علي ثوينيثمة واقع يشير إلى أن كثير من المهاجرين الفرس جاءوا للعراق وسكنوا في البداية بشكل مؤقت بحجة زيارة (العتبات المقدسة)، ثم أنتقلوا لمستقر آخر بعد تحسن أحوالهم المعاشية، ليبثوا بين الناس أنهم (بيت السيد فلان) وهذا ماحصل لجارنا الذي كان يطلق عليه (بيت السيد) وتبين حين بدأ البعثيون يبحثون في الملفات الخاصة للعراقيين في بداية الثمانينات، بأنه أفغاني مجهول الهوية ولا يحمل أي صفة لـ(سيد). وهكذا تم تسفيره إلى إيران أو أفغانستان. ونعلم أن الذين يهاجرون فرادا ويدخلون مجتمع المدينة في إيران يلقبون بـ(الشهرستاني) أي مجهول الهوية القادم من (شهر) اي القرية. وهكذا فإن هذا اللقب في العراق يقترن بمجهولي الهوية للإيرانيين، وجلهم من أدعى أنه (سيد) في العراق. بل ان ثمة من أتوا فرادا من إيران وأفغانستان وباكستان والهند، ودخلوا قرية عراقية ووجدوا ضالتهم فيها بعمل فلاحي، ثم حدث ان تبنته العائلة التي أستخدمته، ثم أسكنته أو ربما زوجته من عراقية، فمكث بين ظهرانيهم وأنتسب لعشيرتهم وحمل لقبهم. وعادة ما اطلق العراقيون على هؤلاء المهاجرين تسميات بعينها، تدغم أسمه الأعجمي الأول، ومن تلك الأسماء: مجهول، تايه، طارش، دخيل، مطرود، مشتت.. الخ. بل أن رئيس وزراء العراق المدعوا مصطفى كاظمي جده يدعى (مشتت) وسكن سوق الشيوخ وهو ليس بكاظمي، بل من لورستان والفيليه، اي من المهاجرين من إيران للعراق.

وفي سياق (ظاهرة السادة)، تحضرني قصة رجل دين عماني (لواتي) اي شيعي، كان يعتمر العمامة البيضاء أي شيخ، وذهب للعراق وعاد بصك طويل بأختام وتواريخ وشهادات بأنه أصبح (سيد) فأبدل العمامة البيضاء بالسوداء، وسكت العمانيون عليه لطبيعتهم المهادنة. ونتذكر أن بعض العوائل التي أنتقلت لأحياء جديدة وقد أدعت أنهم (بيت السيد) وسرى عليهم الأمر لأجيال وكلهم من ذوي الأصول الإيرانية والأفغانية والهندية حيث نقف على عملية فبركة الإنتماء للأصل العلوي المسكوت عنها والتي تقودها جهات دينية مرجعية.

والحجة في ذلك جاهزة بأن بأن هؤلاء، من نسل من هرب من العلويين إلى الأصقاع إبان الظلم الذي تعرضوا له من طرف الأمويين والعباسيين، لكن هذا لايعني أنهم تكاثروا بتلك النسبة حتى لو أحصينا العامل الزمني فإن العدد مبالغ به. والمريب هو كيف تسنى لهم حفظ نسلهم وصفاء عرقهم. وحسبنا أن تلك المنزلة الإجتماعية لو تجردت من الجاه والثراء والكسب المادي لتوقف التهافت عليها، ولم نجد من يدعي بها. والظاهرة تنتشر عند الشيعة والآسيويين بشكل معلن، ونادرا ماتجد عربي سني يدعي أنه سيد. مع أن الإمام علي عربي، ولم يكن سني أو شيعي.

لقد أقترحت حل وسط بأن يأخذوا عينة من DNA من مصدر موثوق (مثلا شعرة النبي التي يدعون الأتراك أنها عندهم)، أو من رفات بعض الأئمة المشهود بنسلهم العلوي في المدينة المنورة، وتطبيقه معياريا على كل المدعين. كون الأضرحة العراقية نبشت مرارا ولايعرف أن كانت حقيقية أم مزورة بغرض الإرتزاق الذي أوجد تلك الأضرحة. وقد قوبل الإقتراح برفض قاطع حينما طرح على مراجع الشيعة في النجف. لا بل أن الشخصيات التي صنع لهم هالة من الحضوة وقيل عنهم "سادة"، فهم مشكوك بأصولهم مثل علي السيستاني البلوشي، والخميني الهندي وخامنئي التركي الأذري وقبلهم جمال الدين (الحسيني) الأفغاني، الذي لايعرف له أصل.

ونقترح أن يؤسس مجلس أو ديوان أو نقابة للسادة والأشراف تشرف على تلك العملية المعقدة، بعدما يلحق به مركز بحوث طبية ومورثيه وتأريخية يأخذ على عاتقه فك الإشتباك في تلك الأحجية. فكل من يدعي أنه سيد يجب أن يخضع للفحص. ومن الطريف أن صدام حسين كان قد إدعى أنه (سيد) كذلك وروج له البعض، لكن تبين اليوم ومن خلال التقرير الأمريكي المنشور عن مورثاتهDNA أنه من ورد من سلالة طاجيكية (تركمانية) من وسط أفغانستان ولايحمل أي مورثات عربية البته.

وينجر الأمر على القيادات الروحية الشيعية في العراق، وجلهم من أصول آسيوية. فنجد بأن ولائهم لأصولهم يدغم مايجنوه من فوائد خلال تواجدهم في العراق. وأمسى معلوم إعدادهم يتم خارج العراق. وتتوجه الشكوك إلى جهاز المخابرات البريطانية الخارجية المسى(mi6) الخاص بفبركة الشخصيات السياسية في الدول التي تسيرها عن بعد، وحدث أن أخترقت عالم الدين فصنعت لها تيارات كثيرة مثل الأخوان المسلمين وفروعهم بل وأديان مقل القاديانية والبهائية، وحركات مسلحة مثل القاعدة وداعش والنصرة وطالبان وغيرها، وأفرزت أشخاص رسم لهم سيناريو لأن يتبوأوا الصدارة مثل مراجع الشيعة، ومنهم حتى المرزه الشيرازي وأبو الحسن الأصفهاني ومحسن الطباطبائي الحكيم وأبو القاسم الخوئي وعلي السيستاني بل وبيوتات مثل آل الصدر وآل الحكيم وآل كاشف الغطاء أو آل بحر العلوم وهم هنود، وغيرهم. وثمة من هؤلاء لايعرف العربية، مثل علي السيستاني مثلا، بل أنهم ضليعين بالفارسية بشكل ملفت للنظر.

حدث أن سيرت تلك القيادات الدينية التوجهات الحزبية للعراقيين، بل أصبحت علاقة الشيعة بالسلطات تمر من خلال طبيعة العلاقة بين القيادات المرجعية لهم مع السلطة المركزية، التي لم تعبأ بالتضحية بهم. والأنكى أن بعض تلك القيادات الدينية وجهت العراقيين الإنتماء لتوجه أو حزب سياسي بعينه، مثلما حدث في خمسينيات القرن العشرين، حيث أمتثل شيعة العراق في الإنخراط بالأحزاب العروبية القومية نزولاً عند توجيهات من المرجع الشيعي محسن طباطبائي الحكيم(1889-1970)، الذي سعى لأن يشكل خط سياسي معاضد للتوجه الطائفي يوظف في الحرب الباردة المستقطبة للمتناحرين مع أو ضد. فكان منه أن يرضى بحل وسط بعد خلافه في الإستحواذ وكسب الإمتيازات مع محمد باقر الصدر، بان يتوجه الشيعة للتيارات العروبية، وذلك من أجل محاربة الشيوعية الصاعدة.

وهنا نقف عند مبرر مفصلي، بان الغرب والأمريكان ومخابراتهم دعمت بدون تردد أو تكتم الأحزاب العروبية لتجعلها تحارب الشيوعية الصاعدة في حينها ضمن سياقات الحرب الباردة، اي أنها ضربت ناس بناس بما يخدم مصالحها دون مواراة. والملفت بأن التوجه الديني وقف معهم بخندق واحد ليس بسبب غرور الشيوعيين ومحاربتهم للدين علانية وكشفهم لعيوب هؤلاء فحسب، بل من أثر الدعم اللامحدود الذي حصل عليه المتدينون والقوميون من المخابرات الأمريكية، وكل ذلك يكشف أن العراقيون وقعوا وسط لعبة عالمية، نتيجتها خسارة لهم سواء أتفقت الأطراف أو أختلفت، حيث أن المسيرون القابعون للوضع العراقي وراء الستر يرون إمكانية ضرب العراقيين بالعراقيين وهو نفس المبدأ الذي سار عليه الولاة العثمانيين حينما كانوا يتحالفون مع قبيلة وبعادون أخرى، ويوعزون لحلفاءهم من محاربتهم بالنيابة، ومثلما فعل أعداء العراق بالإتفاق المعلن والمبطن مع القوميين الأكراد حينما أوعزوا لهم بحروب نيابيه متواترة خلال قرن عراقي. وربما يكمن هنا جانب من واقع الغزل بين القوميين الأكراد ومراجع الشيعة الذين يحكمون العراق اليوم سوياً.

والأمر يذكرنا بما قام به جنكيزخان التتاري عام 1220م، حينما تقدمت قواته نحو مدينة بخارى (تقع اليوم في أوزبكستان)، حيث طلب من أهلها المسلمين التسليم على أن يُعطيهم الأمان. فقد انشق أهل المدينة إلى فرقتين :احدهما رافض، وحجتهم : لو استطاعوا غزونا لما طالبوا التفاوض معنا. والصنف الثاني أصابه الجبن والتقاعس عن القتال وحجته:نريد حقن الدماء ولا طاقة لنا بقتالهم لكثرة عددهم. فكتب جنكيز خان لمن وافق على الرضوخ والتسليم: أعينونا على قتال من رفض منكم وسوف نوليكم أمر بلدكم بعد إقتحامها. فصدق البخاريون كلامه وأنقادوا له، ودارت رحى حرب "أهلية" بين الطرفين، طرف دافع عن ثبات مبادئه حتى قضى نحبه وطرف باع نفسه للتتار فسيره عبداً من عبيده. وفي النهاية انتصر طرف العمالة ولكن الصدمة الكبرى أن التتار سحبوا منهم السلاح وأمروا بذبحهم جميعا، وقال جنكيز مقولته المشهورة: لو كان يؤمن جانبهم لما غدروا بإخوانهم من أجلنا ونحن الغرباء !. وهذا ماحدث بالعراق تماما حينما تآمر البعثيون مع الأمريكان على الشيوعيين أخوانهم في شباط 1963، لكن أنقلب عليهم الأمريكان وأقصوهم وحاكموهم على جرائمهم بعد 2003. وحسبنا أن العراقيين قدموا فيما دعي (الحرب الباردة) تضحيات أكبر من أهلها في الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، ولم يقتل هتلر النازي، شيوعيين إبان محاربته لهم، مثلما قتل البعثيين للشيوعيين في العراق. وأستمرت اللعبة حتى اليوم على مبدأ (جرار تكسر بعضها)، اي إثارة فتنة تجعل رعاع الناس يتقاتلون بينهم، أما المحتل أو أذنابه فهم يتفرجون جزلين.

وثمة حقيقة علمية تشير إلى أن للمورثات داخل تكوين الإنسان سطوة على سلوكيات وتوجهات الأفراد والجماعات حتى بعد عدة أجيال، وهو أمر يدرسه علم (الأنثروبولوجيا) بصدد الصفات التي تنتقل حتى بعد الهجرة. أحكي لكم في السياق حدث، وانا أزور مكة المكرمة مع بناتي، وإحدى بناتي متعمقة بعلم الأنثروبولوجيا المتعلق بالأجناس والسلالات والثقافات، حيث صعد رجل إلى الحافلة، وطفق يشكي ويبكي ويتسول بطريقة مأساوية توحي بتصنع. قال بانه فقد محفظته وكان فيها كل مدخراته ويروم العوده لبلاده، ويحتاج مد يد العون من الجميع. فهبت إبنتي لسؤاله:من أين أنت. فأجابها من باكستان. فالتفتت وأخبرتني بيقين: سبحان الله بابا، ليس شكله فقط بل أخلاقه وطريقه تسوله تحاكي كيولية/غجر (سيكان) رومانيا، التي نعرفهم جيدا، وبنفس الطريقة والأداء التمثيلي وهم جموع تسكن البلقان وأمسى يقينا "بحثيا" بأن اصلهم من شمال الهند وباكستان وأفغانستان.

والشئ بالشئ يذكر حيث أن مسعود برزاني الكردي، وهو من نفس الأصول الهندية (السنسكريتيه)، يتسول من الدولة العراقية متباكياً، رغم أنه يملك مليارات الدولارات المتراكمة من سرقات النفط وموارد الحدود والإدارات العراقية شمال الوطن، بالتمام مثل الغجر المتسولين في أوربا الغربية وكل منهم يملك قصراً منيفاً في بلاده برومانيا وبلغاريا ومولدافيا وأوكرانيا. لذا فإن الطبع المتأصل يبقى غالب في الطبيعة البشرية، بل أن الولاءات والتعاطفات ولاسيما الطائفية والحزبية تحكمها المورثات في كثير من سلوكيات الناس. ولقد وجدنا اليوم كيف هب العراقيون من ذوي الأصول الإيرانية في العراق مؤازرين ومؤيدين بل أمسوا عون وطابور خادم للإحتلال الإيراني للعراق، ونلمس تعاطف أكراد العراق مع أولاد عمومتهم الإيرانيين على نفس المبدأ المورثي المؤرق.

من المعروف أن من قاد التشيع العراقي منذ قرون عناصر آسيوية أتسقت مع كل الحالات السياسية العراقية منذ القرون العثمانية. ومن الصريح أنها جاءت من أجل الإثراء والجاه وليس من أجل الدين أو متاخمة وخدمة العتبات كما يدعون، بل أن العتبات العلوية أصبحت مصدر إثراء لاينضب من جراء العطايا والتبرعات من السذج أو علية القوم. والملفت للنظر أنهم أدعوا إنحدارهم من أرومة (الساده /الأشراف) (1)، ولم تعرف الجموع أصولهم الحقيقية التي أحيطت بالإبهام، ولم يكشف وثيقة ا أو يعلنوا وثيقة تشير إلى ذلك. حتى يشقى المرء في السؤال عنهم في ديارهم ومساقط رؤوسهم دون طائل، فلا يعرف أحد عنهم شئ. ويدور الحديث عن علاقتهم بالمخابرات البريطانية الم، لماذا ير للجدل، فلم نجد هؤلاء"الأبالسة" قد أختاروا عربي من مشرق أو مغرب لتنصيبه مرجع وإمام للشيعة. ونتسائل في تلك الحيثيات :كيف رضخ عبدالسلام عارف العروبي بإستقبال الخميني في العراق عام 1964، أو كيف أستقبل صدام البعثي للسيستاني عام 1986 إبان حربه مع خميني؟. ويعلم الجميع أن عارف وصدام قد أتوا بإنقلابات دبرتها تلك المخابرات.

والعذر المعلن في تلك الأصول المضببة بأنهم سلالات من هرب من العلوينن إبان الظلم الأموي والعباسي لهم، لكن الأمر موغل في تغير السلالات التي أدغمت مع (التقية)، مثلما حدث مع الأدراسة في المغرب الذين لايحملون أي صفة قدسية. والسؤال هنا :لماذا يقع الإختيار دائما على الهنود والسنديين(باكستان) والأفغان والإيرانيين حصرا، رغم وجود أتراك وفرس في أواسط آسيا لكن لايشملهم الأمر. ويعزي البعض لطواعيتهم وإذعانهم للإنقياد والتسيير من الخارج، أو أنهم سيبقون في إطار الأقلية القابلة للإبتزاز والتحكم والتسيير، ولم يقع الأختيار على العراقيين لطبيعتهم العنادية والشكوكة والإنقلبية وتوترهم العصبي وصعوبة إنقيادهم للآخر. لذا مكث الأمر ثابت في قيادات الدين والسياسة من الأغراب والأقليات، حتى أن الإنكليز استوردوا عميلهم فيصل بن حسين الحجازي لتبوأ الملوكية، رغم أن العراق يعج بالمؤهلين لها.

ولايمكن التغاضي عن غزل مبطن للإنكليز وغيرهم من الغربيين مع الفرس ضمن سياقات مايدعون رياءاً الإنتماء (الآري) المشترك، الذي لاحقيقة تثبته علمياً. وحسبنا أن الجميع يتفقون على توجه فحواه كراهية تلك الطبقة وإحتقارها وإزدرائها للعرب ومنهم العراقيين، الذين يشكل الشيعة فيهم الغالبية، حيث قيادتهم الدينية آسيوية تنحاز لأيران دائما وقواعدهم عراقية عربية تقتفي توجههم وتسير عليها، لابل تعادي من يعاديهم. والملفت أن تلك الأقلية من رجال الدين، أوعزوا للأكثرية الشيعة في العراق بأن تتقمصهم نفس مشاعرهم بأنهم أقلية، رغم أنها ليس أقل من 65% من العراقيين. وهكذا تصرف الشيعة في العراق كأقلية دائما.

والأنكى في تسلط الأغراب في العراق هو الشخصية المريبة (ساطع الحصري) القادم من كرواتيا بالبلقان، والذي أسس للخطاب والتحزب العروبي في العراق، وعاش ومات وهو لايعرف العربية، بل ويحدث أبناءه بالفرنسية، بعدما نصبه الإنكليز مسيرا للثقافة في العراق وأمسى تباعا منظرا لجمال عبدالناصر في احجية(العروبة) المريبة.

ولايمكن تحاشي ذكر أن من قاد الأحزاب كانت شخصيات منحدرة من الأقليات مثل اليهود حينما أسسوا للشيوعية منذ 1922 بمعضادة السفارة البريطانية، وذلك بإعتراف زكي خيري القيادي الشيوعي المخضرم الذي عمل في بداية العشرينات مترجم بتلك السفارة. وذلك قبل مؤتمر الحزب التأسيسي الذي قاده "الرفيق" فهد(سلمان يوسف) وذلك عام 1934 وهو سرياني أي من الأقليات. أما البعثيين فقد جلبوا طاقم كامل من الأغراب العرب ومنهم ميشيل عفلق وشبلي العيسمي ومنيف الرزاز وغيرهم. علماً أن ميشيل عفلق ينحدر من أب قادم من يهود جنوب رومانيا (قرية تورنو ماكوريلا على الدانوب-وحري مراجعة كتاب مطيع النونو وعنوانه (إسلام عفلق) الصادر 1995).

 

د. علي ثويني

.............

1- السيد يعني من نسل الإمام الحسين بينما الشريف فهومن نسل الإمام الحسن أولاد الإمام عليه (ع)، لذا نجد ظاهرة الشريف أكثر تأطيرا في المغرب العربي من أثر نسل الأدارسة القادم من الأصل الحسني، حتى أنتقلت للأندلس وأخذها الأسبان معهم لأمريكا ولاسيما في المكسيك حينما كان (الشريف) يعني عمدة المنطقة أو المدينة وأخذها منهم الأمريكان الذين أحتلوا أراضي المكسيك، فكان الشريف هو رئيس الشرطة أو مسؤول الأمن بالمنطقة، المميز بالنجمة الخماسية التي يضعها على صدره في أفلام الويستيرن.

 

بقلم: فلاديمير ماليشيف

ترجمة :عادل حبه


 

بياندژ هو نهر في آسيا تكون من فرعي نهر پامير وفرخنداري، ويرتفع بمقدار 2817 عن سطح البحر، ويفص أراضي طاجيكستان عن أفغانستان على الساحل الشمالي. طول النهر 921 كم ويبلغ حوضه مساحة 114 ألف كيلومتر مربع.

2787 نهر پياندژ

كتبت صحيفة جمهوريت التركية أن الولايات المتحدة بدأت لعبة جديدة لزعزعة استقرار آسيا الوسطى: "فمنذ أن سيطرت طالبان على العاصمة الأفغانية في وقت قصير ، بدأت حقبة جديدة على الساحة الدولية. وتختلف الآراء حول كيفية استيلاء طالبان على السلطة. يعتقد بعض الخبراء إن الولايات المتحدة هُزمت على يد طالبان، بينما يعتقد آخرون أن الولايات المتحدة أطلقت لعبة جديدة لزعزعة استقرار المنطقة. ما يمكن قوله بالتأكيد في الوقت الحالي هو أن هذه الأحداث لن تؤثر فقط على أفغانستان وجيرانها، ولكن أيضًا على مصير الفضاء الأوراسي".

وحب ما جاء في  صحيفة "جمهوريت" التركية على ما بعد انسحاب الولايات المتحدة: "قد تعيق المنظمات الإرهابية التي تسيطر عليها وكالة المخابرات المركزية مشروع الحزام والطريق الصيني وتضعف أمن روسيا". وتذكر الصحيفة: "عندما حكمت طالبان أفغانستان في 1996-2001 وأسست الإمارة الإسلامية، اكتسبت الحركات الإسلامية قوة في المنطقة. وزاد نفوذها بشكل خاص في طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان المتاخمة لأفغانستان. ففي طاجيكستان، وبعد حصولها على الاستقلال في 1992-1997 ، اندلعت حرب أهلية ... فوي أوزبكستان ، وخاصة في منطقة فرغانة، وضعت المعارضة الإسلامية خططًا للإطاحة بالحكومة. وقد أحبطت هذه الخطط بجهود الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف. اما بالنسبة لروسيا ، فقد شكلت هذه الحركات لها أيضًا تهديداً خطيراً".

وتلقي صحيفة "أدفانس" الكرواتية الضوء على نفس الموضوع، وكتبت إن: "موسكو تعتبر جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق في آسيا الوسطى" جدارها الوقائي "ضد التهديدات لروسيا ومصالحها في أوراسيا. اليوم ، أضحت هذه الجمهوريات السوفيتية السابقة، موطناً لسكان غالبيتهم من المسلمين (وإن كان معظمهم من العلمانيين) ، وهي هادئة، لكن من غير المعروف إلى متى سيستمر هذا الهدوء إذا تعقد الوضع. صرح ممثلوا طالبان بأنهم يريدون السلام في أفغانستان و لن نسمح للبلاد بالتحول إلى ملاذ للإرهابيين ، وإلهامهم بعض الأمل، لكن يبقى السؤال: ما مدى قدرة طالبان على الوفاء بهذه الوعود وإلى أي مدى يلتزمون بهذه الوعود على الإطلاق؟ ".

وتذكر صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية قائلاً: "غالبًا ما ننسى أن روسيا قبل 20 عاماً دعمت بنشاط احتلال قوات الناتو لأفغانستان، ووفرت للولايات المتحدة المجال الجوي للاتحاد الروسي لمساعدة القوات الأمريكية في أفغانستان، وطلبت من الناتو عدم المغادرة حتى استقرار الوضع هناك. ولكن على خلفية التدهور العام في العلاقات بين موسكو وواشنطن في السنوات الأخيرة، بدأ الوجود الأمريكي المستمر يثير غضب موسكو" وييشير الأمريكان بصراحة إن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان قد يكون له عواقب سلبية على الصين أيضاً. وكتبت صحيفة وول ستريت جورنال أن "الصين ربما تبتهج بشكل مبكر، ولكن انتصار طالبان يمكن أن يوجه ضربة إلى بكين، وكذلك إلى موسكو ... فروسيا والصين أقرب بكثير إلى أفغانستان من الولايات المتحدة، وأول من يشعر بعواقب الانقلاب، بدءاً من تدفق اللاجئين، وزيادة الإرهاب وتهريب المخدرات ".

لقد صرح جو بايدن إن الولايات المتحدة لن تحاول بعد الآن "إعادة تشكيل دول أخرى" بالقوة العسكرية. ومع ذلك، هذا لا يعني أنهم لن يفعلوا ذلك بطرق أخرى أو بمساعدة طرف آخر. لا أحد يستطيع أن يتنبأ الآن كيف ستؤثر الإمارة الإسلامية، التي ظهرت في أفغانستان في آب2021 ، على الوضع في آسيا الوسطى. إن الانسحاب من أفغانستان هو عمل مخطط له، ولم تتخل الولايات المتحدة عن مطالبها بالهيمنة على أوراسيا.

قبل وقت قصير من رحيل الأمريكان، عقد مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز اجتماعا سريا في كابول مع الملا عبد الغني بارادار (أحد مؤسسي حركة طالبان ، رئيس وزراء أفغانستان منذ الثالث من أيلول)، وحسبما ذكرت صحيفة واشنطن بوست ، نقلا عن أمريكي لم تذكر اسمه. إن الاتفاق بين الطرفين غير معروف. ولسبب ما، تركت الولايات المتحدة معدات عسكرية وأسلحة بقيمة 85 مليار دولار في أفغانستان. والغريب أنه على الرغم من الانسحاب الأمريكي من أراضي أفغانستان، فإن محطتين إذاعيتين مرتبطتين بصوت أمريكا تواصلان العمل هناك وكأن شيئاً لم يحدث.

الحقيقة حول مغادرة الولايات المتحدة هي أنها لم تغادر، وتدل على ذلك تصريحات المسؤولين الأمريكان. مباشرة بعد إعلان بايدن سحب القوات ، قال وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن: "قرار الرئيس يمنحنا الفرصة لإعادة تخصيص الجهود لاحتواء المعارضين أو هزيمتهم إذا لزم الأمر".

 

 

عدنان ابوزيديُكتَبُ الكثيرُ عن الحاجة الى عدالة ومُثُل زعماء وقادة روحيين أجلاّء تاريخيين، لكن ذلك وحده لن يكفي، لأن استلهام سيرة وقِيم أولئك العظماء الخيّرين، يستوجب استيعاب أخلاقهم، والانقياد الى هديهم، والعمل على إنفاذ مبادئهم، لا الادّعاء، فاذا فعلنا ذلك، وجّهونا على رغم غيابهم، الى إحداث التغييرات التي نتوق الى التأسيس لها. 

ألمحُ أعدادا هائلة من الحِكم والمقولات، والوعظيات، في التواصل الاجتماعي، والميدان العملي، وهي ملهمِة للبعض في حدود التنظير والبهرجة الكلامية، والافتراض بالسير على هديها، لكن ذلك لا يتّصل بالتطبيق. 

تُصاغ العبارات البلاغية، ويُعتنى كثيرا بالاقتباسات وصياغات الخطب، ونصوص الوعظ، فيما تنحسر الإرادة الحقيقية و البراعة في تحويلها الى صناعة محسوسة.

يقول نابليون بونابرت انّ "الزعيم هو تاجر في الأمل"، في وصف صميمي، لأولئك الذين يغامرون في تحقيق الأحلام، ولا يتوقّف فعلهم عند الزعْم الذي هو سمة أصحاب الأصوات العالية، والطبول الصاخبة.  

نهضت سنغافورة على مدار 50 عاما من الصفر تقريبا، بفضل الدولة التي وجّهت سلوكيات المواطنين، لتكون صدى للقيم والشعارات المرفوعة. 

تقول الصحافية ساره كيتينغ، ان هواء السوق في سنغافورة كان ملوثا بروائح حساء النودلز، ولحم الخنزير المشوي وصلصة الساتاي، والقاذورات في المطاعم، رغم الشعارات الكثيرة على الحيطان عن النظافة، ولم يكن ذلك كافيا، حتى نجح المواطنون في تنفيذ الأخلاقيات والشعارات، كسلوكيات. 

بيل جيتس الذي يحتل قائمة أفضل 10 قادة أعمال في الولايات المتحدة، هو الرئيس الاستبدادي الذي لا يجامل في تحويل تعليمات العمل النظرية الى واقع، وممارسة، معتبرا انّ المثاليات التنظيرية الفردية تعطّل الابداع.

مارتن لوثر كينج، كان قائدا خادِما، ومعلما ينظّر، ومدربا يطبّق، وقد أسّس لأسلوب قيادة فريد، حوّل شعارات السود الى أنشطة يومية، غيّرت أوضاعهم في الولايات المتحدة.

ونستون تشرشل، الأسد الذي يزأر من أجل الإمبراطورية، كان يشجّع الإنكليز على الإنتاج، لا الانشغال بالطوباويات النظرية، والكتب. 

الأمم الحضارية عزّزت الفردانية القوية التي تنجذب الى الجماعية، وتحوّلت النموذجيات الأخلاقية، المتفرقة بحسب اختلاف الأشخاص الى قيم تشاركية تؤمن بها الأمة، ولم يتحقق ذلك الا بالسلطة القوية، التي تعالج المشاكل الوطنية بسرعة، منعا لليأس الذي إذا ما حلّ بأمة، دفنها في التأريخ.

في العصر الحديث، تنصهر الأخلاق الخاصة بالنسخة المثالية للأمة، التي ترسم قيم التعايش، وفي الكثير من الحالات فان المبادئ النظرية، الملتصقة بالشخص، هي ليست القيم ذاتها المتعلقة بالهوية الوطنية الواقعية، ما يشكّل معضلة اجتماعية لها نتائج كارثيًة على مستقبل الشعب، بسبب فقدان القدرة على تطويع الافراد في أفكارهم الفردانية مع المشروع التنفيذي الشمولي الذي تسعى اليه الشعوب.

الزعامات القوية التي قادت النجاحات في الأمم، هي تلك التي صنعت الأفراد الأقوياء القادرين على هضم الاعتبارات العقائدية الافتراضية، وتحويلها الى محصّلات واقعية، ومن دون ذلك تبقى العقائد والشعارات، مجرد تنظيرات، لا طائل من وراءها.

 

عدنان أبوزيد

 

 

علي الدباغتسعى دول جوار أفغانستان المتخاصمة مع الولايات المتحدة للتفاهم مع طالبان وبقوة بعد فشل الولايات المتحدة وخروجها المتسارع والمنهزم من كابل بدلاً من الخروج المشرف الذي كان مخططاً له، والسلوك الفظ للقوات المنسحبة في تدمير نظام الملاحة في المطار وتدمير كل المعدات الأمريكية الموجودة في المطار بذات الطريقة التي يتعامل معها المنسحب من جبهة الحرب في حرق ما يتبقى ورائه أفقد الأمريكان كل ما نسجوه من علاقات ودية واهية مع الشعب الأفغاني، وتركت شعورا بالمرارة عند الأفغان تحتاج الولايات المتحدة الكثير لتحسين صورتها.

تسعى الولايات المتحدة لعقد مؤتمر دولي من حلفائها للتلويح بالمساعدات والتي هي شعارات وبيان ختامي لمؤتمرات المانحين وكذبة كبرى لمسناها في العراق ودول أخرى، الهدف منها توحيد المواقف وتسليط الضغوط على طالبان لتلتزم باتفاقات الدوحة وعدم الجنوح نحو خصوم أمريكا وهي الصين وروسيا وإيران وإعطاء الحريات واحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة.

لم تترك الولايات المتحدة في الدول التي حاربت فيها أي أثر ومَعلَم غير رائحة الموت والدم وقد كان الرئيس الأمريكي يعكس بصراحة هذا الهدف عندما صرح بأنه ليس من واجب بلده بناء أفغانستان، ولو اختار البيت الأبيض ولو لمرة واحدة أن يصرف تكلفة سنة واحدة من وجوده في تلك الدول على مشاريع خدمية لكان وضع أمريكا وعلاقتها بالشعوب شيء مختلف، لكن هذا هو منطق صانع القرار الأمريكي الذي يرفض أن يفهم غير معايير القوة العمياء، وحتى الجيش الأفغاني الذي زودته أمريكا بكل الأسلحة المتقدمة مجانا لم يبق منه أي اثر مما أغرى طالبان بدخول كابل دون قتال بل ان ثلاثة مقاتلين من طالبان سيطرت على القصر الرئاسي وتم تسليم كل الأسلحة لهم في أكبر فشل لخطط أمريكا في نشر ما تسميه ديمقراطيتها.

يبدو أن طالبان استبقت المؤتمر الدولي وصرحت برغبتها في الانفتاح على الصين الجاهزة دائما لتقديم ما لم تستطع أمريكا تقديمه من بناء وتنمية وخدمات، حيث ان وفداً من الحركة كان بزيارة للصين في تموز الماضي لتطمينها بالرغبة في علاقة متميزة تعيد بناء ما دمرته الحرب التي استمرت 40 عاما.

الدور الإيراني الذي يتعاظم في أفغانستان عبر المجموعات المسلحة التي ترعاها والتي اكتسبت تدريبات وخبرات جيدة والتي لم تعد تقتصر على لواء فاطميون بل شملت الطاجيك وقياداتهم والخدمات التي تقدمها من محطات الطاقة والوقود والمنتجات الزراعية والصناعية، ايران التي تلعب لعبة التوازن التي نجحت في العراق عبر تحسين علاقتها بالحكومة بالتوازي مع مجموعات تؤهلها وتدربها وتسلحها، فبالإضافة لعلاقاتها التي نسجتها مع طالبان منذ هزيمتها في 2001 حيث أستضاف قاسم سليماني بعض قيادات طالبان بعد انكسارها في الهجوم الأمريكي في استثمار ذكي أعطى نتائجه في نسج علاقات متشابكة مع خطوط طالبان المختلفة، حيث تسبق ايران الولايات المتحدة دائما في حصد الثمار مقابل خيبات أمريكا في العراق وأفغانستان. هدف إيران دائما ليس جلب منفعة لمن تتعامل معهم بقدر ما هو دفع الخطر عن إيران عبر تشكيل مجموعات ولائية تتولى ما تراه إيران في ترتيب علاقاتها.

الجار الروسي يترقب المشهد ولن يدخل في حماقات التدخل المباشر، بل سيتم احتواء الأثر الاسلامي على المسلمين داخل الاتحاد الروسي.

بينما باكستان الحليف القوي لطالبان تسعى للنفوذ في صراع غير معلن مع تركيا للاستحواذ على التأثير فاقدة الأثر الغربي الذي لا يثق في سلوكها منذ بدأ التواجد الغربي في أفغانستان.

التحدي الداخلي يتمثل في إقناع الشعب الأفغاني بأن طالبان جديدة في فكرها وسلوكها وتعاملها مع الواقع ومنح الحريات الأساسية التي أقرها دين الإسلام التي تريد طالبان أن تحكم باسمه وهذا خيار مشروع إن قبلت به الأغلبية وأن تُشرك الآخرين كما إدّعت بأنها ستشكل حكومة شاملة، وتشكيل حكومة تصريف الأعمال من أعضاء طالبان بالكامل هي محاولة لجس النبض واختبار الداخل والخارج وقوى الضغط

 التي ستتعرض له وعلى ضوئه ستعيد تشكيل حكومة سيكون تمثيل الآخرين فيها شكليا، فالمنتصر حصريا هي طالبان بدون أن يشاركها أحد.

القبول الدولي والاعتراف بطالبان سيكون بمقايضة صعبة خصوصا مع الولايات المتحدة ودول أوروبا خصوصا وإن طالبان ومعظم قياداتها هم على لائحة الإرهاب ورفع الحظر عنهم سيكون له ثمن ستتوحد دول الغرب للمطالبة به.

ستمضي طالبان بمشروعها الاصولي دون أن تهتم بالمطالبات الدولية أو بوعود الغرب بالمساعدات التي لا تغني ولا تُسمن حيث لا تشكل أفغانستان أهمية جيو استراتيجية غير جوارها مع خصوم الولايات المتحدة وإن مضت طالبان في عدم مشاكسة جوارها لصالح الولايات المتحدة فلن تحظ بأي قبول أمريكي أو غربي وتبقى بوابه الصين خياراً مهما لطالبان ومشروع الحزام والطريق الصيني جاهز دائما، ويبدو ان طالبان ستمارس لعبة التوازن بين أمريكا وخصومها.

 

د. علي الدباغ

 

علي الدباغتشكيل حكومة شاملة في أفغانستان هو أحد بنود اتفاق الدوحة، فبالاضافة الى إنه يطمئن الفرقاء الذين سيشتركون بالحكومة مع طلبان فإنه يوفر فرص للاعبين الإقليميين للتأثير عبر هذه القنوات المتعددة والتي قد تكون ايران أكبر لاعب فيه نتيجة عمل طويل وصبور لنسج علاقات مع طالبان وخصومها أيضاً، فقد شكلت إيران ورعت لواء فصيل فاطميون من مكون الهزارة الشيعي وأضافت له مقاتلين من عرقيات أخرى من الطاجيك والأوزبك ولا توجد أعداد حقيقية لتعداده لكن التقديرات المتحفظة تقدره بخمسة آلاف مقاتل، شارك جزء منهم في القتال في سوريا من فصيل الهزارة الشيعي، يجمع لواء فاطميون العداء والخصومة لطالبان والدعم والتسليح الايراني وتم تشكيل هذا اللواء بذات الطريقة التي استخدمتها ايران في تشكيل ودعم المجموعات الولائية المسلحة في العراق.

اصبحت إيران أكبر لاعب في أفغانستان بعد سلسلة الفشل الأمريكي لمدة 20 عاما انتهت بانسحاب متسارع ومذل من كابل إستكملتها بتدمير نظام الملاحة في مطار كابل وكل ما يمكن تدميره بروح إنتقامية لا يمارسها إلا عصابات متخاصمة وأججت موجة غضب عارمة بين الأفغان وحرقت الكثير من قنوات التفاهم المستقبلي مع طالبان مما سيعطي فرص كبيرة لخصوم واشنطن في تقوية علاقاتها مع طالبان الجديدة.

سلوك طالبان وسيطرتها السريعة غير المتفق عليها باتفاقات الدوحة أثار مخاوف كبيرة عن مدى التزام طالبان بتعهداتها في إشراك الآخرين في الحكم وهجوم بعض فصائلها على منزل حامد كرزاي وعبد الله عبد الله أثار شكوكاً كبيرة على مصداقية تعهدات طالبان المفقودة أصلا نتيجة ممارساتها العنيفة.

تبقى مسألة خصومة طالبان مع داعش وتنظيمات القاعدة مقياسا لسلوك طالبان الجديدة وقدرتها على مواجهة تلك المجموعات إضافة الى خطط ترحيل جزء من مقاتلي أدلب السورية مع عوائلهم وتوطينهم في أفغانستان برعاية تركية ودولية وما تشكله تلك المجموعات من نزعات وايديولوجيات تطرف وقتل وتأثيرها في ترجيح كفة التطرف.

مواجهات وادي بانجشير لا تعطي رسائل إطمئنان للفرقاء الآخرين وتشي بأن طالبان لا تزال تفضل المواجهات الإستئصالية ولا تجنح للتفاهم مما يلقي بظلال قوية من الشك وإختبار حقيقي لطالبان بقبول معادلة حكم بمشاركة الآخرين كما أعلن عنها رئيس المكتب السياسي الملا برادر في إن المشاركة ستكون شكلية يمنحها المنتصر لتجميل الصورة وإضافة رتوش عليها وستخلق أزمة عدم استقرار وصراع على السلطة وتبتعد فيه أفغانستان عن معادلة حكم مقبولة تحتاج لاعتراف دولي.

 

د. علي الدباغ

كاظم الموسويكل فترة زمنية تمر في المنطقة العربية حالة من التوتر، يمكن التعبير عنها بما اصطلح بالصفيح الساخن. وهو ما يعنيه من اخطار شديدة، تدل عليها اشباح تتقافز في المنطقة العربية وما يحيط بها في الجغرافية السياسية. وقد تتحول الى حروب طاحنة، لا يعلم كيف تتطور ومتى تنتهي، ومن يكون وقودها،؟!. وهي في كل الأحوال تظل في حالة حافة الهاوية، وما يرعب فيها انواع الاسلحة التي يمكن أن تستخدم فيها.

وككل حالة تبدأ في مقدمات تجهز مسرح المنطقة، وقد يصحبها قرع طبول وتصريحات نارية، كما تطلق عليها في وسائل الإعلام. ومن بينها نقل معدات واعداد  من قواعد أمريكية عسكرية، كاملة أو جزئية، من قواعدها المنتشرة في دول الخليج العربي، ولاسيما التي كانت تحتل نصف مساحة قطر  جغرافيا، الى الاردن، وكذلك من أفغانستان، وتوقيع اتفاقيات عسكرية أمريكية مع الأردن بشروط الإحتلال الأمريكي أو أشد منه في التعامل الدولي، حيث لم يسمح للاردن في مجرد الاطلاع على التحركات والاعداد والخطط العسكرية الأمريكية. كما حصل مع تأسيس السفارة الأمريكية في العراق، وهذه الانتقالة العسكرية تتواصل مع إعادة انتشار أمريكية عسكرية في المنطقة، من الخليج حتى البحر المتوسط، بالعكس من الحديث عن عملية انسحاب من المنطقة كاملا. حيث تتحول القوات والقواعد العسكرية في الاردن الى خط دفاع اول عن الكيان الإسرائيلي، من جهة، وخط هجوم أو تهديد البلدان الأخرى في المنطقة، من جهة أخرى. وما يثير ذلك توسع الوجود الأمريكي في شمال شرقي سوريا، وتطوير القواعد العسكرية وتسمينها في العراق وسورية، وعلى حدودهما الجغرافية، الشرقية والغربية، رغم ما جرى الادعاء به في التوقيع على اتفاقية انسحاب من العراق، وتغيير عنوان الوجود العسكري فيه من قوات قتالية الى تدريبية واستشارية. وهو أمر يسخر منه الواقع والارقام التي لم تعلن رسميا، أو توزيع القوى باشكالها المختلفة، ولاسيما المتطورة عسكريا وقتاليا، والصواريخ المتطورة والطائرات وشبكات التجسس والاستطلاع على المنطقة العربية بالكامل، برا وجوا ومن البحار المحيطة بالمنطقة.

وفي فترات متفرقة حذرت جهات روسية رسمية، عسكرية أو مدنية، من اخطار ما تقوم به الإدارة الأمريكية من نشاطات وتهديدات في المنطقة، ولاسيما ما يحيط بالاوضاع الداخلية في سورية. ولم تكن هذه التنبيهات الرسمية للاعلام والاخبار فقط، فهي بالتأكيد مؤشرات عن ما يحصل أو يخطط عمليا، ويضع المنطقة في دائرة خطر ، خارجي أو داخلي. ولعل ما حصل في أفغانستان من انسحاب القوات العسكرية الأمريكية بهذه السرعة وتحولها الى المنطقة احتياطا، تشكل هي الأخرى صورة عن المخططات الأمريكية ومخاطرها المخططة على المنطقة.

ليست مفاجئات قرارات البنتاغون وإدارته عسكريا، ومثلها تصريحات المسؤولين الامريكان، وازدواجية المعايير والكذب والخداع في كل ممارساتهم وعلى مختلف الصعد والمجالات. والأوضح في ذلك تقرير وزارة الخارجية السنوي عن حقوق الإنسان وتناقضاته في الاتهام والتوجيه دون أي رقيب من عدالة أو قانون دولي. وكذلك مواقف الوزارة والوزير، من كل ما يحدث في المنطقة خصوصاً. دون نسيان أو إغفال والتذكير الدائم، بتصريح وزير الخارجية الأمريكي في جولته الاولى في المنطقة:" بأن الولايات المتحدة تدعم بالكامل حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد إطلاق الصواريخ العشوائي. بالنسبة لبايدن، يعتبر هذا الالتزام شخصيًا وكان أحد أقوى مؤيدي إسرائيل منذ 50 عامًا". وهذه هي الوقائع اليومية للسياسة الأمريكية واهدافها، التي تستند عليها في الهيمنة والتدمير لبلدان المنطقة وتمزيق كياناتها المجزأة منذ عقود لهذه الأهداف وما يستجد منها كل فترة.

ما يثبت ذلك ما تقوم به الإدارة الأمريكية وحلفاؤها الدوليون والمحليون على الحدود العربية، والداخل منها، والتي تزيد في التقسيم والتهديدات الخطيرة لوحدة الشعوب والبلدان العربية اساسا، وزراعة قواعد عسكرية ونقاط حدود زيادة عما هو متراكم عدديا ومنتشرة جغرافيا. مثلما يجري على الحدود اللبنانية السورية من تحركات اخرى، لبناء مهابط طائرات ونقاط حراسة ورصد ومواقع عسكرية، وتشرف عليها السفيرة الامريكية في لبنان بنفسها، بعد ان وفر لها متخادموها المحليون كل المستلزمات الضرورية من معلومات الى خرائط المنطقة، بعضهم استغل الامتيازات التي حصل عليها بغفلة من زمن عربي رديء. اضافة الى امكانيات التقنية الحديثة ووسائل الرصد والتصوير الالكترونية والفضائية. وجرى التصريح بالاتفاق مع قوات غير لبنانية، للمشاركة في المخطط. ومثله على الحدود الأردنية العراقية والسورية. وكذلك إرسال قوات بريطانية خاصة إلى وسط اليمن المحاصر، مثلما تتوزع على الحدود العراقية السورية والمناطق القريبة من الحدود الإيرانية من شمال العراق. وفي العراق اضافة الى القواعد العسكرية المنتشرة والسفارة الامريكية الاكبر، في العالم، بناية واعداد العاملين فيها. زاد حلف شمال الاطلسي، الناتو، عديد قواته في العراق الى اضعاف مضاعفة، بقرار ارسال 4000 عسكري مسلح الى 500 عسكري الموجودين سابقا، وباسم التدريب والتعاون ضد الارهاب!.

إضافة للقوات الأمريكية والبريطانية المعلنة تتحرك قوات عسكرية تركية مصحوبة بطيران وتصريحات رسمية وخطط عنصرية ومشاريع استيطان، في الشمال السوري والعراقي. ويتم قصف وبناء قواعد ونقاط سيطرة دون اتفاق او تفاهم، مستغلة عضويتها بالناتو والتنسيق معه ومع المخططات الصهيو امريكية في المنطقة كلها.. مع  الحديث عن وجود قوات اطلسية بادارة امريكية علنا.

وأصبحت الادارة الأمريكية، وبعض حلفائها، يبحثون عن ذرائع لهجمات إعلامية وتحشيد راي عام لاتهام حكومات عربية وإسلامية بقيامها باعتداءات أو مساع لحرب ضد الكيان الإسرائيلي أو القوات الأمريكية أو حلفائهم في المنطقة، كما حصل في ضرب سفينة تجارية يمتلكها اسرائيلي في بحر عمان، وتركيز الضغوط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومحاولات الانتقام منها في مواقع اخرى، منها لبنان وسوريا، وكذلك اليمن، وهو ما فعلته القوات الخاصة البريطانية التي احتلت مواقع لها على الأرض اليمنية.

هذه الاعمال والنشاطات العملية في المنطقة لا تحتاج كثيرا من التفكير لمعرفة النوايا العدوانية وخطط الحرب فيها مع تهديدات يومية من العدو الاسرائيلي بشن الحروب وتوقيع المعاهدات والاحلاف التطبيعية مع المتخادمين الاذلاء..

في الصورة الأوسع نرى أن دولا تحاصر الوطن العربي وتتحالف عليه وتعمل لزعزعة استقراره وأمنه القومي والاقتصادي، كما تفعل إثيوبيا في تفردها في بناء السدود ، وهناك من يساعد في هذا الشأن من عرب الجنسية أو حكام باعوا اسماءهم لاعدائهم.

على العموم أن المنطقة على صفيح ساخن، وأن السياسات الأمريكية فيها تعمل على كل الصعد لأهدافها، من التهديد بالحرب والعدوان، وصولا إلى الاحتلال المباشر أو الضمني كما فعلت وتفعل بنشر القواعد العسكرية أو بالحصار الاقتصادي وتجويع الشعوب والضغوط المتصاعدة لخنق الدول وتمزيقها. ولكن بالتأكيد ليس كل ما تعمل عليه الإدارة الأمريكية تنجح فيه أو تنتصر به على الإرادات الوطنية والشعبية ومقاومتها الصابرة بقوة التصدي والتحدي والصمود.

 

كاظم الموسوي

 

بكر السباتينالتطورات في أفغانستان مثيرة للاهتمام لاعتبارات إنسانية تتعلق بحقوق الإنسان المهدورة في تلك البلاد الوعرة وخاصة المرأة التي يجب أن ترتدي النقاب وأن تخضع لإملاءات الرجل فيما يتعلق بالتعليم والخروج للعمل، وفق رواية الاحتلال التي تركز على مساوئ الخصوم إعلامياً دون الاعتراف بجرائم قوى التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي عاثت فساداً في البلاد، ودكت مرتفعات تورابورا الوعرة وكهوفها المتوارية، بأم القنابل بذريعة اجتثاث الإرهاب وكأن العالم غافل عن أطماعها بثروات أفغانستان في باطن الأرض.. رغم كل ذلك تكبدت أمريكا الخسائر وخرجت مرغمة من أفغانستان دون أن تظفر ولو بعظمة.

إن الفوضى التي عمت البلاد مع مجيء الاحتلال شتاء 2001، فتحت المجال لتنامي كل الظواهر السلبية في المجتمع الأفغاني مثل الفقر والجريمة بأشكالها والفساد المستشري وتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات.. وضيقت على الشعب الأفغاني قائمة خياراته الاقتصادية لتنحصر في زراعة الخشخاش الذي يستخلص من زهرته البيضاء مادتي الأفيون والهوروين الأشد خطورة على شباب البلاد والعالم.

وفي النهاية خرج الاحتلال الأمريكي وحلفاؤه يجرون أذيالَ الخيبة بلا رجعة.

إلا أن اهتمام العالم الإسلامي بالشأن الأفغاني كانت له بواعثه أيضاً، ومرتبط بترسبات الخيبة والهزيمة في العقل الباطن وعبر التاريخ المعاصر الذي شهد فيه المسلمون تنكيلاً واضطهادًا قل نظيره؛ ليتحول كل نصر يحظى به المسلمون في أرجاء الأرض إلى مناسبة للاحتفاء بها، عسى من بين ركامِها يخرُجُ منقذٌ يعيدُ للأمة مجدَها التليد، فتسترد عافيتَها، ويزول عنها الظلم.

وقد أناط كثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في المجالس الخاصة مَهَمَّةَ إعادةِ الخلافة الإسلامية بطالبان! التي أعلنت من جهتها عن إقامة إمارة إسلامية في أفغانستان وقد دُمِغَتْ راياتُها البيض بعبارة "لا إله إلا الله ومحمد رسول الله".. لا بل وبعثت طالبان أمل التحرر من نير الاحتلال في الشعوب المغبونة مثل الشعب الفلسطيني.

وفي حسبة موضوعية لمجريات الأحداث في أفغانستان ستكتشف صعوبةَ الموقف الطالباني إزاء ما يكتنف خطواته من صعوبات بالغة، في ظل شعارات إسلامية تحتاج إلى تطبيق على أرض الواقع حتى لا تتحول إلى مجرد دعاية جوفاء فتتحول إلى وعود تجلب الحظ الجماهيري لكنها غير قابلة للتطبيق.. وهذا لن يكون سهلاً لأسباب سنأتي على ذكرها.

أي أن الخروج الأمريكي وضع حركة طالبان على محك الأزمة، فهل هي قادرة على تخطي كل ذلك ومن ثم التفرغ للبناء في ظل إمارة إسلامية تتسم بالتسامح!؟ ويتكالب عليها الأعداء!

دعونا نشرح ذلك من خلال ذكر أهم الصعوبات التي ستواجه حركة طالبان في مسيرتها الصعبة.. وهي على النحو التالي:

 

أولاً:- ظهور المعارضة الأفغانية التي يقودها أحمد شاه مسعود بدعم فرنسي من خلال المنسق الصهيوني المخابراتي برناند هنري ليفي وبالتحالف مع نائب "الرئيس الأفغاني الهارب"، أمر الله صالح، وقيام طالبان بمشاغلة الموقف سياسياً من خلال المفاوضات، في الوقت الذي تضغط فيه على المعارضة بمواجهتها عسكرياً ومحاولة تحرير بنشجير بأقل الخسائر.

والأخبار تتحدث عن تمكن طالبان من الاستيلاء على أربع مقاطعات جديدة وهي الآن تحاصر عاصمة ولاية بنشجير، "بازارك"؛ تأهباً لاقتحامها أو فرض أجندتها على المعارضة فيما لو اختارت العودة إلى المفاوضات غير المشروطة.

ثانياً:- المأزق الأمني الكبير والظهور المباغت لتنظيم داعش- خراسان، في المشهد الأفغاني، ومحاولات ذلك التنظيم في تحويل أفغانستان إلى حاضنة جديدة للحركات المتطرفة، ومنطقة صراع عرقي ما بين السنة والشيعة، ومناطق مفتوحة للنفوذ الاستخباراتي ؛ لمنع طالبان من تحويل أفغانستان إلى دولة مستقرة على حساب الاقتصاد الأفيوني الذي تعتمد عليه الحركات بكل توجهاتها بالتنسيق مع أباطرة المخدرات الموجودين في الدولة الأفغانية العميقة؛ ما قد يجفف منابع الدعم المالي لتلك الحركات. هذا لو استثنينا حركة طالبان في المستقبل القريب حينما تتمكن من الاستعاضة عن ذلك المصدر المالي المحرم على صعيد عالمي، بالاعتماد على مخصصات التنمية من ميزانية الدولة السنوية حينما تتولى طالبان قيادتها.

ولعل من أخطر الأجندات الاستخباراتية التي تتقاطع فيها المصالح مع تنظيم داعش- خراسان، أجندة الموساد الإسرائيلي، الذي يسعى من خلال امتطاء صهوتها إلى زيادة الأعباء الأمنية على طالبان، حتى يتهيأ لضرب الخاصرة الإيرانية، ومن ثم تأجيج حرب طائفية استنزافية تستهدف خصم الاحتلال الإسرائيلي اللدود، إيران وطالبان.

وهذه مَهَمَّةٌ يتبناها الموساد الإسرائيلي في كل الأزمات الإقليمية وخاصة سوريا. ولنا في قصة أبي حفص الليبي مثال يمكن القياس عليه.. هذا الشيخ الجليل الذي جّمَّعّ الليبيين من حوله، وتمكن من تنظيم جماعة إسلامية شديدة التطرف ومنبثقة عن تنظيم داعش.. وكانت هذه الجماعة تقتل الليبيين باسم الدين، وتُكَفِّر بدون حساب، وكأن مهمتها منحصرة على التنفير من الإسلام لرميه بتهمة الإرهاب؛ لكن سقطات أبي حفص الصغيرة أماطت اللثام عن وجهه القبيح ليتبين فيما بعد، بأنه عميل للموساد واسمه الحقيقي: بنيامين إفراي.. وهو أحد خريجي جامعة تل أبيب الإسلامية التي يديرها الموساد.. حيث نجح هذا الصرح الأكاديمي الاستخباري في غرس عناصر إسرائيلية مدربة ومن أصول يهودية عربية، بين قادة الحركات الإسلامية المتطرفة في كلٍّ من سوريا وليبيا والجزائر وأفغانستان ولبنان وسيناء.. وربما في غزة أيضاً.

ثالثاً:- الصراع بين المبادئ والمصالح في اقتصاد يخالف الشرع ويقوم على تجارة المخدرات وانتشار مزارع الخشخاش على طول الأرض وعرضها وبخاصة ولاية بنشجير.. وانتشار منتجات زهرة الخشخاش البيضاء من أفيون وهيروين في دول الجوار وصولاً إلى أوروبا.

ويتم تهريب المخدرات- وفق تقديرات الخبراء- عبر أسيا الوسطى وصولاً إلى روسيا.. ومباشرة إلى الصين والباكستان وإيران، وإلى أوروبا عبر طريق الأزورد القديمة (تركمستان - بحر قزوين- جورجيا- أذربيجان- تركيا- أوروبا). حتى تحولت الدولة الأفغانية العميقة إلى مافيا مُقَنَّعَةٍ تجمع بين كل الفئات والجماعات الأفغانية في سياق المصالح وإن تنافرت أيدلوجياً، وعلى رأس أولئك، حركة طالبان إلى جانب المعارضة وتنظيم الدولة الإسلامية داعش- خراسان، ومثيلاتها.

وتدرك حركة طالبان بأن المخدرات وضعتها في أزمة متفاقمة ذات بعدين: اقتصادي وأخلاقي، وذلك على النحو التالي:

1- البعد الاقتصادي ويتجلى في صعوبة إيجاد البديل عن اقتصاد الأفيون المحرم دولياً والمخالف لمبادئ الحركة القائمة على الدين الإسلامي الحنيف.

فكلما حاولت طالبان توفير البدائل عن زراعة الخشخاش، وجدت ممانعة شعبية وعراقيل غير مباشرة من داخل الدولة العميقة التي لم تسقط بانهيار النظام؛ لأن مافيا المخدرات هي جزءٌ من الدولة العميقة والمجتمع الذي دفعه الفقر المدقع إلى زراعة خشخاش الموت أو نبتة الشيطان، وأصبح العائد منها على الاستثمار من مقومات الاقتصاد الأفغاني ويصعب الاستغناء عنه في وقت وجيز.

ويدرك العالم ذلك، إلا أن بعض الدول الكبرى لا تثق بجدية طالبان في التعامل مع هذا المورد الضخم الذي ما فتئ يغذي نشاطات الحركة عبر تاريخها الطويل، فكيف ستتحول عنه في الوقت الراهن حينما أصبحت بأمس الحاجة إلى الدعم المالي!.

من هنا فإن بعض مسؤولي الأمم المتحدة والولايات المتحدة يشعرون بأن طالبان لن تعمل على ضرب زراعة الخشخاش، بل ربما تسعى لزيادة إنتاج الأفيون غير المشروع، وهو "نعمة" محتملة لطالبان.

وقدّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الاقتصادَ الأفيونيَّ غير المشروع الإجمالي للبلد في العام 2017 بما يصل إلى 6.6 مليار دولار.

وتؤكد الأمم المتحدة وواشنطن أن طالبان متورطة في جميع الجوانب، من زراعة الخشخاش واستخراج الأفيون والاتجار به، وصولاً إلى فرض "ضرائب" من المزارعين ومختبرات المخدرات، وفرض رسوم للمهربين على الشحنات المتجهة إلى إفريقيا وأوروبا وكندا وروسيا ودول أخرى.

وفي دراسة ميدانية أجراها الباحث مانسفيلد لصالح الولايات المتحدة، خلص فيها إلى أن ما تكسبه طالبان من المواد الأفيونية غير المشروعة هو نحو 40 مليون دولار سنويا، معظمها من الرسوم المفروضة على إنتاج الأفيون ومختبرات الهيروين وشحنات المخدرات.

ومنذ عام 2008 فصاعداً، جنت طالبان أكثر من نصف إيراداتها من المخدرات، وتنظيم الزراعة، وحماية المحاصيل، وتأمين طرق الإمداد الإجرامية إلى آسيا الوسطى. فهل تتخلى طالبان عن كل ذلك بسهولة ما لم يتوفر البديل!

وفي عام 2020 وفقا لآخر مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، كانت هناك زيادة بنسبة 37% في مساحة الأراضي المخصصة لزراعة الخشخاش. وهذا سيأخذنا إلى المأزق الأخلاقي الذي وُضِعَت فيه حركةُ طالبان؛ لتعارض مبادئِ الدين الحنيف مع مُخرجات الاقتصاد الأفيوني الذي يقوم عليه اقتصاد دولة مهزوزة أصبحت في عهدة طالبان.

2-  لا ريب أن اقتصاد الأفيون سيضع طالبان في أزمة فكرية أخلاقية حقيقية.. وفي تقديري أن حركة طالبان ستسعى إلى إيجاد البديل الاستثماري مرحلياً وسوف تلقى الدعم الخارجي لتحقيق ذلك لشدة خطورة المخدرات الأفغانية على دول العالم.

فتقرير الأمم المتحدة أعلاه لم يأخذ بعين الاعتبار أن تأسيس إمارة إسلامية يعني بأن المقاييس ستصبح شرعية وفق القرآن والسنة، وهذا النوع من الاقتصاد الأفيوني يخالف تعاليم الإسلام الحنيف؛ لارتباطه بقتل النفس التي حرّم الله، وكون المخدرات تساهم في تفشي ظاهرة الدعارة والمتاجرة بالرقيق الأبيض وتقتل روح العطاء لدى شريحة واسعة من الشباب!! وفي تقديري أن الأمر سيختلف حينما تتوفر لطالبان ميزانية حكومية تساعدها على وضع الخطط والتعامل مع أسباب الظاهرة تمهيداً لاجتثاثها وهذا ليس بالأمر الهيِّن. فالحركة لا تأخذ بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فالكرة في ملعبها وعليها أن تتخطا هذه العقبة الكأداء أو تنسجم معها فتصبح الإمارة الإسلامية في أفغانستان مجرد شكل دعائي دون جوهر.

رابعاً:- الصعوبة في كسب ثقة الشركاء المحتملين لأفغانستان،

ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، لا بد من توضيب البيت الأفغاني على أساس:

1- تحقيق الأمن وبناء أجهزة الأمن والجيش الأفغاني وتسليحه جيداً ورفده بالموارد البشرية المدربة.

2- بناء اقتصاد حقيقية يعتمد على استخراج المعادن واستثمارها وتحفيز الاستثمار في كافة القطاعات الصناعية والخدماتية. وذلك بالتوازي مع وضع الخطط التقنية التي تشارك بها الأجهزة الأمنية للتخلص من زراعة الخشخاش توطئة للتخلص من تجارة المخدرات وتبعاتها المحلية والإقليمية.. وذلك من خلال إعادة إحياء زراعة محاصيل بديلة مثل الفستق وجرف مزارع الخشخاش وتطهير البلاد من الفساد.

3-  البحث عن شراكة إقليمية ناجحة وخاصة مع الصين.. لاستخراج المعادن المتنوعة والثمينة في ظل اتفاقيات شراكة ناجحة.

وللعلم فإن باطن الأرض في أفغانستان يختزن النحاس والليثيوم والأتربة النادرة.. ونقلت وسائل إعلام صينية رسمية عن سهيل شاهين المتحدث باسم حركة طالبان الأفغانية قوله يوم الخميس الماضي إن بإمكان الصين المساهمة في جهود التنمية بأفغانستان في المستقبل.

والفرصة ستكون مهيأة لربط طريق الحرير بطريق الأزورد .

وكانت الحكومة الأفغانية السابقة قد أبرمت اتفاقاً لفتح طريق الأزورد مع الدول الواقعة عليه، ويضم إلى جانب أفغانستان كل من، تركمانستان وعبر بحر قزوين: جورجيا، أذربيجان، تركيا ثم أوروبا عبر البحر الأسود أو بلغاريا وربما اليونان.

في المحصلة فإن أفغانستان لو أحسنت التدبير سيكون بإمكانها الخروج بالبلاد إلى مشارف الأمان والازدهار فالمعطيات لذلك متوفرة في البشر وتحت الأرض وفوقها.. وخاصة أن العالم يحاول دعمها حتى لا تتحول أفغانستان إلى دولة فاشلة ومصدر للإرهاب الدولي والتطرف الإسلامي ومزرعة كبرى للخشخاش الذي جلب الموت لشباب العالم وفي وضح النهار.

ولكن! هل يكون بوسع طالبان أن تجمع بين الأخلاق الإسلامية والاقتصاد النظيف في إمارة تمثل روح الإسلام وتنسجم مع معطيات العصر والقبول بالآخر والابتعاد عن العصبية القبلية والمذهبية الدينية، في سياق محليّ لا يطمح إلى التمدد على حساب الآخرين! هل تشهد أفغانستان معجزة رواندية أسوة برواندا تلك البلاد الأفريقية التي دمرتها الحروب والمجاعات لتنهض بعد أن تخلصت من الفساد، وأصبحت سابع دولة في العالم من حيث التسارع التنموي.

هذا ممكن لو صدقت النوايا وأحسنت طالبان التدبير.

 

بقلم بكر السباتين

5 سبتمبر 2021

 

2782 أسد الله كشتمندبقلم السياسي الأفغاني أسد الله كشتمند*

ترجمة: عادل حبه


يتحدث الجميع تقريبا عن هزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان هذه الأيام ، لكن لا يوجد تعريف وتصنيف واحد لهذا الفشل. وعلى الرغم من أن الفشل يعتبر أحياناً عسكرياً بحتاً، ولكن برأيي أن هذا لا يكفي. إذ يجب تحديد الفشل في إطار تحقيق أهداف محددة. إذا إفترضنا أن الغرض من قدوم الولايات المتحدة إلى أفغانستان كان حقاً حرباً على الإرهاب، وسعت الولايات المتحدة إلى مواجهته بهذه الطريقة، فإن الوضع الحالي هو هزيمة. لكن لم تكن هناك حرب بالفعل يمكن أن نصفها بالنصر أو الهزيمة في ساحة المعركة. كيف يمكننا أن نقبل أن نفس الطرف الأمريكي الذي استطاع في عام 2001 في وقت قصير جداً إلحاق الهزيمة بطالبان، والذين كانت لديهم حكومة وأتباع وجهاز كبير ومستوى عالٍ من الروح القتالية ووحدة عمل، ولكن اليوم فشلت أمريكا في حربها ضد الطالبان الذين لم يمارسوا ضغوط حرب كبيرة على الأمريكيين؟ إن البحث في عدة عوامل هي بعيدة كل البعد عن وجهة النظر المار ذكرها، والتي بدونها لا يمكن أن يكتمل تصورنا للوضع الحالي. تكمن هذه العوامل في السياسة الخفية الأمريكية لتحويل أفغانستان إلى بؤرة صراع في وسط وجنوب غرب آسيا.

السؤال هنا يمكن أن يُطرح بحق على الوجه التالي، هل كانت حرب القوات الأمريكية ضد الإرهاب هي الهدف الرئيسي حقاً أم أنها كانت ضرب من الستار الذي تستخدمه الولايات المتحدة للتستر على أهداف أخرى؟ وإذا كان هدف الولايات المتحدة في الواقع هو محاربة هذا النوع من الإرهاب، فلماذا لم تبحث أولاً عن مصدره الرئيسي، كالمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج وغير الخليجية الممولة للإرهاب على سبيل المثال؟ وعندها يمكن أن نلاحظ أن ذريعة محاربة الإرهاب لا تنسجم مع احتلال أفغانستان. وعلاوة على ذلك، فليس من العبث القول إن مؤسس الإرهاب والإسلام المتطرف والأصولي هو الولايات المتحدة نفسها، وأن أفغانستان أضحت مسرحاً لتنفيذه على نطاق واسع منذ أواخر السبعينيات. وإذا ما قمنا بتقييم دقيق للوجود العسكري للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لمدة 20 عاماً في أفغانستان ، فسوف نستنتج أنه باستثناء فترة الإطاحة بطالبان في عام 2001، لم تكن هناك حرب حقيقية بين طالبان والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. ولم نر مؤشرات هزيمة الولايات المتحدة على يد طالبان. إن خطة هزيمة الجيش الأمريكي على يد طالبان هي مجرد خديعة تستخدم لتبرير 20 عاماً من العمليات الأمريكية في أفغانستان.

 في الواقع، لم تكن طالبان أبداً قادرة على مواجهة وإلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة. فعلى مر السنين، لجأت طالبان إلى حد كبير إلى عمليات التخريب والتفجيرات بعيداً عن القواعد الرئيسية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. ويعتقد الكثيرون في أفغانستان اليوم أن رغبة الولايات المتحدة في تحويل طالبان إلى بديل لحكومتها الديكتاتورية في كابول أدت بطالبان إلى احتلال كل أفغانستان بسهولة ويسر. يعتقد الكثيرون أنه بعد كل هذا لا يمكننا الحديث عن هزيمة الولايات المتحدة، ولكن عن تغيير في سياسة الولايات المتحدة في أفغانستان. بالنسبة للعديد من الناس حول العالم، وخاصة الشعب الأفغاني، فإن أطروحة الولايات المتحدة حول مكافحة الإرهاب في أفغانستان غير مقبولة، وفي الواقع، لم يكن هدف الولايات المتحدة في أفغانستان هو محاربة الإرهاب. على العكس من ذلك، كانت نتيجة عشرين عاماً من الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان تقوية غير مسبوقة للإرهاب والأصولية وتحول طالبان من حركة غير منظمة إلى حكومة حقيقية.

نتيجة لذلك، نرى أن هناك غموضاً في تحديد الغرض من الحرب في أفغانستان. فكيف يمكن عندئذ تقييم الهزيمة في مثل هذه الحالة؟ إذا ما شككنا في أطروحة الولايات المتحدة في أفغانستان، فعلينا أن نقدم بديلاً يقوم على أساس منطقي. في هذا الصدد، غالباً ما يتم الإعتقاد أن الموقف الاستراتيجي لأفغانستان هو الذي أدى إلى توجه أكثر من 150 ألف جندي أمريكي إلى أفغانستان، التي تتمتع ببيئة طبيعية صعبة، وأن 11 أيلول ومكافحة الإرهاب لم تكن أكثر من ذريعة. فالهدف الأساسي للاحتلال الأمريكي لأفغانستان هو تحويلها إلى مركز لتصدير الأصولية الإسلامية وخلق توترات في المنطقة وإضعاف خصوم الولايات المتحدة التقليديين، أي إيران وروسيا والصين. من حيث المبدأ، ينبغي ألا تشعر الولايات المتحدة بعدم  الرضى عن وجودها لمدة 20 عاماً في أفغانستان، لأنها حققت بالكامل ما يمكن اعتباره هدفها الرئيسي.

ونظراً لموقع أفغانستان الاستراتيجي بين إيران وباكستان والصين ودول آسيا الوسطى، وقربها من روسيا، فإن الولايات المتحدة كانت في أمس الحاجة إلى تحويلها إلى بؤرة متفجرة جاهزة لزعزعة استقرار المنطقة، وباحتلالها وإعدادها لطرف متطرف، متعصب، أصولي، عنيف، سلطوي، متشدد، وبعيد عن قواعد العالم المتحضر اليوم مثل طالبان، يتم تحويل أفغانستان الى مركز لا يمكن إنكاره لمثل هذه الظاهرة. وعلى طريق التمهيد لذلك ، زرعت الولايات المتحدة بذور التشنج الذي احتاجته لاحتواء العديد من التيارات في المنطقة، وفي المستقبل ستغرق منطقتنا في اضطراب كبير. في هذه الحالة، ستكون دول المنطقة أكثر اهتماماً بتدعيم وضعها بشكل أكثر من اهتمامها بمواجهة الولايات المتحدة.

ربما يمكن تلخيص سياسة الولايات المتحدة تجاه أفغانستان على أنها تمهيد الطريق لإثارة الاضطرابات في آسيا الوسطى ضد روسيا والصين، واستخدام الأصولية الإسلامية كأداة سياسية في جميع أنحاء منطقة جنوب غرب آسيا وآسيا الوسطى، وإنشاء قاعدة عملياتية لمثل هذا الغرض.

وعلاوة على ذلك، فإنه نتيجة لسياسات الولايات المتحدة أثناء احتلال أفغانستان، يمكننا الحديث عن زرع بذور النظام الرأسمالي النيوليبرالي، والتدمير العملي والنظري لآمال الناس في مسار آخر غير مسار هذه الرأسمالية الجامحة. لقد تم تدمير آخر بقايا البنية التحتية الاقتصادية المختلطة التي تشكلت في أفغانستان على مر السنين، والتي إزدهرت وتطورت في ظل الحكومة التي قادها حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني لأكثر من اثني عشر عاماً. لقد أدى هذا النهج المدمر إلى تغيير التركيب الطبقي للمجتمع الأفغاني، حيث تبلورت طبقة ثرية للغاية، من الدلالين والمقاولين، وأضحت في مركز النظام الحالي، وتحولت إلى عقبة رئيسية أمام التغيير الديمقراطي. لقد تعمقت الفجوة الطبقية بشكل كبير، بحيث أصبح اليوم أكثر من 60٪ من شعبنا تحت خط الفقر. وبدت بوادر إنهيارالمجتمع الأفغاني. وبناءً على تنفيذ السياسات الأمريكية، تم اتخاذ تدابير واسعة النطاق لتغيير عقلية مجتمعنا وفرض النموذج والقواعد وممارسات الركض وراء الربح في نظام خال من العاطفة للمجتمع الرأسمالي، بحيث تحول جزء من شعبنا من بشر عاديين إلى ذئاب بشرية. لقد بلغت صعوبات هذه المرحلة إلى حد أن تلاشت روح مساعدة الفقراء والمحتاجين، التي كان لهم مكانة سامية في تقاليد وعادات مجتمعنا، وحلت محلها تقاليد النهش والافتراس المؤلم واللامبالاة. هذه الأجواء التي تبلورت خلال السنوات العشرين أدت إلى تغيير في الوعي الإجتماعي حطم الأمال في إرساء قواعد أي قدر من العدالة الاجتماعية.

إن إلقاء نظرة على تاريخ أفغانستان على مدار العشرين عاماً الماضية، إلى جانب الدول الإسلامية الأخرى، يشير إلى أن الولايات المتحدة ليس لديها مشكلة أخلاقية مع التيارات المتطرفة مثل طالبان، وليس لديها مشكلة مع فكرها وممارستها ضد المرأة والأقوام والمجاميع الأثنية التي تتباين مع أصولهم، ومعارضتها لنمط الحياة والثقافة الحديثة، فهذه الأمور وضعتها الولايات المتحدة على الرف، مادام إنها لا تصطدم بمصالحها. وطالبان فئة من نفس هذه الطينة، ومن السهل على الولايات المتحدة التوصل إلى إتفاق معها. فالأمريكان أنفسهم هم من صنع هذه الشراذم.

لا شك في أن الولايات المتحدة قد فشلت في أفغانستان. لكن هذا الفشل من نوع مختلف، وليس هو ما يجري طرحه على العالم كل يوم. لقد عانت الولايات المتحدة من هزيمة معنوية في أفغانستان. هذا الفشل الأخلاقي لا يقتصر على القتل الوحشي لشعبنا. فهزيمة الولايات المتحدة تكمن أيضاً في حقيقة أنها لم تستطع إثبات أنها أتت بالفعل إلى أفغانستان لمحاربة الإرهاب. فشل الولايات المتحدة تكمن في عدم قدرتها على إقناع الرأي العام العالمي بصحة سياساتها تجاه أفغانستان. كما يعني فشل الولايات المتحدة أن سياستها أحاطها الإبهام في جميع مراحل وجودها في أفغانستان. وهناك غموض ليس فقط في سياسة الولايات المتحدة، ولكن أيضاً في سلوكها العملي. على سبيل المثال، الغموض في التعرف على من هو صديق أمريكا وعدوها، والغموض في عمل الولايات المتحدة على نطاق أوسع مثل إضفاء الطابع المؤسسي على الديمقراطية وحرية التعبير، وما إلى ذلك.

 في هذا الصدد، هناك بالفعل قدراً كبيراً من الغموض حول مصير القواعد العسكرية الأمريكية في أفغانستان. وينص اتفاق الدوحة، الموقع في شباط عام 2020 بين طالبان والمبعوث الأمريكي زلماي خليل زاد، على أن الولايات المتحدة ستغلق خمسة من قواعدها التسع في أفغانستان. بادئ ذي بدء، هناك قدر كبير من الغموض في عدد القواعد العسكرية. فلا أحد يعرف عدد القواعد العسكرية التي بنتها الولايات المتحدة في أفغانستان وعدد هذه القواعد المحفوظة الآن وأين توجد. كما أن مصير الاتفاقية الأمنية الموقعة بين أفغانستان والولايات المتحدة، والتي تفتح على أي حال الباب للتدخل الأمريكي في أفغانستان، موضع شك كبير ولم يتم التطرق إليها بشكل متعمد في محادثات الدوحة.

نتيجة لذلك، أدت السياسات الغامضة والسرية للولايات المتحدة في أفغانستان إلى أن يمر الشعب الأفغاني بفترة من التكهنات المؤلمة ولحظات انتظار صعبة للغاية. اليوم ، يجد شعب أفغانستان نفسه على حافة الجحيم. هل ستكون طالبان اليوم على غرار طالبان الأمس، أم أنها تغيرت كما تغير العالم؟ أحداث الأيام القادمة ستعطي الإجابة اللازمة على هذا السؤال. ولكن يمكن القول على وجه اليقين أنه، بالإستناد إلى معايير علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ، لا يمكن أن تكون القدرة على التغيير في موقف باحث ميداني أو طالب مرحلة قوياً جداً. في هذه الأيام، بسبب الأوامر الصادرة إلى طالبان، يتم تصويرهم على أنهم أناس صبورين وذي سلوك غير قبيح، لكن المعاملة العنيفة لطالبان تشق ريقها تدريجياً بمرور الوقت. ويمكن أن نستنتج أن أياماً صعبة للغاية في إنتظار شعبنا. فكيف سيكون رد فعل الأمريكان على هذا الوضع، وهم الذين كان لهم حتى الآن تأثير كبير على مجريات الأحداث في أفغانستان، وربما لفترة أخرى مديدة ؟ هل سيسمحون بفتح أبواب الجحيم أمام الشعب الأفغاني؟ أم أنهم سيدعون طالبان إلى قدر من ضبط النفس، حليفهم الجديد على أي حال؟ ستظهر الحياة في الأيام والأشهر القادمة الحقيقة.

 

........................

* أسد الله كشتمند من ولادة كابل عام 1949، حصل على شهادة الماجستير في الزراعة من أحدى الجامعات الفرنسية. عضو سابق في اللجنة المركزية لحزب الشعب الديمقراطي الأفغاني، ومعاون الدائرة الأممية للحزب، ثم تولى منصب سفير أفغانستان في المجر وإيران وإثيوبيا.وهو الآن مستقر في لندن-المملكة المتحدة(م).

 

 

 

الانتخابات في اي بلد، تكون في العموم مثيرة، ولكن في الدول المتحضرة عادة ما تكون بحكم آليات الدستور الاساسي للدولة ورعاية القضاء ومباديء قانون النظام الانتخابي، إجراءا روتينيا يجري بطريقة سلسة، شفافة وسلمية، لا خلاف ولا جدل فيه. في بلد تعمه الفوضى، كالعراق، حيث أصبح القتل السياسي والافلات من العقاب وانحطاط الوجدان والضمير بالشكل الذي يفوق التطرف اللفظي لحقيقة ما يجري في دهاليز السياسة أمرا شائعا. فبدل ان يكون مشروع الانتخابات هدفا متحضرا غايته بناء الدولة والمجتمع، اصبح وسيلة لتأمين مصالح طبقة احزاب السلطة وشركائها المافيويين، التي تتحكم بالدولة ومؤسساتها بقوة السلاح المنفلت واشاعة العنف والتهديد وممارسة الخطف واثارة الرعب في الشوارع.   

ان محاولات التخلي عمدا، عن اصلاح النظام الانتخابي بكل مفاصله القانونية والادارية واللوجيستية منذ اول انتخابات برلمانية، كان هدفه أشاعة الفوضى والصراعات الشعبوية لتتمكن الاحزاب الماسكة بالسلطة بكل مفاصلها الإدارية أو القضائية، من التحكم بكل حيثيات الانتخابات ان جرت، لافشالها والاخذ بها بعيدا عن النزاهة والشفافية لتحقيق مصالحها والهيمنة على الدولة، بواسطة الميليشيات الولائية المسلحة التابعة لها والتي يصعب السيطرة عليها وكسح تلك الطبقة التي، تتحكم بمصير الناس ومستقبلهم منذ ثمانية عشر عاما بالمكانس.!      

لكن مفهوم المقاطعة - بالنظر الى اتساع المناورات السياسية والدوافع السابقة ـ كان رأيا حكيما له ما يبرره بالملموس، واسباب معارضته من بين اغلبية المجتمع العراقي اصبحت محدودة. وهكذا، فإن تحالف القوى والكتل "الشيعية والسنية والكردية" القديمة المستفيدة من الاوضاع المتشابكة واصرارها مع الاحزاب الجديدة التي انشأتها وعناصر الميليشيات الخارجة عن القانون على اجراء الانتخابات بأي ثمن كما ورد ذلك على لسان رئيس الوزراء السابق "المالكي" مؤخرا، يهدف إلى استعادة احتكار الدولة والسلطة معا وترك سيناريوهات التجاوزات والعنف التي سممت المناخ السياسي والمجتمعي سائدة. وتعتبر الطغمة الفاسدة التي برزت للواجهة بعد 2003، تحالفاتها امرا ضروريا لمنع النخب المنظمة التي تمتلك النزاهة والخبرة السياسية والكفاءة في الاقتصاد والصناعة والإدارة والثقافة والعلوم، وايضا في المجال الامني والعسكري من الوصول الى دفة الحكم لتحقيق العدالة المجتمعية ونزع السلطة من يد الاحزاب الفاسدة ومحاسبتها.

وبغض النظر عن اختلاف الرؤى الأساسية من الانتخابات، من ناحية صياغة مفهوم الدولة ومدى استعدادها للمعركة الانتخابية والتحضير لها وفقا للارادة السياسية للشعب ومبدأ "تكافؤ الفرص المتدرج" واحكام "قانون الأحزاب"، المفقودة كلها اساسا. وليس من منظور الانتخابات كأمر في حد ذاته حسب تفسير اصحاب السلطة، فاغلبية المجتمع العراقي حدد موقفه بوضوح نظرا للوقائع التي افرزتها الاحداث الامنية والقانونية والادارية، ورافقها الخوف والاضطراب الاجتماعي في أعقاب "ثورة الشباب" منذ تشرين 2019 ولغاية اليوم. والاخطر شراء ذمم واجهات سياسية وإعلامية وطائفية لاثارة الفتن والشكوك واتهام المعارضين بالخيانة، وهي أعمال مدمرة منافية للاعراف والقيم المدنية، لتضييق الخناق على الاطياف السياسية المعارضة ومحاصرة مساعيها لاستحداث نهضة وطنية تضمن الحقوق الشخصية والسياسية لجميع افراد المجتمع العراقي، وترسم سياسة التحول الميداني لاصلاح المؤسسة التشريعية "البرلمان" وإعادة النظر في القوانين والتشريعات، التي لا تتماشى مع مصالح البلد العامة داخل الدولة ومؤسساتها. وتحديث المنظومة السياسية والدستورية والقانونية والقضائية لنظام الحكم، بالشكل الذي ينسجم مع المباديء الأساسية التي يترتب عليها التوازن بين ما هو مجتمعي وما هو اقتصادي، لحفظ مصالح الأمة وكرامة الانسان ومستقبله.  

 

 عصام الياسري

 

قاسم حسين صالح شياطين الخضراء

نحدد مفاهيمنا أولا بأننا نقصد بالسياسيين الفاسدين هنا، الحكّام الذين تولوا السلطة في العراق بعد عام 2003، وقادة الاحزاب والكتل التي لها دور فاعل في العملية السياسية. ونقصد بالفساد السياسي ما حددته قواميسه بأنه إساءة استخدام السلطة العامة من قبل النخب الحاكمة لأهداف غير مشروعة كالرشوة، الابتزاز، المحسوبية، والاختلاس فيما نعني بالفساد.. حصول الفرد على مال بطرائق غير مشروعة يحاسب عليها القانون.

ان المتابع المحايد وصل الى قناعة بأن أقبح السياسيين الفاسدين، بعد 2003، هم قادة أحزاب الأسلام السياسي والكتل السياسية التي تعلن انها تعتمد الأسلام منهجا.. ذلك لأنهم منافقون، والإسلام هو أكثر الأديان تنبيها الى الابتعاد عن النفاق والتحذير منه، إذ خصه بسورة كاملة في القرآن الكريم بعنوان (المنافقون) وبآية صريحة بسورة البقرة:” ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام”. وفي هذا وصف النبي محمد المنافق بأنه:” من خالفت سريرته علانيته”، وحدد صفاته بثلاث:” آية المنافق ثلاث، اذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان.. «.

لسنا بحاجة لذكر اسماء من تنطبق عليهم هذه الصفات، فالغالبية المطلقة من الحكّام والوزراء والبرلمانيين بمختلف عنوانيهم وانتماءاتهم هم فاسدون، لكننا نخص هنا اكثر حكّام احزاب الأسلام السياسي الشيعي.. الذين ما زالوا يمارسونها حتى بعد ان خرجت عليهم جماهيرهم التي انتخبتهم.. واحرقت مقرات احزابهم عقابا على كذبهم، واخلافهم ما وعدوا به، وخيانتهم الأمانة.. باعلان صريح من أمين حزب الدعوة الذي تولى الحكم ثمان سنوات بقوله (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها).. وما كشفها خوفا من خصومه ان يكشفوا فاسدي حزبه.. فكانت في تعاليم الآسلام وسيرة الخلفاء الراشدين.. خيانة ذمّة صريحة..

زد على ذلك ان شخصية الحاكم السياسي الفاسد تتصف بالصلافة، فمع انهم ارتكبوا جرائم فساد ما حصل لها مثيل في التاريخ، وافقروا الناس وأذلّوها فيما هم يعيشون برفاهية سلاطين كانوا قبلها يبيعون (الخردوات) ويعيشون على (الصدقات)، فان واحدا منهم فقط خرج معتذرا للناس واصفا ما حصل بانه (تقصير) مع ان ما ارتكبوه يعدّ جرائم كبرى.واكثر صلافاتهم صلافة اعتراف امين عام حزب الدعوة في مقابلة تلفزيونية بانهم (فشلوا كطبقة سياسيبة).. وحين سأله المذيع:بمن فيهم أنت؟.. أجابه:(بمن فيهم أنا).. ومع ذلك فأنه نشط جدا هذه الأيام موعزا اتباعه بالترويج له ليكون رئيس وزراء العراق القادم.

وللتذكيرفأننا نورد هنا بالأرقام ميزانيات العراق في زمن الذين سيرشحون للأنتخابات المبكرة:

بلغت ميزانية العراق عام 2003 بحدود 14 مليار دولار، ارتفعت عام 2004 إلى 18 مليار دولار، لتبلغ في 2005 بحدود 26 مليار دولار، ارتفعت في 2006 الى 34 مليار دولار، لتقفز في 2007 الى 42 مليار دولار، لتصل 70 مليار دولار في 2008، و74 مليار دولار في 2009، و84 مليار دولار في 2011، و101 مليار دولار في 2012، و120 مليار دولار في 2013، لتقفز في 2014 الى 150 مليار دولار.

والتساؤل هنا جاء على لسان المرجعية بصوت الشيخ احمد الصافي بخطبة جمعة (9 /8/ 2019) بقوله: (ارقام مرعبة من الأموال.. أين ذهبت؟ هل من مجيب؟!).. ولم يجبه احد، أين ذهبت تلك الأموال الضخمة، والوطن بلا بنى تحتية، و13 مليون عراقي تحت خط الفقر باعتراف وزارة التخطيط.؟

صار يقينا لدينا الآن بأن قادة احزاب السلطة هم قوم يتصفون بالوقاحة والصلافة والنفاق والفساد وخيانة الذمة.. وانهم يدركون ان الفرصة لو اتيحت للشعب (لسحلوهم باشوارع) على قول احدهم.. وان من يمتلك هذه الصفات يعرف كيف سيوظفها في الانتخابات.. ولن تنفع مع شياطين الخضراء أمم متحدة او رقابات.. فالتاريخ قد وثق ما فات، وسيوثق في تشرين ما هو آت!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

عن صحيفة الفيغارو الفرنسية


رغم النوايا الإيجابية التي أبداها الرئيس الفرنسي تجاه العراق لكن واقع الحال يشير إلى عكس ذلك. فوزارة الخارجية الفرنسية ماتزال تضع العراق في موقعها على لائحة الدول الخطرة والمحظورة على الشركات الفرنسية ما يمنعها من القدوم والاستثمار خاصة مع رفض شركات التأمين الفرنسية والعالمية الكبرى تغطية مخاطر الاستثمار الدولي في العراق. إلى جانب عدم وجود خط جوي مباشر بين باريس وبغداد مما لايشجع رجال الأعمال للمجيء إلى العراق لأنهم يخسرون الكثير من الوقت والمال للسفر عبر خطوط أخرى كالقطرية والإماراتية والأردنية والتركية الخ.. والبقاء لساعات طويلة في مطاراتها أثناء الترانزيت. أما من جانب العراق فالمعوقات أكبر وأكثر جدية. فلايوجد لدى العراق قانون استثمار جاذب يحمي المستثمرين من تهديدات وابتزازات وفساد الكتل السياسية وقواها المسلحة المسيطرة على المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في العراق إزاء ضعف الحكومة العراقية، مع غياب الأمن و تهالك البنى التحتية وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة والطقس الحار والروتين والرشوة وتفاقم سلطة العشائر التي تفرض على الشركات المستثمرة توظيف أبنائها رغم عدم امتلاكهم للكفاءات المطلوبة. والعائق الأهم هو غياب السيادة العراقية المستقلة وغياب صانع القرار الحقيقي المستقل عن التدخلات والضغوطات الإقليمة والداخلية والدولية. فإيران هي اللاعب الأول في الساحة العراقية سياسياً واقتصادياً، وهناك حضور وتنافس إقليمي تركي سعودي قوي وتنافس دولي روسي وصيني له تأثيره القوي من خلال شبكة العلاقات مع الفصائل المسلحة والميليشيات التي تحتكر عبر مكاتبها الاقتصادية مجمل النشاط الاستثماري. فهل يعرف الرئيس الفرنسي هذا الواقع العراقي المعقد؟ ففي العراق، يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يكون وسيطًا إقليميًا من خلال إبقاء القوات الفرنسية في البلاد. ماذا يمكن أن تكون عواقب مثل هذه الإرادة لتركيا؟ كتب أوزنور كوتشكر سيرين (مراجعة صحفية بهذا الخصوص: حسب قناة تي آر تي التركية الناطقة بالفرنسية بتاريخ 21/9/2 وقال في مراجعته: قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برحلة رسمية إلى العراق، من الجمعة 27 أغسطس إلى الأحد 29 أغسطس، حيث شارك في مؤتمر إقليمي مع قوى الشرق الأوسط خاصة الدول المحيطة بالعراق. وكانت موضوعات مختلفة مثل مكافحة الإرهاب والوضع في أفغانستان والتنمية الاقتصادية في المنطقة والتوترات مع إيران على جدول الأعمال. خلال زيارته لبغداد، أدلى رئيس الدولة الفرنسية بتصريحات مهمة: "مهما كانت الخيارات الأمريكية، سنحافظ على وجودنا لمحاربة الإرهاب في العراق طالما استمرت الجماعات الإرهابية في العمل وطالما ستطلب منا الحكومة العراقية البقاء. من أجل هذا الدعم "، أعلن، مضيفاً أن لديهم" القدرات العملياتية لضمان هذا الوجود مهما كانت الخيارات الأمريكية ". بعد بغداد، سافر إيمانويل ماكرون أيضًا إلى شمال العراق لتأمين الدعم الفرنسي. كان إيمانويل ماكرون الزعيم الغربي الوحيد الذي حضر المؤتمر. بالإضافة إلى ذلك، فإن دولًا أخرى مثل تركيا وإيران كانت ممثلة فقط بوزراء خارجيتها. يمكن أن نستنتج من هذا الأهمية التي يوليها ماكرون للعلاقات بين فرنسا والعراق. لكن من أين يأتي اهتمام باريس ببغداد؟ "هناك رغبة فرنسية واضحة في إعادة الانخراط دبلوماسياً واقتصادياً في العراق" كما يشرح الصحفي في صحيفة "لوفيجارو"، جورج مالبرونو، تأتي أهمية هذه الزيارة على أنها "رغبة فرنسية في إعادة الانخراط دبلوماسياً واقتصادياً في العراق" كما جاء في مقالته بعنوان "إيمانويل ماكرون يعيد إشراك فرنسا في العراق". وذكر أن زيارة الرئيس الفرنسي للعراق تمثل تتويجا لتقارب بطيء بين باريس وبغداد رغم أننا ما زلنا "بعيدين جدا عن ذروة التعاون الفرنسي العراقي في الثمانينيات". في مقالها بعنوان "في العراق، حيث يقدم ماكرون نفسه على أنه" وسيط "و" بديل ""، تقدم لو كوريه إنترناشيونال خطًا آخر للفكرة فيما يتعلق بالدور الذي يريد ماكرون القيام به في العراق: "تحاول فرنسا كما قال مراقب سياسي في موقع العالم الجديد العراقي: "أن تتخذ موطئ قدم في الشرق الأوسط من العراق بعد أن فشلت في ذلك في لبنان". ووفقًا لهذا الأخير، فإن باريس "تريد إرسال الرسالة وإظهار أن فرنسا - وعلى نطاق أوسع الاتحاد الأوروبي - يمكن أن تكون بديلاً عن الولايات المتحدة". ومن المهم أيضًا التأكيد على التحديات "الاقتصادية" الرئيسية التي يواجهها التعاون الاستراتيجي الفرنسي العراقي. وكانت وزارة النفط العراقية قد أعلنت في آذار / مارس أن العراق وقع مذكرة تفاهم مع مجموعة النفط الفرنسية توتال تغطي أربعة مشاريع في مجال الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية وإعادة معالجة المياه، وأن استثمارات مجموعة توتال ستبلغ “عدة مليارات من الدولارات ". مجال جديد للمنافسة مع تركيا بعد سوريا وليبيا وشرق البحر المتوسط ​​وجنوب القوقاز، قد يصبح العراق نقطة احتكاك جديدة بين تركيا وفرنسا. لا يأخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاعتبار حرب تركيا ضد جماعة حزب العمال الكردستاني / وحدات حماية الشعب الإرهابية. تواصل تركيا عملية عسكرية ضد المواقع التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني في شمال البلاد. قبل أسبوع فقط، تم تدمير 28 هدفا إرهابيا بغارات جوية في منطقة أسوس شمال العراق. قد يؤدي عدم حساسية ماكرون تجاه قتال تركيا ضد حزب العمال الكردستاني في المنطقة إلى مزيد من التوترات في العلاقات الفرنسية التركية. أضف إلى ذلك أن العراق يفكر في شراء طائرات مسيرة وطائرات هليكوبتر من تركيا. وصرح وزير الدفاع العراقي جمعة عناد أن "هذه الأجهزة ستكون مفيدة للغاية لنا في محاربة تنظيم داعش الإرهابي". يمكن أن يكون هذا البيان مصدر إحباط لفرنسا، التي تجاوزتها تركيا بشكل متزايد في قطاع الدفاع. في الختام، من الواضح أن ماكرون يرغب في توجيه رسالة دعم للعراق بعد الانسحاب الفوضوي للولايات المتحدة من أفغانستان. من الواضح أنه يسعى إلى الاستفادة من الكارثة الأمريكية في أفغانستان لدفع بيادق المصالح الفرنسية في المنطقة. إنه يعني أنه سيبقى هناك وأن بلاده لديها القدرة على ضمان أمن واستقرار المنطقة على عكس الولايات المتحدة. يمكن للدور الجديد الذي يريد ماكرون أن يلعبه في العراق أن يغير التوازنات الجيوسياسية في المنطقة مرة أخرى ويخلق مصدرًا جديدًا للتوتر مع العراق. سيحدد الوقت ما إذا كان ماكرون في هذا الجزء من العالم سيختار التهدئة مع تركيا أو يستمر في معاملتها كمنافس.

 

 

صلاح حزاماليسار في العالم يراد به التيار المناصر لعموم الناس، والذي يميل الى خفض الضرائب وتقديم خدمات ضمان اجتماعي اكثر.. انه يدعو الى عدالة اجتماعية اكثر (egalitarianism) .

انه الاتجاه الذي يميل الى الخروج عن الأمور التقليدية والمتعارف عليها (عكس منهج المحافظين).

انه يميل الى الخروج عن بعض القواعد التقليدية في السياسة والاقتصاد والشؤون الدينية.

فضاء اليسار واسع جداً، و صِفَة يساري لاتعني تقليد ممارسات معينة سابقة قام به فرد او حاكم او حزب ..

محاولة الانتماء لليسار لاتعني ثوباً او رداءً يرتديه الفرد اعجاباً بلونه او موديله..

انه شعور وقناعات داخلية تنمو لدى الفرد وتدفعه لتبنّي افكار ومواقف معينة تضعه "عنوةً " و"حتماً " في خانة اليساريين..

يعني ذلك ان الفرد يكتشف انه ينسجم مع تيارات وتجارب في مختلف الاماكن والاوقات، بسبب وجود قيم وقناعات مشتركة.

لكن ذلك يقتضي مستوىً من الوعي والادراك والثقافة التي تؤهل صاحبها للفرز والبحث عن مكانه الطبيعي من حيث النزعات والتوجهات ..

من الناحية العملية، وحسب مشاهداتي خلال سنوات طويلة، شاهدت وتعرفت على اشخاص جهلة لايعرف أحدهم حتى تعريف اليسار ومقتضياته، لكنه يصر انه يساري!!!

تسأله الى أي حد من التطرف او الاعتدال تعتبر نفسك يسارياً ؟

اليسار تيارات واطياف تتراوح بين المعتدل والمتطرف الراديكالي.

لكن المفاجأة تأتي حين نكتشف انه لايعرف هذه الاشياء ولايدري موقعه منها ..

انه يتشبث بمظاهر هزيلة لاقيمة لها اطلاقاً، منها انه يكره الدين ولايعترف بوجود خالق وانه يشرب الخمر ولايعترف بالتقاليد الاجتماعية البالية!!

كما انه يستفز المجتمع المحافظ المتديّن الذي يعيش فيه، من خلال السخرية والاستهزاء بطقوسهم الدينية !!

ذلك يخلق قطيعة بينه وبين مجتمعه ولايعود قادراً على لعب دور في وسطه.

الشيوعيون الاوربيون ادركوا تلك الحقيقة منذ السبعينيات وأسسوا مايعرف بالشيوعية/الاوربية  Eurocommunism والتي تطورت اساساً في ايطاليا واسبانيا وفرنسا والتي تقوم على فرضية ان اوربا الغربية لايناسبها نمط الشيوعية السوفييتية.

وطوروا نظرية وتطبيق اكثر ملائمة لاوربا الغربية من حيث إحداث التغيير الاجتماعي بدون كفاح مسلح وبدون دكتاتورية البروليتاريا التي تُدخِل الرُعب في نفس الفرد الغربي وبالتالي تجعله يبتعد عن هذه التنظيمات التي تتوعده بالدكتاتورية !

لايدرك الكثير من أدعياء اليسار انه يجدر بهم تطوير وتغيير المجتمع نحو الافضل وليس الدخول معه في نزاع ثقافي عقيم.

 

د. صلاح حزام

 

 

كاظم الموسويوضع العراق بعد غزوه واحتلاله، تحت "مساعدة" و"دعم" بعثة الأمم المتحدة، مختصرها، (يونامي) ويعرفها موقع الأمم المتحدة الالكتروني بأنها بعثةٌ سياسيةٌ خاصةٌ تأسست في عام 2003 بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1500، بناءً على طلبِ حكومة العراق. وقد اضطلعت البعثة بمهامها منذ ذلك الحين، وتوسّعَ دورُها بشكلٍ كبيرٍ في عام 2007 بموجب القرار 1770.

ويتمثل تفويض يونامي بمنح الأولوية لتقديم المشورة والدعم والمساعدة إلى حكومة وشعب العراق بشأن تعزيز الحوار السياسي الشامل والمصالحة الوطنية والمجتمعية: بالمساعدة في العملية الانتخابية وتيسير الحوار الإقليمي بين العراق وجيرانه وتعزيز حماية حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والقانوني.

يتضمن تفويض البعثة أيضاً العمل، مع يسميهم، الشركاء العراقيين، الحكومة والمجتمع المدني، لتنسيق الجهود الإنسانية والإنمائية لوكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها. ولا تقدم يونامي بنفسها برامج إنسانية وإنمائية، ولكنها ترفع من شأن القضايا الإنمائية والإنسانية في العراق وتربط بين الشركاء العراقيين وبين الخبرات الفنية المتاحة ضمن أسرة الأمم المتحدة في العراق. ويشمل التفويض ما لم يذكر في التعريف، ويترك لمن يقوم به حتى إذا انتهك السيادة الوطنية واستقلال الدولة، فهو مقرر ضمنا أو في إطار التفاهم بين الطرفين، اللذين لم يوقعا على ما اتفق عليه برضا وامتنان، فكيف على ما خفي تحت السطور؟!.

يرأس يونامي ممثل خاص يكلفه الأمين العام للأمم المتحدة، ويعاونه نائبان، أحدهما يشرف على الشؤون السياسية والمساعدة الانتخابية، والثاني يشرف على الجهود الإنسانية والإنمائية للأمم المتحدة ويؤدي أيضاً مهام المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية في العراق. وهذا يعني عمليا وسياسياً الاشراف على إدارة الدولة وربما التحكم بمساراتها وفق قرار مجلس الأمن غير المرقم والملحق بالمرقم الاول والثاني. وقد اشتكى بعض السياسيين العراقيين من تجاوزات لم تحدد من ممثلي يونامي في تنفيذ تفويضهم المعلن، وتكتم عن غيره.

وللعلنية والشفافية اللتي بتمتع بها مجلس الامن والامم المتحدة في كل قضايا الدول والشعوب نشر الموقع عدد العاملين في بعثة العراق، ذاكرا انه في الوقت الراهن، هناك ما يقارب من 648 موظفا مسجلا رسميا، 251 منهم موظفين دوليين و397 منهم وطنيين يعملون في البعثة في العراق. (لماذا ما يقارب؟!).

ختم التعريف بأن إدارة البعثة تتم من قبل إدارة الأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، وبدعم من إدارة عمليات السلام وكذلك إدارة الدعم التشغيلي. ويجدد مجلس الأمن الدولي بقرار تفويض بعثة الأمم المتحدة كل عام، ومؤخرا تبنى ذلك حتى ايار/ مايو 2022 بموجب القرار رقم 2576، الذي حظي بتأييد جميع أعضاء المجلس الـ15، على أن تقدم بعثة يونامي والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق "فريقا أمميا معززا وقويا ومرئيا" وموظفين إضافيين قبل الانتخابات المقبلة لمراقبة يوم الاستحقاق في العراق على أوسع نطاق جغرافي ممكن ومواصلة المساعدة في الانتخابات(!!).

وجاء في القرار أن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ستتولى مع الممثل الخاص المشاركة والتشجيع والتنسيق وتقديم الدعم اللوجستي والأمني للمراقبين الدوليين والإقليميين من الأطراف الثالثة الذين تدعوهم الحكومة العراقية.

ويطلب القرار من الأمين العام تقديم تقرير موجز مفصل إلى مجلس الأمن الدولي حول العملية الانتخابية في العراق ومساعدة بعثة يونامي لهذه العملية في موعد لا يتجاوز 30 يوما بعد انتهاء الانتخابات. كما يطلب من بعثة يونامي والممثل الخاص إعطاء الأولوية لتقديم المشورة والدعم والمساعدة إلى حكومة وشعب العراق بشأن تعزيز الحوار السياسي الشامل والمصالحة الوطنية والمجتمعية. واضح من الطلبات والكلمات المعسولة فيها أن البعثة ومن يديرها عمليا مكلفة بما ينوب عن "مساعدة" و"دعم" مجلس الأمن والدول المهيمنة عليه.

حاليا السيدة جينين هينيس-بلاسخارت، ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق ورئيسة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، منذ 17 كانون الأول/ ديسمبر 2018. حيث خلفت السيد يان كوبيش من سلوفاكيا الذي أعرب الأمين العام عن امتنانه لخدماته. وحسب ما نشر عنها، فهي تمتلك خبرة تمتد أكثر من 20 عاماً في المجالين السياسي والدبلوماسي، بعد أن خدمت في عدّة مناصب حكومية وبرلمانية رفيعة المستوى. إذ تولت منصب وزير الدفاع في هولندا (2012-2017)، وكانت أول امرأةٍ تمّ تعيينُها في ذلك المنصب. وكوزيرةٍ، أشرفت على هيئة الأركان المركزية وقيادة الدعم وهيئة المواد الدفاعية والقوات المسلحة الملكية الهولندية الأربعة: الجيش والبحرية والقوات الجوية والشرطة العسكرية وحرس الحدود. وخلال توليها ذلك المنصب، أشرفت على المشاركة الهولندية في العمليات العسكرية في مالي وأفغانستان والعراق، وبناءِ تعاونٍ وثيقٍ مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي وشركاء الأمم المتحدة.

وتقدم دوريا احاطات عن العراق لمجلس الامن، وفي آخر جلسة له في 2021/08/25 خصصتها لانتخابات العراق،. في تشرين الاول/ اكتوبر القادم، مؤكدة على أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تعمل دون كلل صوب يوم الانتخابات – تماشياً مع قانون الانتخابات وبما يتفق مع الجداول الزمنية المتفق عليها مسبقاً.

وافادت انه في الأشهر الأخيرة، "حققت المفوضية عدة إنجازات معقدة. وبالطبع قدمت يونامي – ولا تزال تقدم – المساعدة الفنية حيثما يتسن لها ذلك. ومن الجدير بالذكر أن عدد موظفي الأمم المتحدة المنخرطين في الانتخابات حالياً هو خمسة أضعاف العدد الذي عمل في انتخابات 2018.

وكما استخلصتم من تقاريرنا العامة الشهرية:

* تم الانتهاء من قوائم المرشحين.

* تم إجراء قرعة لتوزيع الأرقام على المرشحين لكل الدوائر البالغ عددها 83.

* تجري حالياً طباعة أوراق الاقتراع، ومن المتوقع وصول كافة أوراق الاقتراع إلى البلاد بحلول منتصف أيلول/ سبتمبر.

* تقوم شركة تدقيق مستقلة بمراجعة نظم تكنولوجيا المعلومات الخاصة بالاقتراع وإدارة النتائج.

* تم إجراء تجربتين لمحاكاة يوم الاقتراع من أصل 3 تجارب مخطط لها – وكانت أحدث التجارب يوم 23 آب مفتوحة للأحزاب السياسية ووسائل الإعلام. ومن المخطط إجراء المحاكاة الأخيرة في شهر أيلول

* لا يزال تعيين موظفي الاقتراع جارياً كما بدأ تدريب موظفي الانتخابات.

* انطلقت استراتيجية المفوضية للتوعية في 6 حزيران/ يونيو وتشمل مجالات مواضيعية رئيسية بما في ذلك، النظام الانتخابي الجديد ودور المفوضية وتوزيع البطاقات البايومترية وعملية العد وإعلان النتائج والتدابير المتعلقة بالنزاهة إلى جانب رسائل توعية محددة تستهدف عدة جهات من بينها النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والنازحين أو العائدين".

وركزت في الإحاطة على تقديم معلومات عن الانتخابات والقوى السياسية وأدوارها ومقاطعة بعضها وتوصياتها و"المساعدة" التي هي عنوان بعثتها في العراق. كما تطرقت باختصار إلى تقدم في العلاقات العراقية الكويتية وجائحة (كوفيد-19) -وما يتبعه من تخفيف على القيود ذات الصلة - وأكدت (بكل شفافية ومهنية) على انه "مع الاقتراب الحثيث لموعد الانتخابات، سيحظى العراق بدعمنا في كل خطوة من الطريق"(!).

 

كاظم الموسوي

 

حسن الحضريلا يخفى على أحد دور الأنظمة السياسية في حياة مجتمعاتها على المستويين الداخلي والخارجي، ولا سيما في الدول التي تسيطر السياسة فيها على كل شيء، وتقْلب الأمور رأسًا على عقب دون خوف من اعتراض معترض، وقد وصف الله تعالى رأس أحد تلك الأنظمة المستبدة -وهو فرعون- فقال في محكم التنزيل: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الزخرف: 54]، وانطلاقًا من خطورة الإمارة بصفة عامة؛ أمر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- باختيار الأصلح للأمر، محذرًا من تدخُّل الأهواء والمحاباة، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «من وَلِيَ مِن أمر المسلمين شيئًا، فأمَّر عليهم أحدًا محاباة؛ فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صِرفًا ولا عدلًا، حتى يدخله جهنم» [أخرجه أحمد في مسنده (ص 202/ 21)].

وفي حديث آخر يبين النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- حدود طاعة الأمير؛ منعًا لاستغلال السلطة في الاستبداد والتَّجبُّر، فقد رُوِيَ أنه بعث النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- سريَّة، وأمَّر عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أن تطيعوني؟ قالوا: بلى؛ قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبًا، وأوقدتم نارًا، ثم دخلتم فيها؛ فجمعوا حطبًا، فأوقدوا نارًا، فلما همُّوا بالدخول؛ فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تَبِعنا النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فرارًا من النار، أفندخلها؟! فبينما هم كذلك، إذْ خمدت النار، وسكن غضبه، فذُكِر للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف» [متفق عليه]، فالطاعة العمياء تصنع الحاكم الطاغية الذي يصعب التخلص منه بعد تمكينه.

وقد حذَّر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- من وقوع ذلك الاستبداد وابتلاء الناس به، فقال: «ستكون أثَرَةٌ وأمورٌ تنكرونها» قالوا: يا رسول الله؛ فما تأمرنا؟ قال: «تؤدُّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» [صحيح البخاري (4/ 199/ 3603)]، وإنما كان ذلك التحذير منه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأصحابه رضي الله عنهم، وقد أدركوا تلك الأثرة، وتعاملوا معها بنُصح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أما بعدهم فقد ازدادت الأمور سوءًا، وقال -صلَّى الله عليه وسلَّم- داعيًا أن يكون جزاء أولئك الحكام من جنس عملهم: «اللهمَّ من وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فشَقَّ عليهم؛ فاشقق عليه، ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم؛ فارفق به» [صحيح مسلم (3/ 1458/ 1828)]، وأما الأنظمة الضعيفة التي يتنصَّل قادتها من جرائمهم، مُلْقين باللائمة على معاونيهم؛ فهذا ليس بِعذرٍ لهم؛ بل هو دليل على ضعفهم، وقد حذَّر النبي –صلَّى الله عليه وسلَّم- من ولاية الضعفاء وإن كانوا صالحين أتقياء؛ حيث قال -عليه السلام- لأبي ذر [ت: 32هـ] رضي الله عنه: «يا أبا ذر؛ إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» [صحيح مسلم (3/ 1457/ 1825)].

وقد سجَّل تاريخنا العربي نماذج من الطغيان السياسي في العصور السابقة، لكنه لم يكن بهذا الشكل الذي نراه الآن في بعض بلداننا العربية، والذي يمكن وصفه بالسَّفه، والفارق بين الطغيان وبين السَّفه أن الأول يرتبط غالبًا بخصومة فكرية أو عسكرية، وينتهي عند ردع الخصم، أما السَّفه فهو الإسراف في العداوة واستخدام القوة الغاشمة دون أي سبب يدعو إلى ذلك، وإذا كان الطغاة في العصور السابقة يدافعون عن عقيدة يعتقدونها وإن كانت باطلة، أو رأيٍ يرونه وإن كان غير صحيح؛ فإن طغاة هذا العصر أسوأ حالًا وأعظم جُرمًا؛ وحين توضع السلطة في يد مَن لا دين له ولا علم؛ فلا شيء يُنتظَر سوى المزيد من العبث الممزوج بالطغيان السياسي، الذي يجعل هدفه الأوحد الحفاظ على السلطة أيًّا كانت التضحيات، فلا يتحرَّج أنصار تلك الأنظمة الغاشمة من اتخاذ جميع الوسائل المتاحة في سبيل الحفاظ على استقرارها واستمرار سيطرتها على السلطة.

إن الطريقة التي تتعامل بها تلك الأنظمة مع شعوبها، لم يتعامل بها المشركون مع أنبيائهم؛ فقد كان هدف أولئك المشركين نصرة عقيدتهم التي يعلمون ببطلانها، وفي سبيل ذلك سلكوا سُبلًا عديدة؛ منها المناظرة والمحاججة، قال تعالى عن قوم إبراهيم عليه السلام: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) [الأنعام: 80]، ونحو ذلك نماذج كثيرة رواها لنا القرآن الكريم، أما الأنظمة السياسية المعاصرة في كثير من الدول النامية فلا تسمع سوى صدى صوتها، فهي تمشي مُكِبَّة على وجهها، لا تعلم لنفسها غاية ولا هدفًا.

ولا شك أن ذلك ضربٌ من الجنون يقود تلك الأنظمة إلى حتفٍ ذريعٍ، ويعود عليها بعكس ما تسعى إليه، فهي لا تعترف إلا بما يحقق أطماعها ويضمن بقاءها، ولذلك تلجأ إلى تسخير مقدَّرات بلادها لصالح بطانتها وأتباعها، الذين لا يحسنون سوى الطاعة العمياء لقادةٍ لا ينطبق عليهم شيء من معايير القيادة، فهي منظومة لا تعرف إلا مصالحها الخاصة، التي في سبيلها يهدرون كل قيمة، ويتطاولون على كل قامة، ويطيحون بأناس لا يمكن أن تنهض مجتمعاتهم أو تستقر بدون أمثالهم، فمن مظاهر العبث والطغيان أن يسمح النظام الحاكم لمجموعة من الجاهلين، بالتوجُّه إلى عالمٍ أو مفكِّرٍ من أجل اغتياله أو اعتقاله بسبب كلمة حقٍّ قالها أو معروفٍ أمر به أو منكرٍ أنكره، وكأنَّ القائمين على ذلك النظام لا يدركون في قرارة أنفسهم أنهم عالة على مجتمعاتهم، يعيشون بفضل نجاح أولئك العلماء والمفكرين الذين يتسلطون عليهم بالقتل والحبس بغير ذنب.

وتكمن الخطورة في أن تلك الأنظمة العابثة ليس لديها فكر يمكن مواجهته؛ فهي كالبهيم الأعمى الذي يتخبط على غير هُدى، ولا يبالي بمن اعترض طريقه؛ لأنه لا يراه ولا يشعر منه بشيء سوى أنه عدوٌّ له، والسلطة عند تلك الأنظمة كاللعبة كان يسمع بها طفل معدم، فلما أصبح يمتلكها؛ أساء استغلالها، حتى أصبحت وبالًا عليه وعلى من حوله، وبذلك تتحول تلك الأنظمة إلى «عصابات منظَّمة» يتم توجيهها بأيدٍ خارجية نحو تخريب مجتمعاتها، حيث أصبح من السهل غزوها ثقافيًّا من أجل تنفيذ ما يريده الخارج، الذي يسعى إلى شغل تلك الأنظمة بتجاوزاتها في حق شعوبها، وصرفها عن أية خطوة نهضوية أو إصلاحية.

وتحاول تلك الأنظمة إضفاء صفة الشرعية على تواجدها السياسي، فتلجأ إلى عقد انتخابات صورية، تقوم من خلالها بالتزوير، بجانب استقطاب أصحاب المصالح، والمستضعفين ممن لا سنَد لهم في مواجهتهم؛ وفضلًا عن استخفافهم الواضح بمجتمعاتهم في ذلك؛ فإنه يقف حجة عليهم في رفضهم الرأي الآخر، الذي لا يبالون به مهما بلغت كثرة أنصاره؛ حيث يبادرونهم بأنواع التنكيل والعذاب.

ومعالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم بالاكتفاء بإزالة نظام حاكم والمجيء بغيره؛ بل بالقضاء على أسباب ذلك الجنون السياسي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالتعاون الجاد بين أبناء المجتمع الواحد، والانسلاخ من ثوب الضَّعف والاستكانة، الذي اعتادت أن ترتديه تلك المجتمعات أمام أنظمتها الحاكمة، ومواجهة تلك الأنظمة بالحقيقة التي يحاولون التنصل منها؛ وهي أنهم ليسوا سوى مجموعة أفراد تعمل على تنظيم المجتمع الذي تحكمه، مقابل الأجر الذي تتقاضاه، ويحق للمجتمع عزلهم إذا أخلُّوا بواجبهم أو قصَّروا في عملهم أو انحرفوا عنه؛ هذه هي القاعدة التي صرَّح بها أول الخلفاء الراشدين، قال أبو بكر الصِّدِّيق [ت: 13هـ] -رضي الله عنه- يوم وَلِيَ الخلافة: «إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني» [«السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 661)]، لكن هذه القاعدة وغيرها من القواعد الشرعية التي أسست النظام السياسي الصحيح القوي الناجح؛ تم إهدارها وسط ظلمات الأنظمة المعاصرة.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

 

خالد بوفريواسأجعل مارتن هايدجر Martin Heidegger  يستهل هذه المقالة، لأني لا أعتقد أن من بين مثقفي العالم من كان أكثر قناعة بمركزية الجامعة في التطور والرقي غيره، خصوصا إبان توليه رئاسة جامعة (فرايبور الألمانية) سنة 1933. فهو يقول : [إن إرادة ماهية الجامعة هي إرادة العلم كونها إرادة لرسالة الروحية التاريخية لشعب].

وبدوري كم صارعت التردد وأنا أحاول الكتابة والنبش في هذا الموضوع "المصيري"، (جامعة بالصحراء الغربية) لأن الأمر وما فيه مشاكسة دامية لحقيقة غير عادية. نعم، لأنه لو إطلاعنا على المسار الكرونولوجي لهذا المطلب أو دعوني أنعته [حق] وللحجم الهائل من التضحيات التي بدلها الطلبة الصحراويون تاريخيا، لخرجنا باستنتاج واحد تسطع حقيقته في كبد السماء: نظرة النظام السياسي القائم بالمغرب لمطلب الجامعة بالصحراء الغربية، هي ذات النظرة التي ترى بها "تل أبيب" عدوتها اللدودة (طهران)؟!!

فلماذا تتعنت الدولة المغربية تارة، وتمارس شطحات الحرباء تارة أخرى على المطلب (الحق)، ألا وهو جامعة مستقلة وذات الاستقطاب المفتوح ومتعددة الشعب بالصحراء الغربية؟

قبل الخوض في صلب موضوعنا الأساس، سأنعطف قليلا لإثارة السجال حول الجامعة المغربية وما ألت إليه اليوم؛ بعد أن راكمت 63 سنة من تجارب الفشل والفشل الذريع أو ما يصح لنا تسميته (إصلاح الإصلاح)، فالمتتبع للخط الكرونولوجي لمجموع التجارب التي قامت بها الوزارة الوصية من أجل إخراج الجامعة من غرفة الإنعاش : (اللجنة العليا لتعليم/1957، اللجنة الملكية لإصلاح التعليم/ 1958، المجلس الأعلى لتعليم/ 1959، مناظرة المعمورة/ 14 نيسان 1964، المخطط الثلاثي/ 1965_1967، مناظرة إفران الأولى/1970، مناظرة إفران الثانية/1980، اللجنة الوطنية لتعليم/1994، اللجنة الملكية لتربية والتكوين/1999،اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين أو ما يعرف بميثاق الوطني لتربية والتكوين/2001، المخطط الإستراتيجي/2002_2009، الرؤية الإستراتيجية لإصلاح التربية والتكوين للمجلس الأعلى لتربية والتكوين/2015_2030)،الحوصلة النهائية لمسلسل ’’الإصلاح’’ هذا كانت صفر مكور، وخير دليل ممكن أن نتشبث به هو مؤشر QS Index  التابع لمؤسسة Quacquarelli Symonds  الذي حل علينا بقائمة تميز أفضل الجامعات لعام 2021، إذ تغيب الجامعات المغربية كلية باعتبارها [وراء صيرورة التاريخ الحديث] نظرا لانحدار المستوى الأكاديمي والمعرفي وموت درجة البحث العلمي (الذي يعتبر ترف وأخر الأولويات).بل ارتكان الجامعة المغربية بزاوية "التيه الأندراغوجي" أو إن صح لي التوصيف (الإصابة بقلق وجودي منهجي واستلاب أخلاقي حاد) وفتح أبوابها على مصراعيها لمختلف الأجهزة "الأمنية" وجعلها مطبخ سياسي يراعي حميمية التوجه الرسمي للمخزن لا أقل ولا أكثر.

بالمختصر؛ اليوم تتحقق صرخة جسوس محمد Mohamed Guessou إنهم يريدون جيل من الضباع" بعد أن أصبحت قلاع الفكر النقدي الإبستيمي الوضاء مجرد أوكار للفساد الإداري والأخلاقي، مجرد حصون ورقية تُروج لبضاعة ’’فكرية’’ مُقمقمة ومعلبة وسط الشواهد، مجرد مستنبت لخلق أخر صيحات " الغش"، الظاهرة التي أصبحت لصيقة بقوام الجامعة المغربية اليوم.

سنرجع تدحرج عجلة النقاش إلى صلب الإشكالية المبنية على ناصيتها هذه المقالة؛ ونعيد طرح حزمة أسئلة مؤرقة :

 لماذا يمارس النظام السياسي المغربي سياسة ’’تكسير العظام’’ مع مطلب الجامعة الصحراوية بكلياتها ومعاهدها ومراكزها البحثية؟

هل يجعلنا نستحضر مبدأ ’’المفاضلة’’ وثنائية هم ونحن؟

أم أن الأمر وما فيه هاجس (طابو) ’’امني / استخباراتي’’ نظرا لوضعية إقليم الصحراء الغربية سياسيا؟

إذا أردنا النبش في تجليات التاريخ بمعول إمبريقي/ إبستيمي بعيدا عن أي "ضيق أو تحيز أيديولوجي"، سنرى أن الطلبة الصحراويون دافعوا باستماتة قل نظيرها عن مطلب الجامعة في جل الانتفاضات الشعبية التي شهدتها مختلف ربوع الصحراء الغربية (إنتفاضة اسا/1992، مظاهرات 1995 بكل من السمارة والعيون، مظاهرات المسيد/1997، أحداث العيون/1999...) بل وجعلوا حرمة الجامعة المغربية منصات (في وضعية هجوم) لدفاع والذود عن هذا الحق المهضوم واستحضاره في كل المناسبات، وفي كل مرة يصطدمون بسياسات صنيعة المخزن المغربي تختلف باختلاف الظرفية الزمنية والمتعلقة بشكل مباشر بتطورات قضية الصحراء الغربية؛ فتارة _وفي غالب الأحيان_ لا صوت يعلو على ثنائية القمع والردع، وتارة يُطلق عندليب (أنصاف الحلول "سكن جامعي، منحة، أذينات النقل...") ليدوي صوته في الأفق، وتارة أخرى ما يمكن أن نسميه (التفريخ أو المحاباة) وهي محاولة الالتفاف حول أحقية بناء جامعة صحراوية مستقلة وذات الاستقطاب المفتوح وتعدد الشعب وذلك بخلق عدة أنوية / أقطاب جامعية موزعة بمختلف حواضر الصحراء الغربية (المدرسة العليا لتكنولوجيا ومركز الدراسات الاقتصادية بكليميم/ 2011، المدرسة العليا للتكنولوجيا بالعيون/2014 ، مدرسة التجارة والتسيير بالداخلة/2014 ، مركز الدراسات في مهن الطبيعة والتنمية المستدامة بأسا/2017 ، مركز الدراسات والتكوين بالوطية/2018 ...)، أنوية جامعية ذات استقطاب جد محتشم أنشئت بإسقاطات فوقية (جهات أمنية). ذات تواصل محدود مع محيطها الاجتماعي والاقتصادي لأنها تابعة لجامعة إبن زهر. بل الأكثر من هذا، إذا أردنا تصفح القاسم المشترك لطبيعة تخصصات بمختلف هذه الأنوية / الأقطاب الجامعية المحدثة، نجدها ذي طبيعة "تقنية" لا غير وهنا أستحضر ’’غرامشي’’ قائلا : (إن هنالك نوعين من التعليم، تعليم عضوي وتعليم تقني. الطبقة البورجوازية المتحكمة لكي تضمن استدامة موقعها المتحكم تشجع أبناءها على التعليم العضوي، حيث العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ستورث أبنائهم علوم الإنسان وبروتوكولات البورجوازية وستفتح هذا الطبقة الباب على مصراعيه لأبناء الطبقة الكادحة أمام التعليم التقني الذي سيؤهلهم ليكونوا عبيدا أكفاء في مصانع الرأسماليين وشراكاتهم).

إن سؤال مؤسسات التعليم العالي بالصحراء الغربية سيبقى جاثما على هيكل التاريخ، وسيبقى يسائل في كل وقت وحين الدولة المغربية عن فرقعاتها الصابونية الكاذبة (الجهوية المتقدمة، العدالة المجالية، التنمية المستدامة...) وستبقى معاناة الطلبة الصحراويون تزداد يوما بعد أخر _ولكرة الثلج حديث_، أما سلة الحلول الترقيعية هاته لأجل رتق الثقب _الذي يتسع_ في ظل غياب إرادة حقيقة وجادة من طرف النظام السياسي المغربي الذي لم يتخلص من بوثقة (الطابو السياسي) وبعبع (الهاجس الأمني / الإستخبارتي) بالصحراء الغربية. كل هذا وأكثر لن يزيل عن الحق و(طالبي الحق) ثوبه الناصع.

 

*خالد بوفريوا

 طالب جامعي وكاتب مقالات في مجموعة من الوسائط الإعلامية

 

 

صالح الفهديسَألَ مسؤولٌ في إحدى شركات صناعة الطائرات عاملاً بسيطاً كان يصنعُ مساميرَ للطائرات: ما هو عملك؟ أجاب: أصنعُ طائرات، فالطائرات لن تقلع إلَّا بهذه المسامير. ومثلهُ عامل قطع الحجارة الذي سُئل عن عمله فقال: أبني صرحاً ضخماً، وعلى سياقِ كلامهم يفترضُ على كلِّ موظف مهما كانت وظيفته أن يجيب إن سُئل ما هو عمله: أبني وطناً.

ومن هُنا ليعلم كل موظف بأنَّهُ لا توجدُ وظيفةٌ مهمةٌ أو غير مهمَّةٍ فكلُّ وظيفةٍ وُجِدت لحاجةٍ أحدثتها، وضرورةٍ أوجدتها، وأنَّ عمله مهما صَغُرَ فإنَّ أهميته تكمنُ في قيمة ما يقدِّمه لبناءِ وطنه، وعلى ذلك يجب أن لا يستحقرَ وظيفته، ولا يستخفَّ بعمله، ولا يقلِّل من إنجازه، فكل ما يقوم به إن توقَّف فإنَّ خللاً ما سينشأ في منظومة العمل بحالها، وفي مسيرةِ الوطنِ بأَسره.

ليعلم كل موظف قد أمضى توقيعهُ على عقدِ عملٍ قطعَ بموجبهِ عهداً أمام الله أولاً قبل البشر، وبذلك قد أُمِّن أمانةً من اللهِ عزَّ وجل، وأنَّ أيَّ إخلالٍ بهذه الأمانة إنما هو تهاونٌ في أمانته مع الله، القائل: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"(النساء/58) والأمانة ليست وديعةً ماديةً فقط، بل هي وديعةٌ معنويةٌ أداؤها يعني القيام بها بمقتضى العهد والميثاق، فإن أدَّاها على أكمل وجهٍ أرضى الله وأرضى من أئتمنه عليها، وإن فرَّط فيها أخرجهُ ذلك التفريط من دينه، لقول الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام:" «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» وتلك خسارةٌ فادحةٌ لا يعوِّضه مكسبٌ عنها.

ليعلم كل موظف أنَّه قد وُجدَ لخدمة مصالح وطنٍ بأسره، فإن هو وعى ذلك، وفهم وطبَّق، فقد رشدَ إلى الهدف الأسمى، وإن هو أغضى طرفه، وتجاهل، فقد ارتكبَ إثماً مبيناً في حقِّ وطنه الذي منحهُ شرف خدمته فقابله بالتساهلِ والتجاهل.

ليعلم كل موظف أنه لم يكن ليكون في وظيفته تلك، ولم يكن ليكسب رزقه ومعاشه من تلك الوظيفة إلاَّ لخدمة مصالح الناس، وقضاء حاجاتهم، فإن استوعبَ ذلك، واجتهدَ في عمله، وتواضعَ في خدمته، وأخلص في أدائه، استحقَّ وظيفته، واستحلَّ راتبه، وإن هو تعالى على الناس وتكبَّر، وقابل الإحسان بالنكران، فإنه ليس جديراً بوظيفته، ولا محقَّاً في تحصيل معاشها..!

ليعلم كل موظف أن ما يقدِّمه للناس من عمل ليس مِنَّةً وإحساناً منه لهم، بل واجباً كُلِّفَ به، ومسؤوليةً حمِّل إيَّاها، وبمقتضى ذلك فإنَّ عليه أن يُخلصَ في عمله، وأن لا يعتقد أنَّ ما يقدِّمه للناس من خدمات يستحقُّ ما يقابله من الثناء العظيم، والتفخيم المبجَّل، وإن استحقَّ الشكرَ عليه كواجبٍ أدبي.

ليعلم كلَّ موظف أنَّ التعالي والتغطرس على الناس إنما ذلك من مرضِ النفوس، وليس علامةً على الفوقية، فمن تواضع لله رفعه، وعلى عكسه؛ من تكبَّر للهِ أرداه، وإنَّ تعاليه يقابل عند الناسِ بالتهكم والتذمر، وتواضعه يقابل بالثناء المستحق.

ليعلم كل موظف أنَّه إن عمل كما يحلو له لا كما توجبُهُ عليه واجباتُ الوظيفة فقدَّم مصلحة هذا على ذاك لمزاجٍ وهوى وليس لأهميَّةٍ، وقضى مصلحةَ هذا قبل ذلك لقربى أو لمصلحةٍ وليس لأحقيَّةٍ فإنَّه يصبحُ عدوَّ وطنهِ، وغريم وظيفته، وخصمَ من أقصاهُ وعطَّل مصلحته عند الله تعالى، وأنَّه سيلاقي من يقابله في مصالحه هو أيضاً بنفس مزاجيته، وهواه، فينيله التنغيص والتضييق، يقول الشاعر:

وما من يدٍ إلا يدُ الله فوقها .. وما ظالمٍ إلا سُيبلى بأظلمِ.

فإن عَلِمَ الموظف بكلِّ ما تقدَّم قوله، ووعاهُ، فأصبحَ معتقداً به اعتقاداً راسخاً، وطبَّقهُ تطبيقاً رشيداً كانَ أثرَ ذلك على الوطنِ عظيماً، وإحسانهُ كبيراً، وحينئذٍ تتقدَّمُ الأُمَّة، وترتقي صعوداً لتكسبَ حصادَ الإِخلاصِ من أبنائها الأَبرار، وتنال الرِّفعةَ والسُّؤدد من أنجالها الغرِّ الميامين.

وليعلم كلَّ موظف بأنَّه لو علمَ ذلك ولم يعتقدَ به، ولم يطبِّقه على وظيفته فقد جلبَ الخُسرانَ على وطنهِ قبل أن يَجْلُبْهُ على نَفْسِهْ، وأنَّ تأخُّرَ وطنهِ راجعٌ إليهِ بالأَسباب، وهو في ذلك أمام خيارين: إسعادٌ أو إشقاءْ "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [سورة الشمس:9، 10].

الخالق عزَّ وجل

هذا النمطُ من الموظفين يُدركون أن أعمالهم مهما كان صغرها فهي مهمَّةٌ للغاية، إذ لا يمكن أن تكتملَ منظومة المشروعِ بدون ذلك العمل البسيط في وظيفته لكنه المهم في دوره. وعلى هذا المستوى من التفكير يفترض أن يكون كلَّ موظف أؤتمن بأمانةٍ، وحُمِّل مسؤولية، فالوظيفةُ هي وظيفةٌ مهما صغرت أو كبرت، لها دورها، وأهميتها

حُمِّلَ الموظَّف أمانةً عظيمةً، لا

فقال تعالى: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً».

صلى الله عليه وسلم قال: وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة».

وفي حجة الوداع كانت من آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الوصية بالأمانة فقال: «ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها»، وبسط يديه فقال: «ألا هل بلغت ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت»، ثم قال: «ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أوعى من سامع».

 

د. صالح الفهدي

 

2766 محمود سريع القلمبقلم الباحث الإيراني محمود سريع القلم*

المصدر: ايران- امروز

ترجمة: عادل حبه


 

في شرح السياسة الخارجية الجديدة للديمقراطيين لعام 2021، استشهد مستشار الأمن القومي لبايدن في مقالة له بـ "صلاة الصفاء"‎‎ (Serenity Prayer). هذه الصلاة التي وردت في مصادر مختلفة وهي كالتالي: "اللهم اإلهمنا العقل كي نعرف الفرق بين ما نستطيع تغييره وما لا نستطيع".

وفي المقال نفسه، يقول المستشار إنه عندما طالب موظفو الأمن القومي في اجتماع غرفة الأزمات بالبيت الأبيض بالمزيد من الأموال والائتمان من باراك أوباما لأفغانستان، اعترض على ذلك أوباما قائلاً: "لدينا العديد من الأولويات المحلية ولا يمكنني زيادة ميزانية أفغانستان. أنني الشخص الوحيد الذي يعرف ما يجب وما لا ينبغي أن ننفقه في الولايات المتحدة.

تشير هذه الأمور وغيرها، التي سيتم توضيحها أدناه، إلى بروز قضية أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية وهي: أن أمريكا اليوم ليست أمريكا عام 1951. فالنظام الدولي اليوم متعدد الأقطاب (أمريكا والصين وروسيا)، فهو أيضاً هرمي (ظهور الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية، إلخ). إن تبوء المركز الأول في عام 1951 واستمرار تبوء الولايات المتحدة المركز الأول عام 2021 لا ينطويان على ظروف متساوية. إن بايدن الديمقراطي الذي يقف على يمين وسط الطيف السياسي الأمريكي ((Right of the Center، وكذلك الكتلة الديموقراطية ككل، تبنت هذا التغيير، وإن السياسات التي تم تبنيها خلال الأشهر السبعة الماضية تعكس هذه النظرة العالمية الجديدة للأمور. إنهم يسعون إلى تحقيق توازن بين الالتزامات الخارجية والموارد المتاحة. ويشير بول كينيدي، أستاذ العلاقات الدولية:"لقد فقد العثمانيون والسوفييت والبريطانيون قوتهم تدريجياً عندما تجاوزت التزاماتهم إمكانياتهم الواقعية".

ومن أجل فهم مكانة أفغانستان وإيران والشرق الأوسط في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يصبح الاستنباط الدقيق لهيكل صنع القرار "الداخلي" الأمريكية أمر أساسي، وليس هذا بالضرورة يتعلق بما يحدث في أفغانستان وإيران والشرق الأوسط. هناك مبدأ راسخ نسبياً في نصوص السياسة الخارجية: سواء في كل من الدول الديمقراطية أوغير الديمقراطية، فإن اتخاذ القرار في السياسة الخارجية يتم في غرف صغيرة وبين عدد محدود من المسؤولين. ولكن السؤال المهم اللاحق هو: في مصلحة  من يصب هذا القرار وفي مصلحة أية تيارات إجتماعية؟

يعتقد البعض في وسائل الإعلام، أن الولايات المتحدة فشلت أو هربت من أفغانستان، أو وصلت إلى طريق مسدود، أو فشلت في بناء الدولة الأفغانية. ربما لو قمنا بتلخيص ما قد يصل إلى 80٪ من أسباب الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق في عامي 2001 و 2003 في جملة واحدة، يمكن وضعها على هذا النحو: السبب هو النسيج شديد التعقيد لشبكة النفط والغاز والطاقة و الأسلحة في أمريكا لإدارة بوش وخاصة وجود نائبه ديك تشيني. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من حوالي 2.5 (اثنان ونصف تريليون دولار) أنفقت في أفغانستان والعراق قد عادت إلى الولايات المتحدة نفسها. وقد صنع الآلاف من المقاولين المعدات وزودوا القوات العسكرية والمدنية بمنتجاتهم. وتم الاستعانة بالشركات الأمريكية لتنفيذ مئات المشاريع في الخارج. يبقى أن نرى ما إذا كان أولئك الذين يعارضون انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان هم أعضاء في مجلس إدارة شركات المعدات الكبيرة أم لا. لقد كان تدخل الولايات المتحدة في أحداث عام 1953 وعام 1978 في إيران قد بلغ 95٪، لمنع نفوذ ودخول الاتحاد السوفيتي والشيوعية في إيران. وبعبارة أخرى، فإن الأولويات والقضايا الداخلية الحاكمة في أمريكا هي المهمة، وليس الديناميكية الداخلية في إيران، كتاريخ المشروطة والنزعات التحررية وعوامل أخرى. في الداخل الإيراني

وبالتالي، فإن فهم ما إتخذ من قرارات في غرفة الأزمات في البيت الأبيض لصالح إي تيار والهدف منه يضيئ لنا الطريق لفهم جوهر السياسة الأمكريكية، ويسهل علينا معرفة أولوياتها وسياستها الخارجية. في التطورات الأخيرة، كان السبب الرئيسي لفشل الاتفاقية النووية مع إيران هو تجاهل عملية صنع القرار من شخص باراك أوباما من ناحية، والاعتماد المفرط على العمل الإعلامي لمجموعة الضغط التي تصرفت على شاكلة تلاميذ المدارس الابتدائية. من الذي استفاد من صنع القرار الأمريكي في 2015 في حالة الاتفاقية النووية مع إيران؟ الجواب: رئيس الولايات المتحدة نفسه. وهل كان الكونغرس على إتفاق معه؟ لا. هل كانت هناك مجموعة ضغط تدعمه ؟ لا. وفي حالة إيران، هل كانت مجموعة الضغط المرتبطة بشركة بوينج مهمة، أم مجموعة الضغط اليهودية؟ اليهودية بلا شك. وسواء أكان هذا الرأي على صواب أم خطأ، فلا يمكن لأي رئيس أمريكي في تلك الغرفة الصغيرة مع فريق السياسة الخارجية أن يتوصل إلى تفاهم دائم مع إيران دون موافقة اللوبي اليهودي. وعندما أرسل أوباما فريقه إلى مجلس الشيوخ لكسب تأييد أعضاء مجلس الشيوخ، كان أربعة أعضاء فقط (من أصل 100) حاضرين للموافقة على صحة الإتفاقية النووية مع إيران.

لطالما تحدثت إدارة بايدن عن مغادرة أفغانستان، وربما دون إعلان علني، وسعى بايدن إلى تحويل الميزانيات العسكرية الإضافية من الشرق الأوسط إلى مشاريع تنموية ضخمة داخل الولايات المتحدة مهدت الطريق للنشاط الاقتصادي ونمو العمالة وتوليد الدخل ونفقات المواجهة مع الصين. ويحرص فريق السياسة الخارجية والأمن القومي والاقتصادي لبايدن على شرح الأولويات والالتزام بها. ووضع مستشار الأمن القومي لإدارة بايدن في مؤسسة كارنيجي، إلى جانب آخرين، إطاراً للسياسة الخارجية لصالح الطبقة الوسطى الأمريكية. وقال إنه في أي نهج للسياسة الخارجية، يجب أن نرى ما إذا كانت السياسة الخارجية تصب في مصلحة الشركات الكبيرة مثل وول مارت (Walmart) في النشاط الخارجي وفتح فروع جديدة لها بانتظام خارج الولايات المتحدة، أم لصالح طبقة في المجتمع الأمريكي ذات الدخل المتوسط والتي تتمسك بالقيم والآمال الأمريكية على أسس الحداثة والعمل الجاد.

ويمكن الإشارة إلى أن اثنين من منظري فريق بايدن، هما جيك سوليفان وويليام بيرنز، وكلاهما عملا قبل هذه الإدارة في مؤسسة كارنيجي المعروفة بتمسكها بالقيم الأمريكية. وكلاهما يؤيدان بقوة الدبلوماسية، والتعددية، وتوفير الحوافز لحقوق الإنسان، وفي نفس الوقت بالواقعية وتحديد الأولويات. إنهما على إعتقاد بأن الأساليب العسكرية ليست قادرة دائماً على حل الأزمات الدولية.

لقد كلفت جائحة Covid-19 الحكومة الأمريكية حوالي 5-6 تريليون دولار حتى الآن. وإذا كان بايدن يريد الحفاظ على هيمنة الديمقراطيين على الكونغرس في العام المقبل، وتجاوز النمو الاقتصادي مستوى 2٪ أو حتى 3٪ بحلول عام 2024، والسيطرة على تفشي جائحة  Covid-19، فسيتعين عليه إتباع نهج الانضباط المالي، وإعطاء الأولوية للإنفاق الوطني، والتركيز على التخطيط. وفي هذا السياق، سيحتل الشرق الأوسط في أحسن الأحوال بين 5 و 10 في المائة من أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

كما تعتبر الصين والإدارة الصينية محور السياسة الخارجية الأمريكية. إن الصين،على عكس الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، والذي لم يكن له تقريباً أية علاقات اقتصادية مع الكتلة الغربية. فالصين متجذرة في أعماق الاقتصاديات الغربية. واستثمرت مؤسسات الضمان الاجتماعي الأمريكية حوالي تريليون دولار في الشركات الصينية لدفع معاشات الموظفين الأمريكيين. وأضحت الصين مصدراً رئيسياً لتمويل حكومة الولايات المتحدة. إن صنع السياسة وإدارة العلاقات مع الصين بالنسبة للولايات المتحدة لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بالعلاقة مع الاتحاد السوفيتي أو روسيا.

وتعتبر قضية تايوان أخطر أزمة أمنية في علاقات الصين مع الولايات المتحدة. الصينيون مشغولون ببرامج السيبري على نطاق واسع، والمواجهة مع السفن التايوانية، واختراق وسائل التواصل الاجتماعي للتايوانيين، وكسر حاجز الصوت حتى على أساس يومي. وبنى الصينيون عشرات الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي، واعتبروها ضمن أقاليمهم البحرية، ولديهم نزاعات يومية مع الأمريكيين حول تفسيرهم لقانون البحار. وإذا ما احتل الصينيون تايوان، فأي رد فعل أميركي سيواجهونه؟

وفي أوروبا الشرقية، تعتبر أوكرانيا أهم قضية أمنية أمريكية مع روسيا. لقد شكلت استثمارات روسيا الضخمة في الصناعة العسكرية وهيمنتها المتزايدة على موارد وممرات القطب الشمالي تحديات جديدة للولايات المتحدة في الساحة الجيوسياسية في أوروبا وأوراسيا. في هذا الوضع الهش مع الصين وروسيا، فإن أكبر كابوس أمام حكومة بايدن هو ارتفاع أسعار النفط. إذ لا يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى الإضرار بالنمو الاقتصادي الأمريكي فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تحسين السياسات المحلية لصالح الجمهوريين. في هذا السياق، تسعى حكومة بايدن إلى معالجة الأولويات التالية حسب الترتيب:

إنشاء كتل متعددة في آسيا وأوروبا لتقليل نفوذ الصين وإبطاء نمو صندوق النقد الأجنبي الصيني من خلال تكثيف مراكز التصنيع وسلاسل التوريد الجديدة للسلع والخدمات. إن الهند في آسيا وألمانيا في أوروبا شريكان جادان ومحتملان في هذه الاستراتيجية، لكن كلاهما وجدا الكثير من المحاور المالية والإنتاجية الجديدة لدرجة أنهما قد يحاولان العمل مع كل من الولايات المتحدة والصين من خلال دبلوماسية متشابكة. وإذا ما تم تشكيل هذه الكتل التعددية الأمريكية في جميع القارات الخمس، فسوف يحتاج نجاحه إلى فترة تمتد إلى 5-10 سنوات. ومن غير الواضح ما إذا كان الديمقراطيين سيستمرون في الحكم في عام 2024 أو أن يتولى الجمهوريون بأولويات جديدة. ولقد أشار مسؤول ألماني رفيع المستوى للكاتب إلى أننا لا نعرف ماذا سيكون عليه اتجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة في تشرين الثاني عام 2024. لذلك يجب علينا اتباع استراتيجيتين متوازيتين: أ) إقامة علاقات مكثفة مع الآسيويين، و ب) إقامة ترابط بين الصناعة والمصارف الألمانية والأمريكية من أجل حماية مصالحنا بمعزل عن التقلبات السياسية، بحيث إن أية حكومة تصل إلى السلطة، سيتعين على الولايات المتحدة الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع ألمانيا.

هذا إلى جانب الحد من خيارات روسيا في أوروبا الشرقية والوسطى من خلال الحفاظ على التزامات الناتو، والتعاون مع تركيا، وتوسيع العلاقات في مجال الطاقة وكافة العلاقات الاقتصادية مع دول أوروبا الشرقية والوسطى. إن تقييد روسيا مشروع أسهل بكثير من تقييد الصين لأن موسكو لا تمتلك القدرة على عمل اقتصادي طويل الأجل ووجود عسكري طويل الأجل في الخارج. ستكون المناورات السياسية والتدخل الإلكتروني وحرية الحركة في القطب الشمالي في صُلب أنشطة روسيا. من ناحية أخرى، قد لا يكون من الممكن تصور قيام تحالف بين موسكو وبكين، لأنه في مثل هذه الحالة ستكون روسيا هي القوة الثانية، ولن يبرر مجدها التاريخي وحجمها الجغرافي وقوتها النووية / العسكرية القوية مثل هذا الموقف. وعلى عكس الصين، التي تمتلك وستتمتع بقدرات كبيرة في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي و G5 والإنترنت، فإن روسيا تتخلف كثيراً عن الصين والولايات المتحدة في هذا النوع من التكنولوجيا، وبغض النظر عن مدى صعوبة محاولاتها، فلن تتمكن من الوصول إلى موقع متقدم كما هو الحال في وادي السيليكون في الولايات المتحدة. ويتمثل التحدي الكبير الذي تواجهه واشنطن في مواءمة الأوروبيين مع روسيا وربما إيجاد شريك موثوق به في تركيا للحد من نفوذ موسكو. ويبدو أن إدارة بايدن لديها شركاء موثوق بهم في مجلسي الكونغرس والشيوخ بقدر ما يتعلق بالموقف من الصين وروسيا.

في هذا السياق من العلاقات الواسعة مع القوى على المسرح الدولي، والتركيز على إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي، تسعى واشنطن إلى شرق أوسط سلمي وخالٍ من المتاعب وقليل الكلفة ولا "يلوث نفسه بأزمات لا نهاية لها وبحكومات غير فعالة". وهكذا يبدو أن حكومة بايدن أسندت مهمة أفغانستان إلى باكستان للتخلص من تكاليفها العسكرية والسياسية وبأموال الدول العربية وربما الصين. ولدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية في 70 دولة، وهي تسعى إلى اختيار القواعد المهمة من بينها. إن الطريق مفتوح الآن أمام النفوذ الصيني والروسي في أفغانستان. كما جعلت الولايات المتحدة العراق أقرب إلى التعامل مع الدول العربية في الخليج والأردن ومصر لعلاج مشاكله وتوفير العلاج الذاتي له.

أما فيما يتعلق بإيران، ففي أواخر عام 2020، انسحبت إدارة ترامب من اتفاقية الأجواء المفتوحة (Open Skies Treaty). لقد سمحت هذه المعاهدة لـ 34 من أعضائها بالتحليق فوق سماء بعضهم البعض والتقاط الصور مع بعضهم البعض، بالتنسيق المسبق وفي ظل ظروف مرتبة مسبقاً. وكان أحد الأسباب التي دفعت إدارة ترامب للحصول على دعم الكونجرس هو الزيادة الكبيرة في القدرات التكنولوجية الأمريكية في الفضاء عبر الأقمار الصناعية، والتي عطلت مثل هذه الرحلات الجوية، والتي ساعدت الولايات المتحدة على تقييد تأثير 196 مورد منها منذ دخول المعاهدة حيز التنفيذ في عام 2002. في هذا الصدد، فإن أحد أسباب انسحاب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط هو التقنيات الجديدة: طائرات بدون طيار يمكنها استهداف أي مكان في المنطقة في أقل من ثلاث ساعات، أو أقمار صناعية يمكنها مراقبة حركة الدول والقوات على مدار 24 ساعة في اليوم. وسيتم بعد ذلك مراجعة هذه المعلومات واتخاذ قرار بشأنها في واشنطن.

قد تغادر القوات الأمريكية الشرق الأوسط بالكامل، لكن ستستمر المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية الواسعة النطاق في شبه الجزيرة العربية، والتي لا تشكل أي تهديد لها في تلك البلدان، وهي مصدر دخل لواشنطن. وفي الوقت نفسه، ستستمر المخابرات الأمريكية والتطويق السيبراني للشرق الأوسط بأكمله قائماً.

وتركز استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران على منعها من أن تصبح دولة نووية. إن تمديد الاتفاقية النووية، والاهتمام بالمفاوضات مع إيران، واستمرار العقوبات ضدها، وتنفيذ العقوبات الجديدة، والحرب الإلكترونية بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، هي روافع واشنطن في هذه الاستراتيجية. كما تعارض الصين وروسيا بشدة تحويل إيران إلى دولة نووية. وبالنظر إلى تاريخ روسيا الطويل في الانخراط في المجتمع الإيراني، فإن تعاون موسكو الشامل مع الغرب وشركائها الإقليميين لمنع إيران من أن تصبح قوة نووية أمر يبدو أمراً ممكناً تماماً.

ولعل أهم قضية وأولوية في سياسة إيران الخارجية، بحسب رأي الكاتب، هي العلاقات المالية والمصرفية مع المحيط الدولي، والتي لا يمكن حلها سواء من خلال روسيا أو الصين. والأمريكيون ليسوا في عجلة من أمرهم لحل المشاكل مع إيران. ويعتبر الأمريكان أنه باستخدام المراقبة الاستخباراتية والأجهزة السيبرانية، يمكنهم إدارة خلافاتهم مع إيران بالتوازي مع المفاوضات المحتملة، على الورق على الأقل . الهدف هو التقليل التدريجي من اعتماد أفغانستان والعراق على إيران بمرور الوقت. أما فيما يتعلق بإيران، فالولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير الهيكل السياسي ولا تعتبر ذلك ممكناً. فالغرض والأفق هو التغيير في التوجه السياسي. وتنتهج أوروبا السياسة نفسها لأسباب بقدر ما يتعلق بالأمن والهجرة. من هذا المنظور، يمكن أن نستنتج أن دول المنطقة تسعى إلى خلق حالة من إنعدام الأمن لإيران بدلاً من الولايات المتحدة تحديداً. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يغيب عن البال أن حكومة بايدن هي التي "أوعزت" إلى المملكة العربية السعودية بفتح باب الحوار مع إيران.

بالنظر إلى أن حكومة بايدن ستبقى في السلطة لمدة ثلاث سنوات ونصف أخرى على الأقل، وربما 7.5 سنوات أخرى في ولاية ثانية، فقد أعطت الأولوية لإعادة الإعمار الاقتصادي الداخلي، والتعامل مع الإدارة الصينية الروسية، والحفاظ على الهدوء في الشرق الأوسط. فكيف ستقوم إيران بإعادة النظر بسياستها الخارجية ضمن هدف التنمية الإقتصادية؟ وهل تريد التفكير في ذلك في الشهرين المقبلين أم في خلال العشر سنوات القادمة؟ وهل تريد التفكير في إطار الصلة بالهدف الاستراتيجي ؟ وهل تبحث عن علاج أم عن مسكن؟

أياً كانت السياسة التي تنتهجها إيران، فإنها ستواجه حكومة بايدن التي تركز على الداخل لمدة 3.5 سنوات قادمة على الأقل. ولا يبدو أن الصين وروسيا ستتخذا خطوات تربو إلى مستوى "العلاقات الاستراتيجية" مع إيران بسبب مصالحهما الواسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، على الرغم من أن كلا علماء النفس يدركان أهمية الشخصية الإيرانية. قد يتم تحديد المشاريع وحتى اكتمالها في إيران، ويتم إجراء بعض التغييرات، لكن إيران لا تستطيع حل المشكلات الأساسية للاقتصاد الإيراني.

على المدى البعيد، لن تتمتع إيران بأمن قومي قوي طالما أنها لا تمتلك اقتصاداً يحتاجه الآخرون؛ هذا هو المسار الذي سلكته البرازيل، وإندونيسيا، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، وعلى نطاق أوسع، الهند والصين، حيث جعل الغربيين يعتمدون عليهم. هذه حقيقة عالمية. إن النموذج الصيني لهذا النوع من الحكومات لا يحتاج حتى إلى الديمقراطية. فبدون حل القضايا الدولية، لن تتمكن إيران من حيث المبدأ من القيام بأنشطة اقتصادية مستدامة في المنطقة.

يتطلب مستقبل إيران المستقر والآمن نظرية شاملة تفهم أولاً حقائق السياق العالمي ثم تكييفها مع السياقات الإقليمية والمحلية. وسيكون فهم ضرورات الاقتصاد الدولي هو الأساس لفهم حقائق "الطبق" العالمي. لقد كان أخطر ضعف نظري للحكومة الثانية عشرة الإيرانية هو عدم إلمامها بتعقيدات الاقتصاد الدولي. فمستقبل إيران يحتاج إلى عمالقة نظريين لرسم خريطة للحقائق الداخلية والخارجية معاً؛ وهو المسار الذي إختطته فيتنام ونفذته في عام 1995.

بالنسبة لأولئك الذين لا يمتلكون التخصص في العلاقات الدولية، فإن مشاهدة مقطع فيديو مدته 3 ساعات و 35 دقيقة و 19 ثانية لأمير أصلان أفشار، آخر رئيس لتشريفات البلاط الامبراطوري البهلوي الثاني على موقع يوتيوب، قد يكون مجرد دعوة للصمت والحذر؛ وقد لا يكون وسيلة للحكم على التعقيدات الداخلية للدول الأخرى باستخدام جهاز التحكم عن بعد وتحليله دقيقاً. ويشير أمير أصلان أفشار سفير إيران في ذروة العلاقات الإستراتيجية بين إيران والولايات المتحدة في واشنطن (1963-1973) إن:" محمد رضا شاه طلب منه التحدث إلى المسؤولين الأمريكيين حول أسباب تأخير تسليم الأسلحة إلى إيران رغم دفع جميع الأقساط ببطء خلال اجتماع مع وليام فولبرايت، الرئيس القوي للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. وقد وبخ فولبرايت أمير أصلان أفشار بسبب شراء ايران الكثير من الأسلحة من السوفييت. بعد بضعة أسئلة وأجوبة، أدرك أفشار أن فولبرايت أخطأ في في ذروة العلاقات إيران والعراق، وهذا مثال على الأولويات أمام البلدان.

قام الأسويون على مدى 30 عاماً بإنجاز عمل نفذه الغربيون حلال قرنين من الزمن في التصنيع، وبدون ضجة وبشكل تدريجي، وبإنسجام سياسي وانضباط في العمل، ليس فقط في أوروبا وأمريكا ولكن أيضاً في إفريقيا، التي سيتضاعف عدد سكانها إلى حوالي ملياري نسمة بحلول عام 2050. سيعتمد الناس على سلعهم وخدماتهم وأعمالهم المصرفية، لدرجة أن جوزيف بوريل، رئيس لجنة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اعترف مؤخراً في ندوة عبر الإنترنت: بينما تفكر الشركات الغربية في إرضاء مساهميها في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام، يخطط الصينيون للسنوات العشرين القادمة.

في أحد الاجتماعات التي دارت في دافوس، سأل وزير خارجية الولايات المتحدة الكاتب: ما هو برأيك أهم نقطة ضعف في السياسة الخارجية الأمريكية؟ كانت الإجابة نظرية، ومزيج من مبدأ القوة وعلم النفس، وقلت له: إذا قارنت نفسك بالإنجليز، فستصل إلى العديد من النقاط والاختلافات في الفكر والسلوك. فالبريطانيون يدرسون الهدف والدولة بتفاصيله الثقافية والتاريخية ثم يوفقون بين مصالحهم والواقع الموضوعي. في حين إن الولايات المتحدة تفرض سياستها الخارجية بما تتمتع من إطار جغرافي واسع وقدرة عسكرية ضخمة ومصادر مالية ضخمة وتحديث وأجهزة معقدة ونظام بيروقراطي وتتخذ القرارات حول سياستها الخارجية. كما تتخذ الصين واليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا قراراتها المتعلقة بعلاقاتها الدولية وتديرها على غرار البريطانيين. كلما زادت القوة، يجب أن يصبح علم النفس السلوكي أكثر تعقيداً. في السنوات القادمة، سيستفيد الديمقراطيون أكثر من القوة الناعمة لأمريكا.

 

............................

* محمود سريع القلم، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة شهيد بهشتي (الجامعة الوطنية الإيرانية سابقًا) منذ عام 1987. ولد في طهران - إيران في عام 1959. حصل على شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية / الإدارة من جامعة ولاية كاليفورنيا، وشهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة نورثريدج في عام 1980. وحصل على درجات علمية في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا في عام 1982 و في عام 1987 على التوالي. أكمل محمود سريع القلم أيضاً برنامج ما بعد الدكتوراه في جامعة أوهايو في عام 1997. وخلال العام الدراسي 2009-2010، قام بالتدريس في جامعة الكويت.

إن محمود سريع القلم  متخصص في السياسة الدولية للشرق الأوسط والسياسة الخارجية الإيرانية والثقافة السياسية. وقد كتب على نطاق واسع بالفارسية والعربية والإنجليزية. وهو عضو في جمعية الدراسات الدولية (الولايات المتحدة)، ومجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي (سويسرا) وباحث غير مقيم في ASERI (إيطاليا).

 

سعد جاسم"أنّي أريد أن أُعلِم سائلتي (الباحثة)، أَنْ لا قدرةَ لي على استيفاء حقّ حركة الشعر العراقيّ في كندا، من دون معرفة شعرائها كلّهم، واستقراء ما انطوت عليه تجربة كلّ واحد منهم حياةً وشعراً، لكي يكون الحكم على كليّة الحركة، بما يوجد في جزئياتها لتحقيق الموضوعيّة العلميّة في الجواب. وانطلاقاً من هذا المفهوم المنهجيّ، فإنّي سأقصر حديثي على تجربتي الشعريّة الخاصّة، مدّة ثلاثة عقود من إقامتي في كندا، مركّزاً على تفاصيل ما تضمّنته من نشاطات ثقافيّة واجتماعيّة ابتغاء التوثيق التاريخيّ. ومهما تختلف خاصيّة هذه التجربة؛ فانّها ستجلو دون ريب صورة مهمّة ومفيدة، عن حركة الشعر العراقيّ في كندا "

بهذا المُقتطف من شهادة الاستاذ عبد الاله الياسري المُعنونة:

"نبذة من الشعر العراقيّ في كندا، والهجرة إليها"

سأبدأ مداخلتي وحواري وتعقيبي على ما قاله الياسري في اجابته عمّا سألته فيه الأُخت الطالبة (نُهى عبدالرسول زكيّ الأنباريّ)، خلال بحثها لنيل شهادة الدكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها في جامعة بغداد، حيث انها قد طرحت عليه سؤالين: الأوّل عن سبب الهجرة العراقيّة إلى كندا، والآخرعن حركة الشعر العراقيّ فيهاَ؛

وفيما يعنيني انا؛ سأناقش الياسري حول السؤال الثاني المُتعلّق

بما تمَّ تسميته بـ "حركة الشعر العراقي في كندا"

اولاً: لقد قال الياسري: " لا قدرةَ لي على استيفاء حقّ حركة الشعر العراقيّ في كندا، من دون معرفة شعرائها كلهم " .

طيّب اخي اذا لم تكن لك قدرة على استيفاء حق حركة الشعر العراقي في كندا؟ وكذلك فأنت ومن الواضح جداً انك لاتملك معرفة جيدة وحقيقية بشعرائها العراقيين المبدعين والكبار والحقيقيين؛ فلماذا ورّطت نفسك بكتابة هذا الشهادة التي تفتقد الى أبسط شروط{الموضوعية العلمية في الجواب} كما اشرت أنت اعلاه؟

ثانياً: أَينَ هو "المفهوم المنهجي"؟ وأَين هي   الـ " صورة مهمّة ومفيدة، عن حركة الشعر العراقيّ في كندا.."  في شهادتك أو في اجابتك هذه على سؤال الاخت " الباحثة "؟ مادمتَ أَنتَ تجهل الاسماء والابعاد والرؤى والنتاجات والتفاصيل الحقيقية لحركة الشعر العراقي في كندا؟

وكذلك فأَنا أَمتلك مجموعة من الافكار والاراء والتصورات التي تدعوني للتساؤل معك عزيزي الياسري:

ومن هذه الاسئلة هو السؤال الجوهري التالي: هل توجد حقاً "حركة" للشعر العراقي في كندا؟ كمصطلح ومفهوم وعمل ونشاط وحضور منتج ومثمر وفعّال؟

أَمْ ان ماتسميه انت " حركة " هي ليستْ أكثر من مجموعة من الشعراء المتناثرين في بلاد شاسعة ومترامية الاطراف؟

بلاد المحبّة والسلام والتسامح؛ وبلاد العلوم والاداب والفنون المُتعددة؛ في الوقتِ الذي تتواجد وتعيش فيها مجموعة رائعة من الشعراء العراقيين المبدعين الكبار والذين من بينهم مَنْ هو بمنزلة الشعراء العالميين وذلك لعمق ورصانة وجماليات ابداعهم الشعري الذي اثبت حضوره في مختلف الاوساط الثقافية العراقية والعربية والعالمية؛ ويسرني هنا ان أذكر لك بكل فخر واعتزاز الاسماء الشعرية الكبيرة والمهمة بشاعريتها وحضورها الابداعي المضيء وهم الشعراء:

عيسى حسن الياسري وسعد جاسم وهادي ياسين ومحمد تركي النصار ومعتز رشدي وكريم الزيدي . وكذلك أذكر الشعراء الشباب: م .أروى السامرائي وم. أحمد كاظم سعدون وم. حاتم عبد الهادي ومديح الصادق وغيرهم؛ طبعاً هذا بالاضافة الى اسماء الاصدقاء والزملاء الشعراء الذين ذكرتهم أَنت كونك تعرفهم شخصياً؛ إلّا أَن المؤسف في امرك هو انك لم تُكلّف نفسك حتى مجرّد التعرّف على تجارب هؤلاء الشعراء الحقيقيين؛ ولا حتى قد قمتَ او فكّرتَ بالتعارف معهم من منطلق اخوي وانساني؛ وأعتقد  "وعذراً على قولي هذا" انك مأخوذ وموهوم ومهموم بتصورات ومواقف وذرائع لا علاقة لها بجوهر العملية الشعرية والابداعية والوطنية والانسانية.

رابعاً: مادام معظم حديثك يؤكد على وجود " حركة " للشعر العراقي في كندا؛ فلماذا لمْ تقم بتسليط الضوء على

كتاب الاديب كريم شعلان؟ والذي اشرتَ بشكل سريع وعابر؛ وذكرتَ انه قد تضمّنَ سيراً ذاتية وقصائد ونصوصاً لمجموعة من  الشعراء العراقيين في كندا؟ والذين لاأدري ان كنتَ أَنتَ من بينهم  أَمْ لا؟ أَمْ لأنَّ الكتاب قد كان باللغة الانجليزية التي لا أعرف هل انك تُجيدها أَمْ لا؟

والله من وراء القصد

 

سعد جاسم

..........................

للاطلاع

عبد الإله الياسريّ: نبذة من الشعر العراقيّ في كندا، والهجرة إليها

 

 

عبد الجبار العبيديالسياسة لغةً: هي رعاية شئون الدولة والناس، وأصطلاحاً هي فن الممكن . تشكل السياسة العادلة في نظرية مبادىء أهل البيت المحور الرئيسي الذي منه تتفرع بقية المحاور الانسانية الاخرى، على الرغم من انهم لم يحددوها في نص مطرد واحد.. لكنه كان نصا شموليا كي تتحقق العدالة المطلقة التي نادى بها الحق "ان الله هو الحق".. شرط ان يكون هذا النص يفسر بلا عواطف لضمان حق الرعية دون استثناء بين الرجل والمرأة على حدٍ سواء.. " انا خلقناكم من نفسٍ واحدةٍ " قابلا للتطور مع الزمن لذا بقيت مبادئهم بحاجة الى فقه جديد دوما دون تقديس.ليتماشى مع محور الزمن في التطبيق.. وهذا ما تحاول جماعات الردة المذهبية والطائفية والطامعين في العراق من أتباعهم من الوقوف ضده واستحالة تطبيقه لأنهم من الناكثين بالعهد والحانثين للقسم واليمين..

هذا الفن السياسي ليس جديدا، بل وجد منذ عهد الامبراطريات الكبرى في التاريخ، اليونانية والعراقية. اليونانية التي ثبتهاالفيلسوف هرقليط والتي عزاها الى الصراع (polemos) من اجل العدالة.. والعراقية التي ثبتها آور نمو وحمورابي في في شريعته وهي العدالة دون تفريق لادارة شئون الرعية وثبتت في شريعة القانون .هذه السياسة الصارمة العادلة بحق الرعية نظر اليها الامام جعفر الصادق (ع) بجدية التطبيق ولكن من منظور اخر مغاير حين التزم الحياد بينه وبين العباسيين في احقية الخلافة وقيادة الدولة وحقوق المواطنين، حتى لا يحدث مالم يكن بالحسبان للعلويين على يد المنصور المستميت في وراثة الخلافة للعباسيين خروجا على أحقية القانون . والى هذا الموقف الذكي الذي وقفه الامام الصادق يرجع الفضل في سلامته وقومه من اذى العباسيين ودعاتهم ورجالهم , وان لم يسلموا منهم كما في مقتل الامام موسى أبن جعفر (ع) على يد هارون الرشيد.. والأمام الرضا (ع) على يد الخليفة المآمون.

أنظر كتاب فقه الصادق.

ان منهاج مدرسة أهل البيت مبني على الرأي والرأي الاخر، لأنه مستمد من أمور آلهية مرتبة بلا زمان ولا مكان مبنية على العقل الفعال، والنفس الكلية، لذا كانت المدرسة تنظر الى العدالة من رؤية واحدة .. بلا زمان يتناقض لأن العدالة مفهوم لدني لا يـتأثربصيرورة التاريخ في التغيير. ان قادة الاسلام منذ العصر الاموي والعباسي لم يدركوا مفاهيم النظرية فحسبوها زمانية تتغير بتغير الازمان والمكان والمصالح.. لذا تخلوا عن كل قيم سياسة أهل البيت ومبادئهم من أجل المصالح الذاتية.. لكننا حين نتحدث عن موقف المدرسة في المفهموم السياسي العام، ندرك ان هناك مدرسة اعدت لتعليم صفات المتقين وكيفية التعامل بينهم وبين الناس وفقا للشريعة الاسلامية النقية . ان مبادىء المدرسة مستمدة من عهد الرسالة النبوية حين وضع الرسول (ص) دستور المدينة في السنة الخامسة للهجرة وضمنه حقوق وواجبات الناس في امة الاسلام، هذا الدستور الذي اخفته الدولتان الاموية والعباسية ومن جاء من بعدهما لكي لا يكون مستندا للمسلمين في نظرتهم لسلطة الدولة القائمة على العدل والمساواة، بعيداً عن نظرية الحق الآلهي المقدسة والتي تتناقض وموقف الاسلام السياسي في ادارة حكم الدولة.. بالشورى.؟؟

ان مبادى ومعاييرسياسة اهل البيت مدونة في خطب ورسائل نهج البلاغة المتضمنة والتي تعد بحق الدستور السياسي لمن يريد ان يسوس الدولة بالحق والعدل والمساواة بين الناس، وتقف رسالة الامام علي (ع) الى مالك الاشترعامله على مصر في المقدمة، تقول الرسالة:" ان السياسة لا تراد لنفسها، وانما تراد للذكر الجميل.فهي لم تعد حقا الهياً يتولاه الحاكم نيابة عن الله، وانما هي منوطة بارادة الناس، توليها من تشاء بحسب اعتبارات تتعلق بمصلحة الجماعة حين يقول (آلزموا السواد الاعظم فأن يد الله مع الجماعة) نهج البلاغة..

لذا فهي ليست سلطة للقهر والعنف والعسف، لكنها مندمجة معهم تراقب احوالهم وتضع الحلول الناجعة لها. والامام يرى ان الحاكم عليه واجبا دينيا مقدسا هو ان يكون بين الناس لا بعيدا عنهم حين يقول (فأن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور) .. وهنا تقف نظرية القرآن شاخصة في منهج المدرسة (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) ، فلا مجال للحاكم من التهرب من مسئولية الامة وما يقع عليها من ظلم تحت اي ظرف كان مادام هو في مسئولية الامة.. فهي مخالفة شرعية لحكم الناس..وليس السكوت والتغليس على الباطل كما يفعلون اليوم.

وهي ليست وسيلة للاثراء غير المشروع، والتوسعة على الاهل والاقارب بغير حساب دون الاخرين كما فعلها من يدعون بهم اليوم، لكنها تحقيق عدل وانصاف حق ومساواة بينهم حين يقول: (فلا يكن حظك في ولايتك مالا تستفيده، ولا غيظا تشفيه، ولكن أماتة باطل واحياء حق) ومن وجهة نظره (ع) ان الناس عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينهم بالسوية، ثم يقول: في المحافظة على اموال الدولة (ألا ان كل قطيعة أقطعها (فلان) وكل مال اعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فأن الحق القديم لا يبطله شيء والعقل مضطر لقبول الحق.، ففي العدل سعة .. ومن ضاق عليه العدل .. فالجور عليه أضيق (. كما انها ليست أحسابا تشاد عليها الامجاد، ولا شرفا يدفع الى التكبر والتجبرحين يقول (اذ لا حسب كالتواضع، وليست استبدادا في الرأي ولا خداعا للناس لكسب المجد والسلطان) .

أنها برأيه صراحة في القول، ونزاهة في العمل، وصدق في المعاملة، حين يقول (يا ولاة الامور، يا من تحكمون الناس:" اصدقوا ما وعدتم به الناس، ولا تخونوا عهدا تعاهدتم به مع الناس، ولا تنكثوا أيمانا اقسمتم عليه، فمن اراد ان يكون أماماً للناس عليه ان يبدأ بنفسه قبل غيره، وليبدأها بسيرته قبل لسانه "، انها سياسة مجسدة في قول الامام الحسين (ع) في تطبيق سياسة الدولة: (كونوا مع الحق، ولا تخشوا الدنيا كلها، ولا تقبلوا باطلا ابدا، فأن جدي رسول الله مني بالدنيا كلها من قريش فآثر الحق عليها، ولم يقبل منها منةً) .

هنا كان النص الديني يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي في نظرية أهل البيت .وفي هذا الخصوص يقول الامام موسى بن جعفر (ع) مخاطباً الرشيد من سجنه الانفرادي في بغداد حين طلب منه الرشيد العفو والرضى وتأييد سياسة العباسيين حين خاطبه الرشيد طالباً منه التأييد لشرعية الحكم: (أنصفنا يا موسى فانتم اعمامنا، أذكرنا بخير ولك منا ما ترغب وتريد.. خذ الكرخ كله) ، فيرد الامام من داخل سجنه على الرشيد قائلا: (يا ظالم العصر ان الظلم فاشٍٍ ببابك، والله يا هارون نحن ورثة مدرسة آهل البيت لا نرضى بذل او معصية ‘فلن ينقضي عني يوم من البلاء، حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، وغدا نحن جميعا امام الله سواء) .فليقرأوا أهل الحكم في العراق ومرجعياتهم الدينية رأي أهل البيت في الحق.. ولا يبقوا ظالمين.. يضحكون على الناس بتزييف الحقيقة.

وهكذا فعلها الامام الرضا (ع) مع المآمون رغم حراجة الموقف. يقول المآمون: (لا بد من قبولك ما اريد، فاني لا اجد محيصا عنها، بك يستتب الامن، وتهدأ الجموع، فيرد عليه الامام:) ليس بي ما تريد ولكن بالحق والعدل تحكم الناس، نحن ابناء آهل البيت كلنا شهداء الحق والعدل (، (ان الله هو العدل الذي لا يجور) مما أكد شكلانية البيعة كما ادركها الامام الرضا، نعم كان شجاعا عدلا، لا يهاب الموت في سبيل الله، يقول المؤرخ الطبري: والله عترة آهل البيت أهيب من الاسد في صدور الناس.. فهل حقا من يحكمون اليوم في بلدي العراق هم منهم .. كما يدعون.. لا ورب الكعبة أنهم اعداؤهم الحقيقيون.. ؟

لقد وضعت المدرسة مبادىء الحكم الاسلامي والزمت الناس باتباعه حين جعلت مبادىء السياسة لا تقتصر على الفرد، بل على الجماعة والفرد معا، لذا فالنظرة موحدة وشاملة للاثنين، لان مصلحة الاكثرية هي الاساس يقول الامام علي (ع) :" فسخط العامة يُجحف برضى الخاصة، وان سخط الخاصة يُغتفر برضى العامة) .ومن يطلع على العهد المكتوب لمالك الاشتر من الامام علي يجد بكل صراحة ووضوح: ان نظام البرلمان ومبدأ سيادة الامة هو من قواعد الحكم واصول الاسلام.ان ما قررته المدرسة في اصول الحكم طالبت بتطبيقه دون اي اعتبار اخر، وخاصة في مجال الحقوق الكثيرة التي اوردتها في منهجها الصالح ومنها:

الحرية:

لقد انطلقت المدرسة من النص القرآني، ففي مجال الحرية، التي هي اسمى ما في الوجود، أعطت للانسان حرية الاختيار في الفعل الذي يريده، حين امر الله سبحانه وتعالى الانسان بفعل الواجب، ولم يجبره عليه، بل ترك الامر لاختياره وارادته، لكنه حذره من المعصية، واوعده بالعقاب والثواب، وهذا ما نلاحظه تماما في سورة الكهف آية 29 (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفرانا اعتدنا للظالمين نارا) .هنا اقامت الاية الكريمة علاقة جدلية بين الكفر والايمان وعدمه، وبما ان الكفر ظلم للنفس البشرية من الناحية العقائدية، وقد يرتكب من غير الكافر ايضا، فقد وسع القرآن العقوبة حين قال (أعتدنا للظالمين نارا) لان الظلم يرتكب من قبل الكافر والمؤمن على حد سواء والقرآن وكلماته المتميزة لاتقبل الترادف اللغوي ابدا. ولكي تبقى العقوبة محددة بمواثيق دقيقة كي لا يعتدي الحاكم على الناس بدافع الضغط والأكراه..

هذا الفهم العميق للحرية كان الاساس الذي بنيت عليه علاقة الحاكم بالمحكوم، فالحاكم يعترف بحق الاخرين في ان يكونوا معه اوعليه، فليس من حقه الضغط والاكراه، فيقول الأمام: (ولست ارى ان اجبر احدا على عمل يكرهه) وهنا يصبح حق العمل من حق العامل نفسه.لكنها لم تغفل الحق العام حين ربطت العمل بالخدمة الحياتية ومنفعة الناس دون غرور وتبجح واحتكار لاقوات الناس (وابتذل من نفسك فيما افترضَ الله عليك ... .ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك، فأن الذي يصل اليك افضل من الذي يصل بك) .وهكذا فان حرية العمل والعمل نفسه وحده المسئول عن اشاعة الطمأنينة والرخاء المجتمعي. وينسحب هذا القول على حرية السكن والمعتقد حين يقول العهد الى عامله في مصر (لا تبغِ على اهل القبلة ولا تظلم اهل الذمة فهم في الخلق سواء) .اذن كيف يفرقون اصحاب أهل البيت بين الناس ويضيعون حقوقهم دون سبب.. بعد ان أماتوا حقوقنا دون قانون.. ؟

المساواة:

وفي مجال المساواة اهتمت المدرسة بعدم التمييز بين الناس فيما هم فيه أسوة. وقد تحددت المساواة بأن لا يتميز احد على احد، بل وحرمت المدرسة ان يعيش أيا كان مركزه مكتفبا وحوله من يجهد نفسه باحثاً عن لقمة العيش يسد بها رمقه.وقد حذرت من مغبة الاستئثار بشيء يزيد على بعض الناس مما تجب فيه المساواة بينهم حين قال (واياك والاستئثار بما الناس فيه اسوة) .ونظرت في المساواة ان البشر متساوون في الحقوق العامة ومساواتهم لم تكن نابعة من الدين، بل من اشتراكهم في الانسانية والمولد والدين معاً حين يقول: (الرعية صنفان، اما اخٍ لك في الدين، او نظير لك في الخلق .

والمساواة تمتد في رأي الأمام لتشمل كل انواع التسوية سواءً في العطاء حين يقول مخاطبا الاشتر: (واني اقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني انك خنت من فيء المسلمين شيئا صغيرا او كبيرا، لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الامر) .، او امام القانون حين يقول (ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء... . والزم كل منهم ما الزم نفسه) أنظر النهج ..او في كل صنوف العدالة الاجتماعية حيث العدل اساس الحكم الصالح والمواطنة الصحيحة، فأن (أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية) .هذه المبادىء السياسية هي مبادىء اسلامية تخلت عنها الدولة الاسلامية بعد الرسول (ص) والى اليوم.فليقرأوا من يدعون بهم كيف ظلموا الناس وباعووا الوطن وملكوه للأخرين والأبناء.. لكنهم شطار في الاستحواذ على السلطة وخيانة المبادىء..

وينظر الامام الى سياسة الباطل، فيضع تحته كل مسميات النفاق والرياء والمخاتلة وطعن الاخرين بدون وجه حق، فيقول مخاطبا احد عماله على الولايات (أيها الرجل، لا يؤنسك الا الحق، ولا يوحشك الا الباطل، ولا تحكم الا بالعدل) .جالس العلماء فهم ذخيرتك.. فليقرأ رئيس مجلس القضاء الاعلى الذي غلس على قتل العلماء بالباطل .

الموقف من السلطة:

وموقف المدرسة من استلام السلطة، اعتبر السلطة وسيلة لا غاية لتحقيق حكم الله في الارض ونشر العدالة الاجتماعية، لان القانون بحاجة ماسة الى من ينفذه على الارض.واحلى ما حدده العهد، ان مهام السلطة محددة باربعة امور هي: (جباية موارد الدولة وايداعها في بيت المال سليمة، والدفاع عنها وعدم تمكين عدوها منها، واستصلاح اهلها علما ومعرفة وكفاية، وعمارة بلادها دون نقص يذكر) . من هنا انطلق العهد بضرورة التكاتف والتعاون لاسعاد الشعب وعمارة الوطن لينعم الجميع بتلك السيرة الحسنة والنهج القويم.

هذا التوجه مستمد من غاية السعي المعرفي للانسان في فهم الادراك المعنوي للسلطة لتحقيق الجانب الانساني فيها.. ومعرفة حقوق الله حق المعرفة.. لاما تفتي به مرجعيات الدين التي لا أصل لها في التوجية والتثبيت.. بل القانون.. ؟

المعاهدات الدولية:

وفي مجال عقد المعاهدات الدولية مع الاخرين ودخوال الحرب يقول العهد العلوي:"لا تدخلوا الحرب الا مكرهين، ولا تخوضوا غمارها الا في سبيل الله دفاعا عن النفس، وصالحوا من يصالحكم صونا للنفوس ان لا تشحن بالضغائن والاحقاد، حقنا للدماء مستشهدا بالاية الكريمة (وان جنحوا للسلم فاجنح لهاوتوكل على الله –الانفال 61) . لذا في عهده توقفت الفتوحات الظالمة على الشعوب الأخرى..

ويقول (اذا ما عقدتم الصلح فعليكم ان يكون محكما بالفاظه، صريحا في دلالاته، فلا يتحمل اكثر من معنى واحد، حتى لا تتطرق اليه التأويلات والعلل وطلب المخارج .واختاروا لمن يفاوض من خيرة الناس عدلا وعلما ومعرفة، انها امانة الوطن، واذا وقعتم عقدا فلا بد من الالتزام به وعدم نقضه، اعتمادا على تأويل خفي، لان هذا من باب النفاق والرياء، وأردف قائلاً: ولا تعقدوا عقدا تجوز فيه العلل ويتزعمه الجاهل، ولا تعولن على لحن القول بعد التاكيد والتوثيق، ولا يدعونك ضيق امر ٍلزمك فيه عهد الله الى طلب انفساخه بغير الحق، فأن صبرك على ضيق امر ٍترجو انفراجه، خير من غدر تخاف تبعيته) أنظر النهج .وفي مجال جهاد الاعداء حفاظا على الوطن يؤكد ما جاء في سورة التوبة اية 43 التي اشار فيها القرآن الى الموقف السلبي من بعض اعراب الجزيرة حين تلكئوا عن مقاتلة الروم في عهد رسول الله (ص) ، لان الوطن امانة بيد الحاكم فلا يجوز له شرعا التصرف به دون رأي الامة.. أنظروا الى اتباعهم وكيف خانوا الوطن.. وباعوالأرض والعرض والمال للأخرين دون خوف من قانون.. ؟

اصلاح حال الرعية:

وفي مجال صلاح حال الرعية يدعو العهد الى الاهتمام بشئون الامن والثقافة والصحة ووظائف الدولة والخدمات وعدم الاخلال بها مطلقا، ولا يمكن لهذه الخدمات ان تتم الا اذا بنيت على الصدق والاخلاص والتعاون بين الحاكم والمحكوم، ضمن اطار مصلحة الوطن والمواطن حين يقول الأمام: (ايها الناس ان لي عليكم حقا، ولكم عليَ حق، فأما حقكم عليَ النصيحة لكم وتوفير فيئكم وكفايتكم فليس من حق الحاكم ان ينام ليلته وفي وطنه معوزُ واحد، وعلي تعليمكم كي لا تجهلوا ... اما حقي عليكم الطاعة حين أأمركم والوفاء لي ولوطنكم، واكد على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، على ان تكون الكفاءة شرطا للاختيار والتوظيف، لا القرابة والصداقة، فقد ذكر لنا السيوطي في تاريخه ان اخاه عقيل طلب منه ان يوليه ولاية ويعطيه من بيت مال المسلمين فرفض ذلك بشدة اذ يقول: (أتريدني ان آخذ من أموال المسلمين فأعطيكها دونهم، أتريد مني ولاية وانت لست بقادر عليها، ومالا وهو ليس مالي ولكن مال المسلمين، اتقي الله ياعقيل في دينك) .. وطالب الامام بالتوسعة على من يحمل الامانة حتى لا يدب الفساد في نفسه ولا يستغل منصبه لشخصه، وعلى الامة مراقبته بدقة ولا تخفوا عوجا الا وتعلموه، فما جزاء الاحسان الا الاحسان، وما جزاء السيئة الا بمثلها) .. انظروا كيف قبلوا بتزوير الشهادات ليعتلوا مناصب الدولة العليا بعلمهم.

شخصية الحاكم:

وفي مجال شخصية الحاكم او المسئول فلا يجب اختياره الا من بين اكثرهم كفاءْة واستقامة، من اهل الورع والصدق، الذين لا تستميلهم الاهواء ولا تأسرهم المطامع او الشهوات أو تطربهم المدائح، لانها من الامور التي تصرفهم عن جادة الحق وسواء السبيل.والفضيلة شرطا من شروط اختيار الحكام وعليه رعايتها ونشرها بين الخاصة والعامة، لذا لايُقبل للحكم الا اذا كان من اتباعها حتى لا يؤثر سلبا على حالة المجتمع .ويؤكد عل اختيار اقوياء الشخصية والمقدرة في ادارة امور الدولة، لذا اكد العهد على ضرورة حسن اختيار المسئول لممارسة الوظيفة حتى لايستغل في المواقف الصعبة، ولا يداهن في دينه على حساب وطنه، لان الموظف مسئول امام الله وامام نفسه ومن هم على راسه . وعلى من يتم اختياره يجب ان يكون منزها عن الشبهات وفياً بالعهد والتجربة والكفاءة والشجاعة في قول الحق والمواقف الصعبة، لا على اساس القرابة والصداقة والمصلحة الشخصية كما هو شائع اليوم في عراقنا المغتصب منهم .. الذي حولوا الباطل الى قانون..

بهذا يكون العهد قد سما بالدولة الى المستوى الانساني الرفيع، حفاظا على الوطن والمواطن من عاديات الزمن، وما تخبئه الايام من نوازل.

نعم هذا هو رأي مدرسة آهل البيت العظام في الدولة والمواطن، هؤلاء الذين، عاشوا بين الفقراء وضد الفقر، ومع المحرومين وضد الحرمان، ومع الجماهير وضد الطغاة.. نعم هذا قول لا يبارى.. فأين ممن يحكمون الوطن اليوم من خونة قادة الشيعة الذين يدعون بهم ..بعد ان كفروا بكل المبادىءالتي جاءت بها المدرسة.

لقد اثبت التاريخ ان كل فكرة طرحت في حكم الناس - من دون شرع القرآن الحقيقي والجماعة – كانت فكرة مميتة ومن اتبعها كان لا يحسن قراءة التاريخ، وكان عليه ان يتعلم القراءة، وكان عليهم ان يتعلموا الدرس والقراءة بانفسهم، وهم يدعون ورثة هذه المدرسة ومنهجها الصالح، حتى يولدوا ولادة حضارية جديدة خلال معاناة لما فاتهم من زمن ظالم ورديء، فهناك علاقة تبادلية أو جدلية بين الانسان والبناء الحضاري، فكلاهما يولد من جديد في الاخر.وكلاهما يتطور ضمن كلية تفاعلية واحدة، هذا المنطق ينطبق على كل الحضارات بما فيها حضارة الاسلام رغم ان نهج البناء الحضاري الاسلامي جاء مختلفا حين كان رسول الله قمة الكمال، وقمة الكمال لا ياتي بعدها الا النقص.

ان مسيرة النقص والمعاناة التي نعاني منها الان هو اننا بحاجة الى التعايش مع النص القرآني صدقا وحقيقة ومنهج مدرسة آهل البيت صدقاً وحقيقةً، فالاسلام الحق هو الذي يجب ان نتعايش معه بلغتنا وواقعنا قولا وتطبيقا، لكن الاسلام اليوم ومنهجه القويم صار يعيش قي لغة الناس وليس في واقعهم.. كما هم خونة التاريخ يتصرفون..

ان الافتراق التدريجي بين التجربة السياسية الحالية وبين المنهجية القرأنية، وخاصة في امر الحكم والمال، شكلت بدايات التدهورفي وطننا العزيز العراق حتى وصلنا الى نقطة نرى منها ان معدل النقص اصبح يعلو على معدل القوة فظهر التدهور بيننا في كل مجالات الحياة، وان ادعينا عكس ذلك، فالشواهد على الارض لا تسعفنا حجةً، وهو تدهور ان لم نتلافاه سيسقطنا حتما في هاوية السقوط الكلي الذي لا ترجى منه شفاعة ابدا.وساعتها ليس من حقنا ان نندم، بعد ان قصرنا بما لزم علينا عمله عمداًً.لن يتحرر العراق ويعود لأهله حتى تسقط هذه القيادة الفاسدة ويعود الشعب يحكم الوطن..

أطلب الحق اخي المواطن ولا تعطي صوتك لمن خان وغدر.. وأحترم شجاعة من يقول الحقيقة.. ففيها خلاصك... ؟

 

د.عبد الجبارالعبيدي

...........................

المصادر المعتمدة

- القرآن الكريم

- نهج البلاغة

- مقاتل الطالبيين - الاصفهاني

- تاريخ الخلفاء للسيوطي

-الفلسفة والاعتزال -قاسم حبيب جابر

-أصول الضعف –علي كريم سعيد

- كتاب الحضارة –حسين مؤنس

الكتاب والقرآن –محمد شحرور

الدولة العباسية في عهد الخليفة المهدي العباسي- عبد الجبار العبيدي

 

محمد بنيعيشأولا: الكذبة السياسية وتفلتها عند حكام الجزائر

ليس من العيب في باب السياسة ومذاهبها أن توظف الكذبة من طرف هذا الحاكم أو ذاك لتحقيق غاية داخلية أو خارجية محددة الأهداف والمخططات ، طالما أن تلك الكذبة تكون تحت المراقبة والتحكم عن بعد أو قرب بحسب الموضوع المعالج بها.

وموضوع الكذبة المنتجة لحكم إيجابي يمكن أن تكون في أرقى العلوم دقة وحصرا منطقيا وهي العلوم الرياضية ، كما هو الشأن في ضرب عدد سلبي في عدد سلبي فينتج لنا عددا إيجابيا مضاعفا، أي مثلا : (-2) × (-2) = 4.

ولكن هذا الحكم في الواقع العام قد لا يثبت دائما حينما تتكرر الكذبة وتتنوع ويتعود عليها من غير ضوابط أو مراجعة أو تريث ، وخاصة حينما يكون هناك واقع متحرك أو مستمع يقظ ومتفطن للأكاذيب وأصنافها وقوالبها... بحيث ستصبح الكذبة عبارة عن فيروس فتاك قد أفلت زمامه من المختبر. وهذا كما يقول المثل الإنجليزي:

"Two Wrongs Don't Make a Right"

وقد يترجم إلى الفرنسية بالصيغة التالية:

" ne répare pas une injustice par une autre"

ومعناه بالعربية"إن اجتماع خطأين لا يؤدي إلى الصواب".

وهذا المثل قد ينطبق تماما على سياسة الحكام الجزائريين تجاه المغرب ومصالحه الوطنية العليا منذ بداية الاستقلال إلى يومنا هذا، كلها إسقاطات وإشعال حرائق وهمية لا هي غابوية صرفة ولا بترولية أو غازية ، بحيث دائما هناك كذبة الاعتداء والتوسع والاحتلال التي يصفون بها المغرب كلما لم تتحقق لهم أهدافهم الخاصة ونواياهم التوسعية على حساب جارهم الشقيق ، والذي قد كان بالأمس القريب إلى جانبهم يقاوم معهم المستعمر الحقيقي في خندق واحد وبعزيمة ونية واحدة.

فالبدء قد كان منذ حرب الرمال 1963 حول مشاكل الحدود والتي كان المغرب دائما هو المهضومة حقوقه في المسألة، بأدلة التاريخ وتسلسل الوقائع ثم مرورا بعد توترات ومناوشات لم تشأ أن تعود إلى السلم والتآخي التحالف الصافي. بحيث قد كان الطرف الجزائري وما يزال هو الحامل لثقل ضغينة الأحداث ونزعة الانتقام والاستنزاف. وهنا يبدو النظر القصير لمفهوم السياسة وطبيعة الحرب والسلم عند حكام الجزائر السابقين واللاحقين على حد سواء ، إذ لم ينطبع في أذهانهم إلا "حرب الفجار" ولكنهم غيبوا عن تصورهم" حلف الفضول" كمحطة سلمية ضرورية ومنطقية لكل حرب مرت وانتهت بوزرها وجراحها.

وبهذا المنطق الخاطئ المتسلسل سيعمل هؤلاء الحاقدون باستمرار على اختلاق جبهة سموها بالبوليساريو ، مأجورة ومناوئة وعميلة ، مع دعمها بالعتاد والمال والدعاية للحيلولة دون استكمال المغرب لوحدته الترابية وخاصة موضوع الصحراء المغربية، والتي أؤكد وأؤكد وأزيد تأكيدا ، كمواطن مغربي خالص وبعيد عن السياسة ومذاهبها، على أنها مغربية بكل المقاييس والمعايير الشرعية والقانونية والعرفية والجغرافية والتاريخية !!!.

فكانت هذه المزاعم الجزائرية أول كذبة خرجت من سراب الصحراء حيث الفيافي والغيلان، فلا سكان ولا جيران. وذلك عقب انسحاب المستعمر الإسباني من الساقية الحمراء ووادي الذهب والدخول المباشر للشعب المغربي بقيادة ملكه "الحسن الثاني رحمه الله تعالى سلميا وبطريقة حضارية عز نظيرها في تاريخ الأمم سميت المسيرة الخضراء المظفرة.

هذه الكذبة الجزائرية باحتضانها لعصابة البوليساريو ومدها بالسلاح تحت ذريعة تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير للشعوب قد كانت نتيجة شعارات فضفاضة كان يتغنى بها المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي البائد وأزلامه.

وبعد محكمة العدل الدولية بلاهاي ، التي أثبتت أن هناك روابط ، عرقية وجغرافية وولائية سياسية ، عن طريق البيعة قد كانت قائمة بين الصحراويين والوطن الأم ودولته العلوية العريقة، لم تزد حكام الجزائر إلا تعنتا ودعما وتسليحا ضد المغرب الشقيق وعلى حساب ازدهار ورفاهية الشعب الجزائري نفسه والذي قد كان وما يزال هو الضحية القريبة في هذه المعادلة الكاذبة والتي لم ينته تدحرجها نحو الهاوية لحد الآن.

والغريب في الأمر هو أن هذا النظام الجزائري قد بقي، بالرغم من قوة صمود المغرب بقيادة ملكه، الهادئ والسياسي المحنك والحكيم محمد السادس، وبالرغم أيضا من استقرار الحياة وتسارع النمو الاقتصادي والاجتماعي في الصحراء المغربية، يراهن على الفشل ويراكم الكذب تلو الكذب ، تماما كمن يخسر في القمار وهو مدمن عليه فلا ينسحب إلا بعد أن يصبح صفر اليدين !. بل قد يصبح هو المدان والملاحق ماليا واقتصاديا وسياسيا ، بسبب رهون وشيكات لا رصيد و رأسمال لها، إذا لم يستدرك الأمر قبل فوات الأوان !.

ثانيا: الكذبة المتسلسلة بفزاعة التسلح والتصعيد غير المبرر

وكما يعلم الجميع فإن هؤلاء الحكام قد سعوا ، لمّا لم يتحقق لهم بالوساطة ما كانوا يريدون، إلى سعار التسلح وشراء الخردة العسكرية من المعسكر الشرقي وغيره تحت كذبة "مواجهة العدو التقليدي" كما يزعمون ، وهذا العدو قد لا يوجد في الحقيقة إلا في أذهانهم ومطامعهم التي لا سبيل لتحقيقها على أرض الواقع كإيجابية ، طالما أن كذبتهم الأولى قد كانت سلبية متسلسلة وغير قابلة للضرب أو التضعيف حتى تصبح إيجابية.

والأجمل في هذا المشهد السياسي ، والمثير للتأمل العقلاني والأخلاقي، هو أن هذا العدو المتوهم لديهم ، أي الجار المغربي الشقيق قد بقي دائما في حكم اللامبالي ظاهريا بمثل هذه الترهات والمناورات والتخويفات الكاذبة. بل قد استمر في تنمية الأقاليم الصحراوية بالجنوب وموازاة مع الشمالية بناء وتشييدا و تحديثا وتنضيدا ، فاتحا ذراعية لكل مبادرات السلم والأخوة والتعاون.

لكن حينما بلغ السيل الزبى وأصبح التهديد الفعلي للجار على مسافة رمية حجر فقد كان لا بد من اتخاذ ما به يرد الصائل وبه يقوّم المائل وذلك بطرح ورقة "تقرير مصير القبائل" كجدل سياسي مناظر لا غير، وأيضا تحت رسالة:"إياك أعني واسمعي ياجارة !" أو "مكره أخوك لا بطل". وهنا أدرجت معادلة "الاعتراف مقابل الاعتراف" ، وهذا يدخل في حكم السياسة ومذاهبها ، بل الكذب الجائز توظيفه حينما تقتضي الضرورة ذلك ويكون الحل المؤقت كامنا فيه.

فاعتراف المغرب بدولة ما يسمى "إسرائيل"قد يدخل ضمن هذا السياق أيضا طالما أن الجزائر الشقيقة قد اعترفت بالبوليساريو والمرتزقة وسعت إلى تدويل الاعتراف بهم عبر سنين من العبثية والاستفزاز المجاني. بحيث قد مطّطت الكذبة على غير واقع ملموس، وذلك لأن مزاعم الجمهورية الصحراوية قد لا توجد واقعا إلا في قاموس الدولة الجزائرية وحكامها العسكريين لا غير، وكذلك وسائل إعلامها الموجهة والمأجورة والتي تغرر بشعبها ومثقفيها ، مع الأسف، من أجل تغيير نظرتهم نحو أخيهم الشقيق المغربي، والذي كان وما يزال لا يكن لهم سوى المحبة والاحترام والشعور المشترك.

بينما دولة إسرائيل المفتعلة هاته، لمن يسلم بها ، لها حضور دولي واعتراف ومكانة قوية على أرض الواقع، بل هي من أقوى الدول إعلاميا وعسكريا واقتصاديا في الوقت الراهن. فإذا اعترف المغرب بوجودها كورقة سياسية عابرة فذلك واقع لا مفر منه ، وهذا لا يعني أنها دولة مسالمة أو صديقة بمعنى الكلمة، ولكن للسياسة أحكامها ولتبادل الأدوار سيناريوهاتها. والسياسة هي مسرح المصالح لا العواطف والوشائج الوهمية.

وهنا يبدو الكذب المتدحرج والقصير عند الحكام الجزائريين ، وذلك حينما يقال لهم:" كفوا عن إذاية المغرب بهذه المضايقات في المحافل الدولية وهذه المساندة غير المشروطة للبوليساريو وأزلامه" فيردون عليهم بأن المسألة فيها اعتراف دولي وأنها تخضع لقرارات الأمم المتحدة وأن الجزائر ليست طرفا في الصراع. وهذه كذبة ساخرة وناخرة. كما أن الاعتراف بالبوليساريو قد لا تتعدى نسبته بعض الدول التي لا ريح لها ولا حرية قرار يعتد به.

ولو زايدنا معهم بهذا المنطق جدلا: فقد نقول لهم أيضا بأن دولة إسرائيل هي أكثر قوة واعترافا دوليا بوجودها ، سواء عند الدول الكبرى أو الصغرى بل عبر العالم ككل. ومن منطق حكام الجزائر فإنهم بمغالطاتهم هاته نحو تثبيت أوهام البوليساريو يكونون قد اعترفوا ضمنا وإلزاما بل صراحة ، وبالقانون الدولي نفسه، بوجود دولة إسرائيل ، بل قد زادوها ذريعة لتثبيت حضورها عبر القانون والواقع. ومن هنا فقد كانوا أسوأ حالا في باب هضم حقوق الفلسطينيين وقضيتهم التي يستعملون ورقتها ككذبة أخرى للدعاية والبروباغاندا الفارغة من كل محتوى.

لكن موقف المغرب من القضية الفلسطينية ثابت عبر التاريخ وبالتفعيل الحقيقي وليس الوهمي. فاسألوا أهل القدس و باب المغاربة واسألوا أهل غزة ومطارها واسألوا الضفة الغربية وهضابها تجبكم بلسان حالها :"إن المغرب خير داعم لقضيتها ، "وكفى بالله شهيدا".

وأكثر من هذا أقول كما يقول المثل الإنجليزي أيضا:

"better the devil you know (than the devil you don't know ). "

أي أن تتعامل مع عفريت أو إبليس تعرفه جيدا خير من عفريت لا تعرف أصله وفصله. وقديما قالت العرب :"عدو عالم خير من صديق جاهل".

وحكام الجزائر قد والوا وما يزالون يوالون صديقا جاهلا مرتزقا ، جاهزا ليبيعهم وينقلب عليهم في كل لحظة وعند أدنى فرصة ، بل بسببه قد فضلوا قطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها مع جار وأخ شقيق وعريق يعرفونه جيدا ويعرفهم، وهو المغرب الحبيب بدولته وشعبه. وذلك بسبب أن الكذب لا ينتج سوى الفقاعات والكذب المتدحرج ، وكل ما بني على باطل فهو باطل. "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين". والله الهادي إلى الصواب.

"Two Wrongs Don't Make a Right"