 قضايا

في العراق..الحاكم الديمقراطي توأم الدكتاتوري

قاسم حسين صالحفي الغطرسة وسطوة المنصب!

يعدّ (اللورد دافيد أوين) وزير خارجية بريطانيا ورئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي، اول من ابتكر مفهوم (متلازمة الغطرسة) ووصفه بانه اضطراب يشيع بين السياسيين، ويؤثر في صانعي القرار من الحكام والمسؤولين.

ويستشهد (أوين) الطبيب النفسي والسياسي المخضرم بالقرارات التي اتخذها جون كنيدي في مشكلة خليج الخنازير للاطاحة بالرئيس الكوبي فيديل كاسترو، ولندن جونسون الذي اصيب بالاكتئاب وقراراته الخاطئة الخاصة بمشكلة فيتنام، ورئيس الوزراء البريطاني أنتوني ايدن أثناء العدوان الثلاثي على مصر واستعماله للمهدئات، وفرانسو متيران، وشاه ايران، والرئيس الامريكي نيكسون الذي اصيب بالقلق والاكتئاب.. ونضيف لهم الرئيس العراقي صدام حسين في قراره بغزو الكويت ودخول جيشه دون علم وزير دفاعه!

والمتابع للتاريخ يجد أن اخطر هذه الاعراض متوافرة لدى معظم القادة العرب؛ فالحاكم العربي مهووس بـ(ذوبان الذات في السلطة) كذوبان العسل بحليب الصباح، بل انه يضع علامة ( = ) بينه والوطن.. وشعار (صدام هو العراق) مثالا.

و(الغطرسة) تبيح للحاكم العربي استخدام اقسى وسائل العنف ضد من يهدد بقاءه في السلطة، وان اقتضى الأمر فأنه يتخذ قرار (عليّ وعلى اعدائي) لأن من اعراضها ايضا (اندفاعية القرار)، وهذا ما جسده القذافي ضد شعبه، وآخرين تعرفونهم.

وثلاثة اعراض اخرى من (متلازمة الغطرسة) تشيع بين القادة العرب هي (استعمال لقب نحن) و(الاعتقاد الراسخ بتبرئته امام الله والتاريخ) و (الاقتناع بالاستقامة). فمع ان الحاكم العربي ارتكب افظع القبائح (افقار الناس وكنز المليارات، والقتل والتعذيب، وافساد الضمائر..) فأنه يخص نفسه بالاستقامة الاخلاقية، ويعدّ نفسه مثال المتحلّي بالاخلاقيات الرفيعة، وان مساءلته هي من اختصاص الله وحده وليس للشعب حق في ذلك.. وحكّام العراق من أحزاب الإسلام السياسي.. الذين اوصلوا (11) مليون عراقي الى ما دون خط الفقر.. مثالا.

وتوأم الغطرسة هو السطوة، التي تعني (القهر بالبطش) بحسب القاموس المحيط.. ولها أربعة مصادر: المنصب والثروة والخبرة والعلاقات. أولها واخطرها، سطوة المنصب التي تعتمد على السلطة الرسمية. فعبر دراسة نماذج لأسوأ طغاة العالم (هتلر، موسليني، ستالين، بول بوت، عيدي أمين، وصدام حسين) تبين أن جميعهم يتبعون اسلوبا (مسرحيا) في بناء سطوتهم، يمر بأربع مراحل: تبدأ بتشكيل علاقات مع أناس لديهم مطامح نحو السلطة، وقد لا يكون هؤلاء أكثر من مجرّد مفكّري مقاهي أو كانوا نجحوا في تكوين نوع من الهوية السياسية او الاعلامية. وحين يتمكن من التخلص من منافسيه ووضع الموالين له في مناصب سلطوية، فأنه يصل الى اعتماد آليه تمكّنه من بث الخوف والهيبة فيهم، وفي الشعب بأكمله لدعم سطوته.. ولها وصل الدكتاتور صدام حسين.

والمفارقة، ان المشهد السياسي العراقي بعد 2003 اثبت وجود قادة سياسيين يبدون في ظاهرهم ديمقراطيين فيما تعمل بداخلهم نزعة السطوة.. ما يعني ان المرض الذي كان مصابا به الحاكم الدكتاتوري، مصاب به ايضا الحاكم الديمقراطي، بل انهم (قادة أحزاب الاسلام السياسي) استمكنوا من ثلاثة مصادر اخرى للسطوة: سطوة الثروة، وبها صاروا (حيتان الفساد) بوصف المرجعية، وسطوة الخبرة بامتلاكهم دراية ومعلومات مكنتهم من التأثير في العامة، وسطوة العلاقات باكتسابهم قبول أناس يمتلكون سطوة عشائرية، اجتماعية، دينية، وثقافية أيضا. وليتهم توقفوا عندها بل انهم زادوا عليها بسطوة الاغتيالات، وسطوة ترهيب الناس بوجود دولة خفية أقوى من الدولة بمؤسساتها الرسمية.. ليقدموا للعالم انموذجا استثنائيا: ان الحاكم الديمقراطي يمكن أن يكون توأم الحاكم الدكتاتوري، بل أوجع بلاء وابتلاء، بدليل انهم اوصلوا العراقيين الآن، بعد 17 سنة من الفواجع والأحزان الى وضع يوحي بحصول كارثة ابشع من كارثة (2006).. دون ان يدركوا أن غطرستهم وسطوتهم وتحصنهم بعشرة كيلومتر مربع لن يوقف زحف شعب دخل عليهم في خضرائهم، ففروا منها مرعوبين!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5169 المصادف: 2020-10-30 11:24:01