 آراء

المناضلون بين قسوة الأنظمه وتنكر الجمهور

اياد الزهيرييروي الجبرتي وهو مؤرخ مصري عن المناضل الوطني المصري محمد كريم حادثة ألقاء القبض عليه من قِبل الجيش الفرنسي بقيادة نابليون، وحُكم عليه بالأعدام بدعوى أنه كان السبب بقتل مجموعه من جنود الجيش الفرنسي المحتل، والرجل بالحقيقه كان يقود مجموعه شعبيه مقاومه للأحتلال الفرنسي، ولكن عند القبض عليه، وبعد أصدار الحكم عليه بالأعدام، أتوا به الى نابليون حيث قال له يعز عليَّ أن أعدم رجل دافع عن بلاده ببساله، ولا أُريد أن يذكرني التاريخ بأنني أعدم أبطال يدافعون عن أوطانهم، ولذلك سوف أعفو عنك مقابل عشرة آلاف قطعه من ذهب تعويضاً عن عدد الجنود الذين قتلتهم، فقال له محمد كريم ليس معي هذا المال، ولكني أَدين مجموعه من التجار بمبلغ أكثر منه، فأعطاه نابليون مهله أن يذهب ويجمع المال وهو مصفد بالأغلال يحدوه الأمل أن يتمكن من جمع المال من الذين ضحى من أجلهم من أبناء وطنه، ولكن للأسف لم يستجب تاجر واحد لطلبه، بل بدل من التعاطف معه، أتهموه بأنه كان السبب بدمار الأسكندريه، وتدهور الأحوال الأقتصاديه للمدينه، بسبب مقاومته لجيش نابليون، فرجع الرجل خالي الوفاض الى نابليون من دون أن يجمع شيئاً، فقال له نابليون، ليس أمامي الا أن أعدمك، ليس لأنك قاومتنا، وقتلت جنودنا، بل لأنك دفعت بحياتك مقابل أناس جبناء تشغلهم تجارتهم، ولا معنى لديهم عن حرية الأوطان، وفعلاً أُعدم في ميدان القلعه عام 1798م . طبعاً هناك من يشكك بهذه الروايه ولكني وجدت ما يماثلها أيضاً في مصر مع شخصيه أخرى وهو مصطفى البشتيلي، وهو أيضاً ممن قاوم الأحتلال الفرنسي لمصر وقد أُمسك به من قِبل جنود الجنرال الفرنسي كليبر، ولكن هذا الجنرال أراد أن لا تتلطخ يده بدمه، فعمل على وضعه على حمار بشكل معكوس والمرور به بطرق وأزقة مدينته فأخذ الناس يبصقون عليه ويرموه بالحجاره، ويضربوه بأيديهم، حتى تجمعوا عليه وأبرحوه ضرباً ففارق الحياة . هذا مثل عربي، وهناك مثل أخر عالمي، ألا وهو ما تعرض له المناضل الأرجنتيتي تشي جيفارا عندما وشى فيه راعي الأغنام الذي كان جيفارا يقاتل من أجل تحريره، ورفع الظلم والحيف عنه، وذلك بتخليصه من نظام عسكري دكتاتوري، وأُعدم الرجل، وبعد أعدامه سُئل الراعي لماذا أوشيت بجيفارا،قال لأنه كان يروع أغنامي . هكذا كان مصير المناضلين مع شعوب لم تقدر تضحياتهم، ولم تستوعب أهدافهم وتثمن جهودهم، وهذا ما حدى بالمفكر والمصلح المصري (محمد رشيد رضا) بقوله (الثائر لأجل مجتمع جاهل، هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير). أن ذكري لهكذا أمثله ليس هدفه أحباط الأخرين، والتقليل من العزائم في مقاومة الأنظمه الدكتاتوريه والقوى المحتله، ولكن لتبيان أثر الأكثريه عندما تتخاذل، وتتصف بعدم المسؤوليه أتجاه أوطانها، وتركها للمناضلين من أبناءها وحدهم بالساحه يواجهون الموت والأضطهاد من قبل الطغاة، هذا الأمر يذكرني أنا شخصياً عندما خرجنا في أنتفاضة 1991م ضد النظام الصدامي، وعندما أتفق التحالف مع النظام على ضرب الأنتفاضه الشعبانيه، ولم يبقى من العتاد لدى المجاهدين لمقاومة جيش النظام خرجنا الى الصحراء وأنا أسمع من ورائي من يشتمنا ويسمعنا من الكلمات التي أترفع عن ذكرها هنا في هذا المقام من قِبل بعض الأهالي، وكان هناك من يعطي أحداثيات للجيش لضربنا بالمدفعيه ونحن في طريق أنسحابنا بأتجاه صحراء السماوه، كما يمكننا الأستعانه بالتاريخ القريب، وهو حادثة أعدام الفيلسوف الأسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر عام 1980م، وكيف كان الشارع العراقي متخاذلاً عن نصرته الا ثله قليله جداُ في بعض محافظات الوسط والجنوب، والذين أيضاً تعرضوا للأعدام والسجن الطويل، وكان ذلك بمساعدة من أوشى بأسماءهم من أبناء مدنهم ومناطقهم، وقد كشفت سجلات الأمن الكثير من الأسماء المتعاونه مع النظام البعثي الأجرامي أثر هروب أجهزة أمن النظام في الأنتفاضه الشعبانيه . أن ذكر هذه الأحداث المؤلمه ليس القصد منها التيئيس ولا التحبيط ولكن من باب دراسة الواقع، وممارسة الموضوعيه في بحثه، وأستنتاج العبر والدروس التي تنهض بالواقع، وعدم تكرار الأخطاء السابقه، كما نسعى لألفات النظر لخطورة عدم الشعور بالمسؤوليه، والتي كانت ومازالت سمه واضحه في سلوك شعوبنا العربيه، وشعبنا العراقي بشكل خاص . أن ظاهرة اللاأباليه، هي السبب الرئيس في جثوم الأنظمه الدكتاتوريه على صدور شعوبنا، وهي العامل الرئيسي في عدم تقدمنا على جميع الأصعده. كما لا يمكننا القول أن ما ذكرناه من ظاهرة عدم المبالاة تمثل حاله كليه، لأن هناك من عبر عن صور رائعه من الود والأحترام، وتقديم المساعده لعوائل المجاهدين، ولكن تبقى للأسف ظاهره ليست بالحجم الذي يعتد به، وليست ذات أثر أجتماعي بين، وهذا هو ما سبب الكثير من الأحباط والشعور باللاجدوى لدى الكثير من الناس، وخاصه الطبقه المجاهده والمثقفه في المجتمع، وأن من دواعي الأسف ما نلمسه من عدم الأحتفاء بذكر الشهداء، وعدم ذكر مآثرهم، وما حادثة الأعتراض على تشيع الشهيد المهندس في مدينة الناصريه من قبل بعض الفئات الا شاهد حي على ذلك، بل وتمثل نكوصاً خطيراً في سلم القيم الرفيعه . لقد ألتفت المحتل الأمريكي الى هذه الظاهره، وعمل على ترسيخها، بل وأستثمارها الى أقصى طاقاتها، والعمل على تحطيم كل القيم المتعاليه، وتكبير الفجوه بين القيادات الوطنيه والدينيه والجمهور لكي لا تُشكل جبهه كبيره وقويه لمقاومة المحتل وطرده من البلد.

خلاصة القول، أن ما تقدم من سرد لحالات وظواهر سلبيه مررنا بها، وعلينا الأقرار بحصولها، وأنها جزء من واقعنا، والتي علينا أنكارها، بل وشجبها، ولكن هذا لا يكفي، بل علينا العمل على تغيرها، وتصحيح أخطاءنا، فهو الطريق الأمثل للأنتقال الى حاله أكثر تقدم وأفضل حال، وأن نربي شعوبنا على تحمل المسؤوليه، وأن كل ممتلكات البلد هي ممتلكاتنا جميعاً، وأن الحاق الضرر بها، هو ضرر لنا جميعاً، وأن نتربى على أن السجناء السياسيون هم أناس مضحون يستحقون كل التشجيع والتكريم من أبناء وطنهم، لا أن يعتبروا تضحياتهم، فيما تعرضوا له من سجن وتعذيب وأعدام مسأله فرديه، والسجين والمعدوم هو وحده من يتحمل التبعات وأسرته وحدها من تتحمل الأعباء، وهذا من أخطر مظاهر عدم المسؤوليه، ليس عيباً أن نتعلم الشعور بالمسؤوليه من الفرد الياباني الذي حَمَّل المسؤوليه في هزيمة اليابان في الحرب العالميه الثانيه على قادتهم العسكريون، وأن أخطاءهم في دخول حروب عديده في أحتلال دول مجاوره هو السبب الحقيقي في دمار اليابان وأذلال شعبه، وأن ما لحق باليابان من دمار وما تعرضت له من ضربات ذريه، هو بالحقيقه كانت أخطاء يابانيه قبل أن تكون أمريكيه، فالأعتراف بالخطأ وتصحيحه، هو من أنقذ اليابان وسبب نهوضه، والباعث على تقدمه.

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5248 المصادف: 2021-01-17 01:54:55