حمزة بلحاج صالحتطابقه لا ينفي اختلافه ومكره مؤسس على فلسفة لا على تخمين وعاطفة.. 

فلتكن فلسفة انتهى بها المطاف إلى أن تكون اليوم عدمية مادية إلحادية ...

لكنها فلسفة ومعرفة وفكر...

 الغرب واحد في ميتافيزيقاه وأساسه الفلسفي والمعرفي والحضاري..

لكنه يمنح عبر فراغاته وبعض انفلاتات عناصره ورموزه على النموذج السائد فهما ومنجزا تموقعات ممكنة جدا ...

لمن يشتغل معرفيا  بجد من أجل المساهمة في وجود وظهور منعرجاتtournants au sens bifurcations  تاريخية ...

أو توظيفها عند التحقق ومن أجل تفاعلات على مستوى خطابه وخلخلة لبعض مركزياته  ..

صحيح قوة الغرب تمنحه نوعا من الغلق والتمركز والتمنع الذي يجعل التموقع في فراغاته صعبة ومكلفة ومعقدة...

لا شيء من غير كلفة وسعر وتضحيات وعلم...

كفى يقودنا أعشار المتعلمين ومن سموهم أهل التخصص لأنهم حصلوا شهادة تخرج من تخصص الشريعة من التقليديين والتراثيين والوعاظ ومهيجي العواطف ومختزلي الأزمة في شق أخلاقي يختصر الأخلاق في فجور مابين الفخذين والكذب والخمر ووو... الطاعة في عبادات ظاهرية ونوافل وأدعية ونواميس ...

الزعم بأن الغرب ماكر ومهما فعلنا في تقريب المسافة الإنسانية بيننا وبينه فلن يرضى عنا  زعم يغلق لعبة الدومينو وهي غير مغلقة..."....

الممكنات عديدة جدا.. ..

هي منعرجات قد لا نساهم في ظهورها  ووقوعها لكن علينا أن لا نفوتها بعقل متيقظ راصد إحتراسي نتلقفها به ...

فضاء الإشتغال هو للنخب العضوية المنظمة والقوية بالمعرفة والفكر والإستشراف والفعل العميق والعالم والممارسة لشبكة من العلاقات قطريا إقليميا وعالميا ...

متحركة في الخارج كما في الداخل....

نخبنا تذهب إلى الغرب للإتنظام لا للتفاعل ..

بل تمارس الانتظام الإنهزامي في عقر دارها ...

إنها نخب للضجيج لا للعمل العميق..

نخبنا يغلب عليها أنها دعوية وعظية تبشيرية لا فكرية وعضوية مثقفة وناقدة ومفكرة واستراتيجية تشتغل بما يسمى " تسيير المستقبل" Manager l'Avenirو المساهمة في استغلال وتسريع وتلقف منعرجاته ses bifurcations  ...

نخبنا لا تاريخية وأسطورية ولا نقدية  بل ضد نقدية...

نخبنا مزهوة بتدينها قنوعة بفهمها أحادية وزهيدة في كسبها ...

أو مستلبة مرتهنة مغتربة ...

نخبنا تختزل العقل في عنوان سطحي محدود الدور عاجز أمام سنن الله الكونية...

و لا تؤسس خطابا متميزا يحاور ويسائل ويطرح البدائل ويبحث عن التموقع في الطريق المسجود يرسم ثغرات وممرات للعبور..

نخبنا تعض بالنواجذ على يقينيات ومسلمات كثير منها عائق كبير وعارية على أن يكون من المسلمات والقطعيات بل ترفعها إلى مكانة الوحي والمقدس تخون من ناقشها وشكك فيها ومارس عليها نقدا وسلط عليها الفحص العلمي ...

فهي تخونه وتشبيطنه وتسفهه وتصنفه وتقف عثرة في مسار خطاب ومشروع التحول والتوثب...

لا توثب من غير حوار عميق فلسفي وثقافي وأنطولوجي ووجودي رفيع الكسب ومتين التأسيس مع الذات والاخر الذي يحدد لحظتنا وكيفية  عيشها...

لا توثب ونحن نخشى مواجهة ذاتنا باسم "اعتزال الفتن إيمان"...

لا توثب وعقلنا منذ خمسة عشر قرن خلت هو نفسه عقلنا اليوم بل أسوأ لأنه يشتغل بمنجز جزء كبير منه تاكلو بات عليلا ...

لا توثب يحصل ونحن نعترض مسار المحاولات ونمارس تصورنا للحياة ولحظة عيشنا بعقل بارك ومنطفىء وباهت وتصنيفي ومستقيل عن الواقع...

عقل يقدس اللامقدس ويوسع من الوحي الى خارج الوحي ويصنم البشر والمقولات ويقتل الحياة باسم الاصول والثوابت والقيينيات والمسلمات والقطعيات...

عقل صنع الأصنام وهو يحارب اليوم من يحاربها...

لا توثب ونحن نردد كالعجائز مقولة الوحدة ونرفض مواجهة وهم الإختلاف الذي يزرع في طريقنا قنابل تفجر كينونتنا الحضارية الى طائفية مستقيلة عن التاريخ وسياقاته وتعود بنا إلى استلابات ماضوية...

لا توثب وبعضنا يمارس على النخبة مقولة الوصاية على الدين يحول فهوم البشر ومقولة " أهل العلم" و" العلماء" و" أهل التخص" إلى سد منيع في طريق القومة والإنبعاث والتحديث والإجتهاد والإبداع والإبتكار...

يردد خرافات العجائز..النقد ليس مشروعا...النقد ليس بديلا ..

حضارة الغرب قامت على نبذ الوصاية وهو أساس التنوير وعلى العقل النقدي التحليلي وهو أساس البناء ...

تذكروا مقولة الفيلسوف هايدغر " الهدم هو لحظة في البناء الجديد" ...

المشروع ليس وصفة تكتب للمستسلمين والعاجزين والمنهزمين ..

المشروع ليس عبارة فضفاضة تختبىء وراءها المشيخات التي تقتات من زعاماتها الزمنيةاللابسة لبوس المطلق...

المشروع حل لا يقدمه الملهم والمهدي المنتظر...

أكبر مشروع قامت عليه الحضارة الغربية هو مشروع صناعة العقل النقدي التحليلي..

لا صناعة عقل الوصفات واتباع الكاريزمات والمشيخات الإلاهية والخطابات الدوغمائية ...

من نوع التوظيفات الفاسدة والفهوم المزورة للقران والوحي  باعتبارهما من صنعا العقل النقدي  التحليلي بامتياز ...

مثل الفهم الفاسد المضر لقوله تعالى  " ما فرطنا في الكتاب من شيء" و" الاسلام هو الحل" و "تطبيق الشريعة" و" الإسلام دين ودولة" و" الحدود أساس شريعة الإسلام" و" الإسلام دين محارب يفرض الجزية على أهل الذمة والكفار يعطونها عن يد وهم صاغرون" و" نصر الرسول صلى الله عليه وسلم بالرعب أربعون خريفا" ...

لا توثب ونحن نعتقد أن على النخبة أن تتحول إلى عامة الناس يجرجرونها في قضايا تافهة وتفكير مسطح ووسطاء ومطبيلن يجمعون " الغاشي"  و" أعداد من الانس" ينتظمون في خطوطهم ولا يصدمونهم خوفا من فقدان رضاهم  أو لأنهم لا يتوفرون على خصائص النخبة لأنهم في الحقيقة من عامة الناس ولو حملوا أعلى الشهادات ....

فلا تتعجب إن كان كثير من حملة الشهادات العليا يحملون معهم عقلا مدمرا ومسطحا لا يملك الأدوات والمنهج والقراءة والنقد فهو في حاجة الى محو الأمية ...

لا توثب ونحن لا نقول للناس "لا" وإن قال لهم غيرنا وقالوا هم جميعا "نعم" ونقول لهم "نعم" وإن قال لهم غيرنا وقالوا  جميعا "لا"...

لا توثب والمثقف النقدي والأكاديمي والعالم والمفكر والواعظ والإمام والمصلح يمارسون "ما يرضاه المستمعون" ويكتبون ويقولون "ما يطلبه المستمعون" ويخشون معارضة الناس ولا تهمهم في الواقع المخفي إلا الزعامتية والشعبوية والضجيج والتهريج والإنتظام ...

لا توثب وتفكيرنا لا يغادر طقوس وأركان الحلال والحرام ونواميس التعبد والمأثورات  والأدعية وجلسات المذاكرة والنصح ونوافل العبادات وحفظ القران وإتقان غناته وإدغامه وقواعد ترتيله وتجويده قبل الإستبحار في كبريات نواظمه الكونية  والاشتغال بأدوات الإقلاع والوثبة وبالتدبر والمعاني...

لا توثب ونحن لا نعرف الغرب إلا شيطانا وكافرا وفاسقا وإباحيا يتامر على الدين وإن كان بعض هذا من مهامه لكن الأمر أكبر...

لا توثب وبعض نخبنا تبحث عن التموقع بين الشعب ولو بالنفاق الإجتماعي والكذب والجهالة والمسايرة سواء تعلق الأمر بمقولة الغرب أو الذات ..

لا توثب وبعض النشطاء في الفضاء العام من الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين لأنهم أهل تخصص وحملة شهادات جامعية  عليا ولا يقومون بمواجهة وصدمة  الوعي الجمعي بل تكريس حاله التعيس واحيانا لان فاقد الشيء لا يعطيه وهم يفقدون اشياء ...

و يعتبرون ذلك فتنة وفوق قدرات الناس وزرع فتنة وتحميل الناس ما لا يطيقون وغيرها من التبريرات الكاذبة وحديث العجائز وهي طرق للإختباء وكسب ود الجميع وإبقاءهم على أخطاءهم وعدم معارضتهم ...

و يتناسون أن فساد مقولاتهم العجائزية الهرمة واضح لا يحتاج إلى تعليل واستدلال فمواجهة الناس من المتعلمين وحملة الشهادات غير مواجهة العامة ومواجهة بعض المنتسبين للنخبة غير مواجهة من يصلح أن يكونوا نخبة عالمة...

لا توثب ونحن لا نقارب الغرب وجهازه المفهومي ونقف على أسسه ومرتكزاته وميتافيزيقاه مقاربة متحررة من كل أشكال الإستلاب التراثي والغربي ....

تجعلنا نتابع بدقة متناهية مسارات التحول والتجاوز والمنابع وبنية المرجعيات وصلتها بالراهن وبالأصول ...

الغرب ليس ملة واحدة وتقسيمات دار الحرب ودار الإسلام ومقولات الحق والباطل ومقولات الإيمان والكفر والولاء والبراء ...الخ يجب ان تراجع فهومها التراثية وتمتراستها الأيديولوجية والسياسية  وسياقاتها وأطرها السوسيو- معرفية...

أو نصوم عن الكلام...

أو ننسى مقولات الإقلاع والتوثب..

نحن لسنا على هذا الكوكب وحدنا...

لا أفضلية وأحقية لنا في النصر لأننا امنا بالله وكنا مؤمنين وأسلمنا وكنا مسلمين ..

 ولا منة لنا على الله لأننا من المؤمنين والمسلمين ...

و إذا واصلنا عصياننا عبر هذا الفهم الطائفي المقيت اللإنساني واللاكوني فمن حق الله أن يستبدل قوما غيرنا...

 

حمزة بلحاج صالح

واحدية الغرب لا تنفي ثغراته

 

عبد الله الفيفيالمرأة في التراث العربي بين خطابين (9)

ناقشنا في المساق السابق موقف (علي أحمد سعيد/ أدونيس) المُمَجِّد لفِكر (أبي العلاء المعرِّي)، غير ناظرٍ إناه، المليء بمواقف متناقضة، ومنها مواقفه الجاهليَّة من المرأة.  متغنِّيًا دائمًا ببيته:9

اثنانِ أَهلُ الأَرضِ: ذو دِينٍ بِلا

عَقلٍ، وآخَرُ عاقلٌ لا دِين لَهُ

وقلنا: إنَّ غاية ما تصوِّره الأبيات، التي منها هذا الشاهد الأدونيسي، المأساة العامَّة في اختلال الموازين بين بني الإنسان، منتقِدًا الشاعرُ أَتباع الدِّيانات جميعًا.  ولكن أليس في أهل الأرض ذو دِينٍ عاقل، أو عاقلٌ دَيِّن؟  وليكن المعرِّيَّ نفسه؟!  وكأنَّ هاتين الصِّفتَين لا تجتمعان في امرئٍ واحد. ولو كان ذلك ما عناه النصُّ، لَما قَدَّمَ أبياتًا لوصف فساد أتباع الدِّيانات- عرضناها على القارئ في المساق السابق- مصوِّرًا التعارض بين ما يقولون وما يُضمِرون، وبين كلامهم عن ادِّعاء الأنوار واستحلالهم الخمور، ولَما كان معنًى لتخويفهم بالقضاء السَّماوي، ولَما وصفَ بعضهم بالهفوة، وآخَرين بعدم الاهتداء، أو بالحَيرة، أو بالضَّلال، بل لوَصفَ الأديان ذاتها بتلك المعايب، لا أهلها.  وإنَّما ظاهرُ النصِّ تعريةُ زَيغ الناس عن الجادَّة المستقيمة، الآخِذة بمعادلة العقل والدِّين.

هذا كل ما هنالك.  غير أن المطلوب إثباته- اعتسافًا- لدَى من يستشهدون ببيت المعرِّي الأخير، نقيض ذلك؛ فالمطلوب إثباته أنَّ الشاعر كان يمتدح "ذا العقل بلا دِين"، ويهجو في المقابل: "الدَّيِّن"- وهو بالضرورة دَيِّنٌ بدِينٍ محدَّدٍ مؤرِّق- ولذا لا عقل له!

وهكذا تلعب الإديولوجيَّات بالعقول، وتبعث على تدليس النصوص والمعاني، مصوِّرةً المعرِّي- كما في هذا النموذج- على أنَّه ذلك المفكِّر العقلاني المتحرِّر، نصير العقلانيَّة المطلَقة، والحُريَّة الجذريَّة من الأديان. ويا لها من عقلانيَّةٍ وحُريَّةٍ لدَى رجلٍ ظلَّ أميل إلى العقل التقليدي، والطبيعة الخرافيَّة، حتى إنَّه ليدعو صراحة- في ما يدعو إليه- إلى "دفن المرأة"؟!  أفلا يقرأ هؤلاء غير ما يُحِبُّون أو يتوهَّمون؟ أينهم عن لزوميَّته(1)، مثلًا:

وإنْ تُعْطَ الإناثَ ، فأيُّ بُؤْسٍ

تَبَيَّنَ في وُجُوْهِ مُقَسَّماتِ

يُرِدْنَ بُعولةً ويُردْنَ حَليا

ويَلقينَ الخُطوبَ مُلوَّماتِ

ولَسْنَ بدافِعاتٍ يَومَ حَربٍ

ولا في غارةٍ متَغَشِّماتِ

ودَفْنٌ والحَوادثُ فاجِعاتٌ

لإحداهنَّ إحْدَى المَكْرُماتِ

وقد يَفقدنَ أزواجًا كِرامًا

فيا للنِّسوةِ المتأيماتِ

يَلِدْنَ أعاديا ويكُنَّ عارًا

إذا أَمسينَ في المتهضَّماتِ!

فيا له من شاعرٍ فيلسوفٍ، تنويريٍّ، متحرِّرٍ حقًّا!  على أنَّه في لُزوميَّته هذه، ذات المطلع:

ترنَّمْ في نهاركَ مُستعينًا

بذِكر اللهِ في المترنِّماتِ

قد سجَّل نفسه بنفسه في المدرسة التي قال: إنَّ الإنسان فيها: "دَيِّنٌ لا عَقلَ لَهُ"!  لأنَّه إنَّما وصلَ إلى ازدراء المرأة رهبانيَّةً ابتدعَها، وتبتُّلًا متكلَّفًا، وتعاليًا عن مصاحبة النِّساء، بوصفهنَّ لديه حبائل الشيطان، ولا تأتي من ورائهن إلَّا ألوان الشُّرور.

غير أنَّ مثقَّفينا عُوْرٌ، غالبًا؛ فلا يقرؤون إلَّا ما يعشقون، ولا يرون سِوَى ما يُقيِّدون به عقولهم وضمائرهم إديولوجيًّا. ثمَّ أينهم عن بقيَّة لُزوميَّة المعرِّي(2) تلك، التي يعبِّر فيها عن أنَّه ضِدَّ تعليم المرأة، قائلًا:

فَحَمْلُ مَغازِلِ النِّسوانِ أَوْلَى

بِهِنَّ مِنَ اليَراعِ مُقَلَّماتِ

سِهامٌ إِنْ عَرَفْنَ كِتابَ لِسْنٍ

رَجَعنَ بِما يَسوءُ مُسَمَّماتِ

ويَترُكنَ الرَّشيدَ بِغَيرِ لُبٍّ

أَتَيْنَ لِهَدْيِهِ مُتَعَلِّماتِ

لِيَأخُذْنَ التِّلاوَةَ عَن عَجُوزٍ

مِنَ اللَّائي فَغَرْنَ مُهَتَّماتِ

يُسَبِّحْنَ المَليكَ بِكُلِّ جُنحٍ

ويَركَعْنَ الضُّحى مُتَأَثِّمَاتِ

فَما عَيبٌ عَلى الفَتَياتِ لَحنٌ

إِذا قُلْنَ المُرادَ مُتَرْجِماتِ

ولا يُدْنَينَ مِنْ رَجُلٍ ضَريرٍ

يُلَقِّنُهُنَّ آيا مُحكَماتِ

سِوَى مَن كانَ مُرتَعِشًا يَداهُ

ولِمَّتهُ مِنَ المُتَثَغِّماتِ!

ذاك، إذن، هو فليسوف (المَعَرَّة)، الذي شغفَ بعض أدعياء الحداثة الشِّعريَّة، بلا حداثة حضاريَّة، وعُوران الثقافة المجانيَّة، فِكرًا وعقلانيَّةً أصوليَّة! فهم إمَّا لا يقرؤون، وإمَّا يقرؤون ولا يفهمون، وإمَّا يقرؤون ويفهمون غير أنَّ دَيدنهم أن ينتقوا ما يَغُشُّون به قارئيهم حين يكتبون، مُخْفين البضاعة الرديئة تحت ما ظاهره الصَّلاح.

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

...............................

(1) المعرِّي، أبو العلاء، (1992)، شرح اللُّزوميات، تحقيق: منير المدني وزينب القوصي ووفاء الأعصر وسيِّدة حامد، بإشراف ومراجعة: حسين نصَّار، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 277/ 25- 30.

(2)  م.ن، 1: 279- 280/ 59- 61، 63- 67.

(*) هذا المقال جزء تاسع من ورقة بحثٍ قُدِّمت فكرتها في محاضرةٍ حِواريَّةٍ في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة الملك سعود)

https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify

 

 

عبده حقيلقد تم اختراع الجنس الأول من الصحافة الرقمية، المسمى تليتكست، في المملكة المتحدة في عام 1970. كانت قناة المعلومات عبارة عن نظام يسمح للمشاهدين باختيار الأخبار التي يرغبون في قراءتها ومشاهدتها على الفور. والمعلومات المقدمة من خلال النص التليفزيوني مختصرة وفورية، شبيهة بالمعلومات التي نراها في الصحافة الرقمية اليوم. لقد تم بث المعلومات بين إطار إشارة تلفزيونية في ما يسمى بالفاصل الزمني للطمس العمودي أو VBI

لقد اعتمد الصحفي الأمريكي هانتر س. طومسون على تقنية الاتصالات الرقمية المبكرة بدءًا من استخدام جهاز الفاكس لتقديم تقرير عن مسار الحملة الرئاسية الأمريكية في عام 1971 كما هو موثق في كتابه الخوف والبغض على مسار الحملة.

بعد اختراع النص التليفزيوني، تم اختراع فيديوتيكس، حيث كان بريستيل أول نظام في العالم، تم إطلاقه تجاريًا في عام 1979  مع العديد من الصحف البريطانية مثل فاينلشل تايمز التي تصطف لتقديم أخبار الصحف عبر الإنترنت. تم إغلاق فيديوتيكس في عام 1986 بسبب الفشل في تلبية طلب المستخدمين.

لقد لاحظت شركات الصحف الأمريكية التكنولوجيا الجديدة وأنشأت أنظمة الفيديو الخاصة بها، وأكبرها وأكثرها طموحًا هي فيوترون، وهي خدمة تابعة لشركة نايت ريدر التي تم إطلاقها في عام 1981. ومن بينها كايكوم في شيكاغو و جيتواي  في لوس أنجلوس. تم إغلاق كل منها بحلول عام 1986.

بعد ذلك جاءت أنظمة نشرة الكمبيوتر. في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بدأت عدة صحف صغيرة تقدم خدمات إخبارية عبر الإنترنت باستخدام برامج بي بي إيس وأجهزة مودم الهاتف. أولها كان ألبوكيرك تريبيون في عام 1989.

بعد ذلك أطلقت شركة " عالم ألعاب الكمبيوتر" في سبتمبر 1992 خبر استحواذ إليكترونيك آرت على Origin Systems  على بروديجي، قبل طرح الإصدار التالي للطباعة. ثم بدأت المواقع الإخبارية على الإنترنت في الانتشار في التسعينيات. من أوائل المتبنين كانت دي نيوز وأوبسيرفر في رالي بولاية نورث كارولينا التي قدمت الأخبار عبر الإنترنت باسم ناندو . كتب ستيف فيلفانتون على موقع

معهد بوينتر على الويب عن ناندو، المملوك لشركة The NO يقول " لقد تطور ناندو إلى أول موقع إخباري جاد ومهني على شبكة الويب العالمية". نشأ الموقع في أوائل التسعينيات ".

يُعتقد أن هناك زيادة كبيرة في الصحافة الرقمية على الإنترنت حدثت في هذا الوقت تقريبًا عندما ظهرت أول متصفحات الويب التجارية مثل Netscape Navigator (1994) و Internet Explorer (1995)   بحلول عام 1996، كان لمعظم المنافذ الإخبارية وجود على الإنترنت. وعلى الرغم من إعادة توجيه المحتوى الصحفي من مصادر نصية / فيديو / صوتية أصلية دون تغيير في الجوهر، إلا أنه يمكن استهلاكه بطرق مختلفة بسبب شكله عبر الإنترنت من خلال أشرطة الأدوات والمحتوى المُجمَّع حسب الموضوع والروابط النصية. كانت دورة الأخبار على مدار 24 ساعة والطرق الجديدة للوحات الويب للتفاعل بين المستخدم والصحفي من بين السمات الفريدة للتنسيق الرقمي. في وقت لاحق، بوابات مثل AOL و ياهو ومجمعات الأخبار الخاصة بهما (المواقع التي تجمع وتصنف الروابط من مصادرالأخبار) أدت إلى وكالات إخبارية مثل أسوشايتيد بريس لتوفير محتوى مناسب رقميًا للتجميع يتجاوز الحد الذي يمكن لمزودي الأخبار استخدامه في الماضي.

أيضًا، تم تأسيس صالون في عام 1995. وفي عام 2001، أطلقت مجلة الصحافة الأمريكية اسم صالون الإنترنت على "المكان المستقل البارز للصحافة".

في عام 2008، ولأول مرة، أفاد المزيد من الأمريكيين بالحصول على أخبارهم الوطنية والدولية من الإنترنت، بدلاً من الصحف. فقد حصل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عامًا بشكل أساسي على أخبارهم عبر الإنترنت، وفقًا لتقرير مركز بيو للأبحاث. استمر جمهور المواقع الإخبارية في النمو بسبب إطلاق مواقع إخبارية جديدة، واستمرار الاستثمار في الأخبار عبر الإنترنت من قبل المؤسسات الإخبارية التقليدية، والنمو المستمر في جمهور الإنترنت بشكل عام. خمسة وستون بالمائة من الشباب يلجون الآن بشكل أساسي إلى الأخبار عبر الإنترنت.

مواقع الأخبار الرئيسية هي أكثر أشكال إنتاج الوسائط الإخبارية على الإنترنت انتشارًا. اعتبارًا من عام 2000، أصبحت الغالبية العظمى من الصحفيين في العالم الغربي يستخدمون الإنترنت بانتظام في عملهم اليومي. بالإضافة إلى المواقع الإخبارية السائدة، توجد الصحافة الرقمية في مواقع الفهرس والتفييئ (المواقع التي لا تحتوي على الكثير من المحتوى الأصلي ولكن العديد من الروابط لمواقع الأخبار الحالية)، ومواقع التعريف والتعليقات (مواقع حول قضايا الإعلام الإخباري مثل المراقبون الإعلاميون)، والمشاركة والمناقشة ( المواقع التي تسهل اتصال الأشخاص، مثل سلاشدوت. كما  تعد المدونات أيضًا ظاهرة أخرى من ظواهر الصحافة الرقمية قادرة على الحصول على معلومات جديدة، بدءًا من المواقع الشخصية إلى تلك التي تضم جماهير مئات الآلاف. الصحافة الرقمية تشارك في ظاهرة الصحافة السحابية والتدفق المستمر للمحتويات في المجتمع العريض.

قبل عام 2008، كانت الصناعة تأمل في أن يكون نشر الأخبار عبر الإنترنت مربحًا بما يكفي لتمويل تكاليف جمع الأخبار التقليدية. وبالتالي، في عام 2008، بدأ الإعلان عبر الإنترنت في التباطؤ، ولم يتم إحراز تقدم يذكر نحو تطوير نماذج أعمال جديدة. يصف مشروع بيو للتميز في الصحافة تقريره لعام 2008 عن حالة وسائل الإعلام بأنها الأكثر كآبة على الإطلاق. على الرغم من حالة عدم اليقين، يتحدث الصحفيون عبر الإنترنت عن توسيع غرف التحرير. ويعتقدون أن الإعلان من المرجح أن يكون أفضل نموذج للإيرادات يدعم إنتاج الأخبار عبر الإنترنت.

لقد قامت العديد من المؤسسات الإخبارية الموجودة في وسائل الإعلام الأخرى أيضًا بتوزيع الأخبار عبر الإنترنت، ولكن قد اختلف مقدار استخدامها لهذه الوسيلة الجديدة. استخدمت بعض المؤسسات الإخبارية الويب حصريًا كمنفذ ثانوي لمحتواها. جمعية الأخبار على الإنترنت، التي تأسست عام 1999، هي أكبر منظمة تمثل الصحفيين عبر الإنترنت، وتضم أكثر من 1700 عضوًا يتمثل مصدر رزقهم الرئيسي في جمع أو إنتاج الأخبار لعرضها رقميًا.

يتحدى الإنترنت المؤسسات الإخبارية التقليدية بعدة طرق. قد تفقد الصحف الإعلانات المبوبة لمواقع الويب، والتي غالبًا ما تستهدفها الاهتمامات بدلاً من الجغرافيا. هذه المنظمات معنية بالخسارة الحقيقية والمتصورة للمشاهدين وتوزيعها على الإنترنت.

إن الصحافة المحلية الفائقة هي صحافة داخل مجتمع صغير جدًا. تعد الصحافة شديدة المحلية، مثل الأنواع الأخرى من الصحافة الرقمية، ملائمة جدًا للقارئ وتوفر معلومات أكثر من الأنواع السابقة للصحافة. إنها مجانية أو غير مكلفة.

تقارير عن اقتحام فيسبوك في الصحافة

لقد تم الاعتراف بأن فيسبوك قد استثمر بكثافة في مصادر الأخبار على وسائل الإعلام الإخبارية المحلية. صرح جوش كونستين، الصحفي في تيك كرانش، في فبراير 2018، أن الشركة قد "انتحلت الأعمال الإخبارية" واستخدمت الرعاية لجعل العديد من ناشري الأخبار "كتّاب أشباح". في يناير 2019، أعلن مؤسسها مارك زوكربيرج أنه سينفق 300 مليون دولار لشراء الأخبار المحلية على مدى ثلاث سنوات.

 

عبده حقي

ترجمة بتصرف

 

 

 

عدنان عويدفي المفهوم:

الضرورة الحكميّة: هي حالة فرديّة واجتماعيّة تقيدنا بها الظروف الحياتية التي تفرضها علينا الطبيعة بقوانينها العمياء، وقد يكون سببها أيضاً الإنسان نفسه الذي يصنع قيوده بيده ويكبل نفسه بها حتى يصل هذا التكبيل إلى مرحلة التحكم في سيرورة وصيرورة حياته ذاتها.

أو بتعبير آخر الضرورة في حياتنا كالقيد الذي يمنعنا عن القيام بأشياء تعبر عن إنسانيتنا بشكل عقلانيّ، ولذلك علينا الخلاص من هذا القيد أولًا، لكي تستطيع المُضي قدما نحو تحسيد إنسانيتنا وإثبات ذواتنا. من هنا نقول إن درجة "وعينا" للضرورة الحكميّة، أي للظروف المادية والفكريّة التي تتحكم بسيرورة وصيرورة حياتنا، هي من ينقلنا من الإنسان اللاتاريخيّ ، أي الإنسان المشيء والمستلب والمغرب، إلى الإنسان التاريخي الذي وصل إلى مرحلة الخلافة على هذه الأرض.

على العموم نقول في هذا الاتجاه: يُعرّف الإنسان علميّاً، بأنه الكائن الحي العاقل الوحيد المالك لدماغٍ عالي التطوّر الذي حقق تطوره هذا عبر (العمل) الذي امتد لآلاف السنين، بحيث منحه هذا العمل القدرة على خلق علاقات اجتماعيّة أنتجت بالضرورة وسائل التواصل بينه وبين محيطه الاجتماعيّ، مثلما منحه هذا العمل، أو النشاط المادي، القدرة على التفكير المجرد والنطق واستخدام اللغة والتفكير الذاتيّ الداخليّ، وإيجاد حلولٍ للصعاب التي تعترضه أثناء انتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة. وعلى هذا الأساس تكونت رؤاه ومواقفه الفكريّة والأيديولوجيّة تجاه الكون والطبيعة والمجتمع واتجاه حياته الخاصة.

إذن إن الإنسان الذي راح عبر نشاطه الماديّ يكون علاقاته الاجتماعيّة، أخذ يفكر أيضاً في طبيعة هذه العلاقات التي فرضت عليه نفسها، مثلما فرضت عليه قيماً وسلوكيات أوصلته هو ذاته إلى حالات ضياع فقد عبرها معرفة الظروف التي يعيشها وأسباب مشاكله فيها، لذلك راح يتخبط معرفيّاً في إجاد الحلول لمشاكله بعد أن ضاع في منتجاته الماديّة والروحيّة من جهة، وبسبب جهله للقوانين الطبيعيّة والاجتماعيّة التي تتحكم في مسيرة حياته أيضاً دون إرادته والتي فرضت نفسها عليه وجعلته يفكر بطريقة بعيدة كل البعد عن واقعه وكأن هناك قوى أخرى تتحكم بمصيره من خارج تاريخه من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس من الضياع والتشتت المعرفيّ تأتي مسألة التمييز بين الإنسان التاريخيّ الذي أخذ يعي ذاته والمحيط الذي يعيش فيه، وبين الإنسان اللاتاريخيّ الذي ظل تائها في جملة الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة التي انتجها هو بنفسه.

إذن هناك فرق شاسع بين الإنسان التاريخيّ والإنسان اللاتاريخيّ. فالأول إنسان عقلانيّ، يؤمن بالعيانيّ والملموس، والنسبي، وأن الظواهر في بعديها الماديّ والفكريّ، هي في حالة حركة وتطور وتبدل بشكل دائم. والعقل لديه هو مجموع معارفه التي اكتسبها من خلال نشاطه وكدحه عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع تاريخيّاً، وبالتالي راحت هذه المعارف المكتسبة تشكل ذاكرته وتراثه وثقافته ومقومات وجوده ومرتكز انطلاقته نحو المستقبل. والإنسان التاريخيّ، لا يتكئ كثيراً على الماضي إلا بما يخدم حاضره ومستقبله ومستقبل أجياله القادمة، لذلك هو يعمل دائما على استلهام هذا الماضي، أي هو يستمد من أحداثه  كل ما هو ايجابيّ وقادر على المساهمة في تجذير وجوده وتنمية هذا الوجود، وفتح أفاق المستقبل المشرق والمضيء واسعاً أمامه. والإنسان التاريخيّ هو من يؤمن أيضاً بأن سعادته في تحرير عقله وحواسه وجسده من كل المعوقات التي تَحُولُ دون هذا التحرير، سياسيّة كانت أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة، أي عتقه من كل ما يكبل عالمه الإنسانيّ ويحول دون تحقيق ما يطمح إلى تحقيقه من قيم إيجابيّة، أو ما يشعره أنه سيد نفسه وقدره ومصيره. أما فردوسه فهو واقعه الذي يعش فيه الآن، أو ما يحلم بإقامته مستقبلاً. ليس لدى هذا الإنسان التاريخيّ رموز أو طقوس أسطوريّة ينتمي إليها ويقيد حياته بها كي تعمل على فصله عن حاضره المعيوش، وإشعاره بتمايزه واختلافه عن الآخر، وليس لديه انتماءات ضيقة يشعر أن خلاصه فيها. (عشيرة قبيلة مذهب طائفة). فرموزه هي وطنه ومكونات هذا الوطن.. مثلما هي ما يحققه من إبداع يفجر عبره كوامن عوالم إنسانيته وكشف أسرار مجاهيلها التي توصله إلى جوهر إنسانيته ورفعة وطنه وتعميق حس المواطنة لديه. إن انتماءاته الحقيقية هي وطنه أولاَ، وعقله الحر المبدع ثانياً، وإرادته الحرة في صنع مستقبله ومستقبل وطنه ثالثاً. وإن عالمه الذي يجد فيه ذاته أخيراً، هو عالم الإنسانيّة الرحب الذي ليس له حدود إلا حدود الابداع والمحبة والعدل والسعادة للجميع.

إن الإنسان التاريخيّ هو من ينظر دائماً إلى الماضي من خلال ما يخدم الحاضر والمستقبل... وهو من يبحث عن  قوس قزح يجد في تعدد ألوانه سر جماليّة حياته وحياة الآخرين.

أما الإنسان اللاتاريخيّ أو الجموديّ، أو الماضويّ، فهو إنسان لاعقلانيّ، يرفض قبول العيانيّ والملموس على أنه عالمه الحقيقي الذي ينتمي إليه، وأنه سر وجوده، ليتمسك بعالم افتراضيّ .. عالم من الوهم والخيال الذي رسمت له ملامحه في ذهنه أيديولوجيّا صماء مفوته تاريخيّاً، أو مصالح أنانيّة ضيقة. إن الإنسان اللا تاريخيّ، هو من يؤمن بالمطلق المشبع بالسكون والجمود، وهو الرافض بالضرورة للنسبي المشبع بقوانين الحركة والتطور والتبدل. أما العقل لديه فهو ظاهرة فيزيائيّة تتحرك بقدرة من خارج التاريخ، أو من داخل عقله المعزول عن محيطه، أي هو عقل يحمل معارفه المنجزة والعالمة بتابوت من خارج التاريخ أو من عالمه الذاتي الديكارتي، وبهذا العقل الفيزيائيّ والديكارتيّ اللاواقعي واللاجدلي، يمارس نشاطه لكسب الماضي والحوز على أسراره الأبديّة، وكسب أوهام سعادته التي يجدها فقط في استعادة ماضيه،  حيث يكمن فردوسه الذي لا يتوانى عن قتال وسفك دماء كل من يحول بينه وبين رغبته في هذه الاستعادة. وهو الذي تكثر لديه الرموز والطقوس في حديثه ولباسه وسلوكه كي يشعر الآخرين المختلفين عنه، بتمايزه عنهم، وتعاليه عليهم ... الإنسان اللاتاريخيّ، لا يرى كل ما حوله إلا من خلال أيديولوجيته الماضويّة الجموديّة المفوّته تاريخيّاً، أو من خلال مصالحه هو ذاته، وأن هذه الرموز والطقوس والأيديولوجيا، هي التي  تشكل بالوقت ذاته انتماءاته،  وتجعله شارداً أو مغرباً عن حياته الدنيويّة ومندمجاً في عالم الروح والقداسة وكل ما هو متعال على الواقع والعقل. إنه ينظر إلى الأسفل من خلال الأعلى، وإلى الحاضر من خلال الماضي، ويقيس الشاهد على الغائب. ويبدي النقل على العقل، وهو من يبحث دائماً عن لون رمادي يعتقد أنه صالح لكل زمان ومكان.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من  سورية

 

 

منى زيتونيقولون إن الجهل هو أس البلاء، ولكني أرى أن الفساد هو رأس الأفعى الذي يقف أمام تطور أي مجتمع، بل ويعيده عقودًا إلى الوراء، والتعليم ذاته هو مما يفسد بفساد المجتمع، فيصبح الجهل في المجتمع مستترًا بأوراق لا قيمة لها، يحملها من لا يستحقونها، وتتحدد درجة وقيمة الفرد في المجتمع على أساسها.

كما أنه لا شك أن الدافعية للتعلم هي شرط أساسي لحدوث التعلم، بل ربما كان توافرها أهم من شرط القدرة، لأن جميع البشر لديهم قدرات متفاوتة، وهم قادرون على التعلم بأشكال ودرجات مختلفة، بشرط أن يتوفر الدافع لدى الإنسان، ولكن الفساد يعطل الدافعية للتعلم لدى أفراد طبقات المجتمع الراقية والبسيطة على السواء؛ فكثير من أبناء الأغنياء لم يعودوا يبالون ببذل الجهد الكافي للتعلم لأن مكانتهم محفوظة في المجتمع، ويختارون دراسة ما يمكنهم من الحصول على شهادة دون تعلم حقيقي ودون كثير عناء، وأبناء الفقراء لم يعد كثير منهم يأملون أن يغير التعلم من وضعهم الاجتماعي شيئًا وسط الفساد المستشري الذي لا يكافئ المجتهد ويرفع درجته، فعزفوا هم أيضًا عنه.

ومع كون إصلاح التعليم يتطلب العمل على إصلاح المجتمع ككل، إلا أن هذا لا يعني أن يُخلي التربويون مسئوليتهم، فالتعليم في مصر بحاجة لتطوير في جميع مراحله، وهي مسئولية التربويين بالدرجة  الأولى ولا شك. ولنتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، فكل من هو في موضع مسئولية –مهما كان صغيرًا- وهناك تصرف رشيد بإمكانه أن يفعله ليحسن من الوضع العام في المكان الذي يديره سيُسأل أمام الحق سبحانه إن لم يفعل. وربما أمكن القول إن المسئولية على عاتق التربويين هي العمل على تطوير التعليم قبل الجامعي والجامعي، مع مراعاة الواقع ومشكلات المجتمع، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله.

ولعل الاهتمام بالتغذية المدرسية من أكثر الموضوعات التي لها تعلقها الواضح بجودة التعليم؛ فللتغذية السليمة أثرها في رفع درجة التحصيل الدراسي لدى الطلاب، كما أنها لا تتعلق بالتعليم وحسب، وإنما بصحة النشء أيضًا، وأعتقد أنه لو تم التعامل بحكمة مع هذا الملف فسيوفر لميزانية الدولة ملايين تُنفق على علاج الأطفال من أمراض تصبهم بالأساس بسبب سوء التغذية. حكت لي مربية فاضلة تعمل حاليًا وكيلة لمدرسة ثانوية بمدينة الإسماعيلية أنها في بدء حياتها الوظيفية عملت في مدرسة إعدادية كبيرة في واحدة من أكبر القرى وأقربها لمدينة الإسماعيلية، وأنها لاحظت أن أحد التلاميذ في فصل من الفصول التي كانت تُدرِّس لها كان دائم التأخر يوميًا عن موعد طابور الصباح، وأحيانًا عن بداية الحصة الأولى، ولما كلّمته بلطف طالبة منه أن يستيقظ مبكرًا ليصلي ويفطر على مهل ثم يتحرك إلى المدرسة ليصل في موعده، فاجأها الطفل قائلًا إنه يستيقظ يوميًا قبل الفجر، ويبدأ التحرك من قبل شروق الشمس بكثير! فسألته: أين تسكن؟ فأجابها بأنه يسكن في عزبة بعيدة متطرفة عن القرية تبعد ما بين ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات مشيًا من المدرسة! فصُعقت المُدرسة وقالت له: لماذا لا تحول إلى مدرسة كذا، وهي أقرب لبيتك؟ فسقطت على رأسها المفاجأة الأكبر عندما قال الطفل: هذه المدرسة "شِينة" لا يوزعون فيها بسكوتًا للتغذية! فهذا طفل صغير ضعيف البنية يتكبد عناء المشي لساعات ذهابًا وإيابًا يوميًا من أجل هذه الحلوى البسيطة التي يرفض بعض مديري المدارس عديمي المسئولية أن يستلموها ليوزعوها في مدارسهم، فيحرمون منها الأطفال.

وحقيقة إنني لا أفهم إلى متى سيستمر التباكي على الكيف الضائع، دون أخذ خطوات جادة نحو التوسع في مدارس المتفوقين، أو على الأقل بفصول المتفوقين، والاهتمام بهم اهتمامًا حقيقيًا مكثفًا، بدءًا من رفع مصاريف الدراسة عن كاهل أولياء أمورهم، والاهتمام بتغذيتهم –خاصة في المناطق الفقيرة-، ورفع الحد الأدنى للتفوق إلى 90% -مثلما كان الحال قبل عقود- وتقليل كثافة التلاميذ في فصول المتفوقين مهما بلغت كثافة الفصول الأخرى بالمدرسة، أو بالمدارس المحيطة بمدرسة المتفوقين، وتحديد أفضل المعلمين للتدريس لهم، والتدريس لهم بأفضل استراتيجيات ووسائل التعلم، وجعل الأولوية لهم في كل شيء. فهؤلاء هم زُبدة العقول في مصر، وكما ذكر الفلاسفة القدامى فإن المجتمع الذي لا يهتم بالمتفوقين عقليًا من أبنائه محكوم عليه بالفناء.

وفي مرحلتي التعليم الأساسي، لماذا لا نُعلِّم وفقًا لقاعدة "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" بدلًا من انتشار الغش لمساعدة الطلاب الضعاف على اجتياز اختبارات لا يسمح لهم مستواهم باجتيازها؛ فيكون في كل مادة مقرر أساسي ومقرر اختياري، فالمقرر الأساسي في اللغة العربية لا يمكن لأحد أن يختار ألا يدرسه، وكذلك كل المقررات الأساسية في كل المواد، ولا بد أن ينجح الطلبة في اختبارات المقررات الأساسية، ولكن على كل طالب أن يختار مقررات اختيارية إضافية ليدرسها ويمتحن فيها، ولا سقف أو حد لها، فيمكن للمتفوقين أن يختاروها كلها إن أرادوا، ولكن لا يرسب أي طالب بسبب عدم اجتيازه لهذه المقررات، على أن يكون لما اجتازه الطالب من مقررات في سجله التعليمي أثره في التحاقه بعد ذلك بالمراحل التعليمية الأعلى، وتوزيعه على التعليم العام والفني.

أما عند الوصول لمرحلة الثانوية العامة فيمكن الإكثار من المواد الاختيارية، والتي على أساسها تتحدد الكليات التي يمكن للطالب الالتحاق بها، ويمكن لأحد الطلاب أن يمتحن في السنة التالية مقررًا ما أو بعض المقررات ليضيفها إلى ما سبق أن درسه، وذلك ليستكمل مؤهلات التحاقه بإحدى الكليات.

والاهتمام بالمعلمين وتحسين أوضاعهم وتوفير مواصلات آدمية للمدارس البعيدة أمر ولا شك هام لتحسين العملية التعليمية، فلماذا لا توفر كل إدارة تعليمية أتوبيسًا يتحرك في الصباح الباكر يوميًا من عاصمة المحافظة، ويسير على خط المدارس البعيدة التابعة للإدارة في المراكز والأرياف، حتى وإن كان المعلمون يدفعون أجرته.

أمر آخر لا مفر من التساؤل عنه، وهو استغلال شبكة الانترنت في التعلم، وأعني هنا التعلم الذاتي غير النظامي. فمنذ أكثر من عشر سنوات، كنت أعمل في جامعة بالمملكة العربية السعودية، وأذكر أن إحدى زميلاتي الأردنيات كانت تتشكى كثيرًا من ضعف شبكة الانترنت في البناية التي يسكنون فيها؛ إذ أن ابنتها -التي كانت بعد طفلة- تدرس باستخدامها؛ فالطالبة النجيبة لم تكن تكتفي بقراءة ومذاكرة كتب المدرسة، بل كانت تفتح جهاز الحاسوب الخاص بها وتلج إلى الشبكة العنكبوتية لتتصفح وتقرأ وتشاهد مقاطع فيديو من خلالها عن موضوعات الدروس التي أخذتها في المدرسة.

وكنت أتساءل وقتها: إلى متى ستبقى شبكة الانترنت وسيلة للترفيه لدى أكثر من 90% من أطفالنا وشبابنا، بينما هي في العالم كله وسيلة أساسية للتعلم؟ فالتعليم النظامي –على علّاته الكثيرة في بلدنا- هو السائد لديهم، ولا يكادون يعرفون التعليم غير النظامي. وربما كانت من حسنات جائحة الكوفيد التي ابتلي بها الكوكب أنها أجبرت الناس على تطبيق التعليم النظامي عن بعد وأخذ التعليم غير النظامي أيضًا في الاعتبار، ليكتشف كثير من أبنائنا هذا الكنز الذي يتلهون به ولا يدركون قيمته.

ولكن ينبغي علينا الاعتراف بأن التعليم الالكتروني عن بعد قد لا يكون كافيًا في تعلم واكتساب المهارات، وأن الممارسة لا بد منها لإتقان التعلم، ومما يضاف إلى مشاكل نظامنا التعليمي أنه لا زال قاصرًا وعاجزًا عن إدخال مدارس وكليات تعلم المهارات التي يحتاجها أفراد المجتمع. وقد جربنا إنشاء المدارس الفنية التي يحصل خريجوها على شهادات الدبلومات الفنية، فكانت وسيلة لتخفيض عدد سنوات الخدمة العسكرية للبنين، وشهادة صورية لضعيفات المستوى العلمي من البنات، وخريجوها لم يتعلموا شيئًا ذا قيمة طوال دراستهم فيها، إلا ما ندر. بينما في أوروبا وأمريكا إن أردت أن تتعلم أي حرفة مهما بدت بسيطة فسيلزمك الالتحاق بدورات تعليمية تؤهلك فيها، ومن أجل ذلك تكون لكل مهنة أو حرفة احترامها في المجتمع.

ودومًا يقولون إن بلدنا هي "بلد شهادات"، والحقيقة إن العالم كله لا يعترف سوى بالحاصلين على الشهادات أو من يمكن الاستدلال على كفاءتهم بمعيار موضوعي، ونحن بالفعل بحاجة إلى استحداث مزيد من الكليات في نظامنا التعليمي الجامعي، ولكن من نوعيات أخرى، فنحتاج –على سبيل المثال- إلى كلية تؤهل لمهنة النجارة والحفر على الخشب والأرابيسك، وكلية تؤهل لأعمال البناء والدهانات وتنفيذ الديكورات، وغيرها من المهن التي تعتبر حرفًا فقط تُكتسب عن طريق الخبرة، وتكاد تنقرض لعزوف الشباب عن تعلمها، بينما المجتمع في حاجة إليها.

إن الواقع يقول إن مجتمعنا يحترم التعليم النظامي ويحدد المستوى الاجتماعي للفرد على أساسه، وفي المقابل لا يحترم التعليم غير النظامي والخبرات بالقدر ذاته إلا في أضيق الحالات، وكثير من الآباء في مصر على استعداد لتزويج ابنته من مهندس ميكانيكا افتتح ورشة ميكانيكا كمشروع ربحي خاص به، ولكنه غير مستعد للقبول بعامل ميكانيكا له المهنة نفسها، مهما كانت درجة إتقانه لعمله التي تدل على تعلمه الدقيق له بالخبرة.

واستحداث أمثال تلك الكليات الجامعية التي تعلم الحرف تعليمًا نظاميًا سيخفف من الأعداد التي تلتحق بكليات أخرى ولا مكان لها في سوق العمل، فما الذي يحتاجه المجتمع من كل هذه الأعداد الغفيرة من الخريجين من خريجي كليتي الحقوق والآداب! علمًا بأن أغلبهم قد التحقوا بهاتين الكليتين بسبب المجموع الذي لم يؤهلهم لغيرهما، وهو ذاته المجموع الذي يظهر أن ذكاءهم اللغوي ليس أعلى ذكاءاتهم، وأنهم غالبًا أذكياء بدرجة أعلى في نطاقات عقلية أخرى لم يكشف عنها التعليم المدرسي التقليدي.

وبعد، فهذه ليست وصفة طبية كاملة لإصلاح وعلاج ما فسد من حال التعليم في بلدنا، ولكنها دردشة عن موضوعات أراها هامة، ولا تلقى القدر الكافي الذي تستحقه من النقاش حولها.

 

د. منى زيتون

الخميس 14 أكتوبر 2021

 

 

شفق حسنفي صيف عام 2012 كانت المرة الاولى التي اسمع بمصطلح "التنمر" خلال مشاركتي في تدريب اساسي على حل النزاعات، وكان وقع المصطلح في ادراكي غريب تماما خصوصا ان التنمر الذي تناوله ذلك التدريب كان عن ذلك الذي يحصل بين طلاب المدارس..

لكني خلال التدريب بدات استرجع بعضا من معلوماتي حول سلوكيات "التنمر" وهي مستقات من متابعتي لبعض الافلام الاجنبية والامريكية على الاخص، حيث ان التنمر حالة شائعة في الغرب خصوصا في المدراس الثانوية، وقد قاموا بانتاج العديد من الافلام والمسلسلات حوله بسبب تأثيره على حياة المراهقين هناك ولانه اودى الى حوادث عنف وانتقام وحتى انتحار بعض من تعرضوا له!!

ربما كان العام الذي ذكرته سالفا هو بداية انتشار هذا المصطلح في العراق والذي صار لاحقا متداولا ويُطلق على مدىً كبير من الممارسات  في مجالات شتى، ولست هنا في صدد مناقشة موضوع التنمر عموما ولا التنمر الخاص بالمدراس لاعتقادي انه ليس بنفس انتشار وقِدم وخطورة ممارسات اخرى تجري في مدارسنا منذ عقود وبعضها منذ اول وجود للمدراس في العراق، كما ان موضوع التنمر قد تم مناقشته عالميًا، من خلال الاعمال التلفزيونية والسينمائية، قد يكون اشهرها عندنا وتم متابعته على نطاق واسع بين فئة الشباب، المسلسل الامريكي  (thirteen reasons why )

وبالعودة الى مشاكل مدارسنا، ارى ان هناك مشكلة اهم واكبر وحتى اخطر يواجهها الطالب العراقي هي مشكلة "التصنيف الطبقي المعتمد على ذكاء واجتهاد الطالب في دراسته" والتي يخضع كل طالب لها، وهي ظاهرة موجودة بدون استنثناء في كل مرحلة ومدرسة وصف في العراق ..!

وتتلخص "الطبقية المدرسية" – كما سأسميها – بأجراء غير معلن موجود ضمن تعاملات المدرسين مع الطلاب والطلاب مع بعضهم، يعمل على تصنيف الطلاب بحسب درجة ذكاءهم واجتهادهم في الدراسة الى واحدة من الطبقات الثلاث التالية :

1- طبقة المجتهدين او "الشطّار" كما يتم تسميتهم في المدارس بشكل عام ورسمي، وتضم الطلاب المتفوقين بدرجة ذكائهم واستيعابهم للمواد الدراسية وكذلك في اجتهادهم في اداء الواجبات البيتية ونتائج الامتحانات ..

ويتم ضم الطالب الى هذه الطبقة عادة منذ المراحل الدراسية الاولى في الابتدائية، فما ان يكتشف معلم الصف ان احد طلابه يتملك ذكاءا واجتهادا في الدراسة حتى يبدأ بأيلاءه اهتماما خاصا يتمثل بأطراءه والاشادة به امام باقي طلاب الصف في كل مرة تظهر فيها علامات ذكاءه، كذلك بدعوة باقي الطلاب الى الاقتداء به او بتقريعهم لانهم غير قادرين ان يصبحوا مثله.. !

ويستمر المعلم في اكتشاف الطلاب " الشطار" حتى يكوّن منهم تلك الطبقة التي سيزداد وضوحها وتماسكها وقوتها مرحلة  بعد اخرى..

ويمتلك الطالب  المصنف ضمن طبقة الشطار امتيازات لا يمتلكها طلاب باقي الطبقات، منها خاصية اتخاذ القرارات وفرضها على الاخرين كتحديد ايام الامتحانات اليومية والشهرية وبعض النشاطات الصفية، وهذه الميزة هي الاهم بأعتبار ان الفرد العراقي عموما لا يُمنح امكانية اتخاذ قرارات حياته حتى عندما يصل الى سن البلوغ، ويقوم الاهل والمجتمع والمدرسة والنظام الحاكم بتحديد معظم مسارات حياته!

وتتميز طبقة الشطار في معظم الاحيان بأنغلاقها على نفسها، ويدعم الكادر التدريسي وحتى ادارة المدرسة هذه التكتل والانغلاق من خلال الاستمرار بالاشادة بالشطار امام باقي الصف والمدرسة، والاصرار على تمييزهم عن الاخرين واستشارتهم في تحديد مواعيد الامتحانات بما يتناسب مع جدولهم الخاص بساعات الدراسة من اجل دعمهم للاستمرار في التفوق حتى ان كانت المواعيد التي سيحددونها تتضارب احيانا مع مصلحة باقي طلاب الصف!، وكذلك من خلال ترشيحهم للمشاركة في باقي النشاطات المدرسية والمسابقات الرياضية والفنية حتى ان كانوا لا يمتلكون مهارات تؤهلهم لذلك..

ويعمل المجتمع واسرة المتفوق تحديدا على تعزيز انغلاق ابنهم ضمن طبقته الصفية، من خلال تعليمه وتذكيره باستمرار بمجموعة سلوكيات تصل به الى درجة الانانية الواضحة والصريحة، فالشاطر يجب ان لا يصادق او يرافق الا شاطرا مثله، كما يمنع الاهل او المدرسين الشاطر من اعارة دفاتره لغير الشطار بحجة ان الطلاب الاخرين غير قادرين على الحفاظ على نظافتها وسلامتها..

وحتى في السفرات والنشاطات والاحتفالات يتكتل الشطار مع بعضهم، ويزداد انغلاق هذه الطبقة على نفسها في مرحلة الاعدادية حيث يتعمّد الشطار حتى خلال التجمعات الطلابية التحدث ومناقشة مواضيع تبين تفوقهم واختلافهم عن زملائهم ورغبتهم بعدم الاختلاط بمن هم ادنى منهم، كمناقشة درجاتهم في الامتحان الاخير والتي لم يكونوا راضين عنها رغم انها تقل قليلا عن الدرجة النهائية، او سهولة الاسئلة في امتحان اعتبره باقي طلاب الصف صعباً، او موعد اعلان اسماء الطلاب المعفيين من الامتحانات النهائية وغيرها من المواضيع التي تنفّر وتبعد باقي طبقات الصف عنهم.

ومجمل هذه السلوكيات تخلق حقيقة ان المتفوق هو ذلك الشخص الذي يجلس عادة في المقاعد الامامية من الصف ولا يرافق الا متفوقا مثله وانه نادرا ما يساعد اخر طلب مساعدته في فهم واستيعاب مادة دراسية معينة..

2- طبقة المتوسطين: وهي الطبقة الاكبر في كل صف، وتتألف من الطلاب متوسطي الاجتهاد الدراسي .. وكما في الحالة الاولى يتم تشكيل هذه الطبقة من قبل معلمي ومدرسي المدارس بالاعتماد على درجة استيعاب الطالب واجتهاده ودرجاته في الامتحان..وبرغم ان عدد الطلاب المتوسطين كبير في كل صف الا انهم بلا تأثير يذكر في مجمل القرارات التي تتخذ بخصوص امتحاناتهم او اي نشاط مدرسي آخر وذلك لأن متوسط المستوى- بحسب نظرة المدرسين- لم يمتلك العزم او الاجتهاد الكافي لينتقل الى طبقة " الشطار" كما انه مرشح مستمر للانتقال الى الطبقة الادنى 

ويكثر بين هذه الطبقة الطلاب المتزلفين والمتملقين للمدرسين، حيث يمارسون هذا السلوك ليس للحصول على الدرجات فقط بل على التميز، فالمعلم عموما يمثل قيمة كبيرة عند الفرد، ولذلك يسعى للحصول على درجة التميز عنده بشتى الطرق التي يتفتق عنها عقله.

3- طبقة الكسالى: وهذا هو الاسم الشائع والمتداول رسميا لهذه الطبقة التي تتألف من الطلاب الاقل اجتهادا ونتائجاً في الامتحانات، وتضم هذه الطبقة عادة طلابا لا يتميزون فقط بمستواهم الدراسي المتدني ودرجاتهم السيئة او رسوبهم في نفس الصف او في مراحل متعددة ولا بجلوسهم في المقاعد الاخيرة من الصف، بل ايضا بأثارة حوادث الشغب في الصف والمدرسة او بأمتلاكهم  القدرة على خلق المواقف الساخرة والكوميدية لاضحاك الطلاب اثناء الدرس او مشاكسة المدرسين واضحاك الطلاب عليهم .!

ومرجع هذه السلوكيات  لرغبة هؤلاء الطلاب ( الكسالى) في التميز والخروج من التصنيف الذي وُضعوا فيه، حيث ان الطالب " الكسلان" لا يمتلك املاً بأن يصبح شاطرا كما ان انتقاله الى طبقة الغالبية المتوسطة غير المؤثرة لن تعود عليه بالنفع لعدم وجود تميز ضمن هذه الطبقة، لكن يوجد طالب اسوء من الاخرين ضمن طبقة الكسالى او اكثر مرحا او شغبا او قدرة على اضحاك الطلاب او السخرية من بعض المدرسين ( بالاخص في مدارس الاولاد)، وقد يتميز احيانا بعض افراد هذه الطبقة بامتلاكهم لمواهب فنية او قدرات رياضية تؤهلهم للمشاركة في النشاطات والمسابقات المدرسية.. لكن حتى هذه لا تمنحهم الكثير من التميز عند الكادر التدريسي، ولا بد ان يحصلوا على ملاحظات من صنف : ليتك كنت متفوقا في دراستك كما انت متفوق في الرسم او الرياضة ..!!

وبظني ان اسوء ما يواجه الطالب الكسلان هو امتناع الاخرين عن مصادقته ومرافقه حتى وان كان من اكثر طلاب الصف تأدبا وخُلقاً، ومرد ذلك لنفس اسباب تميز طبقة المتفوقين: الكادر التدريسي والثقافة التربوية للمجتمع والاسرة.. فمن منا لم يسمع من اهله او مدرسيه بذلك القول الشائع بأن الكسل معدٍ ؟!!، هكذا تم تحويل الكسلان الى مرض معد يجب تجنبه، وقد يمتنع حتى متوسطو المستوى عن مرافقة او مؤازة الكسلان ان كان محقا في موقفٍ ما !

والحقيقة عندي ان "الطبقية المدرسية " هي اسوء ما يواجه الطالب العراقي في حياته الدراسية، واخال ان هذه الظاهرة موجودة في معظم الدول العربية على اعتبار ان نشوء المدراس بمفهومها الحديث عندنا جاء في زمن واحد تقريباً، كما ان الاسسس التي اقيمت عليها الانظمة التعليمية في دولنا العربية واحدة ايضا وهي تعتمد التفوق في الدراسة مقياسا لتقييم الطالب علميا وسلوكيا وحتى اخلاقياً، دون الاخذ بنظر الاعتبار التفاوت الطبيعي في درجة ذكاء البشر، والتفاوت بينهم في استيعاب المواد الدراسية المتنوعة وتأثير المدرّس وطرق التدريس، وظروف وبيئة الطالب الاسرية التي تشجعه وتدعمه او تعيقه ..

واسوء ما فيها انها اصبحت امرا مسلما به عندنا، فالطالب لا يجد غضاضة في ان يُنعت من قبل مدرّسه وامام زملاءه واصدقاءه بالكسلان، وحتى ان رفض هذا النعت فعليه ان يحتفظ برفضه لنفسه والا فسيواجه اتهاماً اكبر بعدم احترام مُدرسه قد يودي به الى ادارة المدرسة او طلب احظار وليّ امره او استعداء المدرس له لبقية العام الدراسي!، واذكر هنا معلمة في الابتدائية كانت تكافئ المتفوقات بالتصفيق وتعاقب الكسلانات بتصفيق اخر بالاحذية، وما على طالبات الصف الا الامتثال لأوامر المعلمة بالتصفيق بالايدي حيانا وبالطبطبة على الارض بأحذيتهن حيانا اخر، وفي كلا الحالتين يتقبلن سلوك وقرار المعلمة بتسليم كامل باعتباره الاصح والامثل.

او معلمة اخرى قامت باعادة توزيع طالبات الصف المقسم اساسا الى ثلاثة خطوط  من المقاعد بحسب حفظهم لجدول الضرب، فصار خط المقاعد الاول للمتفوقات وخط المقاعد الاوسط لمتوسطات الحفظ والخط الاخير لضعيفات الحفظ او الكسلانات.. وللانتقال الى خط المتفوقات الذهبي ما على الطالبات الا الاجتهاد في الحفظ    وهكذا صارت الطالبات يجتهدن في الحفظ للانتقال الى ذلك الخط  الذي صار يمتلأ بسرعة حتى لم تعد مقاعده تكفي كل المنتقلات، اما سلبيات ومساوء هذه التجربة فكانت من نصيب الطالبات اللاتي لم يستطعن مغادرة خط المقاعد الاوسط او اللاتي بقين يتنقلن بين خط المتوسطات والكسلانات !!

ويمكن ان نلاحظ ان المعلمة في كلا المثالين لم تكن تعتبر ما تقوم به خاطئاً ومؤذياً لمشاعر اطفال صغار، بل مجرد اجراء اعتيادي يهدف الى مكافئة المجتهد، وتحفيز غيره للاجتهاد!!

ان حصيلة  هذه السلوكيات جعلت طلاب المدارس الابتدائية مثلا -وهم اطفال بكل تأكيد – يستخدمون لفظة كسلان لشتم بعضهم عند حصول مشادات بينهم وهي لفظة قد لا تقابل بالعقاب، او ان يرفض بعضهم صداقة آخر لانه كسلان بحسب تصنيف تلك المعلمة او المعلم !!

وقد عززت الانظمة الحاكمة في العراق الطبقية المدرسية من خلال جملة قرارات وسلوكيات مثل تكريم الطلاب المتفوقين، او انتخاب الطالب القدوة منهم، او تشجيع الطلاب على الانتماء للحزب والتقدم في الدرجات الحزبية باعتبارها ستمنحهم تفوقا جديدا يكسر حلقة الطبقية المدرسية، وعندها يمكن لكسلان منبوذ ان يصبح مركز قوة بين طلاب الصف وصاحب حظوة عند الكادر التدريسي خصوص اذا ما حصل على عضوية او رئاسة اتحاد الطلبة!!

واتخذ البعض اسلوب التزلف والتملق للمدرسين طريقا للحصول على التميز بعد ان ادركوا عدم امتلاكهم لقدرات التفوق الدراسي..

ولو كنا نمتلك ذلك العزم والاصرار على البحث وتتبع اسباب الكثير من السلوكيات الغريبة والضارة في مجتمعنا، او تلك التي تجعل فئة  محددة من المتزلفين والمتلونين يصلون الى مراكز السلطة والمواقع السياسية والعامة عندنا، لوجدنا انهم يحملون اثارا نفسية من احدى مراحلهم الدراسية وسببها الرئيسي تلك الطبقية المدرسية البغيضة.

ان مما لا شك فيه ان العملية التعلمية في العراق تحتاج الى تغير ثوري يبدأ بالتخلص من طرق التعليم البالية التي عفا عليها الزمن، ولا ينتهي بفرض شروط صارمة على من يروم الحصول على شهادة البكالوريوس في مجال التعليم كما يحصل في الغرب مثلا.. وقبل كل هذا اعتماد طرق علمية حديثة لتقييم اداء الطالب واجتهاده لا تنتقص من امكانياته العقلية وكرامته ولا تلقي به منبوذا في المقعد الاخير من الصف ..!!

ولأني اؤمن ان صناعة  السينما والتلفزيون هما الانجاز الاعظم في عصرنا الحاضر وان لهما الاثر الاكبر والاعمق في تنمية وعي البشرية عموما، كنت ومازلت اتمنى ان نحظى بعمل فني عراقي او عربي مكتوب بشكل جيد يظهر ويناقش ظاهرة الطبقية المدرسية عندنا على غرار المناقشات الكثيرة التي حظيت بها ظاهرة التنمر في الغرب. ودور وتأثير النظام التعليمي والكادر التدريسي في كل مدرسة في تنمية واستمرار هذه الظاهرة واثارها المستقبلية في خلق افراد غير اسوياء يحملون عقدا نفسية وسلوكيات غير سوية .. ان عملا فنيا من هذا النوع يمكن ان يغني عن الاف المقالات والبحوث حول هذه الظاهرة..

 

شفق حسن

 

عبد الحسين شعبانكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة  قرّرت في 17 ديسمبر/ كانون الأول العام 1999 اعتبار يوم 12 أغسطس/ آب من كل عام يوماً للشباب العالمي تحتفل به، وذلك لتأكيد دوره في عملية التغيير والتنمية في المجالات كافّة: السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، بوصفه شريكاً لا غنى عنه لكل عملية تقدُّم لدرجة أنه لا يمكنها أن تقوم من دون مساهمته الفاعلة والواعية.

ويواجه الشباب اليوم مصاعب شتّى وتحدّيات جمّة، فضلاً عن عوائق وكوابح غير قليلة، وخصوصاً في ظلّ العولمة بوجهها المتوحّش، حيث تنخفض مستويات المعيشة ويزداد الفقر وتنتشر البطالة والأميّة وترتفع معدّلات الهجرة الشرعية وغير الشرعية، لا سيّما من بلدان الجنوب الفقير إلى بلدان الشمال الغني، كما تتفشّى الأمراض والأوبئة وآخرها فايروس كورونا "كوفيد - 19" ويرتفع مستوى الجريمة المنظّمة والإتجار بالبشر وتستشري تجارة المخدرات والأسلحة وتكثر على نحو مطّرد ومعدّلات العنف والإرهاب، وغير ذلك من الجوانب التي تؤثر سلباً على جيل الشباب وتحول دون استمتاعهم بشبابهم، بل وتحرمهم أحياناً من توسيع معارفهم وشحذ طاقاتهم بالإتجاه الإيجابي. فبالشباب تزدهر الأوطان وهم عماد الوطن والأمّة في الدفاع عنهما، خصوصاً في الأزمات والمحن.

وبما إن الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، فلا بدّ من توفير مستلزمات الإفادة منهم في الحاضر والمستقبل وذلك بتمكينهم من امتلاك ناصية العلم أولاً والمعرفة والثقافة في فضاءات حرّة ورحبة لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم وتقديم مبادراتهم ومشاريعهم  وابتكاراتهم إلى المجتمع، وكذلك في إفساح المجال أمامهم والاستماع إلى آرائهم ووجهات نظرهم، كي تتفتّق مواهبهم وتثمر جهودهم للقيام بالدور المنوط بهم في عملية التنمية وفي تنقية وترميم الحياة السياسية والاجتماعية وتطويرها بما ينسجم مع تطلعاتهم لمستقبلٍ أكثر انفتاحاً وتنوّعاً، خصوصاً في البحث عن قواسم مشتركة مع بعضهم البعض بغضّ النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم ولغتهم ولونهم وأصلهم الإجتماعي، فالشباب أخوة وأحبّة يجمعهم طموح مشترك وحماسةٌ وإرادةٌ وحيويةٌ وعطاءٌ.

ولا يمكن للبلدان والأمم والشعوب أن تتقدّم دون المساهمة الحيوية الفاعلة لجيل الشباب الذي يتمتّع بقدرات بدنية وعقلية وروحيّة عالية قياساً بالأجيال التي تسبقهم أو تعقبهم، ولذلك فإن الرهان عليهم دائماً، لما يتمتعون به من قوة وطاقة ومبادرة وجرأة وإقدامٍ وسلامةٍ جسمية، فلا رياضة دون الشباب ولا فنون وآداب ورقص وموسيقى وشعر ومسرح وسينما دونهم، لأنهم يمثّلون عصب الحياة الحقيقي وينبوعها المتدفّق.

ولعلّ الشاعر الجواهري كان على حق حين خاطب الشباب قائلاً:

نزق الشباب عبدتهُ /  وبرئتُ من حلم المشيبِ

يا من يقايضني ربيع / العمر ذا المرج العشيبِ

بالعبقرية كلّها / بخرافةِ الذهن الخصيبِ

 

إن الإحتفال بيوم الشباب العالمي هو رسالة إلى جميع الحكومات التي عليها أن تعي دورهم وأن تسهم في رفع كفاءاتهم فبالعلمِ والعلمِ والعلمِ والعيش الكريم يمكن الإرتقاء بهم، خصوصاً بتشجيع حرية التعبير ليتمكّنوا من تفجير طاقاتهم واستخدامها على أحسن وجه، فكلّما ضاقت تلك السُبل فأن طاقاتهم يمكن أن تتوجّه إلى مواقع أخرى خاطئة، وقد تُنذر بشرٍّ مستطير، خارج دوائر الإبداع والإنتاج والعمل، حيث يمكن استغلالهم من جانب القوى المتعصبّة لدفعهم نحو التطرّف، وهذا الأخير إذا ما تحكّم منهم فقد يتحوّل إلى سلوك ويقودهم إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً.

 وإذا كان الشباب هم من حاربوا القوى الإرهابية والعنفيّة، التي تغوّلت على المجتمع واستهانت بمرجعيّة الدولة، فإن هذه الأخيرة حين تمكّنت من عقول بعض الشباب باستغلال أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والدينية والقومية والثقافية، خصوصاً  في ظلّ أوضاع التخلّف والجهل والفقر والتمييز، حاولت الضرب على الأوتار الحسّاسة التي تحرّكهم موظّفةً ذلك لأغراضها الأنانيّة ومشاريعها السياسيّة  الجهنميّة، وإلاّ كيف لشخص يوعد بالجنّة وبالحور العين، فيندفع لقتل عشرات أو مئات الناس في سوق أو ساحة عامة أو مدرسة أو كنيسة أو مسجد، إن لم يكن قد تمّ تخريب عقله وغسل دماغه والتلاعب بضميره.

وكان الهدف رقم 10 من مشروع التنمية المستدامة 2030 قد أكّد على تعزيز المساواة ودعم النمو في الدخل لفئة الأربعين في المئة من البلدان الأكثر فقراً والأقلّ نماءً لضمان الفرص المتكافئة وإنهاء التمييز والأمر يخصّ الشباب بالدرجة الأساسية والبلدان الفقيرة بشكلٍ خاص، الأمر الذي يحتاج من أصحاب القرار، إضافة إلى المنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية والمراجع الدينيّة والهيئات الثقافيّة، الأمر يحتاج إلى تنمية قدرات الشباب وشحذ طاقاتهم وتوفير الفرص المناسبة لهم للحصول على عمل مناسب وأجرٍ مناسب يتوافق مع قدراتهم إناثاً أو ذكوراً.

ولا بدّ من إشراك الشباب في صنع القرار بما يشعرهم  بالإنتماء الحقيقي لمجتمعهم ويعزّز من هويتهم المشتركة ويجسّر الفجوة بينهم وبين أصحاب القرار، دون أن ننسى الإهتمام بالأنشطة الترفيهية لهم باعتبارها ضرورية للنمو المنسجم نفسياً وجسدياً، خصوصاً والعالم في الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الإصطناعي واقتصاد المعرفة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

امان السيد تقول الصبية "س": ليس لي ثقة بالرجال، أشعر بقرف كبير، ولا أستطيع أن أتخيل يوما أن يلامسني رجل، لقد تعرضت لتحرش جنسي، ومحاولة اغتصاب من الشخص المفترض به أنه خطيبي، لكن الحمد لله كنت أقوى منه، لقد ترك آثارا عنيفة على جسدي وأنا أحاول التملص منه، أحمد الله أنني استطعت التخلص، وأن أستدعي الشرطة.. ماذا لو لم تأتني تلك القوة؟ كانت حياتي ستنهار تماما.. إنني أشعر بالاشمئزاز من الرجال، وبيني وبين نفسي أكرههم.

وتستدرك" س" متابعة: ليس الجميع!

تبدو "س" هنا، وقد تذكرت ما أوصيت به في الصغر، أن تكبح جماح تمردها، أن تعود البنت بثقافة المجتمع اللاواعي كي تحوز الرضى– لكنها تكمل: نفسيا أكرههم، وأشعر بالخوف من نفسي، لكني لا أظهره، أتباهى بالقوة دائما في مظهري الخارجي كي أجعل بيني وبين الآخرين سدا لا يخترق!.. ثم تتوقف عن الحديث.. أحس بدموعها وهي تبلل شاشة هاتفي، رغم ذاك الحاجز المنيع الذي تعتقد أنها تمكنت من بنائه!

لطالما حدثتني، وألحت مرارا أن أكتب عنها، لم تتوجه لغيري بذلك، وقد طال بي الوقت على ذلك، إذ أن الكتابة عن مثل هذه المآسي توقظ كل المآسي التي صادفها أمثالي في رحلة حياة ، ثم السؤال الأهم: هل أستطيع أن أفي الصبية " س" ما تنتظره مني؟!

*

بالكاد ألملم بعض  تفاصيل الحدث. صبية تود مغادرة وطن مدمر بالفقر والسياسة الجشعة لعلها تنتصر لنفسها ولأهلها، هي في منتصف العشرين، مضيئة الوجه والروح بالتصميم، تتعرف شابا من جنسية أخرى عبر وسيلة من الوسائل المنتشرة حاليا، شاب يبدو لائقا للإنقاذ، وكم من فتيات بمثل هذا العمر يُصدّرن إلى الحياة بشراستها، ولم يكتمل فيهن الوعي أو النضج لمواجهة وحوش تبدو بملابس زاهية، ثم تصل إلى المغترب، ليتلقفها وحش جديد، لم يكن بالحسبان، زوجة الأخ، أنثى مثيلة، لكنها اختارت أن تكون وحشا، وقد تكون هي الأخرى قد جرحت في مكان ما من الروح فاستيقظ فيها الوحش، لكن ليس المنتظر منه الوعي والمساندة، بل الغدر والأذى، وتتآمر زوجة الأخ عليها مع الخطيب لتوريط الصبية قليلة الخبرة، وبقية الحكاية من الممكن تخيلها بسهولة!

ترى ما الذي يجعل المرأة عامة لا تستطيع أن تقول لا رغم اقتناعها بأنها مقبلة على جحيم؟!

وما الذي يجعل من امرأة واعية عارفة، امرأة ساذجة في بعض الأحيان؟!

هل يختلف التحرش الجسدي عن الاغتصاب، أم أنهما في مستنقع واحد يغوصان؟!

وما الذي يدفع المرأة إلى الرضوخ للصمت حين تتعرض لتحرش جنسي، واغتصاب كامل أحيانا؟!

كثير من الأسئلة تتوالد في البال يكون مفتاحها المرأة، المرأة اللغز، القوية في ظاهرها، ومع ذلك أمام بعض الممارسات والأفعال تصدم بهشاشتها.. المرأة الكريستال ضربت فيها الأمثلة تلو الأمثلة، ووضعت في شأنها جداول توصيات، ومع ذلك، ومع ما تعتقد هي، ويعتقد المجتمع أنها وصلت إليه، ما يزال ينقصها الكثير من الحقوق، هذا لو استثنينا بالطبع من تفتحت عقولهم فاعترفوا أنها مركب الاكتمال في حضورهم الإنساني، والقياس على ذلك كثير، وبتفاوت في أي مجتمع، عربي أو غربي!

الكثير من علماء ومحللي النفس، يعودون إلى الطفولة، فيردون أي هشاشة مستقبلية إلى الطفولة، وما صادف المرء فيها من الأزمات، فرويد مثلا يركز في أبحاثه على العقل الباطن والسمات النفسية التي تشكله، وهل العقل الباطن إلا تلك التراكمات في مخزون النفس كطرق التربية واستقبال ردات فعل من الأهل والمربين في الصغر لهما الدور الأكثر حساسية في إقحام الغد في بقايا الماضي وعلى أساسها يأتي التصرف.. الأب، الأخ، العم، الجد.. الذكر في المطلق من حيث الخصوصية في تميزه والتي نراها تتماثل عبر الثقافات والديانات في تفضيله على الأنثى، ولا يخفى أن الذكر نفسه رغم تملكه السلطة والتحكم، يكون أحيانا في منتهى الهشاشة والسحق في توالي تربية عليه قد تأتي من أب أو أم مضروبين نفسيا لتحط وحشيتها على امرأة لا حول لها ولا قوة! ..

هذا قد يستحضر السؤال المفحم عن البيضة والدجاجة: من منهما كان البذرة للآخر، وعن الكون هل هو الموجود قبل آدم، أم أنه وجد بفضل حضور آدم؟!

*

لقد قامت مجتمعات بأكملها على زعامة المرأة للقبيلة، فهي التي تترأس، وتخطط، وتربي، وتوجه، ويتناقلون أن المجتمعات البدائية كانت في بداياتها أمومية، فهناك مثلا الإلهة الأم تمثل الأمومة والخصوبة والإبداع، ومن الآلهة التي عبدت لها شكل أنثى، وحكمت من الملوك إناث، ولعلمكم حين تكون المرأة يتدفق نهر من الحكمة والسلام، والحنان والتبصر، والمغفرة، زرقاء اليمامة التي حذرت قومها من الأعداء، قتلوها حين شككوا بما أخبرتهم، ولم يشفع لها تبصرها الذي نشلهم من كثير من الغزوات، زنوبيا ملكة تدمر ثبتت دعائم حكم واجه روما وغيرها من الامبراطوريات الكبرى في ذلك الحين، الخنساء ضربت مثلا في التضحية لدين آمنت به، أنجلا ميركل المستشارة الألمانية، وجاسيندا رئيسة وزراء نيوزيلاندا ضربتا أمثلة رائعة في القيادة الحكيمة، أما ما أدى إلى مطالبة الأنثى بموقع لائق في الحياة فقد أتى بعد أن سيطر الكهنة والذكور على مقاليد الحكم، وأحرقوا من لقبوهن بالساحرات، واللواتي لم يكن غير العارفات المتبصرات بما أوتين من حكمة المعرفة بالعلوم القديمة التي أخفيت عنا.. نعم، فلكل زمان سلاطينه، ودهاته، وجلادوه، ويبقى المشترك تلك الحرب المعلنة وغير المعلنة على الأنوثة، رغم أنه يتوجب لها التقديس الخاص لكونها المرتع والمنبثق الأساسي لقوى النور والعطاء والتألق عبر الزمن.. يكفيها تقديسا اختصاصها بالرحم مستودع الحياة..

في الحروب يصبح اغتصاب جسد المرأة مكبا للعنات، وأداة لتكريس الفوز على الخصم، ذلك الجسد الذي تستبيح الطقوس الوثنية، والحروب العالمية قديمها وحديثها حتى اليوم تقديمه قربانا بصور مختلفة رخيصة وغالية الثمن، وللأسف تكون المرأة مساهمة فيه في الوقت نفسه بذاتها، أقصد تلك المرأة التي استمرئ إخضاعها للتجهيل، وسلب أية محاولة منها لتخرج إلى نور المعرفة بحقوقها!

والتحرش كظاهرة سائد في المجتمعات كلها، المتحضرة، والمتخلفة عبر سكوت كثير من النسوة عن ذلك خوفا من المجتمع المحيط بأنواعه مما يجعل المرأة تنكفئ، وتلعق جراحها مثل كلب مسكين مرمي في الفلاة.

لكن المريح رغم ذلك، أن أصواتا تصر أن تمد رأسها، وتخرج على المنصات تتكلم، فتكشفت لنا فضائح تتعلق بآباء، وأقرباء أحيانا، وبذوي سلطة، وإرهابيين، ومسؤولين سياسيين، ورهبان وشيوخ، وأطباء، أساؤوا استخدام علاقة العمل بفتيات كن تحت سلطتهم!.

إن فقدان الأمن في الطفولة ينسحب على المرأة عموما في باقي حياتها في اختياراتها وفي سلوكها، فتعيش في قلق واضطراب دائمين، فلا تحسن الاختيار في كثير من المواقف، وتقع في المطبات، فالسذاجة النفسية لا تُرد إلى صغر السن فقط، بل إلى جزء ما من الناحية العقلية  تتساوى فيها الصغيرات الساذجات، والكبيرات مجروحات الغرائز، وكل ذلك بتأثير من تربية غير واعية، أو تربية تعلّم الأنثى أن عليها دوما أن تَظهرَ لطيفة، وتبدي الخضوع، والجهل، وعدم الفضول، ذاك النموذج المرخّص له في مجتمعات وضعت مسبقا حدودا وأطرا للأنثى المرغوبة، كما حدث مع "س"، لكن طالما هي ترتد إلى حدسها، الأعمق فيها فإنها ستسترجع ذاتها وستنهض لبناء ما تدمّر منها، أن تكون فضولية، أن تنصت إلى ما تسمع، فتردّ قوى الإدراك والبصيرة إلى حالتها الأصلية ثانية، أن تسترد المرأة الوحشية فيها، ليست المبادرة بالعنف كما يتراءى لأول وهلة من الوصف، بل استعادة القوى المطمورة فينا، والتي بها لن نعود الضحايا البسطاء للظروف الداخلية، والخارجية... (باقتباس عن الكاتبة والمحللة النفسية كلاريسا بنكولا)..

لكن ذلك الحدس هو لب المشكلة برمتها، فكيف ستستعيده تلك الأنى، هنا المشقة كلها، فإن كانت ما تزال تخضع لذلك الاضطراب، فستظل عقيما، وسيستدعي ذلك من الأنثى الكثير من القسوة على النفس والروح، وقد يستغرق ذلك سنوات لتسامح، وإن كانت محظوظة فيمكنها استشارة أخصائي تسترجع معه شريط حياتها، فيضع يده على منبت الجرح ويساعدها على الخروج منه، ومنهن من لا تسامح بسهولة، هذا يتعلق بدرجة اليقظة التي توصل إليها الحدس.

تقول لي "س": الله يسامحه، وتكمل: أنت تعرفين أنني قوية، وسأتخطى ما جرى لي.." و"س" بدون أن تقصد، وبعد أن بدأت تستعيد حدسها الأنثوي، وطاقاتها التي كانت مطمورة في داخلها، سعت إلى تطهير روحها من الألم بمقابلة الإساءة بالمغفرة، رغم أن الفرصة سمحت لها بمقاصصة ذلك الرجل، وزوجة أخيها في محكمة تضع في أولوياتها المرأة، وتعنيفها، وضمن محاكمة نزيهة جدا!

 

أمان السيد

 

  

 

 

 

صادق السامرائيتعددت تعريفات الصحة النفسية وتنوَّعت، وما أوصلتنا إلى ما تريده من التفاعل الإنساني الحيوي، الذي يمكن أن يكتسب عنوان الصحة النفسية أو العافية النفسية.

ولا بد من التساؤل أولا : هل توجد صحة نفسية؟

وهل يمكن عزل الصحة وتجزأتها إلى تنوعات صحية؟

إن الإنسان أو أي مخلوق حي موجود متكامل متفاعل بكل ما فيه مع ذاته وموضوعه، ولا يكون مقسما إلى كينونات أو صناديق معزولة عن بعضها، فنقول صحة نفسية وعقلية وبدنية وقلبية ومعوية وجلدية وعينية وسمعية وحركية، وغيرها مما يتصل بالمخلوقات من أفعال حيوية وفسيولوجية.

إن القول بالصحة النفسية على أنها حالة معزولة عن الواقع البيئي للبشر لا يعني شيئا، ولا يساهم في توفير المناخات الإيجابية لتفاعل إنساني طيب رحيم.

فالواقع الحقيقي والجوهري للمخلوقات يشير إلى التكامل والتواصل والتفاعل، المساهم في تحقيق نشاطات وتطلعات  المخلوق مهما تنوعت وتعددت.

وعليه فأن التعبيرات التي نطلقها لتوصيف ما نتصوره، لا يمكنها أن تكون صحيحة أو سليمة،  أو مستوفية لشروط ومنطلقات ما تذهب إليه.

ولهذا فمن الأصح الكلام العملي والواقعي عن الصحة البشرية، بما يحقق سلامة السلوك والتفاعل ما بين الناس وفقا للمصلحة العامة، ويأتي في مقدمة ما يحتاجه البشر هو الشعور بقيمته ودوره وأهميته في الواقع الذي يكون فيه، ولديه ما يعطيه للحياة في رحلته، التي تطول أو تقصر لكنها ستنتهي ذات يوم.

فما هي الصحة البشرية؟

إنها بيئة صالحة للحياة الحرة الكريمة، وسلامة بدنية قابلة لتأهيل العقل للتفاعل مع محيطه بإيجابية وسلامة وأمان، بعيدا عن الإحتقان بالشرور والمرارات القهرية والتدميرية للمخلوق ومحيطه.

أي أن الصحة البشرية لا يمكنها أن تختصر بالنفسية، وإنما تشمل الوعاء الشامل للمخلوق أيا كان نوعه وجنسه.

ولا توجد عافية نفسية إذا إنتفت شروط الحياة الحرة الكريمة في المجتمع، وعندما تغيب قيمة الإنسان وتضيع كرامته، فالحديث عن الصحة النفسية يكون هذيانا أو تخريفا، وتحليقا في فضاءات الفنتازيا، والتغني بالتصورات الخالية من أي رصيد واقعي.

فهل لنا أن نعيد النظر برؤيتنا عن الصحة النفسية؟!!

 

د. صادق السامرائي

10\2\2020

 

 

 محمد العباسيهناك أكثر من 200 آية في القرآن تتحدث عن الحيوانات.. وهناك 6 سور مسماة بأسماء حيوانات، هي: البقرة، الأَنعام، النحل، النمل، العنكبوت، والفيل.. ولكل واحدة منها مناسبتها الخاصة؛ إذ في سورة البقرة تُذكر قصة بقرة بني إسرائيل التي أُمِروا بذبحها.. وفي سورة الأنعام يُذكر التشريع الإسلامي في المباح تناوله من الأنعام.. وفي سورة النحل يذكر الله سبحانه تسخيره للنحل لإنتاج العسل غذاءً وشفاءً لكثيرٍ من الأمراض.. أما في سورة النمل فنجد حكاية النمل ضمن قصة النبي سليمان والقدرة التي أنعم الله عليه بها في فهم لغة الحيوانات.. وبالانتقال إلى سورة العنكبوت، نجد فيها تشبيه من عبدوا من دون الله بالعنكبوت التي تبني بيتاً ضعيفاً لا يحميها.. وفِي سورة الفيل نجد ذكر قصة أصحاب الفيل الذين جاءوا على رأس جيش لهدم الكعبة فانتقم الله منهم.. وفي مضمون السور نجد ذكراً لحيوانات أخرى كالإبل والخيل والطير.. وفي آيات القران تصريح بتحريم أكل لحم الخنازير إلا في حالات خاصة وهي في الحروب والمجاعات عندما لا يكون بديل لذلك لتفادي الموت من الجوع.

ويمكن بشكل عام القول بأن القرآن الكريم قد بين أن الحيوانات سُخرت لخدمة الإنسان، ولكن في نفس الوقت يفرض على الإنسان المسلم معاملة الحيوانات بلطف ويمنع أي إساءة لها.. الحيوانات، مع سائر المخلوقات، يُعتقد أنها تعبدُ الله بالرغم من أنها لا تعبّر عن ذلك بلغة البشر.. ويصرح القرآن بمشروعية أكل بعض الحيوانات تحت شروط معينة مع ذبحها بطريقة معينة.. والحيوانات المحظورة تتضمن الخنازير والميتة والحيوانات المذبوحة لغير وجه الله أو التي لم يذكر عليها اسم الله، وأيضاً آكلات اللحوم والطيور ذات المخالب.

وقد استنبط الفقهاء والمفسرون من مجمل هذه الآيات الكثير من الأحكام والفوائد، فأشاروا إلى أن الله يلفت انتباه الإنسان إلى ضرورة الاهتمام بالحيوان، والعناية به، والترفق في معاملته؛ لأنه يؤدي دوراً مهماً في خدمته للبشر.. كما أن الله (سبحانه) قصد بهذه الآيات أن يبتعد بالإنسان عن النظر إلى الحيوانات نظرة ضيقة لا تتعلق إلا بالجانب المادي المتعلق بالأكل والنقل واللباس والتجارة.. فوسع نظرته إليه مشيراً إلى أن للحيوان جانباً معنوياً، وصفات جمالية تقتضي الحب الذي يقود إلى الرفق في معاملته، والإحسان إليه في المصاحبة، إضافةً إلى أن ذِكر بعض الحيوانات بأسمائها في هذه الآيات لا يعني أن غيرها ليس كذلك، بل إنه ذكرها على سبيل المثال لا الحصر بدليل قوله: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وهكذا ندرك أن الإسلام لا ينظر إلى الحيوان نظرة دونية، بل إن الله يلفت انتباه الناس بقوله: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).. وبرغم ذلك فقد نبهنا الإسلام للحذر من بعض هذه الكائنات بشكل خاص، حيث أمرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقتل "الفواسق الخمس"، وهي: "الغراب، والحدأة، والفأر، والحية، والعقرب، والكلب العقور، والسبع، كالذئب والنمر والأسد"، وغير ذلك من الحيوانات المفترسة، إضافةً إلى بعض الحشرات المؤذية التي قد تسبّب الضرر والأذى، مثل البعوض والذباب وغيرها، بحكم أن "ما يؤذيك فلك إذايته قبل أن يؤذيك"!  ويبين كثير من الفقهاء أنه من القواعد الفقهية المقررة شرعاً أنه "لا ضرر ولا ضرار"، وأن "الضرر يزال"، وأن "الضرر لا يزال بالضرر"؛ ولذلك منع الشرع من اقتناء أو تربية أي حيوان إذا كان مؤذياً، وجعل حقاً للإنسان أن يدفع ضرر الحيوانات المؤذية عن نفسه ما استطاع ولو بقتلها إن لم يندفع ضررها إلا بذلك.

هنا يتبادر إلى العقول المفكرة في ملكوت الله عن سبب خلق الحيوانات الضارة والمفترسة والحشرات المؤذية، وهي كثيرة ومتنوعة بكافة الأشكال والأحجام في البر والبحر والجو.. وكذلك التساؤل عن الحيوانات المحرم علينا أكلها أو تلك التي قد نعتبرها مصدراً للنجاسة أو القذارة.. فالخنزير مثلاً هو أحد أهم وأعقد المخلوقات الحيوانية وفقاً لتركيبته الفيزيائية التي تقاوم أغلب الأمراض والأوبئة، وإن كانت طبيعته التركيبية وسيطة لنقل الأمراض للحيوان والإنسان إلا أنها لا تؤذي الخنزير نفسه.. وعندما نتعرف على مهماته ووظائفه البيئية التي جبل عليها، ربما ندرك أن هذا المخلوق عبارة عن "أداة" مُسخرة لنا، فإننا سنمتنع أخلاقياً، بما يتجاوز النهي، عن أكله مع تحريمه على أنفسنا حفاظاً على تواجده في مكانه الملائم لتنفيذ واجباته التي خُلق من أجلها لخدمة الإنسان وليس بسبب أضرار لحومه فقط.. أي أن الله قد خلق الخنزير للقيام بدور هام في الدنيا.. وما وصف خبث لحومه وضررها إلا وسيلة لإجبار الإنسان على عدم تناوله ليترك لمهماته التي خُلق من أجلها.. فالخنزير هو أقذر الحيوانات "القمامة" وفقاً لما يلتهمه، إذ أنه مصمم بصورة رئيسية لأكل الجيف وأكل فضلات الحيوانات والإنسان التي قد يخلفها في العراء، وبهذه الطبيعة يكون للخنزير دوراً في خدمة الإنسان والحياة والمحافظة على الصحة العامة.. وفي واقع الأمر فإن الدين لم يأمرنا بالتخلص من الخنازير، ربما لتركها تقوم بالدور والمهمات التي خُلقت في الأساس من أجلها!!

والمفارقة في هذا الأمر أن الرجل الغربي الذي يهتم بتربية الخنازير ويأكل لحومها، يمتنع عن أكل الفئران أو الجرذان لأنها تعيش في المجارير التي تحوي فضلات الإنسان ولا يجد حرجاً في أكل الخنازير التي تتغذى أيضاً على هذه الفضلات!  إنها مفارقة غريبة ومحيرة، إلا أنه في واقع الأمر ليس سوى ضحية جهله وضحية المروجين والمتاجرين للحوم الخنازير على مدى التاريخ، كمن يتعاطى المخدرات رغم معرفته بضررها وذلك نظراً لنشاط المروجين لها ورعايتها بالزرع والدعايات الكاذبة والخداع، ومع ذلك فإن الطب لا يستغني عن استعمال بعض أنواعها للتخدير والمعالجة في العمليات الجراحية.

وهل الكلاب نجسة، بخلاف الحيوانات المستأنسة الأخرى؟  كثيرة هي الآراء حول الكلب بشكل خاص، ربما لكون الكلاب من ذات فصائل الذئاب والثعالب والضباع وما شابهها من حيوانات لم ترد فيها نصوص أو أحاديث حول نجاستها.. ويتفق الكثير من الفقهاء بأن هنالك بعض الأدلة من القرآن والسنة النبوية مما يستدل بها على طهارة (جسد) الكلب ويتضمن ذلك جواز تربية واقتناء الكلاب.. حيث أن الكلاب هي من أكثر الحيوانات المرتبطة بالإنسان، وهي معروفة بالوفاء والخدمة وربما أيضاً بالصداقة، إذا صح القول.. فالكلب كان ضمن المذكورين في قصة "أهل الكهف" كفرد من المجموعة.. وكلاب الصيد والرعي مثلاً لا تمنع ملامستها للبشر والتربيت عليها من الصلاة.. وربما تختلف المذاهب في هذا الشأن بالقول إنه إذا لمس الإنسان شيئاً رطباً من الكلب أو كانت يده رطبةً؛ لا ينتقض وضوؤه، لكن عليه غسل موضع بدنه الذي لامس به الكلب أو عرقه أو لعابه، وإن صلَّى وعليه النجاسة؛ ولكنه لا يرى نجاستها أو لم يعلم بوجودها؛ فلا يجبُ عليه إعادة الصلاة عند المالكية، لأنه قال بأن الكلب غير نجس، وأما من قال بنجاسة الكلب كالشافعية ومن وافقهم؛ فقالوا بوجوب إعادة الصلاة في هذه الحالة؛ لأن من شروط صحّة الصلاة إزالة النجاسات.

 

وقضية الرفق بالحيوان هي الأخرى مثار للجدل والنقاش بين الكثيرين، وتتفق معظم الآراء على مبدأ إنساني أخلاقي إسلامي، يقوم على العطف على الحيوانات وتقديم الرعاية لها، وقد حثت التشريعات الإسلامية على الأمور التي تتحقق بها رحمة الحيوان، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) خير أسوة في ذلك، فلخص لنا منهجاً كاملاً في كيفية العناية بهذه الحيوانات بشكل عام.. ربما من أهم الأمور المرتبطة بالرفق بالحيوانات هي كلمة "الرفق"، أي مراعاة مشاعرها كونها كائنات حية لها حقوقها وعلينا واجبات تجاهها.. فيتوجب علينا إطعامها وتقديم النفع لها واستخدامها بالمعروف.. وقد توعد سبحانه وتعالى أشد الوعيد كل من ملك حيواناً وفرط فيه دون إطعام أو شراب.. وقد تم تحريم اتخاذها هدفا لأي شكل من المبالغة في تحمليها فوق طاقتها لما لذلك من آثار سلبية على نفسية الحيوان، ولان هذا يدخل ضمن ممارسة العنف ضدها وذلك حرام شرعاً.

بل ويتوجب علينا الإحسان إليها حتى عند الذبح من أجل الطعام، وذلك بذكر اسم الله عند ذبحها واحترام حقها في موت رحيم دون ألم أو تعذيب.. ويتوجب علينا من الناحية الأخلاقية والدينية إنقاذها إن كانت في محنة أو مأزق، كمن سقط من الحيوانات في بئر أو حفرة أو غرق أو تعرضها للإصابة البدنية.. بهذه التعليمات السامية، التي تدعو إلى احترام حقوق الحيوانات في الحياة باطمئنان، يقدم ديننا الحنيف أروع مثال في الرفق بالحيوان والحرص على حقوقه، فحث الإنسان على أن يكون رفيقاً به، لما يترتب على ذلك من أجر وثواب.. وربما نتذكر قصة تلك المرأة مع الهرة كمثال على حث المسلم على عدم التسبب في أذية الحيوانات.. فعن "عبد الله بن عمر رضي الله عنهما" أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "عُذّبت امرأة في هرّة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".

فما بال من تعارفوا على رياضات كمصارعة الثيران والديوك والكلاب والجِمال، وتؤدي بعضها للموت أو الإصابات والتعذيب والمهانة؟  وكذلك الأمر مع سباقات الخيل والجمال وغيرها.. وماذا نقول في شأن من يقتلون الحيوانات والطيور باسم رياضة الصيد؟ وكيف نتقبل تحميل بعض الحيوانات مثل الحمير والبغال والجِمال أحمالاً فوق طاقتها الطبيعية؟  وأميل هنا أيضاً لمساءلة من يقتنون الطيور في أقفاص، أو يربون (أو يحكِرون) الحيوانات "الأليفة" في المنازل، حيث تعيش تلك في بيئات غير طبيعية، بالرغم من تلقيها المأكل والمشرب والرعاية.. لكنها في نهاية المطاف تكون محرومة من ممارسة الحق في حريتها بغير حق!!  بل والأقسى يكون عندما تتخذ بعض العائلات من عملية اقتناء القطط والكلاب الصغيرة من أجل أهواء وقتية قصيرة المدى ثم يتخلصون منها برميها في الطرقات والبراري وهي لم تتعود قط على تلك الحياة فتكون ضحية للحيوانات الأخرى والجوع والعطش وتقع فريسة للأمراض، بل وبعبث بعض الأطفال الجهلاء ممن يجدون متعة في سوء معاملتها وتعذيبها، بل وقتلها بلا رحمة!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

منى زيتونيُعرف السلوك الإنساني على أنه أي نشاط خارجي ظاهر يصدر عن الإنسان من أفعال أو أقوال أو أثر انفعالي، يمكن ملاحظته وقياسه بشكل مباشر، أو نشاط داخلي غير ظاهر –عقلي أو انفعالي- لا يمكن ملاحظته وقياسه بشكل مباشر‏.

ورغم تعدد تعريفات علم النفس واختلافها فإنها كلها تدور حول أنه علم يختص بدراسة السلوك الذي يصدر عن الإنسان أثناء تفاعله مع البيئة، وما وراءه من دوافع كامنة، وعمليات عقلية. وهناك اتفاق بين علماء النفس على أن علم النفس -شأنه شأن أي علم- يُعنى بتحقيق أهداف العلم الثلاثة؛ التفسير والتنبؤ والضبط (التحكم)، وهم متفقون أيضًا على ضرورة تنظيم القوانين والمبادئ التي تحكم السلوك في نظريات.

لكن، ولأن العلماء والباحثين في علم النفس لم يتفقوا تمامًا على ماهيته وحدوده، فقد ظهرت المدارس النفسية العديدة التي تمثل وجهات نظر مختلفة. ويمكن القول إجمالًا إن هناك اتجاهين رئيسيين في علم النفس المعاصر؛ هما الاتجاه السلوكي والاتجاه المعرفي، ويستخدم الباحثون المتبنون لكلا الاتجاهين المنهج العلمي لدراسة وتفسير الظواهر النفسية التي ترتبط بسلوك الإنسان، وتبدو من خلاله، والتنبؤ بالسلوك، والتحكم فيه وتعديله وتوجيهه. ولكن ربما كان أصحاب الاتجاه السلوكي أكثر تركيزًا على دراسة الدوافع الكامنة خلف السلوك وأثر المثيرات البيئية –القبلية والبعدية- على الاستجابة السلوكية، وأصحاب الاتجاه المعرفي أكثر تركيزًا على دراسة العمليات العقلية التي يدل عليها السلوك.

وتختلف نظرة السلوكيين إلى المثيرات البيئية تبعًا لترتيب حدوثها؛ فمنها التي تسبق ‏السلوك ومنها التي تتلو السلوك، كما تختلف نظرتهم إلى السلوك ذاته تبعًا لها، فمنهم من يركز على السلوك الاستجابي على أساس كونه رد فعل للمثير البيئي الخارجي الذي يحدث أولًا ثم تحدث الاستجابة السلوكية التي تنتج عنه، ومنهم من يركز على السلوك الإجرائي المحكوم بنتائجه؛ ‏فإن تبعه تعزيز تزيد احتمالية تكرار السلوك إذا تكرر الموقف، وإن تبعه عقاب تقل احتمالية تكراره. وحتى المثيرات القبلية التي ‏تحدث قبل السلوك الإجرائي إن كانت قد ارتبطت بنتائج إيجابية ستعزز احتمالية حدوث السلوك، والعكس.‏ لكن الأكثر أهمية هو ما يحدث بعد السلوك الإجرائي وليس قبله، والاهتمام به مؤسس على فلسفة إيجابية الإنسان ودوره النشط في البيئة؛ فالإنسان يقوم بالعمل ثم تأتي المكافأة أو العقاب بعد ذلك من البيئة.

لكن بالرغم من علاقة التأثير والتأثر البسيطة التي يفترضها السلوكيون بين المثير والاستجابة إلا أن سلوك الإنسان ليس آليًا بسيطًا وإنما معقد ويتسم بالمرونة، ولعل من أصعب ما يقابل من يحاول تفسيره أن السلوك الظاهري لشخصين قد يختلف رغم أن لدى كليهما الدوافع ذاتها، بينما قد تختلف الدوافع لدى شخصين آخرين لكنهما يسلكان السلوك ذاته! وأن المعززات التي تتلو السلوك الإجرائي لا يمكن التنبؤ الدقيق بأثرها، فتأثير المعززات والعقاب يتأثر بذاتية الأفراد؛ فالمعززات تشبع الحاجات، والحاجات تختلف من إنسان لآخر، وما يعتبره فرد ما معززًا قد لا يسترعي انتباه فرد آخر، كما أن درجة تأثيرها تختلف باختلاف الأفراد، والأمر ذاته يُقال عن العقاب.

بينما تركز المدرسة المعرفية ورائدها جان بياجيه على تفاعل المعلومات التي يتلقاها الإنسان من بيئته -والتي تشكل المثيرات وفقًا لبياجيه- مع العمليات العقلية –الانتباه والإدراك والتذكر والتفكير والتخيل-، ومن خلال هذا التفاعل تصدر الاستجابة السلوكية المناسبة.

ووفقًا لنظرية بياجيه فإن النمو العقلي للإنسان يرتقي، والمراهق يكون قادرًا على التفكير الشكلي المجرد، واستخدام المفاهيم المجردة Abstract Concepts التي لا تعبر عن ظاهرات محسوسة، مثل مفهوم: (النسبية- العدالة- الحب- الفضيلة)، على عكس الطفل الذي يقف عند المفاهيم العيانية الحسية Concrete Concepts مثل مفهوم (شجرة- بحيرة- كتاب). وتعد قدرة المراهق على استخدام هذه المفاهيم المجردة دالة لنموه وارتقائه العقلي.

تعديل السلوك  Behavior Modification

يحتل تعديل السلوك أهمية كبيرة لدى الآباء والمربين وعلماء النفس؛ لأن الضبط والتحكم بالسلوك هو الهدف الثالث من أهداف علم النفس.

وتشمل أساليب تعديل السلوك جميع الأساليب التي يمكن أن تؤثر في تغيير السلوك الظاهر غير المرغوب فيه، والقيام عوضًا عنه بسلوك مقبول اجتماعيًا، وتهدف عند تطبيقها بشكل منظم إلى زيادة السلوك التكيفي المقبول وتحسين الضبط الذاتي لسلوك الفرد.

ووفقًا لوجهة النظر السلوكية يعتبر التركيز على تغيير السلوك الظاهر وليس العمليات الداخلية العقلية أو الانفعالية هو حجر الزاوية في تعديل السلوك، إذ ينبغي تحديد السلوك غير المرغوب المراد تعديله، والسلوك الإيجابي المراد استبداله بالأول، وتحديد المثيرات البيئية التي تؤثر في استمرارية السلوك غير المرغوب، واستبدال مثيرات بيئية ومعززات أخرى بها، يمكنها أن تزيد احتمالية تكرار السلوك الإيجابي المرغوب فيه. فتعديل السلوك وفقًا للسلوكيين يرتكز على تعديل المثيرات البيئية خاصة تلك التي تتبع السلوك، والتي تسمى المعززات.

ولا يمكن أن يتطرق باحث في مجال علم النفس لموضوع تعديل السلوك ويتخطى الحديث عن مبدأ التعزيز الذي يركز عليه السلوكيون كأساس لتعديل السلوك السيء، والمعززات هي المحفزات التي تشبع الحاجات، وتؤدي لزيادة احتمالية تكرار السلوك، وتقويه، وذلك بنوعيها الموجب والسالب؛ فهي تنقسم إلى نوعين؛ يحدث التعزيز الموجب عند تقديم شيء ذي قيمة إيجابية أو مرغوب به للفرد مثل المدح أو المكافأة المادية أو إشراكه في نشاط يحبه بعد قيامه بالسلوك المرغوب، بينما يحدث التعزيز السالب عند إزالة شيء غير مفضل أو غير مرغوب فيه من موقف التعلم؛ كإعفاء التلميذ من عمل واجب منزلي لأن أداءه ممتاز بما يكفي.

ويختلف التعزيز السالب عن العقاب؛ حيث إن التعزيز بنوعيه الموجب أو السالب يرتبط بتقوية السلوك وزيادة احتمالية تكراريته، بينما العقاب يرتبط بكبح وإضعاف السلوك. والعقاب أيضًا منه نوعان؛ فعقاب التقديم (الموجب) يتم بتعريض الفرد إلى شيء منفر غير مرغوب فيه بغرض خفض وإضعاف السلوك كاستخدام المعلم أو الأب الضرب مع الطفل المشاغب، أو أن يُطلب منه الوقوف في الفصل بينما باقي زملائه جُلوس، وهي إجراءات تربوية غير منصوح بها إلا في أندر الحالات. يمكن أيضًا استخدام التوبيخ واللوم كعقاب تقديم موجب. وأما عقاب الإزالة (السالب) فيتم عن طريق الحرمان أو التوقف عن تقديم أشياء مرغوب فيها بعد قيام المتعلم بسلوك غير مرغوب كحرمان الطفل من ألعابه أو من مصروفه أو من النزهة. ويمكن كذلك خفض السلوك السيء بإجباره على تحمل مسئولية ما تسبب عن هذا السلوك مثل استخدام مصروفه في إصلاح ما أفسده.

وكثيرًا ما يكون عقاب الإزالة إقصاءً لفترة وجيزة لا تتجاوز 10 دقائق، ويستخدم عادة بعد حصول الطفل على تعزيز إيجابي في شكل مكافأة ثم قيامه بعدها مباشرة بسلوك سيء، فيتم سحب المعزز الإيجابي منه لمدة 10 دقائق في إشارة له بضرورة الالتزام بالسلوك الإيجابي لتستمر الإثابة.

وهناك مبادئ أخرى تتعلق باكتساب أو تعديل السلوك مثل تعميم الاستجابة السلوكية لتحدث في ظل مثيرات مشابهة؛ فيتوسع بذلك أثر تعزيز السلوك، وعكسه التمييز بين المثيرات في البيئة وتعزيز السلوك المرتبط بالمثير المناسب فقط، وتسلسل وتشكيل الاستجابة السلوكية المُركبة، وانطفاء الاستجابة السلوكية المتعلمة غير المرغوبة بعد توقف تعزيزها وتدعيمها، وأساليب التنفير بربط السلوك السيء بمثير منفر، وغيرها، ولكن سردها وشرحها تفصيلًا لا يتعلق بصُلب موضوع المقال.

الاختلاف بين الاتجاهين السلوكي والمعرفي في النظرة إلى تعديل السلوك

يعتبر نطاق تعديل السلوك من أكثر النطاقات التي يظهر فيها الاختلاف القائم بين الاتجاهين السلوكي والمعرفي في علم النفس، فآليات تعديل السلوك شديدة التباين بين الاتجاهين والنقد متبادل، فبناء المفاهيم والمعتقدات بشكل صحيح لتكون أساسًا قويًا للسلوك السوي يستغرق وقتًا طويلًا، والسلوك ينبني بشكل أسهل وبناء العادة يكون أفضل ما يكون في السن الصغيرة، والمرء على ما شب عليه. ولأجل ذلك يسود استخدام الاتجاه السلوكي ولا يكاد يُستخدم الاتجاه المعرفي في تعديل السلوك.

بينما يرى المعرفيون أن افتراض السلوكيين بأن السلوك يزداد احتمال تكراره فقط عندما يتم تعزيزه هو افتراض خاطئ ولا دليل كافٍ عليه، وأن للمعرفة والمفاهيم والعمليات العقلية دورها في تكوين السلوكيات المتصلة بها وتعديل ما يلزم، ويرون أن فكرة تشكل سلوك الإنسان دون إعمال العقل هي فكرة مهينة للإنسان، فالإنسان ليس آلة وليس حيوانًا يُساق عن طريق التعزيز.

ونجد ألبرت باندورا، صاحب نظرية "التعلم الاجتماعي" يركز على ملاحظة أنماط سلوك الأفراد ودور النمذجة والقدوة في تكوين وتعديل السلوك، وكانت تلك محاولة منه للتوفيق بين الاتجاهين السلوكي والمعرفي.

ولكن يبقى السؤال: أي الاتجاهين أصح تربويًا؟ فهل نكتفي ببناء العادة -التي لا ترتبط بقاعدة مفاهيمية صلبة- عن طريق استخدام أساليب التعزيز والعقاب لدعم السلوك المطلوب تكوينه وخفض السلوك غير المرغوب، كما يفعل السلوكيون، أم نبدأ بتكوين المفاهيم العقلية دون أي تدريب مصاحب على السلوك المنضبط المطلوب أن يقوم به الفرد انتظارًا لإتمام التكوين أو التعديل المفاهيمي وفقًا للاتجاه المعرفي؟!

علمونا ونحن صغار أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، فهو عقيدة وسلوك معًا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي يدعو الناس في مكة ثلاث عشرة سنة، وكان التعبد فيها لله طوعًا لا فرضًا على من يدخل الإسلام، إلى أن فُرضت الصلاة في نهاية المرحلة المكية بعددها وأوقاتها وعدد ركعات كل منها، ثم فُرضت باقي العبادات من صوم وزكاة وحج تباعًا في المدينة. وأن الأولوية في الفترة المكية كانت لتكوين العقيدة؛ لأنه دون عقيدة سليمة راسخة ستكون العبادة سلوكًا ظاهريًا لا روح فيه، وربما وصل الحال إلى أن يكون رياءً وتكلفًا.

كما أن الإسلام قد استخدم مبدأي التسلسل والتشكيل لتعديل بعض أنواع السلوك المركب التي يصعب تعديلها في خطوة واحدة؛ وذلك باعتبار السلوك الكلي المرغوب تعلمه عبارة عن سلسلة من الحلقات أو الاستجابات السلوكية الصغيرة، ويتم تشكيله بدءًا من سلوك أولي يعتبر مدخل السلسلة، ثم تعزيز كل استجابة صحيحة في الاتجاه المرغوب كخطوات على الطريق تقترب شيئًا فشيئًا من السلوك الكلي النهائي، وبذا يتم تشكيل السلوك النهائي الإيجابي المطلوب تعلمه، والذي لا تكون من الحكمة التعجل بالإكراه عليه جملة واحدة بينما ما يلزم أن تقابله من مفاهيم عقلية متطلبة لم تكن قد تكونت في العقل. ورأينا ذلك في تحريم شرب الخمر وتحريم القمار والربا.

ومن أجل ذلك كان الأمر للأطفال بأن يصلوا لسبع سنين، وأن يتدربوا على الامتناع عن الطعام لفترات من النهار تعويدًا لهم على الصيام، ولكن ليس معنى هذا أن نشدد عليهم فندعو الأطفال إلى صلاة السُنن أو صيام التنفل. فالأمر لا يعدو أن نبدأ بتكوين السلوك وبناء العادة لديهم، أخذًا في الاعتبار أن سلوك العبادة لدى الطفل يبقى سلوكًا يقلد فيه الكبار وينال عليه التعزيز منهم، ولكنه لا يدرك حقيقة المفاهيم المجردة التي تلزمه لتحقق الإيمان، فمفاهيم (الله- الجنة- النار- الملائكة- الشياطين- الجن) وغيرها من المفاهيم الدينية جميعها مفاهيم مجردة لا يعيها الإنسان قبل البلوغ، ومن هنا كانت الحكمة الإلهية بربط فرض العبادات على الإنسان ببلوغه الجسمي.

والأمر أعم من أن يُقتصر ذكره في حق الأطفال، فبناء السلوك ينبغي أن يكون موازيًا لبناء المفاهيم، وينبغي أن يتشكل رويدًا، فالتشديد في سلوك التعبد وكل السلوكيات والمظاهر الأخرى التي يراد بها إظهار التدين، لمن لم تتكون لديه عقيدة وإيمان عميق، هو أبسط طريقة لخلق المنافق، وهو ما نلاحظه في بعض الجماعات التي تشدد على كل من يلتحق بهم أن يبالغ في تلك السلوكيات ترغيبًا له في الخير، وربما هو لم يكن يصلي من الأساس، فيهتمون بداية بتكوين السلوك الظاهر والذي لا يتوازى مع ما يناسبه من تكوين مفاهيمي وعقائدي، وهو ما يدفع كثيرين للارتداد إلى النقيض.

إن صلح الرأس صلح الجسد

ونختم بالحديث عن النمذجة، وهي عملية تكوين أو تعديل للسلوك نتيجة ملاحظة وتقليد سلوك شخص ما يمثل دور النموذج بالنسبة للملاحِظ. ووفقًا لباندورا -وهو صاحب أشهر نظريات التعلم الاجتماعي بالنمذجة- فإن لكل من البيئة والعمليات العقلية والوجدانية لدى الإنسان دورها في اكتساب السلوك، ولا يلزم مطلقًا أن يكون هناك تعزيز لاحق للسلوك، فالتعلم بالنمذجة يحدث عندما يعرض النموذج سلوكًا معينًا ذا نتائج تعزيزية، فيتخيل المتعلم نفسه مكان النموذج، ويلاحظ ما يتعرض له هذا النموذج من ثواب أو عقاب نتيجة ما يقوم به من سلوك، ومن ثم فإن قلنا إنه يوجد تعزيز للسلوك فهو تعزيز غير مباشر، كما أنه لا إهمال هنا لدور العمليات العقلية؛ ذلك أن الملاحظة تكون انتقائية، فنحن لا نلاحظ ونقلد كل أحد.

وفي مقال "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" تحدثنا عن دور النموذج "القدوة" في تعديل السلوك، وأشهر مثال على ذلك هو رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فرسول الله هو رجل واحد تغير به مصير العرب.

وجميع المآسي التي عاشها ويعيشها البشر وقعت بسبب أن العالم يحكمه عادة مجموعة من السفلة، يتحايلون للوصول إلى سُدة الحكم واقتناص خيرات بلادهم والاستئثار بها، ثم بعد أن يتحكموا في رقاب العباد يطلقون شيوخ السلاطين لينعقوا بينهم بأن الخلل فيهم، ومثلما تكونوا يُول عليكم!

وكما قال نجيب محفوظ: إنهم كذّابون، ويعلمون أنهم كذّابون، ويعلمون أننا نعلم إنهم كذّابون، ومع ذلك فهم يكذبون بأعلى صوت؛ ذلك أن الراعي يُصلح الرعية وليس العكس، ولكن هذا الخطأ المفاهيمي باعتقاد العكس يوجد –وللأسف- لدى كثير من حزب المبررين غير المنتفعين!

 

د. منى زيتون 

الاثنين 11 أكتوبر 2021

 

 

 

محمود محمد عليالملل حالة عاطفية يمر بها الإنسان عندما لا يجد ما يفعله وعندما لا يشعر بالاهتمام بمن ولا بما يحيط به، علاوة علي أن الملل يمثل حالة وجدانية عابرة يفقد فيها الإنسان اهتمامه بالموجودات ويصعب عليه التركيز فيما يفعله، ويوصف الملل في علم النفس الإيجابي، بأنه استجابة لتحد معتدل يواجهه شخص يمتلك من القدرات ما يمكنه من التغلب على هذا التحدي، فالملل عامل رئيسي يؤثر في مناطق مختلفة من حياة الإنسان اليومية .

ولهذا يعد الملل من المشاعر الشائعة التي تنتاب العديد من الناس، إذ يصاب الشخص بالملل عندما يفقد الرضا عن نشاط معين فلا يهتم به، وقد يحدث الملل حين تكون مفعمًا بالحيوية ولا تجد مكانًا توجه إليه طاقتك، وكذلك عندما يصعب عليك التركيز في أداء أي عمل أو مهمة. تنتشر الشكوى من الملل بين الأطفال والمراهقين، إذ يعانون الملل عندما لا يشعرون بالراحة في التعامل مع أفكارهم أو مشاعرهم.

ومن أسباب الملل:

* إذا كان الشخص ليس لديه أهداف أو أن أهدافه في الحياة صعبة جدًا، فإن عليه إعادة التفكير حول أهدافه ومنح نفسه أهدافًا مفيدة تجعله يشعر بالحماس في سبيل تحقيقها.

* عندما تكون أهداف الشخص كبيرة وصعبة وبعيدة المنال، سيجد الشخص أن مهمته في تتبعها صعبة جدًا، ويبدأ بالنظر إليها على أنها مملة وسيؤجلها، لذلك من المهم أن يضع كل شخص أهدافًا واقعية لنفسه.

* إن الكثير من الناس متورطون في المهام والأعمال المنزلية اليومية لدرجة أنهم لا يعيشون حياتهم من أجل أنفسهم، وأداء الواجبات والالتزامات دون جني أي متعة حقيقية منها هو واحد من أسباب الملل.

* إن الاستمرار بفعل نفس الأشياء القديمة وتوقع الاستمتاع بها إلى الأبد هو واحد من أسباب تسلل الملل إلى الشخص، فعلى الشخص أن يبتعد عن وضعه الحالي ويجرب أشياء مختلفة مثل رياضة جديدة أو ممارسة هواية لديه.

* يجب أن نعود أنفسنا على العيش في شتى الظروف، هذا يعتبر دافعاً لا يسمح للملل بالتسلل إلى حياتك، أما البيئة الوحيدة التي ترتاحين فيها والبقاء في إطارها وقتاً طويلاً قد يدخل الملل إلى حياتك.

* من لا يهتم ولا يبحث عن فرص جديدة سيجد نفسه يوماً عرضة لتسلل الملل إلى حياته بشكل مفاجئ أو بالتدريج، وعندها ربما يكون قد فقد العديد من الفرص الجيدة التي أتيحت له أو لها، ويبدأ الصراع من أجل التخلص من الملل وما ينجم عنه من مساوئ، وعلى رأس ذلك تحول الملل إلى اكتئاب لعين.

وتعود أول قصة تناولت المَلَل إلى حوالي أربعة آلاف سنة مضت، وقد كُتبت على ورق البردي في مصر الفرعونية، وتروي حكاية رجل ملّ من الحياة وأعبائها فقرَّر أن يقضي أيامه من دون أن يقوم بأي عمل ولا حتى أن يأتي بأي حركة منتظراً الموت، إلى أن ظهر له أحد الحكماء وشجَّعه على الاستمرار في الحياة والتمتع بها والبحث عن السعادة فيها. ومن ثم توالت الأعمال الأدبية التي تناولت المَلَل من جوانبه المختلفة حتى العصر الحديث. فكانت مثلاً، رواية "مدام بوفاري" للروائي الفرنسي غوستاف فلوبير و"الغثيان" للفيلسوف والروائي جون بول سارتر، ورواية "إسطنبول" للكاتب التركي أورهان باموق وكلها تناولت المَلَل الوجودي الذي يمس وجود الإنسان. يقول الكاتب الروائي الفرنسي الشهير فيكتور هوغو في كتابه "البؤساء" الذي نشر عام 1862: "هناك شيء أكثر فظاعة من جحيم المعاناة، وهو جحيم الملل".

وقد تحدّث الكاتب الوجودي البريطاني (كولن ولسون) - صاحب كتاب اللامنتمي! - في كل كتبه ومذكراته كثيرًا عن ظاهرة (السأم والملل) المصاحبة للحضارة!، تحدث عنها بعمق في اطارها الفلسفي والنفسي (السيكولوجي) واعتبرها من أمراض التمدن وأسباب سقوط الحضارات وأن لها ارتباط بظاهرة (القلق)، فالسأم آفة تتآكلنا أو تأكلنا من الداخل بالفعل وتنخر في أعصابنا وأنفسنا بل وأخلاقنا وتوازننا النفسي وفي أغلب الأحيان بدون أن نشعر بهذا التآكل الباطني لنفوسنا أو حتى لحضارتنا المادية!... ويرى (ولسون) أن انتشار حالة السأم والقلق بين الناس تدفع بالكثير منهم إما للإدمان على الخمور والمخدرات أو الإدمان على (الجنس) أو الإدمان على الخرافات أو ربما الانتحار!!، كنوع من الفرار من كل هذا الملل الرهيب والسأم الكئيب!... وهي ظاهرة تصيب البشر الاغنياء أو الميسورين أكثر من غيرهم وقد تصيب الفقراء.

والأسئلة التي تتوارد في خواطرنا : لماذا يشعر الإنسان بالملل؟ ولماذا يكافحه باللهو والتسلية؟ وهل اللهو واللغو يكسران حلقة الضجر والسآمة حقاً؟ بل لماذا ارتبط الشعور بالملل مع الوحدة والانفراد؟ لماذا شكلت قضية العدالة المشكلة الإنسانية العظمى حتى اليوم، واستعصت على الحل؟! ما معنى الثنائية المشحونة بالتناقض المحيرة في الإنسان؟ بين قطبي الشيطان والملاك، والموت والحياة، والحزن والحب، والشقاء والسرور، واللانهائية والعدم؟ لماذا لا يتدفق برد اليقين إلى صدر الإنسان؟ ويبقى على سطح المعلومات؟ أين ينبوع السعادة الذي يغتسل فيه الإنسان فيولد من جديد؟ مكتشفاً المعنى في الحياة؟ باختصار هل هناك حل للمشكلة الإنسانية؟ وهل استطعنا فهم الإنسان؟ أو على الأقل وضعنا قدمنا في طريق فهمه؟

وهنا نجيب فنقول بأنه لم تفلت ظاهرة المَلَل من نطاق تأملات الفلاسفة الكبار، وذلك لأنه ظاهرة متداخلة بعمق مع الحالة الإنسانية. فوفقاً للفيلسوف الوجودي آرثر شوبنهاور، فإن حياة الإنسان، وحتى الحيوان "تتأرجح مثل البندول بين الألم والملل"، إذ إنه يرى أن الألم والملل هما المكونان الرئيسان للوجود، مما قد يُعدّ فكرة تقدِّم العزاء لكل من يشعر بالعزلة والمَلَل في ظل الإغلاق التي تفرضه علينا جائحة كورونا. ويمكن القول إن شوبنهاور كان أول فيلسوف غربي أخذ المَلَل على محمل الجد باعتباره من المآسي الأساسية للبشرية، وعرّفه بوضوح بأنه "توق دفين من دون أي هدف معيَّن". ولم تختلف نظرة الفلاسفة الكبار عن هذه النظرة السلبية إلى المَلَل فأطلق عليه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر "الضباب الصامت"، في حين وصفه الفيلسوف الدانماركي سورين كيركجارد بأنه: "جذر كل الشرور".

فالدراسات الفعلية للملل لم تنطلق إلا مع الألفية الثالثة وهي لا تزال في بداياتها. وقد كتب الكاتب والمحرر في مجلة "المفكِّر الأمريكي" جوزيف إبشتاين أن: "المَلَل هو، قبل كل شيء، جزء من الوعي. وفي ما يتعلق بالوعي، لا يزال لدى أطباء الأعصاب كثير ليطلعونا عليه أكثر مما أخبرنا به الشعراء والفلاسفة".

ولا ننسي هنا كلام إريك فروم عن الملل حيث تحدث في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن ما وصفه بـ“الملل الحديث”، فيقول:" هناك واقعة جد مهمة في ثقافتنا، تتمثل في كون الناس ليسوا واعيين بما في الكفاية بالمضض الذي يحدثه الملل. إذا كان المرء وحيدًا، وعندما لا يستطيع لسبب من الأسباب شغل نفسه بنفسه، فإنه يشعر، عندما لا يمتلك في نفسه مصدر القيام بشيء حيوي أو وعي ذاته، بالملل كحمل ثقيل، كشلل لا يمكنه شرحه بنفسه. إن الملل هو أصعب عذاب، وهو حديث ويقضي على كل ما حوله. والإنسان الذي يكون معرضًا للملل دون مقاومة هذا الأخير لا يشعر بأنه إنسان محبط. لماذا؟ لماذا لا يعرف الكثير من الناس الشر الذي يمثله الملل، والعذاب الذي يحدثه؟

أعتقد بأن الجواب على هذا السؤال جد بسيط؛ إننا ننتج الكثير من الأشياء التي بإمكانها أن تساعدنا للقضاء على الملل. فإما أن يتناول المرء أقراصًا مهدئة أو أنه يشرب أو يذهب من حفل إلى آخر، أو أنه يتخاصم مع الزوجة أو يترك وسائل الإعلام تنسيه أو أنه يمارس الجنس لكي ينسى الملل. فالكثير من أنشطتنا هي محاولات لكي لا يصل الملل إلى وعينا. لكن لا يجب على المرء أن ينسى هذا الشعور القاتم الذي يعمنا عندما نشاهد فيلمًا سخيفًا أو عندما نريد أن نقضي على الملل بطريقة سخيفة. لا يجب أن ننسى إذًا عذابات الضمير الذي نشعر به في داخلنا، عندما نلاحظ بأن الأمر كان مملًا، وبأن المرء لم يستفد من وقته، بل إنه قتل هذا الوقت. ما يثير الانتباه في ثقافتنا إذًا هو أننا نعمل كل شيء لكي ننقذ الوقت، لكي نقتصد الوقت، وعندما ننقذه أو نقتصده، فإننا نقتله، لأننا لا نعرف ماذا يمكننا عمله بهذا الوقت.

وكتاب أنيس منصور "وداعاً أيها المَلَل" الذي تضمَّن مجموعة من المقالات حاول استكشاف المَلَل وما يُحدثه في النفوس، فقام يشرحه فلسفيا قائلا:" الملل يشبه إلي حد كبير انقطاع التيار الكهربائي .. فانقطاع النور الكهربي يجعلنا نرى الدنيا التي حولنا في حالتين متناقضتين.. فعندما نضيئ الغرفة مثلاً، نرى كل شئ بوضوح .. المكتب والمصباح والمقاعد.. كل شئ في مكانه وبلونه وبحجمه .. وعندما ينطفئ المصباح يختفى كل شئ في الظلام .. ونغرق هذه الموجودات في حالة من العدم المؤقت .. فالملل يشبه حالتنا عندما ينطفئ النور .. إن الملل ليس هو الظلام الذي يبتلع كل ما في الغرفة، ولكنه الشعور باختفاء كل ما في الغرفة .. الملل ليس هو الاختفاء نفسه، ولكنه شعورنا باختفاء شئ.. والملل يشبه أيضا انقطاع الماء الساخن ونحن نستحم .. فقبل انقطاع الماء نشعر بالدفء والانتعاش، ونحس كان الماء يقوم بتدليك عضلاتنا وأعصابنا، ويغسل متاعبنا، ويلقي بها مع الصابون في البالوعة فلا يكون لهذا كله إلا صوت غريب .. صوت الماء وهو يتمشئ في البالوعة .. وعندما ينقطع الماء نشعر بضياع الدفء، ونشعر بالبرودة .. فانقطاع الماء ليس هو الملل ولكن شعورنا بأن الدفء قد انقطع .. بأن بالوعة أخرى قد انفتحت وابتلعت شيئا حارا مريحاً كان يغمرنا، وهذا هو الملل .. وهذا الملل أيضا الذى يصيبنا يجعلنا أقل تذوقاً للدنيا .. يجعل طعمها علي اللسان غريبا .. ويجعل ألوانها في العين غريبة، وزنينها في الأذن غريباً وملمسها في اليد غريباً أيضاً.. فالملل هو الذى يجعل كل ما خولنا غريباً .. أو يجعلنا نحن غرباء في هذا العالم  .. وغرباء عنه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

الهوامش

1- مهى قمر الدين: المَلَل.. بين الشكوى والفلسفة والبحث في أصوله، العربية، الأحد 4 صفر 1443 هـ - 12 سبتمبر 2021،

2- أشرف مرحلي: الملل يؤثر في حياة الإنسان اليومية، ملاحق الخليج، 19 نوفمبر 2014 03:29 صباحا.

3- أنظر مقال : هل الملل مرض نفسي أم لا؟.. 09:31 AM | الجمعه, 23 تموز 2021

4- أنظر مقال : باسكال والمسائل الفلسفية العظمى.. الاقتصادية .. الجمعة 1 مايو 2009

5- سليم نصر الرقعي: ظاهرة السأم الوجودي ومعالجتها بالتكاثر الاقتصادي!؟.. https://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي.. 2018 / 5 / 1.

6- أحمد بادغيش: إيريك فروم وكلماته عن الملل الحديث، العلوم البشرية والاجتماعية، 29 أبريل، 2017.

7- أنيس منصور : وداعا أيها الملل، دار الشروق، ط 5، القاهرة، 2003.

 

البعضُ ينطلقُ في العوالمِ الافتراضية متحرراً من كل قيد؛ وكأنَّهُ لاتوجد ضوابطُ تحكم هذه العوالم . الصداقة في العالم الافتراضي، ينبغي أن يُلتَزَمَ بضوابِطِها، فمن توافق على صداقته؛ يجب ان تكون له صديقاً بكل ماتحمل الكلمة من معنى، فكلمة صديق مشتقة من الصدق، فكما تكون مع صديقك في الواقع، حريصاً على حفظ اسراره وعدم افشائها، كذلك هو الحال مع صديقك الافتراضي، فلا يجوز اختراق معلوماته وافشاء اسراره، ونقل خصوصياته الى الاخرين.

 في العالم الافتراضي، هناك قوانين تضبط هذه الصداقات والعلاقات، فالاحتيالُ  ممنوعٌ في القوانين التي تحكم العالم الافتراضي، والاختراق جريمة يعاقب عليها في العوالم الافتراضية .

العالم الافتراضي هو انعكاس لعالمنا الواقعي؛ فالاصالةُ للواقع ولكن هذا لايعني ان يجد اي شخصٍ فرصتهُ لنفث سمومه واحقاده وعقده .

فالشخص الذي يعجز عن حل مشكلاته الواقعيَّة يجد مجالاً واسعاً في العوالِمِ الافتراضية لتشويه الطرف الاخر والافتراء عليه وفبركةِ اشياء ضده . من يعجز عن حل مشكلته في الواقع يهرب الى العالم الافتراضي لينفث سمومه واحقاده وعقده . العوالم الافتراضية محكومة بقوانين وضوابط للنشر .... وهناك جرائم الكترونية تعاقب عليها القوانين . يجب ان نسعى لان يكون العالم الافتراضي عالماً مثاليّاً يحكمهُ الحب وتظلله الاخلاق، وننشر فيه كلَّ خير، لا ان نُضيفَ الى ازمات الواقعِ ازماتٍ جديدةٍ .

 

زعيم الخيرالله

 

 

مجدي ابراهيمللذين ذاقوا حلاوة القرآن وصفوه وصفاً لا يجارى، تشرّبوه وكأنما سرى فيهم سريان الدم من مجرى العروق، أحبوه فظهرت محبتهم على سنان أقلامهم بهيجة طرية نافذة إلى أعماق القلوب. ولا شك كانت تلك الأوصاف لضروب الوعي بالقرآن، تلك السجايا العالية التي سطرتها أقلام النَّوابه ممّن عاشوا معه وتمثلوا معانيه وفهموا مقاصده، كانت في غنى عن أيّة أقوال أخرى تُضاف فيما عدا الأقوال التي قيلت عن تجربة.

فما لم تكن التجربة مع القرآن هى الناطقة بالحرف والعنوان، بل وبالمعنى قبل الحرف، وهى الظاهرة للقارئ قبل ظهور ثمرات عقول الأغيار، فقلَّ أن يكون للكلام عنه أو فيه أية فائدة مَرْجوَّة؛ لأنه سيكون إذ ذاك ليس بتجربة شاخصة، ولا يشى بفعل التجربة من وراء المقروء والمكتوب. غير أننا أثرنا أن نأتي قصداً على حرف النابهين ممّن ستأتي تقدّمت في السابق أوصافهم ففاضت قرائحهم بمقاصده؛ لأنها في ذاتها كلمات معاشة فعلاً بالتحقيق قبل الاستشراف؛ فإحالة القارئ على وجاهة الرأي فيها، لكشف المعايشة الفعليّة مع القرآن والممارسة لأفاقه العليا المتسعة، فيه كل الفائدة ولا ريب؛ فإنّ لهؤلاء الرجال النَّوَابِه الهداة آثاراً عميقة تنجلي تحت سنان أقلامهم لتكون قدوة الناظر وملكة القادر وعبرة الثائر ونبراس المجتهد المثابر. ناهيك عما جاء في تلك الأوصاف من سمات منهجية للقرآن بدلالتها المباشرة على بناء الإنسان في النفس أو في الآفاق. فليس أقدر من القرآن : فهمه وممارسه تعاليمه، والنظر فيه على الدوام، وبحث عقائده والتفقه في أحكامه وتأمل سرديات قصصه، والأخذ من كل ذلك بقوة، ليس أقدر منه على بناء الإنسان جسدياً وروحياً، وما يندرج تحت قيم الروح من نفس وعقل وقلب وسر، وكل ما هو متصل بالباطن غير الظاهر المحدود.

من خصائص القرآن ذاتيه وخاصّة - كما أبان فضيلة الدكتور عبد الله دراز- : (1) البيان والإجمال (2) إقناع العقل وإمتاع العاطفة (3) خطاب الخاصّة والعامة (4) القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى. وبما أن خصاص القرآن الذاتية تشمل هذه الأبعاد الأربعة، فإنّ كل بعد منها له ما يؤيده من مقاصد القرآن كون تعاليمه دستوراً سلكت السبل المنوعة بالوصول إلى تلك المقاصد لنفس القاصد؛ فقد وعد وأوعد، وبشر وأنذر، ورغب ونفّر، وبنى وهدم، وقوى وَوَهن، ووصل وقطع، وسلك لكل ذلك مسالك خاصّة أدته إلى المكانة التي بلغها من نفوس الآخذين به قديماً وحديثاً. والقرآن من جهة الترتيب آيات مجتمعة، ذات مرام متنوعة، ومقاصد شتى؛ فبينما تتلو آية وعظ إذا أنت بآية جهاد، تليها آية فقه، تتبعها قصة رسول، وهو بهذا يختلف كلياً عن أنظمة الكتب البشرية. وقد عدّ بعض المستشرقين مثل (دوزي) الهولندي، و(كاريل) الإنجليزي وغيرهما أن نظم القرآن بهذه الطرق عيب. وغاب عنهم أن نظام القرآن ليس بكتاب منشئ، أو بحث فيلسوف، فيحسب عليه تعديّه لقانون الكتابة البشرية؛ فيما لو جاز أن يكون للكتابة البشرية قانون، وإنما هو وحي إلهي نزل بحسب الحوادث على صدر رسول الله لا أثر له في تأليفه، ولا دخل لقوته في وضعه. ولو كان هذا القرآن على مثال الكتب الوضعية في الترتيب والتبويب، لكان كتاباً وضعياً ينتفي معه التقديس، وهو ليس كذلك، ولكان حظه مثل حظ كل كتاب؛ فيطالع مرة أو مرتين ثم يسأم، بخلاف القرآن فإنه يطالع مئات المرات ولا يزال يحلو مع تكراره، حتى لا يكاد يسلوه تاليه ممّن تحقق بذاتيته الخاصّة، طرفة عين، ولم يكن "يُخلق على كثرة الرد" أبداً.

ولو نهل "دوزي" و"كارليل" ومن نحا نحوهما من مؤلفي الغرب من فرات اللغة العربية لعرفوا أن القرآن الكريم كتاب لا كالكتب فيه كلام لا كالكلام، لا يستطيع تاليه أن يزعم أنْ لا ترتيب فيه، بل يرى أن الترتيب مهما كان؛ فلسلطانه قاصر على الكلام البشري، يجل عند هذا الكلام الإلهي كما يجل البحر عن أن يحدَّ بما تُحد به الجداول؛ فكما أن كمال البحر في أن يكون رهواً مرتفعاً متلاطم الأمواج، متقابل التيارات؛ فكذلك هذا الكلام العالي كماله وجماله أن يتنزه عن قبول القيود، وأن يكون هو محيط معان عالية لا تنتهي من المعاني إلى غاية، ولا تقف عند نهاية. ليس يشبه كلاماً إنسانياً ولا يشاكل كتاباً وضعياً، يفرق بين المرء وأهوائه، ويجمع بين القلب وشفائه، ويسري بين أطواء الفؤاد، وأحناء السرائر، كما تسري الكهرباء بين ذرات المعادن، فيفعل بالنفس فعلاً لا يغني الوصف كائناً ما كان، عن أن تراه بنفسك. وقد تكفل الأستاذ "محمد فريد وجدي" في مقدمته التفسيرية على القرآن الكريم بالاستفاضة عن هذا الجانب برؤية إسلامية خالصة تعتمد الذوق الروحي أساساً لها وتستفيض فيه وتدعمه بتوجه الذات مفردة في استقباله على الأصالة، وتقريره بالمواصلة، ووضعه أمام القارئ في حكمة وتدبر وإساغة بيان. فما إن تقرأ هذه المقدمة على الصفاء إلا ويتبين لك الإحاطة مع شعف الترقب ثم دخول المؤلف فيما يعالجه بقوة الحجة العقلية من جانب ورباطة الجأش وقوة الشكيمة من جانب آخر، وهما جانبان في الإنسان أعتني بهما القرآن أبلغ عناية : تربية البحث العقلي وتربية العمل القلبي، وهما أبرز ظواهر كاتب المقدمة التفسيرية للقرآن الكريم.

ــ تربية الخُلق القويم:

وكان أهم ما جاء به القرآن في هذا الصدد إصلاح شعبة الأخلاق، فكل شئ في بناء الإنسان يرتد إلى الخُلق القويم، وموافقه الباطن للظاهر، والقضاء المبرم على ازدواجية المعايير الخلقية؛ فليس العلم المعزول عن العمل بمقتضى الشرع بنافع ما لم يشمل حسن الخلق، فلا العبادة ولا النُّظم ولا القوانين ولا الفقه المحفوظ في الصدور، ولا متع الحياة القريبة العاجلة، ولا نظرة الإنسان إلى الكون في مظاهره العامة، ولا أية شعبة من شعب الحياة على التعميم بقادرة على الاستمرار مالم تتضمنها الأخلاق في جوهرها؛ لأن انقطاع الأخلاق عنها، لهو ممّا يهدم في النفوس وفي الحياة الأثر الذي ترتبه الحكمة الإلهية في الإنسان على التكليف بهذه الشعب، والإرشاد إلى التمسك بها من أجل بناء ذاته وارتقاء نفسه وقصود مراقيه.

إنمّا الخلق انفعال النفس وتأثرها بما ينبغي أن يكون؛ فيفعل، وبما لا ينبغي أن يكون؛ فيترك. والعقيدة وما إليها دون الخلق شجرة لا ظل لها ولا ثمرة. والخلق دون عقيدة ظل لشبح غير مستقر على حد قول محمود شلتوت في الإسلام عقيدة وشريعة. ولا دين على الإطلاق بغير تقوى الله وحسن الخلق؛ وهو أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة كما جاء في الحديث الشريف، وهو أساس بناء الإنسان على شرعة القرآن.

ولا بد من وقفة هنا نستوضح فيها تعريف الخُلق فنأتي إلى نَصِّ كان ذكره الجرجاني لنَستدعيه كما استدعى هو نفس النص من الغزالي لنراه يقول في تعريف الخلق: "عبارة عن هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورَوِيَّة؛ فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة سُميت الهيئة خلقاً حسناً؛ وإنْ كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سُميت الهيئة التي هى "المصدر" خُلقاً سيئاً...".

فالهيئة إذن هى المصدر للفعل سواء كان جميلاً أو كان قبيحاً. غير أن هذا التعريف ليس للجرجاني حقيقة ولكنه للغزالي, منقولاً بلفظه وحرفه ونصِّه من "الإحياء" حين شرح الغزالي الفرق بين لَفْظي : الخَلق والخُلق؛ فأورد نفس النص وزاد:" وإنما قلنا إنها هيئة راسخة؛ لأن مَنْ يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يُقال خلقه السخاء, ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ. وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة ويسر من غير رَويَّة؛ لأن مَنْ تَكلَّف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وَرَوِيَّة لا يُقال خلقه السخاء والحلم؛ وليس الخُلُق عِبَارة عن الفعل فرُبَّ شخص خلقه السخاء ولا يبذل؛ إمَّا لفقد المال أو لمانع, وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث أو رياء ... ولكن الخُلُقَ في رأي الغزالي عبارة عن هيئة النَّفْس وصورتها الباطنة, تتشكل بالتكرار والتعود والمران وبذل الجهد في الممارسة, هذه الهيئة هى التي بها تستعد النفس لأنْ يُصْدُر منها الإمساك أو البذل".

وعليه؛ فالأخلاق إذا هى كانت في رحَاب القرآن تضمنتها بالضرورة أوامره ونواهيه. وإذا هى كانت نظرية فلسفية صارت بعيدةً في الغالب عن العمل والتطبيق, وكانت مُجَرَّد رأي ودراسة ليس إلا. والفرق أوضح من يحتاج إلى دليل بين النظر المجرد والتطبيق الفعلي.

ولم يشأ صلوات الله وسلامه عليه إلا أن يجعل مكارم الأخلاق متعلق رسالته فقال :"إنمّا بعث لأتمّم مكارم الأخلاق". وشدّد في حكمه على المرأة التي قيل له فيها : إنّ فلانة تصوم النهار وتقوم الليل، وهى سيئة الخلق، تؤذي جيرانها بلسانها. فقال عليه السلام : لا خير فيها هى من أهل النار. وبالقياس؛ فإنّ شدّة وقع هذا الحكم على هؤلاء الذين يتخذون الدين ستاراً لنفوس طواها المكر والختل والخداع، ووقفوا من ظاهر الدين عند الهمهمة السطحية والتسبيح البرانيَّ، ثم كثرة التحدث عن الفضيلة وصور العبادات وأشكالها، ولكن نفوسهم منطوية على الغش والمكر والخداع والملق والنفاق. ما أشدّ وقع هذا الحكم عليهم إذ يدبرون السوء ويفسدون ما بين الناس من روابط، مستعينين بشويه الحقائق ودسّ الأكاذيب، والعمل على ستر كل ما يقوض دعائم الحياة الفاضلة. أمثال هؤلاء الفسدة في الناس وفي واقعهم ليسوا من التدين في شيء، وإنْ الله سبحانه لم يجعل الإيمان به أساس دينه، ولم يجعل العبادات أركاناً له، إلا لما تحدثه من أثر طيب في النفوس يكون عنصراً للخلق الفاضل.

ولن تؤدي ازدواجية المعايير الخلقيّة في النهاية إلا إلى تقويض دعائم الأخلاق واستحلال ما بطن من الفواحش والإثم والبغي بغير الحق والقول على الله ما يبغضه الله. والقرآن يقدح في هذا قدحاً شديداً :"قل إنمّا حرَّم ربِّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" (الأعراف : آية 23).

ليس مطلوباً في الدين - على مستوى العمل والسلوك - أن تقول ما لا ينبغي عليك أن تفعل، وأن تفعل ما لا ينبغي عليك أن تقول, ليس هذا مطلوباً في الدين. إنما الذي يكون مطلوباً في الدين هو صلاح الظاهر يأتي من صلاح الباطن. ومن هذا المطلوب تحقيقاً بشعبة الأخلاق يكون الربانيون والشهداء والصالحون، وفي ظلال الأخلاق الحميدة يكون الأئمة والهداة والمرشدون. في ظلها تطهر النفس الإنسانية من الحقد والحسد والنفاق والجبن والكذب والخيانة والغش وما إلى ذلك من الأخلاق السيئة التي كثيراً ما أفسدت على الناس حياتهم وتوارت في ظلمتها القائمة وسائل الخير والصلاح. إنّ صلاح الباطن أساس لكل صلاح ظاهري، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركز وكان نتيجة وأثراً للإصلاح الباطني. وشعبة الأخلاق، هى الكفيلة بالإصلاح الباطني، وهى الشجرة الطيبة التي ثبت أصلها وبسق فرعها وطاب ثمرها وأتت أكلها كل حين بإذن ربها. وما من شك في أن قوله صلوات الله وسلامه عليه :" إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب" من أقوى العبارات المأثورة في تقرير القضية الطبيعية؛ قضية الضمير، وهى صلاح الظاهر لا محالة نتيجة لصلاح الباطن.

(وللحديث بقيّة)

 

د. مجدي إبراهيم

 

سارة طالب السهيلعندما نتأمل في مناطق مختلفة من شوراع العالم،نجد المشردين بلا مأوى، وأطفال الشوارع الفارين من بيوتهم لعدم وجود أب يعولهم أو خالا يحنو عليهم أوعما يوفر لهم المأكل والمشرب والتعليم .

قد نجد ملايين النساء الأرامل والمطلقات اللواتي تخلى عنهن الازواج اما بالطلاق او الموت بالحرب او المرض، وهن يتحملن مسئولية اطعام وتعليم وتربية اطفالا كثيرة قد تزيد في بعض الاحيان عن خمسة اطفال دون ان يكون لها موردا للرزق، فتلقي ببعضهم في سوق العمل دون تأهيل ولا حظا وافيا من التربية، بعضهم يتشرب اخلاق الشارع والاخر قد يضيع مع تعاطي المخدرات، والبعض الاخر قد تتلقطه الجماعات التكفيرية لتضمه اليها فيتشرب الارهاب ويصبح خنجرا في ظهر الاوطان .

وعندما نجد ملايين البشر يموتون في قارة افريقيا من شدة الجوع ونقص الغذاءوالدواء، وتمتلئ شوراع عديدة باللصوص ومروجي المخدرات او عصابات سرقة الأعضاء البشرية وغيرها من الجرائم المميتة للانسان والمدمرة للبشرية، ناهيك ملايين الشباب العاطل عن العمل، وغير القادرين على اكتساب الخبرات التي تؤهلهم لسوق العمل ويصبح وجودهم على الارض عالة يستنفذون خيراتها دون ان يعمروها بالعمل والانتاج -حتى وان كانوا في بعض الحالات ضحية-، ولا عمل لهم سوى افتراش المقاهي ولعب الكوتشينة (الورق) والأرجيلة (الشيشة) ولعب الدومينو وغيرها.

من هنا برزت الحاجة البشرية الى تنظيم النسل وهو ما لا يتعارض مع مقصد الخالق من التكاثر البشري لاعمار الارض، وكما نعلم جميعا ان الأديان السماوية قد حثت على الانجاب والتوالد واكثار خيرات الارض والاستفادة منها، ولكن كثرة الانجاب قد يؤدي الموت والهلاك ولا يحقق الحياة الكريمة التي قصدها الخالق العظيم لبني آدم في قوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)

وانطلاقا من قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وهي من القواعد التي اتفق عليها الفقهاء من المذاهب الأربعة في كتب القواعد، وفي كتب الفروع، فان الازمة الاتقصادية الطاحنة التي تعيشها معظم شعوب العالم، والأخذة في النمو، وقصور الاباء والامهات عن رعاية أبنائهم لانشغالهم بالعمل لساعات طويلة، فلا يجد الأبناء من يرعاهم نفسيا واجتماعيا واخلاقيا ودينيا وصاروا نهبا لرفقاء السوء أو هبات الانحراف الفكري والسلوكي عبر المنتديات وصفحات الدردشة وفضاء الانترنت المفتوح بلا رقيب ولا حسيب .

بل ان الكثير من الاسر قد فقدت موارد رزقها وتعطلت عن العمل لعوامل عديدة وباتت غير قادرة عن اطعام ابنائها وتعليمهم، كل هذه العوامل وغيرها تدفع المجتمعات دفعا الى تنظيم النسل في الحدود الدنيا بحيث لا يزيد عن طفلين او ثلاثة على الاكثر .

فاذا كان فقهاء الاسلام قد أجازوا منع الحمل والولادة او تأخيرهما اذا كان هناك خطر على حياة المرأة، وذلك دفعًا للضرر الأعظم وتجنبًا للتهلكة، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ النساء: 29. ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ البقرة : 195، فان اجازة تحديد النسل حفاظا على سلامة الاسرة اقتصاديا واخلاقيا واجتماعيا خاصة وقت الشدائد الاقتصادية التي تمر بها الدول، باتت من الامور المنطقية، خاصة وأن الشرائع السماوية من ضمن رسالتها تنظيم حياة الناس دون ضرر او ضرار .

وعلى ذلك فان تنظيم النسل بات ضرورة حياتيه تفرضها تحديات واقع حياتنا المعاصرة، وقد أباحه الشرع في حالة الخشية على صحة الأولاد أو تربيتهم، أو العناية بتنشئتهم إذا كثر عددهم.

وحتى في عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يتسخدمون طرقا لتحديد النسل، وكما ورد في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد أن رجلاً جاء إلى رسول الله ³ فقال: يارسول الله إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله: لم تفعل ذلك؟ قال الرجل: أشفق على ولدها، فقال رسول الله ³: لو كان ذلك ضارًا لضرّ فارس والروم. وقد كان الصحابة يفعلون ذلك، كما روي في الصحيحين عن جابر، رضي الله عنه، أنه قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ³ فبلغ ذلك رسول الله، فلم ينهنا).

وأجاز الإسلام كذلك تنظيم النسل إذا خشي الزوج على الطفل الرضيع من حمل جديد، فيعزل عن المرأة منعًا لذلك.

حتمية تنظيم النسل

ولأن العقل هو مناط التكليف، فلا يمكن أن يتعارض الشرع مع معطيات العقل، وكلاهما يقر الأخذ بالاسباب، وهنا يجب على الانسان ان يراعي امكاناته المادية أولا، قبل ان يأخذ قرارا بكثرة الانجاب، فاذا كان دخله محدودا وغير مستقر وأنجب العديد من الابناء، فانه قد يعجز والوفاء باحتياجاتهم فيظلمهم ويظلم نفسه ومجتمعه .

والواقع في عالمنا العربي يكشف الكثير من الأباء قد هربوا من المسئولية عندما ثقلت أعباء وتكاليف اطعام وتعليم أبنائهم، وطلقوا زوجاتهم لعدم قدراتهم على الانفاق .

والمعروف ان كثرة الانجاب تزيد من أعباء الاسرة بما يختل بتوازنها الاقتصادي وأمنها الاجتماعي الذي يلقي لاحقا على عاتق المجتمع والدولة . ومن هنا فان تنظيم النسل يعد ضرورة تحمي الافراد والاسرة والمجتمع ويتيح للدول ان توفر لمواطنيها حياة كريمة .

لعلي ادعو الدول الي سن قانون لتحديد انجاب الزوجين لطفلين او ثلاثة على الاكثر، وذلك بناء على دخلهم الشهري .

وقد يعترض البعض بزعم ان الدخل هو رزق من الله، وربما الفقير يصبح غنيا أو غني يفقد ماله، وهذا صحيح في حالات كثيرة، لكن نحن نتطلع الى قانون يحمي الاغلبية وليس حالات فردية، والهدف منه زيادة النخب وليس العدد وتحقيق مصلحة العائلة بالعيش في حياة كريمة تحقق راحة الأم من الكد والتعب، وراحة الأب من السهر لجمع المال، وراحة الشوارع من المتسولين، وراحة الحكومة من أعباء المتسربين من المدارس، واطفال الشوراع الذين ينضمون لاحقا الي فئة النشالين ومروجي المخدرات .

ان سن قانونا لتنظيم النسل سيحقق راحة للمجتمع من الاشخاص العالة عليه دون عمل او انتاج، كما هذا التحديد يحقق راحة للبيئة والطبيعة من التعداد السكاني الهائل الذي لم يعد الهواء والماء والارض تتحمله، وايضا البنية التحتية حتى الوظائف لا تكفي لانصاف المتعلمين او حتى الغير متعلمين الذين لا يريدون حتى ان يعملوا بالمهن الحرفية.

هذا يعني الموضوع متشابك ومن يفهمه جيدا سيعترف بآن تحديد النسل مهم لمصلحتك أولا وهو لا يتعارض مع الدين، لان الدين حرم قتل الموجود ولم يحدد باي شكل تحريم تحديد عدد افراد الذي نريد انجابهم .

ففي الازمنة القديمة كانت الأسرة تنجب كثير ا وتفرح بالكثرة العددية لان الاطفال سيعملون بالحقل او المزارع او الصيد او المغازل مع ابيهم، ولكن الآن، فان الآلة قد أغنت عن كثرة العمال الذي كانوا زمان من أهل المنزل، فلم يعد هناك حقل ولا زرع وان وجد بالريف فأغنت الآلات عن العدد فشخص أو أثنين يقومون بعمل عشرات الاشخاص سابقا .

اما هذه الآية الكريمة (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)

المقصود بها عدم قتل الموجود وعدم الاضرار بمن جاء الى هذه الدنيا وتقصد ايضا عدم قتل الاطفال وان كان جنينا في رحم امه،الا لو امر الطب والشرع بذلك لسبب عظيم،و لا تعني عدم تحديد النسل مسبقا

 

سارة السهيل

 

 

عبد الله الفيفيالمرأة في التراث العربي بين خطابين (8)

 ناقشْنا في المساقات السابقة تقنية الاستثناء، التي تجلَّت لدَى (المتنبِّي) في قصيدته التي رثى بها أخت (سيف الدَّولة). ورأينا كيف أنَّ السيِّدة المرثيَّة، هي- بزعم الشاعر- كـ(أُمِّ سيف الدَّولة)، ليست بأُنثى كالنِّساء، وإنْ كان ظاهرها يوهِم بأنها امرأة!  ذلك لأنَّ العقل ذُكوري، أساسًا، حسب فلسفة (أبي الطيِّب)، التي توسَّع فيها من بَعده تلميذه النجيب، الموصوف بـ"فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة!": (أبو العلاء المعرِّي)، توسُّعًا فاضحًا، في قصيدة الوَأْد التي أشرنا- في المساق الأول من هذه السلسلة حول "المرأة في التراث"- إلى أنها البرهان على أن وَأْدَ النساء، لا وأد البنات فقط، لم ينته بعصر ما قبل الإسلام، بل استمر، وإنْ نظريًّا وشِعريًّا، بعد الإسلام، كما يشهد بذلك الشِّعر. 

كان ذلك هو موقف المعرِّي المزري من المرأة.  ومع هذا، ولأنَّ الثقافة العربيَّة ثقافة مؤدلجة، ومهما كان توجُّه المثقَّف، ولأنَّ معضلتها الكأداء تكمن، لا في عمود الشِّعر العَرَبي، بل في عمود القِيَم العَرَبيَّة، فستجد الخطاب الحداثيَّ- منذ (أبي تمَّام) إلى (أدونيس)- خطابًا رجعيًّا جِدًّا، بمقاييس العَقْل والعَدْل، ومن حيث القِيَم الحضارية السَّويَّة، وإنْ ادَّعَى الحداثة، وسواء أتعلق الأمر بالمرأة أم تعلَّق بقيم الحياة الاجتماعيَّة كافَّة.  وكنَّا قد تطرَّقنا إلى موقف أبي تمَّام في الحلقة الثانية من هذه السلسة.  فماذا عن أدونيس؟ 

هو، على سبيل المثال، يمجِّد (المعرِّي) دائمًا، تمجيدًا مطلَقًا، وبلا تحفُّظ.  تمامًا كما يمكن أن ترى السَّلَفيَّ يمجِّد (ابن تيميَّة) تمجيدًا مطلَقًا، وبلا تحفُّظ، رافعًا مقامه عن البشريَّة، بما فيها من مواطن لا مفرَّ لها من النقد.  كذلك يفعل أدونيس حينما يكون الحديث عن أبي العلاء، والشواهد المسجَّلة بالصوت والصورة يجدها المتابع حيثما ولَّى نظره.

لماذا؟

لأن خطاب حداثيِّينا، غالبًا، تقليديٌّ أصوليٌّ متعصِّبٌ بدَوره، غير عِلمي، ولا يَصدر عن فكرٍ مستقلِّ، ولا عن بحثٍ يحترم المنهج.  وما تصلح ثقافةٌ بوجود مرسِّخي ذاك الخطاب وناشريه تحت الأضواء العامَّة. وإنَّما مصدر إعجاب صاحبنا بالمعرِّي- إلى تلك الدرجة منقطعة النظير- هو بيتٌ يكرِّره، ولا يسأم من تكراره، في كلِّ لقاء وحوار، حتى يكاد يُلقيه على كلِّ من ألقى عليه السلام: 

اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عَقْلٍ بلا

دِينٍ، وآخَرُ دَيِّنٌ لا عَقْلَ لَهْ!

وإذا عُرِف سبب الإعجاب بطل العَجب!  وهو يفعل هذا كأنه اكتشف اكتشافًا خطيرًا.  مع أن تلك قراءةٌ عتيقة، مغلوطةٌ مغالطة، لا جديد تحتها، تُردِّد ما سُبِقَت إليه قبل نحو مئة سنة، من قِبَل المفكِّر المصري (إسماعيل مظهر عبدالمجيد، 1861- 1962)(1)، في بحث له نشره 1926، تحت عنوان "معتقد أبي العلاء في الدِّين والخالق".  بل قبل هذا بقرون، ممَّن كانوا يرمون أبا العلاء قديمًا بالإلحاد.

وأدونيس يستشهد بالبيت مقتطَعًا من سياقه الداخلي من القصيدة، ومن سياقه الخارجي من فِكر أبي العلاء؛ كي يُسقِطه إسقاطًا على ما يريد، كما يريد، وإلَّا لو لم يفعل، لما بدا فيه ذلك الشاهد الصارخ على ما يرمي إليه ويوظِّفه لأجله.  يقول المعرِّي(2):

إنْ هَلَّلَتْ أَفواهُكُم، فَقُلوبُكُمْ

ونُفوسُكُمْ دونَ الحُقوقِ مُهَلّلَةْ

آلَـيتُ ما تَوراتُــكُم بِمُــنـيـرَةٍ،

إِنْ أُلفِيَتْ فيها الكُمَيتُ مَحَلَّلَةْ

لا تَأمَنوا بَرْقَ الغَمامِ؛ فَإِنَّما

تِلكَ السُّيوفُ مِنَ القَضاءِ مُسَلَّلَةْ

قالَ اِفتِكارٌ في الحَوادِثِ صادِقٌ،

جَعَلَ الصِّعابَ مِنَ الحِذارِ مُذَلَّـــلَةْ:

(هَفَتِ) الحَنيفَةُ، والنَّصارَى (ما اهتَدَتْ)،

ويَهودُ (حارَتْ)، والمَجُوسُ (مُضَلَّلَةْ)

اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عَقْلٍ بلا

دِيــــنٍ، وآخَــــرُ دَيِّـــــــنٌ لا عَقْــــــلَ لَــــهْ!

فهل في هذا شاهدٌ على ما يُستشهَد به عليه؟

ليس من شأن الشاعر أن يشرح مُراده، على كلِّ حال، ولا من شأن الناقد أن يستجوبه، أو يحمِّل شِعره ما لا يحتمل ظاهرُه، بما هو شِعرٌ من ناحية، وبما تُعْرِب عنه ألفاظه، من ناحيةٍ أخرى، وإنْ لم يكن من جنس الشِّعر. 

إنَّ غاية ما تصوِّره الأبيات تلك المأساة العامَّة- التي شهدها الشاعر في معاصريه- من النفاق واختلال الموازين. منتقِدًا أَتباع الدِّيانات جميعًا، بما في ذلك "الحَنيفيَّة"، التي "هَفَتْ"، كما قال. ومعنى كلمة (هفا)، في مثل هذا السياق: ارتكاب هَفْوَة، أي زلَّة صغيرة، عن غير قصد.  وقد رتَّبَ الشاعرُ أصحابَ الدِّيانات، تاريخيًّا، وبحسب ما يراه من بُعدها عن الحق، من الأدنى إلى الأقصى.  عائبًا فيها الاثنين معًا: ذا العَقل بلا دِين، وذا الدِّين بلا عَقل.  مقدِّمًا في التثريب (ذا العَقل بلا دِين)؛ لأنَّ كون الدَّيِّن "لا عقل له" أقل، وإنْ كان أغرب؛ فالأصل أنَّ من شروط التديُّن العَقل.  وهو تقديمٌ لم يأت عن ضرورةٍ شِعريَّةٍ؛ فقد كان بوسعه القول:

اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو دِينٍ بِلا

عَقْلٍ، وَآخَرُ عاقلٌ لا دِينَ لَهُ

وللتقديم والتأخير دلالتهما البلاغيَّة.

هكذا تلعب الإديولوجيات بالعقول، وتبعث على انتقاء النصوص وتدليس المعاني. وفي المساق التالي نواصل القول في هذا الضرب من القراءات الرغبويَّة، القديمة الحديثة، التي إنَّما تفتِّش في الماضي عما تَطرَب له؛ لتؤيِّد به عقيدتها هي، ذات الأصوليَّة العوراء البديلة، فإذا هي تضطرها إلى أن تُغمِض عينًا وتفتح أخرى.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

............................

(1)  انظر: (2017)، تاريخ الفكر العربي، (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي)، 109- 115. 

(2) المعري، (1992)، شرح اللزوميات، تحقيق: منير المدني وزينب القوصي ووفاء الأعصر وسيِّدة حامد، بإشراف ومراجعة: حسين نصَّار، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 2: 451.

(3)  هذا المقال جزء ثامن من ورقة بحثٍ قُدِّم بعضها محاضرةً حِواريَّةً في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

 https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة الملك سعود)

https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify

 

ادم عربيكل من هو مهتم وملم بعلم الأنثروبولوجي يعلم ان وضع المراة ماساوي في جميع بقاع الارض وابرزها ماساوية في المجتمعات الاسلامية، ماساتها انه يُنظر لها كاداة متعة وانجاب، وهذه النظرة تعود الى قرون عديدة منذ معرفة للملكية الخاصة وفائض الثروة، استعمل الرجل اداتين  للاستبداد بالمراة : قوته البدنية وانفاقه عليها، ثم رسخت الديانات ذكورة الرجل واعطاها طابع القدسية، فدخلت وترسخت ثقافة دونية المراة او الذكورية في جميع بقاع الارض، ورغم التطور في مجال (التطور النسبي) او بخصوص جدوى قوة الرجل الجسمية وموضوع الانفاق، اي بخصوص انفاق الرجل على المراة، الا ان ثقافة الذكورية والتي ترسخت عبر عشرات القرون في كل المجتمعات البشرية، في اصقاع الارض، ما زال رجال الدين داعميها الى يومنا هذا وان كانت بنسب متفاوتة مجتمعاتنا الاسلامية اسواها، وبما ان هذا الشيء من ذاك الشيء وكل شيء مرتبط بكل شيء، دخلت المراة نفسها في هذه الماساوية،   وسطرت الثقافة الذكورية على عقول النساء او نسبة منهن  مغلفابعامل ديني على الاغلب واصبحن يدافعن عن دونيتهن  وحق الرجل اعلى مرتبة من المراة، لقد وصلت الانسانية ومسيرة البشرية الان الى مرحلة من غير المجدي فيها دفاع الرجال او بعض الرجال عن حقوق المراة، فليس للمرلة من طريق لهذا الوضع الاثم بحقها سوى استهجان هذا التراث الوضيع وتعي انها مساوية فعلا للرجل او تبقى تعيش بدونيتها، واخيرا لم ارَ من هو اغبى بمن شبه النساء السافرات بحلوى مكشوفة، لانه لا بد ان يكون هو الذباب يحوم حولها .

 

د.ادم عربي

ليلى الدسوقي(لحمتها المساواة وسداها السلام والعدل)

وضع الاسلام اسس لعلاقات المسلمين بغيرهم من الامم فى حالتى السلام والحرب وهى:

الاساس الاول الاصل هو السلام وان الحرب هى الاستثناء عند الضرورة فهى من اغواء الشيطان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ‎﴿٢٠٨﴾ سورة البقرة

الاساس الثانى الوفاء بالعهود والمعاهدات والوثائق التى تنظم علاقات المسلمين بغيرهم

الاساس الثالث النظر الى الناس جميعا على انهم امة واحدة

وعلى الرغم من اهتمام المسلمين الواضح بالعلاقات الدولية فى الاسلام فان بعض علماء التشريع وفقهاء القانون فى الغرب يعتقدون ان مبادىء القانون الدولى العام التى تنظم علاقات الدول من الافكار الحديثة التى ابتدعتها اوربا فى العصور الحديثة

ونحن نوافق هؤلاء العلماء على اعتقادهم هذا " ويلوح لنا انه غير قابل للمناقشة والجدل ما دمنا نبعد بموضوعه عن محيط التاريخ الاسلامى فالنظام الدولى فى الحقيقة لم يكن معروفا خارج هذا المحيط " لان الاسلام سبق العالم كله فى وضع تشريع قانون دولى عام تقوم على اساسه علاقات الامم والشعوب (اول مؤلف فى القانون الدولى فى العالم هو كتاب الامام محمد بن الحسن الشيبانى 189 هــ فهو قد سبق به العالم الهولندى غروسيوس 1583-1645 الذى يسمى ابا القانون الدولى بنحو ثمانية قرون و للمكانة الكبيرة التى يتبؤها الشيبانى فان علماء القانون الدولى من مختلف بلاد العالم اسسوا جمعية فى جوتنجن بالمانيا سموها جمعية الشيبانى للحقوق الدولية وكان اول رئيس لها الفقيه المصرى الكبير الدكتور عبد الحميد بدوى)

ولم يكن الاسلام معنيا بوضع مبادىء لقانون دولى عام من الناحية النظرية فحسب وانما طبق هذه المبادىء تطبيقا عمليا وراعاها مراعاة كاملة فى علاقاته الدولية مع الامم الاخرى

اما القانون الدولى العام الذى يفخر به فقهاء الغرب فانه كان فى معظم الاحيان حبرا على ورق ولم يحقق المساواة بين الشعوب فى الحقوق والواجبات لان منطلقه لم يكن اخلاقيا من ناحية ومن ناحية ثانية فهو تشريع وضعى ناقص لا يفى بحاجات الانسان ومن ناحية ثالثة فكثيرون من واضعيه من فقهاء الغرب كانت تغلب عليهم النظرة العنصرية والاستعلاء على الاخرين

الم يقل استيورات ميل باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية ؟ او لم يحدد لوريمير على وجه الارض مناطق ثلاثا تخضع كل منها لقانون مختلف فالعالم المتمدن يجب ان يتمتع فى نظره بحقوق سياسية كاملة والعالم نصف المتمدن يكفى ان يتمتع بحقوق سياسية جزئية بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها الا حقوق عرفية لا تحمل الزاما قانونيا وجاء ميثاق عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولى فاقر هذا التقسيم واكسبه سلطة القانون وجلس الحلفاء المنتصرون فى هذه الحرب حول موائد المفاوضات فى مؤتمرات الصلح ليقرروا مصير العالم بعد الحرب حسب زعمهم ولكنهم فى الواقع جلسوا ليقسموا العالم فيما بينهم الى مناطق نفوذ ولما كان اسلوب الاستعمار العسكرى القديم لم يعد مقبولا بعد الحرب لجأ الحلفاء الى ابتداع فكرة جديدة لبسط نفوذهم على الشعوب الضعيفة وهى فكرة الانتداب والحماية وكان هذا خداعا دوليا ليس له نظير فلقد ناقض الحلفاء انفسهم وضربوا بشعاراتهم التى رفعوها اثناء الحرب عن اعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها كما جاء فى مبادى ويلسون الاربعة عشر الشهيرة عرض الحائط

المبادئ الأربعة عشر:

1- تقوم العلاقات الدولية على مواثيق سلام عامة، وتكون المعاهدات الدولية علنية وغير سرية.

2- تأمين حرية الملاحة في البحار خارج المياه الإقليمية في السلم والحرب، إلا ما ينص عليه الاتفاق الدولي خلافا لذلك.

3- إلغاء الحواجز الاقتصادية بقدر الإمكان وإيجاد مساواة بين الدول المتعاونة في المحافظة على السلام.

4- تخفيض التسلح إلى الحد الذي يكفل الأمن الداخلي.

5- وضع إدارة عادلة للمستعمرات تنفذ ما يحقق مصالح سكانها.

6- الجلاء عن الأراضي الروسية كلها والتعاون مع أي حكومة روسية يختارها الشعب.

7- الجلاء عن أراضي بلجيكا وتعميرها.

8- الجلاء عن فرنسا ورد الألزاس واللورين وتعمير ما خرب منها بسبب الحرب.

9- إعادة النظر في حدود إيطاليا بحيث تضم جميع الجنس الإيطالي.

10- منح القوميات الخاضعة للإمبراطورية النمساوية حق تقرير مصيرها.

11- الجلاء عن صربيا ورومانيا والجبل الأسود، وإعطاء صربيا منفذا إلى البحر وإقامة علاقات جديدة بين دول البلقان كافة مبنية على أسس قومية وتاريخية، وضمان حريتها السياسية والاقتصادية.

12- ضمان سيادة الأجزاء التركية وإعطاء الشعوب الأخرى غير التركية التي تخضع لها حق تقرير المصير، وحرية المرور في المضائق لجميع السفن بضمان دولي.

13- بعث الدول البولندية بحيث تضم جميع العنصر البولندي، وإعطائها منفذا إلى البحر، وضمان استقلالها السياسي والاقتصادي دوليا.

14- إنشاء عصبة الأمم وتحرير حزب شيوعي مختار

و كانت بدعة الانتداب والحماية اسوا من الاستعمار القديم فالشعوب التى وضعت تحت الانتداب والحماية لم تشعر انها تخلصت من الاستعمار بل ان بعض الشعوب ضاع استقلالها وكل حقوقها والمثل الصارخ على ذلك هو شعب فلسطين العربى فقد وضعت تحت الانتداب البريطانى وكانت مهمته هو تدريب الشعب الفلسطينى على شؤون الحكم والسياسة والادارة ثم ترد اليه بلده ليحكمها بنفسه فماذا حدث ؟ مارست بريطانيا ابشع انواع الاستعمار ولما حان رحيلها سلمت الارض الى الصهاينه الذين جمعتهم من شتات الارض وحديثا الانتداب الامريكى على ارض العراق

هذا هو فهم اوروبا لمبادىء القانون الدولى العام ثم دارت الايام واشعلت اوروبا نار الحرب العالمية الثانية وبعدها تشكلت الجمعية العامة للامم المتحدة فماذا صنعت ؟ وماذا اضافت من حلول لمشاكل العالم ؟ اليس روح التفريق وعدم المساواة لا يزال مسيطرا على عقول السادة الذين يتحكمون فى مصير الانسانية اذا كانت هذه هى نظرة علماء اوروبا وساستها الى القانون الدولى العام وحقوق الشعوب فماذا ننتظر من شعوب اوروبا نفسها ؟ التى لا زالت روح الاستعلاء والغرور تسيطر على عقول ابنائها وتجعلهم ينظرون الى الشعوب الاخرى خارج القارة الاوروبية على انها اقل منهم فى كل شىء

و لذلك لا نبالغ اذا قلنا ان كل من يريد ان يظفر بتشريع دولى ذى صبغة عالمية حقيقية وانسانية يصون حقوق جميع الشعوب على قدم المساواة فلن يجد هذا التشريع خارج دائرة التشريع الاسلامى فى مجال العلاقات الدولية فالاسلام لا يعرف التفرقة بين الشعوب جميع البشر سواسية كاسنان المشط كلهم لادم وادم من تراب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ‎﴿١٣﴾‏  سورة الحجرات

(نتذكر ما حدث بعد قتل الأمريكى الأسود «فلويد» بواسطة شرطى أبيض منذ عدة أسابيع لم يكن سوى تطور لأزمة ضخمة تعود بداياتها إلى عقود كثيرة ماضية فى تاريخ الولايات المتحدة الى التفرقة العنصرية)

ان الشعوب التى انضوت تحت الحكم الاسلامى نعمت بنوع من الحرية والعدل والتسامح لم تعرفه طوال تاريخها وهذه شهادة مؤرخ اوروبى لا يمكن ان يتهم بانه متحيز للاسلام يقول توماس ارنولد " اما ولايات الدولة البيزنطية التى سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم فقد وجدت انها تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة فقد سمح لهم ان يؤدوا شعائر دينهم دون ان يتعرض لهم احد "

نظرة الاسلام اذن الى العلاقات الدولية نظرة انسانية عالمية لحمتها المساواة وسداها السلام والعدل وهنا يبرر لنا الاسلام فى رعايته لعهوده ومواثيقه وحرصه على الوفاء بها حرصا لم يسبق له مثيل فى اى تشريع اخر مهما كان فى الوفاء بالعهد من اضرار مادية او معنوية تعود على المسلمين

ذلك ان الوفاء بالعهد والميثاق فى مجال العلاقات الدولية من وجهة نظر الاسلام ليس مبدا اخلاقيا فحسب بل هو واجب دينى اى عبادة يتقلاب بها الى الله سبحانه وتعالى ويثاب المسلم على فعله ويعاقب على تركه فالعهد الذى يرتبط به المسلم مع غيره لا يرتبط به مع الناس فحسب بل هو مسئول عنه امام الله والله كفيل المسلم وشهيد على عهوده ومواثيقه تجاه الاخرين

و لقد شدد القران الكريم على مبدا الوفاء بالعهد (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ‎﴿٣٤﴾سورة الاسراء

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ‎﴿٩١﴾سورة النحل 91

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ‎﴿١٩﴾‏ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ‎﴿٢٠﴾‏ سورة الرعد 19/20

 إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‎﴿٥٥﴾‏ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ‎﴿٥٦﴾ سورة الانفال

وليست هناك حالة تبيح للمسلم نقض العهد من طرف واحد حتى ولو كان فى الاستمرار فى الوفاء به ضرر محقق يلحق المسلمين

وهل هناك ضرر اعظم من ان تتعرض فئة مسلمة لعدوان دولة اجنبية فتطلب من الدولة الاسلامية ان تعينها وتنصرها ولكن الدولة الاسلامية لا تستطيع ان تفعل ذلك اذا كانت قد ارتبطت مع هذه الدولة الاجنبية بعهد سابق فنقض العهد فى هذه الحالة محظور بتاتا على المسلمين بنص القران الكريم يقول الله تعالى وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ .... ‎﴿٧٢﴾‏سورة الانفال

و الاسلام ايضا لا يبيح الغدر حتى وهو يخشى خيانة الاخرين فلابد ان يجاهرهم بالحرب وينبذ اليهم عهدهم فى وضح النهار ولا يبيتهم بالغدر وهم منه على امان

(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ‎﴿٥٨﴾ سورة الانفال  اما اذا التزم الاعداء بالعهد مع المسلمين فيجب على المسلمين الالتزام بالعهد واتمامه الى مداه (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‎﴿٤﴾ سورة التوبة

و هناك ناحية اخرى اهتم بها الاسلام وهى احترام المبعوثين السياسيين وحاملى رسائل الاعداء اذ من المسلم به ان تبادل الرسل والرسائل امر لابد منه فى اية علاقات دولية وغنى عن القول ان وجود بعثات سياسية دائمة تقيم بصفة مستمرة لكل دولة لدى الدول الاخرى امر لم يكن معروفا فى العلاقات الدولية فى الزمان الذى نتحدث عنه

و قد مارس النبى ﷺ هذا اللون من العلاقات الدولية اى انه ﷺ ارسل من عنده رسلا كثيرين وفى مناسبات عديدة الى عدد من ملوك وامراء العالم كما استقبل فى مسجده فى المدينة العديد من الرسل والمبعوثين وحاملى الرسائل فكيف كان يعاملهم ؟ وقائع التاريخ تدلنا على ان النبى ﷺ كان يعامل رسل الاعداء والاصدقاء على حد سواء معاملة واحدة وهى الاحترام والتكريم

فقد كان ﷺ يستقبل رسل الاعداء برحابة صدر ويستمع اليهم فى اهتمام ثم يمنحهم الامن على ارواحهم ويعطيهم الحصانة التى تخولهم حتى العودة الى اوطانهم سالمين ومتى شاءوا مهما كانت خطورة الرسائل التى يحملونها

فمثلا معاملة الرسول ﷺ لرسولى كسرى ابرويز الثانى ملك الفرس فقد كان ﷺ ارسل بعد صلح الحديبية عددا من الرسائل الى ملوك ورؤساء وامراء العالم المعاصرين يدعوهم الى الاسلام وكان من بين هذه الرسائل رسالة الى كسرى ومع انها كانت عبارة عن دعوة سلمية للدخول فى الاسلام خالية من العنف او التهديد بالحرب الا ان كسرى عندما قرئت عليه استشاط غضبا واخذته العزة بالاثم ومزقها ولم يكتف بهذا بل ارسل الى باذان عامله على اليمن التى كانت تحت سلطان الفرس انذاك يامره ان يرسل الى هذا العربى يقصد النبى ﷺ من يقبض عليه ويحضره مقيدا فى السلاسل ليمثل امام كسرى ليعاقبه على جراته فى مخاطبته بهذا الشكل اذ كيف يجرؤ ويتطاول الى هذا المقام ويخاطب ملك الملوك واذعن باذان لاوامر سيده وارسل الى النبى ﷺ رسولين من عنده ليبلغه بقرار كسرى الغريب الذى يدل على الغرور والغطرسة وعماء البصيرة وحضر الرسولان الى المدينة وافضيا الى النبى ﷺ بمضمون مهمتهما فماذا حدث ؟ وماذا كان موقفه من مبعوثين جاءآه مأمورين بالقبض عليه واخذه بالقوة ليحاكم امام سيدهم ؟ هل اعتقلهما او امر بقتلهما ؟ ابدا لم يحدث شىء من هذا وانما رد عليهما ردا جميلا وفى هدوء اخبرهما ان ملكهم هذا المتجبر قد هلك وعلى يد ابنه بالذات حيث ثار عليه وقتله وكلفهما بان يحملا منه رسالة الى باذان يدعوه فيها الى الاسلام فان هو قبل واسلم فان النبى ﷺ سيقره على عمله كحاكم لليمن باسم الاسلام وقد شرح الله صدر باذان للاسلام فاسلم واصبح يحكم اليمن باسم النبى ﷺ ارايت كيف عامل النبى مبعوثى عدوه وعدو الله كسرى فاعطاهما الامان ولم يمسهما بسوء

و ايضا صنيع النبى مع مبعوثى مسيلمة الكذاب اللذين جاءاه يحملان اليه مزاعم مسيلمة بانه اشرك معه فى الرسالة فمع خطورة القضية التى جاءا من اجلها ومع شذوذ مطلبهما الا ان النبى ﷺ لم يمسهما بسوء لانهما رسولان وكان رسولا مسيلمة هما ابن النواجة وابن اثال معهما رسالة نصها كالاتى " من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله سلام عليك اما بعد فانى قد اشركت فى الامر معك وان لنا نصف الارض ولقريش نصف الارض ولكن قريشا قوم لا يعدلون " فلما سمع الرسول ﷺ نص الرسالة قال " فما تقولان انتما ؟ " قالا : نقول كما قال فقال النبى ﷺ : " اما والله لولا ان الرسل لا تقتل لضربت اعناقكما " ثم كتب الى مسيلمة رسالة هذا نصها " من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب : السلام على من اتبع الهدى اما بعد : فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين "

هذه هى معاملة النبى ﷺ لمبعوثى اعدائه وحاملى رسائلهم واحترامه لهم وصيانة ارواحهم مهما كانت خطورة مهامهم والموضوعات التى يتباحثون من اجلها ومهما بدا منهم من شذوذ وبذاءة ومجاوزة الحدود

اما عن اعداء الاسلام فبينما كان دحية بن خليفة الكلبى عائدا من عند هرقل بعد ان سلمه رسالة النبى تعرض له بعض العرب من قبائل جذام واغاروا عليه واخذوا كل شىء ثم بلغت هذه الاعتداءات قمتها فى هذا العمل الغادر الدنىء وهو قتل الحارث بن عمير الازدى مبعوث النبى ﷺ الى امير بصرى بكتاب فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى فقتله ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره فاشتد ذلك على النبى ﷺ وندب الناس فاسرعوا وعسكروا بالجرف وهم ثلاثة الاف واوصاهم رسول الله ﷺ ان ياتوا مقتل الحارث بن عمير وان يدعوا من هناك الى الاسلام فان اجابوا والا استعانوا بالله وقاتلوهم فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام شرحبيل بن عمرو فجمع اكثر من مائة الف وقدم الطلائع امامه وقد نزل المسلمون معان من ارض الشام وبلغ الناس ان هرقل قد نزل ماب من ارض البلقاء فى مائة الف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام

الامر اذن ليس امر اعتداءات عفوية متفرقة على الاسلام والمسلمين وانما هو اخطر من ذلك بكثير هو تحالف ضخم بين القبائل العربية وبين الروم ضد دولة الاسلام الوليدة وضد الدعوة الاسلامية والتصدى لها ومقاومتها وهو ما لم يمكن السكوت عليه من جانب المسلمين ولذلك كانت مؤتة وكان ما تلاها من احداث وتطورات بين المسلمين والروم

لما وقعت حادثة اغتيال مبعوث النبى ﷺ الحارث بن عمير الازدى كان لابد من عقاب من قام بهذا العمل الغادر لان دماء الرسل والسفراء والمبعوثين مصانة فى كل عرف وفى كل زمان ومكان فاذا اعتدى احد على مبعوث من مبعوثى النبى بهذا الشكل الدنيىء فان هذا يعتبر اهانة بالغة للاسلام والمسلمين واذا لم يرد المسلمون على هذا العدوان فان هذا فى اقل تقدير سيطمع فيهم اعداءهم ويجرئهم على تكرار هذا الفعل مرات عديدة خصوصا فى هذه المناطق التى لا غنى للمسلمين عن المرور فيها دعاة او تجارا او مجاهدين او مبعوثين لذلك كان الرد والعقاب امرا مشروعا

هذا عن رسل ومبعوثى الاعداء اما رسل ومبعوثى الاصدقاء فان الرسول ﷺ كان يستقبلهم بود وترحيب ويقوم على خدمتهم بنفسه كما فعل مع الوفد الحبشى الذى جاءه من عند النجاشى تقديرا لحسن معاملته للمسلمين فى بلاده وكان يحرص على اهداء الوفود الهدايا ويمنحهم الخلع والعطايا وهذا من فرط سماحته وكرمه ﷺ

كلُّ القُلوبِ إلىَ الحبيبِ تَمِيْلُ وَمعَيِ بِهذَا شَاهدٌ وَدَلِيلُ أَمَّا الدَّلِيِلُ إذَا ذَكرتَ محمدًا فَتَرَى دُمُوعَ العَارِفِيْنَ تسيلُ هَذَا مَقَالِيِ فِيْكَ يَا شَرَفَ الْوَرَى وَمَدّحِي فِيْكَ يَا رسُولَ اللهِ قَلِيْلُ هَذَا رَسُولُ اللهِ هذا المُصْطَفَىَ هَذَا لِرَبِ العالمينَ رَسُـولُ إِنْ صادَفَتْنِيِ مِنْ لَدنْكَ عِنَايَةٌ لِأَزُوُرَ طَيْبَةَ والنَّخِيلَ جَمِيْلُ يَا سَيِّدَ الكَوْنينِ يَا عَلمَ الهُدىَ هَذَا المُتيَمُ فيِ حِماكَ نَزِيلُ هَذَا النبيُّ الْهَاَشِميُ مُحَمَّدٌ هَذَا لكلِّ العالمينَ رَسُولُ هَذَا الذِيِ رَدَّ العُـيونَ بِكَفِّهِ لَمَّاَ بَدَتْ فَوْقَ الخُدَودِ تَسِيلُ يَا رَبِّ إِنِّيِ قَـْد مَدَحْتُ مُحَمَّدًا فِيِهِ ثَوَابِيِ وَلِلمَدِيِحِ جَزِيلُ صَلَّىَ عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الْهُدَىَ مَاَ لَاحَ بَدْرٌ فِيِ السَّمَاَءِ دَلِيِلُ صَلَّىَ عَلَيْكَ اللهُ يَاَ عَلَمَ الهُدَىَ مَاَ حَنَّ مُشتاقٌ وَسَاَرَ جَمِيْلُ هَذَا رَسَولُ اللهِ نِبْرَاسَ الهُدَىَ هذَا لكلِّ العالمينَ رَسُولُ.

 

ليلى الدسوقي

 

 

عصمت نصارلم تقف كتابات "إسماعيل مظهر" ورفاقه عند وصف مدى انحدار الجانب الاجتماعي والأخلاقي الذي راح يتسلل إلى طبقات المجتمع المصري، وأصاب الطبقة الأرستقراطية التي انغمست في تقليدها للأوروبيين، فأخذت أقبح ما في عوائدهم وتركت النافع منها، ولم تسلم أخلاقيات العوام من الفساد.

فقد دفعهم ضيق الأرزاق والعوز إلى استباحة المكروه من الأعمال، والقبيح من الأقوال، وتعلقوا بالأوهام، وقدّسوا ظاهر الدين دون مخبره، وخدعتهم شعارات تجار الكلام وكاد أن يقعدهم التواكل عن الكد والمصابرة، والبحث عن النجاة في الماضي، فبدَّعوا الاجتهاد، واتهموا المجددين بالإلحاد في الدين.

أمَّا الطبقة الوسطة؛ فلم تخلو من مساوئ أصحاب القصور ولا جمود سكان القبور. ومن ثمَّ كان لازماً على قادة الرأي والمخططين لمشروع النهضة إعداد خطابات مناسبة لتقويم ذلك الخلل الذي كاد أن يطيح ببرامجهم الإصلاحية والتوجيهية، وقد عبرت عشرات الصحف عن تلك الثورة التي حمل فيها معظم المثقفين المعتدلين على تقليد المكروه الذي يقود أوله إلى الجمود والفناء في الماضي، ويدفع أخره إلى تبديد المشخصات وضياع الهوية.

ونبهوا كذلك إلى خطر التعصب بكل أشكاله وفي ذلك يقول إسماعيل مظهر: (إن التعصب لفكرة أو مبدأ أو أسطورة تنتقل بالوراثة أو اللقاح جيلاً بعد جيل، من غير أن يكون للعقل المستقل حكم فيها.  ويعتقد بعضهم أن الصراع بين الدين والعلم أمر قد فرغ منه، وأن الدين والعلم قد تصالحا على أن يكون لكل منهما حيزه، الأول في عالم الذات، والثاني في عالم الموضوع- وكفى الله الناس شر القتال. ويعتقد فريق آخر أن صراعاً لم يقع بعدُ بين الدين والعلم، وأن كل ما وقع لدى الحقيقة مناوشات أكبرها حادث غليليو في حدود القرون الوسطى، وحادث داروين في أواخر القرن التاسع عشر. ويعتقد أصحاب الرأي الأخير أن الصراع لن يتناول صورة بعينها من صور الدين، أو مذهباً من مذاهب الدين، أو نزعة من منازعه، وإنما سيقوم حول فكرة وجود الله بالذات؛ فكأنهم يختصرون الطريق. فبدلاً من أن يقطعوا الشجرة فرعاً فرعاً؛ لينتهوا إلى أصلها، سوف يحملون معاولهم ويضعونها في الجذع أولاً وأخيراً. ولا جَرَمَ أنه لا يضع الفأس في أصل الشجرة إلا جبار قوي الأصلاب).

وأعتقد أن الحسّ الفلسفي لإسماعيل مظهر هو الذي مكنه من صدق قراءة المشهد المعيش في الربع الأول من القرن العشرين، الذي أنعكس الآن للأسف على أيامنا التي لا تختلف في مقدار ترديها وانحدارها الأخلاقي والاجتماعي عما كانت فيه في أخريات العشرينات من القرن الماضي.

وأستشعر أننا في حاجة للإنصات إلى تحليلاته التي جهلها أو تجاهلها معظم الذين ادعوا بأنهم أصحاب مشروعات ثقافية. فقد بين "مظهر" ورفاقه من أمثال مصطفى كامل وذكي مبارك وعبد العزيز جاويش ومصطفى لطفي المنفلوطي ومحمد حسين هيكل ومحمد المويلحي ومحمود تيمور وغيرهم من المؤمنين بهذا المشروع الذي نحن بصدده؛ أن الدين لم يكن خصم للعلم ولم يتعمد العلم الحط من شأن الدين. والحق أن التعصب هو الذي افتعل هذا التصاول فقد أهمل علماء الدين حماية نصوصه من الأساطير والخرافات وأكاذيب المغرضين ودسّ المحرفين، وأهملوا تعليم العوام وتبصير المرتادين بما جهله بعضهم وخفى عن البعض الآخر من مقاصد النصَّ وغاية الشرع.

وعلى الجانب الآخر اعتقد بعض المشتغلين بالعلم بأن الحقيقة لا مَرْسَىَ لها أو مأوى سوى المشاهدة والتجربة الحسية، وأن التجريب يملك دون غيره الحجة والبرهان وأن التجريد لا يخلو من هواية الخيال والشطح وعالم الخرافة ودنيا الوهم والأساطير. وقد تعصب بعض أولئك وهؤلاء، فادّعى المنتصرون للماضي أن كل موروث نافع وكل مستحدث ضار بينما ذهب الفريق الثاني إلى أن المعتقدات والأديان تنتجها المشاعر والروح الجمعي والأوهام التي تلدها الثقافات البدائية فيلبسها الانتهازيون ثوب القداسة لاستعباد الأمم الضعيفة الجاهلة.

أمّا الفلسفة التي نريد إحيائها في العقول فهي الواقي والشافي والمعين على دفع ذلك التطرف الفكري وذلك التعصب الذي يقود الذهن إلى الإيمان بالتخلف أو عبادة المادة.  ويمضي "مظهر" ورفاقه يبصرون الرأي العام ويحذرون شبيبة المثقفين من التحزب والانتماء المذهبي المريض، مؤكداً أن التعصب جرثومة ممكن أن تتسلل إلى تراكيب الأدوية، كما أن ترياق الأفاعي يصنع منه العقار الشافي؛ فإذا كانت الفلسفة هي الحكمة العاقلة وميزان العقل فإن كل الفلاسفة غير مطبوعين بطابعها، فبعضهم ينحاز إلى بيئته وثقافته ومعتقده، فيتمذهب ويتطرف في عيون الأغيار. ومن ثمّ سوف يظل الدليل والبرهان والحجج المنطقية هى السبيل الأوحد للمفاضلة بين الأفكار والنظريات والمذاهب والأحزاب والاتجاهات. ويقول مظهر (لا أقصد من القول بأن المذهبية الاعتقادية تساوي الدين إلا أن الدين أظهر مظاهر المذهبية الاعتقادية أثراً في الجامعات الإنسانية. فإن المذاهب الفلسفية قد تبلغ في بعض الأحيان من الثبات في النفس مبلغ الدين، فتكون بطورها ديناً تضعف فيه صفة الاستمرار، وينضب من حوله معين القداسة على قدر ما. وكذلك المذهبية العلمية قد تصبح لدى ثابت الاعتقاد شيئاً أشبه بالدين. وكذلك الحال إذا بحثت شتى المذاهب في أية صورة ظهرت، فإنك ترى فيها من الدين شُّبه ولها به آصرة. غير أنك فضلاً عن كل هذا تجد أن أحط الجماعات البشرية المتدينة إنْ خلت من الاستمساك بأي شكل من أشكال المذهبية، فإنّها لن تخلو من مذهبية دينية. تلك المذهبية التي اتخذناها عنواناً على بقيّة الصور التي ينشئها المعتقد على مختلف ألوانه، وعلى شتى مناحيه ... لهذا تجد أن كل فكرة مهما كانت صبغتها إذا ما برزت لابسة ثوب المذهبي، فذلك دليل على قرب انهيارها، ونذير بأن ساعتها قد دقت وآن أوان زوالها قد آن).

وينتهي "مظهر" ورفاقه إلى ضرورة اتفاق المختلفين حول ثوابت المشروع ألا وهى صالح الأمة والحفاظ على مشخصاتها وهويتها المصرية التي جُبلت عليها مؤمنة بأن الله خير ومحبة، وأن الإيمان بوحيه يهدي إلى خير السبيل، وأن عدالته وقدره في خلق الإنسان حر في تفكيره واعتقاده وعمله وأن رسُله بعثوا للهداية، وأن العقل وصفاء السريرة آلية الوصول إلى الله، وأنّ الحياء والعفة صنوان لا يمكن التفريط فيهما، وأن الإخلاص في عشق الوطن عبادة محمودة لا تنافس عبوديتنا لله، وأن الجنوح عن المألوف جائز شريطة خضوعه في النهاية إلى سيوار العقل وعيقال التحرر من المتطرف الماجن واندفاع العنف وطمع الخائن.

والجدير بالإشارة أن الثلث الأول من القرن العشرين قد حفل بالطور الثاني من أطوار المناظرات، والمساجلات، والمثاقفات العقلية حول قضايا المجتمع المصري، وأسس نهضته، وثوابت مشروعه. وقد خلت جميع تلك المناظرات من العنف، وذلك على الرغم من اجتراء بعض المتصاولين وقدح المتخاصمين.

ومع ذلك أن مستوى الانحدار والراديكالية لا يقارن بما كنا عليه في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين. وحريُّ بنا أن نشيد أيضاً بتصريح قادة الرأي بأن مشروعنا الحضاري يحتاج إلى تدريب المتثاقفين على سنون النقد ليتمكن العقل الجمعي من المفاضلة بين الاتجاهات والآراء وتعقل الرؤى والأفكار المطروحة قبل قبولها أو رفضها. ويقول مظهر في ذلك (إنّ الفكرة التي يتكون من حولها حزب تظل عاملاً ارتقائياً قويّاً ما دامت منصرفة إلى المصالح العامة بعيدة عن أن تتأثر بالمصالح الفردية أو الذوات. وقد يتفق أن يحدث في الفكرة الأساسية تعديلاً لا شعورياً ينصرف في ناحية تكون نتائجها ضرراً لا نفعاً. فإنّ الجماعات لا تستطيع وهى في غمرة التحول والنشوء أن تدرك شيئاً ممّا سوف تجري إليها به خطأ النشوء السائرة فيها. ولو كان هذا في مستطاعتها لعدلت عن كثير في نظاماتها ولعدلت عن كثير من وجهاتها النظرية بمحض اختيارها. غير أن الجماعات لا تستطيع ذلك. وبهذا لا يمكن أن يتكهن إنسان بمصير حزب من الأحزاب أو بمصير أمة تقودها أحزاب مختلفة المبادئ. ذلك لأن الحكم على الآثار الاجتماعية مرهون على نتائج لا يشعر بها الناس إلا في المستقبل البعيد. والحكم على الحاضر حكم غير ثابت على كل حال. أمّا أظهر مظاهر الضّرر التي تُحدثها الأحزاب؛ فالتنابذ الشخصي.

وعلى هذا نرى أن الأحزاب نظام ضروري. غير أنه قد ينصرف عن الخير العام تحت تأثير ظروف خاصة. وبهذا لا يكون النظام الحزبي عنصراً ضرورياً للارتقاء إلا بشرط واحد، هو أن يكون أساسه الغيرية والانصراف إلى المصالح العامة على المصالح الخاصة مهما عظم شأن هذه ومهما ضؤل شأن تلك).

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصَّار

 

عدنان عويدالحاكميّة كمفهوم: هي رؤية سياسيّة سلفيّة، يعتقد دعاتها بأن العقيدة الإسلاميّة هي المصدر الوحيد للتشريع أو الحكم بين الناس، كونها هي القادرة على إعادة إصلاح هذه الأمة بعد أن فسد أمرها، وأن كل الأفكار والمبادئ والنظريات الوضعيّة، هي مجرد رؤى جاهليّة لا يقر بها الإسلام كنص مقدس، أو تشريع اقره الله.

عموماً، الحاكميّة مفهوم ملتبس في دلالاته المعرفيّة والعمليّة، إلا أنها في سياقها العام تقول: (لا حكم على الناس إلا حكم لله)، وكل حكم يقول به الناس غير الحكم الذي جاء به (القرآن) والرسول هو كفر وخروج عن الدين وتجاوز لحقوق الله.

أما قضيّة الالتباس في مفهوم الحاكميّة فقد جاءت لاعتبارات تتعلق  بطبيعة النص الدينيّ نفسه، وبخاصة في الآيات المتشابهات وموقف الإنسان نفسه من هذا النص الدينيّ، ودور مصالحه في تفسيره أو تأويله، أو حتى وضع بعض النصوص الدينيّة (الحديث) تمريراً أو تثبيتاً لهذه المصالح الدنيويّة. وإذا ما نظرنا إلى تلك المواقف الإنسانيّة تجاه النص الديني المقدس لوجدناها قد شكلت عوامل الالتباس في مفهوم الحاكميّة وتطبيقها عمليّاً على أرض الواقع، وبالتالي نستطيع الإشارة إلى أهمها هنا وهي:

أولاً: في حجة الوداع نزلت الآية القرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة 3)

ففي تفسير هذه الآية اختلف الكثير من رجال الدين وفقهائه حول دلالاتها، هل هذه الآية تقول بأن الإسلام قد اكتمل بما يدعو إليه من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخرة، ومن تأكيد للأخلاق الحميدة التي بشر بها الرسول وفقاً لتعاليم الإسلام التي يريدها الله لعباده، وهي أخلاق أو قيم العدل والمساواة والمحبة والتسامح وغير ذلك؟. أم أن الآية تقول بأن الإسلام كدين قد اكتمل وفقاً لهذه الآية كدين ودولة معاً؟. وهذا رأي طلاب السلطة في تاريخ الدول الإسلاميّة منذ صفين حتى اليوم. وخير من عبر عن هذا الموقف من الدين بعد سقوط الخلافة الإسلاميّة عام 1924 على يد كمال أتاتورك، هي تلك الأصوات التي ارتفعت في مصر تطالب بعودة الخلافة كما فعل رشد رضا وبعض رجال التيار السلفيّ الأزهري. وهناك من وقف ضد هذه الرغبة كما هو الحال مع الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي قال بأن الإسلام لم يتضمن مفهوم الدولة في متن نصوصه المقدسة، الأمر الذي كلفه رأيه هذا الكثير من المعاناة، حيث حُورب ، وفُصل من عمله. كما طرحه أيضاً (الإخوان المسلمون) كتنظيم سياسيّ، حيث جاء واضحاً في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وكذلك تيار القاعدة بكل فصائله ، وهو ما مثلته دولة الخلافة المعلن قيامها في سوريّة والعراق من قبل داعش والنصرة وكثير من الفصائل الإسلاميّة الجهاديّة في سورية أو غيرها.

ثانياً: إن مسألة الصراع على السلطة فتح في المجال واسعاً أمام شهوة طلابها كما أشرنا أعلاه، في الاشتغال على تفسير النص المقدس وتأويله ووضع الأحاديث التي تُرضي مصالحهم منذ بداية طرحها في تاريخ الدولة الإسلامية. وهذا ما أدخل الدين ذاته (العقيدة) وليس الحاكميّة فحسب، في إشكالات معرفيّة كثيرة منها إشكاليّة القضاء والقدر ما بين الجبريّة والقدريّة، وإشكاليّة مرتكب الكبيرة كافر هو أم مذنب، حيث قرر الخوارج كفره، وقال المعتزلة بأنه بين منزلتين، بينما المرجئة فقد ردوا أمر تحديد ذنبه في العقاب إلى يوم الحساب، أو هو زنديق على رأي الأشاعرة. كما ظهرت إشكاليّة الافتراء على الدين نفسه، عندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع معاوية، وراح من بعده الخلفاء الأمويون والعباسيون يفترون على الله نفسه، عندما قالوا بان الله هو من اختارهم خلفاء له في قيادة هذه الأمّة، وراحوا يفسرون الدين ومن ساعدهم من فقهاء ذاك الزمان بما يخدم مصالحهم، وليقيموا محاكم التفتيش، يكفرون من خلالها من يختلف معهم ويمنحون صكوك الغفران لمن يؤيد حكمهم. هذا إضافة إلى من قال ببطلان هذه الخلافة الأمويّة والعباسيّة كلها وهي خروج عن النص الديني الذي قال إن الخلافة أو الإمامة قررت بالوصيّة كما تقول شيعة عليّ ، أو بالإجماع والاختيار كما قال الخوارج. دون أن نغفل هنا ذاك الخلاف أيضاً بين من قال بأن الخلافة يجب ان تحصر بالبيت القرشي، وبين من قال هي حق لكل مسلم يمتلك صفات الوصول إليها حتى ولو كان عبداً حبشياً.(1)

ثالثاً: بعد ثلاثة قرون من الصراع على السلطة ومسألة الحاكميّة، وما تركه هذا الصراع من اختلافات لم ترحم المسلمين يوماً، لا من الناحية الفكريّة ولا العمليّة، حيث كُفر الكثير وزُندقوا لآرائهم الفكريّة أو الدينيّة، كما قتل الكثير وصلب، وقطعت الرؤوس والأوصال، وسالت الدماء وهدمت البيوت وشرد أهلها.

مع وصولنا إلى نهاية القرن الثالث للهجرة، ومع الركن الربع من أركان الفكر السلفي (أحمد بن حنبل)، الذي أوقف ومن جاء بعده من تلاميذه الاجتهاد، وحُدد صحيح الإسلام بمراجعه الأصليّة  التي حددها الشافعي وهي: (القرآن والحديث والقياس وإجماع أهل المدينة أو أهل الحل والعقد في تلك القرون الثلاثة). ومع إيقاف الاجتهاد أوقف دور العقل وحريّة الإرادة، كما أوقفت حركة التاريخ نحو الأمام، وأصبحت حركة تراجعيّة، حددت نقطة نهايتها القرن الثالث للهجرة. وبالتالي أصبح كل جديد بدعه وكل بدعه ضلالة.. وبذلك حددت نهاية التاريخ في مسألة الدين والدنيا معاً. وأصبحت الحاكميّة محكومة حتى هذا التاريخ بما قال به أنس بن مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وأخيراً من دَوَنَ الحديث في القرن الثالث للهجرة، كالبخاريّ ومسلم وإبن ماجه وأبو داوود وغيرهم من الذين اشتغلوا على جمع الحديث أو رويّه،  وخاصة من انطبقت عليه شروط الجرح والتعديل التي حددها أهل السنة بعد محنة ابن حنبل، بالنسبة لمسألة الثقة في أخلاق الراوي وانتمائه للبيت السلفي. كأبي حسن الأشعري، وأبي حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزيّة والقطني وغيرهم الكثير من فقها الخلافة الإسلاميّة، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والباز وغيرهم الكثير من رجال الدين السلفيين ومشايخه في تاريخينا المعاصر، الذي أنتج كل من يرفض الأخر ويكفره ويقول بالفرقة الناجية، كما أنتج كل تلك الفصائل الجهاديّة التي اتخذت من (القرآن والسيف)، أداتين أساسيتين لبناء خلافة الإسلام التي بشر بها الرسول محمد (ص). وفي مقدمة من راح يبشر في هذه الخلافة في تاريخنا المعاصر كما أشرنا أعلاه، (الإخوان المسلمون) وكل الفصائل التي تفرعت أو انشقت عنه ومنها القاعدة وتياراتها كداعش والنصرة وغيرهما.

رابعاً: من القضايا الإشكاليّة التي أثرت على مسألة الحاكميّة قضية من هو المؤمن؟. هل المؤمن هو من آمن بقلبه ولسانه فقط؟، أم هو من آمن بقلبه ولسانه وجوارحه؟. أي هو من ربط في إيمانه بين قلبه وعقله وعمله؟. لقد تحولت هذه المسألة إلى حالات صراع طويل في تاريخ الدولة الإسلاميّة لم يزل قائماً بين رجال الدين ومشايخه... صراع بين من يرفض استخدام العنف ضد المختلف، ويعتبر الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح، وبين من يقول بأن هذا الدين هو الدين الحق، وهو خاتم الديانات، وكل من لا يخضع لعقيدته وتعاليمه يعتبر كافراً، ويجب أن يقام عليه الحد كما فعلت داعش في سورية والعراق. وهذا يدفعنا أن ننتقل إلى قضية إشكاليّة أخرى وهي:

خامساً: اعتبار بعض رجال الدين السلفيين المتطرفين أن الإسلام فقط هو الدين الإسلاميّ الذي بشر به محمد (ص)، وما عداه دين كفر، حيث راحوا يفسرون هذه الآيات القرآنيّة التالية وفقاً لفهمهم ومصالحهم هم.(إن الدين عند الله الإسلام). (آل عمران – 19. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). (آل عمران- 85). وهم باقتصارهم الإسلام على الدين الإسلاميّ (المحمدي) فقط، قد تجاهلوا تلك الآيات التي تقرر أن المسلم هو كل من أسلم أمره لله وآمن بكتبه ورسله واليوم الآخرة ، وهذا ما تقرره الآيات التالية بصريح الدلالة وقطعها: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. ). (النمل – 29-30-31). ( ووصى ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون.). (البقرة – 132 ). وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: (توفني مسلماً والحقني بالصالحين). (يوسف – 101 ). (فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال مَنْ أنصاري إلى الله ؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا به وأشهد بأنا مسلمون.).(آل عمران – 52). وأخيرا لم تكن هذه الآية الكريمة التي جاءت مع حجة الوداع إلا تأكيداً على أن أتباع محمد ليسوا إلا مسلمين كغيرهم ممن أسلموا لله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لك الإسلام دينا.).(المائدة – 3 ).

إن قول الله عز وجل (ورضيت لكم الإسلام دينا)، تشير دلالتها إلى أن الإسلام دين قد طُرح قبل الرسالة المحمديّة، وقد جاء الرسول ليبشر به من جديد بما يتفق وخصوصيات عصره.

سادساً: وهنا تكمن إشكالية الحاكميّة الأكثر خطورة على الدين والمجتمع معاً، وهي قضية تحديد الناسخ والمنسوخ بين الآيات المكيات والمدنيات من جهة، وبين قضية اختيار الآيات التي على أساسها تتم عملية تفسير النص المقدس الذي سيأخذ به وبالتالي تطبيقه على الواقع من جهة ثانية. ففي الوقت الذي نجد فيه الآيات المكيات تدعو إلى المحبة والتسامح وأن الرسول ليس إلا مبشراً، وليس له سيطرة على أحد، وتحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر. نجد في المقابل الآيات المدنيات التي تدعوا إلى الجهاد، والقتل والصلب والتشفي بقتل العدو (الكافر). ودعاة الحاكميّة أمام اشكاليّة هذه الآيات المكيّة والمدنيّة، راحوا يقولون بأن هذه الآيات المدنيات قد نسخت الكثير من الآيات المكيات، فـ (الآية الخامسة من سورة (التوبة.) مثلاً وهي القائلة:( (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم)، قد نسخت برأيهم أكثر من (500) آية مكيّة من الآيات السابقة عليها التي  تدعوا المؤمنين إلى الصبر، والاكتفاء بدعوى الفكر، وعدم الابتداء بالقتال، وترك الناس وشؤونهم العقديّة، ورفض الإكراه في الدين.

من هنا نرى كيف مُورست الحاكميّة اليوم من قبل داعش في سوريّة والعراق، عبر محاسبة الناس وفقاً لتفسير أو تأويل النص الديني المقدس من قبل أهل الحل والعقد عندهم، ثم كيف حددت صفات الكافر أو المذنب، الذي مُورست بحقه عقوبة القتل أو الصلب أو الجلد. وهي أحكام لم تراع لا الحريّة في التعبير، ولا الاختلاف في الرأي، ولا الشورى أو الديمقراطيّة أو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سوى صلة مصالح أهل الحل والعقد من دعاة هذه الحاكميّة وفهمهم في تفسير النص المقدس الذي كلفوا أنفسهم هم وحدهم تفسيره وتطبيقه على العباد.

ملاك القول: إن الحاكميّة في رؤيتها وأدواتها وأهدافها، ليست أكثر من مواقف ارتجاليّة لشخصيات ركبت صهوة الدين وراحت تفسر النص المقدس وفقاً لمصالح خاصة بها، تحت ذريعة إقامة خلافة إسلاميّة موهومة باسم الحاكميّة لله، التي تريد تحقيق العدل والمساواة والمحبة، ونشر القيم الأخلاقيّة التي بشر بها الإسلام، للقضاء على عالم الجاهليّة والكفر، عالم الفساد والظلم وعدم المساواة. إنها حاكميّة قد حددت بداية التاريخ الإنسانيّ ونهايته في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى، وكل ما جاء بعدها بدعة وضلالة.. إنها حاكميّه وضعت نهاية للتاريخ الإنساني. بيد أن ما نراه من سلوكيات وممارسات اخلاقيّة للكثير من دعاتها اليوم  ينطبق عليه المثل الشعبي المصري الذي يقول: (أسمع كلامك يعجبني، أشوف عمايلك أستغرب.). أو قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ). الصف- 2 و3).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...........................

1- لمعرفة المزيد عن الصراع الذي دار على السلطة منذ السقيفة حتى تحولها إلى ملك عضوض. راجع كتاب: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين – أبي حسن الأشعري – تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد – الجزء الأول – المكتبة العصرية – بيروت – 1990.ص6 وما بعد.