 قضايا

الفصل والتمييز بين المفاهيم والاعتبارات

مهدي الصافيالوطن.. العقائد والموروثات.. المصالح الاستراتيجية الحضارية

الثقافة او التراث الاسلامي المتجدد داخل الاطار المغلق للمذاهب والطوائف والمدارس او المعاهد الدينية لايعد تجديدا، انما استنساخ مشوه للموروث، اذ اعتبرت بعض محاولات التجديد العقلية والواقعية المجردة، البعيدة عن التصورات والاسس الثابتة المعتمدة في الدراسات الاسلامية الرسمية او المركزية انحرافا عن القاعدة الدينية العامة، وهكذا تأخذ جميع المسارات الفكرية او الثقافية او الدينية في المجتمعات الاسلامية او الدول العربية، نفس النهج والاسلوب والطرق المتحجرة في الفهم والادراك والابداع والتجديد، يخرج منها ظواهر وحالات فردية او جماعية محدودة العدد والتأثير، اذ تختلط وتتشابك المفاهيم العامة والخاصة بالاعتبارات التراثية او الاجتماعية الاثنية او الطائفية او حتى الدينية والايديولوجية المحلية (التجربة الماوتسية الصينية)، ينتج عنها ثقافة اجتماعية دينية مشوهة، تزداد تشوها وانحرافا، كلما اشتدت الظروف السياسية والمعاشية والاجتماعية سوءا...

تأريخيا لم يتم الفصل او التمييز الجذري بين الدين والمفاهيم الاخلاقية والانسانية والفلسفية المتدرجة او المتغيرة مع تغير وتقدم الحضارات الانسانية، بل اقحمت الدولة بالمفهوم الديني المستحدث بعد انهيار الامبراطوريات الاسلامية، وانتهاء عهد دول الخلافة الاسلامية (الامبراطورية العثمانية)، وتم حشر المجتمعات المسلمة في زوايا السجال والجدال والصراع المستمر، حول علاقة الدين بالدولة، اوصلهم في نهاية المطاف الى التطرف الديني (السني شيعي)، ومن ثم الدخول في اشكالية العمل السياسي الاسلامي الراديكالي (حركة اخوان المسلمين، ومفهوم الحاكمية، ثم الحركات السلفية والتكفيرية الارهابية، الخ.)،

هذه المحاولات ظهرت بعد ان بدأت بعض المدارس الاسلامية التحدث بقوة (قوة الدولة او الضغط الشعبي) حول ضرورة تحديث الخطاب الاسلامي، فصار هناك افراط في ضخ الكثير من الافكار الاسلامية السطحية او الجدلية على انها مفاهيم حديثة مواكبة ومتناسقة مع مسيرةالحضارة، ثم تحولت واختلطت مع الاراء والاجتهادات الدينية الشخصية، لتصيح بعد ذلك مناهج فقية اشبه بالمحرمات والخطوط الحمرالاضافية، اي عقائد دينية جديدة (المحرمات المستجدة، الفتاوى الاعتبارية، الخ.)، تعدت تأثيراتها حدود العقل والمنطق، مع اننا نعتقد ان وظيفة او مفهوم الاديان السماوية هو مفهوم كوني عام، الغاية منها ايصال الرسائل الالهية السماوية الى المجتمعات البشرية المنتخبة من بين الامم والشعوب، لانتشالها من المراحل الاجتماعية القروية الى مراحل الحضارة الاخلاقية الانسانية العلمية، وليس من اجل الاكثار من بناء المساجد والحسينيات والتكيات والمذاهب والطوائف والفرق والمعابد او الكنائس، الخ.

المفاهيم هي افكار منطقية تاريخية تكتسب مصداقيتها واهميتها في المجتمعات عبر الاثباتات العلمية، اي لايمكن التنبأ فيها مادامت غير مثبتة علميا، لكنها بالطبع هي اوسع واشمل من الافكار، التي هي ايضا بحاجة الى الادلة والاثباتات المنطقية والعلمية، كي تصبح مفاهيم او قواعد ايديولوجية او فكرية،

اما مايتعلق بالاديان فهي تختلف كليا عن تلك الاعمدة المعرفية الكونية، لانها تفتقر للاثباتات العلمية تأريخيا، الا انها تاخذ بمرور الزمن بتلك الاسباب، وهي مهمة معقدة اهملتها معاهد ومدارس اللاهوت والماورائيات، بينما اهتمت بها الثقافة العلمانية عبر فتح مراكز البحوث العلمية الفيزيائية والفضائية،

حيث يتم فيها دراسة العالم وبداياته واسباب تكونه، وكذلك احتمالات وجود حياة في المجرات او الكواكب الاخرى، فالصراع بين تلك المراكز (بين المراكز الدينية والعلمية)كان مستعرا قديما ولازال حديثا (بحوث استنساخ الخلايا والاعضاء والبشر، الخ.)،

بل كان في العالم الاسلامي خلطا متعمدا بين الدين والبحوث والاكتشافات والاراء والافكار العلمية، حتى لاينفرط عقد العلاقة الحديدية بين الحاكم ووعاظه وقبضته من جهة، وبين عامة الناس من جهة اخرى (الذي كان في الاعم الاغلب رافضين وساخطين عليهما)،

مما جعلهم اكثر وحشية ضد مايسمى بالمرتدين والزنادقة او جماعة الهرطقة، هذه الاعتبارات كما ذكرنا اصبحت بعد قرون مفاهيم معدلة وراثيا، تأخذ عدة طرق واساليب واعتبارات مختلفة (متطرفة او متشددة او متحللة، او حتى معتدلة)، ولعل صراع التحدي بين بعض المثقفين والاسلاميين حول اهمية سحب اطلاق تسمية عالم على رجل الدين، وبين من يريد اضفاء صبغة وصفة الربانية عليهم (عالم رباني)، يثبت ان عملية ومسألة جر العلم الى المراكز الدينية، لن يقدم اية معرفة علمية حقيقية لتلك المجتمعات الغائبة عن الوعي التاريخي المتغير، انما هي تنكفأ وتنطوي على التراث القديم بغية اعطاء صفة القداسة الدائمة، كمفهوم تاريخي سماوي مقدس، لحماية مكتسباتهم المادية والاعتبارية من التبخر امام عالم التكنولوجيا والحضارة الفضائية القادمة،

اذ ليس صحيحا ان يكون الماضي افضل واكثر علمية من الحاضر، هذه سنة وصيرورة الحياة او الخلق والتكوين والتطور....

اين تختلط المفاهيم والاعتبارات (الشخصية او الشمولية او العقل الجمعي، الخ.) في المجتمعات المسلمة والدينية عموما، عندما يكون العقل والعلم او المعرفة اقوى من حجة ومنطق الاديان والتفاسير والتأويلات المنبثقة او المستنبطة منها، وكانها موجة رياح عاتية تكتسح كل شيء امامها، فيخرج منها بعد ذلك منظرا مشوها بشعا (قد تجد ذكر عبارة مشوها هنا كثيرا، وذلك لان عدم الفصل ادخل الاديان والموروث في جميع المجالات مما تسبب بتشويه شامل في الثقافة والفنون والاداب والاخلاقيات والبيئات الاجتماعية العامة والخاصة، حتى الرياضة وضعت تحت مجهر الرقابة الدينية التاريخية، الخ.)

لماحصل داخل تلك الدوامات الدائرة حول نفسها، سواء ظهرت عبر مفاهيم او عقائد، او غير ذلك من الاساليب والطرق المختلقة الجديدة، تأخذ طريقها الى الشارع على انها افكار ومفاهيم مواكبة للتطور الحضاري العالمي، ولكن بحلتها وهيئتها ونمطها الاسلامي المتزمت او المغلق، مع ان الفكر لايمكن ان يكون ناضجا دون وجود مقدمات فلسفية معرفية وعلمية سابقة له، تعد اساس مهم لقواعد الاعتبار والاعتماد او التبني العام،

مما يتطلب مراجعة شاملة لكل من يدعي ان المعاهد او المدارس الاسلامية قد كانت تطبق تلك القواعد المعرفية قبل طرحها لمايسمى بالمفاهيم الحديثة او الفكر الاسلامي المتجدد (البحث في الميراث والمساواة بين الرجل والمرأة، تخفيف قيود وحدود الردة والتكفير، التعامل مع الديانات الاخرى، رفض فكرة الخلافة او مفهوم الحاكمية لله عزوجل، فوائد البنوك، الخ.)،

الذي غالبا مايكون متطرفا اما بالرفض المطلق او القبول الشامل، اي لايبحث هذا التجديد المفترض بأصل الاديان وفلسفة ضروراتها واحتياجاتها الانسانية، وحكمة الخالق عزوجل في بعثه الانبياء والرسل والكتب السماوية، وان كل شيء في هذا العالم اية الهية مقدسة، فالاسلام او الاديان السماوية عموما فيها الجانب التقليدي المتوارث(الاعتقاد والايمان والحدود والقوانين الالهية)، والجانب او الدافع الروحي العلمي العقلي (العلم والمعرفة اي الفكر والانجازات الابداعية والاعمال الصالحة)، بينما ينخرط الاخرون في مراحل اعادة الصياغة والانتاج التراكمي المتوارث، عندها لاتجد ان شيئا في المياه الراكدة قد تحرك، هذه ليست اعتبارات فردية او فئوية، او هي مجرد شطحات فكرية او محاولات فلسفية مثالية لفهم حقيقة وغاية الاديان والاهداف المقدسة والانسانية العامة المطلوبة منها، انما حقاىق علمية تأريخية حضارية متوارثة ومتطورة بشكل تصاعدي،

اي كل انسان عليه ان يراجع ويفهم فلسفة الاديان وضروراتها الارضية، هي ليست جامدة او ثابتة دون تغيير، فقد كانت حكمة الله عزوجل تتجسد واقعيا بمسالة او مفهوم ارسال الانبياء والرسل بالشرائع والمواعظ والارشاد والهداية والانذار والتذكير والوعيد(الخ.)، حتى ختمت الاديان والرسالات في عهد النبي محمد ص، الا ان الحياة استمرت بالتطور الحضاري الكبير، وكذلك افكار وثقافة وطبيعة المجتمعات البشرية، ولهذا لايمكن القول ان فكرة الاعتبارات ثقافة سطحية مرفوضة دائما، ولكنها يجب ان تكون في الوعاء الفكري العلمي المتحضر، والا اصبحت منطق الدخلاء واسلوب الجهلة الاغبياء، الذين يكون انحرافهم اكثر خطورة من اي انحراف فكري او اخلاقي اخر، كمن يفقد عقله بعد ان تشبع بثقافة العنف والتطرف والتوحش، فيصبح خطره بحجم الكوارث الكبرى، وهذا مايحصل في المجتمعات البدائية حتى يومنا هذا، عندما تكون الاعتبارات الفقهية المنحرفة (على سبيل المثال)مناهج مقدسة متوارثة للارهابيين التكفيريين المجرمين، او اعتبارات اعادة صياغة السيرة او السنة النبوية وفق الرغبات الفردية او المصالح الفئوية، يخرج منها اديان شعبية عديدة(المذاهب والفرق والطوائف هي النموذج التاريخي للاديان الشعبية المتوارثة)،   او ينتج عنها خرافات اسطورية مقدسة(اي بمعنى ان بعض رجال الدين او الفقهاء يمزجون بين القراءات والقناعات المتعددة الخاصة بهم مع التراث، ثم تسقط على الواقع كنموذج تاريخي مقدس، كالاقتباسات اوالاستعارات التراثية المتداخلة، التي تذكر على انها جزء من السيرة النبوية والسلف الصالح، الخ.).

من الطبيعي ايضا ان تكون لاية امة او شعب او حتى مجتمع صغير اعتبارات اجتماعية متوارثة، لكنها تختلف من بيئة اجتماعية لاخرى، ففي الدول المتحضرة نسبيا اصبحت الاعتبارات مفاهيم حضارية قابلة للتغيير والتجديد المستمر، اما في البيئات البدائية اي الفقيرة والبعيدة عن الثقافة والحضارة العلمية التكنولوجية فالامر مختلف، هي (على سبيل المثال ايضا) تعد اية تصرفات صادرة من المرأة خارج اطار المألوف والقيم التراثية القبلية خروجا على العادات والتقاليد او شرف العائلة والعشيرة، وبالتالي قد يصل الامر الى التصفية الجسدية غسلا للعار كما يدعون، ولكن بالعودة للتراث نفسه (عصر الجاهلية الاولى والثانية) لم تكن بعض تلك التصرفات البدوية المتوحشة موجودة اصلا بهذه الكيفية والتشدد، لان عصرهم كان اقرب لعصر الحضارات والاساطير القديمة، التي كانت تعطي للمرأة حيزا كبيرا بينهم، وبين آلهتهم المتعددة، وهكذا تتوارث المجتمعات القبلية الدينية تلك الاعتبارات، التي تكون عندهم بمثابة الهوية المقدسة، المحرم على اهلها الاقتراب من الحضارة الانسانية الحديثة،

لان الامر قد يفتت ويفكك عقد تلك المفاهيم سريعا، فيتيه العقل البدائي في ساحة الفكر والمفاهيم الحضارية العلمية، والذي بالطبع ستنهار معه كل المفاهيم والاعتبارات المتكأة عليه، وستسقط صور المقدس الارضي كما تتساقط اوراق الشجر في الخريف، او يتهاوى سقف الموروث كما تتهاوى جبال الجليد بفعل التلوث وظاهرة الاحتباس الحراري، بمعنى ان الامر ليس بتلك البساطة، الا انها محاولات ممكنة الحدوث لانها اقرب للحقيقة علميا، وابعد كثيرا عن الاعتبارات التاريخية...

بالعودة الى الفلسفة

(التي يمكن تعريفها شخصيا دون العودة الى اصل المفهوم وتعريفاته او تعابيره التاىيخية) هي ام واب المفاهيم الانسانية الاخلاقية، هي الوعاء الكوني للفهم والادراك والعقل والمعرفة الانسانية، دون المرور بها (كلا حسب درجاته وامكاناته واعتباراته ومعرفته الشخصية) لايمكن لاي انسان ان يكون سويا في حياته، هي منهاج التفكير والاسلوب والتطبيق العملي الطبيعي الفطري، تبدأ من الانسان وتمتد لابسط نبتة او شجرة او حشرة، او مملكة للحشرات اوالحيوانات والطيور وعالم البحار، وهكذا في حركة الكواكب والنجوم والرياح، والظواهر الكونية الطبيعية الاخرى، هي التساؤلات المشروعة حول حقيقة الاشياء، وكيفية ايصال الفكرة، واعتماد الاساليب والمحاولات الذهنية، والتجارب العملية، والتصورات الواقعية الخيالية (اي االافكار والمحاولات السابقة في الطيران او او صناعة الالات والعجلات والوصول للكواكب البعيدة مثلا، فقد كانت في بداياتها احلام وامنيات خيالية، لكنها بالتدريج اصبحت حقائق واقعية)، التي قد تجعلنا نطلق فلسفة خاصة حول تلك الخصائص البشرية المشتركة (التصور والخيال البشري)، بأعتباره مفهوم طبيعي عام، من ان كل او اغلب ظواهر الخيال والالهام العلمي، هي حالات قابلة للتطبيق عند المفكرين والعلماء المميزين، بما فيها علوم الاستنساخ البشري او الاستثمار في الكواكب المكتشفة الشبيه بالارض، او البحث عن احتماية وجود عوالم بشرية او حياتية في المجرات البعيدة....

من هنا يمكن ان ينطلق الانسان العاقل المفكر في رحلة فهم الخلق والتكوين والاساطير والاديان والحضارة والتأريخ، بغية ان تكون المفاهيم الانسانية الاخلاقية الخالدة متطابقة تماما مع اصل الحضارة ومستقبل التقدم والتطور الانساني العالمي، اذا بالعودة الى الفلسفة الشخصية للمعرفة الفكرية حول اليات الفصل كما ذكرنا بين المفاهيم والاعتبارات، نسير معها في طريق تقديس الاساطير والاديان السماوية الانسانية ليس على اعتبار انها قاموس الشريعة الارضية المقدسة، انما على قاعدة انها انجازات تاريخية حضارية بشرية مهمة ومقدسة معنويا، بما قدمته من مراحل متدرجة في التاريخ لمختلف المجالات(تكوين المجتمعات في القرى والمدن، الزراعة والحرف والمهن، الثقافة والفكر والاديان، وبقية الاعمال الصالحة)، مع التأكيد على انها ليست المعيار التاريخي الوحيد لضبط المفاهيم والاعتبارات الحديثة، بل شريك فرعي او ثانوي بسيط للتأكيد فقط على تراتبية التطور والاستمرار، قد نجد في بعض الحضارات الحديثة انها قامت على انقاض حضارات عريقة قديمة سبقتها، ولكنها ليست حضارات مجردة منفصلة عن التاريخ او الثقافة والتراث الخاص بها، هذا الامر يعطي للباحث المتحرر من كل القيود والاشتراطات والحواجز المسبقة، حرية الحركة الفكرية في البحث والنقد والاستنتاج، ومن ثم التحول الى مرحلة التفكيك والتجميع للافكار والمفاهيم المتداخلة(القديمة والحديثة)، وفق اخر ما توصلت اليه الادوات والمعايير المعرفية الاكاديمية او الفلسفية المتاحة للجميع كما نعتقد في عصرنا الحالي، وقد ارتئينا ان نبحث في هذه المحاولات الفلسفية البسيطة، ضرورات الفصل بين المفاهيم والاعتبارات في المجتمعات البدائية(نقصد فكريا)، التي تتداخل وتتعارض عندها احيانا

مفاهيم الوطن والعقائد الدينية والموروثات، اضافة الى مفهوم المصالح الاستراتيجية الحضارية، وبدون الاستغراق والانخراط مطولا في تعريف الوطن وعلاقته بالامة، فهو تعريف ومفهوم قديم حديث التطبيق، اي ان مفهوم الوطن او الدولة الحديثة بهيئته الجيوسياسية(اوالجغرافية السياسية) الجديدة، لم يكن معروف قديما(حضارات وامم وشعوب ومدن بلا حدود فعلية انما اعتبارية)، العلم والحدود الارضية والبحرية والفضائية، والاتفاقات والمعاهدات والقرارات والسجلات الدولية، الخ.

الا ان القصد من الاشارة هنا الى مفهوم الوطن في العصر الحديث، هو مفهوم دولة الامة المتعددة الاديان والطوائف والثقافات، التي تتعارض كليا مع مفهوم الدولة التاريخية العرقية او الدينية او الطائفية، اي دولة متعددة الثقافات، وهذا كان اهم مفهوم اتخذته الحضارة الغربية نموذجا كونيا عند قيام او تأسيس الولايات المتحدة الامريكية(قبل وبعد الحرب الاهلية، 1861-1865)،  ومراحل الاستعمار الحديث (حضارات متعددة الثقافات)، عبر القبول او الرضوخ للحاجة، بفتح جسور التواصل الحضاري بين القارات (وبين الشرق والغرب)، ثم ظهر النظام العالمي الجديد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في مراحله الاولى، وتصاعد وتيرة الاكتشافات والانجازات العلمية التكنولوجية المتقدمة بعد نهاية الحرب الباردة، وصولا لمرحلة مانطلق عليه عصر الحضارة التكنولوجية الفضائية، ومايراد له ان يحدث مستقبلا بعد مرحلة وباء كورونا، والانكماش الاقتصادي العالمي الحالي....

الوطن هنا ليس الدولة القبلية العشاىرية الاثنية، انما هو دولة الامة المعترف بها تأريخيا ودوليا، لهذا لم يعد مقبولا لاي شعب او دولة في العالم ان تكون دولة مجردة منغلقة ومعزولة عن بقية الدول،

لانها خاضعة قانونيا للمنظومة القانونية الدولية (الامم المتحدة وإرادات القوى العظمى)، مما يحتم عليها ان تفصل بين المفاهيم والاعتبارات العقائدية او التراثية او الوطنية المحلية،

وبين المفاهيم والاعتبارات للمصالح الاستراتيجية الحضارية لدولة الامة، التي تتطلب اعتماد الكثير من المبادئ والمفاهيم الدولية المشتركة المتعارضة احيانا مع الاديان والثقافات والاعتبارات المحلية(مجالات الاستثمار، والتبادل التجاري، والاقتصادي والثقافي والفني والادبي، اومؤسسات او منظومة البنك وصندوق النقد الدولي، الخ.)، وهذا الامر يتطلب من تلك المجتمعات الغارقة في التاريخ والعقاىد والاديان والاساطير القديمة، ان تبتعد كليا عن اعادة فتح جدلية علاقة الدولة بالدين والعادات والتقاليد القبلية او التراثية المتوارثة، والبحث عن وسائل حديثة لعرض خطابها الديني او المذهبي او الفكري، داخل اطار دولة المؤسسات، كما فعلت الحضارة الغربية مع الاديان(المؤسسات الدينية والمدنية، الكنائس والمعابد والجمعيات الثقافية والخيرية، وقوانين ضمان حرية العقيدة في الديمقراطيات العلمانية)،

بعد ان يتم الفصل عقليا وعلميا ومعرفيا بين المفاهيم والاعتبارات الشخصية (الدينية او الطائفية او حتى الاثنية)التاريخية المتعقلة بالوطن والعقائد عن المصالح الاستراتيجية الحضارية،

التي تتطلب التوجه والانخراط الكامل في الدراسات والبحوث العلمية الشاملة(بما فيها الدراسات الدينية والعقائدية)، واعتبار المؤسسات الدينية جزء من المؤسسات الرسمية العامة، الخاضعة للنقد والاعتبارات العلمية الرصينة، وكذلك للرقابة الدستورية والقانونية، من اجل ان لاتصبح سلطة مقدسة دائمة التصادم مع سلطة الدولة الديمقراطية المتحضرة، فمدارس الدجل والارهاب والنفاق والكذب والتعطيل، كانت ولازالت مؤثرة في المدارس الدينية العقائدية المعتدلة، تخترق تلك الاوساط تبعا للظروف المحيطة بالمجتمع، وطبيعة الدعم المالي والسياسي  الدولي والاقليمي وكذلك المحلي المستتر خلف سواترها الدموية،

هذا فضلا عن ان مفهوم القداسة والشريعة تتعارض كليا او جزئيا مع مفهوم الدولة الحديثة، وهي محل اختلاف ونقاش وجدل دائم داخل جسد المذهب او الطائفة او الامة الواحدة....

لقد كاانت الحكمة اساس المفاهيم في الاساطير والاديان والحضارات القديمة، وهي كذلك في الاديان السماوية والفلسفة الحديثة، التي جعلت من المجتمعات البدائية القروية، مجتمعات مدنية متحضرة على مر العصور والازمنة، بطريقة مترابطة كسلسلة متواصلة ممتدة، لها بداية وليس لها نهايات محددة، من يرجع او يلتفت الى الوراء، تتعقد مسيرته الحضارية، ويبقى كالقارب الذي فقد بوصلة الشواطئ القريبة منه، ومع حالة الانقطاع تلك يظهر شبح واحتمالية الغرق في اوحال الاوهام والاجتهادات الشخصية،

التي قد تنقذه من الهلاك النفسي او الروحي المؤقت، ولكنها تبقيه معلولا مشلولا، لايصلح لشيء، الا في حالة الانتعاش الغيبي اوانتظار المعجزة او الفرج، كالمعتقدات الموروثة في الاساطير والاديان عن المخلص المجهول، اذ لايمكن ان يطلب من الانسان العاقل ان يقبل القصص والروايات الغيبية المتعارضة مع العقل، لان من طبيعة الانسان ان اليات وادوات التفكير والفهم او الاستيعاب والعمل والعيش لاتأتي الابالعقل والحواس، يصدق ماينتج ويصدر عنهما من استنتاجات حقيقية موضوعية واقعية...

الوطن مع المصالح الاستراتيجية يمثل الحالة الطبيعية للدولة الحديثة، اما مع العقائد الدينية او العرقية اوالاحادية لاتعطي الا نموذجا سيئا للدولة الدائرة في فضاءات ومساحات التاريخ والتراث المتحجر المتأخر عن الركب الحضاري المتقدم،

فعقيدة المواطن في الدولة الديمقراطية الحقيقية هي المواطنة المكفولة دستوريا وليس دينيا او طائفيا، تدعمها منظومة المفاهيم والقيم الاخلاقية العصرية، دون الالتفات مطلقا لأية اعتبارت اجتماعية جانبية (دينية او قبلية او اثنية)،

لاتمثل شيئا في معيار العلوم والمعارف الحديثة، بقدر ماتحمله من قيم روحية نقية، شريطة ان تكون بعيدة كليا عن التأثيرات الاعتبارية المصطنعة في دهاليز الظلام المتوارثة عند العامة ورجال التراث التقليدي ..

الوطن مفهوم علمي حديث لا يقتصر على مجموعة او طائفة او اثنيات معينة، صفاته الاعتبارية العالمية انه جزء فاعل في هذا الكون الواسع، اكتسب اهميته كونه اساس المفاهيم السياسية المتحضرة المحافظة على الامة او الشعب ومؤسساته من الفوضى والانهيار، فمع كل الاحتمالات والتوقعات التي تحدثت عن نظام عالمي جديد بعد وباء كورونا، سيبقى الوطن اي دولة الامة هي احد عوامل التاثير سلبا او ايجابا في حلقات ومجالات ومخططات ذلك العالم الافتراضي المجهول....

 

مهدي الصافي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4969 المصادف: 2020-04-13 12:45:37