 آراء

نهاية ترامب.. بداية لأمريكا أخرى

عبد السلام فاروقذهَب ترامب.. وانتهى عصر الحقبة الترامبية الطويلة على قصرها..

وماذا يضيرنا نحن؟.. دعونا نقول قولة العقل: (مات الملك عاش الملك)، وننصرف لمصالحنا. مصلحتنا لم تكن مع مسئول أمريكي بل مع أمريكا. وأمريكا كدولة أكبر من مجرد شخص سوف تحكمه سياسات وقوانين.

تداعيات واقعة الكابيتول

يوم واحد كان كافياً ليغير التاريخ..

إنها أحداث 24ساعة تبدَّل فيها كل شئ فى أمريكا مع الحدث الهائل والصادم: (متمردون أمريكيون يقتحمون الكونجرس)، كيف لو قيل لك منذ 3 شهور فقط أنك توشك أن تقرأ مانشيت كهذا؟ ذاك أمر يتجاوز أقصى خيال أعداء أمريكا!

وها هى التداعيات تترى تباعاً: ترامب انتهى سياسياً وتنتظره محاكمات بلا نهاية، ونواب الحزب الجمهورى سارعوا بالتبرؤ من اللعنة الترامبية لإنقاذ الحزب، ومساعدو ترامب قفزوا من يخته الغارق، وموقع تويتر أوقف حساب ترامب وحملته الإنتخابية لمنعه من التواصل مع أنصاره الذين أصابتهم عدوى التهور.

واقعة الأربعاء الأسود بالكونجرس هى حادثة فاصلة فى التاريخ الأمريكي المعاصر. وردود الأفعال ما زالت ساخنة فى أمريكا وخارجها: نانسي بيلوسي رئيسة البرلمان هددت نائب الرئيس مايك بنس إن لم يتحرك لاستخدام تعديل المادة 25 من الدستور لعزل ترامب فسوف تتحرك هى لمحاكمته برلمانياً!  زعيم الأقلية الجمهورية حذر من مغبة الانقسام المجتمعى لو تمت محاكمة ترامب قبل حفل التنصيب. السياسيون ضغطوا على ترامب لدفعه للاستقالة. وهناك 12 مليون عامل أمريكى طالبوا من خلال نقاباتهم باستقالة ترامب أو عزله فوراً.

خارج أمريكا حالة من الذهول عمت أرجاء المعمورة: قادة أوروبا فغروا أفواههم وتساءلوا عن المشاهد الغريبة فى أمريكا نموذج الديمقراطية الأمثل، كيف تم تدمير صنم الديمقراطية بها بتلك البساطة والغرابة؟ جمهوريات الموز شامتة ، وشعوب العالَم مذهولة مما رأته يجرى فى أرض الأحلام.

رؤساء أمريكيون سابقون سارعوا بالتعليق الفورى على الأحداث المؤسفة. فقال جورج بوش الإبن: (أهكذا يتم الاعتراض على الانتخابات؟! إننا لسنا فى جمهورية موز. هالنى السلوك غير المسئول لقادة سياسيين وقلة الاحترام تجاه مؤسساتنا وتقاليدنا وقواتنا الأمنية). فيما قال أوباما:( إن التاريخ سوف يتذكر أعمال العنف التى حدثت اليوم فى الكابيتول بتحريض من رئيس كذب بلا هوادة بشأن نتيجة الانتخابات. أعتبرها لحظة خزى وعار على بلدنا).

مصير ترامب..

فيما يتساءل المحيطون بترامب مندهشين: ما الذى دفع ترامب الذى كان يعتزم الترشح فى انتخابات الرئاسة 2024 للانتحار السياسي بهذه الطريقة المخزية؟ إلا أن ترامب نفسه ما زال على عناده وتمسكه بتهمة تزوير الانتخابات ورفضه لحضور حفل التنصيب وتأكيده على أنه وحده على حق، وأن الجميع مخطئون !

الأغرب أن ترامب يعتزم الإقدام على خطوة لم يسبقه لها أحد أبداً. فقد كشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن ترامب ناقش مع نائبه مسألة منح عفو رئاسي لنفسه، حتى يمنع أى مساءلة محتملة له بعد ترك منصبه!! فهل سيفلح فى منع مقاضاته؟

المؤكد أن ترامب نفسه قد كتب نهايته سياسياً للأبد. خاصةً وأن حاشيته وبطانته انفضوا من حوله. وأن لائحة الاتهام للمحاكمة البرلمانية سوف تتضمن تأكيداً على منع ترامب من تقلد أى منصب حكومى فى المستقبل.

الخوف من ديمومة الحالة الترامبية بعد ذهابه هو. وهى حالة غريبة من انتهاج العنف والرغبة فى التدمير. إن أحداث الكابيتول شهدت عنفاً غير مسبوق: أربعة سقطوا قتلَى من مقتحمى البرلمان، ورجل شرطة قضى نحبه، وشباب تسلقوا الجدران، وآخرون سرقوا متعلقات من البرلمان وابتسموا للكاميرات! واعتلى آخرون صهوة الخيول كأنهم فى غارة حربية! الأدهَى من هذا كله ما تم اكتشافه بعد انقشاع سحب المعمعة..

لقد اكتشفت وزارة العدل أن متظاهرين التقطوا صوراً للمكاتب، واطلعوا على ملفات سرية بعضها تمت سرقته. وهو ما استدعى تحقيقاً فيدرالياً لكشف أهداف السرقة التى تمس أمن أمريكا القومى. الأنكَى من ذلك ما تم إعلانه من القبض على رجل بحوزته شاحنة مليئة بالأسلحة والمفرقعات المتطورة، والتى إذا انفجرت كان لها تأثير قنابل النابالم الحارقة. كل هذا من كلمة تحريض خرجت من فم ترامب غير مدركٍ لعواقبها.

ما يبدو أن ترامب سينجو من الملاحقات القضائية حفاظاً على قدسية منصب الرئاسة، وأن حوادث العنف سيتم احتواءها، وأن حفل التنصيب سوف يقام واضعاً نهاية لكل تلك الفوضى. فهل سيهدأ الشارع؟ أم ستبقَى الحالة الترامبية كنوع من المعارضة الشعبوية القائمة، بعد أن استولَى الديمقراطيون على الساحة السياسية بأكملها: الرئاسة والنواب والشيوخ؟!

حزب ثالث..

تجربة ترامب وضعت سائر التجربة اليمينية الشعبوية على حافة الهاوية. لا فى أمريكا وحدها بل فى أوروبا أيضاً. وبات الناخب الأمريكي متشككاً فى سياسييه وطريقتهم فى إدارة الأمور. إذ كيف يخاطر الجمهوريون بمستقبل أمريكا على هذا النحو، فيضعون رجلاً كترامب على قمة هرم السلطة؟

مثل ذلك التساؤل إذا طاف بذهن الناخبين الأمريكيين فسيكون من تداعياته البحث عن حزب ثالث يتم تصعيده للمنافسة على الانتخابات. وهو ما سيغير منهج السياسة الأمريكية برمته. وقد تتغير طريقة إجراء الانتخابات نفسها؛ تلك التى كان من جرائها حدوث انقسام حاد فى الشارع الأمريكي، وعدد من القضايا بلغ 60 قضية تشكك فى نزاهة الانتخابات وتطعن فى ديمقراطية العم سام.

إن السياسة الأمريكية فى السنوات الأربع القادمة ستكون بالكامل فى قبضة الديمقراطيين فكيف ستدار الأمور حينئذ؟

السياسة الأمريكية بين الأب الروحى والمرأة الحديدية

وجوه نسائية كثيرة فى السياسة الأمريكية التى تغيَّر وجهها بالكامل..

وأهم تلك الوجوه المرأة الحديدية (كامالا هاريس) التى تحمل فى صوتها وأدائها جذوة القيادة وكاريزما السياسة كأنها الرئيس ذاته لا نائبته. إن(جوزيف بايدن) المخضرم سياسياً رجل ثمانيني محدود الحركة، وهو لم يظهر كثيراً طوال الفترة التى صال فيها ترامب وجال رغبةً فى تغيير نتيجة الانتخابات. وربما نجد بايدن بعد تنصيبه يكتفى بالبقاء فى البيت الأبيض لاستقبال ضيوفه كأب روحى للسياسة الجديدة. بينما يترك الفرصة للشباب الكثيرين المحيطين به من حكومة انتقاها بحكمة رجل يحفظ كتاب السياسة الأمريكية بطناً لظهر. تلك الفرصة سوف تستغلها هاريس لتحوذ موقعاً أكبر من مجرد نائبة للرئيس. وهو ما سيستدعى انتباهاً لتلك الحالة الجديدة..

نانسي بيلوسي سيكون لها اليد الطولَى على قرار الكونجرس. وكامالا هاريس ذات تأثير قوى على قرار البيت الأبيض. ثم البنتاجون الذى سيترأسه وجه أمريكي ملون انتشله بايدن من ركود ما بعد انتهاء الخدمة وأعاده على قمة الهرم العسكرى، فلمن سيكون ولاؤه؟

السياسة الأمريكية الجديدة تتطلب فهماً عميقاً ومرونة فى التعامل مع أدواتها ومداخلها ومفاتيحها. سيكون على مَن يريدون نيل رضا الأب الروحى وإعجاب المرأة الحديدية ودعم البنتاجون أن يتحلوا بالمرونة الكافية لتغيير أسلوبهم السياسي وآلياتهم الدبلوماسية لتلائم الوضع الجديد.

إن بايدن وبطانته يتميزون بما لم يكن يتحلى به سابقه ترامب. فالأخير كان متهوراً ولا يمكن توقع ردود أفعاله، وهو ما جعل التعامل معه محفوفاً بالمخاطر. بينما سيكون التعامل مع إدارة بايدن تعاملاً سياسياً ودبلوماسياً خالصاً، والسياسة لها ألف باب.

مصر لا يعنيها أن يكون رئيس أمريكا يمينياً أو يسارياً. لكن يعنيها أن يحقق لها مصالحها. ولكى يحدث هذا فلا بد من خطاب دبلوماسي مختلف. وهو ما سيستدعى تغييراً جذرياً فى الخطاب الدبلوماسي المصري ليتلاءم مع اللون الجديد للسياسة الأمريكية.

 

عبد السلام فاروق

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5253 المصادف: 2021-01-22 02:33:19