 قضايا

في تهافت دعوى الإفرنجة

نصرة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم

تتغذّى بعض الجهات الغربيّة من الفتن والحروب فهي تسعى لتخريب الأوطان والحضارات والدّيانات، خاصّة منها الدّين الإسلامي دين التّوحيد والألفة والسّلام، ومشاهد التّوتّر على السّاحات والتّي من شأنها أن تهدّد الأمن القومي، تمكّن هذه الجهات من تنفيذ مخطّطاتها في السّيطرة على العالم وقد نجحت في ذلك إلى حدّ ما، ولربّما واقع القضيّة الفلسطينيّة اليوم أكبر دليل على ذلك .

هاته الجهات هي التّي وصفها " شيريب سبيريدوفيتش" بـــ" اليد الخفيّة " في كتابه " حكومة العالم الخفيّة "، غير أنّها ما عادت خفيّة كما في السّابق، فمن المعلوم أنّ الحكومة السّريّة لليهود وهي التّي تتحرّك من خلف الماسونيّة تسعى للسّيطرة على شعوب العالم، ولكن يبقى الدّين الإسلامي حجرة العثرة أمام هذه الجماعات الشّيطانيّة، السّبب الذّي يجعلها تسعى للقضاء عليه وتعمل على إضعافه، وقد صرّح الحاخام الإسرائيلي في أكبر محفل ماسوني في العالم تمّت إقامته بفلسطين المُحتلّة قائلا " إنّنا جميعا نعمل من أجل هدف واحد هو العودة بكلّ الشّعوب إلى أوّل دين محترم أنزل الله على هذه الأرض، وما عدا ذلك فهي أديان باطلة أديان أوجدت الفرقة بين أهل البلد الواحد وبين أيّ شعب وآخر، ونتيجة لمجهوداتكم سيأتي يوم يتحطّم فيه الدّين المسيحي والدّين الإسلامي ويتخلّص المسلمون والمسيحيّون من معتقداتهم الباطلة المتعفّنة "[1].

وبناء على ما سبق، يمكن القول أنّ عدّة حكومات غربيّة تساعد في تنفيذ هذه المخطّطات الإرهابيّة بعلم أو دون علم، لأجل هذا الغرض أو لأغراض أخرى، فالإسلام مستهدف من عدّة جهات يقول تعالى" ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتّى تتّبع ملّتهم" [2].

وتعتبر "فرنسا" نموذجا لتلك الجهات الغربيّة التّي تعلن عداءها للإسلام والتّي تُحاول النّيل منه متى أتيح لها ذلك، حيث تجلّى هذا الموقف العدائي من خلال عدّة مظاهر وأساليب تشوّه الدّين الإسلامي وتسيء لرموز مقدّساتنا، ومنه ما كان في الآونة الأخيرة من الإساءة لرسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم والمساس من مشاعر المسلمين .

لطالما قدّمت فرنسا نفسها في صورة راقية، حتّى عرفت ببلد " الإتيكيت" في التّعامل مع الآخر، ولكن الإتيكيت الإفرنجي مع العالم الإسلامي فريد من نوعه حيث يُلغي جميع أشكال الاحترام والسّلام الذي تدّعيه فرنسا والتّاريخ أكبر شاهد على ذلك.

فرنسا التّي تتشدّق اليوم وتدّعي "الإتيكيت" والحداثة وتدعو للسّلام وتتّهم المسلمين بالإرهاب، فيما مضى كان لها الدّور الضّليع في الحملات الصّليبيّة (1096 حتّى 1291) على العالم الإسلامي التّي قدّرت ضحاياها بــما يقارب الــ3 مليون مسلم، والتّي كان غرضها السّيطرة على الأراضي المقدّسة، وقد عرفت بحروب " الفرنجة" والتّي قد اتّخذت صبغة دينيّة ذات أهداف سياسيّة خلال العصور الوسطى .

امتدّت يد فرنسا إلى الجزائر سنة 1830م واحتلّتها إلى أكثر من 130 سنة، واحتلّت تونس من 1881 حتّى 1956، حيث مارست مختلف أشكال الرّقي في التّعذيب والعنف الجسدي وأبشع أنواع الاعتداءات الجنسيّة المتمثّل في اغتصاب حرائرها، وصولا إلى أبشع صور القتل من تصفية واغتيالات، كما استباحت حرمة مساجد الله أين حوّلت بعضها إلى إسطبلات والبعض الآخر إلى كنائس ولم تكتفي بذلك، بل تجاوزته إلى حرق المصاحف وتدنيس مقدّساتنا والتّنكيل برجال ونساء وأطفال وشيوخ أوطاننا، إذ لا ننسى صورة من أبشع الصّور على الإطلاق في التّنكيل بعلمائنا الكرام الذّين تصدّوا لهذا الإرهاب الفرنسي: الشّيخ المجاهد الجزائري " العربي التّبسّي" الذّي أذابوا جسده رحمه الله في برميل مليء بزيت السيّارات والشاحنات العسكرية والإسفلت الأسود المغلّى سنة 1957م، حتّى يُخرسوا صوته الذّي نادى بالجهاد وبمقاومتهم.

و" الإتيكيت" الفرنسي لم يكتفي بالتّخريب والتّعذيب والإغتصابات أثناء فترة الاحتلال بل امتدت ممارساته الإرهابيّة لما بعد الاستقلال المزعوم، ولعلّ أحداث ساقية سيدي يوسف[3] خير شاهد على ذلك، حيث شنّت على القرية غارة جوّية قصفتها إلى أن دمّرتها وقتلت أهلها من تونسيّين وجزائريّين كعقاب جماعي بواسطة أسلحة محظورة، فأصبح يوم 8 فيفري من الأيّام التّي تذكّرنا بجراح لا تندمل مثله مثل يوم 15 أكتوبر من سنة 1963 الذّي أسفر عن مقتل 630 تونسي أثناء إجلاء الجيوش الفرنسيّة [4]، فلآخر لحظة ظلّت فرنسا تقتل أبناء المسلمين وتُبيدهم.

فرنسا التّي تنفي الإرهاب عن نفسها وتلصقه بالمسلمين نكّلت في ظرف ثلاث سنوات بالشّعب المصري في إطار الحملة التّي شنّتها سنة 1798م ضدّ الأراضي المصريّة، حيث تعرّض الكثير من المصريّين إلى الذّبح وتمّ التّخلّص من جثثهم عبر رميهم في نهر النّيل .

فرنسا التّي ترى الإسلام دين إرهاب أبادت حوالي 400 مسلم وعالم في " التّشاد" في ما عرف بمجزرة " كبكب " أي مجزرة السّاطور سنة 1917م، حيث قامت بذبحهم، وفي حفرة بمنطقة " أم كامل" من البلد دفنت رؤوسهم المقطوعة وأجسادهم، جريمة قتل عمد تحمل كلّ مقوّمات الجريمة مع اعتراف صريح من الطّرف الفرنسي .

ولا يغيب عن ذاكرتنا الدّور الفرنسي في مجازر الإبادة في رواندا التّي بلغت حصيلة ضحاياها 800 ألف مسلم، كما لا ننسى مجزرة الدّار البيضاء سنة 1907 أين قتلت أكثر من 5 ألاف مسلم.

فرنسا التّي تحارب الإرهاب، ماضيها وحاضرها مبني على الإرهاب، وما ذكرناه آنفا مجرّد محطّات صغيرة من ماضيها الدّموي، وهي مطالَبَة اليوم بالاعتذار والتّعويض لمختلف هؤلاء الشّعوب التّي أرهبتها وقتّلت مواطنيها ظلما وعدوانا .

هي مُطالبة اليوم بأن تلزم حدّها وترفع يدها عن ثرواتهم التّي تُسيطر عليها بمُساعدة من  "الصّبايحيّة"[5] أولئك المنافقين البائعين لأوطانهم الذّين أو كما عُرفوا بأيتام فرنسا الذّين لا يعرفون من الحياة سوى الذّل ولم ولن يتذوّقوا طعم الكرامة فهي للأحرار وهم عبيد، ولا يفوتنا هنا التّأكيد على أنّ هؤلاء الخونة أكبر خطورة من فرنسا نفسها ولنا في تجربة التّحرير الجزائريّة خير مثال.

فرنسا التّي تضطهد المسلمين وتمارس الميز العنصري ضدّهم، تعيش من خيرات هؤلاء المسلمين فتمتصّ الذّهب الأسود من أراضيهم وتأكل مَلحهم وتشرب زيتهم وتسرق أوطانهم في كلّ وقت وحين، ولعلّها تخال أنّها تفعل ذلك خلسة وتحسب أنّ الأحرار نيام، ولكن ربّما غاب عنها أنّ الحرّ لا يطلب الحريّة بل يصنعها، والمسلمون أحرار يصنعون حرّيتهم على مهل يُربك عقول أعدائهم ويفشل مخطّطاتهم .

إنّ مختلف الممارسات التّي يقوم بها المدعو "ماكرون" وتابعيه، ما هي إلاّ أساليب رخيصة لاستفزاز المسلمين، الذّين في أصلهم وبطبعهم لا يرضون الإهانة، وهو يسعى لدفعهم للقيام بردّات فعل غير محسوبة قد تثبت عليهم صفة الإرهاب، حتّى يُضفي الصّبغة الشّرعيّة على مختلف جرائمهم ضدّ المسلمين، ليكون بذلك الإسلام دين إرهاب كما أشار لذلك سيّئ الذّكر "ماكرون"، والقصد من ذلك إسقاط جميع الأسس والقيم الإسلاميّة لتصعد على أنقاضها أسس أخرى تخدم مصالح الغرب بتكريس مظاهر الهيمنة الغربيّة والإسهام في تركيز وبناء فكرة " السّمو الأوروبي" .

وفي هذا الإطار اعترف "أرنولد توينبي" بسعي الغرب لــ" جمع العالم الإنساني كلّه في مجتمع كبير واحد والسّيطرة على كلّ شيء فوق الأرض، وفي البحار الأجواء التّي ستصل إليها الإنسانيّة عن طريق التّقنية الغربيّة الحديثة"[6]، في كتابه "الإسلام والغرب والمستقبل".

إذ لغرض تحقيق هذا الهدف يجب إضعاف الإسلام الذّي يمثّل عامل توحيد ومركز قوّة حيث تجذب تعاليمه ومبادئه غير المسلم ممّن يبحث عن السّلام والرّاحة النّفسيّة .

كما يجب التّخلّص من سكّان العالم الثّالث أو النّامي بحسبهم والذّين نعتهم المؤرّخ الفرنسي "كريستوف روفان" بالبرابرة في مُؤلَّفِه " الإمبراطوريّة والبرابرة الجدد "، وهؤلاء البرابرة (شعوب الجنوب) يرفعون من وتيرة خوف دول الشّمال بارتفاع عددهم المُتنامي بصفة سريعة ما يهدّد الإمبراطوريّة أو حضارة الشّمال كما وصف الكاتب.

والحلّ الوحيد للحدّ من هذا النّمو الدّيمغرافي عند البرابرة هو برأي "روفان" ابن الإمبراطوريّة الشّماليّة " أن تتكفّل الحرب والمجاعة والفيضانات والزّلازل والأوبئة بإقصاء قسم من فائض السّكان"[7] لهذا كان من ضمن مخطّطات المحتلّ الفرنسي وغيره القضاء على البِنية التّحتيّة للبلدان الإسلاميّة التّي استعمرتها.

وفي الجزء الأخير من هذا المقال، ودفاعا عن رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه نقول للكيان الفرنسي وغيره ممّن ينتهجون نهجه في التّعدّي على مقدّساتنا والمساس من شخص رسولنا صلّى الله عليه وسلّم وابتزاز المسلمين واضطهادهم في مختلف أصقاع العالم وتشويه صورة الإسلام " يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"[8]، فالإسلام قويّ بأهله وقويّ لأنّه دين الحقّ أوّلا وآخرا .

ومحمّد صلّى الله عليه وسلّم الذّي تسخرون منه، هو رسول البشريّة جمعاء، وفق اعترافاتكم في أكثر من مناسبة، دون أن نلجأ لنصوصنا المقدّسة التّي لا تؤمنون بها، والشّواهد على ذلك كثيرة منها اعتراف الأديب الرّوسي " ليوُ تولستوي" في كتابه "حكم النّبي محمّد" وهي من الاعترافات التّي تشيد بسماحة الإسلام وانفتاحه ودعوته للسّلام، حيث يقول " ومن فضائل الدّين الإسلامي أنّه أوصى خيرا بالمسيحيّين واليهود، ولا سيما قسوس الأوّلين فقد أمر بحسن معاملتهم ومآزرتهم حتّى أباح هذا الدّين لأتباعه التّزوّج من المسيحيّات واليهوديّات"[9].

وفي نفس الإطار ووفق شهادة الفيلسوف " توماس كارليل" في كتابه " البطولة وعبادة الأبطال" أين نفى العنف وصفة الإرهاب عن الدّين والحبيب الأكرم عليه الصّلاة والسّلام مذ بداية نشر الرّسالة " لقد قيل الكثير في شأن نشر محمّد دينه بالسّيف، فإذا جعل النّاس ذلك دليلا على كذبه، فأشدّ ما أخطئوا وجاروا... وأرى على العموم أنّ الحقّ ينشر نفسه بأيّة طريقة حسبما يقتضيه الحال"[10].

ونُجيبكم وفق ما وصفتمونا بالبربر المهدِّدِ لاستقرار وانتعاشة حضارتكم الموقّرة على لسان الألمانيّة " زيغريد هونكه" عن أهل الحضارة وأصلها وكيف تكون أصلا لا تقليد " قد حوّلوا (أي المسلمين) الأندلس في مائتي عام من بلد جدب فقير مستعبد إلى بلد عظيم مثقّف مهذّب يقدّس الفنّ والعلم والأدب، قدّم لأوروبّا سبل الحضارة وقادها إلى طريق النّور"[11].

ومحمّد صلوات ربيّ عليه، حاشاه أن يكون إرهابيّا بل هو معلّم وسيّد ورسول البشريّة جمعاء، يعترف بهذا "مايكل هارت" الذّي صنّف شخصه صلّى الله عليه وسلّم، كأكبر شخصيّة مأثّرة في البشريّة في كتابه " الخالدون مائة " يقول" لقد اخترت محمّدا في أوّل هذه القائمة، ولا بدّ أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعه حقّ في ذلك، ولكنّ محمّدا عليه السّلام هو الإنسان الوحيد في التّاريخ الذّي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الدّيني والدّنيوي" [12].

إذا هذه اعترافاتكم التّي نطقتم بها وغيرها كثير، ونحن كمسلمين على يقين تامّ من معرفتكم بهذه الحقائق غير أنّكم تنكرونها وتريدون طمسها، وذلك لتضارب مصالحكم مع نهجها خدمة لرؤوس أموالكم المتوحّشة وخدمة لمسيحكم الدّجّال وخدمة للسّامية، ولكن رسالة إلى المسمّى "ماكرون" وعبيده بإذن الله يستمرّ الإسلام بأحراره ويستمرّ الأحرار بالإسلام والعاقبة للمتّقين .

- نصرة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم قاطع المنتجات الفرنسيّة نهائيّا

 

الباحثة سلوى بنأحمد - تونس

.....................

[1] سبيريدوفيتش، شيريب، "حكومة العالم الخفيّة"، ترجمة مأمون سعيد، دار النّفائس، بيروت، ط7، 1986م، ص13.

[2] البقرة، الآية 120.

[3] وقع هذا الإعتداء في يوم السّوق الأسبوعي بغية قتل أكبر عدد ممكن من الشّعب التّونسي والجزائري، على اعتبار وأنّ قرية سيدي يوسف تقع في مدينة الكاف على الحدود التّونسيّة الجزائريّة .

[4] هذه الحادثة عرفت بمعركة الجلاء التّي وقعت بمدينة بنزرت التّونسيّة، حيث لم تلتزم فرنسا بجدول انسحابها من ولاية بنزرت وفق بروتوكول الاستقلال.

[5] الصّبايحيّة هو مصطلح شعبي تونسي، وهم عملاء فرنسا الذّين خانوا شعوبهم وتعاونوا معها، وأطلق عليهم الزّواف في اللّهجة الجزائريّة.

[6] بالقزيز، عبد الإله، "بعد انهيار الإتّحاد السّوفياتي مالعمل؟" مجلّة المستقبل العربي، بيروت، العدد 154، ديسمبر 1991، ص15.

[7] بالقزيز، " بعد انهيار الأّحاد السّوفياتي مالعمل"، ص18.

[8] التّوبة، الآية 32.

[9] تولستوي، ليو، حكم النّبي محمّد، تقديم محمود النّجيري، دار طيبة، الجيزة، ط1،سنة 2008، ص44.

[10] كارليل، توماس، محمّد المثل الأعلى، ترجمة محمّد السّباعي، دار طيبة، الجيزة، ط1،سنة 2008، ص94.

[11] هونكه، زيغريد، شمس العرب تسطع على الغرب، تعريب فاروق بيضون وكمال دسوقي، دار الجيل بيروت، ط8 1993، ص540.

[12] هارت، مايكل، الخالدون مائة، ترجمة أنيس منصور، المكتب المصري الحديث، مصر، ط1، ص13.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5170 المصادف: 2020-10-31 03:19:06