 قضايا

سامي عبد العال: الكاوبوي Cowboyواللوغوس logos!!

سامي عبد العاللعلَّنا نُلاحظ أنَّ أمريكا (كقارةٍ من السياسة والثقافة والصراعات) قد سعتْ إلى امتلاكِ ميراث اللوغوس اليوناني (أي ميراث الكلمة والقانون الحاكم لكلِّ الاشياء) مُروراً بصياغة أوروبا اليهودية والمسيحية له. أمريكا دولة كانت ومازالت تحاول استعارته من التاريخ، ليتخطى مياه المحيط الأطلسي(واضعةً إياه) بجوار تمثال الحرية وحول برجي التجارة العالمية (وحافظةً له) بجانب أكثر ترسانات العالم الحربية تدميراً، (وممارسةً لدلالته) عبر العيون الإلكترونية التي تُراقب كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من خريطةِ العالم. ذلك ليُحلّق بدوره مع الأقمار الصناعية وليستكشفَ مجهول الأكوان والطبيعة وليمرُق مع الحملات العسكرية والهيئات الدولية التي تهيمن عليها أمريكا.

وَجهُ الطرافة أنَّ الميراث ليس يمتثل فلسفياً لأصحابه الجدُد في غالب الأحيان إلاَّ بضروبٍ من السخرية الماكرة. لأنَّ الفلسفة في هذا الاتجاه بمثابة القدرة الفكرية الفذة على كشف التناقضات بين الموروثات واعادة تشغيلها في واقعٍ آخر، وهي التي تمهد لأفكارٍ من قبيل كيف نرث المفاهيم وبأي معنى سيكون وضعها الثقافي من الحياة والتاريخ. والسخرية المشار إليها ستعري جوانب استعمال الموروثات من جهة الطرائق والأشكال المختلفة عما كانت عليه. فهل يمكن تنشيط اللوغوس بدلالاته الفلسفية واللاهوتية والسياسية ضمن مساحةٍ معاصرة من الحياة؟ هل سيتحول اللوغوسُ إلى أداة قوة وهيمنة على نطاق عام بعدما كان صورةً للحكمة والقداسة؟ هل ثمة دلالة للوغوس سيأخذها سياسياً حين أصبح برجماتياً كما في الثقافة الأمريكية؟

ميراث اللوغوس

دون ريبٍ تعد المعطيات الحضارية الراهنة جديدةً، بل وغريبة على اللوغوس (اليوناني والوسيط)، دوماً أمريكا كانت تعتبر نفسها أرض اللوغوس العجيبة حتى غدت مسكونة به طوال الوقت. وتاريخياً كانت تجلب إليها كإمبراطورية من الأحلام كبار الفلاسفة ( يورجين هابرماس،  جورج جادامر، حنا أرندت، هربرت ماركيوز، نيقولاي هارتمان، فرانسو ليوتار، جان بودريار، جوليا كريستيفا، جاك دريدا، لاكو لابارت، بول فيريليو...)، هؤلاء جميعاً ابناء اللوغوس الفلسفي وكذلك جلبت إليها كبار العلماء (ألبرت أينشتين وروزرفورد وجيمس جينز وماكس بلانك وأرثر إدنجتون وستيقن هوكنج...) وهم ابناء اللوغوس العلمي. وبخلاف هؤلاء وأولئك سعت أمريكا إلى الاحتفاظ بالنصوص الأولى وحتى النسخ المشوهة والأوليةdrafts  والمدونات الأساسية scripts للكتاب والأدباء والمثقفين الكبار في العالم كله. وامريكا بذلك تؤكد أنها (ذاكرة لوغوسية كونية) من نوع قاري عولمي يوازي قدرات اللوغوس الذي كان يحكم الكل ويعطيه تراتبه قي تاريخ العالم القديم والحديث.

ولم تكتف أمريكا بذلك، بل أرادت أنْ تكون دولةَ الاستثناء والأحلام الأولى في التاريخ وأنْ تغدو صانعةً لهذا الميراث لا مجرد فاعل مشارك في أحداثه. ومع اللوغوس أرادت أمريكا أخذ اشباح وأطياف الامبراطوريات الكبرى في التاريخ الغربي والشرقي على السواء. فليس هناك من ميراث للوغوس لا يمر بمحاولات الهيمنة السياسية التي شغلت القادة والدول والمجتمعات منذ قديم الزمان (من الإسكندر الأكبر حتى هتلر مروراً بجنكيز خان والحملات الصليبية وجيوش الفتوحات الإسلامية).

لنرجع الآن حفرياً إلى معنى اللوغوسLogos ، ثم لنعرف ماذا حدث عندما تم أمركته Americanization وجرى تعميده في اللاهوت السياسي المعاصر. اللوغوس (مثلما سبقت الإشارة) لفظ يوناني يعني الكلمة أو العقل أو القانون، أي القانون الذي يعيش الكل وفقاً لوجوده ودلالته، هو درجة التناغم الكوني البشري الذي يحقق الإتساق والمعنى للأشياء والأفعال. فهو عند أفلاطون وأرسطو قانون الوجود وأحد المبادئ المنطقية الأساسية. وكان هيراقليطس Heraclitus أبرز من استخدم مفهوم اللوغوس في الفلسفة اليونانية بصدد (التغير والصيرورة). جعل من اللوغوس المُنظمَ لكل الأشياء والأساس والمبدأ الذي تتم به عملية التغير والسيلان؛ اللوغوس عند هيراقليطس هو القانون العام الذي يسير عليه الوجود في تغيره من ضد إلى ضد، وهو الشيء الوحيد الثابت في هذا الوجود الدائم السيلان والتغير وهو النار. وحد هيراقليطس بين اللوغوس ومبدأ الوجود (النار)، فالنار كما اللوغوس هي القانون والتغير وتعدد الأشياء في هذا العالم. يقول هرقليطس:" كل القوانين الإنسانية تتغذى من قانون إلهي واحد: لأن هذا يسود كل من يريد، ويكفي للكل، ويسيطر على الكل".

سارَ الرواقيون في الاتجاه نفسه، فذهبوا إلى أنَّ العالم جسم حي له نفس حارة هي نفس عاقلة تربط أجزاءه وتؤلف بينها، فالنار هي المبدأ الفاعل الذي سبق وجوده وجود أي شيء ومنه توالدت جميع الموجودات، فحرارة النار انتشرت في الماء مولدة بذرة مركزية، وهذه البذرة هي قانون "لوغوس" أي أنها تحوي جميع الأشياء وجميع بذور الأحياء، وقد كانت هذه البذور كامنة داخل بعضها بعضاً داخل اللوغوس، انبثقت منه دفعة واحدة ثم أخذت تخرج من بعضها شيئاً فشيئاً وتُكون الموجودات في العالم، وماتزال تخرج بقانون ضروري ليس فيه مجال للمصادفة، فنظام الطبيعة يدل على أنها ليست وليدة الاتفاق ولا الضرورة العمياء بل الضرورة العاقلة، وكل ما يحدث هو مطابق للطبيعة الكلية، والعالم إلهي بالنار التي هي العلة الأولى والوحيدة في وجوده، فهي عقل كلي وقانون عام وضرورة وقدر، فهي اللوغوس الذي يحفظ النظام والعناية في العالم، والعقل الكلي الذي يدبر العالم ويحركه.

ثمَّ ظهر معنى اللوغوس بنوع من الاختلاف في اليهودية عند فيلون السكندري (أو إيديدا كما ورد إسمه باللغة العبرية) الذي عَدَّه أول القوى الصادرة عن الله، وأنَّه محل الصور والأشكال والرسوم، والنموذج الأول لكل الأشياء. اللوغوس قوة باطنة تحيي الأشياء وتربط بينها. وهو يتدخل في تكوين العالم، لكنه ليس خالقاً بمعناه الإلهي. فقط بمثابة الوسيط بين الله والناس، وهو الذي يرشد بني الإنسان ويمكنهم من الارتفاع إلى رؤية الله. ولكن دوره هو دائماً دور الوسيط.

أمَّا في المسيحية، فمن بين اسفار الكتاب المقدس، هناك " سفر الحكمة لسليمان" حيث يصف فيه صاحبه الحكمة بأنها بالقرب من الله أو عند الله تشاركه عرشه الإلهي وأنها صادرة عن مجده، وتساعده في عملية الخلق، وتسري في كل الأشياء وتحقق وحدة العالم. ويمكن أن تتصل بمن من البشر مستعدين لتلقيها، لتقدس أرواحهم وتؤمّن لها الخلود عند الله: وهذه الحكمة تسمى في عدة مواضع باسم " اللوغوس"، وهذا اللوغوس (الكلمة) الذي فيه جعل إله إسرائيل، رب الرحمة، جميع الأشياء. وبه نجى شعب إسرائيل وسينجّي كل النفوس التي تتلقاه.

بينما يستهل يوحنا (الإنجيل الرابع) المنسوب إليه، بالحديث عن (الكلمة Logos): "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، والله هو الكلمة، به كل شيء كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان". وجاء في خاتمة رسالته الأولى وفي الرؤيا المنسوبة إليه أيضاً أن هذا اللوغوس أو الكلمة، هو الذي كان قبل خلق الكون، كان عند الله، وهو هو الله، وهذا اللوغوس أو الكلمة، تجسد، أي اتخذ جسداً، وحلّ بين الناس، فكشف لهم حقيقة النجاة (الخلاص) وبث فيهم الحياة الخالدة، مُمكنا لهم من أن يصيروا أبناء الله. وبالجملة: أنه يسوع المسيح ابن الرب. وهذا اللوغوس، عند القديس يوحنا، لا يماثل تماماً الحكمة في سفر الحكمة، ولا اللوغوس عند فيلون والأفلاطونية المحدثة، لأنَّه عند يوحنا هو الله نفسه، وليس قوة تابعةً لله كما هي الحال عند فيلون اليهودي.

أبرز التحولات

قبل أنْ يعبر اللوغوس إلى عصورنا الراهنة أخضعه التحديث الأوروبي لعمليات تصفية وغربلة متعددة الجوانب:

أولاً: تصفية فلسفية: حيث نُزع الطابع اللاهوتي عن اللوغوس ليتم إدماجه في رؤى الحياة والعالم. وهو ما يعني كيفية تحويله (إنْ صح التعبير) إلى لوغوس علماني secular logos لا يسند الكل إلى قوى فوق طبيعية، لكنه يعطي الإنسان أولوية الحياة والفكر. ولا يهدف إلى إلحاق الاشياء والبشر والمفاهيم بأصول ميتافيزيقية بقدر ما يجعلها مألوفة وقابلة للتشكيل الإنساني الدنيوي. وهو ما يعرف بإقامة الحياة الإنسانية على أسس فهم الطبيعة كما هي وإقامة مجتمع حر ومستقل يجمع المواطنين على صعيد واحد من العدالة والمساوة.

ثانياً: تصفية معرفية: ذهبت الحداثة إلى نزع الأسطرة عن العالم والكائنات وجرى اعتبارها مجرد سياقات معرفية يمكن سبر اغوارها واكتشاف قوانين علمية وطبيعية تفسر الظواهر الناجمة عنها. وكان العلم ومناهجة أكبر الأطر التي جعلّت من اللوغوس نظاماً معرفياً قابلاً للتجريب وإعادة صياغة دلالته في صور تجريبيةٍ وتقنيةٍ لم تكم معروفة.

ثالثاً: تصفية سياسية: وهي عملية غربلة لكل ما يعود بالمجتمعات إلى عصور الاستبداد والانحطاط، لان مفهوم اللوغوس مفهوم هيمنة وتحكم، ولذلك كان رد الفعل تأسيس مفاهيم الدولة والإرادة العامة والحرية والليبرالية. ولم يكن السياسي ليتحكم في أي شيء بقدر ما تخول له الحرية بالنسبة للمواطنين جميعاً ذلك الأمر. علما بأنه يأتي أيضاً كسياسي بناء على الممارسة العامة المُتاحة للجميع دون تفرقةٍ.

رابعاً: تصفية لاهوتية: نزع تملك الدين من فكرة الكل باسم حاكمٍ أو مؤسسة أو كهنوت أو رجال دين أو مرجعيةٍ، لكي يكون مرهونا بالإيمان الحر. وغدا التدين مما يليق بالإنسان أو لا يليق به بحسب التكوين الثقافي للمجتمعات. فليس مُمكناً استعمال اللوغوس بظلاله اللاهوتية في المجتمعات الليبرالية على سبيل المثال دون أنْ يتعارض مع قيم الحرية  وتنوعها.

جميع هذه التصفيات عبرت خلال مياه المحيط الأطلسي إلى القارة الأمريكية، لكنها اختلطب بطابع ثقافتها البرجماتية العملية. فلقد غدا اللوغوس لوغوساً سياسياً برجماتياً pragmatic political logos قيد التوظيف والاستثمار، أي لم يكن إلا لوغوساً(انتهازياً – عملياً- اقتصادياً رأسمالياً). فالسياسة لدى الفكر الأمريكي وسيلة لتحقيق المنافع والمصالح وتوسيع دائرة الخطط المستقبلية. وليس التحول هنا داخل المجتمع بأكثر منه بالنسبة للسياسات الأمريكية في العالم الخارجي. والناس يعتقدون أن تكويناً سياسياً بعينه هو عصر زائل إلى غير رجعة، وهذا غير صحيح بالمرة. فإذا كان اللوغوس اليوناني بنيةَ تجميع للأشياء ونداء صامتاً حول الكل، فلدى السياسة الأمريكية يغدو بذرة تفريق وتشتيت وفوضى خلاقة كما حدث بالعراق وبدول الربيع العربي.

وأحياناً أخرى كان اللوغوس الأمريكي  American logos لوغوس سياسة في المقام الأول بمعناها المفتوح والمرن والقابل للتغير والتحول والتقلب والتوليف. وكانت تلك الخطوة من الخطورة بمكان لدرجة أنها أمست بمثابة الانحراف الأبرز في اللوغوس اليوناني الأوروبي بجذوره الوجودية الميتافيزيقية. وكانَ مطلُّوباً من كل رئيس أمريكي إيجاد الصيغة التركيبية التي تتحدد على أثرها إدارة الحياة وعلاقات دولته الامبراطورية بالعالم. من ثمَّ لجأت امريكا في إدارة الأحداث المحلية والدولية إلى تفكيك وتركيب العناصر وفقاً لمصالحها وأهدافها.

أمريكا طوال تاريخها تتهرب من ماضٍ ليس يبعد عنها إلاَّ بضع خطوات، ماضي التكوين الفيروسي والاستعماري القائم على فرض الأمر الواقع والاستباق إلى النتائج. ولذلك كان التحسب من القادم في تاريخها أكبر من جميع الأزمنة الماضية. وهذا طابع المخاطرة دوماً التي تعيشها أمريكا من مرحلة لأخرى: أنها تفتح المجتمعات على مجهول يحمله رأس رئيس ملفوف بالغموض. ولا يعرف الرأس (حاكم البيت الأبيض ومعاونوه) كيف يدير القوة الأكثر سطوة وهيمنة في العالم. ولذلك تنتشر المؤسسات السياسية والبحثية وبيوتات الخبرة وصناعة الوعي هنا أو هناك في جميع جوانب الدولة الأمريكية. وعادةً ما يعيد الرئيس الجديد حالة المخاطرة إلى نقطة الصفر. لأنَّ الأوضاع السياسية تحتاج خبرةً قد لا تعالجها الأيام والسنون.

الكاوبوي- اللوغوس

تاريخياً يتجسد معنى الكاوبوي في صور سياسية رمزية، سواء أكانت أشخاصاً أم أفعالاً أم سياسات معينة. على سبيل المثال كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجسيداً حياً لتلك الحالة. لقد كان انفراد ترامب بالسلطة والإدارة الأمريكية انفراداً بلعبة المراهنات على الاحتمال البعيد لهذا المعنى. وهو احتمال كشف كل التحورات التي طرأت على اللوغوس عندما دخل الثقافة الأمريكية بجميع تعقيداتها العملية. وفي حياة الأمم وبخاصة أمريكا (القارة – الأسطورة)، أحياناً تصبح أبسطُ العمليات السياسية مثل " الانتخابات الرئاسية " أعمق تأثيراً مما نتوقَّع.

لأنَّها تحددُ الآفاق المتصارعة للعلاقات والأفكار والأشخاص على المدى البعيد. ولربما تؤكد هذه العملية اختيارات معينة يترقبها المتابعون، حيث تتبلور يومياً كأنَّها عملية سياسية في مواجهة شاملة مع كل عمليات وقضايا سواها. ورغم أنَّ الاختيارات الانتخابية مجرد بدائل في سلسلة من الممارسات العامة، لكنها تتسابق على تقريب إحساسنا بالخطر النيتشوي، أي " العيش في خطر" دائم حتى اللحظة الفاصلة. لا لشيء إلاَّ لأنَّها تخنق صور الواقع لدينا، تعرضها للتهديد إذ تقتحم ما نمتلكه من أشياء مألوفةٍ في الحياة المشتركة.

كان يثار التساؤل التالي بصدد ترشح دونالد ترامب أمام هيلاري كلينتون: ماذا لوكان الاختيار الفائز هو الأخطر؟ ومن أين ينبع الخطر في حالة ترامب لو كان هو الفائز كما حدث؟ ولئن كان الأمر كذلك إجمالاً، فلماذا تأتي الصدمة ذات طابع تاريخي نتيجة اختيارٍ سياسي ما؟ إن طبيعة الاختيار ترتبط بالاحتمال غير المتوقع متى عمدنا إلى استبعاده. ذلك بالضبط ما راهن الاعلام والسياسيون عليه في الانتخابات الأمريكية التي كان ترامب أحد أطرافها. عندما توقعوا فوز المرشحة هيلاري كلينتون آنذاك. لكن بقدر رمي التوقعات في اتجاه ما بقدر ما كانت المفاجأة الآتية من الاتجاه المستبعد أكثر دلالةً.

دلالتها أنها تستند إلى معطيات برجماتية خاصة بتكوين الثقافة الأمريكية لم يدرك طبيعتها معظم الناس. وإذا أقصيت في حالة أو أخرى، فسرعان ما تتجلى خلال حالة غائبةٍ قد كسبت الرهان. وربما جاء نمط الرئيس (الرأسمالي الكاوبوي capitalist   cowboy) المنتخب هو الأقرب إليها. لأنَّ نمط الرئيس لم يكن نمطاً اقتصادياً فقط، بل كان بنية خفية قابلة للتحول وراء الوقائع والظواهر الطافية على السطح. وقد كان ترامب كذلك بالفعل هو الصورة الأخيرة لا النهائية لبطل من الكاوبوي السياسي باسم اللوغوس في حقبته الأمريكية.

من هنا لم يكن فوز دونالد ترامب (الرئيس الكارثة كما قيل في حينه!!) عملاً اجرائياً، لكنه كان حالة خلخلت المجتمع الأمريكي واتسقت بالوقت نفسه مع تاريخه الذي لم يُرد احدهم الاعتراف به. حيث طّفحت رواسب الثقافة العميقة الخاصة بالبرجماتية فوق سطح الأحداث السياسية. أشار المُعلقون إلى أنَّ المجتمع لن يستطيع تفادى تلك النتيجة الخطيرة: خروج القرارات والأفكار مغلفةً بالانتهازية والخفة واللامسئولية. كان السؤال المُلّح حينذاك: كيف سيجري الوضع عقب تعرية وتسليخ وتفتيت الصورة العاكسة للسياسة والنظام الاجتماعي لأمريكا؟! فالرئيس الأمريكي المنتخب ظهر كرجل الغاب الذي دخل قصراً من المرايا العاكسة والقوارير والانتيكات ودمى أعياد الميلاد والديكورات الرقيقة والرفيعة.

ماذا سيفعل الرئيس الكاوبوي عندئذ غير التكسير والتحطيم والتهشيم واحداث الفوضى؟ لقد كان ترمب في مناظراته(كما رأينا في فوزه الأول أمام هيلاري كلينتون وخسارته الثانية أمام جو بايدن) قناصاً انتهازياً للفرص المتاحة وغير المتاحة. وأحدث برسائله شروخاً أعمق مما أراد بين الفرقاء السياسيين، لأن خطاباته العامة كم ضربت الأوتار والأعصبة الحية للأعراق والقوميات المغطاة بغطاء ثقافي يومي ما.

لدرجة أنه بعد اعلان النتيجة أمام هيلاري كلينتون أُطلقت صيحات الأمل لرتق الانقسام بين الناخبين والمشاركين السياسيين وهو ما تكرر بعد هزيمته أمام جو بايدن. وحاول المحللون ورجال السياسة اعتبار ترامب مرحلة عابرة، ثم سرعان ما ستعود الأمور إلى أمسها القريب. ولكن اتساقاً مع فكرة اللوغوس، يبدو أنَّ التاريخ أشباحٌ لا تفتأ تختفي حتى تظهر على التتابع. لأول وهلة قد يستدير التاريخ ماثلاً أمام المجتمع الذي أنتجه وكان ثقافة حاكمة للوعي بالحقائق والحياة. وهنا ليست المفاجأة في كون ترامباً هو القادم فقط حين تم انتخابه، لكن كيف جاء رئيس بمواصفات ثقافية تلخص تاريخاً أمريكياً دون زيادة ولا نقصان؟!

إنَّ فوزاً لرجل بمواصفات دونالد ترامب يستطيع تفجير القشور التي يتغطى بها أي مجتمع. وبإمكانه إحياء ذاكرة قديمة مرتبطة بتشكل قارة المغامرات والصراع والحروب. والمدهش أن نفس القوة التي أسهمت في صياغة الحياة الأمريكية كانت هي الخيول الجديدة التي وصل بها ترامب إلى البيت الأبيض. أقصد قوة الرأسمال الطلق والمفتوح بلا حدود ولا قيود ولا قيم ولا محاذير. ألم يكن ترامب نموذجاً لملياردير كاوبوي متنوع الثروات والشركات والعقارات؟! وكان هو القادر أيضاً على حسم الصفقات السياسية كما يحسم صفقات تجارية مربحة؟ لكن مع أي طرف كان يعقد ترامب الصفقات السياسية؟  لقد عقدها هذه المرة مع ماهية أمريكا ذاتها على حساب كل أشكال الديمقراطية!!

فإذا كان الكاوبوي القديم يسابق الريح ويقتل الأعداء ممتطياً الأحصنة وقطارات الفحم ومدمراً الأبنية والمركبات، فالرئيس جاء بالوسيلة عينها. رأسمالية الكاو بوي هي المفاجأة التي كانت مطرقة الدهشة وراء انتصاره الذي مثل المفاجأة. ذلك بكل ما يرتبط بالرأسمال من مظاهر ثقافية طاحنة للمنافسين وكاشفة لطبيعة العلاقات واستعراضية الافعال لاعبةً على طبائع الشعوب وغرائزها وأسواقها. الكابوي المعاصر هو الذي تغير فقط ليُحلِّق في الفضاء ويعبر البحار والمحيطات ويطارد هنود العالم الجدد في كل مكان. هذا معناه أنه أينما يخطو (الكاوبوي اللوغوس) كان يصنع هنوده الملاحقين عن قصد هنا أو هناك.

تردد أثناء حقبة دونالد ترامب أن هناك تهديدات للمسلمين وبعض المهاجرين الشرقيين في أمريكا. تشمل بعض التهديدات دعوة مبطنة لمغادرتهم البلاد تاركين تاريخهم القديم. وتشمل أيضاً تصفية الكيانات المهاجرة إذ ليس لهم (الحق) في التمتع بامتيازات الدولة الأمريكية. ونحن نعرف أن الوجه المقلوب للدعوة هو أولوية الرجل الأبيض ومركزية مصالحه على كافة المصالح الأخرى. والتطهير العرقي الذي مازال سارياً بين التشققات الاجتماعية ومظاهر الأجساد واختلافات الأصول. كما أن ثمة أصلاً ما في أمريكا كان يُراد له الغلبة، وأنَّ ثمة انحيازاً  لنمطٍ معين من الوجود دون سواه.

هل كان سيتحول الفضاء الأمريكي إلى عمليات كر وفر عرقي وديني مرة أخرى؟ لقد نجح ترامب ليس فقط أمام الرأي العام العالمي بأكثر الديمقراطيات انفتاحاً، لكنه كان مثالاً لاستنفار ثقافي ولوغوسي من نوعٍ ما. وهو يعيد إلى الأذهان صراعاً تاريخياً بين الرجل الأبيض الأوروبي والسكان الأصليين. فاللوغوس الأوروبي كان هو أصل الرجل الأبيض، إنه اللوغوس العرقي الغارق في الأصول اليونانية المسيحية، وقد تحول إلى وسيلة استثمارية تجرها الرأسمالية العابرة للقارات.

السكان الأصليون مصطلح ينسحب على سكان القارة الأمريكية وعلى سكان قارات العولمة بالمثل. ففي الجانبين هناك لاعب يستفرد بمجموعات من البشر تتلاعب بهم إرادة غامضة اسمها النظام الأمريكي بكل عتاده الإقتصادي والعسكري. وهاهم من حين لآخر يشعرون بضيق الآفاق وصراعها حتى النهاية. ليس مصادفة القول بأن أمريكا آخر الحضارات العظيمة كما كان يروج فرنسيس فوكوياما وصمويل هنتنجيتون. الأول في كتابه "نهاية التاريخ وخاتم البشر" والثاني كتابه " صدام الحضارات". وأنه لن يبلغ أمريكا مجتمع آخر مهما استطاع من احراز قصب السبق والتحضر. وهذه الحضارة – كما يُزعم- هي المرحلة الناضجة نتيجة البذرة الأولى للآباء المؤسسيين للأمة الأمريكية. وما الرأسمالية العالمية التي يستنكرها البعض إلاَّ نوع من اكتمال ماهيتها عملياً من خلال القوة الاقتصادية الجبارة لتلك الحضارة!!

بناء على ذلك فإن الأسواق ليست مرحلة، لكنها الطاقة الاستهلاكية القصوى لجميع الامكانيات. إن الاقتصاد السياسي الذي يبنى عليها يمثل ظاهرة التضخم إلى حد الانفجار في وجه كل ما يقابله. وللأسف لن يوجد انفجار بلا خسائر. فرأس المال دوماً يجعل الآخرين بجميع صورهم وقوداً لاحتراقه. وذلك أنه لا ينتج مزيداً من نفوذه إلاَّ بهذا الإحراق السياسي والإنساني للرغبات. سواء أكانت مشبعة أم جائعة للمزيد والمزيد. لهذا لو كان اللوغوس الأمريكي حاضراً بقوته فهو بائع اقتصادي عابر للحدود والقارات. لقد دخل اللوغوس الكاوبوي في الأطعمة والماركات التي تنتجها الصناعة الأمريكية ثقافياً وتجارياً.

إن أمريكا هي البلد الوحيد تقريباً الذي يعيش على هذه الحافة نحو الصعود أو الانهيار. لأنها تمتطي مغامرة وجود أنْ تكون أو لا تكون. وهي استراتيجية دونالد ترامب (مثلما يفعل أي رئيس أمريكي) في خوضه لأدنى ممارسة سياسية نجح بها. وجميع رؤساء أمريكا كانوا على ذات الدرب الممتد وراء الجبال والسهوب والبراري والشركات والهيئات الدولية والأساطيل والمؤامرات والصراعات الحربية. حيث ساحات المطاردة لأشباح الأعداء واللصوص والشياطين. أمريكا الدولة الوحيدة أيضاً في العالم وربما في التاريخ التي تعتبر أن عملية (خلق العدو والاستثمار فيها) أهم من عمليات الانتاج. لأنَّ الأولى هي التي تفتح لها مخازن ومناجم وآبار الانتاج بكل صنوفها. وهي التي ستحقق حالة الاتحاد للأمة الأمريكية وستجددها في مواجهة الأغيار مهما يكونوا. حالة كانت ومازالت تحتاج دوماً إلى عدو خارج ذاتها. لكن ماذا لو جاء العدو من داخلها بالصيغة التي سهرت على تكوينها؟

بالنسبة لقارة أمريكا كانت تربتها الثقافية مزرعة تاريخية لصنف من البشر لا يعبأ بالمشكلات الإثنية والعقائدية. لأن القضاء عليها (إذا كانت هناك إرادة مخلصة لذلك) سيفترض أن يأتي من الجذور بحسم المعارك الوجودية بين البشر. فإما أن يتم ترك المكان فارغاً للأوروبي القادم وإما فالمصير هو قتالٌّ حتى آخر نقطة دم. وهناك الملايين من السكان الأصليين وقعوا ضحايا هذا التصور. هل ينشّط رؤساء أخر الزمان الأمريكي هذا التطهير الوجودي؟

طبعاً طالما وُجدَ نموذج كان سائداً في الثقافة الأمريكية، فلم يكن ليغب تأثيره عن أكبر الاستعراضات عمومية. فأمريكا بلد الاستعراض العولمي للرجل الأبيض على خريطة العالم. فأحيانا تتحول إلى مساحة جيوسياسة ضيقة جداً كقبر سياسي للعالم، وأحياناً أخرى تشغلها جميع الاتجاهات والآراء والعرقيات بآفاق بالغةِ التنوع والاختلاف. ليس فقط في إدارة شؤونها الداخلية، إنما إزاء العالم كله بالأساس. كان ذلك هو السبب وراء اسقاط مفهوم القارة الأمريكية على قارات العالم. فرئيس أمريكا (جورج بوش الإبن وباراك أوباما ودونالد ترامب) أكثر من مرة قد أعلن أنه سيحارب الإرهاب والدول المارقة بمنطق الكاوبوي أيضاً. وعادة ما سيكون رأس المال سلاحاً مزدوجاً سينال من الأعداء في ديارهم وسيجلب الأرباح الطائلة إلى دياره. ووفوق هذا وذاك سيقلص تنوع العولمة في قرارات ومنظمات يقبع فيها الكاوبوي اللوغوس الجديد بصيغةٍ من الصيغ الماكرة.

 

سامي عبد العال

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور سامي عبد العال،
قرأت قديما كتاب لروجيه غارودي، عنوانه ( امريكا طليعة الإنحطاط، وهذا مقال زادني معرفة علمية وثقافية عن ربط اللغوس بالسياسة والدين قديما وحديثا. لكم مني جزيل شكري وتقديري.

صالح البياتي
This comment was minimized by the moderator on the site

عظيم امتناني لكم الأديب والشاعر والروائي الاستاذ صالح البياتي
فعلاً روجيه جارودي له كتابات كثيرة في هذا الإطار وقد اعتبر امريكا حاضنة الانحطاط في الشرق كذلك المتمثل في اسرائيل من خلال كتابه ( الاساطير المؤسسة لدولة إسرائيل) . وامريكا قد استولت على حضارات كثيرة في الشرق والغرب كما رأينا نهب آثار العراق وكنوزه المعروضة للبيع في صالونات المزاد والتجارة الثقافية للإرث الانساني.
طابت أوقاتكم بكل سعادة وعافية وابداع

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5444 المصادف: 2021-08-01 02:08:10


Share on Myspace