 قضايا

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة

قاسم المحبشي١٩/ 11/ 2020م

 تعد الفلسفة بما هي طريقة متميزة في ممارسة التفكير وإنتاج المعرفة واحدة من أهم مصادر وأدوات الفهم والتنوير إذ يشهد تاريخ الافكار بان حضور الخطاب الفلسفي الأصيل حيثما وجد عبر التاريخ كان الشرط الرئيس لنمو وتفتح وازدهار المعرفة العلمية والأفكار الخلاقة التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الاساسية في تاريخ المعرفة البشرية لشرقي واليوناني القديمين مرورا باللحظة العربية الإسلامية الخصيبة لحظة الترجمة والتفلسف في المشرق والمغرب العربي وانتهاء بالعصور الحديثة والمعاصرة، إذ لم تكن الحداثة الغربية في معناها الاوسع إلا مشروعا فلسفيا عقلانيا قرر اعادة تأسيس وبنا المجتمع من جميع جوانبه على أسس عقلانية. وقد شكلت الفلسفة الفضاء الرحب لانطلاق وتقدم حركة التنوير الاوربية منذ القرن السابع عشر الميلاد وفي سياقها ازهر المنورورون الكبار امثال بيكون وديكارت وهيوم ولوك وفولتير وروسو وديدرو وغيرهم وكان الالماني امانوئيل كانط ثمرة تيار التنوير الأنضج في مقاله ما التنوير؟ وربما يكتسب هذا المقال أهميته الخاصة من كونه يحاول تسليط الضوء على جدلية العلاقة بين الفلسفة والتنوير، إذ نعتقد ان الفلسفة هي السياق الممكن لتخصيب العقل ونمو التنوير، فلا تنوير بلا فلسفة ولا حرية بدون تنوير، الذي يعني حسب كانط  (ان يتجرأ كل إنسان على استخدام عقله الخاص).

ربما يعتقد معظم الناس أن الانشغال بالفكر أي بالعقل ونشاطه الفكري المجرد هو ترفا  يمارسه الفلاسفة ولا طائل منه أن لم يكن مذموما لا سيما في المجتمعات العربية الإسلامية. لكن تعالوا ننظر في طبيعة هذا الاعتقاد الناجم من الاكتفاء بالجهل. والسؤال هو  بما أن الفلسفة هي نشاط العقل فما الذي يحدث للعقل عندما ينطلق في حركة سهمية في رحلته لفهم العالم واكتشاف حقائقه؟ هل، بقدر ما ينتهي به الأمر إلى اكتشاف "حقيقة" الأشياء، يجهل، بالمقابل، ذاته أي يخسرها في شكل ذوبان في تمظهرات الأشياء المادية، أو أنه يعود إلينا بغنيمة الاكتشاف مضاعفا بوعي ذاتي بضرورة التعمق في معرفة ذاته أكثر؟ بعبارة أخرى، هل يغترب العقل في دروب رحلته "السندبادية لتعقل " الآخر" أم يعود، كما كان، عند انطلاقته صافي السماء شاحذ الأداة؟ ولأن هذه العودة الغانمة، المغتنية والمغنية هي التي لا تحدث في الغالب" فإن الحاجة إلى نقد اوثان العقل واوهامه هي حاجة حيوية ودائمة ذلك ينجم من طبيعة العقل ذاته فهو ليس مهجعا مهجورا لتخزين المعرفة والمفاهيم كما هو حال مخازن الاشياء والنقود والمجوهرات والبضائع. ومن الاخطاء الشائعة الاعتقاد بأن العقل هو عضو من اعضاء الجسم إذ يتم المطابقة عند البعض بين العقل والمخ أو الدماغ بمعنى واحد وهذا غير صحيح إذا كلنا يعلم علم اليقين بان ليس هناك شيئا ملموسا محسوسا اسمه العقل، يمكن رؤيته بالحواس المجردة؛ العقل مفهوم مجرد وليس عضوا ماديا يطلق على ممارسة أو نشاط يباشره  الانسان في أثناء ممارسته لحياته اليومية.

إذ ذلك يظل مفهوم العقل أهم وأخطر المفاهيم التي مارست تأثير ساحق على حياة المجتمع الانساني ويتحدد نظام كل ثقافة أو حضارة من المعنى التي تمنحه للعقل والموقف التي تتخذه منه. وهذا أمر يطول شرحه. يهمنا هنا توضيح وظيفة الفلسفة الحيوية التي لا غنى للإنسان عنها في كل زمان ومكان. إذ يرى دوديكيز أن الأوثان تلازم العقل كظله. وهذا هو معنى صرخة سقراط الحكيم أعرف نفسك! ومعنى كهف أفلاطون وفرانسيس بيكون والغزالي وديكارت وكل الفلاسفة الكبار. العقل يتجسد ويتحجر وينسج حول ذاته وحول العالم شبكة عنكبوتية من الأوهام والأوثان إذا ما ترك على عواهنه.

ولأن العقل يبحث عن حقائق الأشياء انطلاقا من إقرار مسبق بالجهل كقاعدة عامة فإنه لا يتبنى ولا يزكي الأجوبة المعطاة، الجاهزة وهو ما يعني أن طريق العقل، على الأقل ضمن صيرورته الغربية، كانت طريقا لا دينية ذلك لأن اللاهوت يقفل ملف الحقيقة هذا بتنبيه لـ "حقائق منـزلة ومقدسة وفي عالم المقدسيات لا توجد تأملات وتساؤلات بل هناك اجابات جاهز وحمد وشكر. بينما عالم عالم الإنسان يزدهر الفكر والتساؤل والحوار وتتخصب المعرفة الإنسانية بقدرات منهجية جديدة قادرة على النفاد إلى بواطن الاشياء والظواهر. واذا كان باطن الأشياء مثل ظواهرها لما كان للإنسان بالعقل والتفكير حاجة. أن الوظيفة الاساسية للفلسفة هي نقد أوثان العقل الذي تحولت عبر الاستخدام الطويل إلى خرافات وأساطير بمفارقة المعتقد

صورت بديهات ومسلمات لا يأتيها الباطل لا من خلفها ولا من بين أيديها؛ وكل حقيقة هي حقيقة اللغة نسي الناس أنها كذلك من طول الاستعمال كما يقول نيتشه.

أن الفلسفة بوصفها حكمة العقل ودهشة الانفعال هي المعنية دائما بتحطيم الأوثان؛ اوثان العقل ذات وذلك بنقدها وبيان تارخانيتها

وهذا هو معناها بوصفها الفكر الذي يفكر أو العقل الذي يعقل ذاته. قدرة الفكر على المزاوجة بين ملاحظة سلوكاته الذاتية" وسلوكات" الموضوعات الخارجية" السلوكات الذاتية للعقل هي عاداته وأعرافه أي، بكلمة، آليات اشتغاله. لكن لمعرفة هذه السلوكات لا بد من الإحاطة علما بصيرورة تطورها، وهو ما دفع إلى نشوء الجينيالوجيا (علم نسابة الفكر البشري) وحدها الفلسفة هي من ستنطق الكلمات والمفاهيم والمصطلحات والافكار من أي جاءت وكيف ولدت وازهرت في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية ولا يمكن فهم العقل بدون فهم اللغة إذ لا تفكير الا بالكلمات والصور الذهنية حتى في الأحلام. ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة وسياق نمو وازدهار وعلاقة قوة وسلطة وحقل دلالة وفضاء تلقي وحساسية ثقافة وابتسمية خطاب.

اللغة هي العقل، العقل ما يختزن من لغة مفهومية. حجم المفاهيم تحدد حجم العقل ونوعه. لا يمكن تخيل مفهوم لا أساس واقعياً له. يمكن ان نطلق الأسماء على تخيلاتنا. ولكن ليس كل اسم مفهوم. الغول اسم للمتخيل الذي ركبه العقل هوتصور وليس مفهوماً. لأن المفهوم تجريد، والتجريد فاعلية العقل في تحديد ماهية أشياء مشتركة وتعميمها بكلمة، والتجريد تجريد وقائع مادية أو معنوية. ولذلك كل قول لا يقوم على أساس المفاهيم والعلاقات بينها قول لا قيمة معرفية له. بحسب البرقاوي

وعندما يتنكر الناس للعقل فإن مختلقات خيالهم تتضخم وينغمسون في مهاوي الأوهام والأخطاء.

لاريب أن أحد المصادر الكبرى لقدرات الانسان العقلية والطبيعية ذاتها هي المذاهب الدينية والقانونية في حضارة من الحضارات وأهم هذه المصادر الصورة الميتافيزيقية الأوسع التي تجرى ضمنها أنماط الخطاب وتشكيل في فضائها أهم المفاهيم التي تشكل تصورات الانسان عن نفسه تشكيلاً عميقاً، فأما أنها تدعم قواه العقلية أوتضيق عليها وقد ضيق مهندسو الفكر العربي الاسلامي الاطر العقلية للانسان ومن ثم رفضوا قدرة الانسان على معرفة أسرار الطبيعة وفك مغاليقها، واثارة الشكوك حول قدرات الانسان العقلية ووضعوا العراقيل حول امكانية التفكير العقلاني بآيات الله الذي أمر  الناس بالتفكير والتغيير في قول تعالى: «أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وماخلق الله من شيء»الاعراف الاية 185 وقوله: تعالى:«ويتفكرون في خلق السموات والأرض«آل عمران الآية «191» وقوله تعالى «فاعتبروا ياأولي الابصار» " وقوله تعالى "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11"  لكن مالم نعرفه أن هذا العلم الذي ازدهر في ديار غيرنا لم يكن له أن يزدهر أويفي ديار غيرنا لم يكن له أن يزدهر أويصل إلى ماوصل إليه ألا يفسح المجال للتفكير الفلسفي الحر واعلاء شأن العقل ومنح الثقة للانسان الذي أمره الله بتعمير الأرض وسبر اغوارها. إن غياب مفاهيم الطبيعة والقانون الطبيعي، والانسان والضمير والعقل وحرية التفكير من آفق الثقافة الإسلامية أفضى بالمحصلة الأخيرة إلى العجز الكلي عن انجاز الطفرة العلمية الحديثة التي انحصرت في أوروبا الغربية واخفقت في حضارتنا العربية الإسلامية. كان العرب في كل حقول العلم.. في طليعة التقدم العلمي.. إذ أن ما حققه العرب يثير الإعجاب إلى حد يدعو للتساؤل عن السبب الذي منعهم من اتخاذ الخطوة الأخيرة باتجاه الثورة العلمية الحديثة؟ ويضيف " كان العرب قد وصلوا إلى حافة أعظم ثورة فكرية حدثت في التاريخ، ولكنهم رفضوا الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي) حسب تعبير(Koyre  كويري). وبما أنهم عجزوا عن اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة في بداية العصر الحديث، فإن البلاد الإسلامية لا تزال تتمسك بالتقاويم القمرية" وفي سياق تناوله للبُنى الثقافية والمؤسسية التي حالت دون مقدرة العلم العربي على اتخاذ تلك الوثبة الحاسمة من الباراديم التقليدي المغلق إلى الباراديم الحديث الجديد توصل هب إلى نتائج بالغة الخطورة والأهمية اليكم بعضها:

1- لم يكن لعلماء الطبيعة العرب دور معترف به اجتماعياً وثقافياً وسياسياً يوازي دور الفقهاء من حيث السلطة والنفوذ، بل كانت بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى بشكل عام ذات طبيعة جعلت طلب العلوم الوضعية والعقلية وعلوم الأولين أمراً يثير الشكوك ويجلب لأصحابها كثيراً من المتاعب والتهم الخطيرة على حياتهم.

2- كانت سلطة الفقهاء وسطوتهم شاملة بحيث لم يتركوا شيئاً للعلماء والفلاسفة ليقولوه، بل إن الفلاسفة وعلماء الإنسانيات لم يكن لهم وظيفة ودور معترف بهما في المجتمع، ومن ثم لم تكن لهم حماية، إذا ما أردوا التعبير عن آرائهم بشأن القضايا الفكرية بحرية، كمسألة خلق العالم، والعلية الطبيعية، والحرية الإنسانية، وما إذا كان بإمكان الإنسان الوصول  إلى المبادئ الأخلاقية عن طريق الرؤية العقلية بعبارة.

3- غياب فكرة العقل والعقلانية؛ إذ إن مصادر الشرع هي القرآن الكريم، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذا ما أفضى إلى التخلص من العقل بوصفه مصدراً من مصادر التشريع، وقد أدى التضييق على العقل إلى إنكار النظرة العقلانية إلى الطبيعية؛ أي دراستها بوصفها موضوعًا قابلاً للفهم والسيطرة، كما أن مفهوم العقل الذي شاع عند المسلمين ليس العقل الفعال عند أرسطو، ولا (النور الداخلي) عند فلاسفة النهضة، بل يطلقون كلمة العقل على الأفكار التي يؤمن بها عامة الناس. ويرى فضل الرحمن أن "اللاهوت احتكر في نهاية المطاف حقل الميتافيزيقيا كله وأنكر على الفكر الخالص حق النظر نظرة عقلانية في طبيعة الكون وطبيعة الإنسان، لكن العلم الحديث لم يكن له أن يظهر ويزدهر دون توافر أطر ميتافيزيقية عامة ومعترف بها تقوم على فرضيات عن انتظام العالم الطبيعي وخضوعه لقوانين معينة وعلى الإيمان بقدرة الإنسان على فهم البنية الكامنة في الطبيعة وفهم القوانين التي تتحكم في الكون والحياة والإنسان واستيعابها والتنبؤ بنتائجها والسيطرة عليها، وربما هذا هو ماقصده ماكس بيرونتز بقوله: "أنه لا يزال هناك ما يقال بشأن اكتشاف السبب في أن هناك آخرين عميت بصيرتهم عن التقاط ما حاولت الطبيعة أن تقوله لهم، على الرغم من أنهم في الظاهر كانوا قادرين على ذلك"ويخلص (هف) إلى القول: "لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة ولا بالتقليدية.

فمتى تطلق بومة منيرفا جناحيها للريح في فضاءات العالم العربي الإسلامي؟! والتطّير من البومة من مخلفات العهد الطوطمي.

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5191 المصادف: 2020-11-21 12:57:49