علمُ الاجتماعِ هو العلمُ الذي يدرُسُ الظواهرَ الاجتماعيّةَ، ويحاولُ تفسيرَها وبيانِ ظروفِ نَشْأَتِها. وعلمُ الاجتماع الديني الذي هو مُرَكَبٌ اضافي من شَيْئينِ هما:  الاجتماع والدين، وهو العلمُ الذي يدرُسُ الظواهر الدينيّةَ وظُروفَ نَشْأتِها . وهو علم حديث ظهر في النصف الأولِ من القرنِ العشرين .

 وعلم الاجتماعِ الدينيِّ يحاول دراسةَ الظاهرةَ الدينيَّةَ كظاهرةٍ اجتماعيّةٍ وتفسيرها على اساسٍ ميدانيٍّ تجريبيٍّ وتجريدها من بعدها اللاهوتي الغيبيِّ . وعلى هذا الاساس قَدَّمَ علمُ الاجتماعِ الدينيِّ نظرياتٍ وفرضياتٍ متعددة في تفسير الظاهرة الدينيّة . منها تفسير دوركايم نشأة الدين على اساس التفسير الطوطمي الذي فسر به نشوء الدين البدائي الذي استوحاه من كتابات ووثائق عن قبائل استراليا .

 ويرى الفيلسوفُ كانط: (أَنَّ الدينَ هو الشعورَ بواجباتنا من حيثُ كونُها قائمة على اوامرَ الهيَّةٍ ساميّةٍ).(1)، ويرى الفيلسوفُ ديكارت في كتابه " مقالٌ في المنهج": ( أنّهُ ينبغي لنا أن لانقبلَ شيئاً على أنّهُ حق مالم يتبين ببداهةِ العقلِ انه كذلك . ولكنَّهُ في كتابه (مبادئ الفلسفة) يذكر أنَّ من واجبنا أن نتخذَ لنا قاعدةً معصومةً بأنَّ ما أوحى به الله هوَ أوثقُ بكثيرٍ من كلِّ ماعداه).(2)، ويرى هيغل أن الدينَ هو: ( فنٌ باطِنيٌّ يُصَوِرُ لنا الحقيقةَ الالهيّة من الداخل عن طريق الشعورِ الباطنيِّ). (3)، ويُعَرِّفُ شلاير ماخر الدينَ بأنّهُ: ( خضوعنا لوجودٍ لاينالُهُ ادراكُنا، أَوأَنَّهُ خُضوعُ الانسانِ الى موجودٍ أَسمى منهُ) . (4)، وعَرَّفَ تايلور الدينَ بشكلٍ عام بأَنَّهُ: (الاعتقادُ في الكائناتِ الروحيّة أَو الاعتقاداتُ في الموجوداتِ الروحيّة ).(5)، امّا ماكس مولر فيعرّفُ الدينَ بأَنَّهُ: ( الشعورُ باللانهائي أَو بأَنَّهُ احساسُنا باللامتناهي). (6)، اما اميل دوركايم الذي يمثِّلُ المدرسةَ الفَرَنسِيَّةَ فيرى بأّنَّ الدينَ (مجموعةٌ متماسِكَةٌ من العقائدِ والعباداتِ المتصلةِ بالاشياء المُقّدَّسَةِ آمرَةً وناهِيَةً بحيثُ تؤلِفُ هذهِ المجموعةَ وحدةً دينيّةً متصلةً بكلِّ من يؤمنونَ بها ). (7)

 وهناك من فسر نشأَة الظاهرة الدينيّة بالخوف، اي: ان الانسانَ يرى في حياتِهِ ظواهرَ يخافُ منها كالرعد والبرق والصواعق والزلازل والبراكين، هذه الحوادث تبعث الرعبَ والقلقَ في حياة الانسان؛ فادى ذلك بالانسان ان يخترع قوةً تحميه من كل هذه الحوادث اسماها الله . فالله وفق هذه النظريات اختراعٌ انسانيٌّ . وهناك نظرية فسرت نشوء الدين بالجهل اي: اننا نجهل اسباب الحوادث المفزعة ولانجد لها تفسيراً فنلجأ الى قوة عالمة لاجهل في ساحتها ؛ لتطمئن نفوسُنا . أمّا اذا استطاع العلم ان يقدم لنا التفسيرات الكافيّة فلا حاجة الى الدين . وهناك التفسير الماركسي القائم على اساس الصراع الطبقي الذي تبنته الماركسيّة واعتبرت ان الدين نتاج الطبقة التي تملك وسائل الانتاج والتي تمتص جهد وعرقَ العمّال وتخدرهم بامانيّ واحلام وان هناك عالماً آخرَ يحقق لهم كل ماعانوه من اسىً وعذاب وعرق وكفاح، ولذلك اطلق ماركس مقولتَهُ (الدين افيون الشعوب) . امّا القرانُ الكريم فيقدمُ رؤيته في تفسير نشأة الدين من خلال الاية الكريمة في سورة الروم:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). الروم: الاية: 30 .

فيعتبر الدينَ فطرة الهية، وان الدينَ تعبير عن حاجَةٍ فطريّةٍ لدى الكائن الانسانيِّ .

وعلى هذا الاساس على المفكرين ان يستنبطوا من خلال أَلآياتِ الكريمة والاحاديث النبويّة الشريفة علم اجتماعٍ دينيٍّ اسلامي بامكانه ان يفسر لنا الكثير من الظواهر كظاهرةِ الصحوة الاسلاميّة وظاهرة العنف وظاهرة الانحراف لنفسرها كظاهرة اجتماعية تفسيراً اجتماعيّاً وفق رؤيتنا لفهم الظواهرِ الاجتماعيّة .

 

زعيم الخيرالله

.....................

المراجع

1- أحمد الخشاب، الاجتماع الديني، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة 1964، ص 75.

2- زكريا ابراهيم، مشكلة الفلسفة، دار القلم، القاهرة 1962، ص 192.

3- نفس المصدر السابق، ص 93 .

4- روجيه باستيد، مبادئ علم الاجتماع الديني، ص 33.

5- احمد ابو زيد، تايلور، مطبعة دار المعارف، القاهرة، 1957، ص 132.

6- روجيه باستيد، مصدر سابق، ص 33 .

7- علي سامي النشار ص 27 .

 

 

عبده حقيترجمه بتصرف: عبده حقي

هناك مواجهة عالمية تدور حاليا حول من يستحوذ على بيانات الشعوب. ففي اختتام قمة مجموعة العشرين في يونيو 2019 التي التأمت في اليابان، رفضت عديد من الدول النامية التوقيع على إعلان دولي بشأن تدفق البيانات - ما سمي بمسار أوساكا. سبب مقاطعة دول ناشئة مثل الهند وإندونيسيا وجنوب إفريقيا للإعلان على اعتبار أنه لم يكن لديها فرصة لوضع مصالحها الخاصة حول البيانات في الوثيقة الختامية.

وبحضور خمسون موقعًا لا يزال الإعلان قائماً كإعلان عن نوايا مستقبلية حول مزيد من التفاوض، لكن المقاطعة مثلت صراعًا مستمرًا من قبل بعض الدول لتأكيد مطالبتها بشأن البيانات التي ينتجها مواطنوها.

في عام 2016 تم الترويج عالميا على أن بيانات المواطنين هي النفط الجديد القادم في المستقبل . وعلى الرغم من أن هذا التشبيه قد تم ضحده بسرعة إلا أنه لا يزال كوسيلة مفيدة لفهم الاقتصاد الرقمي العالمي الراهن والقادم . واليوم مع تكثيف المفاوضات الدولية حول تدفق البيانات، قد تساعدنا مقارنة النفط هذه في تفسير اقتصاديات ما يسمى "توطين البيانات" – أي محاولة الاحتفاظ ببيانات المواطنين داخل بلدانهم.

وعلى غرار الدول المنتجة للنفط التي دافعت من أجل مصافي النفط لإضافة قيمة إلى النفط الخام، كذلك تريد الحكومات في جل العالم اليوم أن تبني شركات التكنولوجيا الكبرى مراكز بيانات على أراضيها . حيث تستند السحابة التي تشغل الكثير من صناعة التكنولوجيا في العالم إلى مراكز بيانات ضخمة تقع بشكل أساسي حول سواحل شمال أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وبالتالي في الوقت نفسه تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة بشكل متصاعد إلى الأسواق في الجنوب العالمي للتوسع مع دخول أعداد هائلة من الشباب المتمرسين في مجال التكنولوجيا عبر الإنترنت.

اتهامات بـ "الإمبريالية الرقمية"

لقد أدى الانفصال بين المصادر الجديدة للبيانات ومواقع مراكز البيانات إلى اتهامات من كثير من دول العالم الثالث بـ "استعمار البيانات" أو "الاستعمار الرقمي" .

الحجة الاقتصادية لدول الجنوب لاستضافة المزيد من مراكز البيانات هي أنها ستعزز التصنيع الرقمي من خلال خلق مزايا تنافسية لشركات السحابة المحلية، وتطوير روابط أخرى من قطاع تكنولوجيا المعلومات المحلية.

لقد تعاملت العديد من البلدان مع اللوائح المتعلقة بنوع البيانات التي يجب تخزينها وطنيا. بعضها يغطي قطاعات معينة فقط مثل البيانات الصحية في أستراليا. في دول أخرى مثل كوريا الجنوبية، تتطلب موافقة الشخص صاحب البيانات حتى يتم نقلها إلى الخارج. أما فرنسا من جانبها فتواصل السعي وراء البنية التحتية لمركز البيانات الخاص بها، والتي يطلق عليها اسم "السيادة السحابية"  على الرغم من إغلاق بعض الشركات التي كانت وراء الفكرة في البداية . فيما توجد القوانين الأكثر شمولية في الصين وروسيا، والتي تفرض التوطين عبر قطاعات متعددة لأنواع كثيرة من البيانات الشخصية.

يمكننا القول إن كثيرا من الدول ذات التعداد السكاني الهائل والمتزايد على الإنترنت هي الأكثر استفادة اقتصاديًا من مثل هذه اللوائح لأنها تتلقى حاليًا أقل استثمار في البنية التحتية للبيانات من عمالقة التكنولوجيا بالنسبة لعدد المستخدمين.

يستشهد مؤيدو توطين البيانات بالاعتماد البنيوي للبلدان النامية على البنية التحتية الرقمية المملوكة للأجانب وحصة غير عادلة من الفوائد الاقتصادية للصناعة. إنهم يحلمون باستخدام توطين البيانات لإجبار شركات التكنولوجيا على أن تصبح كيانات دائمة على أرض الوطن لزيادة مقدار الضرائب التي يمكن أن تفرضها عليهم في نهاية المطاف.

المنتقدون من جهتهم يشيرون إلى ارتفاع تكاليف الأعمال للخوادم المحلية، ليس فقط لعمالقة التكنولوجيا، ولكن أيضًا للشركات الناشئة التي تقول الحكومات إنها تريد تشجيعها بدعوى أن لوائح التوطين تتداخل مع الابتكار العالمي، ويصعب تنفيذها، وتتجاهل المتطلبات الفنية لمراكز البيانات: القرب من "العمود الفقري" لكابلات الألياف الضوئية للإنترنت، وإمدادات مستقرة للكهرباء، ودرجة حرارة منخفضة للهواء أو الماء لتبريد الخوادم العملاقة.

البيانات: ما هي قيمتها؟

لقد استخدمت إحدى الدراسات الأكثر استشهادا بها منذ عام 2014 منهجية غامضة أنتجها المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي، وهو مؤسسة فكرية للتجارة الحرة ومقرها في بروكسل، يأتي بعض تمويلها من شركات متعددة الجنسيات المجهولة . وليس من المستغرب أن تجد خسائر جسيمة للبلدان التي تفكر في توطين بياناتها . ومع ذلك وجدت دراسة أجريت عام 2018 بتكليف من شركة فيسبوك أن إنفاق مركز البيانات في الولايات المتحدة قد خلق عشرات الآلاف من الوظائف ودعم استثمارات الطاقة المتجددة وساهم بـ 5.8 مليار دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في ست سنوات فقط.

إن اتخاذ موقف دوغمائي مع أو ضد هذه القضية يخفي تعقيدات أخرى . تعتمد التكاليف والفوائد الاقتصادية على نوع البيانات المخزنة، سواء كانت نسخة مكررة أو نسخة حصرية فقط، ومستوى الدعم الحكومي لدعم البنية التحتية الأوسع، على سبيل المثال لا الحصر.

ماذا تفعل الحكومات ببيانات مواطنيها؟

لا يقتصر دور الشركات والدول الكبرى على لعب أدوار هامة جدا في محاولة الحصول على "سيادة بيانات مواطنيها ". قد يجد مطورو التكنولوجيا حتى الآن طرقًا لدعم حقوق الأفراد في التحكم في بياناتهم الشخصية باستخدام منصات رقمية مثل داتابوكس والتي تمنح كل واحد منا ما يشبه الخوادم الشخصية الخاصة به . إن هذه التقنيات لا تزال قيد التطوير، لكن المشاريع آخذة في النشوء - معظمها في جميع أنحاء أوروبا – إنها لا تمنح الأشخاص سيطرة أكبر على بياناتهم الشخصية فحسب، بل تهدف إلى إنتاج قيمة اجتماعية بدلاً من القيمة الربحية. قد تجد مثل هذه التجارب مكانًا في العالم النامي جنبًا إلى جنب مع ما تفعله الدول والشركات الكبرى.

 

 

 

عبد الرضا حمد جاسماحْتَرِمْ صيغة الأمر ذات المعاني العميقة عندما يصدرها الشخص لنفسه .. وذات معاني جميلة عندما يسمعها الشخص من مُهتم وذات معاني ربما حادة او صادمة عندما يسمعا الشخص من متحدي!!!!

مفيد ان يأمر كل شخص نفسه بها بعد ان يستيقظ من النوم وقبل النهوض من الفراش لصفاء تلك اللحظات حيث ينتقل الانسان فيها من حال الى حال وعظيم ان يكررها كل يوم ليضيفها الى برنامج دماغه .. "المبرمج هل يُبرمج" نعم مع الوقت والإصرار وهذا جزء من تربية النفس على عدم التعدي على الغير سواء كان من البشر او الكائنات الاخرى او الطبيعة.

الاحترام حق مقدس حتى للذي لا يستطيع انتزاع حقه هذا او الدفاع عنه كما نتصور نحن من حيوانات او نباتات او حتى جماد.

اول اشكال الاحترام هو أن يحترم الأنسان انسانيته من خلال اكتشافها والاعجاب بها والدفاع عنها لتدفعه للدفاع عن انسانية الغير من خلال عمله على ان يكون مُحْتَرَمْ.. ليترسخ لدية الاحترام ليتحول الى ثقافة

من يحب ان يُحْتَرَم يجب ان يكون مُحْتَرَماً ومُحْتَرِماً.. والاحترام فعل يجب ان يسود وعدم الاحترام يجب ان يقع ضمن رد الفعل غير الفيزيائي. نعم عدم الاحترام معاكس للاحترام والذي يجب ان لا يكون وفق قانون الفيزياء لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه حيث لحظة الوقوع وانما وفق وصف انساني يأخذ بنظر الاعتبار النتائج والحالة والمكان.. حيث التطبيق الفيزيائي يعني العصبية والانفعال والتناحر.. الفاصلة الزمنية بين الفعل ورد الفعل في موضوع الاحترام ربما تكون طويله ويُفضل وفق ’’رقبة البعير’’ و القول فيها رغم الاختلاف لغرض افساح المجال لامتصاص تأثير فعل رد الفعل ومحاولة تفسير الفعل ومن ثم افساح المجال لصاحب الفعل وفعل رد الفعل بمراجعة نفسه بالسكوت او عدم تكراره او الاعتذار وافساح المجال لمن وقع عليه الفعل (وهنا ليس مفعول به) للمحافظة على خيوط التواصل وتقدير اسباب الفعل الذي ربما يكون رد فعل خارج قدرته على التحكم فيه او لم يُحسن التعبير عنه او به.

كما ان الاحترام فعل فهو فاعل في نفس الوقت لأنه من أعماق الفاعل والمفروض ان يكون ويعم حيث عندها سيكون في الحياة شيء من حيوية الصح والخير والمحبة والهدوء وتكون مفيدة ونافعه وسعيدة للجميع.

اما إذا انخفض دور الفاعل والفعل /الاحترام ووقع رد الفعل الفيزيائي حيث سيصبح رد الفعل الفيزيائي هنا فعل وفاعل وستكون سلسلة من فعل/ أفعال حتى تصل الى (الانتقام او الثأر) وإن انتشر هذا صارت الحياة غابه من ردود الأفعال ويصبح هنا رد الفعل هو الفعل والفاعل ليظهر الظلم والازدراء والاضطهاد والتسلط والشللية’’ شلل وشلة’’ السوداء لتصاب الحياة بالعطب ويتعقد والعيش ونكون من الضالين.

الاحترام شعور انساني نبيل المفروض ان يكون دائم ودوامه يُشيع حياة هانئة متكافئة.

الاحترام في الظروف الحياتية في واقع اليوم والامس متذبذب تحت تأثير التنوع والتذبذب ناتج عن الإدراك لقيمة وموقع الفاعل في الحياة او يعكس المعنى الذي يحمله الفاعل للاحترام أي المُحْتَرِمْ من نبل وصدق وخُلق وإخلاص وحسن سيرة وسلوك وثقه بالنفس حيث شملت النسبية حتى الاحترام.

الاحْتِرامْ وعي وتَحَضُرْ واتزان وتسامح.. لذلك فالمُحْتَرِمْ عنده المقابل مُحْترَمْ ويظن انه مُحْتَرِمْ حيث لا إثم في هذا الظنْ.

المُحْتَرَمْ والمُحْتَرِمْ ليس فيه ضعف/ضعيف كما يتصوره البعض الضعيف وربما غير المُحْتَرَمْ أو غير المُحْتَرِمْ وليس خانع وراكع وذليل.. هو قوي بقوة جعلته يجعل من حواسه الخمس تتفاعل مع الوجود والموجود باحترام فصار يحترم الغير حقوق الغير والدفاع عنها بوجودهم او بغيابهم. فيكون عنده الاحترام ضَوء يُنير له طريقه الموحش ربما والذي اختار السير فيه بتَّحَسُبْ ودقه واخلاق.

المُحْتَرِمْ لا يسَّوف ولا يَهرب ولا يخفي رأسه في الرمال ولا يختفي او يتخفى تحت او خلف سُتُرْ وحُجُبْ لأن ذلك وفق ما يؤمن به إساءة له اولاً وللغير ثانياً وللمجموع ثالثاً.

عكس الاحترام ليس عدم الاحترام وكفى وانما التسيب والانفلات والفوضى في السلوك’’ الاقوال والأفعال’’ سواء بين الانسان والانسان او بين الانسان ومحيطه.

الاحترام يشيع السرور والبهجة والانفتاح على الاخر والتفاعل الايجابي وحب الغير والحياة العامة والخاصة.

الاحترام يعزز الذوق الخاص والعام والهدوء والرضا والقناعة لذلك عندما ينتشر ويعم، يعم الامن والامان والود والوئام والمحبة. 

الاحترام يمنح الاتزان والتوازن بين ما يُرادْ وما يُريدْ لتختفي الأنانية والاحقاد والبغضاء والتسابق على الإساءة للغير ويُمتص الغضب والانفعال لأن الاحترام والكلمات التي تعنيه وتدل عليه دائما ما تكون لطيفه وهادئة ونقيه وواضحة لا تتعب المقابل بل تسهل عليه استقبالها والتفاعل معها.

الاحترام محلول (البفر الكيميائي) *للحياة يمتص الغضب ويمتص الاندفاع الزائد في الحب والحقد والبغضاء.

الاحترام يُكْتَسَبْ.. يتعلمه الانسان منذ أيامه الاولى حين يتكون في رَحِمْ الام.. عندما تحترم ألاُم التعليمات الطبية الدوائية والغذائية او تحترم ما تعلمته من تجارب سابقه لها وللأخرين.. يتعلمه من تبادل المنفعة بين ألاُم وحملها جنينها.

الاحترام قيمته ببساطته واهميته ولا يمكن ان يُخْلَقْ بالتزويق او التلوين او التغليف.

الاحترام حديقة غناء تشيع الألفة والهدوء والتعاون وتدفع للتفاعل والتواجد والتعاضد وتبادل الاهتمامات والمشاعر.. حديقة تهرع اليها النفس لتتنفس النقاء وتلتقي الصفاء والهناء والانشراح والاختلاف.

لا يمكن ان يُصطنع الاحترام.. ان حاول أحد ذلك سيُبانْ كما يتبين الورد الطبيعي من الصناعي.. قد يتساويان بالنظر اليهما من بعيد لكن ما ان تقترب منهما حتى تشعر بالفرق الهائل بينهما.. الطبيعي يريح ويشيع الانشراح والتأمل والصناعي يشيع الالم والتساؤل والانقباض.. الاول فيه حياة وقريب من الاحاسيس لأنه حساس مرهف والثاني ميت مثير للكآبة.

أجمل ما في الاحترام انه ينبع من اعماق صافيه جميله نقيه.

الاحترام جاذب للغير والخير ويحافظ على الذات والادوات ويشيع الود والجد.

الاحترام يزيل ما يفرق بين البشر من اشكال واجناس ومعتقدات وعادات وطباع لكنه يُرَكِزْ ويعزز المواقع والمنازل في كسب المعرفة والعلوم والابداع والتقيد باللوائح وتنفيذ الواجبات.

الاحترام لا يتحقق بالإكراه والغصب والإذلال والاجبار.. لان كل هذه عنيفة وهو رقيق حساس شفاف ومن يحاول فرضه بتلك الصور يعني انه يحاربه ويرعب غيره سواء كان واعي لذلك او لا.. من يحاول او يتصور ان بإمكانه فرض احترامه بالإكراه او باستغلال حاجة الغير اليه يُذِل نفسه ويسيء اليها حاضرا ومستقبلاً.

الاحترام واجب لا يتحدد بالعمر ولا الموقع ولا الجنس ولا الحالة الاجتماعية.. أجمل ما في هذا الواجب انه ينفذ او يتم برغبة وليس بالإكراه وهو الواجب الوحيد الذي يتغير معناه بالإكراه الى معاكس لمعانيه. التلكؤ في تنفيذه يعني التلكؤ بالعيش بهناء ومحبه ووئام وامان.

الاحترام تثمين قيمة الشيء والذين تعبوا في انجازه وتقديمه وعرضه وما ينتج عنه. 

تحترم الحديقة لما تقدمه هذه الفسحة الطبيعية من خدمه لك وللغير والغير هنا انسان كان ام حيوان او هواء تحترم فيها ابتسامات الزهور وغناء الطيور وضلال الاشجار وجمال الخضرة والندى والهدوء والسكينة وما يحصل في تلك الفسحة الزمكانية من علاقات وما تنتج من افكار شخصيه وعامه.

يقابلك اخيك في الإنسانية مبتسما في الطريق ليعبر حتى ولو بشكل سطحي عن احترامه لك لتشعر انه يزيل عنك هم او قلق او يعزز فيك حب الخير والغير لتجد نفسك قبل الابتسامة العابرة مختلف عما بعدها.

الاحترام ثقافة يتعلمها الانسان من الطبيعة والاخرين والكتب.. يكتسبها الانسان من خلال جميع الحواس بخلاف الكثير من الاشياء التي ربما يحسها الانسان بحاسة واحدة او اثنتين.

عندما تفكر ان تلمس ورده تجد ان هناك شيء يدفعك للتعامل معها بلطف وذوق لأنك ربما قدرت لها نعومتها ورقتها وعطرها او تتذكر موقف تعامل أحدهم معها بخشونة وفضاضه وما شاهدته بعد تلك المعاملة القاسية

عندما تضع طائر في قفص قد تتلذذ بذلك وتعتبر نفسك امتلكته او تنفعه لكن شعورك يزداد لو احترمت حريته بالتنطط والطيران وتشعر إنك تطير معه او هو يطير بك بين تلك الاشجار والربوع

الاحترام قلنا يكتسب ويمكن التدرب عليه ووضعت نقاط كثيره لذلك ولكنها غير ثابته او محدده ويمكن لكل انسان ان يساهم فيها ويضيف عليها من تجربته.

صعقني الراحل الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر الطيب عندما ذكر التالي في كتابه المهم دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 341 حيث كتب: [المشكلة في اهل المدن في انهم كانوا في أعماق أنفسهم لا يحبون الحكام وربما كانوا يبغضونهم ومعنى هذا انهم كانوا اتجاه الحكام يظهرون غير ما يضمرون وقد تأصلت هذه العادة في الكثيرين منهم بحيث أصبحوا في حياتهم اليومية يحترمون من لا يحبونه ويحبون من لا يحترمونه] انتهى

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

سامي عبد العالإذا كان هناك شيءٌ ما يميز الموتَ، فهو أنَّه " تجربةُ حدودٍ " بامتيازٍ. ولذلك كان الفراعنة يعتبرون أنَّ كل موت يقع بكيان الإنسانِ رحلةُ عبورٍ إلى الحياة الأخرى (الخروج إلى النهار، كما يقول عنوان كتاب الموتى). لأنّ الإنسان حين يموت يتجاوز الحدود الطبيعية المعروفة للحياة، ففي وقتٍ ما كان يتنفسُ ويتحركُ ويقطن ويتعلم وينام ويستيقظ، وفجأة يتعدى حدوداً كهذه بحالة وجودية أخرى هي الموت.

 أقول حالةً أخرى في إطار ما يُسمى بالكائن الحي، لأنَّ ما يموت فينا هو حيوانية الكائن بينما الجمادات لا تموت، وربما لا تشعر به مثلما نشعر نحن. والمرض أيضاً بمثابة الوقوف على الحدود بين الصحة والاعتلال، بين الانغمار بالحياة التلقائية وبين أخذ جرعات منها كأنَّها مصل شفاء من آلام معينةٍ. كذلك فكرة الحقيقة هي عمل حدودي بالدرجة الأولى، لا توجد حقيقةٌ كاملة التعين ولا باتة الصدق وإلاَّ لأضحت تجربةَ موتٍ مؤجل. وهذا يظل مرهونا بتحولات الحقيقة إلى ما يضاد الحياة المتكشفة فيها أو حولها باستمرار.

 في هذا الإطار تترك كلُّ نزعةٍ مغلقةٍ (مثل الأيديولوجيا الصهيونية) ضحايا لا حصر لهم على الحدود المقدسة لذاتها. وفي مجال السياسة يصعُب عزل النزعات المغلقة عن دجما ذات طابع لاهوتي جغرافي. حتى أنَّ اطلاعاً على تكوين الفكرة لا يختلف عن المسح الحفري لظلالها ورواسبها في الواقع. فما بالنا على هذه الخلفية إذا كانت للصهيونية المسلحة تجليات جيوسياسية تغتال العابرين بالجوار. وهي المثال الساخن سياسياً الآن الذي يضع الحدود القاتلة أمام حياة الآخرين (المتمثلين في الشعب الفلسطيني). والأخطر أنْ تتشكل الصهيونية في كيان مادي يمثل قنبلة موقوتةً على قارعة الحياة اليومية، ولو كانت بحجم دولة كاملة التكوين والسيادة والعلاقات اسمُها إسرائيل.

إنَّ إسرائيل كمستنقع عنف هي خريطة حرفية لدجما جيو سياسية geopolitical dogma قوامها أيديولوجيا صهيونية تلتهم التنوع وتقف بالمرصاد لكل آخر، معتبرةً أنَّ مملكة الرب (وداخلها الشعب اليهودي بالزمان والمكان) كتلة مثالية واحدة، يدور التاريخ بقدر ما يدور، لكنه في النهاية سيجسدها في حدود سياسيةٍ تناصب الشعب الفلسطيني العداء والكراهية، ذلك في وضع النبوءة اليهودية الزمنية التي يعمل هؤلاء البشر على إنضاجها وتحقيقها.

والقتل الناجم عن وجود اسرائيل هو استعمال الموت نتيجة " مثالية الحدود أو التلاعب بها أو التشدد في حراستها والسهر عليها". كلُّ عملية قتل بمثابة فرض إقامة جبرية على الآخر في حالة موت خوفاً من تجاوز الحدود كما تفعل اسرائيل مع الفلسطينيين. ولئن كان الموت تلقائياً على ما نراه على شاشة التلفاز ويعني تخطى حدود الحياة داخلها، فالقتل هو دفع المقتول لتخطى الحدود القصوى لوجوده عنوة. وهذا ما كانت تراهن عليه اسرائيل كدولة احتلال، ذلك كي لا يتخطى الضحايا الحدود التي تضعها النزعات والدول والايديولوجيا بشكل مصطنعٍ artificial. ولذلك فإنَّ "الاصطناع الحدودي" هو غالباً واقعة قتل بالمقام الأول وليس موتاً اعتيادياً.

 ولذلك عندما تفرض إسرائيلُّ حصاراً على المدن الفلسطينية إنما هو قتل بطيء الخلاص. عمل مقصود لإشعار الفلسطينيين المحاصرين بأنَّهم محاطون بالموت من كل جانب. ولم يتساءل البعض لماذا تتحول الحدود إلى غرفة كبيرة لتنفيذ حكم الإعدام بشعوب مقهورة؟ وبخاصة أن الحصار الحدودي ليس مؤقتاً بل لن يمرق منه شخص دون اعدام هويته. وطبعاً يجر ذلك معاني حصار الهوية والجسد والعقل والمستقبل والحياة، فالوضع في حالة انتظار جغرافي حتى تنطق الأرض إنْ كانت تملك لساناً وبياناً أم لا. حيث يقوم الجنود الإسرائيليون بإنطاق المارين الفلسطينيين عنوةً عبر أقاليم الدولة العبرية.

بالأمس القريب سقط أكثر من ستين فلسطينياً على حدود إسرائيل لمجرد اعتراضهم على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والآن تتكرر اللعبة يومياً في مناطق أخرى بصدد المسجد الأقصى، اسرائيل هي دولة حدود الموت داخل حدود فلسطين. هذه هي كانت اللعبة السياسية لاحتلال الأراضي طوال تلك السنوات. اليوم هناك حد فاصلٌّ بين شعب وآخر، وغداً سيكون هناك تاريخ جيوسياسي يقرر مصير الفئات الضالة من المارقين على الدولة القوية، وبعد غد أسلاك تدمي من يحاول الاقتراب، ثم بعدها إخلاء مقصود لأراضٍ يقال إنها في مرمى استراتيجي للدولة الاسرائيلية. ذلك بالضبط يحدد الإقامة والحركة للمحتلين مثلما كان تاريخ اللاهوت السياسي فاصلاً بين الذهنيات والعقول والجماعات كما طبقته الصهيونية. ومازال البعض ينظر إلى تاريخ اللاهوت على أنه تاريخ دول وقارات متباعدة عن بعضها البعض(أرض الحرب وأرض السلم من زاوية لإسرائيل أو من زاوية جماعات الاسلام السياسي).

ورغم أنَّ الاختلافات توجد حتى داخل الدين الواحد إلاَّ أنَّ المذاهب والأيديولوجيات شكلت حدوداً دامية ووضعت مزيداً منها في طريق من يحاول العبور. إنَّ إسرائيل وآلتها العسكرية ومؤسساتها وعنفها الرمزي والمادي عبارة عن نظرية في هذه الحدود، وبخاصة مبادرتها المستمرة بالقتل إزاء الاقتراب منها أو تجاوزها. يستحيل أنْ ننظر إلى المناطق المحتلة دون أنْ نركز انتباهنا إزاء ممارسات دولة تزحف على أرض شعب آخر، وتحاول الإمساك بما تبقى من أمل في التهام خريطة فلسطين بكاملها.

إسرائيل لديها برنامج سياسي في إفساح حدودها المتاخمة لتبتلع المدن والأحياء والمقابر والخرابات والشوارع من أيدي الفلسطينيين. كلُّ ذلك تحت عنوان كونِّها حدوداً مقدّسة وطأتها يوماً أقدامُ شعب الرب ورسمها المستقبل المنظور لدولته المقدسة. وكأنَّ شعب بني إسرائيل لم يكن سوى أقدام تجرجر حدوداً إلى أبعد نقطة ممكنة.

وقديماً أُطلق على بني إسرائيل (العَبرانيون) وهي كلمة تضمر في جوفها معنى الحدود وتجاوزها والفضاء القابل للمرور والهجرة والتخطي تجاه الأفق الآتي. في كتابه (تاريخ اللغات السامية)، يرى المؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون أنَّ كلمة عبري لا ترجع إلى شخص أو حادثة بعينها، إنما تجميع في دلالتها طريقة في الحياة قوامها الانتقال من مكان إلى مكان، والارتحال وتجاوز المساحات وقطع المسافات بين الأماكن الصحراوية، إنَّ نمط الحياة جعل من الحدود شيئاً ضرورياً بالنسبة لسياسات الدولة العبرية ولمحاربة أعدائها. وتباعاً أصبحت إحدى الحيل الماكرة في التعامل بين البشر.

وكلمة عبري مشتقة لدى اسرائيل ولفنسون من الفعل الثلاثي" عَبَرَ"، بمعنى قطع مرحلة من الطريق أو عبر الوادي أو النهر من ضفته إلى ضفته الأخرى أو عبر السبيل نحوه. مغزى هذا معناه أنَّ مشكلة شعب العبرانيين الذين ينتمي إليهم بنو إسرائيل كانت مشكلة تتعلق أساساً بالحدود. وربما أصداء الشتات قابعة في الخلفية، فحيث يكون ترحال بلا عودة، ستكون اللاحدود هي الاتجاه نحو الفضاء المفتوح. والعبرانيون كان منهم الآراميون والآشوريون والأموريون ومنهم عشائر من العماليق وغيرهم من الشعوب والأعراق.

ورغم أنَّ بني إسرائيل انثروبولوجياً يمثلون فرعاً صغيراً من العبرانيين، إلاَّ أن التسمية فيما يبدو قد لحقت بهم وحدهم مؤخراً.  ومنها جاءت اللغة العبرية التي أصر اليهود على إبقاء التسمية عالقة بها. والمشهور من المسألة أنَّ اليهود سُموا كذلك بالعبرانيين: إمَّا لأنَّهم هاجروا وعبروا كما هاجر أبوالانبياء إبراهيم ومن معه من العراق وما حوله نحو فلسطين والشام عابرين الأنهر والصحراوات وبخاصة نهر الأردن: وإما يرجع نسبهم إلى عابر(عابير) الوارد اسمه في التوراة، وهو من نسل سام بن نوح ويعدُّ أحد أجداد النبي إبراهيم أبو الأنبياء.

ومن ثم هناك أسئلة مهمة: هل الخوف من الشتات يدعو شعباً بأكمله إلى ضرب أسوار دامية حول خصره الجغرافي؟! هل فكرة شعب الله المختار(هذا اللاهوت الأنثروبولوجي) تؤكد (لاهوتاً سياسياً) خاصاً بتسييس الحدود واصطناعها بالقتل؟ هل الإحساس الجمعي بالهوية الدينية والإيديولوجية تجعل شعباً في حالة عزلة تاريخية بقوة العنف على أرض الغير وغير الغير؟! هل الزعم بوجود سيناريو للتاريخ قائم على نبوءة مملكة الرب وإقامة الهيكل تجعل دولة الرب تتحرك في كافة أنحاء العالم بالأسلاك الشائكة ذاتها وتدمي أرجل من يطأها؟!

لعل ما يسمى بـ" الجدار العازل" داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل حيلة دفاعية ضد فوبيا الشتات ونوعاً من استباق النتائج على الأرض وتغطية آثار الاستيطان. وهو لا يقل عن عملية إبادة جماعية للشعب الفلسطيني الأعزل. فالشكل الظاهر أنَّ جداراً يعزل الفلسطينيين ضمن أرض عامة، لكن الحقيقة أن هذا الجدار يبرئ إسرائيل، كأنها تقيم ما هو حق لها في نطاق سيادتها!!

وهذا نوع من " غسيل الأرض" لصالح اسرائيل على طريقة غسيل الأموال الآتية من مصادر غير مشروعة. لأنَّه قبل بناء أي جدار يجب التساؤل عن احتلال الأرض وزحف الاستيطان واغتصاب ملكية الحقول والمنازل والشوارع وقتل الأفراد وتهجير السكان وتجريف الهوية. وأنَّ الخطوة الاستباقية تقول إنه لكي تغطي إسرائيل ذلك كله، عليها إلهاء المتابعين في صحة الجدار وأهميته عوضاً عن البحث في أساسه وصحته ابتداءً. ولماذا يقام هنا أصلاً ولم يكن بمكان آخر؟!

والجدار بمقدار قوته يعكس هوساً بالإقصاء ورفضاً لأي تنوع وتواصل محتمل. نعود مرة ثانية إلى الحدود والموت. حيث يعبر الجدار عن رمز عنف بالأساس، لأنه يكاد يقول بدلاً من الوقوع في صراع مباشر وجهاً لوجاً، ها هو " أفعوان حجري" ممتد في فلسطين سيلتهم الوجوه والعيون كائنةً من كانت. كأنه حكم بالقتل المباشر كلما يقابله فلسطيني. وهو تجميد الإحساس عند درجة الصفر، فلا وراء الحجر غير الحجر.  إنَّه إجابة عن أي سؤال حول من هم بالخلف، كيف يفعلون ذلك، ما طبيعة عيشهم؟!

ولذلك تميز الأطفال الفلسطينيون بالدهاء عندما يقذفون الآلة العسكرية الإسرائيلية بالأحجار والحصى. فهم يقولون الجزاء من جنس العمل، فكما تحولت أدمغة قادة إسرائيل إلى أحجار، فلن تجدي سوى الأحجار كرصاص. وكانت النبوءة مبكرة بكيف سيكون الجدار عازلاً للأحاسيس، ومانعاً لفهم الحياة وبتر التواصل بين شعبين متداخلين ومتجاورين!! وبدلاً من سؤال التعايش وبذل الحقوق وإرجاع الأرض إلى أصحابها الفلسطينيين كانت إجابة أحجار الجدار قارعة وقاسمة.

الجدار اسمنتي بارتفاع يتراوح بين خمسة أو تسعة أمتار عبر المناطق المأهولة بالفلسطينيين وسياج إلكتروني في المناطق غير المأهولةِ بالسكان، ورغم أن 15% من مقاطع الجدار تمتد على حدود عام 1948 المسماة بالخط الأخضر إلاَّ أن الباقي بُني ضمن أراضٍ احتلت عام 1967 والمسماة بالضفة الغربية ويدخل فيها بعمق يصل إلى22 كم في منطقة أصبع ارئيل، ومسار الجدار يمر عبر ارضي مأهولة وزراعية في الضفة الغربية، كما يعوق وصول الفلسطينيين إلى الشوارع المحلية وحقول المزارعين.

وبالتوازي يعزل خط الجدار في المنطقة الشمالية آلاف الفلسطينيين في مناطق "مغلقة" بين الخط الأخضر والجدار، وقامت السلطات الإسرائيلية بتأسيس شبكة بوابات في الجدار ونظام تصاريح مرور للتحرك خلال الجدار التي أثبتت عدم جدواها بضمان حياة عادية للسكان. وفيما تقول الحكومة الإسرائيلية بأن هدف الجدار هو حماية المواطنين الإسرائيليين من الهجمات الانتحارية الفلسطينية، يقول الفلسطينيون إن شبكة الجدران، الأسوار والخنادق هي سرقة لأراضيهم وتقسيم للتجمعات السكانية وتقطع مسارات المواطنين عن المدارس وأماكن العمل والمزارع.

وقد بُني القسم الأكبر من الجدار في مناطق شمال الضفة الغربية وهو يحيط بمدينة قلقيلية ومناطق شمال الضفة الأخرى، وسيضم المخطط كبرى المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة من العام السابع والستين إلى منطقة تتصل بإسرائيل ولا يفصلها جدار عنها (كمنطقة كأصبع أرئيل)، ويؤكد الفلسطينيون أنَّ إجراءً كهذا هو فرض أمر واقع على أي اتفاق يمكن التوصل إليه مستقبلا، وان مثل هذه الشبكة لن تمنح محاولات بناء دولة فلسطينية قابلة للحياة أي فرصة..

كان ذلك أيضاً رد فعل إسرائيلي على حياة العزلة والبؤس والنبذ في " الجيتو والكيبوتس" على هامش المجتمعات الأوروبية التي عاش فيها اليهود. إنه انتقام تعويضي، فعندما لا يقتنص الضحية من جلاديه فرصاً لمبادلته اللكمات، يعثر على ضحية أكثر ضعفاً كالفلسطينيين لإثبات قوته أمام نفسه. ولكن ما هذه السادية السياسية المزمنة؟!

لقد تُصِر إسرائيل دوماً على تصدير " نكباتها التاريخية" في صورة "نكبة الفلسطينيين"، عاش شعبها الأول في الشتات فحلَّوا في أرض فلسطين، ثمَّ مارسوا التشتيت على أصحاب الأرض وجعلوهم مزقاً وجماعات وعائلات مهجرةً في كل أصقاع الكوكب. ولو وجدوا مكاناً على كوكب آخر لتعقبتهم إسرائيل إلى هناك ولزجت بهم في صحراواته. ظل بنو إسرائيل في التيه أربعين عاماً وهاهم يفرضون تيها وفوضى على أهل فلسطين قرابة ثمانين عاماً ومازالوا في البداية. عاش اليهود في ملاجئ وجيتوات على أطراف المدن وهوامشها فجعلوا من الفلسطينيين نزلاء دائمين للملاجئ والفقر والجراح المثخنة طوال حياتهم. ولم تتركهم إسرائيل هكذا بل تعقبتهم بالاغتيالات والموت أيضاً عبر حدود دول المهجر. عانى اليهود من الهولوكوست فوضعوا غزة والضفة في" أفران سكانية متحركة " عن طريق تضييق الخناق على البضائع والبيع والشراء والمرور والدخول والخروج ووضع الناس في عملية قمع وضغط متواصل وإشعارهم بكونهم محاصرين طوال الوقت.

أيضاً علاقة إسرائيل بأمريكا علاقة قائمة على التلاعب بالحدود، لقد أعطت أمريكا قدم ممتد داخل المجال العربي وكانت هي الردهة الشرقية للعسكرية والمخابرات الأمريكية. حتى يمكننا القول بأن حدود أمريكا تبدأ من إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، ولقد كانت هذه الحدود معروفة ومتسعة في حربي الخليج الأولى والثانية. حتى عندما كان يريد أحد الزعماء العرب المهووسين توجيه اعتراض لأمريكا كان يعض أصابع إسرائيل، ولو عن طريق التصريحات والتلويح بقطع العلاقات والتنديد بالاحتلال وعقد المؤتمرات العربية في هذا الشأن. والزعيم العربي الجبار كان يعلم أن أصابع أمريكا تبدأ من إسرائيل وتنتهي فيها بالمثل.

 ولذلك فإن ما قتلته إسرائيل من ضحايا على حدود غزة وحول حرم المسجد الأقصى في المناسبات المختلفة لا ينفصل عن هذا كله. لعبة الحدود هي لعبة قتل مجهول في تاريخ بني إسرائيل بالدرجة الأولى. ذات مرة قال مايكل لينك (المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية) إن " القتل المتعمد" على حدود غزة والضفة يمثل جريمة حرب بحسب معاهدة روما.

وأكد لينك في كلمته بجلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان أنَّ هذا النوع من الأعمال ينتهك بشكل خطير معاهدات جنيف بشأن القانون الإنساني الدولي. وأوضح أنَّ أي إدانة لما وقع في غزة ستكون " فارغة ما لم يصاحبها حسابٌ أمام القضاء الدولي". وذكر هذا المسئول السابق أنَّ أغلب" الاحتجاجات في غزة كانت سلمية تقريباً بشكل تام دون سلاح " مؤكدًا أنَّ الآلاف في غزة خرجوا لأجل الهتاف والمطالبة بالحق في مستقبل أفضل ".

وعلى المنوال نفسه كان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين قد دعا إسرائيل إلى إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى أنَّ الفلسطينيين "محبوسون في عشوائيات من الميلاد وحتى الموت"، وقال: " الاحتلال ينبغي أن ينتهي بشكل يمكن أنْ يجعل شعب فلسطين حرًا "...

هكذا تعصف لعبة القتل على الحدود بجميع المبادئ والقوانين الإنسانية حتى بحقوق الحيوان... فهل تتجنب إسرائيل هذه اللعبة القاتلة التي تشبه لعبة الحوت الأزرق؟! فليس اللعب بالموت ينتهي بانتصار اللاعب دوماً، بل قد يكون نوعاً من الانتحار والتآكل الداخلي الصامت. وجميع القوى العنيفة هي في الحقيقة تأكلُّ نفسها بنفسها كاشفةً كم هي ضعيفة أمام صمود الإنسان ولو كان عارياً. 

 

سامي عبد العال

 

محمد بنيعيشإن الإعاقة في تحصيل التطور المنهجي والمعرفي والترويض الفكري لدى أصحاب الجامعات والمؤسسات العليا ذات التخصصات في العلوم الإسلامية بالدرجة الأولى قد يكون سببها في الغالب علميا ونفسيا سلوكيا محضا ،وأيضا سياسيا واجتماعيا في آن واحد.

إذ الأستاذ الباحث في العلوم الشرعية سواء على مستوى الفقه أو العقيدة والتصوف حينما لا يجد ميدانا أو مناخا مهيئا يمارس ويختبر فيه محصلاته العلمية فإنه لا محالة سيؤدي به الحال إلى الانكماش وتضييع ملكة العلم والقدرة على تشحيذ الذهن في بابها، ومن ثم فلا ينتظر منه طائل في هذا المجال أو ذاك.

أ‌) التهميش الوظيفي للعلم والعلماء وطفو الحثالات في الساحات:

فعلى مستوى الفقه مثلا، وهو ما يقتضيه من اجتهادات ونوازل ويتطلب حلولا وفتاوى علمية موضوعية قائمة على التدبر والتفكر، نجده على العكس من ذلك يعرف تهميشا في باب التعامل العام وعلى جل مستوياته ، اللهم إلا ما كان من جانب الفقه التعبدي وبصورة انشطارية وآلية سردية. إذ أن جل الاهتمام لا يكون إلا بفقه العبادات، وعلى الأخص فقه الصلاة ثم الصوم وموسميا الحج، أما الزكاة فلا تكاد تجد بها اهتماما بالغا ومستحثا إلا في بعض الحالات بإيعاز سياسي ظرفي أو عند وجود ضرورة لدى بعض أصحاب الأموال ممن قد تصحو ضمائرهم بين الفينة والأخرى.

ومع هذا فإن التطفل قد ضرب أطنابه في هذا المجال، وأصبح وسيلة للخلاف بين العوام وأشباه العلماء، وخاصة في المساجد حيث التضارب قائم بين من يسمون بأتباع المذهب المالكي مثلا والمذهب الشافعي أو الحنفي  والحنبلي إضافة إلى الظاهري الذي بدأ يفرض نفسه بشذوذاته وتشدداته، وكل هذا ناتج عن الخلل والضعف العلمي الذي عرفه التوجيه الجامعي في كثير من جوانبه لدى المؤطرين في جامعات عريقة قد تحسب على العلوم الشرعية خاصة، إضافة إلى تسرب مذاهب ضيقة الفكر و محرفة المعنى من الخارج ،إما عن طريق السعودية أو باكستان وإيران وغير ذلك كالوهابية وفروعها في فكر الجماعات المختلفة ،والتي من أهم ركائزها إسقاط المذهبيات وتبديلها بالمبعثرات والحشويات والإسقاطات، وشحذ النعرات وإذكاء الخلافات وهلم جرا!!!

فتجد الصراع محتدما حول القبض والسدل والجهر والسر والجلوس والانصراف والرفع والخفض وحكم الشعير والقيمة في زكاة الفطر ورؤية الهلال بين الزيادة والنقصان  وهكذا دواليك، وحينئذ تلتقي علل الجامعات مع علل الجماعات ويسري إذاك المرض العضال وتبطل حكمة الشريعة في العبادة والوحدة والاتصال، كما يلغى حكم العقل والقلب في التدبر وإدراك الواجب من الجائز والمحال!.

وعند هذا الوضع البطالي ينكمش الفقه وينقبض العلماء، لأن العامة أو الجمهور قد أصبحت لهم الكلمة الفصل في أهم أركان الإسلام وفروعها، فمن سينقذ من يا ترى ومن سيوجه من !!!؟ والكل يظن في نفسه أنه الداعية وأنه أفقه من مالك والشافعي، بل قد يصرحون بغير حياء وكتقليد غوغائي لأبي حنيفة بالقول: هم رجال ونحن رجال!

ولكن رجال باللحى المكثفة والطبع الصلف والجراءة بغير علم، لا رجال بالفهم والفقه والتقوى والسلوك، واحترام قدسية العلوم الشرعية واجتناب الافتاء بغير علم، كما يروي الشافعي نفسه عن أستاذه الإمام مالك رحمهما الله تعالى: "إني شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"1

فإذا كان المسلمون ومنهم المغاربة قد اقتصروا من العلوم الشرعية على فقه العبادات كممارسة يومية وأيضا في بعض الأجزاء من فقه المناكحات أو ما يصطلح عليه حديثا بفقه الأحوال الشخصية أو مدونة الأسرة،مع السعي إلى بتره أو إقباره من طرف كثير من الأحزاب العلمانية وجمعياتها المزيفة وأيضا بتواطؤ مع بعض المسمون زعما بالفقهاء، فإنه سيكون مآل هذا العلم الشرعي نفسه هو الانقباض والنسيان والتلاشي، وذلك لسببين رئيسيين:

الأول: إقصاء المذهبية الرسمية للمجتمع من التطبيق على مستوى المساجد والمعاهد.

الثاني: غياب أهل الاجتهاد والوعي بالأحكام ودقة الفتوى في التوجيه والضبط الاجتماعي.

 إذ أن هؤلاء الأخيرين هم الذين لهم الحق بحكم التخصص في تقرير هل هذا المذهب أو ذاك قابل للمسايرة الاجتماعية أم أنه يحتاج إلى تعديل وأخذ ما هو أولى أو ما هو مشهور، وما هو ضروري من غيره... إلخ.

ثانيا: الانشطارية العلمية وسلبياتها على تواصل المتخصصين

ولكن أهل الاجتهاد قد انتقصوا أو افتقدوا بشكل ملفت في الكليات والجامعات العلمية الأكاديمية،كما أن أهل التقليد قد تقلص عددهم وحضورهم في الجوامع والمعاهد رغم محاولات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مثلا في المغرب وبعض الغيورين من أصحاب المعاهد المعتدلة سد هذه الثغرة على سبيل المراهنة التاريخية و السياسية ولكن بدون جدوى تستحق الاهتمام وتنعش الأمل في النفوس وتعم بها الفائدة، وذلك لانقطاع سند العلم من جهة كما تحدث عنه ابن خلدون، ولانقطاع المدد المادي للعلم والآفاق المستقبلية لتطبيقه سواء على المستوى الاجتماعي الذي يسوده الجهل والتخلف الفكري والسلوكي، إضافة إلى ضعف الوازع الديني ونقص الورع والتقوى في أوساطه بسبب وسائل الإعلام المضللة من مرئية ومسموعة ومكتوبة مدعمة، حتى قد بدأت الجراءة تصل إلى مستوى الطعن في المعاني القرآنية والأحاديث النبوية وخاصة صحيح البخاري ،باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وذلك بتجريح جامعه وتكذيب نصوصه لأنها مخالفة لأهواء الشواذ من الرجال والنساء على حد سواء، وبسبب أيضا التجهيل والتهميش المقصود للعلماء المستنيرين والغيورين، والتضييق على أهل العلم الجادين في جراياتهم وفي مكانتهم النفسية لدى الجمهور عن طريق الاستدراج وتشويه الصورة الحقيقية للعالم الصالح ودور الفقيه في المجتمع كما سبق وبينا.

أما فيما يخص فقه المعاملات من تعامل كامل وشامل في مجال المناكحات والبيوع (الاقتصاديات) والجنايات وما يندرج ضمنه من قضاء وشهادات وبينات وحقوق وواجبات وحدود وتعزيرات وتكاليف وأهليات...إلخ. فإنه يكاد يكون مفقودا بالكلية في مجتمعنا بسبب اختيارات كثير من الحكام ومعهم الشعوب أيضا. لأنه "كما تكونوا يول عليكم" إضافة إلى تشطير الفقه والوظائف المنوطة به بين الكليات ذات الطابع الشرعي المحض وكليات حقوقية واقتصادية، مما سيؤدي إلى تمييز واضح ومفضوح بين اعتبارات هؤلاء وأولئك، من خريجي هذه الكليات أو تلك. وتكون النتيجة حينئذ أن كلا الطرفين لا هم فقهاء قضائيون ولا هم حقوقيون شرعيون. وإنما العلوم الملقنة بين الجانبين تكاد تمثل بترا من بتر ولثْما من لثْم، ومن ثم اختل ميزان الفهم والعدالة في البلاد وضاعت معه كثير من حقوق الله والعباد.

ومن هنا نتساءل كيف سيصبح الفقيه طبيب المجتمع وهو لا يعمل بفتواه في القضاء ولا في المؤسسات التجارية والمالية ولا في المعاملات العادية من مقتضيات الحياة الاجتماعية وضرورة تقنينها؟!!

كيف سيتطور فقه الأسرة أو الأحوال الشخصية مثلا، والذي تثار حوله المجادلات ويسعى الكثير إلى إسقاط أحكام شرعية راسخة من مكوناته وإقصائها بأقوال وأهواء بشرية ،لا هي عقلية سليمة ولا واقعية مستديمة ولا عادلة حكيمة. وحتى اللجان المعينة للنظر في بنود المدونات والقوانين قد تعطي لنا صورة واضحة لهذا الخلط والمزج والتنافر بين أعضائها ،وتؤكد العلل التي تحدثنا عنها حول مفهوم الفقيه ومكانته والحقوقي وانشطاريته الاجتماعية وغربية تصوراته...! إذ كيفما كانت النتيجة والصيغة المتفق عليها سابقا أو لاحقا فإنها لا بد وأن تأتي مشوبة بعلل تحتاج معها إلى تصحيح تلو الآخر حتى لا يبقى منها سوى الغلط والخطأ!

ومن هنا أيضا فكيف سيستقيم هذا الفقه وهو منشطر ومنفصل عن ضوابطه الشرعية في باب الحدود والجنايات وباب الضرورات والمقاصد والمصالح المرسلة والاستحسانات مما يعد أهم الآلات والقواعد الاجتهادية عند الفقيه والقاضي على حد سواء؟

لاشك أنه سيبقى فقها معطلا رغم أنه في الظاهر يبدو وكأن الدولة أو المجتمع قد يعتمدان بنوده وقواعده كقانون في التقاضي والتراضي وتبرير عمل بعض البنوك المالية مثلا والمسماة بالتشاركية وغيرها، لأن الفقه الإسلامي بعناصره مرتبط ببعضه ارتباطا قويا وبأسلوب رياضي حتمي لا يمكن حذف رقم ضروري في معادلته، وإلا انهار البناء وجاء الاستنتاج سلبيا وخاطئا.

 إذ المعادلة تقتضي أن يكون القضاء من جنس الفقه روحا ونصا، أما أن القضاء في واد والفقه في واد آخر والحكم في واد والمجتمع معطل ومحصور بين الوديان، فهذا مما لا تقبله عقول الصبيان والحيوان بله عقل الإنسان المتحضر والمتصدر للعمران!

ومن هنا فلا لوم على العلماء إذا لم ينتجوا ولا على القضاة إذا لم يحكموا بعدل، ولا على العوام أو الجمهور والمجتمع إذا لم يستقم ولم ينتظم، لأن الخلل قائم من علاقة الرؤوس بالأقدام وبين تسطير الأقلام وما يدور في الأفهام، فبات العلماء الصلحاء مقصيين وبطاليين بالقصد والتخطيط مع سبق الإصرار والترصد حسب اصطلاح الحقوقيين من المحامين، وبالتالي محاصرين بين مطرقة الحكام وسندان العوام فعلى من يقع يا ترى هذا الملام!؟

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.....................

1- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1 ص 33.

 

قاسم حسين صالحتصريح

كشفت مفوضية حقوق الانسان في (4/5/2021) عن ارتفاع الوفيات في عام (2020) بنسبة (8.5) بالمئة، وأنها في تصاعد متكرر للعام الرابع على التوالي.. وعزت دوافع الآنتحار الى اسباب اجتماعية ونفسية واقتصادية.

تعليق

بوصفنا سيكولوجيين متخصصين في الانتحار فأننا كنا حذرنا ودعونا الحكومة والبرلمان لمعالجة تزايد حالات الانتحار في العراق عبر خمس مقالات ودراسات بينها (ما هكذا نقدم للعالم انتحار شباب العراق-8/1/2018) و(أربعة اسباب وراء ظاهرة الانتحار في العراق – 15/10/2020).. وعبر فضائيات (الشرقية، الحرة، روداو..).. وكالعادة فان البرلمان والحكومات لم تستجب وكأن الأمر لا يعنيها، الا مجلس محافظ بغداد الذي عالج الآنتحار بحل مبتكر هو (بناء اسيجة على جسور بغداد لمنع الشباب من الانتحار!)

ومع ان مفوضية حقوق الانسان معنية بهذا الشأن ورسمية تابعة للبرلمان، فانها اعلنت ان دوافعه اجتماعية نفسية واقتصادية دون ذكر من كان السبب في تضاعف حالات الانتحار.ولها وللبرلمان والحكومة نقول.. ان احزاب السلطة هي المسؤولة.. ليس فقط عن تزايدها، بل وعن الاستهانة بأرواح الناس في عدم معالجتها.

وكنا وعدنا في نهاية مقالنا الأول ان نتحدث عن الانتحار بلغة العلم.. وها نحن نفي بما وعدنا.

توطئة

من بين أكثر الموضوعات إثارة للدهشة، أن يقدم الإنسان على " نحر" نفسه! فنحن نندهش من تلك القدرة الغريبة التي تمتلك الإنسان، فتولد لديه الإصرار على أن ينهي حياته بقتلها !. والأغرب ما في هذه القدرة لحظة تنفيذ هذا الإصرار. إنها - في اجتهادي - أفضع مأساة تراجيدية تمثّل فعلاً على مسرح الحياة البشرية، يكون فيها " البطل " هو القاتل والقتيل معاً!. ونتساءل: لماذا يقتل الإنسان نفسه ؟ هل يكفي أن يفقد الإنسان الأمل في الحياة ليغادر هذه الحياة ؟ وهل إذا حلّت به آلام " فرتر" أو " سيزيف " أو " روميو " أو " جوليت " فأنه لا خلاص له منها إلا بقتل النفس ؟!

وحتى لو حسبنا الحياة على ما يرى أبن الرومي حين قال :

فلا تحسب الدنيا اذا ما سكنتها & قرارا فما دنياك غير طريق

أو ليس من الأجدى أن نسير في هذا الطريق على مهل لا أن ننطلق إلى نهايته مثل رصاصة ؟!

الانتحار .. قديماً وحديثاً

يرتبط الانتحار بالموت، وللمجتمعات والمدنيات القديمة فلسفاتها في الموت. فالفيثاغورسية تؤمن بالتناسخ والخلود، حتى أن فيثاغورس نفسه ادعى في زمانه بأنه متجسد حينذاك للمرة الخامسة ! والبوذية تعتقد بان المثل الأسمى الذي يمكن أن يصبو أليه الفرد هو الوصول إلى حالة " النرفانا " أو " العدم العام " أي فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة. فالوجود شرّ على الإنسان، فيما ينظر البابليون إلى الموت على انه مخيف. ولم يبدو على السومريين والاكديين انهم فكروا بأن الموتى يحيون، بل يبقون موتى إلا الحكّام فهم الذين يعيشون حياة أخرى، ولذلك يدفن معهم مرافقوهم وزوجاتهم وحاشيتهم وحرسهم وعدتهم.

وقد حرّمت الأديان قتل النفس، وإن تباينت في توكيد التحريم. فالمسيحية أصدرت قرارات بتحريم الانتحار عام (639م)، وقبلها وبعدها جاء في بعض موادها : " إن الانتحار جريمة وخطيئة "، فيما يعدّ الدين الإسلامي اشدّها توكيداً بتحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة بذلك: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: " لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته. والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!

وسيكولوجيا، هنالك اربعة منظورات تختلف في تشخيص أسباب الانتحارهي:التحليل النفسي، السلوكي، الأجتماعي الحضاري، والوجودي، وفلسفات حديثة (الوجودية بشكل خاص) ناقشت مسائل أساسية في معنى الوجود والحرية والالتزام والحياة والموت في الوقت المناسب!، يمكن الأطلاع عليها في كتابنا (الأضطرابات النفسية والعلقية).

الانتحار.. عالميا و.. عراقيا

  هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص ينتحرون كل عام، أي بمعدل شخص كل 40 ثانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

 يعدّ الإنتحار ثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي عام 2015.

 تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 78% من حالات الإنتحار في العالم.

 معدلات الإنتحار أعلى في الرجال عنه في النساء، بمقدار ثلاث الر أربع مرات.

 وفقا لمنظمة الصحة العالمية لقائمة الدول حسب نسب الانتحار، احتلت اليابان الترتيب التاسع (36%ذكور، 13%اناث لعام 2004).وسويسرا- افضل دول العالم لعام 2018، الترتيب 22(24%ذكور، 11%اناث لعام 2004).وجاءت الكويت بالترتيب (89)، سوريا(98)، مصر (100) ولم يرد اسم العراق(ويكيبديا).

وكنا اشرنا الى ان الأسباب التقليدية للانتحار بمعدلاته العالمية، تتحدد بأربعة:

 البطالة في قطاع الشباب،

 تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية،

 الأصابة بامراض نفسية او عقلية،

 وعادات وتقاليد اجتماعية متخلفة.

وان متابعتنا وبحوث اكاديميين اشارت الى شدة هذه الأسباب التقليدية، وظهور اسباب عراقية جديدة لتزايد حالات الانتحار حددناها بـ: (توالي الخيبات، الشعور بالحيف والندم، الأكتئاب واليأس، فشل السلطة واستفرادها بالثروة، القتل هو الردّ، واشاعة الأحباط عبر وسائل الأعلام). 

الأنتحار .. عراقيا.. شواهد

  شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة، كانون الثاني 2016)

 حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان ).

 كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن 25 سنة (السومرية نيوز، ايار 2013)

 نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013(القدس العربي).وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي: تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام(2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي(الحرة عراق، 5/7/2017).

 اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى).

 حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة(غوغل).

 اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة ( RT).

 تلك الشواهد الموثقة تشير الى أن مفوضية حقوق الأنسان كانت قد اعترفت بأن تزايد حالات الأنتحار بدأ في عام (2014)، وأدلة اخرى تشير الى انها بدات من عام (2010).. فما الذي فعلته المفوضية خلال عشر سنوات، هل طالبت بعقد جلسة لمجلس النواب لمناقشته وهي مرتبطة به؟.. هل استجابت لدعوات علماء النفس والأجتماع بعقد مؤتمر يحضره اكاديميون مستقلون وخبراء في الجريمة يتوصلون فيه الى توصيات تلزم الجهات المعنية بتنفيذها؟.. وتأتي في العام (2021)! لتعزو اسباب تزايد حالات الانتحار الى عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية.. دون ان تحمل احزاب السلطة مسؤولية جريمة راح ضحيتها شباب وشابات قتلوا انفسهم برصاصة او شنقوها بحبل او حرقا او بسم قاتل! ما كان لهم ان تكون نهايتهم هذه لولا حكام خائني ذمّة وضمير استفردوا بالسلطة والثروة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

طلحة بشير غائية علم الاجتماع كانت قضية مرهونة بالفترات الأولى لتأسيسه، والتي كانت تسعى لتبرير إيجاد هذه المعرفة الجديدة التي تستطيع أن تقدم الكثير للبشرية حسبما ترجمته أعمال "كونت" و"دوركايم" فيما بعد، وكل السوسيولوجيين الكلاسيكيين والمحدثين تباعاً، ممّا جعلها تلخّص مجمل المساعي العلمية للعديد من السوسيولوجيين، والبحث عن إجابة حقيقية لما يمكن أن يقدمه علماء الاجتماع لمجتمعاتهم، ولم أشأ هنا أن أعرض كل الطروحات التي قُدِّمَتْ في هذا الشأن، لأنّه ليس هذا مُبْتَغَانَا، بل إعادة طرح هذا التساؤل انطلاقا من الواقع المعيش، الذي يحتّم إعادة طرحه بالنسبة للمشتغلين بهذا العلم وخاصة في مجتمعاتنا العربية، لذلك تراوحت مجمل هذه الأعمال في إجابتها عن هذا التساؤل بين إثبات علمية هذا العلم من خلال خلق معرفةٍ علميةٍ قادرةٍ على فهم وتفسير ديناميكية هذه المجتمعات، وبين نشر الوعي والتأسيس للنقد الذي سيصبح إيديولوجية متبنّاة من طرف الباحثين والتغيّر الذي يعدّ أملاً مرجوًّا، لذا سنقدم إجابتنا عن هذا التساؤل من خلال الواقع الذي يعيشه علماء الاجتماع ووضعيته داخل مجتمعاتنا، مع إدراكنا أنّ هذا الأمر يتطلب جهداً أكثر عمقاً وتحليلاً.

أيّهما بحاجة إلينا، المجتمع أم الدولة؟:

تظهر الإشكالية الكبرى في التراجع المستمر لدور الجامعة من دورها الريادي في تكوين النخب القادرة على قيادة المجتمع إلى انحصارها في التعليم والتلقين لأبجديات هذا العلم، وبذلك تتوسّع قاعدتها أمام انحصار هذه المهمة، وتتجاوز كل المعايير المتعارف عليها كمّيًّا وأفقيا (عدديا) ، من خلال فتح العديد من تخصّصاته وتوزيعها مَجَالِيًّا على البلاد استجابةً للطلب المتزايد الذي يراعي التوازن بين جهاتٍ مختلفة، وأمام هذا الوضع، سيصبح النظام الجامعي عاجزاً عن تقديم مهمّته الثانية والمتمثلة في إيجاد جيل قادر على التفكير والتعاطي مع مشاكله وعلاجها بسبب المناهج التعليمية المنتهجة وللأسباب السابقة الذكر، وبذلك تنحصر مهمة الجامعة في تقديم ثقافة عامة عن أدب أو تاريخ سوسيولوجي للاستئناس، غريب وبعيد عن الواقع، وهو ما سيجد المجتمع نفسه في غِنًى عنه، فإذا افترضنا غياب الآلاف من المتخرّجين من جامعاتنا ومعاهدنا من هذا التخصص، فلن يُحدث ذلك فرقاً يُذكر في المجتمع، بل سيستمر المجتمع وهو يثبت لنا بأنّه في غنًى عن هذه المعرفة البعيدة عن الواقع، فما يحدثه طبيب واحد من أثر يعوّض ما يحدثه الآلاف المتخرجون من جامعاتنا في هذا التخصص، وبهذا نلجأ ونرتكن إلى الدولة ومؤسساتها بحثاً عن مكانةٍ ودورٍ يستطيع من خلاله المشتغلون بهذا العلم إثبات وجودهم مهنيا واجتماعيا، وهذا المسعى والاختيار يكون مرهوناً بإرادة الدولة وسياستها وليس بإرادة الأفراد .

أصنام الدولة ومعاول الهدم:

موضع الندّية الذي خلقه المشتغلون بعلم الاجتماع في عالمنا العربي تجاه الدولة الحديثة، باعتبارها كياناً جديداً وغريباً في نفس الوقت استطاع أن يستحوذ على كل الرساميل (الرأسمال الاجتماعي الثقافي) ويسعى إلى تطويعها، خلق خطاباً عدائياً شغله الشاغل هو تفتيت بنية وتركيبة هذه الدول ذهنيا وسياسيا، ووجد سنده في ذلك في الاتجاهات الكبرى لعلم الاجتماع التي ارتبطت بتأسيسه بين المحافظة والراديكالية، لذلك فعمليات الهدم المتتالية التي سيقوم بها علماء الاجتماع والتي ستولد راحة نفسية لديهم، ستوسع الهوة بينهم وبين الدولة والأنظمة السياسية القائمة والتي ستجعلهم يتبنون موقف المعارض الدائم لهذا الصنم والمجبرين على تحطيمه كلّ مرّة.

هذه الحالة العدائية أو غير التصالحية ستفرز ردّات فعل باتجاه التطويع وعمليات الإدماج الممنهجة للمشتغلين بهذا العلم أو الرفض والتهميش.

أنا أنقد إذن أنا موجود:

وهي مهمة تمّ تبنيها والإيمان بها من طرف العديد من علماء الاجتماع والمشتغلين به في عالمنا، فالنقد في الغالب يتطلّب موقفاً، والموقف يتبلور في الغالب من طرف من تبنّوا هذا الاتجاه من خلال مفهوم الهيمنة للأنظمة الرأسمالية والطبقية، والتي تتطلب جرأة في الطرح والتبني، بخلاف مجتمعاتنا التي يغيب فيها هذا النوع من الأنظمة، ويصبح النقد مؤسساً كمحاكاة لوضعية اجتماعية مخالفة لمنظومتنا، فالأنظمة السياسية عندنا تسيطر على مخيلاتها الصورة المتولّدة من الأنساق الثقافية الاجتماعية والتي بالنسبة للأنظمة الملكية يعدّ نسق الشيخ والمريد الذي يفترض الولاء والطاعة، كما أوضح ذلك عبد الله الحمودي كنسق ثقافي ميهمن، يؤثر في المخيال السياسي ويسعى إلى إعادة إنتاجه، فيما يخصّ بعض المجتمعات وخاصة المجتمع الجزائري، يبدو أنّ المخيال الاجتماعي الذي يكرس دور الأب المعيل، والذي يظهر الشفقة والرحمة حيناً والتسلّط والعقاب أحيانا أخرى هو ما يحكم مخيلة السياسي، لذلك فالنقد ليس بالضرورة هو تبني موقف المعارض، بل تحديد الوضعية التي يمكن أن يقف فيها عالم الاجتماع لتعطي رؤية أكثر وضوحا عما يحيط به.

الوعي الزائف:

ارتبطت فكرة صناعة الوعي وإيجاده بالتوجّهات الاشتراكية اليسارية المناضلة، وهي إيديولوجيا نشأت في ظروف وسياقات اجتماعية وفكرية خاصة، سهّل مهمتها إيمانها بإحداث تغيرّات هامة في الأنظمة الاجتماعية من خلال النضال المستمر والمحكوم برؤية معينة، وهذا ما ترجمته الانخراطات المتتالية للمشتغلين بهذا العلم في مساعي تحقيق هذا الهدف الذي بات مطلبا محليا ودوليا، ولكنّ المهمّة التي أصبح يُعبَّر عنها بنشر الوعي، ويتمّ تجنيد المنخرطين والمناضلين لها، تراجعت مع انحصار حركات التحرر والنضال، وأصبحت مهمّة نشر الوعي مهمّة مشتركة بين العديد من الفاعلين في مجالات مختلفة، ووسعت وسائل التواصل الحديثة هامش إشراك فئات وفاعلين لا منتمين فكرياً وعلمياً وحتّى سياسياً لأيّ جهة كانت، بل يؤمنون بأنّ الوعي يصنع من خلال الفكرة التي يتمّ ترجمتها بالفعل يراه الناس ويلمسونه.

من القطيعة الإبستمولوجية إلى القطيعة الاجتماعية:

مستوى ممارسة القطيعة فكريا والذي يتمّ التأكيد عليه في مناهج هذا العلم، انعكس عمليا بحكم التخصص من طرف الباحثين عن شخصياتهم الاجتماعية، وخلقَ هوة كبيرة بينهم وبين مجتمعاتهم، فممارسات الفهم والتنظير لا تتجاوز جدران مكاتبهم، كما خلق ازدواجية في الشخصية لديهم تطلّبت للتعاطي مع المجتمع ضرورة نزع عباءة عالم الاجتماع، هذه الحالة الفصامية ستؤثر لا محالة على أفكارهم وتعيق عمليات الفهم والتحليل، لذلك تجدهم مجبرين على تتبع التناولات العديدة التي يجدون فيها ضالتهم، مستبعدين في ذلك مجتمعاتهم القريبة مجاليا والبعيدة ذهنيا .

التنبؤ المهمة الغائبة:

كان أستاذي "ع بوزيدة" يقول أنّه:" إذا كانت هناك وظيفة لعلم الاجتماع مستقبلا لا تعدو أن تكون سوى التنبؤ بالمستقبل"، إشارة إلى أهمّية دراسة المناهج المستقبلية، وهي دعوة باتت تجد لها مكانة ضمن التغيرات المتتالية والمتسارعة، والتي أظهرت قصوراً وعجزاً في تدخل السوسيولوجيين في دراسة وتتبع حيثياتها، بل لاحظنا التدخلات المتأخّرة للمشتغلين بهذا العلم ، وحتّى دعوات الاهتمام بالأحداث اليومية والتي خلقت سوسيولوجيا اليومي، لم تستطع تجاوز هذه الإشكالية مما وضع علم الاجتماع في أزمة حقيقية كتب عنها الكثير، وهذا ما لاحظناه في واقعنا من قصور التنبؤ حول حدثين بارزين أثّرا بشكل مباشر في سيرورة الأحداث  الأوّل عالمي وهو الجائحة، والثاني محلّيّ وهو الحراك الشعبي بالجزائر، بالنسبة لهذا الأخير كان التنبؤ ببروزه غائبا حتّى عند أكبر المشتغلين بالحركات الاجتماعية والاحتجاجات، إنّ هذه الوضعية الحرجة التي يعيشها علم الاجتماع في مجتمعاتنا تزيد من تفاقمها تلك المناهج والتناولات التجزيئية للعلوم نظرياً ومنهجياً والاستقلالية التي ما بات ينادي بها الكثيرون، لدرجة إقامة القطيعة بين تخصّصات تنتمي إلى نفس الميادين، وهذا ما تمّ تجاوزه في العلوم الغربية من خلال التناولات والمناهج الحديثة التي ألغت الحدود والحواجز بين التخصصات.

نشير في الأخير إلى أنّ الموضوع يحتاج إلى تأسيس علميّ من خلال الوضعية التدريسية والأهداف العملية للسوسيولوجيا ودورها في مجتمعاتنا، آملين من المشتغلين بهذا العلم أن يقوموا بمراجعات حقيقية في توجهات ومناهج وكذا نتائج هذا العلم في مجتمعاتنا.

 

د. طلحة بشير - استاذ محاضر بقسم علم الاجتماع

الجزائر

سامي عبد العالفي بعض مناسباتها العالمية مع كلِّ عامٍ، ربما يبزغُ السؤالُ التالي: هل تحتفل الفلسفة بنفسها؟! ومن ذا الذي بإمكانه حضور الاحتفال؟ بل وكيف سيتم الاحتفال ابتداءً؟!... الفلسفة بخلاف أي نشاط عقلي لا تحتفل بذاتها (أو هكذا يتم). لا تحتفل كعجُوزٍ بلهاء (أمُ العلوم قديماً) تُطلق صيحات الظفر (الزغاريد) بعريس شاب (العلم - التكنولوجيا) تطَّلُعاً لأحفادٍ جُددٍ. فهي من تلك الجهة (شمطاء عاقر) لا تلد، ولم تحاول مرة ثانيةً في هذه الاتجاه إلاَّ على استحياء بعدما تطورت العلوم معلنةً العصيان العنيف في أحايين كثيرة. إذ لم تخلو مقدمات للعلوم المعاصرة من" نقد قاسٍ" للفلسفة، كأنَّها تحاول الثأر المكبوت تاريخياً من الأم الرؤوم في وقت من الأوقات (وما أكثر عقوق الأبناء!!).

حدث هذا تدريجياً حتى تخلت الفلسفة عن دور الرقيب أو التلصص المعرفي، ولاسيما مع الابداع الفلسفي (الراهن) كحالةٍ كونيةٍ تستحث إنسانية الإنسان وتفكك حتميات الفكر والمعرفة والأيديولوجيات والمذاهب وترتاد مناطق المسكوت عنه في المجتمعات والثقافة وتطرح ما هو مجهول في عوالم الافتراض. بل قطعت الفلسفة أشواطاً بعيدة عن هذا المعنى كذلك، إذ غدت تتضمن أفكاراً تهدم نفسها بنفسها (أي غدت طريقاً نوعياً في هدم ما تقول وتبني)، ثم تتجدد ذاتياً وفقاً لألياتٍ ومعايير التفلسف الحُر. أي أعادت الفلسفة النظر بنفسها فيما كانت تمارسه، وهذه المهمة باتت تمثل ألف باء التفكير الفلسفي، حيث شرع الفلاسفة في تحديد أُطر أكثر رحابة وجذرية لإنسانيتنا الراهنة.

إنَّ الفلسفة قدرةٌ خاصةٌ على كشف مناطق العتَّمة في حياتنا، ترمِّم الوجود الإنساني بوصفها دعوةً عقليةً مفتوحةً لما يُشبع فضولنا الأوسع. حين يتفلسف المرءُ، فهو يُفسح مجال نشاطه مُلبيَّاً نداء ما هو إنساني داخله. ولا يعود دون تجديد أُطره النسقية التي ترى الأطراف من أعلاها إلى أدناها. عليه أنْ يستحق مرتبة الإنسان الحر كماهيةٍ لوجوده الحق، وألَّاَ يكون مجرد كائن خالٍ من الحياة والمصير. إنَّ امتلاء إرادتنا الحرة وعقلنا الخلاَّق- بافتراض ذلك- شرطان لا غنى عنهما لاستقبال الزمن. ولكي نوجد على خريطة الحياة، لابد أن نضع ما نصنع بعمومية اللفظ قيد التساؤل.

المجتمعات (التي تعترف بمساحةٍ للفلاسفة) هي مجتمعات تتمرن يومياً على المصير وكيف تتوقعه وبأي سيناريو سيتحقق، (أليست الفلسفةُ - أفلاطونياً - تمارين قاسية على الموت، الذي هو الحياة وجهاً لوجه؟!). إذن الفلسفة ترمق أخطار الوجود البشري كآثار غائرة تهجس بمشكلاتها الخاصة، لأنَّ تفكيراً فلسفياً يطلعنا على مستوى الضرورة في أعماقنا وكيف تتحول. إنَّ الحياة الغُفْل نومٌ عميق وكوابيس بحجم التاريخ الزاحف كثعبان الأناكوندا المفترس (Eunectes) أو أفعى الكبرى القاتلة (Naja).

وقد لا يخطئُنا الصوابُ إذ نقول إنَّ الفيلسوف مُروِّض ثعابين بالدرجة الأولى (ثعابين المفاهيم والعقائد المتطرفة والأخيلة والانماط العنيفة والأفعال الكبرى التي تخيم في حقبة من الحقب التاريخية). إنَّه كفيلسوف يخرجها من أدغال الثقافة والسياسة والأحداث مترقباً شراستها وتحولها وكيف تعيش في المجتمعات. ويعرفنا الفيلسوف أيضاً- وسط هذه الظروف- كيف تلدغ وخطورة السموم التي تحملها. هناك سموم تدمر الأعصاب، وهناك سموم تحدث شللاً، وأخرى تسمم الدم، وغيرها تسبب عماءً لا مهرب منه، وهناك سموم تقتل على الفور، وهناك سموم تبقى بالجسم فترات طويلة!!

ما أكثر ثعابين التخلَّف والفوضى والعنف والإرهاب والاستعباد والقهر والديكتاتورية التي تلدغ مجتمعاتنا الإنسانية في لحمها الحي. أشياءٌ تضرب بأذيالها أنسجة الحياة وتتمدد حيث لا نلتفت إلى جذورها وأبنيتها الغريبة. الفلسفة تدربنا حثيثاً حول تلك المسألة: كيف نفكر بهذا الكُّل الذي يتكون، وبأية صورة نلتقط تعقيده وانفكاكه على صعيد عام. التفكير هنا كالإحساس الغريزي (للأحياء) بحركة الحياة والموت في دورانهما الأقصى. أي العيش وفق الكل كما كان اللوغوس logos لدى هيراقليطس يطلق العنان لحياة الحكمة الدالة ومعرفة الفيزيس (الطاقة النامية physis) في جميع الكائنات.

إنَّ هناك قانوناً كلياً يربط الكائنات المختلفة ويربطنا بأخطار تاريخية نصنعها بأنفسنا عبر المجتمعات المعاصرة. مثل زيف الوعي وانتشار الجهل واحتقار العقل وبلادة أنظمة الدول وركود التعليم وتضخم الأوهام وأسواق التفاهة وشراهة الاستهلاك وافقار العقول وعُري المشاعر وتحول البشر إلى كائنات بلهاء. هي إفرازات وفضلات لا نستطيع تجنبها للأسف وكذلك لا نعيش دونها. تلك الأرجوحة البشرية المتناقضة التي تغطي جوانب العصر. فالثقافة ليست تراكما محايداً هنالك خارج إمكانية العودة خلال حياتنا من أبواب خلفيةٍ، لكنها كيانٌ حي ضخم نصنعه ليتحول كالثعبان الذي يلتهمنا مرة أخرى. الفيلسوف هو من يحمل مزماره صافراً ولاعباً على علاماته وتوجهاته أمام الجماهير، بحكم أنَّ كل فلسفة لا تخلو من مهمة ترويض الشراسة الموجودة في آفاقنا الإنسانية.

ها أنا اتخيل هؤلاء الحُواة (لنلاحظ فيها دلالة الحياة والاحتواء والحي والحيل) الذين سيقفون في ساحات عامة وسيتحلق حولهم الناس مشدوهين ومضطربين، بينما هم منهمكون في اخراج الأفاعي انسياباً من الجراب والشقوق والرقص معها. وكأنَّ هؤلاء يؤدون طقوس عالية الدقة والمخاطرة والسرية. كلُّ فيلسوف مبدع له القوة والاحتمال ذاتهما أمام الجماهير لإخراج بواطن التصورات والأفكار من مخبأها الغامض. كان الفلاسفة في أصالتهم اليونانية مشائين عظاماً، ولائهم للأقدام والأقدار والخطوات وما تحققه من أفكار رغم كونهم يخاطبون العقول. وأبداً لا يختلط لديهم الحذاء بغطاء الرأس، حيث لا يليق بأي انسان أن يكون الغطاء جهلاً بالمفاهيم أو وعياً آسنا خارج عصره (كحال السلفيات الدينية والديكتاتوريات السياسية الراهنة).

لعلَّ لغتنا الحية التي نتوارى خلفها هي جراب الوجود الإنساني (كل شيء في جوف الفرا). فليس أعقد تركيباً وأكثر خصوبة لموطئ الوجود والتاريخ من اللغة. وليس يفعل بها ويصنع منها شيئاً ذا قيمة (لو نتخيل) قدر ما يطلق الفيلسوف صيحات العقل كرَّحالٍّ (مشَّاءٍ) في دهاليز وشوارع المدن باحثاً عن المجهولات. تلك التي لا ندركها بسهولة من أول وهلةٍ ولكنها تؤسس لعالمنا وتواصلنا وتقنياتنا وعلاقاتنا العمومية. وهي بعض المهمة التي قد يؤديها حالياً الفكر الإنساني العميق على بعض صفحات (الفيسبوك وتوتير وانستجرام وغيرها).

فهذه (الأدوات- الوجُوه) هي كتاب الوجود الراهن (لوغوس الواقع الافتراضي). يمكن لكل انسان أنْ ينعكس فيها، بيد أنها تُؤسس لحرية الفهم والاختلاف والشفافية. إنَّ بعض وسائط التواصل الاجتماعي هي شوارعنا التي فتحناها في أقاليم الكون الخيالية، هي بمثابة الوجوه البديلة التي نقابل بها الآخرين صباحَ مساء. ورغم كمية التلون والتنكر المنطوية عليها إلاَّ أنها وسائط ربما في يوم من الأيام ستجدد وظائف الفلسفة. وربما سيأتي اليوم الذي تشهد فيه وسائل التواصل الاجتماعي (فلاسفة جوالِّين افتراضيين) يطلقون أفكاراً تحرر الإنسان من عوامل قصوره. وسيكون هذا الانسان منصتاً فاعلاً لنوع من العقلانية الافتراضية التي تؤثر عليه أكثر من السياق الذي يعيش خلاله.

إنَّ السكوت عن المجهول حولنا هو صمت مريع حول: ماذا سيحدث غداَ؟! رغم أننا فلسفياً ربما ندرك أنَّ كل إمكانية تأتي من هنالك وأنَّ لها علامات يجب سبر غورها وتحيُّن قدومها بأي وقت مثل تحين الثمار المنتظرة!! فاستنطاق الصمت الذي يملأ ما يُوجد هو المهمة التي تنتظر المتكلم وفق قواعده. لأنَّ أي صمت لا يحتاج ضجيجاً وإلاَّ لهرب إلى شقوق الواقع وأحداثه. الصمت له أبلغ الكلام شريطة حُسن التعامل معه وإطلاق معاني مبتكرةٍ لاصطياد خلساته النادرة.

الفلسفة تضيء كالنور الآتي من بعيد دون أنْ تزاحم الآخرين على الظهور. المزاحمة هي اشتراك بين أطراف في شيء معروف وقابل للتكرار وممكن تعميمه. بينما ترفض الفلسفة على وجه الإجمال الاثنين (المزاحمة وهوس التكرار)، فهي ضد أي ابتزاز فكري وكرنفالي باسم العقل. لو أنَّ فكراً قد زاحمَ فكراً آخر، فلا يجرى الأمر سوى بالاقتتال المنطقي، وسينقل الوضع إلى صراع وجودٍ. وسيكون الفكران نوعاً من العنف بينما واقع الحال يقول إنَّهما وجهان ثريان لاختلاف العقول. الفلسفة – من ثم- استثناءٌ غير قابل للمزاحمة من جهة الأصالة العقلية تبصُراً وكشفاً. هي تتجنب الشيء المعروف: لكونه ليس حقيقياً على الدوام، وقد يصبح عبئاً أمام الانسان. وكذلك تنتقد الشيء القابل للتكرار، لأنَّه يواري سوءة الفكر باعتباره أشبه بمركبة نقل عام!!

الفلسفة في كلِّ زمنها احتفاءٌ حُر من غير أنْ تفعل، احتفاءٌ دون طقوس شكلية، فالعتمة حين تُضّاء (على طريقة مصباح ديوجين اللائرثي) إنما تعدُّ ضرباً من الإبهار الاستثنائي. حالياً الواقع الافتراضي virtual reality هو مصباح ديوجين المتأخر، ففي أي وقتٍ يُضيئ العالم كلَّه، وفي أي مكان يتحرك مثيراً الدهشة والخيال والهواجس والأخطار. وفي هذا ستكون الفلسفة فعلَّ ابهار عقلي واحتماله الافتراضي الفذ. النشاط الفكري الحي يجعل وجودنا أكثر ثراءً وزخماً من ذي قبل. وكأننا نتعدد لحد التباين في حياتنا الفردية. الفلسفة بذلك ستضع مسيرتها ومسيرتنا العقلية تحت أنوار مختلفة كما لو كنا نراهما لتوِنا فقط.

إنَّ اجراس الفلسفة ستُقْرع على هيئة نواقيس هذه المرة، لأنَّها ستواجه في مجتمعاتنا العربية صدوداً غير مبرر. دوماً نقول للآخر المتكلم أو الفاعل في مضمار الأفكار: " بْطّل أيا هذا فلسفةً ". وترجمة العبارة ثقافياً هي (أنَّ الفلسفة باطل)، أي كُّفْ عن التفكير ولا تناقش ولا تحاور ولا تطرح ما تريد. لأنك إذا فعلت ستدخل دائرة الباطل والباطل عادة كان زهوقاً، وإنْ انتقدت، فستحل عليك اللعنات الحاضرة والغائبة إلى قيام الساعة. والخلط واضح بين معاني الدين والفكر، حتى أنك لا تستطيع التساؤل لمجرد المعرفة: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تبدَ لكم تسؤكم) كما يعمم الفقهاء والمتحدثون في الشئون العامة أحياناً. فلقد تمَّ تحريم وتجريم الأسئلة السياسية والفكرية والاجتماعية، رغم أنَّ القرآن لا يقصد النهي عن الأسئلة الفكرية والحقيقية تحديداً!!

فالسياق المنهي عنه تبدَّل ثقافياً حتى شمل هذه المجالات الحياتية بفعل الأنظمة المستبدة والداهسة لوعي الإنسان. وبالتالي كما ييتم الترديد: ليكُّن وضعك أيها الإنسان كما أنت: سامعاً مطيعاً خانعاً بلا رفض ولا تذمر. وكأننا نتحدث لأموات وليس لأحياء. لنلاحظ في هذا المناخ: أن خطباء الدين يتحدثون لأموات يشهدون كلامهم على الملأ، بينما رجال السياسة يُسْمِعُون من في القبور، أمَّا رجال الإعلام، فيلقنون الجماهير دروساً في الوطنية والهوية كشيوخ يلقنون أمواتاً إجابات لملائكة العذاب. ثم يأتي هؤلاء المسؤولون الرسميون أو أولئك كالسائلين: "ناكر ونكير" أثناء عذاب القبر ... من ربُك السياسي؟ من تؤيد في دائرة السلطة؟ ما دولتك؟ وما هو نظامك السياسي؟ لماذا لعنت ظروف الحياة مرةً بعد مرةٍ؟ وهل عصيت الحاكم الواقف فوق كتفيك يوماً ما؟ هل خرجت على النظام العام ولو في خاطرك؟! .... والإجابات معروفة بحسب التلقين الثقافي للأدمغة الفارغة.

كيف تحتفل الفلسفةُ إذن بمنجزاتها؟! نحن العرب حاضرون فلسفياً بلا فرح ولا انجاز ولا موضوع (لا عريس ولا عروس) إلاَّ بحكم الزمن فقط (والمثل الشعبي يقول: العروسة للعريس والزفة للمتاعيس، أي لهؤلاء المتفرجين). الفلسفة لدينا بهذا الحال يحب أنْ تكون تمارين لإحياء الموتى وإزالة كآبة الواقع. فلئن كان اليونانيون القدماء يتدربون فلسفياً على الموت من باب العزاء النفسي والعيش في حالات الاطمئنان والسكينة، فالمجتمعات العربية يجب أن تتدرب فلسفياً على الحياة. عليها أنْ تعيش عصرها، أن تُفعِّل حاضرها إلى أقصى مدى وتدخُل نطاق الثقافات العالمية بإسهامات تليق بإنسان العصر.

على الفلسفة لدينا أن تكون بمثابة فن إحياء الأرض الموات بلغة فقهاء الإسلام (إحياء أرض العقل وأرض الثقافة وجدب الحياة)، أي أهمية بعث الوعي من الأجداث التي تكبل حركته تاريخياً وكأنَّها قدرٌ مشؤوم!!

 

سامي عبد العال

 

صلاح حزامالشهادات العليا وإن تشابهت بالأسم، الّا انها تختلف في مستواها واهميتها وقيمتها العلمية بين شخص وآخر.

فالبحث للتحضير لدرجة الدكتوراه، مثلاً، يعتمد في مستواه وقيمته العلمية على عدة عوامل، من اهمها شخصية وطبيعة الباحث ومدى حبه وشغفه وايمانه بموضوع البحث . كذلك باقي طبائع هذا الباحث في حياته عموماً، كالدقة والتمحيص وطول البال والتأني والنزاهة والموضوعية واحترام النفس. واحترام التزاماته كشخص سوف يطالبه المجتمع بما هو جديد ويعتمد على آراءه في مجال اختصاصه ..

كذلك تلعب شخصية وطبيعة الاستاذ المشرف ومدى جديته واخلاصه في عمله ومدى علاقته بموضوع بحث الطالب وخبرته وعمق ودقة قراءته لبحث الطالب ..

كما ان مستوى الجامعة وارتفاع معاييرها وتوفر التسهيلات العلمية والادارية للطالب، يلعب دوراً مهماً في رسم ملامح الشخصية العلمية لذلك الطالب.

بناء على ذلك كله، تتشكل نظرة الطالب الى نفسه كحامل شهادة عليا.

وهل ستكون تلك بداية عمله كباحث متخصص ملم بشروط وقواعد البحث العلمي ام انها ستكون خاتمة البحث والقراءة.

في الحالة الاولى ستبدأ مرحلة الباحث الواثق المتخصص الذي يعرف ماذا يريد وكيف يعمل واين يجد معلوماته وكيف يستخدم المصدر والمعلومة وكيف يقتبس وكيف يحلل وكيف يربط الظواهر وكيف يخرج بنتائج مفيدة.

اما في حالة تحقق الاحتمال الثاني باعتقاد الطالب أنه قد ادّى ماعليه، فانه سوف يعتمد لباقي حياته المهنية على ما يتذكر من مرحلة البحث والدراسة . سوف تحصل له قطيعة مع التطور العلمي ومجريات الأحداث في العالم الاكاديمي والتطبيقي.

سوف ينعزل عن الوسط الجاد ويجد نفسه في خلاف مع الكثيرين الذين يتحدثون بلغة لايعرفها مع انه، نظرياً، منهم..

لايستطيع البحث والكتابة حتى لأغراض الترقية العلمية !! والبعض تم اخراجهم من الجامعات لعجزهم عن البحث اللازم لاغراض الترقية (عندما كانت المعايير العلمية تُحترم في العراق)..

يعتقد اليابانيون، ان نفس النوعية من الشاي اذا قام عدد من الناس بإعدادها، فأن الشاي المُحَضَّر سوف يكون مختلفاً بحسب شخصية كل شخص قام باعداده حتى وإن كان الشاي هو نفسه.

فما بالك ببحث الدكتوراه ؟؟

العنوان واحد لكن الطلبة مختلفون .

هنالك صنف ثالث من حملة الشهادات العليا وهو الأخطر على الاطلاق، حيث ان بعض الناس، ليس لدينا فقط بل في الدول الغربية ايضاً، يعجبهم العنوان وتتولد لديهم الرغبة في " امتلاكه" كأيِّ منزلٍ أو سيارةٍ او ساعة فاخرة، ويقوم باستئجار أحد تجار الشهادات لغرض اقتناء واحدة جميلة!!! لكنهم في العالم المتقدم لن يكونوا قادرين على العمل والنعيين بموجب تلك الشهادة بسبب اختلاف آليات الاختيار والتعيين select and recruit.

انهم سَواء امام القانون مع الذين اجتهدوا وحصلوا على شهاداتهم باستحقاق . كذلك هم سَواء امام المجتمع الذي يجهل كيفية حصولهم على الشهادة.

اصبح هؤلاء يشكلون خطراً على المستقبل لانهم يصبحون بمثابة مرجعيات علمية كاذبة ومزيفة . قد تعتمد الدولة ومؤسساتها عليهم وتستمع الى آرائهم الفاسدة والاعتباطية ..

كذلك قد يُصغي لهم عموم الناس في الحياة العامة باعتبارهم يمتلكون سلطة علمية منحتها لهم الشهادة المزيفة او التي يُساء فهمها والتصرف بها من قبل حاملها..

ان وجود هؤلاء يسبب التضليل وان الحياة بدونهم افضل ..

 

د. صلاح حزام

 

عبد الجبار الرفاعيفي معاشرةِ الناس نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل، نحتاجُ لغةً تتقن مخاطبة العواطف أكثر من لغة المنطق والفلسفة والرياضيات والعلم، نحتاجُ المشاعرَ أكثر من الفكر، ‏نحتاجُ الكلماتِ الحيّة المهذبة أكثر من كلمات المجاملة المنطفئة، ‏ونحتاجُ المعاني الأصيلة الصادقة أكثر من الفائض اللفظي الذي يمكن أن تقول الألفاظُ فيه كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا جميلًا. الحكيمُ في هذا العالَم هو من يعمل من أجل أن تكون حياتُه والعالَمُ الذي يعيش فيه أجمل، ولا تكون حياتُه أجملَ إلا إن كانَ قادرًا على صناعة الجمال في حياة غيره. صناعةُ الجمال تتطلب أن ‏يعطي الإنسانُ ما هو أجمل في كلِّ كلمة يقولها، في كلِّ حرف يكتبه، في كلِّ فعل يفعله، وفي كلِّ قرار يتخذه، في كلِّ شيء يقدمه لغيره. وهذا سلوكٌ شاقٌّ على النفس.

الحُبُّ ليس صعبًا فقط، بل هو عصيٌّ على أكثر الناس، لا يسكن الحُبّ الأصيلُ إلا الأرواحَ السامية، ولا يناله إلا مَنْ يتغلّب بمشقةٍ بالغةٍ على منابع التعصب والكراهية والعنف الكامنة في أعماقه. حُبُّ الإنسان من أشقِّ الأشياء في حياة الإنسان، لأن هذا الكائنَ بطبيعته أسيرُ ضعفه البشري، يصعب عليه أن يتخلّص من بواعث الغيرة في نفسه، وما تنتجه غيرتُه من منافسات ونزاعات وصراعات، وما يفرضه استعدادُه للشرِّ من كراهياتٍ بغيضة، وآلامٍ مريرة.

مادام الحُبّ أثمنَ ما يظفر به الإنسانُ وأغلاه، فإن نيلَه يتطلب معاناةً شاقةً وجهودًا مضنية. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاته، وتقلّب حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد منها تناقضاتٌ باستمرار، مالم يفلح الإنسانُ بالتغلب عليها بمزيدٍ من صلابة الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي الذي يسمو بالإنسان في مراتب الكمال.

حُبُّ الناس صعبٌ، حُبُّ الناس، إن ظفرَ به الإنسانُ، حالةٌ يعيشها الإنسانُ ويتحقّقُ بها في طور وجودي جديد، وهي لا تتكرّس إلا بالتربيةِ والتهذيب، والصبرِ الطويل بإكراه النفس على العفو والصفح، والتدريب المتواصل على إخماد نيران التعصب وتحطيم الأغلال المترسبة في باطنه، والعملِ الدؤوب على اكتشاف منابع إلهام الحُبّ وتنميتها. ومن أثرى هذه المنابع النظر لما هو مضيء في مَنْ تتعامل معه، والعفوُ، والصفحُ، والغفرانُ عن الإساءة، والانهمامُ بالذات، وعدمُ الانشغال بالغير وشؤونه وأحواله، والكفُّ عن التدخلِ في الحياة الخاصة للناس وانتهاكها، ومطاردتِهم بالأحقاد،كما يفعل البعضُ الذي ينصّب نفسَه وكأنه وصيٌّ على الناس، يترصد كلَّ شيءٍ يصدر عنهم فيحاسبهم عليه. وهو لا يعلم أن كلَّ فعلٍ يرتدُّ على فاعله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

الحُبُّ أنجعُ دواءٍ تحمي فيه نفسَك وتحمي فيه غيرَك من آلام وشرورِ البشر. الحاجةُ للحُبّ من أشدِّ الحاجات العاطفية للإنسان، غير أن اشباعها لا يتحققُ بسهولة. الاستثمارُ في الحُبّ أثمنُ استثمار في إنتاج معنىً للحياة. العفو والصفحُ والحُبُّ أيسرُ دواءٍ يشفي الإنسانَ من آلامِ القلبِ وجروحِ الروح، مَنْ يجرّب العفوَ والصفحَ في المواقف المتنوعةٍ يجدهما كثيرًا ما يتغلّبان على حنقِ الناس، والشفاءِ من أحقادهم.كان وما زال العفوُ والصفحُ والحُبُّ أنجعَ دواءٍ لشفاء الإنسان وشفاء علاقاته في المحيط الاجتماعي من الأمراضِ التي تتسببُ بها الضغينةُ والبغضاءُ والكراهية. يُنسب للقديس أغسطينوس القول: "الكراهيةُ كمَنْ يشرب السُمَ على أمل أن يموتَ الآخرَ، فأول مَنْ يتسمَّم بالكراهية صاحبُها".

أعترف أني جرّبتُ العفوَ والصفحَ مع بعض الناس الذين لا يعيشون إلا بالضغائن والأحقاد ففشلتُ، وجربّتُ العفوَ والصفحَ معهم ثانيةً وثالثةً ورابعةً وخامسةً وسادسةً وسابعةً ففشلتُ، وربما سأفشل لو كررتُ التجربةَ، لكني كنتُ وما زلتُ متشبثًا بقناعتي الراسخة التي تشتدّ كلَّ يوم بأن العفوَ والصفحَ هما الدواء الذي يشفي القلوبَ من الضغائن والأحقاد المتفشية في مجتمعنا، وهما الدواءُ الذي يكفل الشفاءَ من أغلب الظواهر المقيتة لسأم الناس من الحياة وجزعهم.

أعرفُ أحدَ الأشخاص المعقدين المغرورين المشاكسين، كان لا يطيقه الأقرباءُ والأصدقاءُ وجميعُ الناس الذين يتعامل معهم،كلُّ شيء يراه أو يسمعه من غيره ينقلب قبيحًا لديه. طالما سمعته يذم كلَّ شيء، لا يرى الجميلَ عند غيره إلا قبيحًا، وإذا استمع حديثًا من صديق، يعقّب عليه بقوله: "هذا خطأ، أنت تجهل هذه الأشياء"، وإذا قرأ نصًا لغيره سَخِرَ منه، بلا أن يفكِّر ويتثبت ويدقّق في مضمونه، ومتى رأى شيئًا جميلًا يزدريه. لا يبادر في العطاء، وعندما يتلقى هديةً جميلة يفتّش بعناية عن أيّ نقص أو عيب فيها، وإن لم يعثر على عيب يفتعل عيبًا كي يذمها.كان يترقب على الدوام أن يُقدِّم له الناسُ كلَّ شيء، ويمدحه الناسُ على كلِّ شيء، من دون أن يفكِّر يومًا أن يقدم شيئًا لأحد، أو يمتدح أحدًا على فعل حَسَن. انتهى مصيرُ هذا الإنسان في شيخوخته إلى أن يعيش منفيًّا في داخله، منبوذًا من الكلِّ، بعد أن نفر الكلُّ منه حتى أقرب الناس إليه.

سألني أحد تلامذتي: ما أجملُ لغة ومواقف أكسب بها قلوبَ الناس، وتترسّخ بها صلتي بهم، ويستطيع الإنسانُ من خلالها أن يعزّز الصدقَ والثقة والسلام والمحبة بين الناس؟ قلت له: الحُبُّ شفاءٌ للقلب من الغِلّ والضغينة، الحُبُّ عطاءٌ يسمو بمَنْ يحِبّ على مَنْ يعجز عن الحُبّ. إن أردت أن تعيشَ سلامًا في داخلك، وتعيشَ سلامًا في علاقاتك بالناس، حاول أن تمنحَ الإنسانَ أعذب ما يبهجه، حاول أن تكتشفَ الجميلَ في كلِّ إنسان ممن تتعامل معه، ‏وتعرب له عن جماله.كلُّ إنسانٍ يعيشُ سلامةً عقلية ونفسية وعاطفية نعثر على صفاتٍ حَسَنة في شخصيته ومواقفَ جميلة في سلوكه، وحين نترجم حضورَها لديه في كلماتنا بصدق نهديه أعذبَ ما يتمنى أن يسمعه منا. الإنسانُ بطبيعته يفرحُ كالأطفال ‏حين يرى أو يستمع إلى ما يكشف له عن جماله، ويتمنى أن تفرحَ الأرضُ وتحتفلَ بفرحه.

مادامت الطبيعةُ الإنسانية ملتقى الأضداد، فليس من السهل أن يعفو الإنسانُ عن إساءة الغير إليه. لأنه يتطلب أن يعملَ الإنسانُ سنواتٍ طويلةٍ بترويض نفسه على العفو، وإن كان هذا الترويضُ شديدًا مزعجًا مريرًا شاقًا مُنهِكًا، وليس سهلًا أبدًا. الترويضُ على العفو والصفح هو الأشقّ، خاصةً مع الأعداء المتطوعين، لا يمكن تجرعُه في بعض المواقف إلا كعلقم، إلا أنه كان وما زال يطهّر الإنسانَ من سمومِ الكراهية، وينجي من بعض شرور هؤلاء الأعداء، الذين هم كأشباح لا ملامح واضحة لهم. العفو والصفحُ يعكس أخلاقية رفيعة وسموًا نبيلًا، لا يظفر به كلُّ أحد، وإلا لتسامى إليه كلُّ الناس. العفو والصفحُ إحسانٌ، المُحْسِنُ يتسامى إلى مقام المحبة في قربه من الله، "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

لا دواءَ يخفضُ الآثارَ الفتاكةَ للشرّ، ولا سبيلَ لتخفيفِ آلام الكراهية، ولا وسيلةَ لتقليل النتائج المرعبة للنزعة العدوانية في أعماق الكائن البشري سوى المزيد من الاستثمار في العفو والصفحِ والحُبِّ، بالكلمات الصادقة، والمواقف الأخلاقية النبيلة، والأفعال المهذبة الجميلة، والإصرار على تجرّع مراراتِ العفو والصفحِ والغفران، على الرغم من صعوبتها، ونفور المشاعر منها.

العفو والصفح شديدان على النفس عندما تتكرّر الإساءة، ربما يجد الإنسانُ نفسَه يتلقى طعناتٍ غادرة متكرّرة ممن لم يتعامل معهم على الدوام إلا بالإحسان إليهم. الصفحُ عن هؤلاء صعب، ومحبتُهم أصعب، محبتُهم أشقُّ وأقسى المواقف وأشدُّها مرارةً في النفس، لا يطيقها الإنسانُ إلا في بعضِ الحالات الاستثنائية التي يرى فيها تحوّلًا في سلوكهم، وتلك حالات نادرة. طالما أشفقت على مثل هؤلاء، لحظةَ أكتشف أن حاجتهم للكراهية تفوق حاجتهم للمحبة، وأنهم لا يعيشون إلا بكراهية من حولهم، بل حتى كراهية أنفسهم، أثر اعتلالِ صحتهم النفسية، وانهيارِ حياتهم الأخلاقية، إنهم كحالة بعض الكائنات الحية التي لا تعيش إلا في الظلام أو في الأماكن القذرة.

الحريقُ لا يمكن إطفاؤه إلا بالماء، الحربُ لا يمكن إطفاؤها إلا بالسلام، الكراهيةُ لا يمكن شفاؤها إلا بالعفو والصفح والغفران، الصفحُ ممكنٌ وإن كان شاقًّا. المحبةُ أشقّ، وأحيانًا ليست ممكنةً، غير أن العملَ على إثراء منابع إلهام المحبة وتكريسها غيرُ مستحيل عبر الحرص على تغذية هذه المنابع باستمرار. أثرى منابع المحبة أن تكون صادقًا مع نفسك، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله. عندما تكون صادقًا في كلِّ كلماتك ومواقفك تكون معلِّمًا للأخلاق، وملهمًا للمحبة في هذا العالَم الموحش.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

من مظاهر عصرنا الحالي هو السرعة الفائقة للتغيير في كل شيء ولاسيما السلوك الانساني ليلبي متطلبات العصر ومظاهره وحاجاته المتعددة بسبب تقدم وسائل الاتصال والتواصل والاندماج في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية التي تشكل ظاهره وثقافة وسياسه العولمة لكل مظاهرها وما انتجته من ثقافه الاستهلاك الاعلام والدعاية والتسويق الحر، التي جذبت جميع الشعوب والثقافات وتبنتها بشكل وباخر على الرغم من سعي هذه الشعوب للتمسك بثقافتها الخاصة وهويتها القومية والدينية والثقافية والتصدي لتياراتها ومظاهرها السلبية على سلوك أبنائها. ونجد اليوم سعي الانسان المحموم للكسب والثراء والاشباع وطلب الحاجات المادية ظنا منه انه يواكب العصر ويعيش مظاهرة بانسجام وان ما يقوم به يجلب السعادة والاطمئنان والراحة.

 لاسيما ان عالمنا العربي والاسلامي لم يكن بعيدا عنها وتطبيقا لها بل انه يعد من أكثر العوالم انسجاما مع العولمة واستجابة لها مطبقا حذافيرها مستهلكا منتجاتها المادية والثقافية محاولا التكيف معها ساعيا الى دمج ثقافته الدينية الإسلامية من طقوس وعادات وممارسات وشعائر وانشطه مختلفة مع مظاهرها.

واكثر ما تبرز هذه المظاهر في شهر رمضان شهر الصيام وما يعنه من قيمة تعبديه لله وما يتضمنه من منظومه أخلاقية وقيمية ومعرفية تنعكس على الفرد والمجتمع في ممارساتها الإسلامية وهي الغاية والهدف الاسمى الذي حدده الدين الاسلامي من الصيام والعبادة في هذا الشهر الفضيل وهو ركن الدين الاسلامي الخامس وما ينطوي عليه من الفوائد الصحية والنفسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية على الفرد والمجتمع و تعبير عن آيات الصيام وسلوكياته الروحية والعملية، ولذا سمي هذا الشهر بشهر الصيام والقيام والعبادات والطاعات وترك ملذات الدنيا والتوجيه الى عبادة الله الخالصة ولجم الغرائز والشهوات او التسامي بها.

ومنذ سنوات عدة تحول شهر رمضان من شهر الصيام الى شهر الطعام ..استجابة لمتطلبات ثقافة العولمة واصبح مهرجاننا كبيا للتسوق وبشراهة قوية للشراء لاتقاوم، وحصول حالة من الطوارئ الاستهلاكية لدى كثير من الاسر والبلدان العربية والإسلامية عبر تكدس البضائع والسلع في المحال التجارية والأسواق باستنفار الجهود لتوفير الكم الهائل من سلع الطعام وتزاحم الناس في الأسواق للتبضع مما يستوجب الانفاق الكبير من الدخل المادي للسرة وارتفاع الأسعار والغلاء لبعض المواد الغذائية لاسيما المرتبطة بثقافة وعادات اجتماعية " رمضانية " مما يستنزف الموارد المالية للاسرة والمجتمع . وبذا يتحول شهر الصيام الى شهر الطعام وشهر الاسراف والاستهلاك.

ونجد امام هذه الظاهرة الاستهلاكية ان المسلم بتصرفه هذا يقع في تناقض سلوكي كبير، أي بين السلوك التعبدي الخالص للصيام والسلوك الاستهلاكي المسرف للطعام

بين اتباع أصول الصوم وسنته واحكامه وفوائده وبين سعيه لإشباع الرغبات والحاجات وتفتحها للأكل والشرب بأصنافه كافة، ويحصل هذا في جميع دولنا الإسلامية، وبدل تحقيق فوائد الصيام الروحية للفرد الصائم، ازدهرت صناعة الطعام والتسابق لتقديم افضل الاطباق والوجبات ولاسيما المرتبطة بالفلكلور الاجتماعي الشعبي والثقافة الخاصة وهويتها المحلية والتي وجدت في وسائل الاتصال الحديثة المتقدمة فرصتها في نشر وتبادل ثقافة الطعام والاستهلاك ونقل العادات والانماط الغذائية بعضها لبعض واختيار الأفضل من الاطباق المعدة لإفطار الصائم، دون توفر فرصة لراحة الجسم والتجديد والاكتفاء بالوجبات البسيطة

المتباعدة اوالشبع القليل، تمثلا بسنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يفطر على بضع حبات التمر مع قليل من الماء او اللبن ليعطي القيمة الحقيقية لفائدة الصيام الصحية وغيرها من الفوائد .

وهكذا استهدفت العولمة بثقافتها الاستهلاكية القائمة على الربح والمنافسة اشاعه القيم المادية و اضعاف القيم الروحية والإيمانية و تحطيم معاني الشهر الكريم وافراغ محتواه من العبادة والاحسان وقيام الليل وقراءه القران والاعتكاف وصلاه التراويح والصدقات وصلت الرحم وغيرها من اعمال تتجسد في هذا الشهر وغيرها من اعمال وغيرها من الممارسات المغرية والجذابة التي تقدمها قنوات التلفزيون والفضائيات تعبر عن غير المعنى الحقيقي لشهر رمضان والتهيئة النفسية للصيام واستقبال المسلسلات والبرامج المختلفة التي تأخذ وقت الصائم طول الليل

ان شهر رمضان يمثل ثقافه الروح لا ثقافه الجسد واللذة والمتعة والاستمتاع و يمثل ايضا ثقافه الاهتمام بالأخر والاندماج والاحساس به لا ثقافه الفردانية و العزلة والوحدة والأنانية لان رمضان يأتي فيحيى في نفوس المسلمين فكره التواصل وصله الرحم وقيام التجمعات الأسرية والعائلية وتبادل الزيارات والقيام بالعبادات الجماعية وزياره الاقارب والاطمئنان عليهم في هذا الشهر ومساعدة الفقير والمحتاج. 

بالإضافة الى قيمة الاجتماع العائلي على مائده الافطار و تخليص الانسان من الانعزال عن الأسرة والمجتمع والتمسك بالنظام الاجتماعي القائم على حب افراد العائلة بعضهم لبعض وسعيهم لما رضى رب العالمين في تحقيق اهداف الحياه الاجتماعية والإنسانية

ان عمليه اثقال الجسم بالطعام تعد من العادات السيئة التي يرفضها الاسلام حيث قال تعالى "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" وتحقيق الحكمة والفائدة الصحية من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا تصحوا " وما لهذا الحديث من قيمه تربوية صحية واحكام وفوائد لان الغاية من الصوم هو العبادة والتقوى والزهد وتنمية قيمه الصبر وكبح او تأجيل اشباع الرغبات وضبط وتدريب الدوافع الأساسية لاسيما دافع دوافع الجوع والعطش والجنس وفق الشروط والسلامة الصحية من خلال منظومه القيم الرمضانية التي يتم ممارستها في هذا الشهر وتركيز الاهتمام للطقوس والممارسات الدينية التي تعمل على التجديد الروحي والنفسي وترويض الجسد ومنحه الراحة من عادات الاكل المتعددة .

ان الثقافة الاستهلاكية تمثل جمله من المعايير والسلوكيات والاهداف التي ترفع من قيمه النفعية والفردانية والأنانية واشاعة الاستهلاك والنزعة المادية الغرائزية المجردة من اي قيمه او محتوى انساني انها ثقافه العولمة ثقافه الجسد واللذة والمتعة والاشباع وقتل الروح والوجدان وتسحر المشاعر وتبلدها الامن رغباتها واضعاف النظام الاخلاقي والقيمي الانساني لسلوك الانسان، وهكذا تسهم اليات العولمة ومحتواها واهدافها الى غرس ثقافه في ذهن وعي الناس وقيمهم لا تقوم على صله بينها وبين النظام الاجتماعي والثقافي الذي ينتمون اليه بعد ان يتشرب الناس من خلال الضغط اليومي عبر الضخ اليومي بوسائل الاعلام الفضائيات و قنوات التلفزيون وما يوفره الزخم التقاني الكثير الذي يشهده ميدان التواصل وهو يستفيد في الوقت نفسه من اليات العولمة الاقتصادية ومن النتائج الكثيرة التي تحققها على صعيد توحيد وتحطيم الحدود وجعل العلم ينتمي ويتبنى منظومة ثقافية واحدة فضلا في جعل شهر رمضان الى مناسبه للترويج الكثيف والحاد لمختلف السلع وتسهم في ذلك بقوه وسائل الاعلام ولاسيما التلفزيون اضعاف المشاعر الدينية او استغلالها كوسيله من وسائل توسيع السوق والترويج اكثر لسلع بعيدا عن الدين ويجري المزج بين الدين والجنس في البرامج التلفزيونية على النحو الذي يبدو منفرا للغاية من شرائح واسعه من المجتمع، وتحويل شهر رمضان من ممارسات ايمانيه تعبديه الى ممارسه استهلاكيه ترفيهيه وافراغ من محتواه الروحي والقيمي والا يماني وهي ثقافه معادلتها بسيطة هي (سرعه زائد سهوله) وينطبق ذلك على وجبات الاكل والفنون والموسيقى والغناء والمظهر والملبس والآداب العامة وكل ما يتعلق بأنماط الحياه العصرية .

وبما ان الصورة أصبحت اليوم العنصر المهم في ثقافة العصر والوسيلة الاكثر اهميه وهي المفتاح السحري لنظام التعاقد الجديد، نظام وعي الانسان بالعالم وأنها المادة الثقافية الاساس التي يجري تسويقها على اوسع نطاق اجتماعي ذات التأثير الفعال في مستقبل هذا الانسان. فهي الوسيلة الفعالة لدى الشركات الفضائية والإعلامية التي تقدمها العولمة وتعمل على نشرها في البلاد العربية والإسلامية التي يسيطر عليها تجار المال والربح بدون ضوابط أخلاقية وهم اداه العولمة الفعالة وقادة نواياها السيئة من خلال حملات الدعاية والترويج لبضاعتهم التي تتنافى مع حرمته وافراغه من طقوسه الإيمانية والتعبدية التي تتعارض مضامينها مع المضامين الأخلاقية والقيمية لهذا الشهر الفضيل فيستغلوا أيام هذا الشهر الفضيل لتحقيق أغراضهم المادية والترويج للتمتع با لشهوات والتسلية من خلال البرامج والمسلسلات، وذلك بالهاء الصائم وصرف ذهنه عن ما كلف به من عباده، في حين ان شهر رمضان يمثل شهر شهر العبادة والتأمل ومراجعه النفس والذات والابتعاد عن ضجيج الاعلام المستهدف وتجنب حملات الدعاية والاعلام والمسلسلات والبرامج البعيدة الحرمة وقدسيه ومضمون الشهر الفضيل ونشر ثقافه الانحلال الخلقي والمجون عبره عرض الافلام والمسلسلات دون اي ضوابط و تحمل او تحمل مسؤوليه مدعين ان ذلك يقع ضمن حصول الانسان على حريته وسعادته التي يرغب فيها او يختارها وسائل وطرق جذابه مبهره للصائم في حين يقول الرسول عليه الصلاة والسلام " ما ملأ ابن ادم وعاء شر من بطنه يحسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه فان كان لا محاله ثلث  لطعامه وثلث لشرابه وثلثا لنفسه.

 

ا. د. نوال ابراهيم الدليمي

 

عادل خلف عبدالعزيزرب سائل يسألنا ما الذي دفعك للكتابة عن هذا الموضوع، هل مثلا عندما رأيت تغريدة فضيلة الإمام الأكبر غرد بخط يده ونوه إلي أن تراثنا لايقف حجرة عثرة ويحول دون التقدم الحضاري، اقول حفظ الله فضيلته لكن إذا لم نكن نحن أساتذة الفكر الإسلامي يتحدثون فمن الذي يتحدث، يا سادة قضية تراثنا الحضاري والحفاظ عليه قضية كل عربي حر يستطيع أن يمسك بقلمه ويكتب، كتبنا عن هذا الموضوع بل وكان شغلنا الشاغل منذ سنوات ولن نمل الكتابة عنه ولن نسأمها فهذه غايتنا والكتابة عن الحفاظ عن موروثنا الحضاري تناولها كثيرون اذكر علي سبيل المثال فضيلة العلامة عبدالحليم محمود ومن قبله شيخنا الجليل امين الخولي وكذلك من قبلهما سيدنا ومفكرنا مصطفي عبد الرازق ولم يغب عنا مؤلف زكي نجيب محمود تراثنا والتجديد والشرق الفنان وغيرهم كثير.فدافعنا واحد وتوجهنا واحد الوقوف والتصدي بمنتهي الحزم وبكل ما أوتينا من قوة الكلمة والحكمة وفصل الخطاب ضد من تسول له نفسه للعبث بتراثنا وتشويهه لمآرب لا يعرف نوايا أصحابها الا الله، يتحدثون بكلام يبدو أن ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب كمن يقدم لك كوبا من اللبن تستشعر حلاوته وجماله من أول رشفة ترتشفها إلي أن تتمعن في تذوقه فتجده مرا مدسوس به السم مثلما فعل بعض المستشرقون الذين يريدون أن يفرغوا التاريخ من محتواه ويستجهلون الناس بأسلوب سفسطائي قالبين الحق باطلا والباطل حقا ونحن من وراءهم نرد عليهم بكل ما أوتينا من فكر فلا يدحض الفكر الا الفكر.وللاسف هناك كثيرون وقلبي يدمي لقول هذا الكلام كثيرون من بني جلدتنا عربي الجنس مسلم بشهادة ميلاده ينقاد انقياد اعمي وينساق انسياق الأنعام بل هم اضل ينساقون وراء حملات التشويه هذه بل ويروجون لها وينصبون أنفسهم للأسف حماة لهذا التراث ويتصدرون للافتاء بفتاوي ضآلة مضلة ما أنزل الله بها من سلطان ، اقول لأمثال هؤلاء إن لم تستطيعوا قول الصواب فانصتوا لعلمائنا وتعلموا منهم، ان لم تستطيعوا الدفاع عن تراثنا وعقيدتنا فالتزموا الصمت فلن تنفعكم الأموال ولن تنفعكم الشهرة فالكل سيقف أمام المحكمة الإلهية وشهاداتنا سنسألون عنها الله لماذا زورتم شهادتكم لماذا كتمتوها، لماذا انقدتم انقيادا اعمي خلف شياطين الإنس.

بين الفينة والفينة يقيض الله لنا صوتا ييقظ الوازع الداخلي فينا أفق يا فلان ياهذا قم أمسك بمحبرتك واملأ قلمك مدادا ولا تجعله يجف واستمر في الكتابة ودافع عن موروثك الحضاري والفكري والعقدي، هذا ما فعلته بنا قصاصة ورق مكتوبة بخط اليد مكتوبة بمداد العلماء الحقيقيون الذين لا يرجون إلا الخير لهذه الأمة فبارك الله في كاتبها وبارك في كل من ساهم في نشرها فقد تكون وقودا يلهب حماسنا وسط هذا الخضم الهائل من هذه الترهات والخزعبلات .

ياسيداتي وسادتي يا من كل من ستقع عينه علي مقالتي ماذا فعلنا بهذا التراث هل أخذناه ومددنا أيدينا إليه واستخرجنا زخائره وكنوزه أم تركناه هملا تمتلأ به المكتبات وتعج به الدوريات ويكون طعاما للقوارض تنهش مجلداته .هل ازلنا الغبار الذي صار ركاما من التراب هل مددنا أيدينا إليه لنستخرج منه كنوز المعرفة في شتي المجالات وشتي العلوم النظرية والعملية والشرعية، هذا ما فعله الغرب حملوه إليهم وتعلموا منه ونسبوه الي أنفسهم ونحن الا من رحم ربي في سبات عميق، نائمون لا مخمورون بخمىر التغني بامجاد الماضي وحضارتنا وامجاد أجدادنا ولو عاد أجدادنا لأسفوا لحالنا ولضربونا بالنعال البالية، لماذا ضيعتم ما تعبنا فيه وقدمناه لكم علي أطباق من لؤلؤ، لتلألأوا بها وتزدهر حياتكم وتسيروا الي الأمام والي التقدم العلمي والتقني بدلا من الخنوع الذي صرتم إليه، ياليت قومي يفقهون مقالتي.وماذا فعلنا له لماذا لم نتصدي وندافع عنه جهاد الكلمة والكلمة أمانة ومسؤولية لماذا لم ندافع عنه ضد حملات التشويه من بعض المستشرقين، ضد عنصرية بعض المستشرقين ضد من نصبوا أنفسهم حماة للعالم وحراسا للفكر، هل يعقل أن نري شبهة تدعي علي حضارتنا وعلي موروثنا الحضاري تقول إن تراثنا الاسلامي يقف حجر عثرة أمام التقدم العلمي وأن الإسلام بقرآنه وسنته يدعوا إلي الرجعية والتخلف ويدعوا الي التبعية، يا من تفترون علي تراثنا كذبا وزورا وبهتانا نقول لكم قفوا عن منتهاكم وتأدبوا وقارعونا الحجة بالحجة والرأي بالرأي أن كانت حضارتكم في عصوركم البالية المظلمة، هل تراثنا الاسلامي بكل قيمه ومبادئه يحول دون حرية الفكر، لوبقليل من الحكمة راجعتم قرآننا لوجدتم كيف كان ديننا دعوة الي اعمال العقل والفهم والاستبصار، لو وجدتم كيف حفظ الله تعالي للعقل مكانته وكيف حفظه من التخريب والتيه والضلال، كيف رفع الله تعالي العلم والعلماء مكانا عليا وآيات القرآن كثيرة وأحاديث النبي كثيرة ألم يقل الله تعالي يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.الم يقل النبي صلي الله عليه وسلم، مداد العلماء كدماء الشهداء.ثم الم يطلق الله سبحانه وتعالي للعقل العنان في البحث والتنقيب والفهم والدراسة حتي في الأمور الميتافيزيقية، والفيزيقية العالم الطبيعي، وكذلك في المسائل التشريعية الاجتهادية التي تعتمد علي القياس المنطقي الاجتهاد، وفي المسائل الأخلاقية حديثنا عن الخير وعن الشر ، عن الحق والباطل، القبح والحسن، وغيرها، الم يتناول الفلاسفة الحديث عن قضايا وجودية تحتمل الدليل العقلي وكذلك الدليل النقلي.

يا سادة لابد من الوقوف صفا واحدا كتفا بكتف قدما بقدم نتخنق جميعا في خندق واحد، فرشنا أرضنا، نلتحف السماء ولنجعل دأبنا وديدننا الدفاع عن هذه الحضارة وهذا التراث ولنجعل دثارنا حضارتنا ندثر بها ونحتمي بها ونتزود بها ونجعلها عدتنا وعتادنا ضد من تسول له نفسه العبث بمقدراتنا والنيل من هويتنا سواء بتشويهنا أو تغريبنا عنا اقصد عن هويتنا.شكرا تحاياتي لحضراتكم

 

بقلم الاستاذ الدكتور عادل خلف عبدالعزيز استاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفه بآداب حلوان

 

 

الحسين بوخرطةمنذ الأزل، شكل الطفل أساس المستقبل لأسرته ولمجتمعه. ليس هناك في الدنيا من لا يتمنى أن يكون أبناءه ذكورا وإناثا أحسن منه، وقدوة لجيلهم والأجيال السابقة. فالأسرة، نظريا، هي المؤسسة الأولى في التنشئة، والركيزة الأساسية لتكوين شخصية الأطفال منذ ولادتهم إلى سن الواحد والعشرين من عمرهم.

وعند الحديث عن التنشئة، نعني بذلك التأطير اليومي والمراقبة المستمرة للطفل في إطار الاحترام التام لحقوقه، كما هي مسطرة في الميثاق الدولي للأمم المتحدة. وبذلك، فالغيرة على مستقبل الطفل في المجتمعات الوطنية، وامتداداته الممكنة (المستقبل) إلى المستويين الجهوي والدولي، ليست مرتبطة بالمتمنيات، بل هي مشروع حياة يجسد مهام الآباء والأمهات.

إنه المشروع المضني والمتعب الذي يتطلب تركيزا معرفيا خاصا، وكدحا عقليا وجسديا متواصلا للحصول على النتائج المرجوة، أي تحويل الطفل كوجود إلى منتوج إنساني ذا جودة عالية. إن الحديث عن المعرفة في هذا المجال ليس دافعه الإثارة لمجردة الإثارة، بل لكون التربية علم جوهري في تكوين الفاعلين في المجتمع، علم تقدم من خلاله الأسرة إلى المدرسة طفلا مؤهلا للتعلم، لتتقاسم معها مسؤولية نجاح المراحل المتبقية لبناء شخصيته، بالشكل الذي سيمكنه من الدخول إلى المجال المادي (الاقتصادي) بمؤهلات الكسب الذاتي والمجتمعي.

في هذا الباب، قد نلاحظ منافسة ما بين الأسر والمؤسسات الخاصة والعامة التعليمية والتثقيفية في مجال إنتاج الجودة (تشتد هذه المنافسة في المجال الخصوصي لارتباطه بالسمعة والربح)، لكن التعبير على هذه القيمة البناءة والأساسية ليس عاما بقدر ما يقتصر على فئات معينة من المجتمع ومن الفاعلين. فالطفل الذي يدخل غمار المنافسة في التحصيل الدراسي المعرفي لا يعبر في العمق إلا عن مكتسباته المتراكمة ذات المصدر المؤسساتي، والذي يجب أن تحتل فيه الأسرة الصدارة في العطاء.

وفي هذا الإطار، ونظرا لأهمية الطفولة كونيا، ارتقت الحقوق الخاصة بها إلى مستوى حولها إلى ميثاق كوني ملزم. فوعيا منها بمتطلبات هذه الفئة العمرية والأهمية التي يجب أن توليها الدول لها، سجل التاريخ المعاصر التطوير الكوني للجانب المؤسساتي (المنظمات الرسمية وغير الرسمية) والقانوني (الأمم المتحدة) في الدفاع على حقوق الطفل الأساسية وتفرعاتها، وعلى رأسها المساواة وتساوي الفرص، ومواجهة كل أشكال التمييز، والإهمال، والتقصير، والعنف، والاستغلال. لقد أصبح البالغون، من أمهات وآباء وأساتذة ومؤطرين مجتمعيين بشكل خاص ومكونات الشعوب بشكل عام، مطالبون بإيلاء عناية خاصة للطفولة من خلال الاستثمار القوي في التربية والتكوين والصحة والتنمية الذاتية العقلية المجتمعية.

إن أهمية العناية بالطفولة وارتباطها الوثيق بالمستقبل التنموي للبلدان، خاصة دول الجنوب النامية، أبرزت إلى السطح رسميا وكونيا حقوقا أساسية ذات الأولوية القصوى، التي تستوجب الحسم الفوري فيها بالمسؤولية اللازمة والجهود المطلوبة لضمان ترسيخها ثقافيا في الحياة اليومية للمجتمعات المعنية.

أول هذه الحقوق، نجد الحق في شهادة الولادة كأساس يكتسب من خلالها الطفل انتماء هوياتيا لأسرة بيولوجية أو حاضنة وجنسية وطنية، وتمكنه من التسجيل في نظام الحالة المدنية لمكان ولادته، وتمتيعه باسمين الأول عائلي معبر عن التاريخ الأسري، والثاني شخصي دال بشكل رسمي عن مجهوده ومؤمن لتراكماته المعرفية والمادية والمعنوية. إن تبسيط المساطر في هذا المجال، وتجاوز الصعوبات التي تواجه المصرحين بالولادات القديمة من خلال تفصيل مسطرة الحصول على هذه الشهادة، سيمكن مجتمعات الجنوب من تجاوز العرقلة الأولى الأساسية في مجال تعميم الخضوع لنظام الحالة المدنية. وحتى في الحالة التي تثار فيها مسألة الحفاظ على النظام العام، يجب أن تكون المساطر مفصلة بالتدقيق اللازم المحدد للآليات وعلاقات المؤسسات في هذا الباب (البحث البعدي في حالة الشك). وهنا لا بد أن نذكر القارئ، من باب التكرار، بأهمية هذا التعميم في مجالي الهوية والتخطيط في كل المجالات الحية التي ترتكز عليها وحدة وكينونة وقوة الدولة واستمرارها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. وهنا كذلك، لا بد من الإشارة أن بلورة مشروع التعميم بشرط تحقيق نسبة مائة بالمائة لا يتطلب السرعة والتدرج، بل يتطلب تفكيرا عميقا يرقى من خلاله إلى مشروع وطني تفوق أهميته عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى.

في نفس الوقت، ولتفادي العناية الهامشية والضعيفة التي توليها الهيكلة المؤسساتية لبعض الدول الجنوبية لنظام الحالة المدنية، يبقى توطيد المكانة المؤسساتية اللائقة بخدماتها إشكالية مطروحة تساءل مصادر القرار في إطار إعادة ترتيب الأولويات الضامنة لكرامة الشعوب والأمم. إن العزة الوطنية لدى الدول لا يمكن أن تكرس نوع من الإهمال للقضايا الجوهرية في حياة شعوبها، عزة تستدعي التجنيد بمنطق سيادي وبالقوة اللازمة والإمكانيات الضرورية من خلال بلورة السياسات العمومية الناجعة التي ستمكن المؤسسة الأولى لترسيم انتماء الطفل لأسرته ووطنه (الحالة المدنية) من الخروج من تخلفها أو النفق الضيق أو الهامشي المخصص لها.

ثاني هذه الحقوق، يتجلى في العناية الصحية القصوى بالأمهات والأطفال (الوقاية والعلاج الطبي والتغذية)، وتخفيض معدل وفيات الأمهات في سن الإنجاب وأطفال الفئة العمرية المتراوحة ما بين تاريخ الولادة وبلوغ خمس سنوات إلى أضعف المستويات في أفق رفع شعار وصوله إلى الصفر.

ثالث هذه الحقوق، ربط الأسرة بالمدرسة من خلال تعميم جمعيات آباء وأولياء التلاميذ في كل المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة ومجالس دور التنشئة المختلفة، وتدبير انتخاب أجهزتها التدبيرية بشكل ديمقراطي من خلال فرض إجبارية حضور ومشاركة كل آباء وأمهات وأولياء التلاميذ في جموعها العامة. لقد تبين اليوم أن الأساليب المتبعة في مجموعة من البلدان المتخلفة، لتأمين المواقع بانتهاج الإقصاء، لم تنبثق على أساسها إلا تنظيمات شكلية تلغي إلى حد بعيد مبدأ المراقبة الذاتية والتعاون والتكامل والتضامن ما بين الأسرة والمؤسسات المعنية.

رابع هذه الحقوق، إيصال معدل الهدر المدرسي إلى الصفر من خلال تقوية العلاقة في مجال التوجيه ما بين المؤسسات التعليمية ومؤسسات التكوين المهني وإنعاش الشغل. وهنا، لا بد من التذكير أن هدف الرفع من القدرة عن الإدماج الاجتماعي للفئات العمرية المجتمعية بالنسبة لأي دولة "مواطنة" يعتبر من ركائز وجودها وشرعيتها بحيث يجب أن يحتل هذا الهدف، السامي إنسانيا، الصدارة في برامجها السياسية وأنشطتها اليومية. فكيف ما كانت الاعتبارات، يبقى واجب تمكين الطفل أو الشاب من المهارة المعرفية والدرابة اليدوية والتقنية والمهنية قبل سن الواحد والعشرين من أولوية الأوليات. فملاذ التلميذ في مختلف المستويات الدراسية الإشهادية (الابتدائية والإعدادية والثانوية)، في حالة فشله الدراسي، والذي لا يتحمل فيه نظريا أي مسؤولية، هو التكوين المهني وإنعاش الشعل.

خامس هذه الحقوق، تطوير البحث العملي من خلال الإكثار من وحدات البحث المعرفي في مختلف المجالات ما بعد شهادة الإجازة والماستر والدكتوراه. فكما سبق لي أن أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة، يبقى كذلك، في إطار تدعيم ثقافة البحث والاطلاع، خلق المنصات الإلكترونية، وإغناء مضمونها بالمعلومات باستمرار، في مختلف المجالات والمستويات الدراسية والعلمية بالدروس، والتمارين والامتحانات وحلولهما، والمعلومات الهامة، والتجارب العلمية ونتائجها، من الركائز المحفزة على التعلم والتراكم المعرفي بالنسبة للتلاميذ والطلبة والباحثين.

إن التحقيق التام للحقوق السالفة الذكر، والتي لا تتطلب اعتمادات مالية ضخمة، سيترتب عنه بدون شك على مدى المتوسط والبعيد مرتكزات منعطف تنموي جديد، تتحقق من خلالها حقوقا أخرى كثيرة ومتعددة، وتجعل بطبيعتها من الرأسمال البشري رافعة دائمة للتنمية والتحديث والعصرنة.

 

الحسين بوخرطة

 

محمد كريم ابراهيمفي خضم زماننا الحالي الذي أمسينا فيه دائماً مشغولين بشيء أو بآخر، والذي جعلنا نرتبط بأشياء لا يمكننا أهمالها والتخلي عنها من العائلة وأغراض المنزل إلى مسؤوليات العمل. نحلم جميعنا أن يأتي يومٌ نتحرر فيه من تلك القيود ونسافر إلى أرجاء العالم من دون القلق عما تركناه في الخلف، أو ربما أن نأخذ الحياة بمنتهى المرونة، نتقلب مع ظروفها كما تتقلب سنابل القمح مع الرياح، دون الخوف من الانكسار والخسارة.

يتوارد في ذهن الجماهير تصور خاطئ عندما يسمعون بمذهب العيش بخفة والبساطة. فهُم لا يحبون أن يطبقوا هذه الفلسفة على أنفسهم، ربما يرونه كصفد يقيد حريتهم ورغباتهم في جمع الأشياء، ربما يرونه كالعيش مثل الفقير. لا يريدون أن يصبحوا مثل غاندي الذي عاش ببساطة تامة حتى بدأ بتخييط ملابسه بنفسه، أو لا يريدون أن يصبحوا مثل الفيلسوف الأغريقي دايوجنيز الذي أتخذ من جرة النبيذ منزلاً له وعاش كالحيوانات. لعلهم يرونه كفكرة دينية يشبه حالة الزهد في الحياة ومذهب للصوفية أمثال الإمام الغزالي والحسن البصري والرابعة العدوية. هؤلاء مع جل الأحترام لهم ولأختيارهم عاشوا حياة بسيطة ولكنها ليست البساطة التي نطمح إليها جميعاً. فمن الصعب أن يعيش المرء ببُعد عن الناس، وعدم إمتلاك أغراض ضرورية ناهيك عن المرغوبة، أو العيش من دون ملابس وأطعمة متنوعة.

العيش بخفة تعني أخذ من الحياة ما هو ضروري ومطلوب وترك ما هو مرغوب وثانوي. وكذلك ترك ما هو غير مفيد أو أمسى غير مفيداً في الزمن الحالي بعد إن كان مفيداً في يوم ما أو سيصبح غير مفيداً في الزمن اللاحق ولا ينتفع منه في الزمن الحالي. لا تأخذ هذا التعريف بشكل الخاطئ، فهو لا يمنع الانسان من الركض وراء شهواته ولا يمنعه من الرغبات، بل المراد منه ان يترك الاشياء الغير النافعة والزائدة في حياته.

العيش بخفة هو مجموعة من القرارات تتطلب وعياً لتنفيذها ولا يخرج من طبيعة الانسان او من فطرته، بل يعمل فطرة الانسان بعكسه حيث يثمن كافة الاغراض ويبغض زوالها، ناهيك عن التخلص من تلك الاشياء بنفسه. لكن العيش بخفة لا يقتصر على الاغراض المادية ايضاً، بل يندرج تحته الافكار والمشاعر الزائدة، والعلاقات الاجتماعية المفرطة، والاقوال والافعال الهادرة لطاقة الفرد ووقته.

ما هو مطلوب وما هو مرغوب يختلف قليلاً بين شخص واخر ومن حال الى حال. الحاجات الثابتة عند الانسان لا يمكن التخلص منها مثل الغذاء والماء والدواء، والحاجات الاخرى تأتي حسب حال الانسان وحسب حاجته المؤقتة كحاجته الى سلاح عندما يحتمل استهداف حياته، او حاجته الى قلم عند كتابة الرسالة. الاغراض المرغوبة هي الاغراض التي نرغب باقتناءها ونشتهيها بعد تحقيق حاجاتنا.

أنواع العيش بخفة

هناك عدة أنواع للعيش بخفة، فقد يختلف مقدار العيش بخفة بين نوع وآخر، هناك رجال مثلاً لديهم القليل من الوقت الفارغ، لكن تراهم خفيفين في الماديات غير مُحّملين بأعباء ثقيلة، وهناك آخرون لديهم أماكن بسيطة وجميلة وخفيفة، لكن تراهم مسرفين في اوقاتهم، ليس لديهم حتى وقت للاسترخاء.

1- العيش بخفة زمانياً: وهذه هي من أولى الأمور التي يجب أن تضبطها لتكون خفيفاً فيها. يوجد عند العديد من الناس في الوقت المعاصر مشكلة عدم توفر الزمن، فهم يعملون لساعات متأخر من اليوم من أجل المجتمع طبعاً، لكن بالكاد لديهم االوقت الكافي لأنفسهم أو لعائلتهم. ليس لديهم متسع من الزمن لتأمل أحداث الأمس أو لتغيير الجزء السيء من حياتهم وعادتهم، دائماً يكونون مشغولين بالنظر إلى ساعتهم وانجاز روتينهم اليومي. العيش بخفة زمانياً تعني إفصاح مجال وقتي لنفسك من أجل التطور من خلال ترك فعل الأعمال الغير الضرورية أو التقليل من الاشغال الضرورية وتقسيمها إلى لقمات بسيطة ،أسبوعية بدلاً من اليومية أو شهرية بدلاً من إنجازها أسبوعياً. وهي تعني محاولة ضبط الوقت دون مزاحمته بعدة أشياء بحيث ترك مجال للخطأ أو السهو من الاشغال الضرورية والمرغوبة (التي من المستحيل إنجازها دون أخطاء أو سهوات والتي تتطلب وقتاً أضافياً من الفرد لتصحيحها، مما يخلق عبئاً على الشخص الذي ليس لديه وقت للخطأ)، أو إزاحة زمان للراحة والحرية، حتى لو لم تكن تعمل شيئاً في ذلك الفترة المحددة للراحة، فهو ضروري لعدم تضييق جدول الاعمال إلى درجة مكثفة بحيث يصنع جواً كئيباً ووتيرة ذات نبرة واحدة بدلاً من المتنوعة والممتعة والشيقة.

2- العيش بخفة مكانياً: الفكرة من هذا هي تقليل من مساحة المستخدمة والحيز المحجوز من قبل الفرد إلى مكان ملائم وقابل للعمل فيه. وهذا يعني اختيار منزل مناسب حجمياً للعيش فيه، دون أن يكون كبيراً، أو العمل ضمن حيز معقول. الفلاحون يعلمون قيمة هذا المذهب عندما يختارون مساحة معينة للزراعة، فهم يعرفون حدود قدراتهم في الفلاحة حتى لا يسرفوا في زرع محاصيل لا يتمكنون من العناية بها وتحصيدها، لأن المساحة الزائدة هي جهد اضافي للفلاح. في العصر الحديث، معظمنا ليسوا فلاحين لكننا يمكننا أيضاً الاستفادة من هذه الحكمة بالعيش بمنزل بسيط واتخاض مكتب عمل مناسب، فحتى لو كانت فيها اشياء ثمينة ملفتة للنظر، ما دام المكان ليس كبيراً بشكل مفرط، فالانشغال باقتتناء اشياء ثمينة للمساحة لتزيينها سوف يقل لعدم وجود مساحة كافية لاستيعابهم. يمكنك شراء كل ما تحتاجه وترغبه من السوق، لكن يجب عليك ان تبيع شيئا من البيت بنفس حجم و وزن وقيمة الشيء الذي تشتريه. كثرة رحلات السفر ايضاً مذمومة، وزيارة الكثير من الاماكن تعتبر إفراطاً.

3- العيش بخفة مادياً: قد يبدو هذا الحديث معروف وشائع جداً، لكنه حقيقي بالرغم منه، كلما قل أغراض الفرد، كلما كانت حياته أكثر بساطة. نحن لا نتكلم هنا تقليل امتلاك الاغراض إلى حد المجاعة، مثلما يفعله بعض الزاهدين في الحياة، بل نريد أن نقع في وسط ما بين الإفراط والتقصير، دون أن نجتنب حاجتنا ورغباتنا في اقتناء الاشياء ولا أن نكثر منها بغير حدود، الزيارات يجب أن تقل إلى حد معقول.

4- العيش بخفة عقلياً: ينطبق مبدأ العيش بخفة أيضاً على المعلومات الذهنية وينقسم إلى ثلاث أقسام:

a. العيش بخفة فكرياً: يبحث الافراد في وقتنا المعاصر بيأس على طريقة لعدم التفكير كثيراً. بعضهم يلجأ إلى التأمل واليوغا والتركيز على التنفس للتخفيف من ضغوطات الحياة على الدماغ ومن أجل النوم هنيئاً في الليل، والآخرون يلجؤون للهرب إلى الطبيعة والعزلة أو اخذ حبوب مهدئة فقط للكبح من متطلبات الذهنية للحياة. التقليل من الماديات والمكانيات والزمانيات سوف تخفف بالطبع العبأ الذهني المفروض على وعي الانسان، لكن هناك بعض من الافكار التجريدية التي تنبع من العقل دون الارتباط بمحفزات الواقع مثل الخيال، وكذلك الافكار التحليلة القسرية التي نضع انفسنا فيه عند الدراسة أو العمل مثلاً. هذه الافكار التجريدية والتحليلية لا بد لنا من السيطرة عليها وتخفيفها بقدر الامكان، فعقولنا لم تُخلق لتعديد المهام والعمل شيئين أو ثلاثة في نفس الوقت مثل الحاسبات، لذلك من الضروري ترقيق افكار التحليلات والتخيلات طوال ما كنا واعيين في يومنا العادي. بعض التفكيرات المستقبلية البعيدة تجرنا نحو التعاسة غير الحقيقية، لاننا لا نعلم بالضبط ما هو قدرنا واحتمالية حدوث احداث في مستقبلنا البعيد، لذا ليس هناك داعي في اشغال عقولنا بها.

b. العيش بخفة شعورياً: كثيراً ما نرى في حياتنا أشخاص مفعمين بالمشاعر وتائهين في خضمها، هناك من يغضب بسرعة ويلقي اللوم على الآخرين، وهناك من يحزن بسرعة ويلقي اللوم على نفسه في كل حدث من احداث حياته، وهناك المتهور الذي يفقد السيطرة على ذاته ويسمح لمشاعره الحساسة بقيادة افعاله. نريد من هذا المذهب أن يرشدنا نحو إزالة كمية من تلك المشاعر – سواءاً كانت جيدة مثل الحب والسعادة أو سيئة مثل التعاسة والكآبة – لكي نعيش حياةً سليمة وطبيعية ونمنع أنفسنا في أن نكون ضحايا لِكم هائل من المشاعر المزيفة التي نستمدها من الافلام والمسلسلات وتطبيقات الهواتف، والمشاعر الحقيقية الزائدة ايضاُ من كثرة الاصدقاء والمعارف التي لم تكن لتتواجد لولا التقنيات الالكترونية وزيادة اعداد السكان. علينا أن نترك الماضي كذلك ولا نتشبت بها، ، وخصوصا الذكريات التي تجلب مشاعرا سواءا كانت تلك المشاعر جيدة او سيئة. يجب علينا ان نترك ما يسمى "بالذكريات الجميلة" وكذلك "الذكريات الحزينة والمؤلمة" بعد ان نأخذ دروسا منهم، ويستكره استحضارهم الى الوعي من دون فائدة، فهو عبئ على الذاكرة والوعي.

c. العيش بخفة حسياً: يمكن لأحاسيسنا من الرؤية واللمس والتذوق أن تربك أيضاً من شدة الافراط، من الافضل تقليل المعلومات الواردة الى عقولنا عن طريق احاسيسنا. الاصوات العالية والاضواء القوية تضر بآذاننا وأعيننا، فيجب علينا أيضاً أن لا نغض بصرنا في رؤية اشياء غير ضرورية، ونكتم اذاننا في سماع اصواتا لا تمت بصلة بنا أو بمساعينا، وأن لا نشتم روائح مفرطة في فترات زمنية قصيرة. لكننا لا نريد أيضاً أن نكون مملين وذات نمط واحد وقليلي التجارب، التنوع الفرط في الاحاسيس هو كلها نسبية زمنياً، فالتنوع بالطبع مستحب ولكن مع وجود فترات زمنية متفاوتة بين تنوع وآخر (الزمان هو عبارة عن معلومات، فالافضل تزييد معلومات مختلفة بين احساس واخر أو حتى بين فكر واخر حتى لا نمل من الاحساس النمطي الموحد البسيط). يجب ان نقلل من الاحاديث غير الضرورية او ما يسمى فقط بالتسلية، لكن ليس بالضرورة ان نبخل في ذكر هذه الاحاديث والمطارب، فلا بأس به ولكن بشكل اقل.

الحياة تشبه معادلة رياضية يجب عليك حلها، هناك رحلة طويلة ما بين بداية والنهاية، ما بين السؤال والجواب. ويجب ان تبسط الطريق بينهما وتختزل كل ما هو قابل للاختزال وغير ضروري حتى يتسنى لعقلك التفكير براحته والوصول الى نتيجة صحيحة وبالطريقة صحيحة.

العيش بخفة يعني التحضر لكل شيء، فهو يعني عدم الاعتماد على الحكومة وقوانينها ودستورها،  لان هناك اماكن وازمان لا يحميك فيه هذه القوانين، فمن الضروري ان تعرف كيف تعتمد على نفسك اذا اضطر الامر الى ذلك. وهذا جزء من العيش بخفة، لانك يجب ان تستثمر بعض من الوقت في فهم الاحتماليات التي ستحصل في حياتك وتستعد لفقد اشياء معينة في حياتك، ولكنها سوف تكون اقل ألماً من الاشخاص الذين يملكون الملايين، الذي سوف يأتي الامر لهم دفعة ثقيلة اذا لم يحميهم القانون.

يرتبط العيش بخفة مع ضبط النفس، وهو مهم عندما تريد اقتناء مذهب جديد مثل هذا وترك بعض الاشياء التي لا تحتاجها، والتي تعد مفرطة بالنسبة لك، يجب عليك ان تمنع نفسك من شراء وجمع حاجات زائدة، وكذلك علينا أن نضبط انفسنا من الافراط في الرغبات الاخرى كالاكل والجنس وبعض الاشياء المدمنة كالتكنلوجيات والانترنت والهواتف الذكية.

يرتبط العيش بخفة ايضاً مع فكرة الوسط الذهبي. في الحقيقية إنه يمثل جانب واحد من الوسط الذهبي، وهو عدم الافراط. الوسط الذهبي معناه أن لا تفرط في شيء ما ولا تقصر فيه، بل تأتيه بتوسط يلائمك ويلائم الظرف المفروض. العيش بخفة هو التوسط والتقصد في الامور جميعها، التقصد عن الزهد والتقصد عن الافراط، التقصد عن الجهل والتقصد عن التعلم، التقصد عن الاكل والتقصد عن الجوع، التقصد عن المشاعر وعن المنطق. فيجب عليك دائما ان تكون في الوسط، بل حتى أقل قليلاُ من الوسط، اي يجب ان يحمل عاتقك ثلاث ارباع ما يقدر أن يحمله عند التوسط.

نستطيع في زماننا الحالي مثلاً تحويل حاجاتنا الى رغبات، مثلاً يمكننا تحويل حاجة أجسادنا إلى الغذاء إلى رغبات يدمن عليه عقولنا من الاطعمة الشهية التي نأكلها حتى وإن لم نكن جائعين. لكن هذه القدرة الخارقة تعتبر شيئاً جيداً بالنسبة للذين يعيشون حياةً بسيطة وخفيفة، لأنه يمكن تحويل تلك المقتنيات القليلة التي نحتاجها إلى رغبات، يجب أن تتذكر إن الرغبات يحتاجها الدماغ ايضاً لكي يعيش الفرد بسعادة، فهو جزء ضروري ومن متطلبات الحياة البشرية، لذا حاول ان تحول ما تحتاجه الى ما ترغبه من دون التمادي.

مثلاً، نحن جميعاً نحتاج الى الاصدقاء لكي نذهب إليهم عند ضيق الاحوال ونطلب مساعدتهم في الشدائد، لكننا يمكننا ايضاً تحويل هذه الحاجة الى الاصدقاء إلى الرغبة فيهم وقضاء اوقات ممتعة معهم، وليس فقط التواجد معهم عندما نقع في المآزق، لكي لا تعد فقط صداقة مصلحة.

جميعنا نحتاج إلى الملابس ويمكن تحويل هذه الملابس الى رغبات عن طريق لبس ملابس جميلة ومثيرة. وجميعنا نحتاج إلى مأوى ويمكن تحويل هذه المأوى إلى شيء مرغوب يحسن الجلوس فيها ويطيب النفس اليها. هذا الفن في تحويل الحاجات الى رغبات يحتاج الى فنان ذات ذوق ولكن يجب ان لا ينقصه ايضا الزهد في هذه الأمور حتى يمكنه الابداع فيهم من دون تضييع الوقت في واحد منهم.

وأخيراً، يرتبط مبدأ العيش بخفة مع موضوع القوى الأربعة (البقاء على قيد الحياة، الجنس أو التكاثر، الرتبة الاجتماعية، التقليل من الطاقة وتقصير السبل. العيش بخفة مرتبط بالقوة الرابعة الذي هو تقليل الطاقات والمعلومات مع الحفاظ على الكفاءة والجودة، أي التخلص من الاشياء الجانبية التي تعيق عملية العيش في حياتك أو يرهقك من دون فائدة. ولا حاجة للتذكير إن القوة الرابعة هي من أسمى الاهداف البشرية وأعظمها.

فوائد العيش بخفة

نريد هنا فقط أن نحفز انفسنا للسعي اكثروبقوة وراء هذا المذهب المفيد، دعنا نركز على بعض الفوائد الشخصية والمجتمعية له:

1- فوائده على النفس:

a. يضمن بقاء حاجاتك الضرورية: من السهل جداً خسارة ممتلكاتك في هذه الحياة أو الانفجار نفسياً من كثرة الضغوطات والمشاكل التي تواجهك، العيش بخفة يجعلك تقتني اشياء قليلة وقتية ام دائمية تحتاجها ومن ثم تتخلص منها بعد عدم الحاجة الى استخدامها، يجعلك تركز على هذه الاغراض فقط دون الانشغال بالاخرى، مما يضمن – بطريقة غير مباشرة – بقاء تلك الحاجات القليلة الثمينة عندك عندما تتوقع خسارة اشياء اخرى. كذلك فهو أداة ماسحة للمشاكل الغير الضرورية من العقل، وهذا ما يجعل يومنا أكثر بساطة وتركيزاً.

b. الحرية والتحرر من الاغراض المقيدة: كلما تراكمت الاشياء، وازدادت المعلومات في الاذهان، وكثرت الاصحاب والاقارب، وتعددت ساعات العمل، كلما قلت الحرية وكبرت المسؤولية والانشغال. العيش بخفة يحررك من تلك القيود، يحررك من قيود الزمان والمكان، مما يمسيك متأقلماً مع كل مكان وزمان وحال، تكسب عندها القدرة على التغير ومجاراة الاحداث بسرعة إن لم تكن ثقيلاً مليئاً بالمسؤوليات والاغراض المقيدة.

c. التخفيف من التوتر والقلق: ترك بعض الامور في الوراء، يخفف عنك بالطبع عبأ التوتر والقلق على فقدانهم، بل يجعلك تُقيم الاشياء البسيطة التي تمتلكها، والحاجات التي ضاعت قيمتها في بحر من الادوات الفائضة. تقضي يومك منشغلاً فعلاً بحفنة من الامور الضرورية و الواقعية بدلاً من التفكير في شتى أمور فوضوية التي تملئ حياتنا بسبب كثرة الاصدقاء والاغراض والاعمال.

d. قليل الاعتماد على الآخرين: بالابتعاد قليلاً عن الناس، والإعتزال عن الأشخاص الغير الضرورين، يجعلنا أقوياء مستقلين غير معتمدين على الناس في التقدم نحو الأمام. ولكنه لا يعني ايضا الاعتماد الكامل على نفسك، البساطة يعني ان تتوسط في المسؤوليات وكذلك يجب عليك ان تتوسط في إن لا تصبح عالة على الآخرين.

e. جودة حياة أفضل: من ناحية جودة حياة الفرد المختار لهذا الدرب الخفيف وهذه الحياة المريحة، سوف يعيش شعورا افضل من الاخرين في المجتمع بقدرته على ضبط مشاعره وممتلكاته وصحته.

2- فوائده على المجتمع: ماذا لو تبنى الجميع مذهب العيش بخفة؟

a. التقليل من الخسائر المادية: لو تمكنا من تحليل نفايات مجتمعنا، لوجدناها مليئة بالاغراض الفائضة والاطعمة الزائدة التي نشتريها كل يوم دون القدرة على استهلاكها او الاستفادة منها، فإذا تبنى المجتمع بأكمله العيش بخفة، وتركوا ما لا يريدونه أو يحتاجونه من الاطعمة الفائضة والحاجات المشتراة التي لا تستخدم او نادرة الاستعمال، بالتأكيد سوف نرى القليل من هذه الخسائر المادية.

b. التقليل من المشاكل الاجتماعية الغير الضرورية: على مر التاريخ، حدثت عديد من المعارك العظيمة بسبب الاستحواذ على المصادر المحدودة والاراضي الغنية، والعديد منها لم تكن ضرورية للدولة المهاجمة بل كانت طمعاً للسيطرة على المزيد والسعي وراء المجد المعنوي، تماماً مثلما تفعله الدول المعاصرة من اثارة الصراعات بين الشعوب المختلفة. نقدر أن نجزم إن هذه الحروب المادية ستقل إلى اقصى حدها عندما يتبنى الشعوب مذهب العيش بخفة ويأخذ ما يحتاجه فقط دون التفريط في جمع ممتلكات الآخرين. كذلك الامر بالنسبة للصراعات السياسية داخل الدولة نفسها التي تورط مجاميع مختلفة من الناس مع بعضها بشكل سلبي.

c. تفكك الجدار بين الاغنياء والفقراء: الثغرة التي هي بين الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة تتوسع يوماً بعد يوم نتيجة تراكم ممتلكات الاغنياء على حساب الفقراء. مالم يقم الاغنياء بالتخلص لبعض من اغراضهم الفائضة الغير الضرورية لمعيشتهم ومعيشة عوائلهم، فسنشهد مشهداً محزناً في المستقبل. مذهب العيش بخفة يجعل الاغنياء يقتنون اغراض مهمة لحياتهم اليومية والمستقبلية ويتخلون عن الماديات المفرطة التي لا تفيدهم لحل معضلاتهم الخاصة.

كيف تبني مبدأ العيش بخفة

1- يجب أن نبدأ بالتدريج: العيش بخفة يتطلب بعض من الوقت لكي يرسخ في حياتنا اليومية الروتينية. فهو يتطور بالتدريج ويجب عليك أن تترقى بالتدريج، وفي البداية ستكون الرحلة شاقة لا شك فيها، وقد لا تفلحُ في العيش بخفة في جميع مجالات الحياة بدفعة واحدة أو بالمحاولة الأولى. العيش بهذه الطريقة ليس سهلا، واتخاذ هذا المذهب يعني ان تكون واعيا من نفسك ومن مشاعرك ومن افكارك ومن تصرفاتك. وبعد ان يتعود العقل والجسد على هذه الطريقة، سوف يهون الامر ويصبح روتينا عاديا في الحياة. فاذا غيرت شيء بسيط من حياتك كل اليوم فسوف تصل في النهاية الى حياة خفيفة.

2- تخصيص وقت لنفسك: تخصيص وقت لنفسك وعزل نفسك فقط لمدة قصيرة من اليوم او الاسبوع للتأمل في نفسك وحياتك التي قد تكون فيها إفراط في شيء ما.

3- البدأ من التخلص من الأغراض المادية أولاً: من السهل معرفة الاشياء الزائدة البديهية، لأنها حسية وموضوعية وقابلة للحكم على إنها زائدة أو غير ضرورية أم لا. يجب إذاً البدأ بالبحث عن أغراض لا تحتاجها في خزانتك وحول غرفتك ومنزلك.

4- التذكير بالمبدأ: هناك عديد من الطرق التي يمكنك تذكير نفسك بالعيش بخفة يومياً أو اسبوعياً أو شهرياً، من التطبيقات الهواتف الذكية إلى حل أغراض مادية بسيطة لتذكر بعض الاحداث. تعودْ النفس على تذكر بعض النصوص التي تشجع وتحفز الإنسان للعيش بخفة هو أيضاً مرغوب. الإذكار هي مؤقتة بالطبع حتى يتمكن العقل بتبني الأسس.

بعض الملاحظات الإضافية

الخفة تعني ايضاً أن تكون سريعاً في رد الفعل للاحداث التي تحصل في حياتك. فإن كانت هذه الاحداث والمواقف مؤثرة جدا بالنسبة لك ويصعب عليك تول الى ما بعدها، فاعلم انك استثمرت وثقلت في الحياة. اما سرعة التأقلم وسرعة الاستجابة على كل المشاكل التي تضربك، تعني انك في حال الخفة مثل الريش، تذهب اينما ذهبت الرياح. والحياة ليست ثابتة وصلبة في ظرف واحد، " دوام الحال لا محال " كما يقولون. لكي تعيش، عليك أن تتغير.

امتلاك تكنلوجيات سريعة وكفوءة أكثر من السابق هو من اهداف العيش بخفة، مثل اقتناء لابتوب المحمول بدل الكومبيوتر المنزلي الكبير، أو اقتناء هاتف ذكي اقوى من السابق عملياَ وأكفأ منها بالرغم من أنها تشغل نفس الحيز، يتسنى لك عندها من ترك أعباء زائدة بلا طائل وتجنب الآثار الجانبية الغير المرغوبة.

التخفيف من وزن الجسم هو أيضاً من متطلبات العيش بخفة، لأنك تترك وراءك أوزاناً غير قابلة للاستخدام في وقتنا المعاصر. وهنا يجب أن ننتبه إن العيش بخفة لا تعني إنقاص الوزن إلى حده الأدنى أو إلى درجة المجاعة، مثلما كان يفعله بوذا وغاندي، هذا لا يدخل ضمن المذهب.

العيش بخفة لا يعد شيئا مادياَ فقط، بل هو مذهب فكري أيضاً، ويملي عليك أن تقترب من مشاكل التي تواجهك بايجاد ابسط الحلول وأقلها تكلفةً.

الخاتمة

ما الذي تفعله في هذا الفراغ المكاني والزماني؟ بأي شيء تملي هذا الفراغ؟ الأمر برمته بيدك، يمكنك أن تفعل ما تريده ما دمت لا تفرط فيه، لعلك ستمضي أوقاتاً أكثر مع اشياء تحبها بدلاً من المضي في السعي نحو الإفراط والإلتهاء بأهداف غير قابلة لتحقيق. نريد أن نعيش خفيف العقل، خفيف الجسد، خفيف القلب. وخفيف القلب معناه ان لا تستثمرفي علاقات كثيرة مع عديد من الاشخاص، اقتصر علاقتك مع اشخاص مهمين في حياتك. العيش بخفة يتبين بوضوح عندما ترحل الى مكان ما او تسافر اليه، حينما تتوقع عدم رجوعك، وتدرك أن ما تركته في الديار غير ضروري لبقاءك، فهذه هي واحدة من أسمى درجات العيش بخفة.

أن تكون خفيفاً لا يعني أن تكون متصوفاً أو زاهداً في الحياة أو بوذياً، تاركاً كل ما تملكه لتذهب للعيش وحيداً في جبل ما. أن تكون خفيفاً معناه أن تعيش حياةً سلساً مرناً، خالياً من الأغراض المادية الزائدة والأفكار الإضافية، ستنتقل بعدها بسهولة بين الأنظمة (Systems) والإنتظامات (Orders) الأخرى القريبة من نظامك، ستصبح قادراً على التكيف مع جميع البيئات الأخرى، ومرتاح البال في شتى الأحوال والظروف، ستتجول بلا خوف  خارج فقاعتك وحدودك الشخصية، وعندما يأتي الموت المحتم، ستكون بالتأكيد أقل تشبتاً بالحياة من الآخرين الذين جمعوا الماديات وتحملوا مختلف المعنويات القاسية إلى حد الإفراط، ستنتقل من الأرض عالِماً أنك حققت أهدافك الرئيسية المهمة وتركت خلفك إرثاً لا ينسى و صفةً يُقتدى بها.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

 

صلاح حزاممنذ ان كنّا صغاراً كان لنا جيران ومعارف للعائلة، يُشاع عنهم انهم لايؤمنون بالله وانهم مثقفون ويتكلمون بكلام صعب (مع المجتمع البسيط، بالطبع).

كانوا يصرّون على احتساء الخمر (العَرَق)، جهاراً وعلناً كجزء من مواصفات الشخصية المتمردة المثقفة التي لاتعترف بما هو شائع من اعتبارات اجتماعية..

احياناً كان يتم اعتقال البعض منهم بتهم سياسية ...

تثقيفهم المستمر للناس المحيطين بهم وثرثرتهم التي لاتتوقف، تتركز على ان الله غير موجود !! وان زيارة اضرحة الأئمة عمل تافه وسخيف !! لكنهم لم ينجحوا وكان الجميع ينظرون اليهم بريبة، لكنهم كانوا يعتبرونهم شخصيات ظريفة ( وفاسقة)!!

في السبعينيات التقيت بجماعات اخرى من المتعلمين وزملاء الجامعة، لكني فوجئت بانهم يتحدثون بنفس لغة اولئك القدماء: الله ماموجود وعليكم بشرب الخمر (كانوا يتباهون بانهم من كبار عشّاق الخمر).

أحد زملائي في الكلية وكان اسمه علي، جائنا الى الصف ذات يوم وهو يهتف: لقد سقطت فكرة وخرافة الله لان العلماء السوفييت توصلوا الى اختراع الخلية الحيّة، وبذلك اثبتوا ان لاداعي لوجود خالق مزعوم !!!

طبعاً الموضوع كان كذبة وان العلماء السوفييت لم يقولوا ذلك بل قالوا انهم يحاولون ذلك فقط من باب البحث العلمي..

قلنا له: ماذا تريد؟ هل تريد ان يلتف الناس حولك مع انك تعيش في مجتمع محافظ ويقدّس الدين ورجال ورموز الدين؟

هل لديك برنامج اقتصادي اجتماعي لتنمية المجتمع؟؟

هل تعرف ياعلي، بأن محو الأمية ورفع مستوى المعيشة واشاعة الثقافة الحديثة وجعل حياة الناس ذات معنى، كلها تعتبر مقدمات لتخفيف الهوس الديني ومحاربة الخرافات؟

هذه الايام التقي مع ناس واتعرف عليهم من خلال بعض الأصدقاء، فيكون اول ما يقوله أحدهم لي لتقديم نفسه: أنا غير مؤمن بالدين وبالله وهذه الخرافات، وأنا تقريباً أشرب ويسكي كل ليلة !!

حاول ان يقدّم نفسه كشخص متحضّر،

لكنه وكما قال أحد السياسيين في سياق حواره مع سياسي آخر من حزب آخر:

"بينما حاول فلان ان يبدو يسارياً، سقطَ فجأةً في هُوَّة اليمين..."

تسأله لماذا تفعل ذلك فيقول لك انه ماركسي، مع انه لم يقرأ الماركسية او ربما قرأ عنها بعض الشيء..

ماركس بالمعنى الفلسفي العميق لم يكن عدواً لرسالات الدين الاخلاقية لانه كان من اكبر المدافعين عن الفقراء والمحاربين للظلم والاستغلال ...

وعندما قال ان الدين افيون الشعوب كان على حق لانه كان يتحدث عن الفكر الكَنَسي السائد في اوربا الذي وقف بوجه التقدم وكان يحرق العلماء الكبار ويعذبهم ..

اليس البعض الآن في العراق يستخدمون الدين كأفيون لتخدير وسرقة الناس؟؟

ايها الاصدقاء، اذا كنتم ديمقراطيين وتحترمون حق الناس في التفكير والاعتقاد، لماذا تهينون عقائدهم؟ كونوا ماشئتم فأنتم أحرار لكن دعوا الناس يعتقدون بحرية.

اذا كنتم اصحاب مشروع او مشاريع اصلاحية وتنموية، فليس السبيل الافضل هو شتم الدين وشتم الله . قدموا انفسكم من خلال برامج وسياسات نافعة وبناءة، تكون نتيجتها الارتقاء باسلوب تفكير الناس ولكن دون قسر ودون سخرية وتسفيه لانهم سوف يبتعدون عنكم ويزيد التصاقهم بالخرافات التي تخدم الفاسدين.

احد الأشخاص كان محكوماً بالاعدام في العراق لذلك هرب الى اوربا وهو مُقيم الآن هناك، حدثته في أحدى المرّات عن قانون " الأجر الحديدي" الذي وضعه ماركس وكيف بذل جهوداً بحثية كبيرة لإنصاف العمال وتحسين أجورهم . تفاجأ الرجل وقال: كدتُ ان أُعدم بسبب تهمة الماركسية لكني لم اسمع اطلاقاً بهذا القانون وتعلمت فقط ان ماركس ضد الله .

قلتُ له: أنا لست ماركسياً ولكني درستُ ودرّست الماركسية في الجامعة كَمَدرَسة من مدارس الفكر الاقتصادي.

 

د. صلاح حزام

 

رحيم الساعديلا شك في أن الظروف السياسية والوقائع الاجتماعية التاريخية هي التي تقرّر مسيرة الحضارة، مع الفعل الثقافي فيها على وجه الخصوص، إن كان في نهوضها، أو في جمودها، وحتى في اضمحلالها وزوالها، والعوامل التاريخية .

 والتاريخ يدلّنا على أن ظروف نشوء الحضارة وازدهارها، أو اضمحلالها، متعلقة بعلاقتها مع بيئتها وموقعها ونشأتها، وطرق تعاملها مع ماضيها وحاضرها، وكيفية نظرتها إلى مستقبلها، مستمدة من روحيتها وإيمانها بعناصر الوعي لموقعها في العالم، ولبناء علاقاتها مع الآخرين وترسيم مستقبلها مع الآخرين لتأمين مصالحها، باعتبارها مصالح مجتمعاتها، أو مصالح كل فرد فيها أو باعتبار مصالح المجتمع هي محصّلة مصالح الأفراد، أو باعتبار مصلحة المجتمع تتجاوز مصالح الأفراد .

ويعلل بعض الباحثين من أنَّ الأسلوب المنظَّم الإيجابي الذي ينطوي عليه سلوك إنسان واحد يمكن أن يكون مؤثراً على آلاف البشر الآخرين سواء بشكل مُباشر أو غير مباشر، فكيف إذا ارتبطت الحالة بمجتمع إسلامي كبير، من هُنا نتفهم عدم غفلة الاتجاهات الأخرى المعادية وسعيها الدائب (كما تعترف بنفسها) في الكيد لإطفاء شعلة النور التي يأبى الله لها الانطفاء

وعندما شعر الغرب بخطورة المد الإسلامي في القرن الراهن توجس خيفة، فاخذ يخطط بجد لتحجيمه والقضاء عليه من موقع القوة والغرور والتعالي، ولقد عالج المفكرون الغربيون الكثير من القضايا السياسية التي ترتبط بمفهوم تأصيل وجودهم او تقويض الهوية الخاصة بالأمم الأخرى وكان ربما آخرها في 1989م في نظرية نهاية التاريخ في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة .

وبرزت تيارات الفكر العربي الإسلامي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بشكل عام تتمثل بتيار التجديد الديني والتيار الثقافي الذي يمزج بين الشرق والغرب كما عند الطهطاوي وخير الدين التونسي والتيار الثقافي الغربي لليسوعيين وتيار الجامعة الإسلامية للأفغاني والكواكبي وتيار الجامعة العربية .

على انه يلاحظ ان التيار المازج بين الشرق والغرب أراد الاقتباس من الغرب بالترجمة والتعريب وخلق الرأي العام وتنبيهه بالصحافة ورفع مستوى الشعب بالتربية والتعليم وتبسيط اللغة العربية وتحريرها من السجع والزخرف والدعوة الى تعليم المرأة وتصحيح المناهج .

إن الغرب نفسه يطرح مفهوم تحدي الهوية المتداخلة مع حضارته فقد وجد (ريتشار كوك) و(كريس سميث ) في كتابهما (انتحار الغرب) أن الغرب مهدّد بالتلاشي والاندثار، ليس بموجب قوى خارجية تهدّده، بل بموجب تقاعس الغربيين عن نصرة حضارتهم الملهمة والرسولة في نشر عقيدتها الليبرالية على صعيد العالم كله، ولا بد من تدارك الموقف، والعودة بالحضارة الغربية إلى مجدها التليد، ويحدد المؤلفان المرتكزات الأساسية للحضارة الغربية ومنها أهمية وعي الغرب لذاته، ولهويته، بالإضافة إلى الفردانية والليبرالية والإحساس بهوية الجماعة، وهي صبغة الغرب، المركّبة بسحر ساحر من أوروبا كهوية قومية إقليمية وأميركا كهوية حليفة، ولا بأس من جمع أستراليا ونيوزيلندا، وبهذا الخليط، تقع مسؤولية تحضير العالم ورفعه، بالتبعية اللازمة، إلى المصاف الذي يقترب فيها من الغرب والحضارة الغربية، وان أي بديل (للهوية الغربية هو إما شكل من أشكال الهوية التي تقسّم الغرب وتقود إلى عالم كريه وخطر، أو هي هوية ليست هوية جماعية مشتركة).

وهذا الالتفات الى الهوية نجده عند هيكل عندما يقسم الحضارات الى أصناف عديدة منها الحضارات القديمة قبل اليونان والتي يرى فيها ان الوعي فيها ضعيف لفقدانها الحرية بسبب حكم الملوك الاستعبادي ثم الحضارة اليونانية والرومانية التي امتلكت الوعي والحرية ولكنها استعبدت غيرها اما العنصر المرضي عنه بحسب هيجل فهو الجرمان وهو انحياز لهوية موطنه .

وهو امر لم يبتعد عن فكر شبنكلر وتوينبي، فالكتابة لدى فلاسفة التاريخ مثلا إنما هو عملية إحياء لأممهم أو للفكر الإنساني وبالتالي فهو وان دخل تحت مسميات النهضة أو الإصلاح او الوعي، فان مرده الى مفهوم الهوية او بناء الصورة العامة المتشحة بمجموعة أسس وقواعد يتفق على أهميتها وضرورتها مجموعة من الناس وهؤلاء الفلاسفة والمفكرين يدافعون عن تلك الأسس، بتلافي الأخطاء ومحاولة استقراء أفضل الأفكار وتقديم كل ما يمكنه من تعزيز وجودهم وهوياتهم .

ولا شك ان مفهوم صراع الحضارات لهنكنكتون يمثل جرس الإنذار المهم للفكر والسياسية الغربية، والذي أشار الى دراسة استشرافية لصدام يخص حضارات لها وجود على الأرض و ضرورة الانتباه الى خصائص كل امة او خصائص كل حضارة من هذه الحضارات وان الصدام هو صدام هوياتي او صدام الهوية بشكل أدق .

وربما ترد إشكالية، ان هناك من تفزعهم عملية التجديد المستوحاة من الغرب ، ويعدونها حركة تمرد وشقاق على الأمة وهدفها الإطاحة بتراث الأمة وهويتها، لكنهم برأيهم هذا إنما يصدرون عن فهم يقرن التجديد بالاغتراب الفكري والإيديولوجي وهو فهم ينطلق من تشبع بعض النخب بالقيم والمفاهيم الغربية وانبهارها بكل شيء وافد من أوربا ودعوتها للتخلي عن الموروث وقطيعة الماضي وسلخ القيم والأفكار والتاريخ لاستبدالها بالقيم الوافدة من خارج الوطن .

إلا ان الانغلاق على الذات هي إشكالية تعم كلا الحضارتين فالتعالي والفوقية الذين ابتليت بهما الحضارة الغربية لا تسمح لها بالانفتاح على الحضارات المناوئة، وعلينا نحن أيضا ان لا ننغلق على الذات الى حد رفض كل ما لدى الغرب .

فان من المسلمين من يدعوا الى الالتحاق بالحداثة الغربية وهناك من يدعوا الى حداثة إسلامية ملائمة لخصوصية الإسلام وضرورة الانفتاح على الغرب وبينهم يشجب مفهوم الحداثة بالكامل ويصر على إقامة النظم الإسلامية بمعزل عن كل التجارب، وتميز مفهوم الحداثة للشهيد الصدر بالأصالة والشمول والهيكلية فهو ليس نهجا تحديثيا غربيا بل تضمن نقدا شاملا للحداثة الغربية في أسسها الفكرية والفلسفية وتجليات ذلك في السلوك والعقيدة، فنهجه لم يكن منغلقا بل يساجل وحاور الفكر الغربي وضمن بعض أفكارهم، ولم يكن انتقائيا تجميعيا فمنهجه يختلف لانه يتوافق و الترابط العضوي والبناء الهرمي الذي ميز كيانا حيا ناميا

ومع وجود هذا التخوف فان البعض يحاول ان ياطره بعدد من القواعد أو الأفكار الراهنية التي تفسر النزوع الغربي ومحاولته إثبات هويته بانتزاع أو جذب هويات الحضارات الأخرى .

ولقد عرضت قيادة العالم والمسيرة الحضارية الإنسانية، الاحتمالات الممكنة لنوعية العلاقة بين (الغرب والبقية) في ستة نماذج عقلية، يمكن أن تتلخّص بما يلي :

1- الشمولية الغربية، وهو الرأي الذي يقول بأن الغرب يمثل الحداثة، وأن العالم سيصير غربيًا لا محالة.

2- الاستعمار الإمبراطوري الليبرالي الذي عليه أن يصنع من العالم صورة عن الغرب ولو بالقوة.

3- العالم المبني على الطريقة الأميركية، بسلامه واقتصاده، وبمنطقه المعَوْلم .

4- الغرب (القلعة) الذي عليه أن يحمي نفسه ويتخلى عن رسالته تجاه العالم .

5- العالم الكوزموبوليتاني الذي لا بدّ أن يحلّ في حضارته الواحدة الغالبة.

6- العمل على دفع إستراتيجية التعايش إلى الأمام بتشعّباتها الأربعة: الاحترام المتبادل للحضارة، والقناعة التامة بالعيش المشترك، وتجديد المثل العليا الغربية، وجذب العالم إليها بدون قسر أو شعور بالتبعية.

في هذا النموذج الأخير، يمكن أن ينبني العالم على التفاهم والتعاون وترسيخ الاستقرار، بتبادل المصالح دون استعلاء أو تبعية .

ومن مجالات التغريب المنهج وهو اخطر مجالات التغريب سيما في مناهج الدراسات الإنسانية ومحاولة فرض مناهج العلوم المرتبطة بدراسة الإنسان والعلوم المرتبطة بالطبيعة، والتعليم وهو ما أدركته القوى التغريبية فاستثمرته ونظمت له المناهج والأموال لصياغة عقلية الأمة وروحها صياغة تتخلى فيها عن مقوماتها الشخصية الأساسية في الدين والقومية والعادات واللغة وتتعلق بمقومات حضارية طارئة .

ولابد من القول ان ثنائية التغريب والهوية تبادلا الشد والجذب في اغلب الحضارات والمجتمعات، وربما تداخلا أو دخلا بصورة النسبية لأنهما يعتمدان أحيانا على فهم جغرافي أو اجتماعي أو سياسي فالشرق باتجاهه للغرب ربما مكننا من تحديد التغريب إلا ان القضية ستختلف عند الحديث عن نسبة الجنوب والشمال .

على كل حال فالمعنى يتضح هنا في وجود كيان قوي يحاول السيطرة على آخر فيه نوع من الضعف وإذا فمسالة التغريب هي سياسية كما يلوح لي، وقد صنعتها عوامل شتى منها الاستشراق والعامل السياسي بمحاولة السيطرة على البلدان الإسلامية وغير الإسلامية اما مسالة الهوية والاستماتة بالدفاع عنها فهي إيديولوجية بشكل واضح .

 

د. رحيم الساعدي

 

محمد العباسيأنا شخصياً أعتبر الترتيب المتعارف عليه في ذِكر "الثواب" قبل "العقاب" في مجمل أدبياتنا معكوس.. حيث أن البشرية قلما تسن قوانين الثواب والمكافأة مقابل سن قوانين العقاب والمخالفات والتصيد لكل مخالف للقوانين والاشتراطات الموضوعة للتحكم في مسارات مجتمعاتنا، سواء في دولنا النامية أو تلك المتبجحة بمصطلحات الحرية والديموقراطية!

يقول "د. سعيد بن علي العضاضي" في موقع (الاقتصادية) أن "الثواب والعقاب" مبدأ مؤصل في موروثات الحضارات البشرية لدفع الناس لبذل مزيد من الجهد أو لتصحيح أشكال الانحراف في السلوك.. كما أنه يصنف كأحد أهم أنواع الحوافز أو الدوافع لتشجيع بعض الممارسات الايجابية أو للتصدي لتلك التي تعتبرها سلبية.. ويقول "ألان ويس" صاحب كتاب (الدليل غير الرسمي للمدير المتميز): "إن منهج الثواب والعقاب أصبح منهجا بدائيا وفظا ولا يليق أبدا بالمرحلة التي نمر بها".  ويضرب لنا مثلا عن الثواب فيقول: لو كان أحد أبنائك كسولا وغير جاد في تحقيق أهدافه وأهداف الأسرة وأردت استخدام الثواب متمثلاً في المكافأة المالية مثلاً كحافز لتغيير سلوكه ودفعه إلى ما تريد تحقيقه فإنه سيلبي طلبك بأقل مجهود ممكن وبأقل حماس.. وسيظل ينتظر منك أمراً آخر، ولكنه في الوقت نفسه ينتظر منك المزيد من المال، والنتيجة ستكون ابناً كسولاً بات لديه مزيداً من المال.. كما أن "العقاب"- الذي يطلق عليه "الحافز السلبي" - ليس حافزاً هو الآخر وقد يؤدي إلى نتيجة أكثر ضرراً من "الثواب" لأن "العقاب" يُشعر الفرد بالخوف، والخوف بدوره قد يحرك السلوك بشكل مؤقت أو بنتائج لحظية وقصيرة المدى والأمد.

ونريد في هذا المقال أن نلقي الضوء على مبدأ "الثواب والعقاب" من منطلق السؤال: هل هو بالفعل حافز، أم أنه مجرد محرك للسلوك؟   كما نريد معرفة تأثيره ليس فقط في مجال الأعمال مثلاً، بل في كافة مناحي الممارسات الحياتية والتربوية والمنجزات والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية والحياة الزوجية وتربية الأبناء، وهكذا.. ويشرح "د. العضاضي" الوضع بالنظر إلى الاسلوب الروماني القديم في الحروب حيث كانوا يضعون صفوفاً من المقاتلين المدججين بالسلاح في الصفوف الأمامية ومن خلف كل مقاتل محارب آخر يحمل رمحين أمامه موجهين لظهورهم.. أما المحاربون في الصف الثاني فهناك رماح موجهة إلى ظهورهم أيضاً، وهكذا في جميع الصفوف الخلفية.. وبهذا يتحرك جيشاً بأكمله يقاتل أفراده بدافع الخوف على أنفسهم في المقام الأول، وهكذا تحرك لا يمكن اعتباره حافزاً ايجابياً لأن الجنود يتحركون من أجل إنقاذ حياتهم من الرماح الموجهة لظهورهم، وبهذا يتم دفعهم نحو سلوك معين، لولا الخوف ما فعلوه.

ومبدأ الثواب والعقاب ليس مقتصراً على العصور الغابرة بل مازال يستخدم حتى الآن في كثير من الاقتصادات والمنظمات والمدارس والجامعات لتحريك الأفراد ويُنظر إليه على أنه عامل محفز للدوافع.. فلو أخذنا العقاب مثلا فإننا نراه يستخدم بكثرة في تحريك الموظف في مقر عمله، والطالب في مدرسته، والمرأة في بيتها، والمواطن في بلده، الذي قد يختلف بين موقع وآخر هي الأدوات فقط.. ففي العصر الروماني كان يستخدم الرمح ليشعر المحارب بالخوف فيتحرك إلى الأمام ويقاتل، أما الآن فيستخدم بدلا من الرمح أمور كالخصم من الراتب للموظف، والتهديد بالطلاق للزوجة، والتشكيك في الوطنية للفرد.

وكذلك الأمر في مجال التربية مثلاً، فقد تنوعت الرماح الموجهة إلى ظهور البنين والبنات من قبل الآباء والأمهات والمربين والمعلمين ما بين ضرب مبرح، فتعنيف شديد، أو حبس، وقد يكون العقاب بالتهديد أو الحرمان من الكماليات كالترفيه مثلاً، أو الحرمان من المصروف، بل قد يتعدى الأمر إلى الحرمان من الضروريات في بعض البيئات.. وينبغي علينا معرفة أن الثواب والعقاب عبارة عن أداتين قصيرتي الأجل لتغيير السلوك فكل ما يفعلانه هو الشعور المؤقت بالطمع في حالة "الثواب" والشعور المؤقت بالخوف في حالة "العقاب" فيتحرك الفرد، وهذا التحرك لا يمكن أن يكون تحفيزاً.. فإذا استخدمنا الثواب لدفع الأبناء على نهج سلوك ما فإننا نحتاج إلى منحهم هذا الثواب في كل مرة نطلب منهم شيئاً.. وعند استخدامنا للعقاب فإننا نرغمهم بالقوة على اتباع سلوك ما فيتحركون نحو ذلك، وإذا أردناهم أن يفعلوا ذلك مرة أخرى فأننا مضطرون لتطبيق العقاب بشكل مستمر ولو بطريقة أخرى لأنهم سيفعلون ذلك دون رغبة أو رضى واقتناع، وهذا أيضا لا يعتبر تحفيزاً ناجعاً.

ففي دراستي لنيل الدكتوراة تحت عنوان "سيكولوجية تعلم اللغات" اكتشفت أن مسألتي المكسب والخسارة في عملية اكتساب وتعلم اللغات يؤديان بالضرورة لتحفيز الدوافع نحو التعلم.. وبينت نتائج الدراسة الميدانية أن الخوف من عدم كسب اللغة الإنجليزية كمثال هو الأقوى والأعم بين المتعلمين لما يجدون من أثر للتقاعس في كتساب مهارات اللغة الإنجليزية في مجتمعاتنا وكم التأثيرات السلبية في مستقبل حياتهم العملية وفرص الاستزادة من مناهل العلوم والتطور.. وفي الجانب الآخر بينت الدراسة أن من يقبلون على تعلم اللغات من منطلق حبهم ورغبتم الداخلية للتعلم وكسب لغات جديدة تكون دوافعهم ايجابية وبالتالي يكتسبون هذه اللغات بشكل أقوى وأكثر رسوخاً واقتناعاً.

قد يعتبر البعض بأن الحافز بالضرورة يجب أن ينبع من داخل النفس الإنسانية بفعل القناعة والرغبة وحب الشيء، أما "الثواب والعقاب" المفروضين فيبقى تأثيرهما خارجياً وقد لا يصل إلى أعماق النفس، ولهذا لا يمكن أن يطلق عليهما حافزاً طبيعياً.. وهذا قد لا يعني بالضرورة أن الثواب والعقاب لا يحدثان تغييراً في السلوك، بل هناك تغيير ولكن يظل هذا التغيير مؤقتا لأن تأثيرهما يظل خارجياً ولن يلامس المشاعر ويقتنع به المتلقي.. كما أنهما عرضة للانتكاس بمجرد أن يختفي المؤثر ولهذا فهما ليسا وسيلة تحفيز يمكن أن تستخدم لتغيير سلوك الأبناء بشكل عام وفي كل المواقع.. فالتحفيز يجب أن ينبع من داخل الفرد ويؤدي إلى تغيير سلوكي عميق وطويل الأمد وعندما يصل إلى هذا الحد فليس هناك حاجة إلى تكراره كما هو الحال في الثواب والعقاب، لذا ينبغي على الآباء والأمهات والمربين والمعلمين ألا يبالغوا في استخدام مبدأ "الثواب والعقاب" ويبقى للضرورة، وقد يتساءل البعض فيقول وما هو البديل؟

ويمكن هنا الاسترسال قليلاً في موضوع حاجة المجتمعات لسن القوانين العقابية بكل صورها.. فهل جل هذه القوانين تمنع تفشي السلوكيات المرفوضة كالجريمة والتعدي على حقوق الآخرين؟   وهل نجحت السجون مثلاً في التحكم أو في تقليص معدلات الجريمة في العالم؟   كل المؤشرات تدل على أن الجرائم في ازدياد وأن السجون لم تعد تعييد التأهيل أو تصلح في نفوس المجرمين واللصوص ليصبحوا بعد فترات العقاب أكثر إيجابية نحو ممارساتهم بشكل عام.. فيبدو الأمر وكأنما الأحكام القضائية بالعقاب لم تعد مجدية بالشكل المرجو منها.. بل أن معدل الإجرام والاغتصاب والسرقة وكافة أشكال العنف سواء كانت فردية أو على مستوى الدول في ازدياد مضطرد.. وكذلك الصراعات والمجازر والفظائع حول العالم.. حتى النوازع النابعة من الأديان في موضوع الثواب والعقاب في الآخرة لم تعد مجدية لثني الناس عن الممارسات المرفوضة ولا يبدو أنها تحثهم على الانخراط في ممارسات مطلوبة لبث الطمأنينة والعطاء وعمل الخير واحترام الغير.

بل يتمادى التفكير في الولوج في مسألة "الجنة والنار".. فهل نجحت الأديان في ترغيب البشرية في كسب الآخرة وكسب "الثواب" الأعظم بعد الممات، وهل نجحت الأديان عبر الترهيب من ويلات "النار" في دفعهم نحو الكف عن الممارسات المنهي عنها.. حتى قال البعض في هذا الشأن إن كان هنالك عقاب أو ثواب "إلاهي" و "أبدي" في فكرتي "النار" و"الجنة" فما حاجتنا إذن لسن القوانين العقابية الدنيوية "المؤقتة" في الأرض، و هي في أغلبها نابعة من الأديان؟   فأكثر المجازر والعنف والعنصرية البغيضة والكراهية المتفشية بين الأمم ومنذ أمد عمر البشرية نجدها نابعة ممن يحسبون أنفسهم مقتنعون بممارساتهم المشوهة من منطلق التدين والتعصب والطائفية والغلو في الممارسات والتفسيرات الدينية ومن منطلق رفض كل من لا يدين بذات الدين ويتبع ذات المذهب، وهكذا.. والمفروض أن يكون المتدينين هم أكثر الناس إيماناً بكسب الثواب الأعظم في آخرتهم عبر نشر الخير بين كافة ملل الأرض.

ويقال بأن "دلاي لاما" (القائد الديني الأعلى للبوذيين في ‏التبت) قال في رد عن سؤال يتعلق بالعقيدة الفضلى: العقيدة الأفضل هي تلك التي تجعلك أقرب إلى الله.. ‏هي تلك التي تجعلك شخصاً‎ ‎أفضل، أكثر رحمة، أكثر حساسية، أكثر ‏محبة، أكثر إنسانية، أكثر‎ ‎مسؤولية، أكثر جمالاً.. العقيدة ‏التي تفعل معك كل هذا تكون هي الأفضل‎.‎

فالكون هو صدى لأفعالنا وصدى لأفكارنا، وأن ‏قانون الفعل ورد الفعل ليس يخص فقط عالم‎ ‎الفيزياء، ‏بل هو أيضاً قانون يحكم علاقاتنا الإنسانية.. فإذا ما ‏امتثلنا للخير سنحصد‎ ‎الخير، وإذا ما امتثلنا للشر فلن ‏نحصد إلا شراً.. وسوف نجني دائماً ما نتمناه للآخرين، ‏فالسعادة ليست شيئاً يخص القدر‎ ‎والقسمة والنصيب بل ‏هي اختيار وقرار!

وتضيف في هذا الشأن الأستاذة "فاطمة ناعوت" على موقع (المصري اليوم) أن "دلاي لاما" قال: "انتبه جيداً لأفكارك لأنها سوف تتحول إلى كلمات.. ‏وانتبه إلى كلماتك لأنها سوف‎ ‎تتحول إلى أفعال.. ‏وانتبه إلى أفعالك لأنها سوف تتحول إلى عادات.. ‏وانتبه إلى عاداتك‎ ‎لأنها سوف تكوّن شخصيتك.. وانتبه ‏جيداً إلى شخصيتك لأنها سوف تصنع قدرك، وقدرك ‏سوف‎ ‎يصنع حياتك كلها...".

أما في مجتمعاتنا الإسلامية فنجد في "الثواب والعقاب" وسيلة من وسائل التربية التي يعتمدها القرآن لصيانة المجتمع من أهوال الانحراف ولمنع الإتيان بالمنهيات والمحرمات والمظالم والشذوذ عن الطريق القويم، ولتأديب الجناة والمخالفين وللترهيب من الجناية، ولحث المؤمنين على أن يتمسكوا بدينهم ودفعهم إلى الاستزادة من العمل الصالح رغبة فيما عند الله ورجاء عفوه ومغفرته في الدنيا والآخرة.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عصمت نصاريبدو أن مفكرنا لم يستطع التخلص من مواطن الاضطراب والتناقض في خطابه؛ وذلك لأنه صرح مؤكداً - غير مرة - على أن علة عجز التراث العربي الإسلامي عن القيام بدوره كألية محافظة على النهوض والتجديد وإعادة البناء يرجع إلى بنائه وبنيته؛ فهو من وجهة نظره مجرد ركام من المعارف اللغوية البيانية أو المعتقدات الحدسية العرفانية أو العقائد البرهانية الدينية المتشابكة من حيث الشكل والمتضامنة من حيث البنية والمتون، وجميعها لا يقوى على اللحاق بالعلم المعاصر. ومن ثم؛ فالتراث لا جدوى من تقويمه وإحياءه، ويرجع ذلك لعطب بنيته وعجزها عن التواجد في ثقافة ما بعد الحداثة المعاصرة.

وأقصى ما يمكن فعله حيال هذه البنية الوافدة من الماضي هو التأويل والقراءة النقدية التفكيكية حيث العقل الحر الذي لا يحتكم إلا إلى (الواقع والوعي والشعور)؛ وذلك لأن مفهوم العلم البرهاني المعاصر أختلف تماماً عن مفهومه في كتابات الصوفية أو أقيسة الفقهاء أو أدلة المتكلمين أو مبررات الفلاسفة الذين حاولوا التلفيق بين المنقول والمعقول.

ويمضي "الجابري" في مغالطاته فيزعم أن التراث العلمي للحضارة العربية الإسلامية - كما أوضحنا سابقاً - قد نشأ منفصلاً ومعزولاً عن الفكر العقدي. ومن ثم كان هو الأجدر وحده بالإحياء والتواصل مع أليات التقدم؛ الأمر الذي يبرر إقبال مفكري أوروبا وعلمائها وفلاسفتها على ترجمته ودراسته ثم تطويعه وذلك منذ القرن الحادي عشر. ولعلَّ ابن رشد وابن الهيثم وأبو اسحاق البطروجي هم أفضل النماذج لهذا التراث الذي يجب علينا إحياؤه - دون غيره - في رأيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من الذي زعم بأن التراث العلمي العربي الإسلامي كان بمعزل عن باقي أروقة الثقافة الإسلامية؟ ومن الذي ادعى أن ابن رشد جحد المنقول والشريعة انتصاراً للفلسفة والحكمة العقلية الخالصة؟ ولو سلمنا بهذا الاعتقاد الخاطئ فما هو العائق الحقيقي أمام "الجابري" حيال الفكر الموروث مادام هو يعتقد بأن العلم كان منفصلاً عن الدين، وأن الإسلام لم يعادي العلماء كما تصورت الكنيسة في العصر الوسيط؟

أضف إلى ذلك أن كتاب أبا حامد الغزالي (تهافت الفلاسفة) لم يقض على الفلسفة، ولم يعطل العلم كما ادعى الجابري - وعشرات المستشرقين من قبله - ولم تمنع الثقافة السائدة قلم ابن رشد للرد عليه في كتابه (تهافت التهافت).

والحق أن مشروع الجابري لم يستطع تبرير حملته على التراث الذي لا يخلو بطبيعة الحال من مواطن الإخفاق ومواضع الانكسار ومواقع التخلف وغير ذلك من معوقات النهضة وهي الأمور التي ناقشها وحللها وقومها وعمل على إصلاحها عشرات النهضويين المحدثين وقادة الفكر في الثقافة العربية الإسلامية بداية من حسن العطار، إلى ذكي نجيب محمود, فجميعهم لم يتطرف في نقداته بنفس القدر الذي وجدناه عند مفكرنا الذي ادعى بأنه صاحب مشروع نهضوي معاصر. ومن أقواله في ذلك: "إن هذا الاتجاه التجديدي الذي عرفته الأندلس والمغرب، والذي بقى لمدة تزيد على ثلاثة قرون, يغالب ذلك التيار الجارف، تيار التداخل التلفيقي المكرس للتقليد في عالم البيان، وللظلامية في عالم العرفان، وللشكلية في عالم البرهان. أقول أن هذا الاتجاه التجديدي قد بقى يتيماً في عصره. لقد كان بمثابة لهيب الشمعة الذي يتوهج لحظة انطفائها، أن رياح التاريخ، تاريخ العلم وتاريخ التقدم كانت قد تحولت إلى أوروبا فبقى العقل العربي محكوماً بنفس السلطات التي أفرزتها عملية البناء الثقافي العام التي شهدها عصر التدوين، والتي كرستها كـ "بنية محصلة" عملية التداخل التلفيقي التي دشنها الغزالي، واكتملت مع الرازي ومازال مفعولها قائماً إلى اليوم".

ثم ينتقل "الجابري" إلى قضية غاية في الأهمية ألا وهي ثنائية قراءة المتون واستيعابها ومعنى النص ودلالته ومقاصده التي أنتجها العقل الديني الظاهري، والمعنى الباطن العرفاني، والمقصد البرهاني للعقل الجمعي من جهة، والتأويل التفكيكي للنص الذي ينتجه الأنا الحر في ثقافة مغايرة وظروف مختلفة من جهة أخرى، ويقصد بذلك أن من شروط النهضة - المرجوّة في مشروعه - تمرد العقل الحر على تلك التفسيرات أو التأويلات السلفيّة للآيات القرآنية.

ويريد من ذلك اعتبار تفسيرات وشروح السلف قيوداً باليه يجب التحرَّر منها؛ ليظل النص المقدّس حياً بإلهام من تأويلات الأنا وقناعتها. ويقول في ذلك : " نعم، نحن نعرف أن العقل العربي قد تكوّن أساساً من خلال التعامل مع النص (في التفسير واللغة والكلام...) ونحن لا نطعن في هذا؛ لأنه على أية حال معطى تاريخي لا معنى للطعن فيه، ولكن الشيء الذي يجب أن يكون موضوعاً للفحص والنقد هو ذلك المسلك الذي سلكه الأقدمون في فهم النصوص والذي يقوم على أسموه ب "الاستنباط" بيانياً أو عرفانياً. لقد تعاملوا مع الألفاظ وكأنها منجم للمعاني وأخذوا يطلبون منها ما يريدون، أي ما يستجيب لآراء ونظريات جاهزة هى آراء المذهب سياسياً كان أو عقدياً أو فلسفياً أو عرفانيّاً. هنا تنتزع اللفظة أو العبارة من سياقها لتتضمن معنى جاهزاً، وبما أن مصداقية المذهب تتوقف على النجاح في جعل النص الديني يتضمن ما يقرره من وجهات نظر؛ فإن كل الفاعلية العقلية تتركز حينئذ في تطويع اللفظ لجعله يتضمن آراء المذهب, وذلك هو التأويل".

ويضيف "الجابري" أن تأويلات الأقدمين قد تعددت تبعاً لميول أصحابها (أشاعرة، معتزلة، مرجئة، شيعة، ظاهرية، خوارج) ويعني ذلك أن كل هذه التأويلات مجتمعة لا يمكن الحكم عليها بأنها برهانية عاقلة أو يقينية ثابته متفق عليها، ومن ثم فقيودها تخضع لقواعد الاحتمالات والممكن والظن. وعليه لا حرج على العقل التفكيكي - في عصر ما بعد الحداثة - التحرر منها كلية أو تعديلها أو نسخها. ويقول في ذلك : "هنا مع سلطة السلف يفقد العقل كل سلطة من عنده، ويفقد سلطته هو نفسه كفعالية قائمة على ربط المسببات بأسبابها ... هذا العقل لا يعرف اللزوم المنطقي، ولا يصدر عن مبدأ السبيبة؛ بل عن مبدأ التجويز ... وهكذا؛ فالفقيه أو النحوي أو المتكلم أو الناقد البلاغي أو العارف أو العرفاني أو غير هؤلاء ممّن تكون عقولهم داخل الثقافة العربية وحقولها المعرفية يخضعون في تفكيرهم، وبهذه الصورة أو تلك وبهذه الدرجة أو تلك، لسلطة اللفظ وسلطة السلف والقياس وسلطة التجويز".

وخلاصة الأمر أن مفكرنا يريد إخضاع النص المقدس المتمثل في القرآن، وصحيح السّنة للقراءة التفكيكية متجاهلاً بذلك خصوصية تلك النصوص. فإذا كان الهدف من القراءة استجلاء المعاني فهو من الأمور الميسورة ذلك بفضل المعاجم الدقيقة التي تحرت المعنى المختلف على دلالتهِ بمنهج استقرائي محاكي للواقع المعيش للنص؛ فالقرآن والحديث لم يكتبا بلغة مهجورة أو مطلسمة كما أن الإحالات الإشارية والاصطلاحات الرمزية وردت بها في أضيق الحدود. واذا انتقالنا لمقصد الآيات؛ فستكشف اجتهادات المفسرين أن غايتها مدركة ومراميها مفهومة كما أن تعدد اجتهادات المُفسرين والمؤولين لم تتباين أو تتعارض إلى درجة التناقض، وذلك بفضل النسق العام الشرعي الذي يحكمها. أضف إلى ذلك إعلاء المجتهدين لمنهج تفسير القرآن بالقرآن واتفاقهم على أنه لا يجوز إعمال الرأي أو الاجتهاد في تأويل نص قطعي الدلالة أي واضح بذاته.

ويبدو أن "الجابري" انتصاراً إلى نهج ما بعد الحداثة أراد التشكيك في علوم القرآن الضابطة لمفهوم نصوصه أو مقاصدها. أمّا الألفاظ المختلف على دلالتها في النص القرآني وصحيح السنة، فهي لا تشكل قضية على النحو الذي صوره مفكرنا، وقد فاته أن علة عظم قضية قراءة النصوص وتأويلها في الديانتين اليهودية والمسيحية ترجع إلى عدة أسباب لا نجدها في النص القرآني مثال (تحديد لغة الوحي، سلامة المتن، الغموض، الرمزية، وكثرة الإحالات الإشارية). ذلك فضلاً عن تباين الترجمات واختلاف الفرق والمذاهب حول بنية المتون.

ولعل كتابات شلاير ماخر (1768م - 1834م) ومارتن بوبر (1878م - 1965م) وكاي نيلسن (1925م - 2021م) في هذا السياق خير شاهد على أن تأويل النص المقدس يعد من أكبر القضايا في فلسفة اللغة، وفلسفة التاريخ، وفلسفة اللاهوت، وفلسفة الدين في الفلسفة الغربية المعاصرة.

وأعتقد أن "الجابري" تأثر تأثراً كبيراً بكتابات فلاسفة الدين اليهودي، والمسيحي، وخلافاتهم حول إشكالية الناسخ والمنسوخ، والوحي الإلهامي وغيبة الوثائق، وغير ذلك من الموضوعات غير مطروحة في ثقافتنا الإسلاميّة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

حمزة بلحاج صالحإن الجوع والظمأ عند المثقف المبدع والباحث صاحب المشروع ليس بالضرورة فقرا مدقعا أو الحاجة الى لقمة عيش يومية في حدها الزهيد...

فقد باتت لقمة العيش في حدها البسيط لسد الرمق عموما ميسورة للكثير...

إن المثقف العضوي والرسالي يحتاج إلى إستقلالية في العيش والرزق تؤمن له مستقبله ومستقبل نسله وتحميهم وتمنحه هو وأهله الطمأنينة...

يكتب ويبحث ويتنقل ويؤسس مراكز البحث ويكتب للتأليف ويشرف على فرق البحث ومشاريع النهضة ويؤسس صهاريج الأفكار (ثينك تانك) ويشتغل على الجيوسياسة والاستراتيجيا والاستشراف بتحصيل المعلومة من مصدرها وفي زمنها بكلفتها الباهظة واليات تحصيلها المعقدة...

 يكون الأجيال أي ذات الإستعدادات للتشكل كنخب قرير العين هادىء النفس مطمئنا متفرغا كليا لصناعة العقول لا يشعر بنقص يتهدد راحته وتفرغه وعيشه الكريم...

إنني اتحدث هنا عن نخب قديرة ومثقفين سامقين ومفكرين كبار وقامات سامقة علميا ونادرة (النخبة - الأمة) "إن إبراهيم كان أمة" -قران كريم - لم تساعد المناخات السائدة إسلاميا وعربيا سنيا وشيعيا في ظهورهم بوفرة وانتاجهم وتشكلهم وتكاثرهم

كلما ارتبطت علاقة المثقف والنخب بالسلط الحاكمة وذوي النفوذ رزقا ووجودا ماديا ومعنويا إلا وعكر ذلك صفو عقله ونفسه وحالته الإبداعية ونال من إستقلاليته واتحضار كامل قدراته الإبداعية ... 

إن اقتراب المثقف المبدع من السلطة يبتلع ويلتهم نصف عمره وإمكاناته وأسثني حالات تقتضيها الضرورات كممارسة الحوكمة الراشدة لما يتوفر عليها هذا الأخير كما أنني أتحدث عن النخبة والمثقف القدير من جهة وجوده على رأس فرق بحث في مؤسسات يشرف عليها اشرافا علميا لا بمفرده لكن مع فرق بحث منسجمة ...

لا بد من إيجاد اليات لتأمين حال النخب المتميزة والقديرة على ندرتها وقلتها والمنفلتة من هيمنة الأنساق السائدة والفهوم الفاسدة ومن السلط والانظمة والمجتمعات أيضا هذاعلى ندرتها...

حتى يتفرغوا فقط للإبداع والتفكير في مخارج وخلاصات ومشاريع جادة للتحرر من التخلف لا تهويمات ويوطوبيات وترديدات وشعارات جوفاء وكتابات سطحية وكلام فارغ من قبيل الثرثرة أو مكرور...

هذا العمل لا يقدمه الفرد المتميز بل فريق بحث يقوده الفرد المتميز علميا من النخبة مرفوقا بالوسائل والأدوات المادية والإمكانات البشرية يحقق بها أهدافه ومرفوقا بتأمين وأمان للنفس والمال والعرض والقوت والمحيط وهامش حرية معتبر ولو خارج بلاد المسلمين...

إن المثقف العملي صاحب القضية والباحث المستقل الذي يتخبط في وحل نفسه ومع ذاته ويجد صعوبات في لقمة عيشه وأساسيات العيش الكريم وتأمين مستقبل أولاده كيف به ترى يبدع...

بل لن يبدع إلا كلاما فارغا أو مكرورا وثرثرة مستنسخة وولاءات بئيسة ومحنطة وتحصيل ريوع ومنافع مادية يلهث من وراءها على قاعدة " جوع كلبك يتبعك"...

لا يمنح المثقف الصدقات من يد عليا إلى يد سفلى ويطلبها ويلح على طلبها أو يطرق صباح مساء الأبواب لتمنح له من يد عليا في حالة من الذل والهوان بدل أن يتحسس حاله وتمنح له عن جدارة واستحقاق فينالها بعزة وكرامة وانتظام ويؤتاها ويقبض عليها كحق معلوم ومقنن يؤمن بصفة دائمة عيشه الكريم الشريف...

إن المثقف الذي يتخبط في وحل مصاريف بسيطة كاقتناء الكتب من معارض الكتاب ومن مختلف البلدان وكذلك الدوريات العلمية الجادة التي يقتنيها أو يشترك فيها فلا يستطيع...

 أو المثقف الذي لا يتمكن من توظيف ودفع مستحقات مترجمين قديرين الى جواره وكتاب لنسخ اعماله او مساعدين في انجاز وانتاج اعماله بل اعمال فريق بحث يشرف عليه إذ لم تعد الأعمال الفردية بقيمة اعمال البحث المعمقة لفرق البحث ..

أو المثقف الذي يجد من الصعوبات في طبع واستنساخ كتب يحتاج إليها فلا يستطيع وغيرها من الحاجات البسيطة ترى كيف ينتج جيدا وجديدا ومفيدا وعميقا بل سينتج مكرورا وسطحيا وهشا...

و كذلك المثقف الذي يجد صعوبة في تغطية مصاريف المشاركة في الورشات البحثية الجادة العلمية للملتقيات وورشات العمل والتربصات التي لا تتم المشاركة فيها الا بمساهمة مادية حتى في العالم عموما والعربي والاسلامي على ندرة جودتها...

و كذلك تفعل الجامعات ومراكز البحث في عالمنا العربي الاسلامي فما بالك عند الغرب رغم هشاشة ما يطرح عربيا وإسلاميا فتراه لا يستطيع...

إن المثقف الذي يجد صعوبة في تغطية مصاريف هاتفه واتصالاته وشبكة علاقاته المعرفية والعلمية والثقافية والسياسية ومصاريف تنقله إلى العالم لاكتشاف الإضافات العالمية المعرفية الحديثة واقتناء وسائل للاعلام الالي والنسخ وغيرها...

وأكرر وهذا مهم لا يملك مترجما في مؤسسة لو قدر له أن يديرها ليواكب بعض ما تنتجه وتقذفه مطابع الغرب ومؤسساته البحثية...

كيف تطلب من هذا المثقف والمفكر والباحث الذي يعاني من هذه المشكلات البسيطة أن يفكر بعمق في إشكاليات الراهن ويكون مانحا لأمته ولمؤسسات الأمة التي يلهيها الضجيج والتهريج عن مثل هذا المفكر الجيد على قلته وندرة أمثاله...

و العبرة بل التحدي هو كيف نستنسخه ونستنسخ بمعنى ننتج مثله ومن هو أفضل منه وتوليده كما تولد النخب في المجتمعات الحديثة لا يضرها أن تتأثر جماهيرها بالسياق العام...

المثقف والمفكر الرسالي الذي يعجز عن اقتناء الة طابعة وجهاز إعلام الي أو " لاب توب " بسعة تخزين محترمة و" طابليت " فائقة النوعية والة تصوير وجهاز سكانير لاستنساخ البحوث والكتب واقتناء الورق ووسائل التخزين والاقراص وغيرها...

بل الكارثة ومن اجل تصوير دقيق لهزالة المشهد أنه لو كسر زجاج نظاراته لاحتار كيف يقتني غيرها وهو من يقتني إطارنظاراته الهشة من السوق الشعبية بجودة معدومة لبؤس حاله وغيرها من الجزئيات البسيطة للأسف والتي ترتهنه وتستلبه وتحنطه وتقتله قتلا بطيئا وغيرها من المشاهد المحزنة والمخزية...

في وقت تستنبت وتشيد في دول الغرب التي تحترم عباقرتها ونوابغها قرى ومدن للمعرفة تتوفر على كل شروط وظروف الراحة والإبداع لأنهم فهموا مكانة المثقف والباحث والنخبة ومعنى وأهمية قول أحد أئمة المذاهب " لو كلفت بصلة ما تعلمت مسألة"...

 فشيدوا في كل بلدانهم وأوطانهم ما يشبه " سيليكون فالاي " فمنها ما نراها ومنها ما لا نراها ولا نسمع عنها...

كيف نطالب مثل هذا المثقف أن يكون معطاء ووضعه الصحي يتاكل يوما بعد يوم ومشكلاته الإجتماعية والمادية تتفاقم وتغزوه وتكبله وتلهيه وتشوش على تفكيره وعقله ونفسه...

عندما نتكلم عن نوع من المثقفين نعني" نفر/ قدوة " ونعني خبراء مقتدرين ونعني باحثين متميزين ونعني فلتات يكتشفون بالمجهرلا من تعودوا التطفل على المال العام ولعق

الاصابع وقضاء حوائجهم الدنيوية ولو حملوا الشهادات العليا...

ولا نعني أن يتم التكفل تكفلا رفيع الكلفة بكل جامعي فليس كل إمعة وحامل شهادة عليا إستثمار مفيد للمستقبل او في كل باحث بالاسم والعنوان والشهادة والرتبة...

و من الذين يسمون جامعيين من يسترزق وينتهز الفرص وتنفق عليه الدولة أو يدعمه اهل الخير في عالمنا الاسلامي بل السلط الحاكمة وتنفق عليه في تربصات في الخارج يعود منها فارغ اليدين بعد سياحة ممتعة...

إنما نعني مساحات وحصون الابداع متمثلة في عناصر قليلة العدد ومتميزة المنح مغيبة ومهملة نقتلها وهي حية كان يمكن أن تؤسس لميلاد النخب الكبيرة القامة حتى تحيا المجتمعات والشعوب والمؤسسات في بلاد المسلمين وأمة الاسلام في أمان وتنبعث من سباتها وتؤسس لمشروع نهضتها...

كفاكم بعثرة المال وإنفاقه في المكرور والمهترىء والسطحي والهش أو في مجالات لم تعد هي الثغور الاساسية ولا هي في أعلى هرم الأولويات...

و كفى النخب ذبح بعضها البعض وتخوين بعضها البعض واحتقار منجز المقتدرين منها بعضهم البعض خوفا من ظل بعضهم بعضا واحتباسا داخل منظومة من العلل النفسية والاخلاقية للأسف...

 حتى بات الفضاء العام والفضاء العربي الإسلامي حكرا بين أيدي البعض كأنهم مراكز الكون يحجبون الكفاءات القديرة بسبب غيرتهم وحسدهم وخوفا من ظلهم وهم يتواجدون في كل الفضاء العام العربي والاسلامي وحتى الغربي أحيانا...

يعترضون سبيل كل جيد حفاظا على سمعتهم ومكانتهم الهشة واعمالهم التي تبدو مبهرة عند كل ذي فقر وضحالة معرفية وعلمية...

حرروا واعتقوا الفضاء الرسمي في المجال الإسلامي والعربي خاصة من جامعات ومؤسسات بحثية من بعض الجماعاتيين والايديولوجيين والأصنام او الفضاء الحر من قيل وقالهم وحملاتهم وهجماتهم المرضية الهادرة للامكانات والمشوهة لذوي القدرة لا لشيء فقط خوفا من ظلهم وصراحتهم ونقدهم العميق وكفاءتهم النوعية...

إن أصلحتم حالكم هذا شققتم طريق النهضة وتحررتم من حالة التخلف...

و الله ولي التوفيق.

 

حمزة بلحاج صالح

 

صبحي عبدالنبيقال تعالى «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ»

  الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين وعشق الهايمين، مرت الكعبة في تطوير بنائها بعدة مراحل وليس الأصل، لأن أصل الكعبة فيها جزء من السماء وجزء من الأرض وأول من بنوا الكعبة هم الملائكة عليهم السلام ثم جاء جبريل عليه السلام بالحجر الأسود فلذا إلي يومنا لم يغير مكان الكعبة. والآن نستطرد أهم مراحل بناء الكعبة من حيث التعديل لا من حيث الأصل..

المرحلة الأولى: بناء سيدنا إبراهيم عليه السلام كما في قوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسماعيل) وكان سيدنا إبراهيم هو الإمام في بناء الكعبة وسيدنا إسماعيل هو المأموم لأن بناء الكعبة عبادة فبالتالي يحتاج لقائد ولذا لم يقل الله تعالى (وإذ يرفع إبراهيم واسماعيل البيت) إنما عطف سيدنا اسماعيل بعد المفعول..

المرحلة الثانية: بناء العمالقة وهم قوم سكنوا شبه الجزيرة العربية منذ زمن قديم من ذرية عمليق بن لاوذ.

المرحلة الثالثة: بناء قبيلة جرهم وهي قبيلة سكنت في مشارف مكة قادمة من اليمن وفيهم قال زهير بن أبي سلمى

فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله،، رجال بنوه من قريش وجرهم.

المرحلة الرابعة: بناء قريش وقد جعلوا الباب عاليا كما أخرجوا جزء خارج البيت فسألت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليهم وسلم (عند الجدر اهو من البيت فقال صلى الله عليه وسلم (نعم) فسألته لماذا أخرجوه فقال إن قومك قصرت فيهم النفقة، وأما شأن ارتفاع الباب فقد قال صلى الله عليه وسلم إنهم رفعوه ليدخلوه من شاء ويمنعوه من شاء. ولو أن قومك ياعائشة حديث عهد بالاسلام لأدخلت الجدر في البيت ولألصقت الباب بالأرض.

المرحلة الخامسة: بناء عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وقد جعل بناء الكعبة بماكان يريده صلى الله عليه وسلم حيث ادخل الجدر وألصق الباب لأنه سمع من خالته السيدة عائشة ماكان يريده المصطفى صلى الله عليه وسلم من بناء.

وبعد استشهاد عبد الله بن الزبير، أعاد أحد خلفاء بني أمية بناء الكعبة إلى بناها قريش حيث رفع الباب مرة أخرى وأخرج الجدر..

   ثم ورد عبدالملك بن مروان حديث عائشه رضي الله عنها فندم وقرر ان يعيدها لما كانت عليه بناء عبد الله الزبير رضي الله عنه فاستشار الإمام مالك رضي الله عنه ونصحه بأن يتركها كما هي خشيه ذهاب هيبة البيت ....

 

الدكتور صبحي عبد النبي عبد الصادق. (كاتب سوداني)

مدرس لغة عربية بالمرحلة الثانوية بالإمارات العربية المتحدة.