 قضايا

الفقر الأخلاقي العربي المُعاصر (2)

محمد عرفات حجازيتناولنا في الجزء السابق من المقال تعريف الأزمة والفقر، وأشرنا إلى أنّ ما تُعانيه الأمة العربية الآن إنّما هو فقر أخلاقي، وتعرّضنا خلاله إلى بعضٍ مظاهر هذا الفقر الأخلاقي، كالكذب، والرشوة، والمحسوبية، والانحلال الأخلاقي الجنسي.. وأشرنا إلى عدة أسباب تقف وراء ذلك، من بينها: انتشار الانترنت، وغياب الوعي العام، وتردِّي الخطاب الإعلامي، والقدوة الهابطة، والتبعية الغربية، إلى جانب ضعف الخطاب الديني، وتأصّل بعض الأفكار الخاطئة الموروثة، وغياب الدور التوعوي والرقابي الأسري..

إضافةً لما سبق، تقوم العديد من الدول العربية على النظام القبلي، أي القبيلة، ويتباهى أبناء القبيلة بقبيلتهم، ويتشدّقون بقيمها.. ولكن، إذا كان ابن خلدون قد أشاد بأخلاق القبيلة؛ لما تتميّز به من شجاعة، ورباطة جأش... إلخ، فإنّ هنري برغسون، قد أكّد على أنّ أخلاق المجتمعات المُغلقة، على غرار القبيلة، لا تصلح أن تكون أخلاقًا إنسانية عامة؛ كونها قائمة على الإلزام والطاعة، وتخلو من المحبّة الإنسانية.. وهو ما لاحظناه فعليًّا؛ فعلى سبيل المثال: أثّرت القبلية بوضوح على قيمة العروبة، بل والوطنية لدى العديد من أبناء القائل، كما ترسّخت لديهم فكرة احتقار الغير؛ ناهيك عن منع العديد من القبائل ـ فكرة الزواج من غير القبيلة، ما يقضي على مبدأ التعارف والمودة..

كما لعب المفهوم الخاطئ للحرية دورًا بارزًا في فقرنا الأخلاقي، فنجد مثلًا الكثير من جيل التسعينات والألفية الجديدة قد اعتادوا ارتداء ملابس فاضحة بحجّة الحرية، ما أدى بدوره إلى بروز ظاهرة التحرش اللفظي والجسدي، من جهة الشباب، كاتجاه مُقابل لحرية الإناث.. أيضًا، ملابس الشباب من سراويل ساقطة، وقصّات شعر غريبة... ما عمل على ظهور شريحة من الشواذ.. ناهيك عن انتشار الزنا وتعاطي المخدرات تحت مُسمّى الحرية والرغبة في تجريب كل شيء.

كذلك، فقد لعب رغد العيش دورًا واضحًا في الانهيار الأخلاقي، فنجد في العديد من دول الخليج العربي، وبعض الدول العربية، حالة حادة من الإسراف في طهو الطعام، وتكديس أغلبه في أكياس القمامة بعد انتهاء وجبة الطعام؛ لتتغذّى منه القطط والكلاب.. ما رسّخ مبدأ الإسراف والتبذير، وما لحقه من أضرار بالبيئة.. وفي مُقابل ذلك، لعب الفقر دوره، فنجد توجّهات نحو السرقة.. الغشّ.. الاختلاس... إلخ، دون وازع ديني أخلاقي ـ كل ذلك تحت غطاء من العوز وصعوبة المعيشة.

وأخيرًا، فإنّ غياب القانون قد لعب دورًا واضحًا في فقرنا الأخلاقي.. ففي بعض الدول العربية، وبعد ثورات الربيع العربي، تعطّلت أغلب قوانين الدولة، وتوقّفت الكثير من الأجهزة الرقابية عن العمل؛ جراء انتشار السلاح، وكان من نتائج ذلك: الغشّ التجاري في عمليات البيع والموازين، والتلاعب في أسعار السلع والخدمات، نهب المال العام.. سرقة المال الخاص تحت تهديد السلاح.. الخطف.. الاغتصاب، وانتشار الرذيلة... إلخ، ولا نُنكر وجود مثل تلك التجاوزات قبيل تلك الثورات، ولكنها كانت حالات محدودة، كما أنّها لم تكن ظاهرة للعيان..

لقد لعب الانترنت، والتبعية الغربية، وتردّي الخطاب الإعلامي، وضعف الخطاب الديني، وتأصّل الأفكار المغلوطة المتوارثة، والفهم الخاطئ للحرية، وتطرّف الحالة الاقتصادية، وتعطيل تفعيل القانون، أو ضعفه وإمكانية التحايل عليه، إلى جانب غياب الدور التوعوي والرقابي الأسري، ونقص الوعي العام.. أقول: لعب جميع ذلك دورًا بارزًا في حالة الفقر الأخلاقي التي نعايشها الآن، وإن أردنا العلاج الفعّال، فعلينا بالقضاء على الأسباب، ومعالجتها بطريقة عليمة سليمة، تكفل لنا الغنى والارتقاء الأخلاقي..

 

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4614 المصادف: 2019-04-24 06:00:08