عبد الحسين صالح الطائيأحدثت ثورة 14 تموز نقلة نوعية في نظام الحكم، برز أثرها على كل مناحي الحياة السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، واسهمت في إبراز الهوية الوطنية وبناء الشخصية العراقية التي توفرت لها البيئة المناسبة وأتاحت لها حرية الإنتماء للأحزاب والتعبير في الصحافة  وتفعيل المؤسسات الاعلامية والارتباط بمؤسسات المجتمع المدني.

شرعت الحكومة الفتية بزعامة عبدالكريم قاسم الكثير من الانجازات والقرارات والقوانين والتشريعات التي تخدم قطاعات المجتمع المختلفة، كقانون الإصلاح الزراعي رقم (30) في 30/09/1958، الذي أحدث نقلة كبيرة في تحجيم سلطة الاقطاع، وتحسين حياة الفلاح ونشر الثقافة بين الفلاحين وتطوير أساليب الزراعة. وقرار خروج العراق من حلف بغداد يوم 24/03/1959 يمثل أحد الأهداف الرئيسية للثورة ، وخروجه من الكتلة الاسترلينية التي أضرت بالاقتصاد العراقي في 23/06/1959. وقانون رقم (80) في نهاية 1961، ألغى الامتيازات وحدد مساحة الأرض للشركات الاحتكارية النفطية العاملة، أي تشمل فقط الحقول المستثمرة وسيطرة الدولة العراقية على باقي الأراضي غيرالمستثمرة من قبل الشركات النفطية التي تقدر بأكثر من (98) من مساحة العراق.

توجه العراق إلى تطوير المؤسسة العسكرية والأمنية بتنويع مصادر السلاح والانفتاح على الكتلة الشرقية وبالأخص الاتحاد السوفيتي بموجب اتفاقيات لتجهيز العراق بالاسلحة الحديثة. وبادرت الحكومة بتطوير مشاريع الاسكان وتوسيع الخدمات في مجالات شبكة  الكهرباء، والاهتمام بقطاع التعليم وذلك بتشييد الآلاف من المؤسسات التعليمية، وتوسعت بالقطاع الصحي بمختلف مناطق العراق في الأرياف والمدن.

نفذت الحكومة العديد من المشاريع التنموية، ورسمت الخطط الخمسية  التي تهدف إلى تنوع الاقتصاد ورفده بقيمة مادية مضافة من الصناعات التحويلية والصناعات الثقيلة والخفيفة لتوفير فرص عمل جديدة للقضاء على البطالة. وقد هيأت الدولة المراكز والمعاهد الفنية للتدريب والتطويرلتأهيل الطاقات الابداعية والارشادية في عموم العراق لتحويل البنية التحتية المتخلفة إلى بنى تحتية حديثة تواكب تطلعات ثورة 14 تموز والنهوض بالمجتمع العراقي في المجالات كافة. حيث تمكن الزعيم عبدالكريم من تحقيق أكثر من (85%) من أهدافه، مما أدى إلى تحقيق الرفاهية بنسبة عالية في أكثر أوجه النشاط الاقتصادي.

ناصب الرئيس المصري جمال عبدالناصر العداء لثورة 14 تموز، كان ناقماً على القيادة العسكرية العراقية، مد يد العون لكل من وجد فيه الإمكانية لمقارعة وتقويض الحكم في العراق حسب اعتراف الكثير من القيادات القومية. كان حلم عبدالناصر بضم العراق إلى دولته الكبرى لتحقيق الوحدة التي لم ترَ النور. ذكر طالب شبيب في حديثه عن الوحدة بين مصر والعراق، نقلاً عن كتاب علي كريم سعيد، عراق 8 شباط 1963: "كانت اذهاننا تضج بشعارات ومشاريع كبرى دون التفكير بآليات تحقيقها ورغم ذلك عقدنا العزم واندفعنا فاصطدمنا برجل مثل عبدالكريم قاسم الذي كان وطنياً ولا يخرج في أفكاره عن نطاق تصورنا فقضينا على بعضنا وخرجنا جميعاً خاسرين".

سقطت الوحدة بين مصر وسوريا يوم الخميس 28/09/1961 بعد أن استولى على مقاليد الحكم في دمشق ضباط من الجيش السوري بقيادة العقيد صبري العسلي وإعلان الانفصال عن مصر.

تعرضت ثورة تموز للتآمر على منجزاتها من ادعياء القومية العربية، وجرت محاولات عدائية كثيرة ضد مسيرة الثورة. اعلن التمرد والعصيان في الموصل بعد عقد مؤتمر انصار السلام يوم الجمعة 06/03/1959، كانت الأمور طبيعية وبعلم آمر اللواء الخامس العقيد الركن عبدالوهاب الشواف، ولكن مظاهرات معادية تم تدبيرها من البعثيين والقوميين والاقطاعيين وعملاء الشركات النفطية أدت إلى حالة من الفوضى والسلب والنهب ونشوب حرائق وتدمير سيارات.

تمت السيطرة على مدينة الموصل بقوات عسكرية يقودها المقدم اسماعيل هرمز آمر الفوج الثاني من اللواء الخامس، وتم اطلاق سراح المعتقلين من القوميين والمعادين لثورة تموز واعتقال العناصر الموالية للثورة وايداعها السجون، وإعتبار منظمة انصار السلام واجهة من واجهات الحزب الشيوعي العراقي، وإن عقد مؤتمرها في الموصل يُعد تحدياً لمشاعر القوميين وأنصارهم.

اعلن البيان الأول للتمرد من اذاعة في مقر قيادة العقيد الركن عبدالوهاب الشواف في معسكر الغزلاني القريب من مدينة الموصل. وتم الاتصال بالجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) لطلب المساعدة في إعلان بيان التمرد والتدخل لنصرتهم، وبالفعل وصلت الطائرات إلى مطار الموصل، ولكن بسبب فشل التمرد تم الاتصال بالطيارين العرب وطلب منهم العودة إلى سوريا. وقد سيق المتهمون بمؤامرة الموصل إلى المحكمة العسكرية العليا الخاصة في بغداد (محكمة الشعب) برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي، وجهت لهم تهمة التآمر لقلب نظام الحكم والتعاون مع دولة أجنبية.  أصدرت المحكمة أحكام مختلفة بينها حكم الاعدام، تم إعدام (22) ضابطاً ومدني من مجموع (74) متهماً، ممن تآمروا وارتبطوا في حركة الموصل ومعهم أربعة من العهد الملكي.

كان الدور الرجعي في العراق والمنطقة العربية والاقليمية هو بث السموم الفكرية لتسميم الرأي العام وتأليب الناس للنيل من ثورة تموز من خلال مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمكتوبة في القاهرة ودمشق والرياض وطهران وتركيا ولندن وصوت امريكا والكويت وبيروت، أضف إلى ذلك دور الأحزاب الاسلامية المرتبطة بمصر وايران خوفاً من الخطر الشيوعي.

ذكر أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث فؤاد الركابي بعد خروجه والوزراء القوميين من تشكلية الحكومة العراقية برئاسة عبدالكريم في شباط 1959 "فكرنا باغتيال عبدالكريم قاسم والاستيلاء على السلطة بالعراق بالتعاون مع حركة القوميين العرب". وتطوع لهذه المهمة مجموعة من شقاوات وعصابات بغداد ومن افراد عاطلين عن العمل اغروا بأموال خيالية ومناصب في حالة تنفيذ الاغتيال ونجاح الخطة، ومن هؤلاء صدام حسين.

وفي خطوة انسانية عفا الزعيم عبدالكريم عن المتآمرين بعد سنتين من إصدار الأحكام عليهم، ولكن هؤلاء المفرج عنهم ازدادوا تآمراً وخيانة، حيث استمر مسلسل التآمر حتى اغتالوا الثورة بانقلاب فاشي في الثامن من شباط 1963، بمؤامرة دبرتها المخابرات الأمريكية والبريطانية والمصرية والأردنية وايتام العهد الملكي.

كان عبدالسلام عارف على دراية بالانقلاب كوجه عسكري معروف على صعيد العراق لاشتراكه باذاعة بيانات ثورة 14 تموز من دار الاذاعة، وكانت القيادة المدنية لحزب البعث التي قادت التآمر مكونة من حازم جواد وهاني الفكيكي وطالب شبيب وحميد خلخال وعبدالستار الدوري وحمدي عبدالمجيد. تولت بعض القطاعات الصغيرة الاستيلاء على مرسلات الاذاعة في ابي غريب واذاعة بيان مضلل باغتيال الزعيم عبدالكريم بالقصف الجوي على وزارة الدفاع واحالة الضباط الآخرين من ذوي الرتب العالية على التقاعد.

لكن الزعيم ومن معه من الضباط على بينة وصدمة حقيقية من المتآمرين. صعدت الجماهير الشعبية من هجماتها على المتآمرين وهاجمها المتمردون بكافة أنواع الاسلحة مما أدى إلى استشهاد اعداد كبيرة، واستمرت المعركة مع المتآمرين ثلاثة أيام من بعد إعدام الزعيم عبدالكريم وطه الشيخ أحمد وفاضل عباس المهداوي وكنعان خليل حداد.

لا غرابة في نجاح مؤامرة الانقلاب واغتيال ثورة تموز في اليوم الأسود الثامن من شباط 1963، لأنهم مارسوا كل أساليب الخديعة، وحسب عضو القيادة القطرية هاني الفكيكي في كتابه أوكار الهزيمة أن البعثين تلقوا الدعم المادي والتدريب على السلاح من الجهات الأجنبية، أي تمت الخيانة الوطنية بالإستعانة بالأجانب والتآمر على الحكم الوطني وممارسة الدور الاجرامي بحق المواطنين العراقين.

تبقى ثورة 14 تموز رمزاً للوطنية العراقية، والمجد والخلود لكل الشهداء.

 

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في لندن

.....................

المراجع:

- عارف عبدالواحد المحمودي: اغتيال ثورة 14 تموز 1958 في العراق، مؤسسة ثائر العصامي، بغداد 2017.

- د. فائزة عباس المهداوي: هل انصفنا التاريخ، دار ومكتبة كلكامش للطباعة والنشر، بغداد 2020.

 

 

عامر صالحالخرافة في معناها العام تعني البعد عن الحقيقة، والخرافة هي اعتقاد أو فكرة لا تتفق مع الواقع الموضوعي بشرط أن يكون لهذا الاعتقاد استمرارية وله وظيفة في حياة من يؤمنون بها ويستخدموها في مواجهة بعض المواقف وفي حل بعض المشكلات الخاصة بهم في الحياة رغم عدم عثورهم على الحل الحقيقي والمنطقي الذي ينسجم مع طبيعة العقل في حل المشكلات.

والتفكير الخرافي يفتقد إلى العلية أو السببية العلمية" أي إن لكل ظاهرة اجتماعية أو طبيعية سبب واحد أو مجموعة أسباب ويمكن التحكم فيها عبر حصرها في دائرة أسبابها ثم فهمها فهما صحيحا وصولا إلى التحكم فيها "، ويبحث التفكير الخرافي عن تفسير للظواهر الطبيعية والاجتماعية خارج إطار أسبابها الحقيقة، وغالبا ما يبحث عن أسباب ماورائية ميتافيزيقية غيبية. وتنتشر الخرافة انتشارا واسعا كلما زادت ظروف الحياة صعوبة وكلما زادت الأخطار المختلفة من اقتصادية واجتماعية وأمنية التي تهدد جماعة ما دون العثور على الحلول الطبيعية والممكنة لذلك. وتنتشر الخرافة في أوساط اجتماعية مختلفة ذات ثقافة فرعية سواء كانت مهنية أو دينية أو طائفية في إطار المجتمع العام حيث يعم القلق والاضطراب وعدم الاستقرار وانعدام الحلول الواقعية.

لا اريد هنا استفزاز مشاعر الناس بمختلف معتقداتهم وطقوسهم الدينية والمذهبية وسلوكياتهم الأيمانية في دفع الاخطار المهددة لحياتهم جراء المخاطر المختلفة التي تحدق بوجودهم، من امراض مختلفة وأوبئة او توقعات بكوارث قادمة، ولكن ماهو مجافي لمكانة الانسان وحرمته هو اللجوء الى ما يعقد حياة الانسان ويضعها على حافة الاخطار الجدية جراء فهم مشوه للدين او المعتقد وممارسة طقوس تفضي الى تشديد قبضة الامراض والابئة وانتشارها على خلفية ممارسة طقوس تفضي الى انتشار الوباء كما هو في وباء كورونا، الذي سهل انتشاره وتمعقله وحتى تحوره الى اشكال مختلفة جراء الطعن بمكانة العلم والتشكيك بجدوى اللقاح وعدم اخذه، وحتى التشجيع على عدم اخذه في اعتقاد متخلف انه سبب الوباء.

وقد وصل الامر الى الاستعانة بأنصاف المراجع والفتاوى بل والاستعانة بعامة الناس من يمارسو الطقوس الدينية شكلا بدون مضمون الى الأخذ بوصفات شعبية وتعويذات وطقوس مختلفة للخلاص من الوباء، ولكن كانت نتائجها القريبة هو انتشار الوباء على اشده وتحوله الى كوارث يومية تؤدي بحياة الناس وتيتم الاطفال وتقتل النساء والرجال دون شفاعة من احد، فكانت الزيارات الدينية لمختلف المراقد والامكنة الدينية تأتي بنتائج عكسية حيث طبيعة الزيارات الحشدية تسهم بشكل فعال في انتشار وباء كورونا وتحوره الى اشكال خطيرة وسريعة الانتشار" رغم ان هناك بعض من المراجع الدينية تؤكد الأخذ بنصيحة الطبيب والجهات الصحية والحكومية المختصة وارشاداتها العامة بهذا الخصوص"، ولكن الخرافة شقت طريقها بهدوء وعمق الى مخيلة الناس لكي تغزز من استفحال الوباء وانتشاره وتكثر من الضحايا، ومن النماذج المتأصلة في تفكير الكثير من عامة الناس: ان الوباء قدر ألهي وعقاب رباني لما يقترفه الناس من مساوئ وموبقات في الدنيا ونسوا المعتقد السائد ان الله يحاسب في الآخرة على الافعال، وعندما كان الوباء محصورا في الصين كان عقابا للصين على سوء معاملتها للأقلية المسلمة كما يدعون، وعندما انتشر على اراضي المسلمين اختلف الامر واصبح عقابا ربانيا على الافعال وان الاوبئة اقدار من الرب والحكايات كثيرة ومعبئة بزخم انتشار الفكر الخرافي في عقول الناس.

اما علاج كورونا خرافيا فقد تنوعت اشكاله وابرزها رفض اللقاح لانه يقي من الاصابة، وقبل ان يتم اكتشاف اللقاح كان الجميع بأنتظاره، ونشر وعي مزيف بأن كل من اخذ اللقاح او معظمهم في العراق اصيبوا بكورونا، الى جانب الوصفات الشعبية بتناول بعض المأكولات بانتظام طقوسي وشرب بعض السوائل ايضا وقراءة التعويذات بانتطام وبترديد اشد وطأة من المعتاد كي يقف مناعة ضد الفيروس ولعل من الوصفات التي شاعت مؤخرا في العراق هو تناول خمسة حبات من التمر يوميا مع اكل نصف رمانة واضفاء قدسية على تلك الوصفة بأنها "وصفة من الصين وقد عالجت الوباء هناك بسرعة"، ولكن النتائج الميدانية في العراق تقول مزيدا من حبات التمر والرمان تقابلها ارتفاع نسبة الاصابة حيث انعدام العلاقة المنطقية بين هذا وذاك والحديث يطول.

استورد العراق اكثر من 16 مليون جرعة لقاح ضد كورونا ولم يبلغ عدد الملقحين لحد المليون ونصف في بلد يقترب او بلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة وبقسمة بسيطة لو حصل كل عراقي جرعة واحدة لبلغ عدد الملقحين 16مليون واذا اخذ جرعتين فهناك 8 ملايين ملقح ويصل المجتمع بسرعة مقبولة الى ما يسمى " بمناعة القطيع ". وأرد هنا نموذجا لأحدى دول العالم وهي السويد" رغم ان المقاررنة فيها الكثير من الاجحاف بحق العراق لأن السويد احدى بلدان العالم المتقدم، ولكن العراق يمتلك موارد قد تجعله منافسا للكثير من دول العالم ان توفرت الظروف لذلك، حتى الآن، تلقى ما يقرب من 5.5 مليون من جميع السويديين جرعة واحدة على الأقل من لقاح كوفيد، وتلقى حوالي 3.5 مليون أيضًا جرعتهم الثانية (عدد السكان 10 ملايين)، ويقف المواطن في الطابور لتعاطي اللقاح بأنتظام وحسب الفئات العمرية والمهن ذات الخطورة.

لقد شيدت الحضارات الإنسانية المعاصرة بالاستناد إلى التراكم المعرفي العلمي في مختلف المجالات التي نشهدها اليوم، ولم تبني الخرافة أي عالم معاصر لأنها لا تستجيب منطقيا لحاجات الإنسان المتواصلة في العيش الكريم وفي البحث عن حلول لمشكلاته. وفي الوقت الذي تنحسر فيه الخرافة في المجتمعات المتقدمة انحسارا شديدا وتبقى في أطرها الفردية الضيقة، فأنها تشيع شيوعا مذهلا في المجتمعات المتخلفة وتهدد بناء المستقبل تهديدا لا ياستهان به، بل يستعان بها لبناء المستقبل وأي مستقبل يشيد بالخرافة. ويبدو إن الخرافة ستظل تضطلع بدورها الكبير في نفسية الأفراد والجماعات مهما تقدمت العلوم والمعارف وذلك للأسباب الآتية:

1ـ لأن سواد الناس ليس في وسعهم أن يتخلصوا من العقلية البدائية، فكل ما ينهكهم ويوهن أجسادهم ويقض مضاجعهم كالمرض والحزن والفقر والمصيبة وما إلى ذلك، لابد أن يدفعهم إليها طوعا أو أكراها.

2ـ لأن الإنسان يعاني من جوع نفسي، فهو يصعب عليه أن يعترف بجهله وعجزه. انه يؤثر الخداع الذي تشيعه الخرافة على الفراغ النفسي الذي لا يطاق والذي يشعره بالعدم.

3ـ لأن سواد الناس تلم بهم حاجة ملحة إلى المشاركة بالوجود. فهم لا يكفيهم أن يؤمنوا بالقيم أو أن يتقبلوها. أنهم يصبون إلى الاتصال بها.

وهكذا فالخرافة تشيع التوازن بين الإنسان وبيئته، وتنظم زمانه ومكانه، وتمد له في الوجود مدا، على تفاوت في الناس. ففي الوقت الذي يكون فيه تحكم الخرافة هامشيا في حياة الناس في المجتمعات المتقدمة، فأنها تشكل مفتاح الحل في مجتمعاتنا المتخلفة، بل هي العصا السحرية لكل صغيرة وكبيرة.

لقد شاهدنا في بداية انطلاق فيروس كوونا وبفعل محدودية المعارف عنه وقبل اكتشاف اللقاح ان الخرافة اخذت حيزا كبيرا في عقول الناس وفي مختلف مجتمعات العالم بغض النظر عن مستوى تطورها، بدا من رفض وجود هكذا فيروس واعتباره كذبة كبرى على الصعيد العالمي او انه فيروس صيني مصنع لمقاتلة امريكا او بالعكس انه فيروس امريكي لأعلان الحرب على الصين او انه جند الله لمحاربة الغرب الكافر وهكذا، وقد رافق ذلك رفض وتعنت من قبل الناس لوضع الكمامات ورفض فكرة التباعد الاجتماعي، ولكن ما ان انجلت حقيقة الفيروس والمعرفة به ثم اكتشاف لقاحات من عدة شركات عالمية له حتى بدأت النفوس تهدأ واخذ العقل يشق طريقه في ملاحقة الفيروس، وقد لعب هنا دور العلم ومكانته والثقافة العلمية المجتمعية الى جانب متانة المؤسسات الصحية دورا كبيرا ولكنه متفاوت على الصعيد العالمي استنادا الى مستويات التطور الاجتماعي وقد عبر الفيروس بوضوح عن صراع التخلف مع التقدم.

وللأنصاف فأن هناك في اقصى العالم المتقدم فسحة من الخرافة وبالمقابل هناك في العالم الآخر فسحة من التفكير العلمي والعقلانية ولكن الاختلاف في فسحات ذلك في حياة الناس اليومية ورقيها والتعويل على هذا وذاك في بناء المستقبل. ولكن الاخطر في ذلك هو شرعنة الخرافة وزجها في التفكير الديني حتى اصبح من الصعب الفصل بينهما بل اصبحت الخرافة دين والدين خرافة واصبحت الخرافة مقدسة الى درجة ان من يعترض عليها يعترض على الدين واصبحت الخرافة تستمد القوة والثبات من الدين.

في العراق الحال اسوء عن مما ننظر له حيث اختلط الدين في السياسة والخرافة وقد انتج ذلك خلال اكثر من 18 عاما نظاما محاصصتيا منتج للتطرف والخرافة ويسعى لتكريس الخرافة كسلوك تخدم بقائه واعادة انتاجه ولا نستغرب من فساد اداري ومالي استنزف موارد البلاد وانهيار للبنية التحتية والخدمية من صحة وتعليم وغيرها وانعدام ابسط مقومات الحياة الكريمة، ونشير هنا الى انهيار القطاع الصحي وضعف ادائه وعدم توفر ابسط المستلزمات حتى بدت مخاوف المواطن من اخذ اللقاح وعدم ذهابه الى مراكزه واضحة جدا وهي من اسباب العزوف عن التلقيح، وقد تحالف هذا الانهيار مع الخرافة لينتج اشكال خطرة من الاحجام في وقت وصلت فيه الاصابات في بعض الايام بحدود تسعة آلاف اصابة ويقترب مجموع الاصابات الكلية من المليون والنصف.

 

د. عامر صالح

 

 

عبد القهار الحجاريلا يوجد يسار يصرح أنه غير وحدوي، كل الأحزاب والتنظيمات اليسارية بالمغرب، بدء بالشيوعي المغربي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مرورا باليسار السبعيني السري ووصولا إلى صيغ التجميع الحالية يحضر خطاب الوحدة قويا في أدبياتها السياسية، مع أنها كلها عرفت وتعرف ظاهرة الانشقاق، كأن قدر هذا اليسار التشرذم والانشطار، والانحدار الدائم إلى المزيد من الضعف والانقسام، إنه فصام فكري وسياسي أن نرفع شعار الوحدة، ونحن نشهر معاول الهدم والانشقاق.

وشتان بين الشعار وتطبيق الشعار، فلا تقاس وحدوية أي توجه بمدى حضور شعار الوحدة في خطابه السياسي، بل بمدى تشبعه بثقافة الوحدة، فقد كانت الناصرية والبعثية والستالينية وحدوية الخطاب دموية الممارسة حد الفظاعة في آن معا، ولهذه التوجهات الشمولية في اليسار المغربي امتدادها وانعكاسها حتى لقد قيل " متى هطلت الأمطار عندهم رفع الرفاق عندنا مظلاتهم"، ذلك هو اليسار الذي لا يزال حبيس التقليدوية القائمة على الولاء والنقل والاتباع والقبلية والحلقية الضيقة.

إذا كانت الثقافة تظهر في النشاط الفكري والمعرفي والعلمي، وفي كل أنماط السلوك البشري وفي العادات والتقاليد والأعراف والنظم والقوانين ...فإن جوهرها يكمن في كيفية تمثل العالم وطريقة التفكير وفهم الأشياء واتخاذ الموقف منها.

أما الوحدة فتقوم على الجمع على أساس الحدود الدنيا والقواسم المشتركة وعلى قاعدة قبول الاختلاف والقدرة على العيش المشترك، ووحدة اليسار بهذا المهنى تنصب على تقليص مساحة التعارض، وتوسيع دوائر الالتقاء، ليصبح الاختلاف حافزا على الائتلاف عبر قبوله وتدبيره بالتنازلات واللين وتقوية المشترك، واستحضار المصلحة العامة في تحديد المواقف والسياسات والبرامج وتخطيط التحالفات، حتى يتحول الاختلاف إلى عامل قوة وخصب فكري ونظري باعتماد المراجعة والنقد والنقد الذاتي والابداع لا منطلقا للتقوقع والاتباع والتعصب الحلقي وهي المسلكيات الناسفة لكل مشروع يخضع للانفعال وتعوزه العقلانية.

ثقافة الوحدة تكون بهذا رؤية وموقفا واعيا بالشرط التاريخي للتقدم والحاجة إلى تجنيب اليسار المزيد من الإخفاقات والأخطاء القاتلة المفضية إلى التشرذم والانقسام، والحاجة إلى تغليب روح الجمع والائتلاف الضمانة الأساسية لقوة الصف التقدمي الديمقراطي، من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ونقل المجتمع إلى طور الحداثة والتقدم، وبناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على الحرية والديمقراطية والعيش الكريم للمواطنات والمواطنين.

وإذا كانت وحدة اليسار والصف الديمقراطي عامة موقفا واعيا، وثقافة أصيلة في التوجه السياسي لا مجرد شعار للاستهلاك السياسي، فإنها بذلك تكون قناعة مبدئية غير قابلة للتجزيء أو للكيل بمكيالين، لا تتأثر بحسابات اللحظة السياسية كالانتخابات مثلا، وإلا تغدو الوحدة مجردتكتيك سياسي لتحقيق مآرب حزبية أو ذاتية ضيقة، ولذلك تعطينا ثقافة الوحدة وعيا عميقا بأهميتها في المدى المنظور والبعيد، فتكون بذلك اختيارا استراتيجيا مرتبطا بأهداف بعيدة تنشد تحقيق تغيير عميق في المجتمع والدولة (دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع)، ولا تقف عند السقف الانتخابي كما هو الحال في مشروع الفدرالية المتسرع للاندماج لأن أقصى ما يطمح إليه هو توسيع التمثيلية في المؤسسات.

إن وحدة اليسار يجب أن تكون محكومة بثقافة سياسية جديدة ذات آفاق مستقبلية، تتجاوز السقف الانتخابي نحو تهيييء أسس الانتقال الديمقراطي، وبذلك فإنها ترقى إلى أن تكون تفكيرا عقلانيا متفردا في الأداة الحزبية كيف تتحول إلى رافعة قوية تشيع الأمل وتبني المستقبل، كيف تتحول إلى مدرسة للديمقراطية تزخر بالاعتمال الفكري القائم على المبدأ لا على الماكيافيلية.

أما ذهنية الانشقاق فهي طريقة تفكير انفعالية حبيسة رؤية ضيقة غير عقلانية، ينزع أصحابها إلى التفرقة حتى وإن زعموا أنهم وحدويون، وبما أنها نزعة غير عقلانية فإنها لا تقبل النقد ويعوزها النقد الذاتي ولا تتعايش مع الاختلاف إذ لا تؤمن به في العمق، فتنزع إلى الانشقاق بحثا عن تربة نمطية هادئة غير قلقة لا يشوبها اختلاف ولا صراع، لأن الصراع عند ذوي النزعة الانشقاقية لا بد أن يحسم بالعنف: قذف وشتم واتهام... ثم انشقاق أو كما يسمونه "فك الارتباط"، ولا يعترفون بصراع الأفكار المثمر، وهذه طبيعة الإديولوجيات الشمولية، فهي صدامية استبدادية لا تستطيع التعايش وتطوير الذات التنظيمية والأداة الحزبية، لأنها لم تتمثل بعد ثقافة الديمقراطية تمثلا عميقا.

إن ذهنية الانشقاق لا تؤمن بالوحدة إلا كاختيار تكتيكي مرحلي، تمليه الحاجة الانتخابية، وليست قناعة مبدئية واختيارا استراتيجيا، وهذا ما يفسر عدم اكتراث أصحابها بالتأسبس الفكري والوضوح النظري للتحالف بصيغة الاندماج وهو أرقى صيغة للوحدة وأصعبها على الاطلاق، وهو ما يفسر أيضا استغلالهم للحق في التيارات من أجل السيطرة وفرض توجه واحد وإقصاء التيارات الأخرى، لأنهم لم يألفوا التعايش في إطار الاختلاف وتعودوا على الانشقاق في انتماءاتهم السابقة، وهو حال اليسار التقليدي  (الحركة الاتحادية) وقسم من اليسار الجديد (المستقلون).

فلا يمكن أن تجتمع في عقل واحد ثقافة الوحدة التي يستحيل بناؤها على الشمولية وذهنية الانشقاق التي لا تعترف بالتعايش في إطار الاختلاف، ولا ترفع شعار الوحدة إلا كاختيار مرحلي تكتيكي انتخابي، لا كقناعة مبدئية وتحالف استراتيجي، وليسأل المنشقون اليوم أنفسهم: ماذا حقق رفاقهم المنشقون من قبل؟ ماذا حقق أصحاب منصة أوطيل حسان؟ ماذا حققت الانشقاقات السابقة في اليسار منذ الاستقلال غير الانكسار والانتكاس والخيبة وتيئييس الجماهير.

 

عبد القهار الحجاري

 

 

كريم المظفرتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في رده على احد أسئلة "الخط المباشر" مع المواطنين، بإنه يعتبر الروس والأوكرانيين شعبا واحد، أثارت ردود فعل غير مريحة من الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي الذي قال، "أن الأمر ليس كذلك، ولكل من الشعبين طريقه الخاص، دعونا أخيرا نضع النقاط على الحروف، نحن بالتأكيد لسنا شعبا واحدا"، وهو ذاته القائل عندما تولى منصب الرئاسة "روسيا وأوكرانيا نحن فعلا شعبان شقيقان، ونحن من نفس اللون، لدينا نفس الدم، كلنا نفهم بعضنا البعض بغض النظر عن اللغة"، فما الذي تغيير، حتى يرجع الرئيس زيلينسكي بكلامه؟

الرئيس الروسي في مقاله خصص للوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين، والذي جاءت فكرة إعداد مثل هذه المادة خلال الخط المباشر الذي اجري في 30 يونيو، وتم نُشر المقال على موقع الكرملين على الإنترنت باللغتين الروسية والأوكرانية في آن واحد، وعبر الرئيس الروسي عن قناعته، بأن الروس والأوكرانيون هم شعب واحد وكامل واحد، وحاول بوتين ان يضع في مقاله النقاط على الحروف، حول أسباب هذا التغيير في السياسة الأوكرانية تجاه روسيا، وشدد على انه قبل عام 2014 بوقت طويل، كانت واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي تضغط بشكل منهجي على كييف لتقييد التعاون الاقتصادي مع موسكو، وهكذا كانت أوكرانيا تنجر إلى لعبة جيوسياسية خطيرة هدفها تحويلها إلى حاجز بين أوروبا وروسيا.

وأكد بوتين انه لا مكان لأوكرانيا ذات سيادة في مشروع "مناهضة روسيا"، وكذلك للقوى السياسية التي تحاول الدفاع عن استقلالها الحقيقي، ومع ذلك، شدد على أن روسيا لن تصبح أبدًا "مناهضة لأوكرانيا"، ووفقا للخبراء، فان المقالة يجب أن تجذب انتباه الأشخاص الأذكياء في الدولة المجاورة، الذين سيتفهمون أين تجذبهم القيادة الحالية، وبمجرد حدوث ذلك، سيصبح كل شيء في مكانه الصحيح في العلاقات بين الاثنين.

وكتب الرئيس بوتين " أود أن أؤكد على الفور أنني أرى الجدار الذي ظهر في السنوات الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا، بين أجزاء من فضاء تاريخي وروحي واحد، على أنه محنة مشتركة كبيرة، كمأساة "، بهذه الكلمات خاطب الرئيس الروسي الشعب الاوكراني وقال "هذه، أولاً وقبل كل شيء، عواقب أخطائنا التي ارتكبناها في فترات مختلفة"، مشيرا الى انه بالإضافة إلى ذلك، فإن الوضع الحالي هو نتيجة العمل الهادف لتلك القوى التي سعت دائمًا إلى تقويض وحدة الشعبين، "الصيغة المستخدمة معروفة منذ الأزل: فرق تسد، ولا جديد" ومن هنا جاءت محاولات التلاعب بالمسألة القومية لإثارة الفتنة بين الناس، وشدد الرئيس على أنه المهمة العظمى –هي التقسيم، ثم اللعب على أجزاء من شعب واحد فيما بينهم.

ومع ذلك، عاد فلاديمير بوتين إلى الوضع الحالي للعلاقات الروسية الأوكرانية في الجزء الثاني من المقال وتذكر كيف تشكلت روسيا القديمة، التي كان ورثتها من الروس والأوكرانيين والبيلاروسيين، وتم توحيد القبائل السلافية وغيرها في منطقة شاسعة - من لادوجا ونوفغورود وبسكوف إلى كييف وتشرنيغوف - بلغة مشتركة وروابط اقتصادية وسلطة أمراء سلالة روريك، وبعد معمودية روس - أرثوذكسي آخر الإيمان، حدد الزعيم الروسي، ولم تنجح روس القديمة في تجنب إضعاف القوة المركزية، واشتد التشرذم بعد الغزو المدمر لباتو: حيث سقط شمال شرق روسيا في تبعية الحشد، وأدرجت الأراضي الروسية الجنوبية والغربية بشكل أساسي في دوقية ليتوانيا الكبرى، ومع ذلك، تم استبدال هذه الحقبة بفترة توحيد الأراضي الروسية، وأصبحت موسكو مركزًا لإعادة التوحيد.

وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر، نمت حركة تحرير السكان الأرثوذكس في منطقة دنيبر، ويشير المقال الى إن نقطة التحول كانت أحداث عصر هيتمان بوهدان خميلنيتسكي، عندما حاول أنصاره الحصول على استقلال ذاتي من الكومنولث، "في رسالة إلى موسكو عام 1654، شكر بوجدان خميلنيتسكي القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش على حقيقة أنه" كرم لقبول جيش زابوروجي بأكمله والعالم الأرثوذكسي الروسي بأكمله تحت الذراع القوية والعالية لقيصره "، قال فلاديمير بوتين: "في مناشدات لكل من الملك البولندي والقيصر الروسي، دعا القوزاق وعرّفوا أنفسهم بأنهم شعب أرثوذكسي روسي"

وبعد نهاية الحرب الروسية البولندية، أصبحت كييف وأراضي الضفة اليسرى لنهر دنيبر، بما في ذلك بولتافا وتشرنيغوف وزابوروجي جزءًا من الدولة الروسية، وشدد الرئيس على أنه تم لم شمل سكانها مع الجزء الرئيسي من الشعب الأرثوذكسي الروسي، وتم اعتماد اسم "روسيا الصغيرة" (روسيا الصغيرة) لهذه المنطقة نفسه، ثم تم استخدام "اسم أوكرانيا" في كثير من الأحيان بمعنى أن الكلمة الروسية القديمة "ضواحي" وجدت في المصادر المكتوبة منذ القرن الثاني عشر، عندما يتعلق الأمر بمناطق حدودية مختلفة، وأوضح الرئيس الروسي أن كلمة "أوكراني"، إذا حكمنا عليها أيضًا من خلال الوثائق الأرشيفية، كانت تعني في الأصل أفراد خدمة الحدود الذين كفلوا حماية الحدود الخارجية.

واعترف الرئيس فلاديمير بوتين في مقاله أنه على مدى قرون عديدة من التشرذم والحياة في دول مختلفة، ظهرت سمات لغوية إقليمية، علاوة على ذلك، تعززت بين النخبة البولندية وجزء من المثقفين الروس الصغار، وفقًا للرئيس، فكرة وجود شعب أوكراني منفصل عن الروس، "لم يكن هناك أساس تاريخي هنا ولا يمكن أن يكون هناك، لذلك استندت الاستنتاجات إلى مجموعة متنوعة من التخيلات "، وانه وبقدر ما يُزعم أن الأوكرانيين ليسوا سلافًا على الإطلاق، أو، على العكس من ذلك، أن الأوكرانيين سلاف حقيقيون، والروس، فإن "سكان موسكو" ليسوا كذلك".

وفي الوقت نفسه، يمكن اعتبار أوكرانيا الحديثة، وفقًا للرئيس بوتين، من بنات أفكار الحقبة السوفيتية بالكامل، لذلك، في عام 1922، عندما تم إنشاء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، تم تنفيذ خطة لينين لتشكيل دولة اتحاد كاتحاد الجمهوريات المتساوية، وقدم دستور عام 1924 لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية الحق في الانسحاب الحر من الاتحاد، وهكذا، حسب قوله، فإن أخطر "قنبلة موقوتة" وضعت في أساس الدولة.

وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، روج البلاشفة بنشاط لسياسة التوطين، التي نُفِّذت في جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية باعتبارها أوكرانية، ولعب السكان الأصليون بالتأكيد دورًا كبيرًا في تطوير وتعزيز الثقافة واللغة والهوية الأوكرانية، وفي الوقت نفسه، وتحت ستار محاربة ما يسمى بشوفينية القوة العظمى الروسية، فُرضت الأوكرنة غالبًا على أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم أوكرانيين، وكانت السياسة القومية السوفيتية - بدلاً من أمة روسية كبيرة، شعب ثلاثي يتكون من الروس العظام، والروس الصغار والبيلاروسيين - هي التي ضمنت على مستوى الدولة توفير ثلاثة شعوب سلافية منفصلة: الروسية والأوكرانية والبيلاروسية "، ومع ذلك، لم يدرك الاتحاد الروسي الحقائق الجيوسياسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فحسب، بل فعل الكثير لجعل أوكرانيا دولة مستقلة، وفي 1991-2013، فقط بسبب أسعار الغاز المنخفضة، أنقذت كييف أكثر من 82 مليار دولار لميزانيتها، واليوم "تتمسك" حرفياً بـ 1.5 مليار دولار من المدفوعات الروسية لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا.

واعرب الرئيس الروسي في مقاله عن اسفه في ان تجد أوكرانيا اليوم، بحكم سياستها، نفسها في وضع اقتصادي صعب، فوفقًا لصندوق النقد الدولي، في عام 2019، حتى قبل وباء الفيروس التاجي، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 4000 دولار، وهو أقل من ألبانيا ومولدوفا وكوسوفو غير المعترف بها، وبالتالي، فإن أوكرانيا هي الآن أفقر دولة في أوروبا، وتساءل "من هو المسؤول عن هذا؟ هل شعب أوكرانيا؟ بالطبع لا، وشكا فلاديمير بوتين من أن السلطات الأوكرانية هي التي أهدرت، وتركت إنجازات العديد من الأجيال تذهب سدى.

ووفقا له، قبل عام 2014 بوقت طويل، دفعت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بشكل منهجي ومستمر أوكرانيا للحد من التعاون الاقتصادي مع روسيا، وقال الرئيس إن كييف دخلت في لعبة جيوسياسية خطيرة، هدفها تحويل أوكرانيا إلى حاجز بين أوروبا وروسيا، وفي هذه الحالة، تم أخذ الدور القيادي من قبل القوى الوطنية، وهذا ما تؤكده العديد من القوانين التي تهدف إلى قطع العلاقات مع الاتحاد الروسي، وقال فلاديمير بوتين: "الشيء الأكثر إثارة للاشمئزاز هو أن الروس في أوكرانيا مجبرون ليس فقط على التخلي عن جذورهم، من أجداد أجداد، ولكن أيضًا على الاعتقاد بأن روسيا هي عدوهم".

ومع ذلك، رفض ملايين الأوكرانيين المشروع "المناهض لروسيا"، وبحسب الرئيس بوتين ، بذل الاتحاد الروسي قصارى جهده لوقف حرب الأشقاء، وعلى وجه الخصوص، تم إبرام اتفاقيات مينسك، والتي تهدف إلى تسوية سلمية للصراع في دونباس، وأعرب بوتين عن ثقته في أن هذه الاتفاقيات لا بديل لها، وأشار الى انه وخلال المفاوضات الرسمية، وخاصة بعد "الانسحاب" من جانب الشركاء الغربيين، يعلن ممثلو أوكرانيا بشكل دوري "التزامهم الكامل" باتفاقيات مينسك، وهم في الواقع يسترشدون بموقفهم "غير المقبول".

إن المؤلفين الغربيين لمشروع "مناهضة روسيا" يعدلون النظام السياسي الأوكراني بحيث يتغير الرؤساء والنواب والوزراء، لكن الموقف من العداء مع موسكو لم يتغير، وفي الوقت نفسه، وكما جاء في المقال فهو متأكد من أنه لا مكان لأوكرانيا ذات السيادة في مشروع "مناهضة روسيا"، وكذلك للقوى السياسية التي تحاول الدفاع عن استقلالها الحقيقي، وان الرئيس بوتين مقتنع بأن أولئك الذين يكرهون روسيا فقط هم من يُعلن الآن أنهم وطنيون "صحيحون" لأوكرانيا، وان كل الحيل المرتبطة بالمشروع المناهض لروسيا واضحة لنا كما قال فلاديمير بوتين: "لن نسمح أبدًا باستخدام أراضينا التاريخية والأشخاص القريبين منا الذين يعيشون هناك ضد روسيا".

وبناءا على ما تقدم على ما يبدو أن العلاقات بين الاتحاد الروسي وأوكرانيا وصلت إلى نقطة يجب أن تفهم فيها كييف أخيرًا ما يتجهون نحوه وماذا يريدون، في رأي الروس ، يتم دفع الدولة المجاورة نحو المواجهة مع روسيا، لكن موسكو لا تريد ذلك، لأن الروس والأوكرانيين "عاشوا تحت سقف واحد لمئات السنين"، وفي رأيهم، لا تزال القوى السليمة في أوكرانيا، والتي "ببساطة ترهبها الأقلية المؤيدة للنازية"، ومع ذلك، فإن مقال فلاديمير بوتين يجب أن يجذب انتباه الأشخاص الأذكياء الذين سيفهمون في النهاية "أين تجذبهم القيادة الحالية للبلاد، برئاسة فلاديمير زيلينسكي".

كما ان المقال أكد أن روسيا منفتحة على الحوار مع أوكرانيا ومستعدة لمناقشة أصعب القضايا، ومع ذلك، ومن المهم أن تفهم موسكو أن كييف تدافع عن مصالحها الوطنية ولا تخدم الآخرين، وان الرئيس بوتين مقتنع بأن السيادة الحقيقية لأوكرانيا ممكنة على وجه التحديد بالشراكة مع روسيا، لان القرابة بين الشعبين تنتقل من جيل إلى جيل، و إنها في القلوب، في ذاكرة الناس الذين يعيشون في روسيا وأوكرانيا الحديثة، في روابط الدم التي توحد الملايين من عائلات الشعبين .

كما ان المقال لخص أن روسيا لم تكن ولن تكون "مناهضة لأوكرانيا"، وماذا يجب أن تكون أوكرانيا - الأمر متروك لمواطنيها لاتخاذ القرار، وان المقال بأكمله يستند إلى موقف محترم بشكل قاطع تجاه الشعب الأوكراني، وبمجرد أن يفهم الأوكرانيون ما يدخلون فيه، فإن كل شيء سوف يقع في مكانه، حيث لا توجد أسباب موضوعية لمواصلة المسار المعادي لروسيا.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

محمد عمارة تقي الدين"لقد قتلتُ بصفةٍ شخصيةٍ عددًا كبيرًا من العرب، ولا توجد لديّ أدنى مشكلةٍ في ذلك"، تلك واحدة من مقولات رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت بحق الفلسطينيين، وهي تأتي تعبيراً عن قناعات ترسخت لديه ولدي التيار الديني الصهيوني الذي ينتمي إليه، وأضحت تشكل الوجدان الجمعي لهذا التيار، فالعربي الجيد لديهم هو، دائماً وأبداً، العربي الميت.

يبلغ بينت من العمر تسعة وأربعين عاماً، وهو زعيم اليمين المتشدد في إسرائيل، كما أنه المليونير ورجل الأعمال السابق في مجال التكنولوجيا المتقدمة، لقد أدار عبر شركاته معركة دعائية عالمية لتلميع الكيان الصهيوني وتجميل صورته القبيحة في الإعلام الأجنبي ليبدو القاتل كما لو كان الضحية.

ولك أن تعلم أن بينيت هو أول زعيم حزب يميني ديني يتولى رئاسة الحكومة في تاريخ دولة الكيان الصهيوني، فهي إذن لحظة تاريخية فارقة لدى هذا التيار وقد طال انتظارها.

في العام 2012م  تولى بينت رئاسة حزب "البيت اليهودي" اليميني المتشدد، وهو الوريث الشرعي لحزب المفدال الديني، غير أنه في عام 2018م، أعاد بينت تسمية حزب البيت اليهودي باسم "يمينا" أي "إلى اليمين" .

هو رجل براجماتي مصلحي، مثله مثل التيار الديني الصهيوني الذي ينتمي إليه، إذ يعتبر كل علماني حماراً للمسيح بالمفهوم الديني والأداة التي يتحتم إمتطاؤها لتحقيق ما يتغياه دون وعي منها، تماماً كحمار المسيح الوارد ذكره بالعهد القديم والذي سيحمل المسيح اليهودي للقدس عند عودته دون وعي منه، أي من ذلك الحمار، فهو التسخير من دون إدراك.

بل إن علاقته بأستاذه نتنياهو أضحت مرهونة بتلك القناعة، يرى بعض الذين لا يعرفون طبيعة هذا التيار أن تنكُّره لأستاذه هو تحول دراماتيكي لدى بينيت الذي كان أحد المقربين من نتنياهو، فقد ساعده الأخير كثيراً، ولكنها في التحليل الأخير خاصية كامنة في هذا التيار الديني الصهيوني، فهي علاقات مؤقتة ومشروطة تحكمها المصلحة وحتى إشعار آخر، فأين تكون المصلحة ستجد الرجل وتياره بالضرورة، لقد تسبب ذلك النكران للجميل في هجوم أعضاء حزب الليكود على بينيت بدعوى أنه خانهم، كما هاجم نتنياهو نفسه بينيت، قائلاً، أي نتنياهو، إن " بينيت لا يتورع عن فعل أي شيء من أجل أن يكون رئيساً للوزراء"، وهو في ذلك الصادق وإن كان كذوباً.

والمفارقة أنه على الرغم من انتمائه للتيار الديني إلا أنه، أي بينيت، يقبل بمصافحة النساء، ولا يدين سلوك المثليين، فالمهم لديه هو إنفاذ إستراتيجية الصهيونية الدينية التي تتحرك بقدمين كبيرين هما: العنف والاستيطان، فهما مركز العقيدة لديهم وكل شيء بخلاف ذلك هي أمور على الهامش وليست من المتن في شيء.

لقد قبل بينيت الانضمام لحكومة يجري تصنيفها على أنها يسارية، فالغاية لديه تبرر الوسيلة، وهو ما تحقق له بالفعل، فها هو يتقلد أكبر منصب سياسي في دولة الكيان الصهيوني.

الحقيقة أن هذا التيار عبر ثغرة في النظام السياسي الإسرائيلي استطاع أن يمارس دوراً أكبر بكثير من حجمه، إذ تبقى الكتلة السياسية الأكثر حجماً بحاجة ماسة لتحالف الكتل الأصغر معها من أجل تشكيل الحكومة، فلك أن تعلم أن حزب (يمينا) الذي يتزعمه نفتالي بينيت، يمتلك سبعة مقاعد فقط في الكنيست، لكنه عبر البراجماتية السياسية منزوعة الأخلاق، أو قُل الانتهازية السياسية في حدها الأقصى تمكن من الحصول على المنصب.

بينيت مثله مثل حزبه يدّعي أن أرض فلسطين هي ملك لإسرائيل وحدها، وهو يؤيد بناء المستوطنات، إذ يرى أن المستوطنات ستخلق واقعاً يستحيل تغييره، من أجل ذلك تصدى لكل محاولات تجميد بناء مستوطنات جديدة، بل وكان قد شغل في السابق منصب رئيس مجلس الاستيطان في الأراضي المحتلة، بل وكان قد أعرب عن رفضه تنفيذ الجنود الإسرائيليين أوامر الحكومة في حال طلبت منهم إخلاء مستوطنات، وهو يعتمد في ذلك على وجود عدد كبير من المتدينين الصهاينة داخل الجيش.

إذ يتبنى الحزب الذي يتزعمه بينت ذات مبدأ حزب المفدال القديم " أرض إسرائيل لشعب إسرائيل حسب توراة إسرائيل"، لذا يدعو لاستمرار الاستيطان ويرفض أي محاولة للتنازل عن المستوطنات، كما يرفض محاكمة ضباط الجيش الصهيوني وجنوده على الجرائم التي ارتُكبت ضد الفلسطينيين.

ويدعو إلى ردود الفعل العسكرية دائماً لا السياسية في التعامل مع المقاومة الفلسطينية.

لقد كشفت صحيفة معارييف الصهيونية، أن نفتالي بينت هو المسئول الأول عن مجزرة قانا الأولي(مجزرة مقر اليونيفيل التابع للأمم المتحدة) عام 1996م، فقد كان وقتها يخدم في الجيش قائدًا لإحدى الوحدات القتالية، وقد تورط في ارتكاب تلك المجزرة والتي راح ضحيتها أكثر من مائة فرد لبناني أغلبهم من الأطفال والنساء، وجاء في التقرير الخاص بالمجزرة أن بينت تصرف من تلقاء نفسه مخالفًا أوامر قادته.

وفي عام 2013، صرّح بأنه "يجب قتل المحتجزين الفلسطينيين وليس إطلاق سراحهم"، كما ادعى أن الضفة الغربية ليست تحت الاحتلال لأنه "لم تكن هناك دولة فلسطينية هنا"،  ومن ثم فهو من أشد المعارضين لقيام دولة فلسطينية، وفي عام 2017م زعم بينيت أن "أحداً من الشعب اليهودي لا يمتلك الحق بالتنازل عن جزء من أرض إسرائيل، ومن ثم يستحيل إقامة دولة فلسطينية، فالأرض كلها ملك لإسرائيل".

ومن ثم يدعو نفتالي بينيت لضم الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني مؤكدًا أن " المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين حول إنشاء دولة فلسطينية على حدود عام 67 م هو أمر من قبيل المستحيل، إذ أن من شأنه أن يضع دولة إسرائيل في خطر محدق، إذ ستخلق أكثر من غزة أضف إلى ذلك جذبها لملايين اللاجئين الفلسطينيين في أنحاء العالم،  وهو ما سيقود لكارثة ديموجرافية تشكل خطرًا على مستقبل الدولة اليهودية"، ومن الناحية الاقتصادية يؤكد نفتالي بينيت أن قيام الدولة الفلسطينية يعنى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، ويضيف: " لن نسمح بطرح موضوع الانسحاب من أي جزء في الضفة الغربية، العالم يحتقر الدولة التي تفرط في أرضها... الحديث عن دولة فلسطينية هو خطأ تاريخي والقدس الموحدة هي عاصمة دولة إسرائيل ولن تخضع للمفاوضات"، ومن ثم يؤكد نفتالي بينت أن حل الدولتين هو في غير صالح إسرائيل وبالتالي يتوجب رفضه، كما يدفع نحو إصدار القانون الأساس الذي من شأنه أن يعتبر إسرائيل دولة يهودية، وهو بالتالي ضد منح حقوق المواطنة للأقليات داخل الكيان الصهيوني بل وتبني سياسة من شأنها ردع أنشتطهم، فهم وفق قناعاته يشكلون طابورًا خامسًا لصالح الفلسطينيين داخل الكيان الصهيوني.

لقد صرّح بينيت أن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين هو صراع غير قابل للحل، إذ قال: "محاولة إقامة دولة فلسطينية في بلادنا انتهت بلا رجعة... لن يكون هناك دولة فلسطينية داخل أرض إسرائيل، دولة فلسطين ستكون كارثة لأكثر من مائتي سنة، أريد أن يفهم العالم أن دولة فلسطينية تعني إلغاء دولة إسرائيل...إن أرض إسرائيل هي أرض شعب إسرائيل وفقط، يجب أن نقول لأنفسنا، ولكل العالم إن هذه أرضنا منذ ثلاثة آلاف عام، لم تكن هنا دولة فلسطينية أبداً، ولم نكن نحن مُحتلين، نحن السكان الأصليين هنا"، فها هو الرجل يردد ذات الوقاحات الصهيونية التي تم الترويج لها مع بداية المشروع الصهيوني.

كان بينت قد أسس حركة (إسرائيل لي (My Israel) التي ترفض أي عملية سلمية من شأنها منح الفلسطينيين دولة مستقلة، وتبذل هذه الحركة جهودًا كبيرة على شبكة المعلومات الدولية لتقديم رؤيتها للصهيونية والصراع العربي الإسرائيلي باعتبارها الحقيقة المطلقة ومن أجل ذلك أقامت ما يشبه التحالف مع المسئولين عن موسوعة ويكيبيديا الدولية بل ونظمت لهم مؤتمرًا ترويجياً في إسرائيل.

والرجل مثله مثل سائر زعامات التيار الديني الصهيوني لا يترك فرصة إلا ويعلن عن توجهاته العنصرية والتي من خلالها يكتسب المزيد من الأتباع في بيئة لا تنمو وتزدهر بها إلا أطروحات العنف والتطرف، في حين أن الأطروحات المعتدلة يكون مصيرها دائمًا الذبول والتلاشي في محيط هادر من الكراهية.

في مارس من العام 2015م اقتحم نفتالي المسجد الإبراهيمي تحت حراسة أمنية مكثفة مما أثار ردود فعل واسعة، وتنتشر عبر الانترنيت صورة لنفتالي بينت وهو يحمل سلاحًا، وهي الصورة التي علق عليها البعض بأنها دعوة للإسرائيليين لحمل السلاح.

وفيما يتعلق بالملف الإيراني يدعو بينت للانتقال من الدفاع والتصدي لأي هجوم إيراني محتمل من سوريا إلى الهجوم مباشرة على القوات الإيرانية هناك، بل وهدد بتحويل سوريا إلى "فيتنام" ضد القوات الإيرانية، في حال أصرت إيران على وجودها العسكري في سوريا، ومن ثم يقول بينت مخاطباً الإيرانيين:"عليكم أن تعلموا أن سوريا ستتحول إلى فيتنامكم، ستغرقون في دمائكم هناك حتى الموت".

 

لقد نجح نفتالي بينت في دفع نتنياهو وأعضاء الليكود بشكل أكبر باتجاه اليمين والتشدد، إذ تمثل الأحزاب الدينية الإسرائيلية واحدة من أهم محددات صنع القرار السياسي الإسرائيلي وبخاصة الأحزاب الدينية المحمولة على الرؤى والأطروحات الصهيونية، إذ تتفق جميعها على مبدأ عام، وهو الولاء للكيان الصهيوني عبر إلباسه حلة دينية مزركشة بالأيديولوجية الصهيونية التي لحمتها الاستيطان وسداها العنف.

ومن ثم فهي تجتمع على رؤية واحدة للصراع العربي الصهيوني وهي التمسك التام بكامل "أرض إسرائيل "بمفهومها التوراتي، وبالتالي الدعوة للتخلص من العرب الموجودين بها وإحلال يهود محلهم.

وهي رؤية استعمارية إحلالية يتلاشى معها أي أمل في تحقيق تسوية سلمية للصراع العربي الصهيوني، خاصة إذا ما علمنا أن تلك الأحزاب الدينية الصهيونية يتزايد نزوعها نحو التشدد وتبني المواقف الأكثر تطرفاً بمرور الوقت وذلك في ظل موقف عربي ودولي مُتراجع.

ولا تخلو الأخبار عن قيادات هذا التيار الديني الصهيوني الذي يتزعمه بينت من بعض الفضائح الجنسية، فها هو أحد النواب في الكنيست عن الحزب وهو ينون مجال (Yinon Magal) والذي كان عضوًا في الكنيست العشرين، إلا أنه استقال بعد تفجُّر فضيحة جنسية له في 2015م، إذ اتهمنه ثلاثة من النساء كن يعملن معه في موقع " وللا " الإخباري بالتحرش الجنسي بهن.

يرى بينت أن القدس بكاملها هي للصهاينة وفقط، لذا فقد كان من أشد المُرحِّبين بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مستشهدًا وبكل وقاحة على أحقية القدس لإسرائيل بأنها لم تُذكر في القرآن مطلقاً، يقول بينيت: "في نهاية المطاف، القدس هي عاصمة إسرائيل، هل تعرفون كم مرة ذكرت في القرآن الكريم؟ صفر".

والرجل بسبب مواقفه المتشددة تلك يحظى شعبية كبيرة داخل الكيان الصهيوني، ففي أغسطس 2017م وفي استطلاع للرأي داخل المجتمع الإسرائيلي أكد كثيرون أنه الخليفة المُحتمل لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حال الإطاحة به من منصبه، وهو ما حدث بالفعل.

وفي التحليل الأخير، فالتيار الديني الذي يتزعمه بينت لا يجب أن ننتظر منه غير مزيد من العنف لو لم يتم ممارسة ضغوط حقيقية عليه، إذ وبمرور الوقت، وفي ظل بيئة مواتية، سنجده يتجه نحو التشدد وينزع نحو تبني أطروحات أكثر راديكالية وعنفًا.

والغاية لدية وكما سبق القول تبرر الوسيلة مهما بلغت درجة خستها وبشاعتها، فهو كائن ما بعد حداثي تجري في عروقه دماء صهيونية، فقد جمع الأرذلين، فلا قيم ولا وعود أو عهود يمكن الاحتفاظ بها، فكل شيء قابل للبيع ويخضع للمساومة.

لقد استوعب بينت الدرس جيداً، ذلك الدرس القائل: مزيد من التشدد يقود بالضرورة إلى مزيد من الأتباع ومن ثم الصعود في سلم السلطة، ومن ثم طعن في الظهر وذبح من الوريد أستاذه نتنياهو الذي كان قد تنكّر هو الآخر لمن كانوا قبله، فهي معركة القدور الفخارية التي يحطم بعضها بعضا، لكننا بوعينا الزائف اعتقدناها صُنعت من فُلاذ.

لقد امتطى بينت ظهر نتياهو وصولاً للمنصب الرفيع، ولما لا فنتنياهو هو حمار المسيح، وتياره المنتمي إليه شأنه شأن سائر التيارات الدينية الصهيونية في إسرائيل تنظر للعلمانيين باعتبارهم " حمار المسيح " الذي سيمتطيه المُخلِّص عند عودته لفلسطين، وعليه يتحتم استغلالهم قدر الإمكان حتى يتحقق حلم الاستيطان كاملاً ومن ثم عودة المخلص، في تلك اللحظة، لحظة العودة، سيصدر قرار الفصل النهائي لهؤلاء العلمانيين والتخلص التام منهم، فقد انتهي دورهم.

ومع ذلك كله ورغم ما يتشح به المشهد من سوداوية ممتزجة ببقع من الدماء، أكثرها دماء الفلسطينيين الزكية، فالأمل لا يزال قائماً.

فطبقاً لاستراتيجية (التمدد والانكماش) التي كثيراً ما حدّثنا عنها العلامة الراحل الدكتور إبراهيم البحراوي رائد الدراسات الإسرائيلية والتي طرحناها في أكثر من دراسة، ليس لدى بينت(مثله مثل التيار المُنتمي إليه) مواقف مبدئية ثابتة، بل ستتغير بتغير كل من الموقف الداخلي والعربي والدولي، أي أنه في حال مارست تلك الأطراف ضغطاً حقيقياً على الكيان الصهيوني تُشعِره بتهديد وجودي ستنكمش أطماع هذا التيار وصولاً للقبول بدولة فلسطينية، وفي حالة تراخي تلك المواقف أو انحيازها لإسرائيل ستتمدد أطماعه لتلتهم المنطقة كلها، تلك هي خاصية التمدد والانكماش التي علينا أن ندرك آلية عملها جيداً ومن ثم التحرك وفق مقتضياتها.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

 

علاء اللامي* أما في لبنان مثلا، حيث "تخضع كل طائفة لقانون أحوال شخصية (15 قانوناً)، ترفض المحكمة الجعفرية رفع سن حضانة الأم المطلقة لأطفالها (عامين للذكر و7 للأنثى) وهو الحد الأدنى -الملزم - في لبنان على مستوى الطوائف"، ويستند المشرع الجعفري اللبناني هنا - كما يظهر - الى آية الرضاعة التي تقول (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا، لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ...  البقرة- 233)، ولكن هذا التخريج القضائي للآية القرآنية لا يفرق بين الحضانة والرضاعة التي هي جزء من كل، وهو يأخذ بالجزء الأول من الآية ويقفز على الجزء الآخر منها والذي يقوم على قاعدة عدم المضارة (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ).

* في لبنان ذاته، كانت النساء من الطائفة الشيعية وغيرها يتطلعن إلى النموذج العراقي ويقارنَّ الوضع في لبنان به، وبعضهن يحتج بأن المرجعية للمحاكم الجعفرية في لبنان مركزها العراق، أجازت الحضانة لأكثر من عامين ولم ترفض مادة الحضانة 57 التي تصل بالحضانة للأم إلى 15 عاما. ويبدو أن الحال ستنقلب الآن في العراق الذي لم يعد يقدم المثال الحسن في التقدم والتطور الحضاري بسبب هيمنة أحزاب ومليشيات الفساد وتشكيل نظام حكم المكونات الطائفية والعرقية بعد الاحتلال.

أما لدى الطوائف المسيحية الكاثوليكية بلبنان فيصل حد عمر الطفل المحضون من قبل الأم الى سنتين للجنسين ولكنه حدٌّ غير ملزم للأم. فالقضاة الكاثوليك يتّخذون قرار الحضانة وفقًا لمصلحة الطفل الفضلى، فلا شيء يجبر الأم على تسليم طفلها أو طفلتها إلى الأب بعد فترة السنتين. وعدم الإلزام خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها خطوة محدودة وغير كافية وبديلها يكون في قانون لبناني جديد غير طائفي للأحوال الشخصية لدولة مواطنة لا دولة طوائف كما هي الحال في لبنان اليوم ومنذ قيامه.

2636 لبنان

* وفي لبنان أيضا، نجد أن الفقهاء مختلفون في مقاربة المسألة داخل الطائفة الشيعية، إذْ كان للمرجع الراحل محمد حسين فضل الله رأي مختلف حول سنّ الحضانة، وأفتى بأنّ الأم أحقّ بحضانة الولد، "ذكراً كان أو أنثى، إلى عمر سبع سنين، إلا إذا كانت الأم أقدر على حضانة الولد من الأب، لعدم قدرته على القيام بمسؤولياته، فإنه يعود إلى الأم". ويمضي المفتي أحمد طالب الذي يتبع مرجعية فضل الله أبعد من ذلك في خطوة تقدمية تقارب مفهوم الحضانة المشتركة وأولية مصلحة الطفل فيقول: "إنّ باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة، وهناك آراء متعدّدة، وحتى أنّ بعض الاجتهادات تقول بوجوب الحضانة حتى سن البلوغ". ويضيف المفتي قائلا: "إن موضوع الحضانة بات مسألة أمن اجتماعي، وما نراه من مظالم ناتج عن التصلّب الفقهي في التطليق، وعن عدم وجود لجان مختصة لدى المحاكم الجعفرية لتحديث القوانين، والأمثل هو التوجه نحو مبدأ الحضانة المشتركة وفقًا لمصلحة الطفل، وذلك لا يتناقض مع الشرع لناحية حماية الطفل من الضرر". 

وحتى في إيران التي تتبنى نظام ولاية الفقيه، حدثت تعديلات توحي بأنها إيجابية حيث نجد مقاربة واعدة في المادة 1169 من القانون المدني الإيراني التي تنص على "الأولوية في الحضانة للأم حتى سن السابعة" أي إنهم يأخذون بفتوى السيستاني هنا أيضا" ولكنهم يزيدون عليها خطوة متقدمة رغم أنها فضفاضة وغير مدعومة بآليات ملموسة وواضحة تقول " إذا حصل الاختلاف بين الوالدين في الحضانة، فالمحكمة تبت فيمن له الحق بالحضانة وفقا لتشخيصها لمصلحة الطفل"، والحاجة ماسة هنا لسنِّ مواد قانونية يُحْكَم بموجبها لا أن تترك القضايا لمزاج القاضي في دولة دينية.

وبمناسبة ما يقال عن تحديد ساعات قليلة في الشهر يرى فيها الأب ابنه فهذا أكثر من إجحاف بحقه بل هو يتجاوز الإجحاف ليكون عقابا لا مبرر له للأب، وبالمناسبة فالمحاكم السويسرية مثلا - حيث القضاء في هذا البلد منحاز تماما للمرأة الأم والزوجة التي يتعاظم دورها في قيادة الدولة والمجتمع - تضمن حقوقا كبيرة للأب في التواصل مع الأبناء إذا كانوا في حضانة الأم، وهم مطلقا في حضانة الأم التي تكون بعد الطلاق صاحبة المنزل الزوجي بعد أن يخرج الزوج الطليق منه بحكم القانون. حيث تنص أحكام الطلاق التي تصدر عن المحاكم السويسرية على مادة نمطية هي الثالثة عادة بين مواد الحكم بالطلاق في جميع الحالات تقول: 

(3-يحتفظ السيد "..." /الأب الطليق، بحق واسع في زيارة ابنه، وهذا الحق سيمارس، ما لم يتفق الوالدان على خلاف ذلك، بمعدل عطلة نهاية أسبوع واحدة من إثنين، ونصف العطل المدرسية).

وهذا يعني أن الأب من حقه أن يزور أو يستقبل ابنه في مقر إقامته من مساء الجمعة أو صباح السبت إلى مساء الأحد كل أسبوعين، إضافة إلى نصف أيام العطل المدرسية، فإذا كانت أسبوعين يبقى في عهدة الأب أسبوعا وإذا كانت شهرين في العطلة الصيفية يبقى في عهدة أبيه شهرا كاملا.

خلاصة القول في صدد البديل المطموح إليه في بلادنا أعتقد أن حضانة الطفل ينبغي تكون للأصلح والأقدر وبشكل توافقي بين الأم والأب وتحت إشراف الدولة وقضائها، والأم بصفتها هذه ولأسباب بيولوجية واجتماعية وإنسانية وثقافية تحوز الكثير مما يجعلها الأصلح والأكفأ، ولكن هذا التعميم قد لا ينطبق على جميع النساء، فهناك حالات استثنائية لأسباب شتى قد لا يستطعن القيام بأعباء الحضانة وهذا الاستثناء تقرره المحاكم والجهات الطبية والنفسية في حال وجد ما يبرر اعتباره استثناء، ولا ينبغي أن تكون هذه الصفة الأمومية دافعا للإجحاف بحقوق الأب في حضانة ابنه والإشراف عليها أو نقيضا لهذه الحقوق واستبدادا ضده ليحل في مراكز متأخرة في حضانة أبنائه، وهذا المبدأ مأخوذ به اليوم في الدول والمجتمعات المعاصرة شرقا وغربا وبشكل مضطرد مع منح دور أكبر للإشراف الاجتماعي والطب النفسي وتحت رقابة القضاء.

 

علاء اللامي

.....................

* الصورة: تظاهرة سنة 2017 لنساء لبنانيات "مسلمات شيعيات" ورجال يساندونهن ضد قضاء طائفتهن الذي يرفض إعطاء الحضانة للأمهات لأكثر من الفترة القصيرة المسموح بها.

 

 

علي الدباغوضحنا في الحلقة الأولى خفايا اتفاق الدوحة بين طالبان الجديدة والولايات المتحدة والذي بموجبه أعطى الضوء الأخضر وعدم الممانعة لطالبان لتتقدم للسيطرة على الحكم في افغانستان بمشاركة وجوه شكلية من القوى الأخرى مقابل أن تتولى طالبان منع ومحاربة أي تواجد أو حواضن لخلايا وتنظيمات معادية للولايات المتحدة على الأراضي الأفغانية.

التقطت طالبان هذه الرخصة ولم تنتظر لأي مواعيد وجداول زمنية حددها اتفاق الدوحة للسيطرة على ما يمكن من الأرض حيث تتميز بخفة حركتها وبطشها وسرعة فائقة للتحرك مقارنة بالقوات الحكومية الأفغانية التي تهرب أمامها تاركة لها عتادها وعدتها مثلما حدث من هروب للقوات العراقية عند دخول داعش للموصل عام 2014.

إدارة الرئيس بايدن لم تراجع اتفاق ادارة ترامب مع طالبان ولم تعدل فيه شئ يذكر غير تحديد موعد 11 سبتمبر القادم لإعلان إكتمال الإنسحاب الأمريكي بعد فشل متواصل في سلسلة فشل تدخل القوات العسكرية الأمريكية في كل تأريخ تدخلاتها في البر الآسيوي، حيث خسرت أكثر من 2000 جندي و20 الف جريح بالإضافة الى التكاليف المالية الكبيرة على مدى عشرون عاماً، هاجس إدارة بايدن هو الإنسحاب ولتغرق أفغانستان في فوضى خلاقة مادام الغرق بعيدا عنها، بل هو المطلوب لإشغال روسيا وايران ولاحقا الصين وغربها الإسلامي بتداعيات الفوضى التي ستنشأ ويمكن حينها إستخدام وإحتواء ما يمكن إستخدامه وإحتواءه من مخلفات تلك الوضى ونواتجها من قوى وجماعات ضد أي أعداء حاليين أو محتملين في آسيا.

روسيا وإيران يدركان تماماً مخاطر الفوضى ويتوجسوا من طالبان الجديدة واتفاقاتها مع الولايات المتحدة، وبدورها طالبان فإنها أكدت للمسؤولين الإيرانيين على هامش ملتقى الحوار الذي جمعهم مع حكومة ألرئيس أشرف غني في طهران إنها لن تدخل في خصومة مع النظام في إيران ولم يتضمن اتفاقها مع الولايات المتحدة أي دور لها في مشاكسة إيران، بدورها إيران تسعى من خلال علاقاتها بترتيب انتقال أقل عنفا لمعادلة حكم جديدة تكون فيها طالبان فاعلا أقوى في مساعي حوار ثنائي بين طالبان وحكومة كابل، لكن طالبان في وضع جيد ولا تعطيها المفاوضات مكاسب كالتي تحصل عليها في تقدمها السريع والسهل لإمساك أراضي جديدة في طريقها لكابل.

تبقى روسيا والصين  اللذان لا يملكان نفس التأثير الايراني وعلاقاتها الداخلية في أفغانستان يستشعران مخاطر وجود نظام أصولي متطرف للحكم على حدودهما حيث تمتلك روسيا أكبر قاعدة عسكرية في طاجيكستان الفقيرة المجاورة لأفغانستان، وكذلك يمكن أن يُحفز تنامي شعورا دينياً لدى الأقليات المسلمة خصوصا في الصين حيث لا يزال المشروع الأمريكي في تحريك مشاعر الإيغور في شينجيان واحداً من خطط أمريكا والغرب لإرباك وإشغال الصينيين في أزمة داخلية تتولى جزء منها تركيا في تبني وإيواء وتهيأة بعض الأفراد من الإيغور على أراضيها، والتي أُنيط بها دوراً مهما في الوضع الجديد القادم في إفغانستان يبدأ بحماية مطار كابل ومفتوح على التوسع والإمتداد حيث إنها الأقدر والأكفأ بالمقارنة مع باكستان التي لم تلبي مطالب الأمريكان في مواجهة طالبان ولا تعتبرها عدوة لها.

يبقى السؤال الأهم هو تطورات الوضع مستقبلاً في أفغانستان ومدى إلتزام طالبان بعهودها وهل ستقتنع بحصر نفسها في حدود أفغانستان الفقيرة المعزولة ذات الموارد المعدومة وتبقى إمارة إسلامية صغيرة ويتربع على عرشها أمير المؤمنين، حيث يمكن أن يعيد بعض التاريخ نفسه، ولا توجد ثوابت والكل متحرك والإتفاقات والتعهدات يمكن أن تبقى حبراً على ورق يضمها الأرشيف في الدوحة وواشنطن.

الإمارة الإسلامية تحتاج لأموال، وموارد أفغانستان لا تكفي لتمويل الأيديولوجيا الأصولية ولا توجد تعهدات من أموال البترودولار لحد الآن ويبقى البحث عن التمويل قائماً وحاضراً مادامت هناك بندقية باليد تغذيها أيديولوجيا القتال.

 

د. علي الدباغ

 

 

علاء اللاميتجري منذ أيام جدالات صاخبة وعدائية في الإعلام المرئي والمقروء ومواقع التواصل الاجتماعي حول مشروع تعديل المادة 57 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959 المعدل. ومن الواضح أن تسييس وأدلجة شتى المواضيع القانونية والاجتماعية والثقافية، بات أمرا مألوفا في عراق دولة المكونات والمحاصصة الطائفية منذ عدة سنوات، وهو يلحق أفدح الضرر بالقضايا المختلف عليها لأنه يخرجها من طابعها الحقيقي ويحولها الى مادة للصراع الأيديولوجي الحزبوي بين إسلاميين طائفيين ثأريين وعلمانيين قشريين اشتركوا كلهم في إقامة وشرعنة وخدمة هذا النظام الممزِّق للمجتمع والدولة؛ وهذا الصراع والاستقطاب الأيديولوجي، وبهذا الشكل العدائي، يلحق ضررا أكبر بالمعنيين بهذه المادة وهم الأطفال قبل غيرهم، وأستثني طبعا بعض الأصوات الرصينة التي أفلتت من هذه الثنائية الصراعية الجوفاء وقدمت أو حاولت تقديم أفكار ناضجة وبناءة ونقدية تجاري روح العصر.

* سأحاول في هذا النص مقاربة هذا الموضوع بطريقة مختلفة قليلا، وأكثر شفافية وتوازنا، وسأبدأ بقراءة المادة 57 كما هي في نسختها النافذة الآن، ثم نطلع على نص التعديل المقترح عليها، ثم نستخلص الفروق الحقيقية بين الصيغتين النافذة والمقترحة، ثم لنلق نظرة على موضوع حضانة الأطفال في العالم وفي دول عربية قريبة، وكيف تطورت معالجة هذه القضية من ثنائية صراعية إلى حالة بناء بديل جديد لها يقوم على مقاولات من نوع " الحضانة للأصلح" و "مصلحة وحقوق الطفل هي الأولى"، وأنهي النص بتقديم وجهة نظري الخاصة لمقاربة البديل الأكثر إنصافا وتقدمية.

* فالمؤيدون للتعديل بحجة الدفاع عن الأب المُطَلِّق - والذي لا شك في أن المادة تنطوي على إجحاف بحقه خصوصا في قصر مدة تواصله مع أطفاله والتي لا تتجاوز في المعتاد الساعتين في الشهر كما قيل - ينطلقون أحيانا وفي غالبيتهم من منطلقات سياسية ثأرية تنظر الى هذه المادة كمادة سنتها حكومة ثورة 14 تموز 1958 التي ناصبتها الأوساط الإقطاعية والمرجعية الموالية العداء، وعدَّلها اكثر لمصلحة المرأة الحكم البعثي الصدامي، ولما كانوا يريدون اجتثاث كل شيء كان موجودا في العراق قبل قيام حكم المحاصصة الطائفية والعرقية التابع للأجنبي حتى لو كان قد شُرِّعَ في السنوات الأولى للثورة الجمهورية 14 تموز 1958. إنَّ هذه النظرة المتشنجة التي يأخذ بها المتحزبون للأحزاب الإسلامية الشيعية هي نظرة سلبية وضارة جدا لأنها لا تفرق بين الدولة العراقية ومنجزها التراكمي منذ قيامها في سنة 1921 وحتى الآن والنظام الحاكم في عهد صدام حسين، وتحاول إحلال قوانين مستمدة من فهمها الخاص والمستمد من فكرها الديني المذهبي محل القوانين القديمة.

* لقد بلغت ذروة هذه المحاولة في مشروعهم لاستبدال قانون الأحوال الشخصية العراقي كله بقانون أحوال طائفي أطلقوا عليه اسما يكشف جوهره وهو "قانون الأحوال الشخصية الجعفري 124 لسنة 2019"، ولكن هذا المشروع تم تأجيله أو سحبه من التداول ولم يتمكنوا من تمريره حينها. وقبلها، وبعد أشهر على الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003، استغل رئيس حزب "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" كما كان يسمى آنذاك عبد العزيز الحكيم منصبه كرئيس تناوبي لمجلس الحكم الذي شكلته سلطات الاحتلال الأميركي، وأصدر امرا مرتجلا وفرديا بإلغاء قانون الأحوال المدنية لسنة 1957، ولكن سلطات الاحتلال ألغت قرار الحكيم بل وأجبرته على أن يغير اسم حزبه لاحقا فخضع لأوامر الاحتلال وأبطل قراره بالإلغاء، وغير اسم حزبه إلى "المجلس الأعلى الإسلامي"! ويبدو أن هذا التعديل يجري في السياق ذاته، سياق تطييف قانون الأحوال الشخصية بطريقة متدرجة بعد فشل تلك المحاولات والاقتراب به من صيغة قانون الأحوال الجعفري المطبق في لبنان والذي يحرم الأم من حق حضانة طفلها، وفي حين كان قانون الأحوال الشخصية العراقي بنسخته مصدر أمل وإلهام للنساء العربيات وخاصة في لبنان، خاصة وأن مرجعية المحاكم الجعفرية في لبنان مركزها العراق، فإن التعديلات التي يحاول الساسة الإسلاميون الشيعة العراقيون إدخالها على القانون تشكل ردة اجتماعية وحضارية على ما هو نافذ اليوم.

* على المقلب الآخر، يقف المعارضون لهذه التعديلات بضراوة، بحجة الدفاع عن المرأة الأم - والتي ينطوي التعديل على إجحاف بحقوقها كأم وامرأة أيضا ويحاول سلبها أو تقييد حقها في حضانة أطفالها في حال زواجها بعد طلاقها أو جعل الحضانة لسبع سنوات فقط -  فهؤلاء المدافعون لا يقلّون أدلجة وتسييسا في نظرتهم وموقفهم للموضوع عن خصومهم الإسلاميين الشيعة وهم في دفاعهم الأعمى عن المادة يستندون الى فهم متخلف لنسخة بائسة من علمانية قشرية لا تأخذ بها حتى الدول التي تعتمد العلمانية منهجا رسميا لها في ميدان الحوال الشخصية بل طورت مفاهيم وصيغ جديدة أكثر إنسانية وتقدما وإنصافا للطرفين الأم والأب وإعطاء الأولوية لمصلحة وحقوق الطفل نفسه قبل غيره، وهؤلاء العلمانيون القشريون بهذه المواقف يحشرون أنفسهم في منطق رد الفعل الأيديولوجي بدلا من تقديم بديل إيجابي متطور وأكثر تقدمية من تلك المادة ومن التعديل المقترح عليها يستفيد من آخر التطورات القانونية والتربوية والاجتماعية العلم نفسية في هذا الباب.

سنلقي نظرة الآن على الفقرات ذات الصلة الأهم في النص النافذ الآن من هذه المادة 57 من القانون عدد 188 الصادر عام 1959:

"1 - الأم أحق بحضانة الولد وتربيته، حال قيام الزوجية. وبعد الفرقة، ما لم يتضرر المحضون من ذلك.

2 - يشترط ان تكون الحاضنة بالغة عاقلة أمينة قادرة على تربية المحضون وصيانته، ولا تسقط حضانة الأم المطلقة بزواجها. وتقرر المحكمة في هذه الحالة أحقية الأم والأب في الحضانة في ضوء مصلحة المحضون.

4 - للأب النظر في شؤون المحضون وتربيته وتعليمه، حتى يتم العاشرة من العمر. وللمحكمة أن تأذن بتمديد حضانة الصغير، حتى إكماله الخامسة عشرة، إذا ثبت لها بعد الرجوع إلى اللجان المختصة الطبية منها والشعبية، أن مصلحة الصغير تقضي بذلك، على أن لا يبيت إلا عند حاضنته.

5 - إذا أتم المحضون الخامسة عشرة من العمر، يكون له حق الاختيار في الإقامة مع من يشاء من أبويه، أو أحد أقاربه لحين إكماله الثامنة عشرة من العمر، إذا آنست المحكمة منه الرشد في هذا الاختيار.

7 - في حالة فقدان أم الصغير أحد شروط الحضانة أو وفاتها، تنتقل الحضانة إلى الأب، إلا إذا اقتضت مصلحة الصغير خلاف ذلك. وعندها تنتقل الحضانة إلى من تختاره المحكمة، مراعية بذلك مصلحة الصغير.

8 - إذا لم يوجد من هو أهل للحضانة من الأبوين، تودع المحكمة المحضون بيد حاضنة أو حاضن أمين، كما يجوز لها أن تودعه إلى دور الحضانة المعدة من قبل الدولة عند وجودها.

9 - أ- إذا فقد أبو الصغير أحد شروط الحضانة فيبقى الصغير لدى أمه ما دامت محتفظة بشروط الحضانة، دون أن يكون لأقاربه من النساء أو الرجال حق منازعتها لحين بلوغه سن الرشد.

ب- إذا مات أبو الصغير فيبقى الصغير لدى أمه وإن تزوجت بأجنبي عنه من العراقيين بشرط:

1 - أن تكون الأم محتفظة ببقية شروط الحضانة.

2 - أن تقتنع المحكمة بعدم تضرر الصغير من بقائه مع الأم.

3 - أن يتعهد زوج الأم حال عقد الزواج برعاية الصغير وعدم الإضرار به.

ج- إذا أخل زوج الأم بالتعهد المنصوص عليه في "3" من البند "ب" فيكون ذلك سبباً لطلب التفريق من قبل الزوجة.

إن هذه المادة النافذة معدلة، وليس بحوزتنا المادة الأصلية لعهد ثورة 14 تموز، حيث يقول الهامش 19 إن الصيغة القديمة منها لسنة 1959 قد ألغيت و(حل محلها النص الحالي بموجب القانون رقم 21 لسنة 1978/قانون التعديل الثاني، وألغيت الفقرة 9 منها وحل محلها النص الحالي بموجب القانون رقم 65 لسنة 1986/قانون التعديل الحادي عشر. وعدلت الفقرة 2 منها بالقانون رقم 106 لسنة 1978/قانون التعديل الثالث عشر". وهذه الصيغة مجحفة بحقوق الأب في اشتراطها عدم مبيت ابنه في مقر إقامته، ولكن هذه جزئية صغيرة ويمكن تعديلها بسهولة ولكن المادة تلوِّح بمبدأ المشاركة في الحضانة تلويحا غامضا في فقرة (وتقرر المحكمة في هذه الحالة أحقية الأم والأب في الحضانة في ضوء مصلحة المحضون) وأرجح أن يكون المقصود بعبارة "هذه الحالة" حالة زواج الأم الحاضنة من رجل آخر، والمطلوب التقدم خطوة أكبر على هذا الطريق وجعل حالة المشاركة والتوافق على الحضانة بإشراف القضاء حالة عامة وليست استثناء خاصا بالأمهات الحاضنات المتزوجات. كما أن حضانة الأم في هذه المادة ليس مطلقة ولا هي غير مشروطة كما يقول المناهضون للمادة، بل هي مشروطة بإشراف الأب على شؤون ابنه المحضون وتربيته وتعليمه حتى يتم العاشرة من العمر، وبموافقة القضاء واقتناعه بانعدام الإضرار بالطفل من العيش في كنف زوج الأم، وكذلك بتعهد من هذا الأخير برعاية المحضون وعدم الإضرار به.

أما النص الكامل للمادة الجديدة المقترحة فليس متوفرا في الإعلام ولكن الفقرات التي نُشرت منه يفيد الآتي:

* ينص على أن "الأم أحق بحضانة الولد وتربيته حال قيام الزوجية والفرقة حتى يتم السابعة من عمره ما لم يتضرر المحضون من ذلك". حيث أضيفت عبارة جديدة تفيد تحديد فترة الحضانة للأم بسبع سنوات من عمر الطفل وتكون مشروطة، وتقول العبارة "حتى يتم السابعة من عمره" بعد أن كانت تصل الى خمسة عشر عاما كما يفهم من منطوق الفقرة الخامسة والتي تقول "إذا أتم المحضون الخامسة عشرة من العمر، يكون له حق الاختيار في الإقامة مع من يشاء من أبويه".

وهذا التحديد لفترة الحضانة بسبع سنوات هو تطبيق لفتوى المرجع السيستاني التي تقضي بأن "للمرأة الحق في حضانة طفلها لغاية عمر سبع سنوات (الحضانة الأحوط وجوباً)"، هو تحديد مجحف بحق المرأة قياسا لحقها الذي ضمنته المادة النافذة اليوم، ويزداد إجحافه حين تتزوج الأم إذْ يسقط حقها في الحضانة تلقائيا وكأن المشرع يريد مصادرة حق الأم في أن تعيش حياتها كسائر النساء وتتزوج وتنجب من جديد، وهذا اعتداء صارخ على حقوق المرأة كأم وكإنسانة.

* كما تعطي المادة المقترحة، في حال أتم الطفل المحضون السابعة من عمره، وكان أبوه متوفى أو مفقوداً أو فقد أحد شروط الحضانة، الحق إلى "الجد الصحيح"، ثم إلى أمه ما دامت محتفظة بشروط الحضانة، ومنها أهليتها على المستويين المادي والعقلي وعدم زواجها مرة أخرى، من دون أن يكون لأقاربها من النساء أو الرجال حق منازعتها فيه لحين بلوغ الولد أو البنت سن الرشد. وهذا يعني أن المادة تحصر حق الحضانة بالأب بعد سن السابعة ثم تحيل هذا الحق إلى الجد في حال وفاة الأب ثم إلى الأم إذا لم تكن قد تزوجت وهذا يعني أن الحاضن الأول ينتقل الى إلى الأب ثم إلى الجد ثم إلى الأم، ولا يوجد قانون كهذا في العالم يجعل الأم هي الحاضن الثالث.

* نلاحظ في شرط عدم الزواج للأم الحاضنة انحيازا فاضحا إلى الأب لأنه لا يضع الشرط نفسه عليه لنيل حضانة الأبناء، وكأن المشرع ينظر الى الآباء كملائكة لا يقصرون أو يخطأون بحق الأبناء أما الأم فهي مدانة سلفا أو على الأقل مشكوك فيها دائما لأنها امرأة وهذه نظرة ذكورية رجعية متخلفة! إن "ترتيب الأب في الحضانة في ثماني دول عربية في المركز الثاني كما هي الحال في العراق، سوريا، تونس، الجزائر، المغرب، الإمارات، قطر وسلطنة عمان" ولكنها في مصر متأخرة كثيرا وتحديدا "إلى الرتبة السادسة عشر بعد كل نساء العائلتين من جهة الأم ومن جهة الأب، ثم يأتي بعدهم جميعا ترتيب الأب في حضانة أبنائه الذين من صلبه" كما قال العميد محمد صلاح المتحدث الإعلامي باسم "جبهة أرامل مصر" من الرجال للصحافة.

في الجزء الثاني من المقالة نواصل الحديث عن التجارب القانونية لموضع الحضانة في لبنان وإيران وسويسرا ودول أوروبية وعربية أخرى ونختم بطرح وجهة نظرنا الشخصية.

 

علاء اللامي

 

 

موسى فرجتعتبر المعلقات السبع من أفضل ما بلغنا عن حقبة الجاهلية وهي الحقبة التي توصف بها حال العرب قبل الإسلام.. والمعلقات هي:

1- قِفَا نَبْكِ - لأمرؤ القيس.

2- لخولة أطلال - لطرفة بن العبد.

3- آذَنَتْنَـا بِبَيْنِهِـا أَسْـمَــاءُ - للحارث بن حلزة.

4- أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ - لزهير بن أبي سُلمى.

5- أَلَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَٱصْبَحِينَـا - لعمرو بن كلثوم.

6- هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ - لعنترة بن شداد.

7- عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا - للبيد بن ربيعة.

وقد كانت بحق مصدر مهم للوقوف على القيم المجتمعية وأحوال الناس في تلك الحقبة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإننا في العراق بعد عام 2003 قد "ابتلينا بقوم يرون إن الله لم يهد سواهم" على حد قول ابن سينا هؤلاء من ابناء جلدتنا ونعرفهم جيداً فهم أبناء الأغنياء والموسرين من طبقة الاقطاعيين وشيوخ العشائر التي كانت تتسيد المشهد السياسي في العراق أبان الحقبة الملكية وتشكل الحاضنة الأساسية لحكومة نوري سعيد لكنها بعد 14تموز 1958 انقسمت الى فئتين:

1- الرعاع منهم انغمسوا في تنظيمات البعث واجادوا في لعب دورهم بكل خسة بقمع الشعب العراقي والاعتداء على كرامته ومقدراته بعد إن قيض لهم الإجهاز على 14 تموز وقادتها  ...

2- أبناء الأغنياء والموسرين وهؤلاء رافقوا آباءهم في هجرتهم الى بلاد الإنكليز وعادوا بقطار أمريكي في عام 2003 ليتسيدوا المشهد من جديد قلنا لعل وعسى أن تكون نشأتهم في بلد أوربي واندماجهم ضمن تلك المجتمعات قد غيرت من نظرتهم للحياة وباتوا يحترمون الشعب العراقي لكنهم جاءوا معبأين بروح التعالي والانتقام تحت لافتة "كل من لم يغادر العراق إما بعثي أو وكيل أمن لصدام" فأحدثوا الفرقة بين العراقيين وبات عراقيو الداخل ينظرون بتوجس لإخوانهم المغتربين...

ولكن وبمرور المدة ولم ننتظر طويلاً حتى بان معدنهم الرديء وأغرقوا العراق بالفساد والتجهيل والفوضى، مع ذلك فإنهم ما فتئوا يمجدون بالحقبة الملكية وزمن نوري سعيد الجميل...!

قلنا لهم أنتم ابناء تلك الطبقة من رجالات تلك الحقبة وتفضلوا هذه أفعالكم ماثلة للعيان وما دامت الثمرة تدل على الشجرة والبعرة تدل على البعير فاثبتوا العكس لكنهم ما زالوا في غيهم سادرون، وبعد يومين أو ثلاثة تحل الذكرى السنوية لـ 14تموز وهم منذ أسابيع يشحذون خناجرهم للنيل منها أنا هنا لست بمعرض الدفاع عنها ولكن يهمني الوقوف على ما يزعمونه من زمن جميل لحقبة أباءهم الملكية...ولأن العرب خصوصاً المسلمين منهم لا يتخذون من المكتشفات الإثارية دليلاً للوقوف على قيم وطبائع وسلوك الأقوام انما يعتمدون على ما هو مروي أو مكتوب ولأنهم اتخذوا من المعلقات السبع دليلاً للوقوف على قيم العرب السائدة قبل ظهور الاسلام من كرم وشجاعة وإيثار ونجدة الضيف والمستجير فقد عمدت الى نفس الأدوات المعلقات التي افرزتها الحقبة الملكية لتقييم السلوك السياسي لتلك الحقبة، وطبعاً مع الكثرة من الشعراء في بلاد ما بين النهرين ولكن حسماً للجدل فإني سأختار معلقات فطاحل الشعراء لتلك الحقبة وليس المغمورين منهم فاخترت من لا يختلف بشأنهم أثنان من حيث المكانة والفطحلة والدراية بأحوال العراق قبل 14تموز 1958وما تلاها لا لتقييم الحقبة الملكية فقط بل الحقب اللاحقة  أيضاً...فلنبدأ على بركة الله...

أولاً: الحقبة الملكية:

1- لنبدأ بالرصافي...ماذا قال عن حقبة ما قبل 14تموز 1958...؟ تعالوا معي:

أنـا بـالحـكـومـة والسـيـاسـة أعرف

أأُلام فـــي تـــفــنــيــدهــا وأعــنَّف

سـأقـول فـيـهـا مـا أقـول ولم أخـف

مــن أن يــقــولوا شــاعــر مــتـطـرِّف

هــذي حــكــومــتــنـا وكـل شُـمـوخـهـا

كَــذِب وكــل صــنــيــعــهــا مــتــكــلَّف

غُــشَّتــ مــظــاهــرهــا ومُـوِّه وجـهـهـا

فــجــمــيــع مـا فـيـهـا بـهـارج زُيَّف

وجــهــان فــيــهــا بــاطــن مــتـسـتِّر

للأجـــنـــبـــيّ وظـــاهـــر مـــتــكــشِّف

والبــاطــن المـسـتـور فـيـه تـحـكّـم

والظــاهــر المــكـشـوف فـيـه تـصـلُّف

عَــــلَم ودســــتـــور ومـــجـــلس أمـــة

كــل عــن المـعـنـى الصـحـيـح مـحـرف

أســمــاء ليـس لنـا سـوى ألفـاظـهـا

أمــا مــعــانــيــهـا فـليـسـت تـعـرف

مَــن يــقــرأ الدســتـور يـعـلمْ أنـه

وَفـــقـــاً لصــكّ الانــتــداب مــصــنَّف

مـن يـنـظـرِ العَـلم المـرفـوف يـلقَه

فـي عـزّ غـيـر بـنـي البـلاد يـرفرف

مــن يــأتِ مــجــلســنــا يــصـدّق أنـه

لمُــراد غــيــر النــاخــبــيـن مـؤلَّف

مــن يــأتِ مُــطّــرَد الوزارة يُـلفِهـا

بــقــيــود أهـل الاسـتـشـارة تـرسـف

أفـهـكـذا تـبـقـى الحـكـومـة عـندنا

كـــلمـــاً تـــمـــوَّه للورى وتُــزخــرَف

كــثــرت دوائرهــا وقــلّ فَــعــالهــا

كــالطــبــل يـكـبُـر وهـو خـال أجـوف

كــم ســاءنـا مـنـهـا ومـن وزرائهـا

عــمــل بـمـنـفـعـة المـواطـن مُـجـحِـف

تــشــكــو البــلاد ســيـاسـة مـاليـة

تــجــتــاح أمــوال البــلاد وتُـتـلف

تُـجـبـى ضـرائبـهـا الثـقـال وإنـمـا

فــي غــيـر مـصـلحـة الرعـيّـة تُـصـرف

حــكــمــت مُــشـدِّدة عـليـنـا حـكـمـهـا

أمــا عــلى الدخــلاء فــهــي تـخـفِّف

يــا قــوم خَــلُّوا الفــاشـيـة إنـهـا

فــي الســائسـيـن فـظـاظـة وتـعـجـرُف

للإنــكَــليــز مــطــامــع بــبـلادكـم

لا تـنـتـهـي إلاّ بـأن تـتـبـلشـفُـوا

بــالله يــا وزراءنــا مــا بـالكـم

إن نــحـن جـادلنـاكـم لم تُـنـصِـفـوا

وكــــأنّ واحـــدكـــم لفَـــرط غـــروره

ثــمِــل تَــمـيـل بـجـانـبَـيْه القـرقَـف

أفـتـقـنـعـون مـن الحـكـومة باسمها

ويـفـوتـكـم فـي الأمـر أن تتصرّفوا

هــذي كــراســيّ الوزارة تــحــتــكــم

كــادت لفــرط حــيــائهــا تــتــقــصَّف

أنـتـم عـليـهـا والأجـانـب فـوقـكـم

كــلّ بــســلطــتــه عــليــكــم مُــشــرِف

أيُـــعَـــدّ فــخــراً للوزيــر جــلوســه

فَــرِحــاً عــلى الكــرسـيّ وهـو مُـكـتَّف

إن دام هــذا فــي البــلاد فــإنــه

بــدوامــه لســيــوفــنــا مُــســتـرعِـف

لا بــدّ مــن يــوم يــطــول عــليـكـم

فـيـه الحـسـاب كـمـا يـطـول المَوْقف

فــهُـنـالِكـم لم يُـغـنِ شـيـئاً عـنـكـم

لُسُـــنٌ تـــقـــول ولا عـــيــون تــذرف

الشـعـب فـي جـزع فـلا تـسـتـبعـدوا

يــومـاً تـثـور بـه الجـيـوش وتـزحـف

وإذا دعا داعي البلاد إلى الوغى

أتـــظـــنّ أن هــنــاك مَــن يــتــخــلَّف

أيــذِلّ قــوم نــاهــضــون وعــنــدهــم

شــرف يــعــزّز جــانــبَــيــه لمُــرهــف

كــم مــن نــواصٍ للعــدى ســنــجُـزّهـا

ولحــىً بـأيـدي الثـائريـن سـتـنـتـف

2- ونعرج على الشبيبي...القائل:

قالوا استقلت في البلاد حكومة

فعجبت إن قالوا ولم يتأكدوا

أحكومة والاستشارة ربها

وحكومة فيها المشاور يعبد

المستشار هو الذي شرب الطلا

فعلام يا هذا الوزير تعربد...؟

اليوم نقول:

الفاسد الحزبي هو الذي نهب الموازنة ...

فعلام يا هذا الوزير تعربد...؟

3- الملا عبود الكرخي...أمامكم استطلاعات السوشيال ميديا وسووا استطلاع يشمل 1000 عراقي اذا مو أكثر من 900 منهم يعرفوه لملا عبود تسقط معلقته وتستبعد من معايير التقيم ... لنتفحص معلقته في احوال الرعية يومذاك:

هم هاي دنيا وتنكضي وحساب أكو تاليها

والله لكسر المجرشه وألعن أبو راعيها...

ذَبيت روحي عالجرش وأدري الجرش ياذيها

ساعة وأكسر المجرشة وألـعن أبو راعـيها.

ساعة واكسر المجرشة وألـعن أبـو السـواها

إشـجم سـفينة بالبحر يمشي ابعكسها اهـواها

ساعة واكسر المجرشة واكصد أبو الحملة علي

واطلب مرادي وانتحب بلجي هـمومي تـنجلي

نار البـكلبي اسـعرت يهل المروّة وتـصطلي

ما شفـت واحد ينتخي من اهل الرحم يـطفيها.

ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو اليـجرش بعد

حظي يهل ودّي نـزل والجايـفه حظها صـعد

سلّمت أمري واسكتـت للي وعدني ابهالـوعـد

نصبر على الدنيه غصب لـلـّحـد وانـباريـها.

ساعة واكسر المجرشة واكطع من الدنيا الأمل

للجرش ما أرجـع بعد إلا بابره يخـش جمل

كل يوم ناصبلي عزه اسـتادي النغل مال الثوَل

عقلي انذهل جسمي نحل روحي السـكم لافـيها.

ساعة واكسر المجرشة واصعد برجلي للفلك

واوصل السـابع سما وبيـدي ألزمه للملَك

الله ما يقبل هالبـشع لرويـحتي سـابـيها

ثانياً: حكومة القوميين بعد شباط 1963:

من منكم يختلف بشأن الجواهري "شاعر العرب الأكبر" ...مازال الموقع شاغر  رغم رحيله عنه منذ ثلاثة عقود ونيف لم يجرؤ شاعر لاحتلاله... انظروا ماذا قال بشأن هذه الحقبة...

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي … حَرَسَتْكِ آلِهة الطَّعامِ

نامي فإنْ لم تشبَعِي … مِنْ يَقْظةٍ فمِنَ المنامِ

نامي على زُبَدِ الوعود … يُدَافُ في عَسَل الكلامِ

نامي تَزُرْكِ عرائسُ الأحلامِ … في جُنْحِ الظلامِ

تَتَنَوَّري قُرْصَ الرغيفِ … كَدَوْرةِ البدرِ التمامِ

وَتَرَيْ زرائِبَكِ الفِساحَ … مُبَلَّطَاتٍ بالرُّخَامِ

نامي تَصِحّي نِعْمَ نَوْمُ … المرءِ في الكُرَبِ الجِسَامِ

نامي على حُمَةِ القَنَا … نامي على حَدِّ الحُسَام

نامي إلى يَوْمِ النشورِ … ويومَ يُؤْذَنُ بالقِيَامِ

نامي على المستنقعاتِ … تَمُوجُ باللُّجَج الطَّوامِي

زَخَّارة بشذا الأقَاحِ … يَمدُّهُ نَفْحُ الخُزَامِ

نامي على نَغَمِ البَعُوضِ … كأنَّهُ سَجْعُ الحَمَامِ

نامي على هذي الطبيعةِ … لم تُحَلَّ به “ميامي “

نامي فقد أضفى “العَرَاءُ” … عليكِ أثوابَ الغرامِ

نامي على حُلُمِ الحواصدِ … عارياتٍ للحِزَامِ

متراقِصَاتٍ والسِّيَاط … تَجِدُّ عَزْفَاً ﺑﭑرْتِزَامِ

وتغازلي والنَّاعِمَات … الزاحفاتِ من الهوامِ

نامي على مَهْدِ الأذى … وتوسَّدِي خَدَّ الرَّغَامِ

وﭐستفرِشِي صُمَّ الحَصَى … وَتَلَحَّفي ظُلَلَ الغَمَامِ

نامي فقد أنهى ” مُجِيعُ … الشَّعْبِ ” أيَّامَ الصِّيَامِ

نامي فقد غنَّى ” إلهُ … الحَرْبِ” ألْحَانَ السَّلامِ

نامي جِيَاعَ الشَّعْبِ نامي … الفَجْرُ آذَنَ ﺑﭑنْصِرامِ

والشمسُ لنْ تُؤذيكِ بَعْدُ … بما تَوَهَّج من ضِرَامِ

والنورُ لَنْ “يُعْمِي” جُفوناً … قد جُبِلْنَ على الظلامِ

نامي كعهدِكِ بالكَرَى … وبلُطْفِهِ من عَهْدِ “حَامِ”

نامي.. غَدٌ يسقيكِ من … عَسَلٍ وخَمْرٍ ألْفَ جَامِ

أجرَ الذليلِ وبردَ أفئدةٍ … إلى العليا ظَوَامِي

نامي وسيري في منامِكِ … ما استطعتِ إلى الأمامِ

نامي على تلك العِظَاتِ … الغُرِّ من ذاك الإمامِ

يُوصِيكِ أن لا تطعمي … من مالِ رَبِّكِ في حُطَامِ

يُوصِيكِ أنْ تَدَعي المباهِجَ … واللذائذَ لِلئامِ

وتُعَوِّضِي عن كلِّ ذلكَ … بالسجودِ وبالقيامِ

نامي على الخُطَبِ الطِّوَالِ … من الغطارفةِ العِظَامِ

نامي يُسَاقَطْ رِزْقُكِ الموع … ودُ فوقَكِ ﺑﭑنتظامِ

نامي على تلكَ المباهجِ … لم تَدَعْ سَهْمَاً لِرَامِي

لم تُبْقِ من “نُقلٍ” يسرُّكِ … لم تَجِئْهُ .. ومن إدَامِ

بَنَتِ البيوتَ وَفَجَّرَتْ … جُرْدَ الصحارى والموامي

نامي تَطُفْ حُورُ الجِنَانِ … عليكِ منها بالمُدَامِ

نامي على البَرَصِ المُبَيَّضِ … من سوادِكِ والجُذَامِ

نامي فكَفُّ اللهِ تغسلُ … عنكِ أدرانَ السَّقَامِ

نامي فحِرْزُ المؤمنينَ … يَذُبُّ عنكِ على الدَّوَامِ

نامي فما الدُّنيا سوى “جس … رٍ” على نَكَدٍ مُقَامِ

نامي ولا تتجادلي … القولُ ما قالتْ “حَذَامِ”

نامي على المجدِ القديمِ … وفوقَ كومٍ من عِظَامِ‏

تيهي بأشباهِ العصامِيّينَ … منكِ على “عِصَامِ”

الرافعينَ الهَامَ من جُثَثٍ … فَرَشْتِ لَهُمْ وهَامِ

والواحمينَ ومن دمائِكِ … يرتوي شَرَهُ الوِحَامِ

نامي فنومُكِ خَيْرُ ما … حَمَلَ المُؤَرِّخُ من وِسَامِ

نامي جياعَ الشعبِ نامي … بُرِّئْتِ من عَيْبٍ وذَامِ

نامي فإنَّ الوحدةَ العصماءَ … تطلُبُ أنْ تنامي

نامي جِيَاعَ الشَّعْبِ نامي … النومُ مِن نِعَمِ السلام

تتوحَّدُ الأحزابُ فيه … ويُتَّقَى خَطَرُ الصِدامِ

تَهْدَا الجموعُ بهِ وتَستغني … الصُّفوفُ عَنِ ﭐنقسامِ

إنَّ الحماقةَ أنْ تَشُقِّي … بالنُهوضِ عصا الوئامِ

والطَّيْشُ أن لا تَلْجَئِي … مِن حاكِمِيكِ إلى احتكامِ

النفسُ كالفَرَسِ الجَمُوحِ … وعَقْلُها مثلُ اللجامِ

نامي فإنَّ صلاحَ أمرٍ … فاسدٍ في أن تنامي

والعُرْوَةُ الوثقى إذا استيقَظْ … تِ تُؤذِنُ بانفصام

نامي وإلا فالصُّفوفُ … تَؤُول منكِ إلى ﭐنقِسامِ

نامي فنومُكِ فِتْنَة … إيقاظُها شرُّ الأثامِ

هل غيرُ أنْ تَتَيَقَّظِي … فتُعَاوِدِي كَرَّ الخِصامِ

نامي جياعَ الشعبِ نامي … لا تقطعي رِزْقَ الأنامِ

لا تقطعي رزقَ المُتَاجِرِ ، … والمُهَنْدِسِ ، والمُحَامِي

نامي تُرِيحِي الحاكمينَ … من ﭐشتباكٍ والتحَامِ

نامي تُوَقَّ بكِ الصَّحَافَةُ … من شُكُوكٍ واتِّهَامِ

يَحْمَدْ لكِ القانونُ صُنْعَ … مُطَاوِعٍ سَلِسِ الخُطَامِ

خَلِّ “الهُمَامَ” بنومِكِ … يَتَّقِي شَرَّ الهُمَامِ

وتَجَنَّبِي الشُّبُهَاتِ في … وَعْيٍ سَيُوصَمُ ﺑﭑجْتِرَامِ

نامي فجِلْدُكِ لا يُطِيقُ … إذا صَحَا وَقْعَ السِّهَامِ

نامي وخَلِّي الناهضينَ … لوحدِهِمْ هَدَفَ الرَّوَامِي

نامي وخَلِّي اللائمينَ … فما يُضِيرُكِ أن تُلامِي

نامي فجدرانُ السُّجُونِ … تَعِجُّ بالموتِ الزُّؤَامِ

ولأنتِ أحوجُ بعدَ أتعابِ … الرُّضُوخِ إلى جِمَامِ

نامي يُرَحْ بمنامِكِ “الزُّعَمَ … اءُ” من داءِ عُقَام

نامي فحقُّكِ لن يَضِيعَ … ولستِ غُفْلاً كالسَّوَامِ

إن “الرُّعَاةَ” الساهرينَ … سيمنعونَكِ أنْ تُضَامِ

نامي على جَوْرٍ كما … حُمِلَ الرَّضِيعُ على الفِطَامِ

وَقَعي على البلوى كما … وَقَعَ “الحُسامُ” على الحُسامِ

نامي على جَيْشٍ مِنَ … الآلامِ محتشدٍ لُهَامِ

أعطي القيادةَ للقضاءِ … وحَكِّمِيهِ في الزِّمَامِ

واستسلمي للحادثاتِ … المشفقاتِ على النِّيَامِ

إنَّ التيقظَ لو علمتِ … طليعةُ الموتِ الزؤامِ

والوَعْيُ سَيْفٌ يُبْتَلَى … يومَ التَّقَارُعِ ﺑﭑنْثِلامِ

نامي شَذَاةَ الطُّهْرِ نامي … يا دُرَّةً بينَ الرُّكَامِ

يا نبتةَ البلوى ويا … ورداً ترعرعَ في ﭐهتضامِ

يا حُرَّةً لم تَدْرِ ما … معنى ﭐضطغانٍ وانتقامِ

يا شُعْلَةَ النُّورِ التي … تُعْشِي العُيُونَ بلا اضطرامِ

سُبحانَ رَبِّكِ صُورةً … تزهو على الصُّوَرِ الوِسَامِ

إذْ تَخْتَفِينَ بلا اهتمامٍ … أو تُسْفِرينَ بلا لِثَامِ

إذْ تَحْمِلِينَ الشرَّ صابرةً … مِنَ الهُوجِ الطَّغامِ

بُوركْتِ من “شَفْعٍ ” فإنْ … نزلَ البلاءُ فمن “تُؤَامِ”

كم تصمُدِينَ على العِتَابِ … وتَسْخَرينَ من الملامِ

سُبحانَ ربِّكِ صورةً … هي والخطوبُ على انسجامِ

نامي جياعَ الشعبِ نامي … النومُ أَرْعَى للذِّمَامِ

والنومُ أَدْعَى للنُزُولِ … على السَّكِينَةِ والنِّظَامِ

نامي فإنَّكِ في الشَّدائدِ … تَخْلُصِينَ من الزِّحَامِ

نامي جياعَ الشَّعْبِ لا … تُعْنَيْ بِسَقْطٍ من كلامي

نامي فما كانَ القَصِيدُ … سوى خُرَيْزٍ في نظامِ

نامي فقد حُبَّ العَمَاءُ … عَنِ المساوىء والتَّعَامِي

نامي فبئسَ مَطَامِعُ الواعِي … نَ من سَيْفٍ كَهَامِ

نامي: إليكِ تحيّتِي … وعليكِ، نائمةً سلامي

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي … حَرَسَتْكِ آلهةُ الطعامِ

ما الذي اختلف...؟ البعوض نفسه وخط الفقر المدقع تضاعف في ارتفاعه والعظات هي هي وزاد عليها كهرباء ماكو...

ثالثاً: حكومة البعث...

تفضلوا:

سل مضجعيك يا ابن الزنا أأنت العراقي أم أنــــــــا...؟

يا غادرا إن رمت تسألنـــي أجيبك من أنــــــــــــــــــــا

فأنا العربي سيف عزمــــه لا ما أنثنــــــــــــــــــــــــى

وأنا الإباء وأنا العـــــــراق وسهله والمنحنــــــــــــــــى

وأنا البيان وأنا البديــــــــع به ترونق ضادنـــــــــــــــا

أدب رفيع غزا الدنــــــــــا عطر يفوح كنخلنــــــــــــــا

وأنا الوفاء وأنا المكـــــارم عرسها لي ديدنــــــــــــــــا

وأنا أنا قحطان منــــــــــي والعراق كما لنــــــــــــــــا

أنا باسق رواه دجلــــــــــة والشموخ له أنحنــــــــــــى

من أنت حتى تدعــــــــــي وصلا فليلانا لنــــــــــــــــا

أو أنت قاتل نخلتــــــي ذلا بمسموم القنـــــــــــــــــــــا

أو أنت هاتك حرمــــــــــة الشجر الكريم المجتنــــــى

أو أنت من خان العهـــــود لكي يدنسها الخنــــــــــــى

لولاك يا أبــــــــــن الخيس ما حل الخراب بارضنــــا

لولاك ما ذبحوا الولـــــــود من الوريد بروضنــــــــــا

لولاك ما عبث الطغاة بأرضنا وبعرضنــــــــــــا

أنا ... من أنا ... سل دجلة سل نخيل بلادنـــــــــــــــا

أنا .. من أنا .. سل أرضنا تدري وتعلم من أنــــــــــا

أنا إن مت فــــــــــالأرض واحدة هنا او ها هنـــــــــا

واذا سكنــــــــــت الأرض تربتها ستمنحني الهنـــــــا

أو عرفت يا أبن الطينــــة السوداء يا أبـــــــن الشينا

أنا وخيمتــــــــــــــــــــــي علم يؤطر درسنـــــــــــا

علم يحيي كل مــــــــــــــا قد مات فـــــــي وجداننا

سل مضجعيك يا ابن الزنا أأنت العراقي أم أنــــــــا...؟

رابعاً: حقبة المحاصصة والفساد:

وهذه لا تحتاج معلقات ولا شعراء فـ التشوفه العين ما ينحمد ....

 

موسى فرج

 

 

هاشم نعمةعن: NRC Handelsblad 18 Mei 2021

ترجمة: د. هاشم نعمة


لم يعد التطرف اليميني،على عكس الماضي، يؤدي إلى العزلة الاجتماعية. إذ باتت أفكاره لها صدى في السياسة، بحسب طالبة الدكتوراه نيكي ستركنبورخ.

يُسأل الناشط اليميني المتطرف هانز عما سيغيره في هولندا إذا وصل إلى السلطة. "إذا اضطررت إلى تطبيق كل آرائي العرقية، هاها فسيكون ذلك حقًا حمام دم كامل." تتنهد صديقته وهي تهز رأسها من على الأريكة، "لا أعتقد أنك ستكون قائدًا محبوبًا أيضًا."

إنه مشهد من الكتاب الجديد للصحفية السابقة ستركنبورخ، المعنون "لكن لا يمكنك قول ذلك". تصف فيه أن أشخاصًا مثل هانز انتهى بهم الأمر إلى عزلة اجتماعية قبل 25 عامًا. يُظهر البحث العلمي أن أعضاء الأحزاب اليمينية المتطرفة والراديكالية السابقة مثل مركز الديمقراطيين وحزب المركز 86 (تأسس هذا الحزب عام 1986 وحُل عام 1998)(1)غالبًا ما فقدوا وظائفهم وزوجاتهم، ولم يبق لهم سوى القليل من الأصدقاء.

وتشير ستركنبورخ، التي ستدافع عن درجة الدكتوراه عن اليمين الراديكالي والمتطرف في هولندا يوم الأربعاء، إلى أن هذا الأمر بات مختلفا في الوقت الحاضر. كان هانز في الماضي عضوًا في مجموعات النازيين الجدد مثل اتحاد الشعب الهولندي والدم والشرف. اليوم، هو ناشط مستقل يشارك في جميع أنواع الاحتجاجات اليمينية المتطرفة. في إحدى المرات، حاول هو وأصدقاؤه منع حافلة مجموعة عمل إلغاء بيت الأسود (هي مجموعة عمل هولندية تسعى لإلغاء ما تعتبره تفسيرا عنصريا خلال احتفالات بابا نويل السنوية بعيد الميلاد)(2). بعد بضعة أسابيع، شارك في مظاهرة مناهضة للفاشية وذلك لإثارة الشغب.

لم نتوقع منك ذلك

يحكي هانز في الكتاب أن مديره في العمل شاهده في إحدى المظاهرات في التلفزيون، لكن هذا لم يسبب له أي مشاكل. "أوه، لم نكن نتوقع منك ذلك". وبحسب ستركنبورخ، فإن هذا ينطبق على معظم عشرات النشطاء الذين تحدثت إليهم. وهي تقول: "إن بيئتهم تشجعهم بدلاً من أن تثبط عزيمتهم". ستركنبورخ هي نائب رئيس قسم التحليل في المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب. وهي ترى من خلال احتجاجات كورونا، أن هناك دليلا إضافيا على ادعائها بأن المتطرفين اليمينيين مقبولون على نطاق واسع اليوم؛ هناك، يسير المواطنون المحترمون بشكل أخوي إلى جانب أعضاء في مجموعات يمينية متطرفة مختلفة وهم يصرخون "نحن هولندا".

المتظاهرون المناهضون لكورونا

تقول ستركنبورخ: "كان ذلك غير وارد في التسعينيات". تشير إلى مقتل ماريان فاتسترا في عام 1999 في كولوم في مقاطعة فريسلاند. إذ سعى مركز الديمقراطيين والحزب الوطني الجديد إلى الانضمام إلى السكان الذين كانوا يبحثون عن الجاني في مركز لطالبي اللجوء. هؤلاء الناس لم يكونوا سعداء على الإطلاق بذلك؛ لأنه لا أحد يريد أن يُحسب على هذه الجماعات.

وبحسب ستركنبورخ، لا يزال عدد الناشطين اليمينيين المتطرفين في هولندا لا يزيد عن 250. لكن التصريحات المتطرفة من قبل السياسيين، وفقًا للباحثة، أخرجتهم من عزلتهم. لا يتردد صدى أفكارهم فقط مع الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب الحرية ومنتدى الديمقراطية، ولكن أيضًا مع أكبر حزب حكومي هو حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية. (هو حزب رئيس الوزراء الحالي مارك روته الذي هو في هذا المنصب منذ عشر سنوات، وحصل حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في آذار| مارس 2021 على أكبر عدد من المقاعد لكن ذلك لا يؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده إلا ضمن إتلاف يضم أحزاب أخرى)(3).

في مجلس النواب، تمت مناقشة العلاقة المزعومة بين الشعوب ونسبة الذكاء، ويبدو أن الوزير ستيف بلوك (وزير الخارجية السابق)(4) اشار في اجتماع خاص إلى أن الشعوب المختلفة لا يمكنها العيش معًا، وقد طرح رئيس حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية السابق كلاس دايكهوف، خططًا لمعاقبة الأشخاص في الأحياء التي تعاني من مشاكل بشكل أكثر صرامة.

في عملها الجديد في المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب، قالت ستركنبورخ إنها ستبقى بمعزل عن التحليلات السياسية بشأن اليمين المتطرف. إذ أن مبدأ البحث العلمي هو أنك لا تؤذي من تتحدث معه. لذلك أنا لا أقول "شكرًا لك على إخباري بكل شيء عن اليمين المتطرف والراديكالي وبعد ذلك سأعمل لصالح الحكومة".

 

.........................

1- المترجم

2- المترجم

3- المترجم

4- المترجم

 

 

علاء اللاميإن التجربة التعددية القائمة على العيش المشترك والسماحة في الأندلس القديمة، التي يفاخر بها بعض من جيل المثقفين الأندلسيين المعاصرين وبين علماء إناسة "إنثروبولوجيون" ومؤرخون، الذين توقفنا في مناسبة سابقة عند أسماء بعضهم (الأخبار عدد 29 تشرين الأول -2020)، تذكرنا مباشرة بتجربة الحضارة العربية الإسلامية الأم في المشرق العربي وخصوصا في العهد العباسي وعاصمته الزاهرة بغداد. فهذه البداية الحضارية، وخصوصا في طورها العباسي الأول، تأسست أصلا على التعددية والتنوع، وشارك في بناء حضارتها ممثلون فاعلون من عدة قوميات وأديان إلى جانب العرب المسلمين، فمساهمة العلماء الفرس والترك، والأذريين والهنود وعموم الآسيويين والمسيحيين العرب واليهود المزراحيم والأفارقة البربر وغير البربر، وبلغة الثقافة عهد ذاك أي العربية إلى جانب الأعمال المترجمة للإغريق والرومان والهنود هي مساهمة فعالة وتأسيسية.  

هل فتح العرب المسلمون الأندلس فعلا؟

وبالعودة لما قاله دعاة استعادة الهوية الأندلسية "القديمة الجديدة" المعاصرون، نتوقف عند ما ذكره إيمانيويلو غونزالس فيرين، وهو مؤرخ وباحث في فقه اللغة العربية، ومفاده أن الأندلس، بعد ما عُرف بحروب الاسترداد الشمالية، خضعت لعملية صناعة ذاكرة جمعية على نطاق واسع. ونفهم من السياق أنه يقصد عملية صناعة ذاكرة جمعية غير موضوعية ومنحازة ضد الهوية الأندلسية. فهو يؤكد (أن تاريخ مملكة ليون واستورياس، وتاريخ مملكة قشتالة كوريثة كُتِبَ، كما كُتِبَ التاريخ الاستعماري للأندلس في خدمة مشروع معين هو المشروع القومي الكاثوليكي، وهذا منطقي فقط في قلب شبه الجزيرة الإيبيرية، ولكنه لا ينطبق على الأندلس، ولا على أميركا اللاتينية- الناطقة بالإسبانية).

ويذهب فيرين إلى أن: "الحديث عن الاحتلال العربي لشبه الجزيرية الإيبيرية أمر مصطنع، ومجرد حكاية عُدَّتْ كتاريخ حقيقي لتبرير سقوط الحكم القوطي، ويصبح ضرورة ملحة عندما يرتبط بالفترة اللاحقة لفترة الاستعادة "حروب الاسترداد". إنَّ المحور الأساس في جوهر الفكرة القومية الكاثوليكية في إسبانيا هو أن الشر يأتي دائما من الخارج، والآخرون هم الذين جاؤوا من الخارج لتعكير صفو شبه الجزيرة الإيبيرية. وللحفاظ على تلك الصورة الخادعة لا بد من الحفاظ على خرافة الاحتلال العربي، ولكن الحقيقة مختلفة عما أخبرونا به".

من الطبيعي أننا لا يمكن أن نتفق مع فيرين في كل ما ذهب إليه، فحقائق التاريخ أكثر صلابة وثقلا مما يتصور البعض، ولا يمكن نفي الفتح العسكري العربي الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية أو ما يسميه "الاحتلال العربي". ربما تكون هناك شيء من الحقيقة، في وصف وتقديم هذا الفتح من قبل من سماهم "القوميين الكاثوليك" آنذاك على أنه "شر قادم من الخارج"، ولكن الفتح العسكري بحد ذاته حدث تاريخي حقيقي موثق جيدا تأريخيا كما سنوضح بعد قليل.

يقول فيرين في معرض تفنيده للحدث العربي، إن (تاريخ فتح العرب لشبه الجزيرة الإيبيرية كتب بعد مائة وخمسين سنة من 711م، وهناك رواية عربية وأخرى لاتينية للأمر، وهي مجرد حكايات تاريخية عربية ولاتينية وليست مصدرا موثوقا للتاريخ. هناك عملات واختام ونقوش، لكن لا توجد وثيقة يعتد بها تقول كان هناك غزو عربي، بل كان هناك تعريب، ثورة ثقافية ودينية وسياسية جاءت من الشرق إلى الغرب. وإذا درس تاريخ الأندلس بترتيب وروية فلن يمكن القول حينها أن العرب غزوا الأندلس)[1].

الرد على تشكيكات فيرين:

ويمكننا القول إنَّ اعتراضات فيرين هنا على واقعة الغزو العربي، والتصغير من شأن ما وجد من توثيقات وسجلات تاريخية وصفها بالحكايات وإهماله للعملات والنقوش والأختام رغم اعترافه بوجودها أمر لا يعتد بها علميا. وحتى مقولة "الثورة الثقافية والتعريب القادم من الشرق" يمكن وضعها في السياق التاريخي لما بعد حدث الفتح الحربي دون أن تتغير الصورة كثيرا، إذ أنَّ الفرادة لم تكن في حدث الفتح الحربي بحذ ذاته، بل في ما تمخض عنه من قيام تجربة في البناء والتكون الحضاري الإنساني المثقفي الجديد والذي لا عهد للقارة الأوروبية الجرداء حضاريا آنذاك به.

هذا أولا، وثانيا فالرقم الذي يؤرخ به فيرين لأول الكتابات التأريخية العربية واللاتينية الموثقة لفتح الأندلس وهو مائة وخمسون عاما غير صحيح تماما، ولدينا "تأرخات" ووثائق تاريخية أبكر من هذا التاريخ بكثير، ومنها كتاب أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم. وهو مؤرخ مصري ولد في القرن الثاني للهجرة وبالتحديد سنة 187 أي بعد ثمانين عاما من سنة 107 التي اكتمل بها الفتح العربي الإسلامي للأندلس. وقد أفرد بن عبد الحكم فصلا خاصا هو الخامس ذكر فيه كيفية وتفاصيل الفتح العربي لشمال إفريقية والأندلس والنوبة.

والأهم من هذا الدليل التأريخي، هو أن لدينا وثائق مهمة عن مجريات الفتح ومنها وثيقة الصلح المؤرخة في سنة 94 هـ والتي استسلم بموجبها حاكم إحدى المقاطعات القوطية لجيوش المسلمين بقيادة عبد العزيز بن مُوسى بن نُصير. والحاكم المقصود هو (نبيلٌ قوطيّ عرفهُ المُسلمين باسم "تُدمير" ويُلفظ في لُغته الأُم "ثيوديمير". وكان ثيوديمير يعيشُ شبهَ مستقلٍ في تلك المنطقة مُنذ أيَّام لُذريق "رودريك"، الذي قيل بأنَّهُ استخلفهُ على الأندلُس قُبيل اندلاع معركة وادي لكة. ويرد في هذه الوثيقة (كتابٌ من عبدُ العزيز بن مُوسى بن نُصير لِتُدمير بن عبدوس أنَّهُ نزل على الصُلح، وأنَّ لهُ عهد الله وذمَّة نبيِّه "ص" ألَّا يُقدَّم لهُ ولا لِأحدٍ من أصحابه ولا يُؤخَّر، ولا يُنزع من مُلكه، وأنَّهُم لا يُقتلون ولا يُسبون ولا يُفرَّق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم، ولا يُكرهوا على دينهم ولا تُحرق كنائسهم ولا يُنزع من كنائسهم ما يُعبد. وأنَّهُ صالح على سبع مدائن: أوريولة وبلتنة ولقنت ومولُه وبلَّانة ولورقة وألُه، لا يُؤوي لنا آبقاً ولا يُؤوي لنا عدُوّاً ولا يُخيفُ لنا آمناً ولا يكتُمُ خبر عدوٍّ علمه)[2].

وقد حدث الاتفاق على هذه الوثيقة بعد معارك عنيفة كبرى من أهمها معركة "لكة" الدامية سنة 92 هـ، وكانت هذه الاتفاقية التي عقدت بعدها بأقل من عامين نتيجة لها بشكل من الأشكال. والتزم العرب بهذه المعاهدة رغم أنها انطوت يومها على خدعة حربية من قبل ثيوديمير، ولكن العرب المسلمين التزموا بما عاهدوا القوطي عليه. أما مصير ملك الأندلس القوطي لذريق الذي هزمه العرب المسلمون فقد بقي مجهولا لفترة طويلة، حتى كشفت إحدى المخطوطات القوطيَّة العائدة إلى القرن التاسع الميلاديّ عنه وورد فيها (أنَّهُ عُثر في قرية "إقطانية" (الكائنة في الپُرتُغال المُعاصرة) على شاهد قبرٍ نُقش عليه عبارة "هُنا يرقُد لُذريق، ملك القوط" (باللاتينية: Hic requiescit Rodericus, rex Gothorum)[3].

إنَّ ما يختصر تفاصيل وجهة نظر هؤلاء المثقفين الأندلسيين المعاصرين بصدد الموقف مما يسمى "حروب الاسترداد" يمكن ان نجده في ما قالته إحدى تلميذات عالمة الإنثروبولوجيا أنخيلس كاستيانو في هذا الوثائقي صراحة: "نحن نتحدث دوما عن الاستعادة "حرب الاسترداد" ولم تكن هناك استعادة بل كانت غزوا قام به المسيحيون من الشمال للأندلس".

أما غونزالس فيرين، سالف الذكر، فيوضح هذه الفكرة مزيدا من التوضيح بقوله" "إن فكرة الاستعادة "الاسترداد"، قيلت لتبرير غزو بعض ممالك الشمال للجنوب الأندلسي وتدمير أيقونة ثقافية هي الأندلس التي كانت مثالا للتسامح الديني وتعايش الأديان الثلاثة في ثقافة واحدة".

حرب مشاريع سياسية أم حرب قومية دينية؟

ولكن فيرين يختلف في طرحه التاريخي عن بعض زملائه المؤرخين و"الإنثروبولوجيين "فهو يرى في حروب الاسترداد حربا بين شمال وجنوب، لكل منهما مشروعه، وليس غزوا مسيحيا لجنوب غير مسيحي،  فيقول: "ثمة شيء ولد مع احتلال إشبيلية عام 1248م. إذا نظرنا إلى احتلال فرناندو الثالث كاحتلال إسباني، فسنفهم ماذا كان يحدث في الجنوب وهو مشروع سياسي لمملكة قشتالة وملكها فرناندو، وإذا بدأنا بتوصيفه كاحتلال مسيحي فسيكون ذلك تفسيرا أيديولوجيا، فكيف يكون غزوا مسيحيا وستون بالمائة من جنود فرناندو من المسلمين، وكان الحليف الأساسي لفرناندو هو ابن الأحمر ولي عهد مملكة غرناطة المسلم،  وكانوا يغزون تلك الأراضي في الجنوب لغايات سياسية ولم يكونوا يطردون المسلمين لأنهم مسلمون"[4]. والواضح أن الأرقام التي يذكرها فيرين تحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وخصوصا زعمه القائل إن 60% من جنود فرناندو كانوا من المسلمين.

والواقع التأريخي يقول لنا شيئا آخر مختلفا: إن ابن الأحمر حاكم غرناطة، كان قد عقد صلحا أقرب إلى الاستسلام مع فرنادنو الثالث في ظروف شديدة التعقيد. فقد كان فرناندو الثالث ملك قشتالة يرى في ابن الأحمر بعد هزيمة ووفاة ابن هود حاكم قرطبة، زعيمَ الأندلسِ الحقيقي والخصم الذي يجب تحطيمه. وكان ابن الأحمر يحاول توطيد مملكته الناشئة في غرناطة، ويشعر بخطر دائم من الإسبان، ولكنه انتهى بأن ضمن عدم سقوط حكمه مؤقتا، مقابل أن يضحى باستقلاله، بل وأصبح دمية بأيدي الإسبان، فشاركهم في محاصرة اشبيلية وهو يقود العرب المسلمين، وهو ما سار على منواله حكام وأمراء أندلسيون آخرون غير ابن الأحمر لاحقا فتحالفوا مع فرناندو القوي مخافة سقوط ممالكهم، وقاتلوا ضد بني قومهم 1236! فهل قرأ فيرين هذه الأحداث والتحالفات بين أمراء عرب مسلمين تحالفوا مع فرناندو واستسلموا له بفعل منطق الغلبة والقوة، فاعتبر فيرين أنهم أصبحوا جزءا من قوات الشمال الإسباني؟ وهل يعقل أن هؤلاء الحلفاء شكلوا ستين بالمائة من قوات فرناندو الثالث، ولم يحاولوا أن يوحدوا قواهم ويقفوا بوجهه ويهزموه؟ أعتقد أن من الصعب جدا الأخذ بهذا المنطق، والموافقة على هذه الاستنتاجات المؤسسة عليه والتي يخرج بها فيرين.

خلاصة القول، هي أن هذا الفيلم التلفزيوني الوثائقي "ثلاثية الأندلس - حكاية الشاطئين" نجح الى حد بعيد في عرض واقع حال البحث الذي يقوم به المثقفون الأندلسيون وفي طليعتهم العلماء المتخصصون عن وفي الهوية الأندلسية اليوم وبطريقة جريئة تتحصن بالعلوم الحديثة وأساليبها.

 

*علاء اللامي - كاتب عراقي

...........................

* رابط الجزء الأول من المقالة:

https://al-akhbar.com/Opinion/295762/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%87%D8%A7-%D9%85%D8%AB%D9%82-%D9%81%D9%88%D9%87

المراجع:

1-الوثائقي التلفزيوني «ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين»:

رابط الجزء الأول:

https://www.youtube.com/watch?v=EgTHuEwtLA8

رابط الجزء الثاني:

https://www.youtube.com/watch?v=bAdy6TgYLlA

2- ابن قُتيبة الدينوري، أبو مُحمَّد عبدُ الله بن عبدُ المجيد بن مُسلم; تحقيق: مُحمَّد محمود الرافعي (1322هـ - 1904م). الإمامة والسياسة، الجُزء الأوَّل (الطبعة الأولى). القاهرة - مصر: مطبعة النيل. صفحة 136.

3-Thompson, E. A. (1969). The Goths in Spain. Oxford: Clarendon Press. page 250. ISBN 0-19-814271-4.

4-الوثائقي التلفزيوني «ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين» – مصدر سابق.

ثائقي التلفزيوني «ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين» – مصدر سابق.

 

 

عبد الحسين شعبانمنذ أواسط العام 2019 يتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي اللبناني على نحو مريع، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فستكون النتيجة الحتميّة لمثل هذا الانحدار هي الارتطام بالقاع، حيث كان سعر صرف الدولار الواحد رسميّاً يساوي 1500 ليرة لبنانية، ووصل اليوم إلى 18 ألف ليرة. ومن يدري فقد يستمر الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، فتصبح العملة اللبنانية بلا قيمة في ظل أزمة اقتصادية خانقة أوصلت ما يزيد على 50% من اللبنانيين إلى حافّة الفقر، وكل ذلك يجري دون أن يرّف جفن للمسؤولين والمتحكّمين في مصير البلد. فهل سيسقط هذا البلد الجميل- الذي تغنّى به الشعراء والفنانون والأدباء والكتاب والعشاق والحالمون والمجانين- في الهاوية أم ثمة من سيبحث عن حبل نجاة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

الأزمة تكبر والشق يتّسع، فالكهرباء تطلّ على الناس كهلال العيد، والمازوت والبنزين والمحروقات حديث الجميع، حيث الطوابير أمام محطات الوقود لأكثر من كيلومترين، وأحياناً يتم الانتظار على أمل الحصول على بضعة ليترات، لكن دون جدوى، والمخالفات والحوادث المرورية في ذروتها، حيث يستمر عدم تشغيل الإشارات الضوئية بحجة الاقتصاد في الكهرباء، والأوساخ تملأ الشوارع، ودوائر البلدية تكاد تكون عاجزة، لأن أجر العاملين انخفض إلى درجة غير معقولة، بحيث أصبح من يتسلّم راتباً شهرياً بحدود 800 ألف ليرة، لا يساوي أكثر من 50 دولاراً لشهر كامل، وإذا ما عرفنا الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الغذائية وجميع السلع والبضائع، فهذا يعني أن سُبل العيش أصبحت ضيقة، بل تكاد تكون مستحيلة، وطريق الحصول على لقمة عيش شريفة عسير وغير سالك.

وإذا ما رُفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والبضائع، فإن الأسعار ستحلّق بطريقة "سوبرمانية"، وهي الآن بعيدة عن الواقع المَعِيشْ، وخصوصاً في مجاليّ الأدوية والأغذية بتآكل رواتب الموظفين جرّاء التضخّم في الأسعار، وباستمرار الفرق بين السعر الخاص للصرف(3900) للدولار والسعر الحقيقي غير الثابت والمتصاعد.

ويقول خبراء مطلّعون إن المصارف هي المستفيد الأول من هذا الفارق، إضافة إلى كبار التجار، فالمعاملات مع مصرف لبنان المركزي تتم على السعر الرسميّ بما فيها رساميلها وشراؤها للدولار وتسديد القروض المتوّجبة عليها والتلاعب بحسابات المودعين بالدولار. وإذا ما تم إقرار البطاقة التمويلية التي يُتوّقع أن يُقرها مجلس النواب فإن الأسعار سترتفع على نحو غير مسبوق، الأمر الذي سيؤدي إلى إلحاق أفدح الأضرار بالناس وحقوقهم ومستقبلهم.

وإذا كان هناك من يعتقد أن العلاج هو بتثبيت سعر الصرف الذي يمكن أن يخفف من غلواء الأزمة، فالأمر أعمق وأعقد من ذلك، لأنه يتعلّق بالإصلاح الشامل، السياسي والاقتصادي والقانوني والتربوي وبنظام الحكم والانتخابات، وكل ما يتعلّق بالرسوم والضرائب، حيث لا توجد خطة حكوميّة، ناهيك عن عدم وجود حكومة أصلاً تستطيع اتخاذ قرارات جريئة بكسب ثقة المجتمع الدولي واسترداد مكانة لبنان المالية والمصرفية.

إن استمرار الحال على ما هو عليه يعني التوّغل في المجهول، لاسيّما في غياب إرادة سياسيّة موّحدة، وهذه للأسف الشديد ما تزال مُعطلة وغائبة وتتجاذبها أهواء ومصالح شتى: إقليميّة ودوليّة، طائفيّة وحزبيّة، في ظل استشراء الفساد المالي والإداري ونظام المحاصصة والتستّر على الأتباع والمريدين، طالما أن النظام يقوم على "الزبائنية" السياسيّة المرتكزة على المغانم والامتيازات.

ومع استمرار خطر جائحة "كورونا" وترديّ الحالة المعيشية وغياب خطة للإصلاح، تلوح في الأفق مخاطر تفكك وتفتت وسيناريوهات أقلها مُخيفاً بشأن مستقبل لبنان، خصوصاً بتعويم سلطة الدولة وازدياد حدة التوتر المجتمعي وارتفاع منسوب الجريمة المُنظمة وعمليات التهريب والاتجار بالبشر ومظاهر التعصّب والتطرّف وحالات العنف والإرهاب المنظّم وغير المنظم، حيث هوجم العديد من المصارف وخرّبت واجهاتها كما حصل مؤخراً مع البنك اللبناني- السويسري، مما أُضطر المصارف لإغلاق أبوابها احتجاجاً على ذلك.

وتستمر التظاهرات والاحتجاجات وقطع الطرقات وإحراق الدواليب إلى درجة أن بيروت تبدو خارجة لتوّها من الحرب، وما يزال مشهد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الفائت 2020، يقضّ مضاجع الجميع وهو شاهد على ما وصل إليه سوء الإدارة والفساد وغياب الشفافية والانغلاق السياسي حدّ الاستعصاء.

الفساد هو الوجه الآخر للإرهاب، وهما وجهان لعملة واحدة، وإن لم تتم معالجة أسبابه وجذوره، فإن الارتطام الكبير سيحصل -لا سمح الله-، وعندها سوف لا يكون أحدٌ بمأمن من الكارثة، ومثل هذه النتيجة عرفها اللبنانيون بعد حرب طاحنة استمرت 15 عاماً، انتهت باتفاق الطائف العام 1989. فهل سيقرأ السياسيون والمتنّفذون الدرس الجديد أم سيتركون الحبل على الغارب؟، و"لاتَ ساعة مندم".

ولا بد من القول إن هذه الرؤية مهما بدت متشائمة إلا أنها ليست يائسة، وبقدر تقديمها صورة واقعية دون تجنٍ أو مبالغة، فهي في الوقت نفسه تقطر ألماً على هذا البلد العربي الفريد الذي يتمتع بحيوية ونشاط وإبداع لا حدود له، ومثلما كان واحة حرّية لا بد أن يستمر ليصبح مشروع ازدهار، وهي مسؤولية جسيمة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

كفاح محمودواحدة من أهم وأخطر ما يواجه مجتمعاتنا وهي في خضم عمليات تغيير اجتماعي وسياسي هي تلك المنظومة من السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة وسلطة الأب أو ولي الأمر، وانتهاءً بالقائد الضرورة مروراً بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس فيها نرجسيته وتفرده. فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت كثير من سلوكياتها تتمركز في مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافاً إليها إكسسوارات قروية وقبلية كرست تفرد الشيخ و الأغا، الذي تطور تدريجياً كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، حيث تتجلى اليوم في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية خاصةً في مرحلة ما سمي بالربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعاً، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع، وعودة سريعة لمكامن نشوء وبلورة الدكتاتورية اجتماعياً وتربوياً وتطورها سياسياً ندرك دقة ومصداقية ما يقوله علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول عالم الطفل الذي يرى نفسه مركزاً للمجتمع الذي يدور حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجياً إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولاً إلى من يتولى إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيساً عظيماً وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري.

إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش، ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبداً مطيعاً أو ملحاً مذاباً في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولأن دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمناً ليس قصيراً، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولأن الكثير الكثير يؤمن بأن مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جداً بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه. عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

وحتى يتحقق ذلك الهدف وحماية لأجيالنا القادمة من ظهور دكتاتوريات متوحشة تبتلعهم علينا أن نبدأ من السنوات الأولى لحياة الطفل في تهيئة بيئة صالحة لنمو كائن ديمقراطي لا يعتبر أن المجتمع كله خلق من أجله، بل يؤمن بأنه خلق من أجل المجتمع، وتعديل تلك المشاعر والسلوكيات الغرائزية وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.

 

كفاح محمود كريم

 

 

جوتيار تمرالحكومة الكونكريتية: هي الحكومة التي تهتم بانشاء الطرق ومد الجسور والبناء العمودي وتجعلها من اولوياتها، وفق معايير مصلحية خاصة سواء من خلال مشاريع الشقق العملاقة او التجمعات السكنية ذات الاغراض النخبوية للفئات الخاصة، او الاهتمام بالمشاريع السياحية، في حين يعيش ثلاثة ارباع الشعب في عوز وضنك وحالة معيشية متردية.

الحكومة المصلحوية: هي الحكومة التي تفضل مصالح الاحزاب ورجالاتها وشركائها وشركاتها واعمالها وعقودها وارصدتها على الامن الغذائي واستقرار المواطن بحيث تترك المواطن يعيش كل شهرين منتظراً على أمل صرف راتبه او دفع مستحقاته التي هي في الاصل مسؤولية الحكومة.

الحكومة التاجرة: مصطلح يمكن ادراجه ضمن هيكلة الحكومات الشرق اوسطية بالذات، وهي الحكومات التي تسخر كل طاقاتها من اجل المتجارة بموارد الشعب، وتحت غطاء سياسي لايمت بالسياسة بشيء، فتصبح من اولوياتها السيطرة على جميع مصادر الانتاج الداخلي وكذلك احتكار جميع العقود التجارية الخارجية، وجعل وارداتها في خزينتها الشخصية دون استافدة الشعب.

الحكومة اللاشعبية: وهي بعكس الحكومة الشعبية المركزية الانموذج الذي السياسي الذي يحكم اكبر دولة في العالم – الصين - منذ عام 1954، وهي متشكلة من ثلاث سلطات عليا متداخلة، احداها الحكومة والاخرى هي كل من الحزب الشيوعي الصيني وجيش التحرير الشعبي، اما الانموذج الذي نقصده هنا هو الحكومة التي لاتعتمد على الشعب الا في الانتخابات، وما بعد الانتخابات تسلك الحكومة اتجاهاً فردياً اشبه بانظمة الحزب الاوحد، فتسخر كل امكانياتها المادية والاعلامية والعسكرية لترسيخ سلطتها والابقاء على كرسيها بعيداً عن متناول الطامحين في الوصول اليه.

الحكومة الفوضوية: الفوضوية او الاناركية هي مجموعة من المواقف والافكار التي تتركز حول مبدأ الحكومة مؤذية وغير ضرورية، وهي في دلالاتها تتمثل في الحكومات التي لاتقدم سوى الفوضى لشعوبها، وبذلك يكون وجودها من عدم وجودها سيان، بحيث لاتجد الشعوب في حكوماتها اية وسيلة للخلاص من اوضاعها الميؤسة سواء على المستوى السياسي وصراعات الاحزاب، او المستوى الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة، او على المستوى الاجتماعي للحد من انتشار الانحلال داخل المجتمع.

الحكومة العدمية: او ما يمكن ان يطلق عليه العدمية في السياسة، والعمل السياسي، وهي تمثل نزعة الى الهدم، الى محو الماقبل وعده من جملة المعدوم، والى نفي امكان صيرورة المابعد واقعاً يبنى عليه، وبحسب هذه الدلالات فان الحكومة العدمية هي التي لاتستطيع فرض اي - واقع - او ايديولوجية سياسية يمكنها اخراج الشعب من دوائر الشك الذي لانهاية له في كل شيء، سواء عبثية الوجود، او انعدام الامل في التغيير، او انعدام الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبذلك تمثل هذه الحكومة انموذج هدم بدون ايجاد بديل.

الحكومة المضطربة: وهي التي تظهر اضطراباً في شخصيتها المعادية للمجتمع، ويظهر لديها هذا السلوك من خلال ممارساتها التي لاتخدم سوى فئة نخبوية معينة ومحددة، وكأنها مصابة بما يسمى بالاعتلال الاجتماعي، وهو اضطراب عقلي لاتُظهر فيه الحكومة ابداً اي اعتبار للصواب والخطأ، وتتجاهل حقوق الاخرين ومشاعرهم، وتميل الى التلاعب بالاخرين او معاملتهم بلا مبالاة قاسية، كما انها لاتُظهر اي احساس بالذنب او الندم من تلك السلوكيات التي تهدم مقومات المجتمع .

الحكومة الاعلامية: وهي الحكومة التي تعتمد على الاعلام في ابراز شعاراتها وتسليط الضوء على اعمالها وتحركاتها سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي فيما يتعلق بالبناء والعمران من جهة، او التجارة والعقود التجارية بجميع تمفصلاتها من جهة اخرى، ولكنها بعيداً عن الاعلام الشعاراتي لم تستطع من انجاز احدى اهم مقومات اية حكومة حقيقية وذلك ما يتعلق ببناء الانسان داخل الوطن، باعتبار ان الانسان هو اللبنة الاساسية في الوجود.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

7/7/2021

 

 

بكر السباتينإجراءات متبادلة بين الطرفين.. هل توجد أصابع إسرائيلية خفية! ما علاقة اتفاقية جدة في تداعيات الأزمة! وأسئلة أخرى.

لم تكن الخلافات الإماراتية مع السعودية وليدة اليوم، وتحديداً بعد فشل المحادثات بين الدول المصدرة للنفط.. " بشأن تمديد اتفاق خفض الإنتاج، مما أدّى إلى اتخاذ الأخيرة عدة إجراءات اقتصادية تنذر بالقطيعة بين الحليفين العربيين بل أن لهذا الخلاف جذور تاريخية كما سأطلعكم عليها في السياق.. ولكن الخلاف الأخير تحت مظلة "أوبيك بلاس" كان -فقط-- قد أخرج مارد الخلاف بين الرياض وأبو ظبي من القمقم ووضع علاقة الطرفين على المحك من جديد، وجاءت طبيعة الإجراءات المتبادلة بين الطرفين لتعيد الذاكرة إلى تداعيات ما بعد اتفاق جدة 1974 الذي ما لبثت الإمارات تذكر بأنه كان مجحفاً وغير عادل.

اليوم، فأن الموقف الإماراتي جاء وكأنه موجه للسعودية مع أنه خلاف سيبدو لولهة بأنه موضوعي وموجه نحو إجماع "أوبيك بلاس" ولكن كون قيادة تلك المنظمة الاقتصادية سعودية فإن الأنظار توجهات نحو تسميته بالخلاف الإماراتي السعودي وتوارى بقية الأعضاء خلف هذا المسمى، وبخاصة أن الرياض تصدرت المشهد من باب الصلاحيات الممنوحة لها وكونها وضعت قرار تمديد خفض الإنتاج حتى نهاية العام في إطار صفقة مع روسيا- العضو الزائد في المجموعة- وأنها تحرص على مصالح كل الدول المنتجة.

وتنص الخطة المطروحة على زيادة إنتاج النفط بمقدار 400 ألف برميل يومياً اعتباراً من أغسطس وحتى ديسمبر، بحيث تصل كمية النفط الإضافية المطروحة في السوق بحلول نهاية السنة إلى مليوني برميل في اليوم.

وتدفع السعودية وروسيا باتجاه اعتماد هذا الاتفاق حتى ديسمبر عام 2022. لكن الإمارات تقول إن الوقت مبكر للموافقة على التمديد حتى نهاية العام المقبل، وترغب في أن تتم إعادة مناقشة مستويات الإنتاج بحلول نهاية الاتفاق الحالي في أبريل 2022.. ومن هنا نشب الخلاف.

وتعقدت مناقشات الأسبوع الماضي بسبب اعتراض الإمارات التي تشكل عائدات النفط نحو 30 بالمئة من ناتجها الإجمالي المحلي، في اللحظة الأخيرة على الصفقة الروسية السعودية خلال اجتماع دول "أوبك زائد" الـ23.

ومنذ مايو الماضي، أعاد تحالف "أوبيك بلاس" ضخ الذهب الأسود بداية انتشار فيروس كورونا، ما ساهم في رفع الأسعار التي باتت تدور حول عتبة ال75 دولاراً للبرميل الواح في أعقاب انهيارها قبل أكثر من عام.

ولكن الإمارات ظلت تصر على رفع خط الإنتاج الأساسي بمقدار 0,6 مليون برميل يومياً إلى 3,8 ملايين برميل، باعتبار أن النسبة الحالية المحددة (3,17 ملايين) التي أقرت في أكتوبر 2018 لا تعكس طاقتها الإنتاجية الكاملة، مع حاجتها الملحة بسبب إجراءات التصدي لكرورونا التي أثرت سلبياً على الاقتصاد الإماراتي. فيمااعتبر السعوديون ذلك بمثابة الكارثة الاقتصادية التي قد تؤدي أيضاً إلى تفكيك منظمة "أوبيك بلاس" مع أن ظروف الإمارات الاقتصادية تعاني منها دول العالم وخاصة الأعضاء منها في "أوبيك بلاس" فلا يجب أن تتخذ كذريعة.

وجاء على لسان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بأن المقترح السعودي الروسي بشأن تمديد الاتفاق حظي بقبول الجميع، ما عدا دولة الإمارات التي اقترحت تأجيل اتخاذ المجموعة قراراً بشأن تمديد الاتفاق، وطلبت "مراجعة نقط الأساس المرجعية التي تحسب تخفيضات "أوبك بلاس" على أساسها"..مؤكدة تعرضها للظلم وتعهدت بالدفاع عن حقوقها.. الأمر الذي ساعد على إماطة اللثام عن عمق الخلاف السعودي الإماراتي في العديد من الملفات حيث رشحت معالمها على السطح، ومنحت خصوم الطرفين الفرصة لبذر توقعاتهم في حرث الأزمة المتصاعدة.. وربط الأزمة بمخرجات مؤتمر جدة عام 1974 الذي تراه الإمارات غير عادل.

ويبدو أن الموقف الإماراتي شكل صفعة قاسية للسعودية، حيث جاء في تصريحات وزير الطاقة السعودي بأنه حضر اجتماعات "أوبيك بلاس" منذ 34 عاماً، ولم يشهد طلباً كطلب الإمارات. منوهاً إلى إنه لا يمكن لأي دولة اتخاذ مستوى إنتاجها النفطي في "شهر" مرجعية، فالسعودية -وفق تصريحاته الأخيرة- تريد "موازنة الأمور عبر زيادة متدرجة للإنتاج حفاظاً على استقرار السوق بافتراض أن الاقتصاد لن يتدهور بشكل أكبر بسبب جائحة كورونا، وأن جميع أعضاء أوبيك بلاس" يتوقون إلى إنهاء الزيادات في سبتمبر المقبل". إلا أن أوبك وحلفائها أخفقوا في التوصل لاتفاق بخصوص سياسة إنتاج النفط في اجتماعين عقدا الخميس والجمعة، جراء اعتراض الإمارات على بعض جوانب الاتفاق.. ومن المزمع غداً الخميس عقد الاجتماع الفاصل بشأن الموقف الإماراتي الخلافي وسط تضامن مجموعة العشرين مع السعودية نيابة عن دول أوبك بالاس". حيث يسجل للسعودية أنها حولت  خمسة أسابيع من التدهور في أسواق النفط إلى "توافق بتخفيض غير مسبوق بالإنتاج" كما جاء على لسان الوزير السعودي الذي لفت إلى أن "إيجاد الحلول تم تركه في يد السعودية وروسيا وتم التوافق على حلول مشتركة".. مؤكداً على أن"اتفاق "أبريل 2020" بشأن خفض الإنتاج ما كان ليتم لولا تدخل المملكة وحرصها على أن تكون اللاعب الأساسي لإيجاد الحلول، وبأن الاتفاقية تشمل نصاً واضحاً بشأن التمديد ولا تحوي شيئا عن زيادة الإنتاج.

ويستشف من تصريحات الوزير السعودي بأن بلاده التي لولا جهودها التطوعية المبذولة لما وصلت أسواق النفط إلى الاستقرار الحالي؛ "تبتغي من الإمارات القليل من التنازل والعقلانية مما قد  يجعل اجتماع يوم غد الخميس ناجحاً".

ولكن ما قاله وزير الطاقة الإماراتي عقب فشل اجتماع "أوبيك بالاس" يوحي بتفاقم الموقف بين الحليفين الجارين، إذ شدد من جهته على أن مطلب بلاده هو العدالة والانصاف..  حيث طالب"بتشكيل لجنة من جهات مستقلة تنظر في التظلم الذي تقدمت به دولة الإمارات، توخياً للعدالة".

 وبما أن هذا سيأخذ وقتاً، لذلك اقترحت الإمارات "فصل قراري التمديد وزيادة الإنتاج".. حيث تعهد الوزير الإماراتي بأن تقدم الإمارات كل المستندات التي تثبت مظلوميتها إزاء "تمديد الاتفاقية تحت نفس بنود الاتفاقية السابقة"؛ بذريعة أن السوق العالمية بحاجة لزيادة الإنتاج، وأن الإمارات تؤيد هذه الزيادة بين شهري أغسطس وديسمبر المقبلين، دون أي شروط.

وعلى رأي المحللة لدى شركة "أر بي سي" الأمريكية حليمة كروفت، أن "احتمال غياب اتفاق، بل حتى خروج الإمارات من أوبك، ازداد بشكل كبير"، إذ يبدو من الصعب على التحالف أن يقبل بطلب الإمارات من غير أن يفتح الباب للفوضى، ما يسترعي تدخلاً أمريكياً لمنع سيناريو الانهيار .

ويتساءل مراقبون حول السر الحقيقي الذي يقف وراء عرقلة الإمارات اتفاق "أوبك بلاس مقابل واحد"، ورغبتها في زيادة الإنتاج..

فهل يتمثل فقط بانعكاسات أزمة كورونا على الإمارات التي أثرت سلبياً على اقتصادها!

 أم أن هذا الارتفاع جاء بعد توقف محادثات إيران التي تخضع صادراتها النفطية لرقابة دولية شديدة بسبب العقوبات الأمريكية؛ وحرمان إيران التي وافقت على المقترح السعودي الروسي من عائدات النفط مع تصاعد الطلب العالمي الصيفي القوي على الذهب الأسود! مما قد ينبئ بتأخير استئناف إمدادات إيران العضو في "أوبك زائد".

وعليه فمن هو الطرف الإقليمي "المحتمل!"، الذي يقف وراء القرار الإماراتي غير  حليف الإمارات الأشد خصومة لإيران، المتمثل بالكيان الإسرائيلي الذي يسعى جاهداً إلى ضرب الاقتصاد الإيراني وإفشال العودة إلى الاتفاق النووي بشتى الذرائع والسبل! وهو الطرف ذاته الذي سيقف إلى جانب الإمارات لو استفحلت الأزمة بين الرياض وأبو ظبي عرفاناً منه لجميل الإمارات التي فتحت له أبواب التطبيع على مصراعيه، وتدرك السعودية ذلك تماماً وخاصة أنها اختارت استراتيجياً في عهد بايدن الطرف القطري التركي على حساب الإمارات.

 إن دخول دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى الجانب الإماراتي في المنافسة الاقتصادية المحتدمة بن الرياض وابو ظبي في قطاعات التكنولوجيا والنقل وغيرها دعت الأخيرة إلى تجنيس خمسة آلاف إسرائيلي في غضون ثلاثة أشهر.. وكأنه تسريع في وتيرة التطبيع لتحصين الموقف الإماراتي وبخاصة لتأزم الموقف بين البلدين الخليجيين بعد عودة العلاقات بين السعودية وقطر إلى مجاريها منذ يناير الماضي.

من هنا يمكن فهم أهم قرارين اتخذتهما السعودية إزاء الإمارات ما يعيدنا إلى مخرجات مؤتمر جدة التاريخي، وهم:

أولاً:- تعليق السعودية الرحلات الجوية إلى ثلاث دول، من بينها دولة الإمارات، ويأتي ذلك كما هو معلن، بقصد الوقاية من السلالة الجديدة من فيروس كورونا بحسب وزارة الداخلية السعودية.. بينما المستهدف الحقيقي هو الاقتصاد الإماراتي -وفق محللين- وتحديداً قطاعي السياحة والنقل في الإمارات. هذا إذا علمنا بإن إمارة دبي لوحدها تعتبر من وجهات الاستجمام الرئيسة للمواطنين السعوديين على مدار العام ويزداد زخمهم في المناسبات وأهمها عيد الأضحة الذي شارف على الحلول.

ومن ناحية أمنية فإن قرار السعودية أعلاه سَيُخْضِعْ كلَّ الإماراتيين للرقابة الشديدة بما فيهم المجنسين من أصول إسرائيلية.. وهي حسابات أمنية لا تغفل عنها السعودية على المدى البعيد.

ثانياً:- قرار تعديل الرياض قواعد الاستيراد من الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لتستبعد السلع المنتجة بالمناطق الحرة أو التي تستخدم مكونات إسرائيلية، من الامتيازات الجمركية التفضيلية.

وهو قرار جاء قبل استفحال أزمة "أوبيك بلاس" بين العضوين الإماراتي والسعودي. فيما لا يمكن إغفاله في ظل نبش ما تراكم من ملفات ظلت عالقة بين الطرفين.

وحسب مراقبين، فإن هذه الخطوة تمثل تحديا للإمارات التي تتنافس معها السعودية في جذب المستثمرين والأعمال، وسط تباين مصالح البلدين على نحو متزايد في أمور أخرى مثل علاقتهما بكل من دولة الاحتلال الإسرائيلي وتركيا.

وهذا يقودنا للحديث عن سابقة مشابهة حدثت بين الطرفين حينما وقع الشيخ زايد اتفاقية حدودية مع السعودية عام 1974م، عُرفت باتفاقية جدة، رسمت على أساسها الحدود بين الإمارات والسعودية، وتم تبادل الأراضي بين الطرفين، والغير منصف بالنسبة للإمارات هو أن حقل شيبة دخل ضمن الأراضي السعودية.. وظل الحال كذلك إلى أن جاء ولي عهد الإمارات محمد بن زايد ليعلن بإن الاتفاقية غير عادلة.

وزاد من تفاقم الأزمة عام 1999م تدشين حقل للنفط في شيبة التي يقع جزء منها في الأرض الإماراتية، دون أن تشرك الإمارات في تقاسم عائدات النفط من هذا الحقل الذي حرمها منه اتفاق 1974.

وبعد وفاة الشيخ زايد أثار بن زايد هذه الإتفاقية بين البلدين خلال أول زيارة للرياض في ديسمبر 2004م ولم يصل إلى نتيجة.

ولكن في العام 2006م أصدرت الإمارات في كتابها السنوي خرائط جديدة يظهر فيها خور العديد تابعاً للمياه الإقليمية الإماراتية خلافاً لاتقاقية جدة.

وفي خطوة شبيهة بما يحدث اليوم بين البلدين، جاء الرد السعودي على أزمة خرائط "العديد خور" في العام 2009م بمنع دخول المواطنين الإماراتيين إلى أراضيها باستخدام بطاقات الهوية كما كان معمول به آنذاك.

 لا بل ازداد الموقف تفاقماً  في يونيو 2009 حينما أوقفت السعودية آلاف الشاحنات عند المعبر الحدودي بينها وبين دولة الإمارات كنتيجة من التوترات وأوضحت ذلك على أنه جزء من تعزيز الرقابة على دخول السيارات من الإمارات إلى أراضيها.. مثلما هي ذريعة القرار الذي صدر مؤخراً بوقف الرحلات الجوية مع الأخيرة وإخفاء الأسباب الحقيقة للقرار.

وقد أوشكت العلاقة بين الطرفين أن تقطع في العام 2010 عندما أطلق زورقان تابعان للإمارات النار على زورق سعودي في "خور العيديد" واحتجز اثنان من أفراد الحرس الحدود السعودي، وحتى الآن الحدود البحرية بين البلدين غير متفق عليها. فما أشبه البارحة باليوم.

وفي المحصلة فإن تداخل الصراعات القُطْيِرَّيةِ والإقليمية في الشرق الأوسط بكل تحالفاته حاضرة بقوة في أزمة "أوبيك بلاس" فالسياسة هي الشيطان الذي يكمن في التفاصيل والذهب الأسود فتيل سريع الاشتعال، ولكن الخلافات التي تبيت بدون حلول ستخيم بظلها ذات يوم.. فهل هذا ما يحدث فعلياً بين الجارين الخليجين. وهل ثمة من له مصلحة في إيقاظها.(سلامة فهمكم).

 

بقلم بكر السباتين

7 يونيو 2021

 

احمد عزت سليمالدولة الصهيونية سند العرش الإلهي على الأرض

يشكل الثبات التلفيقى للدولة الصهيونية الإجرامية ومزاعمها الآلية المضمونية  التى تتحرك على امتداد الزمن والمساحة الجغرافية والكونية نافية بذلك طبيعة الحركة الإنسانية والكونية من امتداد وتفاعل وتواصل أوانفكاك وصراع ، باطنى وظاهرى، وأن الثبات مؤقت وعابر ونسبى، وأن الحركة مطلقة لا يحدها حد ولا يوقفها عامل، ولكنها مع الزعم اليهودى تجرى بإرادته وتنطلق منها، فقد أوقف يوشع الشمس والقمر، وأصبحت اللحظة اليهودية كما يتوهم حقيقة سرمدية قد خلق من أجلها الأجنبي(الأغيار) على هيئة إنسان ليخدم أنبياؤها، أفراد القبيلة الذهبية، حيث لا تقبل هذه الحقيقة المزعومة إلا من شعبها المختار فقط، أى من القلة وليس المجموع ولا من الكثرة (الأغيار) كما هو متعارف عليه، بل وعلى هذه الكثرة التسليم والانخضاع لهذه الحقيقة العنصرية الإلهية لحلول الإله فيها بذاته وفى أفرادها فى اتساق ووحدة داخلية ثابتة تبدو وهمياً وظاهرياً كذلك، فى حين تجمع فى باطنها كل تناقضات الواقع وتناقضات عناصره الميتافيزيقية بما تثيره من مزاعم مفترضة لا مبرهنة، وبما تثيره من عنصرية مقيتة تقوم على النص الدينى بمستوياته المتراكمة والمتنوعة باعتباره قومية خالصة تجمع بين العنصر واللون والنوع والعقيدة والأصل والوطن والأصل الاجتماعى، فتنهض كل هذه العوامل شاخصة فى وحدانية ذاتها، فالأسود اليهودى حلت فيه روح الإله بينما الأسود من الأغيار انخلق من الروح النجسة لخدمته، وهكذا تسير للأمور مع كل العناصر السابقة، وكما يوضح الحاخام راشى: أنه من العدل أن يقتل اليهودى الأجنبي لأنه عندما يسفك دماء هذا الأجنبي فإنه يقرب قرباناً إلى الإله، وإذا لم يقتل الأجنبي فإنه يخالف الطبيعة . هكذا يصبح اللون والعنصر والنوع (ذكراً وأنثى) والعقيدة والأصل والوطن والأصل الاجتماعى تحت سيف الإله اليهودى الذى حل فى شعبه المقدس الذى اختاره لنفسه إلهاً، ويصير مصيرهم عبر الزمن محكوم عليه فى نهايته بالحكم الدموى، فالوجود من أجل الوجود اليهودى النهائى المسيانى لهذه الجماعة المزعومة كجماعة فريدة مقدسة سوف تسود العالم عند نهايته  .

هكذا يتم إرجاع العينى الملموس إلى الماورائى الذى ترجع إليه العلة والبرهان ويرجع إليه الكمال والتمام، وإلا فالحكم الدموى هو مصير الأغيار المحتوم، لأنهم يسيرون نحو النقصان بينما اليهودى هو الإنسان الكامل التام الذى يتأكد تمامه ليس بنقصان الآخر فحسب ولكن بفضيلة التخلص منه وإيداعه نهايته الحتمية وصولاً إلى حتمية حكمه المسيانى، ولذا تسير حرية الأغيار وحركتهم منذ قيامها إلى نهايتها إلى قدرها المحتوم بوصول اليهودى إلى النهاية التى يحكم فيها العالم، فرب الجنود يطرد " هؤلاء الشعوب من أمامك ويدفع ملوكهم إلى يدك لتمحو اسمهم من تحت السماء ... ويبيدهم ويذلهم أمامك فتطردهم وتهلكهم سريعاً كما كلمك الرب "

ويقول الحاخام جيتسبرج: إن قتل اليهود لغير اليهود لا يعتبر جريمة تبعاً للديانة اليهودية، وأن قتل العرب الأبرياء بغرض الانتقام يعتبر فضيلة يهودية (1) كما أعلن الحاخام يوسف عن أن اليهود لديهم واجب دينى يتمثل فى طرد جميع المسيحيين من دولة إسرائيل " (2) وجاء فى التلمود الجحيم أوسع من النعيم ستين مرة لأن الذين لا يغسلون سوى أيديهم وأرجلهم كالمسلمين والذين لا يختتنون كالمسيحيين الذين يحركون أصابعهم (يفعلون إشارة الصليب) يبقون هناك خالدين " (3) وذكر فى التلمود أنه " إذا مات أحد الجدود مثلاً تخرج روحه وتشغل أجسام نسله حديثى الولادة ... وأن هذا التناسخ قد فعله الرب رحمة باليهود لأنه أراد أن يكون لكل يهودى نصيب فى الحياة الابدية. (4)، ويعتقد اليهودى ما سطره لهم حاخاماتهم من أن اليهودى جزء من الرب كما أن الابن جزء من أبيه وأنه لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة فى الأرض، ولما خلقت الأمطار والشمس، ولما أمكن باقى المخلوقات أن تعيش (5) .

صيرورة العالم ـ إذن ـ  من صيرورة اليهودى وهذه الصيرورة المزعومة قد صارت من قبل الوجود مطلقاً لا تتأثر بأية أحداث على الأرض مهما كانت فهى ثابتة  راسخة لا تتغير ولا تتحول ولا تتبدل، مستقلة لا ترتهن بالآخر، خالية من أية تناقضات متفردة- عنصرية، تدرك ذاتها بذاتها الإلهية وتدرك نفسها المتعالية بإدراك تدنى الآخر الملعون المدنس " حيث نطفة غير اليهودى هى كنطفة باقى الحيوانات "(6) ، وذلك فى مقابل نطفة اليهودى المقدسة التى تؤدى إلى ذات اليهودى المقدسة المنبعثة منها الأفعال المقدسة كمصدر أولي وإلهي لها مهما كانت دموية، فكما قال الحاخام أرئيل وهو يرثى على حد زعمه - الشهيد المقدس باروخ جولد شتاين الذى ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994- والذى أصبح بفعلته الإجرامية شفيع إسرائيل فى الفردوس، وكما يرى أن اليهود يرثون الأرض ليس فقط من خلال معاهدة سلام ولكن فقط من خلال إراقة الدماء، وحياه الحاخام دوف ليور لأنه طهر اسم الإله المقدس، وأن أرواح غير اليهود تأتى من الجانب المؤنث من الكرة الشيطانية، ولهذا السبب  فإن أرواح غير اليهودى شر، وليست خيراً، وخلقت دون علم إلهى" – يقصد بمعرفة الشيطان، كما أن قوة الفيض، تبارك اسمه شاء أن يكون هذا الشعب على هذه الأرض يجسد جوانب الفيض الإلهى الأربعة، وهذا الشعب هو الشعب اليهودى الذين اختيروا لكى يجمعوا  معا العوالم الإلهية الأربعة هناك على الأرض " (7) .

لقد نقل الإله عن داود الخطيئة، وأمات الطفل الوليد وأطلقت القبالاة على الوليد الحية، كالحية التى يصارعها الإله، ومن ثم نقلت الخطيئة عن كل اليهود بقتل داود نتاج الخطيئة / الحية، وبالتالى  فمهما كانت الممارسات التى يمارسها الشعب الكهنة أو كهنة مملكة الأنبياء، داعرة أو فاسقة أو فاسدة أو شاذة أو منفضحة أخلاقياً أو تخريبية وإرهابية أو تمتهن كرامة الأغيار العبيد فهى فى نهايتها ونتائجها واجبة الحدوث والوجود كوجود اليهودى فى العالم، وكما فسر الحاخام اللوبوفيتشرى فى تفسيراته القبالية أن الخلق بأكمله (لغير اليهود) يوجد فقط من أجل اليهود ولذلك كله فهذه الممارسات مبررة لوجوده ذاته حتى يتقدس ويعلو، فالروح اليهودية تنبع من القداسة، والروح غير اليهودية تأتى من ثلاث دوائر شيطانية وأجسادها لا احترم لها وروح الجنين غير اليهودى تختلف عن روح الجنين اليهودى (8) كما وضح التلمود وبين، وقد خلق الرب ستمائة ألف روح يهودية كما جاء فيه لأن كل فقرة من التوراة لها ستمائة ألف تأويل وكل تأويل يختص بروح من هذه الأرواح، وفى كل يوم سبت تتجدد عند كل يهودى روح جديدة على روحه الأصلية وهى التى تعطيه الشهية الأكل والشرب (9)، هكذا أرواح اليهود لها تجدد مقدس وديمومة مقدسة.

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذه المزاعم فاليهودى فوق المقدس ذاته والإله يندم من أجله بل لم يعد الإله جلد على اللعب والرقص بعد هدم الهيكل واعترف بخطيئته وندمه على ما فعله، واعتبر أنه ارتكب خطيئة ثقيلة وهذه الخطيئة أنهكت ضميره الحى حتى أنه قد خصص ثلاثة أرباع الليل للبكاء والندم، وكان إذا بكى سقطت من عينيه دمعتان فى البحر تسبب اضطراب الحياة وارتجاف الأرض وتنجم عن سقوطها الزلازل، هكذا يدفع غير اليهود ثمن خطيئة الرب، فترجف الأرض وتتوالى الزلازل التى تهلكهم ثم أن الرب يصرخ على خطيئته فى حق اليهود قائلاً: الويل لى ... الويل لى .. والويل للذى يمجد  أبناءه .. الذى قضى عليهم بالتشريد .. لأنه يصبح غير أهل لذلك "  كما أن قرارات الحاخامات فوق قرارات الإله إذا تعارضت معه، فالإله لا يساوى اليهودى ولكن اليهودى يفوقه ويسأله ويلومه ولا يثق فيه ولا يصدقه، حتى أن الإله المستمر فى الخضوع لهم يتساءل " حتى متى لا يصدقوننى " .

ولأنهم اختياره ـ وللاختيار عبء ـ  فقد جعلهم " مملكة كهنة، وأمة  مقدسة " وأصبحت الدولة الصهيونية هى سند العرش الإلهي على الأرض، ويقول الحاخام جيتسبرج فى مقال نشره عام 1996 بجريدة الأسبوع اليهودى بنيويورك: إذا شاهدت شخصين يشرفان على الغرق أحدهما يهودى والآخر غير يهودى، فإن التوراة تقول يجب عليك أن تنقذ اليهودى أولاً، وأضاف قائلا: إذا كانت كل خلية بسيطة فى جسد اليهودى تحتوى على ألوهيته فهى جزء من الرب وبذلك فإن كل ضرب من ضروب الحمض النووى الأميني DNA  هو جزء من الرب، ولهذا فإن هناك شيئا ما مميزاً فى الأحماض النووية الأمينية اليهودية، وتساءل قائلا: إذا كان هناك يهودى يحتاج إلى كبد فهل يمكنك أن تأخذ كبد شخص غير يهودى برئ يمر بالصدفة من أجل إنقاذه ؟ إن التوراة تجيز لك ذلك فالحياة اليهودية لا تقدر بثمن .. إن هناك شيئاً ما أكثر قداسة وتفردا بشأن الحياة اليهودية أكثر من الحياة غير اليهودية " (10) وجاء فى تلمود أورشليم (ص94) أن النطفة المخلوق منها باقى الشعوب الخارجين عن الديانة اليهودية " نطفة حصان ".  وهذا التعارض المزعوم بين الآخر الملوث الملعون المدنس وبين هذا اليهودى المقدس هو تعارض بين عالمين غير متجانسين وغير متقابلين وبشكل جذرى فالآخر المدنس لا يأكل الكوشير ولذا فالتعامل  معهم " يخرب الأرواح اليهودية ويحرمها من دخول الجنة "  فهو ليس إنساناً "، فهو يقتل مع خرافه وأبقاره حتى لو كان من الأخيار، وأطفاله الرضع مع رضع الحمير والبهائم، ولا نصيب لهم سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين " (11) ومن هنا لابد من الامتناع عن أية علاقة مع الأشياء النجسة قد تنشأ مع الأطهار البررة المقدسين الذى حل فيهم الإله والذين يمتلكون الشريعة ويستحقون أن ينخضع العالم لهم فسلطتهم هى سلطة من حل فيهم، وهم مع امتلاكهم الشريعة الحقة قد أصبحت سلطتهم أبدية سرمدية، هى ذاتها أبدية الإله والشريعة، وهذه الأزلية والأبدية جعلت" أنوف اليهود لا يمكن إصلاحها وشعر اليهودالأسود، المتموج، لا يمكن أن يصبح أشقراً ولا يمكن فرد تجاعيده بالتمشيط المستمر، والجنس اليهودى من الأجناس الأولى للبشرية التى حافظت على سلامتها، برغم التغير المستمر فى مناخ بيئتها، واحتفظ النوع بنقائه عبر القرون " (12) كما يرى موسى هس .

 

بقلم:ــ أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

...................

المراجع:

1 ـ إسرائيل شاحاك، نورتون ميزفينسكى: الأصولية اليهودية فى إسرائيل، ترجمة ناصرعفيفى، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة ، الطبعة الأولى 2004، ج2، ص 110 .

2 ـ نفسه ص 67 .

3 ـ عبد العظيم إبراهيم المطعنى، المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، مكتبة وهبة، القاهرة، ص33.

4 ـ نفسه ص 32 .

5  ـ نفسه ص 36 .

6 ـ نفسه ص 36 .

7 ـ الأصولية اليهودية، ج2، ص 42 .

8 ـ نفسه ص 45 .

9 ـ المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، ص 31 .

10 ـ الأصولية اليهودية، ج2، ص 49 .

11 ـ  المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، ص 33 .

12 ـ هنرى فورد،  اليهودى العالمى، المملكة اليهودية .. نظرة أمريكية، ترجمة بدر الرفاعى، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة ، الطبعة الأولى2003، ج 2، ص24 .

 

 

علاء اللامينعم، هناك مَن يعترف بنصف الحقيقة التي تفيد أن أور كسديم الوارد ذكرُها في التوراة، ليست هي أور الكلدانيّة، فيقول إنّ أور لم تكن كلدانيّةً بل أكديّة، وإنّها وُصفتْ بالكلدانيّة مجازًا لأنّ التوراة كُتبتْ في عهد الكلدانيّين. مِن القائلين بهذا القول المطرانُ الكلدانيّ سرهد جمو، الذي ذَكر في محاضرةٍ له بتاريخ 19/10/2013:

"أور الكلدان هي أكديّة. ولأنّ العهدَ القديم كُتب في عصرٍ متأخّرٍ أيّامَ الدولة الكلدانيّة (612-539 ق.م.)، فقد سمُّوها أور الكلدانيّين؛ كمن يقول إنّ كريستوف كولمبس اكتشف أو وصل إلى أمريكا، بينما لم يكن اسمُها أمريكا حين وصلها كولمبس. إنّ أور الكلدانيّين في الترجمة العبريّة الأصليّة هي أور الكاسديّين، أو الكاشديّين، وليس أور الكلدانيّين. وفي الترجمة السبعينيّة [للتوراة] 280 ق.م. بُدّلتْ إلى أور الكلدانيّين لأنّ اليهود، وبالذات النبيّ دانيال، كانوا قد سمُّوا الدولةَ البابليّةَ الأخيرة كلدانيّةً، واشتُهرتْ بذلك. وسواء كانت أور الكلدانيّين أو الكاسديّين، فهي ليست في العراق."[1]

الحُجّة التي يسوقها المطران جمو لتبرير إطلاق صفة "الكلدانيّة" على مدينة أور السومريّة هشّةٌ جدّاً؛ دع عنك أنّها تقفز على الترجمة الغريبة لاسم المدينة، والمفترض أن يكون أور كلديم لا أور كسديم:

- أوّلًا، لأنّ بلاد سومر والسومريّين لم تكن مجهولةً من قِبل كتّاب التوراة. فقد ورد ذكرُهم في أسفارهم باسم شنعار، وسُمّيتْ بلادُهم "سهل شنعار."[2] ونقرأ في تعريفاتٍ توراتيّةٍ أنّ "شنعار" في العهد القديم أُطلقتْ على السهل الغرينيّ بين نهرَي دجلة والفرات، وهو السهلُ الذي عُرف بعد ذلك باسم بابل. ونقرأ في الإصحاح العاشر من سِفر التكوين أنّ ابتداءَ مملكة نمرود كان في بابل وأرك، وهي يوروك السومريّة، وتسمّى حاليًّا وركة، وأكد أو أجاد، عاصمةَ الفاتح الساميّ الشهير سرجون في الألف الثالثة قبل الميلاد.

- ثانيًا، لأنّ الدولة الكلدانيّة كانت قصيرةَ العمر، بل هي أقصرُ الدول الرافدينيّة عمراً، إذ لم تتجاوزْ ثمانيةً وثمانين عامًا، ثم سقطتْ إثر الغزو الفارسيّ الأخمينيّ. فكيف أصبحت "الكلدانيّة" صفةً واسماً لمدنٍ ومناطقَ عريقةٍ في التاريخ كأور، التي هي الأقدمُ بين مدن بلاد الرافدين وعواصمها، في حين تكون الصفةُ التي يراد إطلاقُها عليها أحدثَ عهدًا منها كثير؟

وفي المقالة التي أوردتْ وجهةَ نظر جمو، نقرأ للبروفسور ناحوم سارنا، أستاذِ الدراسات التوراتيّة ورئيسِ قسم الترجمة العبريّة في جامعة براندايس الأمريكيّة، وجهةَ نظرٍ مطابقةً تمامًا لوجهة نظرنا، على الرغم من تحفّظنا عن تأثيله لاسم "كاسديم"، فهو يقول:

"من الخطأ أن نقولَ أور الكلدانيّين عن أور العراق، لأنّ أور كانت مدينةً سومريّة. وكلمة الكسدانيّون هي نسبةٌ إلى كاسد بن ناحور، من امرأته مِلْكة ابنة هاران، الوارد في سفر التكوين 22: 22، وكذلك يشوع 24: 2. وناحور هو أخو إبراهيم بن تارح، أيْ إنّ إبراهيم هو عمُّ كاسد. لذلك كلمة أور الكلدانيّين، الواردة في العهد القديم للكتاب المقدّس باللغة العبريّة الأصليّة التي كُتب بها، وفي كلّ قواميس شرح الكتاب المقدّس، هي أور الكاسديّين، وليست أور الكلدانيين".

والبروفسور سارنا مصيبٌ في مقدّمة كلامه، ولكنّه ينتهي إلى استنتاجاتٍ توراتيّةٍ غيرِ علميّة حول الأسماء والأنساب، ولا تؤكّدها أيُّ قرائن أو أدلّة. فهي، إذن، استمرارٌ لوجهات نظر الآخذين بالتوراة ككتابٍ تاريخيٍّ صحيح، وما هو كذلك!

وبخصوص اسم أور كسديم، وترجمتِها إلى أور الكلدانيّة، فثمّة معلوماتٌ مفيدةٌ نجدها في مقالةٍ بعنوان "التوراة تدحض خرافة ’من النيل إلى الفرات‘،" منشورة في موقع الجزيرة في 23/11/2016، من دون ذكر اسم كاتبها. ولكنّ موقعاً آخر هو شجون عربيّة أعاد نشرَها في 25/11/2016، ونسبها إلى الباحث العراقيّ فاضل الربيعي. وأرجِّح بقوّة أن تكون المقالةُ للربيعي فعلاً لأسبابٍ تتعلّق بأسلوب الكتابة، وبالمضمون الذي يحاول الكاتبُ الدفاعَ عنه، ومؤدّاه أنّ الجغرافيا الحقيقيّة للتوراة وقصّةِ بني إسرائيل هي اليمن، لا فلسطين. وكنتُ قد نقدتُ بالتفصيل هذه النظريّةَ في كتابي الصادر سنة 2020 عن مؤسّسة الانتشار العربيّ، نقد الجغرافية التوراتيّة خارج فلسطين.

أعود الى المعلومات التي تحتوي عليها مقالةُ الربيعي، غاضّاً الطرفَ عن محاولته اعتمادَ هذه المعلومات لبناء استنتاجاتٍ تخدم هدفَه البحثيّ، لأقرأ فيها:

"تقول الروايةُ الاستشراقيّة الزائفة إنّ النبيّ إبراهيم عليه السلام خرج من أور الكلدانيّين، أيْ من أرضِ ما بين النهريْن (العراق القديم). لكنّ اسمَ أور هذا ورد في النصّ العبريّ من التوراة في الصورة التالية: أور- الكسديم אור כשדים. والتهجئة الصحيحة بالحرف العربيّ هي: ء/و/ر. ك/س/د/ي/م. تنطوي هذه الرواية على خطأ تاريخيّ. ففي عصر إبراهيم (1800-1900 ق.م)، لم يكن هناك شعبٌ يُعرف باسم كلدانيّين، لأنّ هؤلاء سيَظْهرون بعد نحو ألف عام من هذا العصر. والمثير للاهتمام أنّ سائرَ الترجمات والطبعات وبكلّ اللغات، بما فيها الإنجليزيّة، تضمّنتْ نفسَ التعبير المزيّف (كلدانيين وليس كسديم، Ur of the Chaldees). المشكلة التي يثيرها هذا النصُّ أنّ اسمَ كسديم لا يمكن أن يُقرأ كلدانيّين، لأنّ العبرية لا تعرف انقلابَ السين إلى لام. لكلّ ذلك، يمكن الجزمُ دون تردّد أنّ سِفر التكوين الذي روى قصّةَ إبراهيم لا يقول قطّ إنّه خرج من مكانٍ يُدعى أور الكلدانيّين، وأنّ مترجمي النصّ العربيّ والإنجليزيّ وبقيّة اللغات هم مَن وَضع هذه الكلمة، بدلاً من الاسم الحقيقيّ في العبريّة كسديم (כַּשְׂדִּים)".

كلام الربيعي سليم تماماً من الناحية التأثيليّة (الإيتمولوجية). وقد كرّر هذه الآراءَ، كما قلنا، كثيرٌ من الباحثين الأركيولوجيّين والمؤرِّخين واللاهوتيّين غير التوراتيّين، أو التوراتيّين الموضوعيّين والرصينين. ولم يعد يرفضها ويكرِّر نقيضَها إلّا التوراتيّون واللاهوتيّون المتزمّتون والآخذون بالرواية التوراتيّة بحذافيرها لتأكيد أهدافٍ عامّةٍ تخدم الاستراتيجيّةَ اللاهوتيّةَ الجيوسياسيّة الصهيونيّة، القائمةَ على الوعد الإلهيّ بمنح إبراهيمَ ونسلَه من بعده الأرضَ الواقعةَ بين الفرات والنيل. وهذا ما سيكون هدفًا لمحاولتنا النقديّة التفكيكيّة في الأسطر التالية.

***

في الصلاة التي أقيمت في مدينة أور الأثريّة بحضور البابا فرنسيس وممثّلين عن عددٍ من الأديان والطوائف الدينيّة الحيّة في العراق، رتّل الأب نشأتْ متّي توزا، كاهنُ أبرشيّة بغداد الكلدانيّة، بصوته الشجيّ، وباللغة العربيّة، آياتٍ من سِفر التكوين - الإصحاح الثاني عشر. وبعده تُليتْ آياتٌ من القرآن الكريم.

في الإصحاح الذي رتّله الأب توزا، وردت الصيغةُ الأقلُّ شهرةً للوعد الإلهيّ في الآية السابعة التي تقول: "وتراءى الربُّ لأبرام وقال: ’لنسلِكَ أهبُ هذه الأرض‘. فبنى أبرام هناك مذبحاً للربّ الذي تراءى له". ولم يرتّلْ توزا الآية الثامنة عشرة، المثيرةَ للجدل، في الإصحاح الخامس عشر، ونصُّها في الترجمة العربيّة كما يأتي: "في ذلك اليوم قطع الربُّ مع أبرام عهدًا قال: ’لنسلِكَ أهبُ هذه الأرضَ، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهرِ الفراتُ". وأعتقد أنّ مردَّ ذلك هو تفادي الإحراج الذي كانت ستولده تلاوةُ هذه الآية التي جعلت منها الحركةُ الصهيونيّةُ اليهوديّةُ والإنجيليّةُ البروتستانتيّة شعاراً لها في العصر الحديث. ولنا على هذا "العهد الإلهيّ" بعضُ الملاحظات التاريخيّة.

فمن الواضح، بحسب تسلسل آيات الإصحاح الخامس عشر، أنّ المقصود بهذا العهد الإلهيّ هو منحُ إبراهيمَ قطعةً من الأرض في منطقة شكيم الفلسطينيّة القديمة، نابلس. فقد ورد في الآية السادسة: "واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيّون حينئذ في الأرض." وهذا أمرٌ يمكن تفهّمُه في ضوء السياق التاريخيّ والجغرافيّ والحياتيّ للعائلة الإبراهيميّة الرعويّة المهاجرة بموجب القصص التوراتيّ، في حال الأخذ به. أمّا العهد أو الوعد الإلهيّ الثاني في الإصحاح الخامس من سفر التكوين، الآية الثامنة عشرة، فهو أمرٌ آخر ومختلف، ومن الواضح أنّه مُبالغ فيه ولا يمكن تصديقُه منطقيًّا وسياقيّاً وحياتيّاً. ولتوضيح المقصود بهذه التحفظات نتساءل: ترى، ماذا كانت ستفعل عائلةُ رعاةٍ، أو عشيرةٌ صغيرةٌ أو كبيرة، أو شعبٌ صغير من شعوب المشرق الجزيري "الساميّ" القديم، بهذه المساحة الهائلة من الأرض (من الفرات إلى النيل)، التي - إذا اخذنا بحرْفيّة الآية التوراتيّة المذكورة - تشمل حاليًّا نصفَ مساحة العراق وكلَّ سوريا ولبنان والأردن وفلسطين التاريخيّة ونصفَ مصر والسودان؟!

***

ولكنْ هل ورد اسمُ النيل والفرات في التوراة الأصليّة فعلًا، أم أنّ هناك تسمياتٍ أخرى؟

للإجابة على هذا السؤال نعود إلى مقالة الربيعي، ومنها نسجّل المعلومات الآتية. غير أنّنا سنأخذ بها بشيءٍ من التحفّظ بسبب الطريقة غير العلميّة في التوثيق أحيانًا، وبسبب بعض الأخطاء المعلوماتيّة التي سنشير إليها في مواضعها.

- يعتقد الربيعي أنّ النصّ العبريّ من التوراة بخصوص الوعد الإلهيّ، بأن يهَبَ اللهُ النبيَّ إبراهيم أرضاً تمتدّ من النيل إلى الفرات، إنّما هو نصّ مضافٌ لاحقاً، وليس نصّاً أصليّاً. فهو يؤكّد عدمَ وجود "أيّ إشارةٍ إلى نهر النيل أو الفرات". ولذلك فإنّ "كلَّ المزاعم القائلة بأن تكون له الأرضُ من نهر النيل إلى الفرات... لا أساس لها"[3]. ويشرح الكاتب اعتقادَه فيضيف: "ما يقوله نصُّ سِفر التكوين، كما في الطبعة العربيّة وبقيّة اللغات (1: 15:7)، هو التالي: "في ذلِك اليوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثاقًا قائلاً: ’لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إلى النَّهْرِ الكبيرِ، ونهْرِ الْفراتِ‘،" مثبتًا النصَّ باللغة العبريّة، ليقرِّر من ثم ما يأتي:

"هذه ترجمةٌ مزيّفةٌ ومضلّلة. ولنلاحظْ هنا أنّ النصّ العبريّ الأصليّ يَستخدم صيغةَ ’من/ نهر مصريم  מִנְּהַר מִצְרַיִם‘  (من نهر مصريم מִנְּהַר מִצְרַ) وليس ’من نهر مصر‘. كما أنّه يستخدم جملة ’حتّى النهر الكبير עַד-הַנָּהָר הַגָּדֹל،‘ ولا يقول ’الفرات.‘ أمّا الإضافة ’نهر فرات- فرث נְהַר-פְּרָת‘ فهي إضافةٌ متأخّرةٌ لم تكن موجودةً في النصّ القديم من التوراة، وقد نُقلتْ عن نصّ يونانيّ. بكلامٍ آخر، تمّت إضافةُ كلمة ’فرت-فرث‘ إلى النصّ التوراتيّ نقلاً عن هوامش وتوضيحات النصّ اليوناني. والأصل في الجملة هو ’من نهر مصريم إلى النهر الكبير .‘ على هذا النحو ظهرتْ خرافةُ ’من النيل إلى الفرات‘ استنادًا إلى تفسير (تأويل) محرِّري النصّ اليونانيّ."[4]

المؤسف هنا أنّ الربيعي لا يُثْبت في مقالته ترجمةَ النصّ اليونانيّ المعرَّب الذي احتجّ به أو يذكر مصدرَه؛ وهذه ثغرةٌ كبيرةٌ تُفْقِدُ منطقَهُ الكثيرَ من الصدقيّة والتماسك. ولكنّ الفكرة المشكِّكة في مضمون آية الوعد الإلهيّ بصيغتها السائدة، أو الرافضة لها، تبقى سليمةً من حيث الجوهر.

- أمّا ملاحظة الربيعي التي يقول فيها إنّ اسم الفرات "لم يكن معروفاً حتى العصر الآشوريّ بهذا الاسم"، وأنّ "المؤكّد" هو "أنّ اسمَه بورانو أو بورانوم وليس الفرات"[5]، فهي معلومةٌ ليست دقيقةً أيضاً. إذ إنّ اسم الفرات كان موجودًا في صيغة قريبة من لفظه باللغة العربيّة والعبريّة: ففي اللغة الأكديّة، الأقدم من الآشوريّة بكثير، نجد أنّ اسمَ الفرات كما يُلفظ بالحروف اللاتينيّة هو Pu-rat-tu، بو-رات-تو. ولمّا كانت الباءُ المستعملة هنا هي الباءَ البابليّة، وهي نفسُها P اللاتينيّة القريبة جدًّا من F، بل هي تُلفظ فاء في بعض اللغات الأوروبيّة المعاصرة كالألمانيّة مثلًا، فإنّ لفظَ بوراتو الأكديّة هي نفسُها فوراتو (= فرات) العربيّة والعبريّة. أمّا في الآراميّة فهي بالفاء حصرًا: ܦܪܬ Froṯ .

- كما لم يكن الربيعي دقيقًا حين كتب أنّ اسمَ مصر "لم يكن معروفًا في عصر إبراهيم، والسجلّات المصريّة الرسميّة تؤكّد أنّ اسم مصر ظهر فقط بعد 750 ق.م، وأنّ الاسمَ الذي عُرفتْ به هو إيجبت-القبط". فالحال أنّ اسمَ مصر لم يردْ في العبريّة فقط بلفظ "مصر أو مصريم"، بل هو كذلك في لغاتٍ جزيريّةٍ "ساميّةٍ" أخرى: فهو في الأكديّة القديمة (التي ظهرتْ وسادت في الألفيّة الثالثة ق.م) "مصري،" وفي الآراميّة "مصرين"، وفي الآشوريّة "مشر"، وفي البابليّة الحديثة "مصر"، وفي الفينيقيّة "مصرو"، على ما يؤكّد الدكتور عبد الحليم نور الدين، العميدُ الأسبق لكلّيّة الآثار في القاهرة، في الجزء الأول من كتابه، تاريخ وحضارة مصر القديمة. أمّا تامر أحمد عبد الفتّاح فيضيف، في مقالةٍ بعنوان "أسماء مصر القديمة"، المعلومات الآتية:

"أنّ البابليّين كانوا يطلقون عليها مصرو ومصر. ووردتْ كلمةُ مصرم في نصٍّ فينيقيّ يعود إلى أوائل الألفيّة الأولى ق.م. والمعينيّون في اليمن كانوا يسمّونها مصر ومصرى. وفي النصوص الآراميّة والسريانيّة مصرين... وظهرتْ باسميْ شرى ومصوى في لوحة ميتانيّة وُجدتْ في شمال غرب العراق وُجّهتْ إلى فرعون مصر، وفى لوحة أشوريّة ونصٍّ من رأس الشمرة فى شمال سوريا."[6]

***

وأخيرا، فقد يتساءل البعض: ترى، ألا يترتّب على القول بعدم تأريخيّة النبيّ التوراتيّ إبراهيم نفيٌّ تلقائيٌّ لما أكّدته في صدده الكتبُ السماويّةُ الأخرى كالقرآن؟ وعلى هذا التساؤل أجيب بالآتي:

في هذه القضيّة ميدانان أو جانبان: جانب إيمانيّ دينيّ غيبيّ، وجانب تاريخيّ وآثاريّ علميّ تجريبيّ. الأوّل ميدانُه الدين وعلومُه، ولا علاقةَ له بتأريخيّة وجود إبراهيم أو آثاريّة هذا الوجود، لأنّ هذه قضيّة علميّة. والقضايا العلميّة غير ثابتة، بل متغيّرة تبعًا للاكتشافات والنظريّات المتواترة: فربّما تُكتشَف أدلّةٌ علميّةٌ تُغيّر هذه النظريّة أو تلك جذريّاً، وتثبت أشياءَ أخرى كانت غيرَ ثابتة؛ وقد تكشف لنا ذاتَ يوم عن إبراهيم الحقيقيّ أو عن مثيلٍ له، أو قد لا تكشف. بكلمات أخرى نقول إنّ النبيّ إبراهيم، كمقولة دينيّة، هو شخصية دينيّة ورد ذكرُها في الكتب المقدّسة -- وهذا أمر محترم، شأنه شأن الأديان المحترمة نفسها، وهو موضوعٌ يؤمن به رجالُ الدين وعامّةُ المؤمنين بالديانات الثلاث، وليس موضوعًا للبحث الأركيولوجيّ. أمّا قضيّة وجود أو عدم وجود آثار أركيولوجيّة تؤكّد وجودَ هذا الحدث أو تلك الشخصيّة التوراتيّة، وصحّةَ خطّ رحلتها، ودقّةَ المعلومات المذكورة عن إبراهيم وعن هجرته وعمره وعائلته، فهي قضيّة تاريخيّة علميّة يُجاب عليها بالطرائق والأساليب العلميّة. وفي حال عدم وجود أدلّة وحجج ملموسة على تأريخيّة شيء أو حدث أو شخصيّة، فإنّه لا يمكن أن يقال العكس.

يضاف إلى ذلك أنّ القرآن لا يقدّم حيثيّاتٍ قصصيّةً تفصيليّةً عن إبراهيم وغيره من الشخصيّات التوراتيّة، كما هي الحال في أسفار التوراة، إلّا نادراً، وبشكلٍ عامّ أو إيحائيّ، وخصوصًا في سورة إبراهيم، حيث نجد أفكارًا ومبادئَ إيمانيّةً عامّةً ونصائحَ وتوجيهاتٍ أخلاقيّةً ودينيّةً من الآية الأولى في سورة إبراهيم (التي تقول "الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ") وحتى الآية الأخيرة ("هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ"). أما تفاسير السور القرآنيّة، ففيها الكثيرُ ممّا جِيءَ به من خارج القرآن، أو ما أطلقوا عليه مصطلحَ "الإسرائيليّات،" أي الروايات التي أخذها المفسِّرون المسلمون من الأحبار اليهود. وما يقال عن هذه الروايات الأحباريّة يقال عن التوراة نفسها بوصفها كتابًا غيرَ تاريخيّ بالمعنى التاريخيّ والعلميّ. إضافةً إلى ذلك، فإنّ المسلمين يؤمنون بأنّ التوراة التي كانت موجودةً في عصر صدر الإسلام وحتى الآن هي توراةٌ محرَّفة. وهذا أمرٌ مهمٌّ ومفيدٌ لتأكيد ضرورة عدم الخلط أو المساواة بين النصّ القرآنيّ والنصّ التوراتيّ، وضرورة عدم اعتبارهما كلًّا واحدًا منسجمًا.

 

علاء اللامي

......................

هوامش الجزء الثاني:

[1] - نيسكو موفق، "بحثٌ يؤكّد: مسقط رأس النبيّ إبراهيم أور الكلدانيّين لا تقع في العراق!" موقع صحيفة أزاميل، 6/2/2021.

2 - نقرأ في موسوعة الكتاب المقدّس على النت تعريفًا لشنعار يقول: "شنعار هي المنطقة التي تمتدّ بين بابل وارك وكلنة وأكد، وكانت ضمن مملكة نمرود، وفي هذه المنطقة أقيم برج بابل." وإرك هي أوروك "الوركاء،" عاصمة الملك السومريّ كلكامش، صاحب الملحمة التي عُرفتْ باسمه. ويعتقد بعضُ الباحثين أنّ اسم "العراق" تحوّر عنها إلى العربيّة.

3- فاضل الربيعي، موقع شجون عربية، 25/11/2016:

https://arabiyaa.com/articles/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%a9-%d8%aa%d8%af%d8%ad%d8%b6-%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d8%a7%d8%aa/?fbclid=IwAR3WvrfCke8GU1YtFnxa98Gp9tAE6zS1DFdUvSCkJA5FbdOWG8jaA80nxSU

4 - المصدر السابق.

5 - المصدر السابق.

6 -  عبد الفتّاح تامر أحمد، مدوّنة "حضارة مصر القديمة،" 27/6/2020.

* رابط لقراءة الجزء الأوّل من المقالة:

https://al-adab.com/article/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%85%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D9%91-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-1%D9%85%D9%86-2

 

 

ناجي احمد الصديقمنذ ان خطت الرئيس معمر القذافى نهاية السطر الأخير فى  في رواية حكمه فى ليبيا لم تنعم الدولة الليبية بساعة هناء واحدة ، فصراع السلطة فى ليبيا أصبح هو الآخر رواية أخرى لم يقيَض الله لها حتى يوم الناس هذا من يضع النقطة فى آخر سطورها الدامية

يبدو ان الرئيس الراحل معمر القذافى قد كان ساحرا حينما امسك بتلابيب الحكم فى دولة ليبيا فى ستينات القرن الماضي والى لحظة موته الصادم أمام الكاميرا بعد ان قبض عليه الثوار ونفذوا فيه حكم الإعدام دون محاكمة تماما كما يبدو الآن أن زمان السحر قد ولى ولن تستطيع ليبيا ان تنجب رجل مثله يقود الليبيين كما تقاد السائمة ان لم يكن يطوعهم فجبرا عليهم وها نحن ألان امام مشهد بالغ الكآبة بعد ان توقف صوت البندقية واخذ الناس يأملون فى المستقبل تنتكس العملية السياسية وهى فى نهاية طريقها الطويل باختلاف قديم متجدد بين محاور النزاع محليا واقليميا ودوليا ، وها نحن نعود على بدء ليتموضع الخلاف بين الشرق والغرب بكامل عنفوانه كما بدأ اول مرة بعد الثورة .

لم يكن الفشل الدواى الذى كان نهاية الحوار الليبي فى برلين هو القشة التي قصمت ظهر البعير بل ان تراكمات المماحكة والتمنع منذ انطلاق منتديات الحوار الليبي كان ينذر بنهاية غير سعيدة لأحلام  الهائمين فى حب التراب الليبى والذين ظنوا للحظة ان ليبيا ستعود بعد طول عناء دولة كباقى الدول يحكمها رئيس ويضبطها برلمان ويتعاون على إدارتها وزراء ولكن الاصطفافات المحلية والإقليمية والدولية ما كانت ستدع الحلم يكتمل والصفاء يعود لانهم يريدون ما وراء تدمير ليبيا ولن يخسروا فى ذلك شيئا طالما ان العملية نفسها تدار بايدى ليبية

تاريخ الصراع الليبى من اجل السلطة مملوء عن آخره بالمناكفات والمماحكات من احل المصلحة الشخصية أولاً ومن اجل المصالح الإقليمية والدولية ثانيا ، وليس فيه شىء من المصلحة الليبية شيء على الإطلاق ، فالشرق كان ومازال يعمل بجهد حثيث من اجل تولى خليفة حفتر زمام الأمور فى ليبيا للجم المد الاسلامى المتنامي فى الجنوب والغرب والحركات الإسلامية التى تسيطر على غرب وجنوب ليبيا تعتقد ان خليفة حفتر ما هو إلا صنيعة إقليمية ليس له الا ان يكون ترياقا للإسلاميين  وعلى هذا النحو تسير موجة الصراع الليبي الممتدة وعلى هذا النحو تتناسخ وتتناسل محددات ذلك الصراع وفى هذا الإطار تعقد المؤتمرات والحوارات والكل يضمر فى نفسه بغير ما يبديه فى العلن حرصا على إرضاء المجتمع الدولي ودفعا بجهود الأمم المتحدة نحو السلام ولكن ما ان تحين لحظة الحسم حتى تظهر النوايا وتطفو كل الخلافات المكنونة على الصفح وتبتعد ليبيا عن خط النهاية بنفس القوة التى اقتربت منه الى حين

فى جراب الحاوي اذن الكثير من من معينات الصراع فى ليبيا كان ذلك على مستوى القيادات فى الداخل او على مستوى الاصطفافات الإقليمية والدولية في الخارج ولعل فى إبداء خليفة حفتر نيته فى حسم ذلك الصراع عسكريا مرة أخرى وفى إبداء نية اروغان إبقاء قواته فى ليبيا وفى  قول المصريين ان الملف الليبى هو احد ملفات التقارب التركى المصري ... لعل فى تلك الأشياء رؤية صادقة لمآلات الصراع فى ليبيا وان فى جراب الحاوي مزيدا من الألغام التى لا يبدو لها نهاية وان الشعب الليبى سيظل يدفع ثمن لعبة المحاور لا لشيء الا ان من بعض بنيه من سار خلف سراب السلطة الزائف حينما صوره له البعض أنها حقيقة.

 

ناجى احمد الصديق الهادى - المحامى - السودان

 

 

عامر صالحمن قانون الأحوال الشخصية رقم(188) لسنة 1959 التي انتهكت المرأة والأمومة   

تتواصل الأحتجاجات الشعبية الى جانب الحراك الشديد لمنظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية المدنية أثر جلسة البرلمان التي انعقدت في الاول من تموز الجاري والتي كرست لتعديل المادة 57 من قانون الاحوال المدنية المرقم(188) للعام 1959، وتركزت الانتقادات، على تعديل المادة، 57 والتي جعلت الحضانة للأم غير المتزوجة قبل بلوغ الطفل سن السابعة، فيما منح الأب حق حضانة ولده بعد ذلك، وفق عدة معايير. كما نصت تلك المادة على أنه إذا أتم المحضون السابعة من عمره، وكان أبوه متوفياً أو مفقوداً أو فقد أحد شروط الحضانة تنتقل الحضانة للجد الصحيح، ثم إلى أمه ما دامت محتفظة بشروط الحضانة دون أن، يكون لإقاربه من النساء أو الرجال حق منازعتها فيه لحين بلوغه سن الرشد" للأطلاع على تفاصيل التعديلات المقترحة انظر الرابط اسفل المقال".

لم يكن هذا الأجراء جديدا ولا وليد الصدفة بل انه يعبر عن عقلية متخلفة يجسدها الجزء الاكبر من احزاب الاسلام السياسي الطائفي في البرلمان العراقي والتي تعكس الموقف المتخلف من المرأة وحقوقها المختلفة، ومن ضمنها حق الأمومة ورعاية اطفالها، وقد انتهجت تلك الاحزاب ومنذ سقوط الدكتاتورية بعد 2003 نهجا معاديا لمبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، ومما يثير غضب الشارع العراقي والنساء بشكل خاص ان هناك برلمانيات نساء يقفن مستميتات ضد المرأة وحقوقها ومعظمهن من كوتة الاسلام السياسي ويجسدن بالملموس الموقف المتخلف من المرأة وابقائها اسيرة لثقافة المجتمع الذكوري الذي يعيد انتاج اضطهاد النساء بواجهات " مقدسة ".

لقد تعرضت الاوضاع الاجتماعية للنساء والفتيات الى انتهاكات خطيرة على مر العقود الاخيرة جراء الحروب العبثية التي اقدم عليها النظام السابق وتركت آثارها في ظواهر عديدة، ابرزها الترمل بفقدان الزوج وتحمل الزوجة اعباء الإعالة وتضيق فرص العيش الكريم في التربية والتنشئة الاجتماعية للفتيات وللأسرة بصورة عامة، وأشد اوضاع المرأة تراجعا ما حصل لها بعد عام 2003 بدءا من الاحتلال ومرورا بصعود التيارات والحركات والاحزاب الدينية والطائفية الى السلطة، وصولا الى عودة أثر الاعراف والتقاليد القبلية والعشائرية، وكان للحروب الداخلية وما سببته من تهجير ونزوح وتشتيت للمكونات، وتدهور الحياة الاقتصادية وتدني مستويات العيش وانتشار البطالة على نطاق واسع وفي اوساط النساء المتعلمات وفي المجتمع بصورة عامة، أثره الواضح في تصدع منظومة الاستقرار القيمي وتدهور في المعايير وانحسار لخيارات التكافئ والتكافل الاجتماعي وقد جعلت من الحياة الاجتماعية أكثر قتامة. ويكفي ان نشير هنا الى حجم الكارثة الاجتماعية عندما نتحدث عن نسبة العوانس وقد بلغت اكثر من 80%، كما تجاوز عدد الارامل والمطلقات المليونين أمراة، وبلغ حجم الأيتام والارامل خمس السكان، وتصاعد نسبة السكان دون خط الفقر الى 40%، الى جانب زواج القاصرات دون 18 سنة، وبعضها لا يتجاوز 11، 12 سنة.

الأم هي الحلقة الأولى في حياة الطفل والأسرة، لما لها من دور عظيم في إعداد وتنشئة الأجيال ، ولما يقع على عاتقها من مسئوليات في إعداد الطفل وتربيته، وبعاطفة الأمومة التي لديها تمنحه مشاعر الدفء والحنان، لما تشكله من علاقة نفسية وبيولوجية بينها وبين أولادها وبناتها، والأمومة هي أكبر وظيفة للمرأة وهبتها لها الطبيعة في صراعها للبقاء لتكون بها الحياة، فهي رمز الحياة واستمرارها؛ وتعتبر أقوى الغرائز لدى المرأة وتظهر لديها من طفولتها المبكرة فنجد الطفلة ترعى أخواتها الذكور وتعتني بهم وتجد لديها العديد من الدمى والعرائس التي تمارس من خلالها دور الأم

الأمومة هى علاقة بيولوجية ونفسية بين امرأة ومن تنجبهم وترعاهم من الأبناء والبنات. وهذا هو التعريف للأمومة الكاملة التى تحمل وتلد وترضع (علاقة بيولوجية) وتحب وتتعلق وترعى (علاقة نفسية) . وهذا لا ينفى أنواعاً أخرى من الأمومة الأقل اكتمالاً كأن تلد المرأة طفلاً ولا تربيه فتصبح فى هذه الحالة أمومة بيولوجية فقط ، أو تربى المرأة طفلاً لم تلده فتصبح أمومة نفسية فقط. هذه الأدوار للأم عندما تلد وعلى المستويين البيولوجي والنفسي يجب ان تشبع بقدر هادئ ومعقول استجابة لأشباع غريزة الأم البيونفسية في رعاية اطفالها، وفي سياقات طبيعية ومقبولة قد تحل الخالة او العمة او الجدة نسبيا مكان الأم على المستوى النفسي او لصعوبات مؤقتة على المستوى البيولوجي"كالأرضاع"، وخلاف ذلك وعلى مستوى اكراه الأم لغير حضانة اطفالها فأنه أمر يهدد بمخاطر واضطرابات نفسية خطيرة وخاصة اذا كانت مؤظرة بكراهية من نوع خاص بين "الشريكيين " وعدم قبول الآخر بفعل عوامل كثيرة ومتعددة.

يالتأكيد هناك عوامل تؤطر استقرار الأسرة ومنعها من التصدع، من بينها الاستقلال الاقتصادي للشريكين وخاصة عن أبوي وأم الشريكيين، وكذلك العمر المقبول للزواج حتى ما بعد 20 عاما، فالنضج الزمني يلعب دورا في انعكاساته على العمر العقلي وخاصة في تفاوت غنى البيئات المختلفة وبالتالي فالشراكة هي عقلية مقترنة بزمن مقبول. وفي عراق ما بعد 2003 ومنفتح على مصرعيه لمختلف التيارات الدينية وغير الدينية والانعتاق من العزلة العالمية التي كان يعيشها العراق مقابل انفتاح على الآخر غير مدروس وصراع قيمي على أشده بين العشيرة والمدينة وقيم الانفتاح التي تهواها النفس بفطرتها في صراعها مع دين سياسي يكرس ازدواجية الأخلاق ويحلل الحرام ويحرم الحلال ويتحالف مع قيم التخلف والردة وفي مقدمتها العشيرة ويتشبث بالسلطة السياسية، فلا نستغرب ان الوضع يؤسس لمختلف الأنهيارات والنكسات والمصائب، والمرأة كعادتها وبفعل استفحال الذكورية وعدوانيتها هي من اسهل الضحايا في القتل والتنكيل وحرمانها من امومتها، الى جانب اصابتها بمختلف الأضطرابات النفسية والعقلية.

أن تقدم المجتمعات يقاس بمدى تقدم المرأة فيه ومساهمتها في الحياة العامة، لقد اصاب المرأة شتى صنوف الأذلال والقهر والأستعباد جراء الظلم الذي وقع عليها تاريخيا وحاضرا، والمرأة العراقية اليوم بين عاطلة عن العمل وأرملة ويتيمة ومطلقه وعانس وحبيسة المنزل، لا نستغرب من تداعيات ذلك على سلوكيتها اتجاه اطفالها، وخاصة عندما تبلغ الحال حدا مرضيا فأن الضحايا الأقرب هم الاطفال. أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين وما يترتب عليه من اقصاء للمرأة هو نزوع ثقافي أولا، يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة، والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية، ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة، وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه،لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها، ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

اليوم قد يكون من السهل على التنظيمات السياسية الدينية المتطرفة في البحث عن مبررات لأقصاء المرأة من ميادين الحياة المختلفة وانتهاء ضربها في امومتها في ظل بيئات متخلفة تعيد انتاج عورة المرأة ودونيتها كثقافة ذكورية سائدة، وان التذرع بعدم كفاءة الأنثى تربويا في الأمومة والرعاية لغاية الثامنة عشر من عمر الطفل يشكل جزء من منظومة الارهاب الفكري والسلوكي لأضطهاد المرأة الأم وعدم السماح لها بأداء دورها التربوي في الامومة والاعداد الاولي.

لقد فشلت البرلمانات العراقية ما بعد 2003 في التشريع لبناء أسس دولة المواطنة وبناء عراق آمن بعيدا عن المليشيات وقوى اللادولة كما فشل في التشريع لمحاربة الفساد الذي نخر الدولة وأهدر مواردها، واخفق في وضع حد للسلاح المنفلت الذي قتل الابرياء والسلميين في احتجاجات اكتوبر، ولم يشرع بما يضمن سلامة العملية السياسية والديمقراطية في البلاد ولم يستطيع وضع للأحزاب المليشياوية التي تقبع تحت قبة البرلمان وتسهم في صياغة اكثر قوانينه اجحافا بحق الشعب والدولة والمجتمع، ولكن البرلمان شاطر في التعبئة المشوهة لهدم الأسرة والمجتمع والعبث في الطفولة لتعزيز الثقافة الذكورية وبالأستعانة من البرلمانيات النساء ذات الثقافة الذكورية العدوانية اتجاه نساء من بنات جلدتها.

قد لا نستغرب من وجود لوبي عصي ضد المرأة العراقية فأن مقترح تعديل المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959 الذي قدم من قبل عضو اللجنة القانونية النيابية حسين العقابي (عضو كتلة الفضيلة النيابية) مطالبا فيه باسترداد الحضانة من الأم إلى الأب قد إنضمت اليه ابرز الشخصيات الذين خلقوا هذا الحراك البرلماني ضد حقوق الامهات وهم:

النائب الاول لرئيس مجلس النواب حسن كريم الكعبي

النائب الشيخ حسين اليساري رئيس لجنة الاوقاف النيابية

النائب هناء تركي الطائي نائب رئيس لجنة الاوقاف النيابية

النائب محمد الغزي نائب رئيس اللجنة القانونية النيابية

النائب حسن فدعم

النائب خالد الجشعمي

وسائر اعضاء اللجنة القانونية ولجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية (التي اساءت للمرأة والطفل) بأنظمامها الى لوبي استلاب الامومة، وتجدر الإشارة ان المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة ١٩٥٩ تُعطي الحق للأم المطلقة بالاحتفاظ بحضانة أطفالها بعد زواجها من رجل آخر ، كما سمحت لزوج الأم القيام بدور الولاية على الأطفال المحضونين ، والعيش معهم في بيت واحد.

ولكن في العراق وبعد تجربة 18 عاما من الزمن من تجربة الأسلام السياسي في الحكم ان هناك وعي بديل دخل البيوت العراقية، تتجسد ملامحه في التوق الى المساوة بين الجنسين في مناحي الحياة المختلفة، ويصتدم هذا مع اجندة الأسلام السياسي في اعادة انتاج الثقافة الذكورية لأغراض بقائه، وبالتالي فأن كل التشريعات المتوقعة والمجحفة من قبل السياسين الذكور والسياسيات ذات الثقافة الذكورية لا تعني ابدا تغيرا سريعا في الوعي العراقي صوب الاستسلام بل ان الوعي التراكمي نحو دولة المواطنة والحق والمساواة بين الجنسين سيجد ضالته بعد ان شق طريقة بألاف الضحايا والسشهداء من اجل عراق صالح للجميع إلا القتلة !!!.

 

د.عامر صالح 

............................

الروابط ذات الصلة:

موقع الحوار المتمدن: حملات التمدن، كلا لتعديل المادة 57 من قانون الاحوال الشخصية المرقم 188 لسنة  1959

وكالة ناس نيوز: جدل واسع بشأن تعديل قانون الاحوال الشخصية ... قنبلة ذرية

 

 

 

كاظم الموسوييحتفل هذه الأيام الحزب الشيوعي الصيني في ذكرى تأسيسه المئوية.. قرن كامل من السنوات، جرت فيها مياه كثيرة، تحولات ومنعطفات ومتغيرات على جميع الاصعدة، محليا وخارجيا، وكلها لها تأثيراتها، بأي شكل من الأشكال، على وقائع الحياة، مباشرة أو بغيرها. ورغم طول الزمن فإن سنواته في تاريخ الشعوب قد تكون غير مطابقة لامتداده. قد تمر سريعة، خاطفة، أو بطيئة، مؤلمة. اعلاميا أرخ التاسيس فى شانغهاي فى اول تموز/ يوليو عام1921 كطليعة الطبقة العاملة الصينية والممثل الصادق لمصالح الشعب الصيني، من قومياته المختلفة، والقوة المركزية التى تقود قضية الاشتراكية فى الصين، وهدفه النهائي هو اقامة المجتمع الشيوعي. وفق صحيفته اليومية، الشعب.

واتخذ الحزب الشيوعي الصيني من الماركسية- اللينينية وافكار ماو تسي تونغ دليلا مرشدا له. وقاد الشعب من قومياته المختلفة فى خوض نضال ثوري طويل ضد الامبريالية والاقطاعية والرأسمالية البيروقراطية وحقق الانتصار فى الثورة الديمقراطية الجديدة ونجح في قيادة الكفاح الشعبي وتأسيس جمهورية الصين الشعبية -- حكم الدكتاتورية الشعبية الديمقراطية، وفي تنفيذ سلس للتحويل الإشتراكي، من الديمقراطية الجديدة الى الاشتراكية، وانشأ النظام الإشتراكي وطوّر الاشتراكية في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة. واضاف برنامجه أن: المهمة الاساسية للحزب الشيوعي الصيني فى المرحلة الراهنة هى توحيد الشعب الصيني من جميع قومياته للعمل الجاد والاعتماد على النفس فى تحقيق تدريجي لتحديث الصناعة والزراعة والدفاع الوطني والعلوم والتكنولوجيا وبناء الصين كدولة اشتراكية متطورة الثقافة وديمقراطية رفيعة.

هل تمكن فعلا الحزب من انجاز كل ذلك؟. برغم الحروب الداخلية والخارجية وكل معوقات البناء وصعوبات النهوض العام استطاع الحزب أن يجعل من الصين الان الدولة الثانية في العالم اقتصاديا وبتطور مستمر على جميع الأصعدة ويعمل بسياسة وتوجهات عالمية ايضا. تختلف التقييمات لكل ما حصل في تاريخ الصين المعاصر، من تأسيس الحزب إلى قيادته الكفاح المسلح والصراعات الداخلية ومقاومة الإحتلال الياباني لجزء من شمال البلاد، الى التحديات الاستراتيجية في إدارة دولة ممتدة الأطراف ويسكنها أكبر عدد من السكان عالميا. وكذلك على مستوى التنظير والتوجهات الفكرية والنظرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية طبعا. ولاسيما امام المتغيرات الدولية، وانهيار حليفه اللدود، الاتحاد السوفيتي، واستفراد عدوه اللدود، الولايات المتحدة الأمريكية في النظام الدولي الجديد.

قبل هذه المتغيرات، كانت التحولات الميدانية في الصين واسعة، سعة البلاد، وحينها برز ماو تسي تونغ، قائدا شابا مفعما برؤية ثورية، توضحت عبر تأسيس "الجيش الأحمر"، لقيادة ثورة وطنية شعبية ضد حكم الكومنتانغ المدعوم من الولايات المتحدة، وتكللت قيادته للتحرر الوطني بتأسيس جمهورية الصين الشعبية. ولم يكن دور ماو في ذلك وحده وحسب، وانما تمكن بسياساته الاستراتيجية من دحر المستعمرين وتوحيد الصينيين تحت راية واحدة، راية الحزب الشيوعي. واصبح عمليا قائدا ملهما ومتميزا وزعيما جديرا بموقعه، له فكره ونظرته التي طبعت تأثيرها على المجتمع الصيني، وخارجه. فتبنى عام 1958 مشروعاً ضخماـ، بعنوان: "القفزة الكبرى إلى الأمام" مستهدفا نقل البلاد من طابعها الزراعي إلى الصناعي المتطور، ففرض إجراءات صارمة وجداول عمل شاقة لكل السكان، رجالا ونساء، وسحب أكثر من 100 مليون فلاح وفلاحة لبناء قاعدة اقتصادية صناعية كبيرة، ولكن بتضحيات كبيرة ايضا.

 وبعدها انشغل بإطلاق "الثورة الثقافية" عام 1966، مطورا أفكاره لتعزيز مكانة الحزب الشيوعي، وتعبئة جيل الشباب ونشر الوعي الثوري عبر ألمؤسسات الإعلامية، وفي مقدمتها صحيفة "الشعب"، التي أفردت صفحاتها لخطبه وأفكاره الماركسية. وفي ضوء الثورة الثقافية تشكّل "الحرس الأحمر" للدفاع عنها وعن التحول الثقافي للقيادة الصينية. وشنت وسائل الإعلام المعادية للثورة والدولة الصينية حملة تشويه ممارسات اختصرت بعناوين "عبادة الزعيم"، ومطاردة المثقفين وإحراق الكتب وهدم المعالم التراثية والفنية باعتبارها رمزاً للرجعية. ودفعت اختلافات في القرارات والإجراءات إلى حالة اختناق ثقافي وسياسي، أفرغ المحتوى من تطورات التحديث والتغيير، واسهم في تحول سلبي تكرس في إطار صراعات داخلية وخارجية، أدت إلى تشويه الفكر والوعي، وانقسام القيادة والإدارة للحزب والدولة. وظهر هذا اكثر بعد موت ماو، وهو ما فسره الإعلام الحزبي بغياب القائد، صاحب الكارزيما القادرة على التأثير المباشر وقيادة الاتجاهات والسياسات. وهناك اراء متصارعة ايضا حول السياسات والقيادات ما بعد ماو، في القيادة والادارة، وملاحظات على طبيعة التحولات وترك بصمات التغيير في كل التحولات التي حصلت في الحزب والدولة الصينية. ولكن في مراحل الإصلاح والتغيير تمكن الحزب والدولة من النهوض والتنمية والتطور والاستفادة من كل التجارب الإنسانية في التحولات الاستراتيجية، التي رسمت صورة أخرى لبلد كالصين، إذ بقي الحزب هو الذي يقود البلاد ويضع الأهداف الرئيسية موضع التطبيق، محققا مهمات توحيد الشعب والتخلص من الأستعمار والنهوض بالأمة الصينية. وسلك خلال القرن من عمره اتجاهات وتبنى أفكارا في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية، طارحا عبرها النموذج الصيني في الفكر والممارسة.

لم يتوقف الحزب عند بداياته، واستفاد منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي من تبني ثورة اقتصادية، تجمع بين أساليب بناء اقتصاد متنوع ومتقدم طموح ولا يتاطر بحدود نظرية، فتمكن من تحسين مستويات معيشة ملايين السكان خلال فترة قصيرة من الزمن، كما رسم مسار التنمية الأنسب للصين، بتقدير قياداته الجديدة، التي تمتعت بقدرات الاستجابة لمتطلبات التغيير وواكبت تطورات العصر مع الاعتبار لظروف الشعب والبلاد. كما قال زعيم الحزب والدولة، دينغ شياو بينغ -الذي يُعرف بـ"مهندس الإصلاح الصيني"- إن الاشتراكية لا تعني بالضرورة الفقر، مؤكدا على ضرورة جعل الصينيين أغنياء، وموضحا أن اشتراكية الصين منفتحة على قواعد اقتصاد السوق للاستفادة منها، إذ لا بد للصين من الاستفادة من كل الحضارات الأخرى، بما فيها الغربية.

و أكد الرئيس الصيني الحالي، زعيم الحزب، شي جين بينغ إنّ التنمية والتطور هما الأساس وليس التعددية وصخب الكلام باسم الديمقراطية أو الليبرالية في مجتمع المليار ونصف المليار نسمة، مضيفا أن الصين انفتحت اقتصاديا ولم تنفتح سياسيا، وأن ما يجري هو معركة بين حضارة غربية وحضارة صينية تقدم نموذجا جديدا للتنمية والاستقلال.

أما في خطاب مناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي، فقد أكد الرئيس الصيني، وزعيم الحزب: أن نهضة بلده عسكريا واقتصاديا "لا رجعة فيها". وقال أن "الصين لا تضطهد دولا أخرى". وكرّر ذكر دور الحزب في تاريخ الصين الحديث، قائلاً إنه كان أساسياً في نمو البلد، وإن محاولات فصله عن الشعب"ستفشل". وقال إن "الاشتراكية وحدها هي التي يمكنها إنقاذ الصين، والاشتراكية ذات الخصائص الصينية هي وحدها القادرة على تنمية الصين". وأضاف: "لن نسمح أبدا لأي أحد بالتنمر على الصين أو اضطهادها أو إخضاعها". وتابع قائلا: "كل من يجرؤ على القيام بذلك يضرب رأسه في سور فولاذي عظيم يمثله أكثر من 1.4 مليار صيني".

 

كاظم الموسوي