 قضايا

اختبار التحكيم الإلهي ومكانه وعواقبه في العراق القديم

في بلاد وادي الرافدين هناك تحديد للتحكيم الإلهي فقط في الماء. وأوضح (جان بوتيرو) بكل جلاء مشروعية اللجوء إلى التحكيم الإلهي إلى إله النهر وإن تفسيره يعطي أهمية أكبر لقوة العزامة أو الرُقية أو التعويذة  أكثر مما يعزوها إلى القوى العادلة. ويبدو هذا التوضيح اللامع غير قابل للنقاش بالنسبة للألفية الأولى إلا أنه وجد حدوداً له ولا يبدو هناك أي تحكيم إلهي في تلك الفترة باستعمال النار، علماً أن الموت بالحرق تؤيده الكثير من الوثائق، ولكن ضمن المدوّنات المتوفرة لدينا يشكّل غياب أي نوع آخر من التحكيم الإلهي مشكلة ويجب الأخذ بالحسبان التوضيح الشامل لهذه الظاهرة وتأويلها.

إن الفعل الرئيسي الذي يشير إلى المشاركة في التحكيم الإلهي هو Saium والذي ترجمه (جان بوتيرو) بالفعل "يغطس" وإن الناس الذين يتوجب عليهم أن "يغطسوا" لأي سبب كان يطلق عليهم تسمية "sulum" وبهذه الكلمة اقترح (جان بوتيرو) أن يكون معناها " فريق الغطس" . وفي الرقم 249 [A 457] لا يمكن أن تشير كلمة sulum إلاّ إلى الأشخاص .. ومع الإبقاء على المعنى الذي قدمه (جان بوتيرو) أعتقد بأن المصطلح يعود (يرجع إلى) Sula2um وهي صياغة متماثلة مع rubaum أو suharum وهنا صيغة أخرى هي PURAS تستعمل لتشير إلى الناس وكذلك إلى الأشياء .

كما أن كلمة sulaum تعني "الغطاس المهني" أو على أقل تقدير الشخص الذي يغطس، وربما يعني ذلك الشخص الغطاس الذي يعرض خدماته للآخرين .

ومن السمات الأساسية للتحكيم الإلهي في ماري هو التغيير أو التعويض الدائم من قبل الغير بالنسبة للشخص الذي يخضع للتحكيم الإلهي . إنهم ليس الأمراء الذين يغطسون وإنما الناس في مدنهم، فقد تم تمثيل Subram وHaya-Sumu من قبل sulum التابعين لهم . والملكة نفسها Zalmaqqum، وعلى الرغم من الاتهامات الثقيلة الملقاة عليها نراها أنه تم الاستعاضة عنها أو استبدالها بسيدة أخرى من صديقاتها. وفي الرقم No. 254 [A 380] نجد أن Iddin-lltim أرسل زوجته إلى النهر بدلاً عنه . وفي الرقم No. 253 [A 4187] فإن الأم تغطس بدلاً من ابنتها . ومهما كانت الحالات التي تم ذكرها في القوانين فإننا نؤكد على التطبيقات الجارية منذ الفترة السابقة .

وقد أوضح (جان بوتيرو) الطريقة التي يتم فيها التحكيم الإلهي وهي طريقة بسيطة جداً حسب اعتقاده . ويبدو أنه يتم اقتياد الشخص أو الفرد المعني إلى حافة نهر وعرة أو منحدرة hursanum ويغطس . فإذا خرج من الماء فإنه سوف يعدّ بريئاً . ولكن في هذه الحالة نجد أن الاختبار أبعد من أن يكون قابلاً للتحمل ولا نفهم لماذا يمتنع عنه الكثير على الرغم من خطورة العقوبة وبصورة خاصة هل يتوجب أن نفكر أن أبطال lli-Estar كانوا ضعفاء للقيام بغطس بسيط وهل يمكننا أن نجد أناساً قادرين على ذلك؟ فهل نعتقد أنهم يتراجعون إذا ما طُلب منهم ذلك؟ ولهذا من دون شك  فان القوانين تجابه حالات رفض التحكيم الإلهي . وفي الحقيقة في كل مرة نؤكد عليها هناك نوع من الأداء الجسمي الذي يُنجز .

أما من ناحية القوة الرياضية التي يحتاجها التحكيم الإلهي فقد تمت ملاحظتها في النص القانوني وتتمتع هذه الناحية بأهمية استثنائية . وحسب هذه الوثيقة التي تتعلق بحقل تنازع عليه يترتب على خدم الملاكين (من أجل إقامة حقوق أسيادهم) أن يدفعوا مسمنة (قرص) ويقومون بالعبور (أي عبور النهر) فإن غطاس بسيط لا يقدر على ذلك .

ويترتب تفحص الرقم No. 249 [A. 457] بشيء من التفصيل وهو نص صريح، إذ يتعلق الأمر باللجوء إلى المساعي الحميدة من قبل أناس معنيين من أجل الناس الضعفاء حيث يتم إغطاس (تغطيس) Sulum من سبعة أشخاص : رجل مسن وستة من النساء، اثنتين من النساء يغطسن (ويخرجن) (ittasi) ثم يغطس الرجل المسن (العجوز) " وفي دواخل الإله " ipsur بعد عن (80) قياس ثم يخرج . إن التعبير ipsur يجب فهمه على الفور مع ما يحدث للأم Marat-Estar في الرقم No. 253 [A 4187] وتسقط داخل الإله، وتموت، ثم لا "ipsur" .

ان الواقعتين متعاكستين ففي الحالة الأولى المعنى السياقي ينص على "انه نجح في الاختبار" أما في المعنى الثاني "انه اخفق في الاختبار".

ولكن ماذا يعني الفعل Pasarum ؟ يقترح (بوتيرو) ان معناه هو " يخلِص، ينقذ " وهناك استعمال خاص يعني " يشق الماء ليتقدم " إلا ان المسألة  معقدة .

أ - هناك سياقات يبدو فيها الفعل Pasarum أنه فعل حركة .

" قل لسيدي: هكذا (تحدث) Habdu-Amim خادمك" .

Ami-Esnb ابن واراد، رجل ipsur Mislan (لـِ / نحوي / تجاهي) قادم من Saggaratum . وينبغي على سيدي استجوابه . نرى إذن الذهاب تحت الماء " يكون قريباً للمعنى ولا يمكننا الأفتراض ان الأمر يتعلق بالجذر PSR " يمر أو يعبر دون أن يُرى أو يشاهد " .

ب- من ناحية أخرى نجد Pasarum في سياق قانوني حيث يكون فيه معنى اللجوء إلى التحكيم الإلهي دون اعطاء أية تفاصيل، فالتعبير ipsur (NP) متبوع بخطاب طويل يرفض اتهاماً بالزنا، وفي هذه الحالة تم استعمال Pasarum وكذلك umma-mi . وفي هذا السياق تم استعمال Pasarum كفعل خبري .

من المحتمل أن الحل يمكن أن نجده في AEM / 1/2 No. 488 حيث ان المعنى واضح هنا وهو : " أنها نجحت في إثبات الإثباتات الآتية ..." إذن يعد معنى Pasarum (يبرئ) من تهمة أو من سجن، ومن الممكن أن يكون أصل التعبير الكامل وهو raman-su pasarum لذلك نترجم المثال الموجود في A. 4162 " برأ نفسه وجاء من sagaratum " .

ويتضمن هذا الإثبات عدم " الغطس والخروج " وإنما هو " السباحة تحت الماء " . في وقت معين، أو طول معين . وهذا يعكسه تعبير " داخل الإله " فهذه ذات دلالة إذ نقول في No. 249 [A. 457]g useridu " جعلناه ينزل " أو " أنزله " أي هنا أنزل الزوجة الثانية . والتعبير جعلناها تذهب إلى العمق . وعندما ذُكر أن الزوجين أو المرأتين الأولتين في الوثيقة No. 249 [A. 457] تغطسان وتعودان إلى السطح مباشرة وأنهما جرّدا من حقوقهما أو امتيازاتهما . أما الثالثة فقد غرقت . ويتم البدء عادة  بتغطيس الأشخاص الأقوياء أو الاحتفاظ بالآخرين إلى النهاية . وقد  أدت توسلات العجوز بإعفاء النساء الثلاثة الآخرين (11 . 17-2) . وعلى كل حال إذا نجحن فيما ينتظرهن والذهاب إلى بعد معين أو السباحة فإن مبلغ أدائهن لا يكفي، ... ولا حاجة بطلب إيقاف العمليات .

ينبغي أن تقدم كل هذه التفاصيل التقاليد العامة السابقة للوضع في الماء وهو ما تحدث به القانون الآشوري الوسيط لنقول أنهن يستطعن أو لا وجود لهن ... ومن الممكن أن تكون الملاحظات غير ذات جدوى في No. 254 [A. 350]، إذ أكد الحاكم أرسل كل من الرجل والزوجة إلى الملك والزوجة التي غطست ثم صعدت أو خرجت (1.28) . إن هذه "التقاليد الأولية " مشهودة في الرقم No. 249 [A. 457] حيث قيل ان الرجل العجوز " أقام 80 قياساً " ومن المحتمل إذن ان على الذي يخضع للتحكيم الإلهي أن يكون على بعد معين من النهر وضمن شروط معينة . وعلى كل حال إذا كان الامر متعلقاً وبكل بساطة بوضع الرأس تحت الماء وإخراجه سوف لا نفهم وجود شهود رسميين من نمط ebbum الذين يكمن دورهم في تقييم حقيقة العمل وبصورة خاصة لتبرير أي نقص أو إخفاق .

مكان التحكيم الإلهي:

يعتقد (جان بوتيرو) ان المكان هو النهر بما في ذلك القنوات هي ايضاَ الأمكنة التي تتم فيها ممارسة التحكيم الإلهي، وهذا أمر صحيح لبابل وكذلك في مملكة ماري، إلا أن (جان بوتيرو) أكد مرات عديدة على وجود مكان محدد للاستجواب وقد تجسد ذلك من خلال وجود معبد إله النهر . وفي ماري عندما نتحقق من المكان الدقيق التي يتم فيها التحكيم الإلهي نجد أنفسنا دائماً في مدينة Hit وهنا تمت الإشارة إلى وجود مراسلات تشير إلى قصص التحكيم الإلهي وخاصة ما يتعلق بـ Meptum .

هنالك ما هو أكثر أهمية من ذلك فإن ملك ماري لم يكن الوحيد الذي يرسل رعاياه أو بعض منهم إلى Hit وكذلك في مناطق ida-Maras وكذلك في carkemish ومن zalmaqqum وYamhad وIma وحتى من عيلامElam وجميع المناطق التي تعاني من شحة المياه أو من الذين لم يكن لهم منفذ مباشر على الفرات . ومن المحتمل أن تكون هذه المكان هي " مدينة النهر الخاص بالتحكيم الإلهي " واسم الأخير أي اسم النهر مأخوذ من اسم الإله . ويمكننا أن نؤكد هنا أن هذه هي المكان التي كانت تتم فيها مراسيم التحكيم الإلهي في بداية الألفية الثانية، ولكن لا نعرف بالضبط ما كان يجري في الألفية الثالثة  ومن الممكن أن نؤكد ما كان يجري في Hit خلال الألفية الثانية وكان هناك الكثير من الذين يأتون من الشرق والغرب لهذا الغرض، فإنه من غير الممكن أن نؤكد أن كل نصوص بلاد الرافدين التي تتحدث عنها الناس الذين يذهبون إلى التحكيم الإلهي يتم نقلهم إلى Hit، ولكن من المحتمل أن كل الأماكن في بلاد وادي الرافدين والتي كانت تتم فيها عملية التحكيم الإلهي مشابهة لمدينة Hit .

ومن جهة أخرى ليس لدينا معلومات جيدة حول معبد الإله والعبادة التي كانت تتم فيه . وليس من المؤكد وجود مكان أخرى غير Hit على الرغم من الشعبية التي كان يتمتع بها هذا الإله، كما ان " افتراض إله النهر الذي اعتقد (جان بوتيرو) أنه وجده في رسالة No. 249 [A. 457] Meptin بالإضافة إلى (Sangum) يجب أن يُفهم أنه " حاكم Saknum لـ Hit" أما بالنسبة للتعبير الذي نجده في AEM 1/3  في الأمور الدينية المختلفة A. 1032 يجب أن يعني : "ينبغي على سيدي أن يأتي ويقدّم القرابين والصلوات في معبد المسلّة".

ومن جهة اخرى تم العثور على البناية بالقرب من Zibnatum في منطقة Terqa وليس في منطقة Hit ومن جهة أخرى يجب على الحاكم أن يُخبر الملك بأن يجهز الماء لأن المصادر الموجودة في e . na-ri-im غير كافية، وسيكون ذلك مفهوماً لو أن المعبد قد تم إنشاؤه في موقع المنبع . أما التوصية فستكون مدهشة إذا تعلق الأمر بمعبد إله النهر الذي نتصوره أنه ليس مفقوداً في الصحراء .

عواقب التحكيم الإلهي:

تعد القوانين المتعلقة بالتحكيم الإلهي صارمة جداً تجاه أولئك الذين يظهرون خطأً في إجراء التحكيم الإلهي، ولابد لهم من أن ينالوا العقوبة المناسبة لما اقترفوه من ذنب تجاه ضحاياهم . ففي كثير من الحالات نجد أن التوثيق من ماري قدم معلومات مهمة . فالحالة الأولى تتعلق بمنتصر إذ تنص الحالة على موت أو تخلي أولئك الذين يخدمون الأبطال، إذ يبدو أن الطرف الآخر أعلن أنه منتصرNo. 249 [A. 457] . والمدينة (لا يوجد اسمها) والمنطقة ersetum هما للأمير (Subram) . فلابد من كتابة نص رسمي يُقرّ بالواقعة ولكن من المؤسف له حقاً أننا لا نعرف القرار المتخذ ضد الملكة (Zalmaqqum) . وفي حالة اتهام خاطئ فإن صرامة القوانين هي ذاتها في الغرب وذلك حسب توصيات رجال القضاء : حيث قال Yatar-Ami :

"إذا تمت تبرئة هؤلاء الناس (المتهمين بالخيانة) سوف أحرق أولئك الذين اتهموه . وإذا توفي هؤلاء الرجال سوف أعيد إليهم بيوتهم – (سوف أعيد إلى متهميهم بيوتهم ورجالهم " .

ونفهم إذن موقفاً غير طبيعي Sin-bel-aplim  يستعمل قسوة خاطئة. رقم No. 257 [A. 2584] .

"ينبغي على الـ Haneens الذين حجزوا العامل أن يتم غطسهم في النهر، وإذا ما نجوا سوف ندق مسماراً في فم العامل " .

ولابد للشخص من أن يثبت أي اتهام يقدّمه ويجب أن يكون على بيّنة من الأمر كله .

"وإلا فإن هذا العامل يجب أن يغطس في النهر لكي يستحوذ النهر عليه  حسب ما يقوله".

ولكن ليس من المؤكد إذا كان هناك اختيار حقيقي بين الحلّين وإن Sin-bel-aplim لا يواجه إرسال العامل إلى التحكيم الإلهي عندما يقوم الذين وجهوا الاتهامات بتبيان مسوّغ إدعاءاتهم .

وربما ان الحالة الغريبة جداً أو الحالات الغريبة هي التي يعترف فيها الموظف في ماري ان التحكيم الإلهي لم يكن ناجحاً، فإن الإحراج الذي يصيبه كبير أمام الآلهة . ولاحظنا مثالاً ظهر فيه أن النهر لم يتم العثور عليه، وهكذا

"تخليص أو إنقاذ" الطفل المسحور بعد وفاة الأم (المُسمِّمة) (التي دست السمّ) ظاهرياً إضفاء السمة الشرعية على مصير البائسة حيث هناك شيء لم يرُق لها . ويبدو أن هؤلاء الناس جاءوا من دون تخويل بصيغة جيدة ومناسبة Zimri-lim . والمرة التالية سوف يتم رفض الاستجواب (وهذا يعني ان الوحي لم يكن في متناول أيا كان دون أي تخويل من حاميه الطبيعي، ملك ماري : وربما تشكل مدينة Hit مصدراً للنفوذ الذي تتمتع به لدى شعوب الشرق الأدنى القديم) . ومن المحتمل ان المعاصرين أدركوا بسرعة أن للإله نزعة وميول نحو مساعدة الشخص الرياضي ومن هنا جاءت تقاليد استبدال الشخص البائس أو الضعيف ببطل . وهذا من المحتمل يعدّ توضيحاً لما كان مدهشاً في حالة ممثلين Haya-Sumu . وإن على هذا الأخير  أن يكون متأكداً بحق أنه استطاع أن يكون له تحدي، ويتوجب وجود المزيد من التفاصيل لتجعلنا متأكدين أكثر .

 

الدكتورة هبة حازم النعيمي

كلية الاثار – جامعة الموصل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4768 المصادف: 2019-09-25 04:31:11