كريم المظفرأصدار المجلس الأوروبي تعليماته للمفوضية الأوروبية بفرض عقوبات جديدة في حالة "أي أعمال خبيثة أخرى" من جانب روسيا، ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يطور فيها الاتحاد الأوروبي تدابير جديدة في وقت مبكر، حتى قبل أن يكون هناك سبب رسمي لتطبيقها، في موازاة ذلك، وهذا يعد فشلا لقادة الاتحاد الأوروبي مرة أخرى في تحديد موقفهم من العلاقات مع الاتحاد الروسي، واكتفوا بقرار سياسي بتمديد العقوبات الاقتصادية والتي فرضت في مارس 2016، في أعقاب الأزمة الأوكرانية وأحداث القرم، وافق الاتحاد الأوروبي على خمسة مبادئ أساسية لسياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا، تم تسميتهم مبادئ فريديريكا موغيريني - تكريما لرئيس الدبلوماسية الأوروبية آنذاك. هذا النهج تجاه الاتحاد الروسي في الاتحاد الأوروبي لا يزال ساريًا.

وأثار ما سربته صحيفة فايننشال تايمز من انباء، حيث كانت أول من نشر تقريرًا عن المبادرة الألمانية الفرنسية، بشأن دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقمة الاوربية، غضبت بعض دول الاتحاد الأوروبي من هذه الفكرة، علاوة على ذلك، ليس من الواضح ما الذي أغضب الشركاء أكثر - الفكرة نفسها أو حقيقة أنه تم اقتراحها قبل يوم واحد تقريبًا من المجلس الأوروبي، وبحسب بعض ممثلي المؤسسة الأوروبية، تحاول برلين وباريس سحب "البطانية" على أنفسهما، دون مراعاة رأي شركائهما، غير المستعدين لمثل هذا الاجتماع، ما تسبب هذا السؤال في انقسام بين البلدان الاوربية المجتمعة .

و" إذا كان بإمكان جو بايدن إجراء حوار مع فلاديمير بوتين، فلماذا لا يمكننا ذلك؟" - بكلمات بسيطة، كانت هذه هي رسالة ألمانيا وفرنسا، اللتين دعتا، عقب المحادثات الروسية الأمريكية في جنيف، شركائهما إلى دعوة الرئيس الروسي إلى قمة الاتحاد الأوروبي، وقيم الكرملين برده على هذه المبادرة حتى قبل أن تصبح معروفة رسميًا بشكل إيجابي وقال المتحدث باسم الكريملين ديميتري بيسكوف «بالطبع، نحن نراقب عن كثب القمة التي تفتتح اليوم في بروكسل وتقييمات هذا الحوار المحتمل الذي سيتم التعبير عنه من هناك."

لم تلب تقييمات توقعات الكرملين التي تم الإعراب عنها في المجلس الأوروبي التوقعات - فقد تحدث حوالي ثلث زعماء أوروبا البالغ عددهم 27 ضد الاجتماع مع فلاديمير بوتين، وتم تحديد الاتجاه من قبل رئيس وزراء هولندا مارك روته الذي أكد بانه "ليس لديه أي شيء ضد" المفاوضات مع رئيس الاتحاد الروسي لرؤساء المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية تشارلز ميشيل وأورسولا فون دير لاين، لكنه هو نفسه لن يكون حاضرا في مثل هذا الاجتماع، علاوة على ذلك، تم اختيار الموضوع من قبل قادة ما يسمى (بطفيليات ) الاتحاد الأوربي وهي لاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا وبلجيكا، ويتم تحديد كل شيء بالإجماع - وبالتالي، حتى لا تنعقد القمة، يكفي تصويت واحد "ضد".

في الوقت نفسه، هناك من بين السياسيين الأوروبيين الذين يشاركون في مبادرة الحوار المباشر بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، وأشار السياسي الألماني ديتمار كيستر، وهو عضو في نفس لجنة البرلمان الأوروبي، إلى أن القمم المشتركة انتهت بعد عام 2014، ومع ذلك، حسب قوله، هذا ليس سببًا لرفض مثل هذه الاجتماعات إلى الأبد، وقال " نحن بحاجة إلى مفاوضات على مستوى العمل لإحراز تقدم في الحد من التسلح واستعادة الثقة "، في حين اعترفت رئيسة الوزراء الفنلندية سانا مارين بأن القادة سيستمرون في مناقشة هذه القضية، وإن المبادرة "ضرورية" لكن "الوقت لم يحن بعد".

ويرى المراقبون في نتائج القمة، هي بما أن الزعماء لم يتمكنوا من الاتفاق على موضوع القمة، فقد كان مطلوباً شيئاً من شأنه أن يعكس بشكل غير مؤلم روح الإجماع السائدة في الاتحاد الأوروبي، واتضح أن الحل بسيط وسريع ويمكن التنبؤ به – هو مسألة العقوبات، و في البيان الختامي، الذي نشره المجلس الأوروبي في 25 يونيو، أوعز القادة إلى المفوضية الأوروبية بوضع إجراءات جديدة للمستقبل فيما يتعلق بروسيا، بما في ذلك التدابير الاقتصادية، والتشديد على الحاجة إلى استجابة حازمة ومنسقة من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه لأي إجراءات خبيثة وغير قانونية وتخريبية من جانب روسيا، مع الاستفادة الكاملة من جميع الأدوات المتاحة للاتحاد الأوروبي وضمان التنسيق مع الشركاء، ولتحقيق هذه الغاية، دعا المجلس الأوروبي أيضًا المفوضية والممثل الأعلى لتقديم خيارات لتدابير تقييدية إضافية، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية.

ويعتزم الاتحاد الأوربي إجراء "حوار انتخابي" مع روسيا "حول القضايا التي تهم الاتحاد الأوروبي"، وفق المفهوم الجديد لـ "صد - كبح - إشراك"، حيث تم تقديم هذه الاستراتيجية إلى موسكو من قبل رئيس السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في 16 يونيو، والموافقة عليها ليست عملية سريعة، ويجب مناقشة الوثيقة في المجلس الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، وقال جاك ماديسون: "سيستغرق الأمر بالتأكيد بعض الوقت، لذا لن أجرؤ على تحديد الوقت المحدد الذي سيتم فيه نشر الوثيقة النهائية للعامة"، ووفقًا له، فإن استراتيجية الاتحاد الأوروبي الحالية - المبادئ التوجيهية الخمسة المعتمدة في عام 2016 - تتداخل إلى حد كبير مع الاقتراح الحالي.

وفي الوقت الذي تؤكد موسكو استعدادها لمواصلة الحوار المتكافئ مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك في المواضيع التي تم ذكرها في القمة الأوروبية والتي تهتم بها، لكن مثل هذا الحوار، رغم آمال بعض العواصم الأوروبية، لا يمكن إطلاقه بشروط مسبقة، لا سيما العقوبات الأحادية الجانب وغير الشرعية ضدها والتي، كما تعرفه بروكسل،" سيرد عليها بالمثل"، الا ان روسيا رأت أن نتائج القمة الأوروبية ببروكسل تدل على أن الاتحاد لا يزال يواجه صعوبات في وضع أي استراتيجية لتطوير علاقاته مع روسي، وأظهرت المناقشات في القمة الأوروبية أن موقف الاتحاد الأوروبي من علاقاته مع روسيا تحددها الدول المعادية لروسيا، وان الاتحاد الأوروبي لايزال في أسر مصالح تلك الدول، المتناقضة مع طموحات السكان الأوروبيين، ونتيجة لذلك لا يزال الاتحاد الأوروبي يواصل "السير بدائرة"، ويمدد مرة أخرى "مبادئ موغيريني" التي تمت الموافقة عليها عام 2016 والتي تربط مستقبل العلاقات الروسية الأوروبية بتنفيذ اتفاقيات مينسك، التي تعرقلها كييف (أوكرانيا) منذ سنوات.

من الواضح أن أي تغييرات في سياسة الاتحاد الأوروبي ستعكس التدهور المستمر للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي والموقف المشترك للدول الأوروبية بأن سياسة الاتحاد الروسي - الخارجية والداخلية - أصبحت، كما صرحوا هم أنفسهم، أكثر فأكثر غير قانونية واستفزازية وتدميرية، إذا كانت هناك تغييرات، في الاتجاه السلبي، ففي الداخل الاوربي، هناك تناقضات خطيرة للغاية بين أولئك الذين يتعاملون مع الموقف الأكثر تشددًا، وأولئك الذين يؤيدون المرونة، وأولئك الذين لا يهتمون على الإطلاق، ومن المستحيل اختزال كل هذا في موقف واحد، وبالتالي فإن جميع بيانات الاتحاد الأوروبي تستند إلى مزيج من النقد مع "نحن نفهم الأهمية" و "نسعى جاهدين من أجل"، لا حاجة اليقين، الجو العام معادٍ، لكن الدول الكبرى لا تريد أن تؤدي إلى صراع مباشر وصريح، ولا تستطيع فعل شيء لتغييره في اتجاه بناء، وبشكل عام، لا ترى السبب أيضًا.

وتحولت عقوبات الاتحاد الأوروبي الآن إلى وسيلة لتأكيد نفسها أمام الناخبين، بدلاً من التأثير الفعلي على شيء ما، وهم (الاتحاد الأوروبي)، أولاً وقبل كل شيء، يعملون مع ناخبيهم ويظهرون لهم أنهم يشغلون مناصب ثابتة - سواء فيما يتعلق ببيلاروسيا أو فيما يتعلق بروسيا، وفي الواقع من الواضح أن العقوبات هي مسألة فارغة، فأوروبا تحتاج مثلا إلى نورد ستريم 2، وسيتم إكماله عاجلاً أم آجلاً بغض النظر عن موقف الاتحاد الأوروبي تجاه الاتحاد الروسي أو بيلاروسيا، وإن القيود من وجهة نظر الرئيس الفرنسي ماكرون، ليست فعالة في حل المشكلات طويلة الأجل، وإن الطريق إلى الأمن الأوروبي يكمن من خلال الحوار، ويجب على الاتحاد الأوروبي أن يقدم سياسة فعالة تجاه روسيا، وهنا نستذكر المثل الشعبي الروسي الذي قاله الرئيس فلاديمير بوتين امام المستشارة الألمانية في منتدى سانت بطرسبورغ، والذي يحكي قصة عريس يخاطب عروسته " كل ما تفعليه ليلة الدخلة لن ينفعك .. لأنك في النهاية .... !!!!"

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

قصي الصافيبقلم: إليف ساريكان

ترجمة: قصي الصافي


 في هجومها الأخير على الأكراد، استهدفت تركيا أردوغان المدنيين واللاجئين على طول الحدود العراقية، انها حملة وحشية للقضاء على بذرة الديمقراطية وحق تقرير المصير في كردستان.

في 24 نيسان 2021، حيث تصادف الذكرى السنوية لبدء الإبادة الجماعية للأرمن، شنت الدولة التركية هجوما عسكريا في الأراضي العراقية ضد القوات الكردية. ومنذ أكثر من شهر يتواصل القصف الجوي ضد أهداف مدنية.   ويستمر استهداف القرى الحدودية، إلى جانب مخيم مخمور للاجئين والذي يأوي آلاف اللاجئين الأكراد الذين كانوا قد فروا من حملة تدمير القرى التي شنتها الدولة التركية في شمال كردستان خلال التسعينيات. منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان أكثر من 10000 مواطن في مخمور ينظمون أنفسهم ذاتياً وبشكل ديمقراطي، فكان لمجالسهم السبق في ممارسة الكونفدرالية الديمقراطية - المعروفة عالمياً في روجافا (منطقة تتمتع بالحكم الذاتي في شمال شرق سوريا) - وهو نظام يقوم على مبادئ الديمقراطية المباشرة وحماية البيئة وتحرير المرأة. كل امرأة في المخيم هي جزء من المجالس النسائيه المنظمة بشكل مستقل وتشارك المرأة بنشاط حثيث في ترميم مجتمع  مزقته الحرب وطاله الكثير من الدمار. ترى الدولة التركية في هذه التجربه إرهاباً، وتشاطرها بذلك حكومات أخرى كالولايات المتحدة وبريطانيا.

 يقوم الجيش التركي في نفس الوقت بتدمير منظم للبيئة، قصف وقطع الغابات في جنوب كردستان، مهاجمة البنية  التحتية للمياه في روجآفا، ووضع العوائق في مجرى تدفق المياه الى شمال سوريا عبر نهري دجلة والفرات، الأمر الذي حرم الملايين من الناس من مصدر ثابت  للمياه. إن هذا الهجوم استمرار لسياسة الدولة التركية المستمرة في الغزو والاحتلال والتوسع غير الشرعي في كردستان. الحقيقة أن هذه الحملة هي السلسله الأحدث من بين العديد من الهجمات التي قتلت الآلاف وشردت مئات الآلاف في السنوات الأخيرة. شهدنا جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الدولة التركية في مدينة عفرين عام 2018، وفي سيري كانيه عام 2019. والآن يتم استخدام ذات الأساليب في جنوب كردستان.

تكتيكات الدولة التركية باتت الآن معروفة : التعذيب، الأسلحة الكيماوية، قصف المستشفيات وشبكات المياه، وممارسة الاغتصاب كسلاح حرب. تم توثيق هذه الأعمال ونشرت على نطاق واسع في غزوات عفرين وسيري كانيه (رأس العين)، وقد سجلت عفرين أعلى معدلات خطف واغتصاب وتعذيب للنساء في المنطقة بعد احتلالها.

تخطط الدولة التركية لبناء قواعد عسكرية في الزاب وماتينا وأفاسين ضمن المناطق ذات الأغلبية الكردية العراقية. في عام 2019، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تركيا تنوي أن تفرض بالقوة العسكرية منطقة حدودية على أطرافها الجنوبية، وتستبدل السكان الأكراد باللاجئين السوريين -  انها تقوم أساساً بعمليات تطهير عرقي ضد الأكراد في المنطقة.

بات جلياً من تصريحات وممارسات الحكومة التركية أن الهدف من هذه الحملة العسكرية هو إعادة الحدود المنصوص عليها في الميثاق الوطني في نهاية الإمبراطورية العثمانية، والتي بموجبها سيتم ضم مناطق من العراق وسوريا، فقد أعلن أردوغان أن الحدود المخصصة لتركيا بعد الحرب العالمية الأولى (التي تركت ملايين الأكراد دون  جنسية ) كانت بمثابة تسوية خطيرة لتركيا، ويجب حلها. من الصعب معرفة فيما إذا كان هذا التصريح من نوع الفكاهة أم المأساة .

تشير التطورات في الأيام الأخيرة أن تركيا تسعى لأثارة الاحتراب بين الأكراد من خلال تصعيد التوترات بين حركة حرية المجتمع الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، الحزب الحاكم في إقليم كردستان العراق. في الأسبوع الماضي لم يسمح الحزب الديمقراطي الكردستاني لوفد سلام من أوروبا بالدخول إلى العراق، وتمت اعادتهم إلى أوروبا. وفي غضون ذلك، منعت الشرطة في ألمانيا وفدًا آخر من سبعة عشر سياسيًا وناشطًا من السفر سويةً الى هناك، وكانت هذه الوفود تنوي استطلاع الوضع وتقديم تقارير مباشرة من الأرض.

 إلى جانب الاشتباكات العسكرية الأخيرة بين حركة حرية المجتمع  الكردستاني وقوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان  والتي تعدّ تطورات مقلقة للغاية، ستواصل الدولة التركية عنفها وتطهيرها العرقي في جميع مناطق كردستان ما لم يكن هناك رد مناسب وجاد من المجتمع الدولي. هدف الدولة التركية محو الثقافة الكردية وإبادة الشعب الكردي وسحق أي محاولات من قبل الأكراد لتقرير المصير.

ما هو مستهدف ليس الأكراد فقط، بل أي محاولة لبناء مجتمع سلمي وديمقراطي في المنطقة بالتكاتف مع الجماعات العرقية والدينية مثل الأيزيديين والعرب والسريان والآشوريين والتركمان. مثلما تعرضت هذه المحاولات للهجوم في سوريا منذ سنوات، كذلك يتم استهدافها الآن في العراق. ما تعتبره الدولة التركية تهديدًا وجوديًا كبيرًا هو تحقيق الأفكار السياسية لعبد الله أوجلان، الرجل الذي لا يزال مسجونًا في جزيرة آمرلي، وقد عزل من قبل الدولة التركية لأكثر من عقدين. إن وأد أي فرصة للسلام والديمقراطية في الشرق الأوسط هو الطموح السياسي الأكبر للدولة التركية.

 يجب على كل من يؤمن بعالم عادل، أن يدين هذا الغزو وأن يتخذ موقفاً من أجل الحرية والعدالة. إن حرية عبد الله أوجلان أمر بالغ الأهمية للتوصل إلى حل سلمي في كردستان والمنطقة.

 

................

* عن موقع رابطة الاشتراكيين الديمقراطيين \ اميركا

 

 

غانم المحبوبيفي الجزء الأول من هذا الموضوع تطرقنا إلى أسباب وكيفية نشوء الحشد الشعبي ثم ظمهِ الى القوات الأمنية العراقية ثم ما تلاه من ظاهرة تشكيل المجاميع المسلحة المتعددة تحت غطاء الحشد الشعبي وإستمرارها في العمل المسلح خارج أوامر وحدود الدولة. ما يُعرف عن هذه المجاميع أنها ذات صبغة دينية عقائدية لكنها تعمل بأجندات وإهتمامات سياسية أمنية بحتة وذات ولاء واضح وصريح إلى مبدأ ولاية الفقيه تحت إمامة المرشد الأعلى الإيراني.

فلهؤلاء الداعمين لجهة أو لأخرى من هذه الميليشيات المسلحة، ولا أعني بذلك الحشد الشعبي، أقول لو قبلنا إدعائكم بأنكم تريدون الدفاع عن المواطن المُستضعف وتحرير العراق من تواجد وتصرفات القوات الأجنبية (الغازية) الغير شرعية وإرجاع سيادة الدولة فهذا الهدف لا بأس فيه على الإطلاق. ولكن ما هو مؤكد للجميع هو أن أي مجموعة منكم لا تمثل إلا فئة قليلة جداً من التعددية الكبيرة في العراق، فكيف تُبررون أعمالكم المُتفردة والغير مدعومة من قبل الحكومة المنتخبة أو بأي قانون أو تشريع من قبل مجلس نواب الشعب أوالدستور؟ إن قرار البرلمان العراقي بإخراج القوات الأجنبية هو مَنوط إلى السلطة التنفيذية وليس لأي جهة أخرى. ثمَ كيف يتم إرجاع سيادة الدولة وأنتم تُقوضون إرادتها وشرعيتها بمثل هذه الاعمال المسلحة؟ وإن كُنتم مُحقين في أهدافكم هذه هل تعطون الحق لغيركم بتشكيل مجاميع مسلحة أخرى لتعمل ضدكم؟ وكيف يصبح إذاً العراق لو حصل مثل هذا؟ ألِلفوضى والحرب الأهلية ما تسعون؟ إن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة هو مبدأ أمني حضاري يجب التمسك فيه والدفاع عنه وخصوصاً في دولة تعددية ديموقراطية كالعراق. من جهة أخرى، إن مثل هذه التساؤلات يمكن أن توجه أيضاً الى أولاءك اللذين يُعادون هذه المجاميع المسلحة، وأقول ومع الأسف "يُعادون" جداً وليس يختلفون معهم بالرأي. فلو إستثنينا مَن يقوم فعلاً بعمل إجرامي، كيف يحق لكم أن تتهموا وتجرموا فئات من الشعب بمجرد انهم يختلفون معكم بالرأي أو الفكر أو العقيدة؟ نعم أنهم عراقيون يؤمنون بمبدأ ديني مُعين ويتمسكون بالولاء له ويرغبون بالتقارب مع إيران. ولنكن أكثر وضوحاً ونقول، يحق للمواطن العراقي ان يفهم منكم لماذا يكون التقارب والتعاون وحتى الولاء لأمريكا أو أي جهة أخرى بعيدة كانت أو قريبة للعراق مقبولاً ومرحباً بهِ عندكم وبعض ألأحيان مُستَوجَباً كإحدى ضرورات الإنفتاح وتقبل العالم الآخر، لكنه إن كان تقارباً مع الجارة إيران يتحول حينها الى تبعية للأجنبي، مرفوض بل ومحرم بإعتباره خيانة للوطن؟ إيران أيها السادة وكذلك أمريكا أو أي دولة أخرى لها ما لها وعليها ما عليها وما يجب أن يهمَ العراقيين مِن جراء التعاون مع هذه الدول هو ما يصب في مصلحة العراق من إستقرار وإزدهار فقط. أني لأستغرب مِن مَن يُمَثلون الثقافة والفكر التقدمي والوعي السياسي أنهم يتقبلون الفكر والسياسات القادمة للعراق من أي جهة من بقاع الأرض إن كانت الإمبريالية العنيفة أواليسارية الشيوعية، والإلحادية المنفلتة أوالدينية المحافظة و القومية المتعصبة، والعلمانية والتعددية الديموقراطية وغيرها، لكنهم يجرمون من يؤمن بفكرة ولاية الفقيه لا لشيء سوى لسمتها الدينية وعلاقتها بإيران! ما الفرق إذن بين مَن يُجرمَ هذه المجاميع الولائية (من الناحية الفكرية فقط) وبين مَن جَرَمَ وأعدمَ الرعيل الاول لمنتسبي حزب الدعوة الاسلامية كالعلامة محمد باقر الصدر وقيادات الحزب الشيوعي كفهد وسلام, لا لأفكارهم الدينية أو اليسارية الإشتراكية فقط بل لولائهم لإيران أو الإتحاد السوفيتي آنذاك؟

والأهم من ذلك، ليس كافياً للعراقيين الإطلاع على مسببات وملابسات مشكلة كبيرة وحساسة كهذه وألتي تعيق الأمن والتطور المجتمعي مالم تُقدمَ لها الحلول السليمة لتجوازها والقابلة للتطبيق فعلاً ظمن واقع العراق الحالي. بإختصار شديد وكمبدءٍ عام في النزاع السياسي والأمني والعسكري، لا سلام بدون وقف لإطلاق النار ولا أمان بدون نزعٍ للسلاح ولا إستقرار وإزدهار بدون دولة ذات سيادة وقوة. وبناءاً على هذا المبدأ، جميع معالم القوة والنفوذ والتسلح خارج مؤسسات الدولة العراقية يجب أن تزول، ولكن السؤال المركزي هو كيف يتم ذلك؟ وللتأكيد مرة ثانية، إن التمادي في إستمرارية مثل هذه الميليشيات الغير قانونية والمُقَوِضة لسيادة الدولة هو مرفوض كما هو مرفوض أيضاً العداء المتطرف لها وتجريمها لان كلا الحالتين تتقاطعان مع مبادىء التعايش السلمي وحل الخلاف بالطرق الحوارية المتحضرة لا بالقوة والعنف وإلغاء الآخر المخالف.

هناك من يعتقد إن الحل السلمي الأسلم لهذه المشكلة هو بيد المرجعية الدينية الرشيدة لما لهذه الميليشيات من صبغة دينية وما تدعيه من إنها جزءاً من الحشد الشعبي، والذي انبثق تلبية لفتوى المرجعية كم سبق أعلاه. هذا الرأي وإن يبدو صائباً وسهل التطبيق لكنه قد يؤدي إلى عواقب وخيمة وسابقة غير مرغوب بها، أهمها هو حشر الإرادة الدينية في أمر سياسي أمني هو من أولى مهام الدولة وليس رجال الدين. الجميع يعلم إن هذه الميليشيات تعمل بأجندات سياسية وإن صَبَغَت نفسها بصبغة الدين، وكل مَن يؤمن بالمواطنة الحقة يدعو إلى عزل الدين عن السياسة، فكيف نطلب إذن من الدين أن يتدخل في السياسة ومن أوسع أبوابها؟ وهل فشلت فعلاً جميع السبل الأخرى بيد الدولة لنضع المرجعية الدينية الراشدة في صدام وتحدي مباشر مع فئات من الشعب المُعتقِدة بالإسلام السياسي؟ في هذا الصدد، يجب التذكير إن فتوى المرجعية الأولى جائت ظمن المهام الدينية الشرعية والتي دعت المسلمين القادرين أن يجاهدوا في سبيل الله لحماية الدين والوطن بما فيه من الأهل والمال وتحت إمرة الدولة والمتمثلة بالجيش والشرطة، ولم تكن في يوم من الأيام داعية لتشكيل مجاميع مسلحة منفلتة لا تأتمر بأوامر الدولة. المرجعية الراشدة تنئى بنفسها عن مثل هذه التيارات المتطرفة ولم تأمر بتشكيل مثل هذه المجاميع فلماذا نطالبها بفتوى ثانية لحلها. ولنفترض حدثَ مثل هذا، من يتحمل مسؤلية الحالة الكارثية الناتجة عندما ترفض هذه الميليشيات أن تطيع رأي المرجعية وتقوض موقعها الموقر عند اغلبية العراقيين؟ وهذا الإحتمال ليس بعيداً بل هو واقع الحال الآن حيث سبق للإمام الأكبر السيد السيستاني وأن دعى بوجوب حصر السلاح بيد الدولة لعدة مرات ولم يُستجَب له. وأخيراً، يبقى السؤال المركزي والمهم في أذهان المواطن البسيط ذي المخاوف والريبة من الآخر: هل أن وضع العراق الحالي يسنح بحل هذه المجاميع المسلحة؟ أي هل لدينا تلك الدولة القوية والسيادة الكاملة وألتي تستطيع أن تُنجزَ هذا العمل لوحدها وتُطَمئنَ الشعب من عدم حدوث كارثة أخرى مشابهة لداعش أو سبايكر تستهدف الشعب ومقدساته؟

في رأي الخاص، إن الإجابة هيَ بالطبع لا. لذلك وختاماً، أطالب الحكومة العراقية المُنتخبة أن تعي جيداً لدورها القيادي المسؤول وتأخذ زمام الأمور بيدها لحل مثل هذه المآزق السياسية المهمة بالطرق الرسمية والدبلوماسية وكمنهج سياسي إستراتيجي. ان القيادة الحكيمة والمطلوبة للعراق هي التي تُؤَمِنُ الفوزَ في سباقات السياسة والدبلوماسية الدولية لصالح الوطن وأهله، ومن لم يمتلك مثل هذه المؤهلات والإرادة والجُرأة لا يصلح ان يكون في صدارة الدولة. كذلك لا يُخفى أن إيران مقصودة بعداء شديد وغير مُبرر من قبل دول إمبريالية لا تخفي عدائها حتى للعراق كإسرائيل وأمريكا. من جهة أخرى، إن دولة قوية ذات كفاءات سياسية ودبلوماسية وعلمية كإيران يَشهد لها الجميع في حُسنِ إدارة سياساتها الخارجية للحفاض على أمنها القومي، سوف لن تسمح أبداً أن يصبح ما يزيد على ألف كيلومتر من حدودها الغربية مع العراق وبوابتها على حلفائها من العرب وموانئ البحر الأبيض المتوسط أن يصبح طريقاً سهلاً لدمارها وتحت نفوذ أعدائها من الأمريكيين أو الإسرائيليين أو غيرهم. مع وضع هذه الحقائق نُصب اعيُنِنا، لا يختلف اثنان إن هذه الميليشيات هي من فئات الشعب العراقي لكنها ذات الولاء العقائدي الديني لولاية الفقيه الإيرانية، مما جعل العراق ضحية بين كماشتين وعليهِ أن يتخذ موقفاً تأريخياً جريئاً لصالح إحدى الكماشتين وان يخرج من سياسة التذبذب وألا قرار الفاشلة. وبكل صراحة واختصار أقول، إن امام العراق الآن أحسن الفرص ليلعب دورَهُ السياسي والدبلوماسي بشكل صحيح ومُجدي في الوقت الذي تعاني إيران من وضعها الذي لا تُحسد عليه من حصار وعقوبات وتهديد. وتزامناً مع مجيء الرئيس الإيراني الجديد وسعيهِ لتحقيق مكسباً سياسياً يبدأ به ولايته الرئاسية وذلك بتحسين وتقوية علاقات إيران الخارجية مع دول الجوار مما يُتيح للعراق أن يدخل، ومن مركز القوة، في حوار إستراتيجي جاد وجريء مع الجارة إيران يتم خلاله تحديد السياسة الخارجية للعراق وبشكل واضح باختيارها حليفاً حقيقياً وفعالاً من النواحي السياسية والأمنية والإقتصادية والسياحية والثقافية وغيرها. من بنود هذا التحالف، تتكفل إيران حل هذه الميليشيات وعدم التدخل في شؤون العراق الداخلية، ويتم ذلك وبكل بساطة عن طريق توجيهات أو فتوى من المرشد الأعلى الإيراني. في المقابل، يتعهد العراق بتطمين إيران على سلامة وأمن حدودها وعدم السماح لاعدائها بتشكيل خطر عليها عن طريق الأراضي العراقية. وبهذا الشكل تتحقق مصالح الدولتين والشعبين الجارين في نفس الوقت. العراق دولة كبيرة لها من معالم القوة والثراء والتراث والنفوذ ما لإيران بل يزيد على ذلك في نواحي متعددة. وكمثال لا للحصر يتمتع العراق بمركزه الديني المقدس للأغلبية الساحقة للشعب الإيراني وذلك لاحتوائه على أضرحة ومشاهد مقدسة لسبعة من أصل إثني عشر من أئمة الشيعة المعصومين عدا الآخرين من أهل البيت والصالحين.  

 

الدكتور غانم المحبوبي

 

 

 

كاظم الموسويبلد النفط والرافدين يشكو الفقر والجوع والفقدان والحرمان والفساد وما شاء الله من هذه المصطلحات والمفاهيم التي يمكن إضافتها، عناوين المشهد السياسي الراهن، الذي يخجل حتى وصفه. وهذه العناوين بالتأكيد لها دلالتها وتثير الأسئلة التي قد يستغرب المتابع لها وعن اجوبتها الرسمية. والارقام والإحصاءات التي تصدرها الجهات الرسمية الحكومية تلفت الإنتباه إليها اولا وتدين السلطات التي تتحكم بالبلاد والعباد في بلد كالعراق، ثانيا، لا سيما تتنافس عليه دول الاستعمار الإمبريالية في احتلاله والهيمنة على ثرواته وخيراته وترسم له سيناريوات حاضره ومستقبله، وتهدد في أغلبها حياته وتاريخه وشعبه وموقعه في المنطقة والوطن العربي الذي يشكل جناحا رئيسيا له. وبالتالي فإن ما اعلن شكل إدانة لكل من له علاقة بهذه الشؤون، حكما ونفوذا وصمتا مريبا، يؤشر عن مديات تحمل المسؤولية والروح الوطنية والدور السياسي والاشتباك الوظيفي بين التبعية والتخادم أو الاستقلال والسيادة الوطنية.

اذ تنقل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المباشر في برامج الواقع والحوارات الساخنة صورا كارثية وفواجع مأساوية عن وقائع الحياة اليومية للأغلبية  من الشعب.  وهي صورة لا يمكن أن تبرر ولا يمكن الصمت عليها ايضا. وليس آخرها ما صرحت به وزارة التخطيط (19 نيسان/ ابريل 2021) بأن مؤشرات الفقر وفق ارتفاع الأسعار الحالية وصلت إلى ما بين 26 الى 27 بالمئة، مشيرة الى أنها أنهت إعداد خطة الاصلاح والتعافي التي سيكون عمرها سنتين وتعمل على 3 مسارات. (مَن سبّب إرتفاع الاسعار؟، ولماذا؟، حتى في هذه النسب!).

وقال المتحدث باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي، في حديث لجريدة ”الصباح” العراقية شبه الرسمية: إنه “بعد رفع سعر صرف الدولار فإن مؤشر التضخم ارتفع بنسبة 4.9 الى 5 بالمئة، بينما ارتفعت مؤشرات الفقر الأولية بنسبة 26 الى 27 بالمئة”، مبيناً أنه “في حال ورود مستجدات ومؤشرات جديدة فستعلنها الوزارة في ما بعد”.  وهو هنا يقدم أرقاما متغايرة عما سبقها للعام الماضي مثلا، مع استمرار الأزمات واستفحالها.

واضح ان السياسات المتبعة فاقمت معدلات الأوضاع الاقتصادية المتردية والصحية الخطيرة، والتي تدهورت نحو الأسوأ. وحتى الزعم بوضع خطط اصلاح للتعافي فإنها في الواقع لن تتحقق ولم تعالج أية مشكلة توجهت لها، بل العكس منها هو الذي يحصل في البلاد، وباعتراف المسؤولين أو اللجان البرلمانية أو المستشارين الذين يعملون عليها. والإقرار بأن الأزمات التي عصفت بالبلاد وما نجم عنها من رفع نسبة الفقر والتضخم والانكماش الاقتصادي والتوسع في التفاوت الطبقي والاجتماعي ، فضلا عن التدهور العام في أغلب الأزمات المتنوعة من قبيل الفساد المتفشي، والنزوح والمخيمات والسجون والاعتقالات وغيرها من الأمور التي ظهرت الى السطح  تأزم المشهد السياسي وتصبغ صورته بخلاف الادعات والمزاعم اللفظية.

حول خطة وضعتها وزارة التخطيط، "سيكون عمرها سنتين من 2021 الى عام 2023، وتعمل على 3 مسارات، الأول المسار الاقتصادي الذي يتضمن تحسين مستوى الاقتصاد ودعم القطاع الخاص، والثاني المسار الاجتماعي الذي يتضمن دعم مستوى الخدمات في مجال الصحة والتعليم وعودة النازحين وتمكين المرأة، أما المسار الثالث فهو المحور المكاني الذي يتضمن معالجة الفجوات التنموية الموجودة في المحافظات”. وكانت وزارة التخطيط، قد أعلنت في الـ 16 من آذار/ مارس الماضي، انخفاض نسبة الفقر في البلاد إلى 25 بالمئة من مجموع السكان، بعد أن كانت 31.7 بالمئة عام 2020. وهذا اقرار من الوزارة  بالفشل في مواجهة التحديات  والمتفاقمة في الاوضاع عموما.

ومع كل ذلك فهذا كلام مكرر، كل مرة ينشر أو يعلق عليه، تصريحا أو نشرا مباشرا، منذ عام 2003  وهي كما تبدو من متابعة للأوضاع اليومية للمواطنين تكشف تناقضا صارخا، بين ما أعلنته الجهات الرسمية ووقائع الأحوال، حتى من جهات رسمية اخرى، كوزارة المالية وما تقوم به من إجراءات انفتاح اقتصادي وقرارات ليبرالية متوحشة فاضحة لدور سياسي تدميري يغلب على الواقع والارقام والإحصاءات ويتسم بالوعود والخطب الهزلية!.

فلم تعد ميزانيات العراق الفلكية الأرقام كافية لتوفير لقمة خبز كريمة للمواطنين عموما، وأصبح التفاوت الاجتماعي الطبقي واضحا جدا، وباتت الفئات الفقيرة غير قادرة على العيش الكريم في بلد كالعراق، المبتلي بثرواته وطاقاته ورافديه.. وانتقلت فئات واسعة من طبقته المتوسطة الى حدود أدنى إجتماعيا واقتصاديا، وأصبحت الارقام تتسابق مع بعضها عن حجم وعدد الفئات التي توصف بأنها تعيش تحت خط الفقر، بمقياسه العالمي، وتلك وقائع مخجلة لبلد اسمه العراق. وبارقام رسمية دون حلول واقعية أو خطط عملية، فيذكر مثلا عن لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب، كشفها عن أن مليون مواطن فقط هم الذين يتسلمون مفردات البطاقة التموينية ويعتمدون عليها، من الاربعين مليونا، حسب آخر رقم لعدد السكان، في الوقت الذي كما قال عضو اللجنة نهرو محمد لجريدة ”الصباح”: إن “اللجنة أجرت الكثير من البحوث واستضافت مختصين للحديث عن البطاقة التموينية ووضع الآليات والحلول لإشكالية البطاقة التموينية المستمرة منذ أكثر من 15 عاما” وأضاف أن “وزارة التجارة لديها بيانات 39 مليون مواطن مشمول بنظام البطاقة التموينية، والعقود التي تبرم لتجهيز المواد الرئيسة في هذا النظام تحسب على هذا العدد، في حين أن الواقع يؤكد أن هناك مليون مواطن فقط يتسلمون تلك المفردات بحسب ما موجود من دراسات وبحوث سواء في بغداد أو المحافظات وحتى الإقليم” (؟!)..

ورغم هذا التدهور الواسع في شتى المجالات، وقائع القاعدة الاجتماعية تقول بأن اكثر من 68% من سكان العراق هم دون سن الثلاثين، فيما وصلت نسبة السكان من الاطفال دون سن الخامسة عشر الى حوالي 40%، وبلغت نسبة السكان في سن العمل (15- 64 سنة) اكثر من 57%، وانخفضت نسبة كبار السن (65 سنة فما فوق) إلى 3%، وأن "ارتفاع معدلات الاعمار لدى السكان، اذ وصل متوسط اعمار النساء الى 76 سنة وعند الرجال 72 سنة"،  وهذه ارقام مهمة لنهضة الشعب وبناء اقتصاده وعمرانه وتقدمه على مختلف الصعد، اذا ما توفرت النوايا الصادقة والإدارة الوطنية الحريصة فعلا على الاستقلال والسيادة الوطنية وبناء دولة جديدة.

عن ذلك صرح وزير التخطيط (2021/06/14)، أن "المؤشرات الديموغرافية في العراق اظهرت تسارعا كبيرا للنمو السكاني نتيجة استمرار ارتفاع معدلات الخصوبة والذي ينعكس على نسبة السكان الشباب وعلى تسارع نمو القوى العاملة مما يولد عجزا عن تلبية احتياجات السكان وتحديدا الشباب من حيث فرص العمل وتحسين جودة نوعية الحياة واستداماتها لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة الشاملة".  

الحراك الشعبي الذي غطى المحافظات الوسطى والجنوبية والعاصمة بغداد مؤخرا والشعارات التي رفعها تطلب تغييرا في المنهج والسياسات والقرارات وما سبقت الإشارة إليه من وقائع وارقام تكشف تباطؤا مقصودا وتدخلات واضحة في التدمير الاقتصادي والاجتماعي وتعكس غربة وطنية في إدارة الدولة ومستقبل العراق،  بلد النفط والرافدين . وهو الأمر الذي يرفع السبابة إحتجاجا، ويؤشر لما بعد..

 

كاظم الموسوي

 

 

حسن العاصي"لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه قبل أن تحرر إفريقيا نفسها من الاستعمار العقلي الذي يجعل العبث يبدو طبيعياً"

هذه كلمات الكاتب والمناضل من أجل الحرية، الكيني "نجوجي وا تيونجو" Ngugi wa Thiong’o. ستواصل أوروبا تقديم المساعدة لتطبيع العبث. يجب أن تستمر المساعدات في إضفاء الشرعية على فكرة أن إفريقيا بحاجة إلى أوروبا. بينما في حقيقة الأمر أن أوروبا هي التي تحتاج إلى إفريقيا.

يقول الكاتب الكيني "إنك تسأل لماذا يواجه الحكام الأفارقة صعوبة في التواصل مع شعوبهم. يجب ألا تنسى أن تاريخ أفريقيا كان منذ مئات السنين حول عدم توازن القوى. بالطبع، لا يوجد بلد أو شعب ينجح في دخول "الحداثة دون ألم، ولكن بالنسبة لأفريقيا فإن الألم له جذور عميقة للغاية "

"نجوجي" هو أحد منارات الأدب الأفريقي. ولد في عام 1938، وقد عانى شخصياً من التدخل العميق للعصور الاستعمارية في حياة الفرد، والتحرر الجسدي الدموي، وخيبة الأمل من ان الاستقلال لم يضع حداً للقمع. تم تصوير ذلك بشكل ممتاز في كتاب مذكرات "أحلام في الحرب" Rêves en temps de guerre والمُترجم إلى اللغة الدنماركية بعنوان Drømme i krigens tid.

علاوة على ذلك، فهو مثال للمفكر التمثيلي: طالما أن أدبه المشهور عالمياً نُشر باللغة الإنجليزية، ولم يقرأه إلا النخبة فقط، كان رؤساء كينيا فخورين به. ولكن عندما كان يؤدي مسرحيات نقدية بلغته الأم "غويكويو" سُجن، وبعد إطلاق سراحه هرب وأمضى 22 عاماً في المنفى ينظم الحركة الديمقراطية في كينيا، بينما يواصل مسيرته في الكتابة.

انتقد "نجوجي" كتاب الشاعرة والكاتبة الدنماركية " كارين بليكسن"Karen Blixens عن أفريقيا بعنوان "المزرعة الأفريقية" Den afrikanske Farm. قال عنه "من أكثر الكتب ضرراً عن أفريقيا على الإطلاق" بسبب الوصف المتعالي للأفارقة، ووصفها بأنها عنصرية، وهذا الاتهام للأيقونة الدنماركية أثار غضب "البارناس الدنماركيين" Danske parnas.

استمر "وا تيونجو" على الكتابة عن الـ "جيكويو" Kikuyu منذ رؤيته للمعنى الجوهري للغة، وهم مجموعة عرقية من البانتو موطنها وسط كينيا ينتمي لهم الكاتب. كان مدركاً للغاية بأهمية التاريخ لبنية العقل، ويصر على إظهار كيف تعود جذور الظروف الصعبة في إفريقيا إلى تجارة الرقيق والعصر الاستعماري.

بلا شك، لم تسهم أفريقيا كثيراً فحسب ـ بل ساهمت أيضاً ـ في تحديث أوروبا، فقد أرست تجارة الرقيق أسس الرأسمالية، التي جعلت أوروبا حاكمة العالم. كان العصر الاستعماري استمرارا وامتداداً طبيعياً لمرحلة الرق ثم الرأسمالية. في المرحلة الحالية تبدو القارة بأكملها كمزرعة عبيد عملاقة. واليوم لا يزال هذا الخلل الهائل في التوازن في النظام الاقتصادي قائماً لصالح أوروبا.

لكن هل يوجد عذر لعدم قدرة الحكام الأفارقة على معاملة شعوبهم بشكل لائق؟

في كل خطوة من التاريخ، وكل فصل من القصة، كان هناك متعاونون أفارقة مع الاستعمار على الدوام. معظم حكام اليوم الأفارقة يُنظر لهم على أنهم أولئك الذين يتعاملون مع نظام دولي لا تزال إفريقيا فيه مهملة. "نشأ أقدمهم كمنتجات مستعمرة، والأصغر منهم يحكمهم عقل مستعمر. لا يمكنهم تمثيل شعوبهم دون قطع الهياكل التي يعتقدون أنها تحافظ على سلطتهم". هكذا كان يرى "نجوجي" الحكام الأفارقة.

اللغة والرؤية

"نجوجي" مقتنع بأن هناك حاجة لثورة ثقافية ولغوية لمعالجة نقص التواصل بين الشعوب والحكام. وفي ذلك، يجب أن يأخذ المثقفون زمام المبادرة.

"عندما تكبر النخبة أو الطبقة الوسطى في اللغة الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، ويعيش الناس في عالم لغوي مختلف، فلا يمكن أن يكونوا على اتصال. لا يمكنهم خلق رؤية مشتركة بدون لغة مشتركة ".

غالبًا ما تكون الحجة لاستخدام لغة المستعمرة هي أن الدول الأفريقية لديها العديد من اللغات واللهجات، لذلك هناك حاجة إلى لغة مشتركة.

إذا كان الناس في بلد ما يتكلمون ألف لغة، فإن الجواب لا يكمن في ضرورة تعلمهم شيئًا آخر. حين دخل المبشرون المسيحيون أفريقيا، وكان عليهم إيصال رسالة. هل بدأوا بمطالبة الناس بتعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية أولاً؟ لا، لقد شرعوا على الفور في ترجمة الكتاب المقدس بعدد اللغات الأفريقية.

تواجه أفريقيا تحدياً مع العديد من اللغات، لإنشاء حوار وطني بين مختلف الشعوب. لكن الإصرار على إلغاء اللغات الأجنبية أمر مختلف تماماً. يُعتقد أنها كذبة، لكن البرلمان الكيني أقر قانوناً يحظر التحدث بلغة "جيكويو" في المباني العامة. وإذا كان المزارع بحاجة إلى خدمة عامة ولا يتحدث الإنجليزية، فيجب إحضار مترجم. ـ رغم أن الرئيس الكيني لم يوقع على القانون، لذلك لم يدخل حيز التنفيذ.

لكن ما الذي كان يفكر فيه النواب عندما وضعوا القانون؟

أعتقد أن الجوهر الكامل لاستعمار العقل الذي حدث في إفريقيا منذ أن أبحرت سفن العبيد من الشواطئ المحملة بالرجال المقيدين بالسلاسل هو تطبيع العبث. قانون اللغة هو مثال على عملية التعود. في بعض المدن تم إدخال اللغة الإنجليزية بالقوة، لذلك منذ بداية الحقبة الاستعمارية تمت معاقبة الأفارقة للتحدث بلغتهم الخاصة. وبالتالي ارتبطت اللغة الإفريقية بالألم، والإنجليزية بالمكافأة.

سيقلل الإنسان الألم بشكل انعكاسي ويسعى إلى المكافأة، ويمكن أن تستمر الصدمة كقاعدة. لقد استمر الجهاز البيروقراطي ـ الذي تم إنشاء هياكله في الحقبة الاستعمارية ـ بالإخلاص لهذا المعيار الذي بربط "الإنجليزية" بـ "الذكاء" دون وعي. ربما هذا يفسر جزئياً العمل العبثي للبرلمان الكيني في ضوء ذلك. لذلك، يبدأ التحرر من العقل الاستعماري باستعادة اللغة الوطنية.

إسقاط المساعدات

يشعر الأوروبيون بالحيرة بشكل متزايد، بل وحتى نفاد الصبر، بشأن المدة التي تعتقد أفريقيا أن هذا التحرر من الماضي يجب أن يستغرقه. يوجد الآن إرهاق متزايد فيما يتعلق بمساعدات التنمية، تقول أوروبا: لقد قدمنا المساعدة لأفريقيا لفترة كافية.

 لقد انقلب الأمر. لقد نفد صبر إفريقيا بشكل متزايد وتعبت من المساهمة في رفاهية أوروبا ومستقبلها. حان الوقت لأفريقيا أن تعتني بنفسها وتقول إننا نحتفظ الآن بألماسنا ونفطنا. لأن أوروبا لم تتعب من البحث عن ذلك في إفريقيا. قد يكون هناك إجهاد من ناحية العطاء، ولكن بالتأكيد ليس في الأخذ. ستواصل أوروبا تقديم المساعدة لتطبيع العبث. يجب أن تستمر المساعدات في إضفاء الشرعية على فكرة أن إفريقيا بحاجة إلى أوروبا. انها تخفي حقيقة ان اوروبا هي التي تحتاج افريقيا.

إذن، هل ينبغي وقف المعونات لمساعدة أفريقيا؟

"بالنسبة للكاتب الكيني "نجوجي" الإجابة هي نعم "بالتأكيد. دع أموالك تبقى في أوروبا، وبعد ذلك سنترك موارد إفريقيا في أفريقيا"

إذن من يجب أن يشتريها؟

يجب أن يكون لدينا عالم نكتفي فيه جميعاً بالموارد التي يمتلكها كل منا. كل دولة تنتج بما لديها بالفعل، وما إلى ذلك. ثم يمكن للجميع اللقاء في سوق عادلة، والتجارة النزيهة مع بعضهم البعض في علاقة قوة متساوية. لكنه يتطلب من القادة الأفارقة أن يحرروا أنفسهم من فكرة أنهم يجب أن يكونوا المتآمرين المستعدين للغرب. إنهم يعيشون تحت الوهم بأن إفريقيا بحاجة إلى الغرب. ويصرون على "تطبيع العبث".

- فيما يتعلق بحملات تصفية استعمار العقل فإنه يستغرق وقتًا طويلاً. فالجامعات الأمريكية الكبيرة على سبيل المثال، تبدو وكأنها قدوة أوروبية حتى في مواد البناء. استغرق الأدب الأمريكي قروناً لتحرير نفسه من أوروبا. ولم يشعر الكتاب الأمريكيون أبداً "بالكمال" حتى وصلوا إلى أوروبا. لم يتمكنوا من تحرير أنفسهم من أوروبا كمصدر لثقافتهم الخاصة. سيستغرق الأمر عدة أجيال، ولا مفر من خوض معركة استقلال العقل. لكن من سوء حظ الافارقة أن هناك العديد من القوى في العالم تشعر بالرضا عن ارتباط العقل الأفريقي بأوروبا.

بالرغم من وجود الصين وأمريكا بصورة رئيسية، فإن من يلتقط الماس والنفط والذهب والنحاس، والبن، والكاكاو في أفريقيا هم الأوروبيون.، يريدون استمرار ذلك، وبالتالي فهم يريدون المضي في ذلك، وهم راضون تماماً عن استمرار الأفارقة في النظر إلى هذه العبثية على أنها أمر طبيعي تماماً.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

 

كريم المظفرخط سير المدمرة البريطانية HMS Defender التي دخلت البحر الأسود في 14 يونيو، وزيارة  ميناء أوديسا، في 21 يونيو جنبا إلى جنب مع السفينة البريطانية، المدمرة الأمريكية USS Laboon والفرقاطة الهولندية HNLMS Evertsen، وكذلك سفينة الإنقاذ والغوص الفرنسية ALIZE، في البحر الأسود، وتوقيع ممثلي  حكومتي بريطانيا  وأوكرانيا مذكرة بشأن البناء المشترك لثمانية زوارق صاروخية للأسطول الأوكراني وتحديث اثنتين من قواعده، قبل يومين من حادث، دخول المدمرة البريطانية المياه الإقليمية لروسيا قبالة سواحل شبه جزيرة القرم، يثبت النية البريطانية المبيتة لاستفزاز روسيا.

ويأتي الحادث قبل أيام من اعتزام سفن الناتو والدول الشريكة للكتلة بدء مناورات Sea Breeze السنوية 2021 في البحر الأسود اعتبارًا من 28 يونيو،  ويذكر أنها ستصبح الأكثر تمثيلا لكامل فترة سلوكها، وتشارك في التدريبات فرق من 32 دولة و 32 سفينة حربية و 50 طائرة ونحو 5 آلاف عسكري، كما ان  الحادث وكما روته وزارة الدفاع الروسية بدأ بخرق المدمرة البريطانية URO HMS Defender المياه الإقليمية لروسيا قبالة سواحل شبه جزيرة القرم، في 23 يونيو، التابعة للقوات البحرية البريطانية الحدود الروسية ودخلت مياهها في منطقة رأس "فيولينت" لمسافة 3 كيلومترات، وإن دورية الحدود الروسية فتحت نيراناً تحذيرية تجاهلتها المدمرة Defender، بعد ذلك، أسقطت قاذفات أسطول البحر الأسود من طراز Su-24M أربع قنابل شديدة الانفجار من طراز OFAB-250 على طول مسار السفينة الحربية الأجنبية، مما أجبرها على مغادرة المنطقة.

وجاءت المواقف الروسية هذه المرة حازمة  من حادثة اختراق المدمرة البريطانية Defender  للمياه الاقليمية الروسية، واتهمت موسكو  حكومة المملكة المتحدة بالكذب حول الحادث، فبالإضافة لاستدعاء الخارجية لسفيرة لندن وملحقها العسكري لدى موسكو شدد سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية أن القصف لن يكون تحذيريا في المرة القادمة، بل سيكون مباشرا في حال استمرار التصرفات المنافية للقوانين الدولية، في حين شدد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف على أن موسكو لا تستبعد اللجوء إلى أي خيار في الدفاع عن الحدود الروسية في حال استمرار الاستفزازات.

وحذرت روسيا من أن الحوادث مثل واقعة خرق المدمرة Defender البريطانية حدودها البحرية قبالة القرم تهدد بـ"عواقب وخيمة جدا "، متعهدة باتخاذ ما يلزم من الإجراءات لضمان أمنها، وحذر نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، «كل من ينتهك حدود روسيا تحت ذريعة حرية الملاحة" من القيام بمثل هذه الخطوات الاستفزازية، مؤكدا «أمن بلدنا على سلم الأولويات «، كما أكّد حق روسيا بقصف أي سفينة عسكرية أجنبية تنتهك الحدود البحرية للبلاد وقال " إذا لم ينفع ذلك فيمكننا أن نقصف، وليس خط مسار الهدف، بل والهدف نفسه، إذا لم يفهم زملاؤنا (مطالبنا)"

ولا تعترف بريطانيا وجميع دول الناتو بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم والحدود البحرية والجوية الروسية في شبه الجزيرة، ومع أن سفن الناتو وطائراته ومركباته الجوية المسيرة تقترب بانتظام منها، إلا أنها لم تعبرها قبل هذا الحاد، ومع كل اقتراب، تتم مراقبة تحركاتهم من قبل السفن والطائرات التابعة لأسطول البحر الأسود، وكذلك من قبل قوات حرس الحدود التابعة لجهاز الأمن الفدرالي.

ورغم محاولات بريطانيا إخفاء المعلومات حول الحادث ونفي الحكومة اطلاق روسيا قنابل تحذيرية تجاه المدمرة  البريطانية، قال رئيس الوزراء بوريس جونسون في أول تعليق له على الحادثة إن، المدمرة كانت تعمل بشكل قانوني، و "أعتقد أنه كان من المناسب تماما استخدام المياه الدولية"، والنقطة المهمة هي أننا لا نعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم"، ووزير البيئة البريطاني، جورج يوستيس البريطاني من جانبه أكد  إن سفن بلاده "مستعدة مرة أخرى للمرور عبر المياه المتنازع عليها حول شبه جزيرة القرم"، وأكد، عدم إطلاق سفن روسية طلقات تحذيرية على المدمرة، مشيرا إلى أن السفن الروسية كانت تجري "تمرين مدفعي" في مكان قريب، وهو "ليس من غير المألوف أن يقوم به الروس" في تلك المنطقة

وكانت في منطقة الحادث ما يصل إلى 20 طائرة روسية في الجو بالقرب من سفينتهم،  وتُظهر لقطات الفيديو للحادث التي شاركها الطرفان تحليقات جوية قريبة من قاذفات Su-24M ومقاتلات Su-30SM وطائرة Forpost بدون طيار وطائرة Be-12 البرمائية،  ومع ذلك، لا تزال لندن الرسمية تنفي استخدام القنابل الجوية من قبلهم، بعد ذلك اضطر قبطان المدمرة Defender البريطانية الى كشف تفاصيل حادثة خرق سفينته حدود روسيا البحرية، قبالة سواحل شبه جزيرة القرم،  وأكد  وينسنت أوين، لصحيفة "ديلي ميل" التي يتواجد مراسلها على متن المدمرة Defender، أن قوات للجيش الروسي أطلقت طلقات تحذيرية بعد اقتراب السفينة من سواحل القرم، على الرغم من نفي الحكومة ووزارة الدفاع البريطانيتين ذلك، وقال أوين: "اقتربت لأقرب مسافة خلال حياتي المهنية المستمرة منذ 21 عاما من سفن روسية، وأرجح أن الطلقات أطلقت من إحدى سفن خفر السواحل" الروسية، وأكد أيضا تحليق كثير من الطائرات الروسية، منها طائرة مسيرة، فوق السفينة، في حين أكد مراسل "ديلي ميل" على متن المدمرة، مارك نيكول، أن السفينة البريطانية لم تتجاوب مع المطالب الروسية المتكررة للامتناع عن خرق حدود البلاد.

الحادث وكما يبدو كان متعمدا ويهدف بالدرجة الأساس استفزاز وأصبح من الواضح أن استراتيجية الناتو في "حماستهم المعادية لروسيا" يمكنهم الذهاب بعيدًا، كما يقول نائب وزير خارجية روسيا الاتحادية ألكسندر غروشكو، الذي أشار أيضا  الى ان كل التهديدات في الجنوب، هذه محاولة لفرض جدول أعمال على روسيا لا ينبغي أن يكون، والنتيجة هي إضفاء الشيطنة السياسية على روسيا، وان من وجهة نظر عسكرية، هذا  لا يسع روسيا إلا أن يقلقها  مثل أي دولة مسؤولة، يجب أن تأخذ في الاعتبار أي خيارات لتطوير الأحداث، لذلك، ستتخذ روسيا جميع التدابير العسكرية والتقنية اللازمة لضمان ضمان مصالح أمنها بشكل موثوق.

وكخطوة جوابية تعمل وزارة الدفاع على إنشاء إجراء موحد لإجراءات الطيران الروسي ضد السفن التي تنتهك حدود الدولة،  وينص على استخدام أسلحة أخف للحد من مخاطر وقوع حوادث عسكرية خطير،  ويمكن أن يكون استخدام القنابل الجوية التقليدية خطيرًا للغاية، يمكن للحطام الناجم عن الذخيرة الثقيلة أن يطير على بعد مئات الأمتار ويسبب أضرارًا غير مقصودة، وبحسب  مصادر في الإدارة العسكرية، يُقترح التخلي عن استخدام القنابل الجوية لصالح صواريخ الطائرات غير الموجهة NAR) )، وعند العمل ضد المخالفين، فإن المهمة ليست تدميرهم، ولكن منع الأعمال غير القانونية،والتي  عادة ما يتم حل هذه المهام عن طريق خدمة الحدود والدفاع الساحلي. لكن تقنيتهم ليست مصممة لتحمل السفن الحربية الكبيرة والمسلحة جيدًا.

وهنا يبرز تساؤل مهم لماذا أقدمت بريطاني على مثل هذه " الاستفزاز "؟، والجواب هو ان في  بريطانيا،باتت روسيا تعتبر "التهديد رقم واحد"، وأصدرت وزارة الدفاع في البلاد مثل هذا البيان قبل قمة مجموعة السبع التي عقدت في المملكة المتحدة في يونيو، في محاولة من  لندن توحيد حلفائها لمواجهة موسكو،وتسعى   بريطانيا نفسها جاهدة لتصبح الخصم الرئيسي لروسيا، وأشار  وزير الدفاع البريطاني بن والاس الى ان  الغواصات الروسية تزور بانتظام مياه المملكة المتحدة وتدور على طول ساحل بريطانيا العظمى بأكمله، وان موسكو نفذت  "عددًا من العمليات التي تستهدف المملكة المتحدة بشكل متعمد، وانه وخلال السنوات الثماني الماضية، سجلت بريطانيا ما لا يقل عن 150 حالة اكتشاف سفن روسية،  وألقى والاس باللوم على موسكو في تصاعد التوترات، وشدد على أن موسكو هي "العدو الذي يشكل التهديد رقم واحد، لذلك، تعتبر لندن من أولوياتها تعزيز الوجود العسكري البريطاني في البحر الأسود وبحر البلطيق، وتخطط السلطات البريطانية لجعل إحدى القضايا الرئيسية للاحتواء الجماعي لروسيا، وستعمل لندن على زيادة القدرة النووية للبلاد بأكثر من 40٪.

وبناءا على ما تقدم فان المملكة المتحدة تستخدم  روسيا كأداة، كذريعة، كمورد للتأثير على الوضع السياسي المحلي، وتوجيه التدفقات المالية، وتعزيز مكانة البلاد في العالم ككل، وكما تقول ناتاليا إريمينا، دكتوراه في العلوم السياسية، أستاذة جامعة بطرسبورغ، فان  "المباراة ضد روسيا مريحة للغاية، ولا تعاقب عليها موسكو،من خلال اتهام روسيا، يمكنك توجيه التدفقات المالية لتحديث مجموعة الأدوات العسكرية-السياسية  "، كما إن الموقف المناهض لروسيا يساعد لندن في الحفاظ على مكانة أقرب حليف لواشنطن، وبالنسبة لبريطانيا، بالنظر إلى خروجها  من الاتحاد الأوروبي، فإن هذا مهم بشكل خاص، وهي تحاول ان  تضع نفسها كدولة قوية تتخذ مواقف صارمة ومتناسقة معادية لروسيا بالمقارنة مع ألمانيا وفرنسا على سبيل المثال وتشكل جانبا من الصراع مع موسكو.

كما بدأ في المملكة المتحدة الحديث لأول مرة عن حرب المعلومات وتشكيل مركز للأمن السيبراني مناهض لروسيا، وإن دول الاتحاد الأوروبي تنظر إلى تجربة بريطانيا وتتعاون معها في هذا الشأن،  وهذا يسمح للندن باللعب في رفع مكانتها ورفع معدلات الفائدة والتمويل في هذا المجال،ووفقًا لأندريه كورتونوف، المدير العام لمجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC)، كانت سياسة لندن المعادية لروسيا رد فعل إلى حد كبير على موقف إدارة الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن الذي يظهر من وجهة نظر  نهجا متوازنا إلى حد ما في العلاقات مع موسكو. تبين أن مكان الخصم الرئيسي لموسكو شاغر، وليس من المريح جدًا أن تنجذب بريطانيا إلى مواجهة مع الصين، فهناك الكثير من التجارة والاستثمارات، وهذه متعة باهظة الثمن، لذلك أبدت بريطانيا استعدادها للتعاون مع بكين بكل السبل الممكنة، وتقليديا، يوجد موقف نقدي تجاه روسيا في الإجراءات الملموسة وتلك المبادرات التي تطرحها لندن الآن.

أن رد الفعل الروسي الصارم على ما حدث قد يكون محاولة لترسيم حدود صعبة، أو منع التعاون العسكري المتنامي بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، ولا سيما نشاط قوات كييف وحلف شمال الأطلسي بالقرب من الحدود البحرية الروسية، وان رد فعل الكرملين يعطي إجابة لا لبس فيها تتمثل في أن موسكو لن تتسامح مع أي تحديات للوضع الحالي لشبه جزيرة القرم، عسكرية كانت أو دبلوماسية، كما أن رد فعل روسيا  يتطابق مع الموقف الذي عبر عنه الرئيس الروسي في مقال لصحيفة "Zeit" الألمانية، حيث وصف بوتين، الناتو بأنه "من مخلفات الحرب الباردة" التي "قوضت" الأمن الأوروبي.

 

د. كريم المظفر

 

 

قاسم حسين صالحيثبت واقع الصحافة العراقية ان ابرز ثلاث جرائد حققت حضورا بعد التغيير (2003) هي (الصباح) و(الزمان) و(المدى).. ومع تشابهها في امور كثيرة، فانها تختلف في امور كثيرة ايضا اهمها ثلاثة:

الأول: الصباح.. جريدة رسمية تابعة للحكومة، فيما المدى ملكية خاصة لصاحبها السيد فخري كريم، والزمان ملكية خاصة لمؤسسها السيد سعد البزاز.

والثاني: الزمان أسبق في صدورها من الصباح، فالأولى صدرت في لندن (10 نيسان 1997 )، والثانية صدرت في بغداد (20/5/2003.) وكان صدورها مرتبكا في أيامها الأولى، اذ صدر العدد الأول في 20 /5، والثاني في 24/5 وحمل الرقم (3) بدلا من الرقم (2)، ما اوحى انها تصدر مرتين في الأسبوع، لكن الحقيقة انها كانت تخضع لقرارات رؤساء تحرير بأمزجة مختلفة، فيما لم يحصل هذا لجريدتي الزمان والمدى.

والثالث: تدفع الصباح مكافئات لكتّابها، فانا كنت اتقاضى مكافأة على اعدادي صفحة كاملة ملونة بعنوان (حذار من اليأس) استمرت ثمان سنوات، وكذلك المدى ايضا كانت تدفع مكافئات، اذ كنت اتقاضى مكافأة على تحرير صفحة كاملة بعنوان (الأنسان والمجتمع).. فيما لا تدفع الزمان شيئا. 

ولسنا هنا في مجال المقارنة بين اوسع الجرائد العراقية انتشارا (الصباح، المدى، الزمان) التي تتشابه كثيرا في ابواب الموضوعات لاسيما الثقافية وتختلف كثيرا في التعامل مع الأحداث لاسيما السياسية، بقدر ما هي مناسبة لصدور العدد (7000) من جريدة الزمان.

الزمان.. ومحنة العراقيين

يتحدد تقويم كل جريدة بدورها في أداء وظائف الصحافة التي تتنوع وتتغير بتنوع وتغير المراحل التاريخية للبلد الذي تصدر فيه وما يحصل من أحداث في العالم، وبنوع النظام السياسي والاجتماعي والأقتصادي، وبمستوى الوعي الحضاري للفرد والمجتمع.

فما حصل في العراق على مدى اربعين سنة يدفعنا لطرح هذا التساؤل:

لماذا، من دون كل بلدان المنطقة وشعوبها، يدّمر العراق، ويصبح أهله بين قتيل ومهاجر ومهجّر، ومرعوب يمشي معه الموت كظلّه، وجائع لا يجد قوت يومه، وفاقد للكهرباء في حرّ تموز، وعائش في حياة بائسة وعمر متعوس؟. ولماذا كل كوارث العالم تنتهي، ويبدأ الناس حياة جديدة .. فيما فواجع العراقيين لا نهاية لها، ومحنتهم ليس لها آخر ؟ .حتى البلدان التي استقلت بعدنا بربع قرن " الإمارات مثلا " والبلدان الفقيرة " الأردن مثلا " وتلك التي كان أهلها بدوا ونحن أهل الحضارات!.. الوطن فيها معافى والناس فيها بخير.. إلا العراق .. الوطن فيه خراب والناس فيه بحال تعدّى اللامعقول والجنون. فلماذا يجرى هذا للعراق والعراقيين؟!

وكان على الصحافة العراقية ان تمارس دورها من هذه المحنة.. التي ما يزال العراقيون يعيشونها.

الزمان.. بين عشر وعشر

كانت الزمان قد وصفت في السنوات العشر الأولى بعد التغيير بانها (طائفية، بعثية، ممولة من دولة عربية..) فابتعد عنها كتّاب كثيرون بينهم أنا، الذي كنت ابعث بين الحين والحين مقالات ثقافية خالصة، واعتمد (المدى) التي نشرت لي اكثر من سبعمئة مقالا.

لكن السنوات العشر الثانية اثبتت فيها (الزمان) انها منحازة للمواطن والوطن لاسيما وقوفها مع شباب انتفاضة تشرين وتغطيتها لاحداث ساحات التحرير في بغداد وذي قار والبصرة . ويحسب لها انها التزمت بالأخلاق المهنية للصحافة بعدم المساس بكرامة الاشخاص والامانة في نقل الأحداث.

وبرغم ما يوجّه لها من اتهامات، التي تكثر في زمن الفوضى والاحترابات، اثبتت الزمان انها كانت جريئة في التعامل مع اخطر ظاهرة.. الفساد.. الذي شاع كما لو كان وباءا، بل صار اخطر من كورونا لأنه لا لقاح له الا بالثورة.. التي حصلت وأبطلت مفعوله عمامة!.

وللزمان دور مؤثر في تاسيس وعي ثقافي جديد. فما حصل ان الثقافة العراقية في الزمن (الديمقراطي) تراجعت بعد التغيير (2003) مقارنة بما كانت عليه في الحكمين الملكي والجمهوري الأول. فما عاد الناس تنشغل بالثقافات الأدبية والفنية، وجرى تهميش دور المثقف العراقي الذي يؤمن بالتحديث وترصين دور العقل، برغم وجود عدد كبير من الفضائيات والصحف والمجلات والاحزاب السياسية والدينية، فضلا عن حقيقة سيكولوجية هي أن الثقافة التي تنمو في اجواء صراع سياسي وعنف اجتماعي، تنحرف عن مهمتها في اذكاء الوعي والابداع والقيم الحضارية واشاعة السلوك المهذب بين الناس.. غير ان الزمان استطاعت ان يكون لها حضور ثقافي برغم هذه التحديات، بدليل ان مفكّرين وكتّابا معروفين يرفدونها بمقالات متعددة الرؤى تشيع ثقافة النقد والحوار وتحترم الرأي والرأي الآخر.. وباستقطابها هذا الكمّ النوعي من الكتّاب فان(الزمان ) تعيش الآن زمانها.

عليكم بالسيكولوجيا

ما نتمناه، ان تولي الزمان اهمية لاشاعة الثقافة السيكولوجية التي لا يكترث بها العراقيون ولا يقلّبها السياسيون مع ان اغلبهم تتحكم به عقد نفسية لها الدور الفاعل في استمرار انتاج الأزمات وايذاء الآخرين.. من اخطرها ان القادة السياسيين وكثير من العراقيين مصابون بـ (الحول العقلي) وهو مصطلح جديد كنّا نحتناه في علم النفس العربي ليصف واقع الحال الذي عاشه ويعيشه العراقيون بعد 2003.. ونقصد به تحديدا، ان المصاب بهذا الحول يرى الايجابيات في جماعته ويغمض عينه عن سلبياتها، ويضخّم سلبيات الجماعة الأخرى ويغمض عينه عن ايجابياتها.. وكما يرى احول العين الواحد أثنين ولا يمكنك ان تقنعه انه واحد، كذلك احول العقل يرى ان جماعته على حق والأخرى على باطل، وان هذه الأخرى هي سبب الأزمات مع ان جماعته شريك فيها .ولم يدركوا ان المجتمع العراقي صار بعد التغيير متشظيا وان الطرق المؤدية الى الثار واخذ الحيف والاحتراب الطائفي فتح مجلس الحكم بواباتها امام جموع تحكمت بثلثيهم سيكولوجيا المظلومية وبالثلث الاخر سيكولوجيا الاحتماء، وان الديمقراطية تصاب بالرعب في مجتمع تسوده سيكولوجيتان بقانون جاهلي. بل ان سيكولجيا (المعارضة-الضحية) صورت لهم ان العراق وطنهم فقط ومن يعارضهم يستحق القتل، بدليل انهم تعاملوا مع شباب انتفاضة تشرين كما لو كانوا غزاة أعداء! فقتلوا المئات واعاقوا وجرحوا الآلاف في سابقة ما حصلت بتاريخ العراق والمنطقة، في مفارقة.. أن معظم شهداء شباب انتفاضة تشرين، كان آباؤهم قد انتخبوا من قتلوا ابناءهم!.

خالص التهاني والتمنيات بالموفقية للزميلين الدكتور احمد عبد المجيد وفاتح عبد السلام، واجمل ما نتمناه لجريدة الزمان .. ان تبقى عراقية النكهة!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عبد الحسين شعبانكان الخبر الأبرز في القمة الروسية - الأمريكية التي التأمت في فيلا "لا غرانج" التاريخية في جنيف هو: لا حرب باردة جديدة بين البلدين، وهو ما صرّح به بايدن، مشيراً "أنّ مثل هذه الحرب لا تصّب في مصلحة أحد"، وهذا يعني أنّ آفاقاً جديدة بدأت تأخذ طريقها إلى تحسين العلاقات بين الدولتين العظميين، والتي شهدت "حرباً باردة" متصاعدة و"صراعاً أيديولوجياً" حاداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانفضاض التحالف المعادي للفاشية والنازية، إلى نهاية الثمانينيات، حيث تهاوت الأنظمة الاشتراكية بلداً بعد آخر، وانهار الاتحاد السوفيتي السابق في نهاية العام 1991 منشطراً إلى 15 دولة، بعضها أصبحت حليفة للغرب وعضواً في حلف الناتو و عدواً شديداً لروسيا. وكان الجانبان قد اتفقا مسبقاً على عدم توقيع أيّة وثائق في ختامها. واكتفيا بمؤتمرين صحفيين منفردين.

وصرّح بايدن خلال مؤتمره الصحفي أنّ علاقات موسكو مع واشنطن يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ. وعلى البلدين إيجاد مجالات للتعاون وفقاً لقواعد أساسية يلتزم بها البلدان. وكانت العلاقات الروسية - الأمريكية قد شهدت توتراً شديداً إثر شنّ بايدن حملة شعواء قبل أسابيع من لقاء قمّة جنيف ضد روسيا، متهماً رئيسها بالفاشل، وقبلها اتهمه بالقاتل، الأمر الذي أدّى إلى عودة السفير الروسي أناتولي أنطونوف لدى واشنطن إلى موسكو للتشاور في مارس/آذار 2021 في حين غادر السفير الأمريكي جون ساليفان موسكو بعده بشهر واحد، لكن بايدن خلال المباحثات أكدّ لـ بوتين أنّ أجندة الولايات المتحدة ليست معادية لروسيا، لكن أيّ رئيس أمريكي لن يكون قادراً على الحفاظ على ثقة الناخبين الأمريكيين إن لم يبذل جهوداً للدفاع عن الديمقراطية، وفي جواب لأحد الصحافيين قال: المسألة تتعلق بالمصالح.

واتفق الرئيسان على تطبيع العلاقات وإعادة السفيرين إلى كلِّ من واشنطن وموسكو، والبحث في الخطوات اللاحقة في مجال الرقابة على الأسلحة بهدف خفض مخاطر نزاع غير متعمّد، وهذا ما سيتم بحثه في إطار حوار ثنائي، تمهيداً لاتفاق شامل واستراتيجي حول الرقابة على الأسلحة. وقد شملت المباحثات أهمية التمديد الأخير لمعاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية - الاستراتيجية (ستارت 3).

وناقش الرئيسان موضوع الأمن السيبراني والاتهامات الأمريكية القديمة - الجديدة  فيما يتعلق بالهجمات السيبرانية، التي تقول واشنطن أنّ هناك من يقف وراءها من داخل روسيا. وأعلن بايدن أنّه سلّم نظيره الروسي 16 قطاعاً حيوياً (الطاقة وإمدادات المياه وغيرها...) التي لا يمكن المساس بها وأنّ الولايات المتحدة لن تتسامح مع محاولات الاعتداء على سيادة الديمقراطية الأمريكية، وستردّ على أيّة  محاولة للمساس بمصالحها أو مصالح حلفائها، وهي تمتلك القدرات الضرورية لذلك، ولمّح إلى حقول النفط الروسية وماذا سيكون ردّ فعل بوتين لو هوجمت سيبرانياً؟

وتطرقت المحادثات إلى الملف الأوكراني الذي أكدّ بايدن دعم بلاده لسيادة أوكرانيا، في حين أكد بوتين التزامه باتفاقيات مينسك للتسوية الأوكرانية، كما أبدى بايدن قلقاً بشأن الوضع في بيلاروسيا.

أمّا بالنسبة للشرق الأوسط، فقد اتفق الرئيسان على فتح ممرات إنسانية في سوريا لنقل المساعدات الغذائية، وعدم تمكين إيران من الحصول على الأسلحة النووية، وبحثا تطورات الوضع في أفغانستان لمنع انتعاش الإرهاب بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والاتفاق مع حركة طالبان (فبراير/شباط 2020) وعرض بوتين المساعدة على بايدن في هذا المجال.

أمّا بشأن حقوق الإنسان فقد جرى التطرق إلى مصير الروس المعتقلين في السجون الأمريكية، إضافة إلى استثمار منطقة القطب الشمالي ومنع عسكرتها وكذلك احترام حقوق الإنسان في روسيا ومسألة المعارض الروسي أليكسي نافالني، حيث لفت بايدن الانتباه إلى أن عواقب وخيمة ستحدث إذا توفي في السجن، وكان نافالني قد أدين بتهمة اختلاس أموال قبل سنوات عديدة وخفّض الحكم مع وقف التنفيذ، وأيضاً دعا بايدن إلى إطلاق سراح المستثمر الأمريكي مايكل كالفي المحكوم بالسجن في روسيا، وربط ذلك بمصير استثمارات أمريكية واسعة في روسيا.

وكان الرئيس الأمريكي قد حقق بعض أهدافه قبل لقاء قمة جنيف بانعقاد قمّة الدول السبع الكبرى، حيث وضع المواجهة الصينية في مقدمة أولويات التحالف الغربي، خصوصاً بعد ترميم العلاقات الأمريكية - الأوروبية التي تزعزعت خلال فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب. ووضع زعماء الدول السبعة مشروع "بناء عالم أفضل" في مواجهة سياسة الصين، لاسيما بمساعدة الدول الفقيرة، وهي خطة قد لا ترتقي إلى خطة "الحزام والطريق" التي قطعت الصين شوطاً غير قليل في تنفيذها.

وعلى الرغم من أن بايدن وهو يواجه بوتين كان يضع نصب عينه التحالف الصيني - الروسي، فإنه في الوقت نفسه يعرف أنّ الصين أكبر مُصدّر لأوروبا وثاني مستورد منها، فهل سيكون الاتحاد الأوروبي على استعداد للانضمام إلى واشنطن في المواجهة الاقتصادية المحتملة أو حرب باردة جديدة مع الصين بدلاً من روسيا؟

 

عبد الحسين شعبان

 

محمود محمد عليفي أوائل ثمانينيات القرن الماضي تبنت بعض أقسام الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية فلسفة ما بعد الحداثة – وهو اتجاه رافض بشكل أو بآخر التراث العقلاني لعصر التنوير، عن طريق بحوث نظرية ليس لها صلة بالعمل التجريبي، وبمعرفة ثقافية نسبية تنظر للعلم علي أنه لا شئ أكثر من رواية أو أسطورة، أو بنية اجتماعية وسط أشياء أخري كثيرة .

ورداً علي هذه الظاهرة كتب عالم الفيزياء الشهير بجامعة نيويورك "آلان سوكال" Alan Sokal ورقة بحثية في مجلة "النص الاجتماعي" Social Text (للدراسات الثقافية وما بعد الحداثة) الأمريكية سنة 1996، بعنوان (تجاوز الحدود: نحو تأويلات تحولية للثقل النوعي للكم)، وهو عبارة عن محاكاة تهكمية لما يسمي ما بعد الحداثةpostmodern theory، حشاها بشكل مكثف باقتباسات واستشهادات، ومقتطفات موثقة مأخوذة من مؤلفات مجموعة من المفكرين البارزين الفرنسيين والأمريكيين، ولم يفطن المشرفون علي المجلة إلي الخدعة، ونشروا الورقة باعتبارها تسير مع خط ما بعد الحداثة .

وعندما اطلع عدداً من العلماء وغير العلماء علي الملف الذي يحتوي علي هذه المقتطفات، بدأوا يقتنعوا أن ورقة سوكال تستحق النشر لجمهور أكبر، وعندما نشرت الورقة راح سوكال يعلن عن هذه الخدعة في صفحات الجرائد والمجلات والقنوات التليفزيونية؛ وبالأخص قناة الـ CNN.

وعلي غرار ألان سوكال وجدنا الأستاذ الدكتور عصام حجي- عالم الفضاء المصري، والذي كان يشغل منصب مستشار الرئيس المصري السابق عدلي منصور، يدبش لنا بحثاً نظرياً عن السد الإثيوبي وآثاره السيئة على موازنة مصر المائية في خلال أعوام الملئ، مع دراسة للأثار المتوقعة على مصر في حالة عدم معالجة العجز والوصول لاتفاق مشترك لخطة التخزين؛ وقال الدكتور عصام حجي:" إن مصر ستواجه عجزاً مائياً متوسطاً يقارب 31 مليار متر مكعب سنوياً (40% من الموازنة المائية الحالية لمصر").

وأشار حجي إلى أن البحث يقيم فاعلية الحلول المقترحة لسد العجز المنتظر ومنها مخزون السد العالي وإعادة تدوير المياه وتطوير وسائل الري والمياه الجوفية. مشدداً على أن مصر سوف تتخطى هذه الأزمة ولكن بثمن باهظ سيجعلها أكثر هشاشة أمام أزمات مائية وبيئية أخرى تلوح في أفق قريب. كذلك قال حجي إن المستثمرين المتعطشين للربح السريع والذين يقفون وراء هذا المشروع لإنتاج طاقة لهم العديد من البدائل بينما نهر ليس له بديل، وهم مسؤولون مسؤولية تامة عن الكارثة التي يمكن أن تحل ليس فقط بمصر بل بكل المنطقة، علاوة عن تدمير نهر هو مهد الحضارة الإنسانية وإرث للبشرية جمعاء.

وقد أوضح حجي أن البحث يقدر متوسط إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر بأنه سيبلغ حوالي 31 مليار متر مكعب سنوياً؛ وهو ما سيتجاوز 40% من إجمالي مخزون مصر من المياه حالياً، وذلك مع أخذ التسرب بين الصخور المتصدعة أسفل وحول خزان سد النهضة في الاعتبار. وأوضح حجي أنه يمكن معالجة العجز المائي لدى مصر من خلال تعديل تشغيل السد العالي، وإعادة تدوير المياه، والتوسع في عمليات استخراج المياه الجوفية، واعتماد سياسات جديدة لزراعة المحاصيل.

كذلك قال حجي إن المستثمرين المتعطشين للربح السريع والذين يقفون وراء هذا المشروع لإنتاج طاقة لهم العديد من البدائل بينما نهر ليس له بديل، وهم مسؤولون مسؤولية تامة عن الكارثة التي يمكن أن تحل ليس فقط بمصر بل بكل المنطقة، علاوة عن تدمير نهر هو مهد الحضارة الإنسانية وإرث للبشرية جمعاء.

كما أوضح حجي أن البحث يقدر متوسط إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر بأنه سيبلغ حوالي 31 مليار متر مكعب سنوياً؛ وهو ما سيتجاوز 40% من إجمالي مخزون مصر من المياه حالياً، وذلك مع أخذ التسرب بين الصخور المتصدعة أسفل وحول خزان سد النهضة في الاعتبار؛ علاوة علي أنه يمكن معالجة العجز المائي لدى مصر من خلال تعديل تشغيل السد العالي، وإعادة تدوير المياه، والتوسع في عمليات استخراج المياه الجوفية، واعتماد سياسات جديدة لزراعة المحاصيل.

وقد توصل حجي من خلال هذه الدراسة إلي نتائج، من أهمها: تراجع الرقعة الزراعية بنسبة قد تصل الى 72٪، ووصول معدل البطالة الى نسبة قد تصل الى 25٪، وانخفاض الناتج القومي للفرد بنسبة قد تصل الى 8٪، بالإضافة إلي عجز مائي متوسط يقارب 31 مليار متر مكعب سنويا (40٪ من الموازنة المائية الحالية لمصر)، والبحث يقيم فاعلية الحلول المقترحة لسد العجز المنتظر ومنهم مخزون السد العالي و اعادة تدوير المياه وتطوير وسائل الري والمياه الجوفية.

والبحث قد نشر في مجلة Environmental Research Letters، بجامعة كاليفورنيا، بالتعاون مع جامعة كورنيل ووكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، وقد نشر البحث في يوم الأحد 13 يونيو/حزيران 2021، وإجراء بحث بجامعة لا يعني أن الجامعة مسئولة عنه، ولكن البحث يكون الباحث مسئول عنه، وتقوم الجامعة بنشره حالة استيفاءه لشروط البحث.

وهذا البحث كان نوعا من حروب العلم، والدليل علي ذلك أن هذا البحث قد أنفقت عليه بعض الجهات القطرية والتي شكرها حجي في نهاية بحثه، فالبحث افترض أشياء غير منطقية، حيث أفترض أن هناك 15 مليار متر مكعب تسريب، و5 مليارات متر مكعب نقص في حصة مصر من مياه النيل سنويًا.

علاوة علي أن عصام حجي، تخصصه علوم فلكية وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالمياه، فالبحث بدأ بعبارات سياسية مغرضة، حيث تحدث عن أن مصر والسودان يعتمدوا على اتفاقيات استعمارية أعطت حقوق لمصر والسودان في مياه النيل، فهذه الاتفاقيات تاريخية وسارية ولا يصح وصفها بالاستعمارية، وإنما هذا التعبير تستخدمه إثيوبيا.

إن بحث عصام حجي عن السد الإثيوبي لا يعد بحثا علميا حقيقيا، لأن صاحبه اعتمد على دراسات سابقة، وبالتالي فهو بحث نظري قائم علي افتراضات خيالية، والدليل علي ذلك الصور الموجودة في البحث والخاصة بشكل الدلتا فهي صور من الإنترنت، وليست حقيقية، والصورة الحقيقية تظهر اتساع الرقعة الزراعية وليس تناقصا بالرغم من التعدي على الأراضي الزراعية، وذلك بسبب المشروعات الزراعية الجديدة.

وثمة نقطة مهمة نود أن نبرزها هنا، وهي أن الدكتور عصام حجي له موقف داعم لجماعة معينة وتم تكليفه بإجراء هذا البحث برعاية فطرية كما ذكرنا، والبحث كان قد أجري منذ فترة طويلة ولكنه لم ينشر إلا في هذا التوقيت بالذات، مما يدل علي أنه دراسته هي نوع من حروب العلم، ومن ثم فهي دراسة لا تكتسب مصداقية البحث العلمي بدليل أن مضمون دراسة عصام حجي بها عدة أخطاء، حيث أنه تحدث في الدراسة عن النيل الأزرق، وليس نهر النيل واقتصر فيها على مصر فقط بدون السودان، وأوضح حجي أن إثيوبيا ستأخذ كافة احتياجاتها وتصل المياه لمصر في نهاية الانحدار، وهو ما يؤكد على أن إثيوبيا لا تسعى إلا للكراهية؛ وخاصة عندما اقتصرت الدراسة على مصر فقط دون السودان، وأن إثيوبيا تأخذ كافة احتياجاتها وتصل المياه لمصر في نهاية الانحدار.

ولهذا فإننا لا نخجل من القول (مع الكثير من الباحثين المتخصصين في المياه من أمثال الدكتور نادر نور الدين والدكتور عبد الله شراقي) بأن دراسة الدكتور عصام حجي حول سد النهضة تعد بحث مكتبي لم يصل للعينات ولا للجانب الإثيوبي، وأن هذا البحث مسيس وقائم علي فكرة المناورة، والإدواجية، والتثور اللا إرادى.

وفي نهاية هذا المقال لا أملك إلا أن أقول بأن الأيام دوارة، والتاريخ له مكر عظيم، وقد أثبتت الأيام أن كل نظريات هؤلاء البشر من أمثال عصام حجي، تعرت نواياهم، وصاروا كروتاً محروقة، فى عيون كل المصريين.. وأصبح مصطلح الحفاظ على الأمن القومى للأوطان، بكل الوسائل، هو الهدف الأسمى والوحيد فقط..!!

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

جورج كتنمن المعروف ان النظام السياسي الاميركي هو النظام الديمقراطي الاول في العالم ، فحسب الدستور الاميركي الذي صدر عام 1789 فإن غالبية ممثلي الشعب المنتخبين تتولى السلطة الرئاسية والتشريعية. وخلال ال 223 سنة التي مضت منذ تطبيقه لم يتم تعديل بعض بنوده سوى 27 مرة كان آخرها في العام 1992، اي بمعدل تعديل واحد كل حوالي 9 سنوات، فيما ان ديمقراطيات اخرى في العالم غيرت دساتيرها بالكامل عدة مرات خلال فترة اقل بكثير تبعا للتطور السياسي لهذه البلدان وللتطور العام لحقوق الانسان في العالم. التعديلات الدستورية الاميركية لم تتناول جميعها مواد اساسية تتعلق بنظام الحكم، سوى عدد محدود ومن اهمها: التعديل ال13 عام 1865 الذي الغى العبودية، والتعديل ال19 في العام 1920 الذي اعطى للمرأة حق الترشح  والتصويت، فيما كانت الحقوق قبل ذلك مخصصة للذكور البيض فقط. 

حسب التجربة الانسانية لا يوجد حتى الآن ديمقراطية كاملة مئة بالمئة وعلى الاغلب لن يوجد في المستقبل، فالديمقراطية مسألة نسبية تختلف من بلد لآخر ومن زمن لآخر. فالتطور الانساني على مدى العصور والحاجات الانسانية المتغيرة باستمرار يضع تعديلات دستورية ضرورية على جدوال اعمال التغيير لتلبية هذه الحاجات. وهذا ينطبق بشكل جلي، ويزداد وضوحا مع الزمن في حالة النظام الديمقراطي الاميركي الذي يعاني من ثغرات تؤثر سلبا على العملية الديمقراطية الممارسة حسب دستور لم يعد، بعد حوالي قرنين ونصف، في بعض جوانبه مناسبا للحكم الديمقراطي الاميركي الفيدرالي. واذا كان هذا النقص يلقى حاليا اهتماما وعملا دؤوبا للتغيير من النخب السياسية الاميركية، فهو يلقى عدم اهتمام او فهم مشوه من نخب مشرقية تتراوح بين انكار الديمقراطية الاميركية ودورها عالميا، وبين نقص الالمام بثغراتها التي سنتناول بعضها.

يكرس التقليد السياسي الأمريكي حكم الأغلبية، مع التشديد على حقوق الأقلية. لكن النخب الاميركية الديمقراطية تتساءل عما إذا كان هذا ما يزال صحيحا، فعدد الديمقراطيين الذين يقولون إن النظام ينزلق نحو حكم الاقلية يزداد باستمرار. فنظام الانتخابات الرئاسي الغير مباشر من قبل الشعب يتم على مرحلتين، الاولى انتخاب شعبي مباشر والثانية انتخاب الرئيس من خلال ما يسمى Electoral College "المجمع الانتخابي"، حيث تسمح القوانين لهذه الهيئة غير المنتخبة، والمعينة من قبل المرشح الرئاسي بنفسه، بمنحه أصواتهم. عمل المجمع الانتخابي بشكل مقبول نسبيا كما اراده "الآباء المؤسسون" للدستور من قرنين ونصف لتأمين دور للولايات في انتخاب الرئيس الى جانب الدور الشعبي العام، حيث ان 41 رئيسا من اصل 46 حصلوا على الاغلبية في التصويت الشعبي العام، حصلوا ايضا على الاغلبية في "المجمع الانتخابي"، فيما عدا 5 رؤساء.

اثنان من الرؤساء الخمسة نجحوا في العشرين سنة الماضية رغم انهم لم يحصلوا على الاغلبية الشعبية لكنهم حصلوا على اغلبية المجمع.  فقد نجح جورج دبليو بوش عام 2000 على منافسه الديمقراطي آل غور الذي حصل على نصف مليون صوت زيادة عن بوش في التصويت الشعبي. كما فاز ترامب عام 2016 على هيلاري كلنتون باصوات المجمع رغم انها حصلت على ثلاثة ملايين صوت اكثر منه في التصويت الشعبي. وكان يمكن لترامب ان يفوز على بايدن عام 2020 فيما لو نجح في ولاية اخرى او ولايتين رغم ان بايدن حصل على حوالي ستة ملايين صوت زيادة في التصويت الشعبي. هذه الملايين الزيادة والتي تشكل الاغلبية تبدو كأنها غير محسوبة  وذهبت سدى، فيما الانتخاب المباشر للرئيس يعطي وزناً متساوياً لجميع الأصوات. مما دعا تيار يتسع باطراد يطالب بالغاء المجمع من الدستور والاعتماد على الانتخابات الشعبية المباشرة لتصحيح هذا الخلل الذي ينصب رئيسا لم يحصل على اغلبية اصوات الشعب.

في مجلس الشيوخ ايضا هناك انزياح كامل للتمثيل بحجة الدفاع عن حقوق الولايات الصغيرة ذات العدد القليل من السكان، فهناك ولايات عدد سكانها اقل من مليون ولها ممثلان في مجلس الشيوخ مثلها مثل ولايات تعدادها يفوق ال30 مليونا.  في وقت التأسيس كان ذلك معقولا نسبيا اذ  كانت أكبر ولاية 13 ضعف حجم أصغر ولاية. اما اليوم  فأكبر ولاية 70 ضعف حجم أصغر ولاية، لذلك فإن بضع مئات الآلاف من الأشخاص في ولاية وايومنغ مثلا يتمتعون بنفس قوة عشرات الملايين من الأشخاص في كاليفورنيا أو نيويورك. في الوقت الحالي ينقسم مجلس الشيوخ بالتساوي بين الحزبين الرئيسيين، لكن أعضائه من الحزب الديموقراطي الخمسين يمثلون 41.5 مليون شخص زيادة عما يمثله ال 50 عضو جمهوري في المجلس. هكذا فالنظام المصمم لحماية حقوق الولايات الصغيرة قد يتحول لحكم أقلية حزبية. سيزداد الفارق مع الزمن اذا استمرت التغيرات الديمغرافية الراهنة ليُتوقع انه بحلول عام 2040، سيتم تمثيل 70٪ من الأمريكيين من خلال 30 عضوًا في مجلس الشيوخ، و30٪ من الأمريكيين بواسطة 70 عضوًا. علما بأن مجلس الشيوخ له نفس اهمية مجلس النواب او اكثر احيانا، فمعظم القوانين تحتاج لتصديق المجلسين، فاذا مرت من مجلس النواب، فيمكن ان لا تمر من مجلس الشيوخ الذي بتركيبته يمكن لحزب يمثل أقلية متقلصة من الناخبين منع جميع التشريعات الرئيسية تقريبًا.

حتى لو لم يسعف الحزب تمثيله في مجلس الشيوخ فهناك طريقة اخرى توفرها القوانين لاقلية في المجلس وهي ما يسمى ال Filibuster اي الحق الذي يكفله القانون لكل عضو مجلس شيوخ لالقاء خطاب مطول عند بحث الموافقة على تشريع مقترح، وبذلك يمكنه منع طرحه للتصويت لانه لن يُسمح لاحد بايقافه عن الخطابة، وحتى اذا تعب فاعضاء آخرين من حزبه يواصلون مهمته لاستمرار اعاقة التصويت. ولا يمكن ايقاف الفلبستر الا بتصويت 60 من اصل اعضاء المجلس المائة. وهكذا فان اقلية من اعضاء مجلس الشيوخ تبلغ 41 عضوا يمكن ان تعطل مئات التشريعات التي تريدها الاغلبية في مجلس النواب او الشيوخ، وهذا ما يهدد به اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الذين يشكلون حاليا نصف المجلس. كمثال، هناك مشروع قانون للحد من تدخل المال في العملية الانتخابية، حصل على موافقة مجلس النواب منذ اسبوع وهدد اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون بمنع تصديقه باستخدام "الفلبستر"!

حتى في مجلس النواب حيث من المفترض أن يكون التمثيل على أساس عدد السكان، ففي القوانين ما يسمى بال Gerrymandering  الذي يوفر فرصة  للحزب الذي يهيمن على الهيئة التشريعية للولاية  للتلاعب باعادة رسم خريطة الدوائر الانتخابية كل عشر سنوات بعد اجراء الاحصاء العام للسكان، وهذا يفسح المجال لتغيير التركيبة السكانية في الدوائر لتصبح مناسبة للحزب المهيمن في الولاية فيزيد تمثيله في الكونغرس. يقول الإصلاحيون إن النظام الأكثر ديموقراطية سيكون إنشاء المزيد من الدوائر والمزيد من التمثيل، او تحويل اعادة رسم الدوائر الانتخابية لهيئات حيادية مستقلة لا تمثل الاحزاب المهيمنة.

جميع هذه الثغرات، اذا استمرت وتوسعت، ستؤثر سلبا على النظام الديمقراطي الاميركي باضعاف حكم الاغلبية لصالح حكم اقلية، خاصة اذا اضفنا عامل مهم جدا في الانتخابات الاميركية حيث تُمكن القوانين المال الانتخابي الذي توفره الشركات الكبرى من لعب دور اساسي في فوز المرشحين الذين تدعمهم فيتبنون اصدار قوانين تخفض الضرائب التي تدفعها الشركات أوتسمح لها بالاستثمار في اي مجال حتى لو كان ضارا بالبيئة وله آثار سلبية على حياة السكان. وبذلك يوفر المال انتخاب ممثلين للشعب لولا اموال الشركات الطائلة لما حصلوا على الاصوات الكافية للفوز. القوانين الحالية لا تسمح باعطاء مبالغ بالملايين للمرشح مباشرة ولكنها لا تمنع الدعاية له في وسائل الاعلام التي تكلف الملايين، بحجة ان هذا حق للشركات الكبرى من ضمن حرية التعبير المضمونة في الدستور.

هذه الثغرات معروفة وتلقى اهتماما من غالبية كبيرة من الناخبين ومئات منظمات المجتمع المدني. ففي استفتاء شامل لمؤسسة غالوب وُجد ان 61% من الاميركيين يؤيدون الغاء "المجمع الانتخابي" فيما 35% مع الحفاظ عليه. واحد الحجج الاساسية لمعارضة التغيير الذي يستوجب تعديلات في الدستور الاميركي ان هناك تيارا واسعا محافظا يرى انه يجب الحفاظ على التراث الدستوري الذي تركه "الآباء المؤسسون!" دون تغيير، كنص يكاد يكون تابو مقدس لدى البعض رغم ان الزمن تجاوزه ولم يعد مواكبا لتطور المجتمع الاميركي، حتى ان بعض مواده اصبحت معيقة للديمقراطية التي هي بالاساس حكم الاغلبية. فضلا عن الصعوبة القصوى لاجراء التعديل، فان اقلية من ثلث زائد واحد في الكونغرس وربع زائد واحد من ممثلي الولايات تستطيع منع اي تعديل للدستور. فحتى يتم التعديل يحتاج  لثلثي أصوات الكونغرس بمجلسيه أي ثلثي ال534 صوتاً، ثم لموافقة ثلاثة أرباع السلطات التشريعية للولايات. 

حركة التغيير تتسع باطراد ونجاحها حسب رأيي يكاد يكون مضمونا لكون الدستور والقوانين الديمقراطية الاميركية تعطي حقوق اكيدة لحرية الرأي والتعبير عنه بجميع الوسائل المتاحة. ففي النهاية التغيير قادم ولكن كم من الوقت سيمضي ليتم تحقيقه؟ هذا ما هو متروك للزمن ليتم جلاؤه.

 

جورج كتن

21 حزيران 21 20

 

 

عبد الرضا حمد جاسمشهدت المرحلة الأولى من انتخابات الاقاليم في فرنسا يوم الأحد20.06.2021 مقاطعة كبيرة وبشكل ملفت عند السياسيين والصحافة لكنها غير ملفته بل متوقعة عند من ينظر للواقع حيث وصلت هذه المرة الى 66.75% بالمقارنة مع ما حصل في انتخابات عام 2015 حيث كانت (50.09%) أي بزيادة هذه المرة بلغت (16.66%) من عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت و البالغ عددهم (47.9) مليون ناخب... هذه الزيادة كما عبرت عنها الصحافة وعبر عنها المراقبون والمحللون السياسيون ملفته ودفعت البعض على اعتبارها تهديداً كبير للديمقراطية في فرنسا والبعض طالب بأن يكون السن الانتخابي من عمر 16 سنة بدل 18 سنة لرفد الديمقراطية بدماء مشاركين جدد تجديداً لحياتها...لكن في الحقيقة ان الانتخابات الإقليمية رافقها دائماً تدني المشاركة لأسباب كثيرة...ونسبة المقاطعة هذا العام غير ملفته لو نُظِرَ اليها وفق ظروف هذا العام والذي قبله أي تأثير جائحة كورونا على الحياة السياسية و المجتمعية و الاقتصادية، على الافراد والأحزاب والاقاليم والدولة والعالم وقبلها الاضطرابات السياسية والاحتجاجات الجماهيرية. كانت نسبة المشاركة في الانتخابات حتى منتصف النها (12.22%) لترتفع في النهاية الى (33.25%) ...وقيل عن عدم جودة خدمة الانتخابات حيث قيل ان(40) مركز انتخابي لم تفتح أبوابها في مرسيليا جنوب فرنسا وقيل ان هناك مراكز تأخر فتح أبوابها حتى منتصف النهار...شارك في هذه الانتخابات(15786) مرشح تنافسوا على (4108) مقعد وفي هذه الانتخابات حُرم الأوروبيين المقيم على التراب الفرنسي من التصويت بعكس السابقة حيث كان يحق لهم التصويت.

أهمية هذه الانتخابات عند السياسيين والغير المهمة كما يبدوا وهو ثابت عند الناخبين هي انهاء تأتي قبل عشرة أشهر من الاستحقاقات النيابية الرئاسة لذلك تم تسييس هذه الانتخابات المطلبية ان صح القول استعداداً للانتخابات الرئاسية فكل حزب اعتبرها تمهيد للانتخابات الرئاسية وظهر ذلك واضحاً من نشاط الرئيس ماكرون والذي تعرض خلال أحدها الى الصفع الذي ذَّكرنا بصفع الرئيس ساركوزي التي شتت مساعيه السياسية بالإضافة الى قضايا أخرى.

ماذا حصل:

أولاً: مقاطعة ثلثي عدد الناخبين حيث كانت 66.75% وهي اعلى نسبة مقاطعة في تاريخ الانتخابات الفرنسية: لكن لو تؤخذ بعموم الظروف نجد انها مقبولة حيث كانت في عام 2015 بحدود 50.09% والفارق 16.66%لا تعني شيء قياساً للوضع العام الصحي والاقتصادي والسياسي والنفسي العام للناخبين.

ماهي أسباب الامتناع او المقاطعة او العزوف عن المشاركة؟  الجواب كما أتصور هي:

1ـ عزوف النسبة العالية من الشباب حيث بلغت نسبة المنقطعين منهم كما قيل (84%) والسبب هو الانفتاح الاجتماعي الذي تلا الأغلاق الصحي الذي فرضته موجات كورونا... وانشغال الشباب الذي تعَّود على السهر والسفر والتنزه بعد اغلاق خَّلف حالات نفسية كبيرة وكثيرة في صفوفهم وفي المجتمع بشكل عام ومناسبة عيد الموسيقى الذي يكون في اول يوم من الصيف في 21حزيران من كل عام حيث النشاطات والاستعدادات على قلتها و بساطتها هذا العام قياساً للأعوام السابقة (ما قبل كورونا) تجري خلال أيام ما قبل العيد والذي وقع فيها يوم الانتخاب...رغم ان الاحتفالات لم تصل الى ذروتها لكثير من الأسباب منها عدم الاستعداد الجيد وعدم توفر الوقت الكافي والقلق من الحالة الصحية والبروتكول الصحي الذي يفرض قيود رغم الانفتاح.

2ـ صادفت الانتخابات مع الاستعدادات لموسم السفر والسياحة الذي اجبر الجميع على عدم التمتع بها في الموسم السابق ولضيق وقت الاستعدادات.

3ـ عزوف كبار السن عن المشاركة لأسباب كثيرة منها الخوف من احتمالات الإصابة ب (كورونا) رغم الاستعدادات والتطمينات الحكومية.

4ـ مثل هذه الانتخابات هي في الأصل يميزها عزوف الكثير من الناخبين. ففي السابقة منها كان العزوف أكثر من 50%

5- قناعة الكثير الغالب من الناخبين من ان المسؤول القادم لا يختلف عن المسؤول الحالي مهما كان الحزب الذي ينتمي اليه فهو لا يقدم ولا يؤخر في استحقاقات المواطنين في الرعاية الصحية والاجتماعية والبيئية فلا برنامج لأحدهم يختلف عن برامج الاخرين لذلك كان تقدم كل الحاليين في المرحلة الأولى رغم تفاوت النسب (يعني المُجرب يُجرب مرة أخرى) و(التعرفه احسن من الماتعرفه).

6- عزوف الفرنسيين من أصول أخرى عن المشاركة بشكل فعال فبالإضافة الى ما ورد أعلاه نستطيع ان نضع ما حصل من لغط ومناقشات حول الإسلام وبعض الاعمال الخارجة عن القانون والاعمال الإرهابية والهجمات الاعلامية حيث وجد الناخب نفسه في نفس الحالة رغم الاختلاف الحزبي لمسؤولي المناطق.

7- حصول تقلبات مناخية من زوابع وامطار غزيرة أدت الى فيضانات وقطع طرق في أماكن كثيرة من فرنسا.

8ـ هناك أكثر من 200 ألف شخص من ضحايا كورونا (وفاة، إنعاش، عدم اكتمال الشفاء) اكيد جميعهم من الناخبين...يضاف الى ذلك ان عدد الإصابات (كوفيد 19) في فرنسا اقترب من (6) مليون شُفي منهم حوالي (5.8) مليون واكيد هذه الإصابة تركت اثار نفسية وصحية على البعض ممن شُفيَّ عرقلت مشاركته مع عدم مشاركة ال(200) الف.

9ـ ضعف الحملات الانتخابية بسبب الاغلاق الصحي وتحديد التجمعات والتحركات.

10ـ لا يمكن نسيان الاحتجاجات الكبيرة والطويلة لأصحاب السترات الصفر واحتجاجات النقابات واحتجاجات أصحاب المهن التي تضررت بالأغلاق وشكوى الكثيرين منهم من عدم كفاية التعويضات وتعثرها.

11ـ حالة القلق والانغلاق الذي سببه طول فترة الاغلاق والحجر الصحي التي غيرت بعض الشيء في نمط الحياة الاجتماعية المعروف في فرنسا حيث تتعدد النشاطات الاجتماعية اليومية والأسبوعية والموسمية حيث يمكن ان يُقال عن فرنسا من انها بلد الجمعيات والمنظمات المجتمعية.

 

ثانياً: كان من المتوقع وفي ضوء ما جرى بعد إعادة الرسوم المسيئة وبعض الاعمال الإرهابية ورسالة شخصيات عسكرية بارزة متقاعدة محذرة من تشقق الدولة ان يتقد حزب اليمين المتطرف/ماري لوبين الذي غير اسمه الى (التجمع الوطني) على فرصة كبيرة لتحسين مواقعه...لكن الذي حصل غير ذلك. وكذلك كان من المتوقع ان يتجذر تجمع ماكرون (الجمهورية الى امام) كحزب سياسي مؤثر لكن الذي حصل انه بقي مجموعة افراد غير متجانسة فكرياً لا جذور سياسية ومجتمعية لها بحيث لم يظهر لها أي تأثير او تركيز في هذه الانتخابات... استطاع الحزب الاشتراكي الذي اُريد له التشقق ان يرد بعض مواقعه وعند تحالفه من أطراف اليسار الأخرى و الخضر ان يشكل الحركة السياسية الثانية بعد اليمين الجمهوري و الوسط الذي عزز مواقعه في هذه المرحلة وتصدر النتائج وربما سيكون احد مرشحيه الفائزين في اهم المقاطعات الأربعة التي ضمن الفوز بها في هذه المرحلة مرشحه للانتخابات الرئاسية القادمة وبقوة.

المتوقع في المرحة الثانية في 27.06.2021

لا أتوقع اختلاف في موضوع المقاطعة حيث ستكون الجولة الثانية من الانتخابات مع الوجبة الأولى من حركة السفر السياحية للفرنسيين حيث عطلة الصيف بعد أشهر طويلة من الإغلاق وحرمانهم من السياحة في العام السابق ومن المتوقع ان تنطلق قوافل السياح الفرنسيين باتجاهات أماكن حجوزاتهم يوم الجمعة 25 حزيران أي قبل المرحلة الثانية من الانتخابات بعد حرمانهم للعام الماضي من التمتع بسياحة الصيف والشمس... مع دوام الأسباب الأخرى للمقاطعة.

الذي سيحصل في المرحلة الثانية كما أتصور حيث سيكون التنافس بين المتقدمين في النتائج في كل منطقة والذي سيفوز منهم يعتمد على عدد من سيصوت له من جمهور القريبين اليه من الأحزاب الأخرى فعموم اليسار سيصوت لمرشح اليسار وعموم اليمين بما فيهم المتطرف (محدود جداً) سيصوت لليمين هذا اذا كان التنافس بين مرشح يميني واخر يساري اما اذا كان التنافس بين مرشحين من اليمين فسيصطف مصوتي اليسار مع الأقل يمينية أي اليمين الجمهوري ضد اليمين المتطرف كما يتصورون وسيحصل نفس ما حصل في الانتخابات الرئاسية السابقة عندما تقابل ماكرون مشقق اليسار مع ماري لوبين ممثلة اليمين...اما اذا كان التنافس بين مرشحي اليسار فسيمتنع اليمين بكل اشكاله في الغالب من المشاركة...في كل الأحوال سيمتنع مصوتي اليمين المتطرف عن المشاركة اذا لم يكن لهم مرشح فيها ((هذا في الغالب) وكذلك حال البعض القليل من اليسار. وسيحصل ان ينسحب بعض مرشحي اليسار في حالة وجود منافسة قوية بين اليمين الجمهوري واليمين المتطرف لعدم التسبب بتشتت الأصوات التي سيستفيد منها اليمين المتطرف (التجمع الوطني). وقد حصل هذا فعلاً بعد انسحاب مرشح اليسار في احدى المقاطعات بعد ان حل ثالثاً ويحق له المنافسة في الدورة الثالثة لأن المرشح الأول من اليمين المتطرف والثاني من اليمين الجمهوري وذلك لفسح المجال اما فوز اليمين الجمهوري بانضمام أصوات اليسار الى الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى.

نودعكم مؤقتاً بانتظار نتائج المرحلة الثانية في 27 حزيران 2021

  

عبد الرضا حمد جاسم

 

كريم المظفرنعتقد ان العراقيين هم أكثر الشعوب في العالم ممن تضرروا من أمريكا وحلفائها، ولازالت هذه الاضرار مستمرة حتى اليوم، سواء في التخريب والدمار الذي لم يشمل فقط البنى التحتية والاساسية، بل أيضا شملت البناء الأخلاقي والاجتماعي وانتشار الفساد والمليشيات، ولازالت مستمرة في الحاق الأذى بالعراقيين، وعذرا عن هذه المقدمة، وان كان مقالنا اليوم لا يتعلق بالعراق، لكني فقط اردت التذكير، ومن منا لا يتذكر " العجوز الشمطاء " كما يحلو للعراقيين تسميتها،؟، هي وزيرة الخارجية السابقة مادلين اولبرايت، التي لعبت دورا كبيرا في تدمير العراق أيضا عندما كانت مندوبة أمريكا في مجلس الامن الدولي، وليس مصادفة انها كانت تزين بدلتها " ببورش فضي" على شكل " أفعى "، وكأنها تريد أن تقول أن اميركا " كالأفعى " في اعمالها، وقبحها هو ذات القبح الذي كانت تحمله هذه " الشمطاء "، والتي لم تكن تحمل أي صفات للأنوثة والجمال.

تذكرت هذه الشخصية اليوم، لأنها تنتمي الى ذات الحزب الذي ينتمي اليه الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي هو الآخر كشف عن الوجه التآمري القبيح للولايات المتحدة، حيث لم يمر أسبوع على لقاءه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في السادس عشر من يونيو الجاري، حتى عادت واشنطن للتلويح بالعقوبات على روسيا على خلفية الأوضاع حول وضعية المعارض الروسي الكسي نافالني وتستهدف أيضا مشروع "السيل الشمالي-2"، على الرغم من كلمات بايدن بعد القمة إن المفاوضات مع بوتين جرت في جو طيب وإيجابي، الحرب استمر حتى في لحظات الخلاف الحاد، وان بوتين لا يريد، وكلمات المديح المقابلة من قبل الرئيس الروسي الذي اعتبر أن المحادثات جرت "بنفس اللغة"، ووصف نظيره الأمريكي بأنه سياسي بناء ومتوازن وخبير للغاية، وقال إن الطرفين أعربا عن رغبتهما في تقريب مواقفهما، حتى أعلنت الإدارة الامريكية بانها تحتاج الى فترة ستة اشهر لتحديد إمكانية إجراء حوار استراتيجي مع روسيا، حول مصير معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت -3)؟؟

والجديد اليوم هو ما صرح به جيك سوليفان مساعد رئيس الولايات المتحدة لشؤون الأمن القومي أعلن اليوم أن بلاده تستعد لفرض عقوبات جديدة على روسيا، وأن الحديث يدور عن حزمة جديدة من العقوبات "بعد تسميم أليكسي نافالني"، وأن الولايات المتحدة ستواصل فرض العقوبات على الشركات المنخرطة في مشروع "السيل الشمالي-2" لضخ الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر البلطيق، في زادت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي، "من الطين بله " عندما أكدت إن لقاء جنيف بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن، لم يجلب "أي تغيير" في سياسة العقوبات الأمريكية ضد روسيا، وأضافت بساكي، في "يقضي القانون بأن نستمر في النظر في أهداف العقوبات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية".

تصريحات المسؤول الأمريكي جاءت حتى قبيل وصول السفير الروسي لدى الولايات المتحدة أناتولي أنطونوف إلى واشنطن، والتي غادرها في 21 مارس الماضي للتشاور مع القيادة الروسية على خلفية تدهور العلاقات بين الجانبين الروسي والأمريكي وانعدام الأفق السياسي لتسويتها، والتشديد على انه ليس لدى البيت الأبيض أي خطط لإصلاح العلاقات الجيدة مع روسيا، وان واشنطن تركز فقط على "الاستقرار والقدرة على التنبؤ"، ليكشف جيك سوليفان عن الوجه الأمريكي الحقيقي الرافض لأي مساعي لتحسين العلاقات بين موسكو وواشنطن، ونواياها التآمرية المسبقة ضد روسيا، حتى قبل انعقاد القمة، والتي كما يبدو عجلت في إعادة " حليمة الى عادتها القديمة " .

 

 

 

وللإيغال بالنوايا الخبيثة وكما كشف عنها المستشار الأمريكي، فان الولايات المتحدة ستواصل فرض عقوبات على الشركات الروسية التي تبني خط الغاز "السيل الشمالي-2"، وفي رده على سؤال على قناة "سي إن إن"، عن سبب تعليق الولايات المتحدة للعقوبات المفروضة على شركة Nord Stream 2 AG الأوروبية التي تبني خط الأنابيب المذكور، قال سوليفان: "السؤال هو ما إذا كنا سنواصل بشكل مباشر، ملاحقة شركائنا الأوروبيين وحلفائنا وأصدقائنا باستخدام صلاحياتنا بفرض العقوبات" ونقل عن الرئيس بايدن قوله، " لست مستعدا للقيام بذلك، لكنني مستعد لفرض عقوبات على المؤسسات الروسية المشاركة في بناء الخط، وذلك مرة كل 90 يوما".

ومن خفايا الأجندة لقمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الأمريكي جو بايدن هي مناقشة مستقبل الأسلحة النووية، الذي يعتمد عليه الأمن العالمي كله، ووفقا لمصادر برلمانية روسية فان الامريكان رأوا أنه من الضروري التأكد من عدم وجود تهديد نووي من روسيا وأن روسيا مستعدة للتفاوض بشأن الأسلحة النووية، وهذه هي الأجندة الخفية للقمة، وقد تم التعبير عنه من خلال مصطلح "الاستقرار الاستراتيجي" غير المفهوم تمامًا، والذي يمكن فهمه على أنه أي شيء تريده، لكن الاستقرار الاستراتيجي في جوهره يتعلق بالإمكانيات النووية التي يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة من الجانبين ويمكن استخدامها في ظل ظروف معينة .

ولم يكن الامر مفاجأة بالنسبة للروس كما يتصور البعض، ويرون إن فرض حزمة عقوبات من قبل الحكومة الأمريكية على الشركات الروسية المشاركة في بناء مشروع نورد ستريم 2 هو ظاهرة يمكن التنبؤ بها، حيث أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن استبعدت في البداية إمكانية "إعادة ضبط" العلاقات الثنائية، وكما أشار السناتور الروسي أليكسي بوشكوف، إلى الميل إلى اعتبار القمم الثنائية، ولا سيما اجتماع بايدن في جنيف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بداية لتحسين العلاقات، لان البيت الأبيض لديه نهج استقطابي .

الولايات المتحدة التي اضافت في مايو الماضي، 13 سفينة وثلاث منظمات روسية منخرطة في العمل إلى قوائم العقوبات الخاصة بها، وأكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين في 19 مايو أن واشنطن تخلت عن فرض عقوبات على شركة Nord Stream 2 AG المشغلة لـ Nord Stream 2 ورئيسها التنفيذي Matthias Warnig، وبحسب رئيس الدبلوماسية الأمريكية، فإن هذا القرار يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، لم تخف حقيقة أنها تعتزم بكل طريقة ممكنة التدخل في إطلاق نورد ستريم 2، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع منع بنائه، بالإضافة إلى أن الحكومة الأمريكية لم تلمح أبدًا إلى مراجعة العقوبات أو رفعها، فقد ذكر كل من بايدن ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين مرارًا وتكرارًا تصورًا متشكلًا لمنصة التفاوض السويسرية - كفرصة لمناقشة القضايا المهمة المتعلقة بمصالح جانب واحد فقط - الجانب الأمريكي.

ان الخطوات غير القانونية للولايات المتحدة كما تقول روسيا، كانت دائما تقابلها برد روسي حتمي ومنطقي، ومن المدهش وكما تؤكد المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا " أن في واشنطن من يفضلون سباق الحواجز في حلقة مفرغة"، وتشدد على أن "المؤدلجين الأمريكيين فضحوا أنفسهم" عبر ربطهم بين "السيل الشمالي-2" وهو "مشروع اقتصادي تشارك فيه شركات مشغلة خاصة ودول مستقلة، وقضية نافالني، ليظهروا بذلك أن كل هذه الضجة حول التسميم المزعوم /لنافالني/يستخدمونها وسيلة لمعالجة مشكلة افتقارهم للقدرة التنافسية".

وبالتأكيد، فإن أي خطوة أمريكية، يجب أن يكون لها متلازمة أوربية، وفي آخر بيان له قال الاتحاد الأوروبي، إنه مددت لمدة عام حتى 23 يونيو 2022، العقوبات المفروضة "بسبب الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم وسيفاستوبول"، وتشمل العقوبات، الحد من العلاقات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي مع هاتين المنطقتين الروسيتين، ردت عليها المتحدثة باسم الخارجية الروسية، بإن الاتحاد يعرف كل شيء لكنه مع ذلك يفتش عن "أمشاط الأرض المحببة"، في إشارة إلى مثل شعبي روسي يدل على تكرارهم نفس الأخطاء، ورأت زاخاروفا أن ممثلي الاتحاد الأوروبي يعرفون أن شبه جزيرة القرم دستوريا تعد جزءا من روسيا، ويعرفون طبيعة الرد على تمديد العقوبات.

الروس ومن خلال تجارب السنوات الماضية تيقنوا، بأن نظام العقوبات ضد روسيا مترسخ في العديد من النصوص القانونية في الغرب وبالتالي فإنه باق إلى الأبد، وان كل تلك العقوبات غير شرعية، تم فرضها بذرائع واهية للغاية، دون وجود أدلة، لكن من المستحيل التراجع عن الإجراءات التي تم تصويرها على أنها مثالية، وشدد ألكسندر بانكين، نائب وزير الخارجية الروسي، على أن روسيا لن تطلب من أحد رفع العقوبات، لكنها ستعمل عبر دوائر الأعمال على إيصال فكرة بسيطة إلى الغرب مفادها أن سياسة العقوبات معيبة،" تضر - وإن بقدر أقل - حتى أولئك الذين يفرضونها أنفسهم، ومن الأفضل ألا تكون هناك عقوبات إطلاقا".

على ما يبدو ان صفات " الافعى " المتمثلة بالغدر والخيانة، وإقتناص فرصة الانقضاض حتى على صاحبها، والتي كانت تحملها " العجوز الشمطاء "، وتفتخر بها، وتعتبرها رمزا للقوة، فأنها بالفعل تليق بقادة أمريكا، بمختلف مسمياتهم واحزابهم، لأن الغدر صفة موسومة فيهم، ونفذ سمومهم حتى للقريبين منهم اذا ما تعارضت مصالحهم معهم، فما بالك مع الذين يكنون لهم العداء !!!

 

د. كريم المظفر

 

صادق السامرائيأولا: أغراض الصحافة

يبدو أن أغراض الشعر القديم وأغراض الصحافة يتطابقان، فالصحفي أما يمدح ويتغزل أو يهجو وأحيانا يرثي.

هكذا بدت آليات التفكير والإقتراب والتفاعل والتناول والتصدي والتحقيق، صحفي يمدح ويتغزل، وآخر يهجو وغيره يرثي،  فمنطلق المديح والغزل يبحث عن المسوغات اللازمة لذلك، فهذه العين ترى الذي تريد أن تراه، ويدخل ضمن هذا الغرض التبرير والتمجيد.

ومنطلق الهجو الذي لا يرى إلا السيئ والكريه، ولا يريد أن يرى الجيد والصحيح، لكي يستطيع تحميل قطار عباراته الجاري على سكة السطور.

ومنطلق يرثي، وقد صار من الكتابات السائدة والمؤثرة في العقل والنفس، بل أن الرثاء أصبح وسيلة للإرتزاق، وإن قلت ميادينه، لكن الصحفي تراه يغوص في تعداد مناقب الذين ماتوا ويسمي ذلك تحقيقا صحفيا.

ثانيا: عدم وضوح الدور

ما هو دور الصحفي في المجتمع؟

ولماذا تحتاج المجتمعات للصحافة والصحفي؟

فالصحافة ليست بدعة ترف، وإنما حاجة فرضتها الظروف الإجتماعية بتفاعلاتها المعقدة والمتطورة.

فبعد أن أعلنت فكرة الدولة  وقيام مؤسساتها، أصبحت الصحافة ركنا مهما للتعبير عن أفكار الدولة وعقيدتها وخططها وما تريد فعله والقيام به، وتأكد دور الصحافة في الدول الديمقراطية، وضمنها الدستور الذي يربط ما بين الفكرة الديمقراطية ودور الصحافة الرقابي في المجتمع.

بمعنى أن الصحافة والصحفي الذي هو ركنها الأساسي، الذي عليه أن يقوم بدوره المطلوب لحماية المجتمع والمصالح العامة من الذين يمثلون الدولة، بسبب الإنزلاقات والتفاعلات اللادستورية التي قد تحصل.

ذلك أن البشر ميّال لفعل السوء، ولكي يُحمى المجتمع من الرغبات الفردية والمطامع الشخصية، لا بد من الصحافة الرقيبة لمنع ذلك السلوك الضار بالمصلحة العامة.

ثالثا: الإنفعالية

يبدو أن الصحفي ربما يكتب بإنفعالية عالية، ويقفز إلى مهاوي المواجهة والتصدي المنفعل، الذي يثير في  الآخر الذي هو أقوى منه مشاعر الإستياء، وحتى الإنتقام وربما يتعرض الصحفي للتصفية.

ويبدو أن المشكلة ليست في الموضوع الذي يتم تناوله أو التصدي له، وإنما بالكيفيات والآليات التي يتم إستحدامها.

فعندما يتصدى الصحفي لموضوع ما، فيجب أن يكون  لديه جواب لسؤال، لماذا يتصدى للموضوع وماذا يريد؟

فإذا كان الموضوع منحرفا لا بد له أن يشير إلى البراهين والدلائل والوثائق التي تفضح الإنحراف، ويطالب بأن يكون المسار بهذا الإتجاه وليس بذاك، للأسباب التي يجب أن تكون واضحة أيضا.

ولا يمكن أن يتصدى الصحفي لحالة ويصفها بالخاطئة أو المنحرفة، ولا يقدم البدائل والخيارات التي يراها ذات مردودات أكثر نفعا وقيمة وربحا للمجتمع.

رابعا: الغاية

ماهي غاية الصحفي؟

الغاية هي بناء المجتمع المعاصر وحمايته من المؤثرات السلبية،  أي أن دور الصحفي إجتماعي وطني بنّاء، ولا يمكنه أن يكون غير ذلك، وإلا فأن المجتمع لا يحتاجه ويرفضه.

وبعبارة أخرى فالصحفي هو مصلح إجتماعي فعّال في بيئته، وكل خطوة لا تؤدي إلى هذا الهدف لا يمكنها أن تكون ذات قيمة وتأثير صحفي.

ويبدو أن الغايات غير مجسمة أو واضحة المعالم، فتكون النشاطات الصحفية ردود أفعال حارة، مما يأخذ الغايات إلى مواضع أخرى قد تشوهها، وتدفنها في غبار المشاعر السلبية والتنابز بالكلمات المؤذية.

وقد يقول القارئ، وماذا يجب أن يفعل الصحفي في مجتمع ظروفه كذا وكذا.

إن الصحفي في هذه الحالة يقوم بدور تنويري . ويقدم التحقيقات الصحفية المقنعة اللازمة للتوعية ، وإظهار الحقيقة وجمع الناس تحت خيمة الوطن.

خامسا: الحرية

حرية الصحافة حالة نسبية في المفاهيم والدلالات، فإذا فقدت الصحافة معاييرها وشروطها وضروراتها، فلا يمكنها أن تكون حرّة وإنما ضارة.

والملاحظ أن الصحفي في الدول الديمقراطية يتمتع بثقافة دستورية وقانونية عالية، أما في مجتمعاتنا الضعيفة قانونيا ودستوريا، فأن هذه الثقافة غائبة.

وبسبب غيابها فأن معنى الحرية الصحفية أصبح غائبا وغير قادر على إبداء ملامحه.

والفرق واضح وساطع ما بين صحافة الدول الديمقراطية الدستورية وغيرها من دول اللاقانون.

والخلاصة أن دور الصحفي يتأكد في قدرته على حماية المجتمع من الأخطار بأنواعها، ومحاولاته إظهار الحقائق وتشخيص الأخطاء وإستحضار البدائل.

وليس من الصحيح القول بالخطأ دون دليل وتوضيح للنتائج المترتبة عليه، وما هي الأضرار الإجتماعية الناجمة عن ذلك.

ومن الصعب في أكثر الأحيان على الصحفي أن يتصدى للكراسي في بلدان الصورة والكراسي الأبدية، أو في المجتمعات التي تدعي الديمقراطية  أو تتقنع بها.

فالصحافة الحقة بحاجة إلى نظام ديمقراطي دستوري يضمن حق الرأي والمعتقد، وأن تكون الصحافة الحرة ذات حقوق مصانة دستوريا، لأن الصحافة هي القوة التي تحمي المسيرة الديمقراطية وتصون حقوق الناس.

فهل أن الصحافة تأكل الصحافة في وطن الكرسي العتيد؟!

مع خالص المحبة والتقدير والإحترام لأقلام الصحفيين الأفذاذ، الذين يواجهون المُحال فيصرعونه، وينتصرون بالحق على الباطل والضلال، فهم الأنوار الوطنية ومشاعل الحرية والديمقراطية.

 وتحية لشهداء الصحافة الأبرار!!

 

د. صادق السامرائي

10\1\2011

 

ابراهيم أبراشفي خضم الانتفاضة التي تمت خلال مايو الماضي سادت مشاعر الحماسة الوطنية والعواطف الجياشة والتأييد العالمي غير المسبوق وتجلت صورة الشعب الفلسطيني في أبهى ما يكون وبان الأمر وكأن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة أو وُلِدت من جديد، آنذاك كتبنا أكثر من مقال نطالب بضرورة توظيف اللحظة النضالية قبل فوات الأوان وكان واحد منها يحمل عنوان: (حتى لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه)، ولكن بعد أن هدأت المواجهات وصمتت المدافع يبدو أن السياسيين المنقسمين والمتصارعين مع بعضهم البعض غدروا بالانتفاضة وبالشعب وبددوا كل ما كان يُرَهن عليه، وعادت الأمور أسوأ مما كانت قبل الانتفاض، وأصبحنا أمام وضع يتطلب تفكير عقلاني لاستخلاص الدروس والعبر مما جرى، مع أن ما جرى خلال الأحداث الأخيرة وخصوصا المواجهات بين فصائل المقاومة في غزة ودولة الاحتلال تكرر للمرة الرابعة وفي كل مرة نسمع خطابات النصر ثم تعود الأمور أسوأ مما كانت.

بالرغم من أن الأحداث مفتوحة على كل الاحتمالات بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلا أن ما جرى في مايو أكد على حقائق، ويستدعي التوقف عند بعض التداعيات والحذر من أخرى، وفي هذا السياق نتوقف عند القضايا التالية:

1- أكدت الأحداث أن الشعب الفلسطيني موَّحد في كل أماكن تواجده بالرغم من كل الحدود والحواجز الجغرافية والسياسية والأيديولوجية والمشكلة تكمن في الانقسام والصراع داخل الطبقة السياسية.

2- التعاطف العالمي الواسع مع الشعب الفلسطيني يشكل اعترافا بأن الفلسطينيين يمارسون حق الدفاع عن النفس وأن المقاومة بكل أشكالها تتوافق مع القانون الدولي والشرعية الدولية، والمشكلة كيف يتم عقلنتها وتوجيهها في المسار الصحيح.

3- أهمية ما جرى ليس فقط صواريخ المقاومة وتأثيرها على دولة الكيان، بالرغم مما ألحقته به من أضرار نفسية ومادية، فإسرائيل تستطيع في نهاية الأمر التعامل مع الصواريخ وغزة ليست دولة كبرى حتى تستمر بصناعة الصواريخ وتَحَمُل ضربات الجيش الإسرائيلي إلى ما لا نهاية، المهم فيما جرى هو إرادة الصمود والتحدي وشمول الحراك والثورة الشعبية لكل ربوع فلسطين وخصوصاً داخل الخط الأخضر وهو الأمر الذي أدى إلى انكشاف عنصرية وإرهاب دولة الكيان الصهيوني وتغيير نظرة العالم له.

4- بالرغم من أهمية الشرعية الدولية وقراراتها ومحكمة الجنايات الدولية وما يمكن أن تفعله، إلا أنها جميعاً وقفت عاجزة أمام الإرهاب والعدوان الصهيوني حتى إن مجلس الأمن فشل في إصدار قرار أو مجرد بيان إدانة لإسرائيل.

5- أثبتت الأحداث أنه يمكن إجبار إسرائيل على احترام الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوقه السياسية المشروعة.

6- أكدت الأحداث أن التنسيق الأمني في الضفة وتفاهمات و اتفاقات الهدنة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة وكل مشاريع التسوية السابقة لم تكن مقنعة للشعب الفلسطيني ولم تؤسس لسلام أو استقرار، كما لا يمكنها منع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه بالدفاع عن نفسه.

7- الفلسطينيين خاضوا حرب دون استراتيجية أو قيادة موحدة، و لضمان استمرار الحالة الثورية وعقلنتها مطلوب وجود قيادة ميدانية للمقاومة الشعبية.

8- بالرغم من أهمية القادة العسكريين- كتائب القسام وسرايا القدس وغيرهم- في المواجهة الجارية إلا أن (الحرب أخطر من أن تُترَك للعسكريين) وحدهم لأن هناك أبعاد سياسية واستراتيجية دولية وإقليمية قد لا يُدركها العسكريون، فالقيادة السياسية ضرورية خصوصاً بعد أن تصمت المدافع، لحصاد ما زرعته البندقية أو تصحيح أخطائها إن كان هناك اخطاء.

9- كشفت الأحداث عمق أزمة القيادة وهي أزمة مركبة: أزمة مؤسسة الرئاسة، أزمة منظمة التحرير، أزمة حركة فتح، أزمة الحكومة.

10- لا شك أن منظمة التحرير الفلسطينية رسمياً هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ولها انجازات كبيرة وكثيرة، إلا أن تطور الأحداث ميدانياً يحتاج لسرعة تفعيل وتجديد المنظمة ومؤسسة القيادة وإلا أصبحت صفتها التمثيلية بلا معنى، وتجديد المنظمة والقيادة منصوص عليه في كل اتفاقات المصالحة التي لم ثُنفذ.

11- قد يؤدي تطور الأحداث إلى تدخُل دولي وإرسال مراقبين أو قوات دولية إلى قطاع غزة، وهذا ما يجب الحذر منه حتى لا تؤول الأمور لفصل غزة نهائياً عن بقية فلسطين ويتم تكريس مشروع دولة غزة الذي يحقق مصلحة إسرائيل، وبالتالي تذهب كل معاناة الشعب وتضحياته لغير المصلحة الوطنية وتكون إسرائيل هي المنتصرة.

12- لأنه لا حرب من أجل الحرب ولا مقاومة وطنية حقيقية بدون هدف وبرنامج سياسي ولأن العمل العسكري أو المقاومة المسلحة ليست هدفاً بحد ذاته بل أداة لتحقيق هدف سياسي، فإن مرحلة ما بعد صمت المدافع تحتاج لاستراتيجية عمل وطنية ومشروع سلام فلسطيني متوافَق عليه من الكل الوطني. وحتى مع إدراكنا أن لا سلام أو تسوية عادلة في ظل الظروف الراهنة إلا أن مشروع السلام الفلسطيني أو الرؤية الفلسطينية للتسوية السياسية والسلام مطلوبة لتكون الإجابة التي سيقدمها الفلسطينيون للعالم إن سُئلوا: ماذا تريدون ولماذا تثورون وتقاتلون؟.

13- هناك تخوف سبق أن كتبنا عنه مرارا وهو أن يكون هدف كل (الحروب) على غزة وحصارها إضعاف منظمة التحرير والمشروع الوطني والسلطة الوطنية ونزع غزة عن سياقها الوطني وتكريس الانقسام، حيث لاحظنا أن كل الحروب السابقة بما فيها الأخيرة كرست وعززت حالة الانقسام وأثارت مسألة التمثيل الفلسطيني وكأن هذه الحروب من أجل انتزاع التمثيل الفلسطيني من منظمة التحرير لصالح حركة حماس ومشروعها السياسي.

 

إبراهيم أبراش

 

 

بكر السباتينأعلنت لجنة الانتخابات في إيران، يوم أمس السبت، فوز إبراهيم رئيسي برئاسة الجمهورية الإيرانية، إثر حصوله على أكثر من 60% من أصوات الناخبين الإيرانيين، وفق النتائج النهائية التي أعلنها وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، ومن المقرر أن يسلم الرئيس الحالي حسن روحاني منصبه للرئيس الجديد بعد 45 يوماً.

ورئيسي يعتبر من الصقور في القيادة الإيرانية، ويحظى بدعم الحرس الثوري الإيراني، ناهيك عن كونه أحد المسؤولين الكبار الذين تشملهم العقوبات الأميركية، وهو رئيس السلطة القضائية في البلاد، وتتهمه هيومن رايتس بأنه "أشرف على بعضٍ من أبشعِ الجرائمَ في تاريخ إيران الحديث، والتي تستحق التحقيق والمساءلة" وكان رئيسي قد خسر الانتخابات أمام روحاني عام 2017.

ويتوقع مراقبون بأن "رئيسي" سيكون أكثر تشدداً من الرئيس السابق المعتدل حسن روحاني الذي اعتمد سياسة انفتاح نسبي كان من أبرز نتائجها إبرام اتفاق مع القوى الدولية الكبرى حول برنامج طهران النووي.

إذن، وفي ظل ما يتصف بها الرئيس الإيراني المنتخب، رئيسي، فما هي توجهاته السياسة الخارجية، خصوصاً فيما يتصل بالملف النووي الإيراني وتأثير إيران في المنطقة العربية، بدءاً من سوريا واليمن والعراق وحتى فلسطين المحتلة.. ولا سيما أنه من التيار المحافظ ومقرب من الحرس الثوري.. وماذا عن موقف خصوم إيران وخاصة ألدهم عداوة، أي دولة الاحتلال الإسرائيلي!

فخلال مناظراته مع "مرشحي" الرئاسة في السادس من يونيو الجاري صرح إبراهيم رئيسي بأنه يجب الالتزام بالاتفاق النووي كعقد من تسعة بنود وافق عليه المرشد الأعلى، وكالتزام يجب على الحكومات القيام به. أي أن يكون الالتزام من جميع الأطراف.

وكتب رئيسي قبل انتخابه على موقع تابع له في مايو أثناء تسجيله للانتخابات الرئاسية بأنه يعتقد أن "السياسة الخارجية للنظام هي التفاعل مع جميع الدول وخاصة الجيران، وسوف نتفاعل مع أولئك الذين لا ينوون أن يكونوا أعداء، بطريقة ودية وكريمة وموثوقة" وفي هذا لم يقدم "رئيسي" أي جديد، فهو كلام يحتمل أكثر من معنى.

أما موضوع حركات المقاومة فقد أكد "رئيسي" بأن دعمها من الثوابت الإيرانية- في سياق حديث له مع الجزيرة نت.. مايو - مؤكداً على أن علاقات إيران مع الدول العربية والدول المجاورة مثل العراق وسوريا واليمن وفلسطين ستكون لها أولوية؛ كونها معترف بها ك"جبهة المقاومة" في سياسة إيران الخارجية، وكما ستعمل الحكومة الجديدة على توثيق العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية وخاصة دول الجوار في إشارة منه إلى دول الخليج العربي.. وهذا لن يكون بالأمر الهيّن كون تلك الدول تخاصم إيران في كثير من الملفات، وقد عزمت على التصدي لما تقول بأنه تمدد إيراني وتهديد للخليج العربي ما دفع بدول الخليج العربي المطبعة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى عقد تحالف معها لضمان أمنها، في إطار قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأمريكي.. مع أن جيش الاحتلال الإسرائيلي سقط في اختباره الأخير مع المقاومة في غزة وبالسلاح الإيراني الذي صنع معظمه في القطاع المحاصر والمدعوم إيرانياً.

من هنا فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي ترى في إيران الخطر الداهم وبخاصة أنه الداعم اللوجستي الأهم للجهاد الإسلامي، وحماس التي باركت من جهتها لرئيس إيران المنتخب فوزه بالرئاسة، داعية إلى"مواصلة تعزيز مواقف إيران المشرفة في التضامن مع فلسطين وقضيتها العادلة، ودعم صمود الشعب الفلسطيني" وهي رسالة توحي بمتانة العلاقة بين الطرفين .

من هنا يأتي الخطر الإيراني الداهم على الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة أن رئيسي في نظر الإسرائيليين هو الأشد تطرفاً من حيث دعمه السخي لحماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، بالإضافة إلى أنه قد يدفع بالمشروع النووي الإيراني نحو تحقيق طموحاته؛ لذلك علق رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، اليوم الأحد، قائلاً بإن انتخاب إبراهيم رئيسي رئيسا لإيران يوجب تجنب الاتفاق النووي مع طهران، في حين وصفته وزارة الخارجية الإسرائيلية بأنه الزعيم "الأكثر تطرفا" في تاريخ إيران.. محذراً العالم في أن انتخاب رئيسي يمثل نداءً للعالم بوجوب الاستيقاظ وتجنب الاتفاق النووي. وأضاف، في كلمة له بأول جلسة للحكومة الإسرائيلية: "أن موقف بلاده لن يتغير وأنه يجب منع إيران من امتلاك أسلحة نووية" وهذا يعني بأن ملف الاتفاق النووي قد يراوح مكانه في عهد "رئيسي" وهذا لا يمنع من حصول مفاجآت في عالم يتغير ويعتمد على المصالح العليا.

ويأتي انتخاب "رئيسي" في حين تشارك بلاده، منذ أسابيع عدة، في اجتماعات بفيينا برعاية الاتحاد الأوروبي ومشاركة الولايات المتحدة، تستهدف عودة واشنطن للاتفاق النووي مقابل رفع العقوبات عن طهران بشرط تراجعها عن الإجراءات التي اتخذتها بخفض التزاماتها النووية.

وهذا لم يمنع الولايات المتحدة الأمريكية أن تعرب عن أسفها لأن الإيرانيين لم يتمكنوا من المشاركة في "عملية حرة ونزيهة" في الانتخابات الرئاسية.

وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن "الإيرانيين حُرموا من حقهم في اختيار قادتهم في عملية انتخابية حرة ونزيهة"

وأضاف أن الولايات المتحدة ستُواصل -رغم ذلك- المفاوضات غير المباشرة مع إيران للعودة إلى الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 وانسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

وتعتبر إيران هذا الكلام تدخلاً في شؤونها. فيما تظلّ الرهانات على سياسة "رئيسي" مفتوحة على كل الاحتمالات ما دامت تل أبيب تصر على استهداف المشروع النووي الإيراني دون اكتراث رغم أن انتصار المقاومة في غزة أحبط طموحاتها العدوانية تجاه إيران، في الوقت الذي تسير فيه الأخيرة بثبات نحو تقديم الدعم اللوجستي للمقاومة في غزة وحزب الله في الشمال والحوثيين في اليمن.. أما بالنسبة لعلاقة دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا مع إيران فهي مرهونة بالمصالح العليا لمجمل تلك الدول، ورغبتها بوقف تنامي العلاقة الصينية الإيرانية، من خلال تخفيف الضغط عن إيران في كل الملفات العالقة بينها .

 

بقلم بكر السباتين

20 يونيو 2021

 

علا بياضوافقت مجموعة السبعة يوم 11 يونيو 2021 يونيو 2021 على خطة عالمية واسعة النطاق للبنية التحتية موجهة إلى الدول الفقيرة، بمبادرة من الرئيس الأمريكي جو بايدن، تهدف إلى التنافس مع خطة طرق الحرير الصينية الجديدة. وكان قادة الدول السبع الكبرى عازمون على تحقيق تقدم تاريخي بالموافقة على خطة عمل لمكافحة الأوبئة في المستقبل، الى جانب القضايا الصحية والدبلوماسية والاقتصادية وكانت الصين وروسيا في قلب المحادثات حول قضايا السياسة الخارجية.

جمعت القمة الأولى منذ نحو عامين، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وكندا واليابان والولايات المتحدة في منتجع خليج كاربيس في شمال غرب إنجلترا.  كما أنها ستشكل عودة للولايات المتحدة إلى الساحة الدولية، بحسب التعبير الذي استخدمه الرئيس جو بايدن بعد سنوات من العزلة في عهد سلفه دونالد ترامب.

قمة ال G7

تضم قمة اجتماع للدول الديموقراطية الصناعية والغنية : الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان كأعضاء وضمت روسيا أيضًا في مرحلة ما، وكانت تسمى مجموعة الثماني حتى تم ابعادها في عام 2014 بسبب ضم أراضي القرم الأوكرانية. وتعتبر أستراليا خارج المجموعة إلى جانب الهند وكوريا الجنوبية وجنوب إفريقيا ستكون ضيفًا وكان ملف Covid-19 على رأس جدول الأعمال أعلن قادة مجموعة السبع بالفعل نجاحها قبل بدء القمة، بعد أن اتفقوا على صفقة تهدف إلى ضمان أن الشركات الكبرى، مثل آبل وأمازون، ستضطر إلى دفع حد أدنى لمعدل الضريبة لا يقل عن 15 في المائة.

الانتقادات ضد سكوت موريسون

الانتقادات ضد سكوت موريسون خلال قمة ال G7 كانت واسعة جدا، حول اللقاح، اضطر سكوت موريسون للدفاع عن إخفاقات التلقيح في أستراليا، حيث كان رئيس الوزراء ولم يستطع السيد موريسون تحديد النسبة المئوية من السكان الذين سيحتاجون إلى التطعيم قبل استئناف السفر الدولي التقارير ذكرت انه يتم تطعيم 2.6 في المائة فقط من الأستراليين بالكامل، وفقًا لبيانات من جامعة جونز هوبكنز. وهذا يضع أستراليا تحت المتوسط العالمي، وخلف دول مثل بيرو ولبنان وزيمبابوي. في غضون ذلك، قامت بريطانيا والولايات المتحدة بتطعيم أكثر من 43 في المائة من سكانهما بشكل كامل.

أعلن البيت الأبيض إن الانتقادات ضد سكوت موريسون Build Back Better ستوفر شراكة شفافة للمساعدة في تضييق 40 تريليون دولار التي تحتاجها الدول النامية بحلول عام 2035. وصفت مصادر أسترالية رفيعة المستوى منخرطة في المفاوضات موقف الولايات المتحدة الأقوى بشأن القضايا الاقتصادية بأنه "خطوة أولى جيدة جدًا" نحو نتيجة في قمة G7 في كورنوال لتنشيط منظمة التجارة العالمية ومواجهة تهديدات التجارة الصينية.

التعاون الدفاعي الأسترالي

وفي جانب الأمن والدفاع، سوف تكون مشاركة الى استراليا بالانضمام الى مجموعة حاملة الطائرات البريطانية في مناورات بحرية في المحيطين الهندي والهادئ في عرض للقوة ضد الصين وناقش رئيس الوزراء سكوت موريسون التعاون العسكري الأعمق مع بايدن - بوريس جونسون في اجتماع - على هامش قمة مجموعة السبع في بريطانيا .

يأتي التعاون الدفاعي الأسترالي، في الوقت الذي يدفع فيه بايدن إلى إصدار بيان قوي من قادة مجموعة السبع بشأن الصعوبات الاقتصادية، يدعم مخاوف السيد موريسون بشأن الإضرابات التجارية الصينية التي تكلف الصادرات المليارات من الدولارات وخطة لمواجهة مبادرة طريق الحرير للرئيس الصيني.

وفيما يتعلق بالانفجار القطبي الأسترالي قال رئيس الأبحاث في مجلس المناخ الدكتور سيمون برادشو تلتزم كل دولة من دول مجموعة السبع بصافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050. ولكن الأهم من ذلك، أن كل دولة من دول مجموعة السبع عززت أيضًا هدفها حتى عام 2030، وان "أستراليا الآن وحيدة حقًا بين البلدان المماثلة في عدم التزامها بصافي الصفر بحلول عام 2050 على الأقل وأيضًا من خلال البقاء بعناد على أهدافها الضعيفة للغاية لعام 2030."

النجاح الاقتصادي للصين

لقد استفادت أستراليا بشكل كبير من النجاح الاقتصادي للصين بالمقابل ان الصين هي الاخرى استفادت بشكل كبير من تجارة أستراليا معها. سعى موريسون إلى عقد اجتماع فردي مع بايدن على هامش قمة مجموعة السبع، لكن تحول الاجتماع، إلى مناقشة استمرت 45 دقيقة مع جونسون أيضًا، وركزت بشكل كبير على القضايا الاستراتيجية وصعود الصين. وأجرى موريسون محادثات مع رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوجا، ورئيس كوريا الجنوبية مون جاي إن، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

نشرت صحيفة Financial Review الاسترالية المراجعة يوم 13 يونيو 2021 تقريرا بعنوان "الحلفاء يحتشدون لدعوة سكوت موريسون للصين"، يستذكر الأسترالي مردوخ الحرب العالمية الثانية: "لقد حصل سكوت موريسون على دعم أكبر الديمقراطيات في العالم وحلفاء أستراليا في زمن الحرب - الولايات المتحدة وبريطانيا - في صد الصين القوة والنفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ".

قال انه سوف لايتسامح مع قائمة الصين المؤلفة من 14 نقطة، والتي صدرت في نوفمبر2020 ضد أستراليا في خطابه وتشمل القائمة حظر شركة الاتصالات الصينية هواوي و G5 الأسترالية، وحظر 10 صفقات استثمار أجنبي صيني، وقوانين أخرى في العلاقات الخارجية التي تمنح الحكومة الأسترالية حق الاعتراض على اتفاقيات الحكومة المحلية أو الحكومية مع الصين.

أصبحت أستراليا أول دولة تحظر عملاق التكنولوجيا الصيني هواوي من شبكة 5G الخاصة بها. ساءت العلاقات أكثر هذا العام عندما دعت أستراليا إلى إجراء تحقيق في أصل فيروس كورونا الجديد، الذي تم اكتشافه لأول مرة في مدينة ووهان الصينية. وغضبت بكين أيضًا من الانتقادات الأسترالية لأفعالها في هونغ كونغ وشينجيانغ وتايوان وبحر الصين الجنوبي. انخفض إجمالي الاستثمار الصيني في أستراليا بنسبة 62٪ في عام 2020.

أعلن رئيس الوزراء موريسون مؤخرًا عن زيادة تمويل قدرها 747 مليون دولار لتعزيز الاستعداد القتالي الأسترالي في مواجهة بكين . يذكر ان الصين لديها ميزانية دفاعية أعلى بست مرات من أستراليا وتفتخر بجنود أكثر بـ 42 مرة، و 55 مرة أكثر من الدبابات، وغواصات أكثر بـ 13 ضعفًا، و 16 ضعفًا من الطائرات المقاتلة وفقا الى موقع ميل أون لاين.

تقييم

إن توترت العلاقات بين البلدين منذ أن دعا سكوت موريسون إلى إجراء تحقيق في أصول فيروس كورونا العام الماضي2020، وتفاقمت الأمور بعد أن فرضت الصين رسومًا تجارية عقابية أضرت بالمزارعين الأستراليين.

إن تدهور العلاقات يثير قلق منتجي السلع الأساسية في أستراليا، تعمل بكين الآن بنشاط على تثبيط الاستثمار الصيني في قطاعي الطاقة والموارد الطبيعية في أستراليا، في حين يبدو أن استخدام الصين لحظر استيراد محدد وقيود وعقبات أخرى من المرجح أن يستمر - وربما يتسع - عبر مجموعة من الصادرات الأسترالية. وعلى الرغم من تشدد بكين بشكل متزايد، فإن فرض حظر أوسع نطاقاً على الاستيراد يبدو غير مرجح، لا سيما على خام الحديد الأسترالي الذي يعد بالغ الأهمية لازدهار البنية التحتية في الصين.

يبدو ان كل من أستراليا والصين تعايشا مع طبيعة العلاقة مابين البلدين، والتي في الغالب كانت تشهد توترات عديدة. وليس سرا،ان السياسات الأسترالية تتأثر مع حليفاتها، خاصة الولايات المتحدة و بريطانيا، عندما يكون الحديث عن الدفاع والامن، لكن بدون شك، كانت أستراليا محقة بتوجيه الانتقادات الى الصين في مجالات حقوق الأنسان والاقليات، خاصة عندما يتعلق الامر بالمسلمين الأويغور.

وكان لقاء موريسون مع الرئيس الاميركي بايدن، ليس بتلك الاهمية، والذ كان بحضور رئيس الحكومة البريطانية جونسون، الانتقادات الى موريسون ايضا كانت حول التأخير بالاجراءات لشن حملة التطعيم ضد كوفيد 19، وهذا يعني انه من المتوقع جدا ان تصعد الحكومة الاسترالية حملات التطعيم في الفترة القادمة.

إن مستقبل العلاقات مابين أستراليا والصين، على الارجح، يواجه تحديات واسعة، وهذا ربما يتعلق بنوع التحالفات التي تجريها استراليا مع الدول الاخر، وهي في الغالب ضد الصين. مايهم المواطن الأسترالي، هو مدى قدرة الحكومة الأسترالية، بتأمين الأمن والأستقرار اقليميا ودوليا من خلال ايجاد علاقات متوازنة ( توازن القوى) والتحالفات مع القوى والاطراف الدولية، اكثر من تلك السياسات التي تدفع أستراليا ان تعيش حالة التأهب.

 

بقلم : علا بياض، كاتبة وإعلامية ـ سيدني

 

 

غانم المحبوبيلو تَمَعَنا في خارطة ألعراق السياسية (geopolotical) في محوريها الداخلي والخارجي، لوجدنا ما يميز العراق عن بقية، وعلى الأقل، الدول العربية هي صفة التعددية ذات الإختلاف الحاد. فمن الناحية الجغرافية يحيط بالعراق أربعة أقطاب ذات أصول أو أعراق ومعتقدات فكرية ودينية (مذهبية) متناحرة منذ مئات السنين ولحد الآن، ألا وهي الفرس الشيعة من الشرق والترك والتركمان السنة من الشمال والعرب السنة المعتدلة من الغرب والعرب الوهابية المتطرفة من الجنوب. هذا الفخ الجغرافي المتشنج ما كان له إلا وأن يعكس صورتَهُ المتناحرة في داخل المجتمع العراقي، أضف إلى ذلك وجود القوميات والأديان الأخرى كالأكراد والمسيحيون والآشوريونوالمندائيون والأيزيديون وغيرهم. كما بينا في مقال سابق، التعددية المتعايشة سلمياً (multiculturalism) هي من السمات الحسنة للمجتمعات المستقرة المتحضرة لما تنتجهُ من تراكم حضاري مهم. ولكن، في حالة التعددية المتخاصمة أي ألغير متعايشة على أساس المواطنة ظمن الدستور والقانون فلا بُدَ لهذه الحالة أن تؤدي إلى مجتمع متناحر تسوده الفوضى وفقدان الأمن كما هو الحال في العراق الحالي. لماذا أدت تعددية العراق لهذا الناتج السيء هو سؤال الإجابة عليه بالتفصيل خارج موضوعنا الحالي ويستحق أن نتناوله بمقال كامل آخر. أما ما يهمنا ألآن هو التأكيد على أن الحرية الغير منضبطة في ظلِ دولة ضعيفة الفكر والإرادة والقوة هي من أهم ما يؤدي إلى الإنفلات الولائي والأمني وهذا ما يتجسد ألآن في واقع العراق حيث تواجد المجاميع أو ما يسمى بالمليشيات المسلحة "المنفلتة" سواء كانت مرتبطة بولاء داخلي، عشائري كان أم مناطقي أو أجندات سياسية داخلية أو خارجية وما تقوم به من أعمال تقوض هيبة الدولة.

لماذا نشأت هذه المليشيات؟ بإختصار، يعيش العراق ومنذ أكثر من أربعين عام في سلسلة من الحروب والأزمات الحادة أدت الى تراجيديا التدهور والإنحطاط في الدولة والمجتمع العراقي مما جعل كل فئة من فئات التعددية العراقية تشعر بألخوف وألريبة من الآخر وفقدان الأمن. وعندما تكون الدولة ضعيفة وفيها مَن هوَ في موقع القيادة ويشارك الشعب بمخاوفه والريبة من الآخر، فلا يجد المواطن العراقي خياراً غير الإبتعاد عن مفهوم الولاء للمواطنة العراقية بل اللجوء إلى ذاته ومناطقيته وما يحميه ظمن معتقده الديني او القومي. ولكي يحافظ المواطن على ويحمي خصوصياته ومقدساته ويثبت تواجده وقدرته على ارضه توجبَ عليه ان يأخذ زمام المهمة الأمنية على عاتقه وذلك بتشكيل المجاميع المسلحة، وفي حالات كثيرة بمساعدة الدولة نفسها او مراكز الإستقطاب الإقليمي من دول الجوار أو الدول الأخرة المتنفذة. هذه المجاميع لا تثق بالدولة ولا تَكُن لها الولاء لذلك لا نجدها تنقاد لها في عملياتها المسلحة والعسكرية بل بما تملي عليها معتقداتها ومصالحها الخاصة ولا يهم ان كان مصدرها من داخل العراق أو خارجه.

وإذا رجعنا الى أحداث ٢٠١٤، سنشهد ولادة مجموعتين مسلحتين كبيرتين تشترك في دوافعها لحماية نفسها وفرض نفوذها ولكنها على طرفي نقيض في أحقيتها وشرعيتها وتمسكها بالمواطنة العراقية. المجموعة الأولى هي عصابات داعش المجرمة بحق الإنسان والحضارة وألتي سببت الكثير من الدمار وزهق الأرواح، بدوافع سياسية ولكن بغطاء عنصري طائفي بغيض. برأي الخاص، إن من أروع ما انجزه العراقيون منذ ٢٠٠٣ ولحد ألآن هو الدعوى الرائدة لتحشيد الشعب (الفتوى الجهادية الكفائية) من أجل الدفاع عن الوطن ضد عصابات داعش القبيحة وألإستجابة الطوعية الباهرة من قبل المواطنين لولادة المجموعة الثانية أو الحشد الشعبي المسلح وتضحياتهم بألغالي وألنفيس حتى تحقيقهم النصر. وألذي توج هذا الحدث الرائع هو قرار مجلس الشعب والدولة بعدم حل أو إلغاء هذا الجهاز الأمني العقائدي المهم وعدم تركه منفرداً كقوة شعبية مقوضة لقوى الأمن الوطنية بل وتوافقاً مع فحوى الفتوى الجهادية دمجه إليها مما وهب الفائدة لكل الأطراف. ولكن، يجب علينا أن لا نقدس الأشخاص من الحشد الشعبي مهما بلغوا من النزاهة والتقوى إذ ليسوا هم سوى أشخاص كبقية الناس وليسوا بملائكة. لهذا وجب على الدولة أن تتصدى لكل من يخرج منهم عن القانون وتعالج الأخطاء كحالات منفردة وعدم تعميم الفعل الشاذ على جميع من ينتسب إلى هذه المؤسسة المهمة. كذلك يجب على الدولة والشعب أن ينتبهوا للمحاولات المشبوهة والمستمرة للإسائة إلى العراق وللحشد الشعبي بألذات من أي جهة ومن ظمنها الأفراد أو الجماعات التي تسعى لتحقيق أهداف خاصة لا تصب في المنفعة العامة للوطن عن طريق تشكيل ميليشيات مسلحة أخرى وتحت غطاء الحشد الشعبي، مما يستوجب التصدي لهذه الميليشيات؟

كيف التصدي لهذه المجاميع المسلحة؟ بالتأكيد إن كل فئة من فئات المجتمع العراقي سوف تقيم شرعية  تواجد هذه الميليشيات، بناءاً على آراء ومصالح خاصة تعكس حالة الإستقطاب الحاد في مفهوم المواطنة عند هذه الفئات المتعددة. فهناك من يدعم او على الأقل يتعاطف مع قسم من هذه المجاميع المسلحة على أنها مقاومة عقائدية شريفة وربما مقدسة في دفاعها عن تربة الوطن والعرض والمقدسات وما إستخفافها بأوامر الدولة، ومن وجهة نظرها، إلا هو من صغائر الأمور قياساً بأهدافها العقائدية الكبيرة. من جهة أخرى، هناك من يذهب بعيداً في الإتجاه المعاكس ليُجَرِم هذه المجاميع لا بإعتبارها وحدها فقط خارجة على القانون بل بتعميم مثل هذا التجريم على كل فصائل الحشد الشعبي، وإن هو حالياً جزءاً من قوى الأمن العراقية الرسمية وحسب قانون من مجلس النواب العراقي. وكمثال على ذلك، في مقال له نُشر في "المثقف" بعنوان "هل الحشد الشعبي للعراق أم على العراق؟" يقول الدكتور كاظم حبيب "إن مهمات الحشد الشعبي بميليشياته الولائية، التي تشكل ٩٥٪ من قوام هذا الحشد غير الشعبي والمرتبطة عضوياً بالأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية ... هي الهيمنة الكاملة والفعلية على محافظات العراق في الوسط والجنوب وبغداد ... وبالتالي ممارسة عمليات التهديد والإبتزاز والإختطاف والإعتقال والتعذيب والقتل وفق ما يرد لها من أوامر (والمقصود من إيران)". وبين هذين القطبين المتطرفين في الرأي نسمع صوتاً آخر بينهما يتسم بشيء من الإعتدال كما جاء في مقال الدكتور عبد الخالق حسين بعنوان " أسلم طريق في مواجهة المليشيات المنفلتة" والمنشور في "المثقف"، " كذلك يجب التأكيد على التميز بين الحشد الشعبي الحقيقي الذي تأسس إستجابة لفتوى السيد السيستاني كما ذكرنا، والذي تم دمجه مع الجيش بقانون، حيث يأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وبين الميليشيات الحزبية الطائفية وبغطاء الحشد الشعبي." إن مثل هذه الآراء وإن إستحقت الإحترام والأخذ بنظر الإعتبار لكنها، وبرأي الخاص لا تُمثل الرأي الوطني العام لأنها تبقى آراء شخصية تستند على دوافع حزبية، ايديولوجية، وقد تكون قومية عرقية أو دينية طائفية أو غيرها ما لم تُدعم بتحليل وأدلة علمية ومُقنعة يتقبلها المواطن المُحايد والمتطلع لإستقرار البلاد الحقيقي، وهذا ما سنتناوله في القسم الثاني لهذا الموضوع.

 

الدكتور غانم المحبوبي

 

صادق السامرائيالصحافة عمل مسؤول يهدف إلى تحقيق السلوك الإنساني المتوازن والمقبول من المجتمع، لأنه يرعى مصالحه ويبني حاضره ومستقبله، وليس للصحافة بصلة أي عمل لا يهدف إلى إظهار الحقيقة، وتوعية الناس، وتسليط الأضواء على ما يراه الصحفي مهما لحياتهم وأمانيهم، فإغفال الحقيقة وطمسها عمل غير وطني، ومعرفتها حق إنساني مشروع لا يجوز التغاضي عنه.

وبسبب تعودنا أو تربيتنا على طمس الحقائق وتزييفها، فأننا نستشعر الخوف والتهديد من أي صحفي يحاول أن يكشف ما هو مستور وكاذب أمام الرأي العام، ويحسبه المسؤول القائم به  إعتداء عليه وكراهية له، ويبدأ بإستحضار آليات الدفاع من إسقاط وتبرير وغيرها، لكي يلوذ بنفسه من سوء عمله، وليؤكد بأنه لم يرتكبه والصحفي يدعي عليه أو يستهدفه.

وهذا السلوك يشيرإلى  أن المسؤول يفعل، وكأنه في صومعته وباحة نفسه التي ألغت أي رقيب عليها، وعندما تفاجأ بتسلل الرقيب الصحفي إلى داخل حدودها، تستعيد الرقيب الداخلي وتتحدث بلغته، وكأنها لم تفعل ما إرتكبته من أفاعيل يندى لها جبين الضمير.

ولهذا ترى الكثيرين يتهمون مَن يقول الحق ويسعى لكشف الحقيقة، فيقولون أن فلانا كذا وكذا ... وكذا لكي يزعزعوا ثقة المجتمع بما كشفه، وليحافظوا على ماء وجوههم ويبرروا فسادهم.

ومسؤولية الصحافة تنطلق من حرصها على ثوابت وطنية وإجتماعية، ذات قيمة فعالة في ديمومة التواصل والقوة والبناء، ولا يمكن للصحفي أن يكون مخلصا لمهنته إذا تفاعل بأساليب مضرة بالثوابت الوطنية والإجتماعية الصالحة، والتي تسعى على ضوئها معظم المجتمعات، ومن أبسطها، أن لا يساهم الصحفي في تمييع القيم الوطنية، وتقوية السلوك الفاسد وتشجيع التواطؤ والخيانة، والدعاية للكراسي ومؤازرة سلوكها لأنها تمنحه إمتيازات وتوفر له ما يريد من المتطلبات.

فعمل الصحفي أمانة ومسؤولية وطنية وتأريخية وإنسانية ذات تأثير مهم في بناء الحياة أو تخريبها، ولهذا فأن العمل الصحفي يحتاج لأن يتجسد في جمعيات أو نقابات تحافظ على التقاليد الصحفية المعمول بها في عالم الصحافة الحرة النزيهة، الساعية إلى الصدق وإظهار الحقيقة أمام أبناء المجتمع لكي يستنيروا ويقرروا لصالحهم، وأن لا يكونوا ضحية الخداع والتضليل والأكاذيب المنمقة.

وفي هذا الشأن تبرز أهمية الجمعية الصحفية أو النقابة الحرة المسؤولة، التي تحمل راية الصحافة بشجاعة وإقدام وجرأة، لا تضعف أمام أقوى التحديات وأشرسها.

كما أن مسؤولية الصحفي تتطلب أن يجتهد في توفير المعلومات الموثقة المستندة على بيانات لا يمكن تكذيبها أو عدم تصديقها، أي أن الخبر أو التقرير يجب أن يكون صادقا وصحيحا، وغير مصطنع من أجل توجيه آراء الناس نحو هدف معين يريده هذا الحزب أو ذاك.

ولهذا فأن ما تتناوله الصحافة لا بد أن يكون واقعيا لكي تكتسب الصحافة ثقة الناس، وتؤدي رسالتها في توعيتهم وتوفير المعلومات اللازمة لتحقيق مصالحهم.

وفي بعض المجتمعات هناك سياسات مدبرة من أجل زعزعة ثقة الناس بالصحافة، ومحاولة تشويش الأخبار وتمويه الحقائق وإتلاف الوقائع، وهذه الأساليب السياسية المنحرفة قد ترعرعت فيها، خصوصا التي يتم تسجيل الأعمال السيئة والجرائم فيها ضد مجهول، أو التي أوجدت قميصا أو أكثر ترمي عليه سيئاتها، وتبرر أفعالها وإجراءاتها.

أي أن هناك حركة مضادة لحرية الصحافة، وتوجهات لتدمير أركان العمل الصحفي المستقل، وتحويل الأقلام إلى لسان حال هذه الجهة أو تلك، وتسمي هذه الإنحرافات بالديمقراطية، مما يساهم في تشويش الوقائع والأحداث وإستلاب رأي الناس، وتمرير إرادة الكراسي ومراكز القوى التي تريد العبث بكل شيئ.

ووفقا لهذا فالناس لا تتمكن من التعبير عن خياراتها وإتخاذ قراراتها، وإنما ستسقط مرغمة في تيار التبعية والإستسلام للحركات والأحزاب، التي تتحكم بمصيرها وفقا لمصالحها وأهدافها الأنانية والغير وطنية.

وعليه فأن الصحافة ستكون ضحية وتابع، وكذلك أبناء المجتمع الذي تعمل فيه.

وفي المجتمعات الحرة، يكون موضوع علاقة الصحافة بالسلطة حساس جدا، ولا يمكن الوثوق بأقوال مريديها وأبواقها، وإنما يجب أن تتوفر الحقائق الموثوق بها والتقارير الصحيحة الصريحة، التي تؤكد أو تنفي الحالة التي في صدد الحديث.

وفي بعض المجتمعات تتضارب الأقوال عن أي مقال وتقرير ينشر في الصحف المتنوعة، وتثار حوله الشكوك والتهديدات والتخويف، والعديد من إجراءات الترهيب والترغيب والوعيد، لكي يتحقق الإيقاع بكاتبه ومن ثم تسخيره لغاية ما، يجدها هي الخيار الوحيد المتبقي أمامه، وبهذه الطريقة يتم إسقاط الصحفيين في شِباك الأحزاب والقوى السياسية.

ولهذا نقرأ العديد من المقالات والمواقف المتناقضة، والتي تهدف أصلا للتشويش وخلق حالة من الإضطراب وعدم الثقة والحيرة، التي تجعل الإنسان بلا قدرة على إمتلاك رأي أو فهم يؤسس لموقف مفيد.

ويظهر أن هناك جهود جادة ومدروسة ومبرمجة وذات خبرات متطورة تقوم بالإلتفاف حول أي تقرير، أو تحقيق صحفي يبين الحقيقة ويكشف المخفي والمدسوس، وهذه الجهود تعبّر عن دورها ومهاراتها الإعلامية، وقدراتها في بناء آراء الآخرين وفقا لنظريات معقدة، تستدعي من الصحفي الحر أن يتحلى بأعلى درجات الوعي المهني والثقافة، لكي ينتصر عليها ويمنع عنها أي منفذ يمكنها أن تتسرب منه لتقضي على ما جاء به.

والصحافة قد تعاني من هذا المرض الذي يتم بث جراثيمه في أوساطها، لكي تصاب بعدم الثقة بها، وتهميش دورها وتأثيرها في المجتمع، وتحويلها إلى أداة لحماية المسيئين، فتنتهي فيها معاني الصحافة الحرة وتتحول إلى لسان حال للسلطة وحسب.

 

د. صادق السامرائي

25\8\2009

 

بكر السباتينأعلن مؤخراً عن تشكيل "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية" بغية المساعدة في استصدار قوانين إصلاحية لتطوير التنمية المستدامة ووضعها على المسار الصحيح ، رغم أن كثيراً من أعضائها خرجوا إلينا من تجارب سابقة لم تكن موفقة.. ولتمكينها من القيام بما أنيط بها من مهام، لا بد لها أن تدرس تاريخ خطط التنمية في الأردن منذ مائة عام للخروج بمعطيات واقعية للحل العملي في تنمية متعثرة تشهدها البلاد وفي ظل ظروف صعبة.

فقد شهدت مؤشرات التنمية الشاملة في الأردن منذ البداية بالتذبذب بينت نتائجها التباين بين التعثر والنجاح، ولتوضيح ذلك سنعرج إلى بداية خطط التنمية زمن الخطتين التنموييتين الثلاثية والخماسية في القرن الماضي حيث نجحتا نسبياً في إدارة الموارد الشحيحة لبناء البنية التحتية من صرف صحي ومياه وإيصال الكهرباء إلى جميع أنحاء المملكة، وبنية صناعية شملت المدن الصناعية وانتشارها في المحافظات، وبناء الإنسان كأهم مخرجات التنمية فالموارد البشرية الأردنية كانت تتمتع بجودة عالية تفتقر إليها التنمية المستدامة في وقتنا الراهن رغم توفرالإمكانيات الفنية اللازمة، إذ رفدت خطة التنمية المستدامة آنذاك بمعطيات النجاح، وساهمت في بناء دول الخليج العربي باقتدار الأمر الذي وفر لخزينة الدولة احتياطي كبير من العملات الأجنبية.. ثم تأتي خطط التنمية المستدامة وخاصة بعد تحرير التجارة من خلال اتفاقية الجات، والانطلاق نحو الشراكة التجارية مع أمريكا وتوقيع اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة عام 1997، والتي بموجبها استطاعت المنتجات الاردنية المصنعة في هذه المناطق (وغالبيتها من الالبسة والمنسوجات) من الوصول إلى الاسواق الأميركية.. وبعد عام 2010 أصبحت معظم السلع الأردنية معفاة من الرسوم الجمركية والقيود الكمية بموجب تلك الاتفاقية التي وقعت بين الجانبين الأردني والأمريكي عام 2000.. فالولايات المتحدة الأميركية كانت تُعد من اهم الشركاء التجاريين للأردن حيث زادت التجارة البينية بين الأردن وأميركا بنسبة 600 بالمائة حتى عام 2014 وكان القطاع الصناعي هو القطاع الرئيس في زيادة حجم الصادرات.

وبلغ حينها الحجم التراكمي للاستثمارات الأميركية في الأردن حوالي2.2 مليار دولار، تشكل ما نسبته 8 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية التراكمية في المملكة والتي تبلغ ما يقارب 28 مليار دولار في العام 2014.

ثم تأتي الشراكة الأردنية الصينية المتنامية والتي حققت نتائج مثمرة وفق ما صرح به السفير الصيني في عمان  بان ويفانغ  منتصف ديسمبر العام الماضي، في مؤتمر صحفي عقده في مقر السفارة أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين حققت تقدماً، حيث أصبحت الصين ثالث أكبر شريك تجاري للأردن وثاني أكبر مصدر للواردات، وانه في الأرباع الثلاثة الأولى من العام 2020 ، بلغ إجمالي حجم التجارة الثنائية بين الصين والأردن 3.103 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 27.70 %.. في حين بلغ الإجمالي لواردات الصين من الأردن 356 مليون دولار أمريكي، بزيادة كبيرة على أساس سنوي بلغت 129.61 ٪.

والأهم إستشرافياً هو ما توقعه السفير الصيني في أن يبدأ هذا العام 2021 تشغيلُ مشروع محطة العطارات لإنتاج الطاقة من الصخر الزيتي والذي تستثمر فيه الصين بقيمة 1.6مليار دولار امريكي، حيث سيلبي  10-15٪من حاجة الاردن للكهرباء.

 ومن الطبيعي أن ذلك من شأنه أن يُسَرّعَ من عجلة التنمية المستدامة لارتباط هذا النمو بالطاقة حيث سيقلل من اعتماد الاردن على مصادر الطاقة المستوردة (وقد يؤدي إلى إلغاء اتفاقية الغاز مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد إيجاد مخرج قانوني بفعل الضغوط الجماهيرية بهذا الاتجاه)، ثم تقليص فاتورة الطاقة وضمان أمن الطاقة وثبات تزويدها للأردن.

وعليه فإن استراتيجية الشراكات التجارية الخارجية مع الأردن أدت إلى رفد خزينة الدولة بالعملات الأجنبية من خلال الاستيراد وجباية المستحقات الضريبة المتنوعة..

ومن منظور استشرافي، هناك أيضاً اعتماد "خطة التنمية المستدامة لعام 2030 الشاملة والمتكاملة والتحويلية"، والتي تم اعتمادها في سبتمبر 2015 من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بهدف القضاء على الفقر، ومكافحة عدم المساواة وتغير المناخ على مدى السنوات ال 15 المقبلة. وتقوم في الاساس على حقوق الانسان لتحقيق التنمية المستدامة.. وتركز على التنفيذ على المستوى الوطني حيث تأخذ الدول الاعضاء زمام المبادرة وتقوم بتكييف الخطة بما يتناسب مع احتياجاتها الوطنية.. وهي خطة قطع في تنفيذها الأردن شوطاً لا بأس به رغم العوائق الككثيرة التي تعترض طريق التنمية المستدامة حيث سنجملها في نهاية المقال.. حدث كل ذلك في غضون ال 100 عام التي شهد خلالها الأردن أزمات كبيرة في إقليم ملتهب تمكن من تجاوزها بحنكة واقتدار .. إذن لماذا هذا التذبذب في معدلات النمو الذي يشهده الأردن منذ بداية خطة التنمية المستدامة؟

هذا يقودنا للحديث عن المعوقات التي بدون البحث فيها لا يساعد "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية" على بناء قاعدة للحل..والتي أجملها بما يلي:

أولاً- اتساع قاعدة الفقر والبطالة في ظل غياب العدالة الاجتماعية، وارتفاع الدين العام وعجز بالغ في موازنة الدولة، لأسباب موضوعية مثل تفشي ظاهرة الفساد في الدولة العميقة وانعكاس ذلك على التنمية، ومحدودية الموارد الطبيعية ما دفع بالإردن للاعتماد على الاقتراض وتلقي المعونات التي رهنت قراره في الشؤون الداخلية نسبياً للدول التي تقدم المساعدات الطارئة للأردن..

ثانياً- عدم وجود رؤية واضحة لتلك الخطط مما جعلها تخضع لكثير من القرارات الارتجالية دون التركيز على تحفيز الانتاج لزيادة الحصيلة الضريبية فانحصر التركيز على الجباية الضريبية دون العمل على توفير بيئة آمنة للإنتاج في ظل الأزمات المتفاقمة ومنها انتشار وباء كورونا، ثم الاعتماد على المساعدات الخارجية والدخول في أزمة خدمة الدين وإعادة جدولة الديون للاقتراض من جديد! لأن الاستمرار في زيادة الناتج سيكون بالتأكيد هو السبيل الوحيد لرفع معدل النمو وسد عجز الموازنة ، وليس من أموال الضمان أو من الضرائب أو إصدار سندات مالية، ورفع الأسعار للمحروقات والكهرباء مما أثر سلبياً على المستوى المعيشي للمواطنين حيث أسبح يشكل تهديداً للاستقرار السياسي والأمني للدولة والاجتماعي.

ثالثاً:- معاناة الاقتصاد الأردني من جملة تحديات كبيرة على رأسها:

- تفشي وباء كورونا وانعكاس ذلك على كل مفاصل التنمية سلبياً .

-أزمة اللاجئين العراقيين والسوريين المتفاقمة.

 -اتفاقية وادي عربة وانعكاساتها السلبية على كل نواحي الحياة ما أزم الثقة بين الشعب الأردني والحكومة.. والبدء بمعالجة أخطر مخرجاتها بإلغاء اتفاقية الغاز بعد تشغيلٌ مشروع محطة العطارات لإنتاج الطاقة من الصخر الزيتي في إطار الشراكة مع الصين والمزمع الشروع بتنفيذه هذا العام.

- محدودية السوق المحلي ، وخاصة الأسواق التقليدية للمنتجات الصناعية ، والارتفاع الحاد في محتوى الاستيراد للمنتجات الصناعية على حساب القاعدة الإنتاجية والتحفيز على المنافسة الإيجابية.. والارتفاع في كلّف التمويل لمدخلات الانتاج.

-التواضع في الإنفاق على البحث والتطوير والدراسات التقييمية والاستشرافية. وتوفير قاعد بيانية تساعد المستثمرين على التجاوب مع حزم القوانين التي تحفز على جذب المستثمرين من باب توفير البيئة الآمنة لهم.

وللخروج من عنق الزجاجة لا بد من خارطة طريق إصلاحية تتشارك فيها كافة القطاعات من أجل تنمية حقيقة تقود البلاد إلى مشارف النجاح، وخاصة أن الزمن لا ينتظر أحداً والتنافس الدولي على أشده، والبقاء للأقوى.. والفرص متاحة لو أحسنت الدولة استغلال الموارد الممكنة ووظفت القروض في أبوابها الصحيحة وسدت المنافذ على الفساد، مستغلة دعم مشروع الأمم المتحدة للقضاء على الفقر بما يسمى "خطة التنمية المستدامة لعام 2030 الشاملة والمتكاملة والتحويلية، والتي تم اعتمادها في سبتمبر 2015 من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بهدف القضاء على الفقر، ومكافحة عدم المساواة وتغير المناخ على مدى السنوات ال 15 المقبلة ومعالجة ملف حقوق الإنسان وتطوير التعليم عن بعض من خلال توظيف التكنولوجيا، وزيادة التنسيق الفاعل بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بزيادة كفاءة شبكة الألياف الضوئية الوطنية بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، والتي تهدف إلى تنفيذ شبكة ربط التعليم الجامعي والبحث العلمي الجهات والمؤسسات الحكومية ودعم إنشاء الشبكة الحكومية الآمنة.. فالطريق أمام "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية" عسير وطويل.. ولكن البداية الصحيحة لا بد وتنتحي بمخرجات يمكن بناء الإصلاحات المنشودة عليها.

 

بقلم بكر السباتن

 19 يونيو 2021

 

 

في كتابه "جوهر الفلسفة" يشير الفيلسوف الألماني "فيلهلم دلتاي" إلى ضرورة "ردم الهوة بين الذات والموضوع ـ وأن لا يكون "المنهج" من حيث جوهر القضية قابلاً للتأويل والاحتمالات".

في ظل احتدام الصراعات الحزبية واستمرار التجاذبات السياسية بالاتجاه المعاكس لما هو منشود، بالنسبة للمتظاهرين الذين يهمهم بالأساس، الكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم للعدالة، كمؤشر لامتحان مصداقية مؤسسات الدولة، التنفيذية والقضائية والتشريعية، وجهوزيتها لتحقيق مطالبهم الأخرى ومنها إقرار قانون الانتخابات وتشريع قانون الاحزاب وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وحصر السلاح بيد الدولة. فالانتخابات ان كانت مبكرة أو متأخرة لاجل غير مسمى، لم تعد لاعتبارات محقة، أمرا حكيماً اذا لم تتحقق المطالب. وليس أمام المتظاهرين والقوى المدنية التي تنشد التغيير وتسعى اليه، من الناحية المنطقية والموضوعية، إلا اللجوء الى احتمالات مقاطعة الانتخابات على أرض الواقع والذهاب الى المؤسسات الدولية المعنية في مثل هكذا امور للاستعداد لعدم الاعتراف بنتائجها وقطع الطريق امام الاحزاب الطائفية من الاستمرار في الحكم. أيضا الضغط على رئيس الوزراء، ان كان جادا بتنفيذ شعاره الذي ما برح يردده: بأنه "رجل أفعال وليس أقوال"، أن يمارس صلاحياته الدستورية ومنها حل مجلس النواب واعلان حكومة انقاذ وطني لمعالجة الازمات المتراكمة ومواجهة التحديات التي تغذيها ميليشيات الاحزاب والعصابات الاجرامية الموالية لايران وولاية الفقيه.

ينظر القانون الدولي، للدولة، في البلدان المتقدمة: أجهزتها، شعبها، مناطقها، اشكالها، بانها مجموعة أسس ـ يرتبط بموجبها الناس بعضهم ببعض لحماية مصالحهم المشتركة. في شأن ذلك، يُعتمد على وجه التحديد، وفقا لعقيدة العناصر الثلاثة ـ الدولة والشعب والسلطة، على أهم الوقائع والمعايير الانتخابية، لضمان التوازنات المتبادلة بين الحقوق والواجبات داخل المنظومة البرلمانية وخارجها، للمشاركة في الإرادة السياسية للشعب وتحريك الرأي العام وتشجيع المواطنين على العمل في الحياة السياسية وحرية إشراك القادرين منهم على تحمل المسؤولية العامة. بيد ان ذلك من جانب آخر، يتطلب يقظة القوى المجتمعية الفاعلة مراقبة اجراءات اللجان العليا للانتخابات قبل وأثناء الانتخابات. واذا لم تشعر، اي تلك القوى، بالارتياح والطمأنينة، فمن حقها اذا ما ارادت، طلب اشراف دولي لضمان نزاهة الانتخابات وإبعادها عن التزوير وتهديد السلاح المنتشر لدى فرق الموت التابعة لميليشيات احزاب السلطة، وهو وفق السياقات الموضوعية والذاتية واحكام القانون الدولي حق مشروع ، وهناك أمثلة كثيرة كان للمنظمات الدولية دورا هاما تلعبه.  

لكن دعنا نتساءل ببساطة: ما هو الدور الايجابي غير التسويف، للأحزاب الحاكمة في العراق فيما يتعلق الامر بالنهضة وبناء الدولة المدنية الحديثة لاكثر من ثمانية عشر عاما عجاف ـ كي نصدق وعودها ؟. وكيف لنا ان نثق بها؟، لنحكم بينها وبين قراءة الاحداث السياسية والبنيوية المصيرية وما يحيطها من إشكاليات خطيرة هي سبب حدوثها أصلا؟. 

في دولة المؤسسات في البلدان الديمقراطية، الأحزاب، مهمتها الاساسية: تمثيل المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعب. لكي يتمكنوا ممثليها في المجالس التشريعية من أداء هذه المهمة، يتمتعون تبعاً للقواعد العامة خلال عملهم في السلطة بحقوق والتزامات خاصة لكنها تخضع للمراقبة الفعلية. ووفقا لاحكام "قانون الأحزاب"، فانها تعتبر من الجماعات المجتمعية التي تؤثر بشكل دائم أو لفترة محددة على صنع القرار السياسي وتمثيل الشعب في "البرلمان". بيد ان حرية تأسيس الأحزاب بالإضافة إلى حرية الحزب فيما يتعلق بأهدافه وبرنامجه ونشاط أعضائه في سياق العمل الحزبي ـ لا يجوز تبرير أعمال إجرامية بذريعة حرية النشاط الحزبي. فيما يحظر "القانون" في الدولة المدنية إجازة "الاحزاب" التي لها أذرع مسلحة ولا يسمح بمشاركتها في الانتخابات. كما يطالبها بيان مواردها المالية قانونياً، كيف ومن أين؟ كذلك طبيعة عملها وأماكنها المحددة وعدد أعضاءها. والاهم اعترافها بالقانون الاساسي للدولة "الدستور" وتقديم تعهداً ملزم لصيانة بمبادئه الاساسية حصرا.. في بلد كالعراق الامر مختلف، فالطبقة السياسية المتربعة على السلطة، تحميها ميليشيات، غير مكنرثة بالمباديء والقيّم، ولا معرفة في علم السياسة وإدارة الدولة المعاصرة!.

ان سياسة الهروب الى الوراء فيما يتعلق الامر بالتغيير والاصلاح في منظومة الحكم بالطريقة التي تمارسها احزاب السلطة لا جدوى منها على الاطلاق. وسياسة مسك العصى من الوسط ، الذي تمارسه أحزاب ايديولوجية ـ شعبوية خارج السلطة تجاه "النظام السياسي"، يشكل تداعيات سياسية ومصيرية خطيرة، غير مألوفة، تمس القضايا التي يتطلع لها الشعب العراقي بالصميم. كما ويترك أثرا سلبيا بالغا على المواطن ورغبته في المشاركة في الثورة لصناعة قرار التغيير، وبالتالي عدم استطاعة الانتفاضة من قلب الطاولة وانتاج خيارات جديدة لمواجهة التحديات المركبة والمربكة الناتجة عن ألاعيب قوى سياسية واحزاب ركبت موجة الثورة خوفا على مصالحها. ولعل أهم اساليب مواجهة هذه التحديات، لفرض ارادته، على الحراك المجتمعي رفض "العملية السياسية" برمتها، ومقاطعة الانتخابات ان لم تتحقق المطاليب. وعلى قوى الثورة وتنسيقياتها، يستوجب أيضا، تأسيس مساحة كافية لدراسة "طبيعة الأحزاب" على الساحة بالمجمل. وتقييم "مفهوم الانتخابات" في ظل نظام حكم طائفي لا يضع أهمية للانتماء والهوية الوطنية الذي تشكل الانتخابات أساسا لها، ليصبح بمقدورها صياغة البديل السياسي المنشود لنظام الحكم، والخروج من نظام المحاصصة الطائفية وعهدة احزاب فاشلة لا وزن لها في المعادلة السياسية منذ 2003 ، سوى تسويق نفسها في حلبة الصراع لاجل مصالح فئوية وحزبية ضيقة. 

 

عصام الياسري