خالد بوفريواسأجعل مارتن هايدجر Martin Heidegger  يستهل هذه المقالة، لأني لا أعتقد أن من بين مثقفي العالم من كان أكثر قناعة بمركزية الجامعة في التطور والرقي غيره، خصوصا إبان توليه رئاسة جامعة (فرايبور الألمانية) سنة 1933. فهو يقول : [إن إرادة ماهية الجامعة هي إرادة العلم كونها إرادة لرسالة الروحية التاريخية لشعب].

وبدوري كم صارعت التردد وأنا أحاول الكتابة والنبش في هذا الموضوع "المصيري"، (جامعة بالصحراء الغربية) لأن الأمر وما فيه مشاكسة دامية لحقيقة غير عادية. نعم، لأنه لو إطلاعنا على المسار الكرونولوجي لهذا المطلب أو دعوني أنعته [حق] وللحجم الهائل من التضحيات التي بدلها الطلبة الصحراويون تاريخيا، لخرجنا باستنتاج واحد تسطع حقيقته في كبد السماء: نظرة النظام السياسي القائم بالمغرب لمطلب الجامعة بالصحراء الغربية، هي ذات النظرة التي ترى بها "تل أبيب" عدوتها اللدودة (طهران)؟!!

فلماذا تتعنت الدولة المغربية تارة، وتمارس شطحات الحرباء تارة أخرى على المطلب (الحق)، ألا وهو جامعة مستقلة وذات الاستقطاب المفتوح ومتعددة الشعب بالصحراء الغربية؟

قبل الخوض في صلب موضوعنا الأساس، سأنعطف قليلا لإثارة السجال حول الجامعة المغربية وما ألت إليه اليوم؛ بعد أن راكمت 63 سنة من تجارب الفشل والفشل الذريع أو ما يصح لنا تسميته (إصلاح الإصلاح)، فالمتتبع للخط الكرونولوجي لمجموع التجارب التي قامت بها الوزارة الوصية من أجل إخراج الجامعة من غرفة الإنعاش : (اللجنة العليا لتعليم/1957، اللجنة الملكية لإصلاح التعليم/ 1958، المجلس الأعلى لتعليم/ 1959، مناظرة المعمورة/ 14 نيسان 1964، المخطط الثلاثي/ 1965_1967، مناظرة إفران الأولى/1970، مناظرة إفران الثانية/1980، اللجنة الوطنية لتعليم/1994، اللجنة الملكية لتربية والتكوين/1999،اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين أو ما يعرف بميثاق الوطني لتربية والتكوين/2001، المخطط الإستراتيجي/2002_2009، الرؤية الإستراتيجية لإصلاح التربية والتكوين للمجلس الأعلى لتربية والتكوين/2015_2030)،الحوصلة النهائية لمسلسل ’’الإصلاح’’ هذا كانت صفر مكور، وخير دليل ممكن أن نتشبث به هو مؤشر QS Index  التابع لمؤسسة Quacquarelli Symonds  الذي حل علينا بقائمة تميز أفضل الجامعات لعام 2021، إذ تغيب الجامعات المغربية كلية باعتبارها [وراء صيرورة التاريخ الحديث] نظرا لانحدار المستوى الأكاديمي والمعرفي وموت درجة البحث العلمي (الذي يعتبر ترف وأخر الأولويات).بل ارتكان الجامعة المغربية بزاوية "التيه الأندراغوجي" أو إن صح لي التوصيف (الإصابة بقلق وجودي منهجي واستلاب أخلاقي حاد) وفتح أبوابها على مصراعيها لمختلف الأجهزة "الأمنية" وجعلها مطبخ سياسي يراعي حميمية التوجه الرسمي للمخزن لا أقل ولا أكثر.

بالمختصر؛ اليوم تتحقق صرخة جسوس محمد Mohamed Guessou إنهم يريدون جيل من الضباع" بعد أن أصبحت قلاع الفكر النقدي الإبستيمي الوضاء مجرد أوكار للفساد الإداري والأخلاقي، مجرد حصون ورقية تُروج لبضاعة ’’فكرية’’ مُقمقمة ومعلبة وسط الشواهد، مجرد مستنبت لخلق أخر صيحات " الغش"، الظاهرة التي أصبحت لصيقة بقوام الجامعة المغربية اليوم.

سنرجع تدحرج عجلة النقاش إلى صلب الإشكالية المبنية على ناصيتها هذه المقالة؛ ونعيد طرح حزمة أسئلة مؤرقة :

 لماذا يمارس النظام السياسي المغربي سياسة ’’تكسير العظام’’ مع مطلب الجامعة الصحراوية بكلياتها ومعاهدها ومراكزها البحثية؟

هل يجعلنا نستحضر مبدأ ’’المفاضلة’’ وثنائية هم ونحن؟

أم أن الأمر وما فيه هاجس (طابو) ’’امني / استخباراتي’’ نظرا لوضعية إقليم الصحراء الغربية سياسيا؟

إذا أردنا النبش في تجليات التاريخ بمعول إمبريقي/ إبستيمي بعيدا عن أي "ضيق أو تحيز أيديولوجي"، سنرى أن الطلبة الصحراويون دافعوا باستماتة قل نظيرها عن مطلب الجامعة في جل الانتفاضات الشعبية التي شهدتها مختلف ربوع الصحراء الغربية (إنتفاضة اسا/1992، مظاهرات 1995 بكل من السمارة والعيون، مظاهرات المسيد/1997، أحداث العيون/1999...) بل وجعلوا حرمة الجامعة المغربية منصات (في وضعية هجوم) لدفاع والذود عن هذا الحق المهضوم واستحضاره في كل المناسبات، وفي كل مرة يصطدمون بسياسات صنيعة المخزن المغربي تختلف باختلاف الظرفية الزمنية والمتعلقة بشكل مباشر بتطورات قضية الصحراء الغربية؛ فتارة _وفي غالب الأحيان_ لا صوت يعلو على ثنائية القمع والردع، وتارة يُطلق عندليب (أنصاف الحلول "سكن جامعي، منحة، أذينات النقل...") ليدوي صوته في الأفق، وتارة أخرى ما يمكن أن نسميه (التفريخ أو المحاباة) وهي محاولة الالتفاف حول أحقية بناء جامعة صحراوية مستقلة وذات الاستقطاب المفتوح وتعدد الشعب وذلك بخلق عدة أنوية / أقطاب جامعية موزعة بمختلف حواضر الصحراء الغربية (المدرسة العليا لتكنولوجيا ومركز الدراسات الاقتصادية بكليميم/ 2011، المدرسة العليا للتكنولوجيا بالعيون/2014 ، مدرسة التجارة والتسيير بالداخلة/2014 ، مركز الدراسات في مهن الطبيعة والتنمية المستدامة بأسا/2017 ، مركز الدراسات والتكوين بالوطية/2018 ...)، أنوية جامعية ذات استقطاب جد محتشم أنشئت بإسقاطات فوقية (جهات أمنية). ذات تواصل محدود مع محيطها الاجتماعي والاقتصادي لأنها تابعة لجامعة إبن زهر. بل الأكثر من هذا، إذا أردنا تصفح القاسم المشترك لطبيعة تخصصات بمختلف هذه الأنوية / الأقطاب الجامعية المحدثة، نجدها ذي طبيعة "تقنية" لا غير وهنا أستحضر ’’غرامشي’’ قائلا : (إن هنالك نوعين من التعليم، تعليم عضوي وتعليم تقني. الطبقة البورجوازية المتحكمة لكي تضمن استدامة موقعها المتحكم تشجع أبناءها على التعليم العضوي، حيث العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ستورث أبنائهم علوم الإنسان وبروتوكولات البورجوازية وستفتح هذا الطبقة الباب على مصراعيه لأبناء الطبقة الكادحة أمام التعليم التقني الذي سيؤهلهم ليكونوا عبيدا أكفاء في مصانع الرأسماليين وشراكاتهم).

إن سؤال مؤسسات التعليم العالي بالصحراء الغربية سيبقى جاثما على هيكل التاريخ، وسيبقى يسائل في كل وقت وحين الدولة المغربية عن فرقعاتها الصابونية الكاذبة (الجهوية المتقدمة، العدالة المجالية، التنمية المستدامة...) وستبقى معاناة الطلبة الصحراويون تزداد يوما بعد أخر _ولكرة الثلج حديث_، أما سلة الحلول الترقيعية هاته لأجل رتق الثقب _الذي يتسع_ في ظل غياب إرادة حقيقة وجادة من طرف النظام السياسي المغربي الذي لم يتخلص من بوثقة (الطابو السياسي) وبعبع (الهاجس الأمني / الإستخبارتي) بالصحراء الغربية. كل هذا وأكثر لن يزيل عن الحق و(طالبي الحق) ثوبه الناصع.

 

*خالد بوفريوا

 طالب جامعي وكاتب مقالات في مجموعة من الوسائط الإعلامية

 

 

صالح الفهديسَألَ مسؤولٌ في إحدى شركات صناعة الطائرات عاملاً بسيطاً كان يصنعُ مساميرَ للطائرات: ما هو عملك؟ أجاب: أصنعُ طائرات، فالطائرات لن تقلع إلَّا بهذه المسامير. ومثلهُ عامل قطع الحجارة الذي سُئل عن عمله فقال: أبني صرحاً ضخماً، وعلى سياقِ كلامهم يفترضُ على كلِّ موظف مهما كانت وظيفته أن يجيب إن سُئل ما هو عمله: أبني وطناً.

ومن هُنا ليعلم كل موظف بأنَّهُ لا توجدُ وظيفةٌ مهمةٌ أو غير مهمَّةٍ فكلُّ وظيفةٍ وُجِدت لحاجةٍ أحدثتها، وضرورةٍ أوجدتها، وأنَّ عمله مهما صَغُرَ فإنَّ أهميته تكمنُ في قيمة ما يقدِّمه لبناءِ وطنه، وعلى ذلك يجب أن لا يستحقرَ وظيفته، ولا يستخفَّ بعمله، ولا يقلِّل من إنجازه، فكل ما يقوم به إن توقَّف فإنَّ خللاً ما سينشأ في منظومة العمل بحالها، وفي مسيرةِ الوطنِ بأَسره.

ليعلم كل موظف قد أمضى توقيعهُ على عقدِ عملٍ قطعَ بموجبهِ عهداً أمام الله أولاً قبل البشر، وبذلك قد أُمِّن أمانةً من اللهِ عزَّ وجل، وأنَّ أيَّ إخلالٍ بهذه الأمانة إنما هو تهاونٌ في أمانته مع الله، القائل: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"(النساء/58) والأمانة ليست وديعةً ماديةً فقط، بل هي وديعةٌ معنويةٌ أداؤها يعني القيام بها بمقتضى العهد والميثاق، فإن أدَّاها على أكمل وجهٍ أرضى الله وأرضى من أئتمنه عليها، وإن فرَّط فيها أخرجهُ ذلك التفريط من دينه، لقول الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام:" «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» وتلك خسارةٌ فادحةٌ لا يعوِّضه مكسبٌ عنها.

ليعلم كل موظف أنَّه قد وُجدَ لخدمة مصالح وطنٍ بأسره، فإن هو وعى ذلك، وفهم وطبَّق، فقد رشدَ إلى الهدف الأسمى، وإن هو أغضى طرفه، وتجاهل، فقد ارتكبَ إثماً مبيناً في حقِّ وطنه الذي منحهُ شرف خدمته فقابله بالتساهلِ والتجاهل.

ليعلم كل موظف أنه لم يكن ليكون في وظيفته تلك، ولم يكن ليكسب رزقه ومعاشه من تلك الوظيفة إلاَّ لخدمة مصالح الناس، وقضاء حاجاتهم، فإن استوعبَ ذلك، واجتهدَ في عمله، وتواضعَ في خدمته، وأخلص في أدائه، استحقَّ وظيفته، واستحلَّ راتبه، وإن هو تعالى على الناس وتكبَّر، وقابل الإحسان بالنكران، فإنه ليس جديراً بوظيفته، ولا محقَّاً في تحصيل معاشها..!

ليعلم كل موظف أن ما يقدِّمه للناس من عمل ليس مِنَّةً وإحساناً منه لهم، بل واجباً كُلِّفَ به، ومسؤوليةً حمِّل إيَّاها، وبمقتضى ذلك فإنَّ عليه أن يُخلصَ في عمله، وأن لا يعتقد أنَّ ما يقدِّمه للناس من خدمات يستحقُّ ما يقابله من الثناء العظيم، والتفخيم المبجَّل، وإن استحقَّ الشكرَ عليه كواجبٍ أدبي.

ليعلم كلَّ موظف أنَّ التعالي والتغطرس على الناس إنما ذلك من مرضِ النفوس، وليس علامةً على الفوقية، فمن تواضع لله رفعه، وعلى عكسه؛ من تكبَّر للهِ أرداه، وإنَّ تعاليه يقابل عند الناسِ بالتهكم والتذمر، وتواضعه يقابل بالثناء المستحق.

ليعلم كل موظف أنَّه إن عمل كما يحلو له لا كما توجبُهُ عليه واجباتُ الوظيفة فقدَّم مصلحة هذا على ذاك لمزاجٍ وهوى وليس لأهميَّةٍ، وقضى مصلحةَ هذا قبل ذلك لقربى أو لمصلحةٍ وليس لأحقيَّةٍ فإنَّه يصبحُ عدوَّ وطنهِ، وغريم وظيفته، وخصمَ من أقصاهُ وعطَّل مصلحته عند الله تعالى، وأنَّه سيلاقي من يقابله في مصالحه هو أيضاً بنفس مزاجيته، وهواه، فينيله التنغيص والتضييق، يقول الشاعر:

وما من يدٍ إلا يدُ الله فوقها .. وما ظالمٍ إلا سُيبلى بأظلمِ.

فإن عَلِمَ الموظف بكلِّ ما تقدَّم قوله، ووعاهُ، فأصبحَ معتقداً به اعتقاداً راسخاً، وطبَّقهُ تطبيقاً رشيداً كانَ أثرَ ذلك على الوطنِ عظيماً، وإحسانهُ كبيراً، وحينئذٍ تتقدَّمُ الأُمَّة، وترتقي صعوداً لتكسبَ حصادَ الإِخلاصِ من أبنائها الأَبرار، وتنال الرِّفعةَ والسُّؤدد من أنجالها الغرِّ الميامين.

وليعلم كلَّ موظف بأنَّه لو علمَ ذلك ولم يعتقدَ به، ولم يطبِّقه على وظيفته فقد جلبَ الخُسرانَ على وطنهِ قبل أن يَجْلُبْهُ على نَفْسِهْ، وأنَّ تأخُّرَ وطنهِ راجعٌ إليهِ بالأَسباب، وهو في ذلك أمام خيارين: إسعادٌ أو إشقاءْ "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [سورة الشمس:9، 10].

الخالق عزَّ وجل

هذا النمطُ من الموظفين يُدركون أن أعمالهم مهما كان صغرها فهي مهمَّةٌ للغاية، إذ لا يمكن أن تكتملَ منظومة المشروعِ بدون ذلك العمل البسيط في وظيفته لكنه المهم في دوره. وعلى هذا المستوى من التفكير يفترض أن يكون كلَّ موظف أؤتمن بأمانةٍ، وحُمِّل مسؤولية، فالوظيفةُ هي وظيفةٌ مهما صغرت أو كبرت، لها دورها، وأهميتها

حُمِّلَ الموظَّف أمانةً عظيمةً، لا

فقال تعالى: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً».

صلى الله عليه وسلم قال: وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة».

وفي حجة الوداع كانت من آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الوصية بالأمانة فقال: «ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها»، وبسط يديه فقال: «ألا هل بلغت ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت»، ثم قال: «ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أوعى من سامع».

 

د. صالح الفهدي

 

2766 محمود سريع القلمبقلم الباحث الإيراني محمود سريع القلم*

المصدر: ايران- امروز

ترجمة: عادل حبه


 

في شرح السياسة الخارجية الجديدة للديمقراطيين لعام 2021، استشهد مستشار الأمن القومي لبايدن في مقالة له بـ "صلاة الصفاء"‎‎ (Serenity Prayer). هذه الصلاة التي وردت في مصادر مختلفة وهي كالتالي: "اللهم اإلهمنا العقل كي نعرف الفرق بين ما نستطيع تغييره وما لا نستطيع".

وفي المقال نفسه، يقول المستشار إنه عندما طالب موظفو الأمن القومي في اجتماع غرفة الأزمات بالبيت الأبيض بالمزيد من الأموال والائتمان من باراك أوباما لأفغانستان، اعترض على ذلك أوباما قائلاً: "لدينا العديد من الأولويات المحلية ولا يمكنني زيادة ميزانية أفغانستان. أنني الشخص الوحيد الذي يعرف ما يجب وما لا ينبغي أن ننفقه في الولايات المتحدة.

تشير هذه الأمور وغيرها، التي سيتم توضيحها أدناه، إلى بروز قضية أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية وهي: أن أمريكا اليوم ليست أمريكا عام 1951. فالنظام الدولي اليوم متعدد الأقطاب (أمريكا والصين وروسيا)، فهو أيضاً هرمي (ظهور الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية، إلخ). إن تبوء المركز الأول في عام 1951 واستمرار تبوء الولايات المتحدة المركز الأول عام 2021 لا ينطويان على ظروف متساوية. إن بايدن الديمقراطي الذي يقف على يمين وسط الطيف السياسي الأمريكي ((Right of the Center، وكذلك الكتلة الديموقراطية ككل، تبنت هذا التغيير، وإن السياسات التي تم تبنيها خلال الأشهر السبعة الماضية تعكس هذه النظرة العالمية الجديدة للأمور. إنهم يسعون إلى تحقيق توازن بين الالتزامات الخارجية والموارد المتاحة. ويشير بول كينيدي، أستاذ العلاقات الدولية:"لقد فقد العثمانيون والسوفييت والبريطانيون قوتهم تدريجياً عندما تجاوزت التزاماتهم إمكانياتهم الواقعية".

ومن أجل فهم مكانة أفغانستان وإيران والشرق الأوسط في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يصبح الاستنباط الدقيق لهيكل صنع القرار "الداخلي" الأمريكية أمر أساسي، وليس هذا بالضرورة يتعلق بما يحدث في أفغانستان وإيران والشرق الأوسط. هناك مبدأ راسخ نسبياً في نصوص السياسة الخارجية: سواء في كل من الدول الديمقراطية أوغير الديمقراطية، فإن اتخاذ القرار في السياسة الخارجية يتم في غرف صغيرة وبين عدد محدود من المسؤولين. ولكن السؤال المهم اللاحق هو: في مصلحة  من يصب هذا القرار وفي مصلحة أية تيارات إجتماعية؟

يعتقد البعض في وسائل الإعلام، أن الولايات المتحدة فشلت أو هربت من أفغانستان، أو وصلت إلى طريق مسدود، أو فشلت في بناء الدولة الأفغانية. ربما لو قمنا بتلخيص ما قد يصل إلى 80٪ من أسباب الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق في عامي 2001 و 2003 في جملة واحدة، يمكن وضعها على هذا النحو: السبب هو النسيج شديد التعقيد لشبكة النفط والغاز والطاقة و الأسلحة في أمريكا لإدارة بوش وخاصة وجود نائبه ديك تشيني. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من حوالي 2.5 (اثنان ونصف تريليون دولار) أنفقت في أفغانستان والعراق قد عادت إلى الولايات المتحدة نفسها. وقد صنع الآلاف من المقاولين المعدات وزودوا القوات العسكرية والمدنية بمنتجاتهم. وتم الاستعانة بالشركات الأمريكية لتنفيذ مئات المشاريع في الخارج. يبقى أن نرى ما إذا كان أولئك الذين يعارضون انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان هم أعضاء في مجلس إدارة شركات المعدات الكبيرة أم لا. لقد كان تدخل الولايات المتحدة في أحداث عام 1953 وعام 1978 في إيران قد بلغ 95٪، لمنع نفوذ ودخول الاتحاد السوفيتي والشيوعية في إيران. وبعبارة أخرى، فإن الأولويات والقضايا الداخلية الحاكمة في أمريكا هي المهمة، وليس الديناميكية الداخلية في إيران، كتاريخ المشروطة والنزعات التحررية وعوامل أخرى. في الداخل الإيراني

وبالتالي، فإن فهم ما إتخذ من قرارات في غرفة الأزمات في البيت الأبيض لصالح إي تيار والهدف منه يضيئ لنا الطريق لفهم جوهر السياسة الأمكريكية، ويسهل علينا معرفة أولوياتها وسياستها الخارجية. في التطورات الأخيرة، كان السبب الرئيسي لفشل الاتفاقية النووية مع إيران هو تجاهل عملية صنع القرار من شخص باراك أوباما من ناحية، والاعتماد المفرط على العمل الإعلامي لمجموعة الضغط التي تصرفت على شاكلة تلاميذ المدارس الابتدائية. من الذي استفاد من صنع القرار الأمريكي في 2015 في حالة الاتفاقية النووية مع إيران؟ الجواب: رئيس الولايات المتحدة نفسه. وهل كان الكونغرس على إتفاق معه؟ لا. هل كانت هناك مجموعة ضغط تدعمه ؟ لا. وفي حالة إيران، هل كانت مجموعة الضغط المرتبطة بشركة بوينج مهمة، أم مجموعة الضغط اليهودية؟ اليهودية بلا شك. وسواء أكان هذا الرأي على صواب أم خطأ، فلا يمكن لأي رئيس أمريكي في تلك الغرفة الصغيرة مع فريق السياسة الخارجية أن يتوصل إلى تفاهم دائم مع إيران دون موافقة اللوبي اليهودي. وعندما أرسل أوباما فريقه إلى مجلس الشيوخ لكسب تأييد أعضاء مجلس الشيوخ، كان أربعة أعضاء فقط (من أصل 100) حاضرين للموافقة على صحة الإتفاقية النووية مع إيران.

لطالما تحدثت إدارة بايدن عن مغادرة أفغانستان، وربما دون إعلان علني، وسعى بايدن إلى تحويل الميزانيات العسكرية الإضافية من الشرق الأوسط إلى مشاريع تنموية ضخمة داخل الولايات المتحدة مهدت الطريق للنشاط الاقتصادي ونمو العمالة وتوليد الدخل ونفقات المواجهة مع الصين. ويحرص فريق السياسة الخارجية والأمن القومي والاقتصادي لبايدن على شرح الأولويات والالتزام بها. ووضع مستشار الأمن القومي لإدارة بايدن في مؤسسة كارنيجي، إلى جانب آخرين، إطاراً للسياسة الخارجية لصالح الطبقة الوسطى الأمريكية. وقال إنه في أي نهج للسياسة الخارجية، يجب أن نرى ما إذا كانت السياسة الخارجية تصب في مصلحة الشركات الكبيرة مثل وول مارت (Walmart) في النشاط الخارجي وفتح فروع جديدة لها بانتظام خارج الولايات المتحدة، أم لصالح طبقة في المجتمع الأمريكي ذات الدخل المتوسط والتي تتمسك بالقيم والآمال الأمريكية على أسس الحداثة والعمل الجاد.

ويمكن الإشارة إلى أن اثنين من منظري فريق بايدن، هما جيك سوليفان وويليام بيرنز، وكلاهما عملا قبل هذه الإدارة في مؤسسة كارنيجي المعروفة بتمسكها بالقيم الأمريكية. وكلاهما يؤيدان بقوة الدبلوماسية، والتعددية، وتوفير الحوافز لحقوق الإنسان، وفي نفس الوقت بالواقعية وتحديد الأولويات. إنهما على إعتقاد بأن الأساليب العسكرية ليست قادرة دائماً على حل الأزمات الدولية.

لقد كلفت جائحة Covid-19 الحكومة الأمريكية حوالي 5-6 تريليون دولار حتى الآن. وإذا كان بايدن يريد الحفاظ على هيمنة الديمقراطيين على الكونغرس في العام المقبل، وتجاوز النمو الاقتصادي مستوى 2٪ أو حتى 3٪ بحلول عام 2024، والسيطرة على تفشي جائحة  Covid-19، فسيتعين عليه إتباع نهج الانضباط المالي، وإعطاء الأولوية للإنفاق الوطني، والتركيز على التخطيط. وفي هذا السياق، سيحتل الشرق الأوسط في أحسن الأحوال بين 5 و 10 في المائة من أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

كما تعتبر الصين والإدارة الصينية محور السياسة الخارجية الأمريكية. إن الصين،على عكس الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، والذي لم يكن له تقريباً أية علاقات اقتصادية مع الكتلة الغربية. فالصين متجذرة في أعماق الاقتصاديات الغربية. واستثمرت مؤسسات الضمان الاجتماعي الأمريكية حوالي تريليون دولار في الشركات الصينية لدفع معاشات الموظفين الأمريكيين. وأضحت الصين مصدراً رئيسياً لتمويل حكومة الولايات المتحدة. إن صنع السياسة وإدارة العلاقات مع الصين بالنسبة للولايات المتحدة لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بالعلاقة مع الاتحاد السوفيتي أو روسيا.

وتعتبر قضية تايوان أخطر أزمة أمنية في علاقات الصين مع الولايات المتحدة. الصينيون مشغولون ببرامج السيبري على نطاق واسع، والمواجهة مع السفن التايوانية، واختراق وسائل التواصل الاجتماعي للتايوانيين، وكسر حاجز الصوت حتى على أساس يومي. وبنى الصينيون عشرات الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي، واعتبروها ضمن أقاليمهم البحرية، ولديهم نزاعات يومية مع الأمريكيين حول تفسيرهم لقانون البحار. وإذا ما احتل الصينيون تايوان، فأي رد فعل أميركي سيواجهونه؟

وفي أوروبا الشرقية، تعتبر أوكرانيا أهم قضية أمنية أمريكية مع روسيا. لقد شكلت استثمارات روسيا الضخمة في الصناعة العسكرية وهيمنتها المتزايدة على موارد وممرات القطب الشمالي تحديات جديدة للولايات المتحدة في الساحة الجيوسياسية في أوروبا وأوراسيا. في هذا الوضع الهش مع الصين وروسيا، فإن أكبر كابوس أمام حكومة بايدن هو ارتفاع أسعار النفط. إذ لا يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى الإضرار بالنمو الاقتصادي الأمريكي فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تحسين السياسات المحلية لصالح الجمهوريين. في هذا السياق، تسعى حكومة بايدن إلى معالجة الأولويات التالية حسب الترتيب:

إنشاء كتل متعددة في آسيا وأوروبا لتقليل نفوذ الصين وإبطاء نمو صندوق النقد الأجنبي الصيني من خلال تكثيف مراكز التصنيع وسلاسل التوريد الجديدة للسلع والخدمات. إن الهند في آسيا وألمانيا في أوروبا شريكان جادان ومحتملان في هذه الاستراتيجية، لكن كلاهما وجدا الكثير من المحاور المالية والإنتاجية الجديدة لدرجة أنهما قد يحاولان العمل مع كل من الولايات المتحدة والصين من خلال دبلوماسية متشابكة. وإذا ما تم تشكيل هذه الكتل التعددية الأمريكية في جميع القارات الخمس، فسوف يحتاج نجاحه إلى فترة تمتد إلى 5-10 سنوات. ومن غير الواضح ما إذا كان الديمقراطيين سيستمرون في الحكم في عام 2024 أو أن يتولى الجمهوريون بأولويات جديدة. ولقد أشار مسؤول ألماني رفيع المستوى للكاتب إلى أننا لا نعرف ماذا سيكون عليه اتجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة في تشرين الثاني عام 2024. لذلك يجب علينا اتباع استراتيجيتين متوازيتين: أ) إقامة علاقات مكثفة مع الآسيويين، و ب) إقامة ترابط بين الصناعة والمصارف الألمانية والأمريكية من أجل حماية مصالحنا بمعزل عن التقلبات السياسية، بحيث إن أية حكومة تصل إلى السلطة، سيتعين على الولايات المتحدة الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع ألمانيا.

هذا إلى جانب الحد من خيارات روسيا في أوروبا الشرقية والوسطى من خلال الحفاظ على التزامات الناتو، والتعاون مع تركيا، وتوسيع العلاقات في مجال الطاقة وكافة العلاقات الاقتصادية مع دول أوروبا الشرقية والوسطى. إن تقييد روسيا مشروع أسهل بكثير من تقييد الصين لأن موسكو لا تمتلك القدرة على عمل اقتصادي طويل الأجل ووجود عسكري طويل الأجل في الخارج. ستكون المناورات السياسية والتدخل الإلكتروني وحرية الحركة في القطب الشمالي في صُلب أنشطة روسيا. من ناحية أخرى، قد لا يكون من الممكن تصور قيام تحالف بين موسكو وبكين، لأنه في مثل هذه الحالة ستكون روسيا هي القوة الثانية، ولن يبرر مجدها التاريخي وحجمها الجغرافي وقوتها النووية / العسكرية القوية مثل هذا الموقف. وعلى عكس الصين، التي تمتلك وستتمتع بقدرات كبيرة في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي و G5 والإنترنت، فإن روسيا تتخلف كثيراً عن الصين والولايات المتحدة في هذا النوع من التكنولوجيا، وبغض النظر عن مدى صعوبة محاولاتها، فلن تتمكن من الوصول إلى موقع متقدم كما هو الحال في وادي السيليكون في الولايات المتحدة. ويتمثل التحدي الكبير الذي تواجهه واشنطن في مواءمة الأوروبيين مع روسيا وربما إيجاد شريك موثوق به في تركيا للحد من نفوذ موسكو. ويبدو أن إدارة بايدن لديها شركاء موثوق بهم في مجلسي الكونغرس والشيوخ بقدر ما يتعلق بالموقف من الصين وروسيا.

في هذا السياق من العلاقات الواسعة مع القوى على المسرح الدولي، والتركيز على إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي، تسعى واشنطن إلى شرق أوسط سلمي وخالٍ من المتاعب وقليل الكلفة ولا "يلوث نفسه بأزمات لا نهاية لها وبحكومات غير فعالة". وهكذا يبدو أن حكومة بايدن أسندت مهمة أفغانستان إلى باكستان للتخلص من تكاليفها العسكرية والسياسية وبأموال الدول العربية وربما الصين. ولدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية في 70 دولة، وهي تسعى إلى اختيار القواعد المهمة من بينها. إن الطريق مفتوح الآن أمام النفوذ الصيني والروسي في أفغانستان. كما جعلت الولايات المتحدة العراق أقرب إلى التعامل مع الدول العربية في الخليج والأردن ومصر لعلاج مشاكله وتوفير العلاج الذاتي له.

أما فيما يتعلق بإيران، ففي أواخر عام 2020، انسحبت إدارة ترامب من اتفاقية الأجواء المفتوحة (Open Skies Treaty). لقد سمحت هذه المعاهدة لـ 34 من أعضائها بالتحليق فوق سماء بعضهم البعض والتقاط الصور مع بعضهم البعض، بالتنسيق المسبق وفي ظل ظروف مرتبة مسبقاً. وكان أحد الأسباب التي دفعت إدارة ترامب للحصول على دعم الكونجرس هو الزيادة الكبيرة في القدرات التكنولوجية الأمريكية في الفضاء عبر الأقمار الصناعية، والتي عطلت مثل هذه الرحلات الجوية، والتي ساعدت الولايات المتحدة على تقييد تأثير 196 مورد منها منذ دخول المعاهدة حيز التنفيذ في عام 2002. في هذا الصدد، فإن أحد أسباب انسحاب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط هو التقنيات الجديدة: طائرات بدون طيار يمكنها استهداف أي مكان في المنطقة في أقل من ثلاث ساعات، أو أقمار صناعية يمكنها مراقبة حركة الدول والقوات على مدار 24 ساعة في اليوم. وسيتم بعد ذلك مراجعة هذه المعلومات واتخاذ قرار بشأنها في واشنطن.

قد تغادر القوات الأمريكية الشرق الأوسط بالكامل، لكن ستستمر المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية الواسعة النطاق في شبه الجزيرة العربية، والتي لا تشكل أي تهديد لها في تلك البلدان، وهي مصدر دخل لواشنطن. وفي الوقت نفسه، ستستمر المخابرات الأمريكية والتطويق السيبراني للشرق الأوسط بأكمله قائماً.

وتركز استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران على منعها من أن تصبح دولة نووية. إن تمديد الاتفاقية النووية، والاهتمام بالمفاوضات مع إيران، واستمرار العقوبات ضدها، وتنفيذ العقوبات الجديدة، والحرب الإلكترونية بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، هي روافع واشنطن في هذه الاستراتيجية. كما تعارض الصين وروسيا بشدة تحويل إيران إلى دولة نووية. وبالنظر إلى تاريخ روسيا الطويل في الانخراط في المجتمع الإيراني، فإن تعاون موسكو الشامل مع الغرب وشركائها الإقليميين لمنع إيران من أن تصبح قوة نووية أمر يبدو أمراً ممكناً تماماً.

ولعل أهم قضية وأولوية في سياسة إيران الخارجية، بحسب رأي الكاتب، هي العلاقات المالية والمصرفية مع المحيط الدولي، والتي لا يمكن حلها سواء من خلال روسيا أو الصين. والأمريكيون ليسوا في عجلة من أمرهم لحل المشاكل مع إيران. ويعتبر الأمريكان أنه باستخدام المراقبة الاستخباراتية والأجهزة السيبرانية، يمكنهم إدارة خلافاتهم مع إيران بالتوازي مع المفاوضات المحتملة، على الورق على الأقل . الهدف هو التقليل التدريجي من اعتماد أفغانستان والعراق على إيران بمرور الوقت. أما فيما يتعلق بإيران، فالولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير الهيكل السياسي ولا تعتبر ذلك ممكناً. فالغرض والأفق هو التغيير في التوجه السياسي. وتنتهج أوروبا السياسة نفسها لأسباب بقدر ما يتعلق بالأمن والهجرة. من هذا المنظور، يمكن أن نستنتج أن دول المنطقة تسعى إلى خلق حالة من إنعدام الأمن لإيران بدلاً من الولايات المتحدة تحديداً. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يغيب عن البال أن حكومة بايدن هي التي "أوعزت" إلى المملكة العربية السعودية بفتح باب الحوار مع إيران.

بالنظر إلى أن حكومة بايدن ستبقى في السلطة لمدة ثلاث سنوات ونصف أخرى على الأقل، وربما 7.5 سنوات أخرى في ولاية ثانية، فقد أعطت الأولوية لإعادة الإعمار الاقتصادي الداخلي، والتعامل مع الإدارة الصينية الروسية، والحفاظ على الهدوء في الشرق الأوسط. فكيف ستقوم إيران بإعادة النظر بسياستها الخارجية ضمن هدف التنمية الإقتصادية؟ وهل تريد التفكير في ذلك في الشهرين المقبلين أم في خلال العشر سنوات القادمة؟ وهل تريد التفكير في إطار الصلة بالهدف الاستراتيجي ؟ وهل تبحث عن علاج أم عن مسكن؟

أياً كانت السياسة التي تنتهجها إيران، فإنها ستواجه حكومة بايدن التي تركز على الداخل لمدة 3.5 سنوات قادمة على الأقل. ولا يبدو أن الصين وروسيا ستتخذا خطوات تربو إلى مستوى "العلاقات الاستراتيجية" مع إيران بسبب مصالحهما الواسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، على الرغم من أن كلا علماء النفس يدركان أهمية الشخصية الإيرانية. قد يتم تحديد المشاريع وحتى اكتمالها في إيران، ويتم إجراء بعض التغييرات، لكن إيران لا تستطيع حل المشكلات الأساسية للاقتصاد الإيراني.

على المدى البعيد، لن تتمتع إيران بأمن قومي قوي طالما أنها لا تمتلك اقتصاداً يحتاجه الآخرون؛ هذا هو المسار الذي سلكته البرازيل، وإندونيسيا، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، وعلى نطاق أوسع، الهند والصين، حيث جعل الغربيين يعتمدون عليهم. هذه حقيقة عالمية. إن النموذج الصيني لهذا النوع من الحكومات لا يحتاج حتى إلى الديمقراطية. فبدون حل القضايا الدولية، لن تتمكن إيران من حيث المبدأ من القيام بأنشطة اقتصادية مستدامة في المنطقة.

يتطلب مستقبل إيران المستقر والآمن نظرية شاملة تفهم أولاً حقائق السياق العالمي ثم تكييفها مع السياقات الإقليمية والمحلية. وسيكون فهم ضرورات الاقتصاد الدولي هو الأساس لفهم حقائق "الطبق" العالمي. لقد كان أخطر ضعف نظري للحكومة الثانية عشرة الإيرانية هو عدم إلمامها بتعقيدات الاقتصاد الدولي. فمستقبل إيران يحتاج إلى عمالقة نظريين لرسم خريطة للحقائق الداخلية والخارجية معاً؛ وهو المسار الذي إختطته فيتنام ونفذته في عام 1995.

بالنسبة لأولئك الذين لا يمتلكون التخصص في العلاقات الدولية، فإن مشاهدة مقطع فيديو مدته 3 ساعات و 35 دقيقة و 19 ثانية لأمير أصلان أفشار، آخر رئيس لتشريفات البلاط الامبراطوري البهلوي الثاني على موقع يوتيوب، قد يكون مجرد دعوة للصمت والحذر؛ وقد لا يكون وسيلة للحكم على التعقيدات الداخلية للدول الأخرى باستخدام جهاز التحكم عن بعد وتحليله دقيقاً. ويشير أمير أصلان أفشار سفير إيران في ذروة العلاقات الإستراتيجية بين إيران والولايات المتحدة في واشنطن (1963-1973) إن:" محمد رضا شاه طلب منه التحدث إلى المسؤولين الأمريكيين حول أسباب تأخير تسليم الأسلحة إلى إيران رغم دفع جميع الأقساط ببطء خلال اجتماع مع وليام فولبرايت، الرئيس القوي للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. وقد وبخ فولبرايت أمير أصلان أفشار بسبب شراء ايران الكثير من الأسلحة من السوفييت. بعد بضعة أسئلة وأجوبة، أدرك أفشار أن فولبرايت أخطأ في في ذروة العلاقات إيران والعراق، وهذا مثال على الأولويات أمام البلدان.

قام الأسويون على مدى 30 عاماً بإنجاز عمل نفذه الغربيون حلال قرنين من الزمن في التصنيع، وبدون ضجة وبشكل تدريجي، وبإنسجام سياسي وانضباط في العمل، ليس فقط في أوروبا وأمريكا ولكن أيضاً في إفريقيا، التي سيتضاعف عدد سكانها إلى حوالي ملياري نسمة بحلول عام 2050. سيعتمد الناس على سلعهم وخدماتهم وأعمالهم المصرفية، لدرجة أن جوزيف بوريل، رئيس لجنة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اعترف مؤخراً في ندوة عبر الإنترنت: بينما تفكر الشركات الغربية في إرضاء مساهميها في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام، يخطط الصينيون للسنوات العشرين القادمة.

في أحد الاجتماعات التي دارت في دافوس، سأل وزير خارجية الولايات المتحدة الكاتب: ما هو برأيك أهم نقطة ضعف في السياسة الخارجية الأمريكية؟ كانت الإجابة نظرية، ومزيج من مبدأ القوة وعلم النفس، وقلت له: إذا قارنت نفسك بالإنجليز، فستصل إلى العديد من النقاط والاختلافات في الفكر والسلوك. فالبريطانيون يدرسون الهدف والدولة بتفاصيله الثقافية والتاريخية ثم يوفقون بين مصالحهم والواقع الموضوعي. في حين إن الولايات المتحدة تفرض سياستها الخارجية بما تتمتع من إطار جغرافي واسع وقدرة عسكرية ضخمة ومصادر مالية ضخمة وتحديث وأجهزة معقدة ونظام بيروقراطي وتتخذ القرارات حول سياستها الخارجية. كما تتخذ الصين واليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا قراراتها المتعلقة بعلاقاتها الدولية وتديرها على غرار البريطانيين. كلما زادت القوة، يجب أن يصبح علم النفس السلوكي أكثر تعقيداً. في السنوات القادمة، سيستفيد الديمقراطيون أكثر من القوة الناعمة لأمريكا.

 

............................

* محمود سريع القلم، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة شهيد بهشتي (الجامعة الوطنية الإيرانية سابقًا) منذ عام 1987. ولد في طهران - إيران في عام 1959. حصل على شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية / الإدارة من جامعة ولاية كاليفورنيا، وشهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة نورثريدج في عام 1980. وحصل على درجات علمية في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا في عام 1982 و في عام 1987 على التوالي. أكمل محمود سريع القلم أيضاً برنامج ما بعد الدكتوراه في جامعة أوهايو في عام 1997. وخلال العام الدراسي 2009-2010، قام بالتدريس في جامعة الكويت.

إن محمود سريع القلم  متخصص في السياسة الدولية للشرق الأوسط والسياسة الخارجية الإيرانية والثقافة السياسية. وقد كتب على نطاق واسع بالفارسية والعربية والإنجليزية. وهو عضو في جمعية الدراسات الدولية (الولايات المتحدة)، ومجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي (سويسرا) وباحث غير مقيم في ASERI (إيطاليا).

 

سعد جاسم"أنّي أريد أن أُعلِم سائلتي (الباحثة)، أَنْ لا قدرةَ لي على استيفاء حقّ حركة الشعر العراقيّ في كندا، من دون معرفة شعرائها كلّهم، واستقراء ما انطوت عليه تجربة كلّ واحد منهم حياةً وشعراً، لكي يكون الحكم على كليّة الحركة، بما يوجد في جزئياتها لتحقيق الموضوعيّة العلميّة في الجواب. وانطلاقاً من هذا المفهوم المنهجيّ، فإنّي سأقصر حديثي على تجربتي الشعريّة الخاصّة، مدّة ثلاثة عقود من إقامتي في كندا، مركّزاً على تفاصيل ما تضمّنته من نشاطات ثقافيّة واجتماعيّة ابتغاء التوثيق التاريخيّ. ومهما تختلف خاصيّة هذه التجربة؛ فانّها ستجلو دون ريب صورة مهمّة ومفيدة، عن حركة الشعر العراقيّ في كندا "

بهذا المُقتطف من شهادة الاستاذ عبد الاله الياسري المُعنونة:

"نبذة من الشعر العراقيّ في كندا، والهجرة إليها"

سأبدأ مداخلتي وحواري وتعقيبي على ما قاله الياسري في اجابته عمّا سألته فيه الأُخت الطالبة (نُهى عبدالرسول زكيّ الأنباريّ)، خلال بحثها لنيل شهادة الدكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها في جامعة بغداد، حيث انها قد طرحت عليه سؤالين: الأوّل عن سبب الهجرة العراقيّة إلى كندا، والآخرعن حركة الشعر العراقيّ فيهاَ؛

وفيما يعنيني انا؛ سأناقش الياسري حول السؤال الثاني المُتعلّق

بما تمَّ تسميته بـ "حركة الشعر العراقي في كندا"

اولاً: لقد قال الياسري: " لا قدرةَ لي على استيفاء حقّ حركة الشعر العراقيّ في كندا، من دون معرفة شعرائها كلهم " .

طيّب اخي اذا لم تكن لك قدرة على استيفاء حق حركة الشعر العراقي في كندا؟ وكذلك فأنت ومن الواضح جداً انك لاتملك معرفة جيدة وحقيقية بشعرائها العراقيين المبدعين والكبار والحقيقيين؛ فلماذا ورّطت نفسك بكتابة هذا الشهادة التي تفتقد الى أبسط شروط{الموضوعية العلمية في الجواب} كما اشرت أنت اعلاه؟

ثانياً: أَينَ هو "المفهوم المنهجي"؟ وأَين هي   الـ " صورة مهمّة ومفيدة، عن حركة الشعر العراقيّ في كندا.."  في شهادتك أو في اجابتك هذه على سؤال الاخت " الباحثة "؟ مادمتَ أَنتَ تجهل الاسماء والابعاد والرؤى والنتاجات والتفاصيل الحقيقية لحركة الشعر العراقي في كندا؟

وكذلك فأَنا أَمتلك مجموعة من الافكار والاراء والتصورات التي تدعوني للتساؤل معك عزيزي الياسري:

ومن هذه الاسئلة هو السؤال الجوهري التالي: هل توجد حقاً "حركة" للشعر العراقي في كندا؟ كمصطلح ومفهوم وعمل ونشاط وحضور منتج ومثمر وفعّال؟

أَمْ ان ماتسميه انت " حركة " هي ليستْ أكثر من مجموعة من الشعراء المتناثرين في بلاد شاسعة ومترامية الاطراف؟

بلاد المحبّة والسلام والتسامح؛ وبلاد العلوم والاداب والفنون المُتعددة؛ في الوقتِ الذي تتواجد وتعيش فيها مجموعة رائعة من الشعراء العراقيين المبدعين الكبار والذين من بينهم مَنْ هو بمنزلة الشعراء العالميين وذلك لعمق ورصانة وجماليات ابداعهم الشعري الذي اثبت حضوره في مختلف الاوساط الثقافية العراقية والعربية والعالمية؛ ويسرني هنا ان أذكر لك بكل فخر واعتزاز الاسماء الشعرية الكبيرة والمهمة بشاعريتها وحضورها الابداعي المضيء وهم الشعراء:

عيسى حسن الياسري وسعد جاسم وهادي ياسين ومحمد تركي النصار ومعتز رشدي وكريم الزيدي . وكذلك أذكر الشعراء الشباب: م .أروى السامرائي وم. أحمد كاظم سعدون وم. حاتم عبد الهادي ومديح الصادق وغيرهم؛ طبعاً هذا بالاضافة الى اسماء الاصدقاء والزملاء الشعراء الذين ذكرتهم أَنت كونك تعرفهم شخصياً؛ إلّا أَن المؤسف في امرك هو انك لم تُكلّف نفسك حتى مجرّد التعرّف على تجارب هؤلاء الشعراء الحقيقيين؛ ولا حتى قد قمتَ او فكّرتَ بالتعارف معهم من منطلق اخوي وانساني؛ وأعتقد  "وعذراً على قولي هذا" انك مأخوذ وموهوم ومهموم بتصورات ومواقف وذرائع لا علاقة لها بجوهر العملية الشعرية والابداعية والوطنية والانسانية.

رابعاً: مادام معظم حديثك يؤكد على وجود " حركة " للشعر العراقي في كندا؛ فلماذا لمْ تقم بتسليط الضوء على

كتاب الاديب كريم شعلان؟ والذي اشرتَ بشكل سريع وعابر؛ وذكرتَ انه قد تضمّنَ سيراً ذاتية وقصائد ونصوصاً لمجموعة من  الشعراء العراقيين في كندا؟ والذين لاأدري ان كنتَ أَنتَ من بينهم  أَمْ لا؟ أَمْ لأنَّ الكتاب قد كان باللغة الانجليزية التي لا أعرف هل انك تُجيدها أَمْ لا؟

والله من وراء القصد

 

سعد جاسم

..........................

للاطلاع

عبد الإله الياسريّ: نبذة من الشعر العراقيّ في كندا، والهجرة إليها

 

 

عبد الجبار العبيديالسياسة لغةً: هي رعاية شئون الدولة والناس، وأصطلاحاً هي فن الممكن . تشكل السياسة العادلة في نظرية مبادىء أهل البيت المحور الرئيسي الذي منه تتفرع بقية المحاور الانسانية الاخرى، على الرغم من انهم لم يحددوها في نص مطرد واحد.. لكنه كان نصا شموليا كي تتحقق العدالة المطلقة التي نادى بها الحق "ان الله هو الحق".. شرط ان يكون هذا النص يفسر بلا عواطف لضمان حق الرعية دون استثناء بين الرجل والمرأة على حدٍ سواء.. " انا خلقناكم من نفسٍ واحدةٍ " قابلا للتطور مع الزمن لذا بقيت مبادئهم بحاجة الى فقه جديد دوما دون تقديس.ليتماشى مع محور الزمن في التطبيق.. وهذا ما تحاول جماعات الردة المذهبية والطائفية والطامعين في العراق من أتباعهم من الوقوف ضده واستحالة تطبيقه لأنهم من الناكثين بالعهد والحانثين للقسم واليمين..

هذا الفن السياسي ليس جديدا، بل وجد منذ عهد الامبراطريات الكبرى في التاريخ، اليونانية والعراقية. اليونانية التي ثبتهاالفيلسوف هرقليط والتي عزاها الى الصراع (polemos) من اجل العدالة.. والعراقية التي ثبتها آور نمو وحمورابي في في شريعته وهي العدالة دون تفريق لادارة شئون الرعية وثبتت في شريعة القانون .هذه السياسة الصارمة العادلة بحق الرعية نظر اليها الامام جعفر الصادق (ع) بجدية التطبيق ولكن من منظور اخر مغاير حين التزم الحياد بينه وبين العباسيين في احقية الخلافة وقيادة الدولة وحقوق المواطنين، حتى لا يحدث مالم يكن بالحسبان للعلويين على يد المنصور المستميت في وراثة الخلافة للعباسيين خروجا على أحقية القانون . والى هذا الموقف الذكي الذي وقفه الامام الصادق يرجع الفضل في سلامته وقومه من اذى العباسيين ودعاتهم ورجالهم , وان لم يسلموا منهم كما في مقتل الامام موسى أبن جعفر (ع) على يد هارون الرشيد.. والأمام الرضا (ع) على يد الخليفة المآمون.

أنظر كتاب فقه الصادق.

ان منهاج مدرسة أهل البيت مبني على الرأي والرأي الاخر، لأنه مستمد من أمور آلهية مرتبة بلا زمان ولا مكان مبنية على العقل الفعال، والنفس الكلية، لذا كانت المدرسة تنظر الى العدالة من رؤية واحدة .. بلا زمان يتناقض لأن العدالة مفهوم لدني لا يـتأثربصيرورة التاريخ في التغيير. ان قادة الاسلام منذ العصر الاموي والعباسي لم يدركوا مفاهيم النظرية فحسبوها زمانية تتغير بتغير الازمان والمكان والمصالح.. لذا تخلوا عن كل قيم سياسة أهل البيت ومبادئهم من أجل المصالح الذاتية.. لكننا حين نتحدث عن موقف المدرسة في المفهموم السياسي العام، ندرك ان هناك مدرسة اعدت لتعليم صفات المتقين وكيفية التعامل بينهم وبين الناس وفقا للشريعة الاسلامية النقية . ان مبادىء المدرسة مستمدة من عهد الرسالة النبوية حين وضع الرسول (ص) دستور المدينة في السنة الخامسة للهجرة وضمنه حقوق وواجبات الناس في امة الاسلام، هذا الدستور الذي اخفته الدولتان الاموية والعباسية ومن جاء من بعدهما لكي لا يكون مستندا للمسلمين في نظرتهم لسلطة الدولة القائمة على العدل والمساواة، بعيداً عن نظرية الحق الآلهي المقدسة والتي تتناقض وموقف الاسلام السياسي في ادارة حكم الدولة.. بالشورى.؟؟

ان مبادى ومعاييرسياسة اهل البيت مدونة في خطب ورسائل نهج البلاغة المتضمنة والتي تعد بحق الدستور السياسي لمن يريد ان يسوس الدولة بالحق والعدل والمساواة بين الناس، وتقف رسالة الامام علي (ع) الى مالك الاشترعامله على مصر في المقدمة، تقول الرسالة:" ان السياسة لا تراد لنفسها، وانما تراد للذكر الجميل.فهي لم تعد حقا الهياً يتولاه الحاكم نيابة عن الله، وانما هي منوطة بارادة الناس، توليها من تشاء بحسب اعتبارات تتعلق بمصلحة الجماعة حين يقول (آلزموا السواد الاعظم فأن يد الله مع الجماعة) نهج البلاغة..

لذا فهي ليست سلطة للقهر والعنف والعسف، لكنها مندمجة معهم تراقب احوالهم وتضع الحلول الناجعة لها. والامام يرى ان الحاكم عليه واجبا دينيا مقدسا هو ان يكون بين الناس لا بعيدا عنهم حين يقول (فأن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور) .. وهنا تقف نظرية القرآن شاخصة في منهج المدرسة (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) ، فلا مجال للحاكم من التهرب من مسئولية الامة وما يقع عليها من ظلم تحت اي ظرف كان مادام هو في مسئولية الامة.. فهي مخالفة شرعية لحكم الناس..وليس السكوت والتغليس على الباطل كما يفعلون اليوم.

وهي ليست وسيلة للاثراء غير المشروع، والتوسعة على الاهل والاقارب بغير حساب دون الاخرين كما فعلها من يدعون بهم اليوم، لكنها تحقيق عدل وانصاف حق ومساواة بينهم حين يقول: (فلا يكن حظك في ولايتك مالا تستفيده، ولا غيظا تشفيه، ولكن أماتة باطل واحياء حق) ومن وجهة نظره (ع) ان الناس عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينهم بالسوية، ثم يقول: في المحافظة على اموال الدولة (ألا ان كل قطيعة أقطعها (فلان) وكل مال اعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فأن الحق القديم لا يبطله شيء والعقل مضطر لقبول الحق.، ففي العدل سعة .. ومن ضاق عليه العدل .. فالجور عليه أضيق (. كما انها ليست أحسابا تشاد عليها الامجاد، ولا شرفا يدفع الى التكبر والتجبرحين يقول (اذ لا حسب كالتواضع، وليست استبدادا في الرأي ولا خداعا للناس لكسب المجد والسلطان) .

أنها برأيه صراحة في القول، ونزاهة في العمل، وصدق في المعاملة، حين يقول (يا ولاة الامور، يا من تحكمون الناس:" اصدقوا ما وعدتم به الناس، ولا تخونوا عهدا تعاهدتم به مع الناس، ولا تنكثوا أيمانا اقسمتم عليه، فمن اراد ان يكون أماماً للناس عليه ان يبدأ بنفسه قبل غيره، وليبدأها بسيرته قبل لسانه "، انها سياسة مجسدة في قول الامام الحسين (ع) في تطبيق سياسة الدولة: (كونوا مع الحق، ولا تخشوا الدنيا كلها، ولا تقبلوا باطلا ابدا، فأن جدي رسول الله مني بالدنيا كلها من قريش فآثر الحق عليها، ولم يقبل منها منةً) .

هنا كان النص الديني يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي في نظرية أهل البيت .وفي هذا الخصوص يقول الامام موسى بن جعفر (ع) مخاطباً الرشيد من سجنه الانفرادي في بغداد حين طلب منه الرشيد العفو والرضى وتأييد سياسة العباسيين حين خاطبه الرشيد طالباً منه التأييد لشرعية الحكم: (أنصفنا يا موسى فانتم اعمامنا، أذكرنا بخير ولك منا ما ترغب وتريد.. خذ الكرخ كله) ، فيرد الامام من داخل سجنه على الرشيد قائلا: (يا ظالم العصر ان الظلم فاشٍٍ ببابك، والله يا هارون نحن ورثة مدرسة آهل البيت لا نرضى بذل او معصية ‘فلن ينقضي عني يوم من البلاء، حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، وغدا نحن جميعا امام الله سواء) .فليقرأوا أهل الحكم في العراق ومرجعياتهم الدينية رأي أهل البيت في الحق.. ولا يبقوا ظالمين.. يضحكون على الناس بتزييف الحقيقة.

وهكذا فعلها الامام الرضا (ع) مع المآمون رغم حراجة الموقف. يقول المآمون: (لا بد من قبولك ما اريد، فاني لا اجد محيصا عنها، بك يستتب الامن، وتهدأ الجموع، فيرد عليه الامام:) ليس بي ما تريد ولكن بالحق والعدل تحكم الناس، نحن ابناء آهل البيت كلنا شهداء الحق والعدل (، (ان الله هو العدل الذي لا يجور) مما أكد شكلانية البيعة كما ادركها الامام الرضا، نعم كان شجاعا عدلا، لا يهاب الموت في سبيل الله، يقول المؤرخ الطبري: والله عترة آهل البيت أهيب من الاسد في صدور الناس.. فهل حقا من يحكمون اليوم في بلدي العراق هم منهم .. كما يدعون.. لا ورب الكعبة أنهم اعداؤهم الحقيقيون.. ؟

لقد وضعت المدرسة مبادىء الحكم الاسلامي والزمت الناس باتباعه حين جعلت مبادىء السياسة لا تقتصر على الفرد، بل على الجماعة والفرد معا، لذا فالنظرة موحدة وشاملة للاثنين، لان مصلحة الاكثرية هي الاساس يقول الامام علي (ع) :" فسخط العامة يُجحف برضى الخاصة، وان سخط الخاصة يُغتفر برضى العامة) .ومن يطلع على العهد المكتوب لمالك الاشتر من الامام علي يجد بكل صراحة ووضوح: ان نظام البرلمان ومبدأ سيادة الامة هو من قواعد الحكم واصول الاسلام.ان ما قررته المدرسة في اصول الحكم طالبت بتطبيقه دون اي اعتبار اخر، وخاصة في مجال الحقوق الكثيرة التي اوردتها في منهجها الصالح ومنها:

الحرية:

لقد انطلقت المدرسة من النص القرآني، ففي مجال الحرية، التي هي اسمى ما في الوجود، أعطت للانسان حرية الاختيار في الفعل الذي يريده، حين امر الله سبحانه وتعالى الانسان بفعل الواجب، ولم يجبره عليه، بل ترك الامر لاختياره وارادته، لكنه حذره من المعصية، واوعده بالعقاب والثواب، وهذا ما نلاحظه تماما في سورة الكهف آية 29 (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفرانا اعتدنا للظالمين نارا) .هنا اقامت الاية الكريمة علاقة جدلية بين الكفر والايمان وعدمه، وبما ان الكفر ظلم للنفس البشرية من الناحية العقائدية، وقد يرتكب من غير الكافر ايضا، فقد وسع القرآن العقوبة حين قال (أعتدنا للظالمين نارا) لان الظلم يرتكب من قبل الكافر والمؤمن على حد سواء والقرآن وكلماته المتميزة لاتقبل الترادف اللغوي ابدا. ولكي تبقى العقوبة محددة بمواثيق دقيقة كي لا يعتدي الحاكم على الناس بدافع الضغط والأكراه..

هذا الفهم العميق للحرية كان الاساس الذي بنيت عليه علاقة الحاكم بالمحكوم، فالحاكم يعترف بحق الاخرين في ان يكونوا معه اوعليه، فليس من حقه الضغط والاكراه، فيقول الأمام: (ولست ارى ان اجبر احدا على عمل يكرهه) وهنا يصبح حق العمل من حق العامل نفسه.لكنها لم تغفل الحق العام حين ربطت العمل بالخدمة الحياتية ومنفعة الناس دون غرور وتبجح واحتكار لاقوات الناس (وابتذل من نفسك فيما افترضَ الله عليك ... .ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك، فأن الذي يصل اليك افضل من الذي يصل بك) .وهكذا فان حرية العمل والعمل نفسه وحده المسئول عن اشاعة الطمأنينة والرخاء المجتمعي. وينسحب هذا القول على حرية السكن والمعتقد حين يقول العهد الى عامله في مصر (لا تبغِ على اهل القبلة ولا تظلم اهل الذمة فهم في الخلق سواء) .اذن كيف يفرقون اصحاب أهل البيت بين الناس ويضيعون حقوقهم دون سبب.. بعد ان أماتوا حقوقنا دون قانون.. ؟

المساواة:

وفي مجال المساواة اهتمت المدرسة بعدم التمييز بين الناس فيما هم فيه أسوة. وقد تحددت المساواة بأن لا يتميز احد على احد، بل وحرمت المدرسة ان يعيش أيا كان مركزه مكتفبا وحوله من يجهد نفسه باحثاً عن لقمة العيش يسد بها رمقه.وقد حذرت من مغبة الاستئثار بشيء يزيد على بعض الناس مما تجب فيه المساواة بينهم حين قال (واياك والاستئثار بما الناس فيه اسوة) .ونظرت في المساواة ان البشر متساوون في الحقوق العامة ومساواتهم لم تكن نابعة من الدين، بل من اشتراكهم في الانسانية والمولد والدين معاً حين يقول: (الرعية صنفان، اما اخٍ لك في الدين، او نظير لك في الخلق .

والمساواة تمتد في رأي الأمام لتشمل كل انواع التسوية سواءً في العطاء حين يقول مخاطبا الاشتر: (واني اقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني انك خنت من فيء المسلمين شيئا صغيرا او كبيرا، لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الامر) .، او امام القانون حين يقول (ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء... . والزم كل منهم ما الزم نفسه) أنظر النهج ..او في كل صنوف العدالة الاجتماعية حيث العدل اساس الحكم الصالح والمواطنة الصحيحة، فأن (أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية) .هذه المبادىء السياسية هي مبادىء اسلامية تخلت عنها الدولة الاسلامية بعد الرسول (ص) والى اليوم.فليقرأوا من يدعون بهم كيف ظلموا الناس وباعووا الوطن وملكوه للأخرين والأبناء.. لكنهم شطار في الاستحواذ على السلطة وخيانة المبادىء..

وينظر الامام الى سياسة الباطل، فيضع تحته كل مسميات النفاق والرياء والمخاتلة وطعن الاخرين بدون وجه حق، فيقول مخاطبا احد عماله على الولايات (أيها الرجل، لا يؤنسك الا الحق، ولا يوحشك الا الباطل، ولا تحكم الا بالعدل) .جالس العلماء فهم ذخيرتك.. فليقرأ رئيس مجلس القضاء الاعلى الذي غلس على قتل العلماء بالباطل .

الموقف من السلطة:

وموقف المدرسة من استلام السلطة، اعتبر السلطة وسيلة لا غاية لتحقيق حكم الله في الارض ونشر العدالة الاجتماعية، لان القانون بحاجة ماسة الى من ينفذه على الارض.واحلى ما حدده العهد، ان مهام السلطة محددة باربعة امور هي: (جباية موارد الدولة وايداعها في بيت المال سليمة، والدفاع عنها وعدم تمكين عدوها منها، واستصلاح اهلها علما ومعرفة وكفاية، وعمارة بلادها دون نقص يذكر) . من هنا انطلق العهد بضرورة التكاتف والتعاون لاسعاد الشعب وعمارة الوطن لينعم الجميع بتلك السيرة الحسنة والنهج القويم.

هذا التوجه مستمد من غاية السعي المعرفي للانسان في فهم الادراك المعنوي للسلطة لتحقيق الجانب الانساني فيها.. ومعرفة حقوق الله حق المعرفة.. لاما تفتي به مرجعيات الدين التي لا أصل لها في التوجية والتثبيت.. بل القانون.. ؟

المعاهدات الدولية:

وفي مجال عقد المعاهدات الدولية مع الاخرين ودخوال الحرب يقول العهد العلوي:"لا تدخلوا الحرب الا مكرهين، ولا تخوضوا غمارها الا في سبيل الله دفاعا عن النفس، وصالحوا من يصالحكم صونا للنفوس ان لا تشحن بالضغائن والاحقاد، حقنا للدماء مستشهدا بالاية الكريمة (وان جنحوا للسلم فاجنح لهاوتوكل على الله –الانفال 61) . لذا في عهده توقفت الفتوحات الظالمة على الشعوب الأخرى..

ويقول (اذا ما عقدتم الصلح فعليكم ان يكون محكما بالفاظه، صريحا في دلالاته، فلا يتحمل اكثر من معنى واحد، حتى لا تتطرق اليه التأويلات والعلل وطلب المخارج .واختاروا لمن يفاوض من خيرة الناس عدلا وعلما ومعرفة، انها امانة الوطن، واذا وقعتم عقدا فلا بد من الالتزام به وعدم نقضه، اعتمادا على تأويل خفي، لان هذا من باب النفاق والرياء، وأردف قائلاً: ولا تعقدوا عقدا تجوز فيه العلل ويتزعمه الجاهل، ولا تعولن على لحن القول بعد التاكيد والتوثيق، ولا يدعونك ضيق امر ٍلزمك فيه عهد الله الى طلب انفساخه بغير الحق، فأن صبرك على ضيق امر ٍترجو انفراجه، خير من غدر تخاف تبعيته) أنظر النهج .وفي مجال جهاد الاعداء حفاظا على الوطن يؤكد ما جاء في سورة التوبة اية 43 التي اشار فيها القرآن الى الموقف السلبي من بعض اعراب الجزيرة حين تلكئوا عن مقاتلة الروم في عهد رسول الله (ص) ، لان الوطن امانة بيد الحاكم فلا يجوز له شرعا التصرف به دون رأي الامة.. أنظروا الى اتباعهم وكيف خانوا الوطن.. وباعوالأرض والعرض والمال للأخرين دون خوف من قانون.. ؟

اصلاح حال الرعية:

وفي مجال صلاح حال الرعية يدعو العهد الى الاهتمام بشئون الامن والثقافة والصحة ووظائف الدولة والخدمات وعدم الاخلال بها مطلقا، ولا يمكن لهذه الخدمات ان تتم الا اذا بنيت على الصدق والاخلاص والتعاون بين الحاكم والمحكوم، ضمن اطار مصلحة الوطن والمواطن حين يقول الأمام: (ايها الناس ان لي عليكم حقا، ولكم عليَ حق، فأما حقكم عليَ النصيحة لكم وتوفير فيئكم وكفايتكم فليس من حق الحاكم ان ينام ليلته وفي وطنه معوزُ واحد، وعلي تعليمكم كي لا تجهلوا ... اما حقي عليكم الطاعة حين أأمركم والوفاء لي ولوطنكم، واكد على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، على ان تكون الكفاءة شرطا للاختيار والتوظيف، لا القرابة والصداقة، فقد ذكر لنا السيوطي في تاريخه ان اخاه عقيل طلب منه ان يوليه ولاية ويعطيه من بيت مال المسلمين فرفض ذلك بشدة اذ يقول: (أتريدني ان آخذ من أموال المسلمين فأعطيكها دونهم، أتريد مني ولاية وانت لست بقادر عليها، ومالا وهو ليس مالي ولكن مال المسلمين، اتقي الله ياعقيل في دينك) .. وطالب الامام بالتوسعة على من يحمل الامانة حتى لا يدب الفساد في نفسه ولا يستغل منصبه لشخصه، وعلى الامة مراقبته بدقة ولا تخفوا عوجا الا وتعلموه، فما جزاء الاحسان الا الاحسان، وما جزاء السيئة الا بمثلها) .. انظروا كيف قبلوا بتزوير الشهادات ليعتلوا مناصب الدولة العليا بعلمهم.

شخصية الحاكم:

وفي مجال شخصية الحاكم او المسئول فلا يجب اختياره الا من بين اكثرهم كفاءْة واستقامة، من اهل الورع والصدق، الذين لا تستميلهم الاهواء ولا تأسرهم المطامع او الشهوات أو تطربهم المدائح، لانها من الامور التي تصرفهم عن جادة الحق وسواء السبيل.والفضيلة شرطا من شروط اختيار الحكام وعليه رعايتها ونشرها بين الخاصة والعامة، لذا لايُقبل للحكم الا اذا كان من اتباعها حتى لا يؤثر سلبا على حالة المجتمع .ويؤكد عل اختيار اقوياء الشخصية والمقدرة في ادارة امور الدولة، لذا اكد العهد على ضرورة حسن اختيار المسئول لممارسة الوظيفة حتى لايستغل في المواقف الصعبة، ولا يداهن في دينه على حساب وطنه، لان الموظف مسئول امام الله وامام نفسه ومن هم على راسه . وعلى من يتم اختياره يجب ان يكون منزها عن الشبهات وفياً بالعهد والتجربة والكفاءة والشجاعة في قول الحق والمواقف الصعبة، لا على اساس القرابة والصداقة والمصلحة الشخصية كما هو شائع اليوم في عراقنا المغتصب منهم .. الذي حولوا الباطل الى قانون..

بهذا يكون العهد قد سما بالدولة الى المستوى الانساني الرفيع، حفاظا على الوطن والمواطن من عاديات الزمن، وما تخبئه الايام من نوازل.

نعم هذا هو رأي مدرسة آهل البيت العظام في الدولة والمواطن، هؤلاء الذين، عاشوا بين الفقراء وضد الفقر، ومع المحرومين وضد الحرمان، ومع الجماهير وضد الطغاة.. نعم هذا قول لا يبارى.. فأين ممن يحكمون الوطن اليوم من خونة قادة الشيعة الذين يدعون بهم ..بعد ان كفروا بكل المبادىءالتي جاءت بها المدرسة.

لقد اثبت التاريخ ان كل فكرة طرحت في حكم الناس - من دون شرع القرآن الحقيقي والجماعة – كانت فكرة مميتة ومن اتبعها كان لا يحسن قراءة التاريخ، وكان عليه ان يتعلم القراءة، وكان عليهم ان يتعلموا الدرس والقراءة بانفسهم، وهم يدعون ورثة هذه المدرسة ومنهجها الصالح، حتى يولدوا ولادة حضارية جديدة خلال معاناة لما فاتهم من زمن ظالم ورديء، فهناك علاقة تبادلية أو جدلية بين الانسان والبناء الحضاري، فكلاهما يولد من جديد في الاخر.وكلاهما يتطور ضمن كلية تفاعلية واحدة، هذا المنطق ينطبق على كل الحضارات بما فيها حضارة الاسلام رغم ان نهج البناء الحضاري الاسلامي جاء مختلفا حين كان رسول الله قمة الكمال، وقمة الكمال لا ياتي بعدها الا النقص.

ان مسيرة النقص والمعاناة التي نعاني منها الان هو اننا بحاجة الى التعايش مع النص القرآني صدقا وحقيقة ومنهج مدرسة آهل البيت صدقاً وحقيقةً، فالاسلام الحق هو الذي يجب ان نتعايش معه بلغتنا وواقعنا قولا وتطبيقا، لكن الاسلام اليوم ومنهجه القويم صار يعيش قي لغة الناس وليس في واقعهم.. كما هم خونة التاريخ يتصرفون..

ان الافتراق التدريجي بين التجربة السياسية الحالية وبين المنهجية القرأنية، وخاصة في امر الحكم والمال، شكلت بدايات التدهورفي وطننا العزيز العراق حتى وصلنا الى نقطة نرى منها ان معدل النقص اصبح يعلو على معدل القوة فظهر التدهور بيننا في كل مجالات الحياة، وان ادعينا عكس ذلك، فالشواهد على الارض لا تسعفنا حجةً، وهو تدهور ان لم نتلافاه سيسقطنا حتما في هاوية السقوط الكلي الذي لا ترجى منه شفاعة ابدا.وساعتها ليس من حقنا ان نندم، بعد ان قصرنا بما لزم علينا عمله عمداًً.لن يتحرر العراق ويعود لأهله حتى تسقط هذه القيادة الفاسدة ويعود الشعب يحكم الوطن..

أطلب الحق اخي المواطن ولا تعطي صوتك لمن خان وغدر.. وأحترم شجاعة من يقول الحقيقة.. ففيها خلاصك... ؟

 

د.عبد الجبارالعبيدي

...........................

المصادر المعتمدة

- القرآن الكريم

- نهج البلاغة

- مقاتل الطالبيين - الاصفهاني

- تاريخ الخلفاء للسيوطي

-الفلسفة والاعتزال -قاسم حبيب جابر

-أصول الضعف –علي كريم سعيد

- كتاب الحضارة –حسين مؤنس

الكتاب والقرآن –محمد شحرور

الدولة العباسية في عهد الخليفة المهدي العباسي- عبد الجبار العبيدي

 

محمد بنيعيشأولا: الكذبة السياسية وتفلتها عند حكام الجزائر

ليس من العيب في باب السياسة ومذاهبها أن توظف الكذبة من طرف هذا الحاكم أو ذاك لتحقيق غاية داخلية أو خارجية محددة الأهداف والمخططات ، طالما أن تلك الكذبة تكون تحت المراقبة والتحكم عن بعد أو قرب بحسب الموضوع المعالج بها.

وموضوع الكذبة المنتجة لحكم إيجابي يمكن أن تكون في أرقى العلوم دقة وحصرا منطقيا وهي العلوم الرياضية ، كما هو الشأن في ضرب عدد سلبي في عدد سلبي فينتج لنا عددا إيجابيا مضاعفا، أي مثلا : (-2) × (-2) = 4.

ولكن هذا الحكم في الواقع العام قد لا يثبت دائما حينما تتكرر الكذبة وتتنوع ويتعود عليها من غير ضوابط أو مراجعة أو تريث ، وخاصة حينما يكون هناك واقع متحرك أو مستمع يقظ ومتفطن للأكاذيب وأصنافها وقوالبها... بحيث ستصبح الكذبة عبارة عن فيروس فتاك قد أفلت زمامه من المختبر. وهذا كما يقول المثل الإنجليزي:

"Two Wrongs Don't Make a Right"

وقد يترجم إلى الفرنسية بالصيغة التالية:

" ne répare pas une injustice par une autre"

ومعناه بالعربية"إن اجتماع خطأين لا يؤدي إلى الصواب".

وهذا المثل قد ينطبق تماما على سياسة الحكام الجزائريين تجاه المغرب ومصالحه الوطنية العليا منذ بداية الاستقلال إلى يومنا هذا، كلها إسقاطات وإشعال حرائق وهمية لا هي غابوية صرفة ولا بترولية أو غازية ، بحيث دائما هناك كذبة الاعتداء والتوسع والاحتلال التي يصفون بها المغرب كلما لم تتحقق لهم أهدافهم الخاصة ونواياهم التوسعية على حساب جارهم الشقيق ، والذي قد كان بالأمس القريب إلى جانبهم يقاوم معهم المستعمر الحقيقي في خندق واحد وبعزيمة ونية واحدة.

فالبدء قد كان منذ حرب الرمال 1963 حول مشاكل الحدود والتي كان المغرب دائما هو المهضومة حقوقه في المسألة، بأدلة التاريخ وتسلسل الوقائع ثم مرورا بعد توترات ومناوشات لم تشأ أن تعود إلى السلم والتآخي التحالف الصافي. بحيث قد كان الطرف الجزائري وما يزال هو الحامل لثقل ضغينة الأحداث ونزعة الانتقام والاستنزاف. وهنا يبدو النظر القصير لمفهوم السياسة وطبيعة الحرب والسلم عند حكام الجزائر السابقين واللاحقين على حد سواء ، إذ لم ينطبع في أذهانهم إلا "حرب الفجار" ولكنهم غيبوا عن تصورهم" حلف الفضول" كمحطة سلمية ضرورية ومنطقية لكل حرب مرت وانتهت بوزرها وجراحها.

وبهذا المنطق الخاطئ المتسلسل سيعمل هؤلاء الحاقدون باستمرار على اختلاق جبهة سموها بالبوليساريو ، مأجورة ومناوئة وعميلة ، مع دعمها بالعتاد والمال والدعاية للحيلولة دون استكمال المغرب لوحدته الترابية وخاصة موضوع الصحراء المغربية، والتي أؤكد وأؤكد وأزيد تأكيدا ، كمواطن مغربي خالص وبعيد عن السياسة ومذاهبها، على أنها مغربية بكل المقاييس والمعايير الشرعية والقانونية والعرفية والجغرافية والتاريخية !!!.

فكانت هذه المزاعم الجزائرية أول كذبة خرجت من سراب الصحراء حيث الفيافي والغيلان، فلا سكان ولا جيران. وذلك عقب انسحاب المستعمر الإسباني من الساقية الحمراء ووادي الذهب والدخول المباشر للشعب المغربي بقيادة ملكه "الحسن الثاني رحمه الله تعالى سلميا وبطريقة حضارية عز نظيرها في تاريخ الأمم سميت المسيرة الخضراء المظفرة.

هذه الكذبة الجزائرية باحتضانها لعصابة البوليساريو ومدها بالسلاح تحت ذريعة تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير للشعوب قد كانت نتيجة شعارات فضفاضة كان يتغنى بها المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي البائد وأزلامه.

وبعد محكمة العدل الدولية بلاهاي ، التي أثبتت أن هناك روابط ، عرقية وجغرافية وولائية سياسية ، عن طريق البيعة قد كانت قائمة بين الصحراويين والوطن الأم ودولته العلوية العريقة، لم تزد حكام الجزائر إلا تعنتا ودعما وتسليحا ضد المغرب الشقيق وعلى حساب ازدهار ورفاهية الشعب الجزائري نفسه والذي قد كان وما يزال هو الضحية القريبة في هذه المعادلة الكاذبة والتي لم ينته تدحرجها نحو الهاوية لحد الآن.

والغريب في الأمر هو أن هذا النظام الجزائري قد بقي، بالرغم من قوة صمود المغرب بقيادة ملكه، الهادئ والسياسي المحنك والحكيم محمد السادس، وبالرغم أيضا من استقرار الحياة وتسارع النمو الاقتصادي والاجتماعي في الصحراء المغربية، يراهن على الفشل ويراكم الكذب تلو الكذب ، تماما كمن يخسر في القمار وهو مدمن عليه فلا ينسحب إلا بعد أن يصبح صفر اليدين !. بل قد يصبح هو المدان والملاحق ماليا واقتصاديا وسياسيا ، بسبب رهون وشيكات لا رصيد و رأسمال لها، إذا لم يستدرك الأمر قبل فوات الأوان !.

ثانيا: الكذبة المتسلسلة بفزاعة التسلح والتصعيد غير المبرر

وكما يعلم الجميع فإن هؤلاء الحكام قد سعوا ، لمّا لم يتحقق لهم بالوساطة ما كانوا يريدون، إلى سعار التسلح وشراء الخردة العسكرية من المعسكر الشرقي وغيره تحت كذبة "مواجهة العدو التقليدي" كما يزعمون ، وهذا العدو قد لا يوجد في الحقيقة إلا في أذهانهم ومطامعهم التي لا سبيل لتحقيقها على أرض الواقع كإيجابية ، طالما أن كذبتهم الأولى قد كانت سلبية متسلسلة وغير قابلة للضرب أو التضعيف حتى تصبح إيجابية.

والأجمل في هذا المشهد السياسي ، والمثير للتأمل العقلاني والأخلاقي، هو أن هذا العدو المتوهم لديهم ، أي الجار المغربي الشقيق قد بقي دائما في حكم اللامبالي ظاهريا بمثل هذه الترهات والمناورات والتخويفات الكاذبة. بل قد استمر في تنمية الأقاليم الصحراوية بالجنوب وموازاة مع الشمالية بناء وتشييدا و تحديثا وتنضيدا ، فاتحا ذراعية لكل مبادرات السلم والأخوة والتعاون.

لكن حينما بلغ السيل الزبى وأصبح التهديد الفعلي للجار على مسافة رمية حجر فقد كان لا بد من اتخاذ ما به يرد الصائل وبه يقوّم المائل وذلك بطرح ورقة "تقرير مصير القبائل" كجدل سياسي مناظر لا غير، وأيضا تحت رسالة:"إياك أعني واسمعي ياجارة !" أو "مكره أخوك لا بطل". وهنا أدرجت معادلة "الاعتراف مقابل الاعتراف" ، وهذا يدخل في حكم السياسة ومذاهبها ، بل الكذب الجائز توظيفه حينما تقتضي الضرورة ذلك ويكون الحل المؤقت كامنا فيه.

فاعتراف المغرب بدولة ما يسمى "إسرائيل"قد يدخل ضمن هذا السياق أيضا طالما أن الجزائر الشقيقة قد اعترفت بالبوليساريو والمرتزقة وسعت إلى تدويل الاعتراف بهم عبر سنين من العبثية والاستفزاز المجاني. بحيث قد مطّطت الكذبة على غير واقع ملموس، وذلك لأن مزاعم الجمهورية الصحراوية قد لا توجد واقعا إلا في قاموس الدولة الجزائرية وحكامها العسكريين لا غير، وكذلك وسائل إعلامها الموجهة والمأجورة والتي تغرر بشعبها ومثقفيها ، مع الأسف، من أجل تغيير نظرتهم نحو أخيهم الشقيق المغربي، والذي كان وما يزال لا يكن لهم سوى المحبة والاحترام والشعور المشترك.

بينما دولة إسرائيل المفتعلة هاته، لمن يسلم بها ، لها حضور دولي واعتراف ومكانة قوية على أرض الواقع، بل هي من أقوى الدول إعلاميا وعسكريا واقتصاديا في الوقت الراهن. فإذا اعترف المغرب بوجودها كورقة سياسية عابرة فذلك واقع لا مفر منه ، وهذا لا يعني أنها دولة مسالمة أو صديقة بمعنى الكلمة، ولكن للسياسة أحكامها ولتبادل الأدوار سيناريوهاتها. والسياسة هي مسرح المصالح لا العواطف والوشائج الوهمية.

وهنا يبدو الكذب المتدحرج والقصير عند الحكام الجزائريين ، وذلك حينما يقال لهم:" كفوا عن إذاية المغرب بهذه المضايقات في المحافل الدولية وهذه المساندة غير المشروطة للبوليساريو وأزلامه" فيردون عليهم بأن المسألة فيها اعتراف دولي وأنها تخضع لقرارات الأمم المتحدة وأن الجزائر ليست طرفا في الصراع. وهذه كذبة ساخرة وناخرة. كما أن الاعتراف بالبوليساريو قد لا تتعدى نسبته بعض الدول التي لا ريح لها ولا حرية قرار يعتد به.

ولو زايدنا معهم بهذا المنطق جدلا: فقد نقول لهم أيضا بأن دولة إسرائيل هي أكثر قوة واعترافا دوليا بوجودها ، سواء عند الدول الكبرى أو الصغرى بل عبر العالم ككل. ومن منطق حكام الجزائر فإنهم بمغالطاتهم هاته نحو تثبيت أوهام البوليساريو يكونون قد اعترفوا ضمنا وإلزاما بل صراحة ، وبالقانون الدولي نفسه، بوجود دولة إسرائيل ، بل قد زادوها ذريعة لتثبيت حضورها عبر القانون والواقع. ومن هنا فقد كانوا أسوأ حالا في باب هضم حقوق الفلسطينيين وقضيتهم التي يستعملون ورقتها ككذبة أخرى للدعاية والبروباغاندا الفارغة من كل محتوى.

لكن موقف المغرب من القضية الفلسطينية ثابت عبر التاريخ وبالتفعيل الحقيقي وليس الوهمي. فاسألوا أهل القدس و باب المغاربة واسألوا أهل غزة ومطارها واسألوا الضفة الغربية وهضابها تجبكم بلسان حالها :"إن المغرب خير داعم لقضيتها ، "وكفى بالله شهيدا".

وأكثر من هذا أقول كما يقول المثل الإنجليزي أيضا:

"better the devil you know (than the devil you don't know ). "

أي أن تتعامل مع عفريت أو إبليس تعرفه جيدا خير من عفريت لا تعرف أصله وفصله. وقديما قالت العرب :"عدو عالم خير من صديق جاهل".

وحكام الجزائر قد والوا وما يزالون يوالون صديقا جاهلا مرتزقا ، جاهزا ليبيعهم وينقلب عليهم في كل لحظة وعند أدنى فرصة ، بل بسببه قد فضلوا قطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها مع جار وأخ شقيق وعريق يعرفونه جيدا ويعرفهم، وهو المغرب الحبيب بدولته وشعبه. وذلك بسبب أن الكذب لا ينتج سوى الفقاعات والكذب المتدحرج ، وكل ما بني على باطل فهو باطل. "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين". والله الهادي إلى الصواب.

"Two Wrongs Don't Make a Right"

 

 

يطرح الحشد الشعبي بأنه حشد مقدس وتضفي فصائله وغيرها صفة القدسية على وجوده والذي يتمظهر بصوره المتعددة وتصل فصائله الى 79 فصيل من عصائب اهل الحق، قوات بدر، حشد الامام، سرايا السلام، ممهدون لظهور القائم وغيرها، تلك التي تأخذ دور الملائكة واسماء الله والائمة وربطها بميليشياتها. يضاف لذلك أضفاء القدسية على بعض المدن مثل كربلاء المقدسة و كذلك النجف والكاظمية والاستدعأت التاريخية لمقتل الحسين واعلامه وصوره ولثاراته، وفصائل المقاومة الولائية وغيرها.

هذا المسار يعكس جبهتين للصراع على السلطة السياسية والذي يعتقد بأن الوصول اليها يمهد الطريق لتحقيق مشروع دولة الإمامة. المسار الاول هو الصراع مع داعش وغيرها من ميليشيات الاسلام السياسي السني (مشروع دولة الخلافة). في مجرى هذا الصراع يسعى كل طرف لأضفاء القداسة والاسطرة وكل المتخيل على وجوده وفعاليته. داعش ولأسباب فقهية - مذهبية لم ترى نفسها مقدسة، ولكن طرحت نفسها راعية للمقدس أو أداة لتنفيذ إرادة المقدس. المسار أو الوجه الاخر لهذه القدسية يعكس الصراع على مراكز النفوذ بين الفصائل واحزابها ومن هو الاقرب بحلقة الوصل بالامام الغائب. انه السلوك السياسي الذي يتخذ من الدين أو المذهب كمرتكز له في السياسة، وفي حركة الميليشيات بأعتبارها الذراع العسكري لأحزاب الاسلام السياسي. فمن المعروف للقاصي والداني انه لا  يوجد شئ من هذا القبيل أسلاميا وتاريخياً ومذهبياً. هذا الامر نابع كما يبدو من موقع فكرة الامامة عند الشيعة بأعتبارها من اصول الدين في الوقت الذي لا تكون كذلك عند المذاهب السنية.

أن فكرة تقديس الحشد هو أحد اشكال النوسستالجيا أو الحنين للماضي.  أن اللازمة أو المقدمة التي تفتح فيها المجالس الحسينية على ألسنة القراء (يا ليتنا كنا معك لفزنا فوزاً عظيماً وغيرها من شعارات كل ارض كربلاء وكل يوم عاشوراء) هي راسخة في اعماق التفكير الشيعي وخاصة جماهيره. لقد خُذِل الحسين من قبل من دعاه ومن بايعه، وسبق ذلك شكوى علي بن طالب وخذلانه من مناصيره، وكذلك ما واجهه الحسن وزيد وغيرهم من شعيتهم. أن فكرة اضفاء القدسية على الحشد يعني ذلك الثبات في القتال لتحقيق دولة الامامة المنشودة، ولن يكون هناك تراجعاً أو خذلان. هو تعويض لفكرة الخذلان التي عانى منها ائمة أهل البيت من قبل شيعتهم في محطات عديدة باعتبارهم بشراُ. هذا الخذلان أو الخيانة كما في حالة الحسين وغيرها تتجسد مرارته في الوعي الشيعي حين شكل بعض من قادة جيوش علي بن ابي طالب، قسماً كبير من  جيش عمر بن سعد. أصلا هذا الجيش تشكل من مناصري علي ومن دعاة ومبايعي أبنه المغدور للثورة، ولم يكن هناك وجود لجيش الشام المزعوم.

أورث هذا التاريخ الملتبس عقدة الشعور بالذنب على مدى هذا التاريخ الممتد الى يومنا هذا. هناك حلم يراود أوساط عديدة لفكرة النصرة لقضية الحسين بأعتبارها قضية يومية وحياتية حاضرة على الدوام، بما فيها فكرة الانتقام من قتلة الائمة ومن أحفادهم أعتمادأ على بعض المرويات الشيعية. أنه الحنين الى حركة التوابين وجيش المختار والذي قتل وبأبشع الصور قتلة الحسين وآل بيته وأصحابه. ما زالت ذاكرتي تستعيد تلك اللوحة الكبيرة التي كانت تعلق في المجالس الحسينية للمختار وهو جالس على كرسيه الكبير وأمامه يجري قتل وتعذيب قتلة الحسين. فهذا الذي يُطبخ في قدر كبير. الاخر تقطع أوصاله. شخص تقطع أرجله أو تقلع عينه وغيرها. أنها لوحة من الجحيم للتمثيل بقتلة الحسين وآل بيته. هذه الصور وغيرها من صور التجيش العاطفي كانت تخزن العنف ضد قتلة الحسين وآل بيته (الامويين أساساً والخونة من الشيعة دون الاعراب عنهم ). لاحقاً تحول هذا العنف والكره الى المختلف طائفياً (الامويين السنة مع العلم انهم لم يكونوا سنة وقد ظهر هذا المصطلح بعد زوال الدولة الاموية)، وامتد ليشمل أحفادهم. المفارقة أن أحفاد قتلة الحسين والذين خذلوه وخذلوا آل بيته هم من العشائر العراقية التي يشكل أبنائها الان مصدراً اساسياً لقوات الحشد الشعبي بما فيهم قيس الخزعلي قائد عصائب أهل الحق الاكثر تشددأ بين فصائل الحشد والمقاومة (انظر رد سماحة المرجع الديني في محافظة كريلاء الشيخ عبدالحسين الملا لعيبي على قيس الخزعلي).

تحول هذا  الامر لاحقاً الى  أحد العوامل التي استخدمت في تسييس الهوية الشيعية. لذلك تلبس المالكي شعار مختار العصر ووجد لهذا الامر صدى في الجموع المهيجة طائفياُ دون الرجوع أو البحث عن شخصية المختار وطبيعة حركته. تقديس الحشد هو تجسيد لذاكرة مبنية على العنف والقتل الوحشي وتبريره. انها مثال حي على أضفاء الطابع الديني أو الالهي على السياسة التي هي ذات طابع  بشري.

  جانب أخر لهذا التقديس هو تعويض لواحدة من أهم أحباطات الفكر السياسي الاثنى عشر والذي ابعده عن النضال السياسي أو المساهمة فيه من اجل اقامة سلطته بدعوة أنتظار المهدي المنتظر وجيشه، لاقامة دولة العدل الالهي. أن القداسة هنا لتأكيد شعار ما ننطيها، ذلك الشعار الذي شكل المنهج الاساسي في مشروع المالكي وغيره من أحزاب الاسلام السياسي الشيعي. هو الهروب من نموذج الدولة الحديثة  بأتجاه نموذج الدولة الاسلامية المأزوم والذي شكل داعش واحد من أكثر صوره وحشية ودموية، اضافة لنموذج ولاية الفقيه الثيوقراطي.

 هذه الدولة الحديثة التي لا يمكن الا ان تكون  في حالة العراق الحالية سوى الدولة العلمانية والديمقراطية ودولة العدالة الاجتماعية.

لم يتمدد الحشد الا بفضل دخول داعش وأحتلال الموصل وفتوى المرجع السيد السيستاني. أخذ فيما بعد طابعه المؤسساتي بقرار البرلمان العراقي وقرار رئيس الوزراء حيدر العبادي. انتجت ميليشيات الاسلام السياسي الشيعي لاحقاً حكومة عبد المهدي. لم يكن في ذلك وغيرها من الامور ما يجسد فعل الهي أو قدسي أو تفويض من إمام معصوم غائب أو حاضر. لكن الخزعلي يرى أن: "الحشد الشعبي سيبقى حتى ظهور الإمام المهدي – منقول. هذا التصريح وما يماثله، يشكل نموذج للعديد من الافكار المتداولة في هذا الاطار. ان أضفاء القدسية هي محاولة للهروب من دورالحشد المحدود والذي ارتبط بظرف تاريخي وسياسي محدد والذي هو في نهاية المطاف وجود مؤقت. أن محتوى هذا الامر هو التأكيد على الدور الاستمراري والحتمي لانتاج حكومات الميليشيات المتلاحقة. بمعنى أخر ايضاً، لا تستطيع أي  فتوى من مراجع الافتاء أو اي من قرارات الحكومات القادمة حله. هم بعبارة أخرى يريدون قراريصدر من المهدي المنتظر بحله !!!.

أن تقديس الحشد  يقود في مجرى الحياة الى أسقاط القدسية عنه. هي تناقض الصورة المثالية مع واقع الحال. اي مقدس ذلك الذي يعتبر نفسه عامل الدفاع الذاتي عن الشيعة بشكل عام (هذا اذا افترضنا وهماً أن الشيعة هي كتلة واحدة متجانسة وصماء)، ويداه تسبح بدماء مئات الشهداء من شباب الانتفاضة التشرينية، غير آلالاف من المعاقين والعوائل المنكوبة بفقدان فلذات قلوبهم، وهم من الشيعة اساُساً، خرجت للاحتجاج ضد حكم تشكل فيه أحزاب الاسلام السياسي الشيعي موقع المتحكم فيه. اي حشد مقدس ذلك الذي يوجه سلاحه الى الذين جاء بأسمهم وبأسم مظلوميتهم وليدافع عن مصالحهم، في الوقت الذي يذهب للقتال وتبذير أموال العراق وأيران في الدفاع عن النصيرية والتي اتخذت اسم العلوية أو الزيدية (الحوثيون مع التحفظ باي مقدار يمثل الحوثيون مذهب الزيدية) من أجل الدولة الشيعية الكبرى. فالأولى كما هو معروف هي فرقة شيعية ملعونة ومكفرة في الفقه الاثنى عشر والثانية كذلك، ويعتبرها بعض فقهاء الاثنى عشرية فرقة ناصبية حيث لا تعترف الزيدية بخط الامامة للاثنى عشرية ولا تعترف بإمامتهم.

 لقد فاحت رائحة هذا المقدس بالفضائيين والتي كشفها رئيس الوزراء السابق وأحد أركان حزب الدعوة حيدر العبادي. أن الفساد يلاحق سمعة هذا المقدس والتي تتعفن في هذا المستنقع. غير دوره في نهب الدولة والإبقاء على هامشية وجودها. وعلى هذا القياس تمتد سياسة هذا المقدس وسلوكه اليومي بحيث انه لم يعدو سوى كونه تعبيراً عن تحالف قوى ألاستبداد الفساد.  

 يلعب المقدس في الاديان عموماً منها الاسلام دور محورياً في العلاقة والسلوك بين المعبود والعبد، ومن أكبر الخطايا في الاسلام ومذاهبه هو تجاوز او ملامسة المقدس، ويمتد هذا الامر بتقديري لكل الايدلوجيات الشمولية. جرى تسويق هذا المقدس يومياً وبشكل متواصل من خلال (اسلام التجهيل). أنها أعادة التحكيم في المجتمع عن طريق تدوير الخوف بأساليب أخرى. أن الخوف هو واحد من ابرز العوامل في التحكم وإدارة المجتمعات باتجاه الانظمة الديكتاتورية. ولنتذكر تجربة صدام في هذا الصدد. لا تنفك أحزاب الاسلام السياسي بالتحذير من العدو الذي يهدد المذهب والدين والكيان الوجودي للطائفة. أن لم يكن موجود ولم تنفع المغالاة بدوره فانها تسعى لخلقه. كثير من المعلومات الموثقة تتحدث عن التخادم لأنشاء أو دعم تشكيل العدو النوعي. الى جانب ذلك يوفر المقدس وكل المنظومة الدينية بالاستناد الى آلية التأويل للقران وفهم السنة كُلاً عن طريق أحاديثه، طريقاً لتجاوز أزمة الضمير المفقود عند ميليشيات الاسلام السياسي بما فيها الحشد وفصائل المقاومة. هي بمثابة جزء من آلية الوهم والتخدير الذاتي، فالكثير من فصائل  الحشد متهمة بالقتل والنهب والاستلاء على الممتلكات العامة والخاصة والاحتيال على الدولة  وقمع المحتجين وادارة سوق المخدرات والدعارة وتصدير الخمور وغيرها. أن إضفاء المقدس على الحشد هو يماثل الى حد ما سلوك داعش والقاعدة لتبرير جرائمهما ولكن هنا يكتسب الامر براغماتية اكثر. عموما تمثل الايديولوجية الدينية والطائفية طريق سهل لتبرير الذنوب وغسلها وتجاوز ازمة الضمير. مجهول المالك مثلاً حياً لذلك.

أن المقدس الذي يرتبط بالوعي الجمعي والذي استغرق صياغته قرون طويلة. لن يستطيع الحشد ولا غيره أن يلوي عنق التاريخ بسلاح أو فتوى دينية ويختصر الزمن كله، كي ينقل  ارادته الى وعي جماهير الشيعة.  

 

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

 

بشير عمريتعيش التجربة الوطنية في عموم العالم العربية ودونما استثناء، أزمة مركبة ومعقدة تماما كتلك التي تعيشها مجتمعاتها الثقافية من أزمة فكرية تحول دون اندراجها في حركة التاريخ بتطوره وارتقائه، وإذا كانت الأزمة الفكرية هاته قد عبرت عن نفسها في جزئية الثنائية القاتلة الأصالة والمعاصرة كعنوان رئيس مع ما يستتبعها من ثنائيات فرعية، كالدينية والعلمانية، الذكورية والأنثوية، فإنها في المسألة الوطنية قد عبرت عن نفسها بثنائية السلطة والحرية.

لكن ما الذي يحمله مفهوم السلطة كعامل أزمة وقطب صراع دموي أزلي في التجربة الوطنية العربية؟ وما عوامل وأسباب عدم تطورها كمفهوم وممارسة في وعي وواقع التجربة القُطرية العربية لما بعد الاستقلال؟

يصر التاريخ بصارم قوانينه بوصفة مسارات لأيلولة الذات في مدارج الزمن، على أن تغدو الوطنية بحسبانها تراكما في التأمل والعمل الوطني فكرا، وتصر السياسة بحسابتها بكونها نتاجا ذاتيا شلليا أيديولوجيا على أن تظل (الوطنية) شعورا، حالة من التنافر الوظيفي تجعل الصراع قابلا للاشتعال في كل مرحلة يستوجب فيها التغيير أو التحول وفق تطورات الأنساق في عموم موضوعات ومستويات الوعي الجمعي والنخبي بها.

في عالمنا العربي الذي تضرب فيه الشمولية بأطنابها في كل مفاصله، تجمع فيه السياسة بحساباتها المجردة الكل في بوتقتها ويغتم الوجود الوطني ويتعفن داخلها ما يسفر بين المرحلة التاريخية والأخرى على براكين متفجرة دامية تعيد بل وتركس التجربة الوطنية إلى مربع البداية وبذلك تظل هاته التجربة تترنح في حواشي صفرية البداية في غير زمن ومقتضى وعي البداية، وهذا أخطر ما يتهدد هاته الكيانات الوطنية.

فالذين تنازعوا السلطة فيما بينهم بحسابات السياسة والمصالح الذاتية عشية التأسيس الوطني، استولوا على التاريخ الجمعي للأمة وللوطن وقدَّوا منه ما تصوروه النموذج الأمثل للوطنية وأضفوا عليه صفة "الثابت" وبذلك تم حبس واحتباس الوعي الوطني بوصفه منتجا وفق صفته التطورية للمعنى الوطني داخل هذا الوعاء الثابت المغلق للثوابت التي أنتجها العقل السياسي بآليته الحسابية الضيقة وليس بآليات العقلانية الفكرية المتحررة مثلما تنص وتصر عليه خصائص التاريخ.

الشعوب تتطور وتتحضر بوعيها المتحرر على المستويات ما فوق السياسية، وعليه يظل التأسيس القطري الوطني قابلا للانفتاح على النقاش التاريخي والفكري وبالتالي قابلا للتطور على الصُعد المفاهيمية ليتحول ذلك إلى انتاج فعلي في الفكر الوطني، هذا الفكر مع الأسف لا يكاد يوجد أو لا يسمح له بالإنوجاد بسبب مصادرة السياسة للتاريخ واغتنام حربي للوطنية وفق ثوابت صممت ورسمت بمنطق الحسابات السياسية التصارعية الظرفية بين مختلف الجماعات الأيديولوجية والعسكرية والشللية.

من هنا يبرز مأزق الأجيال الموقوفة في توالدها البيولوجي والأيديولوجي معا وتداولها الزمني على ركح التاريخ، عند حدود الزمن دون أن تترك تلامس هذا التاريخ وتعبر عن حضورها وترسم خطوها فيه، تمنع من أن تعبر عن نفسها وفق أشياء عصرها ومقدار ما وعته من سابق أطوار التجربة الوطنية ومما تعلمته من تراكم التجربة الإنسانية عموما، فيستحيل هكذا الخطاب الوطني إلى نسيجا من طلاسم غوغائية كمصدر للنشاز والتنافر الوطني، عندما يمتلئ بترهات اللا منطق واللا معقول من الكلام، كما صار يُتداول منذ ليلة نقض ونفض التجربة التعددية بالجزائر من أن  التزوير الانتخابي هو وسيلة ضرورية للحفاظ على الكيانات الوطنية، وتبارك وتبرر الديكتاتورية بوصفها ضرورة للحيلولة دون انفراط العقد الوطني، وحكم الزعيم أرحم من فوضى الاقتراع، وبالتالي يرتهن الانسان والمواطن العربي بشكل أزلي للسياسة ويظل على هامش التاريخ.

المفجع هنا، هو أن ترى "النخب العربية" مسلمة ومستسلمة لطغوى السياسي على التاريخي في التجربة الوطنية العربية، وتمضي خلفه بمنطق المصلحة الشخصية، غير أبهة بمصير الأمة والوطن، إن هكذا تعتيم متواصل على نور التاريخ في الباحة الوطنية المظلمة لن يكون له من ناتج فعلي غير حصار وافقار دائمين متلازمين للوطن والمواطن، وهو ما يعني في حد ذاته اللا وطنية التي امتازت بها تلك النخب، في مقابل محاولات الشعب في أكثر من محطة تاريخية لكسر هذا الحصار المفروض باسم الثابت الوطني من أجل الانعتاق والسعي للتألق في التاريخ كما تألقت عديد الأمم الأخرى.

 

بشير عمري - كاتب  جزائري

 

ابراهيم أبراشبعد مرور ستة عشر عاما على خروج جيش الاحتلال من داخل قطاع غزة في مثل هذه الأيام من عام 2005 فإن قطاع غزة (المُحرر) كما تقول فصائل المقاومة يشهد تصعيدا عسكريا ومناوشات مع الاحتلال الذي خرج من غزة، بينما في الضفة المحتلة منذ 1967 يوجد مقر منظمة التحرير وتوجد سلطة وطنية ومؤسسات وطنية وسفارات وممثليات اجنبية، ولا توجد فصائل مقاومة مسلحة ولا صواريخ ولا أنفاق أو عمليات ارباك ليلي أو بالونات حارقة لمواجهة الاحتلال والمستوطنين، بل يتظاهر معارضون  ومنتمون لفصائل المقاومة ضد السلطة الوطنية !!!.

هذا المشهد مستمر منذ سنوات وبرز أخيرا في ذكرى حرق المسجد الأقصى21أغسطس الجاري، حيث تزامن حدثان، الأول في غزة حيث مناوشات وصدامات بين متظاهرين وجيش الاحتلال على حدود القطاع، والحدث الثاني عندما فضـت أجهزة امن السلطة وبالقوة تجمعا لمئات في دوار المنارة في رام الله خرجوا منددين بتقاعس السلطة في حماية حرية الرأي والتعبير وعدم معاقبة رجال الأمن الذين قتلوا نزار بنات.

ربما كان التزامن عفوياً وغير مقصود أو مبرمَجا له ولكن الانطباع الذي تولَّد عند المتابعين للأحداث في الداخل والخارج وغير ملمين بخفايا الأمور هو أن الفلسطينيين في غزة يواجهون الاحتلال وفي الضفة يواجهون السلطة وكانه لا يوجد احتلال !!!!.

كان من المفروض أن التظاهرات والمسيرات بمناسبة ذكرى حرق المسجد الأقصى –أو أية مناسبة وطنية- تشمل كل ربوع فلسطين وفي الشتات وفي كل العالم الإسلامي أو على الأقل أن تكون في الضفة وغزة، لأن القدس والمسجد الأقصى ليس شأناً غزاوياً، ايضاَ أن تكون حالة الاشتباك مع الاحتلال في الضفة المحتلة وليس فقط في غزة، التي خرج منها جيش الاحتلال، وفي المقابل كان من المفروض أن تكون الوقفات الاحتجاجية ضد القمع والحد من الحريات في الضفة وغزة، لأن الانتهاكات موجودة في المنطقتين. ولكن الانقسام المقيت والحسابات الحزبية الضيقة أخرجت هكذا مظاهرات ووقفات احتجاجية وصدامات مع الاحتلال عن سياقها الوطني وأفقدتها تأثيرها بل شوهت الرسالة السامية التي كان يجب توصيلها.

الاحتلال في الضفة أكثر حضوراً و خطورة مما هو في غزة، وكان يجب أن تكون المظاهرات والتصادم  مع الاحتلال أكثر فعالية وزخماً في الضفة مما هو في غزة (المُحررة)، كما أن الحد من الحريات في غزة لا يقل عما هو في الضفة، ولكن الأمور جرت بشكل مقلوب ومعكوس ومشوه.

إن سير الأمور بالمعكوس في مناطق السلطة ليس وليد الساعة، بل هو خطأ موجود منذ خروج الجيش الإسرائيلي من داخل قطاع غزة خريف 2005، فمنذ ذاك الوقت كان يُفترض أن تنتقل المقاومة المسلحة من قطاع غزة (المُحَرَر) كما تقول فصائل المقاومة إلى الضفة الغربية المحتلة، وأن تتفرغ السلطة وفصائل المقاومة في غزة لإعادة بناء القطاع وخلق مشاريع تنمية، و تحويله لنموذج مُشرف ومتميز لقدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم، ولكن للأسف وبتخطيط خبيث تعاظَم شأن ووجود الجماعات المسلحة في القطاع (المحرر) وغاب وجودها عن الضفة المحتلة، مع أن الفصائل والأحزاب في غزة نفسها في الضفة، ولم يحدث لا مزيد من تحرير الأرض ولا تنمية وبناء لا في الضفة ولا في غزة.

لا نقلل من شأن النضال من أجل احترام الحريات العامة ومواجهة التسلط والفساد او نقلل من شأن الناشطين السياسيين والمجتمعيين الفاعلين في هذا المجال سواء في الضفة أو غزة ولكن يجب عدم الخلط بين العدو الرئيس وهو إسرائيل حيث يجب تكاثف الجهود لمواجهته وبين الخصم السياسي الوطني، بحيث لا تصبح مقارعة الخصم السياسي الوطني لها الاولوية على مقارعة العدو.

أن تقول السلطة في رام الله إنها سلطة وطنية وعنوان المشروع الوطني، فهذا لا يعني ان من يتولى أمر السلطة ملائكة أو منزهون عن الخطأ، أو يجب السكوت عن أية انتهاك للحريات أو حالات فساد وشطط في استعمال السلطة، والسلطة الوطنية في الضفة تتحمل مسؤولية قتل نزار بنات بالشكل الفج الذي جرى، والسلطة أخطأت عندما تأخرت في محاسبة القَتَلة وهم معروفون لديها وأخطأت مرة أخرى عندما قمعت واعتقلت مشاركين في وقفة احتجاجية سلمية على دوار المنارة، بينهم مثقفون وأكاديميون، وأسرى محررون لا يمكن التشكيك في وطنيتهم جميعاً، حتى وإن كان بين المتظاهرين مندسون لا يريدون خيرا للسلطة وللوطن.

وفي المقابل على (فصائل المقاومة) وكل من يعارض السلطة الوطنية الابتعاد عن تصنيف هذه الأخيرة كعدو، وتصبح كل جهودهم موجهة لتشويه السلطة ومحاولة إسقاطها حتى بدعم أطراف خارجية لا تريد خيرا لفلسطين والفلسطينيين، متجاهلين الاحتلال وممارساته، فبالرغم من كل المآخذ على السلطة ومطالبتنا المتواصلة بضرورة تغيير وظيفتها وتصليب مواقفها في مواجهة الاحتلال، إلا أن وجودها في الاراضي المحتلة كمؤسسات تعبر وتجسد الشخصية والهوية الوطنية يشكل حالة تحدي لمزاعم إسرائيل بأن الضفة والقدس جزء من دولة الكيان .

أيضا ستفقد كل فصائل المقاومة، وطنية كانت أم إسلامية، قيمتها بل وصفة المقاومة إن اكتفت بما تقوم به في غزة ومناوشة السلطة في الضفة وتركت العدو يواصل مشاريعه الاستيطانية في الضفة والقدس، ونقولها بصراحة على فصائل المقاومة ومعارضي السلطة عدم توظيف واستغلال تجاوزات واخطاء السلطة الوطنية شماعة يعلقون عليها تقاعسهم وجبنهم في مواجهة الاحتلال في الضفة والقدس وبقية فلسطين ما داموا يقولون بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر وعدم الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني.

وأخير، ما يجري يستحضر الجدل الذي ثار في بداية تأسيس السلطة حول إمكانية التوفيق بين مسار النضال ضد الاحتلال و مسار النضال من أجل الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان، ويبدو أن عملية التوفيق بين بين المسارين لم يُكتب لها النجاح.

 

إبراهيم أبراش

 

 

علاء اللاميالميجر البريطاني لويد بدأ الفرهود برصاصة من مسدسه حطمت قفل مخزن ليهودي بصري، ومليشيا درويش تصدت للناهبين وأعادت جلَّ المنهوبات لأصحابها!

في روايته "درويش" التي صدرت في العام الماضي عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، خصص المؤلف الصديق ماجد الخطيب - الذي أشكره جزيلا على إهدائي نسخة منها - فصلا منها لحدث الفرهود الذي بدأ - كما يذكر- في البصرة وليس في بغداد.

* الرواية موضوع الحديث من نمط روايات السيرة، وقد خصصها المؤلف لحياة عمه الوجيه البصري المعروف ومختار ثلاث أحياء في المدينة الملقب بدرويش أو درويش الجني واسمه حين ولد وكان طفلا هو "محمد الخطيب"، ولكن حين شبَّ وكبُر تغلب اسمه أو لقبه "درويش" على اسمه الأصلي. ويهمني أن أتوقف في هذا النص عند الفصل الخاص بشهادة الروائي التي تتعلق بحدث الفرهود، وهو الموضوع الذي سبق وأن توقفت عنده في أكثر من مقالة قبل أشهر قليلة، نظرا للمعلومات المهمة والتي لم يسبق لي ولكثيرين غيري - من خارج البصرة - أن اطلعوا عليها.

كتبَ المؤلف "انطلقت شرارة الفرهود في البصرة، ولم تبدأ في العاصمة بغداد، كما يروي كهول البصرة الذين عاشوا الفرهود يوم 7 أيار 1941. فممثلو العلم البريطاني "اليونيون جاك" كانوا في انتظار القوات البريطانية، وغالبيتها من الگرگة (الهنود والباكستانيون والبلوش)، التي قررت النزول في البصرة لإعادة احتلال العراق بعد سقوط حكومة رشيد عالي الانقلابية. وبدأ الفرهود برصاصة كسر فيها ضابط بريطاني محل أحد اليهود في سوق الهنود، وهو يعلن: فرهود! ص 161". ويوثق المؤلف الحادثة بنسبتها إلى مترجم كان يعمل مع القوات البريطانية، يدعى الملا حميد حمدي وإلى ذكريات لقاء مع السيد ابو زيدون احمد عبد الرزاق  سنة 1997 في شهادات معتمدة كما ورد في مقالة لأحمد سهيل أحمد بعنوان "فرهود سوق الهنود في البصرة ١٩٤١"، والذي روى كيف أن الضابط الميجر البريطاني "لويد" قائد حامية العشار أطلق بنفسه النار على قفل أحد محلات اليهود وأطلق صيحة "loot" أي نهب! ويقول المؤلف أن لويد ضرب عصفورين بحجر بحركته هذه "فهو وجه دفة المتظاهرين هناك الذين كانوا يهتفون ضد الإنزال البريطاني إلى السرقة والنهب وكسب الوقت اللازم لوصول قوات بلاده". وقد شارك أفراد من القوات البريطانية في نهب المخازن في سوق الهنود إلى جانب لصوص ورعاع المدينة.

ويستمر المؤلف في روايته فيعدد الأحياء والشوارع والأسواق التي وقعت فيها أعمال النهب كأحياء: مناوي باشا والتحسينية والسيمر وسوق البصرة القديم والصبخة الكبيرة وشملت بيوت بعض اليهود، فتوجس درويش شرا من هذه الأحداث واستدعى عددا من شباب محلة الصبخة الصغيرة وشكل عددا من مفارز الحماية، ووزع عليهم ما توفر من الأسلحة النارية والبيضاء، وتمنطق هو شخصيا بمسدسه وسيفه وجعل من ولديه المراهقين مراسلين على الدراجات ينقلان التوجيهات والماء والطعام الى مفارز هذه المليشيا الدفاعية الطارئة والمرتجلة التي شكلها.

وبعد عملية الدفاع والتصدي لأعمال الفرهود ولجمها ومحاصرتها، تحولت مفارز درويش الى الهجوم بعد أن تطوع فيها شباب بصريون آخرون من احياء أخرى، وبدأت بضبط واعتقال اللصوص والنهابين ومصادرة ما نهبوه والتحقيق معهم لمعرفة من أي بيت أو محل نهبوا ما نهبوا، ثم تكتب المعلومات على قصاصات ورقية وتلصق على المسروقات لتعاد بعد أن هدأت الاضطرابات إلى أصحابها.

يخبرنا الراوي أيضا بأن الأحداث في البصرة لم تسفر عن سقوط كثير من الضحايا وأن بعض ضحايا النهب كانوا من المسلمين والمسيحيين البصريين من أصحاب المحلات في سوق الهنود.

* إن مشهد إطلاق الضابط البريطاني لويد النار من مسدسه على قفل محل ليهودي عراقي كإشارة لبدء النهب، كما رواه ووثقه المؤلف يذكرني بالإشارة التي أطلقتها قوات الاحتلال الأميركية حين احتلت بغداد لبدء عمليات النهب والسلب وخصوصا في مبنى المتحف الوطني العراقي بعد إطلاق قذيفة دبابة أميركية على واجهته وقد ظلت الثغرة التي أحدثتها القذيفة ظاهرة للعيان لفترة طويلة!

كما أن هذه المشهد والمشاهد الأخرى للدفاع الشهم الذي قام به شباب البصرة بقيادة الشيخ الراحل درويش الخطيب تعزز الرواية الوطنية لحدث الفرهود، وتدحض الرواية الصهيونية و"الذيل صهيونية" وتؤكد أن الفرهود كان جريمة مخطط لها من قبل البريطانيين والصهاينة وقد  تولى التخطيط لها والدفع في اتجاه ارتكابها وإعطاء إشارة البدء بهذا التنفيذ في البصرة الطرف البريطاني، مثلما تقاعس هذا الطرف عن القيام بواجبه كقوة احتلال في لجم تلك الأحداث، كما ذكر الدكتور داود سلمان "أنّ القوّات البريطانيّة التزمتْ بتعليمات القائد العامُّ للقوّات المسلّحة للحلفاء، الجنرال ويغل، ولذلك لم تحرِّكْ ساكنًا عندما حصل الاعتداء [الفرهود]، بل إنّها كانت سببًا في فسح المجال أمام العرب للاعتداء على اليهود". ويتحدث سلمان عن "محادثةٍ هاتفيّةٍ جرت بين ضابطٍ عراقيّ، وبين مُرافق السفير البريطانيّ كورنواليس، الكابتن المدعوّ هولت، الذي امتنع عن إيقاظ السفير وإبلاغِه بالمجزرة الجارية ضدّ اليهود في جانب الرصافة بقوله إنّ السفير يَعرف ما يجري من إطلاق نارٍ وسلبٍ ولكنّه يعتبر ذلك مسألةً داخليّةً لا يجوز للقوّات البريطانيّة التدخّلُ فيها." كما وثقنا في مقالة سابقة لنا/ الآداب البيروتية عدد كانون الثاني 2021!

 

علاء اللامي

 

 

كريم المظفرتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاءه بعدد من قادة حزب روسيا الموحدة والتي أكد فيها، أن موسكو تتابع من كثب تطورات الأوضاع في أفغانستان لكنها لا تنوي الانجرار إلى "نزاع الجميع ضد الجميع" ، والإشارة الى إن النزاع في أفغانستان يستمر منذ عدة عقود، وانه "كان للاتحاد السوفييتي خبرة للوجود في هذه البلاد. ونحن تعلمنا الدروس الضرورية"، كانت بمثابة رسائل عديدة الى أولئك الذين يريدون توريط روسيا وجرها الى النزاع في أفغانستان من جديدة .

وكما هو معروف الان فأن أفغانستان تمر اليوم بأوضاع صعبة ومقلقة، وان روسيا من كثب هذه التطورات من خلال التعاون المكثف مع شركائها في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وشدد الرئيس بوتين على ان بلاده لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان، واعتبر أن بعض الدول ستحاول تصعيد النزاع في أفغانستان لينتشر خارج حدودها وهذا سيمثل تهديدا مباشرا لأمن روسيا.

وفي الحالة هذه، دعا الرئيس الروسي شعبه للتوحد ورص الصفوف لمواجهة التحديات التي تعصف ببلاده في هذه المرحلة، وإن روسيا تتلك القدرات الدفاعية الفعالة، والتأكد أن الإجراءات المنسقة لجميع السلطات مهمة للغاية أيضًا، وطالب الحكومة ووزارة الخارجية وهياكل السلطة، إلى جانب البرلمانيين، تعزيز العمل في جميع المجالات الرئيسية لضمان أمن البلاد والمواطنين، بشكل موثوق من تهديد الإرهاب الدولي.

وللتذكير، فإنه لم يمض وقت طويل، على ما جرى في شمال القوقاز الروسي، الذي شهد عمليات عسكرية بتشكيلات كبيرة من قطاع الطرق من الإرهابيين الدوليين، ولو لم تهزمهم روسيا ، ولو لم يقم سكان داغستان والشيشان وغيرهما من الجمهوريات لمحاربة هذا الشر، لكانت الأهوال التي تحدث في أفغانستان اليوم ستستمر على الأرض، وأشار الرئيس بوتين إلى أن روسيا كانت الدولة الوحيدة التي هزمت الجماعات الإرهابية للإسلاميين وقطاع الطرق التابعين لهم تحت الأرض، واليوم يمكن للجماعات الإرهابية التي لجأت إلى أفغانستان أن تستغل الفوضى التي خلفها اللاعبون الغربيون وراءهم.

وفي الذاكرة التاريخية للشعب الروسي، ترتبط أفغانستان بحرب 1979-1989 والخسائر التي أظلمت السنوات الأخيرة من وجود الاتحاد السوفياتي، ويعتقد الكثيرون أيضًا أن هذه الأحداث كانت من نواح كثيرة أحد العوامل التي أدت إلى انهيار السوفييت، واليوم، تكتب الصحافة الأجنبية أكثر فأكثر عن أن روسيا تستطيع أن تلعب أحد الأدوار الحاسمة في التسوية الأفغانية وستقوم بذلك، ولكن السؤال هو لماذا تحتاج موسكو للمشاركة في هذه العملية الصعبة، وهل لها فوائد ؟، مع الأخذ بعين الاعتبار الارتباطات الصعبة التي تظهر في ذاكرة أي روسي عند كلمة "أفغانستان"؟ أليس الأفضل محاولة تجاهل وجود هذه الدولة وتقليل ذكرها في الفضاء الإعلامي؟

لقد أثرت المشاكل المتعلقة بأفغانستان أيضًا على روسيا في مطلع الألفية، وكان للجناح الأكثر تطرفا في شمال القوقاز علاقات وثيقة مع طالبان من خلال القاعدة، وقام الأخير بدور نشط في حربين شيشانيتين، ويُعتقد أن منفذي عمليات الهدم الذين نفذوا العديد من الهجمات الإرهابية التي رعدت في روسيا قد تدربوا على أيدي مدربين أرسلتهم القاعدة من أفغانستان، والآن، وكما قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عدة مرات، هناك صلة بين المسلحين الذين قاتلوا ضد روسيا في سوريا (بشكل أساسي من بين المهاجرين من منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي) وأفغانستان من خلال دولة خراسان الإسلامية، وهي تقسيم إقليمي من الدولة الإسلامية في أفغانستان (المحظورة في الاتحاد الروسي) وكذلك من خلال الجماعات العرقية المتطرفة المرتبطة بالقاعدة.

وكما يقول المثل الشعبي (أول الغيث قطرة) فقد أعلنت هيئة الأمن الفدرالية الروسية وبعملية خاصة أجرتها بالتعاون مع وزارة الداخلية والحرس الروسي في العاصمة موسكو ومدينة نوفوسيبيرسك ومقاطعتها، وكذلك في مدن ياقوتسك وكراسنويارسك وكانسك بمنطقة سيبيريا، تم اعتقال 31 شخصا بيتهم قيادات في موسكو وعدد من مناطق البلاد، بتهمة الانتماء لتنظيم "كتيبة التوحيد والجهاد" المدرجة على قائمة الجماعات الإرهابية في البلاد، ووفقا لبيانات الهيئة فأن هؤلاء الموقوفين كانوا يعملون على تجنيد عناصر جدد لتنظيمهم وإرسالهم إلى مناطق نزاعات مسلحة، بالإضافة إلى تمويل مسلحين في سوريا، والتحريض على ارتكاب جرائم ذات طابع إرهابي، وهي المرة الثانية التي تلقي الهيئة القبض على " إرهابيين " من هذه الحركة، يث سبق وان أعلنت الأسبوع الماضي عن اعتقالها خلية تضم خمسة عناصر لـ"كتيبة التوحيد والجهاد" في القرم.

ومن وجهة النظر الروسية فان هناك من سيحاول بدء تصعيد مباشر في الدول المجاورة، وهذا تهديد مباشر لروسيا وحلفائها، فضلاً عن زيادة محتملة في تهريب المخدرات وتفاقم مشكلة الهجرة غير الشرعية، وهذه كلها تهديدات حقيقية بالنسبة لهم ، وهو ما أكدته صحيفة "وول ستريت جورنال"، بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعرب لنظيره الأمريكي، جو بايدن، خلال قمتهما في جنيف عن رفض موسكو لأي تواجد عسكري أمريكي في آسيا الوسط، وان الرئيس الروسي شدد على ان موسكو تعارض أن يكون لدى الجيش الأمريكي أي دور في آسيا الوسطى، ولفت الانتباه أيضا إلى أن الصين ترفض ذلك.

وأوضح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، في رسالة وجهها إلى الصحيفة الأمريكية ردا على سؤالها عن الموضوع: "لا نرى كيف يمكن لأي نوع من التواجد العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى تعزيز أمن دول المنطقة وجيرانها، وبالتأكيد لن يصب ذلك في مصلة روسيا".

العاصمة الطاجيكية التي استنجدت بمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بسبب التهديد الوشيك من الإسلاميين المتطرفين الذين سيطروا على الحدود بين جمهورية طاجيكستان وأفغانستان ، أثمر عن وعد وزارة الخارجية الروسية بتقديم المساعدة في حال تعرض المسلحين لهجوم مباشر، فسرها الخبراء والمحللون الروس على إنه على الرغم من ذلك، ليس لدى روسيا أي خطط لإرسال قوات، ولن يكون هناك جيش نظامي روسي في أفغانستان، وان الجيش سيكون موجود فقط على الحدود مع طاجيكستان، تنفيذا لمبادئ معاهدة الأمن الجماعي التي تنص على تقديم المساعدة للأعضاء في حالة المخاطر .

ويواصل الجيش الروسي إبقاء الوضع تحت السيطرة بفضل معدات الاستطلاع الحديثة والاتصالات عبر الأقمار الصناعية. يعرف الجيش في الوقت الحقيقي ما يحدث في أفغانستان، وبسبب انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان، وتدهور الوضع وبسرعة، ومع ذلك، لكي تتدخل روسيا، سيكون من الضروري تنسيق الإجراءات ليس فقط مع قيادة طاجيكستان، ولكن أيضًا مع أوزبكستان وتركمانستان، وقد تكون هناك حاجة لاتخاذ إجراءات فعالة في حالة إغلاق الحدود وتعزيز الوحدة العسكرية هناك من أجل منع غزو المسلحين.

وبحسب المراقبين الروس فإن موسكو قد أنشأت بالفعل آلية للتفاعل مع جمهوريات آسيا الوسطى بشأن مكافحة تهديد الإرهاب الدول، ووفقا لأستاذ الجامعة المالية التابعة لحكومة الاتحاد الروسي أوليغ ماتفيتشيف، فإن دول آسيا الوسطى مهتمة بشكل حيوي بمنع مثل هذه الهجرة، لأنهم أول من يعاني، لذلك بدأت أجهزة الامن الخاصة لديهم بالتعاون مع نظرائهم الروس معًا لمنع أي هجرة محتملة وهجرة إرهابية من أفغانستان، لذلك فإن الوضع في المنطقة هادئ . 

وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان يجبر موسكو على تعزيز قوتها العسكرية ولا توجد شروط مسبقة لنشر وحدة عسكرية روسية في أفغانستان، لذلك وبحسب أمين مجلس الأمن التابع للاتحاد الروسي نيقولاي باتروشيف، فإن السلطات الروسية مستعدة للحوار مع تلك القوى في البلاد التي ستعتمد على إرادة الشعب وتبني دولة مزدهرة، وفي الوقت نفسه، فإن بعض الخبراء على يقين من أن وصول جماعة طالبان الإرهابية (منظمة محظورة في الاتحاد الروسي) إلى السلطة في أفغانستان يحمل العديد من التهديدات لروسيا ويجبرها على بناء قوتها الدفاعية، وهناك افتراض بأن روسيا ستضطر حتى إلى تنظيم تجنيد عسكري إضافي، وفي الاتجاه الأفغاني، سيتم التركيز بشكل أساسي على الجهود السياسية والدبلوماسية، جنبًا إلى جنب مع الشركاء للبحث عن طرق لإقامة حوار بين الأفغان وتوصل سلمي لتسوية المشاكل القائمة في البلاد، ولكن حتى بالنظر إلى التاريخ المعروف لحركة طالبان، فإن روسيا لن تثق بشكل أعمى بوعودها، وبالنسبة للتأمين، فإن لدى روسيا نظام دفاعي على الحدود مع أفغانستان، والذي أظهر نفسه جيدًا لأكثر من 30 عامًا، وبشكل أساسي على الحدود الطاجيكية الأفغانية، لذا فإن أراضي الاتحاد الروسي محمية بشكل جيد من الفوضى المحتملة في أفغانستان.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

 

2754 جاك رازموسبقلم: البروفسور جاك  رازموس*

المصدر: Global Research

ترجمة: عادل حبه

في 16 آب عام 2021، خاطب الرئيس بايدن الأمة الأمريكية ليشرح سبب انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان. وبدرجة أقل، حاول أيضاً تفسير سبب انهيار الحكومة الأفغانية وقواتها العسكرية البالغ عددها 300 ألف جندي خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، مع عملية الاختفاء السريع للحكومة الأفغانية، في نفخة من الدخان وذهبت هباءاً أكثر من تريليون دولار أنفقتها الولايات المتحدة في أفغانستان منذ عام 2001.

التزم بايدن الصمت في الإجابة الحقيقية على النقطة الأولى التي تفسر سبب انسحاب الولايات المتحدة، ولم يرد على الموضوعة الثانية أبداً.

إن الجواب الحقيقي على النقطة الأولى في غاية البساطة: فالولايات المتحدة بصفتها قوة مهيمنة عالمية لم تعد قادرة على تحمل التكلفة المالية للبقاء في ذلك البلد، لذا فهي قررن الإنسحاب. فقد ارتفعت التكاليف الجديدة المتوقعة للحفاظ على إمبراطورية الولايات المتحدة العالمية بشكل كبير منذ بدء الحرب الأفغانية في خريف عام 2001. وتدرك النخب الأمريكية الآن أنها لا تستطيع تحمل التكاليف المتزايدة الجديدة للإمبراطورية في أماكن أخرى، بينما تستمر في الوقت نفسه في إهدار الأموال لمدة 20 عاماً على الثقب الأسود المالي المسمى أفغانستان. وتنسحب الولايات المتحدة لأنها، لأول مرة منذ عام 1945، قررت خفض تكاليفها في مناطق أقل استراتيجية من أجل أن تكون قادرة على تمويل التكاليف المتزايدة للإمبراطورية في أماكن أخرى.

 المناطق الجديدة هي:

- التكاليف المتزايدة بسرعة للاستثمار في تقنيات الجيل التالي اللازمة لمنافسة الصين، عسكرياً واقتصادياً .

- تكاليف استثمارات الأمن السيبراني اللازمة للتعامل مع روسيا والصين ومع مجموعة مختارة من المنافسين السيبرانيين الآخرين.

- النفقات اللازمة للرد على التهديد لأمن الولايات المتحدة من الحرب الجديدة الناشئة مع الطبيعة (تسمى أحياناً تغير المناخ).

في جميع التحديات الثلاثة الجديدة، تقف الولايات المتحدة حالياً وراء المنحنى. إن رد فعل الطبيعة على نمط الإنتاج الرأسمالي كان على شكل ارتفاع درجة حرارة المناخ، بما يعني أن الطبيعة تفوز بالمناوشات المبكرة. ولم تتمكن الولايات المتحدة حتى الآن من شن رد فعل مضاد جاد تجاه هذا التحدي. وتربح روسيا والصين وغيرهما من المنافسين الأقل  وضوحاً في حرب الأمن السيبراني. فلا تستطيع الولايات المتحدة حتى حماية بنيتها التحتية الأساسية وشركاتها من القرصنة وبرامج الفدية التي لديها القدرة على إغلاق قطاعات واسعة من اقتصادها. وبقدر ما يتعلق الأمر بتقنيات الجيل التالي، مثل الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس 5G wireless، فقد بدأت للتو المنازلة مع الصين، وبدرجة أقل مع روسيا بشأن الأسلحة التكنولوجية الجديدة.

إن كل هذه الميادين الثلاثة تمثل تحديات استراتيجية مكلفة للهيمنة الأمريكية العالمية، وتتطلب استثمارات رأسمالية جديدة ضخمة من قبل الدولة وحكومة الولايات المتحدة. وتدرك المصالح الإمبريالية الأمريكية بشكل متزايد أنها لا تستطيع الاستمرار في رمي تريليونات الدولارات في الحروب في أفغانستان، ناهيك عن الشرق الأوسط بشكل أعم، سواء أكان في العراق أو ليبيا أو سوريا أو مواجهة داعش أو احتواء إيران أو تمويل حرب الدول العربية في اليمن.

إمبراطورية مبنية على رمال مالية

إن الطريقة التي مولت بها الولايات المتحدة الحروب في أفغانستان وأماكن أخرى في الشرق الأوسط كي تمارس هيمنتها العالمية منذ عام 2000 تمثل عقبة أخرى أمام مواجهة التحديات الاستراتيجية الجديدة. فلم يعد أسلوب التمويل الإمبريالي، مثل الحرب في أفغانستان نفسها، قابلاً للاستمرار.

إن العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين يشيران إلى أنها المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة بأكمله التي تم فيها تمويل الحروب دون زيادة الضرائب، وفي الواقع، إن الولايات المتحدة أجرت في الوقت نفسه تخفيضات ضريبية ضخمة.

لقد قامت الولايات المتحدة حتى في حرب فيتنام بزيادة الضرائب دائماً لتأمين تكاليف الحرب ولو جزئياً على الأقل. ولكنها لم تقوم بذلك في القرن الحادي والعشرين! ولا من أجل حروبها في الشرق الأوسط. فمنذ عام 2000 وخلال مغامرات الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط، أنفقت الإدارات الأمريكية تريليونات الدولارات على الحروب بينما خفضت الضرائب بما يزيد عن تريليونات الدولارات. وهذا لم يحدث من قبل، مما مثل معادلة كارثية في نهاية المطاف، مدفوعة في النهاية بجشع النخب الأمريكية ومقترنة بغطرسة تاريخية من الخطأ العسكري الذي لا يقهر.

لقد بلغ هذا التخفيض الضريبي منذ عام 2000 ما لا يقل عن 15 تريليون دولار! على التوالي:

خفّض جورج دبليو بوش الضرائب، إلى حد كبير عن المستثمرين والشركات الكبرى،  بأكثر من 4 تريليونات دولار خلال العقد الأول، 2001-2010. وقام باراك أوباما بتخفيض جديد في الضرائب تبلغ أكثر من تريليون دولار إضافية في أول عامين من توليه المنصب 2009-2010، بقيمة 288 مليار دولار في عام 2009، استمراراً في التخفيضات الضريبية لبوش 803 مليار دولار أخرى لمدة عامين 2011-2012، وبعدما كان من المقرر أن تنتهي التخفيضات الضريبية لبوش في عام 2010. ثم أبرم أوباما صفقة مع الجمهوريين في نهاية عام 2012 لتمديد التخفيضات الضريبية لبوش لمدة 8 سنوات أخرى. وهذا يكلف الخزينة 5 تريليون دولار أخرى. ثم أضاف دونالد ترامب في ديسمبر 2017 جملة أخرى من التخفيضات الضريبية علاوة على التخفيضات التي قام بها بوش وأوباما والبالغة 10 تريليون دولار. وبلغت مساهمة ترامب في التفيضات على الضرائب 4.5 تريليون دولار لعقد آخر من 2018 إلى 2028. لقد وفر كل تخفيض ضريبي منافع أكثر للمستثمرين والشركات والأسر الثرية. وتوجه ترامب بشكل حصري تقريباً إلى المستثمرين والأسر الثرية، وخاصة الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات. وفي أحدث إضافة، خفض الكونجرس الضرائب بمقدار 650 مليار دولار أخرى ضمن "قانون الرعاية" الذي أقر في آذار عام 2020. ويعد كل ذلك إجمالي أكثر من 15 تريليون دولار من التخفيضات الضريبية!

لقد أدى تخفيض الضرائب منذ عام 2000 بدوره إلى حدوث عجز هائل في الميزانية السنوية وما تبعه من انفجار للديون الوطنية الفيدرالية.

إن مقدار 15 تريليون دولار من التخفيضات الضريبية لم يكن السبب الوحيد للانخفاض العميق في الإيرادات الضريبية المحتملة، والعجز المزمن في الميزانية وارتفاع الدين الوطني. كما أن الاقتصاد الأمريكي الضعيف بشكل مزمن، خاصة بعد عام 2008 واستمر طوال سنوات أوباما، أدى أيضاً إلى انخفاض حاد في عائدات الضرائب الفيدرالية المحتملة. وبلغ متوسط النمو السنوي لهذه العائدات في الولايات المتحدة منذ عام 2007 بالكاد 1٪. وأدت الإيرادات الضريبية، جراء خفض الضرائب وتراجع النمو الاقتصادي، إلى ما لا يقل عن 60٪ من العجز، وبالتالي فهي تمثل الدين الوطني، وفقاً للعديد من الدراسات.

وبالتزامن مع قرع الطبول بشكل غير مسبوق للتخفيضات الضريبية المستمرة للرأسماليين الكبار والمتوسطين والصغار، جرت زيادة غير مسبوقة في الإنفاق على الدفاع والحرب ولدفع تكاليف الحروب منذ عام 2000 في الخارج وفي الداخل (تكاليف الأمن الداخلي، الحرب على تكاليف المهاجرين، والعسكرة من الشرطة، وما إلى ذلك). وبلغت تكاليف الحروب في الخارج منذ عام 2001 وحده ما يقدر بنحو 7 تريليون دول.

هل ستحل "بلاك ووتر" محل أقوى جيش في العالم للفوز في الحرب الأفغانية؟

إن مبلغ تريليون دولار من التخفيضات الضريبية بالإضافة إلى 7 تريليون دولار على الإنفاق الحربي منذ عام 2001 تساوي تقريباً إجمالي الدين القومي للولايات المتحدة بحلول نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. فنتيجة لخفض الضرائب والإنفاق الدفاعي، ارتفع الدين القومي للولايات المتحدة من حوالي 4 تريليون دولار في عام 2000 إلى 9 تريليون دولار بحلول نهاية عام 2008 (عند ترك بوش لمنصبه) وإلى 17 تريليون دولار بحلول عام 2016 (مع مغادرة أوباما لمنصبه) وبعد ذلك إرتفع الدين القومي إلى 21 تريليون دولار. عندما غادر ترامب منصبه بحلول كانون الثاني (يناير) 2021. إرتفع عجز الميزانية عام 2021، من 2.5 إلى 3 تريليونات دولار أخرى!

ومن المتوقع الآن أن يرتفع الدين إلى ما لا يقل عن 28 تريليون دولار بنهاية العقد الحالي! فبالإضافة إلى التخفيضات الضريبية وتجاوزات الإنفاق على الحرب، يجب الإشارة أيضاً إلى تكاليف الركود الكبير 2008-2009، وتباطؤ النمو الاقتصادي المزمن الذي أعقب أوباما لسنوات بعد ذلك، وآخرها تكاليف التشريعات والبرامج لاحتواء جائحة كوفيد-19 في عامي 2020-21، والركود الكبير الثاني الجاري الآن. إذا كان النمو البطيء المزمن يتبع الركود الكبير الثاني الحالي، كما جرى سابقاً في 2008-2009، فإن تقدير الدين القومي البالغ 28 تريليون دولار بحلول نهاية العقد يكاد يكون مؤكداً.

في ظل هذا النظام المالي المبني على الرمال، يجب على المصالح الإمبريالية الأمريكية أن تجد طريقة ما لتوفير الرأسمال والموارد اللازمة لتمويل استثمارات ضخمة لشن حربها التكنولوجية - الاقتصادية المتزايدة ضد الصين، وحربها في مجال الأمن السيبراني ضد روسيا وغيرها، وحربها مع الطبيعة.

من النادر أن ما يتم هزيمة الإمبراطوريات من طرف خارجي. فالإمبراطوريات غالباً ما تتعفن من الداخل أولا. والفساد يستمر الآن في تغلغله في الولايات المتحدة.

تكاليف الإمبراطورية الأمريكية آخذة في الارتفاع

تتعرض الإمبراطورية الاقتصادية الأمريكية لضغوط اقتصادية متزايدة، بسبب تراجع خيارات تمويلها في المستقبل. وتلوح في الأفق نفقات جديدة ضخمة، من شأنها أن تحدد تقنيات الجيل التالي الهيمنة الاقتصادية والعسكرية بحلول عام 2030. إن الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والنطاق العريض اللاسلكي 5G، كلها ضرورية لتطوير أسلحة ذكية تفوق سرعة الصوت، وكذلك لتعطيل الاتصالات المحلية للخصم، والبنية التحتية لأنظمة الطاقة، وحتى أنظمة الإنتاج الرئيسية. الولايات المتحدة تعرف هذا، والصين تعرف هذا أيضاً، وروسيا تعرف ذلك. ويعرفها الأوروبيون واليابانيون أيضاً ولكنهم ببساطة لا يستطيعون المنافسة الجارية على أشدها الآن، ولم ينخرطوا حتى في اللعبة. يعتبر ثالوث التقنيات المذكورة أعلاه أيضاً مفتاحاً لتطوير صناعات جديدة وبالتالي للنمو الاقتصادي أيضاً في العقد المقبل.

وتواجه الإمبراطورية الأمريكية اليوم فاتورة استثمار ضخمة خلال العقد القادم. وهي تتخلف بالفعل عن الصين في بعض النواحي، نتيجة انتقال الشركات الأمريكية إلى الخارج (إلى الصين تحديداً)، وبناء شراكات البحث والتطوير والإنتاج في الصين وأماكن أخرى في الخارج، والسماح للصين باختراق البحث والتطوير في الولايات المتحدة، على الأقل حتى وقت قريب. ومن نواحٍ أخرى، فالإمبراطورية الأمريكية أيضاً تتخلف عن روسيا من الناحية التكنولوجية، خاصةً في مجال الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وتقنيات الدفاع الصاروخي التكتيكي.

ونظراً لضعف الإمبراطورية الأمريكية العالمية خلال العقد الماضي، فقد ضخت المزيد من الأموال في الإنفاق الدفاعي - العسكري، ويبلغ تراكمياً على الأقل 7 تريليون دولار. هذا الإنفاق، الذي حصلت أفغانستان منه على مبلغ تريليون دولار كحد أدنى . وتعلم النخب الأمريكية أنه سيتعين الآن إعادة توجيهه إلى "الحروب" الجديدة: الحرب التكنولوجية والاقتصادية مع الصين، وحرب الأمن السيبراني مع روسيا، والحرب مع الطبيعة نفسها، وتوجيه الاستثمارات للتخفيف من آثار تغير المناخ في شكل من أشكال.

وبصرف النظر عن تكاليف حروب جديدة قد تندلع في الفترة 2020-2030، فمن المرجح حدوث المزيد من الأزمات الاقتصادية. فبعد فترتي ركود كبيرتين متتاليتين خلال عقدين من الزمان تقريباً (2008-2009) و(2020-2021)، من المحتمل أنه لا يمكن تجنب ركود ثالث أيضاً. ومن المحتمل أن يتوقف توجيه تريليونات الدولارات الإضافية المخصصة للإنفاق على البرامج الاجتماعية الطارئة لاحتواء انهيار الاستهلاك المنزلي والشركات الصغيرة مرة أخرى.

لذلك ليس من المستغرب على الإطلاق أن يكون بايدن والنخبة الإمبراطورية الأمريكية بشكل عام قد خلصوا إلى أنه من الأفضل تقليص الخسائر في أفغانستان والخروج حالاً. ونفس الشيء سيطبق بالنسبة للتكاليف العامة للإمبراطورية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فلن يكون هناك المزيد من الحروب التقليدية للولايات المتحدة، لأن هذه المغامرات لم تعد ميسورة التكلفة. فهي ليست ضرورية، لأن الولايات المتحدة هي الآن أكبر منتج للنفط والغاز في العالم نتيجة لتكنولوجيا التكسير التكنولوجي الجديدة في الداخل، متجاوزة كل من روسيا والمملكة العربية السعودية. إن السبب الاستراتيجي الرئيسي لحروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أي النفط، لم يعد له أي إعتبار.

وباختصار: يتم نقل نفقات الحروب في الشرق الأوسط (العراق، أفغانستان، سوريا، الصومال، احتواء إيران، إلخ) إلى ميدان خوض الحرب التكنولوجية والاقتصادية مع الصين، وحرب الأمن السيبراني مع روسيا، بالإضافة إلى الحاجة المتوقعة والإلتزامات الإضافية في "الحرب مع الطبيعة" (نفقات مواجهة التغير في المناخ).

وهكذا فإن إمبراطورية الولايات المتحدة ببساطة غير قادرة على تحمل التكلفة الإجمالية لكل ما سبق. وهذا هو السبب الأول وراء خروج الولايات المتحدة من أفغانستان تماماً. وهذا هو السبب وراء تقليص بايدن خسائر الولايات المتحدة في أفغانستان والخروج منه. وكما أشار بايدن في خطابه التلفزيوني إلى الأمة في 16 آب إلى أن الحرب لم تعد في المصلحة الدولية للولايات المتحدة. فهناك مهام أكثر أهمية. هذه المهام التي سوف تتطلب المزيد من الأموال، مما يعني تغيير في مصالح الولايات المتحدة. لذلك يجب أن توجه نفقاتها صوب مصالح الإمبراطورية. لهذا السبب خرجت أخيراً من أفغانستان.

هل الإمبراطورية الأمريكية في افول سريع؟

تدرك النخب الأمريكية أنه لم يعد بإمكانهم الحصول على كعكتهم وتناولها بعد الآن. ولا يمكن أن يكون لديهم تخفيضات ضريبية غير مسبوقة، ولا القفز إلى حروب في كل مكان حول العالم، أوالتعجيل باللجوء إلى الذرائع للتدخل العسكري لأغراض سياسية محلية، والتعامل مع فترات الركود العميق المتكررة بشكل متزايد مع تمويل "الحروب" الجديدة التي تلوح في الأفق مع الصين وروسيا والطبيعة نفسها. وهذا يفسر سبب خروج الولايات المتحدة من أفغانستان بشكل أساسي. إنه مؤشر مبكر على التراجع المستقبلي للهيمنة الأمريكية العالمية. ومع ذلك، لا يزال هذا التراجع في مراحله المبكرة للغاية ولا ينبغي المبالغة في تقديره.

تعتمد إمبراطورية الولايات المتحدة وهيمنتها على العالم على قوتها الاقتصادية في الاقتصاد العالمي. إن إمبراطورية الولايات المتحدة ليست مثل الإمبراطورية البريطانية السابقة أو الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية الأقدم. إنها تمارس سلطة سياسية بشكل غير مباشر على النخب الاقتصادية المحلية. وهي لا تدير مباشرة الأنظمة السياسية في البلدان العميلة لها. أو على الأقل نادراً ما تلجأ إلى ذلك. إنها تمارس السلطة السياسية من خلال قوتها الإقتصادية. وتكمن تلك القوة الاقتصادية في هيمنتها على عملتها العالمية، الدولار الأمريكي ؛ وفي سيطرتها على نظام المدفوعات الدولي (SWIFT)؛ وفي التأثير على البنك المركزي، وعلى الاحتياطي الفيدرالي، وعلى البنوك المركزية في البلدان الأخرى؛ وفي هيمنة بنوكها ومؤسساتها المالية في جميع أنحاء العالم؛ وسيطرتها النهائية على المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وما لم يتم تحدي الدولار الأمريكي بشكل جدي باعتباره الاحتياطي العالمي وعملة التبادل التجاري، وإلى أن يتم استبدال سيطرته على نظام المدفوعات العالمي ببديل آخر، وإلى أن يتم زعزعة هيمنة بنوكها ومؤسساتها المالية، وما لم تصبح المؤسسات المزدوجة فعالة في  تحديها لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن الإمبراطورية الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة ستستمر وتمارس هيمنتها.

لا تمثل أفغانستان نهاية وهزيمة المشروع الإمبراطوري الأمريكي. على الأكثر، إنها علامة على أن الولايات المتحدة قد بلغت ذروتها كقوة مهيمنة عالمية. بدلاً من ذلك، ويمثل تحولاً أساسياً في أحسن الأحوال، وبداية لمرحلة جديدة في تاريخ إمبراطورية الولايات المتحدة.

وكما ذكرنا سابقاً، نادراً ما يتم إنهيار الإمبراطوريات العالمية من الخارج على يد قوة عسكرية. إن الإخفاقات أو النجاحات العسكرية ليست دليلاً على الفحولة الإمبريالية. فكل الإمبراطوريات تتعفن داخليا قبل أن تنهار. ولا تشرع في فترة من التراجع إلا عندما لا تعود قادرة على تحمل تكاليف تمويل نفسها.

لقد بدأ انهيار روما من الغرب في 400 م عندما استولى الغزاة الجرمان على قاعدة فائض الحبوب الزراعية التي تملكها روما في إسبانيا وصقلية وشمال إفريقيا حيث قطعت الإمبراطورية الرومانية الشرقية أيضاً فائض الحبوب في مصر. فقد كانت تلك القاعدة الزراعية مصدر جني ضرائبها وبالتالي تمويل جحافلها العسكرية.

وبدأت الإمبراطورية البريطانية في التراجع الذي استمر لعقود عندما شرعت مستعمراتها في الاختفاء في القرن العشرين، نتيجة تكاليف الحرب الاقتصادية بعد عامي 1918 و عام 1945. لقد أفلست بشكل أساسي بسبب الحروب، وبعد الحرب العالمية الثانية لم يعد لديها الموارد المالية للاحتفاظ بمستعمراتها. فالهند مثلاً، أحرزت إستقلالها بيسر وببساطة. وتم التنازل عن المستعمرات الأخرى لصالح الولايات المتحدة بحكم الأمر الواقع كشرط لحصول بريطانيا على قروض من الولايات المتحدة أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. ولم يعد بالإمكان الحفاظ على إمبراطورية بريطانيا الاستعمارية اقتصادياً.

ولقد إنهارت إمبراطورية الأمر الواقع في الاتحاد السوفيتي فقط بعد عقد من الركود الاقتصادي في الثمانينيات، وبعد أن أشار غورباتشوف إلى قادة الحزب الشيوعي المسؤولين عن الاقتصاد بأنه من المقبول لهم التحول إلى الرأسماليين بينما يواصلون إدارتهم للاقتصاد. وتحول البيروقراطيين (اپاراجيك) بين عشية وضحاها إلى أوليغارشيا مالية، وقاموا بطرد غورباتشوف لاحقاً، وجلبوا الرأسماليين الأمريكيين كشركاء في الاستغلال واستعادة الرأسمالية في روسيا. وتبع ذلك عقد من الكساد الاقتصادي الحاد خلال التسعينيات. وإنهارت إمبراطورية الاتحاد السوفيتي سياسياً بعد ذلك، أولاً في أوروبا الشرقية، ثم دول البلطيق، ثم القوقاز، ثم في بيلاروسيا وأوكرانيا. وهذا  ما حدث.

الولايات المتحدة تمر في المراحل المبكرة من شيء مشابه. إنها لم تفقد بعد السيطرة على مواردها وأسواقها الأجنبية، كما فعلت روما القديمة. ولم تُفلس بعد جراء الحروب، كما جرى لبريطانيا في القرن العشرين. ولم تتحول نخبها بعد إلى موقف معادي للنظام نفسه، على الرغم من أن الانقسامات بين قوى ترامب والرأسماليين الأمريكيين التقليديين قد اشتدت بشكل واضح في أواخر حكمه. وتتعاظم كذلك الانقسامات بسرعة بفي الولايات المتحدة ين سكانها على مستوى الولايات والمستوى المحلي. ولم تعد شرائح واسعة من الجماهير تؤمن بالنظام أو بقيمه التقليدية وأيديولوجيته أو بمؤسساته الأساسية. لقد حدث كل هذا بسرعة مثيرة في غضون عقدين فقط. يشير هذا السيناريو بوضوح إلى أن شيئا ًمشابهاً لتراجع الأنظمة الإمبريالية في الماضي يجري الآن في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن النخب السياسية الأمريكية والرأسماليين المهيمنين الذين يقفون وراءهم لا يزالون يمتلكون موارد كبيرة، اقتصادية وسياسية.

لا تمثل الأحداث في أفغانستان بداية النهاية لهذا البلد، بل تمثل، إلى جانب الاتجاهات المحلية الأمريكية، نهاية مرحلة تحول الإمبراطورية النيوليبرالية التي نشأت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، كرد فعل على الأزمات الاقتصادية والركود في السبعينيات. وتمر الولايات المتحدة الآن بمنعطف آخر. لم تعد السياسات الاقتصادية النيوليبرالية كافية للحفاظ على الإمبراطورية والهيمنة الأمريكية العالمية. ولم يتحدد حتى الآن ما سيولده العقد المقبل.

ولكن أي نُذُر يلوح به العقد الحالي، فمن الواضح أنه بعد 20 عاماً من إهدار ما يقرب من 30 تريليون دولار على الحروب والتخفيضات الضريبية والتعامل مع ركودين كبيرين وعواقبهما الاقتصادية، أخذت النخب الأمريكية تدرك أنها لا تستطيع دفع تكاليف حروب الشرق الأوسط ومواجهة نفقاتها، والتحديات الجديدة للحفاظ على الإمبراطورية. سيكون التركيز من الآن فصاعداً على حرب التكنولوجيا العظمى مع الصين، وصراعات الأمن السيبراني مع روسيا، بينما تحاول زيادة الاستثمار أيضاً للتعامل مع الحرب الأخرى التي تخسرها الولايات المتحدة الآن بشكل واضح وهو تغير المناخ. هذه هي المصالح الاستراتيجية الرئيسية للإمبراطورية الأمريكية في هذا العقد وما بعده، وليس أفغانستان.

 

..................

* جاك  رازموس: صحفي سابق، عمل كخبير اقتصادي ومحلل للعديد من الشركات العالمية وله جذور في الحركة العمالية. كان رئيس نقابة محلية، وممثل عمال، ومفاوض عقود، ومنظم لعدد من النقابات العمالية . أستاذ في قسمي الاقتصاد والسياسة في SMC، ويركز راسموس على عدم المساواة الاقتصادية ومؤلف كتاب "الركود الملحمي والأزمة المالية العالمية".

وعالج رازموس في محطات اخبارية الاوضاع حول الركود العالمي والأزمة المالية الأمريكية، والسياسات الاقتصادية والسياسية الحالية للشركات الأمريكية، وأسباب ونتائج التفاوت المتزايد في الدخل. ويقوم بتدريس دورات حول تحليل السياسة الاقتصادية المعاصرة، والفكر الاقتصادي، والتاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة واقتصاديات العمل.

 

محمد بنيعيشاشتدي أزمة تنفرجي   قد آذن ليلك بالبلج

وظلام الليل له سرج  حتى يغشاه أبو السرج

وسحاب الخير له مطر  فإذا جاء الإبان تجي

1) يؤسفنا أشد الأسف ونحن نمر بأخطر مرحلة عرفتها البشرية في وجودها واستقرارها وصحتها واضطراب أرزاقها أن نخوض في مواضيع لا مفر من الخوض فيها مهما تسامينا أو تناسينا أو تحاشينا.خاصة وأن الخطْب قائم بين أشقاء قد كانوا بالأمس في خندق واحد يقاومون ويناضلون ويجاهدون عدوا مشتركا لا يمت إليهم بصلة دين ولا قرابة ولا عروبة ولا وطنية. وعلى حين غرة انقلب هؤلاء إلى إخوة أعداء بل أشد عداوة من العدو الخارجي الطبيعي بحسب قانون تدافع الأمم وتنافسها بل تصارعها.

إن ما يحصل بين المغرب أو المملكة المغربية العلوية وبين الجزائر أو الجمهورية الديموقراطية الشعبية الجزائرية لمما يستدعي منا وقفة تأمل متحسرة قد يعجز المحللون الكبار عن إيجاد حلول ناجعة أو مخففة لهذا التوتر المفتعل في المنطقة، والذي قد كان منذ الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي البائد والرأسمالي المتغول، حيث قد عف الزمان عن مثل هذه التجاذبات السياسية الجيوستراتيجية والاقتصادية والعسكرية وما يليها من مسميات وشعارات.

فمنذ بداية الأزمة الرئيسية في النزاع وهي" قضية الصحراء المغربية" ونحن نعيش على أعصابنا وعلى أمل أن تحل المشكلة في هذه السنة أو تلك، حتى قد مرت بنا السنون وطال بنا الأمد وضاعت معه فرص النهوض والنمو والشغل والتطور .بل ضاعت معه فرص الزواج وتأسيس الأسر وتنويع الصهر التي كانت قائمة في أيام الاستعمار بين المغاربة والجزائريين من غير عقد ولا حقد ولا انتقام ولا توجس.

وهكذا تحول الأشقاء إلى متنابزين وساخرين وطاعنين في بعضهم البعض، بسبب سياسات طائشة ومطامع إقليمية وعسكرية خارجة عن السياق التاريخي والاجتماعي واللغوي والجغرافي القائم.

لكن الظالم في غالب الأحيان قد كان في هذا الصراع، وأقولها بحق ومن غير تعصب، هم الحكام الجزائريون بسبب افتعالهم لجمهورية وهمية سموها بالصحراوية وأغدقوا عليها الأموال والعتاد الفتاك بزعم تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.فمن سيحرر من ممن؟.إذا الصحراء المتنازع عليها، وبكل الأدلة والإثباتات السياسية والتاريخية والجغرافية والعرقية واللغوية، هي ذات ارتباط عضوي بالمملكة المغربية ولاء وانتماء وتسليما وإقليما.ولم يرد عبر التاريخ أنه كانت هناك دويلة وليست دولة اسمها الجمهورية الصحراوية أو باسم آخر محدد ومقيد، وإنما السكان هم إما حضر مرتبط بالدولة المغربية العريقة أو رحل لا قرار ولا استقرار لهم سوى حيث يوجد الماء والكلأ.

وأحسـن مـا في خـالـد وجـهـــه

فقس على الغــائب بالشـاهــد!

2) ومرت الأيام والسنون بل العقود والحال على ما هو عليه نعيش على أعصابنا مع الجيران، مرة نبدو كـأننا قد اقتربنا نحو الحل وفض النزاع، ومرة يشتد الأمر إلى غاية توقع النزال والحرب المباشرة التي لا هي في مصلحة الشعبين ولا مصلحة النظامين معا .إذ الخاسر أكثر في النهاية، لا قدَّر الله تعالى، قد يكون من أشعلها وأيقظها والبادئ أظلم.

ولقد كان على حكام الجزائر لو أنهم كانوا جادين وصادقين في خدمة مصلحة وطنهم وشعبهم أن يعطوا الأولوية لما فيه تنمية اقتصاد وصناعة وفلاحة بلدهم، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالتعاون مع جيرانهم، وخاصة المغرب، الذي له سبق في هذا المجال وباع طويل وتجربة رائدة في الاستثمار بكل مجالاته وأوجهه المالية والتقنية والهندسية والحضرية ...

وأؤكد عن علم وثقة أن لو سلكوا هذا المسلك مع ترك موضوع الصحراء المغربية جانبا لأهل الحل والعقد والملتزمين بالقوانين والقواعد العلمية والدولية الموضوعية لربحوا أضعاف أضعاف ما كانوا سيجنونه من هذه المشكلة المفتعلة والتي هي قائمة على باطل وما بني على باطل فهو باطل !.

أما أن يؤدي الأمر والجنون إلى قطع العلاقات بصورة كاملة وسد الباب أمام كل محاولة للتقريب والتخفيف والتعاون فهذا حمق وتهور ما بعده تهور، بل يعبر عن ضعف سياسي وقزمية في الرؤية والوعي بالأبعاد.

فلقد كان الملك محمد السادس موضوعيا وأمينا وصادقا في خطاب العرش لما مد يد المصالحة إلى جيرانه الجزائريين وبعبارات أخلاقية وسياسية راقية من نموذج "شعرة معاوية" التي لا تنقطع أو تنفلت عند الشد الشديد والتجاذب الجاذب، وكنا نتوقع أن يكون الرد بحسب الأعراف الدبلوماسية من نفس المنطلق والمستوى واللياقة، ولكن العكس هو الذي حصل ازداد التعنت تعنتا والهروب نحو الأمام هروبا، كما أن عرض المساعدة عند نشوب الحرائق الغابوية قد كان من باب الإنسانية وواجب الجوار وليس من جهة الشماتة والمناورة، إذ المغرب معروف عبر إفريقيا والعالم العربي وغيره بهذه المبادرات الطوعية التلقائية كيفما كانت الخلافات السياسية بينه وبين الدولة المحتاجة إلى مساعدة، فيوم لنا ويوم لكم، هذه هي الإنسانية والسياسة الحكيمة والأخوة الصادقة.وحاشا أن يكون للمغرب يد فيما نشب من حرائق ! إذ سياسته مع جيرانه أسمى من أن تصل أو تنزل إلى مثل هذه الدناءة والصغار.

أما عن ركوب حصان طروادة والتذرع بقميص عثمان على زعم أن المغرب في علاقته بإسرائيل كدولة مفروضة في الواقع يشكل تهديدا للجزائر أو تطبيعا ضد مصلحة الفلسطينيين والعرب فذلك يدخل في باب المزايدات والتدخل في الشؤون وحريات الدول، كما أن تاريخ المغرب في التضامن العربي والريادة لا يمكنه جحده أو نسخه، خاصة وأن الجامعة العربية جلها قد دخلت في هذا المطب وجرّت أو انجرت إلى هذا المربع إكراها وضرورة، فهناك من يتعامل بوضوح على ظهر الطاولة وهناك من يندس تحتها، وهذا هو الأسوأ والأخطر، .وكما يقول فريد الأطرش في إحدى أغنياته" ما تْقُلش لحَدْ ما فيش حد أحسن من حد".

وفيما يخص مسألة استقلال القبائل وإثارتها كمسألة عابرة من طرف المغرب فذلك لأن حكام الجزائر قد تجاوزوا كل الحدود وكل الاعتبارات السياسية في التحريض ضدا على الوحدة الترابية للمغرب وقطعوا شعرة معاوية من رأسها إلى ذنبها، فكان إثارة هذا الموضوع ليس إلا تنيبها وتحذيرا لا غير ، وإلا فالمغرب بسياسته الحكيمة وبالقيادة الحكيمة لملكه محمد السادس أبعد ما يكون عن سلوك هذا المنهج في دعم الانفصاليين أينما كانوا عبر العالم.وذلك لأنه قد ذاق الأمرين بما فرض عليه من طرف الجيران والمتحالفين معهم عبثا بافتعال جمهورية وهمية سموها بالصحراوية، وهل الصحراء قد تنتج حضارة ودولة بنفسها من دون رعاية ودعم الوطن والدولة الأم.

فالصحراء المغربية لا وجود لها ككيان مستقل إلا تحث دولة قوية ثابتة عبر التاريخ والولاء المتوارث وليست تلك إلا المملكة المغربية العلوية العريقة.في حين أقول للجانب الآخر الممثل للدولة الجزائرية :"ما هكذا تورد يا سعد الإبل"، و"على نفسها جنت براقش" . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

الدكتور محمد بنيعيش

 

عبد الحسين شعبانربما من السابق لأوانه إصدار حكمٍ نهائي وموضوعي على ما حصل في تونس بعد إصدار الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، قراراته بإقالة حكومة هشام المشيشي وحلّ البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، لكن ما هو ماثل للعيان أن ثمّة مرحلة جديدة قد بدأت ولا يمكن تقدير أبعادها أو التكهّن بنتائجها، الأمر الذي قد يثير إشكالات جديدة نظرية وعملية وقانونية وسياسية في المشهد التونسي بشكل خاص إزاء الموقف من الإسلام السياسي وإزاء الموقف من المشروع الإسلامي إقليمياً ودولياً، وهو ما قد يفتح باب المراجعة والنقد بشأن تقييم جديد لما سُميّ ب «الربيع العربي» وموضوع الانتقال الديمقراطي والتحوّلات التي أعقبته سياسياً ودستورياً.

وإذا كان انكسار حاجز الخوف بوصول اللحظة الثورية إلى ذروتها بعد انتفاضة سيدي بو زيد إثر حرق بو عزيزي نفسه وصولاً إلى العاصمة تونس، والتي توّجت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي وانتهاء فترة حكمه التي دامت ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن، فإن الشرعية الجديدة التي يُفترض تأسيسها محلّ الشرعية القديمة لم يتمّ استكمالها وواجهتها عقبات جديّة بعضها يتعلّق بمساعي الثورة المضادة لوضع العصي في عجلتها وبعضها الآخر يتعلّق بعدم قدرة وأهلية وكفاءة النخب التي تولّت مقاليد الأمور بعد التغيير على إدارة الحكم بطريقة شفّافة ومقبولة بحيث تحظى  رضا الناس، ناهيك عن هشاشة وضعف المشروعية القانونية والمقصود بذلك حكم القانون في ظلّ محاولات الهيمنة على السلطة والحصول على الامتيازات والمغانم وتفشّي الفساد المالي والإداري على نحو مريع وغياب الحدّ الأدنى من الاتفاق والتوافق على مستقبل التطوّر والوحدة الوطنية.

وبغضّ النظر عن الموقف الدستوري من قرارات الرئيس سعيّد إلاّ أنه لجأ إليها بعد فترة خلافات طويلة تعمّقت بمرور الأيام وقادت إلى أزمة حقيقية بين أركان السلطة التنفيذية (الرئيس) و(رئيس الوزراء) والأخير قريب من حزب النهضة الإخواني، ولم يكن الفشل الذي مُنيت به الحكومة وحده أو الرغبة في احكتار السلطة، بل إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدّلات البطالة والفقر والركود الاقتصادي، إضافة إلى ارتفاع منسوب الهجرة غير الشرعية كان وراء اندلاع الأزمة. وفوق كل ذلك جاء انتشار وباء «كوفيد- 19» ليزيد الطين بلّة بحيث أصبحت تونس من الدول العربية الأكثر انتشاراً للوباء، ما كشف فشل المنظومة الطبية والإجراءات القاصرة المتبعة لتطويق المرض، الأمر الذي كان وراء إقالة وزير الصحة تمهيداً لانفجار الأزمة.

ولم تكن المؤسسة القضائية خارج دائرة الصراع، فقد كان الحديث يتصاعد داخل البرلمان وخارجه، وهو ما أدّى إلى أن تطفو الأزمة على السطح على نحو شديد وحاد، دون نسيان دور الأطراف الخارجية الإقليمية والدولية وعلاقتها بالقوى المتصارعة، إضافة إلى قلقٍ عربي بشأن الإسلام السياسي ممثلاً في حزب النهضة، وهو وإن امتلك قدرات تنظيمية إلاّ أنه لم يمتلك عقولاً وكفاءات وقيادات إدارية تستطيع أن تقود الدولة، على الرغم من حصوله على أغلبية برلمانية في جميع الدورات الانتخابية، ناهيك عن مشروعه السياسي.

وقد كان البرلمان الذي ترأسه راشد الغنوشي في الدورة الحالية، وعلى مدى أكثر من عام في صراع دائم داخله ومع مؤسسة الرئاسة أيضاً، الأمر الذي عطّل التنمية وجعل البلاد تدور في دوامة لا مخرج منها، يضاف إلى ذلك تشتّت القوى التي تطلق على نفسها «مدنية» وتوزّعها على محاور بعضها متنافر مع البعض الآخر، ناهيك عن غياب برنامج وطني جامع لها ولو بمعايير الحد الأدنى والذي يمثّل مرحلة الانتقال وصولاً إلى التحوّل الديمقراطي.

وقد انعكس ذلك على خلافات دستورية حول صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب بسبب عدم وضوح أو التباس الأمر دستورياً أو أن تفسيرات وتأويلات ظلّت مصدر خلاف بين الفرقاء، فبين من يريد أن يعطيه صلاحيات أعلى ومن يريد اختزالها في الجوانب البروتوكولية، كانت الأزمة الاقتصادية تستفحل وأوضاع الناس المعيشية تزداد تدهوراً، فلم تعد ثورة الياسمين التي بدت واعدة، بل نموذجاً، وإذا بها هي الأخرى عرضة للتجاذب والشدّ والحلّ من جانب قوى مختلفة كلٌ منها يريد أن يقود المركب بنفسه ولصالحه حتى وإن أدى إلى الإخفاق.

فهل سينجح سعيّد في تشكيل حكومة كفوءة وجديرة من تكنوقراط بحيث يحتوي الأزمة السياسية، كما يمهّد الطريق لاحتواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتخفيف حدّة الاحتقان المجتمعي، خصوصاً من جانب جيل الشباب؟ وهل ستكون الحركة السياسية بجميع صنوفها وألوانها جديرة باستيعاب هذا الدرس التاريخي، خصوصاً بعدم توظيف الدين لمصالح سياسية ضيقة؟ وهل ستدرك القوى الإقليمية والدولية أهمية الاستقرار في الأوضاع التونسية، خصوصاً وأن جارتها ليبيا لا تزال منذ عقد من الزمن في احترابٍ ونزاع مسلّح حيث تمّ تعويم الدولة وقاد إلى تفشّي مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب؟

إنها أسئلة برسم الحاضر فهل تعي النخب الفكرية والسياسية مخاطر الوقوف عند مفترق الطرق؟

 

د. عبد الحسين شعبان

 

لا زال المشهد العراقي في مجمله، يتراوح في مكانه وسط أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية خطيرة لم يجد القائمون على رأس السلطة ومنذ سقوط النظام الديكتاتوري ولحد الساعة أي حلول لها رغم الوعود والإصرار على أهمية مغادرة الاحتلال العراق "طبعا دون الاشارة للتواجد الايراني" للخروج من المأزق المستفحل على كافة الأصعدة . ولاتزال الأوضاع على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري، تتسم باستمرار التدخل الاجنبي والتأثير على ما أطلق عليه بـ (العملية السياسية)، خاصة فيما يتعلق بالتأثير المحموم على الانتخابات القادمة وما ستؤول إليه من إصطفافات جديدة. بيد أن المشكلة الرئيسية التي لا تزال تواجه شعبنا ومجتمعنا، هي مشكلة بناء الدولة على أساس طائفي وقومي، ومن ثم التعايش مع هذا الواقع بصيغ أمنية وسياسية واقتصادية خطيرة، يكرس لها التواجد (الأجنبي) وفقاً لمعطيات عقائدية، بواسطة الاتفاقيات الثنائية. فيما يمثّل شكل الدستور الذي وضعه المحتل خطورة على مستقبل العراق السياسي، لما أنطوى على قوانين صريحة وواضحة مضادة للوحدة الوطنية، وللتكوين الوطني والمجتمعي العراقي، فأصبح لا يشكل خطوة لحل أو تخفيف الأزمات الطاحنة بل يزيد في  تفاقمها. 

وبالتأكيد لم يكن كل ما جرى مجرد حالة طارئة تشكل نهاية المعركة الفاصلة للكشف عن الأغراض الحقيقية التي تقف ورائها على أرض العراق. انما كانت مقدمة لاجراء "الانتخابات الأولى" على اساس الدستور، على نحو طائفي وقومي شوفيني يضمن الأجندة الأمريكية ـ الايرانية التي لازال تطبيقها ساريا في بلادنا حتى الآن.  

فهل ستغير الانتخابات القادمة من واقع العراق المأساوي؟ 

تشير الوقائع والاحداث الى ان أساليب الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية الولائية ـ الطائفية والقومية المتأدلجة، التي شاركت في الإدارات الحكومية بعد الاحتلال مباشرة ـ كما يبدوـ لاتزال بدائية ومتخلفة، كشفت عن عورة عزلتها مجتمعيا، رغم الدعم الواسع الذي تقدمه لها بعض الاطراف الخارجية، ورغم لجوءها إلى أساليب رخصية لكسب الناس واللعب بمشاعرها الدينية بأسلوب طائفي. مستغلة الموقف الغامض لبعض المرجعيات الدينية، الذي افرزته الانتخابات الأخيرة عام 2018 التي أثارت اهتمام الرأي العام العراقي والعربي والدولي لما رافقها من صفقات طائفية وسياسية لا سابق لها كما لا تستند إلى أسس أو معايير وطنية، بقدر ما تكرس العنصرية والطائفية، بالاضافة الى الانتهاكات القانونية والادارية والتلاعب والتزوير.

إن فرض (برلمان) من جديد لمدة أربع سنوت تنبثق عنه (حكومة طائفية توافقية) و(رئاسة جمهورية) عبر انتخابات غير شرعية تفتقر الى ابسط القواعد والشروط،، يعد عقبة جديدة في طريق حل المشاكل المتفاقمة في بلادنا، ويجعل العديد من الاطراف الاجنبية تستغل هذه الحالة لفرض خططها عبر اتفاقيات مع هذه الإدارة و"ادارة الاقليم" اللتين لا تجدان سوى مصالحها الفئوية والطائفية والعنصرية في المعادلة العراقية وليس مصالح الشعب والوطن . 

إن التطورات السياسية الداخلية والإقليمية والعمليات الإرهابية الوحشية المستمرة التي تنفذها الميليشيات المسلحة في المدن. واتساع عمليات القتل السياسي وخطف المدنيين العزل، التي تقودها ميليشيات طائفية مقربة من الاجهزة الامنية، أو مرتبطة بمنظمات وأحزاب داخلية أو بأجهزة مشبوهة خارجية، يساهم في شحن الدفع الطائفي الخطير لكسب معركة الانتخابات لصالح قوى طائفية بعينها، لكنه في المقابل سيضع البلاد على مشارف حرب داخلية أهلية. ومن المؤكد ان بقاء ذات القوى في السلطة، والتي أثبتت أنها لن تستطيع ملامسة وتشخيص المشاكل ومن ثم حلها، خصوصا المشاكل الرئيسية الكبيرة التي تواجه المجتمع وتتفاقم بوتائر متسارعة، ومنها ظاهرة الفشل العام في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية حديثة، والتغاضي عن  سوء الادارة وحياة الناس البائسة وحل مشاكلهم المعيشية المتفاقمة، أو مناقشة مستقبل البلاد في المجال التنموي والاقتصادي والسياسي.. إن بقاء هذه الظواهر على حالها فيما بعد الانتخابات، ما هو إلا صفقة خبيثة للاستمرار بأي ثمن وبأية طريقة على النهج الطائفي ـ التوافقي.

من هنا لابد البحثً عن اسس وطنية رصينة لمواجهة التحديات وتطوراتها على ارض العراق قبل الانزلاق نحو الهاوية، واهمها احياء الفكر الجمعي الوطني والسياسي، وخاصة تجاه ما يتعلق والاعتبارات الناجمة عن التواجد الاجنبي ومشاكله الرئيسية في بلادنا، والتمسك بحق شعبنا الثابت في مقاومة النظام الطائفي وبناء دولة المواطنة الحديثة التي يرتأيها، والتمييز بين "المقاومة" الوطنية لاجل التغيير الشامل لنظام الحكم بكافة الأساليب، وبين الأرهاب الغامض والمشبوة والذي يستهدف مجتمعنا وأبناء شعبنا من المدنيين العزل، هذا الإرهاب الذي لم تكشف وتحدد مصادره والجهات التي تقف وراءه وتديره للآن، حيث تساهم به وتقوده جهات ودول وأجهزة مخابراتية عديدة تقف جميعها ضد مصالح شعبنا ولم يجري التصدي له بالأساليب المطلوبة، حيث تؤكد الأحداث الدامية والمستمرة الى تخلف وعجر الإدارات الحكومية المتعاقبة عن القيام بدورها المطلوب.

إن موضوع الانتخابات السابقة وما آلت إليه نتائجها من أزمات حقيقية على الصعيد الاجتماعي والوطني، قادت إلى تحالفات وإصطفافات متميزة لقوى جديدة أخذت تنمو على الساحة السياسية العراقية في الآونة الأخيرة. تؤكد بشكل صارخ على تفاقم الأزمة السياسية التي تمر بها كل القوى المتورطة في لعبة "العملية السياسية"، هذا النموذج الديمقراطي المزعوم إلذي استورد من خارج حدود العراق.. إن جميع المؤشرات تؤكد بشكل واضح إلى أن الانتخابات القادمة سوف لن تكون نموذجاً يختلف عن المسارات الانتخابية السابقة، وهي ان لم تحمل مطالب وشروط ثورة تشرين وتلتزم بها، فانها خطوة أخرى ضمن الخطوات المطروحة في أجندة الاحزاب الطائفية، للبقاء في السلطة بأي شكل من الأشكال، وإستغلال الفوز المفتعل للدعاية الداخلية والخارجية والتخفيف من مأزق الفشل المتصاعد الناتج عن ممارساتها الادارية والسياسية وتداعياتها السلبية الكثيرة. ومنها عدم المساهمة الجدية في حل المأزق الوطني الذي تمر به البلاد، خاصة وهي تسير على نفس الأسس والنهج التقليدي لفرض المحصصات والتقسيمات الطائفية والقومية والمناطقية، التي اسس وقبل بها جميع المشاركين في العملية السياسية منذ اول "مجلس حكم" جاء به الاحتلال كصيغة متخلفة وخطيرة.

 

 عصام الياسري

 

كريم المظفرأختتمت في العاصمة الأوكرانية كييف أعمال قمة ما يسمى ب "منصة القرم" - وهو مشروع يهدف إلى "إعادة" شبه الجزيرة إلى أوكرانيا،  بمشاركة ممثلين عن 44 دولة (بحسب البيانات الأوكرانية)، ببيان تم توقيته ليتزامن مع الاحتفال الذي يستمر ثلاثة أيام بعيد استقلال أوكرانيا،  لم يخرج عن دائرة التوقعات، يتهم بالأساس روسيا بارتكاب "انتهاكات وتقييد لحقوق الإنسان في شبه جزيرة القرم"، و"عسكرة" شبه الجزيرة، و"إعاقة حرية الملاحة" في البحر الأسود وبحر آزوف،  والاخلال " بالتركيبة الديمغرافية لشبه جزيرة القرم "، والاتفاق في القمة على النظر في اتخاذ مزيد من الإجراءات السياسية والدبلوماسية والتقييدية ضد روسيا، "عندما يكون ذلك ضروريًا وإذا كانت الإجراءات الروسية تتطلب ذل .

ومن بين أمور أخرى، مطالبة روسيا بـ "ضمان الوصول الكامل ودون عوائق إلى شبه جزيرة القرم" لممثلي بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا وبعثة المراقبة الخاصة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في أوكرانيا، وكذلك طُلب من الاتحاد الروسي "ضمان أن تتاح لجميع الأشخاص الذين ينتمون إلى الطوائف العرقية والدينية في شبه الجزيرة، بمن فيهم الإثنيون الأوكرانيون وتتار القرم، فرصة التمتع بحقوقهم بشكل كامل".

القمة جاءت نتائجها متوافقة مع ما أعلنه وزير الخارجية الروسية خلال زيارته لشبه جزيرة القرم الأسبوع الماضي خلال كلمة ألقاها في مجمع تافريدا للفنون، بأن منتدى "منصة القرم" الذي خططت كييف لعقده، هو ليس إلا بمثابة "تجمع ساحرات"، وشبه هذا التجمع بأنه " يوم شباش " وهي كلمة تطلق على اللقاءات الليلية للسحرة، بهدف الاحتفال أو تنفيذ طقوس محددة،  وخلالها يستمر الغرب في رعاية مزاج النازية الجديدة والعنصرية الذي تنتهجه السلطات الأوكرانية الحديثة .

القراءة الأولية من نتائج  القمة من وجهة نظر المراقبين، اثبتت ان (خادم الشعب) الرئيس زيلينسكي، فشل في استقطاب قادة بلدان المواجهة  مع روسيا في الملف الاوكراني، فقد تخلفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي حرصت على زيارة كييف قبل يومين من انعقاد هذه القمة، وترأس وفد FRG على "المنصة" وزير الطاقة بيتر التماير، كما  وتخلف عن الحضور الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، وبلاده عضو رئيسي في قمة الرباعية لتسوية النزاع بين موسكو وكييف، وكذلك الحال بالنسبة للرئيس الأمريكي جو بايدن الذي أكتفى بإرسال احد مستشاريه، ناهيك عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي  ما فتأ  بان يصرح بعدم اعترافه  بالقرم كجزء من روسيا، وفضل إرسال وزير خارجيته، وبالتالي فإن الرئيس الاوكراني ، فقد منذ البداية الأركان التي يستند عليها في نزاعه مع روسيا " لاستعاده القرم "، وهو الهدف الاساس التي انعقدت بموجبها المنصة ، وعلى ما يبدو ان  القادة الغربيون  بايدن وماكرون وميركل ، فقدوا بالفعل الاهتمام بقضية شبه جزيرة القرم، بغض النظر عن الطريقة التي يحاول بها زيلينسكي استرضائهم، ومنحهم أعلى الجوائز لليمين واليسار .

المراقبون الاوكرانيون اكدوا إن "منصة القرم" لمنتدى كييف والأجواء السياسية السائدة هناك تخللتها معايير مزدوجة، وخطاب المشاركين في المؤتمر برمته كان  نفاق وتكهنات، وفي بعض الأحيان انقلب خلاله السحر على الساحر، وكما هو الحال مع الرئيس المجري يانوس أدير، الذي برأيهم "رفع المتمردين" على "منصة الجريمة"، وبشكل غير متوقع على "منصة القرم"، كتبت الصحفية أولغا سكابيفا وبشكل ساخر على قناتها على"  Telegram"  بأنه "حدث خطأ ما"، وقرر الرئيس المجري  بشكل غير متوقع الخروج عن الأجندة "الصحيحة سياسياً" في "برنامج القرم"، والذي تسعى أوكرانيا لتحقيقه، وبدلاً من دعم السلطات الأوكرانية، قرر تذكيرهم بأخطائهم، وبدلاً من اتهام روسيا، قام بتذكير الأوكرانيين بقانون اللغة التمييزي، وذكر أنه لا ينبغي إجبار الناس على عدم استخدام لغتهم الأم وبالتالي الحد من حريتهم، وشدد على انه إذا كان استخدام لغتهم الأم محدودًا، وإذا تعرض أولئك الذين يستخدمون لغتهم الأم للتهديد بالغرامات، فإن هذا "يتعارض مع مُثُل الديمقراطية ولا يفيد الدول الفخارية".

الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي، الذي تفاجأ بالاتجاه  الذي سارت به  أعمال المنصة التي أرادها ان تكون مصدر دعم له بعد أن تدنت مستوى شعبيته الى أدنى مستوى،  لم يخف فشل " منصة القرم " من تحقيق أهدافها الأساسية، والقى باللائمة على روسيا، فكييف التي كانت تود رؤية المزيد من الرؤساء الأجانب على المنصة، إلا أنهم بحسب تعبير الرئيس الاوكراني في مقابلته مع قناة Ukraina التلفزيونية، بأن أكثر هؤلاء القادة كانوا " خائفين من روسيا "، وشدد على انه لا يريد الإفصاح عن من هو الخائف، وأوربا خائفة، واعتبر ذلك " امرا طبيعيا".

الفرص الضائعة وفقا للمراقبين الأوكران لحل قضية القرم باتت حقيقة واقعة،  ولكن برأيهم أن المواطن الاوكراني وحده من يدفع ثمن وليمة بمثل هذا الثمن الباهظ من عدة عشرات، إن لم يكن مئات الملايين من عملة الهريفنيا " العملة المحلية الأوكرانية "،وفي الواقع، بدون مقطع فيديو موسيقي عن شبه جزيرة القرم مقابل 450 ألف هريفنيا وبدون مكعب وسائط متعددة بقيمة مليون تقريبًا، واتضح بحسب ميخائيل بوغريبنسكي، رئيس مركز كييف للأبحاث السياسية وعلم الصراع،أن الحديث عن شبه جزيرة القرم هو  أمر مستحيل، وفي النهاية، فان لدى البلاد  حملة علاقات عامة جميلة جدًا (باهظة الثمن)، وهو ما يجيده فريق زيلينسكي ، وهذا هو بالضبط ما يحدث، وان منصة القرم ليست أكثر من فيديو موجه بأغاني راقصة، مثل تلك التي تم إعدادها العام الماضي في الميدان بمناسبة عيد الاستقلال.

موسكو بطرفها، والتي شككت بنتائج  " المنصة " منذ بداية إطلاقها، واعتبرت أن المناقشات والبيانات السابقة التي تم الإدلاء بها ليس لها قيمة مضافة - كل ذلك يتلخص في "تكرار الكليشيهات المبتذلة في مكتب التحرير الذي تروج له كييف"، وأوضحت  أنها ستعامل قائمة المشاركين في المنصة باهتمام خاص، وبحسب ما أعلنته ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، فإن "روسيا ستسجل موقف هذه الدول والدول وتستخلص النتائج المناسبة"، وأكدت إن مشاركة بعض الدول في هذا المنتدى على أعلى مستوى وعالي دليل على النهج المسيس للغرب تجاه قضية القرم،  وقالت "القصة الكاملة لهذا التجمع لن تدور حول الحقائق وليست حول واقع شبه جزيرة القرم اليوم،  كل شيء سيركز على العنصر المعلوماتي والسياسي"، في حين  قال السكرتير الصحفي للرئيس الروسي ديميتري بيسكوف،  ان موسكو تعتبر وبشكل قاطع هذا الحدث "غير ودي"و"معادٍ لروسيا" علنًا.

كما أعتبر الروس ان الصورة الوحيدة التي توحي بنفسها عند قراءة البيان الختامي على انها "أن الجبل ولد فأرًا"، وان  البنود المحددة في الإعلان لا تصمد أمام النقد - من اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان إلى عسكرة شبه الجزيرة،  كل هذا ليس صحيحا، وان  بقبول بعض البعثات في شبه جزيرة القرم التي يقتصر تفويضها على أراضي أوكرانيا هي طريق لا يؤدي إلى أي مكان، لأن شبه جزيرة القرم مفتوحة للجمهور، ولكن ، بالتشاور مع السلطات الروسية.

البرلمانيون الروس وصفوا " منصة القرم "  بأنها الأداء الذي، على ما يبدو، كان يُنظر إليها في الأصل على أنها وسيلة لإثارة إعجاب الجمهور المحلي وفيه "لعب المشاركون الدوليون دور الإضافات"، وقال  نائب رئيس مجلس الاتحاد كونستانتين كوساتشوف "ان كييف ستحاول تسجيل هذا الأداء كأصل، على الرغم من أننا جميعًا نفهم تمامًا أنه لا يوجد أصل حقيقي هناك"، ووفقا له، فإن روسيا لن تعقد أي اجتماعات قمة بديلة من أجل إثبات ملكية شبه جزيرة القرم لشخص ما، كما أنها لن ترفض الحوار مع الدول الأخرى بسبب مشاركتها في حدث كييف، وان روسيا لن تترك  الحوار مع العالم بأسره، وستنتقل ببساطة إلى مسارات أخرى، أعمال تجارية حصرية، دون أي تلميح عن الصداقة.

وخلص المحللون السياسيون بدورهم انه تم تصميم منصة القرم كوسيلة لإثارة مشكلة شبه جزيرة القرم بطريقة ما للخروج من النسيان، لكن المسار الذي اختاره فريق زيلينسكي غير فعال تمامًا، مع الأخذ في الاعتبار الإنفاق الضخم من ميزانية الدولة، فهو ضار تمامًا بالأوكرانيين ،  صفر الانبعاثات، التقليدية للحكومة "الخضراء"، وكان هذا مفهومًا قبل وقت طويل من بدء منصة القرم، كان على المرء فقط أن ينظر إلى تكوين المشاركين في الحدث ومهامه، ومرة أخرى، تكاد أوكرانيا تجثو على ركبتيها تتوسل العالم للمساعدة بالضبط بمناسبة عيد الاستقلال، والمثير للسخرية للغاية، الآن، برأيهم انه بالإضافة إلى المال، يطلب زيلينسكي أيضًا إعادة شبه جزيرة القرم.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

قصي الصافيبقلم: كيسي ميتشل

ترجمة: قصي الصافي


 تمهيد:

ما دعاني الى ترجمة هذا المقال أن تشابها مدهشاً بين مشروعي الاحتلال الامريكي في العراق وافغانستان، على الأقل فيما يتعلق بالفساد واللصوصية، تعاقدات مع شركات وهمية، استنزاف أرصدة المصرف المركزي، فضائيون في مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والشرطة٠

من الجدير بالذكر ان ترجمتي للمقال لا تعني اتفاقاً مع الرؤيه اللبرالية للكاتب، الذي يرى أن نخر المؤسسات بالفساد وفرض ودعم حكومة كليبتوقراطيه خطأ ستراتيجي، كان يجب تفاديه لكي يحقق الاحتلال انتصاراً محققاً، دون اي اشارة الى نزعة الهيمنة الامبريالية في طبيعة مشروع الاحتلال ذاته.

المقال:

شجعت أميركا على الفساد بأفغانستان لعدة سنين وطالبان تدرك ذلك

الانهيار المفاجئ للحكومة في أفغانستان، والصور المأساوية للأفغان وهم يحاولون الفرار من حركة طالبان، جعل السياسيين والمعلقين الأمريكيين يتخبطون بحثاً عن إجابات شافية. ألقى البعض باللوم على الإدارة في عملية إخلاء مرتبكة ومتعثرة. وألقى آخرون باللوم على الرؤساء الحالي منهم والسابقين، إما لإبرامهم صفقات مربكة، أو تجاهلهم لدروس الاحتلالات الأمريكية السابقة.

يُعزى الاجتياح السريع لطالبان إلى عدة عوامل. لكن الفساد عبر الإدارات المتعددة لم يتم تناوله الا قليلاً في الوقت الحالي، على وجه التحديد، الفساد الذي ساعدت على تفشيه الولايات المتحدة وشجعت عليه على مدى سنوات عديدة، مما طمأن المسؤولين الفاسدين الافغان الذين اسهموا في عرقلة التحقيقات المتعلقة بمكافحة الفساد، في حين استمرت معاناة الأفغان البسطاء وهم يشاهدون المسؤولين يزدادون ثراءً وثراءً. لا يمكن اعتبار الفساد سببا وحيدًا لتفكك الحكومة الأفغانية، إلا أنه يمثل نهجاً متسقًا ومستمراً للإدارات الأمريكية المتعاقبة - وقد تغافلت عنه الولايات المتحدة على الدوام.

ليس الأمر كما لو أن الولايات المتحدة لم تكن على علم بالفساد الذي تفشى إبان الاحتلال الأمريكي، أو الدور الذي لعبته واشنطن في تشجيع الكسب غير المشروع، فقبل بضع سنوات، أصدر المفتش العام المختص بالتحقيق باموال إعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) تقريرًا شاملاً يوضّح كيف هيأت الولايات المتحدة مناخاً مناسباً للنخبة لممارسة اللصوصية وانتشار الفساد على أعلى مستوى في أفغانستان بعد الغزو عام 2001. التفاصيل الواردة في التقرير المكون من 164 صفحة محيرة للعقل، ليس أقلها مدى وضوحها في تفصيل الفساد الشامل الذي بلغته الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة.

كشف التقرير عن تحقيق في قيام أحد مساعدي الرئيس الأفغاني السابق حامد قرضاي بطلب رشوة لعرقلة تحقيق مستقل في الفساد. تم الإفراج عن المساعد، وأسقطت القضية في نهاية المطاف بعد أن كشفت صحيفة نيويورك تايمز أنه كان مدرجاً ضمن قائمة من يستلمون رواتب شهرية من وكالة المخابرات المركزية سرًا. كما أشار تقرير SIGAR، " مع اعتقال [المساعد] وإطلاق سراحه، كان قد تم وضع ترتيبات تتيح غالبًا للمسؤولين الأفغان رفيعي المستوى الذين يُشتبه في فسادهم بالتهرب من الاعتقال أو المحاكمة".

بعد فترة وجيزة، بدأت التقارير تتوالى مشيرةً الى أن وكالة المخابرات المركزية قد بدأت أيضًا في تسليم أكياس نقود كاش مباشرة إلى الحكومة الأفغانية، أطلق عليها رئيس أركان حامد قرضاي  "الأموال الفضائية"، وذهب الكثير منها مباشرة إلى أمراء الحرب والسياسيين الفاسدين. ووجد التقرير في تحقيق آخر أن ما لا يقل عن 40 في المائة من آلاف عقود وزارة الدفاع، التي يبلغ مجموعها عشرات المليارات من الدولارات، انتهى بها المطاف في أيدي العصابات الإجرامية والمسؤولين الإجراميين. وكما قال أحد المسؤولين الأمريكيين " أكبر مصدر للفساد في أفغانستان هي الولايات المتحدة".

حتى عندما لم يكن المسؤولون الأمريكيون متورطين بشكل مباشر في تحويل الأموال إلى سياسيين فاسدين، بدت واشنطن أكثر من سعيدة بغض الطرف والنظر في الاتجاه الآخر،, بينما كان المسؤولون الأفغان يستثمرون علاقاتهم للثراء. على سبيل المثال، بعد أن تبين أن مصرف كابول، ألمؤسسة المالية الرئيسية في البلاد، ليس إلا واجهة للنصب والاحتيال، وحين إستحوذت الشخصيات الأفغانية المرتبطة سياسياً بالحكومة على ما يقرب من مليار دولار من خلال شركات وهمية - بدأت الولايات المتحدة التشدق بالكلام فاعلنت بانها ستواصل التحقيقات واسترداد الأصول المسروقة. ومع ذلك، وكما يوضح تقرير SIGAR لعام 2016، لم تسفر المتابعه عن شيء على الإطلاق: "في النهاية، لم تتعرض الحكومة الأفغانية لأي عقوبة بخصوص الدعم المالي من المانحين، جزاء فشلها في محاسبة واسترداد الأصول الهامة من الأفراد المرتبطين بالحكومة الذين احتالوا على الشعب الأفغاني ".

يبدو أن الامر استمر ضمن هذا السياق لسنوات، حيث أعطت الولايات المتحدة الأولوية للمخاوف الأمنية على محاربة الفساد المستفحل. كما خلص تقرير SIGAR إلى أن "الولايات المتحدة ساهمت في نمو الفساد من خلال ضخ عشرات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأفغاني، مع التهاون في مجال الرقابة واصول التعاقدات، والشراكة مع الفاسدين من السماسرة ذوي النفوذ ." في ظل الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة، غادرت مليارات الدولارات من الأموال غير المشروعة البلاد، وتدفقت إلى النقاط الساخنة لغسيل الأموال مثل دبي  ليتم غسيلها. حتى عندما اعترفت الولايات المتحدة بالفساد باعتباره تهديدًا مستمرًا للاستقرار الأفغاني، كما أفادت SIGAR، "تفوقت الأهداف الأمنية والسياسية دائماً على الإجراءات الفعالة لمكافحة الفساد". أو كما لخصت صحيفة واشنطن بوست في عام 2019، "أغرقت الولايات المتحدة [أفغانستان] بالمال - ثم غضت الطرف عن الكسب غير المشروع الذي غذته بنفسها".

بدأ المواطنون الأفغان يلاحظون ذلك. وكما قال أحدهم في اتصال مع سارة تشايس، التي أصدرت كتاباً مهماً عن الفساد في أفغانستان: "نحن نفترض فقط أن أمريكا تريد الفساد. ليس لدينا طريقة أخرى لتفسير تصرفها هذا". استثمرت طالبان هذا الواقع، ووجدت المعارضة المسلحة تتهاوى أمامها، ويبدو أنها غير مستعدة لمواصلة القتال نيابة عن حكومة فاسدة بشكل محزن. (تجدر الإشارة إلى أن مسار طالبان أصبح أسهل بكثير  لأن عدداً  كبيراً من قوات الدفاع الأفغانية كانت موجودة فقط على الورق، كل ذلك من أجل الحفاظ على تدفق الأموال إلى القادة العسكريين المنحرفين وداعميهم السياسيين).

أهي مفاجأة؟ هل هي مفاجأة أن يجد طالبان طريقاً سهلاً إلى كابول؟ هل يجب أن يكون مفاجئًا لنا أن رغبة الولايات المتحدة في تبني نظام حكم اللصوصية في أفغانستان قد انتهى بها الأمر إلى أن تنفجر في وجوهنا، أم أن حكومة أي دولة عميلة فاسدة ستنهار بمجرد مغادرة راعيها؟.

أليكسي نافالني، العارف بمخاطر الفساد، كتب من زنزانته في السجن الروسي بعد سقوط كابول: " الحقيقة أن الغرب فشل في ملاحظة الفساد الشامل في أفغانستان - وقد فضل القادة الغربيون عدم الحديث عن موضوع بدا لهم محرجا - إنه العامل الابرز في انتصار طالبان (بدعم من السكان) ".

ربما كانت المفاجأة الوحيدة، بمعنى ما، أنه لا شيء من هذا كان مفاجئاً. كل هذا كان يمكن - بل ينبغي - توقعه. هذا النوع من قصر النظر الاستراتيجي، المتمثل في قيام القوات الأمريكية بدفع الأموال للساسة المنحرفين من أجل الأمن المفترض، كان دائمًا محكومًا بالفشل.

نافالني ليس الخبير الوحيد في مكافحة الفساد الذي يمكنه قراءة الكتابات على الحائط. قال رايان كروكر، سفير الولايات المتحدة السابق في أفغانستان، قبل سنوات: "إن نقطة الفشل النهائية لجهودنا ... لم تكن التمرد". "لقد كان ثقل الفساد المستشري". وتوافقه الرأي المحللة كاثرين بوتز بقولها: "الفساد يكمن في قلب سقوط كابول". وتشاطرهما تشايس، التي اكتسب كتابها عن  لصوصية النخبة في أفغانستان فجأة أهتماماً كبيرا، مشيرة إلى أن السبب الرئيسي لنجاح طالبان المتزايد هو "فساد الحكومة الأفغانية، والدور الأمريكي في تمكينها وتعزيزها".

انهم على حق تماما. إن الحكومة التي يقودها اللصوص لا يمكن أن تحظى بالولاء، والجيش الذي ينخره فساد قادته من غير المرجح أن يبدي أقوى مقاومة ممكنة. ويجب أن تكون الولايات المتحدة قد تعلمت ذلك بشكل أفضل لعدد من الأسباب.

مرارًا وتكرارًا قالت الولايات المتحدة إنها تعطي الأولوية في أفغانستان للأمن على جهود مكافحة الفساد. وفي النهاية، لم تحقق أياً منهما.

 

..................................

* نشر المقال في موقع أن بي سي نيوز

https://www.nbcnews.com/think/opinion/america-enabled-afghanistan-s-corruption-years-taliban-knew-it-ncna1277327

 

 

كاظم الموسويساهمت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الالكتروني والفضائيات بمختلف لغاتها في إيصال صورة وصوت، لها دلالاتها، عن توسيع حملات التضامن مع فلسطين، في أنحاء الكرة الارضية، وفي امريكا، بشكل واسع ومتميز، ومهم جدا لما للإدارة الأمريكية من دور كبير في الاستعمار الاستيطاني في فلسطين المحتلة. كما دفعت الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني والعدوان المستمر على السكان الامنين في القدس أو المدن الفلسطينية المحتلة الاخرى، الى تغيير غير قليل في نظرة الرأي العام، خصوصاً، في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي تصعيد حملات التضامن مع فلسطين. بحيث زاد من مجالات التضامن والمشاركة من قطاعات جديدة في المجتمع الامريكي، مضيفا زخما لشبكات التضامن ومعمقا أهدافها الرئيسية في إدانة العدوان والاحتلال والاستيطان، ومحاكمته ومعاقبته، بكل ما يتاح ويمكن القيام به. بدءا من تطوير وسائل المقاطعة الأكاديمية والثقافية والاقتصادية وحتى تبني منظمات أمريكية أخرى للمطالب الفلسطينية، مثل “حركة حياة السود مهمة” والتي تناصر الشعب العربي في فلسطين وتؤثر في الراي العام وفي قطاعات من أعضاء الحزب الديموقراطي. وتقوم الحركة في هذا الشأن بتعزيز عمل المشرعين السود في الكونغرس ومواقفهم من فلسطين. ففي عام 2017 دعم 11 عضوا في مجموعة السود بالكونغرس مشروع قانون تقدمت به النائبة عن مينيسوتا بيتس ماكولام لمنع استخدام الدعم الأمريكي لإسرائيل في احتجاز الأطفال الفلسطينيين. والجيل الجديد من المشرعين السود الذين جاء معظمهم من حركة النشاط الشعبية مثل إلهان عمر وأيانا بيرسلي  وكوري بوش وجمال بومان اتخذ مواقف أكثر قوة في الكونغرس، وكان ابرز موقف لهم في دعم مشروع قرار لمنع صفقة سلاح بقيمة 735 مليون دولار إلى الكيان إلاسرائيلي.

تتواصل النشاطات والفعاليات التضامنية، فتنشر وكالات الاخبار ووسائل الإعلام اخبارا عديدة، مهمة ومعبرة، منها بيان نشر (2021/08/10) اعتبر فيه 120 مركزا بحثيا لدراسات "الجندر"، النوع الاجتماعي، في جامعات أميركية، "إسرائيل" دولة تمارس الفصل العنصري ضد الفلسطينيين.

جاء في البيان الذي صدر ضمن حملة مستمرة لجمْع التواقيع عليها في الجامعات الاميركية، "نلبي نداء التضامن مع شعب فلسطين بشكل لا لبس فيه، ونعلن انضمامنا  إلى النضال من أجل التحرر الفلسطيني". وأدان البيان التهجير القسري للفلسطينيين من منازلهم في الشيخ جراح، واقتحام المسجد الأقصى، والقصف العشوائي لغزة، وعنف المستوطنين الإسرائيليين المدعومين من الشرطة والجيش الإسرائيلي ويقومون بالسيطرة على الشوارع، واقتحام المنازل، ومعاملة الفلسطينيين بوحشية، خاصة انه غالبًا ما يصاحب عنف المستوطنين القومي العرقي اليميني الهتاف البغيض "الموت للعرب".

وقال البيان نحن نرفض مصطلح "كلا الجانبين" المستخدم في وصف الصراع، ونرفض مساواة قوة عسكرية واقتصادية وإعلامية عالمية تتمتع بها إسرائيل مع فلسطين المحتلة. وتابع: تستخدم "إسرائيل" القوة العنيفة والبيروقراطية العقابية والنظام القانوني لطرد الفلسطينيين من منازلهم الشرعية وإخراجهم من أرضهم، مشيراً إلى أن القانون الإسرائيلي يعمل بشكل منهجي ضد المواطنين الفلسطينيين في "إسرائيل".

ونوه البيان الى تطويق المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية المجتمعات الفلسطينية والفلسطينيين المعزولين عن بعضهم البعض بشبكة من نقاط التفتيش، وجدار الفصل الذي يبتلع الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل غير قانوني ليدعم ذلك ما خلصت كل من منظمات "هيومن رايتس ووتش" و"بتسيلم" إلى أن السياسات والممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين هي سياسات فصل عنصري.

وأعلن بيان ال 120 قسما جامعيا تضامنه مع الشعب الفلسطيني، داعياً إلى إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي لفلسطين وحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم".

 واكد موقعو البيان: بصفتنا مقيمين ومعلمين ونساء مناهضات للاستعمار الاستيطاني فإننا نرفض قبول دور الولايات المتحدة المالي والعسكري والدبلوماسي والسياسي المشارك  في نزع الملكية الفلسطينية، علاوة على ذلك، لن نتسامح مع أية رقابة أو انتقام ضد النشطاء الفلسطينيين وأولئك الذين ينتقدون الدولة الإسرائيلية علانية.

وأضاف البيان ننضم إلى مجتمع دولي نشط وواسع ومتنامٍ يتضامن مع فلسطين ويتألف من أولئك الذين يرفعون أصواتهم لدعم حق الفلسطينيين في الحرية والعودة والأمان والازدهار وتقرير المصير.

  لخص هذا البيان بتفاصيله نمط التغيير في المجتمع الأمريكي وغلبة المواقف الإنسانية والأخلاقية ودفع التضامن مع القضية الفلسطينية في أمريكا الى مستويات عالية ومشاركة واسعة تتطور وتتنامى وتسهم في تجديد دعم القضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني المشروع والعادل.

التجمع النقابي لموظفي وعمال وطلاب جامعة "تمبل" الأميركية، التي تعتبر أكبر جامعة في فيلادلفيا، أصدر بيانا هو الآخر  2021/08/07)) اعتبر "اسرائيل" دولة فصل عنصري. ودعم حق الشعب الفلسطيني في التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، والاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري.

ودعا البيان الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الوقف الفوري لجميع المساعدات العسكرية والدعم المالي للكيان الاسرائيلي، كما طالبه هو ووزارتي الخارجية والدفاع والكونغرس الأميركي بالأخذ بتوصيات تقرير "هيومن رايتس ووتش"، كنقطة انطلاق للغضب على الكيان، للتوقف عن ارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين، ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما دعت 12 مؤسسة أمريكية (2021/08/15) عبر حملة اتصالات موجهة لرئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، ورئيس الأغلبية الديمقراطية في المجلس تشاك شومر، بالتدخل الفوري لوقف القرار الإسرائيلي بهدم 16 منزلا في بلدة سلوان بالقدس المحتلة.

وذكر البيان، "منذ ايار/ مايو 2021، واجهت مئات العائلات الفلسطينية في القدس الشرقية ومنها 16 منزلا في حي البستان خطر الطرد التعسفي، مشيرًا إلى أن دعم الولايات المتحدة للكيان الإسرائيلي وسياسة الصمت عن جرائمها بحق الفلسطينيين تشجعها على ارتكاب المزيد من ممارسات  التطهير العرقي.

ومن بين الجهات الراعية للحملة: منظمة "عدالة عدالة"، و"مسلمون أميركيون من أجل فلسطين"، و"المركز العربي للموارد والتنظيم"، و"مجموعة التضامن مع فلسطين"، و"شاهد عيان فلسطين"، و"أصوات يهودية من أجل التغيير"، و"الشبكة الفلسطينية الأميركية"، و"الحملة الأميركية من أجل حقوق الفلسطينيين".

كما هو واضح الان ان حركة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة تتسع وتتواصل في التأثير على قطاعات مختلفة من المجتمع الأميركي، بما في ذلك المشرعون والسياسيون وحركات سياسية واجتماعية ودينية مهمة ومؤثرة. وكذلك وسائل الإعلام الأمريكية المعروفة بمواقفها المنحازة ضد القضية الفلسطينية، والتي أخذت تنشر ما يفيد القضية الفلسطينية ويفضح الانتهاكات الصارخة للإستعمار الاستيطاني الصهيو امريكي.

 

كاظم الموسوي

 

كريم المظفرانتقال أفغانستان تحت سيطرة حركة طالبان الراديكالية، أدى إلى نزوح جماعي لسكان البلاد إلى دول أخرى، وأصبحت مشكلة اللاجئين المحتملة، ولا يزال من الصعب تحديد عدد الأفغان الذين يفرون إلى دول أخرى - فوفقًا للمفوضية الأوروبية، أصبح ما يقرب من 4 ملايين شخص لاجئين، معظمهم من النساء والفتيات، من أصل 40 مليون نسمة يمثلون عدد سكان أفغانستان وفقًا لصندوق الأمم المتحدة، في الوقت نفسه تعمل الدول المجاورة على تعزيز الرقابة على الحدود، وتقوم الدول الفردية بإيقاف تدفق المهاجرين بجدران، ويناقش الاتحاد الأوروبي بنشاط ما يجب فعله مع التهديد بحدوث أزمة هجرة جديدة.

الخبراء واثقون من أن أوروبا ليست مستعدة لقبول اللاجئين وستستقبل فقط أولئك الأفغان الذين ساعدوا قوات الناتو في القتال ضد طالبان، حيث يعتبر تدفق المهاجرين بحد ذاته خطيرًا لأن المتطرفين يمكنهم الوصول إلى أوروبا ودول أخرى، وفي الوقت الذي لا يوجد حتى الآن إجماع بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثلما لا توجد أغلبية تؤيد قبول اللاجئين الأفغان، فان الاتحاد الأوربي في الوقت الحالي وكما يقول رئيس وزراء سلوفينيا يانيز جانسا، الذي تترأس بلاده مجلس أوروبا، لا يقبل سوى المهاجرين الذين عملوا مع المنظمات الأوروبية وغيرها من المنظمات الغربية، والذين سيتم إيواؤهم في مركز مؤقت في إسبانيا، بناء على اقتراح من السلطات الإسبانية، أما بالنسبة للمواطنين الأفغان العاديين الذين لا يشاركون في اتصالات مع الغرب، فليس لدى الاتحاد الأوروبي قرار بشأنهم - على الرغم من وعود المفوضية الأوروبية بإظهار "أقصى قدر من التضامن".

وبحسب المراقبين فان الاتحاد الأوروبي يحتاج اليوم إلى حوار سياسي مع روسيا من أجل حل مشكلة اللاجئين الأفغان، والتي بدونها ستواجه بروكسل مشاكل في المجال القانوني عند قبول المهاجرين، فضلاً عن تهديد الإسلاميين المتطرفين، "الإسلاميون المتطرفون الذين يمكنهم الوصول إلى أوروبا مع اللاجئين يمثلون مشكلة كبيرة "، وإنه لا يرتبط حتى بأفغانستان، بل يرتبط بأسلمة بلدان آسيا الوسطى، وفي هذه الحالة فان الحديث برأيهم عن ظهور حزام إرهابي راديكالي من أفغانستان إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يخلق وضعا جديد تمامًا بالنسبة لأوروبا وروسيا، ومثل هذا الاحتمال الخطير يزداد احتمالًا، لكنه يفتح فرصة للتفاعل والتعاون بين موسكو والغرب.

موسكو هي الأخرى أبدت مخاوف جدية من هجرة الكبيرة للأفغان لدول الجوار الروسي من دول الاتحاد السوفيتي السابق، وهو ما أكده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن مثل هذه التطورات للوضع في أفغانستان، تمس بشكل مباشر أمن بلده، محذرا من خطر تسلل مسلحين إلى أراضي روسيا بقناع لاجئين أفغان، متعهدا أثناء لقاء عقده في موسكو مع ممثلين عن حزب "روسيا الموحدة" الحاكم، تعهد في الوقت نفسه بالتنسيق مع الغرب في الملف الأفغاني، قائلا: "لا نريد أن يتسلل إلينا مسلحون بقناع لاجئين.. وسنبذل قصارى الجهد بغية ضمان استقرار أفغانستان بالتواصل مع الشركاء الغربيين".

روسيا تقول انها لا تريد العودة للفظائع المروعة التي شهدتها أراضيها قبل وقت ليس بعيد، وما تشهده أفغانستان اليوم، ويشير الرئيس بوتين إلى أن " الشركاء الغربيين " يصرون على إسكان اللاجئين الأفغان مؤقتا في دول آسيا الوسطى إلى حين حصولهم على تأشيرات للذهاب إلى الولايات المتحدة أو دول أوروبا، منددا بهذه المقترحات بشدة، وتساءل "هل يعني ذلك أنه يمكن إرسال (هؤلاء اللاجئين) إلى هذه الدول المجاورة دون تأشيرات، بينما لا يريدون (الغربيون) استقبالهم في أراضيهم دون التأشيرات؟ إنه منهج مهين إزاء هذه المسألة".

مخاطر الهجرة المقترحة الى دول آسيا الوسطى المتاخمة لروسيا، تستدعي قلق موسكو، وتشير الى أن أعداد هؤلاء اللاجئين الأفغان الذين سيصلون إلى دول آسيا الوسطى قد تبلغ مئات آلاف أو حتى ملايين الناس وليس من المستبعد أن يكون متشددون في صفوفهم، ولفت الرئيس الروسي إلى أن طول حدود روسيا مع دول آسيا الوسطى يبلغ ألف كلم دون أي قيود متعلقة بالتأشيرات، محذرا من أن ذلك سيسمح لهؤلاء المتشددين المفترضين بالتسلل إلى أراضي روسيا دون عوائق.

وبالمناسبة، تحاول الولايات المتحدة بالفعل ليس فقط وضع لاجئين في آسيا الوسطى، ولكن أيضًا بعض أفراد جيشها، على سبيل المثال، أشارت وزارة خارجية قيرغيزستان إلى أنها تلقت اقتراحًا مماثلًا من واشنطن، لكنها رفضت، حيث يتعين على الولايات المتحدة استكمال انسحاب قواتها من أفغانستان بحلول 31 أغسطس، لكن الإجلاء تأخر بسبب صعوبات في إجلاء الأفراد عبر مطار كابول، في الوقت نفسه، تعد طالبان واشنطن بـ "عواقب" إذا لم تغادر القوات الأمريكية أفغانستان في الوقت المحدد.

ويتزايد الخطر على روسيا بسبب حقيقة أن الجماعات الإرهابية (على وجه الخصوص، داعش) المهزومة في سوريا والعراق تبدي اهتمامًا بالانتقال إلى أفغانستان وآسيا الوسطى (إلى جانب إفريقيا)، حيث أعرب وزير الدفاع الروسي سيرغي شايغو، عن أمله وبشدة أن يتم التوصل إلى نوع من الإجماع والمصالحة بين الأعراق في أفغانستان، لكن في الوقت نفسه قال " نرى مدى نشاطهم في التحرك، والانتقال إلى هناك من مناطق مختلفة، بما في ذلك من سوريا وليبيا ووحدات داعش ".

في الوقت نفسه، وكما يشير تقرير نشره المجلس الروسي للقضايا الدولية الى ان هناك مشكلة "هجرة الإرهابيين" للمسلحين من أصول آسيا الوسطى، الذين يمكنهم إما العودة إلى الوطن من الشرق الأوسط (مما يشكل تهديدًا بوقوع هجمات إرهابية هناك)، أو الذهاب للقتال في أفغانستان المجاورة، حيث يشكل المسلحون في آسيا الوسطى تهديدًا بشن هجمات إرهابية ليس فقط في المنطقة، ولكن أيضًا على نطاق عالمي، ففي عام 2017 وحده، نفذوا أربع هجمات إرهابية كبرى في الولايات المتحدة وتركيا والسويد وروسيا .

لذلك، فإن روسيا، مثل المجتمع الدولي بأسره، مهتمة بمنع تجذير الجماعات الإرهابية في آسيا الوسطى وأفغانستان، لانه يتم أمام الأعين تشكيل رابط جديد بين المسلحين الذين قاتلوا ضد روسيا في سوريا (بشكل أساسي من بين أولئك الذين أتوا من الفضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي) وأفغانستان من خلال الوحدة الإقليمية لداعش في أفغانستان "دولة خراسان الإسلامية" ("داعش - خراسان")، وكذلك من خلال الجماعات العرقية المتطرفة المرتبطة بالقاعدة، وبالتالي فإن تنامي التهديدات في الاتجاهين الأفغاني وآسيا الوسطى أمر لا مفر منه في روسيا في سياق الأحداث المذكورة أعلاه.

ووفقًا لتقرير صادر عن مركز صوفان، تجاوز العدد الإجمالي لمسلحي آسيا الوسطى الذين غادروا إلى سوريا والعراق 5000، وإذا قمنا بتقسيمهم حسب بلد المنشأ، نحصل على الصورة التالية: كازاخستان - أكثر من 500 شخص (11.90٪)، قرغيزستان - أكثر من 500 شخص (11.90٪)، طاجيكستان - 1300 شخص (30.95٪)، تركمانستان - أكثر 400 شخص (9.52٪)، أوزبكستان - أكثر من 1500 شخص (35.71٪)، ومقاتلون من آسيا الوسطى، إلى جانب شمال القوقاز من روسيا والأويغور من الصين، الذين قاتلوا من أجل داعش في الشرق الأوسط، كما دعم المهاجرون من آسيا الوسطى عددًا من الجماعات الإرهابية الصغيرة في الشرق الأوسط المحظورة في روسيا - أمثال جماعة الإمام البخاري، وجيش المهاجرين، وجماعة سيف الله الشيشاني، والتوحيد والجهاد، إلخ، وهذا يشكل التهديد نشاط الجماعات الإجرامية عبر الحدود، فضلاً عن الكفاح من أجل السيطرة على تدفقات التهريب، لا سيما تدفقات المخدرات على طول "الطريق الشمالي" من أفغانستان عبر آسيا الوسطى إلى روسيا ثم إلى شرق وشمال أوروبا، وهذا الأخير مهم بشكل خاص بسبب حقيقة أن الأنشطة الإرهابية يتم تمويلها، من بين أمور أخرى، من عائدات المخدرات.

كما ان انتشار الفقر والاكتظاظ السكاني الزراعي ونقص المياه والأراضي الخصبة وتدهور أنظمة الضمان الاجتماعي والتعليم والطب التي نشأت خلال الحقبة السوفيتية، حيث تعد الكثافة السكانية مثلا في وادي فرغانة من أعلى النسب في العالم، فعلى مدى السنوات العشر الماضية، أظهر النمو الديموغرافي هنا 32٪، اليوم، تحظى بتعاليم السلفية والوهابية بشعبية في الوادي، ويعمل الدعاة والمجندين الأجانب بنشاط، في وقت وجود صراعات خطيرة بين الدول، لا سيما في وادي فرغانة، والتي تشمل التناقضات المتفاقمة بين طاجيكستان وقيرغيزستان في ربيع عام 2021، والتي أدت إلى اشتباكات عسكرية واسعة النطاق.

ولم تكن عملية تسلل داعش إلى أفغانستان عرضية وغير عفوية، فهي مدعومة من قبل قوى إقليمية، وربما عالمية، لذلك، من المستحيل تجاهل عامل داعش وخراسان باعتباره تهديدًا رئيسيًا للأمن الإقليمي، وفي هذه المناسبة، في المنطقة نفسها، وكذلك في الشرق والغرب، هناك العديد من نظريات المؤامرة، ولامجال للخوض في تحليلها الآن، لأن هذا سيتطلب دراسة منفصلة، وكما أشار المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى أفغانستان، زامير كابولوف، الى انه تم إنشاء مراكز تدريب للمسلحين المرتبطين بمختلف الجماعات الإرهابية الدولية في العديد من مقاطعات شمال أفغانستان، وينتمي هؤلاء إلى طالبان، وداعش، والقاعدة، ومجموعات عرقية مختلفة (مهاجرون من آسيا الوسطى، والأويغور، والقوقازيون، والعرب)، كما لم يختلف تنظيم داعش خراسان عن الهياكل الإرهابية الأخرى، بما في ذلك طالبان والقاعدة، في الخصائص التالية: فهو أكثر تشددًا ؛ أقدر على ضمان الاستقلال الاقتصادي ؛ المجندين الشباب المتعلمين في الغالب؛ أكثر واقعية في مجموعة من القضايا ؛ إنشاء شبكات إرهابية أكثر كفاءة ولا مركزية ؛ يستخدم الإنترنت بشكل أكثر نشاطًا.

اذن روسيا، تقف اليوم عند اتجاهين رئيسيين، الأول هو قبول اللاجئين الأفغان بحذر شديد ووفقا لمبادئ الأمم المتحدة، وهذا بالطبع فيه مخاطر جمة، ولكن التركيز كما يراه المراقبون سيكون على الاتجاه الثاني، وهو دعم جهود وزارة الدفاع الروسية ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تهدف إلى تعزيز الدفاع عن دول آسيا الوسطى، والتي تضمن روسيا أمنها، وهو تشكيل نوع من "الحاجز الوقائي" الخارجي الذي يمكن أن يحمي روسيا في حالة تفاقم حاد للوضع في أفغانستان، بالنظر إلى كل تعقيدات التسوية الدبلوماسية، فإن هذه المنطقة مهمة للغاية، وكذلك وفي إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تزود روسيا طاجيكستان وقيرغيزستان بالأسلحة، سواء بأسعار مدعومة أو مجانية تمامًا، كما يتم توفير تدريب تفضيلي للأفراد العسكريين في دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهو الاتجاه الأكثر ترجيحا .

 

بقلم الدكتور كريم الظفر

 

 

قاسم حسين صالحيعود تاريخ ركضة طويريج الى مجلس عزاء كان يقام في العاشر من محرّم في بيت السيد ميرزا صالح القزويني(ت 1304 هج).. احد أنجال الامام السيد مهدي الحسيني القزويني الذي يعدّ من ابرز اقطاب النهضة العلمية والادبية بالحلة أواخر القرن الثالث عشر الهجري.

وتروي مصادر تاريخية إنه في سنة (1303 هــ المصادفة 1885 م)، وبعد أن وصل السيد القزويني في قراءته المقتل الى استشهاد الإمام الحسين، اجهش الحاضرون بالبكاء والنحيب، فطلبوا منه أن يتوجه بهم إلى ضريح الامام الحسين فاستجاب لهم وركب على ظهر فرسه وتوجهوا من منزله في قضاء طويريج الى كربلاء وهم يبكون ويلطمون ويرددون (لبيك ياحسين).. تلبية لنداء الحسين: (هل من ناصر ينصرنا).. مخترقين سوق ابن الحمزة مرورا بسوق الصفارين والعلاوي فسوق الخفافين وصولا الى ضريح الامام الحسين فضريح اخيه ابي الفضل العباس، ثم التوجه الى مكان المخيم الحسيني، حيث اعد اهالي كربلاء خيمة لحرقها استذكارا لما قام به جيش يزيد من حرق خيمة الامام الحسين واهل بيته واصحابه يوم عاشوراء.

واستمرت هذه الركضة التي تنطلق بعد صلاة الظهر عند قنطرة السلام التي تبعد (2كم) عن ضريح الامام الحسين تقام كل سنة، الى عام 1991 حيث قامت جماهير الشيعة باسقاط مدن في الوسط والجنوب اثر انسحاب الجيش العراقي المذل من الكويت اطلق عليها (الأنتفاضة الشعبانية)، اضطرت نظام صدام الى حظرها، واعتقال من قام باحيائها، لتصبح بعد (2003) واحدة من اضخم الطقوس البشرية في العالم، وأطولها عمرا، اذ يذكر المؤرخ الكربلائي سعيد رشيد زميزم (ان تأريخ تأسيس هذا العزاء في احدى الروايات سنة 1855ميلادية وفي رواية اخرى سنة 1872ميلادية اي يكون عمر هذا الموكب قد ناهز ال150 عاما).. وقد تدوم دهرا بعد ان شارك فيها عرب ومسلمون أجانب.

ركضة طويرج تتحدى كورونا

ذكرت وكالات الانباء ان آلاف الزائرين احيوا هذا اليوم (الخميس 19 آب 2021) ركضة طويريج في محافظة كربلاء. وكانت فضائية كربلاء قد افادت في العام الماضي بأن مدينة كربلاء (شهدت اليوم " الأحد 30 آب 2020" مراسيم ركضة طويريج الشهيرة بمشاركة مئات الالاف من الزائرين.واتجه جموع الزائرين والمعزين ركضا باتجاه مرقد الإمام الحسين (ع) وهم يقومون "بلطم" رؤوسهم تعبيرا عن مظهر الحزن لاستشهاد الامام الحسين.(

ولأن من عادتي أن استطلع الرأي لاوثق المواقف في مثل هذه الظواهر، فقد توجهنا بالآتي:

(تحدوا كورونا، وأوامر الحكومة، وتعليمات المرجعية.. وركضوها بمئات ألالآف.محبة شيعة العراق للحسين.. تستحق دراسة سيكولوجية- دينية.. ليتكم تشاركون بدلالاتها).

شارك في الاجابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الالكتروني 407 بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون من الجنسين ، توزعت مواقفهم على ثلاثة:

الأول: ظاهرة روحية

يرى الغالبية ان ركضة طويريج مشاعر انفعالية طاغية مفعمة بالمحبة والتماهي بشخصية الحسين.. اليكم نماذج منها:

- هذه كرامة من كرامات الإمام الحسين عليه السلام، ويستحق أكثر فداه أمي وأبي ونفسي ومالي.

- حب بالفطرة بدون مصالح بدون غايات. اكو اصدق من هكذا حب بالدنيا كلها. ربما الموضوع أكبر من مجرد محبة.. فالمحبة ليست دافع لكل هذه المبالغة في الطقوس.. هنالك محاولة لا إرادية للتطهير من احساس عميق متوارث بذنب.. وكذلك رد فعل لتحدي اوقات كانت فيها الطقوس ممنوعة لذلك عادت بقوة لإثبات الوجود.. ترافقها أزمات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية فاقمتها.

- عظمة الحسين تغلف قلوب الغيارى ليس في العراق، بل تجدها في قلب كل محب صادق للحسين.الوباء عطل ركن الحج وصلاة الجمعة والجماعه ولم يعطل شعيرة ركضة طويريج من حرارة حب العراقيين للحسين.

- طبع عراقي.. .اللي يريده يسويه خصوصا اذا شغله عاطفية ومغمسه بأبعاد فيما يسمى دينية.

- ثق سيدي الكريم وأنت الباحث الحاذق، ان للإمام الحسين كيمياء روحية من نوع خاص نشعر بها ونعجز عن وصفها. تنجذب الأرواح إليه طوعا وحبا وعشقا، فإذا انجذبت الأرواح هانت الشدائد وسهلت المكاره. حب الإمام الحسين قضية وجود وفلسفة تنهل أصولها وفروعها من قوانين التكوين الإلهية. لم يخطئ الإمام الحسين حينما اختار العراق مقصدا لثورته، بل أثبت معرفة عميقة بالتركيب الاجتماعي والعمق النفسي لأهل العراق.الحسين الآن في طريقه نحو العالمية بعد أن تخطى المحددات المحلية والحدود الإقليمية، والشعب العراقي صوت الحسين المعبر وكلمته الناطقة.

- منذ بداية الوباء، كنت من اشد الرافضين للتجمعات، واطبق نظام التباعد والتعقيم المستمر خوفا من الوباء والاصابة به، واستنكر كل شخص لايلتزم ولا يعقم، وانا رجل مهندس ومثقف وواعي ومطلع، لكن يا استاذ قاسم ثق بالله العظيم عندما حلت ايام استشهاد الامام الحسين، ذهب كل هذا الخوف من قلبي، ولم افكر لا بالوباء ولا بالموت ، اصلا اصبح الموت عندي بلا قيمة في رحاب ابي عبد الله. لا اعلم لماذا وكيف، لكن لربما هو الذوبان في حب سيد الشهداء ، ولعلي احسست ولو بمقدار قليل باصحاب الحسين وحبهم للموت والتضحية من اجله في ذلك الوقت. ولربما ايضا عرفت القليل من اندفاع ابطال الحشد في القتال ضد داعش واستبسالهم وتضحيتهم وسباقهم نحو الموت، وتلقي الرصاص بصدورهم بدون خوف.

ماذا اودع الله فيك؟، وما سر خلودك وتربعك في نياط قلوبنا ؟ وماذا فعلت لنا حتى اصبح الموت لنا عادة والشهادة لنا كرامة؟

- العقل في الوقت الحاضر ضد التجمعات لان الشاب يمكن ان يتغلب ويقاوم الفايروس لكن سوف ينقله الى انسان غير قادر على تحمله كأن يكون والده او والدته فكيف ستصبح حالة الناقل للمرض عندما يرى والده يرفس كالطير المذبوح يريد ان يتنفس ويرتجى الهواء.. حتى الامام الحسين لا يقبل بهذه الحاله.. .والله الحافظ

- الامر لايتعلق بالركضة بحد ذاتها بل بالزيارة بصورة عامة حيث اجبر وباء كورونا الكثير الكثير من الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى المناسبات الدينية والوطنية اجبرها على التوقف .

- ثم التباعد الاجتماعي كوسيلة لبعض الملتقيات وتاتي هنا في كربلاء تتجسد روح غريبة في التحدي حيث الملايين تتشابك انفاسهم قبل ايديهم وتتلاصق اكتافهم في منظر مهيب لجموع قل نظير تواجدها في الأيام الاعتيادية! فما بالك في زمن الكورونا ؟ ببساطة ليس هنالك من تفسير غير ان هؤلاء الله حاميهم.

الثاني: الحسين.. اصلاح

ينظر الى ركضة طويريج بمنظور قيم الحسين التي تدعو الى الاصلاح والثورة ضد الطغاة والفاسدين، اليكم نماذج منها:

- الحسين لم يأتي حتى يركض الشيعه ركضة ويلطمون الراس، بل من أجل الإصلاح. اخرجوا من أجل إصلاح بلادكم قبل فوات الأوان.

- العلاقة بين الحسين والشيعي علاقة مركبة ! فالسني مثلا ينظر للحسين على انه احد اولياء الله.. او أحد الصحابة، وهذه نظرة قاصرة جدا بالمنظور الشيعي لأننا نرى الحسين بمنظر الأب الروحي والمخلّص للأمة من عثراتها بل للفرد الشيعي ذاته ايضا .فعلاقتنا بالحسين تتعدى المنطق بتجذرها لذلك انتشرت ظاهرة (مجانين الحسين) فهو حفيد النبي وأبن وليه وابن سيدة نساء العالمينوهو الطاهر النسب (آية التطهير) وقاتله أبن زنا ابا عن جد.. وقتلته هم حثالات المجتمع آنذاك.. ويزداد تأثرنا بواقعة كربلاء حينما نقارن ان حثالات القوم هم من يحكموننا اليوم فيزيد غضبنا.. فكربلاء تظل نبراسا يهدي من ظل السبيل او بحث عن الحق والعدل بيوم ادلهمت به الخطوب.

- شنو الفائده حقهم مسلوب صار ١٧ سنه ما حصلوا عليه

الثالث: تجاهل وباء عالمي

ويرى آخرون ان ركضة طويريج في زمن وباء كورونا الذي تجاوز عدد الأصابات به (25) مليونا لغاية آب 2020، ناجم عن قلة وعي وتحد ضد العلم لا يدركون حجم ضحاياه في حشود بمئات الآلاف يركضون ويلهون.. اليكم نماذج منها:

- دكتور الله يخليك يا دلالة فدوة الناس صاحية؟تعرف الاعداد المرعبة اللي راح تصير كورونا بالاسابيع الجاية؟؟ مقدرة قدرات الصحة المتواضعة بالعراق؟؟؟ الامام الحسين يرضى بهاي التصرفات ؟؟مستوعبين كل هالامور لو همة مجرد خالف تعرف وبعدين يكومون يتراكضون منا ومنا عل اوكسجين والمشافي.

- ترى كلنا نطبخ وكلنا نحب الامام بس مو هيج، حفظ النفس اوجب، والمراسم تكدر تسويها ببيتك، وفلوس الطبخ تكدر تتبرع بيها لانسان محتاج او مريض او تجيب قناني اوكسجين وتخليها للفقراء بثواب الامام، مو اطبخ والم الناس واسوي هوسة، انقل العدوى للناس الله يلطف بينه.. تمام لو لا دكتور؟

- لطالما اتسمت زيارة الإمام الحسين عليه السلام و شعائرها بالتحدي و نتكلم هنا عن ما عاصرناه ابتداءا بتحدي الاجهزة الامنية القمعية للنظام السابق مرورا بمفخخات القاعدة و مثلث الموت باللطيفية و داعش و اليوم فايروس كورونا رغم إدراك الناس و ادراكنا لخطره، لكن هذا التجمع سيضيف بيانا جديدا لتوضيح واقعة الطف و مدى مظلومية الإمام الحسين.

التحليل.. في الحلقة القادمة

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية