 آراء

الحسين بوخرطة: ثورة الطبيعة وإشكال تصالح الحضارات

الحسين بوخرطةبعد اغتيال أسامة بن لادن وخفوت قوة وجود تنظيم القاعدة، عانى العالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، الويلات والمأساة بسبب ظهور الداعشية. لقد تم تحويل الحراك السياسي السوري السلمي إلى مواجهة مسلحة. تم إعلان ولادة مشروع عقائدي جديد، أعطى انطلاقته أبو بكر البغدادي بالموصل، بصفته زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (دولة الخلافة). لقد ولد هذا المشروع منذ بدايته، المستند على شعار معاداة الآخر أي حكومات وشعوب دول العالم المتقدم بشكل عام وللغرب بشكل خاص، بطبيعة معادية لذاته بشكل خاص وللذات العربية الإسلامية بشكل عام. لقد ولد متعمدا اعتماد المواجهة المسلحة والعنف كأسلوب، والارتكاز على منهج خلق الفتنة والتفرقة داخل الأمة العربية وداخل الدول القطرية من المحيط إلى الخليج.

لقد ساعدت مجموعة من الظروف، منها ما هو مصطنع وما هو واقعي أو موضوعي، والتي تأججت شرارتها بفعل ويلات منطق ممارسة السلطة في دول المنطقة، على إنجاح حملة ترويج حلم بناء الدولة الإسلامية على أساس الخلافة العادلة، بحيث نزح إلى المنطقة، تحت شعار الجهاد من أجل نصرة الإسلام والمسلمين، كل المتعصبين الإسلاميين المناوئين لمنطق العولمة وسادات العالم الجدد.

انزلقت هواجس هوياتية عاطفية لدى العديد من الناس، وترتبت عنها نوازع نفسية هوجاء عجلت عمليات الارتماء في أحضان التطرف والمغالاة وهدر الطاقات. تيسر انخراط عدد كبير من أفراد شعوب المنطقة داخليا وخارجيا في هذا التنظيم. فتحت حدود الدول وشاع التداول في شأن المسارب المنافذ، واشتد تدفق المغامرين على التراب السوري. تأجج الاندفاع غير محسوب العواقب لمواجهة العولمة وثقافتها الحداثية، وتم التنديد بأهدافها الإستغلالية والاستعلائية. نجحت دعوات التغرير بالمتعصبين، وتسير ذلك بتمجيد دوافع الانغلاق واستغلال ضعف التكوين والمعرفية بالعلاقة التاريخية للهوية العربية الإسلامية بالآخر.

تطور الآخر عبر العصور الأخيرة، وسعى إلى ترتيب العلاقات مع الذاكرة والواقع وشعوب العالم بمنطق المنتصر. وجدت قاعدة واسعة من شعوب الأمة العربية نفسها عاجزة عن مسايرة ما تتطلبه العولمة من جهد من أجل الاندماج والتنافس في فضاء عالمها المادي. اتخذت الإجراءات والترتيبات المادية والعسكرية والجيواستراتيجية لتمكين هذه الحركة الجديدة من وحدة ترابية حاضنة (سوريا والعراق). تم عنوة استحضار رمزية اختيار بنو إسرائيل لأرض الميعاد، تراب فلسطين، من أجل بناء مشروع دولتهم اليهودية في إطار المشروع الصهيوني الاستيطاني الكبير. استفحلت أزمتي الدولتين المتأصلتين عربيا (سوريا والعراق)، وتم الترويج لتحويلهما إلى ملاذ وفرصة لا تعوض لإعلان نشأة دولة الخلافة الوهمية.

قبل ذلك، تم القضاء نسبيا على القاعدة وروادها لإبادة التنافس أو التنازع بينها وبين الحركة الجديدة. سيطرت أحداث داعش وقياداتها على وسائل الإعلام، وتوج المسار برفع شعار محاربتها كونيا إلى أن قل الحديث إعلاميا عن كلا الحركتين. دخل العالم مرحلة جديدة، سماها المتتبعون الغربيون بمرحلة ما بعد الحداثة، بخاصيات تم نعتها بعبارة الإشباع الإيديولوجي، وبأفعال وردود أفعال تميل أكثر إلى الصراع على حساب المنافسة بمنطق اقتصاد السوق، وبالندية على حساب التعاون والتكامل في المجالات الاقتصادية والثقافية والعسكرية. تشكلت التكتلات الجهوية بقيادة الدول العظمى، وخضعت للتذبذبات والتجاذبات المصلحية.

 تابع الرأي العام الكوني، ويتابع اليوم بالوضوح التام، تجديد مقومات الصراع على قيادة العالم ما بين الغرب والشرق، خاصة ما بين أمريكا والصين. إنه صراع لاقتسام خيرات العالم الاقتصادية على أسس جديدة. اشتد التجاذب السياسي وتفاقم زمنيا إلى درجة يمكن وصف مستواه اليوم بالوصول إلى درجة الذروة المنبئة بتوقعات توالي حدوث أزمات وتعقيدات وتحولات في السياسة والاقتصاد العالميين. استفحل الصراع وتجاوز المرتكزات الإيديولوجية الفكرية المتفق عليها في إطار النيوليبرالية أو الشيوعية، بحيث لم تجد الولايات المتحدة الأمريكية أي حرج في إعلان تدخل الدولة في الاقتصاد ومواجهة المناوئين بسن سياسات حمائية في سياق حربها التجارية، وتغليب المصلحة القطرية عن المصلحة الجهوية أو الإيديولوجية تحت شعار أمريكا أولا.

في نفس الوقت، أبانت التطورات السياسية ولادة أوضاع جديدة، بمواقف وقرارات جيواستراتيجية بطبيعة تبعد بالتدريج، غربا وشرقا، الديمقراطية عن مهام تراكم مقومات التنمية ورفاه الشعوب، بحيث أصبح واضحا بروز نوع من الميول إلى التطرف السياسي في التعاطي مع مختلف القضايا والمستجدات، تطرف ساهم ظرفيا في تقوية موقع عدد من التيارات السياسية اليمينية في الدول الغربية.

والعالم يعيش تأثيرات ما بعد الحداثة على إثر إعلان دخول الحداثة مرحلة الاحتضار، تابع الرأي العام العالمي كيف تدخل الفلاسفة وأهل العلم في الفضاء والطبيعة في مناقشة وتحليل الأوضاع الحالية، والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة والممكنة. فبعد النجاح في تأجيج غضب الشعوب الغربية على الكنيسة، وتحويله إلى هاجس شعبي لمواجهة تسلطها، تم توفير الغذاء الدسم لتقوية القواعد الشعبية للرأسمالية ثم الليبرالية والحداثة إلى أن وصلت حصيلة النظام العالمي الجديد، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في مطلع التسعينات، إلى قمة منحى حياته. لقد برزت علنا كل المؤشرات الدالة عن الوصول هذا المنطق بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية إلى نقطة بداية الانحدار والتدهور.

بعد إعلان النجاح في القضاء على نظام القاعدة ذات الأبعاد الكونية تحت قيادة أسامة بن لادن، وعلى الفكر الداعشي تحت قيادة البغدادي، يعيش عالم اليوم أزمة اقتصادية وصحية غير مسبوقة جراء انتشار وباء كوفيد 19، الذي تسبب في ظهوره فيروس كورونا ببنيته الجديدة سارس كوف 2 وتحوراته الفتاكة. لقد أحدث هذا الوباء هلعا كبيرا شمل كل شعوب العالم، ودفعهم، بالرغم من محاولات رواد التقليد ربط ما يقع بالميتافيزيقا والأسطورة، إلى التفكير فيه بشكل جديد.

إن طريقة التعامل مع هذا المستجد القاتل، وباء كورونا المستجد، الذي حقق أكبر نسبة في حصد أرواح المصابين، جعل النقاشات الشعبية تميل كل الميل لاستحضار الاعتبارات العلمية، اعتبارات  يمكن إدراجها في خانة بداية دخول شعوب الجنوب إلى مرحلة التفكير العلمي في أفق بناء ثقافة علمية في التعاطي مع الأحداث بكل أشكالها. فإضافة إلى آثار الحجر الصحي على سلوك الأفراد والجماعات (النظافة، التباعد، تحسن الأجواء العائلية للأسر، التعليم عن بعد، .....)، ارتقت النقاشات واشتد وقعها على السوكات الفردية والجماعية بواسطة شبكات التواصل الاجتماعي. تحول البحث عن الفهم من خلال طرح الأسئلة وانتظار الأجوبة الشافية إلى انشغال يومي لدى كل شعوب العالم. الكل يسعى لتكوين فكرة منطقية عن الطبيعة التطورية لهذا الفيروس ومدى اختلافه عن الفيروسات الأخرى وعن البكتيريا. لقد تم فرز توجهات جديدة في النقاش العام في مختلف دول الجنوب، فرز طواق للتمييز بين هذه الكائنات المناوئة لحياة الإنسان، بحيث أصبح معروفا أن هذا الفيروس لا يتكاثر من ذات نفسه، ولا يستهلك الطاقة، وليس فيه أي حمض نووي، وأنه عامل حيوي مغطى بمادة دسمة وبروتينات، وأن الوقاية منه مرتبطة بالغسل المتكرر لليدين بالصابون وتعقيم كل ما يمكن أن يلمسه الإنسان.

في نفس الآن، وشعوب الكون ودولها تقاوم انتشار هذا الوباء، يعيش العالم نقاشات علمية جديدة تتعلق بنظرية تطور الأجناس الحية وأصل الأنواع، بما في ذلك الإنسان، وجدال عقلاني مستمر في شأن الانتقاء الطبيعي للكائنات الحية (انتقاء الأفضل والأنسب)، وحدوث الطفرات الجينية والتغيرات التي تصيب الجينوم بصفة عامة. كما أن التطور الذي ميز علم الحفريات، وإبرازه لحقائق جديدة مبهرة، جعل العلماء يقرون أن الحقائق التي وصل إليها العلم في إطار نظرية تطور أنواع الأجناس، أحدثت ثورة علمية كونية، أعادت للنقاش النظرية الدروينية معتبرة أن ما وصل له هذا العالم لا يمكن اعتباره إلا مجرد رؤوس أقلام مقارنة مع حجم الكشوفات الحالية.

وعليه، فنتيجة لما عرفه العالم من تطورات سياسية وثقافية، وما وصل إليه من كشوفات واختراعات علمية، لم يعد مستساغا بالنسبة لشعوب العالم الجنوبي، خصوصا الشعوب العربية والمغاربية، الاستمرار في اعتماد النقل والقراءة السطحية للنصوص الدينية للنيل من قوة عقول الأفراد والجماعات ومنعها من التفكير العلمي. لقد حان الوقت للاعتراف بدعوة ابن رشد للمسلمين إلى تأويل نصوصنا العقائدية بمنطق عقلاني متميز، لا ينطلق من الخوف، ولا يبحث عن السبل، كيف ما كانت طبيعتها، لخلق هوات وهمية ما بين الأبعاد العقلانية لآيات سور القرآن الكريم والحقائق العلمية للكشوفات والاختراعات النافعة للإنسان ولمستقبل أجياله.

لقد حان الوقت لإعطاء مهام تفسير النصوص القرآنية (كلام الله سبحانه وتعالى) مكانة مؤسساتية راقية، مكانة تكرس التعاون والتكامل، بدلا من التنافر المتعمد، بين آراء الفقهاء والفلاسفة وعلماء الفضاء والطبيعة واللغات، وإخضاع التفاعل فيه لما هو منهجي صارم بأدواته ونتائجه وأدلته. إن تحديات المستقبل تفرض تجاوز الترويج للعلاقة العدائية ما بين المتدينين والعلمانيين، ولما يتم الترويج له من عبارات هجومية للحفاظ على جمود الوعي الثقافي، وتركه على ما هو عليه، واعتبار أي اجتهاد خارج هذا المنطق مجرد أسئلة محرجة لزعزعة عقيدة المسلمين.

إن شعوبنا الإسلامية في حاجة إلى قفزة وعي نوعية تجعلها في خضم التفكير العميق في الجوانب العقائدية من خلال البحث عن الحكمة الخفية في الطبيعة (خلق الكون من أجل الإنسان)، وعن أدلة متطورة لوجود الله، في أفق تحقيق انسجام قوي ما بين الإسلام والعلم.

شعوب العالم تعيش اليوم أحداث استمرار التطور السريع للأجناس من زراعات ونباتات وفواكه وطيور (الدجاج والديك الرومي) وأسماك، ... وتعيش بالموازاة مواجهة علمية لتطور أجناس الفيروسات والبكتيريا ومختلف الخلايا. لقد فند الواقع المقاومة العقائدية المفتعلة للتطورات العلمية. لقد وأد التاريخ نزوع المسلمين لمقاومة الكشوفات العلمية، وزج بهم باقتناع راسخ في فضاء الاعتراف بما وصل إليه العلم والاجتهاد، مقتنعين بالحاجة إلى تأويل النصوص الدينية باستمرار لاحتضان الإبداع البشري.

إن وصول العلماء إلى إقرار حقائق جديدة في مجال نشأة الكون والإنسان وإقرار نظرية التطور، وتجاوز نظرية الانفجار العظيم، قضت على كل الذرائع التي كان يؤججها رواد التقليد للرفع من مستوى انغلاق الشعوب. لقد تأهلت الجماهير المسلمة بما يكفي واعية بتحديات العصر وبالحاجة للبحث والتقصي بالشكل الذي يمكن علماءنا وخبراءنا في الداخل والخارج من إيجاد التفسيرات العقائدية العقلانية المناسبة للثورات العلمية وتطور السلوكيات البشرية وردود أفعال الطبيعة.

لقد حول الليبراليون الإنسان إلى مركز للكون معتقدين النجاح في "قتل الله" والقضاء على تسلط الكنيسة. ثارت الطبيعة، وتم دق ناقوس الخطر. برزت إلى سطح الأحداث الكونية رهانات التصالح ما بين الطبيعة والإنسان كمكونين أساسيين لملكوت الرحمان.

 

الحسين بوخرطة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5493 المصادف: 2021-09-19 02:08:46


Share on Myspace