سعيد توبيرفصل المقال فيما بين السياسة والثقافة من اتصال

إذا كان تاريخ البشرية هو تاريخ تدبير صراع الانانيات بين الشعوب والطبقات وصراع القوى اللامتكافئ بين العالم المتقدم المالك للعلم، للثروة والقوة، وعالم ثالثي راكم التبعية، التأخر والتجزئة. فإن أزمنة "جائحة كورونا" قد ابرزت عيوب أصولية وايديولوجية الليبرالية المتوحشة، لتكشف عن نزوعات أكثر شراسة في السيطرة والابتزاز من خلال عودة "المكبوت الاستعماري" من حيث التحكم والنهب والسطو على مقدرات المستعمرات السابقة. ليتبث بمنطق الواقع على أن هم القوى العظمى ليس السلم الدولي والعدالة بين البشر. وإنما ادامة التبعية والهشاشة والتفتيت القسري للكيانات السياسية، سيما دول "الوطن العربي" التي تشكل افق اشتهاء للغرب من حيث موارده الطبيعية وممراته البحرية الدافئة بلغة ابي يعرب المرزوقي.

وعليه فإن قطع المملكة المغربية لعلاقاتها السياسية والديبلوماسية مع الجمهورية الفيدرالية الألمانية يتأطر ضمن سياسة محاولات بعض الدول الاوربية المجحفة في حق المملكة المغربية، من خلال ردود فعل وسلوكات ومواقف تشتم منها رائحة الضغط الاقتصادي والابتزاز الديبلوماسي والتشويش السياسي على" قضية الصحراء الغربية المغربية". في حين تستمر المملكة في سعيها الانساني التنموي و التعاون التواصلي من خلال الفتوحات الديبلوماسية في افريقيا والعالم العربي " اتفاق الصخيرات" فيما يخص الأزمة الليبية. انها فلسفة "دولة فتية" تحارب من أجل استرجاع أراضيها المستعمرة في اطار احترام تام للشرعية الدولية وأعراف وأدبيات العلاقات الدولية.

ولعل اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية هو ما شكل النقطة التي أفاضت الكأس وجعلت مجموعة من الدول تحاول الاحتجاج على قرارات الادارة الأمريكية بحكم وزنها الاقتصادي، العسكري، الديبلوماسي ونفوذها السياسي في مجلس الأمن. وبالتالي فإن الاسباب الوجيهة التي دفعت بوزارة الخارجية المغربية قطع علاقاتها مع ألمانيا ترد إلى

-  "التعامل الألماني" من الناحية التقنية والعسكرية مع الجزائر الداعمة للبوليساريو، ورفع علمها في مدينة بريمن احتفاء بذكرى ولادة "المسخ التاريخي والسياسي " تحت رعاية وعناية مخابر الدوائر الاستعمارية، بتواطؤ مريب مع ما يسميه "الحراك في الجزائر ب" العصابة" في اشارة الى حكم العسكر المتسلط. وكذلك وقوف" ألمانيا "ضد ترتيبات دول الاتحاد الأوروبي ليكون له موقف مساند لقرار واشنطن الأخير القاضي بالاعتراف بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، وفتح قنصلية أمريكية بمدينة الداخلة .

- التقرير الأخير لوكالة "ترانسبرانسي" المتواجدة في برلين ولها فرع بالرباط بطبيعة الحال، وهي التي تتلقى تمويلا من الدولة الالمانية، والتي تتستر وتتفادى اثارة بعض القضايا بعينها في المانيا. بحيث شكل التقرير الأخير في 28 يناير2021 المسيس والمغرض، ضربة لسمعة المغرب الذي يعتبر من بين الدول الأكثر شراسة في محاربة التطرف وتمويل الإرهاب. كما يشكل ضربة قوية للاقتصاد المغربي، وسيؤدي إلى تآكل ثقة المستثمرين بالاستثمار فيه، مما سيؤدي إلى إضعافه بشكل أكبر. وقد جاء هذا التقرير في أسوأ توقيت، في وقت يعاني فيه المغرب من التبعات الاقتصادية والاجتماعية لفيروس كورونا وسيكون في حاجة ماسة إلى الاستثمارات الأجنبية في المستقبل القريب لإنعاش اقتصاده.

وبناء على الملاحظات المشار اليها سابقا يمكن استخلاص" قضية عامة أو ثابت بنيوي" مفاده هو أن عددا من الدول الاوربية، قد أدمنت على سلوكات عدوانية ومعادية للحق المغربي في سيادته على أرضه وموارده " اتفاقية الصيد البحري " انموذجا في قطع المغرب علاقاته مع السوق الاوربية المشتركة، بسبب رغبتها في فصل المغرب عن شواطئه الجنوبية في اتفاقية الصيد ظلما وعدوانا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قام بابلو إغليسياس، زعيم حزب بوديموس النائب الثاني للحكومة الإسبانية، بنشر عدد من التغريدات في شهر نوفمبر الماضي دعا فيها الأمم المتحدة إلى تنظيم استفتاء لتقرير المصير لتمكين الصحراويين من إنشاء دولتهم المستقلة.

والواقع هو ان انهمام ألمانيا منذ بداية القرن العشرين بالبنية التحتية الصناعية بدل ظاهرة الاستعمار التي مارستها كل من ابريطانيا وفرنسا جعلتنا نسقط في وهم "المقاربة الثقافية المحايدة" اتجاه ألمانيا، والتي غذاها عندنا موقف الفيلسوف التونسي " فتحي المسكيني" عندما يقول:( كنت أشعر دائما أن بين العرب والألمان أواصر قرابة مثيرة وغامضة، كل منهما له لغة صعبة وغامضة وذات اصالة خاصة ومجد ضائع. هل يستطيع اليوم أي باحث في الفلسفة الحديثة غربا وشرقا، أن ينكر أهمية ثقافة عصر الانوار الالماني في تجربته التاريخية التي وسمت في بداية تأسيسها بميسم الثورة الفرنسية في تحولها الى الة جهنمية مع الغزو النابليوني، بحيث شكلت فلسفة الانوار مع كانط، فيخته وهيجل دفاعا فلسفيا مستميثا عن الحرية الانسانية والعدالة من خلال ما سماه كانط" الخضوع للأمر الحملي"، ثم الكرامة التي تشكل أساس احترام الانسان في ذاته كغاية وليس كموضوع أو سلعة.

- انها الثقافة الفلسفية والتاريخية الالمانية الحيوية، التي شكلت كذلك تمرينا فلسفيا في استجابتها العلمية، الفنية، الثقافية والتاريخية لتحديات ما أسماه هيجل " الأزمنة الحديثة". أي التأسيس لمفهوم العقل، الطبيعة ثم الدولة الوطنية. بحيث بدأنا نلاحظ التناقض المروع فيما بين السياسي والثقافي. ففي كتاب "رسائل اوربا" من منشورات " البان ميشيل نأخذ على سبيل المثال " رسالة ألمانيا" الصفحة 107: نصادف السؤال المحموم الذي طرح في القصيدة الشعرية المشهور ل " ارنست موريتز ارندت"؟ was ist der deucher vaterland ، أي اغنية التحرير الالماني ضد قمع نابليون. واليوم تتجه ألمانيا نحو دولة "الجزائر" التي ليس لها اصلا تاريخ عريق مثل المغرب، اقل ما يقال عنها ان تركيا سلمتها الى فرنسا. بيد أن المغرب حافظ على سيادته مشكلا استثناء عربيا من جهة عدم خضوعه للحكم العثماني.

- ومع ذلك فالمغرب شكل كتجربة تاريخية وثقافية شمال وجنوب الابيض المتوسط أنموذجا حضاري في التعايش الديني والتنوع الثقافي " اسقبال يهود اسبانيا بعد التهجير القسري في 1609 ". وبالتالي يستحق الاحترام والتعاون من طرف دولة " نقد العقل الخالص" لكانط، " تأسيس دستور ألمانيا" لهيجل، "الفلسفة كعلم صارم" لهوسرل. وبالتالي فان المملكة المغربية لم تكرس في نفسيتها التاريخية التدخل في شؤون سيادة الدول أو الترامي على حقوق الغير. فألمانيا بحكم سياق الوحدة الالمانية 1870 تعرف جيدا معني غياب سوق وطنية ومشكل التعدد اللغوي والاثني والعرقي واهمية " الوحدة" كما تغنى بها الرومانسيون الالمان: شليينغ وفيخته وهيجل في توحيد البلاد امام الغزو الخارجي. أكثر من ذلك عاشت التمزق السياسي والايديلوجي بعيد الحرب العالمية الثانية من خلال سردية الحرب الباردة. وكم فرحنا بعودة الديمقراطية بانهيار جدار برلين ليعانق الشعب حريته التاريخية وتندمج المانيا الشرقية في الغربية اقتصاديا واجتماعيا.

- هي أدرى بواقع المغرب جيدا بحكم مدرستها الاستشراقية المتقدمة علميا وبحثيا، التي توفر لها معطيات حول الأمة المغربية بامتدادها التاريخي في الاندلس وفي افريقيا. علما أن المغرب عرف بأول جامعة في تاريخ العالم "جامعة القرويين" بفاس . المغرب اليوم متشبث بالملكية الدستورية والصحراء المغربية، وحريص على وحدته المركزية التي كانت دائما شوكة في حلق الغزاة ابتداء بالرومان قديما، الايبريين في العصور الوسطى، الاتراك في الازمنة الحديثة والتنافس الاوربي حول تقسيم المستعمرات أو ماسمي " بالأزمة المغربية". في هذا السياق ندعو اخواننا المثقفين الالمان النزهاء الى دفع السياسيين المنحازين تلقائيا للعبث الى تغيير مواقفهم اتجه المغرب الذي يتوفر على جالية لايستهان بها في المانيا. واعادة النظر في بناء شراكات عادلة تخدم الطرفين وتعزيز علاقات التعاون فيما يخص الفلسفة والعلوم الاجتماعية باعتبارهما من اهم المداخيل لمعانقة الازمنة الحديثة فهما وتفاعلا مع المستجدات المعاصرة.

في الختام يعلم أغلب الباحثين أهمية نظرية هابرماس التواصلية في الفضاء العمومي، والتي يمكن استثمارها في اعادة الدفء الى العلاقات الديبلوماسية وذلك بتحكيم منطق العقل وبعد النظر فيما يخص القضايا الاستراتيجية المؤسس للعلاقات الدولية الناجحة، اما الرهان على الجزائر فهذا نوع من العبث لاننا نشهد على عسر عملية الانتقال الديمقراطي وان البلد بظروفه الحالية يشي بعودة العشرية الدموية. ولذلك نرجو من القيادة الالمانية تحكيم الضمير الفلسفي الذي تحدث عنه كانط في موضوع " مقالة في السلم الدولي".   

 

 سعيد توبير

 استاذ الفلسفة وباحث في فلسفة التربية

 

 

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تأسيس الدولة العراقية (4)

حفل تاريخ البشرية بالعديد من الثورات التي غيرت وجه العالم برفضها للظلم والفساد، كالثورة الإنجليزية، الأمريكية، الفرنسية، الروسية، والثورة العربية التي طالبت بالإنفصال عن الحكم العثماني. الثورة بمفهومها العلمي تعني الإطاحة بمنظومة قيم الإستبداد. بعض الثورات حققت أهدافها بأساليب متعددة، وجرى تقيمها لاحقاً لغرض تجاوز الإخفاقات، ومنع عودة الظلم والطغيان من جديد.

لم تكن المفاهيم العصرية الحديثة كالوطنية والمواطنة والإستقلال متداولة لدى الكثير من العراقيين في ظل الهيمنة العثمانية. ولكن الوعي الفكري أخذ دوره في ظل سلطة الإحتلال البريطاني. أخذت المفاهيم العصرية في الإنتشار لدى الكثير من العراقيين كبداية للوعي الوطني الذي بدأ ينمو ويتوسع بمرور الأيام، لا سيما بعد أن توسعت دائرة الثورة في أكثر أنحاء العراق. شارك العراقيون فيها بمختلف فئاتهم وطبقاتهم، نتيجة التذمر الذي أخذ ينتشر تدريجياً، بعد إدراكهم بأن سلطة الإحتلال التي أنقذتهم من مظالم الدولة العثمانية، لا تخلو أيضاً من مظالم كثيرة.

أُطلِقت صفات متنوعة على ثورة العشرين، مستوحاة من أهمية الحدث في نفوس العراقيين. لأنها تستحق الفخر والتمجيد، أحدثت نقلة نوعية مؤثرة عمقت الفوارق الطبقية، أسهمت بمتغيرات بنيوية بتركيبة المجتمع، لأسباب إرتبطت بدور العلاقات السلعية الجديدة التي نمت بفعل حركة الرأسمال التجاري الغربي في العراق. وسعي الإقطاع وكبار الملاكين في تشديد الإستغلال على الفلاحين، وبتكريس العلاقات العشائرية، والتمهيد لفرض سيادة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في البلاد. متغيرات مهدت لنمط فكري لدى شرائح كثيرة من العراقيين، وكذلك في توجهات سلطة الإحتلال، نتج عنها قناعة بضرورة أن يكون للعراق كياناً مستقلاً.

كُتِب الكثير عن ثورة العشرين، مدحاً وقدحاً، لأنها الحدث الأكبر الذي مهد لتأسيس الدولة العراقية، فبعد مرور أكثر من قرن من الزمن، فالضرورة تتطلب إجراءً تقيمياً موضوعياً من الباحثين المهتمين بالذاكرة العراقية. لتحليل كل الآراء التي تناولت الثورة سلباً وإيجاباً، بعيداً عن كل الخلفيات السياسية والأيديولوجية.

إمتازت ثورة العشرين بالمشاركة الواسعة، من أبناء الريف والمدن، صدرت حولها دراسات كثيرة، أهمها مؤلف د. علي الوردي، الذي أكد بأن معظم الدراسات تضمنت أسلوب المبالغة في التمجيد والحماس، وبعضها ذات طابع خطابي حماسي تفتقر إلى المنهج العلمي لأنها ذات بُعد واحد. وبعضها لا يخلو من روحية المزايدات الوطنية، على مبدأ من لا يبالغ في التمجيد يحسب من عملاء الإستعمار.

أكد د. سيار الجميل أن أغلب من كتب تاريخاً للثورة، كان في حالة فوضى فكرية، منطلقاتها متشبعة بالعواطف الطائفية أو التجريحات الشخصية أو التوصيفات الكيدية. كل طرف يسحبها نحوه ليفخر بالمشاركة فيها أو يصرّ على أن  يكون هو الأجدى وينفي مشاركة الآخرين فيها. وكل طرف يحاول بطريقته إخراج الثورة من إطارها الطبيعي ليصوغها حسب توجهاته ورغباته. أي ثمة مجادلات غير علمية بصدد الثورة التي صنعها الغالبية من العراقيين بمختلف إنتمائاتهم. فمن الأقوال المنسوبة إلى نابليون: بأن النصر له ألف أب. أما الهزيمة فالكل يتنصل من مسؤوليتها.

ولهذا ركز د. على الوردي على أهمية وضع الثورة على منضدة التشريح العلمي لدراستها من مختلف جوانبها، وفقاً لمنهجية علمية تعتمد الوقائع التاريخية الموثقة، وتسترشد بفكرة مفادها أنّ للبداوة دوراً مهماً في صناعة التمرد والثورة. الدراسة الموضوعية لا تتطلب التركيز على الجوانب الإيجابية فقط، والإفراط في الأخطاء التي إرتكبتها سلطة الإحتلال، التي تدور في محور الضغط السياسي وتقييد الحريات وغياب العدالة الإجتماعية. بل الإجابة عن كل الأسئلة الجدلية، لتسهم في إزالة الملابسات. لأن الثورة حفلت بتناقضات عديدة لم يتمكن المتخصصون من ترجمتها بموضوعية وحيادية لتوثيق الذاكرة العراقية.

العامل الديني من أهم العوامل في إنتشار الثورة، كان إتجاه الناس توجيه تهمة الكفر لكل من لا يؤيد الثورة، بالإضافة إلى تفاعل العديد من الأسباب، سواء أكانت سياسية تتعلق بقساوة التعامل وكتم الأفواه وقساوة القرارات والتشريعات الإدارية والمالية والعسكرية التي أثقلت كاهل الناس، أم بسبب بشاعة الإستغلال الإقتصادي للموارد وإستنزاف الطاقات المادية والبشرية، أم بسبب الظلم الإجتماعي بإشاعة الفرقة بين العشائر، وإثارة الأحقاد بين الطوائف الدينية بأساليب قهرية ذات طبيعة ازدرائية، تتسم بالتعالي والاحتقار وإمتهان كرامة الكثير من الشرائح المجتمعية. أساليب تسعى إلى تركيع البعض من العراقيين بحجة أنهم يرفضون الإنصياع للقوانين والتعليمات والأوامر.

لم يكن عهد الإحتلال خالياً من التمييز والظلم، وبالمقابل الصفة العامة للعراقيين هي عدم الصبر على ظلم وتعسف السلطة، ولا سيما هناك الكثير من الفتاوى لمرجعيات فقهية هيجت حماس ومشاعر شرائح إجتماعية كثيرة، خلقت أجواءً لتوسيع دائرة الرفض ومواجهة سياسة المحتل بكل الإمكانيات المتاحة.

والرأي الآخر من خصوم الثورة، نابع من فهمهم لطبيعة المجتمع العراقي، ولا سيما العشائر العراقية وسلوكها العدائي لكل حكومة مهما كان نوعها. هذه الميزة مرتبطة بطبيعة موروثها البدوي الذي يميل إلى الغزو والنهب، فهي تسعى للتمرد كلما سنحت لها الفرصة. فهناك بعض العشائر انضمت للثورة طمعاً بالفوز بالغنائم أكثر من المطالبة بالحرية والإستقلال.

يؤكد توماس لايل (Thomas Lyell) (1886-1956): "إن الطبيعة الفوضوية المشاغبة التي اتصف بها أهل العراق معروفة تماماً لدى المطلعين على شؤون الشرق الأوسط من الساسة الأوروبين، وإن عدم رغبة العراقيين فينا ليس بالأمر الجديد فهم لا يحبون أي حكومة تمنعهم من مواصلة غرائزهم الموروثة في التمرد على القانون واقتراف الجرائم العنفية". لا شك بإن التراث البدوي كان عاملاً مهماً من عوامل الثورة، ولكنه ليس العامل الوحيد، لأن الكثير من العشائر التي شاركت بالثورة كانت تقاتل بنفس الروحية التي حاربت بها الدولة العثمانية.

كل المؤشرات تشير إلى الأخطاء الكثيرة التي مارستها سلطة الإحتلال هي التي أدت إلى إعلان الثورة ضدهم. فلو مارست سياسات أخرى، لأمكنها التأثير الإيجابي في المجتمع، وإخراجه إلى نور الحضارة الغربية الحديثة. ولكن كانت السياسة البريطانية قاسية، ومحافظة على مبدأ تحقيق الأهداف الاستعمارية، ولهذا لم يستطع الفكر الديمقراطي البريطاني التناغم مع الواقع العراقي، بالصورة التي تساعده على التفاعل والتفاهم ومنح الحقوق المشروعة. هذه السياسية جلبت لهم الكثير من المتاعب، فتجربة الاحتلال البريطاني للعراق وعواقبها وتداعياتها، يمكن لها أن تقدم درساً حياً للمجتمع العراقي في كل مراحله اللاحقة التي لم يتمكن من استثمارها بشكل إيجابي.

جاء الإستعمار البريطاني محتلاً، وتصرف كمحتل فقمع إنتفاضة النجف في 1918، وثورتي 1919 و1920، وفرض على العراق معاهداته واتفاقياته، وكرّس فيه مصالحه. ذكر الدكتور الوردي الكثير من نماذج الإساءة للعراقيين، التي كان يراد بها تحطيم معنويات الناس وكرامتهم وإذلالهم، فارتفعت درجة الحقد والكراهية لدى الناس، وعمّق فجوة انعدام التفاهم بين الطرفين.

أسهمت عوامل كثيرة في إضعاف الثورة وتفكيك صفوفها. كانت القوات البريطانية، تمتلك قيادة موحدة، وسرعة في الإتصالات وتنظيم العلاقات والإلتزام بتنفيذ القرارات. في حين كانت قوات الثوار، لا تمتلك قيادة ميدانية موحدة. العشائر تتصرف بحسب ما تمليه عليهم إجتهادات الشيوخ، الذين يتخذون القرارات على ضوء مصالحهم الخاصة، من دون أن يلجأوا إلى التنسيق مع بقية العشائر، إضافة إلى تخلف فن قيادة المعارك عند قادة الثوار. لم يكن التنسيق بين المدن والأرياف ناجحاً، بسبب ضعف الثقة، وضعف مستوى الوعي السياسي للفلاحين. ومهما تعددت عوامل الإندحار تبقى ثورة العشرين، في إنتصاراتها وإندحاراتها نقطة تحول كبيرة في سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط، وتعد خطوة مهدت لتأسيس الدولة العراقية، وتجربة سياسية غنية أكدت إستعداد الجماهير للقتال في سبيل الأهداف التي تسعى إليها. وعبرت في الوقت نفسه، عن نشوء نوع من الوحدة الوطنية والإحساس بالكيان الواحد، الذي لم يكن واضحاً في فترة الحكم العثماني.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

.......................

المراجع:

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج5، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- عبدالرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى 1920، مكتبة نرجس، ط3، لندن 1971.

- موقع المعرفة.

رابط المقالة الأولى:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

 رابط المقالة الثانية:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

رابط المقالة الثالثة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953761

 

 

 

 

ابراهيم أبراشلا يمر يوم إلا ونسمع عن شهيد، فخلال الشهرين الماضيين فقط قتل جيش الاحتلال سبعة مواطنين في الضفة الغربية وآخرهم الشهيد خالد ماهر نوفل وجرح العشرات، بالإضافة إلى هدم المنازل وتجريفها ومصادرة أرض وإقامة مستوطنة واعتقالات هذا ناهيك عن استمرار معاناة خمسة آلاف أسير، يجري كل ذلك فيما الطبقة السياسية الفلسطينية منشغلة وتُشغل معها الشعب بالصراع على السلطة وقضية الرواتب والمساعدات، وأخيراً الانشغال بالانتخابات التي تحولت لملهاة جديدة غابت عنها القضية المركزية الوطنية وكأننا في دولة مستقلة تتصارع فيها النخب السياسية على المواقع والمناصب!!!.

هل لنا أن نشكر العدو الصهيوني بأنه من خلال جرائمه المتواصلة يُذكِرنا ويُذَكر العالم بأننا شعب تحت الاحتلال وأن مشكلتنا الرئيسة تكمن في الاحتلال وليس في الأوضاع الاقتصادية أو في المجلس التشريعي ولا حتى في الانقسام، وأن كل ما يعانيه شعبنا غي الداخل وفي الشتات وأزمة النظام السياسي برمته سببه الاحتلال؟!!!.

العدو الصهيوني يواصل عدوانه وجرائمه في كل ربوع وطننا المحتل من غزة إلى الضفة والقدس إلى أراضي 48 حيث ينتفض أهلنا في أم الفحم والجليل ضد عنصرية الاحتلال ونشره الفوضى والجريمة المنظمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل ، ومحكمة الجنايات الدولية تقرر فتح تحقيق في الجرائم التي يتم ارتكابها في الاراضي الفلسطينية، ولكن وفي نفس الوقت يغيب عند أغلب المتصارعين على السلطة والمتنافسين للفوز في الانتخابات أي حديث عن المقاومة والأسرى واستراتيجية مواجهة الاحتلال!!!.

ماذا يقول وبماذا يحس الشهداء و الأسرى و الجرحى وأبناء وعائلات كل هؤلاء وهم يشاهدون القادة والنخب السياسية يتصارعون على السلطة وتقاسم مغانمها؟ بل ماذا سيقول العالم وكيف سيحترمنا ويقتنع بأننا شعب تحت الاحتلال ويستحق أن تكون لنا دولة مستقلة وهو يشاهد ويسمع ممارسات الطبقة السياسية في مناطق السلطة الفلسطينية؟

قد يقول قائل إن ما تقوم به الطبقة السياسية من خلال الانتخابات إنما هو ممارسة للديمقراطية ولتمكين الشعب من الصمود في وجه الاحتلال وإنهاء الانقسام، ونحن نقول إن تمكين الشعب من مقومات الصمود ليس من خلال تحسين وضعه الاقتصادي فقط، بل بتمكينه من عناصر القوة لمقاومة الاحتلال وردع المستوطنين، كما أن تحسين الوضع الاقتصادي من خلال أموال خارجية مشروطة وفي سياق ما يفرضه بروتوكول باريس الاقتصادي الذي هو جزء من اتفاقية أوسلو لن يؤدي لبناء اقتصاد وطني مستقل ومقاوم، مما يضع مسألة تحسين الوضع الاقتصادي سواء في غزة أو الضفة في شبهة تسوية الحل الاقتصادي التي قالت بها الإدارة الامريكية. كما أن الفصائل المشاركة بالانتخابات تعترف بأن الانتخابات لن تنهي الانقسام !!!. 

الكيان الصهيوني يجري انتخاباته دورياً وفي السنتين الأخيرتين قام بثلاثة انتخابات عامة ولكنه لم يتوقف خلال ذلك عن ممارساته وسياساته الاستيطانية والإرهابية ضد شعبنا، بينما يُطلب من شعبنا، حتى تنجح انتخاباته وحتى تتمكن الحكومة المنبثقة عن الانتخابات ممارسة عملها، أن يتوقف عن المقاومة !! أي مطلوب منه أن يتخلى عن حق المقاومة وهو حق منحته له كل الشرائع الدينية والوضعية، بينما لا أحد يطلب من الكيان الصهيوني أن يتوقف عن عدوانه واحتلاله فيما هو يجري انتخاباته !!!.

(استراتيجية الضعيف أو المسالم) التي تبنتها القيادة الفلسطينية بداية ثم وكما يبدو أن حركة حماس وبقية الفصائل تنحو لتبنيها لا تنفع مع كيان عنصري احتلالي كالكيان الصهيوني، والاعتقاد بأن إجراء الانتخابات ووقف المقاومة سيوصلان رسالة حسن نية للعالم بأن الشعب الفلسطيني يؤمن بالديمقراطية ويريد السلام لن تكون ذات جدوى وخصوصاً بالنسبة للإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني، فالعالم لا يحترم إلا الأقوياء الذين يدافعون عن حقوقهم وليس الذين يستجدونها.

لا يعني ما سبق أننا ضد الانتخابات حتى وإن كانت مفروضة بالإكراه، أو نرفض السلام والتسوية السياسية، بل نريد ألا تتوه خطانا عن الطريق وتنحرف البوصلة عن الحلقة المركزية وجوهر المشكلة وهو الاحتلال، وهذا لا يكون إلا بتحويل الانتخابات لمواجهة وطنية شاملة مع الاحتلال وخصوصاً في موضوع القدس، ومواجهة الشروط الخارجية الأمريكية والإقليمية التي تريد من خلال الانتخابات إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ليكون أكثر تطويعاً لتسوية سياسية ستكون على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أيضاً لا يكون إلا من خلال ولوج عملية السلام، عندما تتوفر شروطها المناسبة، مسلحين بالوحدة الوطنية وبالحق بالمقاومة، لأن شعباً تحت الاحتلال ويتخلى عن حقه بالمقاومة يفقد شرعية مطالبته بحقه في الاستقلال، كما أن التخلي عن مقاومة الاحتلال يعني الاستعداد للتعايش مع الاحتلال، ونأمل ألا تكون المرحلة القادمة ما بعد الانتخابات ،إن تمت في مواعيدها، هي حالة تعايش مع الاحتلال والانقسام.

 

إبراهيم أبراش

 

الزِّيارَةُ التَأرِيخِيَّةُ التي قامَ بها قَداسَةُ البابا فرانسيس الذي يَحْتَلُّ الرقم 266 في منصبِ البابَوِيَّةِ الكاثوليكيّةِ، والتي تأتي في ظُروفٍ صَعبةٍ يَمُرُّ بها العراقُ والمنطقةُ خصوصاً مع تفشي وباءِ كورونا تُمَثِّلُ رِسالَةً من اعلى مرجعيَّةٍ مسيحيّةٍ كاثوليكيَّةٍ بأَنَّ العراقَ هو مهدُ الحضارات ومنبعُ الديانات وَمَحَطُّ النُّبُواتِ، لا كما يَدَّعي بعضُ اعرابِ المنطقةِ بأَنَّهُ مرابعُ خُيُولِهم .

والمَحَطَةُ الأُخرى في زيارةِ قداسةِ البابا هي: زيارتُهُ للنجفِ الأَشرفِ وماتحتلُّهُ من عُمقٍ عِلميٍّ وحضاريٍّ، ولِقاؤُهُ المرجعِ الاعلى في النجفِ سماحة السيد السيستانيّ حفظه الله تعالى .

في زيارة قداسة البابا لمرجعية النجف  دلالاتٌ رمزيَّةٌ كبيرةٌ.

ارادَ البابا في هذهِ الزيارةِ التأريخيّةِ، أنْ يقدم شُكرَهُ للسيد السيستاني على موقفه من الاقليات في العراق والاقليّة المسيحيّة خصوصاً، الذينَ تعرضوا لابادة واظطهادٍ وقتلٍ وتهجيرٍ على يد عصاباتِ داعش الارهابيّة . جاء البابا ليؤدي الشكرَ بنفسه للفتوى التاريخية التي اطلقها السيد السيستاني والتي حمت العراق من السقوط وحررت الاراضي التي احتلتها داعش، وتطوع الشيعة في الوسط والجنوب لتحرير مناطق بلدهم، وانقاذ اخوتهم الذين تَعَرَضُوا للاضطهادِ والقمعِ واخواتهم المسيحيات واليزيديات اللاتي تعرضنَ للسبي وانتهاك حرماتهن .

لم تكن المحافظاتُ التي تعرضت للغزو محافظاتٍ شيعيّةً، والفتوى جاءت للدفاع عن محافظات عراقيّة بدوافع وطنيّة . السيد السيستاني لم يتحدث بروحٍ طائفيّة، فهو الذي يقول عن السنة انفسنا، ويقول عن المسيحيين: "هم منا ونحن منهم " .

بين الرجلين مشتركاتٌ كثيرةٌ . البابا في لقائه بالمسؤولين العراقيين حدثهم عن البعد عن الفساد وكذلك السيد السيستاني وجه خطاباته للمسؤولين العراقيين بتصفية الفساد . كلاهما يتحدث عن انصاف الطبقات الفقيرة والمحرومة، كلاهما يقف مع الناس في مطالباتهم المشروعة .

في لقاءِ السيّدِ السيستانيِّ مع البابا، ارسلَ سماحةُ السيّد رسائلَ واضحةً الى العالَمِ عبر البابا .

السيد السيستاني،  تحدثَ عن معاناةِ دول المنطقة التي تتعرض لحصارٍ واعمال عنفٍ وتهجيٍر، واكد على معاناة الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة .

وهذه الرسائل تؤكد على ان السيد ضد عمليات العنف والقصف التي تجري على اليمنيين، وضد الحصار الذي يتعرض له الشعب الايراني وهو ضد التطبيع مع الصهاينة الذي تتحرك فيه دول المنطقة اليوم . وغدا صوتُها عالِياً، حيث وصف الأراضي الفلسطينية بالمحتلة مُفَوِّتاً الفرصةَ على الذين يريدون جر العراق الى صفوف المُطَبِّعينَ ومستنقَعِ التطبيعِ. زيارةُ قداسة البابا للعراق زيارة تاريخية ومهمة ان احسنا استثمارَها .

 

زعيم الخيرالله

 

 

حسن الياسريليس حدثاً عابراً ولا مشهداً مُتكرّراً أنْ يلتقي قطبان دينيَّان كبيران في العالم، يُمثِّلُ أحدهما مرجعاً للمسيحيِّين الكاثوليك ويمثل الآخر مرجعاً إسلامياً للشيعة، في لقاءٍ أقل ما يُوصَفُ به أنَّه لقاءُ قمةٍ روحيَّةٍ، وهو حدثٌ قلَّ نظيرُه في التأريخ المُعاصر  ..

ويمكن بإيجازٍ إيراد أهمّ المعالم الرئيسة المُستقاة من هذا اللقاء:

1- تاريخيَّة اللقاء:

إنه حدثٌ تاريخيٌّ بكلِّ معنى الكلمة أنْ يلتقي هذان القطبان، فهو الحدث التاريخيُّ الأول من نوعه بين بابا الفاتيكان والمرجع الأعلى.

وسيبقى المُؤرّخون والكُتَّاب والمعنيُّون يتحدَّثون لسنين طوالٍ عن أهميَّة وتاريخيَّة وروحيَّة هذا اللقاء.

2- رمزيَّة المكان:

ليس أمراً عابراً أن يقوم رأس الفاتيكان بالذهاب بنفسه للقاء المرجع الإسلاميِّ الشيعيِّ الأعلى في مقرِّه في النجف الأشرف.

معروفٌ أنَّ النجف  مُنفتحةٌ على الآخر عبر تأريخها الطويل، ومعلومٌ أنَّ بعض رجال الدين المسيحيِّين- كرادلةً ومطراناً وأساقفةً - قد زاروا النجف الأشرف غير مرَّةٍ في حقباتٍ تاريخيَّةٍ مُختلفةٍ لزيارة حرم أمير المؤمنين (ع) واللقاء بالمرجع الأعلى .. لكن النجف - وغيرها - لم تشهد من قبلُ زيارة الحبر الأعظم ورأس الكنيسة العالميَّة للقاء المرجع الأعلى في مقرِّه - بل ولم يحصل اللقاء من قبلُ حتى في غير مقرِّه- .. ما يعني أنّ مَعلماً من معالم اللقاء المُهمَّة تكمن في رمزيَّة المكان - النجف الأشرف - بوصفها حاضرةً علميَّةً عالميَّةً مرموقةً . وهي بهذا الوصف تحظى برمزيَّةٍ مثل رمزيَّة الفاتيكان لدى أتباع الكنيسة الكاثوليكيَّة.

ولئن كنَّا نعرف رمزيَّة النجف الأشرف ومكانتها وأهميَّتها، بيد أنَّ غيرنا قد لا يعرف ذلك، من هنا تأتي أهميَّة اللقاء في أنَّه سيُسلّطُ الضوء على مكانة النجف الأشرف لدى الإعلام العالميّ، الذي يُولي أهميَّةً قصوى لهذا الحدث التاريخيِّ، وما زال يتابعه لحظةً بلحظةٍ.

2280 لقاء القمة الروحية

3- لقاءُ قُطبَيْ السَّلامِ:

لا أحد يشكُّ في أنَّ بابا الفاتيكان هو رجلُ سلامٍ، وأنَّ كلَّ أفعاله وكلماته وصلواته لتؤكد هذا. وليس هذا شأن البابا الحالي فرنسيس فحسب، بل هو دأب البابوات بشكلٍ عامٍّ .

وفي الاتجاه الآخر ليس بخافٍ أنَّ المرجع الأعلى سماحة السيّد السيستاني هو رجلُ سلامٍ بامتيازٍ، ولولا حكمته وحنكته ودعوته للسَّلام والأخوّة والعيش المُشترك لكان العراق في خبر كان.

ولا ريبَ في أنَّ اللقاء بين قُطبَيْ السَّلام هذين سيكون له بالغ الأثر، وستصل رسالة الرجلين السلميَّة لكلِّ أصقاع العالم، وستُصحِّحُ بعضَ ما علق في أذهان البعض من إلصاق تُهمة الإرهاب بالإسلام، إذ ها هو مرجع الإسلام -الشيعي - يُعلِنُ رسالة الإسلام المُتسامحة ويكشف صورته الحقيقيَّة، ومِن قبله أعلنها مرجع الإسلام -السنيُّ - شيخ الأزهر في لقائه بالبابا فرنسيس في (أبو ظبي) في العام 2019 .

4- التواضع:

لا يخفى على الجميع حجم التواضع الذي يمتاز به الرجلان، فالبابا بصفةٍ عامَّةٍ هو مُتواضعٌ مع الناس، والبابا الحالي (فرنسيس) ربما يكون واحداً من أكثر البابوات تواضعاً، إذ كان يُعرَفُ بـ(مطران الفقراء) حينما كان يمارس عمله الدينيَّ رئيساً للأساقفة في الأرجنتين .

وهكذا مراجع الشيعة عموماً، فهم من أكثر الناس تواضعاً، وإنّ تواضع السيّد السيستاني ممَّا لا يحتاج الى بيانٍ، وأضحى أمراً معروفاً للقاصي والداني، بما في ذلك شهادة مُمثلي الأمم المُتَّحدة !!

إذاً فالرجلان مُتواضعان مع الناس إلى أبعد الحدود، بيد أنَّ ما يثير الاهتمام بهذا الصدد هو أنّ البابا، رغم تواضعه الشديد مع النَّاس، لكنَّه يرأس دولة الفاتيكان ويعيش في قصورٍ ملكيَّةٍ في غاية الأبهة والترف، بصرف النظر عن القصر البابويّ وعدم السكن فيه !!

أما السيّد فهو يعيش في بيتٍ صغيرٍ في زقاقٍ (دربونةٍ) ضيّقٍ، وسط سوقٍ صغيرٍ أشبه بالشعبيّ بين بائع الحلويَّات وبائع القماش. والبيت الصغير هو في غاية التواضع والأثاث فيه شبه مُنعدم، ولا يحتمل العيش فيه سوى بعض الفقراء !!

ومن هذه الجهة فإني أُفكِّرُ في حجم الصَّدمة التي انتابت البابا ومرافقيه حينما دخلوا هذا البيت وجلسوا على أريكةٍ، ربما لا يجلس عليها الفقراء!!

ولعلَّ هذه الصَّدمة هي التي كانت باديةً على وجه البابا، وهو ينظر الى السيِّد في الصورة التي تمَّ نشرها للقاء.

وباعتقادي أنَّ هذه الصَّدمة الكبيرة لن تُمحَى من ذاكرة البابا والفاتيكان !!

قيمةُ الحوارِ:

إنَّ لقاء القطبين - البابا والمرجع الأعلى - ليؤكد أنَّ الدِّين لا يدعو للقتل وانتهاك حرمة الآخر، بل يدعو للتسامح والعيش المُشترك. وإنَّ الحوار هو الطريق الأوفق لترسيخ قيم السلام والتسامح وإزالة أسباب الخلاف، وإنَّ مثل هذا الحوار هو أمرٌ مُمكنٌ، ولا سيما بعد لقاء القطبين.

وإنَّ كلَّ قتلٍ باسم الدين هو تجنٍّ عليه، ويقع وزره على فاعليه لا على الدِّين ذاته، وهذا ما أشار اليه القطبان في لقائهما الذي مثَّلَ لقاءً للأديان وقِمَّةً روحيةً بكلِّ معنى الكلمة.

 

د. حسن الياسري - بغداد

 

 

قاسم حسين صالحيختلف البابا فرنسيس عن سابقيه من البابوات بأنه متعاطف مع الفقراء ايا كانت دياناتهم، وضد السلطات التي تضطهد شعوبها، وأنه نصير المغلوبين على أمرهم.ومن هنا استقبله العراقيون بمحبة، لأنهم وجدوا فيه مصدر فرح للجميع بمختلف دياناتهم وطوائفهم التي شملت حتى الكاكائيين.

البابا.. يوبخ سياسيين

بثمان دقائق فقط كشف البابا في كلمته امام السياسيين حقيقة ما يجري في العراق بكل تفاصيلها!، وخاطبهم بالوجه بايقاف المصالح الخاصة التي لا تهتم بالمواطن والتصدي للفساد. ولا اظنهم خجلوا، فقبله بح صوت المرجعية من دعوتها لهم للأصلاح ومحاكمة حيتان الفاسدين، ورفض السيد السيستاني مقابلة قادتهم.. ولم يخجلوا.

رسائل زيارة البابا

تتعدد التحليلات بشأن هذه الرسائل، ويمكن تحديد اهمها بثلاثة:

الأولى: توكيده على مرجعية النبي ابراهيم، ما يعني دعوته الى التعايش بسلام بين اتباع الديانات الثلاثة:اليهودية والمسيحية والأسلام.

الثانية: تضامنه مع مسيحيي العراق وما اصابهم من داعش والمتطرفين، الذين لم يبق منهم في العراق سوى 400 الفا بعد ان كان عددهم يزيد على مليون ونصف قبل 2003.

والثالثة: لقاؤه بالسيستاني الذي يعدّ الأول تاريخيا يلتقي فيها رأس الكنيسة الكاثوليكية بالمرجعية الشيعية في العراق بهدف تعميق الحوار الاخوي مع شخصيات دينية مهمة، واعترافا من البابا بان السيستاني هو المرجع الاعلى للشيعة الذين يبلغ عددهم 200 مليونا في داخل العراق وخارجه.ومع ان اللقاء كان مغلقا فأنه يفترض أن يأتي استكمالا لوثيقة الاخوة الانسانية الموقعه مع شيخ الازهر في ابو ظبي (2019)، سيما وأن كليهما لهما مواقف انسانية وتوحدهما مقولة الأمام علي : الناس صنفان، اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

وأرى ان اهمها بالنسبة للعراقيين:اعلانه الوقوف معهم ضد الذين استفردوا بالسلطة والثروة، وتحقيقها انجازا سيكولوجيا جميلا بأن احيت (الهوية الوطنية) التي توحّد العراقيين بالانتماء لوطن حضارات وتعدد أديان، اماتها قادة طائفيون غلّبوا هوية الطائفة واشاعوها بتحريض راح ضحيتها الآلاف في حرب سخيفة اوصلوا فيها العراقي الى ان يقتل أخاه الآخر لمجرد ان اسمه (عمر او حيدر او رزكار!).

السياسيون.. هل سيستحيبون؟

لن يستجيب السياسيون الفاسدون، وقادة أحزاب الأسلام السياسي لرسائل البابا لأشكالية سيكوسياسية، نوجزها بأن الأشخاص الذين كانوا في الخارج زمن النظام الدكتاتوري، واستلموا السلطة بعد(2003)، اعتبروا أنفسهم (ضحية).. ومن سيكولوجيا الضحية هذه نشأ لديهم الشعور بـ(الأحقية) في الأستفراد بالسلطة والثروة، معتبرين ملايين العراقيين في الداخل اما موالين لنظام الطاغية أو خانعين.. وأنهم، بنظرهم، لا مشروعية لهم بحقوق المواطنة.وما حصل سيكولوجيا ان شعورهم بـ(الأحقية) دفعهم الى ان يعتبروا العراق ملكا لهم.. فتقاسموه دون خوف، لأنهم عزلوا انفسهم لوجستيا ونفسيا بمنطقة محصنة أمنيا ومهابة بسفارة الدولة التي اسقطت نظام الدكتاتور، نجم عنها أن تحول السياسي الى حاكم مستبد. ويعني الاستبداد سيكولوجيا شعور الحاكم بخوف يتنامى الى قلق.. يتصاعد الى حالة رعب من خطر يتهدد وجوده الشخصي والأعتباري.

من حالة الرعب هذه فان شخصية السياسي الفاسد تعيش حالة تناقض فكري ووجداني تضطره الى ان يمارس النفاق بأنواعه.زذ عليها ان شخصية الحاكم السياسي الفاسد تتصف بالصلافة.. فمع انهم ارتكبوا جرائم فساد ما حصل لها مثيل في التاريخ، وافقروا الناس وأذلّوها فيما هم يعيشون برفاهية سلاطين كانوا قبلها يبيعون (الخردوات) ويعيشون على (الصدقات)، فانهم ما اعتذروا لشعبهم مع ان ما ارتكبوه يعدّ جرائم كبرى. بل ان رئيس وزراء افسد حكومة في تاريخ العراق، الذي صرح علنا بأن لديه ملفات للفساد لو كشفها لأنقلب عاليها سافلها، وخان الامانة بعدم كشفها.. اعلن الآن (2021) بأنه يعمل لأن يكون رئيس وزراء العراق القادم!.. ما يعني أنهم بدأوا يعدّون لكسب الأنتخابات المبكرة حتى لو تتطلب الأمر قتل مئات آخرين.. ولتذهب رسائل البابا مع الريح عائدة الى روما!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

6 آذار 2021

.....................

* القسم الثاني يأتي بعد استكمال الزيارة.

 

 

عبد الخالق حسينبعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (متى يتخلص العراق من الهيمنة الإيرانية؟)(1)، استلمتُ عدداً من التعليقات من القراء الأفاضل ضمن مجموعات النقاش، و برسائل الإيميل، أو على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. وكالعادة، كانت التعليقات المؤيدة للمضمون أكثر من المعارضة. وقد رأيتُ من المفيد تلخيص ما دار من مناظرات في مقال، وذلك لتعميم الفائدة، و بدون ذكر الأسماء، ما عدا تعليق الأخ الكاتب عبد الرضا حمد جاسم في صحيفة المثقف الغراء، لأنه عبارة عن خلاصة معظم ما ورد في التعليقات المعارضة، ونشرتُ ردي عليه بشكل موجز في قسم التعليقات. وأغلب التعليقات كانت بأسلوب هادئ ما عدا القليل منها متشنجة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أن أحد الأخوة من المدافعين عن التدخل الإيراني، بعث لي رسالة إيميل فيها قائمة من نقاط الاعتراض على مقالي جاء فيها متهكماً: (نتخلص من التدخل الإيراني عندما نتخلص من أقلامٍ غير مُنصفة كقلمك)، ويضيف: (وسوف أترك التعليق حول (حبيبتك) أمريكا وديمقراطيتها الترامبية وكيف أنَّها أينما وُجِدت، وجِدت المصائب.)

نسي صاحبنا، سامحه الله، أن إيران هي التي أينما وُجدت وُجدت المصائب. أنظر إلى حال اليمن ولبنان وسوريا، وكذلك العراق. أكتفي هنا بتوجه النصح للأخ المعترض، أن ولائنا يجب أن يكون للوطن قبل الولاءات الأخرى مثل الدينية والمذهبية والعرقية وغيرها، وأدعوه لقراءة مقال الدكتور حميد الكفائي الموسوم: (المذهب ليس بديلا عن الوطن!)(2).

كذلك الملاحظ أن أنصار إيران يعتبرون التدخل الإيراني ليس تدخلاً، بل واجب ديني مقدس، حتى أضفوا صفة القداسة على المليشيات العراقية الولائية (أي الموالية لإيران). فالولاء لإيران عندهم هو دعم للكرامة والسيادة الوطنية، أما معارضة التدخل الإيراني دفاعاً عن العراق فمعناه العمالة لأمريكا وإسرائيل. وهكذا انقلبت المقاييس في هذا الزمن الرديء حيث أصبح ولاء العراقيين لإيران هو عمل وطني ، والولاء للعراق عمالة لأمريكا وإسرائيل.عجيب أمرهم.

وتلافياً للإطالة، رأيت من الأفضل تقسيم المقال إلى حلقتين. الأولى أناقش فيها اعتراضات الأخوة في مجموعة النقاش. والثانية للرد على تعليق الأخ الكاتب الأستاذ عبد الرضا حمد جاسم.

***

رد على اعتراضات مجموعة النقاش

المؤسف أن ركز معظم الأخوة المشاركين في مجموعة النقاش على نقطة واحدة ذكرتها في مقدمة المقال، وهي لماذا نجحت الديمقراطية في الهند رغم أن شعبها يتكون من أكثر من 2000 أثنية ودينية (الرقم ليس مبالغة، بل من غوغل)، والهند في نظر العالم أكبر دولة ديمقراطية متماسكة، بينما فشلت في العراق رغم أن تنوع الشعب العراقي لا يزيد عن ستة أو سبعة مكونات؟  فتجنبوا التعليق على جوهر الموضوع الذي كان حول الصراع بين المكونات العراقية، والتدخل الإيراني في الشأن العراقي، فركزوا حملتهم على الهند فقط. إذ جاؤوا بالكثير من الأمثلة من صراعات بين المسلمين والهندوس، وبذلك اعتبروا الهند ليست دولة ديمقراطية ولا متماسكة...!! بينما هذا الحكم مخالف للإجماع العالمي الذي يعتبر الهند أكبر دولة ديمقراطية متماسكة.

فردي على اعتراضات الأخوة كالتالي: عندما نصف الهند بالديمقراطية والاستقرار السياسي، فهذا لا يعني أنها أصبحت بلا مشاكل، وأنها صارت دولة (المدينة الفاضلة). فالمدن الفاضلة لا وجود لها إلا في مخيلة الفلاسفة الحالمين، لأن القضية نسبية، خاصة إذا ما وضعنا في نظر الاعتبار أن تعداد الشعب الهندي اليوم نحو 1.366 مليار نسمة، ومساحتها شاسعة (شبه قارة)، لذا فليس من المتوقع أن تتخلص مائة بالمائة من مشاكل وصدامات بين حين وآخر، بين المتشددين والمتطرفين من هذه المكونات. فهذه المشاكل لا تخلو منها معظم دول العالم، الديمقراطية والمستبدة، المستقرة وغير المستقرة. فالصدامات الدموية تحصل حتى بين أنصار الفرق الرياضية في ساحات كرة القدم، وهذا لا يمس شرعية أو تماسك ذلك الشعب أو تلك الدولة. لذلك فعلى رغم كل ما حصل في الهند من نزاعات بين المسلمين والهندوس بعد الاستقلال عام 1947 وإلى اليوم، فمازالت الهند تعتبر مثالاً للاستقرار السياسي، ونجاح نظامها العلماني الديمقراطي، وهي بالتأكيد أفضل من باكستان الإسلامية عشرات المرات. فباكستان رغم انفصالها عن الهند لأسباب دينية، إلا إنها لم تسلم من صراعات دموية مذهبية بين المسلمين أنفسهم، أي بين السنة والشيعة، وحتى بين الحكومة والمنظمات الإسلامية المتشددة الإرهابية. 

وقد قرأنا كيف كان الإنكليز يثيرون الصراعات الدموية بين الهندوس والمسلمين، فإذا ما حصل نوع من الاستقرار في مكان ما في الهند، يأتون بمسلم ليذبح بقرة في سوق مزدحم ليشتبك الهندوس مع المسلمين في مجازر دموية.

فالشعب الهندي بمختلف مكوناته مسالم بطبيعته بصورة عامة. وأنا أطلعت على آراء بعض المسلمين الهنود، فوجدتهم يفضلون كونهم مواطنين في الهند على أن يكونوا في باكستان. فإثناء دراستي في كلية طب الموصل كان عندنا أستاذ هندي مسلم في غاية الطيبة، سألناه مرة عن وضع المسلمين في الهند، فامتدح الوضع، و قال أن المسلمين رغم أنهم أقلية في الهند إلا إن هذه الأقلية هي أكثر من أكثرية باكستان المسلمة (في الستينات من القرن الماضي). وخلال عملي كطبيب جراح في بريطانيا، التقيت بالعديد من الأطباء الهنود المسلمين من كشمير، وسألتهم  فيما لو يفضلون ضم كشمير إلى باكستان، فأكدوا أنهم يفضلون بقاءهم مع الهند على باكستان. والسبب هو نجاح النظام العلماني الديمقراطي في الهند، وفشله في باكستان حيث الانقلابات العسكرية وحكم الجنرالات، والتعصب الديني...الخ. وشتان ما بين الهند و باكستان في جميع المجالات: السياسية، والاجتماعية والاقتصادية والعلمية وغيرها حيث المحصلة في صالح الهند. والجدير بالذكر أن كلمة (باكستان) تعني (الأرض الطاهرة) في إشارة استفزازية إلى أن بقية الهند غير طاهرة!  

ولكن يبدو أن لكل عراقي مفهومه الخاص عن الديمقراطية، ويريدها وفق مقاساته. فالحكومة الديمقراطية كما وصفها ونستن تشرتشل، ليست الحكومة الفاضلة أو المثالية، ولكن لحد الآن لا توجد حكومة أفضل من الحكومة الديمقراطية.

والجدير بالذكر، أن أهم سبب لما يجري من صراعات دموية في العالم اليوم هو تسييس الإسلام. فأغلب الصدامات الدينية في الهند وبورما، والفلبين وباكستان، والشيشان، والصين والبلاد العربية والإسلامية من بينها العراق، وغيرها هو الإسلام السياسي، الذي راح يفرِّخ التنظيمات التكفيرية مثل طالبان، والقاعدة وداعش، ولشكر طيبة، وبكو حرام وغيرها كثير، وبتمويل من السعودية والدول الخليجية الأخرى، ونشر أيديولوجيتها الوهابية التكفيرية.

فالإسلام السياسي لا ينشر الإرهاب في الهند فقط، وهم فئة قليلة لا يمثلون المسلمين الهنود إطلاقاً، بل نشروا القتل في مجتمعاتهم الإسلامية أيضاً ضد من لا يوافقهم على أيديولوجيتهم التكفيرية. فهناك دراسة تؤكد أن أكثر من 80% من ضحايا الإرهاب الإسلامي هم من المسلمين، ولا علاقة له بالاختلاف العرقي أو الديني أو المذهبي، بل هو سياسي، وإنما يوظفون الدين والمذهب لتعبئة الجماهير وتضليلها وإشعال الفتن لأغراض سياسية قذرة. وعلى سبيل المثال، الشعب الصومالي متجانس عرقياً ودينياً ومذهبياً، ولكن مع ذلك تفتت دولة الصومال لثلاثين سنة بسبب الإسلام السياسي المتمثل فيما يسمى بـ(محاكم الشباب الإسلامية)، الذين ينشرون القتل العشوائي إلى اليوم. نفس الكلام ينطبق على الجزائر، حيث قتل المتطرفون الإسلاميون نحو ربع مليون جزائري في التسعينات من القرن الماضي، و القاتل والمقتول كلاهما من دين واحد ومذهب واحد.

فالإسلام السياسي هو ليس العدو اللدود للحضارة والإنسانية فحسب، بل هو أيضاً العدو اللدود للإسلام نفسه كدين حنيف، دين السلام والمحبة والتسامح، ومكارم الأخلاق كما نقرأ عنه في الكتب الدينية. ولكن إجرام الإسلاميين السياسيين التكفيريين ومليشياتهم الولائية المسلحة في العراق هي التي أباحت قتل الأبرياء من المتظاهرين السلميين ببنادق القناصة، وجعلت الكثير من الشباب ينفرون من الدين.

يتبع

 

د. عبد الخالق حسين

........................

روابط ذات صلة

1- د. عبد الخالق حسين : متى يتخلص العراق من الهيمنة الإيرانية؟

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953785

2- د. حميد الكفائي: المذهب ليس بديلا عن الوطن!

https://akhbaar.org/home/2021/2/280615.html

 

 

2278 ميخائيل جوسودوفسكيأجندة واشنطن الخفية: استعادة تجارة المخدرات

بقلم البرفسور ميخائيل جوسودوفسكي

Global Research المصدر:

ترجمة: عادل حبه


على الرغم من إعلان الرئيس ترامب وبايدن أخيراً عن انسحاب القوات الأمريكية، لا تزال تجارة الأفيون الأفغانية محمية من قبل قوات الاحتلال الأمريكية والناتو لخدمة النخب المالية المتنفذة. إن اقتصاد الأفيون في أفغانستان هو عملية تدر مليارات الدولارات وتغذي سوق الهيروين الأمريكية التي تثير قلق الرأي العام في ذروة أزمة كورونا. 

خلال العقد الماضي، كان هناك ارتفاع في إنتاج الأفيون الأفغاني. في المقابل، زاد عدد مدمني الهيروين في الولايات المتحدة بشكل كبير. هل هناك علاقة؟

كان هناك 189 ألف مدمن على الهيروين في الولايات المتحدة في عام 2001  قبل غزو الولايات المتحدة والناتو لأفغانستان. وبحلول عام 2016، ارتفع هذا الرقم إلى 4500000 (2.5 مليون مدمن على الهيروين و 2 مليون مستخدم عرضي). وارتفع عدد الوفيات جراء تعاطي الهيروين من 1779 في عام 2001 إلى 10574 في عام 2014. ولقد إزدادت مساحة حقول الخشخاش الأفغانية من 7600 هكتار في عام 2001 (عندما بدأت الحرب بين الولايات المتحدة والناتو في أفغانستان) إلى 224000 هكتار في عام 2016 (الهكتار الواحد يساوي حوالي 2.5 فدان). ومن المفارقات أن ما يسمى بعملية الإبادة الأمريكية في أفغانستان كلفت ما يقدر بنحو 8.5 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين منذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة والناتو وأفغانستان في أكتوبر 2001 ".

تنتج أفغانستان حاليا 84 % من الأفيون الذي يغذي سوق الهيروين في العالم. لئلا ننسى، حدثت الزيادة الكبيرة في إنتاج الأفيون في أعقاب الغزو الأمريكي في أكتوبر 2001 مباشرة.

من الذي يحمي صادرات الأفيون من أفغانستان؟

في الفترة 2000-2001 ، "فرضت حكومة طالبان  بالتعاون مع الأمم المتحدة، حظراً ناجحاً على زراعة الخشخاش. وانخفض إنتاج الأفيون بأكثر من 90% في عام 2001. في الواقع، تزامنت الزيادة في إنتاج زراعة الأفيون مع بدء العملية العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وسقوط نظام طالبان. من أكتوبر إلى ديسمبر 2001 ، وبدأ المزارعون في إعادة زراعة الخشخاش على نطاق واسع من تشرين الأول إلى كانون الأول عام 2001.

وكشف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في فيينا أن زراعة الخشخاش في عام 2012 امتدت على مساحة تزيد عن 154000 هكتار، بزيادة قدرها 18٪ عن عام 2011. وأكد متحدث باسم مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في عام 2013 أن إنتاج الأفيون يتجه نحو مستويات قياسية.

حرث الأفيون في أفغانستان (1994-2016) 2279 افيون 1

المصدر:UNODC/MCN opium surveys

المصدر: مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC).

في عام 2014 ، سجلت زراعة الأفيون الأفغاني رقمًا قياسياً، وفقاً لمسح الأفيون الأفغاني لعام 2014 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (انظر الرسم البياني أدناه). وحدث انخفاض طفيف في 2015-2016.

الحرب جيدة للعمل وتغذي اقتصاد الأفيون الأفغاني وتعد تجارة مربحة في اقتصاد المخدرات وغسيل الأموال.

وفقًا لمسح الأفيون الأفغاني لعام 2012 الصادر في نوفمبر 2012 من قبل وزارة مكافحة المخدرات (MCN) ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، بلغ إنتاج الأفيون المحتمل في عام 2012 حوالي 3700 طن، بانخفاض قدره 18% مقارنة بعام 2001 .

هناك سبب للاعتقاد بأن هذا الرقم البالغ 3700 طن تم التقليل من شأنه بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، فإنه يتعارض مع توقعات مكتب الأمم المتحدة لمكافحة التصحر بشأن محاصيل قياسية على مساحة ممنتشرة من الزراعة.

في حين أن سوء الأحوال الجوية والمحاصيل المتضررة قد لعبت دوراً، كما توقع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريم ، استناداً إلى الاتجاهات التاريخية، فإن الإنتاج المحتمل لمساحة زراعية تبلغ 154000 هكتار، يجب أن يتجاوز أكثر من 6000 طن. وفي 80 ألف هكتار مزروعة في عام 2003، كان الإنتاج بالفعل في حدود 3600 طن.

وتجدر الإشارة إلى أن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة قد عدل المفاهيم والأرقام المتعلقة بمبيعات الأفيون وإنتاج الهيروين، على النحو الذي حدده المركز الأوروبي لرصد المخدرات والإدمان على المخدرات (EMCDDA).

لقد أدى التغيير في منهجية الأمم المتحدة في عام 2010 إلى مراجعة نزولية حادة لتقديرات إنتاج الهيروين الأفغاني للفترة من 2004 إلى 2011. واستخدم مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تقديراً يينص على أن محصول الأفيون العالمي بأكمله قد تم تحويله إلى هيروين، وقدم تقديرات إنتاج الهيروين العالمية على هذا الأساس. قبل عام 2010، تم استخدام معدل تحويل عالمي يبلغ حوالي 10 كجم من الأفيون إلى 1 كجم من الهيروين لتقدير الإنتاج العالمي للهيروين (17). وعلى سبيل المثال ، يُعتقد أن الكمية المقدرة بنحو 4620 طناً من الأفيون الذي جرى حصاده في جميع أنحاء العالم في عام 2005 تجعل من الممكن تصنيع 472 طناً من الهيروين (مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عام 2009). ومع ذلك، يقدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الآن أن نسبة كبيرة من محصول الأفيون الأفغاني لا يتم تحويله إلى هيروين أو مورفين ولكنه يظل "متاحاً في سوق المخدرات كأفيون" (مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ، 2010)، وتقرير أسواق الأدوية في الاتحاد الأوروبي: تحليل استراتيجي ، EMCDDA ، لشبونة ، كانون الثاني عام 2013.

لا يوجد أي دليل على أن نسبة كبيرة من إنتاج الأفيون لم يعد يتم تحويله إلى هيروين كما تدعي الأمم المتحدة. وقد ساعدت منهجية مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة المنقحة، من خلال التلاعب الكامل بالمعطيات الإحصائية، على تقليص حجم التجارة العالمية في الهيروين بشكل مصطنع.

وفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، المقتبس في تقرير EMCDDA:

"ما يقدر بـ 3400 طن من الأفيون الأفغاني لم يتم تحويله إلى هيروين أو مورفين في عام 2011. مقارنة بالسنوات السابقة ، هذه نسبة عالية بشكل استثنائي من إجمالي المحصول، تمثل ما يقرب من 60 ٪ من محصول الأفيون الأفغاني وما يقرب من 50 ٪ من الحصاد العالمي في عام 2011.

إن ما قام به مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، الذي تتمثل وظيفته في دعم إجراءات منع النشاط الإجرامي المنظم، هو التعتيم على حجم تجارة المخدرات الأفغانية وطبيعتها الإجرامية، بالحديث، دون دليل، عن أن جزءاً كبيراً من الأفيون لم يعد موجهاً نحو سوق الهيروين غير القانوني.

في عام 2012، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، كانت أسعار الأفيون من المزرعة حوالي 196$ للكيلوغرام. وإن كل كيلو جرام من الأفيون ينتج 100 جرام من الهيروين النقي. تبلغ أسعار التجزئة الأمريكية للهيروين (بمستوى نقاء منخفض) ، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ، 172 دولاراً للجرام. علماً إن سعر غرام الهيروين النقي أعلى بكثير. ويتم جني الأرباح إلى حد كبير على مستوى أسواق البيع بالجملة والتجزئة العالمية للهيروين وكذلك في عملية غسيل الأموال في المؤسسات المصرفية الغربية. تشكل الإيرادات المتأتية من التجارة العالمية في الهيروين منجماً بمليارات الدولارات تصب في خزائن المؤسسات المالية والجريمة المنظمة.

سجل الإنتاج في عام 2016. برنامج مزيف للإستئصال

وفقًا لـ كتب الأمم المتحدة حول المخدرات والجريمة:

"ارتفع إنتاج الأفيون في أفغانستان بنسبة 43%، أي إلى 4800 طن متري في عام 2016 مقارنة بمستويات عام 2015، ووفقاً لأحدث أرقام مسح الأفيون الأفغاني الصادرة اليوم عن وزارة مكافحة المخدرات الأفغانية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. كما زادت المساحة المزروعة بخشخاش الأفيون إلى 201 ألف هكتار في عام 2016 ، بزيادة قدرها 10 % مقارنة بـ 183 ألف هكتار في عام 2015.

ويمثل هذا زيادة بمقدار عشرين ضعفاً في المساحات المزروعة بالأفيون منذ الغزو الأمريكي في أكتوبر 2001. وفي عام 2016، زاد إنتاج الأفيون بنحو 25 مرة مقارنة بمستوياته عام 2001 ؛ أي من 185 طناً في عام 2001 إلى 4800 طن في عام 2016.

 2279 افيون 2

 

 

عدنان ابوزيدأوروبا التي لا تمثل سوى 8 بالمائة من مساحة كوكب الأرض، تمكّنت بين الأعوام 1492 و 1914 من استعمار أكثر من 80 بالمائة من العالم، ونجحت في نقل مجتمعاتها من حالات الفقر الشديد، الى الغنى الواسع، وأرست بين شعوبها الرفاه، والعدل الاجتماعي، كتحصيل حاصل للتطور العلمي والاقتصادي، الذي اتاح حقبة الهيمنة على الشعوب الأخرى.

لقد سار التاريخ بطريقة مكّنت الغرب الى الآن من تحقيق التفوق على بقية شعوب العالم. في مقابل ذلك، تراجعت أمم لطالما تبجّحت بتأريخها الطويل وحضارتها الموغلة في القدم.

 يقدّم فيليب هوفمان من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، الذي يطبّق النظريات الاقتصادية على السياقات التاريخية، قصة تكنولوجيا البارود، كمثال نوعي لطرائق التفكير الأوربي، باعتبار ان هذا الاختراع المفيد والضار في ذات الوقت، من مخترعات الصينيين، لكن الأوربيين تفوقوا عليهم في صناعته، وتوظيفه بوسائلهم المبتكرة، الأمر الذي سمح لهم بالاستيلاء وبسرعة على أجزاء كبيرة من العالم، متفوّقين على الشعب الأصفر الذي يفوقهم عددا، اضعافا مضاعفة.

وبالنسبة لهوفمان، لم يكن البارود سوى رمز يرتبط بالتكنولوجيا والسياسة والإدارة الناجحة، والأنظمة المالية والضرائب، والثقافة، والتنمية الاجتماعية.

 لا اختلاف على حقيقة ان الفتوحات العالمية التي أنجزتها أوروبا الغربية، هي من ثمار الثورة العلمية والاقتصادية، والاجتماعية التي تفوقت فيها شعوب القارة الشقراء على غيرها، ومثلما انجبت العلماء وجهابذة الثقافة والاقتصاد، فقد ولّدت الزعماء التاريخيين، الذين نجحوا في إدارة البلدان بطريقة سمحت للعقل التجريبي والعلم، والفلسفة، في تطوير المجتمع والإنتاج.

يكمن السرّ لهذا التفوق، في الاستقرار، وحرية الرأي، والعدالة، التي توفّرها الديمقراطيات الحقيقية العتيدة، فمهما توفّرت للبلدان، الاعداد الهائلة من المهندسين والأطباء والعلماء، ورجال الاعمال، فان هؤلاء لن يتمكنوا من تحقيق انجاز، من دون نظام سياسي كَفء.

يقول هوفمان: في العام 1914، نجت الصين واليابان والإمبراطورية العثمانية فقط من التحول الى مستعمرات أوروبية. وقبل ألف عام، لم يكن أحد يتوقع التفوق الأوربي، على الإطلاق، لأن أوروبا الغربية في تلك المرحلة كانت متخلفة بشكل ميؤوس منه، وضعيفة من الناحية السياسية، وفقيرة، وكانت تجارتها الرئيسية الشاقة، ولمسافات طويلة هي الرقيق.

كانت الهيمنة السياسية لأوروبا الغربية نتيجة غير متوقعة، قبل ان تصبح ماكينة صناعية، وما ان حلّ العام 1800، حتى استولت على 35٪ من العالم على الرغم من كونها أقل ثراءً من الصين أو الشرق الأوسط.

ثمن تفاصيل أخرى تتعلق بالتفوق الأوربي، وهي ان العلوم، والوعي الاجتماعي والصحي، جعل الأوربيين في مناعة من الأمراض، مثل وباء الجدري الذي عصف بالمكسيك، والأدواء التي قتل الملايين في الهند، وجنوب شرق آسيا.

المنظور التاريخي يفسّر أيضا، كيف انتقلت الهيمنة من أوروبا الغربية الى أمريكا منذ أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، ومن المحتمل انتقالها الى شعوب أخرى، في عالم ما بعد أمريكا المتوقّع الحدوث في منتصف وأواخر القرن الحادي والعشرين.

 وليس السبب في هذا التحول، الضعف الأوربي أو الأمريكي، بل لأن الشعوب الأخرى عرفت سرّ التفوق، وأخذت به، لكي تنافس أصحاب السرّ أنفسهم، الذين أفلتوا من مورفين التاريخ، وسجلاته الكئيبة، وقصدوا المستقبل.

 

عدنان أبوزيد

 

2270 م. ف. هاشميبقلم الكاتب الإيراني م.ف.هاشمي

ترجمة: عادل حبه

اضطر الشيوعيون الفيتناميون، بعد محاولات فاشلة لتنفيذ خطة الخمس سنوات في مواجهة التضخم المتصاعد، إلى اتخاذ خطوات نحو الإصلاح. tفي عام 1986، انعقد المؤتمر الوطني السادس للحزب الشيوعي الفيتنامي وأقر برنامج "دوي موي" للتحديث، والذي بشرع لاحقاً في فيتنام بإنشاء اقتصاد اشتراكي للسوق. كان تحديث اقتصاد البلاد على أساس اقتصاد السوق، مع الحفاظ على التوجه الاشتراكي للبلاد، خطوة جديدة وصعبة وغير مسبوقة في تاريخ البلاد، مما تطلب التجربة وإحتمال الخطأ. كان الهدف هو تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد اشتراكي محوره السوق، والتخطيط  وتقسيم الأنشطة الاقتصادية بين الشركات الخاصة والمملوكة للدولة والاعتراف بالملكية الخاصة للمؤسسات الصغيرة. وتقرر تقسيم الأسهم المعروضة في سوق الأوراق المالية بثلاثة أقسام. أسهم الدولة التي تشكل غالبية الأسهم، وأسهم العاملين في مؤسسات الدولة، وأسهم المؤسات العائدة للقطاع الخاص. ووافق المؤتمر على برنامج الإصلاح المتكون من خمسة بنود على النحو التالي: 1) السعي لزيادة إنتاج المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والصادرات ؛ 2) استمرار رقابة الدولة على الرأسماليين والتجار الصغار، مع دعم الاقتصاد المختلط 3) إعادة هيكلة نظام التخطيط وجعله أكثر كفاءة 4) إعادة هيكلة الإدارات لجعلها أكثر كفاءة 5) تحسين الهيكل التنظيمي للحزب وقيادته الحزب وطاقمه. في ذلك الوقت، كان النظام السياسي الفيتنامي لا يزال نظاماً موحداً شديد المركزية، ويُفترض فيه تولي قيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي مبدأ الهيمنة عليه. وكان النهج المتبع في اقتصاد فيتنام هو "التوجه الاشتراكي" من خلال "التخطيط المركزي". في هذا النظام، لم يكن هناك مجال لاقتصاد السوق والملكية الخاصة والاندماج في الاقتصاد الدولي، لأن تحقيق هذه الأشياء يتطلب إصلاحات قانونية واسعة في مختلف مرافق الدولة.

وسرعان ما بدأت تظهر الآثار الإيجابية لبرنامج تحديث البلاد على حجم الناتج المحلي الإجمالي، واستقرار الاقتصاد الكلي، وتنمية الصادرات، والاستثمار الأجنبي المباشر، والحد من الفقر. ففي النصف الأول من هذا القرن، بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي السنوي لفيتنام 7.1 في المائة، وهو أعلى معدل تم رصده في العالم. وبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لفيتنام، الذي كان 18.1 مليار دولار في بداية الإصلاح ، إرتفع  إلى مبلغ 124 مليار دولار في بداية القرن. وتزايد دور القطاع الخاص في قطاع الخدمات يوما ًبعد يوم، بحيث زادت حصة هذا القطاع في اقتصاد البلاد من 41% إلى 76 %. وأعلن المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الفيتنامي صراحة أن اقتصاد السوق لا يعني فقط الرأسمالية، ولكنه ينطوي أيضاً على الإستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية، وبالتالي يمكن دمجه مع الاشتراكية.

لكن فيتنام ، بإعتبارها بلد ناشئ متوسط الدخل، واجهت أيضاً تحديات كبيرة. ففي بداية العقد الثاني من القرن الحالي، شهدت فيتنام أحد أعلى معدلات التضخم في آسيا بنسبة 16٪ سنوياً، كما عانى المستثمرون الأجانب من ركود بسبب الركود الاقتصادي العالمي، وكان الاقتصاد العالمي متردداً في العمل في فيتنام. ونصحت دراسة أجراها معهد ماكينزي في فيتنام الحكومة بالحاجة إلى إصلاحات في نظام التعليم في البلاد، إذا أريد لاقتصاد فيتنام أن ينمو بنسبة 7 إلى 8 في المائة بحلول عام 2020. وكان محور هذه الإصلاحات هو نقل جزء من سلطة الحكومة إلى السوق. وكان الفقر لا يزال سائداً في الريف ، وكانت الإصلاحات أمر حتمي بالنسبة لدولة ينحدر 80 في المائة من سكانها من الريف ولازال يعتمد ثلثيهم على الزراعة لكسب الرزق.

ومن ناحية أخرى، بعد انهيار كومنولث الدول المستقلة، اضطرت فيتنام إلى تحرير تجارتها، وخفضت قيمة عملتها الوطنية، ووضعت التنمية الاقتصادية على جدول الأعمال. وعلى الرغم من أن عملية الإصلاح في فيتنام بدأت رسمياً في المؤتمر السادس للحزب الشيوعي، إلاّ أنها قد بدأت منذ فترة سابقة، حيث تم إضفاء الطابع التجاري على التعاونيات، وطبقت الإدارة الفردية على التعاونيات، ونُسب إليها فائض الإنتاج من التعاونيات. كما تمت إزالة التحكم في الأسعار على بعض المواد الاستهلاكية. وفي ظل هذه الظروف، مع وفاة لو دوان الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي، وانتخاب نجوين فان لينه خلفاً له، بسارعت حركة الإصلاح. وكان الأمين العام الجديد شخصية إصلاحية وزعيم سابق لجبهة التحرير. ومع ذلك، فإن الإصلاح الاقتصادي تطلب تغييراً سياسياً، وإصلاحاً في نظام التعليم والمؤسسات المملوكة للدولة، وفي نظام ملكية الأراضي، بالإضافة إلى حماية أكبر لحقوق الإنسان. لقد أضحت الاشتراكية  والتصنيع اليوم، مصحوباً بالتحديث وفي مجتمع مفتوح قائم على أساس تطوير الصناعة والخدمات. وكان لا بد من إجراء هذه التغييرات بطريقة لا تعرض الاستقرار السياسي للبلاد للخطر.

إن نمو القطاع الخاص، وتطور شبكة الإنترنت والتحديث السريع ، فضلاً عن عوامل أخرى مثل التعاون الدولي والعضوية في منظمة التجارة العالمية (WTO)، و APEC ، و AFTA ، واللامركزية في الهيكل الاقتصادي والإداري للبلاد، يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار. ولذا كان يجب النظر في النمو الاقتصادي في وقت واحد في سياسات التنمية. لقد كان من الضروري أن يكون النمو الاقتصادي مصحوب بالتقدم الاجتماعي والمساواة منذ البداية وفي جميع مراحل التنمية. ويجب عدم التضحية بالأهداف الاجتماعية من أجل التنمية الاقتصادية. لذلك ، عندما واجهت فيتنام توصيات البنك الدولي فيما يتعلق بتحرير السوق، رفضت الحكومة الفيتنامية خطط التكيف الهيكلي التي طرحها البنك، وهو الشرط لتقديم القروض لفيتنام، بسبب تركيزها على خصخصة الشركات المملوكة للدولة. ومع ذلك، ادعى البنك الدولي مراراً وتكراراً أن فيتنام اتبعت نموذجاً اقتصادياً أوصى بها البنك؟. هذا الادعاء يهدف لتسجيل النجاح الذي حققته فيتنام لصالح البنك الدولي. وعلى أي حال، قام الحزب الشيوعي وحكومة فيتنام بإجراء تغييرات جذرية في المجال الاقتصادي وحرروا القوانين الخاصة بالاستثمار الأجنبي والتجارة في مطلع القرن الحالي. وتم توقيع الاتفاقيات مع شركاء فيتنام الرئيسيين، بما في ذلك اتفاقية التجارة مع الاتحاد الأوروبي ، وآسيان ، ومنطقة التجارة الحرة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا (AFTA) واتفاقية التجارة الثنائية مع الولايات المتحدة. وأخيراً، بعد 11 عاماً من المفاوضات، أصبحت فيتنام عضو في منظمة التجارة العالمية. وتمت عملية الإندماج بالاقتصاد العالمي.

بموجب قانون الاستثمار الأجنبي الجديد، تم ضمان ملكية 100 ٪ للمستثمرين الأجانب، وتم توفير إعفاءات ضريبية واسعة النطاق لهم. كما تم الاعتراف بحق الحركة غير المحدودة لرأس المال الأجنبي داخل وخارج البلاد  وبذلك استطاعت الدولة التي كانت على وشك الانهيار الاقتصادي أن تتجه صوب الرفاه الاجتماعي ببرنامج تحديث اقتصادي، ورفعت من مكانتها العالمية من خلال المشاركة في التعددية الإقليمية والمؤسسات الدولية. وأصبحت البلاد، التي كانت تعاني من نقص مزمن في المواد الغذائية، ثاني أكبر مصدر للرز في العالم بعد تايلاند، ورابع أكبر منتج للبن في العالم، وانخفض معدل الفقر من 70% في بداية الركود إلى أقل من 10%. وعندما بدأ دنغ شياو بينغ الإصلاحات في الصين، تجنبت فيتنام بجدية التقليد المحض والآلي لتجربة الدول الأخرى.

ومع ذلك ، لم يطرأ تغيير أساسي على  القطاع العام في الاقتصاد الفيتنامي، واستمر العمل بتأسيس المؤسسات الكبرى المسماة "الشركات العامة" كي تلعب دورها. ووفقاً لتلك الخطة، استفادت فيتنام من التجربة الصينية وتم أيجاد ما سمي ب"أبطال الوطن" أي تأسيس مؤسسات مربحة ومؤثرة على مستوى الطراز الأعلى في العالم، بحيث أصبحت قادرة على المنافسة مع الإحتكارات العالمية. وعلى هذا الأساس تم دمج المؤسسات الصغيرة التابعة للقطاع العام وتشكلت 12 مؤسسة انتاجية كبرى، وتراوحت حصة مؤسسات الدولة في الرأسمال الثابت ومن الإئتمان البنكي والعمالة  من 19، 27، 45، 39 على التوالي.

وقد أدىت هذه الهيكلية إلى أن يتصور بعض الخبراء بأن فيتنام تنوي الإسترشاد بـ"keiretso "(وهي مؤسسة يابانية غير رسمية في اليابان تنظم مجمع النشاطات التجارية) أو نموذج "Chaebol"، وهي المؤسسات الكبيرة المملوكة للعوائل في كوريا الجنوبية، حيث تتجاوز سلطة المالك سلطته القانونية) في البلد. بينما كان هدف الحكومة والحزب الشيوعي الفتنامي هو الرقابة على عملية تصنيع البلاد والحفاظ على نظام الرفاهية فيها، وأن يتمتع القطاع العام بإمتيازات أكثر من القطاع الخاص. ومع ذلك، لم يمض وقت طويل حنى تم الكشف عن حالات سوء الإدارة في الشركات المملوكة للدولة. فوفقاً لبيانات وزارة المالية الفيتنامية، بلغ الضرر الذي لحق باقتصاد البلاد من سوء إدارة المؤسسات العامة 26.1 مليار دونج (1.25 مليار دولار) سنوياً. لكن قادة فيتنام لم يروا أي تناقض بين اقتصاد الدولة وبين اقتصاد السوق، وإعتبروا نقاط الضعف هذه عابرة وقابلة للإصلاح. كما إعتبروا أن القطاع العام هو العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

في الوقت الحاضر ، تشكل 90٪ من تجارة فيتنام مع أستراليا وأوروبا وأمريكا الشمالية. وكان النفط الخام والرز والمعادن يمثل نصف صادرات فيتنام قبل عشر سنوات، ولكن الآن انخفض هذا الرقم إلى أقل أكثر من 25٪، أما بقية سلع التصدير الفيتنامية فتشمل المأكولات البحرية والملابس والمطاط والأحذية والمنتجات الخشبية وبرامج الكمبيوتر وغيرها من الأجهزة الإلكترونية. ومن بين جميع الشركاء التجاريين لفيتنام، تلعب الصين والولايات المتحدة الدور الأبرز. وتلتزم فيتنام في علاقاتها مع بقية العالم بشعار"الأربعة الأخيار": أي حسن الجوار، الأصدقاء الحميمون ، الشركاء الجيدون، الرفاق الطيبون. وتحاول فيتنام عدم التورط في النزاعات بين شركائها التجاريين، لذلك لم تنحاز فيتنام لأي طرف في الحرب التجارية الأخيرة بين الصين والولايات المتحدة، لأن السوق الأمريكية تحتوي على أعلى نمو من الصادرات الفيتنامية ومعظم وارداتها من الصين.

بذل المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الفيتنامي جهوداً شاملة لتنظير خطة "دوي موي". وكانت من ضمن هذه الجهود التغلب بشكل تدريجي على الدوغمائية التي كانت رائجة والسطحية والتبسيط في التعاطي مع المقولات الإشتراكية. فعلى سبيل المثال، جرى فهم الاشتراكية على أنها نقيض للرأسمالية، أو إنها قفزة على الرأسمالية في بلد مثل فيتنام، أ  أنها بمثابة الحرمان من القيم والمكاسب التي حققتها الرأسمالية، وسادت نظرة ميكانيكية ودوغمائية لموضوعة الإشتراكية. هذه النظرة تقتصر العلاقة الجدلية بين الاشتراكية والرأسمالية فقط على بطلان الإنتاج البضاعي وقانون القيمة، وعلى مصداقية الاقتصاد القائم على التخطيط المركزي ودفع الإعانات الإجتماعية.

 إن المبالغة في دور الملكية العامة وسوء فهم العلاقة بين القوى المنتجة والعلاقات الإنتاجية، يؤدي إلى افتراض أن العداء للملكية الخاصة هو مرادف للقضاء على الاستغلال، ويتجاهل  دور القوى المنتجة في تشكيل هذه العلاقات. إن فهم الحزب الشيوعي الفيتنامي للاشتراكية ينعكس "البرنامج السياسي لإعادة البناء الوطني في الانتقال إلى الاشتراكية" الذي تبناه المؤتمر السابع للحزب. وجاء في الوثيقة الصادرة من المؤتمر أن "المجتمع الاشتراكي الذي نسعى إلى بنائه هو مجتمع مزدهر وقوي يعتمد على المساواة والديمقراطية والسلوك الحضاري. والشعب في هذا المجتمع هو الذي يدير شؤونه". ويركز البرنامج على ما يلي: 1) تعزيز الوحدة الوطنية حول اتحاد العمال والفلاحين والمثقفين 2) تعزيز الديمقراطية الاشتراكية، والتأكيد على أن الاشتراكية لا يمكن تحقيقها بدون الديمقراطية 3) التركيب المنسجم بين مصالح المجتمع والتعاونيات والأفراد 4) التصنيع والتحديث وتكامل إقتصاد السوق صوب الاشتراكي 5) بناء الديمقراطية الاشتراكية وتعزيز حقوق الشعب بصفته سيد المجتمع 6) النمو الاقتصادي والتنمية الثقافية والتقدم الاجتماعي والمساواة 7) بناء الاشتراكية بالتوازي مع الدفاع عن الوطن الاشتراكي 8) تقوية العلاقات الخارجية والصلة مع العالم.

تواجه فيتنام الآن عدة تحديات رئيسية: أولاً، تحدي الاستقرار والأمن الداخلي. فلا يمكن تطبيق خطة "دوي موي" بدون سلام واستقرار. ثانياً، إعادة هيكلة الاقتصاد المحلي حتى تتمكن الدولة من التكيف بشكل أفضل مع الاقتصاد العالمي وتتحمل آثار التقلبات المالية العالمية. ثالثاً، استخدام القدرة الاقتصادية لتعزيز مكانة الدولة في العالم، الأمر الذي يتطلب في حد ذاته تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية مع الشركاء الرئيسيين، وخاصة الصين والولايات المتحدة وروسيا واليابان والهند. رابعاً: العلاقة المتبادلة بين معدل النمو ونوعية التنمية الاقتصادية. خامساً، العلاقة بين النمو الاقتصادي السريع والتنمية المستدامة. سادساً، العلاقة بين النمو الاقتصادي والمساواة الاجتماعية. سابعاً: العلاقة بين إعادة بناء الاقتصاد وإحياء النظام السياسي. ثامناً: برنامج إعادة بناء المجتمع واستقراره، وأخيراً العلاقة بين الاستقلال والحكم الذاتي من جهة وبين الاندماج في المجتمع الدولي من جهة أخرى.

وعلى الرغم من أن الإصلاحات الأساسية في المجالات الحاسمة مثل اقتصاد السوق وتحرير التجارة تتم بوتيرة أسرع بكثير مما كانت عليه في مجالات أخرى مثل التعليم العالي وإدارة المؤسسات المملوكة للدولة، فإن تنفيذ خطة"Doi Moi" على مدى العقود الثلاثة الماضية قد أحدث تغييرات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق في فيتنام. وتشير هذه العملية التي استمرت ثلاثون عاماً إلى تعمق عدم المساواة في المناطق الريفية وبين الأغنياء والفقراء، وإذا ما استمرت هذه العملية، فهذا يعني أن مليون عامل سيدخلون سوق العمل الفيتنامي كل عام وسيزداد عدد الفقراء والعاملين بدوام جزئي في البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن توسع اقتصاد السوق، شئنا أم أبينا، سيكون مصحوباً بالنفعية والفردية والأنانية وتفضيل مصلحة الفرد على الجماعة، وهو ما يجب على الحزب أن يجد حلاً له. وقد تناول المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الفيتنامي بشكل جدي بعض الأخطاء والفشل الذي واجهه، ومن بينها مسألة حماية البيئة والبيروقراطية والفساد والجنوح والعلل الاجتماعية. إن توفير شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للشعب الفيتنامي منحت الفرصة له بتوجيه الانتقاد للحكومة وللحزب، ولكنها توفر في الوقت نفسه منصة مناسبة للانحراف عن الأهداف الرئيسية للبلاد، فضلاً عن انتشار الجريمة. ويصبح هذا العامل أكثر أهمية عندما نعلم الآن أن أكثر من 70٪ من الفيتناميين يمكنهم الوصول إلى الإنترنت، بينما في عام 2011 لم يتجاوز هذا الرقم سوى 35٪.

 

رياضـالسنديان فكرة زيارة البابا للعراق هي قديمة وترجع الى عام ١٩٩١عندما فرض الحصار على العراق، ففكرت حكومة صدام حسين دعوته لينقل معاناة الشعب، ولكنه رفض لان ذلك يشكل دعما لحكومة صدام حسين.

ان البابا يمثل قيمة روحية كبرى في العالم ويتبعه اكثر من ملياري مسيحي يمثلون ثلث سكان الارض، وهو شخص مرحب به في كل زمان ومكان، وخاصة ان البابا الحالي هو من أصول ارجنتينية ومن دول العالم الثالث، ويتفهم قضايا شعوبها، وله اراء متميزة في الكثير من قضايا الكنيسة وفي المسيحية ذاتها.

ولكن الآن، والشعب يعاني من الظلم والفساد والاحتلال وليس من جوع الحصار أو الديكتاتورية فقط، ويأتي البابا في هذا الظرف العصيب الذي تكالبت عليه ازمات كبيرة لم يسبق لها مثيل، مثل مرض الكورونا، وقصف الميليشيات الموالية لإيران للسفارة والقواعد الامريكية، واحتجاجات العراقيين منذ سنة دون جدوى، فلا معنى لهذه الزيارة سوى تقديم دعم لحكومة الفساد وعدم الالتفات لمعاناة الشعب العراقي.

قد يحتج البعض بانه رجل دين وليس رجل سياسة؟ وهذا غير صحيح، فلو كان رجل دين فقط لما دعته الحكومة العراقية واهتمت به، فما اكثر رجال الدين في العراق والعالم ولا احد يشتريهم بفلسين، لا بل ان البعض منهم خطفوا وقتلوا وتم رميهم في المزابل ولم تتحرك الحكومة او تلتفت لقضيتهم، بل البابا هو رئيس دولة الفاتيكان رغم صغرها، وله منصب سياسي كبير .

هذا هو سبب اعتراضنا على زيارة البابا في هذا العهد دون الالتفات لقضية الشعب ككل، كما لم يلتفتوا له عندما كان يرزح تحت الحصار والجوع لمدة ١٣ سنة، وتناوب اربعة بابوات على حكم الفاتيكان ولم يلتفتوا إليه، بينما اليوم تحكم العراق حكومة فاسدة لا تهتم للشعب ولا توفر له ابسط مقومات الحياة حتى لو كان لقاحا بسيطاً لمرض الكورونا الوبائي، وياتي البابا تلبية لدعوته حكومته، ان هذا لا يعني سوى ان هذه الزيارة مدفوعة الثمن مقدماً. ونتمنى ان لا يكون ذلك صحيحاً.

 

د. رياض السندي

٢٠٢١/٣/٤

 

كاظم الموسويلماذا يعود ما اصطلح عليه بمختصره "داعش" الى اعماله الارهابية، بعد أن انجز وظيفته الرئيسية، ولم يستطع الحفاظ على نتائجها، وانهزم وتم الانتصار عليه وانتهت ما سميت "دولته"  الاسلامية؟!. هل يعني أن مهماته لم تستكمل بعد وان داعمبيه لم ينهوا علاقتهم به ام ان هناك اسرارا أخرى لم تكشف لحد الآن؟!. المعلوم أن التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة والذي تأسس على أساس محاربة "داعش" كتنظيم ارهابي هو الذي يبث اخبار عودته بين حين واخر، ويسرب معلومات عنه، عبر منظمات دولية أو أعضاء من التحالف أو متخادمين معهم. وتلك شهادة له بأنه مرتبط كتنظيم بمخططات التحالف والعمل في إطاره لبقاء اسم التحالف واستمراره، تنظيما وتحالفا، في المنطقة المخطط لها والموجه لزعزعتها وتدمير أمنها واستقرارها. وهو ما حصل قبل سنوات، منذ بدايات ظهوره وانتشاره ورفع رايته السوداء وإلى يومنا هذا. وبالتالي إستمرار بيع الأسلحة ومعداتها وتوفير الذرائع لبقاء قوات التحالف وبناء قواعد عسكرية وإقامة تحالفات محلية وإقليمية لخدمة المشروع أساسا وتوفير كل ما يخدمه، من أفراد وأجهزة  ومؤسسات إعلامية وغيرها مما يتوجب تحضيره أو إيجاده أو توفيره، والضغط به لنهب الثروات واستخدام الجهود وهدر الطاقات المحلية والإقليمية.

بثت وكالات أنباء أمريكية يوم 05 شباط/ فبراير 2021 تقريرا صادرا عن مجلس الأمن الدولي رصد وضع "داعش" والقاعدة في سوريا والعراق. مؤكداً أن التنظيم "لا يزال قادرا على شن عمليات تمرد في المناطق الحدودية بين البلدين، على الرغم من التحديات التي يواجهها، ومن بينها فقدانه عددا من قياداته في عام 2020", ولم يتطرق  التقرير إلى ما قام به التنظيم داخل العاصمة بغداد أو المدن الأخرى وكذلك في مدينة دير الزور أو الحسكة وغيرها من المدن السورية. وفي هذا اشارات لاهتمام المجلس وأصحاب التقرير في توجيه الأنظار والأضواء على المنطقة والجغرافية وليس على الأخطار الجدية والأهداف الأساسية من وجوده وصناعته.

وسجل المجلس في تقريره عن تنظيمي داعش والقاعدة الكيانات الإرهابية الأخرى المرتبطة بهما، واشار إلى قدرة "داعش" على الاختباء في أماكن سرية، وحصوله على دعم من مجتمعات محلية. وقدّر التقرير عدد مقاتلي داعش في البلدين بنحو عشرة آلاف شخص غالبيتهم في العراق، ومع ذلك، اعترف التقرير، بإن قدرة التنظيم على شن هجمات، أقل من السابق، بسبب ضغط القوات العراقية. وهنا ايضا دون تحديد التضحيات التي تقدمها القوات العراقية والسورية بمختلف عناوينها العسكرية والأمنية وفعاليتها في التصدي لخطر التنظيم، وتعرضها في مرات متكررة لهجمات ليس من التنظيم وحده، بل ومن مصادر اخرى، لم يعلن، لا المجلس ولا اعضاؤه، مصادرها أو جهاتها أو انواعها، ويكتفى بمجهولية المصدر، أو طائرات بدون طيار دون تحديد مسيريها، أو من هو وراؤها..

وقال تقرير مجلس الأمن الدولي إن قدرة داعش على شن هجمات في المناطق التي تشهد "نزاعا"! أكبر منه في المناطق الآمنة. وأوضح التقرير أن هناك ميلا داخل التنظيم في مناطق النزاع، نحو اللامركزية، وزيادة تفويض عمليات اتخاذ القرارات التكتيكية، إلى كل خلية من الخلايا المستقلة في الميدان.  وكشف التقرير ان سلسلة جبال حمرين في محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين العراقية، ملاذات حدودية آمنة للتنظيم، تضاهيها في سوريا منطقة دير الزور، وإدلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام الموالية للقاعدة. وبيّن التقرير أن مقاتلي التنظيم يستغلون صحراء دير الزور لشن هجمات ضد القوات العسكرية السورية، وضد ما سمي بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أيضا.

واكد التقرير هيمنة "هيئة تحرير الشام"، في شمال غرب سوريا، بقوة قوامها عشرة آلاف مسلح. وامتلاكها لموارد كبيرة مصدرها احتكار  معاملات الوقود في المنطقة عبر شركة واجهة تدعى "وتد للبترول"، علما أن إيرادات الجماعة من تجارة الوقود والطاقة، وحدها، تدر نحو مليون دولار شهريا. وقد تمكنت "هيئة تحرير الشام"، حسب التقرير، من احتواء تنظيم "حراس الدين"، الفرع الآخر للقاعدة في المنطقة، بسبب ضعفه وفقده لمعظم قياداته في عام 2020. ولم يسأل كتبة التقرير، كيف اصبح هذا التنظيم بهذه القوة وهذه الإمكانيات ومن هي الجهات أو الأطراف التي تستفيد من قوته ودعمه ودوره؟..

ذكر التقرير أيضا وجود كيانات أخرى بإدلب تتكون من إرهابيين أجانب لا يزالون خاضعين لهئية تحرير الشام. ومن أمثلة هذه الجماعات "لواء خطاب الشيشاني"، و"كتيبة التوحيد والجهاد" ( مقاتلون من وسط آسيا)، و"الحزب الإسلامي التركمستاني".

ورغم تاثير جائحة كورونا على أداء الحكومات، وكذلك على قدرة "داعش" للتحرك وشن هجمات كبيرة، الا أنه اقتصر خطره، على إطلاق التهديدات. وحذر التقرير من ترجمة هذه التهديدات إلى هجمات أوسع نطاقا خلال هذا العام 2021، ما لم تواصل عمليات مكافحة الإرهاب ضغطها المستمر عليه.

 هذه قراءة مجلس الأمن لعودة التنظيم ولعملياته، ولم يتطرق هنا ايضا إلى أعداد المعتقلين عند تنظيم "قسد" السوري تحت حماية القوات الأمريكية المحتلة لمناطق شمال شرقي سوريا ولا لأعداد الذين ينقلون بطائرات الهيلكوبتر الأمريكية من مناطق سورية إلى أخرى داخل سوريا أو العراق وحتى خارجها. وهذه الارقام والمعلومات تشير إلى التورط في السيرة والمسيرة للتنظيم وأعماله. ولكنهم  ينشرون خلاف ذلك ويمارسون دور شاهد الزور والتضليل في المعلومات والأخبار عن مصادر التنظيم وتاسيسه ودعمه وحمايته وتجهيزه وتوجيهه. وتلك جزء من مهمتهم ووظيفتهم بأسماء أخرى أو في صفحات اخرى.

 وبالتفصيل، حذر مسؤول مكافحة الارهاب في الامم المتحدة فلاديمير فورنكوف امام مجلس الامن الدولي في نيويورك (2021-02-12) من أن التهديد للسلام العالمي الذي يشكله تنظيم "داعش", يتصاعد مرة أخرى على الرغم من سقوط "خلافة" الارهابيين في كل من العراق وسوريا. وقال فورنكوف إنه على الرغم من الأولويات التي فرضتها جائحة كورونا، فانه من المهم بالنسبة لأعضاء الأمم المتحدة أن يبقوا على تركيزهم ووحدتهم في مواجهة الإرهاب.

واوضح في كلمته عبر الفيديو انه فيما لم يطور "داعش" استراتيجية هادفة لاستغلال الوباء، فإن جهوده لاعادة جمع صفوفه واحياء نشاطاته، اكتسبت المزيد من الزخم. واشار الى "ان التنظيم الارهابي احتفظ بالقدرة على التحرك والعمل بما في ذلك التسلل عبر الحدود الهشة". وحذر فورنكوف من ان نحو 10 الاف مقاتل، غالبيتهم في العراق، يسعون الى اشعال تمرد طال أمده، ما يشكل "تهديدا عالميا رئيسيا وطويل الامد". وتابع "انهم منظمون في خلايا صغيرة يختبئون في الصحراء والمناطق النائية ويتحركون عبر الحدود بين البلدين، وينفذون هجمات".

ولفت المسؤول الاممي الانظار الى "الاوضاع الصعبة للنساء والاطفال المرتبطين ب"داعش" والذين ما زالوا في مخيمات احتجاز كما في مخيم الهول في سوريا، وبينهم نحو ثمانية الاف طفل من 60 دولة بخلاف العراق، مشيرا الى ان 90% منهم، تقل اعمارهم عن 12 سنة". وهذه قنابل موقوتة أو مجهزة للانفجار، مع سباق الزمن وتعقد الظروف المحيطة بهم وتطورات الأوضاع والسياسات المرسومة للمنطقة.

في كل الأحوال خطر التنظيم وصناعته لم تنته بعد، ولن يتوقف تهديده العملي في إطار ما هو مرسوم من مخططات وأسباب لتفتيت المنطقة ونهب ثرواتها وتحطيم إرادتها و تدمير خياراتها الشعبية.

 

كاظم الموسوي

 

 

ابراهيم أبراششاركت في الندوة التي نظمها عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الدكتور ناصر القدوة عبر تقنية الزوم يوم أمس الثاني من مارس حول الانتخابات، وفي هذا اللقاء الذي شارك فيه حوالي 230 شخصية متعددة الاتجاهات السياسية، أعلن الدكتور ناصر عن تشكيل الملتقى الوطني الديمقراطي الذي سيخوض الانتخابات التشريعية بقائمة مستقلة ستكون مفتوحة أمام الجميع بما فيهم مروان البرغوثي ومؤيديه وجماعة دحلان بدون محمد دحلان، مستبعداً حركة حماس ومن ينتمي تنظيمياً لها، كما طرح الدكتور ناصر 22 نقطة  كأساس للبرنامج السياسي للملتقى.

بشكل عام فإن الساحة الفلسطينية وطبيعة النظام السياسي لا يتعارض مع تشكيل  ملتقى أو حزب أو تجمع جديد بعد وصول التنظيمات والفصائل القائمة لطريق شبه مسدود وباتت المراهنة عليها فقط كمنطلق للتغيير والتجديد واستنهاض الحالة الوطنية كمن يراهن على سراب، بسبب ترهلها وارتهاناتها الخارجية وبعد انكشاف توجهات عند بعض القوى النافذة في الطبقة السياسية الحاكمة في غزة والضفة لتوظيف الانتخابات لتجديد شرعيتهم المتآكلة واقتسام مغانم سلطة تحت الاحتلال ملتزمة بالإملاءات الأمريكية والإسرائيلية، وقطع الطريق على أي مساع وطنية جادة لإحداث تغيير وطني حقيقي .

 سيكون للملتقي الوطني الديمقراطي مصداقية أكبر  إن كان هدف القائمين عليه ليس فقط الحصول على عضوية في المجلس التشريعي، بل إحداث تغيير جذري في النظام السياسي وهذا ما أكد عليه الدكتور ناصر، حتى وإن كنت أعتقد أن التغيير الجذري يجب أن يبدأ بمنظمة التحرير، مجلساً وطنياً ولجنة تنفيذية ورئاسة، لأن المنظمة عنوان الشرعية وليس المجلس التشريعي ولأنه يمكن لقيادة الشعب المتمثلة في الرئيس أبو مازن واللجنة التنفيذية أن تعطل بل وتلغي كل مخرجات الانتخابات التشريعية إن جاءت على غير رؤيتها السياسية وتعارضت مع المصلحة الوطنية من وجهة نظرها.

المشكلة لا تكمن في تشكيل ملتقى أو جماعة سياسية جديدة ، بل في تعدد  القوائم ذات المرجعية أو التوجهات الوطنية التي تتنافس في هذه الانتخابات التشريعية وخصوصاً القوائم المحسوبة على حركة فتح أو ستنزل باسم حركة فتح، وحتى الآن وحسب علمي توجد خمس قوائم مؤكدة:  الأولى الرئيسة التي يقوم على تشكيها عضوا اللجنة المركزية جبريل الرجوب وحسين الشيخ ويدعمها الرئيس أبو مازن، والثانية قائمة مروان البرغوثي، والثالثة قائمة ناصر القدوة أو الملتقى الوطني الديمقراطي، والرابعة قائمة محمد دحلان، وربما قائمة خامسة يشكلها نبيل عمرو، والحبل على الجرار كما يقول المثل.

من الممكن أن يكون تعدد القوائم الوطنية الفتحاوية أمراً محموداً وخطوة ذكية لو كانت في سياق تفاهم ضمني بين القائمين على هذه القوائم  واللجنة المركزية والرئيس بهدف استقطاب كل عناصر حركة فتح بما فيهم الغاضبين أو المستائين من ممارسات اللجنة المركزية للحركة أو بعض عناصرها، أيضاً استقطاب المواطنين المستقلين أو غير الحزبيين، و المستائين من تنظيماتهم السياسية الدينية أو اليسارية،  حتى وإن كان هذا التعدد سيشتت الأصوات. في اعتقادي أن هذا التشتت لن يكون مضراً إن كان هناك تفاهمات مسبقة كما أشرنا حيث سيتم تجميع كل الفائزين في الانتخابات في تكتل برلماني واحد، وهذا التعدد سيكون أقل ضرراً مما لو نزلت حركة فتح بقائمة واحدة دون توافق داخلي، لأنه في هذه الحالة الأخيرة هناك احتمال عدم فوزها بأغلبية مريحة في الانتخابات.

أما إن لم تنجح حركة فتح في لملمة أوضاعها والتوافق على قائمة واحدة وتنافست عدة قوائم دون تنسيق فلن تفوز أية قائمة بعدد مقبول من الأصوات وسيكون الفائز في هذه الانتخابات هي حركة حماس، كما ستتزايد الخلافات بين الفائزين في القوائم الفتحاوية حيث سيُحَمِل كل طرف فتحاوي بقية الأطراف بالمسؤولية عن الفشل  .

مع استمرار الأمل بوحدة حركة فتح وتوافقها على قائمة فتحاوية وطنية مشتركة، إلا أن التخوفات ما زالت قائمة من نتائج كارثية للانتخابات ليس فقط على حركة فتح بل وعلى القضية الوطنية برمتها. وتجنباً لما هو أسوأ وكاقتراح للخروج من المأزق الذي تواجهه حركة فتح أقترح على القيادات القائمة على تشكيل قوائم فتحاوية أن لا تكون على رأس هذه القوائم أو ضمنها وبهذا تُبعد كل الشبهات والمزاعم بأنها تسعى من تشكيل القوائم الى الحصول على عضوية التشريعي فقط، كما أنه بالامتناع عن وجودها في القوائم تنسجم وتلتزم بقرار الرئيس أبو مازن بالأشخاص الممنوعين من الترشح للانتخابات وبهذا تحافظ على وحدة حركة فتح ولو نظرياً. 

واخيراً ومع مرور كل يوم تتزايد حالة القلق من الانتخابات وعلى الانتخابات، وحالة القلق لم تعُد من التدخلات والضغوط والاشتراطات الخارجية، بل من عدم نضج الوضع الداخلي وخصوصاً الفتحاوي والتراجع التدريجي عن كل ما سبق من حديث عن وجود تفاهمات بين حركتي فتح وحماس. ومع ذلك فالشعب ما زال يراهن على أن تشكل الانتخابات مخرجاً من المأزق والطريق المسدود للنظام السياسي، ولأن فشل إجراء الانتخابات أو فشل الالتزام بمخرجاتها يعني العودة لوضع أسوأ من الوضع الراهن، كما أُعيد التأكيد بأن غالبية الشعب ما زالت تراهن على حركة فتح ومنظمة التحرير، فعليهما تقع المسؤولية في حالة النجاح وفي حالة الفشل .

 

إبراهيم أبراش

 

 

احمد عزت سليمكما أكد أحدُ المفكرين: "إنَّ الدائرة اليهوديَّة السحريَّة هي نِتاج "الجيتو"، ولا يُمْكن الفِكَاك منها "، فقد إعتمدت الصهيونية في تصرفاتها الإجرامية لتصفية الشعب الفلسطينى على كونها جيتو بأمر لاهوتى، لتصبح كافة التصرفات والحوادث والحالات الفردية الصهيونية الإجرامية مقدسة وإلهية وتشكل نظاما لاهوتياً يحكم حركتها وينفى عنها الشك والريبة وتحل الأيديولوجيا فى اللاهوت واللاهوت فى الأيديولوجيا، ويصبح تاريخ اليهود هو تاريخ اليهودية هو تاريخ الأيدلوجيا وهو تاريخ الإله الذى عقد معهم ميثاقاً أبدياً واصطفاهم فيه عن العالمين وأضحى تاريخ الإله هو تاريخ الشعب الذي اختار الإله واحتكر كل منهما الآخر، لا يهم الإله أن يعلو الحاخام ويكيل له اللكمات على ما فعله بالشعب بل يندم الإله من أجلهم ويسير كنار آكلة أمام الشعب، ولا يهم الشعب إذا مال عن الرب إلهه ولم يحفظ ما أوصى به الرب فقد كشف الرب له عن نفسه وخلق العالم من أجله .

هكذا تتأسس الحادثة والسلوك والحالة الفردية والجمعية الإجرامية الصهيونية للجيتو الإلهى الصهيونى إلى ماهية قبلية، من قبل الوعى الإنسانى بكونها صادرة عن الإله لتبرر ما بعد الأمر القطعى / الأمر الإلهى والخلق الإلهى الذى يبدأ بهذه الحادثة اليهودية أو تلك الحالة أو ذلك السلوك اليهودى فلا ينتهى ذلك ولا تنتهى تلك ويصير كل منهما بخصوصيته المتفردة - المزعومة - كائنة مهما كانت طبيعتها ومسارها خلال التاريخ وصولاً إلى نهاية العالم والتاريخ، وجلوسها وحدها على عرش العالم تحكمه وتحكم التاريخ ـ كما تتصور ـ فقد وعدهم الإله بملك عالمى، فكل يهودى أيا كانت الطائفة التى ينتمى إليها ينتظر قيام مملكة إسرائيل الكبرى كتوطئة حتى يأتى موعد امتلاك " أقاصى الأرض" كوعد للإله لكهنته والذين " سيأكلون ثروة الأمم " حيث سيعود المسيح اليهودى المخلص ويحكم العالم ويسود الرخاء، الذى يحققه المسيح اليهودى، فيعود الميثاق الأبدى ويعلو العالم ويعود الهيكل ويقوم ملكوت الرب على الأرض، فى شكل ارتدادى- عبثى - بإعادة طقوس التاريخ المقدسة وشعائره ويملأ الأرض شعب الرب المطيع والمطبق للأحكام الإلهية، المطبق للقانون الإلهى على الأرض، وتكون التوراة خاتمة التاريخ والمسيح اليهودى المخلص قائدها وتندرج مملكة الأنبياء – تحقيقاً لهذا الميثاق وهذا الوعد بأن النبوة خاصة بهم- تحت إمرة المسيح اليهودى المخلص، وتندرج الأمم الباقية الثانوية تحت إمرة هؤلاء الأنبياء المقدسون، هكذا تتحقق سلطة الإله / النص/ الميثاق / الوعد / القانون/ الحاخام/ فيسود الشعب وكما قال مارتن بوبر: أن هناك تطابقا كاملا بين الوحى والعقيدة والتاريخ، فكل بنى إسرائيل أنبياء، والتاريخ يصير وحياً والوحى يصير تاريخاً، والتاريخ يتدخل فيه الرب بشكل مباشر " .

على هذا النحو تصير الحادثة اليهودية كأنها الماهية وكأنها الجوهر وكأنها المادة الأساسية التى تتوالد و تتوالى منها الأحداث على كثرتها وفرديتها لتصبح بذلك الصورة الأولى للإنسان الكامل الذى تمنى موسى أن يصير أفراده كلهم أنبياء، فأصبحوا حملة رغبة الإله وأوامره وصار سلوك هؤلاء الأنبياء مصدرا للسلوك كما أن الإله صار مصدرا للسلوك هو الآخر وقد حل فيهم، ولذا فأقوال علماء التلمود أفضل مما جاء فى شريعة موسى، بل أن الإله يستشير الحاخامات على الأرض عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها فى السماء، بل أن الحاخامات المتوفين مكلفون بتعليم المؤمنين فى السماء، ولا يمكن تغيير كلام الحاخامات ولو بأمر الإله وقال الرابى مناحم : أيها اليهود إنكم من بنى البشر لأن أرواحكم مصدرها روح الإله وأما باقى الأمم فليست كذلك لأن أرواحها مصدرها الروح النجسة .

هكذا تصدر الحادثة عن روح الرب ويتأسس العقد الإرادى حول وحدة واحدة هى رابطة لاهوتية تجمع الإله والنص والميثاق والشعب فى قانون ونظام لاهوتى واحد، متساوية فى ترتيباتها ومكانتها وتوزعاتها وتأثيراتها على الأرض زماناً وتاريخاً فاليهودى اليمنى فى العصور البعيدة هو نفسه اليهودى الفلاشا الإثيوبى فى القرن الحادى والعشرين هو ذاته اليهودى الصينى فى القرن الثالث عشر وهم جميعا ذاتهم اليهودى الأمريكى المنحدر من أصل روسى أو بولندى أو ألمانى وكل هؤلاء هم بذاتهم وذواتهم هم اليهودى داخل الكيان العنصرى الصهيونى الإسرائيلى فى فلسطين المغتصبة، وذلك لأن أرواحهم مصدرها روح الإله التى لا تتغير ولا تتبدل، والإله الذى توحد فيهم، فتوحد اليهودى الماقبلى فى اليهودى المابعدى، وتوحدت المثالية فى الوجود، والميتافيزيقا فى الأفراد والجماعات، ليصير اليهودى إلهاً متعالياً فوق سائر المخلوقات التى خلقت جميعاً من أجل خدمته، فهو سابق عليها، له جوهره الأبدى الذى لا يتغير ولا يتبدل، له صورته التى أعطاها له الإله وميزه بها عن سائر الأغيار بالعقل اليهودى الذى هو عقل البشرية لا أولئك الحيوانات القذرة.

هكذا أصبح الوجود أفقياً بالنسبة للاهوت حيث يتموضع الإله والشعب والميثاق والنص فى وضع أفقى وقد توحدوا معاً فيه، والوجود بالنسبة للعالم هرمى يحتل قمته الإله/ النص/ الميثاق/ الشعب وفى الأسفل عالم الأغيار، ويصير هذا التموضع اللاهوتى معبراً عن العظمة التى تجلى فيها البشر/ الشعب اليهودى وهو قابع مع الإله فى قمة الهرم وقد أصبح ذاكرة البشر الغائرة والكائن الكلى الواجب الوجود من أجل الوجود ذاته الذى خلقه الإله له، ومن ثم يتخطى حدود التطورات البشرية التى شهدتها الإنسانية وقوانينها التطورية، إن لم تكن كينونته هى التى تجرى بها هذه التطورات وتدفعها إلى التطور، ومهما أفقدت تلك التطورات الميتافيزيقا الكثير من عناصرها وعزلتها بقوة العلم والتقدم التكنولوجى، لكنه مع اليهودى يبقى لا معنى للوجود إلا به، وتصير عناصره منهجا فى معرفة ورؤية الآخر وتفسير تصرفاته وتطوراته فى مقابل الثبات العنصرى اليهودى الذى يفسر هو الآخر التصرفات المقدسة الخاصة بما يسمى الشعب اليهودى، المزعوم .

وهى بذلك تنفى القوانين العامة التى تحكم البشرية جمعاء وما توصلت إليه البشرية من منهجية علمية أسس عناصرها جهود البشر أجمعين طوال تاريخهم الفكرى والبحثى الطويل، ورغم ما توصلت إليه البشرية كافة من حتمية ترابط الظواهر الشامل فى كافة مستوياتها البنيوية بدءا من الجسيمات الأولية وانتهاء بالمجرات الكونية، وما لكل ذلك من باطن وظاهر، مع التطور التاريخى من زمن إلى زمن تاريخى ناتج بالضرورة عن الظروف الموضوعية للحظة التاريخية السابقة عليه، وهكذا العالم الموضوعى الذى يقوم على أن كافة أشياء العالم الموضوعى وظواهره مترابطة ومتغيرة أبداً فى ضوء هذا الواقع الموضوعى، لكن اللحظة اليهودية حولت العالم الموضوعى إلى عالم لاهوتى تملأه الأيدلوجيا العنصرية وقد وحدت فيه بين المتناقضات الداخلية، فاللحظة اليهودية كما تصورها المزاعم والأوهام والخرافات مستقلة بذاتها، انخلقت بمفردها، دامت وصارت بذاتها ولذاتها وأضحى لها قانونها المميز المتحد بإرادة الرب الذى حل فيها هو أيضاً وتوحد معها، نافية بذلك ما فى العالم الموضوعى من تمايز وتصادم وتناحر وأن الأشياء كلها تتغير وتتطور باستمرار فيظهر فيها الجديد الذى بدوره يقدم عناصر داخلية وخارجية تحوى معالم التناقض والتى بدورها تتطور نحو جديد قادم كامن، فيه أيضاً مصادر تناقضات جديدة، لكن اللحظة اليهودية وهى فى نفيها للعالم الموضوعى مدعية انغلاقها بمفردها المرسوم بالأمر الإلهى تضع اليهودى على رأس هذا الأمر الإلهى، فيصبح بناء على ذلك فوق البشر بتفرده وعنصريته وكأنه قد انعزل فى جيتو لاهوتى عن الوجود فى ثبات أزلى ومستقراً على ذاتيته العنصرية، بل هو فى عزلته هذه يحرك ويسيطر على ذلك الوجود المنعزل عنه كما يشاء هؤلاء البشر الآلهة بلحظتهم اليهودية المزعومة .

 

بقلم: أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

عبد الخالق حسينغني عن القول أن الشعب العراقي هو ليس الشعب الوحيد الذي يتكون من تعددية الأثنيات، والأديان، والمذاهب واللغات، فمعظم شعوب العالم هكذا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الشعب الهندي يتكون من أكثر من 2000 أثنية ودينية ولغوية (حسب غوغل)، ولكن مع ذلك فالهند تُعد أكبر دولة ديمقراطية متماسكة بوحدتها الوطنية. ونفس الكلام ينطبق على روسيا الاتحادية وغيرها. ولكن الفرق بيننا وبينهم، أن أغلب هذه الشعوب تعيش في وحدة وطنية متآخية بين مكوناتها، وفق مبدأ (الوحدة في التعددية=Unity in the diversity)، بينما العراق الذي هو مهد الحضارة، ومخترع الكتابة والعجلة، وأول مدونة قانونية (شريعة حمورابي...الخ)، صارت التعددية فيه وسيلة لتفتيت الشعب، وإثارة النعرات والصراعات الدموية، فبدلاً من الولاء الوطني للعراق، راح السياسيون يمنحون ولاءهم لدول الجوار، وكل فئة سياسية تحاول الإستقواء بدولة مجاورة لإلحاق أشد الأضرار بالوحدة الوطنية العراقية.

فالعراق ما أن يتخلص، أو يكاد أن يتخلص من خطر داهم حتى ويظهر له خطر آخر. فبعد دحر عصابات (داعش) ظهرت له مخاطر المليشيات الولائية الموالية لإيران، والتي هي لا تقل خطورة من داعش. وهذه المليشيات وقواها السياسية والإعلامية راحت تستخدم المشاعر الدينية والمذهبية، والمصطلحات السياسية ذات النكهة الرومانسية الثورية والجاذبية لدى أغلب العراقيين البسطاء، مثل (المقاومة الوطنية)، و(خط المقاومة) ويقصدون بها مقاومة "الاحتلال الأمريكي"، وكأن العراق فعلاً محتل من قبل أمريكا. بينما الكل يعرف أن وجود عدد قليل من العسكريين الدوليين من بينهم أمريكان، جاؤوا بناءً على دعوة من الحكومة العراقية لمساعدة العراق في حربه على داعش، وليسوا قوات احتلال إطلاقاً.

فقد كتب في هذا الخصوص الباحث الأكاديمي العراقي الدكتور عقيل عباس، مقالاً قيماً بحلقات بعنوان: ("المقاومة" من خطاب التحرير إلى اضعاف الدولة)، شرح فيه بمنتهى الموضوعية، والوضوح مخاطر التلاعب بالألفاظ  لإظهار الحق بالباطل والباطل بالحق، لدغدغة مشاعر المواطنين الدينية والوطنية وتوجيهها لتدمير الوطن وإضعافه بدلاً من تقويته وإعماره. (1، 2).

 فمن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي، يقرأ العجب من تعليقات ومجادلات، وبمختلف الدرجات من  السخف والتفاهة والهراء، و الحدة، والعنف اللفظي في التخوين والتكفير ضد كل من يختلف معهم، وتعليق كل مساوئنا على نظرية المؤامرة وشماعة الآخرين.

فعلى سبيل المثال، نقرأ هذه الأيام عن زيارة قداسة البابا فرانسيس للعراق، التي في رأي كل ذي عقل سليم ومخلص للعراق، أن هذه الزيارة لها فوائد كبيرة وكثيرة للشعب العراقي الجريح المحروم من الأمن والاستقرار. فهذه الزيارة مناسبة للتقارب بين الأديان، والتآخي بين مكونات الشعب العراقي، و الفات نظر العالم إلى ما يتمتع به العراق من مواقع أثرية وتاريخية ودينية، حيث وُلد فيه أبو الأنبياء النبي إبراهيم، ومنه ظهرت الأديان السماوية (الإبراهيمية) الثلاثة الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام، وسيستفيد منها العراق اقتصادياً، وإعلامياً، ومعنوياً في تشجيع السياحة الدينية من أتباع مختلف الديانات في العالم... إلى آخره، فيما لو تم التعامل مع هذه المناسبة المهمة بطريقة حضارية راقية تتناسب ومكانة العراق التاريخية.

ولكن بدلاً من ذلك نرى البعض الآخر وخاصة من أنصار إيران، يحاولون تسميم عقول العراقيين، و الرأي العام العالمي، فيتمادون في تضليل الجهلة، فيقولون أن الغرض الوحيد من زيارة البابا للعراق هو لخدمة الصهيونية بالترويج لسياسة التطبيع مع إسرائيل!!

والأسوأ من ذلك طلع علينا جهبذ آخر يقول: أن ((زيارة البابا الى العراق في هذا الوقت بالذات لها علاقة بالتنبؤات التوراتية والانجيلية.. انهم يحاولون تأخير ظهور الامام المهدي القائم صاحب العصر والزمان ارواحنا لتراب مقدمه الفداء .. وتأخير عودة السيد المسيح على الحبيب المصطفى نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام .. وذلك ليحافظوا على مكاسبهم الدنيوية الفانية... ولكن هيهات فإنهم لن يستطيعوا( وان اجتمعوا ) تحدي مشيئة الخالق وإيقاف عجلة التاريخ...)) أنتهى الاقتباس، وأترك الحكم لنباهة القارئ الكريم على هذا التخريف.

وإذا ما ذكرت لهم خلاف ذلك فسرعان ما يتهمونك بأبشع التهم، وينعتونك بأسوأ النعوت من بينها أنك جاهل، وجوكر أمريكي، وعميل صهيوني، ...الخ. وهذا بالطبع نوع من الإبتزاز، ولإسكات كل من يتجرأ ليفهمهم الحقيقة.

فمنذ سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق استغلت إيران الوضع الجديد الهش في العراق، وعملت على إضعافه وحرمانه من أي استقرار، وذلك عن طريق تشكيل عشرات المليشيات المسلحة الموالية لها والممولة من قبلها. والسؤال المهم هو لماذا تصر الحكومة الإيرانية الإسلامية على إضعاف العراق وإبقاء شعبه مفتتاً، وفي صراعات دائمة بين مكوناته وقواه السياسية، وتريد مواجهة أمريكا في العراق؟

في الحقيقة إن إيران ليست وحدها التي لا تريد نجاح الديمقراطية في العراق ولا استقراره، بل جميع دول الجوار تسعى لهذا الغرض الدنيء ، وذلك بسبب خوفها من نجاح الديمقراطية التي يسمونها بـ"الديمقراطية الأمريكية" لتقبيح صورتها، وذلك خوفاً من وصول عدواها إلى شعوبهم، وخاصة إيران لأن ظروفها تشبه ظروف العراق.

فإيران تعاونت مع الامريكان في أول الأمر لتغيير نظام صدام في العراق، ونظام طلبان في أفغانستان، ليصبح العراق تحت سيطرتهم، والتخلص من طلبان عدوتهم. ولكن الايرانيين لن يسمحوا للعراق ان يستقر سياسياً، ويزدهر إقتصادياً في الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها، لأنهم يريدون العراق أن يبقى متخلفاً وضعيفاً وساحة لتصفية حساباتهم، وسوقًا لبضائعهم، وامتدادا الى حدودهم .... وقد أخبرني صديق مطلع على السياسة الإيرانية نقلاً عن مسؤول ايراني كبير، قائلاً: "لن نسمح للعراق ان يستقر لأن استقرار العراق يفتح علينا ابواب جهنم. لأن الشعب الإيراني مثل الشعب العراقي مكون من قوميات وأديان وطوائف متعددة، ونجاح التجربة الديمقراطية العراقية سوف يشجع هؤلاء للمطالبة بنفس الاشياء، وتكون لهم نفس الاهداف." لذلك لن يسمحوا للعراقيين ان يستمتعوا بالديمقراطية.

والجدير بالذكر أن إيران تاريخيا سبب عدم استقرار العراق منذ الدولة الساسانية وإلى اليوم. والحكام الملالي رغم أنهم يدَّعون التشيع إلى الإمام علي وأهل البيت، إلا إنهم عملياً يتبعون سياسة معاوية وعمر ابن العاص في الخبث والدهاء. فإيران لم تبعث جيشاً لتحتل العراق، بل شكلت عشرات المليشيات الولائية من العراقيين، والتي تأتمر بأوامر الولي الفقيه الإيراني، وتعمل على إضعاف الحكومة العراقية، وبعد أن أضفت القداسة الدينية على هذه المليشيات واعتبرتها ضمن الحشد الشعبي. وهذا ما يسميه المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي بـ(الإستحمار)، أي أن الدولة الأجنبية تستحمر أبناء البلد، ويسيطرون عليه عن طريقهم. وهذا ما اتبعته إيران في لبنان، وسوريا، واليمن بالإضافة إلى العراق طبعاً. وقد وضحنا ذلك وأكدنا عليه في مقال لنا بعنوان (المليشيات (الولائية) ليست من الحشد الشعبي)، أن هذه المليشيات هي ضد استقرار العراق وتحقيق الأجندة الإيرانية.(3)

لقد ذكرنا مراراً ونعيد عسى أن تنفع الذكرى، أن إيران تستغل شيعة البلدان العربية، والقضية الفلسطينية لأغراضها السياسية التوسعية، وبذلك فهي أضرت بمصلحة الشيعة العرب حيث جعلتهم في موضع الشبهة في ولائهم لأوطانهم العربية، كما ألحقت أشد الأضرار بالقضية الفلسطينية.

 

د.عبد الخالق حسين

...........................

روابط ذات صلة

1- د.عقيل عباس: "المقاومة" من خطاب التحرير إلى اضعاف الدولة (1)

https://akhbaar.org/home/2021/2/280047.html

 2- د.عقيل عباس: المقاومة من خطاب التحرير إلى إضعاف الدولة (2)

https://akhbaar.org/home/2021/2/280047.html

3- عبدالخالق حسين: المليشيات (الولائية) ليست من الحشد الشعبي

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=696336

 

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تشكيل الدولة العراقية (3).

شجعت السلطات العثمانية سياسة النزاع والتنافس بين العشائر العراقية لغرض إضعافها، لكي لا يتفقوا ضدها، فعملت على تقوية الإدارة المركزية العثمانية على حساب المشايخ. من نتائج هذه السياسة المنازعات الكثيرة بين العشائر وإضطراب الأمن، وتصاعد عمليات السلب والنهب وقطع الطرق. ولما حصلت الحرب العالمية الأولى 1914، وضعفت سيطرة الحكومة عن بعض المناطق، أصبح الكثير من التجار مضطرين أن يدفعوا لشيوخ العشائر الاتاوات، وإلا تعرضوا للنهب والسلب.

مارست سلطة الإحتلال البريطانية للفترة (1914-1920)، سياسة توطيد الإحتلال. وهي على وعي تام بالتركيبة الإجتماعية في العراق. كانت رؤيتهم بإنه  لو أتيح للعراقيين الإستقلال التام في حكم أنفسهم لأكل بعضهم بعضاً. ولهذا من واجبهم الإستمرار في حكم العراق مدة كافية إلى أن يتعودوا على الحياة المدنية الحديثة، ويتركوا عاداتهم القبلية القديمة في الغزو والثأر وسفك الدماء. ولكي تُرسخ إحتلالها وتُبقي العراق تحت هيمنتها، وجدت بأن أفضل طريقة لذلك هي ترسيخ العادات والأعراف البالية السائدة آنذاك.

لذا خلقت كيانات عشائرية منفصلة لإستخدامها كسلاح وقوة توازن مع المتغيرات الجديدة في العراق. إعتمدت العادات والأعراف العشائرية وصاغتها على شكل قواعد قانونية نافذة، ووضعتها موضع التنفيذ. فأصبح قانون دعاوي العشائر سارياً منذ 21/02/ 1916، وفحواه أن أي نزاع، بإستثناء نزاع الأراضي، يكون أحد طرفيه أو كليهما من أفراد العشائر، يحال من الحاكم السياسي للمنطقة التي حدث فيها النزاع إلى جهة قضائية عشائرية تتألف من شيوخ أو محكمين عشائريين لإنهاء النزاع وفقاً للعرف. القانون أعطى لبعض المشايخ سلطة التفرد في فصل الدعاوي والمنازعات التي تحدث بين الفلاحين أو أبناء العشائر، وبالتنسيق مع سلطة الإحتلال، وبهذا لم يعد بالإمكان أن يتحرر أي فلاح من الإلتزامات التي تقيده.

كانت مبررات إختيار هذا النظام بإنه يناسب العادات والتقاليد المحلية، وصعوبة تطبيق القانون المدني وقانون العقوبات على أفراد العشائر. وتشكيل المجالس الإدارية المحلية في كل وحدة إدارية عامل مشجع للشيوخ على حفظ الأمن والنظام في مناطقهم. وفي نفس الوقت تم تشكيل قوات جديدة من أبناء المناطق التي دخلتها سلطة الإحتلال سميت (الشبانة)، التي وضعت تحت قيادة أبناء الشيوخ لتقوم بأعمال الحراسة الليلية ونقل البريد.

اتبعت السلطات البريطانية سياسة الإحتواء من خلال العمل على توحيد العشائر بدلاً من تشتيتها بإختيار شيخ واحد في كل منطقة أو عشيرة كبيرة وتقديم كل الدعم له، سواء أكان ذلك بالمال والنفوذ، أو بالسلاح عند الضرورة، ليكون قائداً يقوم بمسؤولية الأمن والنظام في المنطقة المحددة له. أرادت سلطة الإحتلال بهذه العملية الحصول على منفعة متبادلة، بحصر السلطة بيد الشيوخ الذين وقع عليهم الإختيار، وضمان حماية مصالحهم بجعل الشيوخ على الإستعداد بتنفيذ ما يطلب منهم.

هذه السياسة أفادت وأضرت سلطة الإحتلال، فهي وطدت من هيمنتهم وسيطرتهم على الكثير من المناطق، لا سيما الريفية منها، فأدت إلى زيادة في الإنتاج الزراعي. ولكن من جهة أخرى هذه السياسة جعلت الكثير من العراقيين وشيوخ العشائر يقفون بالضد منهم، محملين بالحقد والغضب والكراهية ضدهم. لأنهم أرضوا شيخاً واحداً في كل منطقة، ومنحوه سلطة التحكم بالآخرين. فليس من الهين على شيوخ المنطقة أن يروا واحداً منهم قد أصبح السيد المطلق يأمر وينهي من غير رادع. ومما زاد في الأمر سوءاً أن سلطة الإحتلال في إختيارهم بعض الشيوخ لم يراعوا قواعد وراثة المشيخة المتعارف عليها. كان اختيارهم لمن أبدى لهم الطاعة والولاء، أو له سابقة إتصال بهم في العهد التركي، بغض النظر عن مقامه الحقيقي في العشيرة.

إعتمدت سلطة الإحتلال على إستغلال وإذكاء تناقضات المجتمع العراقي وتوظيفها بإدارة الأزمات وليس حلها. وذلك من خلال الإستراتيجية المعروفة في إدارة المستعمرات على مبدأ "فرق تسد".  لصالح إقامة وإدامة بنية كولونيالية تابعة وخاضعة للهيمنة. كما ساهمت في إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية ـ الاقتصادية وإنتاج طبقة سياسية، كقاعدة للنظام، من كبار ملاك الأراضي والشرائح الكمبرادورية وكبار الضباط الذين خدموا في الدولة العثمانية وبعض الشرائح الهامشية. وذلك من خلال العديد من القوانين التي حولت الملكية العامة للأراضي العشائرية إلى ملك لشيوخ العشائر. والخطوة الأشد خطورة للتحكم بالإقتصاد العراقي هي تسليم النفط الذي يمثل الثروة الأساسية في العراق كبلد يعتمد على الإقتصاد الريعي إلى الشركات الإحتكارية البريطانية في أغلبه، وربط الدينار العراقي بالجنيه الإسترليني فأحكمت سيطرتها على الإقتصاد العراقي.

أسس البريطانيون الدولة العراقية الحديثة بضغط من التحالف الديني العشائري، لكنهم لم يفلحوا في إرساء قيم المجتمع السياسي المعاصر في العراق. فمثلما أهمل العثمانيون وضع العشائر واقتصروا على جباية الضرائب منها، تعامل البريطانيون معها كأمر واقع. وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في صهر الإنتماءات القبلية والطائفية في وعاء وطني واحد، وبهذا فالمشكلة العشائرية متشعبة وقديمة قدم تأسيس الدولة العراقية.

وقد إتضح لسلطة الإحتلال، فيما بعد، ضرر سياستهم هذه عند إندلاع ثورة العشرين. وهذا ما أكده فيليب آيرلاند في كتابه "العراق، دراسة في تطوره السياسي"، بأن الكثيرمن الشيوخ الذين شاركوا في الثورة العراقية الكبرى كانت خصومتهم موجهة نحو الشيوخ المقربين لسلطة الإحتلال أكثر مما كانت موجهة نحو سلطة الإحتلال. فهم قد وجدوا في الثورة أملاً يرفع عنهم كابوس أولئك الشيوخ وكابوس الحكومة التي تؤيدهم.

أبقت الدولة العراقية الحديثة الأنظمة والتشريعات التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية، في القانون الأساسي الذي صدر في 1925. ويمكن الرجوع إلى المادة 114، التي نصت على أن: "جميع البيانات والأنظمة والقوانين التي أصدرها القائد العام والمندوب السامي والتي أصدرتها حكومة الملك فيصل منذ 1914 تعد قوانين صحيحة من تاريخ تنفيذها".

 المجتمع العراقي لم يستفد من الإحتلال البريطاني في توسيع دائرة المدنية وتحديث العراق على غرار الدول المتقدمة بالحدود الممكنة. وذلك بسبب الموروث الثقافي الذي ورثناه من الدولة العثمانية، وصدى فتاوى الجهاد والشعارات الأيديولوجية. لقد تمادى الكثير من رؤساء العشائر في التدخل والتأثير بمسارات السياسة الحكومية، الكثير منها كانت بسبب المصالح الذاتية لشيوخ العشائر. هذه الحالة برهنت على تشتت الوحدة الوطنية لدى العشائر وغياب دوافع المواطنة التي زعزعت الإستقرار السياسي، مما ضيع فرص التطور الحضاري المدني للدولة. وبقيت السمة العامة للعشائر، بمختلف المراحل الزمنية، في إتجاه إنماء الروح العشائرية على حساب الروح الوطنية العراقية، أي تغليب الهُوِيَّة الفرعية على الهُوِيَّة الوطنية. عدا فترة إنحسار قصيرة في زمن الزعيم عبدالكريم قاسم الذي حدّ من النفوذ الإقطاعي بإصدار قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958، الذي قلص نفوذ الشيوخ والأعيان المستمد من ملكية الأرض.

 

د.  عبد الحسين صالح الطائي

...............

المراجع:

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج6، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- الحسني، عبدالرزاق: تاريخ العراق السياسي الحديث، الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، ج1، ط7، بغداد 2008.

- الفياض، د. عامر حسن، وحمادي، صفد عبدالعزيز، المواطنة وبناء الدولة المدنية الحديثة، في العهد الملكي مجلة المعهد، العدد 11، معهد العلمين للدراسات العليا، النجف 2017.

- وجدان فالح حسن: المواطنة ودورها في ترصين الوحدة الوطنية في العراق، مجلة دراسات إسلامية معاصرة، العدد السادس، السنة الثالثة، 2012.

 - كامل هادي الجباري: إشكاليات بناء الدولة، الدولة العراقية الأولى، مركز النور للدراسات، بتاريخ 19/09/2009.

- محمد عبدالرحمن عريف: السياسة البريطانية مع العشائر العراقية.. مقدمات ثورة العشرين، الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

رابط المقالة الأولى:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

رابط المقالة الثانية:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

 

 

ابراهيم أبراشبالرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على بداية ما تواترت وسائل الإعلام على نعته بـ (الربيع العربي) إلا أن فوضاه ما زالت مستمرة في تونس ومصر حيث كانت البداية والمراهنات الواعدة والتدخل الخارجي محدوداً، إلى اليمن وليبيا وسوريا حيث التدخل الخارجي الفج والمفضوح، كما أن الجدل والنقاش ما زال محتدماً ما إن كان ما يجري ثورات شعبية و ربيعاً عربياً أم مخططاً يندرج في سياق (الفوضى الخلاقة أو البناءة Creative Chaos التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس منذ 2005 في سياق مشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد؟.

لا نقلل من دوافع التحركات الشعبية في أيامها الأولى ولا في الأحزاب والقوى الوطنية التي شاركت فيها، كما لا نقلل من حجم المعاناة بسبب ممارسات أنظمة مستبِدة والحاجة الملحة للتغيير، إلا أن حجم وسرعة التدخل الغربي في مجرى الثورات العربية يؤكد أن الغرب لم يكن بعيداً عما يجري سواء من خلال التخطيط المُسبق موظِفاً شعار دمقرطة الشرق الأوسط ونشر الحريات وصناعة شرق أوسط جديد الخ، أو التدخل اللاحق كما جرى في ليبيا حيث قامت طائرات حلف الأطلسي باستهداف الجيش الليبي والرئيس القذافي مباشرة، أيضاُ من خلال تحريك الجماعات والدول التابعة للغرب كجماعات الإسلام السياسي وخصوصاً الإخوان المسلمين الذين كانوا يراقبون الوضع ويديرونه في البداية من مواقعهم ومراكزهم القيادية في عواصم الغرب، ومن بعض دول الخليج العربي وتركيا التي قدمت كل التسهيلات اللوجستية بالإضافة إلى تدخلها العسكري المباشر في سوريا والعراق وليبيا.

هذا التدخل الخارجي الفج اعترف به رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم آل ثاني في برنامج "الحقيقة" في تلفزيون قطر في أكتوبر 2017 حين اعترف أنه وفي السنوات الأولى للأحداث تم انفاق أكثر من 13 مليار دولار لإسقاط نظام الاسد ودعم المعارضة في ليبيا واليمن، وعن التدخل في سوريا تحديداً قال : " أي شيء يذهب إلى سوريا كان يتم عبر تركيا ويُنسَّق مع القوّات الأميركية وكان توزيع كل شيء يتمّ عن طريق القوات الأميركية والأتراك ونحن والأخوان في السعودية، كلهم موجودون عسكرياً في سوريا".

ربما يقول قائل كيف يُعقل أن هذا التحالف الكبير الذي تقوده أمريكا وهذه المليارات التي أنفِقت لم تستطع اسقاط نظام الأسد وتنهي الحروب المتواصلة حتى اليوم في اليمن وليبيا والعراق بحيث تستلم قوى المعارضة الديمقراطية المدعومة غربياً زمام الأمور؟ وهل استمرار الحروب الأهلية يعني فشل الغرب وحلفائه في تحقيق أهدافهم؟ وهل هناك فعلاً نظرية تسمى الفوضى الخلاقة؟.

نفس التساؤلات يمكن استحضارها عندما قامت قوات التحالف الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في بداية 1991 بحرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي وتم آنذاك تدمير الجزء الأكبر من الجيش العراقي وكان في استطاعة التحالف الاستمرار بالحرب واسقاط نظام صدام حسين ولكنه لم يفعل، وحتى بعد احتلال العراق 2003 وانهاء حكم صدام حسين استمرت الفوضى والحرب الأهلية إلى اليوم؟. ولا يخرج عن هذا السياق ما جرى ويجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث قام جيش الاحتلال الصهيوني بحصار قطاع غزة بعد سيطرة حركة حماس عليه في يونيو 2007 كما شنت ثلاثة حروب مدمرة على القطاع دون أن يصل الأمر لإعادة احتلال قطاع غزة وانهاء سلطة حماس ولا مساعدة السلطة على استعادة القطاع؟. أيضاً استمرار النزاع مع إيران دون الدخول في حرب مباشرة معها.

فهل كل هذا يعني فشل أمريكا والغرب وإسرائيل في تحقيق أهدافهم؟ أم أن هناك قراءة أخرى لكل ما يجري ملخصها أن استمرار الحروب الأهلية وحالة الفوضى والانقسام الفلسطيني وتجزئة دول المنطقة كان الهدف الرئيس لأمريكا وتحالف الثورات المضادة ؟ وبالتالي فإن أمريكا وحلفاءها لم يفشلوا بل يحققون أهدافهم كما خططوا لها .

في محاولة لفهم ما يجري في المنطقة العربية وما سيكون عليه الحال في عهد الرئيس جو بايدن الذي يبدو أنه سيُحيي ويجدد سياسة الفوضى الخلاقة، يجب معرفة ما طرأ على الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في العقود الأخيرة حيث تم اعتماد ما يسمى (الجيل الرابع من الحروب (Fourth-generation warfare. وذلك بعد صدور كتاب بهذا الاسم عام 1989 للمؤلف الأمريكي وليام ليند William S. Lind، ومن بعده شاع المصطلح وتعددت الكتابات عنه، ويمكن تعريف هذه الحرب بأنها تجاوز للأشكال أو الأجيال الثلاثة السابقة للحروب إلى نوع جديد تتميز بأنها حروب بالإكراه تهدف إلى إفشال الدولة القومية المستهدفة وزعزعة استقرارها وإفقادها سيطرتها شبه الكاملة على القوات العسكرية وعودة أنماط الصراعات التقليدية من طائفية ومذهبية وقبلية، ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الامريكية، وفي هذا الواقع الجديد يصبح المواطنون مرتزقة عند عدوهم أي أمريكا أو من يدير هذه الحرب.

كان البروفسور “ماكس مانوارينج” MaxG.Manwaring أستاذ و باحث في الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات الاستراتيجية والعسكرية التابع للجيش الأمريكي أهم من تحدث عن هذا النوع من الحروب وكانت غالبية محاضراته مغلفة وقاصرة على القيادات العسكرية والأمنية الأمريكية والإسرائيلية ، إلا أن مضامينها تم تسريبها ومنها المحاضرة التي ألقاها في إسرائيل في الأول من ديسمبر 2018 أمام عدد من كبار الضباط من حلف الناتو والجيش الصهيوني، حيث وضح أهداف الجيل الرابع من الحرب وملخصها كما قال “ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو الإنهاك، التآكل البطيء، لكن بثبات..!فهدفنا هو إرغام العدو على الرضوخ لإرادتنا... الهدف زعزعة الاستقرار، وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة العدو لخلق الدولة الفاشلة، وهنا نستطيع التحكم، وهذه العملية تنفذ بخطوات ببطء وهدوء وباستخدام مواطني دولة العدو" .

أما لماذا لا يتم الانهيار السريع بدل التآكل الهادئ والبطيء؟ لأن التآكل البطيء يعني خراب متدرج للمدن، وتحويل الناس الى قطعان هائمة وشل قدرة البلد العدو على تلبية الحاجات الاساسية، بل تحويل نقص هذه الحاجات الى وجه آخر من وجوه الحرب، وهو عمل مدروس ومنظم بدقة..!!

خلاصة حروب الجيل الرابع أو ما يُطلق عليها أيضاً الحرب غير المتماثلة Asymmetric Warfare فصلتها بشكل أشمل النسخة الإنكليزية من موسوعة Wikipediaحيث ذكرت بأنها تتميز عن الحروب السابقة ببعض أو كل العناصر أدناه :"

1- مُعقّدة وطويلة الأجل.

2- تستخدم الإرهاب.

3- لا تستند إلى قاعدة وطنية، فهي متعددة الجنسيات وغير مركزية.

4- تشهد هجوماً مباشراً على المبادئ والمثل العليا الأساسية للعدو.

5- حرب نفسية متطورة ومعقدة للغاية، لا سيما من خلال التضليل الإعلامي وشن حرب قانونية.

6- استخدام جميع الضغوط المتاحة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً.

7- عدم وجود تسلسل هرمي.

8- تعتمد على عمليات صغيرة الحجم وشبكة ممتدة من الاتصالات والدعم المالي.

9- استخدام حركات التمرَّد وتكتيكات حرب العصابات."

هذا التحول في مفهوم واستراتيجية الحرب يكمن في جوهر الفوضى الخلاقة أو البناءة التي قررت الإدارة الامريكية تبنيها للتعامل مع منطقة الشرق الأوسط مع حرب الخليج الثانية ثم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

 

إن من يتمعن بتفاصيل وعناصر ما يجري في المنطقة العربية منذ حرب الخليج الثانية وفي ظل ما يسمى بالربيع العربي وما جرى ويجري في العراق ومناطق السلطة الفلسطينية سيجد إجابة عن كل التساؤلات التي سبق أن أشرنا إليها. الجيل الرابع من الحرب هو الوجه الآخر أو التطبيق العملي لسياسة الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها كونداليزا رايس عندما أشارت إلى أن هدف الولايات المتحدة هو تفكيك الشرق الأوسط وإعادة تركيبه من جديد بما يشمل إسرائيل – وهو ما جرى مع التطبيع الأخير- وبما لا يتعارض من المصالح الامريكية.

الولايات المتحدة وإسرائيل ومن يتم توظيفهم من حلفاء لم يكونوا يستهدفون زعيماً عربياً بعينه أو دولة عربية محددة بسبب غياب الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان، بل الأمة العربية ومشروعها القومي وإمكانية نهضتها وتوحدها، وبالتالي فإن العدو أو الخصم الذي يجب تدميره وتفكيكه هو الأمة العربية والزعماء والدول الذين يمكنهم أن يشكلوا قاعدة منطلق لنهضة الأمة العربية .

ما يؤكد نجاح أدوات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لتحقق أهدافها من خلال تطبيق الجيل الرابع من الحرب نلمسه من خلال مقارنة ما ورد حول أهداف هذه الحرب مع نتائج فوضى الربيع العربي حيث آل (الربيع العربي) إلى:

1- إثارة النعرات الطائفية والعرقية والمناطقية

2- صعود جماعات الإسلام السياسي المتطرفة وتراجع القوى المدنية والديمقراطية .

3- تهديد وتفكيك الدولة الوطنية وما تم مراكمته من انجازات تم تحقبقها بمعاناة ونضالات الشعب.

4- انهيار الروابط القومية العربية أو ما يسمى المشروع القومي العربي.

5- تراجع مسار الانتقال الديمقراطي السلمي .

6- تدخل دول الجوار وخصوصا تركيا وإيران والكيان الصهيوني.

7- تزايد النفوذ الغربي والروسي.

8- استنزاف الثروات والمقدرات المالية العربية.

9- تغُّول إسرائيل وغياب أية مصادر تهددها.

10- تحويل دول ما يسمى الربيع العربي إلى دول فاشلة.

 وأخيراً فإن ما صدر من تصريحات عن الرئيس الأمريكي بايدن وفريقه تجاه المنطقة يؤشر إلى العودة لتوظيف الجيل الرابع من الحرب أو الفوضى الخلاقة تحت شعار الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان أو حل الدولتين بالنسبة للقضية الفلسطينية، ولا يوجد لدى الإدارة الأمريكية الجديدة أية نية أو توجه لحل مشاكل دول المنطقة بل إدارة للصراعات والحروب .

 

إبراهيم أبراش

 

 

كاظم الموسويمن مراسلات بين الراحل (الجورنالجي) الاستاذ محمد حسنين هيكل (ت2016/2/17) والسير ستيفن رانسيمان، أستاذ التاريخ، (الاشهر الذي حقق لنفسه مكانة فريدة، حين جلس على كرسي التاريخ في جامعة كامبردج، وفي جامعة أوكسفورد، رغم المنافسة التقليدية بين الجامعتين، كما وصفه هيكل). خطاب نشره هيكل في تقديمه لكتابه؛ الانفجار عام 1967، وفيه أشار السير، بعد قراءة اول كتاب من مجموعة "حرب الثلاثين سنة" لهيكل، وارسل الخطاب مع السفير اللبناني في لندن، نديم دمشقية، صديق الشخصيتين، اشار الى إعجابه بمؤلف هيكل، وكتب فيه: "عزيزي... لقد فرغت قبل  أيام من قراءة كتابك الأخير وكنت ابحث عن وسيلة اتصل بك، ولسعادتي  قابلت السفير دمشقية ومن خلال حديثي معه، عرفت انكما اصدقاء، وقد بعثت إليك معه بكتابي عن الحروب الصليبية ولست اعرف اذا كنت اطلعت عليه، فإذا كان الأمر كذلك فلا اظنك تمانع ان تكون لديك نسخة مكررة منه، كتب لك مؤلفه عليها، اهداء بخطه.. انني قرأت كتابك وتصورت كم كان يمكن أن يختلف  كتابي، وكتب كثيرين من الذين عانوا  كتابة التاريخ غيري. لو انه اتيحت لنا جميعاً رواية شاهد عيان عاش وقائع الأحداث التي نتعرض لها ثم فعل مثلما فعلت انت وسجل لنا ما رأى.

ولا اخفي عليك أنني احسدك على تجربتك التي اعطتك الفرصة لتعيش التاريخ وتكتب عنه أيضا.

هناك قول شائع لعلك تتذكره، وهو يقول، أن التاريخ له آذان، ولكن ليس له عيون، بمعنى أننا نسمع روايات عما جرى من وقائعه منقولة لنا بالسماع والتواتر عن هذا أو ذلك. من الناس، ومعظمها مكتوبة باثر رجعي يخلط الوهم بالحقيقة إلى درجة تتركنا مع نوع من الفولكلور الاسطوري يعذبنا كثيرا فرزه، اذا كان ذلك الفرز ممكنا على الاطلاق، وصحيح اننا نصادف في بعض المرات وثائق مكتوبة، ولكننا نجد أنفسنا حائرين أمامها لا نستطيع أن نقدر بالضبط أصالتها وظروفها ومدى تعبير ما فيها عن الواقع كما جرى. ولقد كان ما أثار اهتمامي في تجربتك هو أن التاريخ عندك له آذان، وله ايضا عيون، وهذه تجربة اتمنى لو ناقشتها معك اذا خطر لك يوما أن تعود إلى أكسفورد..".

ولا يمكن إلا أن يرد عليه الاستاذ هيكل برسالة شكر وتقدير، وهو يرى ان الشكر فيها على فضل السير جاء في ثلاثة افضال في آن معا، كما عبّر الاستاذ، فضل أنه قرأ ما كتب، وفضل أنه بادر إلى الاتصال، وفضل أنه أهداه عمله الضخم عن الحروب الصليبية. وكتب في الرد: "انك تكرمت فنسبت ما اكتبه إلى "علم التاريخ"، وهذا شرف، لا اظنني استحقه. فقد كنت وما ازال حتى الآن كاتبا وصحفيا همومه كلها في الحاضر والمستقبل، وليست في الأمس وما قبله، ومن ثم فهو قاريء للتاريخ وليس كاتبا له.

وانت تعرف اكثر مني الف مرة أن التاريخ حي في الحاضر ومؤثر في المستقبل. وفي نفس الوقت فإن الماضي نفسه مفتوح، رغم مرور الحقب والقرون، لرؤى الحاضر والمستقبل. فانتم في الغرب مثلا رجعتم إلى إعادة تفسير الماضي بل وإعادة بنائه مرات متكررة على ضوء منظورات لاحقة ومستجدة.

وواصل الاستاذ هيكل رسالته: وهكذا عاش هذا الماضي مرة أخرى في الحاضر والمستقبل. بمقدار ما أن الحاضر والمستقبل كانا يعيشان في الماضي.

أن العودة إلى التاريخ من منظور جديد تجربة جرت عندكم، ومازالت تجري، وسوف تظل جارية طالما هناك فكر إنساني واثق من حريته مهتد بعقله، وأما في العالم الثالث، ونحن فيه، فإن التعرض للتاريخ حكاية مختلفة.

وعرج الاستاذ الى ما يعانيه المؤرخ من مؤثرات ومن صراع ضد قوى السيطرة والتخلف التي تتحكم في تاريخنا الحديث. مؤكدا له : أن الصراع على "الشرق الأوسط" وفيه مازال مستمرا وقصته مفتوحة. هي بعد نوع من التاريخ السائل لم يتماسك، وبالتالي يمكن التعرض له بتحويل أو تعطيل مجراه، أو تغيير مادته وشكله ولونه.(....)

وهنا تشتد الحاجة إلى محاولة قراءة التاريخ اكثر من مما تشتد الحاجة إلى محاولة كتابته.

وانتهى إلى: هكذا فإن قصارى ما اطمح إليه مما اكتبه عن، حرب الثلاثين سنة، الحرب المستمرة الى الان، هو المشاركة مع كثيرين غيري في تنشيط ذاكرة أمة. ونحن جميعا نفعل ذلك عن إعتقاد بأن الذاكرة هي اكبر محرض على الفعل.

وختام الخطاب تركيز على أهمية الحفاظ على ذاكرة الأمة وسبل النهوض في الحاضر والمستقبل وهي المهمة والأهمية التي تولاها ككاتب وقاريء للتاريخ، للامس والحاضر وما بعد. وفي المراسلات هذه واضح قيمة الحوار والمحتوى وأهمية التراسل والتواصل الثقافي. ففيه اعتراف بقدر الشخصية وقدرة المؤلف، ومقدار الكتاب، وما بذل من جهد وما سطر من صفحات وما نشر في كتب، رغم كل التواضع والاحترام والتقدير للجهود والأعمال والأهداف.

في هذه المراسلات بين شخصيتين مرموقين، إضافة إلى النص والاتصال فيها أو الأسباب التي فعلتها أو حفزتها دروس في الأخلاق والقيم ودلالات في معنى أن يضع الباحث، العربي والاجنبي، نصب عينيه ما ينفع الناس من كنوز معرفة ومصداقية احداث واخبار وعبر تاريخ مازالت تعيش بيننا، كبشر على هذه المعمورة. ومهما اختلف أو اتفق مع الآراء أو التوجهات الا ان ما يخلص إليه في النهاية، في كل جهود واعمال، أو إلى اين يصب مجراه هو الأهم وهو الباقي في السجلات والذاكرة. ولعل ما نشر من وثائق وصفحات لم تتيسر لغير الاستاذ، مثلا، وبدونه لضاعت او أهملت على الرفوف كما حاصل مع غيرها الكثير وكما اريد لها أن تبعد أو تغيب عن ذاكرة اهلها وحقهم فيها. ليكون فعلا ليس آذان التاريخ وحدها فقط، بل وعيونه ايضا، وتلك شهادة احترام تقدر.

 

كاظم الموسوي

 

 

عباس علي مرادحسب دراسة لمكتب الإحصاء الأسترالي عن السلامة الشخصية في البلاد اجريت عام 2016، وجدت هذه الدراسة أن  148,000 امرأة و57,200 رجل تعرضوا لإعتداءات جنسية بشكل أو بآخر، وان معظم هذه الإعتداءات لم يتم إخبار البوليس بها، ومن أهم الأسباب لعدم تبليغ الشرطة هو الخوف من عدم تصديق أصحاب الشكوى. 

عقب ظهور الموظفة السابقة في مكتب وزيرة الدفاع  برينتي هيكنز على القناة العاشرة وزعمها أنها تعرضت لعملية اغتصاب من قبل زميل لها بعد ان احتسيا المشروبات الروحية  في إحدى الحانات قبل العودة إلى مكتب وزيرة الدفاع ليندا رينولد حيث تمت عملية الإغتصاب المزعومة (أذار عام 2019) وكانت رينولد تشغل أنذاك منصب وزيرة الصناعات الدفاعية.

على أثر انتشار الخبر طغت أخبار قضايا الإغتصاب والتحرش الجنسي على ما عداها، وادخلت الحكومة الفيدرالية في أزمة قد لا تنتهي من دون تدحرج بعض الرؤوس المسؤولة والتي لم تعالج المسألة او لم تأخذها على محمل الجد.

رئيس الوزراء سكوت موريسن نفسه يقول انه لم يعلم بالقضية الا بعد ظهورها إلى الإعلام في 15 شباط ،2021 مع انه اصبح مؤكداً ان وزيرة الدفاع ووزير الداخلية وبعض موظفي مكتب رئيس الوزراء كانوا على إطلاع على تفاصيل الحادثة ولم يبلغوا رئيس الوزراء وكل منهم لسبب مختلف!

حزب العمال من  جهته سخر من مقولة موريسن انه لم يعلم سابقا بالقضية ولكن ليس لدى الحزب أي دليل على عدم صحة كلام موريسن.

تقول وزيرة الدفاع ليندا رينولد أنها لم تبلغ رئيس الوزراء بالقصة وذلك من اجل المحافظة على الخصوصية وقالت انها حاولت مساعدة هيكنز إذا ما ارادت ان تتقدم بشكوى للشرطة.

هناك من يعتقد انه تم التعامل مع قضية هكينز على انها اختراق أمني وليست جريمة اغتصاب، كأنها محاولة للفلفة القضية رغم انه تم تنظيف مكتب الوزيرة بالبخار مكان وقوع الجريمة المزعومة.

وزير الداخلية بيتر داتون يقول انه قيّم الموضوع  ولم يريد ان يدخل في مسألة هو قال وهي قالت، ولم يجد من الضرورة ان يبلغ رئيس الوزراء مباشرة بالأمر لأنها مسألة حساسة وإجرائية ولا يريد التدخل في عمل الشرطة الفيدرالية التي تخضع لأمرته !

الإغتصاب جريمة يعاقب عليها القانون فكيف إذا وقعت هكذا جريمة داخل البرلمان وبمسافة تبعد عشرات الامتار فقط عن مكتب رئيس الوزراء!

السؤال الرئيسي والبديهي الذي يطرح نفسه وبقوة، اذا كان ليس من المهم ان يطلع رئيس الوزراء على المشاكل بسبب الخصوصية او الحساسية  أو لأي سبب آخر مهما صغر او عظم هذا السبب،  فكيف سيدير رئيس الوزراء البلاد؟!

والأنكى من ذلك، ان رئيس الوزراء دافع عن تصرفات وزير داخليته، علماً ان موريسن كان قد وبّخ وزيرة الدفاع بقوة لأنه كان يجب عليها ابلاغه بعملية الإغتصاب المزعوم.

اولاً، نحن كمواطنون من حقنا ان نعرف أين هي الحقيقة ومن كان يعرف وماذا كان يعرف ومتى عرف ولماذا لم يبلغ السلطات المختصة.

ثانياً، هل كان علينا ان ننتظر مفوّض الشرطة الفيدرالية ريس كيرشو ليذكّر نواب الأمة وحكومتها بالإبلاغ مباشرة عن أي قضية حتى يتمكن من إجراء التحقيقات اللازمة قبل ضياع الأدلة!

ثالثاً، لماذا على الموظفين الذين يتعرضون لهكذا اعتداءات الخوف من تبليغ الشرطة وذلك من اجل المحافظة على وظيفتهم. هذا هو السبب الذي تحدثت عنه هيكنز.

رابعاً، على السياسيين الكفّ عن تسييس هكذا قضايا من أجل تحقيق مكاسب سياسية على حساب معاناة المواطنين وأمنهم الإجتماعي والنفسي، لأن كل الأحزاب لها مشاكلها الخاصة. هذا ما أظهره استطلاع نقابي لما يقرب من 100 موظف سياسي من مختلف الأطياف السياسية في ديسمبر أن واحدًا من كل ثمانية قد تعرض للتحرش الجنسي أو الإعتداء في مكان العمل في العام الماضي.

خامساً، اذا كانت هكذا جرائم منتشرة بهذه النسب العالية كما تقدم في دراسة مكتب الإحصاء، لماذا لم تبادر الحكومات المتعاقبة على الحد منها ان لم نقل إستئصالها؟

رئيس الوزراء بادر إلى تشكيل أربع لجان لدراسة الموضوع ولكن النائبة مادلين كينغ من حزب العمال طالبت بمراجعة مستقلة لثقافة مكان العمل في البرلمان التي أعلن عنها السيد موريسون، وطالبت بتوسيع عمل اللجنة للنظر في التهديدات التي تواجه النواب وموظفيهم من قبل الجمهور.

مع الإعلان عن المزيد من حالات الإغتصاب يبقى السؤال من سيكون كبش الفداء الحكومي لوضع حد لتفاقم الأزمة التي وبدون أدنى شك سوف تؤثر على شعبية الحكومة ورئيسها الذي يحتفظ بشعبية عالية على خلفية معالجته ازمة كوفيد 19.

ولكن بنظر المواطنيين، هذا يوم أخر وموضوع لا يقل أهمية عن وباء كورونا خصوصاً بعد مزاعم إغتصاب جديدة يعود تاريخها لعام 1988تطال وزير في حكومة موريسن والتي تسربت أخبارها بعد ان ارسلت رسائل من جهة مجهولة الى كل من رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية في حكومة الظل (حزب العمال) باني وونغ والنائبة من حزب الخضر سارة هانسون يانغ.

يشار الى ان الضحية البالغة من العمر 49 عاماً انتحرت السنة الماضية.

فهل يقدم رئيس الوزراء على تعديل حكومي ويطيح بوزيرة دفاعه التي تواجه انتقادات من زملائها الذين تكلموا بشرط عدم الإفصاح عن أسمائهم كما سربت الصحافة.

وحسب الصحفيتان روزي لويس (صحيفة الاستراليان) ولاناي سكار(وست أستراليان) قالتا على برنامج انسايدر الذي يقدمه ديفيد سبييرز على تلفزيون أي بي سي 28/2/2021  ان بعض زملاء وزيرة الدفاع يقولون اذا لم تستطع الوزيرة مواجهة نادي الصحافة فكيف لها ان تتخذ قررات على مستوى الاجهزة الامنية  وزارة الدفاع التي تأتمربأمرتها كارسال الجنود الى المعركة.

والجدير ذكره ان الوزيرة رينولد كانت قد دخلت الى المستشفى الاربعاء 24/2/2021 بعد نصيحة الاطباء لها بسبب معاناتها من مرض القلب وكان من المفترض ان تحاضر في نادي الصحافة ذلك اليوم وتجيب على أسئلة الصحافيين حول قضية الاغتصاب المزعوم لبريتني هيكنز.  

أخيراً، يجب وضع حد لثقافة التحرش والإستقواء والتنمّر ولثقافة لوم الضحايا ووضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها.

 

عباس علي مراد

         

 

مصدق الحبيبالكلبتوقراطية  Kleptocracy هي سلطة اللصوص وحكومة الفاسدين والمفسدين التي تقوم بشكل اساسي على سرقة اموال الشعب واستنزاف الثروة الوطنية من اجل الاغراض والمنافع الشخصية لافرادها. وهذا ما يؤدي الى تراكم الثروات الفردية واستحداث طبقة اجتماعية جديدة متميزة بثرائها المغتصب مما يثبت دعائم الهيمنة الاقتصادية ويقوي النفوذ السياسي في البلاد.

والمصطلح المركب يعود لأصله الاغريقي حيث Kleptes  تعني لص وKratia تعني سلطة او نظام. على ان من الضروري تمييز النظام الكلبتوقراطي عن النظام الپلوتوقراطي Plutocracy  الذي تؤسسه طبقة الاغنياء، أي اولئك الذين اغنوا قبل استلامهم السلطة. وهذا النظام يقوم على التأثير الحاسم للقوى المتميزة بثرائها ونفوذها السابقين لتكوين النظام. كما ينبغي تمييز الكلبتوقراطية ايضا عن النظام الأوليگاركي  Oligarchy الذي تقوم فيه الحكومة على سلطة القوى المؤثرة اجتماعيا، ليس فقط على اساس الغنى والثروة التي تملكها انما ايضا على اسس مؤثرة اخرى كالجاه والانتماء العشائري والتأريخ العسكري والمنزلة الدينية.

يستمد النظام الكلبتوقراطي هيمنته وديمومته من اشاعة الفساد الاداري والسماح لاعوانه باستخدامه كماكنة لانتاج الثروة الفردية عن طريق الخداع والدجل والرشاوي والاختلاس وغسيل الاموال وحصر المقاولات بأيدي معروفة قليلة وتلفيق العقود واتخام الحسابات الاجنبية بالودائع الشخصية وتزوير الشهادات وحصر النشاطات الاقتصادية المربحة بشركات قليلة تسمح بتضخيم وصولات الكلف ومستندات الخدمات من أجل ادخال هامش متفق عليه لعملائها في الدولة والقفز على نظم وضوابط المزايدات والمناقصات التجارية.

كما تستمد السلطة الكلبتوقراطية هيمنتها عن طريق سلطة البنوك المالية والتلاعب بقيم العملات ومعاملات الاستيراد والتصدير. ولاشك فان كل ذلك يتطلب وقوف سلطة القانون الى جانب من يدير دفة البلاد وسن التشريعات وتنفيذها بما يخدم تلك النوايا والاغراض وتحجيم او الغاء دور الرقابة المالية والاداريةوغض النظر عن كل الجرائم والتجاوزات.

تنتعش الكلبتوقراطية عادة في الدول المنهارة بعد الحروب او بعد تغيير انظمتها السياسية وخاصة تلك الدول التي تمتاز باقتصاداتها الريعية التي يسهل فيها استنزاف الموارد الوطنية عن طريق السيطرة الحكومية الكاملة على انشطتها الاقتصادية وهياكلها الاجتماعية . وغالبا ماتتحول هذه البلدان الى مايشبه واحات سخية للنهب والفرهود كما يصفها المصطلح الالماني Roubwirtschaft . واشد ما يشرعن نهب الثروة الوطنية هو الدعاوى الزائفة للخصخصة وتفكيك القاعدة الصناعية والبنى التحتية في البلاد تحت حجج الاعمار ومن ثم توزيعها كحصص سكراب على تلك الايادي الامينة للنظام وتعطيل القدرات الاقتصادية الوطنية وتهيئة الفرصة للاعتماد شبه الكامل على القروض الخارجية، والاعتماد على قطاع الاستيراد لاغراق الاسواق بالسلع المستوردة من اجل ابهار المستهلك واستحصال رضاه. وطبيعي فإن الاستيراد هو القطاع المناسب للابتزاز والاجازة الذهبية للفوز بالغنائم. 2255 بسام فرج وضياء الحجار

اللوحتان للفنانين بسام فرج وضياء الحجار

مصدق الحبيب