيث يضمنون أمن الإقليم بشكل مطلق."

(وهذا لكي يبتعد الطرفان عن تنفيذ المخطط الصهيوني واضطر رئيس وزراء أرمينيا الى تقديم استقالته في 25 ابريل 2021 بسبب فشل رهانه على ان أرمينيا تستطيع التخلي عن حليفها الروسي).

"عززت روسيا وجودها العسكري في المنطقة، وسيطرت على الممر الواصل ما بين أرمينيا وقرة باغ، وهو أمر حيوي للأرمن، كما سيطرت روسيا أيضا على الممر الواصل بين أذربيجان وجيب ناختشيفان الأذربيجاني، والواقع على أراضي أرمينيا، وهو ما يحتاج إليه الأذربيجانيون حقا. ويتمركز جنود حفظ السلام الروس في قرة باغ، بحيث يضمنون أمن الإقليم بشكل مطلق."

"بالتزامن، لم تحصل تركيا على أي شيء تقريبا في أذربيجان، بخلاف ما حصلت عليه بالفعل هناك، بمعنى أنها لم تصبح شريكا مساويا لروسيا في الوساطة بين أرمينيا وأذربيجان. ربما سيكون هناك مزيدا من التعاون العسكري بين أنقرة وباكو، لكن أذربيجان ليست دمية في يد تركيا بأي حال من الأحوال، حيث تنتهج قيادة البلاد سياسة متوازنة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وتحترم مصالح موسكو. في ظل هذا النموذج، سيتعين على أذربيجان تعزيز التعاون مع روسيا، حتى لا تصبح شديدة الاعتماد على تركيا.

ننتقل الآن إلى الدروس المستفادة. نعم، روسيا ليست في نفس قوة الاتحاد السوفيتي، لكنها مع ذلك لا زالت الدولة الوحيدة في العالم القادرة على تدمير الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن أي خصم عسكري آخر. وعلى الرغم من سنوات العقوبات والحصار الاقتصادي من جانب الغرب، إلا أن روسيا أثبتت أن لديها اقتصادا مستقرا. كذلك توصلت قيادة البلاد إلى استنتاجات من سقوط الاتحاد السوفيتي، وأصبحت السياسة الخارجية الروسية أكثر مرونة وعقلانية، مع الأصدقاء ومع الأعداء على حد سواء. فالأولوية الرئيسية لروسيا دائما أصبحت التنمية الداخلية (وكذلك التركيز على حماية والمحافظة على "العائلة الروسية" بقيمها ودينها من اسلام ومسيحية على العكس من حلف الأطلسي والصهاينة من سموم الليبرالية الحديثة والتي تفكك العائلة وتركز على الأقليات والشذوذ الجنسي والانحراف الأخلاقي وخلط الانساب)، وروسيا تمد يدها للجميع، وهي مهتمة بالتعاون مع جميع دول العالم. لا تسعى روسيا إلى التوسع، وبالتالي ليس لها أعداء في العالم، سوى من يرغب في أن يكون عدوا لها."

 

د. عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والإسلامية

 .............................

ملاحظة: الكلام بين القوسين هي تعليقات من كاتب هذه السطور على ما قاله ألكسندر نازاروف فأقتضى التنويه.

 

 

عدنان ابوزيدكان عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ويليام ماكجواير، قد حذّر في مقال مؤثّر حَمَلَ عنوان "أسطورة التأثير الإعلامي الهائل" (McGuire 1986) من أنّ وسائل الإعلام سوف لا تقود المستقبل، لانحسار تأثيراتها على الطريقة التي نعيش ونفكّر بها، وتفوّق وسائل التواصل الاجتماعي عليها، لاسيما في الحملات الانتخابية، حيث وجد السياسيون فيها الطريقة المثلى لشنّ حروب الاقناع، وغسل الذاكرة، مما علق بها من صفحات سوداء، وتدشين ورقة بيضاء جديدة.

تحذيرات العالم الأمريكي تستند الى فرضية، انّ الاعلام المؤدلج لم يعد الوسيلة التي تقدّم لنا المعلومة الصحيحة، بعد أن أصبح ماكينة سياسية للتضليل، ونفخ الاكاذيب، من أجل صناعة وهم جديد لشخصية هذا السياسي، أو ذلك الحزب.

فضلا عن ذلك، فانّ الإعلان الانتخابي والاستشارات السياسية أصبحت صناعة، ولا يهمها ضخ الحقائق، قدر الحصول على الأرباح، واتّباع كل الطرق لإلحاق الانكسار بالخصوم الانتخابيين، وقد ظهر في الحملات الانتخابية الامريكية الأخيرة، حجم الأكاذيب والقصص الملفّقة، عبر الاستثمارات الاعلانية التي بلغت كلفتها مئات الملايين من الدولارات..

واذا كان علماء الاجتماع يعتمدون على فكرة ان هناك صراعا كلاسيكيا بين المعرفة النظرية والحقيقية، بمعنى انه ليس كل ما تعرفه نظريا عبر الاعلام والتواصل والمنشورات الدعائية، هو حقيقي، وان المعلومة المستقاة من التجربة العملية هي التي يُعوّل عليها، الا ان ذلك لم يعد ذا تأثير، لان اغلب سكان العالم ينساقون اليوم وراء الدعاية، بشكل مفرط، ولا يكلّفون انفسهم معرفة الحقائق حتى تلك التي يسهل الوصول اليها، ما يعني اننا نعيش عصر "العمى المعلوماتي" بما يعنيه ذلك من معنى.

على الرغم من كل ذلك، استنتج ماكجواير، في أواخر العام 1986، أن هناك القليل من الأدلة على قدرة وسائل الإعلام على الإقناع في الحملات الانتخابية السياسية وتغيير سلوك الناخبين، ومن ذلك انّ مايكل بلومبرج، رجل الأعمال وعمدة مدينة نيويورك السابق، أنفق على حملته للرئاسة، من أمواله الخاصة، أكثر من مليار دولار، 70٪ منها للإعلان.

وسائل التواصل الاجتماعي تغيّر اللعبة، بعد أن سمحت للزعماء الصاعدين بالتحدث مباشرة إلى الناخبين حول كل شيء، من السياسة إلى تفاصيل الحياة الصغيرة، وكان باراك أوباما أول مرشح رئاسي يستخدم التواصل الافتراضي للتعويض عن "الغياب الواقعي"، وينتقل دونالد ترامب إلى Twitter يوميًا تقريبًا للتعبير عن نفسه، مُهمِلا وسائل الإعلام التقليدية.

الطريقة التي يتواصل بها السياسيون اليوم، تختلف تمامًا عن الطريقة التي كانوا يتواصلون بها قبل خمس أو عشر سنوات، ولم تعد هناك حاجة الى مكبرات الصوت وتلفزيون، بل عبر نوافذ التواصل التي لا تكلّف أموالا كثيرة،

وتوفّر تكافؤ فرص انتخابية عادلة تقريبا، وقد استفادت من ذلك، الزعامات الجديدة التي لا تمتلك الأموال الطائلة للظهور في قنوات الاعلام التقليدية والرسمية. 

على هذا النحو، نتوقع أجيال سياسية، في العراق، وأنحاء العالم، ستكون أقرب الى كونها شخصيات صنعها العالم الافتراضي، ليزرعها على ارض الواقع، الذي سوف يختبر مهاراتها وصدقها. 

 

عدنان أبوزيد

 

احمد عزت سليميشكل مصطلح التهديد السيبرانى ما يتعلق بعمليات أمن الفضاء السيبرانى من عمل ضار يسعى إلى إتلاف البيانات أو سرقة البيانات وعمليات التسلل على البنية التحتية وخروقات البيانات إلى التصيد الاحتيالي والقوة الغاشمة أو تعطيل الحياة الرقمية بشكل عام، وتشمل الهجمات الإلكترونية تهديدات مثل فيروسات الكمبيوتر وانتهاكات البيانات وهجمات رفض الخدمة (DoS)، وتتنوع التهديدات عبر الإنترنت ولا تميز المنظمات عن الأفراد عند البحث عن هدف .

وكما يوضح Gartner  ان التهديدات تزداد خطورة حيث " تنتشر مخاطر الأمن السيبراني في كل مؤسسة ولا تقع دائمًا تحت السيطرة المباشرة لتقنية المعلومات، يمضي قادة الأعمال قدمًا في مبادراتهم التجارية الرقمية، ويقوم هؤلاء القادة باختيارات المخاطر المتعلقة بالتكنولوجيا كل يوم، تعد المخاطر الإلكترونية المتزايدة أمرًا حقيقيًا - وكذلك حلول أمان البيانات "، فقد أصبحت التهديدات السيبرانية مشكلة عالمية كبيرة وواسعة النطاق، حيث يمكن أن تتسبب الهجمات الإلكترونية في انقطاع التيار الكهربائي وتعطل المعدات العسكرية وانتهاك أسرار الأمن القومي، يمكن أن تؤدي إلى سرقة بيانات قيمة وحساسة مثل السجلات الطبية، وتعطيل شبكات الهاتف والكمبيوتر أو شل الأنظمة، مما يجعل البيانات غير متاحة، وبالتالى فإنها التهديدات الإلكترونية قد تؤثر بقوة وفاعلية على سير الحياة القائمة ومستقبلياتها، ولا تثتثنى حتى القوى العظمى العالمية والمتحكمة فى الفضاء السيبرانى من التهديدات فقد كشف مكتب الإدارة والميزانية التابع للكونجرس الأمريكى  أنه من بين 96 وكالة فيدرالية قام بتقييمها، كانت 74 % إما "معرضة للخطر" أو "عالية الخطورة" للهجمات الإلكترونية، وبحاجة إلى تحسينات أمنية فورية .

وفى إطار التطورات التقنية فإن التهديدات لا تشكل تقنيات ثابته بل تتجدد بقوة تصل إلى إتساع نطاقها لتصل إلى إنشاء الملايين منها سنويا بأجيال جديدة وكمثال تهديدات "يوم الصفر" القادرة على مفاجأة الدفاعات لأنها لا تحمل توقيعات رقمية يمكن اكتشافها، وكما تؤكد مؤسسة  Business Insider APTsالعالمية  للتحول الرقمى  والخدمات الرقمية، إستمرارية "التحسين" المستمر لـ "التهديدات المستمرة المتقدمة" حيث تعتبر للقائمين بالتهديدات "إنها أفضل طريقة للمتسللين الذين يخترقون الشبكات ويحافظون على" المثابرة " وبإتصال لا يمكن إيقافه عن طريق تحديثات البرامج أو إعادة تشغيل الكمبيوتر " وكما أكدت المؤسسة تعرضها لاختراق Sony Pictures سيئ السمعة، على ممثل لدولة قومية داخل شبكة الشركة لعدة أشهر، وتهرب من الاكتشاف أثناء القيام بتخريب كميات هائلة من البيانات .

مصادر تهديدات الأمن السيبراني

تأتي التهديدات السيبرانية من مجموعة متنوعة من الأماكن والأشخاص والسياقات، وتشمل هذه الجهات الخبيثة: ـ

ـ الأفراد الذين يقومون بإنشاء ناقلات هجوم باستخدام أدوات البرامج الخاصة بهم .

ـ المنظمات الإجرامية التي تدار مثل الشركات، حيث يقوم عدد كبير من الموظفين بتطوير ناقلات هجوم وتنفيذ هجمات .

ـ الدول الأمة .

ـ إرهابيون .

ـ جواسيس صناعية .

ـ جماعات الجريمة المنظمة .

ـ المطلعين غير سعداء .

ـ قراصنة .

ـ المنافسون في العمل .

وأعتبر الخبراء الأمريكيين أن الدول القومية هي مصدر العديد من الهجمات الأكثر خطورة , وأن هناك العديد من الإصدارات المختلفة للتهديدات السيبرانية للدولة القومية، بعضها تجسس أساسي - كمحاولة معرفة الأسرار الوطنية لدولة أخرى، والبعض الآخر يهدف إلى إحداث الاضطراب، وعلى سبيل المثال، كما أكد كريس بينتر من وزارة الخارجية الأمريكية في مقال بمؤسسة بروكينغز أن الصين وكوريا الشمالية "مارستا قوتهما الإلكترونية في كثير من الأحيان لتحقيق أهدافهما الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم"، وأشار مع ذلك، إلى أن "الدوافع والأهداف تختلف:ـ بينما تهدف كوريا الشمالية في المقام الأول إلى تطوير القدرات لتوليد الإيرادات والقدرات التدميرية للصراعات المحتملة خارج كوريا الشمالية، تستخدم الصين بشكل أساسي وسائلها الإلكترونية للتجسس وسرقة الملكية الفكرية، لقد كانت "التسمية والتشهير" أداة فعالة ضد الصين بسبب مخاوف حكومتها بشأن رد الفعل المحتمل على قوتها الناعمة ".

وفى إطار الصراع الدولى والداخلى يتم شراء وبيع العديد من التهديدات الإلكترونية على "الويب المظلم"، وهو جزء غير منظم ولكنه واسع الانتشار من الإنترنت، حيث يمكن للمتسللين الطموحين شراء برامج الفدية والبرامج الضارة وبيانات الاعتماد للأنظمة المخترقة والمزيد،  تعمل الشبكة المظلمة كمضاعف للتهديدات، حيث يتمكن أحد المتسللين من بيع إبداعاته مرارًا وتكرارًا .

ومع هذه التهديدات كما أكد الباحث هيو تايلور Hugh Taylor مدير أمن المعلومات المعتمد (CISM)  والذى شغل مناصب تنفيذية في Microsoft و IBM ، أنه يتم طرح مجموعة من التقنيات والخدمات الجديدة في السوق والتي تجعل من السهل إنشاء دفاع قوي ضد التهديدات السيبرانية، وتشمل هذه: ـ

ـ الاستعانة بمصادر خارجية لخدمات الأمن .

ـ الأنظمة التي تتيح التعاون بين أعضاء الفريق الأمني .

ـ أدوات محاكاة الهجوم المستمر .

ـ حلول النقاط لمكافحة التصيد والتصفح الآمن .

ـ الدفاع السيبراني للأفراد .

وكما تقوم العديد من المؤسسات الأمنية العالمية بإجراءات وقائية ودفاعية وإجراءات الأمن الإستباقى بين المستهلك فردا أومؤسسة والهاكر على سبيل المثال فريق SecOps في Verizon أو AT&T لضمان حماية الأصول الرقمية الهامة وسلامة المعلومات ومواجهة التهديدات: ـ

1 ـ نظافة كلمة المرور:ـ لا تستطيع المؤسسات الأمنية الكبيرة حماية المستهلكين من التصيد الاحتيالي أو المتسللين الذين يمكنهم تخمين كلمات مرور مثل "1234"، يمكن للفطرة السليمة ونظافة كلمة المرور أن تقطع شوطًا طويلاً لحماية المستهلكين من التهديدات الإلكترونية .

2 ـ برامج مكافحة الفيروسات:ـ الاشترك في برنامج مكافحة الفيروسات للمحافظة على تحديث النظام من خلال عمليات الفحص المجدولة الآلية.

3 ـ الحذر من هجمات التصيد:ـ الحذر الدائم بشأن فتح مرفقات الملفات، رسائل التصيد الاحتيالي والتصيد الاحتيالي التي تبدو حقيقية ولكنها ليست كذلك ولذا وجب إستمرارية  الانتباه،على سبيل المثال، إذا تلقيت رسالة بريد إلكتروني تقول "فاتورة متأخرة السداد" مع مرفق PDF، فلا تفتحها إلا إذا كنت متأكدًا بنسبة 100٪ أنك تعرف من أرسلها، إذا قمت بالتحقق مرة أخرى، فربما ترى أنه يأتي من بريد إلكتروني غير معتاد، مثل هذا، من anny234526426@gmail.com .

4 ـ وجبات التهديدات الجاهزة:ـ قد يكون هذا وقتًا مخيفًا للشركات والمستهلكين القلقين بشأن التهديدات الإلكترونية، التهديدات موجودة بالتأكيد، وهي تزداد قوة ومتكررة، المهاجمون متنوعون، مع وجود العديد من الاختلالات المقلقة بين المهاجمين وأهدافهم .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

علاء اللاميردا على المأجورين، الذين كلما تصاعد نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الصهيوني هرعوا إلى تسويق أكذوبتهم الفجة مكررين بكل لؤم وغباء أكذوبة "الفلسطينيون باعوا أرضهم لليهود"، ورغم أنهم لا يستحقون تشريفهم بالرد عليهم، ولكن من منطلق الحرص على إظهار الحقيقة وتوعية المضللين ومشوشي الوعي أنشر هذا الرد المعزز بالحيثيات والأرقام والتواريخ الداحضة الموثقة، وأقول باختصار تحتمه ظروف المناسبة التي يتصاعد فيها نضال شباب فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني الدموي في عاصمة فلسطين القدس:

خلاصة المقالة تليها التفاصيل: إن قرابة 92 بالمائة من أراضي فلسطين استولى عليها الاحتلال البريطاني والصهاينة بالحرب والمجازر والعنف المباشر والمصادرة حتى إقامة الكيان 1948، ثم بموجب القانون الإسرائيلي "قانون أملاك الغائبين/ آذار 1950" أي أنهم طردوا وغيَّبوا نصف شعب فلسطين سنة 1948 ثم أصدروا قانونا بعد سنتين لمصادرة أراضيهم، أما النسبة الصغيرة المتبقية من الأراضي الفلسطينية التي استولوا عليها بالبيع وتقدر بمليوني دونم من مساحة فلسطين التي تبلغ 27 مليون دونم، أي ما يعادل 8.8%، فقد باع غالبيتها إقطاعيون وتجار أراضي عرب وغير عرب من غير الفلسطينيين وقلة لا تكاد تذكر من ضعاف النفوس من الفلسطينيين الذين عاقبتهم الحركة الوطنية الفلسطينية لاحقا.

التفاصيل: طوال قرون وقرون بقي نمط الإنتاج الزراعي وملكية الأرض المشاعية هما السائدان في بلدان المشرق العربي، حيث ملكية الأرض "رقبتها" للدولة وليس للأفراد، وحيث حُددت ملكيتها بأنها حيازة مؤقتة ومشروطة بالانتفاع "حيازة انتفاع" وفق مبدأ الأرض لمن يفلحها فإن توقف عن فِلاحتها خرجت منه إلى منتفع آخر. ومشهورة هي حكاية مطالبة بعض قادة العرب المسلمين الفاتحين بتمليكهم هم ومقاتليهم أراضي السواد "العراق" والشام وكيف رد عليهم الخليفة الفاروق بعد أن تشاور مع إخوانه الصحابة وفي مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب بالرفض وبما يضمن الإبقاء على رقبة الأرض للدولة وملكيتها الحقيقية لخالقها "الله". وهذا هو نمط الإنتاج أو الملكية الذي سماه ماركس في العصر الحديث نمط الإنتاج الآسيوي وسماه الراحل سمير أمين "نمط الإنتاج الخراجي".

*في العصور اللاحقة للعصر الراشدي جرت محاولات للتلاعب والخروج على هذا المبدأ الخاص بملكية القيعان الانتفاعي عبر الهِبات والمُنح من أهل الحكم لحاشيتهم، ولكنها ظلت حالات محدودة. وفي القرنين الأخيرين من الحكم العثماني أُحرِزت خطوات مهمة في غرس النمط الاقطاعي في بعض البلدان التابعة للسلطنة العثمانية، وخصوصا في العراق "بموجب قوانين الطابو والميري واللزمة والمنح والهبات القابلة للوراثة...إلخ"، وفي أجزاء من بلاد الشام وخاصة سوريا ولبنان، ولكن الطابع العام للطابع المشاعي للأرض ظل قويا وسائدا في العراق لفترة قبل أن يتفكك وينتهي تماما بمجيء الاحتلال البريطاني الذي دعم الإقطاع الريفي واكسبه شكله النهائي الطارئ على التاريخ العراقي القديم.

*أما في فلسطين فقد ظلت الأراضي مشاعية في غالبية مساحتها القابلة للزراعة رغم إصدار قانون الطابو العثماني ومحاولات تطبيقه المتعثرة هناك، وجرت محاولات من قبل المستعمرين البريطانيين لتوسيع البثور والجزر الإقطاعية هنا وهناك في فلسطين. وكانت السلطات العثمانية قبل الاحتلال البريطاني لفلسطين، وبالضبط في سنة 1849 أصدرت - تحت الضغط البريطاني - فرمانا يجيز لليهود شراء الأراضي في الديار المقدسة. إضافة إلى ذلك فقد نجح بعض الإقطاعيين الشوام من سوريا ولبنان خصوصا، وبعض المصريين والإيرانيين؛ نجحوا في استملاك مئات الآلاف من الدونمات من أراضي فلسطين. وقد ظلت نسبة الأراضي المشاعية في فلسطين أكثر من 70 بالمائة من عموم الأراضي الصالحة للزراعة والغرس والرعي؛ وهذا يعني أنها غير قابلة للبيع لانعدام المالك الفردي لها طوال قرون. ثم (صدر قانون الأراضي العثماني عام 1858، متبوعا بنظام الطابو عام 1859، ومن ثم إعلانه عام 1861 والتعقيب عليه بملحقاته في 1867، واللذان "أكدا على وجوب تسجيل الأرض الخاصة على اسم مستعملها ومالكها"). وبعد سقوط السلطنة العثمانية، استعملت الدولة البريطانية بوصفها دولة احتلال فلسطين صفتها هذه كدولة لتنتزع أراضي فلسطين المملوكة والمشاعية ثم لتحولها لاحقا وتلقائيا إلى ملكية دولة الكيان الصهيوني إضافة إلى تطبيق استراتيجية شراء أراضي الإقطاعيين العرب من غير الفلسطينيين وخصوصا في الجليل الفلسطيني. وفي بحث رصين للباحث سامح عودة يفند بالتوثيق أكذوبة "الفلسطينيون باعوا أرضهم" نقرأ الفقرات الموثقة التالية/ تجد التوثيقات في رابط يحيل الى هذا البحث:

*استطاعت عائلات شامية ولبنانية أن تستحوذ على مساحات شاسعة من أراضي فلسطين، كعائلات "سرسق"، و"العمري الدمشقية"، و"القباني"، و"العكراوي"، وغيرهم، بواقع 57 ألف دونم للعائلات الشامية، ونصف مليون آخرين للبنانيين، إلى جانب بعض الأفراد من تابعية عثمانية كـ "بهائي إيراني" من إيران و"الكونت شديد" من مصر، ولكن تبقى عائلة "سرسق" اللبنانية، صاحبة النصيب الأكبر والدور الأبرز في تحويل هوية الأراضي فيما بعد من كونها عربية إلى يهودية متسللة، حسب رواية "إميل الغوري" بأنهم باعوا نحو 400 ألف دونم لليهود، بما فيها ملكيتهم في مرج بني عامر).

*أما صغار الملاك من الفلاحين، فقد لعبت المراباة دورا فاعلا في خسارتهم أرضهم، بعدما رهنوها إلى أثرياء المدن الكبار، الذي راحوا يغرون الفلاحين بتسهيلات مادية في الإقراض، خاصة في أوقات الضرائب، بصورة متراكمة عاما تلو الآخر حتى لم يجد هؤلاء المساكين بُدا من التفريط في أرضهم لقاء ما عليهم من الديون، غير أنهم بقوا فيها على سبيل العمالة، في امتياز لن يتيحه اليهود لهم عندما تُبسَط سلطتهم على الأرض لاحقا.

*لم تتعدَ ملكية اليهود حتى إحلال الانتداب البريطاني للحكم العثماني عام 1914 أكثر من 245.581 دونما، بواقع 1% تقريبا، من مساحة فلسطين الكلية، وهو رقم لا يمكن تخيله بالمقارنة مع أملاك العرب من الأرض.

*بعد إثقال كاهل الفلاحين بالضرائب، بدأت الحكومة الانتدابية البريطانية في سنِّ قوانين أخرى لمنظومة الأراضي، بغرض زيادة حصة الدولة من الأراضي الأميرية، ومن ثم تسهيل تمريرها لليهود، مع سنِّ استثناء دائم يخول للمندوب السامي حقوقا مطلقة في منح الأراضي بما تقتضيه "المصلحة العامة". وقد أصدر السير "هربرت صموئيل" خلال توليه منصب المندوب السامي، وفي أقل من عام، نصف دستة من القوانين التي ألغت كل النظم العثمانية التي حالت بين اليهود وامتلاكهم الأموال غير المنقولة -العقارات والأراضي- في فلسطين.

*فأُصدِر قانون انتقال الأراضي الذي سمح لشركات الصرافة أن ترتهن الأراضي مقابل قروضها، ونص على إتاحة انتقال الأراضي للشركات التجارية لإقامة مشروعاتها، مما تبعه "اعتراف رسمي بالصندوق القومي اليهودي بوصفه مؤسسة ذات منفعة عامة يحق لها شراء الأراضي".

*كما صدر -أيضا- قانون الأراضي المحلولة عام 1920 القاضي بأن جميع الأراضي التي تنحل لانقطاع الورثة، أو لعدم زراعتها مدة ثلاث سنوات، سوف تظهر عند المسح الفني للأراضي غير المقيدة حتى لو كانت تحت وضع اليد، ومن ثم تؤول ملكيتها للدولة المحتلة.

* لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بالطبع، فوفقا لوثيقتي صك الانتداب ودستور فلسطين الانتدابية، فإن "الامتياز" يظهر على الساحة كحق من حقوق الحكومة في حرية التصرف في الأرض بالحجة المرنة المتكررة: "المنفعة العامة". على إثر هذا يمكن للمستفيد من الامتياز التمتع بكافة قوانين نزع الملكية وتسوية الأراضي لتوسيع مساحة منطقة الامتياز.

*مضت سنة الامتيازات إذن، ومكّنت اليهود من خلالها -وفقا لـ "غسان كنفاني" من السيطرة على الهيكل التحتي للاقتصاد الفلسطيني (الثروات في باطن الأرض) مما أدى إلى انهيار شبه كلي في الاقتصاد العربي الفلسطيني. ويشار في هذا السياق، حسب "عبد الجواد صالح" و"وليد مصطفى"، إلى أن رؤوس الأموال التي احتكرت الامتيازات الممنوحة للمؤسسات أو الشركات الصهيونية بلغت نحو 90% من مجموع رؤوس أموال شركات الامتياز في فلسطين.

*على الرغم من قوانين التملك العثمانية، البسيطة في امتيازاتها، وقوانين التملك البريطانية التي كانت تتسارع في منح الأرض لليهود -كما سيأتي- لم يخرج اليهود من فلسطين خلال عقود من الشراء والتحايل إلا بنسبة 5.7%، ترتفع في أقصى تقديراتها إلى 6.7%، من أراضي فلسطين، بلغت منها نسبة ما اشتروه من الفلاحين -تحت ظروف الاستدانة والمراباة والضغط المادي عليهم- نحو 9.4%، بينما كان نصيبهم الباقي (90.6%) من كبار الملاك والملاك الغائبين وأراضي الحكومة والكنائس والشركات الأجنبية ومِنح الانتداب.

*ومن بحث آخر للباحث رفعت سيد أحمد نقرأ هذه الفقرات المهمة:

*الحقائق التاريخية تقول إنه في الفترة ما بين 1929 و1947 قُتِل أكثر من 15 ألف فلسطيني وعربي على يد الانكليز والمُسلّحين اليهود وتم تهجير الآلاف من بيوتهم وقراهم ... وتم تدمير وقتل أهالى 531 قرية بالكامل.

*من إجمالى مساحة الأراضي التي وقعت تحت أيدي اليهود حتى عام 1948 من غير قتال أو حرب كانت حوالى 2 مليون دونم، أي ما يعادل 8.8% من مساحة فلسطين التي تبلغ 27 مليون دونم.

*إن التاريخ ووثائقه يؤكّد أن إجمالى مساحة الأراضي التي وقعت تحت أيدي اليهود حتى عام 1948 من غير قتال أو حرب كانت حوالى 2 مليون دونم، أي ما يعادل 8.8% من مساحة فلسطين التي تبلغ 27 مليون دونم.

*هذا ويحدّثنا التاريخ أن الصهاينة حصلوا على تلك الأرض (2 مليون دونم) عبر وسائل عدّة نذكر منها :

أولاً: حصلوا على مساحة 650.000 دونماً (ستمائة وخمسين ألف دونم) حصلوا على جزء منها كأية أقلية في فلسطين منذ مئات السنين، وتملك أرضاً تعيش عليها، وحصلوا على الجزء الآخر بمساعدة الولاة الأتراك.

ثانياً: مساحة 665 ألف دونم (ستمائة وخمسة وستين ألف دونم) حصل عليها اليهود الصهاينة بمساعدة حكومة الانتداب البريطاني المباشرة، وتحديداً من خلال المندوب السامي البريطاني وعلاقاته المشبوهة بالوكالة اليهودية.

ثالثاً : مساحة 606 آلاف دونم (ستمائة وستة آلاف دونم) قام اليهود الصهاينة بشرائها من إقطاعيين عرب كانت لهم ملكيات واسعة في فلسطين. وهنا يحدّثنا التاريخ أن أبرز تلك العائلات أتى من لبنان وسوريا ومنها من لبنان : (آل سرسق – آل تويني – آل سلام – آل الصباغ – محمّد بيهم – جوزف خديج – خير الدين الأحدب (رئيس وزراء سابق) – آل الخورى) ومن سوريا : (آل ماردينى – آل اليوسف – آل القوتلي – آل الجزائرلي – الشمعة – العمري – مدام عمران .. وغيرهم) .

رابعاً: باقي الأراضى التي استحوذ عليها اليهود كانت عبر الإرهاب والقوة المُسلّحة ودير ياسين نموذجاً لذلك.

- إن التاريخ يحدّثنا أنه عند قرار التقسيم سنة 1947 كانت ملكية اليهود للأراضي لا تتعدّي 2 مليون دونم - كما سبق وأشرنا - من كامل مساحة فلسطين، ولكنهم بالقوة المُسلّحة والعدوان والقتل والتهجير الإجرامى من ناحية، وبالأساليب السابقة، عبر وسطاء ومن عائلات غير فلسطينية من ناحية أخرى، وعبر ضِعاف النفوس من الفلسطينيين أيضاً والذين تمت تصفيتهم على أيدي الحركة الوطنية الفلسطينية لاحقاً، تمكّنوا من احتلال أجزاء كبيرة من فلسطين الحبيبة. تمكّنوا من احتلال أجزاء كبيرة من فلسطين الحبيبة.

 

علاء اللامي*

..................

1-رابط يحيل الى بحث بقلم سامح عودة بعنوان: هل باع الفلسطينيون أرضهم لليهود في الأربعينات؟

https://www.aljazeera.net/midan/intellect/history/2019/5/15/%D8%A8%D8%A7%D8%B9%D9%88%D9%87%D8%A7-%D8%A3%D9%85-%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D9%88%D8%A7-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D9%85%D9%86

2-رابط مقالة بقلم رفعت سيد أحمد بعنوان فى ذكرى يوم الأرض: الفلسطينيون لم يبيعوا أرضهم!!

https://www.almayadeen.net/articles/opinion/762973/%D9%81%D9%89-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6--%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%84%D9%85-%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%88%D8%A7-%D8%A3%D8%B1%D8%B6%D9%87%D9%85--