محمد العباسيفي خضم المعاناة والويلات التي اجتاحت العالم من أقصاه إلى أدناه في الفترة الممتدة من بداية العام الفائت 2020 حتى يومنا هذا بسبب تفشي جائحة الـ "كوفيد 19"، اتخذت الكثير من الأمم إجراءات ومحاولات للحد من والسيطرة على تفشي الوباء، سواء عن طريق اللقاحات أو سن شروط الوقاية عبر منع الكثير من الأنشطة المجتمعية والسفر والتجمعات بكافة أشكالها سواء كانت عامة أو حتى عائلية، وفرض الالتزام بالتباعد الاجتماعي وارتداء الأقنعة الواقية.. وقد كُتِب في هذا الموضوع الكثير، منها التقارير والملاحظات السلبية والإيجابية، ومنها الإشادات والانتقادات النابعة من تأثير كل تلك الخطوات المتُخذة أصلاً لحماية المجتمعات من مصابها الجلل.. وهنا، عبر هذا المنبر الحر أود أن ألتفت إلى بعض الجوانب التي ربما لم تحظى كفايتها من التعليق.

لقد تبين لنا ونحن نعايش الحجر الصحي بسبب جائحة "الكورونا" (كوفيد 19) وتوابعها بأننا كنا نحرم الأمهات من القيام بواجباتهن الأمومية بفرضنا عليهن التواجد الدائم في أماكن العمل دون الحاجة الضرورية لتواجدهن الفعلي في كثير من أماكن العمل.. واكتشفنا بأنهن يمكنهن القيام بكثير من المهام الوظيفة من بيوتهن بشكل فعال ودون نقصان في الأداء والعطاء.. فهل حان الأوان أن ننظر لعمل المرأة بشكل عام من منظور جديد يواكب القدرة على التواصل والإنجاز عبر الشبكات العنكبوتية ونعيد للمرأة دورها الأهم في بناء المجتمع والأسرة ورعاية الأبناء إلى جانب عطائها في المجالات الوظيفة سواء كانت تلك نتيجة لرغبتها أو لحاجتها المادية لمساندة أسرتها في عصر المتطلبات الحياتية الحديثة؟

فلكم أن تتخيلوا معي النسبة المئوية التي ستوفرها المجتمعات في كافة مناحي دورة الحياة اليومية في حال بقاء أغلب النساء في بيوتهن والعمل عن بعد عبر الوسائل التقنية الحديثة المتاحة.. فمثلاً، يمكننا توفير حوالي 50% من المكاتب في أماكن العمل، ومن الحجرات والطاولات والأدوات المكتبية والمباني ومواقف السيارات، بل وحتى من الطاقات المهدورة من التكييف والإضاءة وفواتير الهواتف واستهلاك المياه والمشروبات الأخرى.. كل هذا ومن دون الإضرار بعطائهن وواجباتهن الوظيفية الروتينية اليومية.. في حين سنجد المرأة العاملة بشكل عام تقوم بواجباتها الأخرى نحو عائلتها وأبنائها إن كانت متزوجة وأم، بحيث سيكون عطائها مضاعفاً ودورها عظيماً في مجال الرعاية والحنان الذي ربما قضت سنوات طوال من حياتها العملية محرومة منها ومن حق أسرتها عليها.

تخيلوا معي كم سنوفر جميعاً من تخفيف زحمة الطرقات عند تقليص عدد السيارات كل صباح ومساء، وتوفير كميات الطاقة المهدرة من بنزين وتخفيض كميات التلوث بسبب عوادم السيارات، وعدد الحوادث والمخالفات والاختناقات المرورية، بل وحتى نسبة تخفيض الضغوط النفسية الناتجة عن القيادة اليومية لأماكن العمل والبحث عن المواقف عند أماكن العمل المزدحمة.. بل قد أتمادى قليلاً في تصور أن بقاء المرأة العاملة في منزلها سيؤدي بالضرورة إلى إنعاش الروح الأسرية وتنقية كثير من أجواء العلاقات التي ربما كانت تعانيها بسبب غياب المرأة عن بيتها طوال ساعات العمل، ومن ثم عودتها مرهقة، لتجد أنه متوقع منها الكثير في مجتمعاتنا التي لا تزال تطالب النساء بالقيام بواجباتها المنزلية دون نقصان، وفي أغلب الحالات دون تعاون مجدي من الأزواج، إلا في حالات نادرة!!

وطبعاً هذا الوضع ينطبق أيضاً على الكثير من المهام التي يؤديها الرجال، فكثير منهم يؤدون خدمات قد لا تحتاج بالضرورة التواجد الدائم في أماكن العمل.. وبالطبع نتوقع ذات النتائج الإيجابية والتوفيرية التي طرحناها في شأن المرأة.. لكنني أميل إلى صف الأمهات العاملات بشكل عام لأهمية دورهن العظيم في الدورة الحياتية والأسرية.

رغم أن تجربة العمل من المنزل صارت واقعاً في الظروف الراهنة، غير أن هنالك جوانب ربما لم تفلح الجهات المعنية في دراستها وتقييمها وممارستها بالشكل التام، حيث نجد بعض التخبط في تنفيذ التجربة بين جهة وأخرى.. فهنالك أفراد من النساء والرجال ممن قاموا بوظائفهم من منازلهم وعبر الشبكات العنكبوتية ووسائل التواصل الأخرى، غير أن هذه العملية قد تكون نتائجها عكسية في بعض الحالات.. فبعض ممن مارسوا هذه التجربة باتوا ينفرون الآن من فكرة انتهاء الحاجة للعمل عن بعد وفكرة العودة لأماكن العمل بدوام رسمي ويومي كالسابق.. وربما أيضاً أصاب نوع من الكسل والتكاسل الكثير منهم حتى أنهم باتوا يمارسون أدوارهم في أوقات غير مناسبة لتنفيذ مهامهم مما له أثر سلبي على تقديم بعض الخدمات في أوانها وبشكل يتناغم مع أقرانهم ممن يتواجدون في أماكن العمل كالمعتاد.. أي أنهم قد يكونون سبباً في ربكة ولخبطة في أداء الوظائف وتقديم الخدمات في سياقها المناسب.. أجل، إنها تجربة جديدة على الجميع، ومع كل جديد تنشأ معضلات جديدة لا بد من مواجهتها وتحليلها ودراستها وتقييمها على النحو الأمثل حتى تستقيم الأمور وتصبح ناجعة.

وفكرة الدراسة عن بعد أيضاً تبدو للوهلة الأولى في عصر الإنترنت جيدة وممكنة، ولكن هذه العملية وضعتنا نحن التربويين في خضم أزمة أخلاقية مقلقة.. فالشاهد من الوقائع أن الكثير من الطلبة في كافة المراحل الدراسية صاروا يستغلون الوضع بشكل سلبي وغير طبيعي.. فمثلاً، باتت الأمهات هن من تقمن بالواجبات الدراسية بدلاً من أطفالهن، من خلف شاشات التواصل.. بل وحتى الاختبارات والمهام الدراسية الأخرى صارت من صنع الأمهات وأحياناً من قبل أفراد الأسرة الأكبر سناً، حتى لم نعد نؤمن بأي من الواجبات الدراسية ولا العملية التعليمية بشكل عام!

والغريب في الأمر فرح الأهل بالنتائج المتحصل عليها وهي نتاج للغش والدلس وسوء الاستغلال.. فهل نثق بعد كل هذا في جيل كامل من الأبناء ممن لم يتعلموا بحق ولم تعد نتائجهم الدراسية وتحصيلهم العلمي تعكس الواقع؟   ربما المنفعة الأهم من العمل والدراسة عن بعد هي حماية المجتمع من ويلات وباء الجائحة "المقيتة"، وربما عمل المرأة عن بعد جعلها متواجدة مع أفراد أسرتها وبالأخص مع الصغار، وربما هنالك أمور إيجابية شتى كما أسلفنا، غير أن هنالك ممارسات غير صحية كثيرة قد تنتج من رحم هذه التجربة الجديدة على مجتمعاتنا التقليدية التي تفتقر للوعي السليم والمسئولية المتوقعة من مثل هذه الممارسات الحضارية في عالم الانفتاح الحضاري الراقي.

أجل، أنا مع الاحتكام لاستغلال الوسائط المتوفرة للتعلم عن بعد والعمل عبر شبكات التواصل المتوفرة من حيث المبدأ، لكنني أتوجس كثيراً عند النظر لبعض المخرجات السلبية النابعة من افتقار مجتمعاتنا لمستوى الوعي الحضاري المناسب للتعامل الأنسب مع هكذا تدابير.. ربما مثل هذه الإجراءات هي ضرورية لحماية المجتمعات من تفشي الأوبئة، ولكن سوء التعامل وعدم الالتزام الفعلي من قبل بعض الأفراد قد يؤديان لخلق الكثير من المشاكل الأخرى والنتائج العكسية والسلبية نتيجة لعدم الاستيعاب السليم لحاجتنا لمثل هذه الإجراءات الضرورية في غياب بدائل أخرى جاهزة ومدروسة.. ربما سيعلق البعض بأن العالم أجمع من شرقه إلى غربه لم يكن جاهزاً، وهذا واقع تكّشَف لنا دون مواربة، رغم أن العالم قد مر وعاني مراراً من تفشي الجوائح المميتة سابقاً.. فالجوائح كما الحروب، ويلات تكشف لنا أن البشرية لا تتعلم من تاريخها ومصائبها كما نتوقع ونرجو.. فهل ستتعلم الأجيال اللاحقة من تجاربنا اليوم وكوارثنا المتوالية عبر التاريخ ولا تنتظر وقوع الفأس بالرأس حتى تتخذ من الإجراءات قبل وقوع الشدائد؟   والأدهى حينما تكشف لنا الوقائع أن أغلب هذه الكوارث هي في الأساس من صنع البشر!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

قاسم جمعةافرادها من ورق تحسبهم، الا انهم ابطال. تعوم بيوتاتهم على صفيح كالقبور المسورة، لكنهم فرحى يلمهم عبق الطيب، وتحد تضاريس ارضهم كتل من البؤس. لكنهم يأتمرون بأمرالعشق فيطيعوا كائنهم الذي خلقوه!.

يستحيوا من الضيف حتى وان اقتضى الامر.. ابتلاع الحصى لكي يشبعوه. فهم بلا منازع كرماء في اي شي  تطلبه ايادي السؤال.حتى في الموت. مدينة الحطب اختلاف في اختلاف وتسمح به، لا اريد ان احول مدينتكم، لأسطورة، فكل ما هنالك اني اسكن بالقرب منهم، اسمع كل يوم حكاية لا يطيق سردها أمهر المؤرخين، كان منهم الصديق والقريب والاخ، لا اريد ان اطول بالحديث عنهم ادخل هناك واكتشف،

فمدينة الحطب يسرقها كل يوم سارق بأسم الله والعمائم تحرس كسر الخبز الحافي.

امي علمتني كثيرا، لكنها اهملت شيئا، لم اعرفه الا لحظة فراقها، ان الموت آت، والعوز يزيح الذاكرة فلا ذكريات وانت جائع ولا نجوى وانت خائف ولا امل بالساسة.

هكذا مرة سمعت (ام جاسم) تقول لي ...

يمة هذولة ما بيهم خير مدام اجو وياهم هذولاك! ..

فلم  تستدعى الانتخابات البرلمانية؟ ألكي تدشن عصر جديد،  يرفل حركة الشارع السياسي بدم اخر او  لربما يكرر ما هو سائد. ام انها ستفرز نفسا مغايرا لعفريت آخر يقبض ارواح الناس وهم فرحى !.

وهل تطمح الناس من وراء (تلطيخ) ايديهم باللون البنفسجي القاتم الى امل ينعش واقعهم البائس؟.

لكننا في مدينة الحطب غالبا ما نكون مصدر هذه النار (الديمقراطية) وكأن ابناء هذه (المدينة) سرقوا النار من يد المارد وبقى يلاحقهم،  لانهم قرروا ان يلوكو.. بوجعهم الحلم بالتغير. اللعنة ام التغيير الاحمق.! كلاهما يسيران بنا الى حطب موقد هناك.لمن هذه الدماء تسأل انت يا  ايها الشاكي،  ولم هذه الدموع فانتم حطب لي لكي تكوى اجسامكم بعد ما كنتم تسمعون عنها في التراتيل المقدسة، .

هكذا يمكن ان يغير نيتشه من مطرقة كتاباته ويسلخ ماركس جلد البيان الشيوعي لكي يفهمونا ما تريده مدينة الحطب. برومثيوس ازعل الاله عندما سرق منه النار، لكي ينقلنا نحن الى الحضارة ونكون منعمين بجذوة الدفء وحنين التقارب وتصار المدن وينعم بها الناس على اختلافهم ..ايكون التغيير مرتبطا بلعنة !

لا دين يفرق ولا سياسة تنتهك الحب ولا مرتزقة تقتل بنشوة التشفي.ولا النساء ولا الرجال ينتابهم الفزع من كائن يتربص الزمن لكي يشتت حلم التقارب وحفلة عرس الدم ..

العيد تحول في مدينة الحطب الى طقس عنيف والضحايا قرابين لترضي اله احمق يسكن بعيدا، تلاحمت الأجساد وصارت اضحية موحدة للهويات ...

الموت لا ينتعش الا بقتل الأبرياء. ولا يدوم الا بحرق مدينة الحطب ...

مدينة الحطب يتسمى بها طورا الطغاة، وتفرح المدن الأخرى لحزنهم، اليس غريبا ان يكونوا مصدرا للنار ومن بينهم يسكن من يحب الغريب ويهون عليه السهر على راحته وهم فوق ذلك يملؤهم الحزن.اليس غريبا ان من  يملك هويتهم لا يملك سوى الاكتناز وحب السير حافيا في ارض الخراب . لكن اليس مقبولا بعرف القتلة ان تكون الاضاحي، الا من مدينة الحطب .فهم منذ عرفت مع غاليلوا انها تدور!.. اكتشفت انها لابد ان تدور حول الموت، فلا مدينة بلا حطب، ولا حطب بدون موقد يديم دورتها.! أيمكن للمدن او للحضارات ان تقام بلا حطب ؟.والحرب لماذا تقام في المدن؟. لأننا يا صديقي لم نعد نملك المدن، وكل الحكايات المسروقة عنها، باتت تفضح ذاكرتنا الثقافية.عليكم ان تحرسوا بوابات المدينة،  فالعفريت لا يزال طليقا.

ان تترك خير لك من ان تبقى مراوحا، لان بين الحب والكره اقل من ثانية للتوحش. ضجر ناسها تفرق وصار همهم ميسي هل سيعتزل اللعب!.

ومن يتقن اللعب في مدينة الحطب سيبقى حاملا لراية الامتثال. فلا دار تسكنها ولا مكان يداوي وجعك والأفواه اكلتها الارانب!.عليك ان تكون في قافلة الموتى لان اليوم اعلن عرسهم.وما دام الذي هناك يملأ كرشه الانتخابي، بأصابع بنفسجية، فكل منكم سيرد حوض الكذب وسفن  النفاق، لكني سأراقب الفجر، عله يطيح بظلام تأبد.. وسأعلم اولاد المدينة،  ان يرموا كتاب الجمهورية لأفلاطون، في اقرب محرقة وعلى سكانها الا يكونوا دمى  في اتون مدينة الحطب وخطابات موقدي الحطب.

 

د. قاسم جمعة

 

 

سامي عبد العاللعلَّنا نُلاحظ أنَّ أمريكا (كقارةٍ من السياسة والثقافة والصراعات) قد سعتْ إلى امتلاكِ ميراث اللوغوس اليوناني (أي ميراث الكلمة والقانون الحاكم لكلِّ الاشياء) مُروراً بصياغة أوروبا اليهودية والمسيحية له. أمريكا دولة كانت ومازالت تحاول استعارته من التاريخ، ليتخطى مياه المحيط الأطلسي(واضعةً إياه) بجوار تمثال الحرية وحول برجي التجارة العالمية (وحافظةً له) بجانب أكثر ترسانات العالم الحربية تدميراً، (وممارسةً لدلالته) عبر العيون الإلكترونية التي تُراقب كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من خريطةِ العالم. ذلك ليُحلّق بدوره مع الأقمار الصناعية وليستكشفَ مجهول الأكوان والطبيعة وليمرُق مع الحملات العسكرية والهيئات الدولية التي تهيمن عليها أمريكا.

وَجهُ الطرافة أنَّ الميراث ليس يمتثل فلسفياً لأصحابه الجدُد في غالب الأحيان إلاَّ بضروبٍ من السخرية الماكرة. لأنَّ الفلسفة في هذا الاتجاه بمثابة القدرة الفكرية الفذة على كشف التناقضات بين الموروثات واعادة تشغيلها في واقعٍ آخر، وهي التي تمهد لأفكارٍ من قبيل كيف نرث المفاهيم وبأي معنى سيكون وضعها الثقافي من الحياة والتاريخ. والسخرية المشار إليها ستعري جوانب استعمال الموروثات من جهة الطرائق والأشكال المختلفة عما كانت عليه. فهل يمكن تنشيط اللوغوس بدلالاته الفلسفية واللاهوتية والسياسية ضمن مساحةٍ معاصرة من الحياة؟ هل سيتحول اللوغوسُ إلى أداة قوة وهيمنة على نطاق عام بعدما كان صورةً للحكمة والقداسة؟ هل ثمة دلالة للوغوس سيأخذها سياسياً حين أصبح برجماتياً كما في الثقافة الأمريكية؟

ميراث اللوغوس

دون ريبٍ تعد المعطيات الحضارية الراهنة جديدةً، بل وغريبة على اللوغوس (اليوناني والوسيط)، دوماً أمريكا كانت تعتبر نفسها أرض اللوغوس العجيبة حتى غدت مسكونة به طوال الوقت. وتاريخياً كانت تجلب إليها كإمبراطورية من الأحلام كبار الفلاسفة ( يورجين هابرماس،  جورج جادامر، حنا أرندت، هربرت ماركيوز، نيقولاي هارتمان، فرانسو ليوتار، جان بودريار، جوليا كريستيفا، جاك دريدا، لاكو لابارت، بول فيريليو...)، هؤلاء جميعاً ابناء اللوغوس الفلسفي وكذلك جلبت إليها كبار العلماء (ألبرت أينشتين وروزرفورد وجيمس جينز وماكس بلانك وأرثر إدنجتون وستيقن هوكنج...) وهم ابناء اللوغوس العلمي. وبخلاف هؤلاء وأولئك سعت أمريكا إلى الاحتفاظ بالنصوص الأولى وحتى النسخ المشوهة والأوليةdrafts  والمدونات الأساسية scripts للكتاب والأدباء والمثقفين الكبار في العالم كله. وامريكا بذلك تؤكد أنها (ذاكرة لوغوسية كونية) من نوع قاري عولمي يوازي قدرات اللوغوس الذي كان يحكم الكل ويعطيه تراتبه قي تاريخ العالم القديم والحديث.

ولم تكتف أمريكا بذلك، بل أرادت أنْ تكون دولةَ الاستثناء والأحلام الأولى في التاريخ وأنْ تغدو صانعةً لهذا الميراث لا مجرد فاعل مشارك في أحداثه. ومع اللوغوس أرادت أمريكا أخذ اشباح وأطياف الامبراطوريات الكبرى في التاريخ الغربي والشرقي على السواء. فليس هناك من ميراث للوغوس لا يمر بمحاولات الهيمنة السياسية التي شغلت القادة والدول والمجتمعات منذ قديم الزمان (من الإسكندر الأكبر حتى هتلر مروراً بجنكيز خان والحملات الصليبية وجيوش الفتوحات الإسلامية).

لنرجع الآن حفرياً إلى معنى اللوغوسLogos ، ثم لنعرف ماذا حدث عندما تم أمركته Americanization وجرى تعميده في اللاهوت السياسي المعاصر. اللوغوس (مثلما سبقت الإشارة) لفظ يوناني يعني الكلمة أو العقل أو القانون، أي القانون الذي يعيش الكل وفقاً لوجوده ودلالته، هو درجة التناغم الكوني البشري الذي يحقق الإتساق والمعنى للأشياء والأفعال. فهو عند أفلاطون وأرسطو قانون الوجود وأحد المبادئ المنطقية الأساسية. وكان هيراقليطس Heraclitus أبرز من استخدم مفهوم اللوغوس في الفلسفة اليونانية بصدد (التغير والصيرورة). جعل من اللوغوس المُنظمَ لكل الأشياء والأساس والمبدأ الذي تتم به عملية التغير والسيلان؛ اللوغوس عند هيراقليطس هو القانون العام الذي يسير عليه الوجود في تغيره من ضد إلى ضد، وهو الشيء الوحيد الثابت في هذا الوجود الدائم السيلان والتغير وهو النار. وحد هيراقليطس بين اللوغوس ومبدأ الوجود (النار)، فالنار كما اللوغوس هي القانون والتغير وتعدد الأشياء في هذا العالم. يقول هرقليطس:" كل القوانين الإنسانية تتغذى من قانون إلهي واحد: لأن هذا يسود كل من يريد، ويكفي للكل، ويسيطر على الكل".

سارَ الرواقيون في الاتجاه نفسه، فذهبوا إلى أنَّ العالم جسم حي له نفس حارة هي نفس عاقلة تربط أجزاءه وتؤلف بينها، فالنار هي المبدأ الفاعل الذي سبق وجوده وجود أي شيء ومنه توالدت جميع الموجودات، فحرارة النار انتشرت في الماء مولدة بذرة مركزية، وهذه البذرة هي قانون "لوغوس" أي أنها تحوي جميع الأشياء وجميع بذور الأحياء، وقد كانت هذه البذور كامنة داخل بعضها بعضاً داخل اللوغوس، انبثقت منه دفعة واحدة ثم أخذت تخرج من بعضها شيئاً فشيئاً وتُكون الموجودات في العالم، وماتزال تخرج بقانون ضروري ليس فيه مجال للمصادفة، فنظام الطبيعة يدل على أنها ليست وليدة الاتفاق ولا الضرورة العمياء بل الضرورة العاقلة، وكل ما يحدث هو مطابق للطبيعة الكلية، والعالم إلهي بالنار التي هي العلة الأولى والوحيدة في وجوده، فهي عقل كلي وقانون عام وضرورة وقدر، فهي اللوغوس الذي يحفظ النظام والعناية في العالم، والعقل الكلي الذي يدبر العالم ويحركه.

ثمَّ ظهر معنى اللوغوس بنوع من الاختلاف في اليهودية عند فيلون السكندري (أو إيديدا كما ورد إسمه باللغة العبرية) الذي عَدَّه أول القوى الصادرة عن الله، وأنَّه محل الصور والأشكال والرسوم، والنموذج الأول لكل الأشياء. اللوغوس قوة باطنة تحيي الأشياء وتربط بينها. وهو يتدخل في تكوين العالم، لكنه ليس خالقاً بمعناه الإلهي. فقط بمثابة الوسيط بين الله والناس، وهو الذي يرشد بني الإنسان ويمكنهم من الارتفاع إلى رؤية الله. ولكن دوره هو دائماً دور الوسيط.

أمَّا في المسيحية، فمن بين اسفار الكتاب المقدس، هناك " سفر الحكمة لسليمان" حيث يصف فيه صاحبه الحكمة بأنها بالقرب من الله أو عند الله تشاركه عرشه الإلهي وأنها صادرة عن مجده، وتساعده في عملية الخلق، وتسري في كل الأشياء وتحقق وحدة العالم. ويمكن أن تتصل بمن من البشر مستعدين لتلقيها، لتقدس أرواحهم وتؤمّن لها الخلود عند الله: وهذه الحكمة تسمى في عدة مواضع باسم " اللوغوس"، وهذا اللوغوس (الكلمة) الذي فيه جعل إله إسرائيل، رب الرحمة، جميع الأشياء. وبه نجى شعب إسرائيل وسينجّي كل النفوس التي تتلقاه.

بينما يستهل يوحنا (الإنجيل الرابع) المنسوب إليه، بالحديث عن (الكلمة Logos): "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، والله هو الكلمة، به كل شيء كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان". وجاء في خاتمة رسالته الأولى وفي الرؤيا المنسوبة إليه أيضاً أن هذا اللوغوس أو الكلمة، هو الذي كان قبل خلق الكون، كان عند الله، وهو هو الله، وهذا اللوغوس أو الكلمة، تجسد، أي اتخذ جسداً، وحلّ بين الناس، فكشف لهم حقيقة النجاة (الخلاص) وبث فيهم الحياة الخالدة، مُمكنا لهم من أن يصيروا أبناء الله. وبالجملة: أنه يسوع المسيح ابن الرب. وهذا اللوغوس، عند القديس يوحنا، لا يماثل تماماً الحكمة في سفر الحكمة، ولا اللوغوس عند فيلون والأفلاطونية المحدثة، لأنَّه عند يوحنا هو الله نفسه، وليس قوة تابعةً لله كما هي الحال عند فيلون اليهودي.

أبرز التحولات

قبل أنْ يعبر اللوغوس إلى عصورنا الراهنة أخضعه التحديث الأوروبي لعمليات تصفية وغربلة متعددة الجوانب:

أولاً: تصفية فلسفية: حيث نُزع الطابع اللاهوتي عن اللوغوس ليتم إدماجه في رؤى الحياة والعالم. وهو ما يعني كيفية تحويله (إنْ صح التعبير) إلى لوغوس علماني secular logos لا يسند الكل إلى قوى فوق طبيعية، لكنه يعطي الإنسان أولوية الحياة والفكر. ولا يهدف إلى إلحاق الاشياء والبشر والمفاهيم بأصول ميتافيزيقية بقدر ما يجعلها مألوفة وقابلة للتشكيل الإنساني الدنيوي. وهو ما يعرف بإقامة الحياة الإنسانية على أسس فهم الطبيعة كما هي وإقامة مجتمع حر ومستقل يجمع المواطنين على صعيد واحد من العدالة والمساوة.

ثانياً: تصفية معرفية: ذهبت الحداثة إلى نزع الأسطرة عن العالم والكائنات وجرى اعتبارها مجرد سياقات معرفية يمكن سبر اغوارها واكتشاف قوانين علمية وطبيعية تفسر الظواهر الناجمة عنها. وكان العلم ومناهجة أكبر الأطر التي جعلّت من اللوغوس نظاماً معرفياً قابلاً للتجريب وإعادة صياغة دلالته في صور تجريبيةٍ وتقنيةٍ لم تكم معروفة.

ثالثاً: تصفية سياسية: وهي عملية غربلة لكل ما يعود بالمجتمعات إلى عصور الاستبداد والانحطاط، لان مفهوم اللوغوس مفهوم هيمنة وتحكم، ولذلك كان رد الفعل تأسيس مفاهيم الدولة والإرادة العامة والحرية والليبرالية. ولم يكن السياسي ليتحكم في أي شيء بقدر ما تخول له الحرية بالنسبة للمواطنين جميعاً ذلك الأمر. علما بأنه يأتي أيضاً كسياسي بناء على الممارسة العامة المُتاحة للجميع دون تفرقةٍ.

رابعاً: تصفية لاهوتية: نزع تملك الدين من فكرة الكل باسم حاكمٍ أو مؤسسة أو كهنوت أو رجال دين أو مرجعيةٍ، لكي يكون مرهونا بالإيمان الحر. وغدا التدين مما يليق بالإنسان أو لا يليق به بحسب التكوين الثقافي للمجتمعات. فليس مُمكناً استعمال اللوغوس بظلاله اللاهوتية في المجتمعات الليبرالية على سبيل المثال دون أنْ يتعارض مع قيم الحرية  وتنوعها.

جميع هذه التصفيات عبرت خلال مياه المحيط الأطلسي إلى القارة الأمريكية، لكنها اختلطب بطابع ثقافتها البرجماتية العملية. فلقد غدا اللوغوس لوغوساً سياسياً برجماتياً pragmatic political logos قيد التوظيف والاستثمار، أي لم يكن إلا لوغوساً(انتهازياً – عملياً- اقتصادياً رأسمالياً). فالسياسة لدى الفكر الأمريكي وسيلة لتحقيق المنافع والمصالح وتوسيع دائرة الخطط المستقبلية. وليس التحول هنا داخل المجتمع بأكثر منه بالنسبة للسياسات الأمريكية في العالم الخارجي. والناس يعتقدون أن تكويناً سياسياً بعينه هو عصر زائل إلى غير رجعة، وهذا غير صحيح بالمرة. فإذا كان اللوغوس اليوناني بنيةَ تجميع للأشياء ونداء صامتاً حول الكل، فلدى السياسة الأمريكية يغدو بذرة تفريق وتشتيت وفوضى خلاقة كما حدث بالعراق وبدول الربيع العربي.

وأحياناً أخرى كان اللوغوس الأمريكي  American logos لوغوس سياسة في المقام الأول بمعناها المفتوح والمرن والقابل للتغير والتحول والتقلب والتوليف. وكانت تلك الخطوة من الخطورة بمكان لدرجة أنها أمست بمثابة الانحراف الأبرز في اللوغوس اليوناني الأوروبي بجذوره الوجودية الميتافيزيقية. وكانَ مطلُّوباً من كل رئيس أمريكي إيجاد الصيغة التركيبية التي تتحدد على أثرها إدارة الحياة وعلاقات دولته الامبراطورية بالعالم. من ثمَّ لجأت امريكا في إدارة الأحداث المحلية والدولية إلى تفكيك وتركيب العناصر وفقاً لمصالحها وأهدافها.

أمريكا طوال تاريخها تتهرب من ماضٍ ليس يبعد عنها إلاَّ بضع خطوات، ماضي التكوين الفيروسي والاستعماري القائم على فرض الأمر الواقع والاستباق إلى النتائج. ولذلك كان التحسب من القادم في تاريخها أكبر من جميع الأزمنة الماضية. وهذا طابع المخاطرة دوماً التي تعيشها أمريكا من مرحلة لأخرى: أنها تفتح المجتمعات على مجهول يحمله رأس رئيس ملفوف بالغموض. ولا يعرف الرأس (حاكم البيت الأبيض ومعاونوه) كيف يدير القوة الأكثر سطوة وهيمنة في العالم. ولذلك تنتشر المؤسسات السياسية والبحثية وبيوتات الخبرة وصناعة الوعي هنا أو هناك في جميع جوانب الدولة الأمريكية. وعادةً ما يعيد الرئيس الجديد حالة المخاطرة إلى نقطة الصفر. لأنَّ الأوضاع السياسية تحتاج خبرةً قد لا تعالجها الأيام والسنون.

الكاوبوي- اللوغوس

تاريخياً يتجسد معنى الكاوبوي في صور سياسية رمزية، سواء أكانت أشخاصاً أم أفعالاً أم سياسات معينة. على سبيل المثال كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجسيداً حياً لتلك الحالة. لقد كان انفراد ترامب بالسلطة والإدارة الأمريكية انفراداً بلعبة المراهنات على الاحتمال البعيد لهذا المعنى. وهو احتمال كشف كل التحورات التي طرأت على اللوغوس عندما دخل الثقافة الأمريكية بجميع تعقيداتها العملية. وفي حياة الأمم وبخاصة أمريكا (القارة – الأسطورة)، أحياناً تصبح أبسطُ العمليات السياسية مثل " الانتخابات الرئاسية " أعمق تأثيراً مما نتوقَّع.

لأنَّها تحددُ الآفاق المتصارعة للعلاقات والأفكار والأشخاص على المدى البعيد. ولربما تؤكد هذه العملية اختيارات معينة يترقبها المتابعون، حيث تتبلور يومياً كأنَّها عملية سياسية في مواجهة شاملة مع كل عمليات وقضايا سواها. ورغم أنَّ الاختيارات الانتخابية مجرد بدائل في سلسلة من الممارسات العامة، لكنها تتسابق على تقريب إحساسنا بالخطر النيتشوي، أي " العيش في خطر" دائم حتى اللحظة الفاصلة. لا لشيء إلاَّ لأنَّها تخنق صور الواقع لدينا، تعرضها للتهديد إذ تقتحم ما نمتلكه من أشياء مألوفةٍ في الحياة المشتركة.

كان يثار التساؤل التالي بصدد ترشح دونالد ترامب أمام هيلاري كلينتون: ماذا لوكان الاختيار الفائز هو الأخطر؟ ومن أين ينبع الخطر في حالة ترامب لو كان هو الفائز كما حدث؟ ولئن كان الأمر كذلك إجمالاً، فلماذا تأتي الصدمة ذات طابع تاريخي نتيجة اختيارٍ سياسي ما؟ إن طبيعة الاختيار ترتبط بالاحتمال غير المتوقع متى عمدنا إلى استبعاده. ذلك بالضبط ما راهن الاعلام والسياسيون عليه في الانتخابات الأمريكية التي كان ترامب أحد أطرافها. عندما توقعوا فوز المرشحة هيلاري كلينتون آنذاك. لكن بقدر رمي التوقعات في اتجاه ما بقدر ما كانت المفاجأة الآتية من الاتجاه المستبعد أكثر دلالةً.

دلالتها أنها تستند إلى معطيات برجماتية خاصة بتكوين الثقافة الأمريكية لم يدرك طبيعتها معظم الناس. وإذا أقصيت في حالة أو أخرى، فسرعان ما تتجلى خلال حالة غائبةٍ قد كسبت الرهان. وربما جاء نمط الرئيس (الرأسمالي الكاوبوي capitalist   cowboy) المنتخب هو الأقرب إليها. لأنَّ نمط الرئيس لم يكن نمطاً اقتصادياً فقط، بل كان بنية خفية قابلة للتحول وراء الوقائع والظواهر الطافية على السطح. وقد كان ترامب كذلك بالفعل هو الصورة الأخيرة لا النهائية لبطل من الكاوبوي السياسي باسم اللوغوس في حقبته الأمريكية.

من هنا لم يكن فوز دونالد ترامب (الرئيس الكارثة كما قيل في حينه!!) عملاً اجرائياً، لكنه كان حالة خلخلت المجتمع الأمريكي واتسقت بالوقت نفسه مع تاريخه الذي لم يُرد احدهم الاعتراف به. حيث طّفحت رواسب الثقافة العميقة الخاصة بالبرجماتية فوق سطح الأحداث السياسية. أشار المُعلقون إلى أنَّ المجتمع لن يستطيع تفادى تلك النتيجة الخطيرة: خروج القرارات والأفكار مغلفةً بالانتهازية والخفة واللامسئولية. كان السؤال المُلّح حينذاك: كيف سيجري الوضع عقب تعرية وتسليخ وتفتيت الصورة العاكسة للسياسة والنظام الاجتماعي لأمريكا؟! فالرئيس الأمريكي المنتخب ظهر كرجل الغاب الذي دخل قصراً من المرايا العاكسة والقوارير والانتيكات ودمى أعياد الميلاد والديكورات الرقيقة والرفيعة.

ماذا سيفعل الرئيس الكاوبوي عندئذ غير التكسير والتحطيم والتهشيم واحداث الفوضى؟ لقد كان ترمب في مناظراته(كما رأينا في فوزه الأول أمام هيلاري كلينتون وخسارته الثانية أمام جو بايدن) قناصاً انتهازياً للفرص المتاحة وغير المتاحة. وأحدث برسائله شروخاً أعمق مما أراد بين الفرقاء السياسيين، لأن خطاباته العامة كم ضربت الأوتار والأعصبة الحية للأعراق والقوميات المغطاة بغطاء ثقافي يومي ما.

لدرجة أنه بعد اعلان النتيجة أمام هيلاري كلينتون أُطلقت صيحات الأمل لرتق الانقسام بين الناخبين والمشاركين السياسيين وهو ما تكرر بعد هزيمته أمام جو بايدن. وحاول المحللون ورجال السياسة اعتبار ترامب مرحلة عابرة، ثم سرعان ما ستعود الأمور إلى أمسها القريب. ولكن اتساقاً مع فكرة اللوغوس، يبدو أنَّ التاريخ أشباحٌ لا تفتأ تختفي حتى تظهر على التتابع. لأول وهلة قد يستدير التاريخ ماثلاً أمام المجتمع الذي أنتجه وكان ثقافة حاكمة للوعي بالحقائق والحياة. وهنا ليست المفاجأة في كون ترامباً هو القادم فقط حين تم انتخابه، لكن كيف جاء رئيس بمواصفات ثقافية تلخص تاريخاً أمريكياً دون زيادة ولا نقصان؟!

إنَّ فوزاً لرجل بمواصفات دونالد ترامب يستطيع تفجير القشور التي يتغطى بها أي مجتمع. وبإمكانه إحياء ذاكرة قديمة مرتبطة بتشكل قارة المغامرات والصراع والحروب. والمدهش أن نفس القوة التي أسهمت في صياغة الحياة الأمريكية كانت هي الخيول الجديدة التي وصل بها ترامب إلى البيت الأبيض. أقصد قوة الرأسمال الطلق والمفتوح بلا حدود ولا قيود ولا قيم ولا محاذير. ألم يكن ترامب نموذجاً لملياردير كاوبوي متنوع الثروات والشركات والعقارات؟! وكان هو القادر أيضاً على حسم الصفقات السياسية كما يحسم صفقات تجارية مربحة؟ لكن مع أي طرف كان يعقد ترامب الصفقات السياسية؟  لقد عقدها هذه المرة مع ماهية أمريكا ذاتها على حساب كل أشكال الديمقراطية!!

فإذا كان الكاوبوي القديم يسابق الريح ويقتل الأعداء ممتطياً الأحصنة وقطارات الفحم ومدمراً الأبنية والمركبات، فالرئيس جاء بالوسيلة عينها. رأسمالية الكاو بوي هي المفاجأة التي كانت مطرقة الدهشة وراء انتصاره الذي مثل المفاجأة. ذلك بكل ما يرتبط بالرأسمال من مظاهر ثقافية طاحنة للمنافسين وكاشفة لطبيعة العلاقات واستعراضية الافعال لاعبةً على طبائع الشعوب وغرائزها وأسواقها. الكابوي المعاصر هو الذي تغير فقط ليُحلِّق في الفضاء ويعبر البحار والمحيطات ويطارد هنود العالم الجدد في كل مكان. هذا معناه أنه أينما يخطو (الكاوبوي اللوغوس) كان يصنع هنوده الملاحقين عن قصد هنا أو هناك.

تردد أثناء حقبة دونالد ترامب أن هناك تهديدات للمسلمين وبعض المهاجرين الشرقيين في أمريكا. تشمل بعض التهديدات دعوة مبطنة لمغادرتهم البلاد تاركين تاريخهم القديم. وتشمل أيضاً تصفية الكيانات المهاجرة إذ ليس لهم (الحق) في التمتع بامتيازات الدولة الأمريكية. ونحن نعرف أن الوجه المقلوب للدعوة هو أولوية الرجل الأبيض ومركزية مصالحه على كافة المصالح الأخرى. والتطهير العرقي الذي مازال سارياً بين التشققات الاجتماعية ومظاهر الأجساد واختلافات الأصول. كما أن ثمة أصلاً ما في أمريكا كان يُراد له الغلبة، وأنَّ ثمة انحيازاً  لنمطٍ معين من الوجود دون سواه.

هل كان سيتحول الفضاء الأمريكي إلى عمليات كر وفر عرقي وديني مرة أخرى؟ لقد نجح ترامب ليس فقط أمام الرأي العام العالمي بأكثر الديمقراطيات انفتاحاً، لكنه كان مثالاً لاستنفار ثقافي ولوغوسي من نوعٍ ما. وهو يعيد إلى الأذهان صراعاً تاريخياً بين الرجل الأبيض الأوروبي والسكان الأصليين. فاللوغوس الأوروبي كان هو أصل الرجل الأبيض، إنه اللوغوس العرقي الغارق في الأصول اليونانية المسيحية، وقد تحول إلى وسيلة استثمارية تجرها الرأسمالية العابرة للقارات.

السكان الأصليون مصطلح ينسحب على سكان القارة الأمريكية وعلى سكان قارات العولمة بالمثل. ففي الجانبين هناك لاعب يستفرد بمجموعات من البشر تتلاعب بهم إرادة غامضة اسمها النظام الأمريكي بكل عتاده الإقتصادي والعسكري. وهاهم من حين لآخر يشعرون بضيق الآفاق وصراعها حتى النهاية. ليس مصادفة القول بأن أمريكا آخر الحضارات العظيمة كما كان يروج فرنسيس فوكوياما وصمويل هنتنجيتون. الأول في كتابه "نهاية التاريخ وخاتم البشر" والثاني كتابه " صدام الحضارات". وأنه لن يبلغ أمريكا مجتمع آخر مهما استطاع من احراز قصب السبق والتحضر. وهذه الحضارة – كما يُزعم- هي المرحلة الناضجة نتيجة البذرة الأولى للآباء المؤسسيين للأمة الأمريكية. وما الرأسمالية العالمية التي يستنكرها البعض إلاَّ نوع من اكتمال ماهيتها عملياً من خلال القوة الاقتصادية الجبارة لتلك الحضارة!!

بناء على ذلك فإن الأسواق ليست مرحلة، لكنها الطاقة الاستهلاكية القصوى لجميع الامكانيات. إن الاقتصاد السياسي الذي يبنى عليها يمثل ظاهرة التضخم إلى حد الانفجار في وجه كل ما يقابله. وللأسف لن يوجد انفجار بلا خسائر. فرأس المال دوماً يجعل الآخرين بجميع صورهم وقوداً لاحتراقه. وذلك أنه لا ينتج مزيداً من نفوذه إلاَّ بهذا الإحراق السياسي والإنساني للرغبات. سواء أكانت مشبعة أم جائعة للمزيد والمزيد. لهذا لو كان اللوغوس الأمريكي حاضراً بقوته فهو بائع اقتصادي عابر للحدود والقارات. لقد دخل اللوغوس الكاوبوي في الأطعمة والماركات التي تنتجها الصناعة الأمريكية ثقافياً وتجارياً.

إن أمريكا هي البلد الوحيد تقريباً الذي يعيش على هذه الحافة نحو الصعود أو الانهيار. لأنها تمتطي مغامرة وجود أنْ تكون أو لا تكون. وهي استراتيجية دونالد ترامب (مثلما يفعل أي رئيس أمريكي) في خوضه لأدنى ممارسة سياسية نجح بها. وجميع رؤساء أمريكا كانوا على ذات الدرب الممتد وراء الجبال والسهوب والبراري والشركات والهيئات الدولية والأساطيل والمؤامرات والصراعات الحربية. حيث ساحات المطاردة لأشباح الأعداء واللصوص والشياطين. أمريكا الدولة الوحيدة أيضاً في العالم وربما في التاريخ التي تعتبر أن عملية (خلق العدو والاستثمار فيها) أهم من عمليات الانتاج. لأنَّ الأولى هي التي تفتح لها مخازن ومناجم وآبار الانتاج بكل صنوفها. وهي التي ستحقق حالة الاتحاد للأمة الأمريكية وستجددها في مواجهة الأغيار مهما يكونوا. حالة كانت ومازالت تحتاج دوماً إلى عدو خارج ذاتها. لكن ماذا لو جاء العدو من داخلها بالصيغة التي سهرت على تكوينها؟

بالنسبة لقارة أمريكا كانت تربتها الثقافية مزرعة تاريخية لصنف من البشر لا يعبأ بالمشكلات الإثنية والعقائدية. لأن القضاء عليها (إذا كانت هناك إرادة مخلصة لذلك) سيفترض أن يأتي من الجذور بحسم المعارك الوجودية بين البشر. فإما أن يتم ترك المكان فارغاً للأوروبي القادم وإما فالمصير هو قتالٌّ حتى آخر نقطة دم. وهناك الملايين من السكان الأصليين وقعوا ضحايا هذا التصور. هل ينشّط رؤساء أخر الزمان الأمريكي هذا التطهير الوجودي؟

طبعاً طالما وُجدَ نموذج كان سائداً في الثقافة الأمريكية، فلم يكن ليغب تأثيره عن أكبر الاستعراضات عمومية. فأمريكا بلد الاستعراض العولمي للرجل الأبيض على خريطة العالم. فأحيانا تتحول إلى مساحة جيوسياسة ضيقة جداً كقبر سياسي للعالم، وأحياناً أخرى تشغلها جميع الاتجاهات والآراء والعرقيات بآفاق بالغةِ التنوع والاختلاف. ليس فقط في إدارة شؤونها الداخلية، إنما إزاء العالم كله بالأساس. كان ذلك هو السبب وراء اسقاط مفهوم القارة الأمريكية على قارات العالم. فرئيس أمريكا (جورج بوش الإبن وباراك أوباما ودونالد ترامب) أكثر من مرة قد أعلن أنه سيحارب الإرهاب والدول المارقة بمنطق الكاوبوي أيضاً. وعادة ما سيكون رأس المال سلاحاً مزدوجاً سينال من الأعداء في ديارهم وسيجلب الأرباح الطائلة إلى دياره. ووفوق هذا وذاك سيقلص تنوع العولمة في قرارات ومنظمات يقبع فيها الكاوبوي اللوغوس الجديد بصيغةٍ من الصيغ الماكرة.

 

سامي عبد العال

 

 

علي المؤمنالحوزة العلمية في النجف الأشرف

الحوزة العلمية النجفية هي العاصمة العلمية الدينية التاريخية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي العالمي، منذ (1000) عامٍ تقريباً؛ فقد أخذت موقعها هذا بعد العام 448ه )1038م( على يد زعيم الشيعة في وقته الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة، وبقيت تمارس دورها العلمي والفكري والديني والتبليغي والإعلامي والأدبي والاجتماعي والسياسي دون توقف حتى اللحظة الراهنة.

وكان اختيار الشيخ الطوسي للنجف، متزامناً مع احتلال السلاجقة الأتراك الطائفيين لبغداد، وإشعال الفتنة الطائفية فيها، والتي تسببت في إحراق بيت الشيخ الطوسي وتدمير الحوزة العلمية الشيعية فيها. وكان أمام الشيخ الطوسي عدد من الخيارات البديلة؛ لكنه اختار النجف الأشرف لبعدها النسبي عن بغداد، وكونها قصبة شيعية صرفة، وتمتعها بحماية المحيط العشائري الشيعي، ووجود حوزة علمية قائمة فيها، ووجود مرقد الإمام علي بن أبي طالب. ولذلك انتقل إليها مع مئات من تلامذته وأتباعه، وحوّلها إلى مركز دائم لزعامة النظام الاجتماعي الديني الشيعي (1).

وبرغم أنّ الحوزة العلمية النجفية هي الحوزة الشيعية الوحيدة التي لم تنقطع فيها الدراسة والإنتاج العلمي وتخريج الفقهاء والعلماء منذ تأسيسها وحتى الآن، ولم تشهد أيّ أُفول في أيّ مرحلة من مراحل تاريخها المتخم بالأحداث؛ إلّا أنّها مرت بفترات محدودة من فقدان مركزيتها؛ بسبب انتقال الزعامة الشيعية منها إلى مدن عراقية أُخر أو إيرانية أو لبنانية.

ولا تزال طريقة اختيار المرجع الأعلى في النجف الأشرف تقليدية ومتوارثة منذ مئات السنين، وتتمثل في الإجماع النسبي للوجوه الدينية والعلمية الأبرز في الحوزة على شخصية معينة بعد رحيل المرجع الأعلى السابق. ويسمون في العرف الحوزوي بـ «أهل الخبرة»، وهم أساتذة البحث الخارج وبعض أساتذة السطوح العالية. وهناك فاعلون في هذا المجال من (حواشي) مكتب المرجع الأعلى وبيوتات مراجع الصف الأول، يطلق عليهم المراقبون «جماعات الضغط» أو «جماعات المصالح»؛ لوجود أفراد بينهم ليسوا من أهل الخبرة. ولكن يبقى دور جماعات المصالح تكميلياً وترجيحياً وليس أساسياً.

وتلعب مجموعة من العوامل دوراً في خلق هذا الإجماع النسبي؛ إلّا أنّ العامل الأبرز الذي يؤكد عليه أهل الخبرة هو عامل الأعلمية الفقهية والأُصولية، إضافة إلى شرط العدالة، وهو تعبير عن اعتقاد تلك الجماعات بأنّ الشخصية المرشحة هو أعلم الفقهاء الشيعة الأحياء؛ بصرف النظر عن الشروط الشخصية ذات العلاقة بالكفاءة الإدارية والقيادية مثلاً، وهي الأساس في إدارة الشأن العام؛ لأنّهم لا يعتبرون الكفاءة محل ابتلاء في الواقع الشيعي عامة، والشيعي العراقي خاصة، ولا سيما في ظل الأنظمة السياسية العراقية القمعية السابقة التي لا تسمح للمرجع الديني بممارسة واجب التصدّي للشأن العام؛ برغم أنّ الكفاءة القيادية هي الأساس في إدارة الشأن العام.

الحوزة النجفية في ظل العراق الجديد

شهدت الحوزة العلمية في النجف الأشرف نهضة نوعية وكمية بعد سقوط النظام البعثي في العام 2003. ولعل ما وصلت إليه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن يُعدّ إنجازاً كبيراً؛ إذ استعادت النجف الأشرف جزءاً أساسياً من عافيتها، بعد حرب شاملة استمرت (35) عاماً، شنّها ضدها نظام البعث، الذي اعتقل وقتل وشرّد واضطهد أغلب منتسبيها. فقد كان عدد منتسبي حوزة النجف يبلغ في العام 1967حوالي (16) ألف طالب وأُستاذ(2)، وانخفض هذا العدد إلى (500) فقط في العام 1991، أي أنّ نظام البعث قضى على أكثر من 90% من وجود الحوزة النجفية خلال 24 سنة. ولو كانت الأُمور تسير بشكل طبيعي ولم تتعرض النجف لحرب الاجتثاث؛ لارتفع عدد منتسبي حوزتها من (16) ألف في العام 1967الى (50) ألف منتسب في العام 2020.

وقد بلغ عدد منتسبي الحوزة العلمية في النجف الأشرف في العام 2020، حوالي (15) ألف طالب وأُستاذ، يتوزعون على مراحل الدراسة الثلاث: المقدمات، والسطوح، والبحث الخارج، فضلاً عن وجود علماء ومراجع دين متفرغين للشأن العام أو البحث والتحقيق والتأليف والتبليغ. ويتواجد في النجف الأشرف حوالي (40) مجتهداً أو ممن يرى في نفسه ملكة الاجتهاد، ويقدم (20) منهم تقريباً دروس البحث الخارج. أما مراجع الدين الذين لديهم رسالة عملية للتقليد فيزيدون على عشرة مراجع (3)؛ إلّا أنّ العرف الحوزوي النجفي حصر المرجعيات الأساسية في أربعة مراجع فقط بعد العام 2003، وهم السيد علي الحسيني السيستاني (من أُصول إيرانية)، والسيد محمدسعيد الطباطبائي الحكيم (عراقي)، والشيخ بشير حسين النجفي (من أُصول باكستانية)، والشيخ إسحاق الفياض (من أُصول أفغانستانية). ويتصدرهم السيد علي السيستاني بوصفه المرجع الأعلى. وتعود جذور هذا الحصر إلى أواخر عقد التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد وفاة المراجع السيد أبوالقاسم الخوئي في العام 1992 والسيد عبدالأعلى السبزواري في العام 1993 والسيد محمد الصدر في العام 1999، وتم تقريره عرفياً بعد العام 2003، أي أنّ اختيار هؤلاء الأربعة بات عرفاً حوزوياً وليس قراراً مؤسساتياً أو إجراء مبنياً على معايير إحصائية.

وإضافة إلى منتسبي الحوزة العلمية المركزية في النجف؛ هناك ما يقرب من ثلاثة آلاف منتسب في الحوزات العلمية في كربلاء والكاظمية ومدن عراقية أُخر. كما توجد خمسة صفوف للبحث الخارج أيضاً في كربلاء والكاظمية.

وفي إطار النهوض الجديد للحوزة النجفية بعد العام 2003، إستعادت المرجعية العليا دورها وثقلها المعنويين في الشأن الاجتماعي والسياسي العام، وعادت جميع مدارس الحوزة ومؤسساتها ومكتباتها العامة إلى فاعليتها، وتمت إضافة مدارس ومؤسسات جديدة، فضلاً عن نشوء النهضة البحثية المتمثلة في المجلات العلمية ومراكز البحوث والتحقيق.

وقد ظلت الحوزة العلمية النجفية ومرجعياتها، منذ عهود الاحتلال العثماني ثم الاحتلال الانجليزي ثم النظام الملكي والجمهوري والبعثي، تعاني من الحرب الطائفية والعنصرية والعزلة والاضطهاد، تبعاً للسياسات الطائفية التي كانت تمارسها الحكومات العثمانية والعراقية ضد الأكثرية السكانية الشيعية. ثم تحولت هذه الحرب إلى عملية استئصال واجتثاث منظمة في زمن النظام البعثي؛ فكان مراجع النجف يساقون إلى المعتقلات وغرف الإعدام، أو يتعرضون إلى التهجير، فضلاً عن إغلاق مدارسهم ومنعهم من التدريس وصلاة الجماعة وطباعة كتبهم. أمّا المراجع الذين يتحاشون أي نوع من التدخل في الشأن السياسي والشأن العام؛ فإنّهم لم يسلموا من ضغوطات النظام وقمعه أيضاً؛ حتى وصل الوضع بعد اغتيال ثلاثة من مراجع النجف الكبار: الشيخ علي الغروي، والشيخ مرتضى البروجردي والسيد محمد الصدر؛ أن ينعزل المراجع في بيوتهم، ولا يخرجون حتى لأداء صلاة الجماعة وإلقاء دروسهم وزيارة مرقد الإمام علي. واستمرت سياسة النظام البعثي في عزل الحوزة والمراجع حتى سقوطه في العام 2003.

ولكن، بعد سقوط النظام البعثي الطائفي وتأسيس النظام السياسي الجديد الذي حقق للمكون الشيعي العراقي جزءاً مهماً من حقوقه المذهبية والسياسية، بوصفه يمثل الأكثرية السكانية، وبات مشاركاً أساسياً في قيادة الدولة؛ فقد تغيرت علاقة الحوزة العلمية والمرجعية الدينية النجفية بقضايا الشأن العام والدولة العراقية تغييراً جذرياً. فقد بدأت المرجعية العليا تمارس دورها الطبيعي في الرعاية الدينية الاجتماعية، وتشخيص المفاسد والمصالح العامة. وأخذ السيد السيستاني الذي يعتقد بولاية الفقيه الخاصة، يمارس دوره الإرشادي والتوجيهي لحركة المجتمع والدولة من باب ولاية الفقيه على الأُمور الحسبية، وهو الدور الشرعي الذي يقضي بتوجيه حركة الدولة وإرشادها عندما يتطلب الأمر ذلك. وبذلك فإنّ الموقع الذي حظي به السيد السيستاني؛ لم يحظ به سابقاً أي مرجع في العراق، بمن فيهم الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي، الذين كانت لهم سطوتهم العامة وحضورهم شبه الرسمي في عهد الحكم البويهي الشيعي في بغداد.

وفضلاً عن تأثيرات سقوط النظام البعثي ومشاركة الأحزاب الإسلامية الشيعية في حكم العراق؛ فإنّ الفضل الحسي الأهم في بقاء الحوزة النجفية ونهوضها وممارستها دورها الجديد، يعود إلى أداء استثنائي لثلاث مرجعيات دينية كبيرة، يمكن تلخيصه بما يلي:

1-  صبر السيد أبو القاسم الخوئي، حتى وفاته في العام 1992.

2- حراك السيد محمد الصدر، حتى استشهاده في العام 1999.

3- حكمة السيد علي السيستاني، وخاصة في أدائه بعد العام 2003.

ولم يعد مراجع النجف معزولين مكانياً كما كانوا قبل العام 2003؛ بل باتوا يلتقون يومياً بعشرات الناس والمسؤولين، بمن فيهم عامة الناس، ويعملون ويتحركون بفاعلية وفق ما يسمح به وضعهم الصحي والأمني.

الحوزة العلمية في قم

تعود جذور الحوزة العلمية القمية في إيران إلى زمن هجرة قبيلة الأشعريين الكوفية العراقية إلى قم في أواخر القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي)، والذين أسسوا مدينة قم الحالية وحوزتها العلمية. وبذلك تُعدّ قم، إلى جانب الكوفة وبغداد، أحد أقدم ثلاث حوزات علمية شيعية في التاريخ. إلّا أنّ مرحلة تألق الحوزة العلمية في قم كان خلال القرن الرابع الهجري (القرن التاسع الميلادي) في عهد مرجعية زعيم الشيعة في وقته الشيخ محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق (4).

ثم ضعفت حوزة قم بالتدريج، بفعل عوامل ضاغطة؛ حتى انتقل إليها المرجع الديني الشيخ عبدالكريم الحائري في العام 1919، والذي سبق أن تخرج في حوزة النجف الأشرف؛ ليعيد إلى قم مجدها العلمي الديني التبليغي. ثم أصبحت مركزاً للزعامة الشيعية لمرتين خلال القرن الميلادي العشرين، الأُولى في عصر مرجعية السيد حسين الطباطبائي البروجردي في خمسينات القرن الميلادي الماضي، بعد وفاة مرجع النجف السيد أبوالحسن الموسوي الإصفهاني، والثانية في عصر مرجعية السيد محمدرضا الموسوي الگلپايگاني بعد العام 1982، إثر وفاة السيد الخوئي.

وتحوّلت الحوزة العلمية في قم بالتدريج إلى مؤسسة علمية منظمة كبرى، بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران في العام 1979، وحملة الاجتثاث البعثي للحوزة النجفية؛ ما أعطى دفعاً قوياً للحوزة القمّية، وأُرسيت فيها نهضة نوعية وكمية شاملة، وباتت تضم مئات الجامعات والمدارس الدينية ومراكز البحوث والتبليغ والإعلام والمكتبات العامة وقاعات المؤتمرات والمؤسسات الخدمية، وباتت قريبة من الهيكليات والأنساق الأكاديمية، مع احتفاظها بنكهة الدرس المسجدي التقليدي. وهي في مضمونها تشبه أُطروحة السيد محمدباقر الصدر في «المرجعية الرشيدة» (5).

ومن أبرز السياقات الجديدة التي تم فرضها هي الامتحانات الدورية والسنوية العامة للطلبة، وعدد سنوات كل مرحلة من مراحل الدراسة، وشهادات التخرج، والاختصاصات الفرعية، والدروس التكميلية، كاللغات الأجنبية والعلوم الاجتماعية والكمبيوتر. وقد تبلور هذا التحول التنظيمي الكبير في حوزة قم بعد العام 1994، عبر خارطة طريق نفّذتها جماعة مدرسي الحوزة العلمية وغيرها، بتوجيه مباشر من السيد علي الخامنئي؛ حتى أضحت قم أكبر مؤسسة علمية دينية منتجة في العالم، ليس على مستوى العالم الإسلامي وحسب؛ بل على مستوى الأديان كافة.

وبلغ عدد منتسبي الحوزة العلمية في قم في العام 2020 حوالي (140) ألف طالب و(10) آلاف أُستاذ تقريباً. كما بلغ عدد المجتهدين فيها وحدها حوالي (250) مجتهداً أو ممن يرى في نفسه ملكة الاجتهاد، بينهم ما يقرب من (100) مجتهد يدرِّسون البحث الخارج (الدراسات العليا)؛ أي أنّ هناك (100) صف للبحث الخارج تقريباً في قم وحدها. ومن بين الأجانب الــ (350) ألف الذين يسكنون في قم، هناك (50) ألف شخص ينتسبون إلى الحوزة العلمية (6).

وقد حققت الحوزة العلمية في قم هذه الطفرة النوعية والكمية الفارقة بعد العام 1979؛ أي بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ إذ دعم النظام السياسي الجديد مرجعيتها ونظامها الحوزوي في قم دعماً غير محدود، فضلاً عن أنّ الأجواء الدينية العامة كانت تدفع باتجاه الزحف الكبير نحو الدراسة في الحوزة العلمية. وقد ساعد على ذلك هجرة مئات الطلبة والأساتذة من الحوزة العلمية النجفية إلى قم، وكذلك انتساب آلاف الطلبة الجدد من العراق وأفغانستان، فضلاً عن المنتسبين الوافدين من لبنان والبلدان الخليجية والهند وباكستان وغيرها. فبعد أن كان عدد طلبة حوزة قم في العام 1978 حوالي (20) ألف، وفي باقي مدن إيران (20) ألفاً آخرين تقريباً، فإنّه قفز خلال عشر سنوات فقط إلى أكثر من عشرين ضعفاً. وهذا لا يعني أنّ نمو حوزة قم بهذه الكيفية وراءه دوافع سياسية؛ بل إنّ الظرف السياسي كان مساعداً بشكل تلقائي، كما حصل في النجف بعد سقوط نظام البعث في العام 2003 وانتهاء الحصار والقمع السياسي للحوزة.

وفضلاً عن المؤسسات الحوزوية الخاصة في قم؛ فإنّ هناك أربعة إدارات رأسية مركزية، تدير جميع مدارس الحوزة القمّية وجامعاتها ومؤسساتها وفروعها، هي:

1ـ مجلس إدارة الحوزة العلمية في قم، ويشرف على الدارسين الإيرانيين.

2ـ جامعة المصطفى العالمية، وهي خاصة بالدارسين غير الإيرانيين.

3ـ مركز مديرية الحوزة العلمية النسائية، وهي خاصة بالنساء.

4ـ مجلس إدارة الحوزات العلمية في إيران، ويشرف على الحوزات العلمية المتوسطة والصغيرة في أنحاء إيران كافة.

وعمل هذه الإدارات الأربعة تنظيمي فقط؛ لأنّ الطلبة والأساتذة الإيرانيين وغير الإيرانيين يدرسون ويقدمون محاضراتهم في مؤسسات وصفوف مشتركة، ولا سيما طلبة وأساتذة البحث الخارج، باستثناء صفوف النساء المنفصلة.

وإضافة إلى الحوزة العلمية في قم؛ هناك ثلاث حوزات علمية كبيرة في مشهد وإصفهان وطهران، يصل عدد منتسبيها إلى (90) ألف طالب وأُستاذ. وكذلك توجد (650) حوزة متوسطة وصغيرة، تضم (2000) مدرسة دينية في (650) مدينة إيرانية، يبلغ عدد منتسبيها (60) ألف شخص. وهناك حوالي (30) صفاً للبحث الخارج في حوزات مشهد وطهران واصفهان والأهواز وشيراز وتبريز. وبذلك يصل العدد الإجمالي لمنتسبي الحوزات العلمية الإيرانية، بما فيها حوزة قم، ما يقرب من (300) ألف طالب وأُستاذ (7). ويعتقد الإيرانيون أنّ هذا العدد قليل ولا يتناسب مع حاجة (70) مليون شيعي في إيران وحدها، وعشرات ملايين الشيعة في العالم، فضلاً عن حاجة الدولة المتزايدة إلى الدراسات الفقهية لقضاياها المتشعبة (8).

ومن مجموع منتسبي الحوزات العلمية الإيرانية؛ يوجد ما يقرب من (80) ألف منتسب غير إيراني ينتمون إلى حوالي (136) جنسية، غالبيتهم من العراق وأفغانستان وباكستان والهند ولبنان والبحرين والسعودية وآذربيجان، وبينهم (60) ألف طالب يدرسون في «جامعة ‌المصطفی العالمية» الدينية، و(20) ألف طالب في المدارس والجامعات الحوزوية الأُخر. كما أنّ لجامعة المصطفى ما يقرب من (50) ألف طالب يدرسون في فروع الجامعة المنتشرة في (70) دولة من دول العالم (9).

وما يميز الحوزات العلمية في إيران عن غيرها من الحوزات العلمية الشيعية الأُخر، أنّها تضم أعداداً كبيرة من الطلبة السنّة الإيرانيين وغير الإيرانيين، يصل عددهم إلى ما يقرب من (10) آلاف طالب سنّي، بينهم ثمانية آلاف طالب في حوزة قم وجامعة المصطفى العالمية (10)، وحوالي (2000) طالب سنّي في الحوزة العلمية في مشهد.

والميزة الأُخرى للحوزات العلمية في إيران هو معادلة المراحل الدراسية الحوزوية فيها من وزارة التعليم العالي الإيرانية، وذلك لأغراض العمل والتعيين الوظيفي وإكمال الدراسة في الجامعات الأكاديمية في الفروع الإنسانية؛ إذ تعادل نهاية مرحلة السطوح شهادة البكالوريوس، وتعادل أربع سنوات من البحث الخارج شهادة الماجستير، وتعادل عشر سنوات من البحث الخارج شهادة الدكتوراه، على أن يقدم الطالب في المراحل الثلاث رسالة تخرج علمية أكاديمية تتناسب وكل مرحلة (11).

وهناك ما يقرب من (150) ألف طالب في داخل إيران ودول العالم المختلفة، يدرسون عبر النوافد الإلكترونية، بينهم (45) ألف إمرأة. وتتمركز أغلب الحوزات والجامعات الدينية الناشطة في العالم الافتراضي في مدينة قم وتتبع حوزة قم، وجامعة المصطفی. ولذلك، تحظى دراساتها بالاعتراف؛ لأنّها تخضع للمناهج والضوابط المعمول بها في الحوزة نفسها.

كما أنّ هناك أكثر من (50) ألف منتسبة من النساء في الحوزات العلمية الإيرانية، بينهنّ مجتهدات وعالمات دين وأُستاذات وباحثات وخطيبات معروفات، ويصل عدد الأُستاذات النساء إلى (1500) أُستاذة تقريباً، يمارسن دراساتهن ونشاطاتهن الدينية في إطار (500) مدرسة وجامعة خاصة بالنساء، بينما يصل عدد الطالبات غير الإيرانيات إلى حوالي خمسة آلاف طالبة، إضافة إلى (250) أُستاذة غير إيرانية.

والى جانب المدارس التقليدية، هناك (23) جامعة حوزوية أكاديمية تعطي شهادات أكاديمية في العلوم الإسلامية، بدءاً بالبكالوريوس وانتهاءً بالدكتوراه، وتحتوي على (37) اختصاصاً دقيقاً في القرآن والحديث واللغة العربية والفقه والأُصول والكلام والفلسفة والقانون والتاريخ وغيرها. وأغلبها يتمركز في مدينة قم (12).

وتضم حوزة قم أيضاً أكثر من (150) مركز تبليغ وبحوث ودراسات وتحقيق ونشر وطباعة، وحوالي (50) مجلة علمية تخصصية باللغتين الفارسية والعربية، وعشرات المكتبات العامة، وأكثر من (250) مركزاً علمياً وبحثياً وتحقيقياً.

الحوزة القمية في ظل الجمهورية الإسلامية

يبلغ عدد المجتهدين الأحياء في حوزة قم ممن نشروا رسالة تقليد عملية، وطرحوا مرجعياتهم بصورة فعلية، ما يقرب من (40) مجتهداً، أغلبهم من الإيرانيين، إضافة إلى عدد من العراقيين والأفغانستانيين والباكستانيين. ولكن مراجع التقليد الذين سبق لجماعة المدرسين في قم وغيرها من الحوزات والمؤسسات العلمية أن طرحت أسماءهم على دفعات، بعد وفاة المراجع الأربعة الكبار (الإمام الخميني في العام 1989 والإمام الخوئي في العام 1992 والسيد محمدرضا الموسوي الگلپايگاني في العام 1993 والشيخ محمدعلي الأراكي في العام 1994)، هم تسعة مراجع، ومن لا يزال منهم على قيد الحياة ستة فقط، أربعة منهم في قم: الشيخ حسين الوحيد الخراساني، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والسيد موسى الشبيري الزنجاني، والشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني ، وواحد في طهران: السيد علي الحسيني الخامنئي، وواحد في النجف الأشرف: السيد علي الحسيني السيستاني. ولعل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي هو المرجع القمي الأكثر تقليداً ونفوذاً دينياً في إيران من بين مراجع قم الآخرين، بعد السيد علي الخامنئي.

ويُعدّ مكتبا السيد علي الخامنئي والسيد علي السيستاني أهم مكتبين من بين مکاتب باقي المراجع في قم. ويعمل المكتب المرجعي للسيد الخامنئي بشكل مستقل إدارياً ومالياً ووظيفياً عن مكتبه الحكومي الرسمي في طهران؛ إذ إنّ مكتب قم هو مكتب مرجعي حوزوي، ويمارس شأناً دينياً علمياً محضاً، ويشرف على عمل المدارس والجامعات والمؤسسات العلمية الدينية التابعة له، وشؤون الوكلاء والمعتمدين المرجعيين داخل إيران وخارجها، في الوقت الذي لا يزال السيد الخامنئي يقدم دروسه في البحث الخارج في حسينية الإمام الخميني في طهران، ويحضرها ما يقرب من (700) عالم دين.

أمّا مكتب السيد علي السيستاني في قم؛ فلعله أنشط مكتب مرجعي في العالم وأكثرها تنظيماً وتقديماً للرعاية العلمية والتبليغية والخيرية، ويشرف على المؤسسات والمكاتب الفرعية لمرجعية السيد السيستاني داخل إيران وكثير من دول العالم.

وعلى صعيد سياقات اختيار مراجع التقليد، فإنّ سياقات حوزة قم لا تختلف عن سياقات حوزة النجف؛ لكنها تحاول منذ ثلاثة عقود تقريباً مأسسة هذه السياقات، وتقنين عمل جماعات أهل الخبرة وجماعات الضغط، أي تحويلها إلى جماعات علنية تمارس دورها بشفافية. وباتت هذه الجماعات تنتظم في مؤسسات علمية دينية تضم عدداً كبيراَ من المجتهدين، وتأخذ على عاتقها ترشيح المراجع الجدد الذين تراهم يتمتعون بشروط مرجعية التقليد بعد وفاة المرجع الأعلى. ولا ترشح هذه المؤسسات عادة مرجعاً معيناً واحداً؛ بل أكثر من مرجع، ولعلهم في مستوی واحد أو متقاربين علمياً، وتترك الخيار للناس (المكلفين) لاختيار من يرونه مناسباً بالتشاور مع علماء دين آخرين.

وأهم ثلاث مؤسسات وجماعات حوزوية قمية تتدخل في ترشيح مراجع التقليد: جماعة مدرسي الحوزة العلمية، ومجلس شورى الحوزة العلمية، ومجلس شورى الحوزات العلمية في إيران. وتنبع أهمية هذه المؤسسات من كونها منظمة تنظيماً مؤسَّسياً إدارياً، وتستقطب أغلبية أساتذة الحوزات العلمية وأئمة الجمعة والجماعات في البلاد، وعلماء الدين والمبلغين في المناطق، إضافة إلى علاقاتها الواسعة والقوية مع علماء الدين الشيعة في خارج إيران.

وعلاقة الحوزة العلمية في قم بالدولة الإيرانية بعد تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية هي علاقة تخادم ودعم متبادل وحماية مشتركة، وليست علاقة تبعية؛ إذ ظلت الحوزة محافظة على استقلاليتها عن الدولة، بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ بالرغم من نفوذ الحوزة القوي في مفاصل الدولة. وحتى قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ فإنّ العلاقة بين الدولة والحوزة كانت علاقة تفاهم غالباً؛ لأنّ الحوزة كانت تنظر إلى الدولة الإيرانية كونها دولة شيعية وتحمي المذهب؛ بل كان لفقهاء الشيعة في النجف وقم وطهران دور مهم في إقرار حكم المشروطة (الملكية الدستورية) بعد العام 1906 (13)، لكن حالة التفاهم هذه، لم تكن تمنع علماء الدين في إيران من توجيه النقد الشديد إلى الدولة، ولكن لم يفكر أيّاً من المراجع يوماً بإسقاطها. ولم يكسر هذه القاعدة سوى الإمام الخميني، الذي أعلن عن عدم شرعية النظام الملكي الوراثي، وفساد الحكومات الشاهنشاهية، ثم أسقطها وأقام نظام الجمهورية الإسلامية القائم على مبدأ «ولاية الفقيه العامة».

بين حوزة قم وحوزة النجف

ليس من الضروري أن تكون تجربة التنظيم في حوزة قم مفيدةً للنجف، وليس من الضروري أن تكون تجربة حوزة النجف المفتوحة مفيدةً لقم؛ فلكل حوزة ظروفها وبيئتها وتراثها وخبراتها التراكمية. ولكن يرى حكماء الحوزتين أنّ من المفيد جداً أن تتبادل التجربتان خبراتهما في المساحات المشتركة التي تثري البعد العلمي والتبليغي للمذهب؛ بما يليق بالحوزة النجفية الكبرى ذات الألف عام، والحوزة القمية الفتية العائدة بقوة منذ تسعين عاماً.

لقد تألقت حوزة قم العلمية في عهد مرجعية الشيخ الصدوق (ت381هـ /991م) بعد أفول حوزة الكوفة في الربع الثاني من القرن الرابع الهجري (القرن التاسع الميلادي)، ثم أفِلت حوزة قم بعد ظهور الحوزة العلمية في بغداد في أواسط القرن الخامس الهجري مع مرجعية الشريف المرتضى ومرجعية الشيخ المفيد، ثم أفلت حوزة بغداد بعد انتقال زعيم الشيعة الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف وتأسيس حوزتها من جديد. بعدها انتقل مركز المرجعية من حوزة النجف إلى الحوزة العلمية في الحلة بظهور الشيخ ابن إدريس الحلي أبو جعفر محمد بن منصور (ت598ه/1202م) في أواسط القرن السابع الهجري.

وبرزت الحوزة العلمية في جبل عامل بلبنان مع مرجعية الشيخ محمد بن مكي العاملي (ت786هـ/1385م) المعروف بالشهيد الأول، في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (القرن الرابع عشر الميلادي). ثم عاد مركز المرجعية إلى النجف الأشرف بعد ظهور الشيخ أحمد بن محمد المقدس الأردبيلي (ت933هـ/1527م) في القرن العاشر الهجري (القرن السادس عشر الميلادي). وخلال قرنين تقريباً؛ بقي مركز المرجعية يتنقّل بين النجف وكربلاء؛ فكان آخر مرجع كربلائي هو الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني (ت1206هـ/1792م)، وبعده استقرت المرجعية العليا نهائياً في النجف منذ نهايات القرن الثامن عشر الميلادي على يد السيد محمد مهدي بحر العلوم (ت1212هـ/1797م)، ثم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت1228هـ/1813م)، وحتى الآن.

بيد أنّ الحوزة العلمية النجفية تعرّضت إلى التدمير التدريجي الشامل بدءاً من العام 1968، بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في العراق، وبلغ ذروته بعد العام 1979. وخلال هذا العام دخلت حوزة قم مرحلة نمو نوعي وكمي غير مسبوق، مع عودة الإمام الخميني وتأسيس الجمهورية الإسلامية، والهجرة الواسعة لعلماء الدين وطلبة العلوم الدينية من حوزة النجف الأشرف وباقي مدن العراق إلى قم، وتوافد أعداد هائلة أُخرى عليها من بلدان العالم الأُخر، ولا سيما لبنان والبحرين والسعودية والهند وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وتركيا وإفريقية وشرق آسيا.

وإذا كانت حوزة النجف تختلف عن حوزة قم في الجوانب الشكلية ذات العلاقة بالهيكلية والتنظيم وحجم الإنتاج العلمي؛ فإنّهما تتشابهان إلى حد التطابق في المضامين والمحتوى، ولا سيما في مراحل الدراسة الثلاثة: المقدمات والسطوح والبحث الخارج، والمناهج الدراسية في المراحل الثلاث، ومصادر البحث والرواية والاستدلال، وشروط الاجتهاد وأساليب الوصول إليه، وشروط المرجعية، ولا سيما الأعلمية والعدالة، وأساليب إدارة المدارس الدينية التقليدية، وغيرها.

الذي تختلف فيه حوزة النجف عن غيرها من الحوزات العلمية الكبرى في الكوفة وقم وبغداد وجبل عامل والحلة وكربلاء؛ أنّها لم تأفل ولم تضمحل خلال ألف عام، أي منذ أسسها الشيخ الطوسي؛ إذ بقيت قائمة بمدراسها العلمية الفاعلة وإنتاجها العلمي؛ وإن انتقلت مركزية المرجعية العليا منها إلى حوزات أُخر. بينما اختفت حوزات الكوفة منذ أوائل القرن الرابع الهجري، وقم وبغداد في أواسط القرن الخامس الهجري، والحلة في القرن العاشر الهجري، وسامراء في القرن الثالث عشر الهجري، كما أفِلت حوزات جبل عامل وكربلاء والكاظمية في فترات كثيرة. وبالتالي؛ يمكن القول إنّ جميع الحوزات كانت موسمية غالباً، عدا حوزة النجف.

والاختلاف الثاني، هو أنّ النجف خلال ألف عام متواصلة، لم تخل يوماً من مراجع الصفين الأول والثاني، عندما كان مركز المرجعية العليا ينتقل إلى حوزات أُخر في فترات زمنية محدودة، كما حصل في الحلة في زمان ابن إدريس والعلامة الحلي والمحقق الحلي، وجبل عامل في زمان الشهيد الأول والشهيد الثاني، وكربلاء في عصر الشيخ الوحيد البهبهاني، وسامراء في زمن السيد الميرزا الشيرازي، وقم في زمن السيد حسين البروجردي. ولذلك فإنّ 80% من المرجعيات العليا في التاريخ الشيعي، كان مركزها النجف الأشرف.

أمّا الاختلاف الثالث، هو أنّ أغلب الإنتاج العلمي الديني الشيعي، التفسيري والحديثي والكلامي والفقهي والأُصولي والرجالي، كتبه علماء النجف. أي أنّ الموروث العلمي الديني الشيعي هو موروث نجفي في غالبيته؛ دون بخس حوزات بغداد وقم وكربلاء والحلة وجبل عامل نتاجها وتراثها العلمي الديني المهم.

والاختلاف الرابع هو في تعاطي الحوزتين مع الشأن السياسي؛ فحوزة النجف ظلت مئات السنين تعاني من سياسات العزل والتهديد والاضطهاد التي تمارسها الحكومات الطائفية في بغداد؛ لأنّها تقع في جغرافيا تحكمها سلطات سياسية طائفية، منذ الحكمين الأُموي والعباسي، والاحتلال السلجوقي، مروراً بالاحتلالين المغولي والتركي العثماني، ثم الاحتلال الانجليزي، وصولاً إلى الدولة العراقية بعد العام 1921 وحتى العام 2003، والتي تميزت بطائفيتها وعنصريتها. وحين سقطت هذه الدولة؛ سقطت معها إيديولوجيتها العنصرية الطائفية. أي أنّ الحوزة النجفية لم تشهد يوماً أوضاعاً سياسية هادئة ومنسجمة محيطة قبل العام 2003؛ الأمر الذي كان يضطرها إلى الانكفاء السياسي غالباً، والتحفظ على محاولات الإصلاح والنهوض في الشأن العام، وخاصة ما يتعلق بالدولة، وذلك حفاظاً على كيانها من ردود الفعل العنيفة للأنظمة الطائفية العراقية، والتي تهدد علماء الدين الإيرانيين والأجانب دائماً بإسقاط الإقامة والتسفير، فيما تهدد علماء الدين العراقيين بالحرمان من أبسط الحقوق وبالاعتقال والإعدام (14). والنموذج الأبرز في هذا المجال ممارسات النظام البعثي القمعية طوال (35) عاماً.

أمّا الحوزة العلمية في قم والحوزات العلمية في إيران عموماً؛ فقد ظلت منذ قيام الدولة الشيعية البويهية في العام 322 هـ (933م) تعيش أوضاعاً طبيعية غالباً، بعيداً عن القمع والتهميش؛ لأنّها تقع في جغرافيا شيعية وفي ظل دولة شيعية، سواء كان النظام ملكياً أو جمهورياً إسلامياً، ولم تتعرض إلى ما تعرضت له حوزة النجف، باستثناء فترات من حكم الشاه محمدرضا بهلوي. أي أنّ الحوزات العلمية في إيران ظلت منفتحة سياسياً، ولا تخشى سياسات الدولة الإيرانية غالباً؛ كونها دولة شيعية؛ بل كانت الدولة تقرب إليها علماء الدين الشيعة وتدعمهم.

 

د. علي المؤمن

....................

الإحالات

(1) الشيخ عدنان فرحان آل قاسم، «تاريخ الحوزات العلمية عند الشيعة الإمامية، ج3 ف 1.

(2) علي المؤمن، «سنوات الجمر»، ص189.

(3) راجع الفصل الخامس.

(4) الشيخ عدنان فرحان آل قاسم، «تاريخ الحوزات العلمية عند الشيعة الإمامية»، ج6 ف 1.

(5) حول أُطروحة المرجعية الرشيدة، أُنظر: السيد كاظم الحائري، مقدمة مباحث الأُصول، ج1.

(6) الشيخ غلام رضا الأعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران في حديثه إلى المركز الوطني الإيراني للإحصاء، في 25 / 10 / 2019، وكالة انباء الحوزة.

https: //www. hawzahnews. com/news/869070/

(7) المصدر السابق

(8) أبرز القائلين بهذا الرأي قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي. أُنظر: حديثه في مجلس شورى الحوزة العلمية في قم حول إصلاح الحوزة، في 2 / 3 / 1991.

(9) الشيخ غلام رضا الأعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران، وكالة أنباء الحوزة (مصدر سابق).

https: //www. hawzahnews. com/news/869070/

(10) المصدر السابق.

(12) المصدر السابق.

(13) أُنظر: علي المؤمن، الفقه والدستور، ص128 ـ 132.

(14) لم يكن هذا الانكفاء السياسي يفلح غالباً، ولا سيما في ظل النظام البعثي؛ لأنّ هذا النظام كان يهدف إلى اجتثاث الحوزة العلمية، أو الإبقاء عليها شكلاً فقط بعد إفراغها من محتواها الإنساني، ومضمونها العلمي، وهو ما حدث بالتدريج بعد العام 1979، إذ اعتقل وقتل وأبعد الآلاف من علماء الدين ممن لم يكونوا يمارسون أي عمل سياسي، ولا يتحدثون في السياسة، ولا ينتقدون النظام الحاكم.

 

عدنان عويدالعقل الجمعي، طريقة أو أسلوب في التفكير، غير منظمة في سياقها العام..  تسيطر على أذهان الأفراد، فتسلب الفرد القدرة على التفكير المنطقيّ المنّظم، وتوقعه بسهولة تحت تأثير أفكار منتشرة هلاميّة تسيطر عليه حتى يبدأ يؤمن بها، نتيجة إيمان من حوله بها، وهو – أي العقل الجمعي - في حالة أشبه ما تكون بالوباء العقليّ إذا ما أخضعناها للتشريح والنقدي العقليين.

هذا ويعتبر مفهوم العقل الجمعي أحد المفاهيم الأساس عند المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي "دوركايم"، الذي استطاع من خلال هذا العقل الجمعي أن يقوم بتفسير مجموعة من الظواهر والمشكلات الاجتماعيّة، فالعقل الجمعيّ بالنسبة له يوجد خارج عقول الأفراد، وهو يمارس نوعاً من الهيمنة أو السلطة عليهم من خلال العادات والتقاليد والأعراف و أنماط العيش و التفاعل و التواصل بين أفراد المجتمع. وهذا العقل الجمعيّ في المحصلة يتشكل وفق آليّة نشاط اجتماعي لها سيرورتها وصيروتها المركبة والمتداخلة في سياق تاريخي خارج عن إرادة الأفراد. على اعتبار أنّ الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم إلا أنهم لا يصنعونه على هواهم.

الاجتماع العام والعقل الجمعي:

تتوزع المجموعات البشريّة في أي مجتمع من المجتمعات، أو أيّة دولة من الدول، بناء على انتساب كل مجموعة من هذه المجموعات وفقاً لطبيعة عملها ووظائفها واهتماماتها ومرجعياتها الدينيّة والعرقيّة أو الحزبيّة .. الخ. وإذا كان للأسرة والعشيرة والقبيلة، وكذلك للدين وتفريعاته من طوائف ومذاهب من خصوصيات تفرضها طبيعة هذا الانتساب إلى حد ما، فإن التجمعات التي تنتمي للمدرسة والمنظمة والمهنة والحزب والدولة، فغالباً ما تحدد نشاطات هذه المؤسسات طبيعة المجموعات المنتميّة إليها، كأن نجد تجمعات حرفيّة أو صناعيّة أو زراعيّة أو ثقافيّة أو صحيّة أو فنيّة أو سياسيّة.. الخ، وكل مجموعة من هذه المجموعات تنضوي تحت مظلة منظمة أو تجمع خاص بها. مع تأكيدنا بأن كل مجموعة من هذه المجموعات المتأتى عليها، لها عقلها الجمعي الذي يميزها عن غيرها، وأن هذا العقل (الجمعي/المؤسساتي) يميل عموماً إلى التنظيم والمنطق، كونه عقلاً أقرب إلى العقل الأداتي منه إلى العقل الهلاميّ الذي يحكم آليّة عمل وتفكير كل هذه التجمعات في مضمار المجتمع الواحد، وهذا هو موضوع بحثنا.

أهم سمات وخصائص العقل الجمعي في صيغته الهلاميّة القطيعيّة:

1- هو عقل مجال حقله الحياة اليوميّة المباشرة. أي جملة العلاقات التي ينشط فيها هذا التجمع الاجتماعيّ أو ذاك، أثناء إنتاجهم لخيراتهم الماديّة، وما يترتب أو يقوم على هذه العلاقات من قيم فكريّة وروحيّة ممثلة بالعادات والتقاليد والأعراف والمصالح الأنانيّة الضيقة المشبعة غالباً، أو إلى حد كبير بالتناقض والكذب والنفاق والرياء والتزلف والنميمة والوعي الدينيّ النفعيّ المؤسس على قصص وحكايات لصحابة أو مشايخ قد دخلوا في سلوكياتهم الفكريّة والعمليّة عالم الأسطرة والمثاليّة المطلقة في تفكيرها وسلوكها، والتي لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها، الأمر الذي ساهم في إشاعة عالم من الكرامات والأساطير وحتى الخرافات في هذا العقل الجمعيّ. ومع ذلك لا بد لنا من تأكيد مسألة هنا على درجة عالية من الأهمية وهي: إن العقل الجمعيّ تاريخيّ بامتياز، وهو يختلف في تكوينه باختلاف الثقافات. فعلى سبيل المثال، إن الأشخاص في الثقافات الجماعيّة لـ (المجتمعات المتخلفة)، يتوافقون مع العقل الجمعي أكثر من أولئك الذين يتواجدون في الثقافات الفرديّة كـ (المجتمعات الغربيّة) التي تركز على الفردانيّة..

2- هو عقل يميل إلى التمسك كثيراً بقيم الماضي. وذلك بسبب ركود طبيعة العلاقات الاجتماعيّة السائدة، وخاصة في المجتمعات المتخلّفة، بحيث يساهم هذا الركود في خمول العقل الجمعيّ  وترهله، وبالتالي رفضه لكل جديد يمكن أن يهدد ما اعتاد عليه الناس من قيم فكريّة أو سلوكيّة، فتأتي مقولة (هكذا وجدنا أباءنا يفعلون)، أو الحلم بالعودة إلى الفردوس المفقود، حاضرة بكل فاعليتها وحيويتها. الأمر الذي  يُمَكِنَنَا من القول بأنه عقل يعتمد كثيراً على النقل والامتثال أو الاستسلام لقيم الماضي والتغني والوثوق  به.

3- هو عقل غير منظم، أي هو أقرب إلى سلوك القطيع، الذي يشتغل على الاحساس المباشر والعواطف والوجدانيات، وشكليات الظواهر الاجتماعيّة. أي يشتغل بعيداً عن قيم ومناهج العقل النقديّ، الذي يقوم بتفكيك الظواهر وتحليلها وتبيان آليّة عملها، وفرز ما هو سلبي أو إيجابي فيها، ومدى التأثير الذي تحدثه هذه الظواهر في حياة الناس ومستقبلهم. وفي المحصلة نستطيع القول في هذا الاتجاه:  إنّ العقل غير المنظم، هو عقل يحفز على استخدام الموقف الجمعي من الحياة الذي تغلب عليه روح التقليد، عندما يعتقد الفرد نفسه على أنه شخص مشابه للأشخاص الآخرين من حوله،  لذلك هو بالتالي يفضل أن يتبنى ويفهم التصرفات الجاريّة عند هؤلاء الناس.

4- هو عقل سلطويّ. أي هو عقل يفرض قوته وهيمنته ممثلة هنا بتلك القناعات والمفاهيم والرؤى التي جئنا عليها أعلاه، على أفراد المجتمع بقوة العادة والعرف والمقدس والتقليد، وبالتالي فإن أي خروج من قبل أي شخص عن سلطة هذا العقل (الهلاميّ)، هو تمرّد على المألوف الذي سَيُعًرِضُ صاحبه للتعزير أو العقوبة. فالمنكر هنا هو الخروج عن مكونات هذا العقل القيميّة بكل سماتها وخصائصها، بحيث يحق لكل فرد أن يشير أو حتى يواجه أو يحاسب مرتكب هذا المنكر، وذلك انطلاقاً من وجود سند يبرر هذه المواجهة والمحاسبة، إن كان من قبل المجتمع ذاته ممثلاً بأعرافه وتقاليده، أو من قبل النص الديني كما هو الحال في الديانة الإسلاميّة : (من شاهد منكم منكراً فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان).

وظائف العقل الجمعيّ في صيغته الهلاميّة:

لا شك أن أهم وظيفة للعقل الجمعيّ في صيغته التي جئنا عليها في هذا المقال، أنه قادر على خلق أحاسيس ومشاعر مشتركة لدى أفراد المجتمع، تظهر بكل وضوح في تقاسم أو تشارك الأفراح والأحزان التي تهم قضايا المجتمع الجمعيّ، بحيث تتحول هذه الأحزان والأفراح إلى جزء من التركيب النفسيّ والخلقيّ للأفراد، يعبرون عنها بعفويّة في المناسبات الوطنيّة والأعياد والطقوس والشعائر الدينيّة، بل نراها تظهر حتى على مستوى الفن، فكم من أغنية شعبيّة تهز كيان المجموع وتجعلهم دون إرادتهم يرددونها ويتفاعلون معها كل التفاعل حزناً كان أو فرحاً.

ملاك القول:

أمام هذه المعطيات التي قدمناها هنا حول المجتمع القطيعيّ الهلاميّ، تأتي أهمية العمل بكل ما نملك من الوسائل المتاحة الماديّة منها والمعنويّة لدى الفرد ومؤسسات المجتمع ودولته، لتجاوز معوقات تنمية روح وعقل الفرد في المجتمع الجمعيّ الهلاميّ.. أي مجتمع القطيع، مجتمع اللاعقل الحر أوالمبدع. وخلق كل السبل والوسائل التي تمكّن الفرد أن ينسلخ عن هذا المجتمع القطيعيّ ليدخل عالم مجتمع العقل النقديّ والمنطق، علم حريّة الإرادة الإنساتيّة وتحقيق مصير الإنسانيّة ذاته، وفقاً لمعطيات العصر وقضايا الإنسان فيه، وهذا لن يتحقق إلا من خلال وجود قوى سياسيّة وابداعيّة مؤمنة بشعوبها وقضاياها المصيريّة ومصالحها الآنيّة والمستقبليّة تحت مظلة مجتمع ودولة مدنيين أهم أسسهما المواطنة ودولة القانون.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة.

 

 

تحويل الأفكار الثقافية إلى ظواهر اجتماعية يتطلَّب إزالة الحدود بين الشعور والوَعْي، وفتحهما على تاريخ الوجود الإنساني بكل تفاصيله. والغايةُ من هذه العملية تكوين أساس منطقي للمجتمع، باعتباره نظامًا للمعاني الرمزية في سُلوكيات الفرد واتِّجاهات الجماعة، ومنظومةً للتجارب الوجدانية والتغيرات المادية. ولا يُمكن للمجتمع أن يجد هُويته الشخصية ومَعناه الوجودي وماهِيَّته التاريخية إلا إذا انفتحَ على نَفْسِه، وفَكَّ العُزلةَ عن أنساقه الداخلية، وكَسَرَ الحواجزَ بين دَلالات الوَعْي وتطبيقاته. والإشكاليةُ المركزية في بُنية العلاقات الاجتماعية لَيست شُعور الفرد بالغُربة، وإنما اغتراب المجتمع عن ذاته، بسبب غرقه في متاهة النظام الاستهلاكي المُغلَق، وهذا يُشعِر الفردَ بأنه مُنفصل عن الفاعلية الشعورية والتفاعلِ الاجتماعي، وأنَّه يَدُور في حَلْقة مُفرَغة، وعاجز عن إيجاد مكان له في سِياق عملية الاتِّصال بين أجزاء المجتمع. وإذا وَجَدَ الفردُ نَفْسَه خارج عملية الاتِّصال الاجتماعي، فقد القُدرةَ على التواصل مع العناصر الثقافية والمُكوِّنات اللغوية. وهكذا تتكرَّس القطيعةُ المعرفية بين التَّصَوُّرات الذهنية المُجرَّدة والتطبيقات الاجتماعية المحسوسة.

2

القطيعةُ المعرفية لَيست حركةً ميكانيكيةً في الزمان والمكان، وإنَّما هي عَجْزُ الفرد عن إسقاط المعنى الإنساني على طبيعة العلاقات الاجتماعية، وعَجْزُ المجتمع عن تأويل الفِعل الاجتماعي بما يَضمن تحقيق مصلحة الجُزء والكُل. والغايةُ من الفِعل الاجتماعي هي حماية الفرد مِن نَفْسِه، وحماية الإبداع الفردي من ضغط العقل الجمعي. وهذه الحمايةُ المُزْدَوَجَة مِن شأنها إنتاج خِطاب عقلاني يَحفظ التوازنَ بين الشعور والوَعْي، ويُولِّد علاقات اجتماعية جوهرية تملك القُدرةَ على التفسير والتغيير، ويَصنع عوالم معرفية تُحوِّل المفاهيمَ الفكرية إلى طاقة رمزية، وهذا يضمن تطوُّرَ العلاقات الاجتماعية في السياق المعرفي شكلًا وموضوعًا، وبالتالي، يَكتسب تاريخُ الوجود الإنساني شرعيةً فكريةً، ودَلالةً منطقيةً، وفلسفةً منهجيةً. وهذه الأسلحةُ المعنوية تَقُود إلى الوَعْي بالذات لإعادة صناعة الذات.

3

إذا تكرَّسَ الشعورُ كبُنية لغوية رمزية، وتجذَّرَ الوَعْي كصياغة معرفية تعبيرية، فإنَّ كُل فِكرة ثقافية سَتَؤُول إلى ظاهرة اجتماعية، لأن الشعور والوَعْي يُكوِّنان خصائصَ المنهجِ الاجتماعي، المحكومِ بالآلِيَّات الفكرية، والحاكمِ على الأدوات الوظيفية، وهذا المنهجُ قادر على تأسيسِ العناصر الثقافية على قاعدة الدَّلالة المنطقية، وتوليدِ التراكيب الاجتماعية من أجل تغيير الواقع. وهذه القدرة الذاتية للمنهج تعمل على تحويل الفِكرة الثقافية إلى ظاهرة اجتماعية تدريجيًّا. وبشكل عام، لا يُمكن تحويل الفِكرة إلى ظاهرة إلا في ظِل وُجود منهج عقلاني يُولِّد الأنساقَ التاريخية لتوظيفها في المجتمع من أجل نقله من الآلِيَّة الميكانيكية إلى الشعور الإنساني، ومِن الغَيبوبة إلى الوَعْي، ومِن التلقائية إلى القَصْدِيَّة، ومِن الحاضر إلى المُستقبل.

4

رحلةُ البحث عن معنى لكِيان الإنسان وجوهر الوجود، لها محطات فلسفية لا يُمكن الالتفاف حَولها أو القفز فَوقها، وهي: الشعور، والوَعْي، والمنهج، والفِكرة الثقافية، والظاهرة الاجتماعية. ومحطاتُ رحلة البحث عن معنى هي معالم طريق الإنسان نَحْو ذاته وذات المجتمع. وتحرُّكُ الإنسان في المجتمع هو - في حقيقة الأمر - تحرُّك الإنسان باتجاه ذاته لاكتشافها من جديد، وإعادة تركيبها على قواعد المنهج العِلْمي المُستمدة من ذات المجتمع القائمة على الوَعْي الروحي والوَعْي المادي. وحركةُ الإنسان في داخل المجتمع هي مسار وجودي في داخل الإنسان، لأن الإنسان لا يستطيع التحركَ في طبيعة العلاقات الاجتماعية بمعزل عن شُعوره الشخصي ووَعْيه الذاتي. والمنهجُ هو البناء العقلاني الذي يجعل مسارَ الإنسان في داخله وداخل المجتمع مُتَّصِلًا بلا فجوات ولا عقبات. والفكرةُ والظاهرةُ هُما الإطار العام لخريطة طريق الإنسان إلى اكتشاف ماهِيَّته، وتحليلِ طبيعة المجتمع.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

يسري عبد الغنيسعى السياسي والمؤرخ أمير البيان شكيب أرسلان لقراءة الأسباب التي أدت إلى تعاظم الفجوة الحضارية والمعرفية التي تفصل العالم الإسلامي عن العالم الغربي الذي جال في بلدانه.

وفي كتابه “لماذا تأخَّرَ المسلمون؟ ولماذا تقدَّم غيرهم”، أضاء أرسلان على النقاط التَّالية في واقع حال المسلمين في السابق وفي عهده، قائلاً:

إن أسباب ارتقاء المسلمين في الماضي كانت في مجملها إلى الدِّيانة الإسلامية التي كانت قد ظهرت جديداً في الجزيرة العربية، فدان بها قبائل العرب، وتحولوا بهدايتها من الفُرقةِ إلى الوِحْدَة، ومن الجاهلية إلى المدنية، ومن القسوةِ إلى الرَّحْمَة، ومن عبادة الأصنامِ إلى عبادة الواحِد الأحد، وتبدلوا بأرواحهم الأولى أرواحاً جديدة، صيَّرتهُم إلى ما صاروا إليه من عِزَّة وَمَنَعَةٍ، ومجدٍ وعِرفانٍ وثروة.

حالة المسلمين الحاضرة ولاسيما مسلمي القرن الرَّابع عشر للهجرة أو العشرين للمسيح، لا تُرضي أشدَّ النَّاسَ تحمُّسَاً بالإسلام وفرحاً بحزبه، فضلاً عن غير الأحمسي من أهله.

فلمَّا كان المسلمون قد غيَّروا ما بأنفسهم كان من العجَبِ ألَّا يغيِّرَ الله ما بِهِم، وأن لا يبدلهم الذِّل والضِّعة، من ذلك العِزِّ وتلكَ الرِّفعَة، بل كان ذلك يُعدُّ منافياً للعدل الإلهي، والله عزَّ وجَلّ هو العَدْل المَحْض.

تصوَّر أمَّةً لله عندها مئة، وهي تؤدِّي من المئة خمسةٍ فقط، أتعدَّ نفسها قد أدت ما عليها وهي تطمع أن يكافئها الله كما كان يكافئ أجدادها الذين كانوا يؤدُّون المئة المئة؟

إنَّنا نراهُم (المسلمين) قد محوا رسوم الأوقاف والمؤسسات الخيرية التي تركها آباؤهم، فضلاً عن كونهم لا يتبرعون بالأموال الخاصَّة، ولا يجرون مع الأوروبيين في ميدان من جهة التبرُّعِ لأجل المشروعات العامة، فكيف يطمعُ المسلمون أن تكون لهم منزلة الأوروبيين في البسْطَةِ والقوَّة والسُّلطان، وهم مُقصِّرون عنهم بمراحلِ في الإيثار والتضحية؟

يقولون: لماذا سادت الأمة الإنجليزية هذه السِّيادة كلها في العالم؟ نجيبهم: إنها سادت بالأخلاق وبالمبادئ الوطنية العالية.

وإذا سألتَ هؤلاء المسلمين الممالئين للعدو على أخوانهم؛ كيف تفعلون مثل هذا وأنتم تعلمون أنَّه مخالفٌ للدِّين والشَّرفِ وللفتوَّة وللمروءةِ وللمصلحة وللسياسة؟ أجابوك: كيف نصنع فإن الأجانب انتدبونا، ولو لم نفعل لبطشوا بنا، فاضطُرِرنا إلى القتال في صفوفهم.

ومن أعظم أسباب تأخُّر المسلمين فساد الاخلاق؛ بفقد الفضائل التي حثَّ عليها القُرآن، والعزائم التي حمل عليها سلفُ هذه الأُمَّة وبها أدركوا ما أدركوا من الفلاح، والأخلاق تكون في تكوين الأُمم فوق المعارف.

ومن أكبر عوامل تقهقر المسلمين فساد أخلاق أُمرائهم بنوعٍ خاصٍ، وظنَّ هؤلاء – إلَّا من رَحِمَ ربك- أن الأُمَّة خُلِقَت لهم أن يفعلوا بها ما يشاؤون، وقد رسَخَ فيهم هذا الفكر حتى إذا حاول محاول أن يقيمهم على الجادَّةِ بطشوا به، عِبرةً لغيره.

من أكبر عوامل انحطاط المسلمين الجمود على القديم، فكما أنَّ آفة الإسلام هي الفئة التي تريدُ أن تلغي كلَّ شيءٍ قديم، بدون نظرٍ فيما هو ضارٌ منه أو نافع؛ كذلك آفة الإسلام هي الفئة الجامدة التي تريد أن لا تغيِّرَ شيئاً، ولا ترضى بإدخال أقل تعديلِ على أصول التعليم الإسلامي؛ ظنَّاً منهم بأن الاقتداء بالكُفَّارِ كُفْرٌ، وأن نظام التعليم الحديث من وضْع الكُفَّار.

من أعظم أسباب تأخُّر المسلمين العِلْمَ النَّاقِص، الذي هوَ أشدُّ خَطَرَاً من الجهل البسيط، لأنَّ الجاهِلَ إذا قيَّضَ الله لهُ مُرشِداً عالماً أطاعهُ ولم يتفلسف عليه، وأمَّا صاحبُ العِلم النَّاقِصِ فهو لا يدري ولا يقتنع بأنَّه لا يدري.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

حيدر جواد السهلانيالمقدمة: في وقتنا الحاضر عندما يطرح موضوع السلام، لا بد من ذكر رجل السلام، الرجل الملهم للشعوب والإنسانية الرجل الذي واجهة السيئة بالحسنة، رجل معلم للتسامح، وبعد رحيله لا يزال يلهم العالم من خلال المثال الذي جسده في الشجاعة والرحمة، والتزامه بالعدالة الاجتماعية وثقافة الحرية والسلام، وهو رمز في عالم النضال والكفاح من أجل الحرية والعدل والمساواة، فقد سطر هذا الرجل العظيم اسمه بأحرف من ذهب في كتب التاريخ والسجلات، بعد أن كرس مانديلا حياته للنضال ضد سياسة التمييز العنصري في بلاده جنوب افريقيا، وبقي في السجن 28 عاما، من أجل الحرية والعدل، إلى أن تحقق مبتغاه، ويعتبر مانديلا، من الزعماء القلائل الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، حيث طافت سمعتهم البلاد شرقاً وغرباً، وحظي بلقاء أهم قادة ورؤساء العالم، وقد حمل مانديلا على ظهره تاريخ شعب جنوب إفريقيا، من النضال إلى الحرية، ومن الفصل العنصري إلى المساواة بين أبناء البلد الواحد، إذ يعد رمزاً لمكافحة التمييز العنصري في العالم، وقد ناضل لسنين دفاعاً عن مبادئه وقيمه وحقوق شعبه المضطهد في جنوب إفريقيا، وأصبح أيقونة للنضال في العالم،واستطاع خلال فترة نضاله من تحقيق ما كان يصبو اليه السكان الاصليين في جنوب افريقيا منذ وقت طويل، فتخلص من نظام الابارتيد بتوليه الحكم، بل حقق ما هو أبعد من ذلك، فقد ساعد في تحقيق ما عجز عنه قادة أخرين في بلادهم، حيث ساعد على تحقيق شكل من اشكال الاندماج الوطني، وإزالة المشاحنات والضغينة والعنف المتراكم لدى السود اتجاه البيض، فهو القائل "لا أحد يولد وهو يكره شخصاً آخر بسبب لون بشرته، أو خلفيته، أو دينه، إذ لا بد أن هؤلاء الناس تعلموا الكراهية، وإذا كان في مقدورهم تعلم الكراهية، فهذا يعني أن بإمكانهم تعلم الحب، فالحب أقرب إلى فطرة الإنسان من نقيضه."  أن مانديلا رمز وقصة بطولية حقق إنجاز عظيم وهو توحيد الشعب، وهذا فعله هو فعل العظماء، وللأسف عند النظر إلى الحكام العرب الذين في غالبيتهم مسلمون لن نجد حاكم عربي يحبه الشعب أو استطاع توحيد الشعب بالحب والديمقراطية، ممكن نجد بلاد عربية مستقرة، لكن استقرارها بالعنف والدكتاتورية وتكميم الأفواه وزرع الفتنة والتفرقة، وهذا ما تشهده بلادنا العربية، فقد دمروا الشعوب بتجبرهم وعدم مسامحتهم والتي كان الرسول (ص) وأصحابه والأئمة الاطهار يوصون بالتسامح، وقصص التسامح عن أهل البيت كثيرة جداً، لم نتعض بهذا التاريخ الكبير المشرف ولم تشهد الأمة العربية سياسي عربي في وقتنا الحاضر أو الذي سبقه رجل يكرس مبدأ التسامح والعفو وينشر السلام، كما فعل مانديلا.

مانديلا سيرة وفكر:

ولد نيلسون مانديلا بتاريخ 18 تموز/ يوليو 1918 في بلدة مفيزو على ضفاف نهر مباش في ولاية ترانسكاي بجنوب أفريقيا. أُطلق عليه عند ولادته اسم روليهلالا مانديلا، ويعني في اللغة العربية (سحب فرع من الشجرة)، أو (المشاكس) حسب اللغة العامية في مدينته، كان والده مستشاراً لزعماء القبائل في المنطقة، لذا كان من المتوقع أن يصبح زعيماً، ولكن خلافاً نشب بينه وبين الحاكم المحلي التابع للاستعمار أدى إلى تجريده من لقبه وثروته كلها وبذلك انتقل الأب مع عائلته إلى قرية صغيرة تقع شمالاً بالقرب من واد عشبي ضيق، حيث لا توجد أي طرق سوى ممرات قليلة يمكن السير عليها، وأقامت العائلة ضمن أكواخ صغيرة، واعتمدت في معيشتها على المحاصيل المحلية، أما مانديلا فشارك أقرانه في ألعابهم المختلفة، وقد اقترح أحد الأصدقاء على والده أن يقوم بتعميده، وهذا ما حصل فعلاً في الكنيسة الميثودية، وهكذا أصبح مانديلا أول شخص في عائلته يذهب إلى المدرسة، وهناك طلب منه المعلم وفقاً للعرف السائد، أو بالأحرى التحيز الحاصل آنذاك ضمن النظام التعليمي البريطاني في جنوب إفريقيا، أن يغير اسمه ليصبح فيما بعد نيلسون مانديلا. توفي والد مانديلا عندما كان عمره 9 سنوات، مما أدى إلى حدوث تغيير كبير في حياته، فقد تولى رعايته أحد أفراد الأسرة الحاكمة لقبيلة ثيمبو، فسافر إلى مقر الحاكم وتكيف سريعا مع البيئة الجديدة، ولكنه طبعا لم ينسى قريته الحبيبة، ثم عكف مانديلا خلال تلك الفترة على دراسة الجغرافية واللغة الإنجليزية والتاريخ، واهتم خصوصاً بالتاريخ الإفريقي، ولاسيما حين سنحت له الفرصة للاستماع إلى زعماء القبائل المختلفة عندما كانوا يأتون إلى القصر الكبير في المناسبات الرسمية، كانت أحاديثهم مليئة بالقصص والحكايات التي تروي كيف عاش الأفارقة في سلام وأخوة قبل مجيء البيض إلى أراضيهم، وبثهم الخلافات فيما بينهم، كذلك استمع إلى القصص التي تحكي كيف تشارك الأفارقة الأرض والهواء والماء مع البيض، الذين احتكروا كل شيء لأنفسهم، ثم عيِن مانديلا مستشاراً للعائلة الحاكمة، وتلقى تعليمه الثانوي في مدرسة كلاركيبوري الداخلية. وقد قال في إحدى المرات إن تفوقه الأكاديمي كان ثمرة الجهد الشاق الذي بذله أيام الدراسة، كذلك كان مانديلا متفوقاً في الرياضة، وتحديداً في الجري والملاكمة، إلا أنه نال قسطًا وافراً من سخرية زملائه نظراً لأصله الريفي، ولكنه في نهاية المطاف نجح في عقد صداقات مع العديد من الطلاب، بما في ذلك ماثونا، أولى صديقاته الإناث، وفي سنواته الأولى هيمنت على حياته العادات والطقوس والمحرمات، وقد تزوج مانديلا ثلاث مرات، وأنجب ستة أبناء، وله 17 حفيدا، و زواج مانديلا الأول كان من إيفلين نتوكو ماس، والتي كانت هي أيضا من ترانسكاي، التقيا في جوهانسبرغ قبل أن يتزوجا في أكتوبر 1944، و انتهى هذا الزواج في عام 1957 بعد 13 سنة، نتج عن هذا الزواج ابنان، ماديبا (1946-1969) وماكجاثو مانديلا (1950-2005)، وابنتان، كلاهما سميتا مكازيوي مانديلا (المعروفة باسم ماكي، من مواليد 1947 و 1953). ماتت الابنة الأولى بعمر تسعة أشهر، وسموا الابنة الثانية باسمها للذكرى و توفيت في عام 2004. زوجة مانديلا الثانية، ويني، أيضا من منطقة ترانسكاي، والتقيا أيضا في جوهانسبرغ، حيث كانت ويني أول أخصائية اجتماعية سوداء في المدينة. رزقا بابنتين، زيناني من مواليد 4 فبراير 1958 وزيندزيسوا من مواليد عام 1960. أما الزوجة الثالثة في عيد ميلاده ال80 في عام 1998، وتزوج غراسا ماشيل.

درس القانون في جامعة ويتواترسراند، وكان مانديلا الأفريقي الأصل الوحيد في الكلية، فواجه العنصرية وصادق الليبراليين والشيوعيين والأوروبيين واليهود والطلاب الهنود، ثم بدأ مانديلا عمله السياسي عام 1942م، عندما انضم لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وبدأ معارضته لسياسة التمييز العنصري، وقد نشط الحزب في حملة عرفت بحملة التحدي، وتنقل مانديلا خلالها في البلاد مشجعاً على مقاومة التمييز العنصري ومناهضة الاستعمار، و بعد وصول الأفريكان القوميين من الحزب الوطني إلى السلطة في عام 1948 وبدأ تنفيذ سياسة الفصل العنصري، برز على الساحة في عام 1952 في حملة تحد من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وانتخب رئيس لفرع حزب المؤتمر الوطني بترانسفال وأشرف على الكونغرس الشعبي لعام 1955، وعمل كمحامي وألقي القبض عليه مراراً وتكراراً لأنشطة مثيرة، وحوكم مع قيادة حزب المؤتمر في محاكمة الخيانة 1956-1961 وتمت براءته فيما بعد، وكان مانديلا يحث في البداية على احتجاج غير عنيف، وبالتعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا وشارك في تأسيس منظمة رمح الأمة المتشددة، وفي عام 1961، ألقي القبض عليه واتهم بالاعتداء على أهداف حكومية، وفي عام 1962 أدين بالتخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وحكمت عليه محكمة ريفونيا بالسجن مدى الحياة، وفي 5 أغسطس 1962، اعتقلت الشرطة مانديلا، وسجن في سجن مارشال سكوار بجوهانسبرغ، وفي عام 1963، تم إدانة مانديلا بالتحريض على إضرابات العمال والتخريب والتآمر للإطاحة بالحكومة، ونقل مانديلا إلى بريتوريا، وفي زنزانته بدأ في دراسة بالمراسلات للتحضير لليسانس الحقوق (بكالوريوس في القانون) من جامعة لندن، ثم نقل مانديلا وزملائه المتهمون من بريتوريا إلى سجن في جزيرة روبن آيلاند، حيث بقوا هناك لمدة 18 سنة معزولين عن السجناء الغير سياسيين في القسم B، وسجن مانديلا في زنزانة رطبة بمقاس 8 أقدام في 7 أقدام، ويوجد فيها حصيرة من القش للنوم عليها، و لم يسلم من المضايقات الجسدية واللفظية من العديد من حراس السجن البيض، وكان سجناء محاكمة ريفونيا يقضون يومهم في كسر الصخور في المحاجر، وقد منع مانديلا من ارتداء النظارات، مما تسبب في أضرار دائمة في بصره بسبب الجير،، ومنعت عنه الصحف، وكان قد حبس انفراديا في عدة مناسبات لحيازته قصاصات أخبار مهربة، وتم تصنيفه كسجين بأدنى درجة مراقبة (الدرجة D)، وسمح له بزيارة واحدة ورسالة واحدة كل ستة أشهر، وفي ظل رقابة صارمة على كل بريده شارك السجناء السياسيون في الإضرابات عن العمل وعن الطعام،والتي اعتبرها مانديلا لاحقا بغير الفعالة إلى حد كبير لتحسين أوضاع السجون، ونظر إليها كصورة مصغرة من النضال ضد الفصل العنصري، وانتخبه سجناء حزب المؤتمر عضوا في الجهاز العالي، وشارك في مجموعة تمثل جميع السجناء السياسيين في الجزيرة، وفي أبريل 1982، تم نقل مانديلا إلى سجن بولسمور في توكاي (كيب تاون) مع كبار قادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وكانت الأوضاع في بولسمور أفضل مما كانت عليه في جزيرة روبن، إلا أن مانديلا افتقد الصداقة وأجواء الجزيرة، ومع وجود العلاقات الجيدة مع الضابط الآمر ببولسمور، العميد مونرو، سمح لمانديلا بإنشاء حديقة على السطح،  والقراءة بنهم والتراسل على نطاق واسع، فسمح له بـ 52 رسالة في السنة، وفي ديسمبر 1988، نقل مانديلا إلى سجن فيكتور فيرستر بالقرب من بارل، وهناك وجد راحة نسبية في منزل الحراس مع طباخ شخصي، وسمح للكثير بزيارته، وقد أجرى مانديلا من خلالها اتصالات سرية مع زعيم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي المنفي أوليفر تامبو، وفي عام 1989 عانى بوتا من جلطة دماغية، فتنحى لصالح المحافظ دي كليرك، واعتقد الرئيس الجديد بأن نظام الفصل العنصري غير قابل للاستمرار، فأطلق سراح جميع سجناء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي دون قيد أو شرط باستثناء مانديلا، وبعد سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989، دعا دي كليرك مكتبه للاجتماع ومناقشة تقنين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وتحرير مانديلا، لكن البعض كانوا معارضين بشدة لخططه، ثم التقى دي كليرك مع مانديلا في ديسمبر لمناقشة الوضع، واللقاء اعتبره الطرفان بالودي، وقبل دي كليرك الإفراج عن مانديلا دون قيد أو شرط وإضفاء الشرعية على كل الأحزاب السياسية المحظورة سابقاً، وقد ترك مانديلا سجن فيكتور فيرستر في 11 فبراير، وقابل الحشود التي اجتمعت والصحافة وهو ممسك بيد زوجته ويني، وقد بث الحدث على الهواء مباشرة على جميع أنحاء العالم  وانتقل إلى مقر بلدية كيب تاون وسط الحشود، حيث ألقى خطابا أعلن فيه عن التزامه بالسلام والمصالحة مع الأقلية البيضاء، كما أوضح أن الكفاح المسلح لحزب مؤتمر الوطني الأفريقي لم ينته بعد، وأنه سيستمر، كإجراء دفاعي ضد عنف نظام الفصل العنصري، وأعرب عن أمله أن توافق الحكومة على المفاوضات، بحيث لا تكون هناك أي ضرورة للكفاح المسلح، وأصر على إحلال السلام لغالبية السود وإعطاؤهم الحق في التصويت في الانتخابات الوطنية والمحلية، وفي يوليو 1991، أثناء المؤتمر الوطني للحزب في ديربان، اعترف مانديلا بأخطاء الحزب وأعلن عن هدفه في بناء (فريق مهام قوي ومؤهل) لتأمين حكم الأغلبية، وفي المؤتمر انتخب مانديلا رئيساً لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ليحل محل تامبو المريض، كما تم انتخاب 50 عضوا تنفيذيا من أعراق وأجناس متعددة، واصبح لمانديلا مكتب في المقر الجديد لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في شل هاوس، وسط جوهانسبرغ، وفي انتخابات 27 أبريل 1994 أعد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي حملة انتخابية فتح خلالها 100 مكتب، و كانت حملة حزب المؤتمر قد قامت حول برنامج لإعادة الإعمار والتنمية لبناء مليون منزل في ضرف خمس سنوات، وإدراج التعليم المجاني الشامل وتوسيع نطاق الحصول على المياه والكهرباء. و كان شعار الحزب (حياة أفضل للجميع) وكرس مانديلا الكثير من الوقت لجمع التبرعات لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي وهو يطوف أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا ساعيا ملاقاة المتبرعين الأثرياء ومن ضمنهم أنصار نظام الفصل العنصري،و ظهر في الانتخابات دي كليرك ومانديلا كقادة للحزبين الرئيسيين، في مناظرة على التلفزيون، ورغم اعتبار دي كليرك أحسن متكلم في هذا الحدث لدى الاغلبية من المشاهدين، لكن عرض مانديلا يده لمصافحته مفاجئة له، مما دفع ببعض المعلقين لاعتبار ذلك انتصارا لمانديلا، وأدلى مانديلا بصوته في مدرسة ثانوية في ديربان، وقد فاز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في 7 محافظات من أصل 9،و نيله 62٪ من الأصوات على المستوى الوطني، وهنا اقترب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي كثيراً من نسبة الثلثين التي تمنحه الأغلبية اللازمة لتغيير الدستور، وتم تنصيب مانديلا في بريتوريا في 10 مايو 1994، وتابع المراسيم عبر نقل تلفزيوني مليار مشاهد حول العالم، وحضر هذا الحدث 4000 ضيف، من بينهم قادة العالم من خلفيات متباينة، وأصبح مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا ورئيسا لحكومة الوحدة الوطنية التي هيمن عليها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ولم تكن له أي تجربة في الحكم، وضمت الحكومة أيضا نوابا من الحزب الوطني وأصبح دي كليرك نائبا أولا للرئيس، في حين تم اختيار ثابو مبيكي نائبا ثانيا، وبالرغم من أن مبيكي لم يكن الاختيار الأول لهذا المنصب، إلا أن مانديلا أراده أن ينمو ليعتمد عليه بشكل كبير خلال فترة رئاسته، والسماح له بتنظيم تفاصيل السياسة، واستمر في الحكم من عام 1994 حتى عام1999،ثم قاد مانديلا مجموعة من المفاوضين ضمن محادثات رسمية مع الحكومة، وكان هدف المفاوضات وضع دستور خاص بجنوب أفريقيا يمنح السود حق المواطنة وحق الانتخاب .

في فبراير 2011، أدخل مانديلا المستشفى بسبب عدوى أصابت الجهاز التنفسي، وجذب ذلك اهتماما دوليا  قبل إعادته للمستشفى بسبب إصابة في الرئة وإزالة حصوة في ديسمبر 2012،و بعد إجراء طبي ناجح في أوائل شهر مارس عام 2013،  تكررت إصابة رئته، واستضيف في مستشفى بريتوريا لفترة وجيزة، وفي يوم 8 يونيو 2013، تفاقمت إصابة رئته، وأعيد إلى مستشفى بريتوريا وهو في حالة خطيرة، وفي 22 يونيو 2013، ذكرت شبكة سي بي اس نيوز أنه لم يفتح عينيه لعدة أيام، وفي 23 يونيو 2013، أصدر الرئيس جاكوب زوما بيانا قال فيه بأن حالة مانديلا أصبحت حرجة، وفي 25 يونيو، زار ثابو ماكجوبا (مطران كيب تاون) مانديلا في المستشفى وصلى مع غراسا ماشيل مانديلا في هذا الوقت الصعب، وفي اليوم التالي زار زوما مانديلا في المستشفى وألغى زيارة مقررة في اليوم التالي إلى موزمبيق، وفي يوم 5 ديسمبر 2013 توفي مانديلا، وكان محاطًا بعائلته في منزله بجوهانسبرغ متأثرا بعدوى في الرئتين عانى منها طويلا، وقد فارق مانديلا الحياة حوالي الساعة 20:50 بتوقيت المحلي وأعلن عن وفاته الرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما، من خلال بيان قال فيه " بني وطني جنوب إفريقيا، لقد وحدنا مانديلا وسوف نودعه موحدين." وأعلن الحداد في البلد لمدة 10 أيام، وقد حظي مانديلا بجنازة رسمية حضرها 90 ممثلا رسميا لعدة دول ومنظمات في تجمع مهيب تداول فيه عدد زعماء على المنصة لرثاء الفقيد، والمراسم جرت في 10 ديسمبر 2013 في ملعب سوكر سيتي في جوهانسبيرغ، هذا الملعب الذي شهد آخر إطلالة جماهيرية لمانديلا أثناء بطولة كأس العالم لكرة القدم 2010، في حين أقيمت مراسم الدفن بكونو (مسقط رأسه) بحضور أفراد من عائلته وقادة البلاد.

الجوائز والتكريمات:

أحب الناس تكريم عمل مانديلا من أجل الحرية وحقوق الإنسان، كما لو أن 695 جائزة لم تكن كافية، فقد سميت أكثر من 25 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية باسمه، وما لا يقل عن 19 منحة دراسية ومؤسسة تحمل اسمه، كما صنع أكثر من 95 منحوتة وتمثال وقطعة فنية عنه، أو كرست له، وقد حملت الكثير من شوارع مدن العالم اسم مانديلا، إلا أن أغرب ما يحمل اسمه هو طائر من فصيلة نقار الخشب، أطلق العلماء عليه اسم مانديلا، بجانب إطلاق علماء من جامعة ليدز على جزء نووي اسم جزء مانديلا، واستغلت صورة مانديلا عند الناس تجارياً، فتم تسويق وبيع أقمصة تحمل صورته إضافة إلى حوالي خمسمائة كتاب منشور عنه، ومنها أيضا الأشياء ذات الصلة بمؤسسته التي تحارب الفقر والإيدز، والعديد من الفنانين كرسوا أغاني لمانديلا كان أشهرها أغنية الحرية لنيلسون مانديلا في عام 1983، وصور مانديلا في السينما والتلفزيون في مناسبات متعددة، منها فيلم مانديلا ودي كليرك لعام 1997، وفي نوفمبر 2009، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم عيد ميلاده، 18 تموز  بـ يوم مانديلا، كيوم احتفال وطني اعترافاً بإسهاماته في النضال من أجل الحرية والمساواة، ويعتبر مانديلا في جنوب أفريقيا على نطاق واسع بـ (أب الأمة) و(الأب المؤسس للديمقراطية)، كما ينظر له كـ (محرر وطني ومخلص)، وفي عام 2004، منحت جوهانسبرغ مانديلا (حرية المدينة)، وأعيد تسمية ساحة مركز تسوق ساندتون باسم (ساحة نيلسون مانديلا)، ونصب تمثال لمانديلا فيها، وفي عام 2008، ازيح الستار عن تمثال آخر لمانديلا في سجن فيكتور فيرستر سابقا، بالقرب من كيب تاون، ويقف في المكان الذي أطلق سراح مانديلا فيه من السجن، ومن الجوائز التي حصل عليها: الحكم الرشيد في إفريقيا (2007)، ميدالية موتا جوزيبي   (2006)، جائزة سفير الضمير المرموقة (2006)، وسام القديس يوحنا  (2004)، جائزة غاندي للسلام (2000)، وسام أستراليا من رتبة وصيف مشرف (1999)،  وفي عام 1992 حصل على جائزة أتاتورك للسلام من تركي، لكنه رفض الجائزة، مبررا ذلك بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها تركيا في ذلك الوقت، وقبل لاحقا الجائزة في عام 1999، وسام الحرية الرئاسي  (1999)، وسام صليب القديس أولاف من رتبة فارس أعظم   (1998)، وسام سيرافيم  (1997)، وسام فرسان الفيل (1996)، نيشان الاستحقاق    (1995)، الوسام الأولمبي الذهبي (1994)، جائزة نوبل للسلام  (1993)،  الدكتوراه الفخرية من الجامعة الحرة في بروكسل   (1993)، جائزة فولبرايت (1993)، جائزة أميرة أشتوريس للتعاون الدولي (1992)، الدكتوراه الفخرية من جامعة بكين   (1992)، جائزة فيليكس هوفويت بواني للسلام  (1991)، الدكتوراه الفخرية من جامعة كمبلوتنسي بمدريد  (1991)، نيشان خوسيه مارتي (1991)، جائزة لينين للسلام  (1990)، نيشان الصداقة (1988)، جائزة سخاروف لحرية الفكر  (1988)، جائزة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان (1988)، و منحته الملكة اليزابيث الثانية الصليب الكبير من وسام القديس جون ووسام الاستحقاق، الدكتوراه الفخرية من جامعة هونغ كونغ،جائزة برونو كرايسكي لحقوق الإنسان، وسام الحرية فيلادلفيا، جائزة الحريات الأربع ميدالية الحرية، الدكتوراة الفخرية من جامعة برشلونة المستقلة، الجنسية الكندية الفخرية، الدكتوراه الفخرية من جامعة كلكتا، نيشان مالي الوطني من رتبة صليب أعظم، الصليب الأعظم لنيشان رهبانية القديس يوحنا من رتبة حاجب، وسام الصداقة الروسي، نيشان أغوستينيو نيتو، نيشان نجمة غانا، جائزة القذافي لحقوق الإنسان، نيشان رفاق أوليفر تامبو، ميدالية الكونغرس الذهبية، جائزة دلتا للتفاهم الدولي، وسام الإبتسامة، نيشان الجبل القديم، نيشان جامايكا، نيشان باكستان، وسام بلايا خيرون الوطني.

جنوب افريقيا:

جمهورية جنوب أفريقيا، هي دولة تقع في أقصى جنوب قارة افريقيا، ويحدها كل من ناميبيا، بوتسوانا، زيمبابوي، موزمبيق واسواتيني. كما أن اقتصادها هو الأكبر والأكثر تطورا بين كل الدول الأفريقية، والبنية التحتية الحديثة موجودة في كل أنحاء البلاد تقريباً، ويوجد في جنوب أفريقيا أكبر عدد سكان ذوي أصول الأوروبية في أفريقيا، وأكبر تجمع سكاني هندي خارج آسيا، وأكبر مجتمع ملون في أفريقيا، مما يجعلها من أكثر الدول تنوعاً في السكان في القارة الأفريقية، وتعد جنوب أفريقيا من الدول الأفريقية القليلة التي لم تشهد انقلاباً على الحكم، كما يتم تنظيم الانتخابات الحرة والنزيهة منذ عام 1994، مما يجعل للبلاد قوة مؤثرة في المنطقة، بل واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في القارة الأفريقية.

في القرن السابع عشر كان يتنافس الهولنديون والإنجليز، بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح عام 1488، من قبل برتو لومور، على استعمار جنوب أفريقيا، وأقاموا مستوطنات الهولنديون وجاءوا بالمزارعين الذين اطلق عليهم البوير، ثم تطور المصطلح ليطلق على المستوطنين الاوربيين، ثم بدأ الاضطهاد بالسود، وجلب اسيويين للعمل واستعبادهم، ووصل طريقة الاستعباد للسود، بأنهم اصبحوا يعاشرون نساء السود بدون ضوابط الزواج، ونتيجة لهذه العلاقة، ظهرت جماعة أخرى هي الملونين، وتسمى في جنوب أفريقيا (جريكاي) وينظر إليهم البعض كما ينظرون للسود والآسيويين، ثم حدث خلاف بين الهولنديون والانجليز، ادى إلى نهاية المطاف مصالحة وقيام نظام برلماني سياسي دستوري يقتصر على البيض فقط، ومنذ عام 1948، بدأت السلطة تطبق نظام التمييز العنصري، مما أدى إلى ظهور حركات ومظاهرات من قبل السود، ولكنها تم ردعها بمذابح واستمر هذا التميز إلى وصول دي كليرك إلى رئاسة الحكم، و كان السبب الأساسي الذي جعل دي كليرك ينهي السياسة العنصرية في البلاد، إدراكه أن العداء العرقي والعنف المتزايد سيقودان جنوب إفريقيا إلى حرب أهلية عرقية جديدة، لكن هذه المرة لن يكون بمقدور البيض الصمود أمامها، فتفاوض الرئيس مع الرجل الذي استحوذ على قلوب وعقول الجميع مانديلا، و في 11أيلول 1990أطلق سراح مانديلا من السجن ودعى أنصاره إلى التوقف عن الكفاح المسلح، وتم انتخاب مانديلا رئيساً للمؤتمر الوطني الأفريقي سنة 1991، وتفاوض مع رئيس البلاد آنذاك، دي كليرك، على إجراء أول انتخابات متعددة الأعراق في البلاد، وفي عام 1992، أعلنت الحكومة أنه سيكون بمقدور السود الادلاء بأصواتهم،  وفي عام 1993، حاز مانديلا وكليرك جائزة نوبل للسلام نظير عملهما المشترك لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وهكذا أُجريت أول انتخابات ديمقراطية في البلاد بتاريخ 27 نيسان 1994، وفي 9 أيار 1994، عقد أول برلمان متعدد الاعراق في جنوب افريقيا وانتخب مانديلا كأول رئيس أسود لجنوب أفريقيا.

الأبارتيد

الأبارتيد هو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من عام 1948 وحتى تم إلغاء النظام بين الأعوام 1990 – 1993،  وأعقب ذلك انتخابات ديموقراطية عام 1994. يهدف نظام الأبارتيد إلى خلق إطار قانوني يحافظ على الهيمنة الاقتصادية والسياسية للأقلية ذات الأصول الأوروبية،  وأول استعمال لكلمة الأبارتيد كان عام 1917 خلال خطاب ألقاه جان كريستيان سماتس، الذي أصبح لاحقا رئيس وزراء جنوب أفريقيا عام 1919، ومع أن نشأة الفصل العنصري عادة تنسب إلى الحكومة المهيمنة على الحكم في الفترة 1948-1994 إلا أنه جزئيا هو تركة الاستعمار البريطاني الذي أدخل نظام إصدار القوانين في مستعمرة الكاب ومستعمرة ناتال خلال القرن التاسع عشر، وقد رفضت كافة لغات العالم استقبال هذه الكلمة بترجمتها، وبقيت كما هي الأبارتيد تعبر عن حالة متفردة من العنصرية الرسمية الصريحة، وقد بدأ الحزب الوطني بإدخال سياسة الفصل العنصري منذ1948 وهو الحزب نفسه الذي بدأ تفكيك هذه السياسة عام 1990،بعد صراع طويل مع الأغلبية السوداء ومجموعات مناهضة للعنصرية من البيض والهنود، وبدأ تطبيق سياسة الأبارتيد أي التفرقة العنصرية بشكل رسمي حيث لم يكن مسموحاً للسود بالعمل إلا في أعمال محددة ومنعوا من حق الانتخاب وحق الملكية إضافة إلى انعدام المساواة بينهم وبين البيض في تقاضي الأجور إضافة إلى عزلهم في المساكن وأماكن العمل والمدارس، وتم توسيع سياسة التمييز العنصري في البلاد، فحكم الأربعة ملايين من العناصر البيضاء بقية السكان من غير البيض والذين قدر عددهم بحوالي 29 مليون، وسلكت الحكومة البيضاء سياسة عزل الأفارقة السود في مناطق خاصة بهم، وتوفير الخدمات العامة لهم كالتعليم والصحة بمعزل عن البيض، وقد أصدرت هيئة الأمم المتحدة عدة قرارات لمقاطعة اتحاد جنوب أفريقيا في سنة 1962 والسنوات التالية لها استنكاراً لهذه السياسة، كما قاطعت دول العالم الثالث اتحاد جنوب أفريقيا، وقد قسم الأبارتيد السكان إلى أربع مجموعات عرقية حسب القوانين التي كان يعمل بها منذ 1948 إلى 1991، وتلك المجموعات هي السود والبيض و الملونون و الآسيويون، ومنذ ثمانينيات القرن العشرين بدأ بعض البيض يطالبون بمنح السود حق التصويت، وضرورة إلغاء سياسة التفرقة العنصرية، وبعد أن تخلت حكومة جنوب إفريقيا عن سياسة التمييز العنصري، استأنفت معظم الدول علاقاتها التجارية معها، كما سمح لها بالاشتراك في المنافسات الرياضية العالمية، وفي عام 1992م شارك رياضيو جنوب إفريقيا في الألعاب الأوليمبية لأول مرة منذ 1960، وفي عام 1992 صوت البيض في استفتاء عام بالإيجاب طالبين بذلك من الحكومة المضي قدما في تبني ديمقراطية غير عنصرية، وفي العام التالي ألغت الأمم المتحدة كافة القيود التجارية مع جنوب إفريقيا، وفي عام 1994 أجريت بجنوب إفريقيا أول انتخابات ديمقراطية اختارت حكومة غير عنصرية.

السياسة والتسامح:

عندما أصبح مانديلا أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ جنوب أفريقيا في العام 1994، بدا العالم حينذاك مكاناً مختلفاً تماماً، كان انتخابه رمزاً لميلاد جديد للحرية حول العالم، وكان سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة قد أديا إلى استنهاض ثورة ديمقراطية ليس في جنوب إفريقيا فحسب وإنما في جميع أنحاء العالم، وبين بداية التسعينيات والعام 2011، ازداد عدد الديمقراطيات على الكوكب من حوالي ثلث دول العالم إلى ما يقرب من النصف، ولم يكن مانديلا نفسه رمزاً عالمياً للديمقراطية فحسب، وإنما كان رمزاً للتعددية أيضاً، وبدأ انتصاره مثل إيذان بنهاية حقبة الاستبداد والقومية العرقية، وهكذا كان مانديلا زعيماً للحقوق المدنية في جنوب أفريقيا ومحارباً ضد الفصل العنصري، وهو نظام يتم فيه فصل المواطنين البيض وغير البيض عن بعضهم مع عدم إعطائهم نفس الحقوق بالتساو، وقد قضى مانديلا جزءاً كبيراً من حياته في السجن احتجاجاً على ذلك، ولكنه صار رمزاً لشعبه وأصبح رئيساً لجنوب إفريقيا في وقت لاحق، وقد جسد مانديلا طوال حياته أرقى قيم ومبادئ فكرة اتحاد الامم، وقد ظل معتقلاً لعقود من الزمان بسبب معتقداته، ومع ذلك حافظ على إيمان ثابت بالعدالة والمساواة الإنسانية، وعند إطلاق سراحه، تصالح مع أولئك الذين اضطهدوا، ثم قاد الطريق نحو تحقيق جمهورية جنوب أفريقيا الديموقراطية متعددة الأعراق، وقد عمل بلا كلل من أجل السلام والكرامة الإنسانية للشعوب في كل مكان، كما أن اشتراكه في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) قد فتح آفاقا جديدة، مما ساعد على التخلص من أولئك الذين يعانون من هذا المرض، ولقد كان نموذجاً للمواطن الديمقراطي الذي يتفق مع الجميع ويتعايش مع الجميع و يمكن أن يستمر مثاله في توجيهنا في عملنا لبناء عالم أفضل للجميع، و ترأس مانديلا الانتقال من حكم الأقلية بنظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية متعددة الثقافات، ورأى في المصالحة الوطنية بأنها المهمة الأساسية في فترة رئاسته، بعد أن شاهد كيف تضرر الاقتصاد الأفريقي برحيل النخب البيضاء، وعمل مانديلا على طمأنة السكان البيض في جنوب أفريقيا بأنهم لهم كافة الحقوق في جنوب أفريقيا، و حاول مانديلا تكوين أوسع تحالف ممكن في مكتبه، مع دي كليرك،فقد آمن مانديلا كثيراً بالديمقراطية والالتزام بقرارات الأغلبية، ورسخ لديه الاعتقاد بأن الشمولية والمساءلة وحرية التعبير من أسس الديمقراطية، وكان يؤمن بالحقوق الطبيعية والبشرية، و كان يعارض علنا الرأسمالية والملكية الخاصة للأراضي وسلطة المال الكبيرة متأثرا بالماركسية، ونادى مانديلا أثناء الثورة بالاشتراكية العلمية،  ولكنه نفى أن يكون شيوعيا أثناء محاكمته بالخيانة، وقد استغل مانديلا حب الشعب وحماسه نحو الرياضة في تعزيز المصالحة بين البيض والسود، وكذلك عمل مانديلا على حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار، ووضع خطة لإعادة إعمار البلاد وتنميتها، وفي عام 1996، وقع مانديلا على مرسوم تشريع دستور جديد للبلاد، وأنشأ حكومة مركزية قوية تقوم على حكم الأغلبية، مع ضمان حقوق الأقليات وحرية التعبير، وأنشئ  جهاز قضائي وسياسي لقيادة المصالحة، وكان ناجحاً فيها بحيث أصبح نموذج المصالحة والمسامحة في التاريخ، وأسهم في القضاء على الأحقاد ووضع البلد في طريق التعايش، وعمل على تفكيك أي شيء له علاقة بالفصل العنصري، والتصدي للعنصرية في الشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وحارب الفقر وحاول تحقيق مبدأ العدالة مع الأفارقة الذين حرموا من حقهم، وتعزيز المصالحة سياسياً، وعندما حان موعد الانتخابات العامة سنة 1999، أعلن مانديلا عزوفه عن الترشح، ورغبته في ترك العمل السياسي، ولكنه استمر في نشاطاته الرامية إلى جمع الأموال اللازمة لتشييد المدارس والمراكز الصحية في المناطق الريفية من جنوب أفريقيا، وعمل أيضًا على نشر عدد من الكتب التي تروي معاناته وكفاحه، نذكر منها: (رحلتي الطويلة من أجل الحرية)، وقد آمن مانديلا بفكرة التسامح والغفران بنزع فتيل الإشكال،وتميزت كل خطاباته بعد ذلك بروح العقل والتآخي بين بني قومه، بحيث أن هؤلاء البيض أصبحوا جزءً من الوطن بينما جذورهم انتهت عن بريطانيا، ووصل بشعبه إلى بر الأمان، فكان يهدف إلى أن يحقق الحرية والعدالة والرخاء والأمان والتعايش السلمي، ويقول مانديلا "عندما خرجت من السجن كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معا، فأن حاجة الظالم إلى  الحرية أكثر من حاجة المظلوم، فالذي يسلب إنسان حريته يصبح هو نفسه أسير للكراهية والحقد، ويعيش وراء قضبان التعصب وضيق الأفق، فالظلم يسلب كل من الظالم والمظلوم حريته، والحرية ليست مجرد فك الأغلال، ولكن الحرية أن تعيش حياة تحترم فيها حرية الآخرين وتعززها." لذلك أصر مانديلا  أن المصالحة يجب أن تتم خلال فترة حكمه فجعلها هدفه الرئيسي خلال هذه الفترة، وأعلن أن الشعب الشجاع لا يخشى المسامحة من أجل السلام، وهذا الذي جعل مانديلا يحقق المصالحة والمسامحة بين البيض والسود رغم كل الانتقادات الشديدة التي وجهت له من قبل السود المتشددين.

المواقف السياسية بعد التقاعد:

في سنة 1999 قرر التقاعد فلم يترشح لفترة رئاسية ثانية، واشتغل بالأعمال الخيرية من خلال مؤسسة مانديلا الخيرية، وبعد تقاعده عاش مانديلا حياة عائلية هادئة، يتنقل بين جوهانسبرغ وكونو، لكنه وجد صعوبة في البقاء في العزلة، فعاد إلى الحياة العامة مع برنامج يومي للمهام، تضمن اجتماعات مع قادة العالم والمشاهير، وعمل في جوهانسبرغ مع مؤسسة مانديلا، التي تأسست في عام 1999 بغية مكافحة انتشار الإيدز والتنمية الريفية وبناء المدارس، وفي عام 2003 تم إنشاء (مؤسسة مانديلا رودس) في بيت رودس بجامعة أكسفورد، لتوفير منح في الدراسات العليا للطلبة الأفارقة، وبدأ مانديلا يرفع صوته علناً منتقداً القوى الغربية، فعارض بشدة تدخل حلف شمال الأطلسي في حرب كوسوفو سنة 1999، واصفا الأمر بمحاولة من جانب الدول القوية لأداء دور شرطي على العالم كله، ولعب مانديلا دور الوسيط في بوروندي في فبراير 2000، وفي نوفمبر 2001، قدم مانديلا تعازيه في أعقاب هجمات 11 سبتمبر ودعم العمليات في أفغانستان، و في يوليو 2002، منحه الرئيس جورج دبليو بوش وسام الحرية الرئاسي، واصفا إياه بـ(رجل الدولة الأكثر احتراما في عصرنا)، وفي عام 1999، وخلال زيارة إلى إسرائيل وقطاع غزة، طلب مانديلا من إسرائيل الانسحاب من الأراضي المحتلة، وعلى الدول العربية أن تعترف بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود آمنة، و دافع عن علاقته مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذين دعموا تاريخياً دائماً حزب المؤتمر الأفريقي، وقال أن منظمته في نفس صف منظمة التحرير الفلسطينية، لأنهما تحاربان من أجل تقرير المصير ولكن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لم يشكك أبداً في حق دولة إسرائيل في الوجود، ولكن خارج الأراضي المحتلة، ودعى إلى وضع حد للحصار على قطاع غزة، مشيراً إلى أن نصف سكان غزة البالغ عددهم مليون ونصف المليون نسمة هم تحت 18 سنة وأن هذا الحصار (غير قانوني وغير مفيد)،وطلب مانديلا من إسرائيل ترك الأراضي الفلسطينية ووقف العنف، وكذلك الانسحاب من أي احتلال لها في الدول العربية، وفي عام 2003 عارض خطة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لشن الحرب على العراق، واصفا إياها بـ المأساة موبخا الرئيس الأمريكي بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير لتقويضهم دور الأمم المتحدة واتهم بوش برغبته في إغراق العالم في هولوكوست، كما اتهمه أيضا بالغطرسة وغياب الرؤية والذكاء، واعتقد أن هذا الإجراء سوف يقلل من تأثير الأمم المتحدة، وشجع الشعب الأمريكي على التظاهر ضد الحرب، وكذلك الدول التي تملك حق النقض في مجلس الأمن على استعماله، واتهم مانديلا بوش بالذهاب إلى العراق من أجل النفط فقط، ولمح إلى أن سياسة بوش وتوني بلير،تجاهلت توصيات الأمين العام كوفي عنان لها بدوافع عنصرية، و هاجم الولايات المتحدة على انتهاكاتها السابقة لحقوق الإنسان وإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي خلال الحرب العالمية الثانية.

وحب مانديلا للرياضة وإيمانه بأنها توحد الشعوب خاض حملة منذ عام 2004  ناجحة لاستضافة جنوب أفريقيا لنهائيات كأس العالم لكرة القدم معلنا أنها ستكون (أفضل الهدايا القليلة لدينا في هذا العام) وظهر مانديلا في حفل الختام، وحظي بـاستقبال حافل، وفي 18 يوليو 2007، وبمبادرة من الملياردير ريتشارد برانسون والموسيقي بيتر غابرييل، نظم مانديلا و غراسا ماشيل وديزموند توتو في جوهانسبرغ اجتماعا لزعماء العالم المؤثرين الذين يريدون المساهمة بخبراتهم وحكمتهم في حل المشاكل الأكثر أهمية في العالم وأعلن مانديلا عن تشكيل (مجلس حكماء العالم) في كلمة له خلال عيد ميلاده التاسع والثمانين، وضم المجلس العديد من الاشخاص المؤثرين في العالم من ضمنهم كوفي عنان، ويعمل هذا المجلس على  تشجيع التفاوض حيث يدور الصراع، وإعطاء الأمل حيث ينتشر اليأس، ونشر السلام في العالم، وتحقيق المساواة بين الجنسين، ودعم المبادرات الرامية إلى التصدي للأزمات الإنسانية، فضلًا عن تعزيز الديمقراطية.

 

حيدر جواد السهلاني

................

الهوامش:

1- ينظر نيلسون مانديلا: رحلتي الطويلة من أجل الحرية، ترجمة عاشور الشامس، جمعية نشر اللغة العربية.

2- ينظر مسعود الخوند، الموسوعة التاريخية الجغرافية، ج7، مؤسسة هانياد، لبنان، ص317-380.

 

 

اسعد شريف الامارةالدين إنساني النزعة كما هو متعارف عليه، أي دين كان، الدين السماوي له كتاب منزل به تعاليمه ومنهجه، أو دين وضعي دنيوي مثل الكونفوشية والهندوسية والبوذية والزرادشتيه وغيرها من الفلسفات التي تحولت إلى دين آمن به ملايين الناس في الكرة الأرضية، هؤلاء الناس لهم عقل آمن وتم مصادرته إذا تطرف أو سَلم أمره لمن يقلده أو يتبعه، أو يمكن أن نطلق عليه سلوك القطيع، وهو سلوك جمعي، أعني مصادرة العقل الجمعي، من المتعذر على وجه التقريب أن لا تثير قراءة هذه السطور مساس لدى البعض من التابعين الذي سلموا أمرهم واستسلموا، لأن الدين أي دين يدعو للعقل وتشغيله، للتفكير والتفكر، للأخلاق ويؤكد على الشعور بالأثم حينما يقوم المؤمن بفعل شيء مخالف لدينه، مثلما يشتط غضبًا حينما يستهدف نبيه "النبي" أو المقدس – مرجعه الديني، أو مذهبه أو دينه أو معتقده، أو يمس في مركزية إيمانه وهو الاعتقاد، لذا فعلماء النفس الإجتماعي يقولون أن التأثير على الرأي سهل جدًا، وتغيير الإتجاه يمكن أن يتغير، إلا أن المعتقد من الصعب تغييره أو زحزحة الإيمان بما يعتقد الفرد، والكثير من الشواهد ظلت شاخصة بقتل الالاف من المسيحيين المؤمنين في بداية ظهور المسيحية وكانوا كبش الفداء لإيمانهم بما يعتقدون، وكذلك الحال مع اليهود المتمسكين بعقيدتهم والذين رفضوا زيف السياسة والتجارة وحب الاستيلاء وكره الشعوب ودمجها مع المعتقد اليهودي، والأمر سيان ولا يقل أهمية عند المسلمين ممن استشهدوا في سبيل معتقدهم الديني والمذهب وراحوا ضحايا التصفيات الدينية في بلداننا العربية بالذات. إذن الدين معتقد يرتبط بالله أو بالفلسفة التي يؤمن بها الفرد، والموت في سبيله هو شهادة تستحق التضحية، وحتى لدى الهندوس المتزمتين، أو البوذيين أو غيرهم من الديانات الأخرى، أما التدين فهو شيء آخر، فهو سلوك يظهره الفرد .

أن ما يهمنا في هذا الطرح هو التدين والسلوك، والسلوك في علم النفس هو نشاط الإنسان في تفاعله مع بيئته وعناصرها تعديلا لها حتى تصبح أكثر ملائمة له، أو تكيفًا ذاتيًا معها حتى يحقق لنفسه أكبر قدر من التوافق معها، هذا ما اوردته موسوعة علم النفس والتحليل النفسي "فرج طه وآخرون". أما الدين في رأي "جيمس فرايزر" هو عبارة عن إسترضاء أو إستمالة قوى تفوق الإنسان يعتقد أنها توجه وتتحكم بسير أمور الطبيعة والحياة البشرية. ويطرح "فرايزر" في كتابه الغصن الذهبي يتشكل الدين من عنصرين هما: العنصر النظري وهو الإيمان بالقوى العليا، والعنصر العملي وهو محاولة إرضاء تلك القوى، ويضيف"فرايزر" من الواضح أن الأول يأتي أولا لوجوب الإيمان بوجود الكائن الإلهي قبل محاولة استرضائه، ويبقى الإيمان محض نظرية مالم يؤد إلى الممارسة المتساوقة معه، وهو السلوك بمعنى أدق. 

لهذا السبب كان الدين والتدين  مرتبط بالسلوك ارتباطًا وثيقًا، لا تدين  بدون سلوك، ولكن يمكن أن يكون السلوك بلا دين، وهو ما يؤمن فيه البعض من فلسفات أخرى وأحزاب سياسية قدمت لشعوبها الرفاهية والعدالة والمساواة بدون دين، ويكون الرابط بينهما هو ما يصدر عن فاعله من سلوك مثل الخدمة وتقديم التوجيه،  وهو يعكس ما يؤمن به الفرد.  إذن السلوك المؤثر يكون  جذاب للعقل البشري وشكلًا دافعًا قويا للبحث عن تحقيق المصلحة الذاتية لدى الفرد الذي يقدم التوجيه، أو ربما وظيفة أمتهنها البعض مقابل ثمن مادي "راتب شهري مثلا". 

نجح التدين من خلال السلوك التلاعب بالنفس الإنسانية  وقوة التأثير على العقل من خلال العاطفة وإخضاع أحداث الحياة  للقانون الإلهي الوهمي غير الواقعي وبقوة تأثير شخصية البعض وهناك العديد من الأدلة عبر التاريخ، فالبعض من تقمص شخصية المتدين الورع التقي في بعض الأديان واصبح المقرب للسلطان أو الملك، أو القيصر ولنا دليل في ذلك دخول الشخصية الدينية المؤثرة في بلاد القيصر الروسي وفعل ما لا يمكن تصديقه بكل سلاسة وتقبل وخضوع مع نساء القياصرة وهي شخصية "راسبوتين" أو البعض ممن تقمص شخصية رجل الدين ووصل لمآربه السياسية بأسم  الدين.

إذا كان الدين والسياسة صنوان لا يفترقان، فالتدين والتجارة والكسب غير المشروع أيضا صنوان لا يفترقان ولنا في ذلك أدلة عبر التاريخ، فمن وصلوا للسلطة بأسم الدين هم كثر، ومن كسب أمولا تحت واجهة التدين وغطاء الدين هم كثر أيضا،  من حقنا أن نتسائل عن علاقة السياسة بالدين وسلوك التدين، والكسب غير المشروع بغطاء التدين، وهنا لابد أن تتلون نظرتنا هذه بلون الفكرة التي نحملها عن طبيعة الدين والتدين نفسه، وهنا ايضا علينا جميعا أن نحدد مفهوم التدين قبل أن نتابع البحث في علاقته بالسياسة وقوة تأثير السلوك بالإقناع الديني، والتجارة تحت غطاء التدين، والتعامل بتحقيق أرباح غير مشروعة بهذا الغطاء، أو ممارسة أفعال يندى لها الجبين بغطاء التدين ويقول طبيب النفس "الدكتور محمد شعلان" في كتابه تصوف للبيع قوله أنا أعلم كيف تشوه الناس في دينهم أفواجا.

من علامات سلوك التدين الملفوف بغطاء الدين هو الشفقة التي يظهرها بعض المتدينين وهي كما يراها التحليل النفسي أن هذه الشفقة قد تكون رد فعل لما تنطوي عليه النفس من القسوة، وإن هذا السلوك الرحيم لم يكن إلا انتصارًا على نزعات المتدين إلى القسوة والعنف، ويضيف علماء التحليل النفسي أن سلوك التدين هو سلوك نفسي ينشأ أولا وقبل كل شيء من بواعث نفسية لا علاقة لها في الأصل بالعقيدة الدينية، هذا السلوك الذي يظهره المتدين لو أن صاحبه لم يكن متدينًا واختار العسكرية أو السلطة الأمنية لأقترن سلوكه بسلوك الضابط الدموي، أو سلوك رجل الأمن القاسي المجرم، فإذن التدين يتكأ على الدين في سلوكه، والضابط العدواني يستند على مهنته في القسوة، والمعلم يستند في تعامله العنيف مع طلابه وفي الحقيقة أن سلوك المعلم هو سلوك التربوي المتزن الذي يترك الأثر، كما هو صاحب الدين أيا كان دينه، ويبدو ذلك من سلوكه وميله إلى اللاعنف والتسامح والمسالمة. يرى العلامة" مصطفى زيور" استاذ التحليل النفسي أن التدين الوسواسي قد يكون رد فعل لميول عنيفه نحو التمرد على سلطان الدين، وبصفة عامة على السلطان أيًا كان نوعه، ونقول أن سلوك اللف والدوران والتحايل لدى المتدين هو تمرد على سلطان الدين أساسًا. ونذكر بهذا الصدد قصة واقعية تحمل معنى سيكولوجيا عميقا، ذهب رجلان للصلاة في الجامع، فلما أنتهيا منها جلسا يدعوان الله فقال الأول: اللهم أهدني الصراط المستقيم، اللهم قوي إيماني، أما الثاني فقد أنطلق قائلا: اللهم سهل عليَ أتمام صفقة المئة مليون دولار مع الوزير الاسلامي  الفلاني لكي احصل على حصتي عشرة ملايين دولار كوسيط وأخرج بها، فأغضب ذلك الرجل الأول وصاح به كيف تجسر يا رجل وتنطق بهذا المال الحرام في دعائك، فأجابه الثاني في هدوء: هون عليك يا صاحبي أنت ينقصك الإيمان فتطلب من الله أن يقوي إيمانك، أما أنا  فلا ينقصني الإيمان وإنما ينقصني المال وتنقصني الصفقة بعشرة ملايين دولار مهما كانت حلال أم حرام. أذن السلوك الذي يخفي خلفه دافع هو الأساس والمحرك نحو تحقيق الهدف، ولكن بعدة أغطية منها غطاء التدين، او غطاء التجارة، أو غطاء التهريب، أو غطاء بيع وترويج المخدرات، او غطاء الغش وخداع الناس، أو غطاء بناء المساجد والحسينيات، أو الكنائس والأديرة قديمًا، أو بناء المراقد والاضرحة الوهمية المقدسة والاسترزاق منها، أو بناء المستشفيات ذات الطابع الديني، أو الكليات والمؤسسات العلمية ذات التمويل الديني، أو الاستثمارات بكل أنواعها لتحقيق الأرباح بالملايين من الدولارات تحت مسمى المؤسسات الدينية وممارسة سلوك التدين لتحقيق المآرب أيًا كانت حتى وإن كانت البارات والملاهي ومواخير بيع الجنس والصفقات المشبوهة بأخذ الحصة من الادوية المستوردة، أو أجهزة المستشفيات الحكومية المستوردة، أو أدوية سرطانات الأطفال، أو تصدير النساء للرقص في دول غنية والمنفذ رجل الدين بسلوكه المتدين. 

أن فلسفة التدين وسلوكه وجدت مظاهره  في سلوك الورع والتقى والشفقة والعطف والمسالمة الخادعة أغلى ثمنًا وأثمن لحمًا من الخداع بأسم الدين وتحت سلوك التدين، ويرى "وولف" أن التدين قد يكون ملجأ للشخص من ضغوط الحياة، كما أنه يساعد الفرد على تنمية وعيه بإمكاناته النفسية، ووجد " جيمس ويلس" أن العلاقة بين التدين والحالة النفسية يمكن تفسيرها من خلال متغيرين وسيطين هما التخفيف من أحداث الحياة المثيرة للشفقه، والتنظيم الذاتي لعمليات التفكير، أو ما يطلق عليه ضبط المراقبة المعرفية ( Metacognitive Control ) ويربط بعض علماء النفس بوجود علاقة مباشرة بين السلوك وردود الافعال اليومية، ويمكننا القول أن السلوك تفكير  ملموس تحول من غير المعلن وغير الملموس إلى فعل واقعي ولكن أخذ طابع السلوك الديني، والمعروف أن السلوك الديني لا يميل إلى العقلانية في معظم الأحيان بسبب الاستثارة التي يبديها بعض المتدينين السطحيين والذين يتسمون بالتعصب أو اللاعقلانية،  وسمة الإندفاع هي الغالبة عليهم وفي الاحرى ممن تمت مصادرة عقولهم ونشاهد ذلك لدى هؤلاء ممن يفجر نفسه بين حشد من الناس، أو بين عمال ينتظرون دورهم في العمل، أو سوق شعبي، هذا بعض من سلوك التدين الذي نقصده في هذه المقالة المعرفية حينما ربطنا بين التدين كفلسفة ونهج وسلوك يومي في التعامل وإقامة علاقات بين الناس، وبين الدين كمنهج سام وفلسفة.

ترى الدراسات النفسية التي تتناول السلوك الإنساني بمختلف أنواعه منها سلوك المسالمة واللاعنف كسمة وليس كحالة، وسلوك العطف والشفقة وهو ما يطلق عليه ضمن القيم الإجتماعية كسمة وليس كحالة ويكون صاحبها وجيه في مجتمعه، وسيط لفعل الخير في كل الأوقات مكانيًا وزمانيًا، وكذلك سلوك المهنة حيث يلتزم بها صاحبها رغم بلوغه سن التقاعد فهو ما زالت ملامحه تدل على مهنته والتزامه بالضبط الوظيفي المهني، وكذلك صاحب سلوك الابداع في الشعر والفن والجمال حيث تغلب عليه هذه السمات من لمساته الفنية والابداع، إلا صاحب سلوك التدين السطحي المغشوش حيث يرى أن الفرصة مؤاتية في كل لحظة، ويحاول أن ينقض على فريسته من البسطاء المؤمنين بالدين فهو يكون بليغ في الكلام والحديث والاقناع، له قدرة أن يسلب من الإنسان البسيط ما بجيبه من نقود ولو كانت قليلة لقوت يومه  ولأولاده تحت أي مبرر  ديني جزء من زكاة متبقيه عليه ربما تشكل عليه  ذنب لا يغفره رب العباد في الآخرة ويكون سبب من عدم دخولك إلى الجنة، يقنع عائلة الفقيد ويأخذ بعض من ميراث الأيتام تحت مبرر ديني وهمي، أنه سلوك التدين الذي يترجم فهم جزء معين للمعتقد الديني وهو متورط بشكل أو بآخر بالدين وبإسمه لا سيما أن معظم المجتمعات العربية والاسلامية التي يغلب عليها احترام الدين تنظر إلى المتدين في الغالب نظرة احترام وتقدير لأن عامة الناس يرون في المتدين الإنسان الأقرب إلى الله، وإن المتدين يمثل القدوة والصدق والاستقامة والله أعلم والحكم للقارئ الكريم.   

 

 د. اسعد الامارة  

 

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الجامعي اللبنة الأولى التي تقوم عليها العملية التربوية والتعليمية في التعليم العالي، وتقع على عاتقه مسؤولية كبرى في تربية الشباب وتوجيههم الوجهة التربوية المناسبة التي تضمن تحقيق الأهداف المسكرة في رؤية ورسالة المؤسسة الجامعية، والتي من أجلها تم التحاقهم بها .. وليست مهمة الأستاذ الجامعي عملية وتعليمة فقط، بل يتعدى ذلك إلى الصفات الأخلاقية (الأكاديمية والشخصية) التي يتصف بها، ويمارسها أثناء عمله ويؤثر بها، حيث يظهر ذلك علي أدائه الوظيفي، وتعامله مع غيره، مما ينعكس علي طلابه باعتباره عنصرا أساسيا في تكوين شخصياتهم . والأستاذ الجامعي يقوم بعدة أدوار ومهام فمنها المربي الذي يغرس القيم التي يحددها المنهاج التربوي والتعليمي المعتمد السائد والذي ينتمي إليه، وعليه أن يلتزم بعناصر الرسالة التربوية التي يحملها، لكي تبقي واضحة في سلوكه مع الآخرين، ومما يساعد في تحقيق ما لديه من أهداف سامية هو ممارسته للأخلاق الحسنة، خاصة كما ذكرنا من قبل مع طلابه، وزملائه الذين يتزودون بعلمه ويتأثرون بشخصيته حيث يعتبرونه قدوة لهم ينتهجون سلوكه ويسترشدون بفكره وعلمه (38).

إن أي توجه فكري يصعب أن يصل إلى ما يصبوا إليه صانعي السياسات التربوية، إلا إذا كان في خطابه بعد أخلاقي مؤثر، فكل نظام بحاجة إلي المنظومة الأخلاقية والقيمية التي تنظم سيره،وعدم تفعيل هذه المنظومة يكون سببا في السقوط الحتمي لهذا النظام، وبهذا يكون الأستاذ الجامعي هو الأساس في تأهيلهم وأحد مصادر التأثير علي طلابه ولهذا يعد نموذجاً يحتذي به، ويتأثر به، وهذا يحتم عليه الالتزام بطريق ومنهاج واضح متكئ على أسس ثابتة، وهذا يتأكد فيما توجه وتنص عليه أخلاقيات الأستاذ الجامعي، وذلك في أنظمة الدول التي تهتم بتميزه وتعتبره مؤتمناً علي ما يقول ويفعل (39).

إن تأثير الأستاذ الجامعي علي من يخالطهم بالجانب الإيجابي قد يحقق تطوراً وبناءً اجتماعياً شاملاً، والعكس أيضا صحيح لو كان التغيير للأسواء لا تنقل ذلك للمجتمع قاطبة، حيث إن فشله أو نجاحه يكون متعدياً للجميع سواء كان فكريا أو فعليا. فالأخلاق تكتسب وتنمو بالتدرب والممارسة والمجاهدة، وهذا مؤيد بالفكر التربوي الإسلامي، حيث ورد في الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والسلام " العلم بالتعلم والحلم بالتحلم"، ولكن لا بد من وسيلة تساعد في تثبيت هذه الممارسة حتى تكون مبادئ متبعة، وبما أن الأستاذ الجامعي من الناس الذين يؤمل عليهم بهذا، فينبغي أنن يكون متمسكا بالأخلاق الحسنة في شخصيته لكي ينتقل أثره للمستهدفين بعمله وهم طلابه ومخالطيه، وقد يكون عن طريق القدرة أو الإعجاب بسلوكه (40).

إن مهنة الأستاذ الجامعي لا بد لها من أخلاقيات تنظم سلوكها وتضبط عمل أعضائها وعلاقات بعضهم ببعض ومع غيرهم، وتكون هذه الأخلاقيات كمثل أخلاقيات غيرها من المهن إذ تعتبر مبادئ يلتزم بها (41).

ولما كان من المعروف أن قيم البحث العلمي تتمثل أساساً في أمانة الباحث في اختيار المنهجية المناسبة لتصميم بحثه، واختيار عينة ممثلة لمجتمع بحثه، وسلامة إجراءاته، وطرق الحصول على بياناته ومعالجتها الإحصائية وعمق تفسيراتها واستنادها إلي نظريات علمية ذات موثوقية .

والجدير بالإشارة هنا إلي الأستاذ الجامعي قد يقع في أخطاء علمية غير مقصودة، ولكنه من المفترض – قيميا- ألا يحاول الغش، أو الخداع، فالعلم المتقن شيء والعلم المغشوش شيء آخر ؛ ويتمثل الغش والخداع في البحث العلمي في عدة مظاهر لا أخلاقية، نشير إليها فيما يلي بقصد أن يبتعد أستاذ الجامعة عنها تماماً تحقيقاً لامتلاكه القيم الأخلاقية الأصيلة للباحث الجامعي:

(أ) الانتحال: حيث ينتحل " الباحث" أفكاراً أو ابتكارات، أو إبداعات، أو أوراقاً بحثية قام بها غيره وينسبها لنفسه. وقد يكون الانتحال كاملاً أو جزئياً. من بين طرق الانتحال شديدة العدوانية استبدال اسم الباحث الأصلي باسم الباحث الداعي على دراسة بحثية منشورة في مجلة علمية خاصة إذا ما كانت المجلة تصدر بإحدى اللغات غير الشائعة في موقع وبيئة المنتحل أو الدعي (42).

(ب) الاقتباس: هو نوع من الانتحال الجزئي غير المباشر يتم بنقل جزء كبير من عمل باحث أصيل وكتابته، أو صياغته بأسلوب يختلط فيه الاقتباس مع الاختلاس .. دون الإشارة إلي صاحب الفكرة، أو الاكتفاء بذكر اسمه في المراجع شأنه في ذلك شأن المراجع التي يستخدمها، أو بتجهيل مصادرها (43).

(ج) الركالات الخفية للمعلومات: يلجأ البعض أحيانا إلي استبعاد معلومات، أو بيانات يري " الباحث" أنها قد تضر ببحثه، أو لأن آخرين توصلوا إليها قبله، أو أنه يصعب عليه معالجتها، أو قد تأتي بنتائج متناقضة بسبب اختيار العينة، أو عدم سلامة أدوات الحصول علي البيانات والمعلومات (44).

(د) التلفيق: حيث يقوم " الباحث" بالتلاعب في بيانات تجارب يجريها، أو بيانات يحصل عليها من تطبيق استبيانات، أو استطلاعات رأي، أو نتيجة عدم صدقية، أو عدم ثبات ما يحصل عليه من بطاقات بقصد الانحياز المسبق لنتائج معينة يفترضها (45).

(هـ) الضلالات الإحصائية: وذلك بأن يستند نتائج " الباحث" إلي تحليلات إحصائية لا تتفق أدواتها وطبيعتها مع تصميمات البحث . وقد يكون ذلك نتيجة تفادي متغيرات تؤثر في المتغير التابع مما قد يتيح للباحث نتائج ذات " دلالات" (هي في حقيقتها) ضلالات) لصالحه في حين أن المعالجات والتحليلات السليمة يمكن أن تثبت غير ذلك . من بين ممارسات هذه " الضلالات" ترك العمليات الإحصائية، وبحث الدلالات وحجم أصر المتغيرات المستقلة والمعالجات التجريبية لغير المتخصصين، أو غير ذوي خبرات حقيقية في مجال البحوث والتحليلات الاستدلالية (46).

أضف إلي هذه اللا أخلاقيات عدم الالتزام بمواثيق شرف وقوانين استخدام التكنولوجيا ومعطيات شبكات الإنترنت الدولية والمحلية البينية من حيث حقوق الملكية للأفراد والمؤسسات العلمية والبحثية (47).

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

................

38-حسين باشيوة: حول ميثاق الأخلاقيات الأكاديمية والشخصية للأستاذ الجامعى وفق منظور الجودة الشاملة من وجهة نظر أعضاء هيئة التدريس بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة د / محمد لمين دباغين سطيف 2 / الجزائر، المجلة العربية للجودة والتميز، مركز الوراق للدراسات والأبحاث، المجلد الثالث، العدد الثاني، 2016، ص 123.

39- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

40- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

41- المرجع نفسه، ص 124.

42- فاطمة الزهراء بلحسين:  المرجع نفسه، ص 279.

43- وليم عبيد: إحداثيات البعد القيمي في تكوين أستاذ الجامعة، المؤتمر القومي السنوي الثالث عشر - الجامعات العربية فى القرن 21، جامعة عين شمس - مركز تطوير التعليم الجامعي، 2006، ص 205.

44- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

45- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

46- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

47- المرجع نفسه، ص 206.

 

عبد الرضا حمد جاسملقد ذكرتُ في: [الراحل علي الوردي في ميزان(1) بتاريخ27.02.2018 الرابط

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=925594&catid=288&Itemid=601

التالي: [كُنْتُ عازماً على ان تكون بداية هذه السلسلة حول ما نُشرعن الراحل الكبيرالاستاذ علي الوردي مثل: مئة عام مع الوردي / الاستاذ محمد عيسى الخاقاني / دارالحكمة 2013وعلي الوردي في النفس المجتمع / جمع الاستاذ سعدون هليل / مكتبة بساتين المعرفة 2011 وعلي الوردي عدو السلاطين ووعاظهم / الدكتور حسين سرمك حسن / دار ضفاف 2013 ومن وحي الثمانين / سلام الشماع / مركز الحضارة 2011 وعلي الوردي والسوسيولوجيا التاريخية / الاستاذ محمود عبد الواحد محمود القيسي دارومكتبة عدنان 2014 وكتاب: علي الوردي والمشروع العراقي / تأليف نخبة من الكتاب والمختصين / الطبعة الاولى / دارالسجاد / بغداد شارع المتنبي / 2010 وغيرها ومقالات لأساتذة كرام الاستاذ قاسم حسين صالح والاستاذ ابراهيم الحيدري والاستاذ سلمان الهلالي وغيرهم...] انتهى

ملاحظة: [الذكر العطر الدائم والرحمة للراحل الدكتور حسين سرمك حسن والعمر المديد للأساتذة الاحياء]

ولكني انشغلتُ بما قدَّم الراحل الوردي ووعدت بالعودة الى كتابات المُحبين عن حبيبهم وحبيبنا الراحل الدكتور علي الوردي وكانت المقالة السابقة: [ الراحل علي الوردي في ميزان/الصين(1)] بتاريخ 23.07.2021 الرابط

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/957070

هي بداية هذه السلسة حيث تطرقتُ لما ذكره بعض احباب الوردي منهم السيد محمد عيسى الخاقاني وسلام الشماع عن موضوع زيارته للصين وهما من المقربين جداً للراحل الوردي والذين رافقوه (التصاقاً) الأول للعشرة أعوام الأخيرة من عمر الوردي والثاني كما يبدو أكثر من ذلك.

البعض ممن كتب عن الراحل الوردي بعد وفاته اراد المتاجرة والتسلق باسمه والبعض حاول الانصاف لكن غلبت عليه عاطفته فضاع منه الكثير وربما اساء للراحل الوردي وهو يريد التمجيد والثناء وهذه كان يكرهها الوردي في حياته كما بان لي من قراءتي لما ترك. والبعض حرص على توثيق ما سَمِعِ عنه وما سُمِعَ منه ...البعض كَتَبِ بدقة وصراحة والبعض كتب مجاملاً ومنبهراً  البعض أَّشروا وأشاروا الى ما كان في كتابات الوردي من تناقضات وعدم دقة و"انحراف" عن بعض المعاني وخلل في بعض الطروحات والتفسيرات وضعف بائن وتوليف وتأليف لحكايات وقصص غير صحيحة وبعضها ملفق وحتى فيها من الكذب ما اربك بعض محبيه فنقلوا لنا حكاوى وحكايات تاهوا فيها بين ما كتبه الوردي عنها ونشره في كتبه وما يدَّعون انهم سمعوها منه مثل حكاية (الغناء في الحمام) تلك التي ستكون مادة هذه المقالة.

كل من كتب عن الراحل الوردي ’’ أساء له’’ هنا او هناك سواء في سوء النقل والتحريف او في باب التعظيم الطاغي. هنا اذكر مثل واحد وهو شكل من اشكال’’ الإساءة’’ غير المقصودة للراحل وهو شكل من أشكال عدم الدقة حين ذكروا وهذا حال الغالبية عن تفوقه بالدراسة في جميع مراحلها (الأول على العراق والأول على المدرسة) وانه نال كل شهاداته العلمية بتفوق وامتياز دون ان يقدم أي واحد منهم أي دليل او وثيقة تؤيد ذلك او حتى قول للوردي او سطر واحد من كتاباته ذكر فيه ما يؤيد ذلك حتى بالتلميح هذه واحدة فقط، وغيرها الكثير.

اليوم أطرح كما قلت قصة (الغناء في الحمام) كما نشرها الراحل الوردي وكما لحن فيها بعض السادة من محبي الوردي كما وردت في اصداراتهم حيث وردت في أربعة كتب اثنان للوردي (كراسة شخصية الفرد العراقي 1951 ودراسة في طبيعة المجتمع العراقي 1965) واثنان لمحبيه هما السيد محمد عيسى الخاقاني: (مئة عام مع الوردي 2013) وسلام الشماع: (من وحي الثمانين 2011). اليكم نصوصها:

1ـ في: [كراسة شخصية الفرد العراقي/ علي الوردي 1951 ص51] ورد فيها النص التالي: [ومما يحكى في هذا الصدد ان احد الطلاب العراقيين الذين يدرسون في أمريكا ذهب مرة لزيارة صديق له عراقي أيضا فلم يجده في البيت فجلس مع ام البيت يتحدث عنه فقالت السيدة تصف العراقي الساكن في بيتها بانه فتى طيب ولكنه لا يكاد يدخل الحمام حتى يشرع بالبكاء، يقول صاحبنا فعجبت من هذا القول وبقيت انتظر صديقي حتى اتى فسالته عن سبب بكائه في الحمام فقال: لم ابك في الحمام انما كنت اغني (ابوذية) عراقية فقط لا غير] انتهى

*تعليق: أحد الطلاب ذهب لزيارة صديق له فلم يجده...انتظره حتى أتى!!!!! متى اتى ربما بعد منتصف الليل!!!!

2ـ وردت في: [دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص333 علي الوردي: [يحكى ان احد الطلاب العراقيين الذي كان يدرس في أمريكا ذهب ذات يوم لزيارة صديق له من العراقيين هناك فلم يجده في الدار التي كان نازلا فيها فجلس الى صاحبة الدار يتحدث معها عنه فقالت السيدة تصف نزيل دارها بانه شاب طيب لكنه لا يكاد يدخل الحمام حتى يشرع بالبكاء. وقد اتضح أخيرا ان هذا الشاب العراقي لم يكن يبكي في الحمام كما ظنت السيدة الامريكية بل كان يغني (ابوذية) عراقية] انتهى

*تعليق: هذه رواية الوردي نفسه حيث لم يُشِرْ الى نفسه واكد في الروايتين انها حصلت في أمريكا. وهي كما فهمت مما قرأت انه أراد بصياغتها ان يجعلها سنداً لما أراد أن يقول عن الحزن في الأغنية العراقية وهي رواية ركيكة تنم عن أمور كثيره فيها عن اللياقة مع الجيران وغيرها. يكتب الوردي: (يحكى ان ...عن طالب بعثة عراقي في أمريكا وكأنه سمعها من الغير).

اليكم ما ورد عن هذه الرواية الركيكة في كتب محبي الوردي اللصيقين له فترة طويلة وحرجة من حياته.

3ـ وردت في: [من وحي الثمانين سلام الشماع ص45] (الكتاب من 223 صفحة يحوي في خاتمته اراء أساتذة هم: الباحث والمؤرخ عبد الحميد العلوجي والمؤرخ كَوركَيس عواد والدكتور سيار الجميل والسيد محمد مبارك والسيد عواد علي والسيد علي السوداني: [وحدثنا ان عجوزا كان ينزل في بيتها طالب بعثة عراقي شَكَتْ إليهم ان هذا الفتى كلما دخل الحمام ليغتسل يبكي وينوح بحيث يحملها صوته على البكاء معه وطلبت منهم البحث في التخفيف عن حال وعندما سألوه لماذا تبكي عندما تدخل الحمام بحيث تجعل هذه العجوز تبكي لبكائك؟ تعجب الفتى وأنكر انه يفعل ذلك وبعد السؤال والجواب ظهر ان الفتى كان يغنى بالأغنيات العراقية والريفية منها بخاصة وبالأبوذيات والعتابة والموالات والمقام] انتهى

*تعليق: هنا الكاتب يقول ان الوردي حدثهم عن عجوز شكت إليهم...مَنْ هُمْ هؤلاء ’’ إليهم’’؟ وكان بكاءه يبكيها وكأنه يتحدث عن عجوز عراقية (دمعتها بطرف عينها) وهو لا يعرف ان هذه العجوز ربما ما بكت حتى عندما توفي زوجها او ابنها الوحيد. ثم عَّدَدَ أنواع الغناء العراقي كلها...لكن السيد الكاتب لم يحدد اين حصلت ملحمة البكاء في أمريكا ام بريطانيا ام في الاعظمية او الكاظمية.

4ـ اليكم نص ما ورد في كتاب: [مئة عام مع الوردي السيد محمد عيسى الخاقاني ص110 (الكتاب من 327 صفحة) حيث كتب تحت عنوان فرعي هو: [مقياس الفرح والحزن] التالي: [هل سمعتم بكاءه انه ينتحب يكاد صوت انينه العالي يبكي الحجر يجب علينا وعليكم أنتم اصدقاءه خاصة وضع حل لمشكلته، انا اتحرج ان اساله فهو يمارس بكاءه وانينه في الحمام ويخرج منتشيً وسعيدا، انا أخشى ان اتحدث معه فربما شعر ان أحداً ما ينتهك خصوصيته، أنتظر منكم أنتم ان تتحدثوا معه لأطمئن على هذا الرجل الطيب!

هذا أقرب ما يكون الى نص الحديث السري الذي افضت به السيدة العجوز صاحبة البيت البريطانية الى أصحاب الوردي بشأن صديقهم الدكتور علي الوردي الذي جاء يقضي اجازته الصيفية الجامعية في بريطانيا وعادة ما كان يسكن عند هذه العجوز التي تؤجر بيتها للمشاركة مع الطلبة الوافدين الى بريطانيا ومازالت هذه العادة مترسخة عند بعض أصحاب البيوت كان الحدث في العطلة الصيفية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث بدأت اوروبا تنتعش بمشروع مارشال الأمريكي والحرب التي وضعت اوزارها فلماذا يبكي الوردي؟

أصدقاء الوردي وهم قلة قَلِقوا على حاله، فالعجوز اشارت الى حالة نفسية مستعصية لشخص يبكي بصوت عال في الحمام الا ان انفتاح الوردي الفكري تجاه كل الناس وحبه للاستمتاع إليهم سهل عليهم مهمة سؤاله فسألوه ماذا تفعل في الحمام؟

قال: استحم

قالوا: هل تفعل شيء اخر؟

قال: لا

قالوا: لقد سمعتك صاحبة البيت تبكي وتئِن فهل كنت تشكو من مشكلة. تقول ان البكاء والانين بصوت عال يرافقك كلما ذهبت الى الحمام؟

قال: الوردي حينما اعدت الاغنية على العجوز قالت نعم هذا ما كنت اسمعه في الحمام.

افهموا السيدة البريطانية انه الغناء العراقي وان الوردي يغني لا يبكي ويئن وينتحب كما تصورت قالت لماذا كل هذا الحزن والالم الممض في اغانيكم الا تعلمون ان الغناء اخترع لكي يسعد الناس فلماذا أنتم تبكون في الغناء] انتهى

*تعليق: السيد الخاقاني ’’ سواها ملحمة’’...وهل سمعتم بكاءه وكأنهم جالسين في الدار وهو يغني في الحمام وهي تبكي وتنحب والحجر يذوب من البكاء والحمد لله فان البيوت في بريطانيا من خشب وإلا ذاب البيت عليهم. السيد الخاقاني يقول الملحمة وقعت في بريطانيا (ذكرها للتأكيد ثلاث مرات) وإضاف للقصة حوار من أسئلة واجوبة وأصعب سؤال هو ماذا تفعل في الحمام؟ وقطع الوردي كل الشكوك عندما أجاب: أستحم. وكان السؤال التالي تأكيد على الشك بما يفعل الوردي في الحمام حيث كان: هل تفعل شيء اخر؟ وكان جواب الوردي حاسم لكنه لم ’’ يحلف /يقسم’’ حيث قال فقط: لا...وكان على السائل ان يسأله: هل انت متأكد؟ ليجيب الوردي: أي والله العظيم...هذا الحوار كله والوردي في الحمام يبكي والسيد البريطانية ’’ شكَكَت هدومها من اللطم والبجي’’...ثم لا اعرف موقع العبارة :( الا ان انفتاح الوردي الفكري تجاه كل الناس وحبه للاستمتاع إليهم سهل عليهم مهمة سؤاله فسألوه)؟؟؟ ما علاقة الانفتاح الفكري بموضوع القصة؟؟

وفي ص20 كتب السيد الخاقاني التالي: [كانت بعض قصص الوردي وآراءه غريبة وعجيبة في الاحداث والشخصيات لم يحوها في أي من كتبه ولا مقالاته المنشورة ولم يعرفها غيري او ربما اشتركت مع بعض المقربين منه في معرفتها ونشر بعض الأحبة والمقربين من الوردي بعض هذه القصص جاعلا مني مصدرا لكتابه مستشهدا بوجودي معهم وهم (هذا البعض) على حق فقد كنت حاضرا معهم حين تحدث الوردي لكن الحق أقول ان روايتهم لبعض القصص لم تكن كما يجب ان تكون او كما قال الوردي رحمه الله او حدثت له. قرات بعض القصص فوجدتها قد تأثرت بعوامل الزمن واصابتها حالات من التعرية والوهن وسوء الفهم فهذه القصص تحتاج الى تعديل او تضبيط في تواريخها ورجالاتها وأماكن وقوعها وربما انطبق على بعض رواة قصص الوردي ما قال سقراط بحق احد طلابه: (بان هذا الفتى ينتحل عني الكثير) ويؤسفني ان أقول اني قرات قصصا كثيرة لأصدقاء واحبة يعرفون الوردي لم تكن دقيقة على وجه التحديد لذلك بحثت ونقبت في اصل القصص ولله الحمد حصلت على بعضها ولسوء الحظ لم احصل على غيرها وذلك ديدن الباحث كما كان يردد الوردي رحمة الله عليه...الخ حيث الكلام المشابه للسابق كثير هنا] انتهى

السؤال هنا: يا سيد محمد عيسى الخاقاني المحترم: هذه الرواية لا تحتاج الى بحث وتنقيب وشهود فقد كتبها الوردي في كتابين (أعلاه)..ألا ترى سردك لهذه القصة بهذه الصيغة وتأكيدك على ان مكانها بريطانيا دلالة على انك لم تقرأ للوردي قط ولم تبحث فيما طرح الوردي فكل من كتب عن الوردي قرأ كراسته الصغيرة/كراسة جيب عن الشخصية العراقية/1951..؟ وأطرب وانتشى لما ورد في قصة الغناء في الحمام.

الى اللقاء في التالي

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

حشاني زغيديفي عالم الأنانية، يحتكر كل شيء، تحتكر الحقائق، وتحتكر المعرفة، يحتكر الإيمان، ويحتكر الطهر، تحتكر الفضيلة، وتحتكر الخيرية، وتحتكر الوطنية، ويحتكر الإبداع، وتحتكر، السلع والبضائع، في عالم الأنانية كل شيء محتكر، وكل الأشياء محتكرة، في عالم الأنانية يحتكر الدين والسياسة، في عالم الأنانية تصبح المعاني والمفاهيم محتكرة، فيصبح الفن والثقافة والأدب أماكن محجوزة، كأن ذلك العالم مخلوق لنسق وحيد، مخصص لفئة أو طائفة بعينها، أو مجموعة محددة من البشر، فيصبح العالم مرهون، محبوس في عالم الأنا .

وحين نكشف اللثام عن تلك الأنانية يظهر القبح والخبث، ولؤم الطباع، لأن الأنانية مرض عضال من أمراض البشرية، فبسبب تلك الأنانية ارتكبت أول الجرائم، وسقطت أول قطرات الدماء طاهرة، في عالم نظيف لم يسبق أن عرف الغدر والجريمة .

وبسبب تلك الأنانية ظهرت الغيرة والحقد والكراهية فخرجت أول كلمات إبليس عليه لعنة من الله بالاستعلاء والكبر المذمومين (أنا خير منه) وفي عالم الأنانية ينشأ الطمع والجشع، فتحتكر الثروة والموارد، وفيصبح رأس المال حكرا على مجموعة متغلبة، أو تحت قبضة رجال متسلطين، يحجرون النفع العام، فلا الضعيف ينال حقه ولا المسكين ولا الفقير، بل تكبر تلك الأنانية ليصير المال ربا يعبد دون الله تعالى .

ولعل أدق تصوير استحضرته وأنا أتناول المقال مقولة رائعة اقتطفتها من كتاب في ظلال القرآن للأديب الشاعر والمفكر سيد قطب رحمه، وجدت فيه التصوير رائع لأنانية حب المال يقول فيها صاحب الظلال يقول:

" وقارون في قصتنا يمثل قوة المال وسطوته، حين يستأثر به صاحبه، ويظن كل الظن أنه مالكه ومجتبيه ومحصله وجامعه، مهما كانت أسباب جبايته وتحصيله، وأنه إنما أوتيه بقدرته، فهو المتصرف فيه وحده، وما دام قد جمعه بسبب منه ومقدرة، فلم لا ينفقه أيضاً بحرية منه وانطلاق ؟!

ولقد بلغ مال قارون مبلغًا عظيمًا، يعجز الرجال عن حمل مفاتيح كنوزه . يقول الحق تبارك وتعالى (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة) .

وبالطبع فإننا نلاحظ هنا الارتباط بين قصة موسى مع فرعون ذي الطول والحول، ومصيره الأليم، والتعقيب عليها بقصة قارون ذي المال والجاه زيادة في تطمين النفوس المؤمنة إلى ضعف هذه القوى حين تبغي الفساد في الأرض .

وهنا يبرز السؤال كيف يكون البغي بالمال ؟

لم تتعرض السورة الكريمة لصور البغي، ولم تذكر فيم كان البغي لتدعه مجهولاً لا يشمل شتى الصور، فربما كان البغي (بظلمه قومه وغصبهم أرضهم وأشياءهم، كما صنع طغاة المال في كثير من الأحيان، وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال، حق الفقراء في أموال الأغنياء، كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم، ومن حولهم محاويج إلى شيء منه، فتفسد القلوب وتفسد الحياة) وربما بغي عليهم بانتقاص حقهم، أو تكليفهم ما لا يطيقون من الأعمال لقاء أجر زهيد لا يستطيعون معه مواجهة تكاليف الحياة " .انتهى

و. من صور الأنانية القاتلة، صور الصلف والكبر والبطر والظلم، تستحوذ تلك الصفات الذميمة في كيان الانسان حتى يتخيل الأناني نفسه إلها يعبد دون الله تعالى

" وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين} اصنع لي من الطين الآجر لأرتقي به إلى السماء لأرى إله موسى ... وإني لأظنه من الكاذبين" ويزيد صلفه وتكبره واستغلاه وسوء ظنه وتشكيكه بألوهية رب السماء، وهنا الشك وهذا الكفر مرده تلك الأنانية التي استولت على كيان الإنسان، ليصبح النظر والتفكير مغلق، وتصبح الأشياء في نظره ملكا جبريا للملك، وهذا منتهى جنون العظمى .

(ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار) أنهار النيل (تجري من تحتي ) من تحت قصوري، وهي صور لا بتخيل الإنسان أن يصل لمستوى هذه السطوة في العنفوان والجبروت.

و حين نسلط الضوء على أضارها أقول:

ومن أضرارها أنها مجلبة للنقم، مذهبة النعم الموهوبة، محبطة الأجر والمتوبة، مورثة الضغائن والأحقاد، ، مخرجة أسوء ما في النفس من وضاعة وحقارة دناءة،و في محصولها معول هدام، يدمر كيان الإنسان نفسه،، تؤذي بالآخرين، فتكون الخصومة بين مفاصل المجتمع، ويحصل التنافر، فيصبح القريب بعيدا، والحبيب عدوا، وتضيع المودات والوسائج والأرحام، وقد تذهب منظومة قيم المجتمع،

و لعل ما نراه اليوم في أحوال الناس مرده لشيوع هذا المرض المدمر، وما نراه من صور الأنانية الضاربة في كل مجالات الحياة، صور تحبس الأنفاس.

 

حشاني زغيدي

 

محمود محمد عليإن للأخلاق أهمية بالغة باعتبارها من أفضل العلوم وأشرفها وأعلاها قدراً لذلك نجد بعض العلماء عندما يتحدث عن بيان قيمة علم الأخلاق بالنسبة إلى العلوم الأخرى؛ يقول بعضهم بأنه إكليل العلوم جميعاً ومنهم من يقول بأنه تاج العلوم، ومنهم من ينعته بأنه زبدة العلوم. ذلك أن العلوم الأخرى تساعد أساساً على الأخلاق في الكشف عن النافع والضار، والخير والشر وهما موضوع الأخلاق (26).

فالتزام الأستاذ بأخلاقيات مهنة التعليم يسهم في جعله أكثر حباً وإقبالاً على مهنته وأكثر انتماء لمجتمعه وأكثر قدرة على التكيف معه، كما أنها تساهم أيضا في تكوين شخصيته والارتقاء بمستواه وجعله أكثر قدرة على القيام بمسؤولياته وواجباته المنوطة به على أكمل وجه، كما أنها تجعله نموذجا وقدوة لطلبته في سلوكه وتصرفاته. ومنه نستطيع ذكر جوانب أخلاقيات مهنة الأستاذ فيما يلي:

1- الأستاذ صاحب مهنة ذات قداسة خاصة، عليه أن يستشعر عظمتها ويقدرها حق قدرها، وينتمي إليها إخلاصا في العمل، وصدقا مع النفس والناس، ويذود من أجل نشر مستمر للعلم والخير والقضاء على الجهل والشر، مستصغرا في ذلك بل العوائق والعقبات لبلوغ غايته، متجنبا بل الشبهات، حريصا على نقاء السيرة، وطهارة السريرة، معتزا بمهنته بل الاعتزاز، محتفظا على شرف مهنة التعليم. فلقد رفع الإسلام من شأن المعلم أو الأستاذ، وجعل له منزلة كبيرة تقترب من منزلة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامة، ورفع درجة العلماء إلى أعلى َ الدرجات، قال تعالى: " يَرْفَعِ  اَللَّه اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ  وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة 11) (27).

2- يكون الأستاذ قدوة في المجتمع، ويحرص على إعطاء المثل العليا في الأخلاق والسلوك، يثبتها بين جميع المتعلمين والمجتمع كافة ويجد على شيوع أثره حميدا باقيا (28).

3-الأستاذ أحرص الناس على نفع المجتمع، ببذل الجهد في التعليم والتوجيه والتربية، وتبيان السبل الصحيحة والحث على إتباعها والعمل على تجنب الرذيلة (28).

4-يشجع في المتعلمين روح المبادرة، والعمل على تذليل الصعوبات، ويساوي بينهم في العطاء والرقابة وتقويم الأداء، ويرسخ مبدأ التعاون والتكامل بين المتعلمين، حتى يغرس فيهم روح الاتفاق والعمل الجماعي والتنسيق في الجهد، ويبين سلبيات الغش التي لا تليق بطالب علم ولا مواطن صالح (29).

5- للأستاذ مكانة خاصة في المجتمع، فهو موضع ثقة وتقدير واحترام، عليه أن يكون في مستوى هذه المكانة، ويعمل على ترسيخها والبقاء فيها، ويمتنع عن كل ما قد يؤخذ عليه من فعل أو قول أو تصرف، يحرص على تأكيد هذه الثقة والاحترام في المجتمع كله. كما أنه لا بد على المجتمع أن يتعامل معه بروح من المودة والتقدير، بما يعلي من شأنه، أو الإساءة إلى المهنة أو إيذاء سمعته، وذلك بتعزيز مكانته الاجتماعية والاقتصادية، ومكافأته ماديا ومعنويا. مما يوطد ولاءه لمهنته والاعتزاز بها، وتوفر له الحياة الكريمة، وتكفه للسعي والاندفاع لوسائل أخرى للكسب، قد تسيء لمكانته، وبالتالي لمكانة المهنة المرموقة في المجتمع  (30).

6- مكانة الأستاذ تجعل منه صاحب رأي وموقف من مشكلات وقضايا المجتمع، ومتغيراته سواء الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، عليه أن يتابعها ويكون على دراية بها، موسعا نطاق معرفته وثقافته وخبرته، حتى يساير كل هذه التغيرات معززا دوره وفعاليته ومكانته الرائدة في المجتمع (31).

وحول التزام الأستاذ الجامعي بسلوكيات أخلاقيات المهنة التعليمية فعليه أن يلتزم بتطبيق مجموعة من المعايير وهي كالتالي:

المعيار الأول: تعامل الأستاذ مع طلبته: على الأستاذ الجامعي أن يبذل كل جهوده لبناء علاقات طيبة مع طلبته، علاقات ينبغي أن تستند إلى ركيزتين أساسيتين هما: احترام الطلبة ومحبتهم له في آن واحد. فالاحترام يحافظ على هيبة الأستاذ الجامعي داخل الدرس وخارجه والمحبة تجعله قريبا من طلبته مع الحذر من الابتذال في العلاقة مع الطلبة لأن الابتذال من شأنه تقويض احترامهم له (32).

المعيار الثاني: الاهتمام بمشكلاتهم الدراسية والعلمية: إن شعور الطلبة باهتمام أستاذهم بمشكلاتهم يزيد من محبتهم واقترابهم منه وذلك من شأنه أن يخلق أجواء مريحة أثناء الدرس وخارجه. وتجد الطلبة حينما يقبل ذلك الأستاذ على درسه وهم سعداء بدرسه ويشعرون بأن من واجبهم الإصغاء لأستاذهم هذا والاهتمام بما يقوله لهم ولاسيما توجيهاته المفيدة وينزع كل ذلك حالة الرهبة أو الخوف التي قد توجد لدى بعض الطلبة من أساتذتهم (33).

المعيار الثالث: العدالة في التعامل مع الطلبة: ولكي يكسب الأستاذ الجامعي احترام ومحبة طلبته عليه أن يعاملهم جميعا بالعدالة والإنصاف وأن لا يميز بينهم إلا على أساس علمي. إذ أن أسوأ ما يشعر به الطلبة تجاه أستاذهم هو شعورهم بأنه يميز بينهم على أسس غير موضوعية. فهذا التمييز إذا ما حدث لا سمح الله سوف يكون من شأنه تشويه صورة الأستاذ الجامعي بوصفه قدوة وراع لطلبته وهذا بدوره يفقد الطلبة الشعور بالأمان وبالاطمئنان لديهم. فحينما يميز الأستاذ بين طلبته على أساس مستواهم الاجتماعي أو انتمائهم الديني أو القومي أو المذهبي فإن ذلك يمثل أسوأ الصفات التي ينبغي أن لا يحملها أي أستاذ، فعلي الأستاذ الجامعي إن يتعامل مع طلبته كما يتعامل الأب مع أبنائه داخل أسرته، وعليه أن يدرك أن الإخلال بذلك يرتب عليه مسؤوليات أخلاقية وعلمية خطير (34).

المعيار الرابع: تنظيم مشاركة الطلبة في النقاش أثناء المحاضرة: إن على الأستاذ الجامعي أن يعلم بأن طلبته هم رصيده في الحياة ، وفي المستقبل وهو رصيد كبير وعظيم، لا يقاس بثمن أو قيمة مادية. ويقدر ما يترك الأستاذ الجامعي في نفوس طلبته من أثر طيب في ما زودهم به من العلم والمعرفة وفي تعامله الطيب معهم، فإن ذلك سيبقى مطبوعا بشكل عميق في نفوسهم وثقافتهم وذاكرتهم وشخصهم ولسنوات طويلة، بل طوال مدة حياتهم. لذا سيجدهم يذكرون له ذلك بالخير ويهرعون له مرحبين بعد تخرجهم حينما يصادفونه في مكان ما تعبيرا عن امتنانهم ووفائهم له (35).

المعيار الخامس: أداء واجباته والتزاماته العلمية اتجاه زملائه المدرسين: أما علاقة الأستاذ الجامعي ببقية  زملائه من المدرسين فإنها يجب أن تبنى على الاحترام والمودة والتعاون. فالاحترام واجب بين المدرسين سواء أثناء أداء واجباتهم التدريسية والعلمية أو على صعيد علاقاتهم الشخصية لأن أساتذة الجامعات هم جزء أساسي من نخبة المجتمع وصفوته العلمية والاجتماعية. لذلك ينبغي أن تتميز علاقاتهم ببعضهم بمستوى راق من السلوك والمحبة والاحترام. والتعامل على هذا الأساس يجب أن يشعر به جميع المدرسين وإدارة الكلية والقسم العلمي والطلبة كافة (36).

المعيار السادس: سلوكه المهني اتجاه الموظفين في كليته: إن علاقات الاحترام المتبادل والمودة والتعاون  يجب ألا تقتصر على علاقة الأستاذ الجامعي برئيس قسمه العلمي أو عميد كليته أو بزملائه المدرسين بل يجب أن تسود مثل هذه العلاقات بينه وبين كل العاملين داخل مؤسسته الجامعية؛ التواضع سمة أساسية من سمات العالم (36).

المعيار السابع: واجبات الأساتذة: يتعين على الأستاذ أن يقدم تعليما ناجعا حسب الإمكانيات الموضوعة تحت تصرفه من قبل الجامعة، وهذا في إطار قيم العدل والإنصاف تجاه كافة الطلبة والطالبات بدون أي تمييز بتشجيع تبادل الأفكار معهم والبقاء في خدمتهم وإرشادهم. وكما يتعين عليه بناء أعماله البحثية على التحري المخلص في البحث عن المعرفة، مع التقيد باحترام مبدأ الحجة والحياد في التفكير والإخلاص في التبليغ. ويجب أن يحترم أيضا نبوغ وعبقرية زملاءه الجامعيين ويجب عليه كذلك، أن يدير بإخلاص وقدرات الطلبة والاعتراف بها أن ينسبها إلى مؤلفيها (37).... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

................

26- فاطمة الزهراء بلحسين: المرجع نفسه ، ص 263.

27- المرجع نفسه ، ص 270.

28- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

29- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

30- المرجع نفسه ، ص 271.

31- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

32- المرجع نفسه ، ص 272.

33- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

34- المرجع نفسه ، ص 273.

35- المرجع نفسه ، ص 275.

36- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

37- المرجع نفسه ، ص 276.

 

فى مقالة لاستاذنا الدكتور بهاء درويش بعنوان "قل لمن لا زالوا يسألوا لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا" التى حاول من خلالها عرض العديد من الأسباب التى أدت إلى تأخر بلادنا، ومما استوقفنى فى هذه المقالة ما قاله أستاذنا الفاضل "سأسلم معك أن علماء الدين مخطئون، بل سأذهب إلى أبعد من هذا وأسلم أنهم ليسوا مهيئين لقيادة مهمة التنوير. ويتساءل ماذا فعلت لتصوب اخطاءهم؟ وأين المنهج المقنع البديل لاكون معك على خطاه أول السائرين وأن منهج التغير أعتمد فى بلادنا على السخرية من علماء الدين . وهنا سوف أطرح على أستاذنا د. بهاء سؤال بنفس منهجه وماهو الدور التنويرى الذى يقوم به رجال الدين الذى لا بديل له؟هل تقصد التفسير المحدود للنص الدينى النابع من عقلية متحجرة؟ أما تقصد معاولهم التى لا تنتهى لقذف الآخرين بالكفر ولكل مخالف لهم فى الرأى؟ أما تقصد رجال الدين القائمين بدور الكهنوت بين الله وخالقه من البشر؟ أى دور من المشار إليهم فى السابق يمثل دور التنوير؟ رجال الدين هم من وضعوا أنفسهم فى هذا الوضع إلا من رحم ربى منهم وهم قلة قليلة جداً، وحينما يلجأ الناس إلى السخرية منهم وأنا هنا لن أدفع عن الطريقة لأنى أرفضها طبعا ولكن الإنسان يدرك بفطرته السليمة من يحاول أن يقدم له الدعم الصادق من ويحاول الالتفاف عليه .

ففى التاريخ المصرى القديم كان كهنة آمون هم رجال الدين فى ذلك العصر ماذا فعلوا يستبدون بالمصريين ويلتهون فى بطونهم كل ما تقع عليه أيدهم، ثم تأتى الديانة اليهودية لتوضح كيف حاخامات اليهود أهم من تعاليم التوراة وأن المخاوف من الحاخامات فى نفس مقام الخوف من الله.

وكذلك كان هو نفس الوضع فى العصور الوسطى على حسب ما يذكر "راسل" فى كتابه " تاريخ الفلسفة الغريبة" من أن سلطة رجال الدين وصلت إلى أعلى درجات النفوذ حيث أدعت أنها تمتلك السلطة الروحية على العالم المسيحى ولذلك راح البابوات يناطحون مع الملوك والأباطرة ويمارسون الكثير من الاختصاصات التى لم تكن لهم من قبل، ومن ذلك القرار الذى أصدره البابا" جويورى السابع" فى القرن الحادى عشر والذى يجعل تعيين رجال الكنسية من أختصاص البابا وليس من أختصاص الإمبراطور، ومنها كذلك الكثير من قرارات البابا "انوسنت الثالث" الذى تبوأ البابوية الفترة (1198- 1216) والذى يمثل قمة ازدهار البايوى فى مواجهة الملوك والاباطرة حيث أرغم الكثير من ملوك أوربا وأباطرته على الإذعان لارادته والامتثال لقراراته. وإلا لكان جزاؤهم الحرمان من رحمة الكنسية وما يستتعبه هذا من المتاعب التى لا قبل لهم بها. ذلك البابا الذى يوم تنصيبه أختار آية معينة من الإنجيل "أنظر أنى نصبتك اليوم على الأمم والملوك، لتسحق وتحطم، وتبيد وتخلع، ثم لتبنى وتزرع". وذلك الذى يعكس مدى قوة ونفوذ رجال الدين فى تلك الحقبة من التاريخ الإنسانى ويفسرلنا فى نفس الوقت لماذا جاءت الفلسفة فى تلك المرحلة ذات نكهة لاهوتية واضحة.

وتستمر نفس المنهجية فى الدين الإسلامى حيث نجد أن رجال الدين قد نصبوا أنفسهم حراساً على العقيدة النابعة من النص الثابت، والذى لا يجوز تفسيره إلا من خلال عقولهم وحدهم. وعلى الرغم من أن هذا المهنج أدى عملياً إلى وجود العديد من التفسيرات لنص الواحد، وكل واحد منهم يتهم الآخر بأنه ليس على شئ ومع ذلك يتمسكون بالوصياء والا قصاء. فهذه النخبة المقدسة رافقتها عملية صنع حاجز من التقديس والتعظيم لرفعهم فوق العامة، فى هذا السياق يمكن فهم الحاجة لجعل " لحمهم مسموم" عند السنة أما عن الشعية فمن شرب بول الإمام يحرم عليه النار ويتوجب على الله إدخاله الجنة. / انوار الولاية . ص 440.

 ويتضمن الإسلام على العديد من رجال الدين الذين مارسوا سلطتهم العقلية من منطلق كونهم رجال الدين بمقام الأول فالأمام الغزالى والذهبى وأبن القيم وأبن الجوزى وأبن تيمية وغيرهم من كبار رجال الدين أفتوا بتكفير وهدر دم كل من يمتهن أنواع العلوم العقلية التى تتسبب فى كفر المسلمين وابتعادهم عن دينهم . فماذا فعلوا رجال الدين عندما قتل الحلاج وغيره وتم التمثيل بجسده حيا حتى مات وضع رأسه على جسر بغداد؟. لاشئ، ولعل هذا ما فطن إليه " أبو بكربن زكريا الرازى" مبكراً فى كتابه "مخاريق الأنبياء" حيث يحذر من دور كهنة الاسلام فى إعاقة تطور العلم ووصف حالهم بالفساد. وفى العصر الحديث لا يزال رجل الدين على ذات الطريق وإن إختلف الأسلوب فنجد " حسن البنا" وجماعته الذى قدم نفسه لمجتمع المصرى كرجل الدين ومصلح الاجتماعى وكانت هذه الاكذوبة الأولى فى سلسلة طويلة من الأكاذيت لتجد مصر فى بؤرة العلميات الارهابية على يد جماعة رجال الدين من قتل العديد من الشخصيات المصرية البازة، ينقسم المجتمع إلى مع أو ضد ويأتى من بعده "سيد قطب" فى كتابه "معالم على الطريق" ليحكم على المجتمع بالكفر والضلال، هو متصور أنه يقدم الدور التنويرى لشعب المصر.

إن الدور الذى يمارسه رجال الدين من ولاية على عقول الناس يتعارض مع عدالة الإسلام ومع حقوق الإنسان ومع قيم الليبرالية أترك لعقول حق فى التعارف على مجتعهم ودينهم دون فرض قيود من أى جهة رقابية، فهذه الرقابة حولت الدين إلى دين دولة، بينما هو دين البشرلا دولة لهم . فنجد روح الله الخمينى رجل الدين وصاحب المرجعية الدينية ومؤسس الجمهورية الأيرانية والذى عرف فيما بعد بأسم (طاغية الحاضر) فقد كان يرى أنه يجمع فى نفسه بين القائد الروحى والسياسى ولهذا لم يركز الخمنيى على إصلاح المؤسسات وإنما عمل على أن يتولى رجال الدين السلطة السياسية فى البلد بوصفهم هم الاقدار على قيادة الدولة بما بتفق مع الشريعة الالهية . هذا من شانه أن يؤدى إلى أن العلاقة بين المقدس والدنيوى أصبحت متوترة وإنزلقت إلى سلوكات عنفية أدخلت الاسلام فى جدلية العنف والعنف المضاد.

واليوم تسعى الدولة إلى تجديد الخطاب الدينى لأننا نحتاج إلى روح القيم الاسلامية بدون الأحكام المطلقة التى تتجاوز الزمان والمكان، هذا لم يروق لرجال الدين لأن تجديد الخطاب الدينى سوف يهدوم عروشهم القديمة من خلال الوعى الدينى الجديد وبفتح أمهات الكتب وخاصة كتب التفسير والفقة والتوحيد، ولهذا أننا سوف نظل فى مرحلة الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى ولن نتحرك خطوة واحدة نحو التجديد لأن هذا يتطلب أن يتحول الأئمة لمركز حاضنة للمواطنين اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، لتحقيق ثورة على أصحاب الافكار الجامدة والمتاجرين بالدين وأهل التفسيرات الخاطئة والمنحرفة من الجماعات التطرف ورجال الدين أصحاب الافق الضيق.

ولا يفوتنا هنا أن نوضح علاقة وثيقة بين رجال الدين والأنظمة المستبدة، فرجل الدين لدى العوام لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، فكل ما يقوله هو الحق وكل ما يفعله هو الصواب، وعندئذ يستطيع النظام المستبد أن يستعمل رجال الدين من أجل تبرير سياسته وأحكام قضيته على السلطة. ولعل هذا ما يقصده "ماركس" بقوله "الدين أفيون الشعوب " فعندما يعانى المواطنين من المشاكل التى تكون نتيجة إهمال الحاكم وسياسته غير الحكيمة تجد رجل الدين يحلل الوضع من زواية أخرى وهى الرضا بما قسم الله وأننا نعيش بلاء من الله وعليا الصبر حتى نكون من الفازين بالجنة ونعيمها فهو حول الأمر من أحتمالية مواجهة الحاكم المستبد إلى الرضا والخضوع للامر لله مما يؤدى إلى فقدان الاحساس بالهوية الوطنية وضيع الإيمان بالقضايا الكبرى الخاصة بالوطن إى خدمة عظمية تكون للحاكم مستبد مثل تلك الخدمة.

وإذا كنا نحاول البحث عن البديل، فبديل فى أبعد رجال الدين عن السلطة والخروج من عباءة السياسة، وعلى السلطة أن لا تحاول أستغلالهم من أجل مصلحتها، لا تأخد من علمك بالدين وسيلة لجلد المختلف عنك افتح روحك وعقلك للآخر بكل مافيه من اختلاف فنحن نحيا بهذا الاختلاف.

فى النهاية نقول هناك فرق كبير وواضح بين رجال الدين وبين الدين، الأديان جميعها جوهرها العدل والتسامح والوحدة، وجاءت لحل مشكلات الإنسان ولتقديم الأجابة على أسئلته، ولتساعده ليحيا حياة طيبة دون قهر أو خوف، فنحن لا نرفض الدين وإنما مانرفضه هو سطوة رجال الدين بأسم الدين، هؤلاء الذين يقسموا البشرمابين سنى ومابين شعيى، نحن نريد أساس لسلام الإنسانى والتعايش معاً دون أى محاولة لتفريق بينا، فكلنا من أصل واحد، وكلنا واحد رغم الاختلاف .

 

بقلم\ فادية سمير السيد

 

 

محمود محمد عليإن الجامعة هي أمل المجتمعات المعاصرة في إمدادها بالإطارات المتكافئة علمياً وفنياً، التي يعول عليها لقيادة التنمية في مختلف مجالاتها؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهي تضم عناصر مادية، كالبناءات والتجهيزات والمكتبات، وبشرية كالأساتذة والطلبة والإداريين؛ إلا أن مكانتها وشهرتها كفكرة وبمؤسسة ومنذ نشأتها الأولى ارتبطت بمكانة أساتذتها؛ لأنه من خلال جهودهم واجتهاداتهم وإبداعاتهم يحدث التطور في مخرجات الجامعة. وعلى هذا الأساس، امكن اعتبار الأساتذة الجامعيين من أهم مدخلات التعليم الجامعي إن لم يكونوا أهمها على الإطلاق (6) .

ولذلك تعد جودة التعليم الجامعي قضية أساسية ومهمة لدى دول العالم كافة، وهذه الجودة لا يمكن أن تتحقق إلا بتوفر شروط ومواصفات وعناصر في التعليم العالي وفي مقدمتها جودة مستوى العاملين (الأساتذة والباحثين) في الجامعات؛ فهم المادة الأولية التي تعتمد عليها إلى حد كبير مؤسسة التعليم العالي من أجل القيام بالمهام المنوطة بها. ولا تتجلى جودة هؤلاء العاملين في مجال التدريس والبحوث بل تتطلب منهم أيضا الحرص على الالتزام بالقيم الأخلاقية؛ وذلك لأن مهنة الأستاذ تتمثل في خدمة العلم والمجتمع، فهو ينمي أفكار الناشئين والشباب ويوقظ مشاعرهم ويحيي عقولهم ويرقى إدراكهم، إنه عدة الأمة في سرائها وضرائها وشدتها ورخائها، وهذا ما جعل مهنته تسمو فوق بل مهنة(7).

إذ تعد الجامعات في مختلف دول العالم المتقدم والنامي أساسا من أسس تطوير وخدمة المجتمع، فهي من ناحية تقوم بإعداد القوى البشرية المؤهلة من علماء ومثقفين وباحثين، ومن ناحية أخرى هي الوسيلة التي يتم بها نشر المعرفة من خلال التدريس، وإنتاجها من خلال البحث العلمي في كل المجالات. ومسئولة بدرجة كبيرة عن نشر الأخلاق ليس فقط ً في سياساتها وفي بل ما تدعو إليه. فالجامعة مسئولة عن الالتزام في ممارساتها وإنما أيضا عن تنمية الالتزام الخلقي بين الطلاب. الخلقي في الأداء، ومسئولة أيضاً (8).

غير أنه عند الحديث عن هذه المؤسسة لا يمكن تجاهل بأي حال من الأحوال محركها الأساسي وجوهر عملية التعليم العالي ومبدع الفكر وقائده ألا وهو الأستاذ الجامعي، ً الذي يعتبر الأصل في عملية التطوير والتغيير. فالأساتذة الجامعيون يمثلون محورا أساسيا من محاور الارتكاز في العمل الجامعي، وعليه تتوقف مدى كفاية التعليم الجامعي وجودته؛ إذ من خلال سمعتهم ومكانتهم وجهودهم تقاس سمعة الجامعة وقوتها. فالأستاذ الجامعي صاحب رسالة يستشعر عظمتها ويؤمن بأهميتها، وأن اعتزازه بمهنته وتصوره المستمر لرسالته السيرة حفاظا شرف مهنة التعليم ً يعزز من مكانته ويدعوانه إلى الحرص على نقاء على ودفاعا عنها؛ حيث إن القاعدة العامة والشائعة في وقتنا الحاضر أن رسالة الجامعة تقوم على ً وظائف رئيسة ثلاث وهي: التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، فإن دور المدرس الجامعي يتمركز حول تلك الوظائف بدرجات متفاوتة (9).

ويكون من المفيد للغاية أن يكون لأي مؤسسة أكاديمية مجموعة من المعايير الأخلاقية، التي تلتزم بها وتلزم بها العاملين بها، في ميثاق مكتوب يتضمن تلك المعايير، ويكون مرجعاً ومرشداً لهم جميعاً وأساساً لتقييم سلوكهم أو لمحاسبتهم.  إذ يعد السلوك السليم، والتصرف الحصيف، من السمات الشخصية الطيبة، التي ينبغي أن يتمتع بها كل إنسان وجدير من يتولى تربية وتدريس النشء أن يتميز بسلوك اجتماعي راق وسلوك وظيفي أكثر تميزا؛ فينبغي على الأستاذ الجامعي أن يكون قدوة في مجتمعه ونموذجا لطلبته (10).

لكن تغيرت النظرة إلى وظيفة المدرس الجامعي وأدواره ومسؤولياته بتغير متطلبات الحياة العصرية، وفي ظل المتغيرات العالمية المتسارعة في مختلف الحياة، فبينما كانت وظيفة المدرس في الماضي نقل المعلومات وتوصيلها إلى أذهان المتعلمين، أصبحت في عصرنا الحالي تتطلب منه بناء الشخصية السوية المتكاملة في كافة مجالاتها وجوانبها، وممارسة القيادة والبحث والتقصي، وممارسة الإرشاد والتوجيه مما يحتم عليه أن يكون لديه العديد من الإمكانات والقدرات والمهارات والسمات والمقومات ما يمكنه من القيام بدوره لتربية الأجيال التي تناسب متغيرات العصر وتجابه تحديات القرن الحادي والعشرين، وما تميز به هذا القرن من انفجار معرفي وثورة علمية تكنولوجية. فالخدمة التي تقدمها مؤسسة التعليم العالي يجب أن تتسم بالجودة بتخريج أعلى الكفاءات التي يتم اللجوء إليها لحل أصعب المشكلات التي  يواجهها المجتمع (11).

إن الأستاذ الجامعي هو الحجر الأساس في العملية التكوينية في الجامعة كونه المشرف المباشر على إيصال المعرفة للطلبة، وبالتالي هو العنصر المزود بالمعلومات والمعارف والأفكار، فإذا كان الطلاب أهم مدخلات الجامعة، فإن الأستاذ أهم مقوماتها، فالجامعة تحتاج لنوعية متميزة من هيئة التدريس، ذلك لأن الجامعة بأساتذتها لا بمبانيها، والجامعة بفكر هؤلاء وعملهم وخبرتهم وبحوثهم قبل أي شيء، ومنه هو العنصر الفعال في العملية التعليمية الجامعية، والمحرك الأساسي لها فخصائصه الشخصية والمعرفية والانفعالية لها دور هام في فعالية العملية التعليمية، لأنها مهما كان مستوى المناهج التي تقدمها الجامعة والتجهيزات والهياكل التي تتوفر عليها، لا يمكن لها أن تحقق أهدافها في إحداث التغيير المطلوب، وفرص قيادتها العلمية والاجتماعية، ما لم يتواجد فيها الأستاذ الكفء تدريسا وبحثا، فالأستاذ الجامعي ذو الكفاءة  يمكن أن يعوض أي نقص أو تقصير محتمل في الإمكانات المادية والفنية في الجامعة، ويمكن أن يجعلها تقود المجتمع وتتبوأ المكانة المتميزة التي ينبغي أن تكون عليه (12).

إن مهمة أستاذ الجامعة أثناء تأدية وظيفته الأكاديمية، المحافظة على رأس ماله الأكاديمي وتطوير ذاته. وذلك بالتحضير المستمر للتدريس ومتابعة ما يستجد في موضوع تخصصه والمحافظة على استمرارية أبحاثه، ومحاولة تعلم مهارات جديدة لخدمة المجتمع الذي هو جزء منه. هذا وقد تطغى أي من هذه المهام على بقية المهام الأخرى، تبعا لميول أستاذ الجامعة حسب أولويات اهتمامه وظروف الجامعة و المجتمع الذي يعيش فيه (13).

وباعتبار أن وظيفة الأستاذ من وظيفة الجامعة والبحث العلمي أهم ما يميزها، فإن المهمة الأساسية الأولى لأستاذ الجامعة إذن هي البحث العلمي. لأن انصراف الأستاذ للتدريس تضعف فيه نزعته الابتكارية، بعكس البحث العلمي الذي يساعده على تنشيط عقله ونمو فكره، وكذلك يساهم في خدمة مجتمعه. فالوظيفة البحثية، هي السبيل الوحيد للنمو والتطور على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، سواء كانت هذه الأبحاث أبحاثا أساسية، تهدف إلى الكشف عن خبايا الكون أو أبحاثا تطبيقية، تهدف إلى التوصل لاستخدامات محددة (14).

وأغلب أساتذة جامعاتنا يركزون على النوع الأول من الأبحاث، أو ما يسمى بالبحث الخاص، وفي هذا مضيعة للوقت والجهد والمال والفكر. لأن هذا النوع من الأبحاث بعيدة عن تلبية حاجات مجتمعنا في كثير من النواحي والمجالات، خاصة مشكلات التنمية وخدمة المجتمع، بعكس الدول المتقدمة التي ركزت على الأبحاث التطبيقية التي تتم في شكل فرق بحثية، استطاعت عن طريقها قطع خطوات هائلة في طريق التقدم وجعلت المسافة بيننا وبينها تتسع باطراد (15).

وعليه فإن حضور الملتقيات العلمية والمؤتمرات والندوات الوطنية والدولية التي تنظم في ميدان تخصصه والمشاركة فيها، لأن حضور مثل هذه الفعاليات، تخلق جوا من النقاش العلمي مما يساعد على التعرف على أفكار العلماء وتجاربهم على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي لخدمة رسالة الجامعة ورفع المستوى العلمي والمهني للأستاذ. فالأساتذة والباحثين الذين ينعزلون في مجتمعاتهم العلمية الصغيرة، يكون تقدمهم في مجالات تخصصهم ضئيلا وأبحاثهم تظل محلية بعيدة عن التجريب العلمي للعلم؛ وبعيدة عن النقد الذي قد يدعمها وينميها ويعمقها. كما تقل إنتاجيتهم العلمية ودافعيتهم للبحث والابتكار (16).

وحول الوظيفة التدريسية فنجد أنها تمثل الوظيفة التقليدية، الأكثر التصاقا بالأستاذ الجامعي وبالجامعة منذ بدايات نشأتها، وهي وظيفة ممتدة من مجرد إلقاء المحاضرات إلى باقي مهمات التدريس، كتدريب الطلاب ووضع الامتحانات وتصحيحها. إذ إن موضوع التدريس الجامعي يعتبر من أبرز الموضوعات التي أخذت تحتل مركز الإهتمام في معظم أقطار العالم في السنوات الأخيرة، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على الدور الذي يلعبه التدريس الجامعي في مواكبة حاجات الأفراد ومتطلباتهم وفي تقدم المجتمعات وتنميتها، من خلال إعداد الإطارات والقوى البشرية المؤهلة من جميع جوانبها، وعليه فإن التدريس الجامعي ليس مجرد نقل المعارف والمعلومات إلى الطالب الجامعي بل هو عملية تعنى بنمو الطالب نموا متكاملا (عقليا، وجدانيا، مهاريا) ويتكامل شخصيته من مختلف جوانبها (17).

وإن التعليم أو التدريس الجامعي، يعد من العوامل الهامة في عملية التنمية مثله مثل الأبحاث، لأنه يؤدي إلى انتشار المعرفة والحفاظ على الثقافة باعتبار أن الجامعة مركز للمحافظة على المعرفة ونقلها؛ ومعنى ذلك تشجيع الطلبة على التفكير والتركيز في كل ما يتلقونه من مواد حتى يتمكنوا من تطبيقها في كل ما يحتاجونه، كما يهدف التدريس الجامعي زيادة على ذلك تعليم الطلبة الاعتماد على الذات، وزيادة الثقة بالنفس، الشعور بالمسؤولية والإنجاز، ومحاكاة الأمور عقليا والاستمرار كالتعلم الذاتي، وهذا بالطبع لا يتم إلا من خلال أستاذ جامعي جيد الإعداد والتكوين (العلمي، البحثي، المهني) ومتميز في التدريس بكل أساليبه واستراتيجياته، وذلك في ظل تفجر المعرفة والتكنولوجيا وتعقد الحياة (18).

كذلك فالأستاذ الجامعي له دور في وظيفة خدمة المجتمع؛ فالأستاذ الجامعي هو الذي يحتاجه المجتمع في هذا العصر الذي يشهد طوفانا معرفيا وتدفقا للمعلومات، وثورة في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعرفة، وتنوعا في أساليب التربية والتعليم. لا يمكن لأستاذ الجامعة أن يحقق ذاته ويثبت وجوده، ما لم يكن ملتزما بقضايا مجتمعه ومتطلبات نموه وازدهاره، يعيش مشاكله ويجد الحلول المناسبة لها بتقديم الاستشارات للجهات الحكومية والخاصة ونشر المعرفة، عن طريق المحاضرات والندوات العامة، وإجراء البحوث لصالح مؤسسات مجتمعية، وتوجيه انتقادات للمجتمع والجامعة (19).

لذا فإن الخدمة العامة للمجتمع أصبحت وظيفة أساسية للأستاذ، لا يقل شأنها عن وظيفتي التدريس والبحث العلمي. فكثيرة هي المجالات التي يمكن للأستاذ أن يخدم المجتمع من خلالها، إن كليات وأقسام الجامعة المختلفة، هي من أفضل الأماكن التي يؤدي الأستاذ الجامعي دوره في تقديم العلم وتطبيقه في سائر ميادين التنمية الاجتماعية. خاصة منها في مجال الزراعة والصناعة وقطاع الخدمات، الذي يقوم بوظائف سائر الخدمات المالية والإدارية والصحية والإسكان والمياه والكهرباء والمواصلات وحتى خدمات التعليم نفسه. وكل ما يدخل في الخدمة الخاصة والعامة (20).

ويتكون أيضا أداء الأستاذ الجامعي في مجال خدمة المجتمع من جانبين هامين يكون الجانب الأول من داخل الجامعة وتتلخص مسؤوليته في المشاركة في الأنشطة الطلابية وتوجيهها، والأدوار الإدارية في القسم والكلية والجامعة وعضوية اللجان على مستويات القسم، الكلية، الجامعة والإشراف على أساتذة آخرين. أما الجانب الثاني فمن خارج الجامعة وهنا ينوط به القيام بالبحوث التطبيقية التي تعالج مشكلات المجتمع، وتسهم في حلها بالإضافة إلى تقديم المشورة والخبرة لمؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمشاركة في الندوات والمحاضرات العامة والمساهمة في الدورات التدريبية التي تقدم لتأهيل العديد من القيادات والعاملين  (21).

وثمة نقطة مهمة وهي أن هناك مسؤوليات تضاف إلى الأستاذ الجامعي، أثناء حياته الوظيفية في الجامعة . إذ تختلف اختصاصات ومسؤوليات أساتذة وهذه المسؤوليات تتمثل في الوظيفة الإدارية. الجامعة في المجال الإداري، تبعا لاختلاف المناصب الإدارية التي يعتليها هؤلاء الأساتذة، فيما يخص تصريف الشؤون المالية ومجال شؤون الطلاب والدراسة والامتحانات، وفي مختلف الشؤون العلمية والإدارية المختلفة، ولكن رغم أهمية الدور الذي يقوم به الأستاذ الجامعي، عند توليه للمنصب الإداري، إلا أن ذلك يؤثر على عدد الساعات التدريبية القائم بها، وهذا التأثير يختلف من أستاذ لآخر حسب درجته العملية، حیث تقل كلما ارتفعت الدرجات العلمية للأساتذة، وهذا ما يؤدي إلى التقليل من الكفاءة العلمية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات، لاعتمادهم على خبرات أقل في العملية التدريسية. مما ينتج عنها خرجين ذوي مستوى متواضع، لعدم الاستفادة من خبرات الأساتذة في تدريس الطلاب (22).

وما يقال عن التدريس والبحث يقال عن حضور المؤتمرات العلمية المحلية والعالمية، وعن الإشراف على الرسائل العلمية، حيث تقل باطراد كلما احتل الأستاذ منصبا إداريا أعلى وحتى خدمة المجتمع تتأثر بهذه المناصب الإدارية، حيث تنقص الاستشارات العلمية التي يقوم بها عضو هيئة التدريس لكثير من الهيئات الحكومية وبعض مشاريع القطاع الخاص. وإن المناصب الإدارية كثيرا ما تضع أستاذ الجامعة في صراع بين العمل الأكاديمي والعمل الإداري والتجربة صعبة. والكثير من هؤلاء الأساتذة يتهربون من العمل الإداري ويرتدون إلى عملهم الأصلي وهو العمل الأكاديمي (23).

زيادة عن الوظائف العديدة السابقة للأستاذ الجامعي، فإن هذا الأخير يجب أن يقوم وذلك من 21 بوظيفة لا تقل أهمية عن الوظائف الأخرى، وهي الوظيفة القومية والعالمية، خلال القيام بعدة أدوار والتي ترتكز في خدمة الوطن في الحقل السياسي سواء في الداخل أو الخارج. لأنه لا يوجد من هو أكثر تأهيلا وإعدادا من أساتذة الجامعة كي يضطلع بالدور السياسي الهام. لذا فإن الأستاذ الجامعي من المفروض أن يقوم بعضوية أو رئاسة مختلف المجالس البلدية والولائية والوطنية ومجلس الأمة، باعتبار أنه الوحيد المخول لمثل هذه المناصب  (24).

كما أنه يجب عليه في مجال العمل التنفيذي، أن يحتل مناصب عدة كرئيس حكومة أو رئيس وزراء، لأن نجاح الحكومة أو الوزراء هي تلك التي يقودها أساتذة جامعيين لما لها من قدرة على علاج الروتين الحكومي، ومواجهة الإسراف داخل الجهاز الإداري ومحاولة ترشيد الإنفاق، وعلاج مختلف المشكلات. وكلها مسؤوليات لا ينوء بحملها إلا أولي العزم من الأساتذة الجامعيين (25).... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

6- فاطمة الزهراء بلحسين: المرجع نفسه، ص 254.

7-فاطمة الزهراء بلحسين: المرجع نفسه، ص 248-249.

8- المرجع نفسه، ص 250.

9- المرجع نفسه، ص 251.

10- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

11- المرجع نفسه، ص 252.

12- المرجع نفسه، ص 257-258.

13- المرجع نفسه، ص 258.

14- المرجع نفسه، ص 259.

15- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

16- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

17- المرجع نفسه، ص 60.

18- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

19- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

20- المرجع نفسه، ص 261.

21- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

22- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

23- المرجع نفسه، ص 262.

24- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

25- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 

 

محمد الربيعي يواجه العراق اليوم عددا كبيرا من المشاكل التي تهدد بقاءه كدولة على هذا الكوكب. ومع ذلك، لا تتساوى جميع ارجاءه بالمشاكل التي تصنف من بين أخطر التهديدات لنا كعراقيين: الفساد، العنف، الطائفية، البطالة، والفقر، وانخفاض مستوى التعليم، وضعف مستوى التطور الاقتصادي والتكنولوجي، والتمييز ضد المرأة.

الفساد هو اخطر ما يواجه العراقيين وبنظري ان اخطر انواع الفساد هو الفساد في التعليم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن نقص الموارد المالية المخصصة للاعمار وبناء هياكل البنية التحتية، والبيروقراطية، والتلوث البيئي، والصراع السياسي تشكل تهديدات كبيرة تجعل ضرورة التعامل مع هذه القضايا بجدية تامة. من الصعب تحديد أي من المشاكل المذكورة هو الأكثر أهمية والذي يعرض بلدنا لاكثر خطورة، نظرا لكونها مترابطة ومتداخلة. ومع ذلك ، أود أن أسلط الضوء على قضايا التعليم الفسادة، حيث أن لها آثارا سلبية للغاية على بقاء العراق كدولة وكشعب.

في العديد من البلدان، يتفشى الفساد في التعليم. لكنه يتميز في العراق بشكل واسع يشمل التعينات والسلوكيات ونظام التجهيزات المدرسية والكتب والامتحانات والشهادات وبناء وصيانة البنى التحتية مما عرّض المدارس والجامعات للخطر وتضخم في المشكلات الملحة واجهاض لدعوات الاصلاح، وادى بالتالي الى تدمير نظام التعليم السليم.

يمكن تعريف الفساد في قطاع التعليم على أنه "الاستخدام المنهجي للمنصب العام لتحقيق المنفعة الخاصة، والذي يكون له تأثير كبير على توافر وجودة السلع والخدمات التعليمية، وله تأثير على التمكن من الحصول على التعليم أو جودته أو الإنصاف في التعليم" (هالاك وبواسون، 2002 *).

الاحتيال الأكاديمي وضمان الجودة

أصبحت جمهرة كبيرة داخل المؤسسات التعليمية أكثر من أي وقت مضى متسترة بقناع التملق نحو المسؤولين الاعلى في السلطة والتماهي لهم وتتنامي المساعي من أجل الحصول على مكاسب انية وشخصية، والتقاعس في تأدية وظيفتها الأساسية - تدريب طلبة مؤهلين وقادرين على التعامل مع الأزمات التي يواجهها العراق في الوقت الحاضر.

ومن هنا نشهد ظهور المدارس والكليات والجامعات الاهلية بشكل لا يمكن السيطرة عليه، حيث تقدم نفس المناهج الدراسية التقليدية أو المناهج المماثلة من أجل جذب أكبر عدد ممكن من الطلاب، بدلاً من مناهج حديثة ورائدة وتسعى الى تطوير المعرفة في المجالات الطبية والصناعية والزراعية والاجتماعية. على سبيل المثال، نما الالتحاق بالتعليم العالي بشكل أسرع من قدرات التمويل او احتياجات سوق العمل كما هو عليه في طب الاسنان والصيدلة، ووصل إلى مرحلة حرجة حيث أدى نقص الموارد إلى تدهور حاد في جودة التعليم وفي القدرة على إعادة توجيه التركيز على النوعية والابتكار. بمعنى آخر، الكم يهدد الجودة. بالإضافة إلى ذلك، ازداد عدد الحاصلين على شهادات عليا من جامعات وهمية او تجارية بدرجة كبيرة وتبرع عدد من النواب والوزراء بالدفاع عنهم والاعتراف بشهاداتهم، كما اشتدت ظاهرة تدخل مجلس النواب بخطط واستراتيجيات السلطة التنفيذية من خلال اصدار قوانيين وقررات تصب في مصالح الفئة الحاكمة.  واصبحت الدراسات العليا مجالا خصبا للفساد عبر قرارات تهدف الى فتح باب القبول على مصراعيه للنخب الحاكمة ومنح الشهادات والالقاب العلمية بدون الالتزام بما تتطلبه شروط التأهيل الشامل والشهادة الرصينة. وانتشر سوق الاحتيال في النشر حيث راجت المجلات "العالمية" الوهمية، بعضها يعلن في وسائل الاتصال الاجتماعي، وينشر المعلومات عن طريق إرسال البريد العشوائي، ويدعي احتلال المجلة مرتبة عالية في قوائم البحث في محركات البحث، واصبح النشر فيها من الامور الطبيعية ووجدت مكاتب واكاديميين يروجون لها، وتبؤا العراق المرتبة العالمية الثانية من ناحية النشر في المجلات المفترسة. يمكننا أيضا أن نرى أنه يمكن شراء أطروحات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه  عبر الإنترنت، وكثرت المكاتب التي تجري التجارب العلمية وتعد الرسائل والاطروحات وتقدم البحوث الجاهزة، وبدأ المشرفون بتشجيع طلبتهم على الاستعانة بالوسطاء لاجل نشر بحوثهم في مجلات ضعيفة او فاسدة او مفترسة ولمجرد انها مفهرسة في محرك سكوبس، مما ادى الى الاستهانة تماما بأهمية البحث والتعليم والشعور به. وفقا لذلك، تدهورت القيمة العلمية للشهادات بسبب فرط إنتاجها وعدم كفاية المعرفة والكفاءة التي تحققت من خلال التعليم لدعمها. يؤكد احد التدريسيين على ان بعض اطاريح الدكتوراه تكتمل باسابيع وبمجرد فحوصات بسيطة وبعض القياسات الروتينية لتنشر البحوث في مجلات زائفة مدرجة في محرك سكوبس. من الواضح أن هذا الإنتاج المفرط للشهادات لا يمكن أن يحل مشكلة المستوى التعليمي غير الكافي، ولا يمكن أن يرفع بشكل مصطنع مستوى المعرفة في البلد، ويزيد من تهميش الباحثين المجتهدين والملتزمين بالامانة العلمية ويقضي على الرغبة والدافعية عندهم.

بالنظر إلى أن التعليم هو أساس تطور البلد وبقاء اقتصاده، فمن الضروري كبح هذا الاتجاه السلبي في أسرع وقت ممكن. لا شيء يمكن أن يدمر أي بلد أكثر من نظام التعليم المفقر والفاسد. ومن ثم، فإن هذه القضية لا تتطلب فقط اهتماما خاصا من الاكاديميين والتدريسيين، ولكنها تمس إلى حد كبير مجال القانون الجنائي. وبالتالي، من الضروري إطلاق حملة مكثفة لإغلاق المؤسسات شبه التعليمية التي تنتج "معاقين فكريين" ومعاقبة الفاسدين. يجب إعادة التعليم إلى دوره الأصلي، مع ذلك، ببادئة جديدة، وهي إنشاء تعليم موجه لاحتياجات الطلاب والمعرفة الجديدة التي ستكون متآزرة مع الطلب في أسواق العمل المحلية والعالمية. نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى معرفة يمكن تطبيقها على اقتصاد القرن الحادي والعشرين، الاقتصاد القائم على المعرفة. ولهذا السبب يجب الاهتمام بشكل فوري بالتعليم لما له من آثار على الحد من الفقر والبطالة وغيرها من المشاكل التي يواجهها العراق الذي نعيش فيه اليوم.

أخيرا، أود فقط أن أضيف أن إنشاء نموذج جديد للتعليم يلبي معايير تشجيع الفرد والإبداع ويركز على اهتمامات المجتمع التعليمي السليم بدلاً من اهتمامات قيادات الدولة والمؤسسات التعليمية لا يمكن تحقيقه دون حل مشكلة الفساد في التعليم. يجب أن تعني الشهادة المكانة العلمية والمهنية والمعرفة والجودة والاصالة، بدلاً من أن تكون مجرد "ورقة" وطريقا إلى عالم من العاطلين عن العمل.

 

ا. د. محمد الربيعي

...................

المصادر:

 * Hallak, J.; Poisson, M. 2002. Ethics and corruption in education (Policy Forum No. 15). Results from the Expert Workshop held at the IIEP, Paris, France, 28-29 November, 2001. Paris: IIEP-UNESCO.

 

 

محمود محمد عليتقديم: ليس من شك أن الأخلاق ترقى بالعلم والعلم يسمو بها، وأن الخلق والعلم صنوان لا يمكن الفصل بينهما، ويكمل كل منهما الآخر للتعبير عن الشخصية الإنسانية الحقيقية والمثالية في عصرنا الحاضر. وإنهما يشكلان ركيزتان أساسيتان لبناء وتقدم المجتمعات الإنسانية، إذ لا يمكن للمجتمعات المعاصرة من إرساء قواعد نهضتها الاقتصادية والتنموية والحضارية بعيداً عنهما.

ولهذا تعد الأخلاق من أهم المعاني ففي هذه الحياة، فهي تتصل اتصالاً وثيقاً بالعملية التربوية باعتبارها من أهم المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني من بني الإنسان أفراداً كانوا أم جماعات ليحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه ؛ وأن للأخلاق دوراً مهماً في حياة الشعوب على اختلاف أجناسها وأماكن وجودها، وينعكس أثر هذه الأخلاق علي سلوك الأفراد بحيث يصبح سلوكهم متصفاً بالثبات وعندئذ تشكل الأخلاق أهم مصادر الضبط الاجتماعي عند الأفراد.

كما احتلت الأخلاق موقعاً بارزاً في الفكر الفلسفي، وكانت علي الدوام محوراً رئيساً للفكر الاجتماعي نظراً لعلو مكانتها، وأهمية دورها في تنظيم علاقة الإنسان بالمجتمع . ويتفق الأخلاقيون بوجه عام  على ارتباط المسؤولية الأخلاقية للفاعل بالنية، والاعتقاد أن العمال الصالحة لا تتحقق إلا إذا أخضع الفاعل الأخلاقي للقواعد التي تجسد المثل العليا والقيم الرفيعة . فالأخلاق المهنية تستند أساساً من المجتمع وأخلاقياته وقيمه، وتدور أخلاقيات المهنة حول نقطتين رئيستين هما : إتقان العمل وتجنب التقصير، أو الإهمال فيه، وتتمثل أهمية هذه الأخلاقيات في كونها ضوابط لسلوك المهنيين تحافظ على المهنة من أي تصرف مشين يخالف قواعدها العامة . وإن التعليم لم تعد تلقين للمعلومات لكنها عملية تهدف إلي تغيير سلوك الطالب بدنياً، وعقلياً، ووجدانياً، وتتوافر فيها جميع معايير المهنة المتكاملة . فهي تتضمن : تقديم خدمة عامة ذات أهمية حيوية لشرائح المجتمع كافة، وتتطلب ثقافة متخصصة تتيح للمعلم رؤية مستنيرة لجوانب عمله، وتستلزم أخلاقاً مهنية تتضح فيها الحقوق والواجبات، وتحدد للأستاذ الجامعي أنماطا سلوكية معروفة، يلزم بها في المؤسسة الأكاديمية (1).

ولا شك في أن إن الجامعة هي التي تمد المجتمع بقياداتها الثقافية والسياسية وهي صمام الأمان والأمن بمقدار ما تعد أبناء من الدارسين وبمقدار ما تدفع بالحرية العلمية والبحثية نحو حل جل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فالالتزام بالمبادئ والسلوك الأخلاقي سواء على صعيد الفرد، أو الجماعة، أو المؤسسات والمنظمات يعتبر ذو أهمية بالغة لمختلف الشرائح؛ حيث إن هذا الأمر يقوي الالتزام بمبادئ العمل الصحيح والصادق. لهذا فإن الدور الهام الذي تلعبه القيم الأخلاقية المتعلقة بالممارسة المهنية في تحسين أداء الأستاذ الجامعي، واستثماره لوقته بالشكل الأمثل وسعيه لتحقيق أفضل عائد يؤدي إلى تحقيق الجودة في مجال التعليم العالي وتعزيز الثقة بين الأفراد، كما أنه يعد عنصر أساس في نجاح العلاقة مع المحيط الداخلي والخارجي للتنظيم (2).

وعلي الجامعات أن تقوم بدورها في إيجاد الأخلاقيات المهنية سواء كان بالنسبة للطالب أم كان بالنسبة للأستاذ الجامعي، فالمنهاج الأخلاقي يجب أن يسير على المستوى الأعمق في الحياة الجامعية، ويتبين ذلك من خلال العلاقة الأخلاقية بين المدرس وطلبته، والمدرس والهيئة الأكاديمية، والمدرس، والأقسام العملية، والإدارية الموجودة في الجامعات، لأن ذلك طريق الإصلاح، والعمل الجماعي والتعاوني، ولا يأتي ذلك إلا بتنمية العلاقة الأخلاقية الإيجابية بين أطراف العملية التعليمية داخل الجامعة (3).

ولما كانت المؤسسة الأكاديمية تعد هي المؤسسة الاجتماعية التي تقوم  بغرس العديد من الخبرات في نفوس الطلبة المنتسبين إليها، وتوجههم إلي الخبرات المناسبة في المجتمع، وعلى أسس من القيم، والفضيلة، والأخلاقيات، وهي تساعد الطلبة علي تحقيق نموهم العقلي وإكسابهم شخصية متميزة تساعدهم على القيام بالأدوار المنوطة بهم في المجتمع، ومن هنا لا بد لقائمين على المؤسسة الأكاديمية من الالتزام بأخلاقيات المهنة، والتي تدور تنعكس علي حياة الطلبة في المؤسسات الأكاديمية، ومنها دور الأستاذ الجامعي الذي بدوره يجب أن يتحلى بأخلاقيات المهنة التي يمارسها أثناء تأديته لوظيفته (4).

وفي خضم ما تشهده جامعاتنا العربية من انتشار واسع عبر أرجاء الوطن وتوسع مهامها وتزايد عدد الطلبة والخريجين، ووجود عالقات إنسانية ومهنية بين الإدارة والطالب والأستاذ فلابد من وجود حلقة ربط مهنة، ألا وهي الأخلاق، فالأخلاق ضرورة من ضروريات الحياة ومطلب أساسي لتنظيم المجتمع واستقراره، وغيابها تعني غلبة شريعة الغاب، وعلى اعتبار الجامعة المجتمع المصغر وهي مؤسسة ذات دور تعليمي وتربوي مسؤولة على نشر الأخلاق وتوعية الطالب داخل الحرم الجامعي، فهي المسؤولة عن الالتزام الأخلاقي في الأداء، سواء بين العمال أو الطلبة أو الأساتذة (5).

وَبِنَاء  على ذلك فإن موضوع الاهتمام بالأستاذ الجامعي في وقتنا الراهن لأداء دوره الطليعي في المجتمع قضية يقينية لا تقبل الشك؛ لأنه يعد عنواناً وأنموذجاً للتصدي ومواجهة التحديات العلمية والتكنولوجية والحضارية وأداة لإحداث التغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي .... وإنه الأداة المحركة لإحداث التغيير الذي ينشده المجتمع؛ وذلك في ضوء ما يقدمه من أفكار وآراء ونظريات ونماذج من الابتكارات والاكتشافات في شتى ميادين العلم والمعرفة. ويجدر بالجامعة كمؤسسة تعليمية وبحثية أن تهدف إلى إرساء القيم الأخلاقية البناءة والمستمدة من القيم السماويَّة ومساراتها الوضعية لهذه الفئة الاجتماعية، وذلك بتشريع مواثيق أخلاقية وقيمية لضبط السلوكيات المهنية لأعضاء هيئة التدريس في أركانها الثلاثة التدريس والبحث العلمي والخدمة المجتمعية.

لذلك فعننا في هذه الورقة نحاول قدر الاستطاعة أن نكشف الأبعاد الحقيقية التي جعلت أخلاقيات الأستاذ الجامعي من الناحية المهنية تتقلص، وما هي الأسباب الاجتماعية والاقتصادية في هذا الأمر، وكيف نعيد أخلاقيات المهنة التي يجب أن يمارسها الأستاذ الجامعي، ومن ثم تحديد مسؤولية الجامعات عن كيفية تطبيق المعيار الخلقي للكفاية المهنية، وكيف يتم دعوة جامعاتنا العربية إلى تأسيس ميثاق أخلاقي يلتوم به أعضاء إلهية التدريسية، يلزم هذا الميثاق بتوفير الحرية الأكاديمية للأستاذ الجامعي، وقيام الجامعات بوضع قوانين وأنظمة تحد من الممارسات الخاطئة التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس، وعقد الندوات والمؤتمرات التي تنادي وتدعو إلي التمسك بأخلاقيات المهنة لتبادل الخبرات بين أساتذة الجامعات.

ومن هنا تأتي هذه الورقة بغرض تسليط الضوء على عضو فعال في الجامعة ألا وهو الأستاذ الجامعي من حيث ممارسة مهامه وواجباته، وصفاته، وخصائصه، وسلوكه التدريسي وكلها يعبر عنها بأخلاقيات وأدبيات الجامعة... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

1- حمدة بنت حمد بن هلال السعدية،: الأخلاقيات المهنية للأستاذ الجامعي وانعكاساتها على المؤسسة الأكاديمية : دراسة تحليلية، المؤتمر العربي الثالث - الجامعات العربية: التحديات والآفاق، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2010، ص445.

2- فاطمة الزهراء بلحسين: إلتزام الأستاذ الجامعي بأخلاقيات المهنة التعليمية: آلية داعمة للرفع من سمعة الجامعة وأدائها، مجلة العلوم الإنسانية، المركز الجامعي علي كافي تندوف، المجلد الرابع، الإصدار الثالث، 2020، ص 252

3- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

4- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

5- سارة رؤيتي : رؤية نظرية حول أخلاقيات المهنة داخل الحرم الجامعي، مجلة العلوم الإنسانية، المركز الجامعي علي كافي تندوفص، 2017، ص 233.

 

ليث الكربلائيقبل عدّة سنوات كانت فرحتي لا توصف عندما وصلني مع بعض الأصدقاء نسخة من كتاب نظرية الحس الصوتي وعليها إهداء المؤلف الاستاذ الدكتور محمد كاظم البكاء مشكورا وفي اليوم التالي شرعت بمطالعته إذ كنت مهتما بمخرجات هذه النظرية بعد أن سمعتُ غير مرة الاستاذ البكاء يتكلم عنها قبل تدوينها، وما إن فرغت منه حتى وجدتُ نفسي أمام أسئلة كثيرة لن تستقيم النظرية ما لم تتم الإجابة عنها، ولكن شغلتني بعض الالتزامات حينها حتى أعدتُ قراءة الكتاب ثانية وثالثة قبل أيّام لأدوِّن ما يستحق الاهتمام من تلك الأسئلة في هذا المقال الذي لا ينبغي أن يُنظر له غير كونه محاولة باتجاه بلورة النظرية وإلّا فالمؤلف هو أستاذي الذي أعتز به قبل كلّ شيء .

ينطلق الأستاذ البكاء في نظرية الحس الصوتي من قاعدة (طلب الخفة ) جاعلا منها العمود الفقري الذي تبتني عليه جميع مسائل علم النحو إلا ما شذّ .

وقد سمعتُ يوماً من بعض الأساتذة أنّ: " نظرية الحس الصوتي تساوق قاعدة طلب الخفة وبالتالي لا تتضمن أي تجديد في المضمون وإنما اقتصرت على إعادة صياغة المفاهيم فحسب " لكنّي أعدُّ هذا التصريح وأمثاله قراءة سطحية للنظرية وإن كانت بعض عبارات الاستاذ المؤلف تسير في هذا السياق أيضا !! لأنّ المؤلف وإن اعتمد قاعدة الخفة أساسا لكنه ذهب بها بعيدا حيث تمكن من وضع تفسير للسليقة على ضوئها وهنا تكمن أهمية هذه النظرية، إذ يقول: " وقد اختلفوا في معنى السليقة ولم أجد لها تعريفا واضحا، والحقيقة هي الحس الصوتي اللغوي الذي وهبنا إيّاه الله سبحانه وتعالى مبنيّاً على تطلب الخفة في اللسان " وخطورة هذا التصريح تكمن في قدرته على إحداث تغيير جذري في مباحث العلل النحوية إذ على ضوءه يجب إرجاع جميع العلل النحوية الثانية (العلل القياسية) والثالثة (العلل النظرية الجدلية) الى طلب الخفة فتكون هي علة العلل لأنّ السليقة لها الحاكمية في هذا الباب وهو يوجب رفع اليد عن كثير من العلل النحوية المدرسية كما سيتضح عن قريب .

ولمّا كانت هذه الدعوى تُمثّل جوهر نظرية الحسّ الصوتي سأقتصر في هذا المقال على نقد بعض لوازمها و تداعياتها وحيثيّاتها ومديات قدرتها على تفسير الظواهر الصوتية في اللغة العربية  في عدة نقاط:

أوّلاً: وجود الدواعي الموازية لداعي الخفّة

إذ أنّ الظواهر الصوتية في اللغة العربية كما يرجع بعضها الى طلب الخفة يرجع بعضها الآخر الى دواعٍ أخرى لا يجمعها مع قاعدة الخفة جامع ومنها مثلاً: مراعاة المعنى، ويظهر هذا جلياً في قاعدة (زيادة المباني زيادة في المعاني) فما من شكٍ في أنّ زيادة المباني توجب الثقل ولا تساير قاعدة الخفّة لكنّها لَمَّا كانت ضرورية لأجل أداء المعنى رفع العربي يده عن قاعدة الخفّة ومن هنا صار (التوَّاب) مثلاً مع ثقله صوتياً أبلغ في التلبُّس بالفعل من (التائب) مع خفته صوتيا، فلمّا وجد العربي أن الاقتصار على الأخف صوتيا هنا يُخِلّ بالتفهيم والتفاهم  والذي هو المقصد الأساس من وضع اللغة ما كان في وسعه إلّا التخلي عن قاعدة طلب الأخف .

ثانياً: عجز نظرية الحس الصوتي عن تفسير كثير من الظواهر اللغوية

في مواطن كثيرة نجد العربي لجأ إلى استعمال الثقيل وهجر الأخف لا لسبب واضح سوى بضعة تحليلات عقلية جاءت كنتيجة لمحاولات عقلنة البلاغة على يد السكاكي ومن تابعه من البلاغيين ومن هذه الظواهر مثلاً:

1- الإشمام والإمالة: فالإمالة بمعنى تقريب الفتحة نحو الكسرة وكذلك الإشمام بأنواعه المختلفة من ظواهر الثقل في العربية حتى أنّ العربيّ المعاصر ما عاد قادرا على تطبيقهما صوتيا إلا بعد جهدٍ وتدريب وليس بمقدور نظرية الحس الصوتي وضع تفسير لهذا النزوع نحو الأثقل .

2- إعراب الفعل المضارع: إذ أنّه ثقيل في نفسه ثقيل نسبياً من جهة زيادة حرف المضارعة ومع ذلك زادوا في ثقله بإعرابه ولم يقف العربي عند هذا المقدار حتّى جعل الأصل فيه أن يُرفع بالضمّة التي هي أثقل الحركات، مع أنّه لم يكن في البين أي داعٍ لإعرابه وفق نظرية الحس الصوتي لأنّ الإعراب في الأسماء إنّما احتجناه لتوارد المعاني المتكثرة على الاسم فمثلا قولك (ضرب زيد) إن رفعته صار ضاربا وإن نصبته صار مضروبا ولكنّ الفعل المضارع ليس كذلك إذ أنه يتمحض في معنى واحد ولا تتوارد عليه المعاني، وإذا أخذنا بالتعليل المدرسي فإنّ العربي هنا قد تخلى عن قاعدة الخفة لسبب بسيط جدا هو مضارعة هذا الصنف من الأفعال للأسماء المعربة فكيف تكون الخفّة بعد ذلك تساوق السليقة ؟

3- ظاهرة الإعراب المحلّي: إذ يستشهد الاستاذ البكاء في كتابه على اطراد نظرية الحس الصوتي بمماثلة التابع للمتبوع في الإعراب في باب التوابع إذ مقتضى طلب الخفة هو المماثلة ولكن فاته حفظه الله أنّ يعالج النقض عليه بالإعراب المحلي في باب التوابع نفسه والذي يقتضي مغايرة التابع للمتبوع ومتابعته لمحله ولا أظنني بحاجة الى التنبيه على أنّ المحلّ ليس ظاهرة صوتية فمن الناحية الصوتية كان ينبغي إلغاء الإعراب المحلي والحفاظ على التماثل بين لفظي التابع والمتبوع وفق قاعدة طلب الخفّة .

4- ظاهرة زيادة المباني دون المعاني: وهي ما يُعرف بالزيادة الإلحاقية والتي الغرض منها لفظي لا علاقة له بالمعنى إذ العرب كما تزيد من أجل المعنى تزيد من أجل اللفظ فهي تختلف عمّا سبق ذكره في الفقرة الأولى، وأمثلتها كثيرة جدا منها: نحو (أشكَلَ) و(استشكلَ) فالمعنى واحد مع ذلك أجازت العرب الزيادة ولم تقف عند الأوّل مع أنّ الزيادة توجب الثقل ولا داعي لها في المقام فكيف يمكن تفسير ذلك على ضوء قاعدة طلب الخفة ؟.

ومن هذا الباب (سقاه) و (أسقاه) بمعنى واحد، وكذلك (استبان الأمر بمعنى بان) وهما من قسم المزيد غير الملحَق، بل أكثر من ذلك إذ أنّ العرب أحيانا تهجر اللفظ الخفيف وتستعمل المزيد الثقيل فقط ! كما في مفردة (كوكب) الملحقة بالرباعي إذ استعملها العرب و أهملوا أصلها الثلاثي (ككب) ومن هذا الباب (جلبب) الملحق بالرباعي أيضا استعملوه وأهملوا أصله الثلاثي (جلب) ويُلحَق بذلك ما قد يُغني مزيده عن مجرّده مثل (أقسم) و (أفلحَ) فنظرية الحس الصوتي عاجزة عن وضع تفسير مقبول لهذا النزوع نحو الثقل من دون اي ضرورة تقتضي ذلك .

5- جاء الباب الثالث من أبواب الفعل الثلاثي المجرد على وزن (فعَلَ – يْفْعَلُ) وهو خلاف الأصل في ميزان المضارع إذ يجب مخالفة عينه عين ماضيه بينما جاء كلاهما في هذا الباب مفتوحا طلبا للخفة لأنّ عين الفعل أو لامه في هذا الباب لا تكون إلا أحد حروف الحلق الستة وهي ثقيلة لذا اختاروا لها أخف الحركات وهي الفتحة وهذا كله جاء وفق القاعدة ولكن بعض أفعال هذا الباب – وكلّ أفعاله سماعيّة – جاءت عين المضارع فيها مضمومة كما في (دخَل – يدخُلُ) ولا يمكن تفسير ذلك على ضوء قاعدة الخفة لأنّ الخاء أحد حروف الحلق الستة الثقيلة فكان يجب فتحها وفق القاعدة .

وثمة ظواهر لغوية أخرى كثيرة تعجز نظرية الحس الصوتي عن تقديم تفسير لها ولكن أكتفي بما ذكرته اختصاراً .

ثالثاً: المساحات الرمادية ي ميزان الخفة والثقل

إذ على الرغم من أنّ قاعدة طلب الخفة قد أولاها الباحثون أهميّة قصوى وصنفوا فيها بحوثا مستقلة ورسائل وأطاريح أكاديمية لا تزال المساحات الرمادية تكتنفها من جهة أنّ التمييز بين الثقل والخفة يخضعان لعوامل داخلية (من نفس بنية المفردة) وخارجية (من خارج بنية المفردة) متحركة لا تسمح بوضع ناظم ثابت ورسم حدود دقيقة لما هو خفيف وما هو ثقيل فمثلا أحد العوامل الخارجية التي لها من الأثر في ذلك الشيء الكثير عامل الاعتياد والأنس بالمفردة إذ يخال المتكلم سهولة نطقٍ في المفردة وخفة بسبب اعتياده عليها وأنسُه بها بينما يستوحش من الألفاظ الغريبة ويستثقلها وإن كانت أخفّ من سابقتها، فكيف يمكن ضمان دقة البُعد الإجرائي في هذه القاعدة حتى يتسنى لنا بناء النحو على ضوئها كما يريد الأستاذ البكاء ؟

وفي هذه النقطة تفاصيل كثيرة تتطلب مقالاً مستقلاً ربما أعاود الكتابة عنها وتتميم البحث بأسئلة أخرى لاحقا .

وخلاصة ما سبق أنّ قاعدة التماس الخفة وإن كنّا نسلّم بفاعليتها في كثير من مفاصل اللغة وظواهرها لكنها لا تمثّل بأي شكل من الأشكال البنية التحتية لعلم النحو وسائر علوم اللغة وإنّما تتشارك في ذلك مع قواعد كثيرة يشكّل مجموعها لغة معيّنة بما في ذلك الظروف والمتغيرات الزمكانية وطبيعة خلقة الإنسان وغيرها، وعلى ضوء ذلك لا يمكن تفسير السليقة بقاعدة الخفة بل السليقة أعمّ منها بكثير .

ثمّ إنه ليس بالضرورة أن يكون هناك ناظماً يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه جميع الظواهر اللغوية بقضها وقضيضها بل للاعتباط أثر مهم في تشكّل كثير من تلك الظواهر والتي منها وضع الألفاظ للمعاني وكذلك كيفية صف الحروف في المفردة وغيرها، فليس في الوسع إهمال ما للاعتباط من أثر في تكوين اللغات وقد قرر ذلك قدماء علماء الأصول من المسلمين ثمّ قرره علماء فقه اللغة الحديث من أمثال دي سوسير وغيره .

 

ليث الكربلائي

 

علاء شدهان القرشي(ابن سينا والفارابي والصدر  نموذجًا)

(فيتجنشتاين المتقدم)، (فيتجنشتاين المتأخر)، (فيتجنشتاين الثالث)، – كما يرى أحد الباحثين – (ماركس الشاب)، (ماركس الكهل) وقبل هؤلاء: (أفلاطون الشاب)، (أفلاطون العجوز)، (أرسطو الأفلاطوني)، (أرسطو اللوقيان)، وغير هؤلاء، مصطلحات مألوفة، مُعبّرة، دقيقة وصارمة، لا معيارية، ولا سلبية، توصف بها أعمالهم. ينتظم الجميع، ولا شك، صفة العبقرية والنبوغ، والمرحلية.

وما بين غرب وشرق، وحزن وفرح، ينجم شاب جديد، فيزداد سعة ونضجا، فيكتهل، وتكتهل معه أفكاره، فيدمغها بإمضاء أبدي، بحبره الأخضر. معلنا تارةً وأخرى مُسرًّا. أبو نصر وابن سينا والصدر، هم أيضا يَنْجُمُون، وينشؤون، ويشبّون، ويكتهلون، نبوغ الأخير ساحر ومدهش، وصل شبابه باكتهاله قبل شيبه وشيخوخته التي حُرم منها. المثير للعجب فيه طيّه لأعمار ثرية وغنية بفترة تعادل عمر شاب واحد.

وهكذا وبعدُ

فلا تعبر تلك الفترات، إلا عن تصنيف علمي، لا يتضمن أي حكم أخلاقي، ولا يمسه من قريب أو بعيد. ف فيتجنشتاين الشاب، تعبير عن أفكار بعينها، كتبها نفس القلم الذي اكتهل، وأصبح شيخا، إلا أنها تمثّل أفكارا أعتقها كاتبها من ربقة مرحلته الأولى، وأنزلها منزلة الرأي الأخير. وهكذا في حالة ماركس، والآخرون. لا توجد حدود صارمة بين المرحلتين، وما تكتنزان من أفكار، إلا أن هناك فرق واضح، وربما صارخ، كما في فيتجنشتاين الوضعي المنطقي – تقريبا – وفيتجنشتاين التحليلي، الذي شطر تاريخ الفلسفة الغربية إلى شطرين: قبله وبعده.

ليس ابن سينا بدعا من الفلاسفة، وكنت سأدهش حيرة إن لم أكن أعثر في كتبه على مرحلتين، فأي عقل حي، يقظ، متحرك، يتفاقم، بمرور الأفكار، ولا يسكن، أو يهدأ ويستقر عند رأي أنتجه، أو نظرية أبدعها، أو فروض افترضها سينتج، في نهاية المسار، مرحلتين، وربما أكثر.

هذه طبيعة العلم، وهذه إحدى (ذاتياته المقومة)، لا عوارضه الشاردة. فالأصغر حجما من كونه، وطبيعته، يستمر بتلمس أرجاء عوالمه المحيطة، ولا يكف عن عادته، هذا دأبه ليلا نهارا. فيزداد تعرُّفا ومعرفة، ويتفاقم مرة أخرى.

يمكن أيضا التمييز بين مرحلتين في فكره، لكنها هذه المرة متصلة بالنوع، لا بالزمن، مع أن الزمنية فيها ممكنة. إلا أن تصنيف منجزه نوعيا أيسر وأعمق وأوضح حدودا، وأكثر أدلة.

يكتب للعامة من المتعلمين، والأمراء، والطلاب، ما يمكن البوح به، ويخص أهله بما لا يمكن دندنته، أو ترنيمه. يصرح في (منطق المشرقيين) أنه لخاصتنا وما أدخرناه لأنفسنا، وما أطلعنا عليه إلا أنفسنا، فالمكتوب له بمنزلة نفسه، وحضور عقله لعقله. وهكذا في (الإشارات والتنبيهات)، وبعض فصول في الشفاء، حين يملي على كاتبه، بين الحين والآخر، أنه من المكنونات.

أنكر كثير من الكتاب والباحثين نسبة (فصوص الحكم) أو (فصوص الحكمة – في بعض المخطوطات) إلى الفارابي، حيث بدى فيه المعلم الثاني مشرقيا جدا. وهو الموسوم بوسم أرسطو، في أخص كنية من كُناه: (المعلم)، نسبة إلى (التعليميات)، وما يتصل بها مشيًا حثيثا في اللوقيان.

حتى ظهرت أبحاث تؤكد نسبته إليه، بلا ريب، خصوصا بعد ظهور شروحات عليه، عنوانها: شرح فصوص الحكم للمعلم الثاني، أو أبي نصر، أو الفارابي، بحسب النسخ الخطية، وهي تتضمن (متن) الفصوص بعينه. وكذلك الحال بالنسبة لل (الفصول) أعني فصول منتزعة، وهو كتاب له أيضا.

يمكن أيضا، بأريحية، الحديث عن الصدر الشاب، والصدر الشاب الثاني، صدر فلسفتنا، وصدر الأسس المنطقية للاستقراء، صدر الاستنباط، وصدر الاستقراء، صدر اليقين الرياضي، وصدر الاحتمال المشروط بال (legitimate)، طريقا إلى (Epistemic Legitimacy).

في (الرسالة الأضحوية في المعاد)، تحدث ابن سينا عن هذا الموضوع الشائك، ولكنه حديث ينتمي إلى مرحلته (نوعه) الثانية، أي: إلى خاصتنا وأنفسنا أو من نعدّه بمنزلة أنفسنا. عثر الغزالي عليه، في فترة بحثه عن جميع كتبه، وسعد به واستغله ل (يُنْزِل) بيانا يقطع به دابر  (الباطنية الأشرار)، أو (الإسماعيلية الملاحدة)، بكتابه المعقود لهذا الغرض عموما، وابن سينا خصوصا، ولا غيره، فهو فيلسوفهم وأُسُّهم الذي يعتمدون عليه. بعد فشل كتابه (فضح الباطنية)، في تحجيمهم أو السيطرة عليهم، وربما وبخه الخليفة بسبب ذلك، فأهداه (التهافت) مضمخا بعبارات التذلل والتزلف الصارخة في مقدمته.

وعلى أي حال.

ينبغي التمييز بين التصنيفين، لكل واحدٍ واحدٍ من نوابغ الفكر أعلاه، لئلا نخلط آرائهم حين تقييمها، أو تحليلها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لنعلم أن الحقول مختلفة، كما هي صور الحياة (بالمعنى الفيتجنشتايني) مختلفة.

فحين ننتقد (المتكلم)، في مقاربته لأدلة وجود الإله، أو عند حديثه عن طبيعة الإله (الأسماء والصفات)، بمعطيات توصّل إليها عقل إسلامي آخر، وهو العقل الفلسفي (المشائي مثلا فالعقول الفلسفية متعددة أيضا)، نكون وقعنا في فخاخ (الحياة) المترامية الأطراف، وثقافاتها، وألوانها، وبيئاتها، وحقولها المتنوعة المختلفة.

أو حين يستعرض أحدهم حنجرته، وقواها، ضدًّا على الفلاسفة، من بيئة (حديثية) أو (فقهية)، نعلم حينها أنه ربما جانب الصواب، ونحتمل أن وراءه يقبع سياسي ماهر، أو أي منتمٍ إلى مؤسسةٍ ما.

يجب أن نفتح قوسا دون غلقه حول كثير من الكتابات والتحليلات والممارسات الفلسفية، تأسيسًا على هذه القواعد، وما مرّ من التقريبات، فهو معيار جيد لتمييز الأفكار، بعد نزع (الختم) عنها، وتناولها تناولا مفهوميا، بعد الترحم على (موت) مؤلفيها.

هذا التمييز مفيد، فهو يطلق أولئك النوابغ من سجونهم التي زُجّوا بها رغما عنهم. بمعادلة بسيطة:

(أ)= (أ)، (أ) ليس (ب).

رأي فلان هو كذا، ولا يكون إلا كذا. فحينئذ نحكم عليه بالإعدام، بعد انتهاء فترة سجنه، في معتقلاتنا المنهجية.

بينما لو كان الحال: (أ) = (أ)، و (أ) هو (ب)، فيمكن أن يكون (ج). حيث (ج)، تطور معرفي ناتج عن (أ)، و (ب)، في زمن آخر، أو منطقة أخرى، أو مجال آخر. وهي هذه المعادلة المقترحة.

الاجترار كارثة، والمجتر كسول، أو أجير. الطريق نحو المجتمع العلمي (حيث يولد العلم في حضنه الطبيعي)، ليس كالخروج في نزهة.

 

بقلم: علاء شدهان القرشي

 

 

عصمت نصارمازال العقل الفلسفي تعييه الثنائيات وتشغله حدود المقابلة بين النقائض؛ الأمر الذي دفعه للتوقف أمام عنوان المسألة المطروحة أي وجود الفلسفة من عدمه في ثقافة ما؟ وهل توجد ثقافة بلا تفلسف؟ وهل مسار حديثنا سوف ينطلق منذ بداية خلق الفلسفة إلى عدمها؟ وإذا سلمنا بوجودها فهل نتسأل عن أطوار بعثها أم إحيائها إلى أسباب انزوائها وموتها؟ وهل للتفلسف مقومات وعوامل تنميه وتطوره أم هو من آليات العقل ويقظة التفكير ووعيه؟

ويتسأل الناقد من جديد هل للفلسفة مفهوم متفق عليه وإذا كان فهل معروف بذاته أم بغيره؟ وهل التفلسف ذاتي أم تحصيلي استيعابي؟ وهل التفلسف شرط وجود المثقف أم لتواجده؟ ويتسأل البعض: هل كل تفكير فلسفة؟ يعترض بعضهم بأن التفكير إنتاج عقلي ومن ثمّ ليس كل ما ينتجه العقل فلسفة, وإذا ما تشكك البعض في هذا الزعم, فيرد أصحابه بأن كل المعارف الإنسانية ذات مسحة فلسفية، ولكنها لا تتوفر فيها خصائص الفلسفة التي تميز بين موضوعاتها ونتائجها مثل الدين والعلم والخرافة؛ فلكل من هذه المعارف سياقات وأنساق لا يمكن وصفها بالفلسفة أو إدراج نتائجها وآثارها ضمن البنية النقدية الفلسفية.

بينما يرد المتفلسف بأن للفلسفة سياقات وأنساق لكل ضرب من ضروب المعارف العقلية, وأبسطها هو المنهج؛ فلا شيء ينتجه العقل إلا وكان له نهج يعبر عن خطاب صاحبه, أو منهج يعصم التفكير من الاضطراب والتناقض والعبث واللغو.

ويستمر المعترضون والمنكرون والمؤيدون في التساجل، ومن ثم يزعم بعضهم أن كل أنماط التفكير فلسفة (أنه ليس كل تفكير وتأمل ينتج عنه تنظير أو شبه تنظير أو تقعيد أو تأسيس يمكن تسميته بالفلسفة؛ لأن مجرد التفكير في موضوع ما ونسبته إلى الفلسفة هو في حد ذاته ترسيم لحدود العقل وتضييق لهامش حرية الانطلاق والتوسع بالنسبة للمعارف، في حين أن واقع الحال الذي عليه، أو أصبحت عليه مختلف المعارف والعلوم اليوم تشي بكون الفلسفة قد ألغت نفسها بنفسها حينما أرادت أن تتكلم في كل شيء، وتنظر لكل شيء، دون اعتبار للاختلافات الجوهرية التي تميز مختلف العلوم والمعارف سواء من حيث المنهج أو من حيث الموضوع).

وعليه؛ لا يمكننا اعتبار أن كل ما ينتجه العقل فلسفة (فقد يقول قائل: إن إلغاء الفلسفة يعني إلغاءً للعقل، فهل كل ما ينتج عن العقل هو فلسفة؟ فإذا كان الأمر كذلك، فسوف نعود بكل المعارف المتعدّدة اليوم إلى الزمن الذي كانت فيه "الفلسفة" تستحوذ على كل أنماط التفكير، في حين أن العقل البشري- في إطار أولياته وآلياته المنطقية، أو ما يطلق عليه بالأسس الأوليّة للعقل التي قال بها كانط، (ويمكن لأي إنسان أن يستشعرها بداخله)- لا يمكنه أن يتطور داخل بنية مغلقة واستحواذيه تسمى "الفلسفة"، فالعقل بذاته يستعمل من بين آلياته المتعددة، آلية التصنيف، لأنه في إطار تأمله في الموضوعات لا يمكنه إلا تصنيف ماهية الموضوع المفكر فيه ضمن معايير مختلفة ومحددة وذات أسس مختلفة:

وهكذا أمكننا التحدث عن علوم متعددة أدى تطور العقل البشري إلى تصنيفها وتمييزها عن باقي المعارف المختلفة، فظهرت علوم ومعارف شتى... وكيف نقبل أن يكون كل تفكير في هذه العلوم ولو كان تنظيراً مجرداً، أو تقعيداً لأسس نظرية لأي علم كان، كيف نقبل بعد هذا أن نضمّه إلى حقل التفلسف؟

إنّ التفكير في أي حقل معرفي كان، لا يمكن أن ندعوه فلسفة، طالما أنه أصبح لكل نمط من التفكير حقل مقارباتي خاص، ينهل مناهجه وأدواته من نفس الحقل الذي ينشط فيه. ومع ذلك، فلا بدّ من التأكيد على كون الفلسفة لم تخرج إلا من رحم العلم والمعرفة، ومن رحم عملية التفكير عامة، ولكن هذا لا يعطيها الحق في الهيمنة على كل المعرفة وجعلها أم العلوم، وبما أن كل العلوم ترتكز على أسس نظريّة تفرض نوعية المنهج الإجرائي، فإنّ البعض يصر على إلحاق عملية "التنظير" بالفلسفة، وهذا خطأ تصنيفي، يقع فيه من يريدون بأية وسيلة الإبقاء على هيمنة الفلسفة على كل مناحي التفكير...

ومن الخطأ تعريف الفلسفة في الكتابات الأكاديمية بأنها تقَدَّمُ للطالب باعتبارها بحث في منهج المعرفة التجريبية والعقلية، وبحث في المجتمع والدولة، وبحث في النفس الإنسانيّة، وبحث في الطبيعة، وبحث في الأخلاق، وبحث في البنيّة، وبحث حتى في أسس العلم. غير أن الواقع كان يفرض أن تقدّم الفلسفة للطالب على أنها فقط نمط من أنماط التفكير في العلم، العلم الذي يستطيع تجاوز حدوده المنهجية والمعرفيّة الصارمة إلى حدود ما وراء العلم).

وينزع التفكيكيون المعاصرون إلى اعتبار تلك الدفوع وذلك الإنكار بأنه مجرد رأي لا يخلو من تعصب للنظريات الوضعيّة التي تصادر كل أشكال التفكير بما في ذلك المنهج إلى العلم. فعدو العلم وجريانه في ضروب المعرفة يحتاج دوماً لمن يقرأ أبعاد خطابه على الإنسانية محاولاً تارة تقويمه وأخرى تبرير ما يفعل وثالثة الإجابة عن ما يعتقد أنه مجهول ولا علة له. ولا يقوم بهذا الدور سوى الفلسفة, ناهيك عن تهيئت الأذهان بقبول اعتقادات العلم وقوانينه التي كذبتها الاكتشافات والأبحاث اللاحقة. فالفلسفة دوماً سوف تظل دعوة للتفسير والتبرير، ومحرض للنقد والتغيير، ووعاء كلي شامل لتصنيف المعارف الإنسانية.

ويتسأل الوجوديون المعاصرون: هل هناك حدود للفلسفة تمنعها من إعمال النقد فيما عساه أن يكون ثوابت في ثقافة ما؟ وهل هناك موانع للتفلسف تعصمه من الإجتراء والتطرف والمجون والثورة والعنف؟ ويتسأل أنصار الفلسفة: هل استطاع العلم الإجابة عن كل ما يلفظه العقل البشري من تساؤلات؟ أليس هناك الكثير من المجالات المجهولة أمام العلم التي تعرب معارفها عن عجزها وتفسيرها كواقعات؟ ألم تقدّم الفلسفة عشرات الأفكار التي كان يدرجها العقل ضمن أوهام الخرافة. وهل الخطاب الفلسفي هو ذلك الرأي المحمول في كلمات وإشارات معبرة عن وجهة نظر في بناء سياقي متصاعد وبنية نسقية مترابطة يحمل مضمونها مقصداً شاغراً من العنت والاستبداد وساعياً للتواصل مع الأغيار في متنفس من الحريّة؛ لتحقيق أكبر قدر من المصالح المتبادلة والحقائق الضرورية والسعادة للنفس العاقلة والأذواق الراقيّة واللذائذ الحسية الفاضلة.

وهل يمكن للدين أو العلم أن يحلا محل الفلسفة في الثقافات التي غاب عنها الحوار واستبد من مقدراتها الفاشلون والراديكاليون والشيفونيون أو الإباحيون والفوضويون؟. وهل للخطاب الفلسفي مؤهلات تقدّم أصحابه وتدعم رسالتهم وتعمل على إفلاح مقاصدهم, وإذا كان للخطاب الفلسفي إخفاقات وضحايا فما هي أسبابها وعللها الذاتية وتحدياتها الخارجية؟ هل يمكننا اعتبار التصارع الفلسفي مع الرأي العام القائد تارة أو مع الرأي العام التابع تارة أخرى ضرباً من ضروب التفلسف؟ هل يجوز القول أن الحقائق الفلسفيّة والأدلة العقليّة يجب أن تنزوي أو تغيب أو تتخفى عن مسرح الحياة الثقافية أحياناً أم دائماً باسم سذاجة المتلقي أو عدم أدراكه لخطر مجهول؟ وهل المتفلسف هو ذلك المتمرد دوماً على الواقع أم هو الذكي الذي يحسن إخفاء أفراخ النسور والحمائم عن أعين الأفاعي الضارية والذئاب الجائعة؟ وهل كل من يحسن الخطابة ويحترف الكلام يستطيع أن يرتدي عباءة سقراط أم قبعة برتاجوراس؟ وهل ندرس الفلسفة في مدارسنا ومعاهدنا وفق مقصدها أم سير على سُنة المقرّرات التي ورثنها في سنوات غربة المتفلسفة وغيبة الأيقاظ الأصحاء؟

الحق أنّ معظم هذه التساؤلات جاءت وليدة حوار القارئ مع الكاتب، وهو يحتاج بطبيعة الحال إلى مزيد من التساؤلات لأثراء الحوار وإلى الكثير من الإجابات لتوضيح ما غمض وتبيان ما ألتبس. وجل ذلك سوف نقف عليه خلال رحلة رجوع التفلسف إلى قائمة الحضور في الثقافة المصرية في العصر الحديث مع توقفنا بعض الشيء على معوقات غيابه والأضرار التي أعيته من جرّاء عنف قيوده. (وللحديث بقيّة)

 

بقلم: عصمت نصَّار