 آراء

كريم المظفر: أمريكا و"العجوز الشمطاء"

كريم المظفرنعتقد ان العراقيين هم أكثر الشعوب في العالم ممن تضرروا من أمريكا وحلفائها، ولازالت هذه الاضرار مستمرة حتى اليوم، سواء في التخريب والدمار الذي لم يشمل فقط البنى التحتية والاساسية، بل أيضا شملت البناء الأخلاقي والاجتماعي وانتشار الفساد والمليشيات، ولازالت مستمرة في الحاق الأذى بالعراقيين، وعذرا عن هذه المقدمة، وان كان مقالنا اليوم لا يتعلق بالعراق، لكني فقط اردت التذكير، ومن منا لا يتذكر " العجوز الشمطاء " كما يحلو للعراقيين تسميتها،؟، هي وزيرة الخارجية السابقة مادلين اولبرايت، التي لعبت دورا كبيرا في تدمير العراق أيضا عندما كانت مندوبة أمريكا في مجلس الامن الدولي، وليس مصادفة انها كانت تزين بدلتها " ببورش فضي" على شكل " أفعى "، وكأنها تريد أن تقول أن اميركا " كالأفعى " في اعمالها، وقبحها هو ذات القبح الذي كانت تحمله هذه " الشمطاء "، والتي لم تكن تحمل أي صفات للأنوثة والجمال.

تذكرت هذه الشخصية اليوم، لأنها تنتمي الى ذات الحزب الذي ينتمي اليه الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي هو الآخر كشف عن الوجه التآمري القبيح للولايات المتحدة، حيث لم يمر أسبوع على لقاءه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في السادس عشر من يونيو الجاري، حتى عادت واشنطن للتلويح بالعقوبات على روسيا على خلفية الأوضاع حول وضعية المعارض الروسي الكسي نافالني وتستهدف أيضا مشروع "السيل الشمالي-2"، على الرغم من كلمات بايدن بعد القمة إن المفاوضات مع بوتين جرت في جو طيب وإيجابي، الحرب استمر حتى في لحظات الخلاف الحاد، وان بوتين لا يريد، وكلمات المديح المقابلة من قبل الرئيس الروسي الذي اعتبر أن المحادثات جرت "بنفس اللغة"، ووصف نظيره الأمريكي بأنه سياسي بناء ومتوازن وخبير للغاية، وقال إن الطرفين أعربا عن رغبتهما في تقريب مواقفهما، حتى أعلنت الإدارة الامريكية بانها تحتاج الى فترة ستة اشهر لتحديد إمكانية إجراء حوار استراتيجي مع روسيا، حول مصير معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت -3)؟؟

والجديد اليوم هو ما صرح به جيك سوليفان مساعد رئيس الولايات المتحدة لشؤون الأمن القومي أعلن اليوم أن بلاده تستعد لفرض عقوبات جديدة على روسيا، وأن الحديث يدور عن حزمة جديدة من العقوبات "بعد تسميم أليكسي نافالني"، وأن الولايات المتحدة ستواصل فرض العقوبات على الشركات المنخرطة في مشروع "السيل الشمالي-2" لضخ الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر البلطيق، في زادت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي، "من الطين بله " عندما أكدت إن لقاء جنيف بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن، لم يجلب "أي تغيير" في سياسة العقوبات الأمريكية ضد روسيا، وأضافت بساكي، في "يقضي القانون بأن نستمر في النظر في أهداف العقوبات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية".

تصريحات المسؤول الأمريكي جاءت حتى قبيل وصول السفير الروسي لدى الولايات المتحدة أناتولي أنطونوف إلى واشنطن، والتي غادرها في 21 مارس الماضي للتشاور مع القيادة الروسية على خلفية تدهور العلاقات بين الجانبين الروسي والأمريكي وانعدام الأفق السياسي لتسويتها، والتشديد على انه ليس لدى البيت الأبيض أي خطط لإصلاح العلاقات الجيدة مع روسيا، وان واشنطن تركز فقط على "الاستقرار والقدرة على التنبؤ"، ليكشف جيك سوليفان عن الوجه الأمريكي الحقيقي الرافض لأي مساعي لتحسين العلاقات بين موسكو وواشنطن، ونواياها التآمرية المسبقة ضد روسيا، حتى قبل انعقاد القمة، والتي كما يبدو عجلت في إعادة " حليمة الى عادتها القديمة " .

 

 

 

وللإيغال بالنوايا الخبيثة وكما كشف عنها المستشار الأمريكي، فان الولايات المتحدة ستواصل فرض عقوبات على الشركات الروسية التي تبني خط الغاز "السيل الشمالي-2"، وفي رده على سؤال على قناة "سي إن إن"، عن سبب تعليق الولايات المتحدة للعقوبات المفروضة على شركة Nord Stream 2 AG الأوروبية التي تبني خط الأنابيب المذكور، قال سوليفان: "السؤال هو ما إذا كنا سنواصل بشكل مباشر، ملاحقة شركائنا الأوروبيين وحلفائنا وأصدقائنا باستخدام صلاحياتنا بفرض العقوبات" ونقل عن الرئيس بايدن قوله، " لست مستعدا للقيام بذلك، لكنني مستعد لفرض عقوبات على المؤسسات الروسية المشاركة في بناء الخط، وذلك مرة كل 90 يوما".

ومن خفايا الأجندة لقمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الأمريكي جو بايدن هي مناقشة مستقبل الأسلحة النووية، الذي يعتمد عليه الأمن العالمي كله، ووفقا لمصادر برلمانية روسية فان الامريكان رأوا أنه من الضروري التأكد من عدم وجود تهديد نووي من روسيا وأن روسيا مستعدة للتفاوض بشأن الأسلحة النووية، وهذه هي الأجندة الخفية للقمة، وقد تم التعبير عنه من خلال مصطلح "الاستقرار الاستراتيجي" غير المفهوم تمامًا، والذي يمكن فهمه على أنه أي شيء تريده، لكن الاستقرار الاستراتيجي في جوهره يتعلق بالإمكانيات النووية التي يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة من الجانبين ويمكن استخدامها في ظل ظروف معينة .

ولم يكن الامر مفاجأة بالنسبة للروس كما يتصور البعض، ويرون إن فرض حزمة عقوبات من قبل الحكومة الأمريكية على الشركات الروسية المشاركة في بناء مشروع نورد ستريم 2 هو ظاهرة يمكن التنبؤ بها، حيث أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن استبعدت في البداية إمكانية "إعادة ضبط" العلاقات الثنائية، وكما أشار السناتور الروسي أليكسي بوشكوف، إلى الميل إلى اعتبار القمم الثنائية، ولا سيما اجتماع بايدن في جنيف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بداية لتحسين العلاقات، لان البيت الأبيض لديه نهج استقطابي .

الولايات المتحدة التي اضافت في مايو الماضي، 13 سفينة وثلاث منظمات روسية منخرطة في العمل إلى قوائم العقوبات الخاصة بها، وأكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين في 19 مايو أن واشنطن تخلت عن فرض عقوبات على شركة Nord Stream 2 AG المشغلة لـ Nord Stream 2 ورئيسها التنفيذي Matthias Warnig، وبحسب رئيس الدبلوماسية الأمريكية، فإن هذا القرار يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، لم تخف حقيقة أنها تعتزم بكل طريقة ممكنة التدخل في إطلاق نورد ستريم 2، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع منع بنائه، بالإضافة إلى أن الحكومة الأمريكية لم تلمح أبدًا إلى مراجعة العقوبات أو رفعها، فقد ذكر كل من بايدن ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين مرارًا وتكرارًا تصورًا متشكلًا لمنصة التفاوض السويسرية - كفرصة لمناقشة القضايا المهمة المتعلقة بمصالح جانب واحد فقط - الجانب الأمريكي.

ان الخطوات غير القانونية للولايات المتحدة كما تقول روسيا، كانت دائما تقابلها برد روسي حتمي ومنطقي، ومن المدهش وكما تؤكد المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا " أن في واشنطن من يفضلون سباق الحواجز في حلقة مفرغة"، وتشدد على أن "المؤدلجين الأمريكيين فضحوا أنفسهم" عبر ربطهم بين "السيل الشمالي-2" وهو "مشروع اقتصادي تشارك فيه شركات مشغلة خاصة ودول مستقلة، وقضية نافالني، ليظهروا بذلك أن كل هذه الضجة حول التسميم المزعوم /لنافالني/يستخدمونها وسيلة لمعالجة مشكلة افتقارهم للقدرة التنافسية".

وبالتأكيد، فإن أي خطوة أمريكية، يجب أن يكون لها متلازمة أوربية، وفي آخر بيان له قال الاتحاد الأوروبي، إنه مددت لمدة عام حتى 23 يونيو 2022، العقوبات المفروضة "بسبب الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم وسيفاستوبول"، وتشمل العقوبات، الحد من العلاقات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي مع هاتين المنطقتين الروسيتين، ردت عليها المتحدثة باسم الخارجية الروسية، بإن الاتحاد يعرف كل شيء لكنه مع ذلك يفتش عن "أمشاط الأرض المحببة"، في إشارة إلى مثل شعبي روسي يدل على تكرارهم نفس الأخطاء، ورأت زاخاروفا أن ممثلي الاتحاد الأوروبي يعرفون أن شبه جزيرة القرم دستوريا تعد جزءا من روسيا، ويعرفون طبيعة الرد على تمديد العقوبات.

الروس ومن خلال تجارب السنوات الماضية تيقنوا، بأن نظام العقوبات ضد روسيا مترسخ في العديد من النصوص القانونية في الغرب وبالتالي فإنه باق إلى الأبد، وان كل تلك العقوبات غير شرعية، تم فرضها بذرائع واهية للغاية، دون وجود أدلة، لكن من المستحيل التراجع عن الإجراءات التي تم تصويرها على أنها مثالية، وشدد ألكسندر بانكين، نائب وزير الخارجية الروسي، على أن روسيا لن تطلب من أحد رفع العقوبات، لكنها ستعمل عبر دوائر الأعمال على إيصال فكرة بسيطة إلى الغرب مفادها أن سياسة العقوبات معيبة،" تضر - وإن بقدر أقل - حتى أولئك الذين يفرضونها أنفسهم، ومن الأفضل ألا تكون هناك عقوبات إطلاقا".

على ما يبدو ان صفات " الافعى " المتمثلة بالغدر والخيانة، وإقتناص فرصة الانقضاض حتى على صاحبها، والتي كانت تحملها " العجوز الشمطاء "، وتفتخر بها، وتعتبرها رمزا للقوة، فأنها بالفعل تليق بقادة أمريكا، بمختلف مسمياتهم واحزابهم، لأن الغدر صفة موسومة فيهم، ونفذ سمومهم حتى للقريبين منهم اذا ما تعارضت مصالحهم معهم، فما بالك مع الذين يكنون لهم العداء !!!

 

د. كريم المظفر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5404 المصادف: 2021-06-22 02:43:50


Share on Myspace