 آراء

جعفر المظفر: بين الزمان والمكان

جعفر المظفرأحد الأخوة، صديق لي على صفحة التواصل الإجتماعي، لم يكن مخطئا حينما سألني عن سبب إغراقنا، نحن الذين خرجنا من العراق، على الإصرار في الحديث عن قضاياه، وربما أكثر مما يتحدث الساكن فيه.

هذا الصديق يرى ان خيار الإغتراب قد أكل من حقنا، على الأقل في حجم هذا الإغراق، إن لم يكن في طبيعته، متسائلا عن ما إذا كان من حق المغترب، الساكن في بحبوحة الغربة بعيدا عن الهم العراقي، أن يمنح نفسه حق الحديث كحق ساكنه، ذاك الذي يعيش المحنة بكل تفاصيلها المؤلمة.

لا أشك بالنوايا، فالرجل كان بصدد العثور على تفسير مقنع، أكثر مما كان بصدد مصادرة حق، وهو على الأقل كان يظن نفسه محقة في الإعتقاد أن حديث المغترب عن مِحنٍ لم يعد في الوسط منها هو نوع من الترَف الذي قد يفقد المغترب عمق الإحساس، وربما يفقده أيضا صدق النوايا، والأكثر انه قد يفضي إلى نتائج لا تنضبط ضمن حسابات المكان وإحتراساته.

كثير من الأحاسيس ربما تفسر ببلاغة هذه الإشكالية التي طرفاها، واحد يصر على أن الذين ليسوا في المكان ليسوا في الزمان، وآخر يرى أن مغادرة المكان لا تعني مغادرة الزمان، فيبقى فيه، بكل روحه، رغم أنه غادره، بكل جسده.

وأعلم أن الحوار حول ذلك قد يجرنا، أو قد يستدعي الدخول في تعريفات فلسفية لمعنى المكان والزمان، فترانا ندخل في عالم من الأفكار والفسلفات التي ستشغلنا كثيرا عن بساطة الجواب على سؤال كان صاحبه قد صاغه بمشاعره، قبل وعيه، وكان قد نفثه من معاناة، منحته لشدتها، شعورا بأن كل من يتحدث من مكان غير مكانه يمارس في الواقع نوعا من الترف الفكري الذي لا صلة له بالأحاسيس ولا علاقة له بالمشاعر، فهو إذن بالتالي فاقدا لمصدقية الحديث عن شيء لا يعيشه يوم فقد الإحساس به كما أهله الذين يعيشون فيه.

لكن الهجرة العراقية اليوم لم تعد كسابقاتها حين كانت النقلة من المكان العراقي إلى مكان الإغتراب هي نقلة خيارية أكثر منها نقلة قسرية. إن آلافا من العراقيين، بل عشرات الألوف منهم، بل مئات الألوف منهم، بل عدة ملايين وجدوا أنفسهم فجأة مضطرين للهرب من مكان طارد لهم. وكانت الأخطار التي دفعتهم إلى هجرته قد تراوحت بين الموت ذبحا وبين الموت حنقا أو الموت إكتئابا وقرف.

هؤلاء لم يفارقوا المكان حبا في غيره، ولم يتركوه بحثا عن متع أو لأجل زيادة في أرباح، وإنما هم إضطروا إلى مغادرته تاركين وراءهم ذكريات عُمْر لم يعد ما تبقى منه كافيا، أو قادرا، أو مشجعا، أو محفزا لبناء حياة جديدة بإمكانها أن تعوضهم عن حياتهم العراقية السابقة التي كانوا تركوها خلفهم قسرا.

حتى الشباب منهم، الذين حققوا نهارا نصف نقلة خارج الزمن العراقي ترى البعض منهم يلجأ مساء للعودة إليه من خلال أكلة للمسكوف في مطعم عراقي أو أنفاس لشيشة فواحة بعطر التفاح.

أما الشيوخ منهم أو العابرون إلى الشيخوخة، الذين لا يملكون خطاب المهجر،فأنت تراهم يعيشون على حافته، وفي داخل أمكنة صنعوها لأنفسهم حتى تراها وكأنها مدن عراقية تعويضية.

وهم، حينما وجدوا أنفسهم في مدن المهجر، فقد دخلوا مكان المهجر، لكنهم لم يدخلوا زمانه، حيث الدخول إلى الأول قد تكفلت به سمة الدخول، أما الدخول إلى الثاني فكانت تعوزه سمة لا يحصل عليها المرء من سفارة أو يشتريها من مهربين، بل هو يحصل عليها من داخل ذات لم تعد قادرة على أن تجد نفسها في مكان غير مكانها القديم.

إسأل أي واحد منهم عن أكلته المفضلة فسوف يقول لك أنها المسكوف أو الدولمة أو التشريب او الباجة، ولو أنك طلبت منه ان يعدد لك اسماء الوجبات المهجرية لما إستطاع أن يتعرف إلى أكثر من واحدة، أما لو أتيح لك أن ترافقه في سيارته فسوف لن تسمع غير صوت لمطرب عراقي يتغنى بالمكان والزمان العراقي، وإن حدث وإن جلست إليه في داره فسوف تراه يطارد الفضائيات العراقية والعربية بحثا عن آخر الأخبار.

هؤلاء العراقيون قد يكونوا خرجوا من المكان العراقي، لكنهم بكل تأكيد ما زالوا يعيشون الزمن العراقي، بل لعلك تراهم يعوضون فقدانهم المكان بمزيد من الإغراق بالزمان.

 

جعفر المظفر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5500 المصادف: 2021-09-26 01:26:55


Share on Myspace