 قضايا

الإسلام وموقفه من الوطنية

معراج احمد الندويالوطنية من أهم النـزعات الاجتماعية، تربط الفرد البشري بالجماعات، وتجعله يحبها ويفتخربها، ولأجلها يضحي في سبيلها، ومن المعلوم لدى الجميع أن الوطنية هي حب الوطن وشعور باطني نحوه. والقومية تطلق في اللغة الإنجليزية على جماعة من الناس الذين يتبعون دينا واحدا أو يتكلمون لغة واحدة أويسكنون في منطقة واحدة ولهم طقوس مماثلة.

الوطنية لا تختلف بسبب الديانة أو اللغة أو الطقوس، ولا يصدر الحكم باختلاف القومية على اختلاف الديانة واللغة والمنطقة والطقوس، فيدخل كل مسلم و مسيحي في القومية، فلا يضر القومية عمل المرء بكونه مسلما أو مسيحيا، فلابد أن تقوم على أساس الوطن.

ومن فطرة الإنسان أن يحب وطنه وأرضه، بل يوجد حب الوطن حتى في الحيوان، فنرى أن العصفور يحب عشه الذي ينام فيه، والنملة تحب مسكنها الذي تأوي إليه. فلماذا لا يحب الإنسان وطنه؟ فهذا من الفطرة  أن يحب الإنسان وطنه الحبيب الذي يعيش فيه، ويعيش فيه أهله وأقاربه وأصدقاؤه، وفي ثراه يوارى رفاته ورفات أعقابه إلى يوم البعث، فكل من الإنسان يحب مسقط رأسه وتربة أرضه العزيزة، ويدافع عنها بكل مالديه من مال وسلاح وعلم ودماء.

إن حب الوطن لاينافي الإسلام، بل من حقه أن نجتهد في أداء واجباتنا حتى ننفعه وننصره برأينا ونسعده بذكاءنا، ومن الواجب علينا أن نجعله محترما بين الأوطان، وذلك لأنه لولا الوطن لعشنا في الحياة طريدا ذليلا، ولانجد أرضا تؤوينا ولارأية نعتزبها، ولادولة نفتخربها، ومن حقه علينا أن ندافع عنه إذا اعتدى عليه أحد ونحمل السلاح لحمايته  بكل ما نملك من القوة.

بدأت قضية القومية بالمفهوم الأوربي حينما نادى الغرب والمتغربون بإحلال القومية، محل الإسلام والأخوة الإسلامية ومشاعرها وحاولوا القضاء على الأخوة الإسلامية وبدأوا يشيعون الدعاية بأن الإسلام ضد للقومية، لأن الدين عندهم لا يشكل عنصرا، وأن الدين وسيلة للاستغلال، تـتولى فيه طائفة على طائفة أخرى، وأن الوحدة لاتقوم إلا على أساس وحدة اللغة والثقافة والوطن، فخالف المسلمون هذه القومية بالمفهوم الأوربي، لأنهم رأوا هي ضد تشريعات الإسلام وقيمه ومفاهيمه، وهي المفاهيم والقيم والتشريعات التي تناقض العنصرية والطائفية والتمييزبقوله تعالى: ﴿يَاأَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبَا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (لحجرات الآية، 13)

في الواقع أن القومية تقوم على أساس الوطن، لا على أساس الدين، وهذه القومية ليست ضداً للإسلام، بل يوجد سنده في التاريخ الإسلامي وفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخير شاهد على ذلك ميثاق المدينة، ولأنَّ ميثاق المدينة اشتمل على كل من اليهود والنصارى والمشركين الذين كانوا يعيشون في وطن واحد، اقترح الرسول صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى والمشركين في المدينة : تعالوا نتعاهد بأن ندافع عن وطننا إذا اعتدى عليه قوم آخر، فنحمل السلاح للدفاع عن الوطن، بكل ما نملك من القوة، وهذه المعاهدة تدل على أنَّ القومية تقوم على أساس الوطن، لا على أساس الدين.

أما موقف الإسلام الصحيح من الوطنية فهي تقوم على أساس الأوطان لا على أساس الأديان. وإن الإسلام يعلم أتباعه حب الوطن ويحثهم أن يعيشوا فيها كأبناءها الأوفياء ويساهموا بكل ما يملكهم من طاقات ولياقات في تقدمها ورقيها وتحقيق مشاريها العمرانية ورفع مكانتها السياسية بكل نشاط وحماس. فيجب على المسلمين أن يكونوا أوفياء لأوطانهم ومستعدين للدفاع عنه، كما يرى مولانا أبو الكلام آزاد، أن الوطنية هي علمانية ولا غير، فهي لا تكون هندوسية ولا إسلامية، بل هي شعور باطني نحو الوطن.

فالأمة العربية بموقعها الفريد وطاقتها البشرية الهائلة وثراوتها الغنية مؤهلة لتحتل مكانة سامية في الركب العالمي، وتكون عنصرا مؤثرا في وضع حضارة المستقبل، حضارة تقوم على الإخاء والتعاون بين الأمم والأقوام لينعم البشر بالرخاء والخير، وترفرف عليهم رايات المحبة والسلام.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4809 المصادف: 2019-11-05 01:58:14