عمرون علي من حق المساواة في الحرية الى واجب التغيير

"من عادة التاريخ ألا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها ؛ تطربها إذ ترى في منامها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبار عنيد... التاريخ يقرر أن الشعب الذي لم يقم برسالته أي بدوره في تلك السلسلة ما عليه إلا أن يخضع ويذل"  مالك بن نبي (شروط النهضة)

مدخل عام

غرضنا من هذه الورقة الحديث عن الحراك في الجزائر كظاهرة اجتماعية قابلة للملاحظة والتفسير وللتأمل أيضا، وكممارسة سياسية سلمية وسلوك حضاري، او ما يمكن ان نسميه فعل ديمقراطي تشاركي بين افراد المجتمع تأسست أرضيته على المطالبة بالحقوق والتغيير الجذري للأوضاع في حركية مستمرة معبرة عن إرادة شعبية،ومن هنا جاءت التسمية  "الحَراك الشّعبي" للدلالة على روح الانتماء الى المجموع  ولتأصيل المرجعية لاسيما ان المسيرات والتجمعات ارتبطت في الغالب بيوم الجمعة وبساحات وشوارع تحمل في الأكثر أسماء شهداء الثورة التحريرية مما عكس رمزية الزمان والمكان، وسواء كانت المطالب تتعلق بإسقاط النظام والمطالبة بالدولة المدنية والإصلاح السياسي والدستوري أو العدالة الاجتماعية فان غاية الحراك كانت ولازالت  البحث عن الحرية والتأسيس لها .

والحراك بهذا المعنى ووفق هذه الملامح هو أقرب من حيث المفهوم الى الثورة مادام البحث عن الحرية هو غاية كل ثورة. ومادام الامر كذلك وما دمنا امام ظاهرة اجتماعية ذات ابعاد سياسية وحضارية يكون لزاما علينا تقديم قراءة وصفية تحليلية وفق مناهج مختلفة، بعيدا عن الدلالات اللغوية والاصطلاحية التي يحملها مفهوم الحراك في اللغة العربية وغيرها من اللغات الأجنبية * يمكن القول ان الحفر والنبش في موضوع الحراك مشروط بجملة من التساؤلات نراه ضرورية كمدخل لمقالنا: ماهي الدوافع الحقيقية لعودة صحوة الوعي الاجتماعي لأمة غطت في نوم عميق زمنا طويلا؟ هل دوافعه ذاتية ومن ثمة هو رد فعل عاطفي مشحون بألم الشعور بالظلم وامل البحث عن حياة اجتماعية عادلة؟ هل مطالبه أيديولوجية أم سياسية – اجتماعية؟ لماذا يرفض الحراك رؤوس تمثله؟ هل الحراك قادر على اخراج الشعب الجزائري من السيء الى الاحسن؟ هل تحول الحراك الى نعمة ام نقمة للسلطة الفعلية؟ وماهي العوائق والعقبات التي تقف في وجه تقدمه؟ هل يجد مخرجه في التأسيس للحرية ام تغيير الواقع وفق معادلة العدل كإنصاف؟

ويمكن ان نتساءل أيضا مع الدكتور بكيس نور الدين:[1] هل تحوّل الحراك إلى فكرة لا تموت، أم هو ردة فعل تولد في كلّ مرة بمستويات وآليّات مختلفة تعبيرا عن التّأزيم أو سوء الإدارة والتسيير؟

- هل فعل الاعتراض، اليوم، يعكس فعلا ثوريّا أم فعلا إصلاحيا في أقل مستوياته؟ وهل نحن أمام

احتجاجات إصلاحية بشعارات ثورية؟

 

 

قد يبدو السبب المباشر للحراك الشّعبي العام يوم 22 فبراير 2019 هو إعلان ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، لكن في العمق يمكن القول انه رد فعل طبيعي عن مرحلة القهر والرضوخ حيث كانت قوى التسلط الداخلي والخارجي في اوج سطوتها والرضوخ للاستبداد في اشد درجاته وهذا واضح من حجم الاستكانة والمهانة بفعل اتساع دائرة الفقر وارتفاع نسبة التضخم وتصاعد معدلات البطالة وتدني القدرة الشرائية، وعندما عجزت السلطة الحاكمة عن الغوص في وجدان الشعب المقهورة ومن ثمة ادراك بذور التمرد والانتفاضة جاء رد الفعل. ومن الأسباب أيضا دخول الطبقات الشعبية في الحياة السياسية وتحولها التدريجي الى طبقات قائدة وتجلى ذلك بداية في التأسيس لنقابات عمالية وجمعيات امتلكت من روح المقاومة والتمرد ما سمح لها بتحطيم جدار الصمت  ...وهو امر ساهم في  ولادة حس جماهيري نشأ أولا عن طريق نشر بعض الأفكار التي زرعت في الضمير الجمعي وثانيا بفعل الممارسات الكاذبة والمفضوحة مما ولد أزمة ثقة في كل ما يرمز الى السلطة السياسية، وان كانت المطالب في البداية قد ارتبطت  بشروط العمل و برفع الأجور فان سقفها مع مرور الوقت ارتفع الى المطالبة بإسقاط النظام . إضافة الى متغيرات داخلية وخارجية وتنامي حجم الصراع على السلطة بين اجنحة الحكم وإخراج هذا الصراع الى العلن في مناخ عالمي واقليمي متوتر كل ذلك أنتج ما نسميه اليوم الحراك الشعبي

مطالب الحَراك الشّعبي بالجزائر

رفض ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة وإزاحة النظام الاستبدادي ومحاكمة ورموز الفساد كان هذا هو المطلب الأساسي في بداية الحراك ورغم التخويف والتلويح بفزاعة الإرهاب ومحاولة الالتفاف على هذه المطالب من خلال توظيف بعض مرتزقة الفكر والسياسة وعبر وسائل وقنوات إعلامية كانت تسير من خلف الستار الا انه في النهاية تحققت إرادة الشعب واعلن المترشح المخلوع والمقموع استقالته مما فتح الباب للمطالبة بتأسيس الجمهورية الثانية من خلال عقد سياسي واجتماعي  يحقق مقومات الدولة الحديثة، دولة ترفع سقف الحرية الى اعلى مستوياته، دولة تحكمها القوانين لا الرجال، دولة مدنية لا عسكرية،وقد كان هذا هو الشعار الاوضح في المرحلة اللاحقة  حيث غير الحراك تكتيكه ويجيب الدكتور محمد شوقي الزين [2] عن هذا التساؤل في مقال له بجريدة الأسبوع المغاربي:" لماذا هذه التكتيكية » بدلاً من الاستراتيجية «، إذا جاز لي توظيف ميشال دو سارتو؟ أشير هنا، تماماً – والكلام لشوقي الزين - مثلما أشار دو سارتو في »الثقافة بالجمع «، إلى انهيار المصداقيات السياسية والدينية. بانهيار الثقة، التي بالأمس كانت في الدين هي» الايمان « ((Fides، وأصبحت اليوم في السياسة هي» التصويت أو الانتخاب  «، فإن القاعدة الأساسية التي تُشكِّل كل بنيان سياسي أو عقد اجتماعي انهارت ». يكفي النظر في نسبة التصويت في كل دول العالم )وليس فقط الجزائر(للتأكُّد من أنَّ المصداقيات السياسية انهارت مثل قصور الرَّمل، ومعها كل الهياكل مثل مفهوم الحزب ومفهوم الجمعية. ...غياب الانتظام داخل حزب، غياب مفهوم القائد، غياب مفهوم التمثيل أو الممثّل السياسي معنى ذلك أننا في معجمٍ سياسي بدأ يتشكَّل على أنقاض انهيار المصداقيات السياسية..... السياسة شيء يُبتكَر وليس قاعدة تُطبَّق، وعليه فإن الحراك الشعبي يخضع إلى قانون العصر وهو ابتكار أدوات تكتيكية )تفكيكية؟( في الممارسة السياسية، غير الأصنام الاستراتيجية للأحزاب-التماثيل التمثيليات، التي لم تعد تبيع سوى الأحلام وفي الغالب الأوهام"

العوائق والعقبات

تقف في وجه الحراك الشعبي العديد من العقبات التي يجب رصدها والوقوف عندها ومحاولة فهمها مما يسمح لنا ان نحن احسنا القراءة والتحليل تجاوزها والانتصار عليها  ومن اهمها:

01-   تغليب الوسيلة على الغاية: الملاحظ ان الحراك لا يسير وفق حركة منتظمة،فتارة يتمظهر في صورة كتلة قوية  حيث تتلاحم الجماهير وتتوافق الرؤى وحالة التلاحم والتناغم بين مختلف مكونات المجتمع نلمسها في وحدة المطالب وتوظيف نفس اللغة واعني بذلك مرجعية الشعارات السياسية،وتارة يتراجع منسوبه وتضعف شدته هنا وهناك في مناطق متفرقة من الوطن هذا التأرجح انعكس سلبا على أسلوب التفكير ورد الفعل،حيث لوحظ ان جمهور الحراك مع مرور الزمن و خاصة مع تراجع حجم الإنجاز والشعور بعدم القدرة على تغيير الأشياء، ابتعد عن هيمنة العقل الجمعي الضّاغط، بفعل تراجع القراءة العاطفية للأحداث ودخول العقل النقدي على الخط داخل جسم الحراك، هذا ما احدث الإرباك بفعل تراجع القدرة على التعبئة من وجهة نظر الدكتور بكيس نور الدين .

02- غياب التوازن بين المطالبة بالحقوق والقيام بالواجبات: يفتقر الكثير منا الى الرؤية النقدية والتفكير العقلاني وفي ظل عدم الشعور بروح المسؤولية انساقت الأكثرية منا الى المطالبة بحقوقها دون بذل أي جهد لتغيير النفس او المجتمع (إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى!) لحاها الله كلمة تطرب وتغري، فالحق ليس هدية تعطى، ولا غنيمة تغتصب، وإنما هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب، فهما متلازمان، والشعب لا ينشئ دستور حقوقه إلا إذا عدل وضعه الاجتماعي، المرتبط بسلوكه النفسي.وإنها لشرعة السماء: غير نفسك، تغير التاريخ! وقد حذر المفكر الجزائري مالك بن نبي من الانسياق وراء الوعود الانتخابية المزيفة وتقديم الحقوق على الواجبات ووفق استقراء تاريخي لا حظ فيلسوف الحضارة ان تجليات هذه الظاهرة يمكن رصدها بوضوح في اجتماع عقد بالعاصمة صيف جوان 1936 يقول مالك بن نبي:"وجاءت سنة 1936.. لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات. وما يراودنا من أفكار. وفي تصوراتنا الاجتماعية، بما فيها من قيم الجمال والأخلاق. وما فيها أيضا من نقائص تعتري كل شعب نائم. وبدلا من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة إلى الحياة. فإنها أصبحت منذ سنة 1936 سوقا للانتخابات .....[3] وكم سمعنا من الاسطوانات، وكم رددنا عبارة (إننا نطالب بحقوقنا)، تلك الحقوق الخلابة المغرية، التي يستسهلها الناس، فلا يعمدون إلى الطريق الأصعب: طريق الواجبات.

03- انعدام الرؤية المستقبلية والاستراتيجية الواضحة لعملية التغيير السياسي المنشود، في ظل عدم وجود شخصيات سياسية ونخب مدنية ذات مصداقية أخلاقية وكفاءة وقدرة على تسيير المرحلة الانتقالية.

04-  تأرجح الحراك بين ثنائية العاطفة والعقل بين ثورية المطالب وبراغماتية العمل السياسي ولا وجود في الأفق القريب لقيادة قادرة على تحمّل تكلفة وتبعات تبني العودة لخيارات الحراك لاسيما رفض الحراكيين لفكرة مرافقة جزء من النظام، حتى تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسة أصبح مرفوضا من طرف الكثير من المراقبين والمحللين والمشتغلين في حقل السياسة.

05- خطر الثورة المضادة وأصحاب النفوذ المالي والإعلامي الذي تتغذى من خلاله الدولة العميقة المال الفاسد والاعلام المغلوب على امره  كلاهما يشتغل على نفس الجبهة حيث الهدف هو   تعطيل كل محاولة لعودة الحراك،وهنا نلاحظ نفس ممارسات النظام السابق "قطع الانترنيت واستخدام العنف  وسجن الفاعلين في الحراك لاسيما في الأسبوعين الأخيرين ومحاولة التلاعب بعقول الجماهير من خلال استغلال اللعبة الانتخابية بطريقة ساذجة تشبه الى حد كبير ما وقع في معركة صفين " ممارسات القصد منها التفتيت والتشتيت .

 

06- ضرورة الحذر من الترسبات اللاشعورية في العقل الجمعي حيث الجماهير أي تكن ثقافتها عقيدتها او مكانتها الاجتماعية بحاجة ان تخضع لقيادة محرك فهي على الرغم من تظاهراتها الثورية تعيد في نهاية المطاف ما كانت قد دمرته ذلك ان الماضي اقوى لديها من الحاضر بكثير تماما كأي شخص منوم مغناطيسيا .

 

07-  الجماهير غير ميالة للتأمل والمحاكمة العقلية وهي سريعة الانفعال ولذلك نلاحظ غياب الروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر لكنها في المقابل مؤهلة للممارسة والعمل ومن ثمة لابد من الحذر من ان تتحول سلطة الجماهير الى سلطة مستبدة وطاغية ودراسة نفسية الجماهير امر لابد منه. قال نابليون بونابرت:" لم استطع انهاء حرب الفاندي الا بعد ان تظاهرت باني كاثوليكي حقيقي .ولم استطع الاستقرار في مصر الا بعد ان تظاهرت باني مسلم تقي وعندما تظاهرت باني بابوي استطعت ان اكسب ثقة الكهنة في إيطاليا .ولو أتيح لي ان احكم شعبا من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان "

 

التغلب على العوائق

 

التغلب على هذه العوائق ممكن من خلل العمل على بعث وتجديد ثقافة قادرة على خلق الانسان الجديد ويمكن العودة هنا الى أفكار المرحوم مالك بن نبي وغيره من رجال الفكر والسياسة والاخم هو الاشتغال على سؤال تجديد الفكر "فكر الانسان الجزائري" وهنا نلاحظ ان ميدان الأفكار في بلدنا اليوم هو الميدان الأشد تجمدا في بلدنا وهو ما لا حظه  بن نبي من قبل، وعندما نتحدث عن عالم الأفكار وعن الثقافة ودورها في تحرير وعي الانسان يجب الابتعاد عن منطق الغوغاء، وعن الرياء، والذاتية، وعن النزعات الانتخابية، يجيب تحطيم الاصنام والاوهام والايمان بقوة الكلمة الصادقة، ان الكلمة لمِن روح القدس، إنها تساهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقر معانيها فيه لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة. اننا بحاجة الى بعث رسالة الادب من جديد الادب المعبر عن القيم الأخلاقية فلا خير في ادب لايرفع غباوة ولا يزيل غشاوة وتاريخيا لم يتخلف الأدب الجزائري عن الركب لاسيما قبل الثورة التحريرية، فقد بدأ يصور تقدم البلاد في قصائد، جدد فيها نشاطه بعد ركود طويل، كانت تلك القصائد تغني ربيع النهضة، أي ربيع الفكرة، لا ربيع الصنم.

وكنت ترى في كل مسجد أو مدرسة أو منزل حديث الاصلاح، بين مؤيد ومنتقد، ولكن كلا الفريقين كان يتمتع باللسان العف، والسريرة النقية. إذ كانت المبادىء هدفهم من وراء اختلافهم، لا الأعراض الشخصية والوظائف السياسية.وكانت الأمة تقدم تضحياتها لبناء المدارس والمساجد من أجل البعث الفكري، والبعث الروحي، اللذين هما عماد كل حضارة في سيرها الحثيث. .....كانت الاستجابة لهذه التحولات بادية في تقاليد مدينة (تبسة) مثلا، تلك المدينة التي بدت أعراسها وجنائزها أقرب إلى الكرامة والوقار، مما لم تعرفه قبل الاصلاح. وإنه لمن الواضح أن الشعب الذي بدأ يعود إلى وقاره، ويستمسك بأسباب كرامته، ويميل إلى التناسب والجمال في مظهره العام قد أعاد سيره في موكب التاريخ.

 

 

 

ماذا  حقق الحراك؟ وما الذي خسرته السلطة السياسية؟

أفرز الحراك قراءات من ضمنها: أن الحراك ساهم في إنضاج الوعي السياسي والاجتماعي وفي مقال للدكتور عبد القادر بوعرفة الحَراك الشّعبي بالجزائر: الدّوافع والعوائق امكنه رصد مايلي[4]:

01- الانتصار على الخوف: انتصر الشعب على الخوف ونفسية الركون، وطلق السّكون واتجه صوب الحِراك الاجتماعي والسياسي، مما أحدث قفزةً نوعيةً في الوعي لم نلاحظها لدى كثير من الشعوب التي ثارت على سُلطها، فلم نسجل طيلة الجمع حدثا مأساويا، ولم تسل قطرة دم واحدة .

02- الوحدة الوطنية -: انتصر على النعرات الإثنية والجهوية، ولم ينساق وراء الدعاية المغرضة ولا الشائعات التي حاول من خلالها النظام إحداث انقسام داخل الجبهة الشعبية، فكان الشعار الأكثر حضورا لا فرق بين القبائلي، العربي، الميزابي، الشاوي، الترقي.. كلنا جزائريون إخوة في الدين والوطن، وهذا التلاحم الوطني تم التعبير عنه من خلال التمسك بالراية الوطنية كراية سياسية

3 0- جزأرة الحَراك: يبدو أن الحراك الجزائري لم يكن في طبيعته إلا جزائريا، فهو لم ينخرط في أو الانتفاضة، ولحد الجمعة 29 لا زالت تسمية الحراك هي الأفضل والأصوب،

04- التدرج في المطالب: قوة الحراك الجزائري أنه لم يُدرج مطالبه دفعة واحدة، بل تفنن في -

05- المطالبة والمغالبة، فكلما حصل على مطلب هام إلا وأدرج مطلبا أكثر أهمية، ولعل هذه الطريقة في تقديم المطالب هي التي جعلته يستمر ليومنا هذا.

06- المغالبة السلمية: تعلم الجزائري كيف يطالب عن طريق المغالبة السلمية دون أن ينجر نحو العنف واستعمال القوة من خلال  نبذ أي صور للعنف مع الجيش والشرطة، ورفض خطاب الثورة والحرب الأهلية ورفع شعارات تدعو الجيش إلى مرافقة الحراك )الجيش والشعب خاوة خاوة(

07- - تقديم مطالب شعبية بعيدة عن الخطاب الإيديولوجي .

08- - رفض التدخل الخارجي من أي دولة أو جهة كانت .

09- الحذر والذكاء: امتاز الحراك إلى يومنا هذا بالاحترافية في تنظيم نفسه بنفسه.

 

اما عن جواب ماذا خسرت السلطة القائمة أقول خسرت كل شيء الوقت واهدار المال العام ومقدرات الامة، نعم لقد خسر الرئيس تبون ومن معه كل الفرص التي منحت له كما قال نور الدين بوكروح، واليوم تعيش البلاد حالة من الإفلاس السياسي والفقر الاقتصادي والتأزم الاجتماعي في جو من التخلف وتكفي العودة الى مجال التعليم والتربية لإدراك حجم الكارثة .او النظر في معدلات التضخم والبطالة مثلا.والحل يكمن في بعث مشروع سياسي واجتماعي على أسس العدل .

من المساواة في الحرية الى العدل كإنصاف

عمل جون راولز على طرح سؤال العدالة الاجتماعية لاسيما في  كتابه A Theory of Justice الصادر عام 1971 والذي تُرجم إلى اثنتي عشرة لغة. وفي نظره لكي يكون الشيء عادلاً، لا يمكن استغلال أي شخص أو إجباره على الخضوع للمطالبات التي تبدو غير شرعية. مبادئ العدالة من وجهة نظره، مبادئ عامة وعالمية،. لكن بمرور الوقت، استخدمها نقاد النظرية فقط كمعيار لدراسة وقياس المجتمعات الديمقراطية، قائلين إن المجتمعات ذات الهيكل الديمقراطي فقط هي التي يمكن قياسها من خلال هذه المبادئ. لبناء مجتمع عادل يعرّف رولز العدالة في المقام الأول على أنها العدالة الإجرائية لم يرغب رولز في أن تُفهم نظريته على أنها دليل عملي للإصلاح، بل كغذاء للفكر حول مبادئ مثل هذا الإصلاح.

تساءل في كتابه العدالة كإنصاف :عندما ننظر الى المجتمع الديمقراطي نظرة تعتبره نظاما منصفا من التعاون الاجتماعي بين مواطنين معتبرين أحرارا وتساوين نسال ما المبادئ التي تلائمه اكثر من سواها ؟ ويقتضي هذا التساؤل التفكير في تطبيق العدالة الاجتماعية بطريقة عملية وهذا الامر مشروط بتقاطع وتوافق المؤسسات السياسية مع المؤسسات الاجتماعية وكيف تجتمع وتتناسق وتتكامل انطلاقا من منظومة أخلاقية،صحيح ان السلطة السياسية هي دائما سلطة اكراهية الا انها سلطة مواطنين يفرضونها على انفسهم مواطنين احرارا ومتساوين وقد أشار الى ذلك جون جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي قائلا: " ان القابضين على السلطة التنفيذية ليسوا اسياد الشعب بل هم موظفوه او خدامه ..ان الشعب يقدر ان يعينهم وان يقيلهم كما يشاء " وهكذا المجتمع  الحسن التنظيم هو المجتمع الذي ينظمه وبكفاءة مفهوم سياسي للعدالة وذلك بوجود قضاء مستقل وتحديد قانوني للملكية وبناء الاسرة للوصول الى العدالة الأخلاقية من خلال قوتين أخلاقتين هما الشعور بالعدالة كالتزام والزام أخلاقي والقدرة على الارتقاء الى الخيرية وهنا يظهر البيان الأولي لمبادئ راولز للعدالة كما يلي[5]:

المبدأ الأول: لكل فرد الحق في الحصول على أعلى الحريات المتوافقة مع نفس الحريات مثل الآخرين. معنى المبدأ الأول هو أن الحرية الأساسية كحق عالمي يجب أن يتمتع بها الجميع ويمكنهم استخدامها على قدم المساواة. يسبق مبدأ الحرية (المبدأ الأول) مبدأ المساواة (المبدأ الثاني)، وهذا هو الحال دائمًا. لذلك إذا كان لمبدأ الحرية أن يتغير، فلن تقيد الحرية إلا الحرية. هذا يعني أنه، على سبيل المثال، إذا كان هناك تعارض بين حريتين، فسيتم النظر في الحرية التي ستفيد العدد الأكبر من الناس. تنبع هذه الأسبقية من سببين: أ) حكمة الناس الذين اختاروا هذين المبدأين كمعيارين لعدالة البنية الاجتماعية ومحتواها، و ب) مبدأ الترتيب الأبجدي والأولوية

المبدأ الثاني: يجب تنظيم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بطريقة: أ) بشكل معقول يعود بالفائدة على الجميع. ب) تعتمد على الوظائف والوظائف التي يمكن للجميع الوصول إليها ويستخدم جون راولز في نظريته للعدالة هذين المعيارين لقياس عدالة أو عدم عدالة مؤسسات المجتمع المختلفة مثل النظام السياسي، والهيكل الاقتصادي، والدساتير، ونظام التعليم، وملكية الموارد الاقتصادية ووسائل الإنتاج، والقضاء و المؤسسات الأخرى تعتبر المجتمع مهمًا وأساسيًا.

ولتمكين المواطنين من التطور بما فيه الكفاية وترسيخ البعد الأخلاقي للعدالة لابد من تحديد المنافع الأولية التي يحتاجها ويطلبها الأشخاص باعتبارهم أحرارا ومتساوين هنا تظهر الحاجة الى التمييز بين أنواع خمسة من المنافع[6]:

01- الحقوق والحريات الأساسية: حرية التفكير وحرية الضمير وغيرها للتطور الكافي عبر مؤسسات ديمقراطية

02- حرية الحركة وحرية اختيار الوظيفة من بين فرص متنوعة تسمح بالنضال لغيات مختلفة وفق مبدأ تكافؤ الفرص

03- إمكانية الارتقاء وبلوغ مراكز السلطة والمسؤولية والتمتع بقوى وامتيازات هذه الوظائف

04- المدخول والثروة كوسائل لبلوغ هذه الأهداف

05- الأسس الاجتماعية لاحترام الذات.

الخلاصة:

كتخريج عام نقول ان الحراك الشعبي يحمل من الدلالات الحضارية والقيم الأخلاقية ما يمكن الاستثمار فيه، هو حلم جديد  ورغبة صادقة في الدفع بالمجتمع الجزائري الى ما يمكن وصفه خير الجميع. وعلى المخلصين من أبناء الجزائر في السلطة والمعارضة بل وعلى الجميع الانصات الى هذا النداء يقول

الكاتب الاجتماعي (بورك): " إن الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها"...ويؤكد مالك بن نبي انه من الواضح أن السياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه لا تستطيع إلا أن تكون دولة تقوم على العاطفة في تدبير شؤونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها ونقول ان المجتمع الذي يفشل في الاستفادة من فرص التغيير محكوم عليه بالفناء فكرا وسلوكا.

 

عمرون علي أستاذ الفلسفة

المسيلة – الجزائر-

..............................

المراجع

[1]- يمكن العودة الى مقال بكيس نور الدين ( باحث واستاذ السيسيولوجيا السياسية ) هل تحول الحراك من وسيلة الى غاية ؟ الأسبوع المغاربي، بوابة افريقيا الإخبارية العدد 47،2/3/2021

* إن مصطلح الحَراك بفتح الحاء اسم مشتق من فعل ثلاثي أصله حَرك أو بالتشديد حَرّك، ويعني

الحركةُ التي تعبر عن كلّ مظهر عام من مظاهر النَّشاط، وهي بذلك ضدّ السُّكون. جاء في لسان

العرب: " حَرك: الحَرَكة ضد السكون حَرُك يحْرُك حَرَكةً وحَرْكا وحَرَّكه فتَحَرَّك قال الأَزهري

وكذلك يَتَحَرَّك."

[2] -الأسبوع المغاربي،بوابة افريقيا الإخبارية العدد 47،2/3/2021

[3]- شروط النهضة،مالك بن نبي ،ترجمة عبد الصبور شاهين ،دار الفكر، ص: 32-34

[4]- الحَراك الشّعبي بالجزائر: الدّوافع والعوائق عبد القادر بوعرفة...... مجلة العلوم الاجتماعية، مجلة محكمة تصدر عن كلية العلوم الاجتماعية جامعة وهران 2 )محمد بن أحمد (العدد: 70 /2019

[5] العدالة كإنصاف، جون رولز ترجمة، حيدر حاج إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، ص

[6] العدالة كإنصاف، جون رولز ترجمة، حيدر حاج إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، ص

*جون رولز ولد في 21 فبراير 1921 في بالتيمور، ماريلاند، الولايات المتحدة الأمريكية. والده محام، ووالدته مدافعة نشطة عن الحقوق المتساوية للمرأة. التحق راولز بكلية برينستون عام 1939 ودرس الفلسفة في جامعة برينستون منذ عام 1946. أهم معلم له هو نورمان مالكولم، طالب فيتجنشتاين. موضوع أطروحة الدكتوراه التي نشرها راولز عام 1950 هو التقييم الأخلاقي لسمات الشخصية البشرية. في 1952/53 حصل على منحة بحثية من جامعة أكسفورد. هناك أتيحت له الفرصة للتعرف على جون أوستن وإشعياء برلين وستيوارت هامبشاير. بالنسبة إلى راولز، فإن التعارف مع هربرت هارت له أهمية خاصة في أكسفورد. ندوات هارت حول الأسئلة الأساسية للفلسفة القانونية لها تأثير كبير على رولز.

 

 

نيران العبيديمناسبة عيد المرأة العالمي 8 آذار اكتب عن تعنيف المرأة

تحاول الدول الغربية الآن وخاصة فرنسا مناقشة بعض الأجراءت الطبيبة التي تعتبر تعنيف جسدي للمرأة .

منها اجراء اطباء الولادة فتحة توسعية بمشرط طبي لتوسيع فتحة نزول الطفل، كانت هذه الاجراءات منتشرة بوقت سابق في حين الآن الغرب يفضل اجراء عملية قيصرية من اللجوء لهذه الممارسة الطبية .

منظمات حقوق الإنسان والمنظمات النسوية وحتى الكثير من الأطباء بفرنسا يعتبروها الآن تعنيف جسدي للمرأة وزيادة لعذابات الولادة .

المنظمات النسوية تفتح ملف التعنيف اللفظي والجسدي الذي تتعرض له المرأة اثناء عملية الولادة من قبل بعض العاملين بالمستشفيات، منها الأهمال وعد م الرعاية الكاملة وترك المرأة تصارع قدرها يعتبر تعنيف سلبي وتجربة قاسية تتعرض لها النساء بالعالم والعالم العربي بشكل خاص .

اضافة للتعنيف الجسدي هناك تعنيف لفظي (تنمر) تتلقاه المرأة من قبل الممرضات بكلمات جارحة منها (ما خجلتِ من ممارسة الجنس الآن تستاهلين معاناة الولادة) يبو ولدت بزونة (قطة انثى) .

هذا الكلام يحول ممارسة انسانية وطبيعية لعقوبة ترك المرأة ولادة طفل بدون رعاية صحية كافية،تظهر مدى التخلف بالمعاملة الانسانية، ونبذ الممارسة الطبيعية المجبولة عليها البشر وتقود لكراهية المرأة لزوجها، بردة فعل عنيفة تجعلها تتخوف من معاشرة زوجها خوفا من خوض تجربة ولادة قاسية بمستشفيات اشبه ما تكون بالجزارة .

ما تتعرض له المرأة العراقية من مخاوف يجعل حياتها عبارة عن كابوس حقيقي يُحول افراحها الى اتراح .

منها القلق الزائد من ليلة الدخلة والتخوف من نتائج جهل العريس الشاب الذي يحتكم لتقولات وتصورات الأصدقاء بدل اللجوء للمعرفة العلمية الصحيحة وتثقف نفسه بكرسات علمية مخصصة لهذا الغرض ومن ثم قيادة المرأة العروس لأوقات جميلة تبقى بالذاكرة .

حقيقة شهدت المحاكم العراقية حالات كثيرة كنت على اطلاع عليها، اتهام البنات الباكر بعدم عفتهن نتيحة عدم ظهور علامات العفة لأسباب تعتبر البعض منها طبيعية، وثبوت الفحوص الطبية كذب ادعاء الذكور بالطعن بشرفهن .

لازلت اتذكر اقتياد احداهن بملابس النوم صبيحة اليوم الثاني للدخلة وجلبها كمتهمة مشبعة بضرب أهل العريس بالأحذية من قبل أمه وأخواته والحط من كرامتها كانسان، وبعد التحقيق والفحص ظهر زيف ادعاء العريس الجاهل .

المعيب بالمحاكم العراقية انقيادها لأعراف تعتبر متخلفة وتكريسها للنظم العشائرية البالية واعتبار هذه الحالات تهمة موجهة للمرأة في حين تعمل الناشطات التونسيات الآن باعتبار فحصوصات البكارة عمل ينتهك حقوق المرأة كإنسان .

بهذه الأوقات ومع تدهور الحالة الاقتصادية للبلد يلجأ الكثر من الذكور للعيش مع اهلهم هم وعوائلهم مما يزيد من تفاقم اضطهاد المرأة وعدم قدرتها الموافقة بين خدمة أهل الزوج الذين ينتمون لجيل سابق تختلف وجهات نظرهم للحياة عن الجيل الذي تعيشه المرأة، مع خدمة اولادها الذين هم اولى بالرعاية فتقع بحالة السندويش مثل اللحمة بين قطعتين من الخبز يعتبرها الغرب حالة اضطهاد واستغلال لقدرات المرأة بخدمة جيلين مختلفين .

لا يقتصر اضطهاد المرأة المتزوجة في دار اهل الزوج على اضطهاد اهله بل هي تعاني من ضفوطات نفسية كبيرة تحرمها حتى من مواردها المالية منها الاستيلاء على راتبها بحجة توفير ظروف افضل للحياة لأخراجها من دوامة الأهل الذين يتدخلون في علاقتها الزوجية، كثيرا ما يرضخ الزوج لهذه التدخلات بسبب عدم استقلاليته الاقتصادية وعدم قدرته الخروج إلى بيت مستقل .

من ضمن اضطهاد المرأة تجريدها من مصوغاتها الذهبية بحجة شراء سيارة او دفع مقدمة لشراء بيت، المساعدة ضرورية لكن يجب ان تكون بكامل ارادة المرأة بدون ضغوطات .

حرمان المرأة من التعليم ايضا اضطهاد لحق من حقوقها المدونة في لائحة حقوق الإ‘نسان .لكل شخص حق الحياة وحق السكن والتنقل والتعليم، كذلك هو الحال بحرمانها من فرصة عمل بسبب النظرة الدونية لعمل المرأة من قبل الحكومة او من قبل الزوج والأهل اضافة للمجتمع .

معاناة المرأة العراقية جعلها تبكت ذاتها وتحتقر انسايتها وتهمل انوثتها بكلمات منمقة هدفها السيطرة على انوثتها منها ( انتِ اخت رجال ) في حين المرأة الغربية لا تنسى اناقتها وهذا حقها كي تتمتع بالحياة وفق ما تريد .

لا يقتصر اضطهاد المرأة في دار الزوجية بل يشمل حتى قبل الزاوج حين ولادتها كأنثى وظاهرة التمييز بينها وبين اشقائها من الذكور، اضافة لولاية الأب على زواجها وعدم قدرتها في احيان كثيرة على الاختيار يعتبر تقنين او سيطرة على الاعضاء الجسدية بجسمها، وكيفية استعماله من قبل أهلها، وحقيقة هذا التقنين وحرمان الحق لأشخاص آخرين بالسيطرة على اعضاءهم الجسدية لا يشمل المرأة فقط بالعراق بل الذكور ايضا بأجبارهم الزواج من زوجات يختارها الأهل بالوقت والمكان المناسب .

من الحالات التي تعتبر اضطهاد واضح اضافة للضرب والعنف الجسدي حرمان المرأة من صديقاتها قبل الزواج، والطعن بسمعتهن من اجل سيطرة اكثر، كما حرمانها من زيارة اهلها والانتقاص من مركزهم الاجتماعي امامها، كذلك هو الحال بحرمانها من المكالمات الهاتفية مع الأقارب .

الكثير من الرجال يعتبر جلب المرأة لداره خادمة وليست زوجة، على منظمات المجمتع المدني توعية هذا الجيل، المرأة ليست خادمة خاصة العاملة ومن حقها الحصول على المساعدة المنزلية من قبل الزوج والمساعدة بتربية الأطفال والتناوب و السهر على راحتهم .

اضطهاد المرأة لا يقتصر على المرأة الجاهلة فقط بالعراق بل يشمل المتعلمة والمثقفة والطبيبة والقاضية من زوجها ومن اهلها والعاملين معها ومن تنمر الأصدقاء الذكور .

من حق المرأة العراقية سماع كلمات رقيقة تعبر عن الحب والاحترام، حرمانها من هذه المشاعر يعتبر اضطهاد سلبي حاله حال ترك فراش الزوجية بحجة التأديب .

المعاناة كبيرة تثقل كاهل المرأة العراقية وتجعلها تنبذ الحياة وهي الأم التي يتربى على يدها جيل من الذكور لذا تلاحظ وبسهولة عصبية الرجل العراقي وفقدان توازنه لاتفه الاسباب، نتيجة هذه التراكمات التي يتلقاها من معاناة أمه .

 

الحقوقية: نيران العبيدي

 8 آذار كندا

 

محسن الاكرمينأكتب إلى كل امرأة أحبتني مثل ما أحببتها بزيادة، إلى كل امرأة عارضت وثارت على أنانية شهريار واحتلت سريره، وبدا شهريار يتلعثم في الحكاية والوصول إلى صياح ديك لينام . إلى امرأة امتلكت حريتها ولم تعد نون النسوة بل ثاء التأنيث بمنتهى جمع الجموع الآمن.

أكتب مطوية رسالة معطرة بأزاهير الربيع،  إلى امرأة لم تصنع من ورق العبارات النافذة، ولا من تزويق بلاغة الكلمات الفاضحة. أكتب إلى امرأة تشكل الحياة بين الحاء والباء وتنعش ابتسامة العطاء والكينونة. أكتب إلى امرأة من جنس حواء وغواية آدم للخروج من جنة  الخلد إلى متسع دنيا المتاعب وبقيت للحب وفية، أكتب إلى امرأة كجزء من التاريخ غير المنسي ولا المتقادم ولا المتهالك فهي الأساس وزاوية البناء، إلى امرأة تشعل حرائق حبي حين تلين وتتبسم لمشاعري الطفولية، إلى امرأة تعيد عقارب الحب إلى الوراء وتحيي شهريار ليعتذر عن تخويفها وتركها تحكي عن الحب بلا انقطاع...

 أكتب إلى امرأة أشعلت كل أصابعها شموعا منيرة لنا بالجمع لا الإفراد، إلى امرأة أتسلل لهفة إلى حنو قلبها وضمة يديها، إلى امرأة تصنع أحلام الرياحين وتمنع عني شوك البراري وموج البحار، إلى امرأة تتحمل عصبيتي وجنوني المبكي، تتحمل فرحي الممطر وآهات أحلامي، إلى امرأة ترقص على مشاهد كلماتي دون أن أدونها كتابة عنها بالتخصيص وذكر اسمها...

أكتب حبرا ورديا بالحب ، إلى امرأة تلتصق بروحي حرارة، تداعبني تحررني من خوفي ومن توجساتي في الزمن والمكان، إلى امرأة تنعشني فرحا كما تبكيني رأفة، تضمني عشقا، تخاطبني بمتتالية الابتسامة " أشهد ألا رجلا إلا أنت".

أكتب إلى امرأة تفيض فكرا وأنفة ترفعية، إلى امرأة لم يستنسخها التاريخ ولم تكن يوما (فوطو كبي) لكل نساء العالم، أكتب إلى امرأة تسترق مني الفرحة بالفرح المشارك وتقتل الملل المتراكم بحياتي الماضية، أكتب إلى امرأة آتية من النهر حين يفيض ماء ويثلج الأنفس العطشى، إلى امرأة لا تفكر في هرولة الهروب ولا في فراق الوجع، إلى امرأة تحتملني مثل نوارة ... وجه عروس في الحب وحلم الأمل، أكتب إلى امرأة لا تؤمن بالخرافة ولا بأساطير جداول الأبخرة والأضرحة... أكتب إلى امرأة  العقل والتفكير المنطقي ، إلى امرأة تحترف الانفعال وهي تضمني ارتعاشا، إلى امرأة لم تنكسر حتى في خروجها من جنة الخلد بل ظلت وفية لآدم... إلى امرأة تصرخ، تبكي، تفرح، ولا تتأفف من الوطن ولا من الحبيب...

أكتب إلى امرأة الجبل الشامخ ورضا العيش، أكتب إلى امرأة بكل لغات الوطن والهويات الفردانية والذاكرة المشتركة، إلى امرأة صنعت الوطن والإنسان والوجود وحررت الأفكار والأبدان من حماية التحكم، إلى امرأة تظهر في أحلامي مثل ملائكة السماء بلا ألوان ولا ملامح فاضحة، إلى امرأة تلتحف كل ألوان الطيف وتزكي الحب والرعاية فينا كل صبح ومساء، إلى امرأة قد تدخلني الجنة من تحت أقدامها شفاعة ورأفة ، إلى امرأة تنطق اسمي حتى في آخر زفرات حياتها ... إلى امرأة لم تذكرني بتاتا باسمي الشخصي ، بل بقلب الكرم في تصريف الجمع...

أكتب إلى امرأة لم تكسر شعوري يوما عنوة، لم تنل من رجولتي تحقيرا  ولا تنزيلا، إلى امرأة ذات عيون صاحيتين ممطرتين، إلى امرأة مثل المرآة حين تنظر في عيونها تزيدك اطمئنانا وتنويرا، إلى امرأة أحلم أن تكون آخر لمسات حياتي على شفتيها المطبقتين بالابتسامة الفيضية.

أكتب إليك أنت سيدتي... والأخريات سيداتي... بالدنو والبعد ولن يزيدني إلا إصرارا أنك أنت التي أقصد في كلماتي بالتصريح الرمزي، إلى امرأة أسافر بين شرايين دمها مثل التطعيم وأمل بقاء الحياة، أكتب إلى امرأة تمتلك قلبي وتفكيري وحبي منذ أن عشقتها من الوهلة الأولى في عيونها ...إليك أكتب ...إليكم ثاء التأنيث ...ونون النسوة بجمع الجموع أكتب... عند يومكم 8 مارس.... 

 

محسن الأكرمين.

 

رشيدة الركيكتدعونا الحياة وتقلباتها إلى التفكير ثم التفكير وفي التفكير، وإلى طلب المزيد من العمق الوجودي لعلنا ننفلت من تراكمات الفكر العقيم، فكر وثوقي دغمائي، استطاع التمكن منا كلما عشنا حياة بسيطة نقتنع فيها بما نبث في عقولنا من حشائش بفعل الصدف.

إلى أن انتهى بنا الأمر بطرحها من قاموسنا الحياتي وعوضناها بالتخطيط، ثم التخطيط المركب.

قد يعتقد الكثير أن الطبيعة تخضر وتزدهر، بل وتزداد جمالا حيث المطر، وقد يدهشنا المنظر في أول وهلة، غير أننا حين نمعن النظر لا نرى الا الحشائش تنبت في أي مكان وبمحض الصدف، وذلك شكل عقولنا حين نفتح نوافذها لتستقبل أفكارا جاهزة دون تمعن وتمحيص.

لن تحتاج الأنا عندها لأي جدل فقط لأنها في لحظة إشباع لحاجات عابرة، لم تنتبه إلى أن الحياة مشاوير وفي كل مشوار متاهات تهنا فيها ولم نستطيع فك الرموز لعلنا نتنفس الصعداء. غير أننا حين ننظر من الأعلى لتفقد الحال، نجد أنفسنا بين جدران لن تؤدي الا لنفس الطريق، وهنا يحق القول كما هو في سماء المعقولات: الحال يفسر دائما المآل.

أريد أن أتكلم اليوم عن جدل الأنا في قضية المرأة العربية، وهو جدل كل انسان يتباها بإنجازاته، غير أن الوضع مختلف حين يتعلق الأمر بالدخول الى الاسرة وإلى عالم يصعب تأطيره بالقوانين الوضعية مثلما نتكلم عن صعوبة التفسير والتنبؤ في الظواهر الإنسانية ونكتفي بالفهم والتأويل.

يبدو أن إشكالية المرأة لها جذور تاريخية وتفهم في سياقاتها الثقافية. هي حقيقة كانت نظرة تشييئية: تنقل من بيت أبيها إلي بيت زوجها ثم إلي قبرها، وقيل عنها تعيش معززة مكرمة ومعنى وجود ذكر في حياتها ستر لها، صدّقت المسكينة الفكرة وعاشتها وتعايشت معها، لهذا قدر لها أن تلخص نفسها كآلة للإنجاب أو التفريخ بلغة مجتمعية صادمة، فكانت المرأة الودود والولود هو دبلومها ثم حملت الحطب للطهي وجلبت الماء لبيتها ورعت المواشي مثلما رعت أهلها، ثم خرجت لتتفقد أحوال المزروعات في ضيعة زوجها.

كانت تشعر أنها مالكة لبيتها وأنها خلقت لذلك أما الزوج فهو زوجها داخل خيمتها ولا يهمها غير ذلك، حاولت أن تستطعم الحياة بذوق لم تعرف سواه وأن تعيش حياة تربت عليها.

كانت الفتاة تطلب للزواج قبل بلوغها وتحجز لأنه ببساطة حتى تشكل وتربى أو تروض بمعنى أصح في بيت الزوجية، وتستمر حكاية امرأة...

لكننا اليوم انشغلنا بلغة القوانين الوضعية وتناسينا وضعية المرأة في أذهاننا، تحدثنا عن واقعها داخل المجتمع ولم نعر اهتماما لنظرتها لنفسها التي هي نتيجة تراكمات تاريخية.

لذلك حقيقة وضع المرأة اليوم في مجتمعاتنا العربية يحتاج ليس للترميم وسن قوانين تنصفها وهي في عمقها لا ترى في واقعها ظلما ولا تقبل أي تغيير، وتعبر عن ذلك بسلوكيات تبدو لنا متناقضة غير أنها في حقيقة الأمر متوافقة مع عقلية تعكس العقل الجمعي السالب للهويات الفردية.

وإن كنا لا نعمم في تحليلنا ولكنه واقع صارخ، ويظهر بصور مؤلمة ومضحكة في نفس الآن، فنراها تناضل من أجل حقوقها في النفقة، وحين يسجن   الطليق لذات السبب تزوره وتتفقد أحواله حاملة له ما لذ وطاب وما لا تستطيع شراءه لنفسها.

ونحن نتكلم عن قضايا العنف الأسري ضد الزوجات قد تشتكي وتبكي، غير أنها تعود لحياتها التي تضن أنها طبيعية، وتستمر حكاية الواقع المؤلم عندها سيظل السؤال: لمن خلقت القوانين؟ ولمن هذا النضال؟

يبدو أن نضال المرأة العربية الحقيقي ضد حشائش التي نبتت في عقلها وتغاضينا نحن كمجتمع عنها، وكأننا نريد إعادة انتاج نماذج مجتمعية بالمنطق السوسيولوجي.

هكذا يبدو جليا أن سبب الجدل الذي أتكلم عنه قيم اجتماعية سلبية ترسخت وتجذرت فينا بفعل التكرار، ثم خلقت سلوكيات وإن رفضها المجتمع العالمي ورفعنا شعاراتهم في قضية إنسانية واحدة، غير أن قضية المرأة في مجتمعنا تحتاج منا لفهم سوسيولوجي للظاهرة ومع مواكبة النضال من أجل المستحقات القانونية.

لعل الجدل الذي تعيشه المرأة مع نفسها ولا يزال هو ما سيجعلها في نفس الدوامة وستظل إلى حين نتعلم فيه زرع بذور الورود في عقولنا بدل التباهي بتبادلها والتقاط الصور.

وما دامت المرأة هي من تربي الذكر وتعيد انتاج نماذج مجتمعية بنفس الصورة النمطية القاتلة لهويتها كإنسانة تستحق كل الاحترام والتقدير، وما دامت تربي فتاة وتروضها على أن تكون امرأة بيت مقبرة لطاقاتها وقدراتها.

فلماذا نتعجب من فتاة تتلهف لخاتم زواج في أصبعها وكأنها توهب حياتها لغيرها زوجا كان أو أبناء أو أخا...

فكم من نساء يشكين الاستيلاء على حقهن الشرعي في الإرث، وكم من فتى ينتظر راتب أخته الشهري او اليومي ليأخذ نصيبه...وكأن العصر اليوم يفرض مظاهر جديدة للاستغلال وبشكل مفضوح.

تطول حكاية المرأة تائهة عن نفسها وتتوهنا معها في البحث عن حقوقها الضائعة، وننشغل بسن القوانين وفي متاهات أجرأتها، والحقيقة الخفية أنها تعيش معركة القيد الوهمي وتتلذذ بدور الضحية في مجتمع خط خطوات طوال عراض في مدونة الأسرة وعلى المستوى الدستوري أيضا.

ان أطروحتنا بخصوص قضية المرأة في مجتمعنا تتلخص في جدل تعيشه المرأة نفسها مع ذاتها نتيجة تنشئة اجتماعية تفسر الواقع بكل تناقضاته، وتفهمه هو الذي سيخرجنا من متاهة هذه القضية، وهو ما سمّيته بالفهم السوسيولوجي الذي يجب أن يواكب سن القوانين الزجرية حماية لكل أسرة وضمانا لأمن أبنائها.

ولا يعني مطلقا تحليلنا لهذا الفهم السوسيولوجي عدمية  ولا جدوى القوانين الوضعية في قضايا الأسرة، ولكن سيعطيان أكلها معا على المدى البعيد وستقل تدريجيا حياة زوجية لا تعرف  صراع وتفككا عائليا، حينها سيسود الاحترام المتبادل بين الذكر والانثى سواء في الحياة الزوجية او العائلية  أو حتى العملية في اطار الموازنة بين الحقوق والواجبات .

عموما سكتت عن الكلام المباح تحت شعار لنزرع بذور ورود في عقولنا لتجملها وتفوح رائحتها لعلنا نتمتع بعطر الحياة.

 

قلم: رشيدة الركيك

 

 

علا بياضإن مكانة المرأة في الأسرة والمجتمع، هي مكانة عظيمة، ولها دور رسالي نبيل في نهضة الأمة من خلال تربية المجتمع على القيم والمبادئ والفكر المتزن. ولعل الدور الأساسي يتمثل في بناء أسرتها ورعايتها، حيث يقع على عاتقها كأم مسؤولية تربية الأجيال وفي غيابها يحدث خلل في التركيبة المجتمعية والإنسانية، فهي أساس التوازن ومحور الحياة.

لا شك في أن أهمية ودور اليوم العالمي للمرأة اختلف اليوم بشكل كبير عما كان عليه مطلع القرن العشرين، إذ حققت المرأة الكثير فقد شاركت عبر العصور القديمة والحديثة في شتى المجالات. المرأه قطعت شوطا كبيرا الى الامام على صعيد نيل حقوقها الا ان أوضاعها تتفاوت من دوله الي اخري الا اننا نجد في بعض الدول ما زالت المرأه تفتقر إلي أبسط حقوقها بما فيها حق الرعايه الصحيه والتعليم والانخراط في سوق العمل،وحرمانها من حقوقها الماديه وحضانة أطفالها في حالات الطلاق وسلبها حريتها وتعنيفها .

وقد نجحت المرأه العربيه المهاجره على أكثر من مستوى في المجتمع الأسترالي بفضل جهودها من جهه ولأن المجتمع الأسترالي من الجهه الأخرى يثمن الكفاءات والمهارات بغض النظر عن إنتماء صاحبها العرقي او الإثتي او الديني .

ويعز في نفسي الفتره التي عاشتها بعض أمهاتنا لم تحقق التوازن بين الحياة المهنيه والحياة الاجتماعيه والعمل على تنمية مهاراتها وموهبتها بسبب الثقافه المجتمعيه . كان لها الفخر بأن تكون شمعة تحترق لتضيء لمن حولها . وهي عبارة تدل على المبالغة في العطاء والبذل ونسيان حظ النفس،معتقده انه يحسن صنيعا عندما يتفاني الانسان في خدمه الاخرين مضحيا بسعادته وذاته .

فهذا المبدأ المغلوط وبعض النساء تتفاخر به فهو يبعث النفس على تقديم منافع الاخرين على ما يجلب المضرة للنفس مع ان هذا المبدأ ينافي الدين والعقل،وانها وئدت كل احلامها وأمانيها من اجل بيتها وأولادها مع انها كان يمكن لها ان تحتفظ بكل احلامها لو شبكت كل الخيوط بيدها بتنظيمها لوقتها،وتذوب الشمعة مع الوقت وحيدة حزينه.....

إسمحي لي أيتها المرأه ذات الطاقه الجباره ان أخاطب قلبك وعقلك وكل كيانك..

آمني بنفسك كونى كالشمس تضيء لنفسها وتضيء لمن حولها، إبحثى عن ذاتك ونمي مهاراتك وأخرجى خارج الدوامة، كونى قوية محددة لهدفك لا ريشة في مهب الريح . فبيدك تستطيعين أن تقلبي الحياة رأسا على عقب وتغيّري محاورها وتوجّهي البوصلة لما تريدين، كيف لا وأنتِ نصف المجتمع "تعدين جيل طيب الأعراق"، كما يقول الشاعر حافظ ابراهيم:"الأم مدرسة، اذا اعددتها أعدت شعب طيب الأعراق"

هيّا انطلقي الآن ولا تنتظري، لا تخافي من التجربة فهي التي ستمنحك تطعيم ضد وجع القلب وقهر الأيام، اهتمي بصحتكِ فهي أهم ما تملكين، دللي نفسك، ادعميها، حفّزيها، إعتنِي بها كما تعتني الأم بطفلها، علّميها أن الإيمان بالقدرات هو الدافع الأكبر للمُضي قدما، اجعلي هدفكِ أن يكون كل يوم أفضل من سابقه، كوّني صداقات اجتماعية فالحياة لا تكتمل من غير وجود أصدقاء.

قدمي إنجازا لتسعدي به نفسكِ وبعد ذلك ستفرضين على كل من حولك التقدير والاحترام،ن ظفي داخلكِ كل فترة وافرغي كل الكره والحقد والمشاعر السلبية وافتحي قلبكِ للحب والتسامح والعطاء والسعاده فنفسكِ تستحق الأفضل.

 

بقلم علا بياض ـ إعلامية وكاتبة ـ سيدني

 

 

ذكرى البياتي حققت المرأة انجازات ونجاحات كبرى بعد حرب طويلة خاضتها لإنتزاع حقوقها من قبضة المجتمعات التي لا تؤمن بقدراتها! لكن للأسف ما زال هناك بعض السيدات اللواتي يعانين لمجرد أنهن ولدن نساء. على الرغم من ذلك، هن لن ولم يستسلمن، بل عل العكس ما زلن يكافحن حتى النهاية لتغيير الصورة النمطية حول المرأة ومساعدتها في إثبات نفسها على أنها تماماً كالرجل وحتى أفضل منه أحياناً في الكثير من المجالات. باختصار، المرأة هي الصوت الصارخ في المجتمع والمناضلة لتحقيق المساواة بينها وبين الرجل. إياك أن تنسي أنك امرأة قوية، مضحية، مسؤولة وشجاعة، وإياك ابنتي  اختي أن تدعي أي أحد يردعك عن تحقيق أحلامك وأمنياتك، بل قفي صامدة وحاربي حتى النهاية. فمن اجلك

خلقت بهجة الأعياد، ولك وحدك تنسج الشمس  من خيوطها حروف الحب، فيكفيك فخراً انك الام والزوجه والأخت والابنة والصديقة والقلب الكبير .تليق بك سيدتي الحياة، وتزهو بك المحافل.

صباح الخير لك سيدتي المرأه المناضله والإنسانة،والأم،ليومك الثامن من اذار

في هذا الصباح اسمحوا لي ان ارسم أولاً أجمل وأطهر صباح الخير المعطر بالياسمين والفل والجوري الى المراه العراقيةوالعربية الغاليه هي الأم الحنونه والأخت والزوجه والشموع التي تنير الدرب والأيام، هي المناضله التي حملت النضال والكفاح وكانت بجانب الرجل في كل ميادين العمل الكفاحي والسياسي والاجتماعي هي،أم الشهيد والجريح والأسير، وهي الأسيرة والشهيده والمبعده والمعذبه والقائده،وهي سر الحياة ومصدر القوة هي الحنان والطفوله والفرح والتفاؤل والأمل،هي النصف الأهم في كل الحياة. وفي هذا اليوم أقف أحتراماً وتقديراً الى المرأه العراقية المناضله، وأتقدم منها واليها بكل عبارات التهاني الثوريه والتحيات الورديه بمناسبة يوم المراه العالمي إلى المراه العربيةوكل النساء في العالم في هذا اليوم الذي يجب ان ننحي فيه أولاً إلى أجمل الأمهات، أمهات الشهداء

ولا ننسى التحيه الأجمل إلى العاملات في كل مناحي الحياة وإلى المرأه المناضلة في الشتات وفي المخيم والقرية والمدينة والخيم وتحت انقاض الدمار والتشريد والمعاناة التي تجسدت في عالمنا العربي .نحتفل ومعنا كل كلمات الحب والتقدير والاعتزار معنا كل أزهار وأغاني آذار .نحتفل ومعنا كل التحيات الحاره التي تليق بالمراه العربية المناضله التي قدمت نفسها للوطن وصافحت الشمس وزينت الأرض بشموخها وصمودها وتضحياتها لترتقي مع الفرح الوطني، لتبقى رمزاً لكل نساء العالم في الثامن من آذار نقف وننحني لدورك لشموخك لصمودك لعطائك الجميل، في آذار نرسم لكن ألف تحيه وألف ورده وألف زهرة إقحوان وشقائق النعمان، في آذار يا سيدتي  أقول أنت الانسانه والمناضله وأنت ما زلت وستبقين الحكايه التي لا تنتهي،فأنت المرأه الأجمل والأحلى والرمز كنتِ وستبقين الشمعه التي تضيئ من أجل بناء المجتمع.

 

ذكرى البياتي

 

ظريف حسينتعد الأديان كلها نعمة إذا اُعتبرَت رسالاتها أنها دعوة للانزياح من عبادة الأشياء إلي عبادة أصل الأشياء، ومن التمسك بالظواهر إلي التحكم فيها عن طريق معرفة أسبابها الحقيقية، ولا يكون ذلك إلا بالعلم بالمعني الحقيقي. إذن فالتدين الحقيقي هو-ببساطة-تَحرُّر من الأوهام.

وهذا يعني أن الإيمان بالله هو في الوقت نفسه إيمان بالعلم، أي أن البحث عن الأسباب الحقيقية عبادة أيضا، ولذلك خلق الله العقل لفهم الكون، وما جعل الله المعجزات إلا استثناءات مؤقتة للقوانين الراسخة التي تسير حركات الأشياء، لإثبات قدرته علي عمل الشيء وضده. وما كان من الممكن أن تكون للمعجزات من قيمة إعجازية إلا لأنها تخرق استمرار سريان القوانين الثابتة للأشياء في اتجاه واحد فقط.

إذن فإن إرادة الله تجسدها قوانينه التي لا تقبل التبديل؛ فإذا أردتَ أن تعرف إرادة الله فتعلَّم كيف تعمل الأشياء طبقا للقوانين، وإذا أردت أن تطيع الله فعليك باتباع قوانينه؛فالله لا يقبل الواسطة بمعني"الشفاعة"إلا لمن أطاع إرادته ممثلة في قوانينه، وبذلك لا يقبل الله شفاعة الدجالين، ولا المشعوذين، كما لم يقرر القرآن-و لا أي كتاب مقدس آخر-أن تسيير الأشياء أو تصريف الأمور الحياتية يمكن أن يكون بمجرد قراءة الآيات ولو بنيَّة العلاج.

و لكن المدلسين يخادعون السذج من الناس بأن معني "الشفاء" الوارد في القرآن يشمل العلاج الباطني والنفسي، برغم أن المقصود فقط هو العلاج الروحي، بمعني التحول من عبادة الأشياء إلي عبادة الخالق.

و الله هو الذي جعل لنا الطب والدواء وجعل منا العلماء نأخذ بالأسباب الحقيقية وليس بالأسباب الموهومة بلا دليل أدني عليها.فأليس هو القائل:

"وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا،  إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) "(سورة الكهف، الآية83).

أي أن تمكين الله لنا إنما يكون بتعريفنا كيفية إدارة الأشياء بمعرفة أسبابها المادية. وإذا كان الله هو مالك مفاتيح الأشياء فقد أعطانا إياها وإن كنا مكلفين بالبحث عنها.إذن فالاستعانة بالأشياء علي الأشياء ليس شِركا بالله، بشرط اليقين بأن كل شيء مَرَدُّه إلي الله.

وهكذا فقد خلق الله لنا العقل وفتح لنا من أبواب العلم ما يغنينا عن الأخذ بالأوهام.و بذلك يكون الكفر بالعقل هي أيضا كفر بالله، أو هو-علي الأقل- شرك به!

 

د. ظريف حسين

 

عبد الخالق الفلاحيشهد عالمنا اليوم انعداما في المساواة أكثر من أي وقت مضى وذلك لضعف القيم الانسانية كمعاملة وسلوك ويقصد منها ممارسة الوعي الإنساني في التعامل بين الإنسانيين وفي معاملتهم لجميع احتمالات الإنسان على أساس التماثل الجوهري بين جميع البشر، باعتبار أن كل إنسان هو النموذج الآخر لكل إنسان آخر، ومعاملته بالحب الإنساني وبالمساواة الإنسانية وباحترام الكرامة والحقوق لكل إنسان اخر، كثيرون هم من يدعون الإنسانية، لكن للأسف، قليل من يعطي ويبخل في العطاء. وكثير من يأخذ ولايشبع وهناك الكثير من مَن يعتقد أن العطاء يقتصر على العطاء المادي فقط ، لا ابداً انما العطاء في الانساني تعني كل شيئ ينتفع منه وفيه بصمة خير لإغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب، وبصمة سلام في التعافي من الأزمات والكوارث وضحايا العنف والحروب، وبصمة أمل في التنمية والخدمات الإنسانية، وتأهيل المجتمع بشكل يبعده عن الجوع والتخلف والفقر والمرض في ظل السلوك الإنساني ويعني كذلك النشاط الذي يمارسه الإنسان في استجابته للمواقف والأحداث، سواء كان سلوكا حركيا، أو لفظيا، أو سيكولوجيا، أو معرفيا، أو غير ذلك من أنواع السلوك، الذي هو سلوك غائي، يكف الإنسان عن ممارسته متى تحققت الغاية التي يريد الوصول إليها من وراء قيامه بهذا السلوك أو ذاك، وبالطبع لا يمكن ان يستدام فقدان الانسانية لمكانته لفترة طويلة لان انعدامه يهدد وجوده اولاً ويحد من نمو المجتمع اقتصادياً وفكرياً وجهود القضاء على الفقرو يعطل التقدم في التعليم والصحة للسكان، وبهذا يقوض القدرات البشرية ذاتها لتحقيق الحياة ّ الكريمة، وهو كذلك يحد من الفرص ومن إتاحة الموارد المعيشية والاجتماعية والسياسية، ويؤدي الى انعدام المساواة مما يسبب الصراعات والازمات وتهدد الامن واستقرار المجتمع.

يدخل في مفهوم الإنسانية العديد من الاعتبارات الفلسفية؛ وكلمة “الإنسان” تعني الكائن البشري الذي هو ليس بحيوان اجلكم الله واعزكم. انما هو اسم جنس لكائن لديه القدرة على التفكير، والكلام والاستدلال بالعقل، وتُطلق كلمة إنسان على الأكثر تطوّراً من النّاحية العقلية والناحية العاطفية وبصيغة المفرد على الاحوط، ويدل على التسميات القائمة على وصف الكائن البشري أو الجنس البشري، أي أن كلمة إنسان هي نقيض الحيوان من حيث المواصفات التي تميّز الإنسان عن الحيوان . ولكن كلمة الإنسان لا تدلّ على أيّ إنسان محدّد، وهي مفهوم لغوي عام لا وجود له إلاّ في القاموس، والتي يقصد بها الخصائص المشتركة بين أفراد النوع البشري التي تميّزهم عن الحيوانات . بينما البعض من أفراد النوع البشري يختلفون عن بعضهم اختلافات جوهرية حادّة تجعل الفرق بينهم أكثر حدة وعمقاً من الفرق بين البشر والحيوان كما نشاهد ذلك عند المجموعات الارهابية المتوحشة وعصابات الاجرام التي تقتل دون وجود اي نزعة انسانية عندهم.

الجوهر الإنساني في كل إنسان هو النواة الرئيسية التي تحتوي على الإستعدادات النوعية الوراثية المكوّنة للشخصية الإنسانية وما تكتسبه من قدرات ومؤهلات وإمكانيات للتعامل الإنساني مع الآخرين، الإنسانية التي تعني المواصفات الإيجابية ضمن نطاق التصرفات العفوية والسلوك الإيجابيفي اطارالعلاقات والمواقف العائلية والاجتماعية او التعاملات العامة التي تفتضيها المصالح المشتركة.

رغم اختلاف جميع المعاني لكلمة الإنسانية ولكن المقصود بمعنى الجوهر الإنساني الذي هو فيه مقومات تشكل الاستعدادات الوراثية النوعية للبشر في كل إنسان، الإنسانية بشكلٍ مُجرَّد تدلّ على نوع الإنسان واختلافه عن بقية الكائنات الحية، فما نسمعه من وسائل الإعلام وغيرها من المواقع والكتب والمجلات تَعتبر أنّ الإنسانية هي مجموعة من الجوانب الإيجابية والأخلاقية للإنسان التي تعني المخلوقات البشرية جميعا، وتحمل في نفس الوقت مضمون الإحسان والإيثار عند البعض والتي تعني وتوحي الى قوة روحية، ولكن ومع الاسف قد اغتصبها البعض لذلك تم دمجها في مفاهيم معاصرة مثل حقوق الإنسان والتنمية والتدخل الإنساني وأمن البشر.

الانسانية تعني بالمدلول التربوي الجانب المرتبط بالمؤثرات التي تحدد السلوك الإنساني وتضبطه باتجاه معين سواء المحتوي الذاتي للفرد الذي يكون له بطبيعة الحال تأثير على السلوك، أو العوامل الخارجية التي يهتم بها للفرد، بحيث يكون لها انعكاس على سلوكه، والسلوك الإنساني يتأثر بعوامل عديدة وأهمها، القانون : ونعني بالقانون بالمعني الاعم الذي يشمل الشريعة وغيرها من القوانين الوضعية التي يضعها الإنسان لتحديد السلوك، ومن الواضح ان هناك مستويات متعددة ومختلفة لتأثير هذا العامل ترتبط بخلفية ومدي فهم الإنسان للقانون ومدي إيمانه بخلفياته، كافة الديانات تضمنت مفهوم المعنى الانساني بكونه يُعلي من شأن النفس الانسانية ويضعها موضع التكريم اللائق بها ليمكنها من اداء دورها الحقيقي في العمل والعطاء والانتاج الذي يهدف الى تحسين حالة الفرد وتقدمه في المجال المادي والمجال الروحي بكل توازن وعدالة وواقعية ومسؤولية، علينا ان نفهم بأننا اليوم لازلنا نعيش في بحبوحة من الانسانية والحميمية في ظل واقع لا يزال يحمل عوامل الانسانية ولكن نتحصر على الاجيال القادمة التي سوف تذهب بهم الحياة أكثر اغترابا، وأكثر فردية، وأكثر قسوة في ظل مناخات العولمة وثورة المعلومات المتنامية اذا ما استغلت بشكل غير صحيح .

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عبد الجبار الرفاعي‏سلامًا لرسولِ رسول المحبة والسلام في أرض الحضارات الرافدين .. في الإيمان تلتقي الأديانُ وتتعايش وتأتلف، بعد أن تكتشف شفرةَ اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلّم فيها إيمانُها، وإن كانت في الاعتقاد تتكلّم لغاتٍ شتى لا تفقه كلٌّ منها الأخرى .. لا يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الإيمان، لأن المؤمنين في كلّ الأديان يستقون إيمانَهم من منبع مشترَك هو الحق، وإن تجلّى لكلّ منهم في صور تتنوّع بتنوّعِ دياناتِهم، وبصمةِ بيئاتهم، غير أنهم يعيشون التجاربَ الروحيةَ الملهِمةَ للطمأنينة والسكينة والسلام ذاتها .. الإيمانُ حقيقة يتجلّى فيها جوهرُ الأديان، والأرضيةُ المشتركة التي تتوحّد في فضائها، والشلّالُ الملهِم للحياة الدينية فيها. لا يتخلّص الإنسانُ من نزاعات الأديان وحروبها إلّا في فضاء الإيمان... زيارة البابا للعراق مهمة انسانيا وروحيا وأخلاقيا ورمزيا، ‏لأنها تكرس الرصيد الانساني والايماني والاخلاقي والرمزي لصناع السلام في العالم.

 كما حققت هذه الزيارة أحد أهدفها المهمة، وهي الاعلان والتعريف مجددًا بصورة من الصور التي انجزتها الحضارة السومرية وحضارات العراق التي صنعت الاسس العظمى للتاريخ البشري، منذ نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد، باكتشافاتها وابداعاتها للأسس المحورية التي قامت عليها الحضارات وراكمت عليها ابداعاتها واكتشافاتها عبر التاريخ حتى اليوم، وأبرزها:

1- ‏الكتابة.

2- العجلة.

3- تنظيم الري والزراعة الاروائية.

4- الدولة، ‏أول دولة تأسست في التاريخ هي دولة المدينة السومرية.

5- ‏الفنون، مثل: العمارة ومثالها الزقورة، والقيثارة، وغيرها.

6- ‏القانون، ‏أول قانون في التاريخ هو شريعة أورنمو. (استمر حكم الملك اورنمو ما بين  2047-2030 ق م  أي قبل ثلاثة قرون من زمن الملك حمورابي الذي كان المشرع الثاني في التاريخ وكان أغلب الدارسين والعامة يظنون أن شريعة حمورابي وقوانينه هي الأولى في التاريخ) ويكيبيديا.

7- ‏اكتشاف علم الفلك في بابل عاصمة الحضارة البابلية.

2281 فرنسيس 1

8- ‏تطور الرياضيات في بابل. (الرياضيات البابلية، وتُعرف أيضاً بإسم الرياضيات البابلية-الآشورية تطلَّب العمل في الزراعة وقياس الأراضي وبناء قنوات الري والقصور والمعابد وسواها ومزاولة التجارة معرفة الحساب والهندسة والجبر. وكان النظام السائد في بلاد الرافدين كلها هو النظام الستيني سواء في الحساب أو في أنظمة قياس الزمن أو المكاييل والموازين. فقسمت السنة إلى اثني عشر شهراً واليوم إلى أربع وعشرين ساعة، وهو النظام المعمول به حتى اليوم. وعرف البابليون فكرة المربع والمكعب وتمكنوا من حساب مساحة الدائرة ومحيطها. واهتموا برصد الكواكب... معرفتنا بالرياضيات البابلية أتت من ألواح طينية اكتشف منها حتى الآن 400 لوح منذ 1850م. وقد كُتبت بالكتابة المسمارية، وتم تدوينها على الألواح الطينية بينما كانت رطبة، ثم تم تحميصها بشدة في فرن أو بحرارة الشمس. معظم الألواح التي تم ترميمها يحدد تاريخها من 1600 ق.م. إلى 1800 ق.م.، وغطت مواضيع تتناول الكسور والجبر والمعادلات التربيعية والدوال التكعيبية ونظرية فيثاغورس) عن مقالة بعنوان: الرياضيات البابلية، منشورة على الانترنيت.

9- الابداع الأدبي، والذي تمثل في نصوص ابداعية مبتكرة فريدة، لم تعرف خارج الحضارات الرافدينية، مثل: ملحمة جلجامش، كتبت نحو 2000 ق. م، وهي تسبق في تأليفها:  "الإلياذة" و"الأوديسا" لهوميروس، بما يقارب 1000 سنة.

ذلك هو العمق الحضاري للعراق، وتلك هي ‏الجذور العريقة للهوية العراقية في حضارات وادي الرافدين.

 2281 فرنسيس 2

 

2281 فرنسيس 3

2281 فرنسيس 42281 فرنسيس 5

2281 فرنسيس 62281 فرنسيس 7

 

د. ‏عبد الجبار الرفاعي

 

 

رحيم الساعديمن اجل مدرسة عراقية وعربية لفلسفة التاريخ (مقال بحثي)

في طريق سياقتي الى النجف لا انسى ان اسلم على الفرات، كلما عبرت جسر الحلة، وقد اثار ذلك استغراب صديقي الدكتور رائد جبار في احدى المرات، فقلت له انني اتعامل معه بوصفه شخصية معنوية، بالطبع وفق تصور وجودي وليس القانوني فقط .

والشخصية المعنوية مفهوم يعيش في كنف القانون وهي تتعلق بهيئات ومؤسسات وايضا الجماعات التي يعترف بها المشرع، ويعطيها الحق في ما يخص التصرفات القانونية في التعامل، من جهة الحقوق والواجبات، وكونها مستقلة شأنها في ذلك شأن الأشخاص الطبيعيين

وتصنف الشخصية المعنوية الى خاصة وعامة والاولى حول الشخصية القانونية التي لا تتبع الدولة بل تتبع الأفراد والجماعات الخاصة اما الشخصية المعنوية العامة فهي الدولة أو الشخصية المعنوية التي تتبع الدولة .

لكن بإمكاننا النظر في مفهوم الشخصية المعنوية من زاوية (وجودية – ومعرفية- وجغرافية – وتاريخية – ودينية....الخ). دون الاكتفاء بتقسيمات جزئية .

بمعنى ان وجود الانسان بحد ذاته او هذا الوجود او الفضاء اللامتناهي او الكواكب التي بدا مسلسل اكتشافها تمثل شخصية معنوية او جزء من شخصية معنوية، وهكذا يمكننا الحديث عن السيستم المعرفي طالما انه ارتبط بمدعيه او موجده او مبتكره، وقل مثل هذه التصورات عند الحديث عن القران كوجود يمكن مناقشته وتقديسه واحترامه او نقده من قبل البعض الاخر، ووفق كونه نصا مستقلا ينتمي الى جماعة او تنتمي اليه الجماعة، وهذا التقارب والتداخل يعني ازدواجية الشخصية المعنوية، وفق المنظور البشري او القانوني او الاجتماعي او الفكري .

وتبرز ثلاثية مهمة جدا بجانبها التاريخي والجغرافي والديني، وهي تتداخل بشدة وفق مفهوم الشخصية المعنوية فهي تمثل الحضارة و الامة والشعب وما الى ذلك من الهويات الجامعة، والامم لا تستغني عن هذه الثلاثية المهمة، اقصد (التاريخ والجغرافيا والدين)، لكن ماذا عن العمران والعلم والثقافة، اظن بان هذه الاخيرة هي تمثلات للحضارة،وهي مؤممة لكل الانسانية . الا ما تعلق بعمران خاص مثل برج باريس او مرقد الامام علي او بيت الله او تاج محل في الهند او سور الصين.

ومن الشخصية المعنوية الجغرافية قد نلمس النهر والجبل والبحر وحتى القمر، وكلها تنوعت بوصفها وجود خاص لبعض الامم احيانا .

اما التاريخ هو انك تنتسب الى الارث ومس ذلك الارث يعني ثلم هويتك ،والانتساب طبعا بنسب متباينة متفاوتة، والجغرافيا هي الجانب الاشد ارتباط بالقانون اليوم وبالتالي بمفهوم الشخصية المعنوية، ولذلك تجد بان وسيلة الحفاظ الى الشخصية المعنوية الجغرافية هي الاكثر الم وقسوة على مر التاريخ، ولك ان تسال عن الصراعات السياسية والحروب العالمية وسقوط الامبراطوريات، وعن صراعات القانون الدولي الذي تقوده الإمبراطوريات قديما وحديثا، لتعرف حجم فداحة وضرر الشخصية المعنوية للحضارة والشعوب.

انه اصطفاف لولادة وموت الحضارات التي تشيخ وتموت او قمع للحضارات التي تموت طفلا طريا (وهو ما يمكن تسميته بالحضارة الطفل او الجنين الحضاري).

وغالبا الحضارات تلبس شخصية من يدير الدولة فلا نذكر سمات حضارة ما الا بملازمة من اسسها، وهذا تداخل بين مفهوم الشخصية المعنوية الانسانية سواء اكان السلطان – الملك – الامبراطور- النبي – القائد الملهم – الامير – المرأة – الصبي – الرمز – الجماد ...الخ، وبين الشخصية المعنوية للبناء الهرمي المتمثل بالدولة .

ولان القوانين ليست موحدة ولوجود التقادم في التاريخ، فلا يمكن مثلا للدول التي مر بها جنكيز خان ومنها العراق والشام، معاقبة البقعة الجغرافية التي خرجت منها تلك الجيوش بوصف تلك الاماكن او هذا الشعب بمثابة الشخصية المعنوية، التي يجب ان تحاكم قانونا، لكن هذه المسائل قد تنشط مثلا عندما تتحدث  ارمينيا عن مجزرة حدثت مع الاتراك . او قد تنشط عندما يتحمل العراق مثلا تبعات غزو لجيرانه .

بشكل عام ان التراث الديني الذي يستند الى قالبين الاول هو التاريخي والاخر هو الجغرافي، يبرز اليوم بوصفه الوجود الرمزي داخل الحضارات وهو وجود مستقل لم يصنعه الناس بل يحتفظ بكليته ووجوده ورمزه وقدسيته، وهو شخصية معنوية بامتياز كما لا يخفى ان بعض التراث الديني يقترب من الزيف، لكنه مع هذا تشابك وجوده بوجود الشخصية المعنوية الفردية والجماعية .

ولعل اكثر الشخصيات المعنوية خصوبة هي ما يوصف بالميتافيزيقي وهو على صنفين الاول يمتد ويستمر مع التاريخ (ويمكنني وصفه بالحضارة المعنوية) فهو وجود حي ممتد يرافق التاريخ ومثاله وفق النصوص الاسلامية والمسيحية واليهودية عيسى المسيح والخضر وعزير والمهدي المنتظر،ولا يمكن باي صورة التعرض لهذه المحاور المعنوية بحرية لانها شخصية معنوية بالرغم من جانبها الميتافيزيقي .وترتبط هويتها بهوية امة ما سيما الامم الكبيرة، وهي بغالبها مشاريع مستقبلية طويلة الامد، تتصارع الامم والملل لتثبيتها في ضمائر من ينتمون لها .

والصنف الاخر هو الميتافيزيقي الذي غاب عين وجوده عن هذا العالم مثل الانبياء النبي محمد والنبي موسى وغيرهم او الملهمون او بعض الملوك والاباطرة .

ان الحديث عن جانب الشخصية المعنوية في الحضارات يقودنا الى ان الدول اليوم وبالأمس مثلت كل منها شخصية معنوية وكيان مستقل ، وقد تنوعت الى صور عديدة منها الفردي عندما تبرز الذات الخلاقة (الشاعر – الفيلسوف – الكاهن  - النبي – الطبيب ...الخ) او الى المجموع (الامة – الشعب- القبيلة – المجموعة الدينية – العصابة – الجيش) وتقترب هذه التصنيفات من علوم الاجتماع لكنها تشير الى اكثر من وجود مختلف ينتمي للفلسفة والجغرافيا وللتاريخ والفلسفة التاريخ وغير ذلك .

 

د. رحيم الساعدي

 

 

سامي عبد العال"وسواس المخدة"... ليس أفِيشْاً لفيلم سينمائي ننتظره بعد منتصف الليل على غرار أفلام البورنو. لكنه لقب أطلقه الإمام القرطبي صاحب "الجامع لأحكام القرآن" على المرأة، لأنَّها أغوت آدم وأنزلته من الجنة إلى الأرض (أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآيِ الفرقان، الجزء الأول، تحقيق عبدالله التركي ومحمد رضوان، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2006، ص457). المرأة تحديداً فيما يذكر من آراءٍ هي أنثى يسكنها الشيطان، فكانت موصوفة بالوسوسة في خدرها الذي قد يتسع لحدود المجتمع بضمان استمرارية التأثير والفتنة. وليست إقامة الشيطان داخل كل أنثى مصادفةً، لكنها إقامة أصيلة بفضل وثائق الاعتقاد والنصوص والتقاليد الثقافية. كما أن الشيطان بالنسبة إليها ليس ضيفاً، إنه صاحب بيت أصيل. فكل امرأة تخضع من قبل المجتمع لعمليات تفتيش وتنقيب في كامل جسدها وروحها ووجودها وسردياتها عن شيطانٍ ما. لأنها الوكيل الحصري - بعبارة معاصرة - لما يفعله الشيطان في الحياة وبخاصة إزاء الرجال، فلئن كان الشيطان لا يستطيع اقتحام مملكة الذكور، فإنَّ امرأة واحدة قمينة بتفكيك وهدم مملكتهم.

الكائن الوسواس في العربية هو الشيطان رأساً بشحمه ولحمه ورأسه وأخمص قدميه وذيوله. يوسوس، يخنس، ينفث في الآذان والروع، يفرق بين الناس، يبث الفرقة والضغائن. فما بالنا إذا كانت الأنثى عينها وسواساً. تلك هي بصمة الثقافة المتوارثة على كيان هش. كيان يحتاج دوماً إلى زوج أو محرم أو وكيل أو نصف شهادة أو قبر أو حفرة تزج بها. أي أنها امرأة تحتاج ختماً اجتماعياً لاهوتياً حتى تبريء نفسها أو تفلت من الملاحقة أينما حلت. وفي أي مرة تمارس حريتها أو وجودها عليها تقديم أوراق الاعتماد لدى سلطة خفية تتكاثر باستمرار. وليس أكثر هيمنة من سلطة الثقافة التي تعيد تشكيل مجتمعاتنا في كل مراحل التاريخ.

الوأد الرمزي

في ثقافتنا الجارية، يجب أنْ يلف جميع حيثيات المرأة حذرٌ وراء حذر.. هكذا تقول اللغة والأمثال والتقاليد. فالعلاقة – مثلا- شبه واضحة بين الزواج والقبر على قاعدة العادة العربية القديمة" الوأد". الاثنان يؤديان الوظيفة الاجتماعية نفسها. فالزواج كما تقول الثقافة يستر عورات المرأة، يغطي الفضائح المحتملة ببريق اجتماعي حافل (ظل رجل ولا ظل حيطة). هذا الاحتفاء بمن يُستِّر البنات في الأرياف والبدو والقرى وصولاً إلى المدن. لدرجة أن كلمة الزواج تأتي في عباراتنا المتداولة كمقابل للستر وعدم الفضيحة( ربنا يستر عليكِ يا ابنتي... كما يرد الدعاء على ألسنة الامهات لبناتهن). ويأتي الدفن (أي القبر) آلية للتخلص من العورات (بالتوصيف الديني) فيدُسها ولي الأمر تحت التراب إلى الأبد، لا يسمع لها صوتاً ولا يرى منها شيئاً. وعلى منواله جاء البُرقع والنقاب والشادور (أو الجادور بالفارسية) قبوراً متحركة بأجساد النساء.

من هنا كان وأد البنات قديماً من أفعال العرب، ولكن اختفت العادة مادياً وبقت رمزياً بصور أخرى. والوأد كعمل لا إنساني... لا ينهي حياة الأنثى فقط، بل يؤكد إذلالها كأثر متواصل على بنات جنسها وفكرتها في المخيلة الشعبية. وهو من أقرب الطرق إهالة التراب على العار الرمزي أيضاً الذي يظنه الرجل لاحقاً به. وقد وثق القرآن المسألة.." وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهُه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألاَ ساء ما يحكمون"... فالوجه هو المرآة الاجتماعية التي ترى الثقافة فيها نفسها، وهي علامة الحيوان البشري على أنْ يكون إنساناً أو لا. وحرص القرآن على أنْ يقول عن الذكر وجهه مسوداً، أي مرآة الثقافة قاتمة سوداء، وليس هذا فقط بل يتوارى من الناس. والموازاة بين التواري من العار الاجتماعي ودفن المرأة في التراب واردة داخل النص القرآني كأفضل ما تكون الموازاة. وهي رمى المعنى بأن المرأة عار والتراب هو الذي يضمها وسيضم الجميع بالمثل.

فلا يمحو العار إلاَّ الدفن، والدفن كما لوحظ  للأنثى وهي حية لا ميتة. وذلك كان رد فعل ثقافي للتبرؤ من الأنثى على نحو جذري.  هكذا يظل " الوأد الرمزي" ممتداً – مع انقطاع العادة تاريخياً- بواسطة تفسيرات الدين والأشعار والآداب العامة والأمثال الشعبية والسياسة والهندسة الاجتماعية. وهذا البعد كما سنرى لا يقل عنفاً عن سابقه، فهو حتى أكثر حضوراً منه. لأنَّه واسع الانتشار ويلتحم بالمسلمات الدينية وسلطة النصوص في المجتمعات العربية. ويتردد حتى على ألسنة النساء أنفسهن راضيات طائعات!!

أيضاً "وسواس المخدة" ينقل دلالة النوم بجوار رجل هو الزوج داخل مخدعه. وتلك المحصلة بمثابة أصل الشرور في عقر دار الذكورة العربية الاسلامية. والوصف المقلوب المسكوت عنه أنَّ الرجل بريء تمام البراءة. هو الملاك النقي المتفرد في مقابل الشيطان. وهو المغرَر به، المخدوع دون قصد ولا إرادة منه. وإذا لم يقبل وسواساً بجواره سيظل بريئاً إلى قيام الساعة. وأنَّ المجتمع نزيه من كل تلوث عقائدي وفكري. وأنَّ الاخلاق تداهمها مخدات شيطانية تحمل وساوس ليلية من غرف نوم الفحول. وأنَّ الحياة على شفير الهاوية بفضل النساء ليس أكثر. لنراقب هذا التعمد في اتهام المرأة بكل الموبيقات.

السؤال الآن: فيما كان يفكر القرطبي وكل قرطبي لاحق أو سابق؟ لماذا يتحدث بلغة ثانية على اللغة الأصلية (النص القرآني)؟ الفكرة الواثبة أنَّ الكتابة والتفسير عملان جزئيان لواقع أكثر إكراها وعنفاً. ويبدوان (الكتابة- التفسير) حالتي استغراق في آلية تأليف موازٍ هو حضور المقدس وبدائله الثقافية. فالذكورة لها مركزية تزحف، تتسلق، على مصادر اللاهوت، بل تتوحد مع المقدس لتشاركه قيادة دفة الحياة في الثقافة العربية. وهذه التوليفات تترسخ في أحبار اللغة المتداولة على صعيد التداول. وبالتالي تستقر لدرجة البديهيات بواسطة الممارسة وطرائق التفكير والعلاقات الاجتماعية. وتنتهي اللعبة في عملية التفسير بأن تصبح التفسيرات أكثر أصالةً من الأصل، أكثر قداسة من المقدس. ذلك بعدما يزاحم النصوص الأصلية كتفاً بكتف، وخطوة بخطوة وسبقاً بسبقٍ.

المرأة قبل الشيطان

لنذهب إلى سياق الكلام مباشرة. يقول نص القرآن( قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين). القول واضح كأمر خارج الاختيار. وهو مخاطبة لآدم ككائن حي بدأت تتفتح حواسه. والزوج لفظ اشتقاقي من جسم الكائن الآدمي كما هو مشهور. وتسديداً للحواس ستكون عملية الأكل محتملة بموجب الغرائز بين الاثنين بلا تفرقة. ولهذا يعد الظلم الحاصل – بحال المعصية- بالتساوي ذاته. والغموض في الأمر لا يحتم الضرب بعيداً إلاَّ بنقل المضمون والنتائج.

هنا يجدِّل (يضفر) القرطبي معتقداته مع الأصوات الثقافية الجارية في الخلفية. فكعادة المفسرين القدماء يغرقون النص القرآني بالتفاصيل الجانبية (التشجير) وشواهد النثر والأدب والأقوال المأثورة وغير المأثورة والحكم وآراء الفقهاء و أهل النحو والصرف. بحيث لا يستفيق القارئ إلا وهو داخل متاهة التخريجات التي لا تنتهي. فالقرطبي يتحدث طويلاً عن السكن، معناه، حقيقته، مآله، زمنه، قوانينه، عاداته وآفاقه وطرائقه. وكذلك الفرق بين السكن والضيافة وغيره من ضروب الإقامة. هذا كله كي يمهد لنزول آدم وحواء من الجنة إلى الأرض. ويعتمد على شيء أبعد من اللغة في كون الوضع حكماً إلهياً. وتلك كانت نقطة مفصلية نحو الاقرار بما سيجري لأول مخلوقين لاحقاً.

أما الرابط بين ذلك وبين " وسواس المخدة "، فإن ما ينسحب على الحكم الأول يحب جريانه على كون المرأة بهذه الوضعية الشيطانية. وبالتالي ستكون دينياً وضعية مقبولة ومرحباً بها في المجتمع طالما كانت من الله. وفي الاثناء يتم ارهاق وعي المتلقي بإيعاز من قصد المؤلف مما سيعني امتثالاً خاطفاً للإحالة على ذلك المستوى مع تصديق المعنى. ويذهب القرطبي كذلك إلى تفسيرات كلمة" زوج" معتبرا إياها ذات مرجعية لاهوتية في المقام الأول. فلو لم ترد في النصوص والأحاديث ربما لم يقل شخص لامرأته زوجاً. بإشارة ضمنية أن الأحوال كانت حميمية من قبل الله (من نفسٍ واحدة). لكن المرأة من وحي نفسها وغرائزها انشقت عن ذلك مع انشقاق الشيطان. ليتوحدا بالنهاية في وسواس واحد.

وإذا كان الشيطان سيختفي بعيداً، فها هي المرأة قد أصبحت بديلاً داخل الغرف المغلقة في كل بيت. بالتالي هي أكثر نفاذاً من الشيطان. لو حضرت يحضر معها، وإذا غابت يأخذ طريقاً آخر. فما اجتمع رجل وامرأة إلاَّ كان الشيطان ثالثهما كما يقال دينياً. ولم يكف القرطبي عن تدعيم كلامه بأحاديث وآيات. فروي أيضاً عن نبي الاسلام أنَّ الملائكة سألت آدم لاختبار علمه بعد خلق زوجه ... أتحبها يا آدم قال: نعم. لكنها عندما سألت حواء أتحبينه يا حواء: قالت لا... وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه. قالوا لو صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء...!!

والفكرة واضحة هنا في اعتبار الرجل صادقاً وله المكانة العُليا بينما كذبت المرأة وستكذب بنات حواء طوال عمرهن. أو على الأقل تراوغ في الاعلان عن طويتها وهي راغبة (كما يقال: يتمنعن وهن الراغبات). ولعل ذلك أسس للتصور الشائع عن النساء بكونهن غير واضحاتٍ. ولا يدري الرجال ماذا يردن بالضبط وانهن غير صادقات مهما قلن. ولئن كانت المراوغة السابقة في الجنة تحت عين ملائكة الإله، فكيف سيكون الحال في الدنيا. وبخاصة أنها وليدة الخطيئة من الألف إلى الياء.

القرطبي يؤكد ضمناً أن عباراته ظلال للنصوص الأصلية. فهو لا يفسر فقط، إنما يصارع للاستحواذ على القرآن. ولا يذهب إليه بعقله المتبحر كما هو مشهور عنه. بل يتوكأ -إلى درجة العجز- على جاهلية الثقافة حول المرأة. وهذا يعني شيئاً لافتا: اللغة الثانية كتفسير بمثابة الباب الملكي لعبور التقاليد العنيفة حول الأنثى. وأن كتابتها بروح التجرد الظاهري لا يبدي إلاَّ تجاور المعاني فقط. لكن الحركة الأخرى هي تأكيد أن القرآن يقول ذلك ويثبت التفسير ذلك على طول الخط. وأن الإيمان بقدسية النص يعاد حياكته (نسجه) ضمن العبارات المتداولة. فلم يفعل سوى إعادة تثبيت النص القرآني في أنسجة الكلام الاعتيادي.

ولذلك أطلق القرطبي على تفسيره " الجامع لأحكام القرآن". لم يطرح شروحاً لغوية ولا فقهية بأي قصدٍ آخر دون هذا الشمول الكلي لما يطرح. القصد إن ما سيقوله هو القرآن لا أبعد ولا أدنى. إنْ لم يكن التفسير حكماً في ذاته. وعليكم أنْ تعتبروه نافذاً كما هو النص الأصلي. مجرد تجميع وتهذيب وإبراز له. مغزي هذا أن التفسير خطاب بكامل المنطق الذي يطلق العنان لسلطة المعاني وتلقيها كما هي. لعلنا هنا نلحظ الزائدة التي يدخلها مفسرو القرآن. أي: تحول اللغة العادية إلى لغة مقدسة، إلى خطاب مهموس بقوة الأحاديث والمقولات والشواهد. وبدلاً من إدراك شروح الألفاظ، يلجأ إلى تكملة المعاني واغراقها بمخزونات الثقافة.

كلام الشيطان

في هذا السياق يذكر القرطبي قولاً مقصوداً (...إنَّ أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء ابليس إياها... وإنَّ أول كلامه كان معها، لأنها وسواس المخدة، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء...)( المرجع السابق، ص ص 457- 458).

1- ايراد لفظة أول لا دليل عليها في حق المرأة من قريب أو بعيد، إنما هي معنى شائع في ديانات سابقة. فالكلام كما ورد بالقرآن موجه إليهما معاً. فكما قيل عن النتيجة أنهما (أكلا) منها، أي أكل الاثنان معاً. وليس وضع حواء في البدء إلاَّ قتلاً ثقافياً أصلياً في البيئة الجاهلية. وهذا(القتل) يُغمس(يغمر- يعمد) في تفسير النص على أنه الحقيقة الثابتة. ثم يُصفى كسائل كان مليئاً بالشوائب ليصبح عملاً وفكراً قابلين للتكرار على نطاق التاريخ والاجتماع.

2- ربط الاغواء بالأنثى ليس صحيحاً. لأن النص وضعها بمفردها مع هذا الكائن الخفي(ابليس). برغم أن الرغبات توجد في ظل آدم الآخر. أي تعمد القرطبي بنزعته الذكورية إلى تغييب آدم، ليُحمل حواء كل آثار القصة حتى زمنه على الأقل. إذن كانت بكلامه ضحية مرتين من إبليس ومن صاحب التفسير نفسه(القرطبي). لكنه نسي أنه بذلك يدخل الله كطرف فاعل في الموضوع. فإبليس يستحضر نقيضه الذي خلقه. والنقيض ليس الإنسان الجديد بل الإله. فقد طرد من الجنة لأنه لم يطع كلامه حصراً.

3- مقولة" وسواس المخدة" أوردها القرطبي ليصرف التفكير في الحبكة الإلهية الدرامية. أو هي مقولة تشير إلى كيفية تحول القصة في ذهنية المفسر إلى صناعة بشرية. وكيف يتم تبريرها في الحياة الاجتماعية. الدليل أنها إلى الآن مازالت تخضع لعمليات مونتاج وكولاج خطابي وسردي. ومع ذلك تأتي الأنثى خلالها بمثابة الضحية الدائمة بمنطق السبب الكافي والعلة الفاعلة على كلام فلاسفة الاسلام.

4- جاءت المقولة (وسواس المخدة) مسبوقة بصيغة: التبرير الخطابي (لأنها الفاعل في الخطيئة بالتأثير على آدم). أي أن ابليس بدأ الكلام مع حواء لكونها( سبب الخطيئة وبالتالي ستكون وسواس المخدة). والتعبير هنا غير صادق بالمرة. فكيف ستكون المرأة وسواساً وهي تكلم ابليس لأول مرة. هل ابليس كان يعرف المخدات (الوسائد)؟ المقولة ملقاة على طاولة الخلْق الأول كنوع من الاتهام الصريح. ربما ليس فقط بإغواء آدم، بل بشيطنة الشيطان نفسه. كأن المرأة وراء انحراف ابليس وعدم سماعه للأمر الإلهي.

5- كانت حواء أول فتنة دخلت على الرجال. هذا اقرار بكون الذكورة تحكم حتى فهم النص الديني من منابعه الأولى. بل الأغرب أن الخيال الفقهي أيضاً متشرب بهذه المعاني. ولم يجد غير الأنثى فيما بعد للتنكيل بها كأنه يحاول القصاص من كل امرأة. فالنصوص الدينية محجوبة بكم هائل من التفسيرات التي تستنطقها بشكل مركزي ثقافي.

6- هذا تخريج لا يخلو من سياسات الجندر. لأن كل عملية لي لعنق السرد يصب لمصلحة سياسات اجتماعية معينة. فالمرأة رغم جناحها المهيض إلا أنها كان مصدراً لخوف اجتماعي عميق بعمق التأويلات الدينية. حتى التعليم على سبيل المثال يعتبر حرمان المرأة منه نوعاً أخيراً لهذه التخريجات. قد يقال إنها ظروف اجتماعية واقتصادية عابرة. صحيح هذا عامل متغير، لكن الأساس في المجتمع العربي هو الحط من قدر الأنثى. فهي كائن محروم من الميراث ومحروم من الحقوق والاختيار والمساواة ومن المكانة اللائقة بها وحتى محروم من العقل الاجتماعي و من الواجهة الإنسانية. ومحروم من الرمزية الفاعلة. إذن: ماذا بقي لها إلا الاستعمال الورقي؟

7- يفتح وسواس المخدة الزمن على مصراعيه للتخوف من النساء باستمرار. وفي سياق آخر يعتبرهن القرطبي (زينة) للإيقاع بالرجال. وهنا يفرغ المرأة ويجرف انسانيتها تاركاً جوفها لصفير الشياطين. (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة...) قول القرآن ذلك اعتبره القرطبي دليلا دامغاً لكون المرأة ألعوبة الشيطان. فالأخير- بحسب اعتقاده- هو من يزين للناس. وبدأ بالنساء كأول الزينة لأنهن الأقرب إليه.

القمع الأبوي

يؤكد القرطبي أن حب الشهوات ("من النساء "... بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن. لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) أخرجه البخاري ومسلم. ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء. هكذا ترك صاحب أحكام القرآن كل شيء: التاريخ، الأحداث الجسام، المجتمعات، الحياة برمتها.. وكانت النساء بمثابة صدارة الشرور.

بهذه الطريقة، مارس الفقهاء قمعاً أبوياً في قضايا المرأة، بدءاً من تحقير مكانتها وانتهاء بمسألة رفض ولايتها في المجتمع. مروراً بقضايا الحجاب والفتنة والشهوات والشرور. كلُّ ذلك مؤسس على نواة الأنوثة. بمعنى أن المواقف الجدلية والمبررات تبنى باعتبار الأنثى كائناً أقل من الذكر، بل أحقر الكائنات. وأنها مصدر لذته، امتاعه، تسليته وهي العقاب الذي يلحق بذاته أو يلحق بغيره. وهي بالتالي مصدر شقائه وتعاسته في الدنيا والآخرة. مع اعتبار الذكر خليفة الإله لا تقترب منه الرذائل وأنه منزّه عن الهوى.

هل علينا التوجس من كون مفهوم الإله ذكورياً؟ أي أن جميع الصفات المنسوبة إليه منسوبة بهذه المعاني الانسانية المعبأة بسلطة الذكور .... من الانتقام إلى الرحمة والعدالة والعلو والقداسة. كما كان مفهوم ابليس والشيطان ذكورياً أيضاً. فأغوى حواء بنفس الصفة الذكورية لا غير. ونحن نعرف أن ثقافة تضفي طابعاً ذكورياً على إلهها وشيطانها، فإنهما انعكاس لصور موجودة ومتعالية فيها. على طريقة صناعة الآلهة كيفما نتصورها وننحتها فيما يتم الاستعاضة أثناء الأفعال بالاسم. فالأوصاف الذكورية للإله استثمرت فيما يأتي بالهيمنة والاخضاع من خلال السياسة وكأن الفقهاء يرون الحاكم إلهاً وينصبونه كذلك ويضفون السمات المقدسة عليه. فالمرأة تحب زوجها باسم الدين، المجتمع يسير وفق اهدافه بالدين والخطورة أن التحقير من المرأة يتم بهذا الاسم أيضاً. وبات معروفاً هذا الدعاء للشيوخ بأن يصلح الله زوجات المؤمنين(اللهم اصلح زوجاتنا).

باختصار ليست الأنثى شيئاً آخر سوى الاغواء والخطيئة.  حتى أنها تقطع الصلاة أو بالأحرى تبطلها. وهي العلاقة الحياتية بين الإنسان وربه. كحال الحديث المنسوب إلى نبي الاسلام  " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ". وبصرف النظر عن صحته أو زيفه فقد جعل الكلام المرأة متساوية مع الحيوانات في هذه المرتبة. حيث تلحق النجاسة بمن يصلي. وذكر الصلاة جاء كعلاقة رأسية لا يقطعها إلا شيطان يضل عن طريق الله. فالأنثى هي نعجة الشيطان يتلبسها كيفما شاء. والكلب شيطان عقور والحمار أنكر الأصوات. ماذا يبقى في ذهنية المتلقي؟

إن الوضع المتدني للمرأة هو تخليق ثقافي لنمط الأنثى– الرغبة. فالمكر الذكوري الغالب على تفسيرات الدين يضع نماذج للأنثى ترى فيها نفسها شبحاً مقبولا ليس لبيئتها بل لله بالمثل. وأنه إذا ما التزمت بذلك سيكون ميعادها الجنة لا غير. حتى قيل في بعض العبارات المنسوبة إلى نبي الاسلام: "أيما امرأة باتت وزوجها عنها غير راض لن تشم رائحة الجنة". فالرجل في هذه العبارات ظل الإله وليس شقيق النساء. وبموجب تلك العبارة سيأخذ الرجل صراحة قدراته التاريخية على انزال العقاب بالمرأة. دون سبب، ولا مبرر كاف لخرق سلطة الإنسانية وسلطة الوجود جميعاً. ويبدو التأليه الذكوري بطرف خفي في صمت العبارة. غير أن ايقاع الخوف المعمول به ينقل المتلقي سريعاً إلى الأثر دونما أي استفهام.

وهي عبارة مدمرة لإنسانية المرأة لو أحاطت بها الثقافة وأكملت جوانبها في المجتمعات البشرية. هذا إذا كانت ثمة إنسانية قابلة للتقدير لدى النساء ابتداءً. فضلاً عن كونها تضع الذكر في مرتبة مقدسة. هل هناك اتساق اسلامي في ربط الحياة (دنيا وآخرة) برضى الرجال فقط دون شروط ولا مقدمات؟!

بالطبع ليس المجال مفتوحاً لكيان مستقل أسمه المرأة. والفكرة أيضاً لون من المحاكمة الدينية المؤصلَّة في الخطاب الديني. الغريب هو كونها تنطق بمسمى المتهم (المرأة) بينما الطرف الآخر هو الفاعل (الرجل) وهو أيضاً القاضي (الرجل). ثم ستكون العقوبة ممتدة إلى أقصى نقطة نتوقعها. وكأنَّ الذكر يفرض العقوبة فرضاً لا مناص منه. ولنترقب المعنى الخفيف الآتي متوارياً: أن المرأة إذا أرادت ان تحيا عليها إرضاء زوجها بكل الطبرق والسبل لأن نجاتها في الآخرة مرهونة بذلك رغم أن القدرة لله جميعاً. ذلك بصرف النظر عما يكون هذا الزوج. لأنَّ الله- فيما يعنيه القول ضمناً- سيقف صراحة معه وسيؤيده في جميع أفعاله وسيكون العقاب والثواب كما يريد!!

يجب ألا نغفل أن الذكورية تعلن مآربها بطريقتين مزدوجتين متواطئتين مع قوى المجتمع. فهي أولاً تعتبر الأنثى كتله حية من الرغبات المشتهاة. لترسمها وتشكلها كيفما تشاء. وفي عين الوقت ثانياً هي التي تعطيها وجودها الاجتماعي والمعرفي في صورة امرأة. حتى قيل إن المرأة آتية من المرء، الفرد. وهذ يحمل بعضاً من تدخل الذكر في حيوانية الأنثى وانسانيتها من عدمها. فالكلمة هذه لباس اجتماعي ثقافي فوق ما يغطيها من شعرها إلى أخمص قدميها. والفقهاء لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة، شاردة ولا واردة بجسد الأنثى إلاَّ ووضعوا لها ضوابط ومحاذير وأحكاماً ونواهٍ.

لو أفسحنا الستار قليلاً، فالمخدة ليست كيساً من قماش محشوا بالإسفنج أو القطن أو القش. هي حشو ثقافي معرفي تحت رأس ذكور العرب منذ الجاهلية إلى الآن. وفي هذا يبدو أن القرطبي يسمي شيئاً ما مقصوداً، ليس هو الكيان الأنثوي المختلف، لكنه يترك اللغة تتسع بما تتوقف عن الانتشار. إنها تكتب عباراتها كما لو كانت ومازالت تُكتب من قبل، أي تواصل الهدير الثقافي منذ فترة. وفي نفس الوقت لا تصدم القراء إلاَّ بحدة الألفاظ. تعرفهم كيف هم يفكرون الآن في حدود زوجاتهم. وما هي تربة الثقافة الدينية المترسبة في تصوراتهم اليومية.

إن كل إشارة نحو الماضي تضرب موعداً مع المستقبل. لذلك لم يكن المفسرون ساذجين عندما يأخذون هذه التوجهات الذكورية. وسواء اعتقدوا بصحة الدين لديها أم لم يعتقدوا، فلقد اُعتمدت ثقافياً كمسكوكات عقلية أضيفت إلى جسد الأنثى. ما من أنثى تمشي في سياق اجتماعي (لا أقول يومي) حتى تحوطها نظرات التوجس والريبة (تتطلع إليها العيون كما يقول القرطبي).

ولنلاحظ أنَّ الشيء الكامن في كلمات العنوان هو سلطة الجنس. وهي فكرة سحيقة التأثير في أدمغة البشر بكل تقلباتهم البدائية والقبلية والدموية أيضاً. والقرطبي كمفسر له سلطتان: سلطة المقدس وسلطة النظام الرمزي (= الثقافة). وإذا كان التفسير تأويلاً لنص القرآن، فالمفردات- المقولات- تستحضر كامل التراث. هذا المعبر عن منطق التهميش الفكري والاجتماعي مع المرأة. وعندما يصفها بهكذا أوصاف فإنه يحسم قضاياً كثيرة، ليس أقلها صناعة سياج من التحريمات حول خصرها وعقلها وكيانها الاجتماعي. ذلك كي يضمن ترويضها وجعلها طوع الذكر.

 

د. سامي عبد العال

 

         

منير لطفيكما للطائر جناحان لا يحلّق في أجواز الفضاء بدونهما، وكما للإنسان ساقان لا يستطيع الدبّ على الأرض والسعْي في مناكبها إلّا بصحبتهما؛ يمكننا القول: إنّ العلم والأدب هما للأمم جناحان وساقان؛ بهما تنهض وتسمو، وعلى وقْعهما ترقى وتتقدّم، وما بالغ الشّاعر ولا هام كأقرانه الكُثر حين قال:

"ليس الجمال بأثوابٍ تزيّننا..إنّ الجمال جمال العِلم والأدب

وليس اليتيم الذي مات والدُه..إنّ اليتيم يتيم العِلم والأدب"

ولأنّ فوائد العلم ملموسة ومحفورة، وبصماته في ميدان الحياة لا تُحصَى ولا تُعدّ؛ فإنه قد نال بعض ما يستحقّ من التقدير والتبجيل، على اختلاف في ذلك بين أمم متقدّمة وأخرى نامية وثالثة متخلّفة. هذا بخلاف الأدب الذي لم ينل ما يستحقّه من الإجلال والتوقير، حتى إنّ بعض المجتمعات الخديجة فكرًا وروحًا لازالت تحسبه ترفا زائدا لا بأس في التخفُّف منه، وحلْية غير أصيلة يمكن الاستغناء عنها وركْنها في الزاوية! مع أنّ الأدب صنْو العلم وتوأمه، ومعًا يشكّلان وجهان لعملة واحدة أحدهما فكري وهو العلم وثانيهما وجداني وهي الأدب. ولعلّنا نلحظ أنّ الأدب تاريخيًّا أقدم في الوجود، تماما كقِدم الإحساس عن التفكير وسبْق الشعور على المنطق. وهو أيضا أبقى وأرسخ في الخلود؛ فبينما نرى النظريات العلمية تتهاوى وتندثر من عصر إلى عصر، نجد الأدب كالأثر كلّما مرّ عليه الزمن ازداد ألقا وبهاء، وانظر في ذلك أدب المتنبّي في الشرق وشكسبير في الغرب وغيرهما من أساطين الأدب في العصور الغابرة.

والأدب المقصود هنا هو خلجات القلوب وهمس المشاعر ونبض العاطفة وعلامة الإنسانيّة، وهو الذي تترجمه الأقلامُ المبدعة نثرًا فنيًّا تارة، وشعرًا رقراقًا تارةً أخرى، فيشكّل مرآة صادقة لعصره ووقودًا متجدّدًا يدير دفّة التغيير باقتدار نحو مُثُل الحقّ والخير والجمال. ولا أرى هنا فرقًا بين النثر الفنيّ والشِّعر، سوى ما نراه من فرق بين حبّات الجُمان المنثورة فوق طاولة من البلّور، وأخرى منظومة بخيط من حرير حول جِيد فتاةٍ هيفاء غيداء.

والحقّ الذي لا مراء فيه، أنّ تكريمَ العلماء تكريمٌ للعلم، وتكريمَ الأدباء تكريمٌ للأدب، ومن خلال هذا التكريم الذي يلقاه العلماء والأدباء يمكننا الحكم على أمّة من الأمم من حيث تقدّمها وسبْقها في ميدان الحضارة. مع ملاحظة أنّ الفصل بين الأدب والعلم، هو محاولة بائسة فاشلة لا يعادلها سوى فصل الروح عن الجسد؛ نظرًا لما بينهما من تمازج كامتزاج الماء بالسكّر المذاب والرائحة الذكية بالورود والأزهار، ونظرا لما بينهما من تكامل وتعاضد حين يتجمّل العلم بالأدب ويتعقّل الأدب بالعلم، وحين يتيقّظ الأدب بصحْو العلم وينتشي العلمُ بسُكْر الأدب..وهو ما ينسحب أيضا على نزعة المفاضلة بينهما وخلْق حالة من الشقاق حيث لا شقاق ولا يحزنون.

 

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب

 

محمد عبد الكريم يوسفكان اكتشاف النار وكروية الأرض والطيران والجاذبية محطات أساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية  وتقدم البشرية ونقطة تحول في رفاهية الإنسان، ورغم ذلك فقد تعرضت أفكار العلماء الأوائل الذين قدموا المعارف الجديدة للنقد والتشوية وتعرضوا لما لم يتعرض له إنسان آخر من صنوف التعذيب والعزل والرفض الناجم عن الجهل بأفكارهم، وهوما نسميه اليوم في علوم الإدارة "مقاومة التغيير".

تنجم "لعنة المعرفة" عن "التحيز المعرفي" وجهل الناس في فهم الأفكار التي يطرحها الأخرون من معارف جديدة . وقد تنشأ لعنة المعرفة نتيجة خلاف في المصالح الاقتصادية بين الأفكار الجديدة والقديمة وعدم قبول أصحاب المصالح الأقدم أي تغيير يهدد مصالحهم وبالتالي يرفضونها ويعتبرونها خروجا صارخا على الناموس الكوني المعمول به منذ بدء الخليقة وحتى لحظة ظهور الأفكار الجديدة . وهذا يعني أن الأشخاص الذين يتفوقون على الأخرين بالمعرفة يعانون الكثير ويكافحون لإثبات صحة أفكارهم ونظرياتهم فتحل بهم " لعنة المعرفة " .

قد تعيق " لعنة المعرفة " الناس بطرق مختلفة، وقد يصبح التواصل أكثر صعوبة، ويصير التنبؤ بسلوك الآخرين في غاية الصعوبة . ويرتبط هذا التحيز بمجال التعليم  حيث يكافح الخبراء في مجال معين لتعليم المبتدئين الذين يجدون صعوبة في تفسير حقيقة أن ليس كل شخص لديه نفس المستوى من الخبرة بما يفعلونه.

قد يساعد فهم " لعنة المعرفة " على أن يصبح المرء أفضل في التنبؤ بسلوك الآخرين والتواصل معهم وتعليمهم ومناقشتهم في القضايا الخلافية  . سنحاول في هذا المقال أن نسلط الضوء على " لعنة المعرفة " ومجالاتها وتأثيرها المجتمعي.

نماذج من لعنة المعرفة :

يمكن أن تؤثر  لعنة المعرفة على الناس في مختلف المجالات الحياتية والمهنية  منها:

- يمكن أن تجعل "لعنة المعرفة" من الصعب على الخبراء تعليم المبتدئين: نظرًا لأن الخبراء الذي يقومون بتدريس المادة أكثر دراية فيها من طلابهم، فإنهم غالبًا ما يكافحون لتدريس المواد بطريقة يمكن لطلابهم فهمها ويقومون بتبسيطها وشرحها بطرق مختلفة وأحيانا يفشلون في تبسيط المصطلحات لطلابهم فتحل بهم " لعنة المعرفة" ويصنفون بأنهم لا يستطيعون التواصل مع الغير . على سبيل المثال، قد يجد أستاذ الرياضيات صعوبة في تدريس طلاب السنة الأولى، لأنه من الصعب على الأستاذ أن يفسر حقيقة أن لديه مستوى مختلفًا من المعرفة الخلفية عن هؤلاء الطلاب. وقد يجد الأستاذ المحاضر في قسم اللغة الإنكليزية  أنه لعمل شاق أن يشرح لطلابه الفلسفة والمسرح والنثر إذا لم يكن الطلاب يتقنون فنون اللغة والتراكيب والتعبير والإنشاء.

- يمكن أن تجعل "لعنة المعرفة" من الصعب على الناس التواصل مع بعضهم البعض. إن تواصل الأشخاص مع بعضهم يعتمد على المعرفة التي يشاركونها، وقد يكون من الصعب على الأشخاص الذين يعرفون أشياء مختلفة مناقشة نفس الموضوع، حتى عندما لا تتضمن هذه المناقشة التعليم المباشر. على سبيل المثال، قد يكون من الصعب على عالم أن يناقش عمله مع أشخاص عاديين، لأن العالم قد يجاهد لتذكر أن الآخرين ليسوا على دراية بالمصطلحات في مجاله العلمي. وهنا يبرز السؤال الهام عن الفرق بين التعليم المباشر والتعليم غير المباشر في أكثر من مكان من هذا العالم . فالطالب الذي يخضع للتعليم المباشر أكثر قدرة على النجاح في الحياة المهنية من الطالب الذي يخضع للتعليم غير المباشر .

- يمكن أن تجعل "لعنة المعرفة" من الصعب على الناس التنبؤ بسلوك الآخرين. غالبًا ما يكافح الأشخاص ذوو المعرفة للتنبؤ بكيفية تصرف الأشخاص الأقل دراية منهم، لأنهم يكافحون لتجنب أخذ المعلومات التي لديهم في الاعتبار عند تخيل عملية تفكير الشخص الآخر. على سبيل المثال، قد يفاجأ الملاكم المحترف ببعض الحركات التي يقوم بها الملاكم المبتدئ، إذ قد يقوم المبتدئ بحركات "خاطئة" من منظور تقني، والتي لن يستخدمها معظم الأشخاص الذين يعمل معهم الملاكم المحترف.

- يمكن أن تجعل "لعنة المعرفة" الحياة مستحيلة على العالم في مجتمع جاهل، وهذا ما حدث مع كوبرنيكوس وغاليلو وسقراط حيث دفع هؤلاء حياتهم لقاء معرفتهم التي تفوق قدرة الاستيعاب المجتمعية لديهم . 

دراسة التنصت:

من أشهر الأمثلة على "لعنة المعرفة" دراسة  نُشرت في أطروحة الدكتوراه عام 1990 لطالبة الدراسات العليا بجامعة ستانفورد إليزابيث لويز نيوتن تحت عنوان "دراسة التنصت" . في هذه الدراسة، تم اختيار المشاركين بشكل عشوائي ليكونوا إما  عازفا أو مستمعًا. يعزف كل عازف بأصبعه على ثلاث نغمات (تم اختيارها من قائمة تضم 25 أغنية مشهورة)، ثم طُلب منه تقدير احتمالية أن يتمكن المستمع من تحديد الأغنية التي نقر عليها بنجاح، يتم ذلك فقط بناءً على التنصت على حركة الإصبع.

لقد أظهرت نتائج هذه التجربة بوضوح الدور الذي تلعبه "لعنة المعرفة" في تفكيرنا:

وقدرت الدراسة  أن المستمعين يستطيعون تحديد أنغام تم اكتشافها في حوالي 50٪ من الحالات، مع تقديرات تتراوح متوقعة تتراوح من 10٪ إلى 95٪.

لكن في الواقع، استطاع المستمعون  تحديد النغمة بنجاح بناءً على نقر الإصبع في 2.5٪ فقط من الحالات، وهو أقل بكثير من أكثر التقديرات تشاؤمًا التي يقدمها العازف. وقد انتشرت في نهاية الألفية السابقة ( القرن العشرون) الكثير من البرامج التلفزيونية التي تطبق " دراسة التنصت" فيها .

بشكل عام، توضح "دراسة التنصت" كيف تستطيع "لعنة المعرفة" أن تؤثر على حكم الناس على الأشياء . وعلى وجه التحديد، يظهر أن الأشخاص الذين يعرفون اللحن الذي يتم انتاجه لديهم و التعرف عليه، ويكافحون للتنبؤ بدقة بمنظور الآخرين، الذين ليس لديهم نفس المعرفة التي لديهم.

غالبًا ما تتم الإشارة إلى أطروحة نيوتن لعام 1990 في الأدبيات العلمية على أنها تحمل عنوان "الثقة المفرطة في توصيل النوايا: من ألحان مسموعة وغير مسموعة". ومع ذلك، يبدو أن العنوان الأصلي للأطروحة هو:

The Rocky Road from Actions to Intentions

"الطريق الوعر من الأفعال إلى النوايا"

ويتضح من صفحة العنوان وفي مدخلها على موقع جامعة ستانفورد. يبدو أن هذا التناقض قد حدث نتيجة لكيفية الإشارة إلى الرسالة من قبل مشرف نيوتن، البروفيسور لي روس، في فصل من كتاب عام 1991 نشره حول هذا الموضوع، مما أثر على كيفية الإشارة إليها من قبل الأشخاص الآخرين بمرور الوقت.

 ظهر مصطلح "لعنة المعرفة" لأول مرة في بحث عام 1989  نشره الاقتصاديون كولين كاميرر وجورج لوينشتاين ومارتن ويبر. أراد الباحثون في هذه البحث، تحدي الافتراض الخاطئ السائد بأنه في المواقف التي يوجد فيها عدم تناسق في المعلومات (بمعنى أن بعض الأشخاص لديهم معلومات أكثر من غيرهم)، يستطيع العلماء الأكثر استنارة دائمًا التنبؤ بأحكام أقل من العلماء المطلعين.

وأظهر بحث المجموعة أنه، في الواقع، غالبًا ما يكون العلماء الأكثر استنارة غير قادرين على تجاهل المعلومات الخاصة التي يعرفونها فقط، حتى عندما يكون ذلك في مصلحتهم. وبناءً على ذلك، خلصوا إلى أن زيادة المعلومات ليس دائمًا خيارا أفضل، لأن امتلاك معرفة أكثر من الآخرين قد يعيق أحيانًا قدرة الناس على التنبؤ بسلوك الآخرين.

 لماذا نمر بتجربة "لعنة المعرفة"؟

تحدث "لعنة المعرفة" بسبب الطريقة غير الكاملة التي نعالج بها المعلومات. على وجه التحديد، نظرًا لأننا نقضي معظم الوقت في رؤية الأشياء من منظورنا العلمي الخاص، و نكافح لنتذكر أن منظور الآخرين ومستويات المعرفة لديهم تختلف عن منظورنا المعرفي، بسبب فشلنا في التكيف تمامًا من منظورنا الشخصي. وهذا يفسر بجلاء قدرة الإنسان العادي المعرفة على خداع الإنسان العالم .

يعني هذا أساسًا أنه عندما نعرف جزءًا معينًا من المعلومات، فإننا نكافح لتخيل منظور أولئك الذين لا يعرفون ذلك. وعلى هذا النحو، فإن "لعنة المعرفة" هي نوع من التحيز الأناني، و "تحيز معرفي" يجعل من الصعب على الناس تفسير حقيقة أن أفكار ومعتقدات وآراء الآخرين تختلف عن أفكارهم ومعتقداتهم وآرائهم.

يوجد للعنة المعرفة تأثير مماثل  لفجوة التعاطف، وهو "تحيز معرفي" يجعل من الصعب على الناس تفسير الطريقة التي تؤثر بها الاختلافات في الحالات العقلية على الطريقة التي يتخذون بها قراراتهم مع الآخرين.

 كيف تفسر لعنة المعرفة

على الرغم من أنه من المستحيل عمومًا تجنب لعنة المعرفة تمامًا، إلا أنه من الممكن بالتأكيد التخفيف من تأثيرها إلى حد ما.

سندرس ما يمكن الإنسان القيام به لتقليل تأثير "لعنة المعرفة" عليه، وسنورد  بعض الإرشادات المهمة التي قد تساعد على فهم طريقة أخذ هذا التحيز في الاعتبار.

 أساسيات

من أجل تقليل تأثير "لعنة المعرفة" بنجاح، علينا أولاً أن نعترف أنها موجودة، وأن ندرك حقيقة أن الناس لديهم مستويات مختلفة من المعرفة تختلف عنا.

من المفترض أن تكون قراءة هذه المقالة قد أعطت القارئ بالفعل فهمًا جيدًا لمصطلح "لعنة المعرفة"، ومتى ولماذا من المحتمل أن تواجهها، مما قد يساعد فهم المصطلح على تحديد نوع المواقف التي يجب أن يكون مدركًا لتأثيرها بشكل خاص.

علاوة على ذلك، في بعض الحالات، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتعليم، فإن إحدى أفضل الطرق لتجنب "لعنة المعرفة" هي طلب التعليقات من الأشخاص الذين تتواصل معهم، للتأكد من أنهم يفهمون كل ما تقوله. سيسمح لك ذلك بتقييم الاختلاف في مستويات المعرفة بينك وبين الآخرين، مما قد يساعد على حساب هذا الاختلاف مع الآخرين بدقة .

بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض الطرق الجيدة لمنع العديد من المشكلات المرتبطة بالفجوات في المعرفة منها التأكد من توضيح كل مصطلح ومفهوم تقني تستخدمه أثناء استخدامه، حتى لو بدا ذلك واضحًا لك، في أي وقت تكون فيه غير متأكد تمامًا من أن الغالبية العظمى من الجمهور المستهدف سيكون قادرًا على فهمه.

يمكن أن تساعد هذه الإجراءات في المواقف التي لا يمكنك فيها الاعتماد على الجمهور في تقديم ملاحظات كافية، وهو ما يمكن أن يحدث، على سبيل المثال، في المواقف التي يُحتمل أن لا يعترف فيها الأشخاص بأنهم لم يفهموا شيئًا ما، أو في المواقف التي يكون فيها التواصل هو في المقام الأول من جانب واحد (على سبيل المثال إذا كنت تكتب ورقة بحث).

 تقنيات إزالة الصعوبات:

عندما تدرك أجواء "لعنة المعرفة" وطلب التعليقات من الجمهور، يمكنك أيضًا استخدام العديد من تقنيات إزالة المشكلات للمساعدة في حساب تأثير التحيز المعرفي.

تتشابه العديد من هذه الأساليب مع تلك التي قد تستخدمها عند محاولة تقليل التحيز الأناني، حيث يكون الهدف هو أن تفهم بنجاح وجهة نظر شخص آخر لديه منظور مختلف عنك بسبب الاختلاف في المستوى المعرفي بينك وبينه . وللقيام بذلك، يمكنك، على سبيل المثال، تصور منظور ورؤية الأشخاص الذين تتواصل معهم، أو استخدام لغة الإبعاد الذاتي، وكلاهما يحسن القدرة الشخصية على تقييم منظور و رؤية الآخرين.

و يمكنك أيضًا استخدام العديد من  تقنيات إزالة المنظورات العامة في التعامل مع "لعنة المعرفة". تتضمن هذه الأساليب أشياء عديدة مثل إبطاء عملية التفكير وتحسين بيئة اتخاذ القرار لديك، مما سيمكنك من التفكير بطريقة أوضح وأقل تحيزًا.

 ليست المسألة مسألة خبرة:

من المهم أن تتذكر أن "لعنة المعرفة" لا تتعلق بالضرورة بالصعوبات التي تواجه الخبراء عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المبتدئين، وعلى الرغم من أن هذه طريقة شائعة يتجلى فيها تحيز المعرفة العليا على المعرفة الدنيا. بدلاً من ذلك، فإن "لعنة المعرفة" تتعلق بصعوبة التواصل التي تواجه الناس عندما يعرفون شيئًا لا يعرفه الآخرون.

على هذا النحو، لا تحاول حساب "لعنة المعرفة" فقط في المواقف التي تكون فيها خبيرًا في مجال معين، أو في المواقف التي تكون فيها أكثر دراية من أي شخص آخر. بدلاً من ذلك، تذكر أن هذا التحيز يمكن أن يلعب دورًا في أي موقف يعرف فيه شخص ما شيئًا لا يعرفه الآخرون، ثم يفسرون الأشياء وفقًا لذلك.

توقع سلوك الآخرين

وحيث أن معظم الناس لا يدركون "لعنة المعرفة" وأبعادها،  وبالتالي لا يعرفون كيف يفسرونها، فإن فهم كيفية تأثير "التحيز المعرفي" على تفكير الناس يمكن أن يساعد في التنبؤ بسلوكهم بدقة أكثر.

وعلى وجه التحديد، إذا كنت تعلم أن شخصًا آخر على دراية بمجال معين أكثر من غيره أو لديه بعض المعلومات التي لا يعرفها الآخرون، يمكنك أخذ ذلك في الاعتبار عند التنبؤ بكيفية تصرفه، على افتراض أنه سيفشل في تفسير "لعنة المعرفة" على  أنها محاولة لتقييم سلوك وتفكير الآخرين.

على سبيل المثال، إذا كنت تستضيف حوار حيث يُتوقع من طالب دراسات عليا جديد أن يشرح بحثه لجمهور غير أكاديمي، فإن فهم "لعنة المعرفة" يمكن أن تساعد على التنبؤ بأن طالب الدراسات العليا على الأرجح سوف يلقي خطابًا تقنيا للغاية إلى الجمهور المستهدف. بعد ذلك، يمكن شرح هذه المشكلة للطالب وإخباره بما يمكنه فعله لشرح بحثه باستخدام اللغة التي سيتمكن الجمهور من فهمها.

 ملخص واستنتاجات

- "لعنة المعرفة" هي "التحيز المعرفي" الذي يسبب للناس الفشل في اعتبار حقيقة أن الآخرين لا يعرفون نفس الأشياء التي يقومون بها.

- تعني "لعنة المعرفة" أن الأشخاص الأكثر معرفة من غيرهم في بعض المجالات سيكافحون عمومًا لحساب الاختلاف في المعرفة بينهم وبين الآخرين، وبالتالي سيكافحون للتواصل مع الآخرين أو للتنبؤ بسلوكهم.

- يمكن لمفهوم "لعنة المعرفة"، على سبيل المثال، أن يجعل الأمر أكثر صعوبة على الخبراء في مجال معين لتعليم المبتدئين، كما هو الحال في حالة الأساتذة الذين يكافحون لتعليم الطلاب، حيث يفشل الخبراء في حساب الاختلافات في المعرفة العميقة بينهم وبينهم المبتدئين.

- نحن نختبر "لعنة المعرفة" لأننا نقضي الكثير من الوقت في رؤية الأشياء من منظورنا الخاص، لدرجة أننا نكافح لتذكر أن وجهة نظر الآخرين ومستويات المعرفة تختلف عن وجهة نظرنا ومستويات معرفتنا.

- ولحساب مقدار "لعنة المعرفة"، يجب أن نكون على دراية بتأثيرها، وتجنب الافتراض التلقائي للمعرفة المشتركة، وطلب التعليقات من الآخرين، واستخدام تقنيات إزالة الرؤية العامة التي تسبب إبطاء عملية التفكير.

قد نعاني الكثير من "لعنة المعرفة" في حياتنا ولكن لنأخذ مثالا حيا من العظماء الذين واجهوا الكثير من الصعاب ورغم ذلك تغلبوا عليها بصبرهم وأناتهم واجتهادهم .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

حسام عبد الحسينيوم الثامن من آذار يوم احتجاج للمرأة وليس احتفال كما تروج له الحكومات وإعلامها في العالم، كون جذوره ترجع الى احتجاجات وإضرابات النساء العاملات في أمريكا ضمن قطاع النسيج بداية القرن العشرين مطالبات بتخفيض ساعات العمل ورفع الأجور، حيث قام صاحب أحد المعامل بغلق أبواب المعمل وحرقه وراح ضحيته أكثر من ١٢٩ عاملة، هذه جذوره الاحتجاجية فكيف أن يكون يوماً للاحتفال!؟.

إن تكبيل عقل المرأة وتحويلها الى أداة لتربية الأطفال وسلعة جنسية للمتعة والمزاح أو التشاجر بعنوانها وأعضاء من جسدها بين بعض الذكور أو عرضها في السلع التجارية أو قتلها  وتعنيفها.. من ضمن الصراع الطبقي والربح المالي الذي تعمل عليه القوى الرجعية في العالم والمتصلة بالرأسمالية وعلى مر التاريخ وفرضه بقوانين، ولو دقننا بهذه القوانين لوجدنا إنها من صنع الطبقات المالكة والحاكمة من الرجال وبما يتناسب مع مصالحهم المادية.

لذا كل مطلب للمساواة التامة للمرأة مع الرجل على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية ترفض من قبل هذه الطبقة “الحاكمة” فتبدأ بالقصف الإعلامي بكافة فروعه، لان هذه المساواة تعني ضرب إستغلال الإنسان للإنسان الآخر الذي يسير عليه العالم اليوم. وأن تمكنت المراة بالمساواة في ناحية الإقتصادية فقط ولم تخضع للتميّز داخل العمل يعني تمكنت المراة بالمساواة من الناحية الإجتماعية والسياسية والقانونية وهذا ترتعد منه كل الإنظمة الحاكمة.

بيد تلك الإنظمة لا خيار لديها إلا إنهاء عقل الإنسان بالتجهيل أو قتله، فعلى سبيل المثال لا الحصر تحاول بهذا اليوم إجراء عدة فعاليات زائفة، ففي الصين تعمل النساء بنصف يوم، وفي ايطاليا يتم الإحتفال به بتبادل أزهار “الميموسا”، اما امريكا مجرد إعلان رئاسي للإحتفاء بإنجازات النساء (طبعا اللواتي عملن بما يخدم السلطة). اما جانب العراق أصدرت حكومة البعث قوانين في الثمانينات بتسريح الاف من النساء دون أي ضمان إجتماعي، وفي عام ١٩٩١ أصدر قرار ١١١ لمجلس قيادة الثورة المنحل الذي يجيّز للرجل بموجبه قتل المرأة لمجرد الشك! وقد إبتدع يوم ٥ آذار وسماه “يوم المرأة العراقية” لضرب الثامن من الآذار لعلمه بأهمية هذا اليوم الإحتجاجية ولفصل المراة في العراق عن الحركة النسوية العالمية. وبعد ٢٠٠٣ فقد أكتفت السلطة الحاكمة وفروعها بإصدار بيانات لا أكثر لغرض الكسب الإنتخابي  وتوهيم المجتمع، وفي المقابل تعيش المراة في العراق والعالم تحت كل أشكال الظلم السافر وبكل الميادين.

نقول في اليوم العالمي لإحتجاج المرأة: أن الرجل والمرأة يمثلان الطبقة العاملة التي تُضطهد وتُسرق بشكل معلن مثل النساء اللواتي يمارسن العمل المنزلي وتربية الأطفال وإدارة شؤون البيت وثمرة عملهن تسرق من قبل الدولة بإخلاء مسؤوليتها وجهد ووقت دون مقابل نقدي! كما يسرق فائض قيمة العمال في المواقع الإنتاجية.

وعليه لابد أن يرتفع سقف المطالب وبكل الطرق النضالية والإحتجاجية التي تحقق المساواة التامة بين الرجل والمراة في العراق والعالم.

 

حسام عبد الحسين

 

الواقعية في تحليل العلوم الاجتماعية لا تعني نسخَ الأحداث اليومية المُعاشة، ونقلَ الوقائع من حياة الأفراد المادية إلى عالَم الأفكار الذهنية والنظريات المُجرَّدة، وإنَّما تعني تحويل السلوك الاجتماعي فرديًّا وجماعيًّا إلى منظومة معرفية رمزية تشتمل على الهُوية الوجودية والقيم الأخلاقية والطبيعة الزمكانية (الزمانية - المكانية)، ثُمَّ تطبيق هذه المنظومة على أرض الواقع بشكل تدريجي، ليس بسبب ضعف المنظومة، ولكن بسبب عدم قدرة الناس على تحمُّل التغييرات الفكرية المفاجئة والصدمات الاجتماعية العنيفة، وهذا يدل على خطورة حرق المراحل، والقفز مِن طَوْر إلى طَوْر بشكل عبثي وفوضوي . ولا يوجد تغيير اجتماعي بأسلوب الصعق الكهربائي، والتنقُّلِ عبر المراحل غير الناضجة . يجب إنضاج كُل مرحلة اجتماعية قبل الانتقال إلى مرحلة أُخرى، وهذا يستلزم أن يكون الفكر الاجتماعي (غذاء الواقع) ناضجًا، حتى يستفيد جِسمُ المجتمع مِنه، تمامًا كالطعام (غذاء الجسد)، يجب أن يكون ناضجًا حتى يستفيد جسمُ الإنسان مِنه .

2

استعجالُ الإنسان في تحقيق أهدافه وقطفِ ثمار التنمية، يُشكِّل خطرًا حقيقيًّا على أهدافه، وتهديدًا مُباشرًا للتنمية . والنهضة الاجتماعية تُشبه عملية الطبخ على نار هادئة، تتطلَّب التحلِّي بالصبر والانتظار، والحفاظ على التوازن بين العناصر والمُكوِّنات . والتخطيطُ للأحداث أهم مِن سَيْر الأحداث، وهذا يعني أن الإنسان قادر على تجاوز نقاط ضعفه وضعف إمكانياته، إذا امتلكَ الإرادةَ الصُّلبة، والرؤية الثاقبة، والقدرة على التخطيط، والمعنويات المرتفعة، وهذا يُفَسِّر سبب نهضة دُوَل فقيرة، وانهيار دُوَل غنية، كما يُفَسِّر نجاحَ بعض الأفراد الذين لا يَملِكون مواهب، وذهابَ بعض أصحاب المواهب إلى النسيان، لأن العِبرة لَيست في امتلاك الموهبة، وإنما في تسويق الموهبة، والخُروج مِن الزِّحام، وتكوين صوت شخصي مُؤثِّر بعيدًا عن ضجيج الأصوات. والمشكلةُ المنتشرة في المجتمعات أن الأفراد ينتظرون تكوينَ ثروات حتى يبدؤوا في إنشاء مشاريعهم الشخصية، وهذا الانتظارُ هو سبب عُزلة الفرد، وعَجْزه عن تغيير واقعه المُعاش . يجب على الأفراد أن يَصعدوا السُّلَّمَ دَرَجَةً دَرَجَةً، وأن يقوموا بإنشاء المشاريع بما يتوفَّر لَدَيهم مِن إمكانيات وموارد، بلا تأخير ولا انتظار، لأن قطار الحضارة لا يتأخَّر عن موعده، والعُمر لا ينتظر أحدًا . وعذابُ الانتظار أكثر صعوبة من عذاب الاقتحام، وخَير وسيلة للدفاع الهجوم .

3

التدبيرُ نِصف المعيشة، وإدارةُ الموارد أهم من الموارد . وهذه الحقيقةُ ينبغي توظيفها في فلسفة المجتمع التي يظهر تأثيرُها في سُلوك الفرد وطُموحاته . وعلى الفرد أن يُدرِك أن النهضة لَيست كثرة الإمكانيات، وإنما طريقة توظيف الإمكانيات لخدمة الصالح العام، وأن المجتمع الكامل ليس الخالي من الأخطاء والعُيوب، والمعصوم من الفشل، والمُنَزَّه عن الهزيمة، إن المجتمع الكامل هو الذي يعترف بأخطائه وعُيوبه، ويقوم بتصحيحها، ويُحاول سَد الثغرات، بعيدًا عن المُكَابَرَة والتحايل والتبرير، ويَجعل فَشَلَه مرحلةً من مراحل النجاح، وذلك بالتعلُّم من أخطاء التجارب لمنع تَكرارها، ويَعتبر هزيمته حادثًا عَرَضِيًّا، ولحظة زمنية للتحضير للنصر القادم والنهضة الشاملة. والسَّعْيُ إلى الكمالِ كمالٌ. ومهما كانت الإمكانيات شحيحة، والثروات ضئيلة، والتحديات جسيمة، فينبغي ألا تُشكِّل عائقًا أمام مسيرة التنمية، فالقُوَّة الحقيقية هي الرصيد في قلوب الناس، وليس الرصيد في البنك، فهو مُجرَّد رَقْم . والاستثمارُ الفَعَّال هو صناعة الإبداع المعرفي، وتحويل الفرد مِن رَقْم هامشي إلى كيان إنساني وصانع للأمل المشرق، وهذا لا يتأتى إلا بتطوير أداء الفرد، ووضع الثقة فيه كَي ينهض بالمجتمع، ويَقُوده إلى آفاق تنموية جديدة . ومَهما عانى الفردُ من قِلَّة الحِيلة، وضِيق ذات اليد، والانكسارات والخَيبات، فعليه أن يتذكَّر السُّلحفاةَ، فهي كائن ضعيف وبطيء، ومعَ هذا لا تَندُب حَظَّها، ولا تَلُوم القَدَرَ، ولا تُقَارن نَفْسَها مع الحيوانات السريعة ذات القُوَّة والقُدرة . إنَّ السُّلحفاةَ تعرف إمكانياتها الضئيلة، وتتصرَّف وَفْقَها، وهي تسير في طريقها بلا كَسَل ولا مَلَل. ومُواصلةُ السَّيْر وعدم الاستسلام للظروف، مِن أهم الإنجازات وأكبر النجاحات . ومَن أمسكَ طَرَفَ الخَيْط، فقد نَجَحَ في نِصف الامتحان، ومَن وَضَعَ رِجْلَه على الطريق الصحيح، فقد اجتازَ الصَّعْبَ، وبَقِيَ السَّهْلُ . ومَن مَشى في النَّفَق المُظلِم ولم يتوقَّف، اقتربَ مِن رؤية الضَّوْء في آخِر النَّفَق . ومَن أدمنَ قَرْعَ باب المُستقبل، أوشكَ أن يُفْتَح . وقد قِيل: ليس الطريقُ لِمَن سَبَق، إنما الطريقُ لِمَن صَدَق .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

"لن يستطيع الابتزاز العاطفي ان يضرب جذوره بالارض مالم نمد له يد العون".. سوزان فورورد

يعرف الابتزاز العاطفي على انه نوع من انواع العنف العاطفي وهو احد الاشكال الفعالة للتلاعب والذي يمتهن التهديد فيه اشخاص مقربون، وعادة مايكون بين طرفين (اباء وابناء، ازواج وزوجات، اشقاء، اصدقاء).

ولابد ان يكون هناك طرفان الاول مبتز ويمتاز بالنرجسية وحب الذات الى ابعد الحدود وقد يصاحب ذلك نوعا من السادية التي تسهل عملية الابتزاز، في حين يمتازالطرف الثاني (الضحية) بالعاطفة والطيبة المفرطة مع سهولة الشعوربالذنب، وهذا مرض نفسي اخر!، لان استفحال المبتز بسبب ضعف الضحية وتنازلها المستمر تلبية لهذه العاطفة المرضية التي ادت الى شعورها الدائم بالذنب بسبب اودون سبب، وذلك يرجع الى التربية الخاطئة التي تربت عليها الضحية بطفولتها بسبب اشعارها الدائم بالذنب وتحميلها عواقب الامور من قبل الاهل مما ادى الى تفاقم الحالة واعتبارها سلوكا اعتياديا اعتادت عليه هذه الشخصية مع علمها انها حالة مرضية!

واذا وقعت الضحية بهذا الشرك فانه يصبح من السهل السيطرة عليها والتحكم بها باي اسلوب سواء اكان ذلك بالترغيب او بالترهيب!

ومن البديهي في اي حالة من حالات الابتزاز فان المبتز يمتلك سلاحا معينا يبتز به ضحيته، وفي حالة الابتزاز العاطفي فان المبتز يمتلك معلوماته الدقيقة التي جمعها عن ضحيته نتيجة قربه منه وصلة قرابته التي زودته بنقاط الضعف التي ستكون المفتاح السحري للدخول!

هل انت ممن يعانون من عاطفة مفرطة؟

هل ورثت هذه العاطفة التي تسميها انت عاطفة في حين انها مرضا نفسيا يستحق العلاج؟

هل عانيت من فرط الاهتمام من قبل الوالدين اواحدهما فانعكس عليك سلبا؟

هل عانيت من فرط الاهمال الذي ترك عندك شعورا بالنقص؟

كم مرة تعرضت فيها للابتزاز العاطفي في طفولتك؟

كم مرة ارغمت على التخلي عن مقتنياتك الثمينة في طفولتك او مراهقتك مقابل عدم افشاء اسرارك؟

كم مرة استولى فيها صديقك على مصروفك اليومي لسبب اولاخر؟

هل كافأت ابنك على طعامه فان اكل كافأته وان شرب وان نام وان درس ووووو، حتى اضطررت ان تدفع له مقابل كل فعل يومي!

كم مرة تعرضت للمقايضة داخل الاسرة اما ..او!

كم مرة استسلمت واذعنت للتخلى عن رايك مقابل ضغط ما او لارضاء من تحب؟

هل مسخت دورك كإنسان لارضاء الاخرمهما كان هذا الاخر؟

هل يحق لاي مخلوق ان يصادر حياتك بكل وقاحة؟

ان الاساليب والوسائل التي يلجأاليها المبتز تبرر غايته بالابتزاز لكي يستطيع ان يحصل على مايريد، ومن الجدير بالذكر ان المبتز الذي غالبا مايكون فردا من افراد العائلة لابد ان يكون مريضا نفسيا بامتياز، وهذا المرض او بالاحرى الانحراف السلوكي هو الذي يعطيه ديمومته، لان المبتز لايكتفي ولن يكتفي بصفقة او اثنتين حصل عليهما بالتحايل على والديه ان كان ابنا اوزوجا او زوجة او اخا اوصديقا مادام هذا الباب اصبح كمغارة علي بابا يحصل منه على مايريد بدون تعب!

وعلى مر السنين لابد اننا تعرضنا لشتى انواع الابتزاز العاطفي منها العاطفي (استثارة العواطف) وهو الاسلوب المتبع لانتزاع مايمكن انتزاعه بالضغط النفسي على الضحية، والمبتز هنا يستغل كل مايمكن استغلاله حتى حب و تعلق الاخرين به، فالزوج يهدد زوجته بانه سيتركها اذا لم تفعل مايريد كترك العمل مثلا وبانه سيحرمها من اطفالها، والزوجة كذلك ستفعل نفس الشئ وتترك البيت ان لم ينفذ مطالبها، والابن سيقطع علاقته بوالديه ان لم يشتروا له مايريد ومايريد قد يكون اكثر من قوة استيعابهم بكثير فهو الان بات يهدد بالانتحار لكي يشعرهم بالذنب، فهم في هذه الحالة مرغمين على التنفيذ .

ومنها المادي عن طريق الاستيلاء المباشرباستخدام الوقاحة والضغط للاستحواذ واغتصاب الاشياء.

ان المبتز انسان معاقِب ويتخذ العقاب بشتى انواعه سلاحا له كما ويلجأ الى عدة اساليب تمكنه من احكام سيطرته على الضحية نذكرمنها على سبيل المثال:

العقاب الذاتي:وهو التهديد بالحاق الاذى بنفسه كأن يقوم بالتهديد بقطع شرايينه وقد يقطعها فعلا اذا مااظطر لذلك خصوصا اذاكان شخصا ساديا وماسوشيا في ذات الوقت تتساوى عنده السلوكيات المنحرفة المتضادة، وقد يقوم بجرح نفسه امام ناظري والديه لاشعارهم بالذنب والالم، وقد يصل الامر الى الانتحار وهذا يحدث كثيرا ونسمع به، كذلك ينطبق الحال بالنسبة للمتزوجين، او الاخوة.

- عقاب الاخرين والاخرين هنا هم المقربون اوالاهل الذين اتخذهم مادته الدسمة للاستيلاء والابتزازكافرا بكل القيم، فهو يبدأ باسهل الطرق وهي "المسكنة" فان ادت الغرض كان بها والا فيبدأالتهديد العلني بالحاق الاذى اما بمقتنيات الاهل كالبيت والسيارة اوارهاب الاسرة بتحطيم الاشياء، وهذا يحدث كثيرا والاغرب ان الابن يهدد بايذاء اخيه في حال لم ينفذ الاهل مطالبه وقد يتبع الاخ الاخر نفس النهج مع والديه ليبلغ الابتزاز ذروته، والاهل مضطرين لتلبية مطالب الابن او الابناء العاقين المبتزين الجاحدين لكل عاطفة، خاضعين مبررين ذلك بحبهم لابناءهم الذين يستغلونهم ابشع استغلال، اين حب الابناء اذن لابويهم! او استغلال الزوج لزوجته وابتزازها ليحصل على مايريد منتهجا نفس الاسلوب المرضي، والعكس صحيح.

- التلاعب بمشاعر الاخرين واصطياد الاخطاء مهما كانت صغيرة لجعلها شماعة جيدة لتبرير الابتزاز والثأر للذات المريضة، كأن يتذكر المبتز ذكريات بعيدة المته يوما ولازال واقعا تحت تاثيرها.

- لايترك لك الوقت للتفكير فهو يلزمك بالاستجابة والا! لكي يشوش تفكيرك ويسد عليك الطريق فتضطر للرضوخ.

- اللوم وهو من اسوء الاساليب التي يتبعها المبتز لما لها من تاثير سلبي يؤدي الى ارهاق النفس والشعور بالذنب من خلال تحميل الضحية اعباء فشل كل شئ الذي يؤدي بدوره الى ضعف الثقة بالنفس بل انعدامها وجعلها سهلة الانقياد.

- المبالغة وتهويل الامور البسيطة التي يقوم بها لجعلها ذات قيمة، والمبالغة في العقاب عن الاخطاء البسيطة حتى وان كان لايملك ذلك الحق.

- استخدام الصوت العالي والالفاظ النابية لارهاب الضحية واضطرارها للخنوع.

- الشكوى الدائمة واختراع الاكاذيب حول ذلك وتاليف الحكايا وادعاء الفقر والمرض والبؤس وعدم الاهتمام بالهندام والمظهر لاستثارة المشاعر.

- التجاهل والصمت اسلوب اخر وسلاح عقابي بامتياز بحيث يلجأ المبتز الى تجاهل الضحية وعدم الرد على مكالماته ان كان بعيدا او قريبا لاشعاره بالذنب تجاه المبتز والبحث عن طريقة لارضاءه.

- المبتز يجعلك في دائرة مفرغة "دوامة"فلاشغل لك ولاحياة سوى ارضاءه وتلبية مطاليبه، ومهما فعلت ومهما قدمت فانت مقصر بنظره ولاتاخذ غير الجحود.

وكل مبتز له طريقته واسلوبه با لمقايضة والضغط والتهديد، وان له القدرة على استخدام اي شئ مهما كانت قدسيته او قربه منه للحصول على مايريد!

ولان الموضوع موضوع قرابة فالتعامل معه يكون صعبا للغاية، ويفسره المبتز على انه خوف وهذا يشعره بالرضا والتقدير للذات المريضة، بالوقت الذي يعتبره الضحية التماس عذر لحدث معين وعاطفة زائدة، لان الاستجابة المتكررة للمبتز الذي بدأ يتفنن بالاحتيال وأخذ المزيد والمزيد ضاربا كل شئ عرض الحائط فلا عاطفة تمسكه ولادين يحده ولامبدأ يردعه!

تبدأالمرحلة الاولى من الابتزاز بصورة حميمية وخفيفة يلجأ اليها المبتز باساليب ملتوية كالمسكنة او التمارض او ادعاء الفقر والغرض من ذلك كله استثارة العواطف لايصال الضحية الى الشعور بالذنب وما ان يصل الضحية الى هذه المرحلة حتى يحكم سيطرته عليها و تبدأ السلسلة التي لها اول وليس لها اخر خصوصا اذاكان الضحية انسان عاطفي يمتاز بالطيبة المفرطة وتنطلي عليه هذه الاساليب الخبيثة.

وللوقوف بوجه الابتزاز العاطفي ومواجهته علينا القيام بمايلي:

- اولا يجب ان يعرف الضحية ويدرك جيدا انه رهن عملية ابتزاز مادية كانت ام معنوية، وعليه ان يتوقف ويضع حدا بان يقول لا.

- وضع الحدود بل الخطوط الحمراء وعدم السماح بتجاوزها، فلكل انسان الحرية في ممارسة حياته الخاصة دون ضغط من احد مادام انه يعيش بما يرضي الله .

- العاطفة المفرطة مرضا وليس عاطفة وعلى الانسان ان يتعالج من العاطفة المرضية التي تسبب له الاحراج والاذى في الحياة.

- التربية الصحيحة للاطفال وعدم اخضاعهم للابتزاز من خلال مقايضة سلوكهم بالحب المشروط فذلك يؤدي حتما الى تنامي هذا الشعور عند الطفل واستجابته فيما بعد لقوانين الابتزاز العاطفي!

- المبتز قبل كل شئ انسان وخصوصا اذاكان قريبا فنصحه وارشاده ومحاولة ارجاعه الى جادة الطريق بهدايته الى الصراط القويم ولو ان الامر في غاية الصعوبة لكنه ليس مستحيلا لان راس الحكمة مخافة الله.

- اذا لم تنجح كل الاساليب لردع المبتز فالابتعاد عنه في هذه الحالة فضيلة.

وعليك ان تعلم انه في يوم من حياتك سيضطرك ضغط الابتزاز العاطفي الى التخلي عن كل مامن شأنه ان يجعلك ضعيفا خائفا طائعا، تعطي بلا حدود وبلا مقابل، وانك دائما في دائرة اللوم والتوبيخ دائم التبرير، دائم الاستعطاف، انت وماتملك من مشاعر واحاسيس مستغل من قبل اناس المفروض انهم اقرب الناس اليك، لكنك للاسف اصبحت صفقة وفريسة لمطامعهم ماديا ومعنويا، وقد حان الوقت لتقول توقفوا انا لي وحدي، ومن احبني فليحبني كما انا بدون ان يقايضني على شئ، ولن يفرض عليّ احد اي امر لااقبله ولا ادين لاي احد الا لله وبما يرضى به وعليك ان تتوقف عن جلد نفسك لارضاء الاخرين لان ارضاءهم غاية مستحيلة.

 

مريم لطفي

 

عبد الجبار العبيديمن الجامعات خرج التقدم.. وظهر الفكرغير المقيد.. وحل العقل المتطلع والمتعطش الى المعرفة على اساس من البحث العلمي والتجربة التي هي اساس كل كشف جديد.. وعلى اساس من التفكير العلمي تحسن النظام الاجتماعي الذي قام على اسس العلم الطبيعي حين اعتبره العلماء هو قاعدة العلوم .

من هنا ظهرت النظرية القائمة على التجربة العلمية التي تقول: ان كل معرفة لا تقوم على تجربة علمية فعلية لا قيمة لها في ميدان التقدم العلمي المعروف.. وبذلك ألغيت التكهنات الغيبية لدراسة العلوم التي اعتمدها رجال الكنيسة في العصور الوسطى الاوربية.. حتى ظهرت فكرة تصنيف العلوم القائم على فكرة تحليل المواهب الذهنية والفوائد التي يجنيها الانسان من علوم الطبيعة القائم على التجربة والبرهان وليس الحدس والتخمين .ونتيجة لذلك ان تغيرت كل التفاصيل.. فكيف نحن اليوم وقد أستبدل التعليم الرسمي الرصين بالتعليم الأهلي بلا قيود..

يهدف المشروع الى أنشاء موسوعة علمية تكون بمثابة قاموس علمي جديد قائم على ترتيب عقلي للعلوم والاداب والحرف وعلى أساس الفكر غير المقيد بالأفكار الميثيولوجية، وتحديد لفظة العلم في المنهج الدراسي الجديد تحديدا منطقياً يعتمد على التجربة والبرهان، وعلى رأس كل فرع من هذه الفروع مجموعة من الاكاديميين المتخصصين الذي يؤمنون بالفكر والحرية والتقدم، وليس في رؤوسهم الماضي القديم، شرط ان لا تتدخل العناصر الحكومية المتزمتة دينياً في تكوينه لحين الانتهاء منه ثم مناقشته بالطريقة العلمية المعتمدة.. في ترتيب العلوم .

اذا ما اتيحت لهذه المجموعة العلمية ان تعمل بحرية تامة، اعتقد ستأتي بشيء جديد في كل فرع من فروع العلوم والاداب والحرف . وتقتصر اهمية هذه الموسوعة على تغيير المفاهيم المتوارثة في اكثرمن ميدان من ميادين المعرفة العلمية.لان المشرفين على تحريرها وكل الذين سيكتبون موادها يجب ان يكونوا من المتفائلين في صنع رؤية جديدة لمستقبل الانسان العراقي قائمة على العقل والعلم والحرية. لذا يجب ان تكون المؤسسات الدينية القائمة على التكهنات الغيبية بعيدة عنه، لان الاقلام التي ستساهم في كتابته تقوم على الفكر الحرالواعي للحركة العلمية المجردة من التأثيرات الميثيولوجية الغيبية والفكر الارسطوطاليسي الذي يعتمد المنطق الفلسفي المطلق في الوصول الى حقائق الاشياء - نظرية قديمة انتهى زمانها-.. حتى لا يقال ان من ساهم بكتابتها هم من الملحدين او اللادينيين او المتطرفين في النظرة العلمية.

ان الوعي العلمي الصادر من الجامعات ومناهجها المتحررة من الميثيولوجيا هي التي كونت فكرة التقدم ودواعيه تمهيدا لربطه بحياة المجتمع، لان التمسك بمشاريع موروثة وان كانت بطريقة قانونية واجتماعية تعيق المجتمع من التقدم والوقوف بوجه الطامحين نحو الحقوق، والقوانين التي تخدم طبقة معينة دون غيرها من طبقات المجتمع هنا اعاقة التقدم.. وعلى مؤسسات الحقوق الجامعية ان تطرح قوانين عادلة وتطبيقها على ايدي أساتذة يملكون حرية النظر في القضايا المهمة واصدار الحكم عليها.

من هنا لابد من زوال امتيازات الطبقة المتعارضة للتقدم العلمي التي منحت لنفسها قوة القانون حتى تصورت انها اصبحت فوق القانون كما في بعض الجامعات الاهلية التي تأسست على غير هدى من القانون والعلم التجريبي.. وبالتالي يتكون لنا رأي عام يستطيع ان يرد السلطة عن هواها لتأمين حقوق الناس.. وعلى هذا الاساس من الوعي الخلقي تنشأ القوانين الجديدة.. وبمرور الزمن يبدأ الفكروالتفكير الواعي بالتحسن والتقدم حتى يصبح عقيدة.

بلا شك سوف يُراعى في النظرية الجديدة العقل المؤمن بالله والقائم على التفسير العلمي للنص الديني دون دخل لنظريات فقهاء القرون الهجرية الأولى المتزمتة فيها من اصحاب المذاهب الدينية المخترعة.. الذين فسروا النص الديني تفسيرا خاطئا وفق نظرية الترادف اللغوي القائم على ادراك المشخص ولم تكن فيها التسميات الحسية قد استكملت بعد تركيزها في تجريدات.لذا سيكون ايمان اصحاب النظرية الجديدة بالمخلوق سبيلا الى ايمانهم بالخالق، وبذلك يكون المحور الاساس في كتابته صادرا من العقل لا من القلب اي بعيدا عن العاطفة الدينية.. وهذا تفسير حديث في الفكر له قدره واهميته.

نحن نعتقد اذا ما نفذت مثل هذه التوجهات في الموسوعة العلمية الجديدة سوف نحرك عجلة التاريخ العراقي نحو الطريق السليم بعد هذا التعثر والركود الذي اصاب الحركة العلمية والمنهج المدرسي في التعليم.. نتيجة ممارسات الأنظمة الفردية والدينية المتزمتة خطأ نظرية ترتيب العلوم والمناهج الدراسية التي حولوها الى روزخونيات ملائية جامدة وأرفقوا معها نظريات الوهم.. حين أكثروا من مناهج الدين الولائية الوهمية. ليقوم المنهج الدراسي على قاعدتين هما: الفكر العلمي.. واستقرار فكرة التقدم في الأذهان.. ان هذه الموسوعة يجب ان تبنى على:

- في مجال الحقوق العامة، تبنى الدراسة على تحديد سلطات الدولة عن حقوق الناس، وبهذا لم يعد يحكم في الدولة الا الدستور والقانون لتحديد شكل الحقوق المدنية لعامة الناس.. بعدها سنرى كيف ان المجتمع المبتلى بالوهميات الدينية والخارجين على القانون يتغير نحوالتغيير الشامل للحياة المجتمعية المتجردة من العقليات الانانية والمتمسكة زورا بالأحساب والأنساب والمذاهب الأحادية الجامدة والانصراف الى مصالحها الخاصة لتدوم معها السلطة دون الاخرين .

- نريد من المشروع ان تعتمده الجامعات منهجا متقدما يهدف الى جملةحقائق منها:

- أظهارفكرة التقدم وترسيخها في الأذان بأعتبارها حقيقة ثابتة تمهد

لحركة التطور الاجتماعي.. وضع القوانين التي تخدم اطلاق الحرية الكاملة لحركة الاقتصاد والتجارة الداخلية اولاً سواءً في الزراعة او الصناعة أو انشاء البنوك او الشركات الكبرى الربحية دون تدخل معين في التوجه والتوجيه. وبذلك يكسب الاثنان هنا حرية الحركة والعمل والقول دون معارضة حكومية مقصودة .لنبتعد عن الاساطير التي تقول:

ان دوافع التقدم هي في اراء الفقهاء واصحاب النص الديني الذين لا يؤمنون بالصيرورة التاريخية في التغيير. أفكار عقيمة جرداء لا يمكن ان ينبت فيها شيئاً. والتي ثبت بأنتهائها في العصور الوسطى تحولت اوربا الى النهضة الاوربية والتقدم العلمي الشامل.

 

- النظر في تكوين القوانين التي تعيد بناء النظام السياسي المقيد بسلطات الشعب وهو الدستور الذي يتوائم وروح العصر بعيدا عن الطائفية والعنصرية والفرز الديني الغير مرتبط بالشريعة .كما في المادة "2" أولاً من الدستور العراقي التي تنص على:"ان الاسلام دين الدولة الرسمي وهومصدر اساس التشريع ولا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادىء احكام الاسلام.هنا المشكلة.. المشكلة لا يمكن ان تتقدم دولة ضمن هذا الفرض الديني المقيد لحركة التطور. .وخاصة حين يعتمد التفسير النصي المذهبي الجامد القديم.

- هذه العملية ستجعل من عامة الناس ايمانهم بالقانون، ايماناً تلقائياً دون معارضة، واحترام الدستور طواعية، وبذلك سوف يسود الامن على النفس والمال وضمان حرية القول والفكر د ون تدخل.. لا ان يقتل العلماء والمفكرين دون تحقيق قانوني .وبذلك ننهي عسكرة المجتمع لصالح النفعيين الجهلة الذين لا يؤمنون بحركة التاريخ المتطورة.. ونقتصد في الأموال المهدورة لهم بدون وجه حق لصالح الرفاهية والانجاز المجتمعي.

- هنا تصبح نهضة الفكر العلمي هي القوة التي تحرك الناس نحو الامام بعد الغاء حركة التاريخ المغلقة المرتبطة بالتراث التقليدي المتمثل بغياب الوعي المجتمعي، وبعد ان تعكف المجموعة الى دراسة تجارب الامم والاخرين ماخوذة من التاريخ والحضارة.من هنا سيهدف المشروع العلمي الكبير الى انشاء فكر جديد واسع المدى ينحصر في نتائج محددة هي:

1- ان كل شيء في هذا الكون قائم على قوانين محددة لاتخضع للحدس والتخمين والوهم والتقليد.. بل للتطور والتغيير حتى تصبح النظريات الغيبية ليس لها فيه من نصيب.

2- استخدام النظرية الجدلية والشك في القوانين المتعارف عليها دون تدخل الا من وجهة نظر علمية بحتة للوصول الى الهدف العلمي المطلوب.. وابعاد نظرية الظن في التنفيذ.

3- وضع الثقفة الكاملة بالنظريات العلمية لنعطى المكانة الاولى لذوي الاختصاص من العلماء والاكاديميين الذين سيشتركون في العملية العلمية الكبرى في التطوير والتنفيذ.. دون النظر الى المعتقد والطائفة والجنس، بذلك يصبح شاغل المركز مؤهلا للنجاح في التنفيذ.

لا يسعنا هنا في هذه العجالة ان نعرض كل الاراء الجديدة التي نريد لها ان تكون واقعا على الارض، لانها في حقيقتها ثورة علمية واسعة سوف تخرجنا من الطريق المسدود الذي به نحن واقعون اليوم.شرط ان تضمن السلطة الوطنية -ان وجدت.. ضمان الامن والسلامة لمبتكريها وعدم التدخل فيما يقترحون الا بما يتعارض مع الدستور والقانون وحقوق الناس في التطبيق، لُتخرج عملا يضع الجامعة في ركب الجامعات المتقدمة..

ومن الله التوفيق.

 

د. عبد الجبار العبيدي

..................

* لكل من لديه وجهة نظر اخرى حق المشاركة فيما يقترح.. والمشروع عام وليس خاصا.. أنه مشروع الجامعة العراقية .

 

 

 

 

استهل كلامي هاهنا انطلاقا من ما ورد في كتابكم المقدس "طوبى للانسان الذي يجد الحكمة وللرجل الذي ينال الفهم" الامثال 3: 13، وأقول لو أن مدمني ومتعاطي المخدرات بأنواعها الصناعية والطبيعية قد خرجوا في تظاهرات حاشدة حول العالم للمطالبة بمنحهم الحق في التعاطي والادمان، فهل أن مثل هذه التظاهرات تبيح لنا تقنين المخدرات وتبريرها بذريعة الحرية الشخصية، أم أن المطلوب هو مكافحتها والتحذير منها ومعاقبة المتورطين بها مع علاجهم نفسيا وجسديا وتثقيفهم اخلاقيا وتربويا حفاظا على المجتمعات من الانحلال، والدول من الانهيار، والشعوب من الانحطاط؟!

ولو أن السحرة والمنجمين والمشعوذين قد خرجوا في تظاهرات ووقفات احتجاجية مماثلة في روما ولندن وباريس وواشنطن للمطالبة بوقف محاربتهم في ارزاقهم والحيلولة من دون التضييق عليهم، فهل هذه بدورها ستبيح لنا تقنين الشعوذة والسحر والتنجيم واباحتها ومنح هويات ممارسة مهنة للمتورطين بها ؟! الجواب قطعا لا، ذاك ان المطلوب شرعا وقانونا وعرفا هو محاربة هذه الظواهر القمئة والحد منها والتضييق عليها قدرالامكان حفاظا على العقول والانفس والاموال والاديان ولأن السحر محرم في جميع الشرائع السماوية ولا استثناء في ذلك ولا تفنين لأن النص صريح بحرمة السحر والعرافة " متى دخلت الارض التي يعطيك الرب الهك لا تتعلم ان تفعل مثل رجس اولئك الامم، لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا من يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقي رقية ولا من يسأل جانا او تابعة ولا من يستشير الموتى لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب" الثتنية 18: 9 - 12 .

وهكذا يتبين لنا وبالقياس على ما سبق مع الفارق طبعا بعدم وجود أي مسوغ أخلاقي ولا عقلي ولا نقلي يبيح لنا مباركة - الشذوذ - بكل انواعه والمسمى تجاوزا بـ المثلية " لأنه يخالف الفطرة الانسانية السليمة والعقول الراجحة والنفوس والطبائع السوية لايختلف في ذلك اثنان ولا يتناطح كبشان، ولاتوجد شريعة سماوية واحدة تبيحه وتباركه البتة، فعلام ننزل عند رغبة الفئة القليلة الاخيرة بذريعة دعم حقوق الانسان والحفاظ على الحرية الشخصية لنبيح علاقاتهم المحرمة وزواجهم بزعم حقهم في تكوين اسرة، فيما لا ننزل عند الفطر السليمة للاكثرية المطلقة وعند الاوامرالالهية والتعاليم السماوية الخالدة، واسأل وماذا عن حقوق النساء اذا اكتفى الرجال بممارسة الجنس مع امثالهم، وماذا عن حقوق النساء اذا كن سيفعلن ذلك ايضا مع بعضهن، ماذا عن حقوق الاطفال الضائعة في هذه الحالة ومعظمهم متبنى او نتاج تلقيح صناعي مستعار من بنوك النطف وبنوك البويضات داخل الانابيب المخبرية أو في الارحام الغريبة المستأجرة - لايعرف احدهم نسبته الى من ولا لماذا - وماذا عن سنة التكاثر وتكوين نواة المجتمع المتمثلة بالاسر والعوائل التي يعرف الابناء فيها اباءهم وامهاتهم واجدادهم وانسابهم حق المعرفة ويحملون اسماءهم متعاطفين متراحمين فيما بينهم لعمارة الارض التي استخلفنا الله تعالى فيها، ابالشذوذ جاءت الشرائع السماوية، الهذا بعث الله تعالى الرسل والانبياء الكرام، ابهذا نزلت الكتب المقدسة؟ مؤكد لا، فعلام نبارك المثلية اذن ولسنا مضطرين لذلك البتة بوجود نصوص قطعية تحرمها وفطر سليمة تستهجنها وأعراف وتقاليد تمجها، ومنها "ولا تضاجع رجلاً مضاجعة امرأة. هذا رجس" اللاويين:22:18 "؟ و" ام لستم تعلمون ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله.لا تضلوا.لا زناة ولا عبدة اوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور" كورنثوس 6: 9، و" اذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا" .اللاويين 20: 12، و" لذلك اسلمهم الله الى اهواء الهوان. لان اناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة وكذلك الذكور ايضا تاركين استعمال الانثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور ونائلين في انفسهم جزاء ضلالهم المحق" رومية 1: 26 - 27 .

* لماذا القمار الورقي والالكتروني والروليت والمراهنات والتاتو واللوتو وغيرها صارت في كل مكان وحي وزقاق من اوربا واميركا تعمل المافيات وعصابات الجريمة المنظمة وتجار السلاح والمخدرات والرقيق الابيض من خلالها على تبييض اموالها القذرة ولايصار الى تحريمه بقوة والعمل على منعه والتضييق عليه بشتى السبل بعد ان دمر مئات الالوف من الاسر والعوائل ومزقها اي ممزق حول العالم، مع ان جميع الشرائع السماوية قد حرمته حرمة قطعية لما فيه من آثام ورذائل واسراف وسفه وحمق لاخفى على عاقل قط، ولعل هذا احد النصوص التي حرمت القمار وحذرت منه " ذو العين الشريرة يعجل إلى الغنى.. ولا يعلم ان الفقر يأتيه" (أمثال 22:28) .

*الخمور اما عن هذه الافة الخطيرة والمدمرة وبحسب منظمة الصحة العالمية فإنها تقتل سنويا أكثر من ثلاثة ملايين شخصا، مؤكدة، ان " حالة واحدة من بين كل 20 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بالخمر" أم الخبائث، وأن هناك 237 مليون رجل و46 مليون امرأة يعانون من اضطرابات ناجمة عن تعاطي الكحول، تتراوح نسبتهم بين 14.8% و3.5% في اوربا، وبين 11.5% و5.1% في الاميركيتين ناهيك على الاف الحوادث المرورية وجرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي والسرقة والقتل والمشاجرات والنزاعات والامراض السايكولوجية والفسيولوجية التي لاتحصى كلها ناجمة عنها وبتأثيرها، فلماذا لانصدر تحريما قطعيا لها عبر بيان صريح وواضح لاسيما وان المسيحية وبخلاف الشائع عنها تحرم السكر بالخمور، وتحرم معاقرة الخمور والاقتراب منها بشهوة وانغماس، وتكره احتساء القليل منها "لا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطئون يرثون ملكوت الله" كورنتوس:10:6، "ولا تسكروا بالخمر الذي فيه خلاعة بل امتلئوا بالروح".أفسس:18:5، وقد حرمت الكنيسة الارثوذكسية على رجال الدين شرب الخمر بناء على ذلك، كذلك صنعت اللوثرية، والمعمدانية، والخمسينية، والمورمونية، والسبتية، والميثودية، فإن قيل بأن قليل من الخمر لايضر فإن جميع الدراسات العلمية فضلا عن تجارب الامم الواقعية تؤكد وبما لالبس فيه بأن كل سكارى العالم وثمليه والمدمنين عليه انما بداوا بكأس صغيرة على سبيل التجربة وكل ممنوع مرغوب لينتهوا بقنينة كاملة منها او اكثر في اليوم والليلة، وتمهد اما الى تشمع الكبد لدى ضحاياها او الى الجلطات القلبية والسكتات الدماغية واما الى مراكز العلاج من الادمان الكحولي التي تكلف المليارات سنويا وترهق موازناتها، أسوة بالسجائر فكل مدخني العالم إنما يبدأون بعقب سيجارة - ضمن خطوات الشيطان الاستدراجية على خطى نظرة فإبتسامة، فموعد، فغرام، ففراش في غرفة حمراء، فخلوة، فحرام، فحمل، فإجهاض، فظلام وظلمة وخصام - لينتهي بهم الحال بعلبة كاملة او اكثر، الم يُمدح ويثني على يحيا بن زكريا لأنه لايقرب الخمر" لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ” لوقا 1 :13-15، فعلام نترك الحبل على الغارب ولا نضع النقاط فوق الحروف في زمن تغرق فيه البشرية كلها من القطب الشمالي الى الجنوبي يشتى انواع الرذائل والموبقات والاثام والمحرمات بما صار وبالا عليها وبما يهدد وجودها على سطح الكوكب من الجذور !

*الزنا والتحلل الجنسي اليوم هو آفة الافات، حتى ان العالم اليوم غارق بطوفان من التهتك والانحلال الجنسي غير المسبوق بشريا بما يؤدي الى ازدياد الأمراض المنقولة عن طريق الاتصال الجنسي بمعدل يصل الى مليون اصابة يوميا بعضها مقاوماً للعقاقير بحسب منظمة الصحة العالمية، مضيفة، ان " الانحلال الجنسي مصدر مهم وخطير لشتى انواع الأمراض العصبية وأمراض القلب والأوعية الدموية والعقم والحمل خارج الرحم وموت الأجنة وزيادة خطر الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة المسبب لمرض الإيدز..حتى ان مرض الزهري لوحده يؤدي الى 200 ألف ولادة أجنة ميتة ووفاة حديثي الولادة في العام الواحد على مستوى العالم" اما عن المواقع الاباحية فهناك عشرات الملايين منها على الشبكة العنكبوتية ناهيك عن ما تبثه الافلام والمسلسلات التلفزيونية اضافة الى ادب وفن الاثارة الرخيص، وحسبي ان اذكر هنا وبحسب احصائية اطلعت عليها، ان " المواقع الإباحية تسببت بزيادة الخيانة الزوجية بنسبة 300٪ حول العالم وان نسبة مشاهدات ما يبثه موقع اباحي واحد، وفي عام واحد 2016 بلغت اكثر من 4 مليارات و500 مليون ساعة مشاهدة وكلها تحرض على السادية، والماسيوشية، والنكروفلية، والبيدوفيلية، والزوفيلية، والبارافيلية، والشذوذ ! فلماذا لايصار الى اصدار مرسوم بابوي حاسم للحد من هذه المواقع والتضييق عليها والتحذير من خطر الاباحية والانحلال والعمل على تشجيع الزواج وتيسيره، اذ ان الاكتفاء بتحذير رجال الكنيسة فقط من مغبة الوقوع في شراك العلاقات المحرمة بعد قضايا وفضائح شتى طالت قسما منهم في ارجاء المعمورة وبما صار مادة دسمة للصحف والفضائيات في السنين الاخيرة، لأن الاكتفاء بتحذير رجال الدين على اختلاف رتبهم من دون عامة الناس بوجود كل هذا التحريض والترويج اليومي على الاباحية والانحلال والطوفان الجنسي إنما يشبه اقتلاع ظاهر الشوك من دون جذوره الضاربة في باطن الارض لتنبت سريعا مرة أخرى، ومن دون عوائق تذكر، وماذا عن تفعيل النصوص الاتية " لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الارض وتمتلئ الارض رذيلة " اللاويين 19: 29، كذلك " لا تقتل.لا تزن.لا تسرق.لا تشهد بالزور" متى 19: 18؟!

* كل المصارف والبنوك والشركات والمؤسسات الاوربية والاميركية فضلا عن البقية وبدرجة اقل في مختلف بقاع العالم تتعامل اليوم بالربا المحرم شرعا وعرفا وعقلا ونقلا فيما لم يصدر تحريم صريح لحرمة هذا الربا والتحذير منه وقد غرقت اوربا واميركا به الى الاذقان كذلك الامم الفقيرة التي اضطرت للاستدانة من البنك الدولي وصندوق - الحقد - الدولي وكل قروضهما قائمة على الربا المحرم بغية التحكم بسياسات تلكم الدول التي تتورط في حبائله وتسقط في شراكه وبمصائر شعوبها ولعقود طويلة مع ان النصوص عندكم تقول "لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة بل إخشى إلهك فيعيش أخوك معك، فضتك لا تعطه بالربا وطعامك لا تعطه بالمرابحة.اللاويين:36:25 و "إن اقترضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي ولا تضع عليه الربا"الخروج: 25:22

ولعل الدعوة الى حرمة الربا والتحذير منه اليوم باتت اشد الحاحا من ذي قبل بعد اضطرار عشرات الدول وبسبب جائحة كورونا (كوفيد - 19 ) وهبوط اسعار النفط وانهيار العملات المحلية وافلاس مئات الشركات واغلاق الاف المصانع وتوقف السياحة وتضرر المصالح، وارتفاع معدلات الضحخم والركود والبطالة الى الاستدانة من المؤسستين المشبوهتين الانفتين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي !

*لقد ابتلي العالم ومن قرون طويلة بالتمييز العنصري على اساس الالوان والاعراق والتمايز الطبقي حيث اغنياء الى حد الفحش يموتون تخمة، مقابل اضعاف اضعاف اضعافهم من الفقراء الذين لايجدون خبزهم كفافهم لا في يومهم ولا في اسبوعهم ولافي شهرهم وربما في عامهم كذلك علاوة على فقدان علاجهم وسكنهم ولباسهم وتعليمهم وتنقلهم الى حد الموت مرضا وجهلا وفقرا وجوعا والاصابة بفقر الدم الشديد وسوء التغذية، كل ذلك لأن ثلة قليلة رأسمالية تحتكر مقدرات العالم وخيراته وثرواته ومعظمها موجودة في "اراضي وبلدان الفقراء الذين يموتون من شدة الجوع انفسهم ولسان حالهم يقول : ايشتكي الفقر غادينا ورائحنا ونحن نمشي على ارض من الذهب ؟!، فلاهم اعطوهم من خيراتهم ما يقيم حياتهم ويبني بلدانهم، ولا هم تركوهم يستثمرونها بأنفسهم في طبقية مقيتة لتظهر بعد ذلك منظمات انسانية اوربية تزعم انها خيرية تتولى عملية إطعام جياع افريقيا المنهوبة ..آسيا المسلوبة ..أميركا الوسطى والجنوبية المسطو عليها، من قبل دول تنتمي اليها تلكم المنظمات وكان حري بها ان توجه خطابها الى حكوماتها وشركاتها الاحتكارية قائلة لهم " كفاكم سرقة لماس ونفط وغاز وعاج وذهب ونحاس ومنغنيز ومطاط وفوسفات وكبريت وووو، افريقيا وآسيا واميركا الوسطى والجنوبية ولاتتركونهم يتضورون جوعا فيما نقوم نحن وكتحصيل حاصل بأطعام بعضهم من فتات موائدكم - المشفوطة - من ثرواتهم اساسا قائلين لهم - اشكروا الغرب على ما يقدم لكم من معونات ويهدي لكم من لقاحات مشفوعة بشوكولاته مصنوعة من كاكاوكم المنهوب - وبالونات - !!"

جناب البابا الفاضل، لقد خالفت وعلى غير المعهود كنسيا بقية البابوات من قبلك، واخترت اسما لك غير مسبوق بابويا وله وقعه في التأريخ المسيحي" فرنسيس " وذلك وكما صرحت به شخصيا " لشدة اعجابك بالناسك فرنسيس الاسيزي وتيمنا به لكونه كان مثالا للزهد ورعاية الفقراء والمحتاجين ورعاية حقوق الحيوان والنبات"، كما انك متأثر الى حد كبير وكما ورد في سيرتك بما يعرف بـ" لاهوت التحرير "الذي يجمع بين التعاليم الكنسية وبين العدالة الاجتماعية ومساندة الفقراء ورفع الظلم على المضطهدين في كل مكان ومنبعه اميركا اللاتينية التي تنتسب اليها - الارجنتين - والذي يعتمد على مكافحة الفقر عبر مكافحة جذوره والخطايا التي تؤدي اليه والاثام التي تتمخض عنه، فعلام السكوت على الرأسمالية البشعة التي جعلت فئة قليلة من البشرة لاتزيد عن 1% تمتلك من الثروات الهائلة ما يعادل ما يمتلكه الـ 99 % البقية من البشر مجتمعين مقابل تخديرهم بالترفيه والتسلية والمسابقات والاغاني والمهرجانات والكرنفالات والخمور والمخدرات دوريا لئلا ينتنبهوا فيثوروا ويطالبوا يتأميم ثرواتهم التي استولى عليها المرفهون بذرائع شتى بما يعرف بستراتيجية " تسلية الثدي " التي اشير اليها في كتاب " فخ العولمة " تارة، وبالحروب والفتن والنزاعات المصطنعة التي تحرض عليها الفئة القليلة لتزداد ثراءا فوق الثراء ولتبيع السلاح الى طرفي النزاع تارة أخرى، بما يحلو لي تسميته بـ " تدويخ العفل والجمجمة بالحروب والفتن والكوارث العبثية الغاشمة والناعمة "والمطلوب حاليا ليس ارسال فتات الطعام ولابقايا موائد اللئام الى الايتام لالالالا، وانما الى تحقيق وترسيخ مبادئ - العدالة الاجتماعية - انطلاقا من قول المسيح عليه السلام " تحب قريبك كنفسك " (متى 22: 39) و" لاَ تَأْخُذْ مِنْهُ رِبًا وَلاَ مُرَابَحَةً، بَلِ اخْشَ إِلهَكَ، فَيَعِيشَ أَخُوكَ مَعَكَ " سفر اللاويين (25 :36)، وقوله " لا تسرقوا ولا تكذبوا ولا تغدروا احدكم بصاحبه" اللاويين 19: 11ليوضح لنا طبيعة هذه المحبة الحقيقية "يَا أَوْلَادِي، لَا نُحِبَّ بِٱلْكَلَامِ وَلَا بِٱللِّسَانِ، بَلْ بِٱلْعَمَلِ وَٱلْحَقِّ" يوحنا 3: 18 والكل يسأل اليوم وحق له ذلك مابال ولا رجل اسود ولا اسمر ولا احمر ولا اصفر لم يتول البابوية حتى الان بل وبإستثناء البابا غريغوري وجنابكم الكريم لم يتول غير الاوربيين حصرا هذا المنصب طيلة قرون، فهل هناك مشكلة في اللون والعرق بتولي مثل هذا المنصب الحساس انطلاقا من نظرة استعلائية بدأت بإستعباد اولاد كنعان - السمر والسود - ليافث وسام بعد واقعة مشكوك بوقوعها ويعف اللسان عن ذكرها لأنها تطعن بنبي الله نوح عليه السلام واحد اولاده، تمخضت عن ذلك كله، أم ان القضية عفوية وكل ما يحدث مجرد صدفة لا اكثر، ولكن اي عقل او اي منطق بإمكانه ان يستوعب بأن مصادفة مازالت ماضية في الخلق لقرون طويلة من دون ان يطرأ عليها طارئ يغير من مسارها وينعطف بها يمينا او شمالا ليذهب بها بعيدا الى مديات اوسع وافاق ارحب ..ولماذا الصور المنسوبة الى السيد المسيح كلها تظهره على انه عار بإستثناء خرقة تستر عورته وبملامح اوربية بحتة حيث الشعر الاشقر والعينين الزرقاوين بما ابتدعه وتخيله رسامو عصر النهضة من بنات افكارهم ومن محض تخيلاتهم واوهامهم، مع ان السيد المسيح عليه السلام قد ولد وترعرع واتم دعوته كاملة في الشرق الاسمر، لا في الغرب الاشقر، فهل تعزز هذه اللوحات الاوربية بعضا من الاستعلائية الطيقية والقومية على بقية الشعوب حول الكرة الارضية ..؟!اذا كان الامر كذلك حقا فالمطلوب المزيد من الهمة التي لاتلين لإزالة جميع الفوارق الطبقية والاثنية والتمييز بين الشعوب حول العالم !

وقبل ان اختم الرسالة الثالثة اوجز خلاصتها وغايتها " اذا اردنا ان ننشر السلام الحقيقي في العالم اجمع فلابد لنا من ان نزيل اولا وقبل كل شيء كل ما يعترض سبيله من عراقيل وعقبات ومعيقات واسلاك شائكة وحواجز لتنعم البشرية بالرخاء والازدهار والسلام ولايخفى على جنابكم بأن القمار والربا والتمييز العنصري المقيت والفوارق الطبقية الهائلة والاحتكار البشع والربا الوحشي والرأسمالية المتوحشة والشذوذ الجنسي والتحلل الاخلاقي كلها عقبات مخيفة وصخور كداء وجدران صماء أمام أي سلام، وأي حوار، وأي نداء، وبخلاف ذلك مع وجود كل تلكم المعيقات والعقبات فدعوات السلام ولاريب ستكون بمثابة نفخ في قربة مثقوبة ورسم على رمال الشاطيء، حرث وسط البحر، سرعان ما ستتبدد مع اول موجة ماء، والاجدى هو الحفر على الصخر الذي بإمكانه ان يبقى ويعمر طويلا ما شاء الله تعالى له ان يعمر " .

 

احمد الحاج

 

سامي عبد العالربما لا تكفي العبارات الساخرة لوصف تهمة " ازدراء الأديان" التي تؤيدها قوانين بعض دول العرب تجاه من ينتقد شيئاً مقدساً لدى الناس. ذلك بعد أنْ أمست أغلب الممارسات العامة محجوبةً عن التفنيد والمراجعة والتغيير. بالفعل ينبغي وجود سخرية تواجه هذه التهمة الجديرة بالازدراء حقاً، فلربما يُبطل تناطُّح السخريات مفعول الاتهام الطائش!! لأنَّ ركْض الاسلاميين ومن قَبل ركْض الدولة كجهاز رقابي خلف المثقفين والكُّتاب يمثل ذروة الملهاة وسط مجتمعاتٍ تسيئ بأكملها إلى الله بالفشل الحضاري والتلاعب بالدين!!

 لقد حوّل الطرفان الحياة العامة إلى أحراشٍ يقتنص فيها الارهابُ كُلَّ من يقف بطريقه ثم تباركه الدولة على نحو غير مباشر. حتى أصبح المثقفون فرائس مطاردة ليل نهار كلَّما أدلوا بدلوهم في القضايا الدينية الشائكة. ومرةً ليست بالأخيرة ستضيع أية مجهودات معرفية ناقدة ضمن هذا الجو من الرعب الاجتماعي والفكري المغلَّف بالغطاء الديني. فضلاً عما يُنذر به من مستقبل ظلامي لجوانب الحوار حول خطابات الدين ومجالات استعمالها. وكأنَّ كل متحدثٍ في الشأن الديني (من غير المتخصص) سيهدم الدين، فضلاً عن الاعتقاد المقلوب لهذا الوضع وهو انشاء طبقة من رجال الدين الذين يتكلمون باسم الله فقط دون سواهم ولا يحق لغيرهم أنْ يناقشوا أمراً من أموره.

أفهم منطقياً أنَّ المؤدلجين دينياً ينصبون الفخاخ للإيقاع بالمفكرين والأدباء في مصائد التكفير، غير أنّ البلاهة قد وصلت بالدولة العربية (التي يجب أنْ تكون محايدةً) إلى تهيئة أجواء الضغط السياسي لإشعال هذا الصراع. لأنَّ الهدف من الإيقاع بين الاسلاميين والمفكرين هو التخلية بين الاثنين وبين أي تأثير واسع النطاق في الرأي العام. فالحرية التي يسعى إليها المفكرون ويتكلم عنها المثقفون هي المساحة الحرجة التي تراهن على تفخيخها أنظمة الدولة العربية ولا تريد أن تتسع حتى لو على جثة الشعوب ومستقبلها. بحيث يصبح كل من ينادي بها فريسة حلالاً لأي قاتل باسم الدين والحفاظ على مقدسات الأمة. وليس أنكى من أن تلعب الأنظمة السياسية اللعبة القذرة بأنْ تضع أطياف المجتمع في تناحر هي الكاسب الوحيد خلاله على حساب كل الأطراف. وبحكم كون الدولة بمثابة الوريث التاريخي للأساطير ومفاهيم الألوهية، فإنها تضع نفسها ضمنا في تلك المكانة المقدسة دون الشعوب.

 بل رأينا في حياتنا المعاصرة جني ثمار التقديس من الشعوب، فلا الأنظمة ترى أفقاً حراً لحياة كريمة، ولا ترى تنوعاً ضرورياً بين المواطنين والعقول لبناء المجتمعات، ولذلك أخذت الدولة العربية الحديثة خطاب التكفير تحت غطاء القانون، ورسّخت الديكتاتوريات بمنطق مدني هذه المرة. وهنا المفارقة الساخرة: أن المجال العام لا يحرر بمنطق الدولة العربية رغباتنا وقدرتنا على التواصل الفاعل رغم أن الدولة في الغرب هي التي أسهمت في تأسيسه على قواعد الحرية والتنوع والحقوق والعدالة والمساواة. الدولة العربية تحارب المجال العام وباتت تدير الدين في شكل طقوس فقط، أما روحه وإمكانية أن يسهم في تطور الحياة الإنسانية، فهذا موضوع لا يعنيها وتتغافل عنه.

وعبر البناء التاريخي لهذا الصراع المراوغ، فإن الاسلاميين قد مثلوا (أو بالأحرى تم تنصيبهم) رأس حربة حديثة تجاه كافة أطراف التجديد والتحديث والتغيير للخروج من عصور الاستبداد. والحال أن الاسلاميين ينفثون إهانات يومية إلى أي دين طالما يخالف مذاهبهم. ويصنفون البشر على مقاييس اعتقادية تركها الله لتنوع الناس بلا حدود. ولو أنَّ هناك معياراً– من أي نوع- لكانوا هم الذين يسيئون أولاً وأخيراً إلى المقدس. فمن لا يُقدِّر الإنسان (أي إنسان) حين يفكر بحريةٍ وأصالة وإبداع لا يعرف إلهاً. ولا يحق له سرقة ملكوته ليفسد فيه ويسفك الدماء ويتعقب الآخرين. فالتلصص الديني بهذا المعنى يضع أصحابه في خانة المتنطعين. هؤلاء الذين يتفيهقون بأمور لا يعلمون مداها ولا تأثيرها على الحياة.

 والغريب أنْ يجري ذلك داخل المحاكم ودور القضاء المثقلة بالمشكلات والأعباء والتحقيقات والقضايا المدنية. كأن جميع القضايا قد حُلت وانتهى أمرها ولم يبق إلاَّ ازدراء الدين والتجرؤ على المقدسات. بينما يعرف الاسلاميون قبل سواهم أنهم يحتالون لقهر المجتمع على قبول مواقفهم وآرائهم. ولأنَّ الطريق الوحيد لكشفهم كان هو التفكر العقلاني، فإنهم يدّعون الامتلاك الميتافيزيقي للقداسة. ويؤكدون طوال الوقت حماية ما يمتلكون زاعمين أنه الخير العميم للناس والأرض جميعاً. وفي الطريق الزلق نفسه يشيرون إلى دفاعهم عن ثوابت المجتمعات العربية الإسلامية وهويتها.

 إنَّ التنطّع باسم الله طفرة جديدة بأشكال سياسية وتكنولوجية في قضايا الدين. لأنه بمثابة الانتهاك لحقوق الإنسان، لا لحقوق المختلف في المعتقد وحسب، بل كذلك داخل الإسلام نفسه. فقد يظن الارهابي أنه يتحدث بشكل أحادي لا خطأ فيه مانعاً خصمه حتى من طرح رأيه. وتلك كانت خطوة أولى لتكميم الأفواه جميعاً للمسلمين وغير المسلمين. ليس خوفاً على الذات الإلهية لكن تمهيد للاستيلاء على المجتمع من باب خلفي. وبهذا لن يكف الإرهابيون عن التحرش بالأفكار المعارضة في شخص أصحابها. ولأنهم لا يقدرون على النزال الفكري الحر، فسيكون اعتقال الجسد واغتياله أحياناً هو المجال الواضح. ومن ثم كان تركيزهم على العنف المادي كما جرى مع الأديب المصري نجيب محفوظ وحيال المفكر الأردني ناهض حتّر.

 والسؤال الآن: من الذي بإمكانه أن يحدد معايير هذا الازدراء؟ ومن يدَّعى هذا الحق أصلاً؟ هل بغلبة الفهم العام المتوارث للنصوص الدينية وبالاستيلاء على سلطة الدولة؟ هل عن طريق الفقهاء ورجال الدين وفقهاء القانون والسياسة؟ وإذا تمَّ ذلك بهكذا وضع، أفليست المسألة عودةً إلى تفتيش الضمائر وتعريتها؟ فالهيئات القضائية لو أخذت خطوة كهذه بناء على دعاوى قضائية مرفوعة من الاسلاميين، فإنها ستشارك في جرائم جديدة. جريمة الحُكم على الإيمان بوسائل غير إيمانية وبإجراءات مشبوهة في أغلب الأحوال وإقامة سلطة زمنية على الحياة الروحية. وسيجري التنقيب عن الأفكار بمعاول هدم قانوني وستصبح تلك سابقة عقاب لا أكثر.

ظهر الازدراء الفعلي حينما تغنت جماعات الارهاب الديني بقتل وذبح  البشر على قارعة الحياة العامة. لم تأبه لأهمية ثراء معاني الله داخل روح الإنسان وتجلياتها. فهل الله، المقدس، بعيد عن هذا الروح؟ وإذا كان الروح الإنساني قبساً من الوجود الإلهي، كيف يستحلون بتره، تدميره؟! أليس ذلك جنوناً لا مجرد "ازدراء" موثَّق بالقانون على الملأ؟! لعل منطق التجريم لما هو روحي أضعف الحجج لملاحقة الخصوم. لا تفكير ولا نقد بإمكانهما تجاوز أزمة المعتقدات الشائعة. تلك التي ترسخت بالعادات والتقاليد وشكلت يقيناً جمعياً غير صحيح. ولهذا تعتبر مجتمعاتنا هي الأخرى ضحية مئات السنوات من الجمود العقلي والتخلف الحضاري. وكلما ظهرت توجهات حديثة وابداعات أدبية وفكرية لا تجد صدى كبيراً، ولمحاربتها يحولونها إلى نوع من محاكم التفتيش بتواطؤ المجتمع والدولة معاً.

أظن أن الاسلاميين يخافون الإبداع الفكري لأنه يزلزل أركان مملكتهم القائمة على التقاليد. فليس أكثر ضجيجاً من إلقاء الخصم أرضاً بضربة قاضية تحت صراخ البسطاء المخدوعين. حين يشهر الاسلاميون سلاح التفسيق والتبديع لتعرية المبدعين أمام الجماهير، ذلك الفخ الديماجوجي يستعمل الدين بمنطق تكفيري لا يحتمل إلاَّ اجساداً متحاربة. وأفشل المواقف تجاه المخالفين تلك التي تسعى لسحقهم بالتلاعب حول الحقيقة. وهذا كما أشرنا في مجتمعات عربية لا حقائق فيها ولا تحترم المخالفين في التوجه. وفوق ذلك تتكلم عن الدين بشكل متحجر بينما ينكفئ المتحدثون به على مآربهم الخاصة!!

 هكذا في وضع ثقافي وسياسي قميء يقف بنا على حافة الموت، هل يمكن لبشر ازدراء أي دين؟ من يستطيع الحط من قدر المقدس إجمالاً؟ كيف يكون المقدس- هذه اللامتصور- خارج الاغراق الدنيوي، خارج المدنس؟ بعيداً عن المواجهة الخشنة مع الأسئلة، علينا التأمل في مسألة الدين داخل الخطاب المتداول. ومسألة الدين معناها بأية طريقة نرى ما يفرزه الدين من منظورات وعقائد وأفعال.

 إنَّ استخدام الدين للإيقاع بالآخرين هو نفسه لون من الخداع قبل أي اتهام آخر. ووضع الدين في فخ لاصطياد الأفكار يجعل الحياة العامة حلبة قتال مفتوحة. كل تهمة ازدراء لأشخاص بعينها أيا كان مضمونها تقع موقعاً ممقوتاً إلى حد القمع. فلا أحد بإمكانه تحديد ماهيتها ولا سلطة إنكارها ولا كيف تستعمل عموماً. وإذا كان ثمة من يزعم ذلك، فسيطال عنفه كل ما ينتمي للإنسان أيا كان دينه.

 على صعيد آخر، نحن مازلنا نخاف - إلى حد القهر - من مراجعة ما نُؤمن به وقد يكون مختلطا بالغث والثمين من الثقافات الموروثة. فالقضية التي تُخرِج لنا لسانها يومياً: لماذا نكرر تقاليد تحت مبررات ميتافيزيقية خارج التاريخ دون مراجعة؟ إذا كان التكرارُ صُلب الإيمان، فليكن إيماناً على بصيرةٍ واقتناع وإلاَّ سيكون مُعتلاً. فعلى سبيل المثال، مسألة الأضحية التي اتهمت فيها كاتبة مصرية بازدراء الأديان (حين قالت إن ذبحها في أعياد الأضحى قسوة وعنف على الحيوانات) كانت اشارة إلى الفكرة السابقة معتبرة أنَّ الأضحية أصبحت قرابين دموية ليست هي المقصودة حصراً. وأنها شعيرة فرَّغت من مضمونها الروحي، وبالتالي هناك بُعدٌّ رمزي في واقعة أبي الانبياء إبراهيم عليه السلام. ولم يكن مدلولها فقط عملية الفتك الفاجع بالحيوانات المضحى بها لمجرد الذبح. فهل كل الجانب الرمزي هو مجرد قتل وسلخ وشواء وروائح نفاذة من الضأن؟!

ما حدث أنْ ترجمت الثقافة الإسلامية الشائعة " الفداء والذبح"  فقط إلى عملية نحر الخراف والنعاج وسط ضجيج الشكل. هذا بالرغم من كون تلك الحادثة القربانية لا تنصب على أي شكل. فالحلم آمن به أبو الانبياء كرؤية حقيقية نتيجة إيمانه الأكبر بالخالق، فنهض منفذاً ما أُمر به من الله. ولعلَّ حصر المسألة في الذبح فقط كجوهر إيماني يجعل التضحية سكيناً ودماء تنضحان بالقسوة والتشفي. لدرجة أنَّ الشعيرة تفقد كلَّ مخزون ابراهيمي روحي هو لها.

 فأي ذبح هذا الموصوف بالعظيم في القرآن إنْ لم يكن رمزياً في أساسه. وإذا كان للمسلمين عيدٌ تعبيراً عن هذه الحادثة، فهو عيدٌ لأنَّ التضحية كانت رمزية لا يستهلكها التكرار ولا يحولها إلى طقس زمني عابر. بل لن تتجدد أية تضحية إلاَّ بالإيمان. تماماً مثلما كان الإيمان سبباً رئيساً وراء الفداء الإلهي لإسماعيل ابن أبي الانبياء. كل أضحية تترك آثارها في هيئة إيمان أبعد من كونها ممارسة جزئية. وبخاصة أن الاضحية آتية من أبي الانبياء (رأس الديانات الإبراهيمية التوحيدية) إلى الإسلام (أخر ديانة إبراهيمية). من ثمَّ ليس شرطاً أنْ يذبح كلُّ مسلم ذبحاً عظيماً حتى ينال هذا البُعد، لكن يجب عليه الإيمان إيماناً عظيماً. العمل النبوي أسلوب حلمي للتعبير عن سمو الإيمان؛ أي كانت العبادة ذاكرة نفسية وطقسية لا تتركز فقط على النحر. فمن لا يمتلك كبشاً لإجراء الذبح، ستكون له أيضاً كل القدرة الشعائرية على استعادة زخم العمل الابراهيمي. لأن الإيمان واحد وإن تعددت أشكاله وأزمنته.

والآية ذكرت الفداء بالدرجة الأولى كثمرةٍ لهذا الإيمان البعيد لا مشاركة فيه ولا اختزال له في عمل قاتل بإسالة الدماء. فهل يفدي الإنسان نفسه باتباع الأوامر الإلهية؟ ذلك هو الرهان الديني في جميع الشعائر والطقوس. إنَّ جميع أعمال الخير تدخل في إطار القربان والتضحية باسم الله. وتأكيد الآية على كون الذبح عظيماً يعني أنَّه ليس مادياً بإطلاقٍ. وفي الوقت ذاته لن يبلغ أي كائن حيواني صفات هذا الذبيح. فالثقة بالله واليقين تجاهه- أو هكذا ينبغي- هما الأضحية التي يبذلها المؤمن مع تجدُّد العيد. فيكون الفداء خارج التوقع لا مجرد خروف من صوف وشحم ولحم!! نفس الأمر مع تهمة التطاول على الذات الإلهية التي يستنكرها الاسلاميون عندما يكتب أحد الكتاب بكلمات يقال إنها لا تليق بالذات الإلهية. ومن ثم هل قال الله لبشر بعينهم عليكم بالدفاع عنى؟ إن الله بحكم قداسته لا يستطيع أي إنسان النيل منه إلاَّ في مخيلة المؤمنين به (إساءة التأويل والقراءة). وحتى لدى هذا المستوى سيكون موضوع الإزدراء مجرد هُراء لا قيمة له. لأن الله متعالٍ فوق قدرات أي بشر أو غيرهم  بجميع الديانات، ولن يزيده هؤلاء المتهكمون شيئاً ولن ينقصونه أيضاً. فالإيمان لا يخصه تعالى، بل يخص بشراً لهم رؤاهم وحقائقهم الخاصة.

هل هذه البديهية تحتاج إلى شرح؟ بعدما ترك الله الايمان به من عدمه خارج أية سلطة ولو كانت هي ذاته العليا. فالأفراد وحدهم يقدرون على الاعتراف به أو لا يعترفون من الأساس. وفي كل الأحوال لا ينبغي لأي إنسان أن يتحدث عما يتصورون هؤلاء ولا عما يذهبون إليه. وحتى مصطلح "التطاول" به نفي لهذه القاعدة الأصيلة التي تجب أية قواعد أخرى. وإذا كان الاسلاميون يتشدقون بالحرية، فلماذا يستكثرونها على كاتب أو آخر: أن يفكر بحرية تجاه كل القضايا الدينية والسياسية انطلاقاً منها؟ وذلك لن يقلل من ايمان الآخرين إلاَّ إذا كان ضعيفاً. بل سيوسِّع مساحة الحوار التي يخشاها المتنطعون إنْ وجدوا.

وبالنتيجة يجب (بل ضرورة) أن تنأى الدولة بنفسها عن التنطُّع بأي شيء، لأنه ليس من شأنها بالأساس، وما لهذا الغرض وجدت أية مؤسسة عامة في التاريخ. إن الخلط بين سلطتها الزمنية والروحية يجعل من الدولة طرفاً في صراع لا تجيده إلاَّ بعد قتل كيانها. لأنَّه كيان حسّاس لما هو إنساني وعادل وحقوقي بصرف النظر عن انتماء الإنسان ومعتقداته. ولا ينبغي أن تزج الدولة بثقلها في هذا الاتجاه، فهي شفافة ولا يصح أن تتحول إلى كتلة بلهاءٍ أو إلى كابوس بحجم الظلام الذي لا يستفيق منه المواطنون!!

 

سامي عبد العال

 

محمد الربيعي في فترة أكثر من 60 عاماً منذ تأسيس اول جامعة، لم يتم تطوير نظام التعليم العالي في العراق بأية صورة من الصور وظل يراوح في مكانه فتدهور مستواه ونوعيته مقارنة بالتعليم في دول المنطقة والعالم واصبح مملا للطلبة.  يتضح ذلك من خلال أداء الجامعات في جودة التعليم والبحث العلمي، وفي الوضع الوظيفي السيئ لخريجيها، وفي سجل الإنجاز الضعيف في تلقي المنح العالمية والجوائز والتقدير والاعتراف العالمي واعتماد البرامج، وفي انعدام تمويل البحوث، وفي ضعف الاهتمام بالمناهج وببيداغوجيا التعليم الحديثة، وضعف اهتمام الطلبة بالتعلم، وكذلك في ضعفها في التصنيف المؤسساتي (لا توجد جامعة عراقية واحدة في أفضل 500 جامعة في العالم في أي من التصنيفات الرئيسية). وعلاوة على ذلك، فإن وضع الجامعات الاهلية التي تنتج نسبة كبيرة من الخريجين في العراق هو أكثر سؤاً.

اهم الأسباب الشائعة لتردي التعليم العالي هي:

القبول

وفقًا لتقارير مختلفة، فإن نسبة الالتحاق الإجمالية في التعليم العالي في العراق تزداد بشكل غير منضبط، وتعكس حالة التوسع الذي تشهده الكليات الاهلية وترهل الجامعات الحكومية وسياسة القبول المتخبطة عددا ونوعا والخاضعة لضغوط أعضاء من مجلس النواب والممارسات الخاطئة والإجراءات غير العادلة والتميزية والتي لا تكترث لمتطلبات السوق وحاجته وما يكتسبه الطلبة من مهارات وخبرات ضرورية. كما ان انتشار ظاهرة الغش في الامتحانات الحكومية للدراسة الإعدادية وحصول الالاف من الطلبة على معدلات كاملة يجعل من الصعوبة توزيع الطلبة بصورة عادلة على الاختصاصات الجامعية المختلفة.

الجودة

يعد ضمان الجودة في التعليم العالي من بين أهم التحديات التي تواجه العراق اليوم. ومع ذلك، لا تركز سياسات الحكومة على جودة التعليم. ولا تزال الكليات والجامعات في العراق غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من المتطلبات المنصوص عليها في لوائح الاعتماد الدولي، وجامعاتنا اليوم ليست في وضع يمكنها من ناحية جودة تعليمها من تحديد مكانها حتى بين الجامعات العربية وجامعات "الدرجة الثالثة" في العالم.

التدخل السياسي

إن تزايد تدخل السياسيين من خارج الجامعات وخصوصا أعضاء مجلس النواب في إدارة التعليم العالي قد أطاح بكل امل في الاستقلالية النسبية لمؤسسات التعليم العالي وأضر كثيرا بمستويات التعليم فيها. هذا بالإضافة الى انشغال التدريسيين بالقضايا والأمور المعيشية والسياسية في البلد واهتمامهم بالمناصب الإدارية ووسائل الحصول عليها في سبيل تطوير حياتهم المهنية عبر طريق الارتباط السياسي والمهني بالاحزاب الفاسدة.

البنية التحتية والمرافق الضعيفة

تعد البنية التحتية السيئة تحديا آخر لنظام التعليم العالي في العراق، ولا سيما المختبرات والمكتبات والمرافق الرياضية ووسائل الراحة والترفيه والتي تعاني من نقصها كثير من الجامعات الحكومية والكليات الاهلية خصوصا.

ويشكل نقص أعضاء هيئة التدريس في عدد من الجامعات الناشئة وعدم توفر التدريسيين المتدربين في الجامعات الغربية والمؤهلين جيدا والاحتفاظ بأصحاب الخبرة الطويلة من كبار العمر تحديات أمام تحسين جودة التعليم.

البحث العلمي السطحي والزائف

هناك تركيز زائد على بحوث طلبة الدراسات العليا الممولة ذاتيا وهي بحوث سطحية تشوبها المصداقية وذلك بسبب عدم توفر موارد مالية حقيقية للبحث العلمي، فضلاً عن محدودية عدد أعضاء هيئة التدريس المتميزين لتقديم المشورة للطلاب.

معظم الطلبة ليس لديهم خبرة او معرفة سابقة بالبحث العلمي ولا يحضون باشراف او تدريب ملائم مما يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على أبحاثهم. علاوة على ذلك، فإن مؤسسات التعليم العالي العراقية معزولة عن العالم وضعيفة الارتباط بمراكز البحث العالمي وضعيفة المعرفة باحتياجات الصناعة  المحلية والعالمية وبمشاكل الانتاج.

هيكل الحوكمة الضعيف

تواجه إدارة التعليم العالي تحديات هائلة نتيجة المركزية المفرطة والهياكل البيروقراطية والافتقار إلى المساءلة والشفافية والكفاءة المهنية. ونتيجة للزيادة في عدد الجامعات والكليات والطلاب المنتسبين، زاد عبء الوظائف الإدارية للجامعات بشكل كبير وتم تحميل الأكاديميين مسؤوليات كثيرة خارجة عن مهمات انتاج ونشر المعرفة وتسبب ذلك في سوء الأداء في الجامعات.

وبينما تواجه كل من مؤسسات التعليم العالي الحكومية والاهلية المشاكل المذكورة أعلاه تنشغل القوى السياسية في الصراعات السياسية حول الوظائف الوزارية والجامعية بعيدا كل البعد عن اهداف ومهمات التعليم العالي الحقيقية. وأصبحت التعينات الادارية في يومنا هذا تخضع لاعلى الاعتبارات الطائفية والحزبية، وأصبحت بالإضافة للفساد الشكوى الرئيسية لدى التدريسيين والاكاديميين.

وبينما تعاني الجامعات الحكومية من نقص كبير في التمويل عمل مجلس النواب وأذرعه الأحزاب والقوى السياسية على ضمان استمرار حاجة الجامعات وفقرها، واستمر التدخل في شؤونها وفرض الإملاءات على الوزارة والجامعات مما أدى الى تخبط كبير في سياساتها خصوصا سياسة القبول ومعادلة الشهادات وفِي اضاعة فرص منافستها عالميا في وقت يشكو فيها التدريسيين من انعدام كفاءة وعدالة ادارات جامعاتهم. ويبدو أن انهاء هيمنة القوى السياسية على التعليم سيكون العامل الرئيسي لتحسين أداء مؤسسات التعليم العالي. اما الكليات الاهلية فلا قيمة لها في الإنتاج العلمي الوطني فيما عدا القيمة الحقيقية الوحيدة التي تضيفها هو تخريج اعداد كبيرة من العاطلين كل عام.

الطريق إلى الأمام؟

على مدى أكثر من خمسة عشر عاما كتبت كثيرا وقدمت العديد من المقترحات ووضعت استراتيجية لإصلاح التعليم العالي بالرغم من اهتمام الأوساط الاكاديمية بها لم يرى منها التطبيق الا النزر اليسير لذلك لا ارغب في اعادتها كلها وسأحاول التركيز على بعض الحلول الأساسية والتي يمكن اعتمادها في الوقت الحاضر.

تجديد مؤسسات التعليم العالي الحكومية

من أجل ان تتطور الجامعات سيتعين علينا تغيير نظام التعليم الحالي بما يتضمن الغاء وزارة التعليم العالي ومنح الجامعات استقلاليتها الإدارية والأكاديمية وتأسيس المجلس الاعلى للجامعات ومجلس البحث العلمي وإلغاء أسلوب تعينات إدارات الجامعات الفوقية والمبنية على المحاصصة واستبدالها بأسلوب ديمقراطي يعتمد على خيارات الهيئات التدريسية، وأحترام الحريات الاكاديمية.

ويجب على الجامعات ان تتوصل إلى رؤية وبرامج جديدة تعالج على وجه التحديد مشكلة المناهج القديمة والتلقين واحتياجات الدولة والصناعة والاقتصاد والمجتمع، وعلى أساسها تلتزم الجهات الفاعلة على مستوى الدولة بتوفير الدعم الكامل للجامعات.

التعاون الخارجي

يجب على الدولة تعزيز التعاون بين الجامعات العراقية وأعلى الجامعات الغربية والعالمية وأيضًا إنشاء روابط بين مختبرات البحث العراقية ومراكز البحث التابعة للمؤسسات العالمية لتحسين الجودة والبحث التعاوني.

نهج متعدد التخصصات

يجب أن يكون هناك نهج متعدد التخصصات في التعليم العالي حتى لا تقتصر معرفة الطلاب على مواد الاختصاص وانما يجب ان يشمل تعليم المهارات واللغات واخلاق المهنة.

تطوير التعليم الاهلي

توسع التعليم العالي الأهلي في العراق بسرعة كبيرة في العقدين الماضيين ورافق هذا التوسع تدهور الجودة وفساد المؤسسات، فاذا أراد العراق تحسين هذا القطاع فما عليه الا جعل التعليم الأهلي غير ربحي وكما هو عليه في مختلف انحاء العالم فلقد ثبت ان الربحية هي أساس فساد التعليم. كذلك يجب أن تكون مؤسسات التعليم العالي الاهلية بعيدة عن الانتماءات السياسية وتدار من قبل هيئات ادارتها وليس من قبل المستثمرين وان تكون هياكلها مزودة ببنيات تحتية ومرافق جيدة.

أخيرا، إذا كان العراق يريد حقا أن يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية، فإنه بحاجة إلى الاستثمار في راس المال البشري والعائد من التعليم وزيادة الإنفاق على تطوير قدرات ومهارات ومواهب أساتذة وطلبة الجامعات العراقية.

 

أ. د. محمد الربيعي