بشار الزبيديبقلم :د. الكسندر أولفيغ

ترجمة: بشار الزبيدي

لقد تمت صياغة نموذج الكوسموبوليتية في العصور القديمة، وظهرت بشكل أوضح في الفلسفة الرواقية. حيث تنعكس القوانين الكونية في حياة الفرد والعكس بالعكس وإن حياة الفرد تنعكس في بُنية العالم والكون. ولكن لم تجد الكوسموبوليتية طريقها إلى النظرية السياسية إلا في عصر التنوير. في غضون ذلك كانت الانسانية ووحدة البشرية ذات أهمية خاصة أيضا، حيث كان يُنظر إلى الشخص في المقام الأول على أنه شخص وليس كممثل لأمة أو دولة.

بالنسبة لإيمانوئيل كانط، فإن الكوسموبوليتية هي موقف أخلاقي للإنسان، ينبغي أن يجد تعبيراً عنه في النظام السياسي العالمي، في علاقة الدول ببعضها البعض. وينبغي أن تكون نتيجة نقل هذا الموقف إلى الشؤون العالمية سلامًا أبديًا. يدعو كانط إلى مواطنة عالمية تقوم على الحركة الحُرة المطمئنة لشعوب العالم. ولكن في حياة كانط، كان نموذج الكوسموبوليتية حُلماً يصعب تحقيقه.

في عصر العولمة الحالي، فإن فرص انتصار الكوسموبوليتية أكبر من أي وقت مضى. تتم عملية العولمة على مستويات الاتصال والاقتصاد والسياسة. يُمكننا التواصل مع الناس في جميع أنحاء العالم في ثوانٍ عبر الإنترنت. لا يتم تحديد الاتصالات العالمية من خلال التقارب والقيود ، وإنما من خلال الانفتاح والاهتمام بالآخرين والناس الغرباء .إن إرادة التواصل مع العالم بأسره هي إرادة عالمية.

وقد برز سوق رأس المال العالمي في الاقتصاد ، حيث يتم توزيع الإنتاج في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني أن أعضاء الشركات يتم توزيعهم في جميع أنحاء العالم ويعملون في جميع أنحاء العالم. يتم تدويل رأس المال: ولا يُمكن تعيين الشركات العالمية في "البلد الأم".

نلاحظ ظهور شبكات ومنظمات عبر وطنية في السياسة. ويُنظر إلى السياسة على نحو أقل على أنها سياسة وطنية. وبات المستقبل مرهونًا للشبكات السياسية العالمية. وبالإضافة إلى المنظمات عبر الوطنية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تدعمها الحكومات الوطنية الفردية، فإن المنظمات غير الحكومية العاملة في جميع أنحاء العالم تكتسي أهمية خاصة. ويركز عملها، على سبيل المثال، على قضايا حقوق الإنسان وحماية المُستهلك والتعاون الثقافي. والأهم من ذلك أن الأشخاص النشطين في مثل هذه المنظمات يتهربون إلى حد كبير من سيطرة الدولة (الوطنية). ولذلك، فإن الروح العالمية تعبر في عملهم بشكل خاص.

ومع ذلك، لا يمكن فرض الكوسموبوليتية على الناس وحدهم أو بشكل حاسم "بشكل فوقي"، من خلال نظام عالمي، ومن خلال الهياكل العالمية. ولا يمكن أن تطوير ذلك إلا من خلال الفرد "من الداخل". ولا يمكن للعوامل الخارجية إلا أن تكثف تشكيلها. وينبغي أن تحمل القيم العالمية "في قلوب الناس"، كما يشير عالم الاجتماع ناتان سنايدر. وتصبح هذه القيم جزءا لا يتجزأ من الهوية الشخصية للفرد، ويمكن أن يكون لها بالتالي أثر سياسي.

بالنسبة للفرد العالمي ، يكون الفرد أكثر أهمية من الانتماء إلى مجموعة. وبالنسة له فإن الهويات الجماعية مثل الأمة أو العرق أو الجنس أو الدين أو الثقافة، أمور ليست حاسمة. إن الإنسان الكوسموبوليتاني يشعر بالقيم العالمية: فالفردية والعالمية تدخلان بالنسبة له في اتصال خلق الهوية. ولا يكاد يوجد أي مجال للنزعة الجماعية. لذلك يتسم الموقف الكوسموبوليتي بشيء متناقض على ما يبدو: من ناحية بالتوجه نحو الفرد ، من ناحية أخرى ، التوجه نحو المجتمع العالمي والأُممي.

 

 

سامي عبد العاليبدو أنَّه في مجتمعات تفتقر للآفاق الإنسانية الرحبة تنشأ حاضنةٌ الاقصاء، إذ يجد الأخيرُ مرتّعاً لبث أفكاره وفيروساته. لأن بعض المجتمعات تختار الانتماء إلى الماضي في كل ما تفعل لدرجة إغفال المستقبل. وقد يكون ذلك تاريخاً لا مفر منه، لكن تكرار العملية يجعلها نمطاً عاماً يصعب نقده وإزاحته جانباً. عندئذ يختلط (الإقصاء والمجتمع) تشكيلاً لـ"غطاء ثقافي" يُمرّر أيَّة أعمال عنف. وهذا سر انتشار آراء مشايخ التطرف ودعاته بكافة المجالات من الأسرة حتى الدولة ومؤسساتها. فغدت الآراء والفتاوى والأحاديث العامة بديلاً للمعرفة والفكر المفتوح. وإذا دققنا الأمر، فليست الآراء بمعطى التنوع ووجهات النظر على ما يشير المعنى. إنما هي بدائل أكثر عنفاً لهيمنة الشروح الدينية (التفسيرات والمذاهب والايديولوجيات والفتاوى والتشجيرات) على حياة الإنسان حتى بلغت (مختلف الديانة).

فالشروح  وراء الشروح كونَّت طبقة عازلة من التحريمات أمام أي تغير جديدٍ. ولم يكن وجود المشايخ على هامش الواقع، بل اعتبروا أنفسهم مركزاً لكل حياة سواهم. فهم يقولون خطابهم لا ليلتزموا به بل لأجل أن يسير عليه الآخرون. وليس هذا فقط، إنما ليتكلم في كافة القضايا الحياتية والغيبية، الذاتية والعامة. مما كرَّس توجُهات ثقافية سياسية ودينية متقاربة المعالم داخل المجتمعات العربية. تكمن في جوفها" دجما "حول علاقات الأفراد وتصوراتهم والمواقف من الحياة والعالم.

وعليه فقد أمسى الاختلافُ الديني والتنوع الثقافي أمراً عسيراً مثل الجحيم. لا مكان له...  فالمختلفون عقدياً (حتى مذهبياً- حتى أيديولوجيا) هم في أحسن الأحوال نباتات انبثقت فجأةً في صحراء قاحلة. عليهم أنْ يتلقوا الضربات القاتلة والتمثيل بهم مع ضياع المسؤولية عن ذلك. كأنَّ الحال وجد فجأة بلا أدنى تساؤل حول الأسباب والظواهر والتداعيات، ولنلاحظ أن الدولة لا تتكلم، هي كائن أبهم أصم لا ترى شيئاً من ذلك، وتترك مواطنيها يتزلجون على عبارات مزجاه وسائلة!! وكل ما يحدث من مظاهر تنوع إنما هو من قبيل تسيير الأمور من مرحلة إلى أخرى دون تعايش حقيقي.

ومع أنَّ الاختلاف الديني أمر تلقائي إنسانياً ولا يثير أية غرابة. ليس رجوعاً إلى أصل تقديسي إنما بحكم التعبير البشري عن الوجود والاعتقاد. وثمة فارق بين التناقض والاختلاف من هذا القبيل. فالاختلاف لا ينقل غطاءً عاماً يخفيه كما أُشير إليه. إنه قائم بحد ذاته اعترافاً بحق الإنسان في الايمان بما يشاء وقتما يشاء إلى غاية ما يشاء!! خارج الأطر الحاكمة التي تحدد: من يعتقد، وماذا يعتقد، وكيف يعتقد؟

وحتى فعل التحديد من حق الإنسان إلاَّ يتجاوزه أحدٌ أو يتطفل عليه أو يتنطع به. فالاختلاف الديني يصون حدوده، يعرفها، يقدرها، يوسعها، يضيقها كما يريد. فعندما يعرف انسان (مهما تكن معتقداته) اختلافاً ما، عليه إلاَّ تكون معرفته وفقاً لما يتوهمه (في نفسه). إنما يعتبره موضوعياً بما هو الآخر (بألف ولام التعريف) كما يعد كذلك. فلا يكتسب أي اختلاف ماهيته من الخارج. ولهذا  يعتبر المختلف دينياً كائناً مستقلاً بخلاف أي تنميط. فالتنميط (التصنيف، الفرز، التمذهب) يفترض سلطة الاقصاء والعسف. وتبدو حتى الاشارة إليه لون من التصنيف القائم على استدراج المختلف لتصورات لا تعترف به.

من جهة أخرى يخطئ من يبرر الاختلاف الديني، لأنَّه بطبيعته لا يخضع للتبرير. وليس مطلوباً من أصحابه القيام بالتبرير. لو بُرر لكان قمينا بالفشل الإنساني، بتوجيه الانتقاد إلى نفسه. وجود الاختلاف بمثابة السبب الكافي لتبريره. وليس من شأن أية سلطة التحرش به أيا كانت. فلو استند إليها سيكون مجالاً للعنف من باب خلفي. وإذا خضع لها لن يصبح اختلافاً لكنه وصاية. وما لم يُفهم داخل المجتمعات على هذا النحو، فإن الاجتماع مشروع فاشل إجمالاً.

هنا يصبح السؤال (لماذا يستهدف الارهاب أصحاب الديانات الأخرى؟!) كاشفاً. إن لم يكن استفهاماً فضائحياً إلى درجة العار. فالمساس بالمجتمع كمن يمس جسداً أنثوياً  خاصاً تحيطه اللعنات الإنسانية والإلهية. حدث ذلك الاستهداف بصدد المسيحيين مثلاً في العراق وسوريا ومصر وليبيا بشكل هوسي مسعور. كأنَّه لا يوجد سوى المسيحيين في المجتمعات المذكورة للتنكيل بهم. ولا يعني ذلك تحريضاً على سواهم. لكن بسبب أنهم ضحايا دائمين تحت أي انفجار سياسي أو عقائدي. طبعاً كلُ حالة تختلف عن الأخرى، وبنفس الوقت تتشارك عوامل سياسية في إثارة الصراع واستعماله لمصالح خاصة.

إضافة إلى أنَّ ذلك أمرٌ بارز لكون المسيحيين أكبر الكتل الاعتقادية بعد المسلمين. وإزاءهم يحاول الاسلاميون التميُز خوفاً من مخالطتهم. وفي هذا أوصى بعض الشيوخ بحتمية تلك المخالفة في الأعياد والأزياء والكلمات. حتى يبز المسلم غيره من أصحاب الديانة المسيحية. ومن ثم كان المسيحيين أهدافاً قريبة لتفريغ شحنات العنف في اجسادهم ومؤسساتهم العارية. وقد أتاحوا للإسلاميين فرصاً لأجل إعادة تشغيل نصوص القتل والجهاد وقهر الكفار ودفع الجزية والصِغار. كيف ستعمل نصوص تاريخية فقدت سياقها الآن؟!

بينما استطاعت اسرائيل أن تمتص نحوها كراهية العرب لليهود. فهي دولة قد شجعت هجرتهم إليها حيث غطاؤها العسكري والسياسي القوي. وبذلك احالت دون بقاء اليهود في مناطق الفرز الديني عربياً. ومنعت هؤلاء اليهود من العيش وجهاً لوجه أمام الاسلاميين. ودشنت جداراً من الحماية الغربية لكيانها. وبالتالي كان على الاسلاميين لينالوا منهم المرور بمصفاة القوى الدولية وبقوة إسرائيل. وهذا ما لم يحدث. فخطاب الاسلاميين الدموي ينال من الأفراد. بيد أنه إزاء الدول يستعمل خطاب الارهاب عبارات التكفير المطاطة التي تتكسر عند أول حدود. عبارات هكذا: الغرب الكافر، أمريكا الكافرة، أوروبا الماجنة. ويعتبرها كفيلة باصطياد أحد رعاياها فوق اقليمها أو في مناطق الصراع الدولي. وحتى هذا لم يتم بخصوص اسرائيل... لا بالداخل ولا بالخارج.

فنحن نعرف أنَّه مع احداث الربيع العربي الدامية لم يطلق الاسلاميون رصاصة واحدة على اسرائيل. بل صرح بعض قادتها أن الدواعش والقاعدة يقدمان خدمات جليلة للدولة اليهودية أكثر مما يقدم سواهم. وأخذوا يتباهون بكون دولتهم تقدم نموذجاً في التسامح يفوق برك الدماء حولها سواء بسوريا أو العراق. واعتبر قادة اسرائيل أنهم (مجتمع) مضطهد وسط الركام البشري المتناثر حولهم على مساحة الدول العربية. وظلوا يتصايحون -مع زيارات رؤساء العرب إلى قبلتهم الأمريكية المقدسة– بضرورة الالتفات نحو حالتهم الساكنة والوديعة. ومن قبل كان الإسرائيليون أيضاً يعتبرون أنفسهم مثالاً في الديمقراطية بخلاف كل العرب. وكلما ألقيت عليهم قنبلة ولو علبة فارغة كانوا يسوقوّنها كإبادة للدولة العبرية ولحقوق شعب الرب وأنَّ الأخطار تحيق بهم من كل جانب.

وللدقة ظلت تلك الاستراتيجية ناجعة تماماً في تحويل الأنظار عن الاحتلال والقتل اليومي للفلسطينيين وزحف الاستيطان. وبهذا بدا التخلص من فائض الدماء المجاور شيئاً مقصوداً في حالة اسرائيل.

فلربما استطاعت اسرائيل- فعلاً- اختراق التنظيمات الإرهابية لتعيد استعمالهم من الداخل. كما أن الارهابيين مصابون بـ"عمى جهادي" واضح (الأقربون أولى بالتفجير) على أساس أن قتل المرتدين والكفار المحليين أهم من كفار الخارج. وقد كرست الولايات المتحدة هذا الجهاد على أساس أن النفايات البشرية والأيديولوجية القذرة يجب أن تحرق في مكانها. فلتكن مناطق الجهاد الذي يأكل نفسه هي البيئات المحلية للإسلاميين. منها تصح أن تتسع كمقابر ومحارق كبرى. ومنها تأمين الدولة الصهيونية. وكذلك استثمار جغرافي لاستعمال الجهاديين في خلخلة البلاد واشغالها بمشاكلها المحلية.

في أكثره، يرجع قتل المسيحيين واليهود العرب إلى موروثات دينية تضرب أية اختلاف عقائدي في الصميم. وتحجب الواقع بفتاوى التكفير التي أضحت جزءاً من المسلمات الشائعة كما أشرنا. ونحن ندرك أن النصوص والأحاديث الفقهية لدى المسلمين ليست مجرد لغة. فهي كائنات تتحرك بين الناس إلحاحاً عليها في الخطابة الدينية والعلاقات الاجتماعية والتعليم والكتابات العامة. إنَّها ترصع المباني والصحائف وتهيمن على تداول الخطابات. وهي بحكم توجهها المنحاز إلى هيكل عقيدي اسلامي تفرز الناس في التعاملات اليومية. لدرجة أنَّ الآثار التي يتركها سماع النصوص المقدسة كفيل بمعرفة أية ديانة يعتنق المستمع.

فكلما رأى ارهابيٌ مسيحياً سرعان ما يرفع عواءه. ويتمتم بكلمات استعاذة من الشيطان الرجيم ولا يقترب منه بحال بل يظل يذكر الله والشهادة. وفي أحسن الأحوال يأخذ بحك (هرش) جلده أينما تقع أنامله. وإذا صافحه اعتباطاً وخجلاً، لظلت آثار السلام تأكل كف راحته إلى أن يغسلها بماء النار. ولو أفلت المسيحي من هذه الاجراءات، كانت حياته وحركاته وسكناته مضغة في أفواه متابعيه. يبقى دوما تحت المراقبة على مدار الساعة: كيف يتصرف؟ لماذا يبتسم؟ هل يذهب إلى الكنيسة أم لا؟ ألاَ يكون منافقاً في كلامه؟ هل نعطيه أماناً بأية مسألة؟ هل هو أمين أصلاً؟!

إزاء هذا الوضع اللا إنساني (واللا ديني)، نحن نحتاج نقداً يومياً لممارسات المجتمعات العربية. لحظةٌ بلحظةٍ... وسلوكٌ بسلوكٍ... وإشارةٌ بإشارة... وإيماءة بإيماءة إزاء الآخر. فكل ذلك يخفي تجاه قضايا الاختلاف الديني والمذهبي أبعاداً غائية. لعلنا نفهم حركة الناس وخشونة تصوراتهم عن الأديان وعبرها.

صحيح هم غارقون في تغليب الاقصاء وتأجيج الكراهية. لكن التربة (الأرضية) مشبعة بالاثنين لدرجة الاحتقان والتشفي في قتل المخالفين دينياً. كانت تتقاذف مشاهد الدماء في الكنائس المصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي كأنها آتية من كوكب القرود. وتبدو الحياة تلقائية في الشوارع الجانبية لمواقع التفجير. وكانت برامج التليفزيون تعج بمظاهر الرقص والتسلية والغناء كأنَّ شيئاً لم يكن. ثم ينكفئ الناس على همومهم اليومية خارج سياق التغيير. لعل أكبر الكوارث في حياة العرب المعاصرين هو تنازلهم عن تغيير الأوضاع القائمة. ماذا سأفعل؟ .. هذا هو السؤال الذي يردده كلُّ راءٍ للصور لا عقاً الحسرات.

لا مبرر للصمت الثقافي تجاه جرائم الارهابيين في الماضي والمستقبل لأنهم لن ينتهوا. حتى وإن سمعنا اعتراضاً طائشاً من هنا أو تنديداً مقصوداً من هناك، فكلام السياسيين ممل لدرجة اللعنة. والمثقفون يعوزهم نظرة أرحب للمجتمعات وآليات التاريخ في تشكيل الوعي. كما أنهم مازالوا يتسلقون الأسوار ليلاً، أسوار الدين، اسوار السياسة، أسوار المجتمع لينتهكوا الزرع والحرث والنسل. ثم المرور كالجعارين بجوار الجدران(المشي بجوار الحيط). فإلى الآن لم تُطَّعم ثقافتنا بمفردات جديدة ولا بأفكار مختلفة لاستزراع التسامح والتعايش.

أولاً: الكراهية.

مرت إشارة إلي فراغ الاسلاميين من الجانب الدنيوي (التعايش والتنوع والاعتراف). وبهذا تعتبر تلك المساحة لصيقة بالأيديولوجيا حين تخْلي الرؤى إلاَّ من سواها. فليس أكثر من الالتصاق العضوي والفكري للعقول والأجساد داخل الجماعات الاسلامية. حيث يتصورون أنهم يستعيدون تجربة السلف (كياناً وفكراً وحياة)، هذا الجيل الأول الأكثر صفاء بحسب اعتقادهم. راقبنا تلك الحشود تحت رايات الجهاد طوال التظاهرات الدينية الربيعية التي مرت. لا فوارق.. فقط هناك القرين بجوار القرين!!

هذا الالتحام تتم تقويته بالكراهية تجاه الأغيار. لقد شاع بين هؤلاء القول الشهير: ليس منا (المسلمين) من لم يحب في الله ويكره في الله. والقطبان (الحب× الكراهية) يحكمان طرائق التفكير وأساليب الحياة والعلاقات من الأدنى إلى الأعلى. فهما علاقة عمودية وليست أفقية فحسب. قيل إن أعلى درجات الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإنَّ المسلم يؤجر في الحالين. لأنَّه يحب ما يرضي ربه ويكره ما يكره ربه. لكن ما هو المحبوب وما هو المكروه اجتماعياً؟ هنا تتدخل الأيديولوجيا الدينية لتحديد المختلف. ويجري هذا بالإجابة التي يفترض كونها من الله أيضاً.

ثانياً: التنوع

في أجواء مشبعة بالكراهية لامجال للتنوع. وبخاصة أنَّ تاريخ الاسلام السياسي لم يكن تاريخاً فردياً، بل يحتوى على جماعات وتنظيمات أشبه ما تكون بأحجار الدمينو. التاريخ الاسلامي لم يعترف بالتنوع إلاَّ ضمن خانات أخرى من التصنيف الاجتماعي أو الديني. ولذلك لا يقوم أي شخص متمتعاً بكامل الفردية (الفهم والوعي) بعنف ديني. لأنَّه يستطيع الشعور بفردية الآخرين كذلك. دوماً الانخراط في جماعات هو ما يؤجج غرائز القطيع ليجر وراءه نبذ الديانات المخالفة. وهذا ينهض على نفي أي تنوع من الأساس. لأنَّه يؤدي إلى تشويه الآخر. فإذا كانت الجماعة متكتلة (دينياً وأيديولوجياً ومذهبياً)، فلا ترى سواها إلاَّ في إطار كتلة بالمثل.

والأيديولوجيا الدينية تعمل على استبعاد التنوع وإلاَّ لما انتجت أحادية الرؤية والفعل. بل يعتبر الاسلاميون التنوع النفسي والفكري نوعاً من وسوسة الشيطان. والدعاء ليس بعيداً: "اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على إيمانك". والقصد ليس ايماناً خالصاً لأنه لا يوجد هذا الإيمان طالما كان في جوف إنسان. فالإيمان يزيد وينقص ويتأرجح محتاجاً إلى مجاهدة واخلاصاً في العبادة. إنما المقصود هو طريق الخير الذي عرفوه خلال التنظيم الجماعي الذي ينخرطون فيه.

التنوع بالنسبة للديانات ليس ترفاً. لأن المعتقد غير قابل للمناقشة على صعيد الإيمان. وبخاصة في الثقافات الشرقية التي تفتش عنه في كل وقت. بعض ثقافات الشرق غدت عنواناً على سيادة الرأي الواحد والسلطة الواحدة والحقيقة الواحدة والاعتقاد الواحد والشعور الواحد. فيأتي الدين بمثابة الغلاف الكلي الذي يضم هذه الأغلفة السابقة. إنه يعلن عن نفسه عبر نواة خارج التاريخ. وأكاد أجزم أنَّ الاسلاميين لا يتصورون- مجرد التصور- أنَّ هناك أناساً سواهم لهم مواقف ومعتقدات مختلفة.

التنوع الانساني يتبلور في شأن ثانٍ هو الآخر. كيف لمن لا يرى سواه ولو قابله يومياً أنَّ يعتبره تنوعاً؟ إنَّ قضية التنوع –إلى حد التناقض- بمثابة الثراء الإنساني. لأنَّ انساناً بدون تنوع (المغاير) ليس إلاَّ صورة للموت. وهذا أحد أسباب خطوة التفجير نتيجة حزام ناسف أو قنبلة. لأن التخلص من المتنوع المغاير لا يتم إلاّ بالأنا المماثل إلى درجة الجنون. وطالما يختفي التواصل المتنوع، فلا بديل سوى القتل.

ثالثاً: الحقيقة

ينعدم الاختلاف الديني حيث تكون الحقيقة محتكرة سلفاً. وطبعاً توحد الأيديولوجيا الدينية بين الحقيقة والأشخاص. فالآراء المتغيرة لا مجال لها. إن أخطر ما يرسخه الاسلاميون هو أن الحقيقة تمثل جسداً حياً. تنطق بنطق صاحبها وتأفل كلما أفل وجوده. ولهذا كان أبرز ما يميز الجماعات الاسلامية هو التقديس الروحي والعضوي للمشايخ. اللحى في هذا الإطار جزء من العملية. ناهيك عن الفتاوى والترميز إلى أهمية المشايخ لسريان تعاليم الدين وصحتها.

لا توجد  هناك "حقيقة" كما قد يتصور البعض لدى الأيديولوجيا الدينية. فالحقائق مطلقة ولم يعد ممكنا إدراكها كموضوع انساني. وهي كم من الاسقاطات التي تجر بعضها البعض كأنها عربات قطار سائر قديماً ومازال بطريق الحرير الشهير. كما أن الحقيقة لن تكون في مكان آخر، إنها تعود فقط إلى الأيديولوجيا ذاتها. لأن اليقين مرشوق فيها سلفاً كسهم مقدس سقط من السماء لا يفارقها. والحقيقة ليست مختلفة في تلك الذهنية، بل هي ماثلة في دماغ مطلق يتحرك به المجموع. فضلاً عن كونها توجد على مستوى أسطوري غير قابل للنقد.  وهكذا إنما يكون التصديق بها نتيجة عوامل أخري، يشترك فيه الواقع والخيال، الوهم والفعل، الغائب والحاضر، المقدس والمدنس.

رابعاً: التسييس

يحتاج الاختلاف الديني حياة مفتوحة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. لأن التسييس أمر يجر ويلات الإحتراب الأيديولوجي. حياة مفتوحة شريطة أن يكون دوماً سياق الاختلاف غير ديني. أي أنه يفقد المرجعية التي يستند إليها في خصوصيته المطلقة. فلا يصح الاعتقاد بناء على مرجعية (مذهبية أو نصية) هو ينتمي إليها من قبل. مثل الاسلام السياسي الذي لا يري غير عقائد المسلمين هي الأصح بينما ما سواها يذهب إلى الجحيم. والمسألة أن تغليب المرجعية لا يزاحم المعتقدات الأخرى، بل يهدم المجتمعات من حيث المبدأ.

الأهم هو: كيف يكون ثمة مجالٌ عام يقبل هذا التنوع بشكل ثري وحر؟ للأسف جائت الدولة في المجتمعات العربية جهازاً مشوهاً. لأنها تهادن التيارات المتشددة الغالبة وتماثل طريقة عملها حيث تمارس عنفاً وإقصاء للمختلفين معها في السياسات والآراء. ولأن تلك التيارات تتداخل مع معتقدات اجتماعية أتاحت لها حركة أوسع في باطن المؤسسات والمرافق الحيوية. فالسلفية – مثلاً- ليست جماعة إنما تقاليد دينية تحرِّض على استئصال المختلفين عقائدياً. ومن حين لأخر تطلق فتاوى "التكفير الناعم" فيأتي القتل ترجمة دموية لا يُخطئ الهدف.

إنَّ الاختلاف الديني أمر جوهري في الحياة، وهو الأساس بالنسبة للمعتقدات. وقد بنيت الديانات على هذا وإلاَّ لما كانت ثمة ضرورة لتنوعها ونزولها على فترات متباينة، لم يلغِ إحداها الأخرى، لأن ذلك سيكون إلغاء لما يخص الأفراد ويتيح لهم التأمل والتفكير الحر. وعندما يهب الإرهابيون لإلغاء الديانات السابقة، فهم يلغون ما يعتقدون ويلغون سنن التاريخ والاجتماع البشري.

 

سامي عبد العال

 

 

عامر صالحكانت التفجيرات في مرفأ بيروت ليست حدثا لوجستيا فقط أشاع الخراب فيما حوله وعطل الحياة اليومية بالكامل وأرجعها الى عقود مضت او عودة الى اللاحضرية وتقهقر بيروت الى حياة بدائية سبقت تألقها في محتلف مجالات الحياة الادبية والثقافية والعمرانية والسياسية، بل انه نكوص في الحضارة المادية وما تفرزه من نكوص سيكولوجي يعود بالتفكير الى مراحل سبقت نهضة بيروت الجميلة واستقلالها من الاحتلال الفرنسي، ولكن لا توجد فنتازيا مبتذلة خارج فهم الظروف الموضوعية التي انتجت انساق من التفكير الغرائبي الذي يدفع بأتجاه العودة الى الماضي.

على الرغم من انتهاء الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1943 وانسحاب آخر جندي عام 1946 بعد أكثر من 20 عاما من الاحتلال، ترددت أثناء جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حي الأشرفية اللبناني، أمس الخميس، هتافات باللغة الفرنسية التي يجيدها اللبنانيون جيدا تقول: "تحيا فرنسا"، كما كانت هناك دعوات بعودة الانتداب الفرنسي، تأكيدا على عدم الرضا عن النظام الحالي، وهناك ألحاح شعبي يطلب بعدم تسليم أي مساعدات دولية الى الحكومة اللبنانية مباشرة لأنها" كما يقول البيروتيين " ستسرقها كما هي في سابقاتها من المساعدات، فهل الشعب اللبناني المعروف بحسه المرهف وفطنته كان غبيا في مطالباته !!.

لقد عانى الشعب اللبناني كثيرا، وتغلب على الكثير من المآسي من قبل، ابتداء من المعارك الضارية بالوكالة إلى حرب أهلية كارثية دمرت وسط بيروت. وأظهر الشعب اللبناني قدرة فائقة على التحمل؛ لكن يبدو أن صبره نفد الآن، خاصة بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت يوم الثلاثاء الماضي. اليوم يعيش لبنان حالة اللادولة، بل هو ركام دولة أسست لها المحاصصات الاثنية والطائفية في اطار مشروع ابقاء لبنان ضعيف وأسير للمليشيات الطائفية والكارهة اصلا لبناء دولة المواطنة العابرة للطوائف والاديان، وبالتالي فأن الصراع بين الدولة والفوضى هو صراع لم يستكين، بل ان كفة اللادولة هي الارجح في النموذج اللبناني الذي يسير على سنته النموذج العراقي.

ان الفشل في النهضة الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة وبناء دولة المواطنة هو احد اسباب نكوص المواطن اللبناني بل وحتى العراقي في ترحمهما على الاحتلال والرغبة في عودته، فأنعدام الخدمات الانسانية الاساسية من صحة وتعليم وكهرباء هي مقياس جوهري لجهد الحد الادنى لأي نظام انساني عادل، والعدالة ليست في ابتذال واجترار الشعارات، بل في خطوات ملموسة لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها بما يجعله انسانيا غير متؤسف على الاحتلال وعودته، وما يتحقق على الارض اللبنانية والعراقية هو مخزي ومعيب ولن يمت بصلة لنهضة الانسان واشباع حاجاته الاساسية الاولى، فالفساد وسرقة المال العام والرشوة والمحسوبية في كلا  البلدين يستنزف موارد البلدين ويجعلهما في صدارة البلدان الاولى في العالم من حيث الفساد وعدم الاستقرار، فهل تحرير فلسطين يمر عبر بوابة الفساد الاداري والمالي لبيروت وبغداد.

عندما نستنكف من الاحتلال الفرنسي للبنان ونشك بتضامنه، وكذلك في العراق نمتعض ونشك عندما يعلن المحتل الغربي والامريكي وقوفه مع الشعب العراقي " وهو مزاج مشروع في اغلب دوافعه " علينا ان نقدم قوة المثل في بناء دولة المواطنة الجامعة لكل التنوعات الاثنوظائفية بعيدا عن التخندق الميليشياوي، دولة قوية وليست دولة عميقة تنفرد فيها ميليشيات سائبة في ادعاء تحرير فلسطين، ويعرف القاصي والداني أنه اذا اريد تحرير فلسطين فأن اول ما تحتاجه هو دول قوية مساندة ومتماسكة في الداخل، وفيها اشباع الحد المعقول من الامن والحاجات الاساسية الانسانية، من صحة وتعليم وخدمات، وفيها وحدة القرار المصيري وليست كل يقرر مصيره بمفرده، فالدول لا تنتصر على اعدائها إلا بوحدتها وتماسكها الداخلي، وبديمقراتياتها النزيه وليست المزوره، فأرادة الشعوب هي الفصل بين الحق والباطل.

لقد كان ترحيب اللبنانيون بزيارة ماكرون " المحتل " لا يوصف، حيث وقف في وسط الجماهير في بيروت وتحدث إليهم؛ بل إنه أزاح أحد حراسه جانبا من أجل أن يعانق سيدة لبنانية رغبت في ذلك. لقد اعتبره اللبنانيون "منقذا لهم". لقد بادر بهذه الزيارة غير مبالٍ بالمخاطر، وأقلها إمكانية الإصابة بفيروس "كورونا" وسط جموع اللبنانيين الذين جاء إليهم للإعراب عن تضامنه وتضامن فرنسا معهم.

لقد كان ماكرون أثناء جولته يرتدي ربطة عنق سوداء، تعبيرا عن الحزن على ضحايا الانفجار المدمر الذي شهده مرفأ بيروت الرئيسي وأسفر عن مقتل من 135 شخصا "حتى لحظة كتابة المقال " على الأقل وإصابة الآلاف، وتشريد حوالى 300 ألف شخص. وتقدر الأضرار بنحو 5 مليارات دولار، وهو مبلغ لا تمتلكه لبنان الآن، حسب بلومبرج. وفي حديثه للصحافيين في نهاية زيارته دعا ماكرون إلى إجراء تحقيق دولي لتحديد أسباب الانفجار، الذي تردد أنه كان نتيجة لوجود شحنة كبيرة من نترات الأمونيوم في أحد مستودعات المرفأ. وقال ماكرون: "نحن في حاجة إلى تحقيق دولي شفاف وصريح، لضمان عدم إخفاء أي شيء أو بقاء أي شكوك"، بالتأكيد فهناك من يشكك بنوايا ماكرون ويعتبر سلوكه دعوة لزعزعة لبنان واستقراره" وهو البلد الفاقد للاستقرار اصلا ".

غدا سيأتي مسؤول امريكي او غربي الى العراق على خلفية اي حدث ارهابي او تفجيرات بأسباب مختلفة لا سامح الله " وخاصة للأسلحة والعتاد والمتفجرات السائبة المنتشرة في ارض العراق"  وسنرى كيف يحتضنونه العراقيون ليست محبة به " فالمحتل لا يستساغ مهما كان " ولكن فشل الحكومات العراقية المتعاقبة في تأمين الحد الادنى من العيش الكريم الى جانب اهدار المال العام والفساد الاداري ونخر مؤسسات الدولة العراقية، سيضع العراقيين في موقع المصفق على مضض لمن يأتي لنجدتهم سواء كان امريكي أم غيره، أنها آلية نفسية طبيعية تجسدها العودة الى الاعتزاز والتشبث بمرحلة سابقة برغم سلبياتها واشكالياتها بسبب من تدهور الحاضر وانعدام أفق المستقبل، أنها حالات من من الحنين المشروع وغير المشروع يجسدها عمق ازمة الحاضر غير القابلة للحل في المنظور القريب وما يرافقها من يأس وجزع لدى المواطن العراقي.

تفجيرات بيروت ألقت بظلالها على شكل مخاوف مشروعة لدى الشعب العراقي بسبب من تشابه بنية النظامين السياسيىن القائمين على ضعف الدولة وسيطرة الميليشيات التي تتدخل في اقحام الحكومة العراقية ورسم سياسات غير مستقلة من مختلف القضايا الاقليمية والدولية ودفع العراق الى المزيد من التخندق والارتهان لمختلف المحاور ذات عدم الاستقرار. والحل واحد في بيروت وبغداد والذي يكمن في حصر السلاح بيد الدولة وبسط نفوذ الدولة وان يكون القرار بيد الدولة حصرا. أنها سنة بناء دولة المواطنة الحاضنة للجميع بعيدا عن الاجتهاد المؤذي والمخرب للدولة والمجتمع، وكل الاجتهادات واردة ولكن تحت مظلة الوطن والقرار الوطني.

 

د.عامر صالح

 

 

جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

تعتق نظرية الانفجار العظيم وتجاوز الزمن والعلم لها:

استخدم، وأكاد أقول استهلك، علماء العالم نموذج نظرية الانفجار العظيم، البغ بانغ Big Bang على مدى عقود طويلة استمرت لأكثر من قرن، لشرح أصل وتطور الكون المرئي. وبالرغم من صحة النموذج ومصداقية الكثير من خصائصه وهو معاصر وحديث بالمعايير العلمية، لكنه بات عجوزاً. فهو يعود لسنوات العشرينات من القرن العشرين المنصرم ووصف قدر الإمكان قصة الكون المرئي ونشأته وتطوره فهل نجح في ذلك تماماً؟ أ أنن بحاجة لنموذج آخر أو تحديث هذا النموذج وفقاً لآخر الاكتشافات والمشاهدات والتجارب والنظريات العلمية في مجال علم الكونيات الكوسمولوجيا؟

نجح العلماء في صياغة قصة عظيمة للكون عمرها 13.8 مليار سنة. فريدة من نوعها، أصلية، لم يسبق لها مثيل، استثنائية، خارقة للتصور، وأحدثت قطيعة مع كافة الحكايات والنصوص الكونية التقليدية، والمقصود بها قصص الخلق الأسطوري للكون والتي أسماها غاستون باشلارد "تأملات أسلافنا القدماء" بغية صياغة نموذج للكون باعتباره نظاماً فيزيائياً في مجال علم الفك، وكانوا بذلك يعتمدون على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، التي صيغت في عام 1915. عندما اكتشفها الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان في عام 1922، كان أول من أدرك حقيقة أن هذه النظرية تسمح بدراسة بنية الكون ككل. ومنذ العام 1922، ثم في عام 1924 ، وصف تطور الكون في الزمن والذي ينطوي ضمنا على وجود الفرادة الأولية أو الأساسية. توصل في عام 1927 إلى نفس النتيجة، الراهب والفلكي والفيزيائي البلجيكي جورج لوميتر الذي أعلن أن انحسار وابتعاد أو هروب السدم والمجرات الحلزونية التي لاحظها عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل عام 1929 ما دعاه لاستنتاج فرضية توسع الكون. هذا التوسع ينطوي على بداية. لوصف ذلك، تخيل جورج لوميترLemaître في الثلاثينيات أن المادة والزمان قد ولدا من "ذرة" بدائية واحدة، وهو نموذج يبشر بالنظرية المعروفة الآن تحت اسم "الانفجار الكبير أو البغ بانغ"، وهو التعبير الذي أطلقه عليه فريد هويل ، في محطة بي بي سي، في عام 1949 تهكماً. كان هويل من المؤيدين لنموذج كون ثابت لن يكون له بداية ولا نهاية، وكان يعتقد أنه بهذه التسمية يسخر من نظرية منافسة من خلال صياغة تعبير أصبح "نجمًا" للمفردات الفلكية. يشير التعبير اليوم إلى نظرية مقبولة من الجميع، لأنها تشرح ثلاث سلاسل من الملاحظات المستقلة، وكلها لا جدال ولا اعتراض عليها: أولاً، يبدو أن المجرات البعيدة تبتعد بسرعة أكبر عن الراصد كلما كانت أبعد: في بدايته، كان الكون أكثر كثافة وسخونة، مثل غاز يسخن عند ضغطه. ثم، في كل مكان في الكون، توجد نفس نسبة الهيليوم (8٪ من عدد ذرات هذا العنصر)، مما يعني أن الكون قد مر بمرحلة تكون فيها الكثافة ودرجة الحرارة عالية ومرتفعة بدرجة كافية للسماح بتوليف هذا العنصر. وأخيرًا، يشهد الإشعاع الخلفي الأحفوري الميكروي المنتشر المكتشف في نطاق الموجات المكروية كشاهد على المرحلة الكثيفة والساخنة التي مر بها الكون في بدايته. مبنية على هذه الركائز الثلاث، تفترض نظرية الانفجار الكبير أيضًا فرضيتين: عالمية أو شمولية قوانين الفيزياء، وحقيقة أن الكون متجانس (بكثافة متساوية) وعلى مستوى واسع جدًا (هو ليس له مركز). وهكذا، تنشأ نظرية الانفجار الكبير من اللقاء بين نظريتين فيزيائيتين: النسبية العامة (آينشتاين) وتمدد الكون (فريدمان / لوميتر / غامو / هابل): لنعرض بالمعكوس " فيلم "عن تمدد الكون مع معادلات أينشتاين في النسبية العامة، وكلما توغلنا في الماضي، كلما تناقصت أبعاد الكون المرئي، زادت درجة الحرارة، وزادت كثافة زيادة المادة. عندما نحل المعادلات إلى أقصى حد ممكن على المستوى النظري، نصل إلى عالم نقطة ponctuel وبالتالي من حجم صفر، وبالتالي فرادة ترتبط به درجة حرارة لا نهائية، وكثافة لا نهائية وحجم صفري: "الانفجار الكبير" (التفرد الأولي أو الفرادة الأولية الأساسية). هذا نموذج من الخمسينيات، عندما ظهر علم الكونيات العلمي بعد اكتشاف النسبية العامة لأينشتاين، مما جعل من الممكن اعتبار الكون كجسم مادي حقيقي - لأول مرة - مع خصائص عالمية (انحناء الزمكان). لكن هذا الاستقراء النظري الذي يقوم فقط على معادلات النسبية العامة، يأخذ في الاعتبار الجاذبية أو الثقالة فقط وليس التفاعلات والقوى الأساسية الجوهرية الثلاثة الأخرى. ثم يكون الحساب صحيحًا رياضياتيًا، لكنه خاطئ ماديًا لأنه يؤدي إلى الفرادة دون وصف حركات الجسيمات عالية الطاقة (لأنه يتجاهل القوى الثلاث الأخرى). الزمن الذي تصبح فيه معادلات أينشتاين خاطئة مادياً ومعطلة يسمى "جدار بلانك". يتوافق جدار بلانك، في تاريخ الكون، مع اللحظة الأصلية لتشابك ظواهر الكموم والجاذبية. لتجاوزه (نظريًا)، نحتاج إلى شكليات موحدة قادرة على دمج كل من ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم والنسبية العامة، وهو ما ينقصنا حاليًا، لأن الشكلين يعتمدان على مبادئ متناقضة (الاختلاف في هندسة الزمكان من نموذج لآخر). هل استوعبنا المشكلة؟ إن نظرية الانفجار العظيم التي تصف تاريخ الكون في عملية توسعه التدريجي صحيحة تمامًا.. حتى نقطة معينة في تاريخ الكون. ومع ذلك، فإن نموذج الانفجار العظيم يتنبأ بوجود لحظة صفرية عندما يكون للكون درجة حرارة وكثافة لا نهائية، قبل جدار بلانك. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع النماذج النظرية المعاصرة المستخدمة على نحو تجريدي، تعمل لمحاولة التغلب على جدار بلانك (نظرية الأوتار الفائقة، الجاذبية الكمومية الحلقية أو العروية، نظرية الفراغ الكمومي، نظرية الكون المتعدد أو تعدد الأكوان أو الأكوان الموازية، علم الأكوان_ الأغشية أو البرانات الكونيات، وكلها تشترك في شيء واحد: إبطال فكرة التفرد أو الفرادة الأولية. بعبارة أخرى، وفقًا لكل هذه النماذج، لم تكن درجة الحرارة في الكون أبدًا لانهائية، الأمر الذي يتعارض مع الوجود الافتراضي للانفجار العظيم الذي يعتقد أنه " اللحظة 0 ". وبعبارة أخرى، ليس لدينا دليل علمي على أن الكون له أصل، وليس لدينا دليل على أنه ليس له أصل. هذا السؤال المطروح باستمرار على أنه مغلق هو في الواقع مفتوح. لكن بما أننا في ثقافة تعزز أن للكون المرئي أصلًا وبداية، كان هناك اندماج بين توهج اللاهوتيين اللاذعين والانفجار الكبير للفيزيائيين ("ما بعد الانفجار الكبير لك، وما قبل الانفجار الكبير لنا"، كما قال البابا جون بول الثاني لستيفن هوكينغ).

 جدار بلانك :

يوجد في الفيزياء ما أصطلح على تسميته بالثوابت الكونية constantes universelles التي تنظم القوانين الأساسية، وبالتالي النظريات. من بينها: ثابت نيوتن للجاذبية (G)، سرعة أينشتاين للضوء (c)، ثابت بلانك (h). يتوافق جدار بلانك مع لحظة تداخل الظواهر الكوانتية أو الكمومية مع والجاذبية أو الثقالة. لذلك يجب أن يتضمن وصفها هذه الثوابت الأساسية والجوهرية الثلاثة.

في الكون المبكر، لم يكن هناك سوى الجسيمات الأولية فقط (الكواركات والنيوترينوات والفوتونات إلخ) مسجونة في حيز ذو حجم صغير، لكنه يتمتع بطاقة عالية جدًا وتتفاعل مع بعضها البعض. وبالتالي، فقد شكلت المحتوى المادي للكون بالكامل، ومع توسع الكون وتبريده، فقد جزءًا متزايدًا من طاقتها وانخفاض درجة هيجانها تدريجيا. عندما تصل درجة الحرارة إلى قيمة منخفضة بما فيه الكفاية، فإن الكواركات، الحساسة للتفاعل النووي الشديد أو القوي، باتت قادرة على الاندماج لتكوين أنواع كثيرة من الجسيمات المركبة (الهدرونات) التي صنفها الفيزيائيون. في هذا الوقت، اجتمعت التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات النووية الضعيفة، رغم اختلافها الشديد عن بعضها البعض، لتشكيل القوة الكهروضعيفة، والتي انقسمت بسرعة إلى قوتين مختلفتين. يشير "جدار بلانك" إلى مرور الفترة في تاريخ الكون التي كانت خلالها التفاعلات الأساسية الأربعة موحدة ومطبقة في نفس الوقت، وبالتالي في نفس الشكلية. كما أنه يشير إلى اللحظة التي تتوقف فيها معادلاتنا والتناقض بين الشكلين الفيزيائيين الفلكيين العظيمين (النسبية العامة والفيزياء الكمومية). العلم قادر حاليًا على وصف تاريخ الكون الذي يفصلنا عن جدار بلانك الذي دام 13.78 مليار سنة. العلماء دقيقون للغاية من اللحظة التي قام فيها التمدد بتبريد الجسيمات بما فيه الكفاية بحيث تكون طاقتهم من طاقة البعوض أثناء الطيران (السرعة القصوى التي يمكن استنساخها مع LHC مصادم ومسرع الجسيمات في سيرن). من الطاقة التي طورتها البعوضة أثناء الطيران إلى تلك التي طورتها القطارات السريعة TGV بأقصى سرعة (تقابل بضعة أجزاء من الثانية مما يتيح الوصول إلى جدار بلانك)، لا يمتلك العلماء حاليًا قياسات تجريبية دقيقة.. لذلك، فإنهم ملزمون بالرضا عن النماذج النظرية والأفكار والنظريات الفيزيائية، للتظاهر بتصور هذه المرحلة. ولكن في الجزء العلوي من جدار بلانك نفسه، لا يمكن قول أي شيء.. لذلك من السخف الحديث عن فرادة مبدئية، أو أصل للكون أو لحظة O. القوانين المعروفة في الفيزياء تتوقف عن العمل أمام جدار بلانك. نشك ببساطة في بأن مفاهيم الزمن والمكان لم يعد لها معنى. قبل تحليل النظريات

الكمومية أو الكوانتية، دعنا نعود للحظة إلى النسبية العامة وحدودها: وصف أينشتاين التركيب المنحنى للزمكان في النطاق الماكروسكوبي  بواسطة النسبية العامة ولكن لا تسطيع أية نظرية وصف بنية الزمكان في المستوى أو النطاق المكروسكوبي لأن ذلك يتطلب نظرية موحدة، تسمى "نظرية كل شيء" ، أي تصف  القوى الجوهرية الأربعة في الكون البدئي. فجدار بلانك يمثل اللحظة الذي لم تعد فيه فيزياء آينشتاين صالحة، لأنح وحسب النسبية العامة، إن التفاعل الثقالي هو الذي يخلق الزمكان. ولكن في هذا النموذج، لم تعد الجاذبية قوة تمارس في الكون، ولكن الخاصية الهندسية للزمكان نفسه، هي التي تولد انحناءه). ومع ذلك، فإن الجاذبية هي في الواقع القوة الضخمة واسعة النطاق بين القوى الأساسية الأربع العاملة في الكون، لكنها ليست الوحيدة. وبالعكس، هي أيضًا القوة الأقل فعالية على المستوى الذري وما دون الذري. 

لذا فإن النسبية العامة هي نظرية تحمل اسمها السيئ، فهي نسبية وليست كلية شمولية، لأنها خاصة بالجاذبية أو الثقالة، وبالتالي فهي ليست عامة. للعودة إلى الفرادة الأولية أو الأساسية (الانفجار الكبير)، من الضروري أن نأخذ في الاعتبار أن الكون، بالإضافة إلى الجاذبية، يواجه ظروفًا فيزيائية تتوافق مع المواقف التي يكون فيها للجسيمات طاقة أكثر بكثير من الكون الحالي و يخضع كل شيء لقوى التفاعل في نفس الوقت. من أجل وصف الكون البدائي، من الضروري تطوير نظرية قادرة على وصف قوى التفاعل الأساسية الأربعة في وقت واحد. الآن، كما فهمت، يتم وصف الجاذبية في الوقت الحالي فقط على المقياس الماكروسكوبي من خلال معادلات النسبية العامة لـآينشتاين، وهي شكلية معينة تأخذ فقط في الاعتبار الجاذبية كجسم مادي بينما يتم وصف القوى الأساسية الثلاثة الأخرى فقط، على نطاق مجهري أو مادون مجهري، بواسطة فيزياء الكموم أو الكوانتوم (بتعبير أدق، نظرية المجالات أو الحقول théories des champs) التي تقوم على شكليات أخرى. وبتعبير آخر، يحاول علماء الفيزياء الفلكية الجمع بين النسبية العامة (التي تصف الللامتناهي في الكبر ، وبالتالي الكون على نطاق ماكروسكوبي) مع فيزياء الكموم أو الكوانتوم (التي تصف التفاعل النووي الضعيف والتفاعل النووي القوي والكهرومغناطيسية مجتمعة في النطاق الميكروسكوبي أو اللامتناهي في الصغر. ومع ذلك، تستند فيزياء الكموم على مباديء متناقضة مقارنة بالنسبية العامة، لأن النموذجين لا يعتمدان على نفس الزمكان! مثلا في فيزياء الكموم، الزمكان جامد ومسطح (بدون انحناءات) وغير منفصل تمامًا عن المادة التي يحتوي عليها. إنه أيضًا الزمكان في النسبية الخاصة، أي زمكان بوانكاريه_مينكوفسكي Poinca -Minkowski. الذي هو مختلفة تمامًا عن الزمكان في النسبية العامة التي تتسم بالمرونة والديناميكية، وتعترف بالانحناءات في الزمكان عن طريق الجاذبية أو الثقالة وتتفاعل بشكل مستمر مع المادة والطاقة الموجودة في داخله. لعبور "جدار بلانك"، يجب أن نتفق على الزمكان الذي نختاره لتوحيد القوى الأربع، لأنه لا يمكننا الاعتماد على مكانين مختلفين (مسطح / منحنى) في نفس الوقت. ومع ذلك، فشلت جميع المحاولات لتوحيد الشكليات. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذين الشكلين، على اختلافهما، قد تم تأكيدهما تجريبيا. تم تأكيد النموذج القياسي المعياري  لفيزياء الكموم في عام 2012 مع اكتشاف بوزونات هيغز Higgs Boson ، وتم تأكيد النسبية العامة مرة أخرى في عام 2016 مع اكتشاف موجات الجاذبية. باختصار، النموذجان فعالان بشكل كبير وصالحان، ومع ذلك غير متوافقين!

مسارات الكم:

من الواضح أننا نحاول مع ذلك عبور "جدار بلانك "من الناحية النظرية. في الوقت الحاضر فإن النهج الأكثر شيوعًا هو نظرية الأوتار الفائقة. تم وضع أسسها النظرية الأولى في السبعينيات من قبل غابرييل فينيزيانو Gabriel Veneziano، وجويل شيرك Joel Scherk، وبرنارد جوليا Bernard Julia، وجون شوارز John Schwarz، ومايكل غرينMichael Green. تستبدل النظرية جميع الجسيمات التي نعرفها بجسم واحد ممتد، الوتر الفائق، الذي يهتز في زمكان مع 6 أو 7 أو 22 بعدًا أكثر من الزمكان العادي. في الواقع، في السبعينيات، تم إثبات أنه لا يمكن للمرء أن يأمل في توحيد الجاذبية والقوى الأساسية الثلاثة الأخرى في الزمكان رباعي الأبعاد. هذا هو السبب في أننا نستخدم اليوم نماذج تقبل أبعادًا أكثر. سيتم طي هذه الأبعاد الإضافية على نفسها عند حجم صغير جدًا الحيز المجهري، بحيث تكون غير محسوسة. تتوافق أوضاع الاهتزازات المختلفة للوتر الفائق مع الجسيمات المحتملة المختلفة (يتوافق وضع واحد مع الإلكترون ، وآخر مع النيوترينو، والثالث مع الكوارك..). لذلك تبدأ النظرية من افتراض أن الجسيمات الأولية ليست كائنات مادية نقطية ذات حجم صفري (نقاط)، ولكنها سلاسل اهتزازية يمكن فتحها (بنهايتين مختلفتين) أو حلقات (مع نهايتين مجتمعتين منغلقتين) حيث السينماتيكا cinématique محكومة بالنسبية الخاصة، ودينامياتها تحكمها فيزياء الكموم. إن نظرية النسبية العامة لا تظهر في صلب فرضية النظرية، مما يعني أنها "تبدأ" دون ملاحظة وجود الجاذبية. وبالتالي، لا تستدعي النظرية الثقالة، ومع ذلك، من المبادئ التي لا تحتوي على الجاذبية، على مقياس مسافة معينة، تصنع معادلات أينشتاين للجاذبية. لذلك تتوقع نظرية الأوتار الفائقة الجاذبية كقوة ضرورية وهي نتيجة التطابق الذي وضع العلماء على طريق "نظرية كل شيء" التي ماتزال متذبذبة. مثل الجنية، تنبثق نظرية النسبية العامة من الحاجة إلى وجود جسيم له جميع خصائص جسيم الجاذبية أو الثقالة المعروف باسم الغرافيتون، من المفترض أن يكون الوسيط الحامل والناقل للجاذبية. يظهر هذا الغرافيتون في الحسابات كحالة اهتزاز معينة لوتر مغلق وبالتالي لحلقة، وهو نفس الـ"نسق المعين لأوتار مفتوحة الذي يتوافق تمامًا مع الفوتون، وهو الجسيم الوسيط للتفاعل الكهرومغناطيسي. يمكننا أن نقول عن نظرية الأوتار الفائقة أنها تغطي نظرية الكموم للكهرومغناطيسية التي نسميها"الكهروديناميكا الكمومية، انطلاقاً من إطار شكلي تحكمه الفيزياء الكوانتية أو الكمومية ونظرية النسبية الخاصة ولايشملان الثقالة أو الجاذبية تقودنا مباديء نظرية الأوتار الفائقة الى معادلات النسبية العامة. ما يسمح لنا بالقول إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمومية أصيلة للثقالة أو الجاذبية.  يقولون إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمية حقيقية للجاذبية. تؤدي نظرية الأوتار الفائقة بشكل خاص إلى "نظرية المجال الكمومي"، والتي تنتج عن التزاوج بين فيزياء الكموم ونظرية النسبية الخاصة وتشكل الشكلية على أساس النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. نظرًا لأن نظرية الأوتار الفائقة تتخلص من فكرة التفرد الأولي أو الفرادة الأولية، فإن بعض النماذج المعروفة باسم ما قبل "الانفجار الأعظم" تحل محل الانفجار الأعظم بمرحلة كثيفة للغاية يمكن أن تكون بمثابة "جسر كمومي" بين كوننا المتوسع و آخر كان سيسبقه (في الواقع هو نفسه، ولكن في حالة الانكماش العظيم). تم اقتراح إصدارات مختلفة من هذه النماذج  من بينها وأبرزها نموذج  غابرييل فينزيانو، أحد مؤسسي نظرية الأوتار الفائقة. كان الكون قد شهد قبل الانفجار العظيم تطورًا متناظرًا لما كان عليه بعد الانفجار العظيم و خلال هذه المرحلة الوسيطة ،فإن كثافة المادة ، بدلاً من التناقص كما هو الحال في الكون الحالي، تكون مرتفعة أكثر فأكثرفي حين تناقص أبعاد الكون حتى تبلغ كثافة الطاقة  ودرجة الحرارة القيم القصوى الحرجة التي تسمح بها نظرية الأوتار الفائقة . في هذه اللحظة يرتد الكون على نفسه وبدلاً من تقلصه سوف يتمدد  وكل القيم التي تزداد سوف تتناقص بين المرحلتين المتميزيتن وهكذا فإن الكون السابق للانفجار العظيم يمكن أن يلاحظ وكأنه انعكاس لصورة في مرآة للكون اللاحق  أي ما بعد الانفجار العظيم والذي هو بدوره ليس سوى مرحلة انتقالية بين مرحلتين متمايزتين لنفس الكون فبدلاً من التقلص، يكون توسع وكل المقادير التي ازدادت تنمو. هكذا الكون السابق. هناك متغيرات أخرى، مثل علم الكونيات البراني كون الأغشية والنظرية الثقالية الكمومية الحلقية أو العروية أو نظرية الفراغ الكمومي ، نظرية الجاذبية الكمومية المهم هو أن كل هذه النماذج النظرية تتعارض مع فكرة اللحظة O التي تشير إلى بدء الكون وأصله.

تجدر الإشارة إلى إن عبارة "الانفجار الكبير" كانتذات معنى انتقاصي أو تحقيري في البدء، ولكن بالنسبة للكثير من الأمور كانت غير اللائقة: لا يعرض الانفجار الكبير فكرة تشتت المواد في جميع الاتجاهات لملء مساحة فارغة مسبقًا، كما يوحي التعبير. إنه الفضاء نفسه الذي يتوسع بمرور الوقت، وبالتالي زيادة المسافات بين الأشياء التي تنطوي عليها في توسعها.

ما هي النظرية المثبتة؟

قد يتساءل المرء بشكل شرعي كيف يمكن إثبات نظرية الانفجار العظيم إذا كانت في النهاية ... غير مثبتة. من المهم أن نفهم كيف يعمل العلم: كتذكير، لا توجد نظرية مثبتة حقًا. يقين العلم لا يمكن إلا أن يتعلق بالدحض. هذا ما فهمه فيلسوف العلوم كارل بوبر: من المستحيل إثبات صحة النظرية العلمية بشكل قاطع. يسأل الناس أحيانًا بسذاجة: هل هذه النظرية مثبتة؟ لا توجد نظرية مثبتة - وهذا هو السبب في أن الحجة الإعلانية "المثبتة علميا" هي انحراف معرفي. لإثبات (بشكل نهائي) نظرية ما، سيحتاج المرء إلى تأمين مزدوج: إجراء عدد لا حصر له من التجارب التي تجعل من الممكن وضع المقياس على المحك، وهذا بدقة غير محدودة، وهو أمر مستحيل بشكل مضاعف. كل نظرية إطارية تكون دائمًا "خاطئة" في الاتجاه بقدر ما هي صحيحة للحظات فقط، كما يوضح تاريخ العلم.

 

د. جواد بشارة

 

 

2.1.2. اللغات الأنديَّة

مجموعة قليلة من اللغات المحليَّة المحدودة الإنتشار تنطق بها أقليّات سكّانيِّة صغيرة العدد هم بقايا لقوميّات مختلفة تقلَّصَت أعدادهم لأسباب مختلفة. تنتشر هذه اللغات في قرى متعددة على سفوح الجبال أو ضفاف الأنهر المتواجدة في فيدراليَّة داغستان ضمن جمهوريَّة روسيا الفيدراليَّة عند الحدود مع جمهوريَّة الشيشان وينحصر إستخدامها في الوقت الحاضر على الأغلب في الأطر العائليَّة. تُشَكِّل هذه المجموعة اللغوية مع اللغة الأفاريَّة ومجموعة اللغات الديدوئيَّة واللغات اللزغِيَّة مجموعة اللغات الداغستانيَّة، التي تشكل بمجموعها مع اللغات الناغيَّة عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة. جَرَت أوَّل عملية إحصاء رسمي للقوميّات الناطقة بهذه اللغات عام 1926، أي في الفترة الزمنيَّة التي أصبحت فيها مناطق شعوب القوقاز جزء من الإتحاد السوفيتي سابقا. لم يتم إحصاء هذه الأقليات السكانِيَّة كل على حدة في عمليات التعداد السكانيَّة المختلفة التي جرت بعد التأريخ المذكور بل كانت توضع كلها في سلة واحدة تحت مسمى الأواريين وبهذا تم إهمال تنوعهم القومي واللغوي. تقلصت أعداد أبناء هذه القوميّات على مر الزمن بفعل الحروب والغزوات المتنوعة التي تعرضوا لها من مختلف القوميات والدول المجاورة لهم  خضعوا على أثرها لهجرات جماعية وفردية مختلفة وتبعثروا في مناطق متعددة ترتب عليها إنصهار أعداد كبيرة منهم مع قوميات هذه الدول وإهمالهم للغاتهم الأم. في الإحصاء الذي جرى عام 2002 تمت الإشارة إلى ذكر هذه القوميّات المتنوعة وأعداد أبنائها وكذلك أعداد من تبقى منهم يمتلك ناصية اللغة الأم. جميع لغات هذه المجموعة هي لغات غير مكتوبة ولا تمتلك أبجدية لكتابتها  بالإضافة إلى كونها لغات غير رسميَّة وغير معترف بها بإستثناء اللغة التنديَّة. يجري تصنيف هذه اللغات ضمن المعايير الدوليَّة كونها لغات غير أدبية أو لغات لا تمتلك إمكانيَّة إستخدامها كواسطة للتواصل الإجتماعي حيث يلجأ الناطقين بهذه اللغات إلى إستخدام اللغة الأواريَّة الأكثر إنتشاراً في مناطق تواجدهم أو اللغة الروسيَّة كونها اللغة الرسميَّة الأولى في كافة جمهوريات روسيا الفيدرالية للتفاهم فيما بينهم. تضم هذه المجموعة اللغوية اللغات التالية:

1.2.1.2. اللغة الأخواخيَّة

اللغة الأخواخيَّة:

اللغة الأخواخيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/ اللغات الداغستانيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْدِيَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات ـ الأنْديَّة/ ومنها اللغة الأخواخيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الأخواخيَّة عند الناطقين بها باسم الأشواثلهيَّة (Aschwathlhi).

تأريخها، نشوئها وتطورها: لم تتوفر أولِيّات يمكن الرجوع إليها لمعرفة تأريخ هذه اللغة.

تتضمن اللغة الأخواخيَّة الكثير من  مفردات اللغات الإيفيريّة والروسيَّة والعربيَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة الأخواخيَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الأخواخيَّة جنوب إقليم داغستان في مناطق الأخواخيين شرق منطقة تادماجيتل وفي المناطق الشمالية لأذربيجان.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الأخواخيَّة في الوقت الحاضرأقل من 500 مواطن فقط رغم أن أعداد الأخواخيين يتجاوز ال 20 ألف مواطن.

لهجاتها: للغة الأخواخيَّة رغم قلة أعداد الناطقين بها لهجات مختلفة منها:

اللهجات الأخواخيَّة الشماليَّة (Nordachwachisch) واللهجات الأخواخيَّة الجنوبيَّة (Südachwachisch) التي تتضمن لهجتي تليانوب (Tlyanub) وتسيغوب (Tsegob) بالإضافة إلى لهجة كاخيب (Kachib). يصعب على الأخواخيَّين التفاهم فيما بينهم فيلجأؤن إلى إستخدام اللغة الإيفيريّة الشائعة الإستخدام في مناطق تواجدهم.

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الأخواخيَّة لغة محكيَّة فقط وتستخدم في الإطار العائلي.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الأخواخيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الأخواخيَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط، وهي مهددة بالإنقراض كغيرها الكثير من اللغات القوقازيَّة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الأخواخيَّة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الأخواخيَّة لغة محليَّة محدودة الأنتشار.

الكود الدولي اللغة الأخواخيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: --- ISO 639-3: aka

2.2.1.2. اللغة الأنديَّة

اللغة الأنديَّة:

اللغة الآنديَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة/ ومنها اللغة الأنديَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الأنديَّة عند الناطقين بها باسم قواناب ميسي  (Q`wannab micci). سُمِّيت هذه اللغة على اسم قرية آندي التي يقطنها الأنديين جنوب داغستان.

تأريخها، نشوئها وتطورها: اللغة الأنديَّة كغيرها الكثير من اللغات القوقازيَّة مهددة بالإنقراض بسبب التناقص الكبير في أعداد الأنديين من جهة ولنفوذ اللغة الإيفيريّة في مناطق تواجد الأنديين.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة الأنديَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الأنديَّة جنوب إقليم داغستان في منطقة آندي.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الأنديَّة 10 ألف مواطن فقط من مجموع الأنديين البالغ عددهم حالياً 20 ألف مواطن.

لهجاتها: هناك لهجتان مختلفتان في اللغة الأنديَّة هما:

اللهجة الأنديَّة العليا (Oberandisch) واللهجة الأنديَّة السفلى (Niederandisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: كُتِبَت اللغة الآنديَّة لأَوَّل مرَّة بالأبجديَّة العربيَّة وإستمر إستخدام هذه الأبجديَّة حتى عام 1928، ومن عام 1928 حتى عام 1938 تم الإنتقال إلى الأبجديَّة اللاتِينيَّة. عام 1938 تم إسْتِبْدال الأبجديَّة اللاتِينيَّة بالأبجديَّة السيريليَّة ولا يزال إستخدام هذه الأبجديَّة مستمراً.

يستعين الأندييون في الوقت الحاضر بالأبجديَّة الإيفيريّة أو السيريلِيَّة لكتابة لغتهم.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الأنديَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الأنديَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الأنديَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الأنديَّة لغة محليَّة محدودة الإنتشار.

الكود الدولي اللغة الأنديَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: cau,  ISO 639-3: ani

3.2.1.2. اللغة البغوالاليَّة

اللغة البغواليَّة:

اللغة البغوالاليَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة/ ومنها اللغة البغوالاليَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى هذه اللغة بمسميات مختلفة بإختلاف مناطق تواجدها ولهجاتها منها: البغوالينيَّة (Bagvalinisch)، باغوال (Bagual)، بغوالال (Bagwalal)،  كواناديَّة (Kwanadaisch) و باربالينِيَّة (Barbalinisch).

تأريخها، نشوئها وتطورها: تم إكتشاف اللغة البغوالاليَّة في القرن التاسع عشر. لم تحضى هذه اللغة بالدراسة الكافيَة لقلَّة الناطقين بها ولإبتعادهم عن المراكز الحضاريَّة في البلاد. إكتشف علماء اللغات الكثير من مفردات العربيَّة والتركيَّة والأواريَّة والروسيَّة في هذه اللغة. يستخدم البغوالاليون اللغة الأفاريَّة أو اللغة الروسيَّة للتفاهم مع جيرانهم ويتعلم الأطفال البغوالاليون اللغة الأفاريَّة في المدارس الإبتدائيَّة و اللغة الروسيَّة في الثانويَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة البغوالاليَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة البغوالاليَّة جنوب غرب إقليم داغستان في مناطق الأخواخيين والتشوماديين.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة البغوالاليَّة  6.700 مواطن فقط في إقليم داغستان.

لهجاتها: تتواجد في اللغة البغوالاليَّة اللهجات التالية:

لهجة كوانادا ـ هيمرزويش (Kwanada-Hemersoisch) ولهجة تلوندودا ـ خوشتاديش (Tlondoda-Chuschtadisch) ولهجة تليسي ـ تليبيشويش (Tlissi-Tlibischoisch) ولهجة باربالينِش (Barbalinisch). أُخِذَت هذه التسميات من أسماء قرى البغوالاليّين.

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة البغوالاليَّة لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة البغوالاليَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة البغوالاليَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة البغوالاليَّة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة البغوالاليَّة لغة محليَّة تستخدم في الإطار العائلي فقط وهي مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغة الأواريَّة في مناطق تواجدها.

الكود الدولي للغة البغوالاليَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: cau,  ISO 639-3: kva

4.2.1.2. اللغة البوتليشيَّة

اللغة البوتليشيَّة:

اللغة البوتليشيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأندِيَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأندِيَّة/ ومنها اللغة البوتليشيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة البوتليشيَّة عند الناطقين بها باسم *بوتليش*.

أطلقت هذه التسمية أيضاً على اكبر القرى التي يسكنها البوتليشييون.

تأريخها، نشوئها وتطورها: البوتليشييون هم جزء من قبائل الإيفيريين.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة البوتليشيَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: يقطن البوتليشيَّون في القرى على سفوح جبال الساحل الشرقي من نهر سولاك جنوب غرب إقليم داغستان على مقربة من الحدود مع جمهورية الشيشان. بالرغم من الزيادة في أعداد السكان البوتليشيَّون فإن أعداد الناطقين باللغة البوتليشيَّة في تناقص مستمر لنفوذ اللغة الإيفيريّة في مناطق تواجدهم.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة البوتليشيَّة في الوقت الحاضر أقل من  500 مواطن في إقليم داغستان في قريتي بويكة و آشينو.

لهجاتها: توجد في اللغة البوتليشيَّة لهجتان متميزتان هما:

اللهجة البوتليشيَّة (Botlichisch) واللهجة الميارزِيَّة (Miarsisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة البوتليشيَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة البوتليشيَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة البوتليشيَّة لغة محليَّة ضيقة الإنتشار.

الكود الدولي للغة البوتليشيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: pbh

5.2.1.2. اللغة الغودوبيريَّة

اللغة الغودوبيريَّة:

اللغة الغودوبيريَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة /ومنها اللغة الغودوبيريَّة.

التسميَّة باللغة الأم: وتسمى أيضاً اللغة الغيبدهليَّة (Ghibdihli) أو الغودوبرية (Godoberi).

تأريخها، نشوئها وتطورها: اللغة الغودوبيريَّة قريبة إلى اللغتين البوتليشيَّة والشامالاليَّة وتتواجد في نفس المناطق التي يقطنها البوتليشييون.

لم يتمكن علماء اللغة من معرفة مراحل التطور التي مَرَّت بها هذه اللغة. تتواجد في اللغة الغودوبيريَّة الكثير من المفردات العربيَّة والتركيَّة بالإضافة إلى المفردات الروسيَّة التي أخذت تطغي في السنوات الأخيرة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد أيَّة مخطوطات للغة الغودوبيريَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الغودوبيريَّة جنوب غرب إقليم داغستان في مناطق غودوبيري وزيبرشالو ومناطق البوتليشيين عند الضفة اليسرى لنهر آندي كُويسو.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الغودوبيريَّة في الوقت الحاضر 2.000 مواطن فقط.

لهجاتها: هناك لهجتان مختلفتان في اللغة الغودوبيريَّة هما:

اللهجة الغودوبيريَّة (Godoberisch) واللهجة السيبرشاليَّة (Zibirchalisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الغودوبيريَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الغودوبيريَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الغودوبيريَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط إلا أنها مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغة الأفاريَّة في مناطق تواجدها.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الغودوبيريَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الغودوبيريَّة  لغة تستخدم على نطاق عائلي فقط.

يتعلم الأطفال الغودوبيرييون اللغة الأفاريَّة أو الروسيَّة في المدارس.

الكود الدولي اللغة الغودوبيريَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: gdo

6.2.1.2.  اللغة الكاراتينيَّة

اللغة الكاراتينيَّة:

اللغة الكاراتينيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْدِيَّة ـ الديدوئِيَّة/  اللغات الأنْدِيَّة/ ومنها اللغة الكاراتينيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: أُخِذت تسمية اللغة الكاراتينيَّة من اسم القرية التي يتواجد فيها الكاراتينييون وكذلك من اسم النهر الذي تقع عليه هذه القرية.

تأريخها، نشوئها وتطورها: يعود تأريخ الكاراتينييون ولغتهم إلى القرون الوسطى، وهم يشتركون مع الآوارييون ويتشابهون معهم من حيث التطورات التي عاشتها مناطقهم. خضعت هذه المناطق منذ القرن الثامن إلى سيطرة القوات العربية الإسلاميَّة وتعاقب السيطرة عليها الفرس والتُرك حتى نهاية القرن الثامن عشر، ثم خضعت لسيطرة القيصريَّة الروسيَّة. تطورت اللغة الكاراتينيَّة من رحم اللغة الأواريَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة الكراتينيَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الكاراتينيَّة في 10 قرى جنوب غرب إقليم داغستان في مناطق الأخواخيين إلى الغرب من منطقة تندي.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الكاراتينيَّة في الوقت الحاضر 6.000 مواطن فقط.

لهجاتها: تنتشر في اللغة الكاراتينيَّة اللهجات التالية:

توكيتا (Tokita) و كاراتن (Karatin) و توكيتن (Tokitin).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الكاراتينيَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الكاراتينيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الكاراتينيَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الكاراتينيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الكاراتينيَّة  لغة محليَّة ضيقة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الكراتينيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: kpt

7.2.1.2. اللغة التنديَّة

اللغة التنديَّة:

اللغة التنديَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْدِيَّة ـ الديدوئِيَّة/  اللغات الأنْدِيَّة/ ومنها اللغة التنديَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة التنديَّة عند الناطقين بها باسم إيداراب (Idarab) وهذا هو اسم القرية التي يتواجد فيها التندييون. يطلق الروس عليهم اسم التندال.

تأريخها، نشوئها وتطورها: اللغة التنديَّة شديدة الشبه باللغتين الشامالاليَّة والبغوالاليَّة.

لم تتم دراسة اللغة التنديَّة بشكل جيد لحد الآن.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة التنديَّة لكونها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: تستخدم اللغة التنديَّة في قرية تندي جنوب غرب إقليم داغستان.

أُخِذَت تسمية هذه اللغة من اسم هذه القرية.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة التنديَّة  في الوقت الحاضر 5.000 مواطن فقط.

لهجاتها: تتواجد في اللغة التنديَّة اللهجتان الرئيستان التاليتان:

اللهجة التنديَّة (Tindisch) و لهجة أكنادا ـ انغيدش (Aknada-Angidisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة التنديَّة لغة غير مكتوبة. يدوِّن التندييون لغتهم باللغة  الأواريَّة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة التنديَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة التنديَّة لغة معاصرة محكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة التنديَّة  لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة التنديَّة لغة محليَّة محدودة الإنتشار.

الكود الدولي اللغة التنديَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: tin

8.2.1.2. اللغة الشامالاليَّة

اللغة الشامالاليَّة:

اللغة الشامالاليَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/  اللغات الأنْدِيَّة/ ومنها اللغة الشامالاليَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الشامالاليَّة عند الناطقين بها باسم سيمالال (Camalal) أو شامالين (Chamalin).

تأريخها، نشوئها وتطورها: يمتد تأريخ اللغة الشامالاليَّة إلى القرن الثامن للميلاد.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد آثاراً لغويَّة للغة الشامالاليَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الشامالاليَّة  جنوب غرب داغستان في منطقة تشوماد.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الشامالاليَّة في الوقت الحاضر 6.000 مواطن فقط.

لهجاتها: توجد في اللغة الشامالاليَّة اللهجات التالية:

لهجة جاكوارش (Gakwarisch) ولهجة هيهاتلش (Hihatlisch)

بالإضافة إلى لهجة جيجاتل (Gigatil) ولهجة جاديري (Gadyri).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الشامالاليَّة  لغة غير مكتوبة.

يستخدم الشامالاليَّون اللغة الأواريَّة أو اللغة الروسيَّة لتوثيق تراثهم.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الشامالاليَّة  لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الشامالاليَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الشامالاليَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الشامالاليَّة  لغة محليَّة ضيقة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الشامالاليَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: cji

9.2.1.2.  اللغة البوتليشيَّة

اللغة البوتليشيَّة:

اللغة البوتليشيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة/ ومنها اللغة البوتليشيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة البوتليشيَّة عند الناطقين بها باسم *بوتليش*.

أطلقت هذه التسمية أيضاً على اكبر القرى التي يسكنها البوتليشييون.

تأريخها، نشوئها وتطورها: البوتليشييون هم جزء من قبائل الإيفيريين.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة البوتليشيَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: يقطن البوتليشييون في قرى على سفوح جبال الساحل الشرقي لنهر سولاك جنوب غرب إقليم داغستان قرب الحدود مع جمهورية الشيشان الفدراليَّة.

بالرغم من الزيادة في أعداد البوتليشيَّين فإن أعداد الناطقين باللغة البوتليشيَّة في تناقص مستمر وذلك لنفوذ اللغة الإيفيريّة في مناطق تواجدهم.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة البوتليشيَّة في الوقت الحاضر أقل من  500 مواطن في إقليم داغستان في قريتي بويكة و آشينو.

لهجاتها: توجد في اللغة البوتليشيَّة لهجتان متميزتان هما:

اللهجة البوتليشيَّة (Botlichisch) واللهجة الميارزِيَّة (Miarsisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة البوتليشيَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة البوتليشيَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة البوتليشيَّة لغة محليَّة تستخدم في الإطار العائلي فقط.

الكود الدولي اللغة البوتليشيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: pbh

***

د. محمد شطب

 

 

بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بسيطة بين رؤي الفرق الإسلامية

الحياة دائما  صراع بين إتجاهين إتجاه تقدمي وأخر رجعي. وهذان الاتجاهان بدءا منذ ان بدء الإنسان حياته على هذا الكوكب الارضي . وهو صراع داير في فلك اسباب ونوامسي السنن الكونية، لا يحابي إحدا دون الآخر فمن اخذ اسباب التقدم يرقي ويصنع الحضارات ومن  تخلي عنها تخلف عن الركب  وعاش  في مؤخرات الأمم.

هذا، وفي اطار ابجديات قواعد الفكر الاسلامي في حياة الانسان من حيث التقدم والتأخر من خلال رؤى الفرق الاسلامية ،هناك حركات  تقدمية  واخري  رجعية، بناء علي  استجابة الإنسان معطيات سنن الكون الالهية.

فالعتزلة والشيعة الامامية هما حركات تقدمية، بينما الأشاعرة والحنابلة تعتبران حركات رجعية. إذ أن كل من قدم العقل علي النص عند التعارض بينهما فهو تقدمي واالعكس رجعي. علما بأن هناك اختلاف بسيط بين الامامية والمعتزلة حول دور العقل بين الاطلاق والتقييد.

إن مفهوم  التقدمي والرجعي يظهر من خلال تفسير حركة التطور بعد رحيل النبي صلى الله عليه وسلم الي الرفيق الأعلي.

الإمامية ومن نحى نحوهم يرون بأن حركة التطور بعد النبي صلى الله عله  وسلم قابلة للتطور نحو الصعود الي الأحسن. وذلك  بتوظيف وظائف الإمامية، لأن الإمامة إمتداد للنبوة وذلك لاستكمال وظائف الرسالة النبوية بعد إنقطاع الوحي بموت النبي صلى الله علي وسلم.

ومن وظايف النبي صلى الله عليه وسلمي كما ذكر في القرآن الكريم تتمثل قوله تعالي:

"هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانون من قبل لفي ضلال مبين"

وكقوله تعالي: "وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم"

وقوله تعالي: "لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"

وقوله:"  وإنك لعلي خلق عظيم"

وقوله:" لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق "

وهناك عشرات من الأيات الي تبين وظائف النبي صلى الله عليه وسلم في  شأن الرسالة.

كما اشير بوظائف الرسالة المحمدية بإيجار قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"

ومن هنا يقدم العالم نحو الصعود الي الاحسن لا الي التدني نحو الأسوء.

هذا، بخلاف حركات الرجعية المتمثلة بالأشاعرة والحنابلة بناء على تفسيرهم حول عجلة حياة الإنسان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أنها تتحرك  وتسير نحو الأسفل  والأسوء.

وهناك أثر يستدلون بها" ما من زمان إلا والذي بعده أشر".

وإنطلاقا من هذا التفسير يرون بأ العالم دائما ينحدر نحو الأسوء.

لكن إذا نظرنا هذا التفسير نجد أن منشؤه ومرجعه كان فكرة أنشأت الدولة الأموية من خلال زرع فكرة الجبر والإرجاء المثبطة على قدرة الإنسان في تطوير الحياة. عكس الإختيار للإنسان بأفعاله وأنه حر.

وكان الشيخ محمد الغزالي من علماء المعاصرين الذين فندوا فكرة" أن كل زمان متأخر أسوء ممن قبله" مستدلا بأثر أخرى"  مثل أمتي مثل المطر  لا يدرى أولها خير أم أخرها"

وهناك منعطفان خطيران أثرت علي عدم تأسيس الفكر الإسلامي الحر التقدمي في العالم الإسلامي حتى استغل هذا  الفراغ أخيرا الحركات العلمانية والإشتراكية في القرن العشرين في كافة أقطار العالم الإسلامي.

المنعطف الأول: كان محاربة الأمويين والعباسيين أهل  بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا أقرب الناس الي فهم روح الإسلام .

المنعطف الثاني: كان ترك الإمام الأشعري فكر الإعتزال الذي تبني بها نحو أربعين سنة  وتبنيه علي مذهب أحمد بن حنبل كما صرح بذلك في مؤلفاته.

علاوة علي ذلك إقصاء ومحارية مذهب الإعتزال الذي  تبني به الخليفة العباسية المأمون في أرساء قواعده وتطبيقه وجعله مذهب الدولة في مجلات الحياة الفكرة وغيرها.

 

د. بدر  الدين شيخ رشيح إبراهيم.

 

 

محمد المرجانمن الصعب جدا اعتبار بعض الأحداث التي تقع هنا وهناك، وتتباين خطورتها وأهميتها حسب ظرفيات وأوضاع معينة، بمثابة ظواهر اجتماعية ثابتة متكررة جمعية وشاملة، وبالتالي قابلة للمعاينة العلمية بكل سهولة. كما يستحيل علينا اعتبارها في إطار محدوديتها، كتوجه تاريخي عميق يحكم المسار العام للمجتمع. ولعل ما حدث في الآونة الأخيرة من تصرفات رعناء "للعامة الواطئة" في هجومها على "الكسابة" أو سرقتها للمعدات الطبية بعد خروجها من المستشفيات التي قامت بعلاجها، لدليل واضح على هذا النوع من الأحداث، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدل على ظاهرة اجتماعية تتكرر عبر الزمان والمكان وتشمل فئات اجتماعية بعينها.

قد يكون سلوك النهب والتخريب تعبير مباشر عن مستوى الصراع الاجتماعي السائد داخل الكتل الاجتماعية الغير متساوية والمتصارعة فيما بينها، وهو أمر يسود كل الأنظمة الاجتماعية بدون استثناء. إلا أن الأنظمة الأكثر مركزية والأكثر انغلاقا والأشد رسوخا على المستوى التاريخي والمؤسسي هي المعروفة بكثرة هذه الحركات اليائسة والموجهة لغيضها نحو ما هو مثيل لها أو أدنى منها، على أساس ضعفها البنيوي في إيجاد الصيغ الكفيلة بالتعبير اللائق عن حرمانها. خاصة إذا كانت درجة ومستوى الإصلاح الطامح إلى ترميم هذه الأنظمة غير قادرة على إحداث أي تغيير ممكن في علاقتها بمكوناتها البشرية. هل تختص الفئات المعدمة وحدها بمثل هذا التصرف؟ لا شك أن سياق التناقض الطبقي المحدد لوضعية الفئات داخل البنية الاجتماعية العامة، يلعب دورا كبيرا في "انتاج القيم الداعمة لمكانة ووضعية الفئات" ضمن التراتبية المتدرجة من الأعلى إلى الأسفل. ولذلك تتفاعل السلوكات الفردية أو الجماعية اليومية للفئات المعدمة –و بكيفية شعورية أو غير شعورية-من أجل تكريس القيم الدالة على دونيتها وعلى تخلفها واستهتارها بكل القيم المناقضة لطبيعتها وتفكيرها ونمط عيشها. معتبرة أن الانتماء العضوي لطبقتها هو ما يشكل في الواقع مبرر وجودها الشرعي.

وعلى أساس ذلك تتبلور "بنية الشخصية" المتكونة من مجموع التأثيرات العامة لكل من الوسط الاجتماعي والأسري والسياسي والنفسي والاقتصادي والثقافي. فتكون هذه الجموع صورة عن ذاتها تتماهى في الغالب مع الصورة التي رسخها المجتمع عنها. وبعبارة أوضح خضوع الإنسان لضغط الأنساق وحتمياتها، لا يلغي بتاتا المسؤولية الأخلاقية للأفراد في مثل هذه السلوكيات. مما يعني التقيد بتحليل الحدث في إطار ظرفه الخاص المرتبط بأحداث أخرى تتشابك فيما بينها موضوعيا، وتضغط في اتجاه بلورة سلوك معين، كرد فعل طبيعي من طرف مجموعة معينة. فليست كل الفئات المعدمة همجية الطبع متوحشة السلوك ومدمرة لكل القيم الصالحة، وإنما قد تصبح كذلك حينما نعمل على إنتاج كل الشروط التي تعمل على المزيد من إقصائها ونبدها.

إن الجرم الكبير الذي نقترفه هو الاعتقاد بأن مثل هذه التصرفات تقتصر على الطبقات المعدمة أو تلك المتواجدة في العالم الثالث. ففي الهزات التي عرفتها فرنسا في ضواحيها تبين بالملموس أن الطبقة المتوسطة التي شاركت في هذه الاحتجاجات مارست نفس الأمر على ممتلكات ومتاجر نفس الطبقة. في الولايات المتحدة الأمريكية منظر النهب والسرقة للمتاجر الصغرى والدكاكين العادية من طرف الحشود الغاضبة، معروف ويتذكره الجميع. هذا الاستنتاج لا يسمح قطعا بتبرير هكذا سلوك. لكن اللافت بكل تأكيد أنه داخل هذا الصراع ليس هناك طرف محايد، ووسائل الإعلام الرسمية أو غيرها جزء كبير من هذه المواجهة. والنخبة المثقفة بدورها ليست في منأى عن هذه الورطة. وإلا كيف نفسر الضجيج الإعلامي حول حادث الكسابة، والذي لم ينجم عنه إلا الخسائر المادية، والصمت الشبه المطبق على القرار الارتجالي الذي اتخذ حول حالة الطوارئ بين المدن خلال 24 ساعة وكانت نتيجته إزهاق العديد من الأرواح والخسائر المادية أيضا.

إن المعرفة الناجعة لا تستقيم مع التسرع في الأحكام، بل في القدرة على التعاطي مع تنوع الواقع وصعوبة تجليه، والارتكان للمقارنة بين الأوضاع حتى نتمكن من الإمساك بالخيط الناظم الذي يجمع بين المتناقضات في إطار بنية إدراكية واضحة.

 

بقلم د. محمد المرجان

 أستاذ باحث في علم الاجتماع ـ جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، المغرب

 

عدنان ابوزيدالعلاقة بين الغرب والعرب، بشكل خاص، كانت على الدوام، قائمة على الإرادات، لصالح الغرب لا سيما في مجال النفط، الذي دفع الى حقبة استعمارية كرّست علاقة الحساسية المفرطة بين الطرفين، لكن أزمة كورنا مدعاة الى علاقات أكثر عدالة بين الشعوب بعيدا عن تعبئة الماضي وعقده المستحكمة بين الشعوب بشكل عام، لكن هيهات في خضم الكراهية التاريخية التي تقود العالم.

التأزّم في التطبيق يكمن في إرث وازن من ماضي الأواصر بين الشعوب، ومن ذلك ما يذكره الفيلسوف الهولندي هان فان دير هورست، بانّ من المنطقي أنْ تحتقر الشعوب الغرب، فلولا أسباب الصراع التي ولّدتها الدول الاستعمارية في المنطقة، لكان العرب، على سبيل المثال، على سعة في البناء باستخدام مليارات ومليارات الدولارات المهدورة في حروب ورثوا أسبابها، لكنهم لن يفعلوا، ليس لأنهم لا يؤمنون بذلك، بل لان الخرائط المرسومة، وبواعث الصراع تحوُل دون التنفيذ.

وكل أمة في العالم، لها أسبابها في التناحر والبغضاء.

لايزال الاتراك ينظرون الى العرب على انهم خونة، لأنهم وقفوا بجانب الحلفاء الذين وعدوهم بالاستقلال، خلال الحرب العالمية الأولى، ليتمردوا على حكامهم العثمانيين (الأتراك) الذين انحازوا إلى ألمانيا. ولاحقا أدرك العرب ان الدول الغربية خانتهم أيضا.

يروي هورست أيضا عن ان الغرب الذي يثلب الدكتاتوريات العربية لنهجها الصارم ضد المعارضين العزل، فانه نفسه لاسيما الحكام البريطانيون استخدموا في عشرينيات القرن الماضي، غاز الخردل القذر للغاية ضد الثوار العراقيين بموافقة صريحة من ونستون تشرشل.

وفي جانب أسباب التباغض، فان الحكومات الغربية والشركات المتعددة الجنسيات آزرت الأنظمة العربية من اجل النفط، لا من اجل حقوق الانسان. وفي السبعينيات من القرن الماضي، دفع الغرب أسعارًا منخفضة للغاية للذهب الأسود محذرا قادة الشرق الأوسط من الاحتجاج.

وفي أوائل الخمسينيات، أندمج البريطانيون والأمريكيون في مشروع إِقْصاء رئيس الوزراء الإيراني الراحل، مصدق لأنه أراد تأميم المصالح النفطية، ويسّروا للشاه، تأسيس ديكتاتورية وحشية.

ازدادت علاقات الفتن بين الشعوب، بالتدخل العسكري لأمريكا وحلفاءها في أفغانستان.

وإذا كانت العرب تمتهن الغرب ولا تثق به، لأسباب تاريخية تبرّر ذلك، فان بواعث الكراهية تسوّغ الصراعات بين الكثير من الشعوب.

لايزال الصينيون، يضعون صورة الياباني كرمز للعداء والكراهية، في شعور انتقامي تَولّد جراء غزو القوات العسكرية اليابانية، شرق آسيا، واصبحت فوبيا اليابان، ثقافة اجتماعية في الصين والكوريتين. ولا يزال اليابانيون يلقبون الصين بـ رجل آسيا المريض، على الرغم من انها لم تعد كذلك.

وشنّ الجيش الأمريكي، العام 1942 الحرب على اليابانيين الذين قتلوا بصورة وحشية، وصوّرتهم الأفلام الامريكية الكلاسيكية، بأسنان كبيرة وعيون مشدودة، في قصد التحقير.

الانكليز ينافرون الفرنسيين، ويصف شكسبير في مسرحيته الملك الفرنسي هنري الخامس بـ "الفاسق".

الفرنسيون يصفون الانكليز بالغطرسة والسُكْر، فيما يصف الانكليز الفرنسيين بالمهذارين والغريرين وتفوح منهم رائحة الثوم.

وبواعث الكراهية بينهما تاريخية، تعود الى حروب المائة عام، والثلاثين سنة بين كرّ وفرّ، فاز فيها الانكليز في 23 حربا وخسروا في 11 منها.

وعقب خسارتها للحرب العالمية الأولى، خضعت ألمانيا لشروط الحلفاء المنتصرين، وانتهت الى كراهة مبطّنة، تظهر عبر الدعابات الساخرة التي يتبادلها الشعبان.

على ذات المنوال، لازال الروس يتطارحون الحكايات التي تحقّر اليابانيين، إثر الحرب ما بين عامي 1904و 1905.

 يزيد من هذا السجال العنيف، في الاعلام وفي ساحات الحروب، أولئك الخطباء المفوهون، الذين يتحصنون على الدوام خلف الأيديولوجيات، لتعليل أسباب الكراهية بين الشعوب، استجابة للسياسات الرسمية، وهو أمر فَتَح السبل لغزو الأوطان، والحروب المحلية والعالمية.

في حقبة كورونا، لم يصرف هؤلاء من الكلام، ولم تنفق الدول من المال، لمكافحة الوباء، قدر بذلها على التسليح والحروب والكراهية.

 

عدنان أبوزيد

 

احمد عزت سليميجتاح العالم الآن وخاصة في العالم الغربى وعلى غير المتوقع فإن الكبار في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية قلقون بشأن الشباب واستخدامهم للتكنولوجيا الرقمية.. غالبًا ما يتم إلقاء اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، والمحتوى الجنسي، على وجه الخصوص، لمجموعة من النتائج الإشكالية بين الشباب -  بداية من فاعليات رقمية من  صورة الجسم السيئة وقضايا الصحة العقلية إلى البلطجة والمواقف الجنسية القسرية - ولكن قاعدة الأدلة لهذه الادعاءات ليست قوية دائمًا، إلى جانب الادعاءات بالتأثيرات وعلى الرغم من الآثار العميقة على كيفية دعم الشباب لتطوير المهارات والثقة لتصفح العلاقات وتأمين صحتهم ورفاههم وخاصة في المراحل التعليمية الغربية كافة .

أصبحت الوسائط الرقمية محورية في كيفية تنمية وتطوير الصداقات والعلاقات العائلية والعلاقات الرومانسية والجنسية والحفاظ عليها. .. بجميع الأشكال الحميمية، وقد تم التوسط فيها بطريقة ما، من حيث أنها : ـــ " تتطلب وسيطًا يمكن من خلاله إقامة علاقات حميمة بين الموضوع والآخر، ومع ذلك رغم الإنتشار، لا تزال العلاقات الحميمة التي يتم التوسط فيها من خلال التقنيات الرقمية الجديدة نسبيًا، كما أن الاستجابات المتعلقة بالسياسات والممارسات تلعب دور اللحاق بالركب باستمرار - لا سيما في ضوء التطورات التكنولوجية السريعة والمستمرة والسرعة التي يأخذ بها الشباب منصات معينة ويتخلى عنها.. المصطلحان " الحميمية بوساطة " و"الحميمية الرقمية" مفيدان في هذا السياق أولاً، ــــ للتأكيد على الأهمية التعليمية الغربية لأشكال وسائل الإعلام مثل الجنس والعلاقة النصيحية و " الحالات المؤلمة " في تطوير المعرفة الجنسية وإدارة الصحة الجنسية، وثانيًا، ــــ للإشارة إلى الطرق التي يتم بها تشكيل العلاقة الحميمة الآن من خلال الاتصالات بين الأشخاص داخل البيئات المتصلة بالشبكة باستخدام الأجهزة والتطبيقات والمنصات والغرف وحيث تمتد هذه الوظائف المزدوجة للعلاقات الحميمة بوساطة إلى الأدوار التي تلعبها الوسائط الرقمية فيما يتعلق بالعلاقات والتربية الجنسية (RSE) - فهي وسيلة يتم من خلالها تكوين العلاقات الحميمة والتفاوض بشأنها بين الشباب، وأيضًا من خلاله يمكن تطوير التعليم حول العلاقات الحميمة ومشاركتها، من خلال الحملات الرسمية الغربية ومشاركة المعلومات من نظير إلى نظير.. ومن السمات الرئيسية لوسائل الإعلام الرقمية الغربية في هذا السياق أنها تسمح للشباب بأن يكونوا مستهلكين ومنتجين " للتعليم".

الطرق التي أصبحت بها الوسائط الرقمية جزءًا لا يتجزأ من أشكال مختلفة من الحميمية لها آثار مهمة على فهمنا لما يشكل صحة جنسية، ومع ذلك لا يوجد اتفاق حول كيف وفي أي عمر، يجب على الآباء والمهنيين ــ كما يرى الغرب ــ الذين يعملون مع الشباب معالجة الأسئلة المتعلقة رقميًا المحتوى والتجارب الجنسية بوساطة ... وكمثال على الإهتمام الغربى بذلك سيصبح تعليم العلاقات على مستوى المدرسة الابتدائية والعلاقات والتربية الجنسية على مستوى المدرسة الثانوية قانونيًا في جميع المدارس وكمثال في إنجلترا اعتبارًا من سبتمبر 2020 .

يستخدم مصطلح "الحميمية الرقمية" ليشمل مجموعة واسعة من الممارسات بما في ذلك مشاركة الصور الجنسية الصريحة؛ التقاط صور السيلفي ومشاركتها؛ مقابلة الشركاء الجنسيين؛ التواصل حول الجنس والعلاقات؛ البحث عن المعلومات والمشورة؛ وإنشاء محتوى جنسي والوصول إليه وتعميمه عبر الإنترنت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وعبر التطبيقات .

كما تشير الحميمية الرقمية أيضًا إلى كيفية مشاركة الشباب في الاتصالات عبر المنصات / التقنيات الرقمية لتعزيز العلاقة الحميمة - " أنواع الاتصال التي تؤثر على الناس، والتي يعتمدون عليها في العيش " ...

تحدد العلاقة الحميمة أشكالًا عديدة من العلاقات - من العائلة إلى الصداقة إلى الرومانسية والجنسية.. توفر المساحات الرقمية طرقًا جديدة للتواصل، وبما أن التكنولوجيا الرقمية أصبحت الآن جزءًا كبيرًا من الأعمال الحياتية حتى " الأعمال الخشبية " في الحياة اليومية ... فإن الوسائط الرقمية توفر اتصالات وعلاقات فعالة ومعقدة وفوضوية ومستدامة ومشكلة.. لأن العلاقات المزورة في وضع عدم الاتصال، وفي الواقع في وضع عدم الاتصال، والعلاقات عبر الإنترنت قد تكون متشابكة للغاية بحيث لا يمكن فصلها .

 

أحمد عزت سليم

 

جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

الجذور الخرافية لولادة الكون المرئي: تروي الأساطير كيف ظهر شيء ما، سواء تعلق ذلك بالكون أو بالإنسان أو بكل هذه الأنواع الحيوانية أو البنى الاجتماعية. لكن لأن خلق العالم يسبق كل الآخرين، فإن الكون يتمتع بمكانة خاصة. تعمل الأسطورة الكونية كنموذج لجميع الأساطير الأصلية. إن خلق الحيوانات أو النباتات أو الإنسان يفترض بالفعل وجود عالم سابق لوجودها. حتى في الحالات التي لا توجد فيها أسطورة كونية بالمعنى الدقيق للكلمة (كما هو الحال في أستراليا)، لا تزال هناك أسطورة مركزية تخبر عن بدايات العالم، ما حدث من قبل كينونات مثل "الله، أو حيوان أو شخصية أسطورية، يغطس هذا الكائن الخارق في قاع المحيط الأولي ويرسل القليل من GLAISE أنفاسه» لكي يصبح كما هو اليوم. "لذلك نجد دائمًا تاريخًا أساسيًا، وهذا التاريخ له بداية: الأسطورة الكونية أو الأسطورة التي تقدم لنا الحالة الأولى، اليرقية أو الجرثومية،»، يشير عالم الأساطير والأديان ميرسيا إلياد. إلى أن الأسطورة الكونية تشكل نموذجًا لجميع أنواع "الإبداعات" والتصورات الروحانية. علاوة على ذلك، تلعب الأسطورة دورًا رئيسيًا في طقوس التجديد الدوري للكون، وبالتالي، في تطوير الفكرة الأسطورية للزمن الدائري. إن عددًا كبيرًا من الأساليب العلاجية والمرضية مستمدة بالفعل من اليقين بأن المرء يمكن أن يكرر الكون، أنه يمكن للمرء أن يعاود خلق العالم.

وبالمثل، فإن التكهنات الأولى حول أصل الكائنات والأشياء، وبشكل عام، ظهور الميتافيزيقيا الشرقية العظيمة، أصبحت ممكنة بفضل حقيقة أنه لآلاف السنين، يعتقد البشر أنهم يعرفون كيف يجعلون الأفكار متطورة من بداية العالم وإلى الآن. باختصار، إن الأنظمة الكونية التي طورها الفلاسفة الأوائل هي جزء من تقليد سحيق مارسه البشر "البدائيون". ويضيف ميرسيا إلياد: "من المهم أن نشير إلى هذا التفكير فلسفيًا، إذ لم يتم التفكير في الواقع النهائي انطلاقاً من فضول عقلاني لمعرفة الأسباب الجذرية، ولكن من "الألفة الطقسية" مع بدايات العالم، من اليقين الذي استهلك الزمن، بين لحظة الخلق واللحظة الحالية، وهذه المسلمة لا تشكل عقبة لا يمكن التغلب عليها، لأن هذه المدة يمكن إلغاؤها أو تجاوزها. كان ذلك لأننا اعتقدنا أننا وصلنا بالفعل، في البداية، إلى بداية العالم الذي بدأنا فيه منذ لحظة معينة في التفكير المنهجي، في هيكل الأشياء، في غموض الجزيرة- العالم، كما هو باعتباره الهيكل الأول، هيكل هذه الحالة الأولى من الأشياء، في محاولة لاختراق سر الوجود تحت شخصية العالم كما كشفت عن نفسها للمرة الأولى. "

المتغيرات الكبيرة:

هناك عدد لا بأس به من موضوعات ومتغيرات كوسموجونية تتعلق بالخلق والحياة وخلق الإنسان والكون والحياة ولكن، وفقًا لعلم الأساطير، يمكن تصنيف أهمها إلى أربع فئات: أولاً ، ظاهرة الخلق العقلي. الخرافات التي تصف خلق العالم عن طريق الفكر والكلمة ( كن فيكون) أو دور السلطة الإلهية("الفعل") أو "الإحماءات أو الاستعدادات الربانية من قبل جزء من "إله أو إله ثانوي أو شبه إله ... هذا هو الحال كائنات الهنود الحمر وينيباغو Winnebago وأوماها Omahas الذين كان خلقهم للعالم بالفكر لأن جميع المخلوقات هي أرواح ، مثلما عند البولينيزيين. كما تم العثور على الخلق من خلال الحماوة أو الاستعداد الإلهي في التقاليد الفيدية védiques والبراهمانية الهندية حيث البيضة الذهبية هي نتيجة "الحماسة" وقساوة المياه البدائية. العنصر المشترك لجميع هذه الحكاية الكوسموجينية هو فكرة أن العالم مستمد مباشرة من الخالق: من أحلامه، من فكره، (أو من قلبه)، من فعله، من عرقه ("الاحماء") من جوهره. ثم ما يسمى "الغوص الكوني الكوسموجيني". الخرافات من بطولة "الغطس" الكوني: الله، كينونة على شكل حيوان أو شخصية أسطورية يغوص في قاع المحيط البدائي ويجلب قليل من الطين، والذي منه تتكون الأرض. هذه هي الحالة بين السكان الأصليين في الهند حيث يكون حيوان الغوص خنزيرًا برياً، يُنظر إليه أحيانًا على أنه صورة رمزية لفيشنوVishnu. في أساطير هنود أمريكا الشمالية، فإن حيوانات الغوص هي طيور مائية أو أسماك. في سيبيريا وآسيا الوسطى، تم دمج أسطورة الغمر هذه في الكون المزدوج أو الثنوية الكونية حيث يصبح الشيطان، الرفيق هو العدو، الخصم الذي يبحث عن الأرض ليحتفظ بها لنفسه بمفرده أو يحاول تدمير الخلق المكتمل. إدخال الشر في العالم، هو عدو الله والبشر. هذه النسخة المزدوجة من الغوص الكوني يمكن أن تكون ثمرة الاجتماع بين موضوعي "المياه البدائية" في الهند والمواضيعية الثنائية من أصل إيراني.أختبرت هذه النسخة  على الحدود الشرقية لسيبيريا (Samoyed ، Chukchi ، Yukagir) في حين انتشرت الأسطورة "الثنائية" الكونية على نطاق واسع في وسط وشمال آسيا ، بين الأتراك (التاتار التايكيين Tartars altaiques) وبين المغول. كما أنها وجدت كذلك مع الشعوب الأوغرينيه ougriens لروسيا الأوروبية (Ostyaks وVogouls وTcheremiss وMordvins) واندماجها في الفولكلور المسيحي في أوكرانيا وبولندا بين دول البلطيق والفنلنديين والرومانيين والبلغاريين. ومن ثم، فكرة تقسيم المادة البدائية، أي أن الكوزموجونات التي تفسر الخلق برؤية مادة بدائية منقسمة وغير متمايزة. هناك على الأقل ثلاث متغيرات مهمة: تلك الخاصة بـ "آباء العالم" حيث تمثل الوحدة البدائية زوجين السماء والأرض المتعانقين بإحكام والذين يكون فصلهم معادلاً للفعل الكوني. الزخرفة الكونية للزوجين البدائيين الأرض-السماء موجودة في العديد من الأساطير. وجدت بين الإغريق في نظرية الخلق الأسطورية théogonie مع الزوجين غايا - أورانوس Gaïa / Ouranos أو بين الماوري Maoris مع المعارضة رانجي Rangi (الجنة أو السماء) / الأب (الأرض). أسطورة "آباء العالم" منتشرة للغاية في جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا Océanie، من إندونيسيا إلى ميكرونيزيا Micronésie. في تاهيتي، على سبيل المثال، يعتقد أن هذا الفصل تم من قبل نبات والذي، من خلال النمو ، رفع السماء. تم العثور على موضوع "آباء العالم" أيضا في أفريقيا والأمريكتين. إنها بالتأكيد فكرة قديمة. وفقا للتقاليد السومرية، في البداية

 كانت السماء ممتزجة بالأرض وفصل بينهما الإله إنليل Enlil وقد لوحظ وجود أسطورة مماثلة في مصر: كانت الأرض والسماء متعانقتين بإحكام، الإله جيب Geb تحت الإلهة نوت Nout. والدهم، تشو Chou، فصلهما، من خلال رفع الإلهة التي وضعها فوق رأسه والتي أصبحت القبة السماوية. يجمع الشكل الثاني بين رمز الفوضى Choas. توصف الحالة الأصلية بأنها كتلة غير متبلورة، الفوضى. في العديد من الأساطير، يتم تقديم الحالة الأصلية على أنها فراغ، هاوية بدائية، متفاعلة داخل الظلمات ومحاطة بالظلام. هذا هو الحال في التقليد الفينيقي، في التقليد الاسكندنافي أو في الكون اليوناني حيث الفوضى هي الكيان الأساسي قبل ولادة غايا Gaia وإيروس Eros. المتغير الثالث ينقل فكرة البيضة الكونية أو الوحدة البدائية التي يتم تصورها على أنها بيضة تشمل أو تتضمن المجمل الكوني، أو بيضة تطفو في المحيط البدائي. يبدأ الخلق بتقسيم البيضة. هذا هو الحال في الأساطير اليابانية حيث لا يتم فصل السماء (Izanagi) والأرض (Izanami)، ولكنها تشكل فوضى على شكل بيضة تنقسم لكسر الوحدة البدائية. تم العثور على قصة الفوضى هذه على شكل بيضة حيث يتم الجمع بين السماء والأرض في عدد كبير من الأساطير في الصين، الهند، إندونيسيا، بولينيزيا، إفريقيا، إلخ.). في الهند الفيدية védique، الجنين الذهبي ، هو الشكل البدائي للإله الذي يحوم فوق المياه. في الأساطير السيبيرية والإندونيسية، فإن الكائن الأسمى هو، على شكل طائر، يترسب في المياه البدائية على هيئة البيضة التي سيولد منها العالم لاحقًا. يروي آخر نوع رئيسي من الأساطير القصة التي تروي تمزيق عملاق أو وحش. لذا، فإن علم الكونيات هو نتيجة لتفكيك / تجزئة عملاق مجسم أو وحش بحري أوفيدي ophidien. يمكن تقديم التضحية. يأتي المثال الكلاسيكي من الأساطير الفيدية. يتم إنشاء كل الحياة من قبل التضحية ببوروشا Purusha (الرجل الكوني)، عملاق بدائي ضحت به الآلهة. رأسه يعطي الشمس، قدميه الأرض، ضميره القمر ونسيمه الريح. تأتي الطبقات الأربعة أيضًا من جسده. نجد هذا النوع من القصص في التقاليد الصينية مع تضحية بانغو pangu، الذي يتحول جسمه إلى كوزموس؛ عيناه تعطيان الشمس والقمر، والدهون تعطي الأنهار والبحار، والشعر يعطي النباتات. في الأساطير الاسكندنافية، الآلهة آسيس Ases تضحي بــ  وتمزق العملاق يمير Ymir. من جمجمته يصنعون القبو السماوي، من لحمه الأرض، من عرقه البحر، من عظامه الجبال، من شعره الأشجار. نجد نفس القصة في إيران، مدمجة في اللاهوت المزدكيMazdéenne حيث يبدأ الكون في جسد آهورا مازدا Ahura Mazda. عندما لا يتم تقديم التضحية أو القربان، فهي ثمرة معركة الله المنتصرة ضد وحش البحر، تليها تجزئته. المثال الكلاسيكي الذي قدمته إينوما إيليش Enuma Elish الملحمة البابلية لخلق العالم. من خلال هزيمة وحش البحر تيامات، قام الإله مردوخ بتقطيعه إلى نصفين لتشكيل السماء والأرض. لم يعد الأمر هجوما وافق عليه وحش، بل نتيجة معركة أسطورية حقيقية بين المبادئ المتعارضة. يعد هذا الكون جزءًا من أيديولوجية سياسية تهدف إلى جعل مردوخ الإله الأعلى. تشهد على ذلك أسطورة القتال بين إله بطل ووحش في الشرق الأدنى واليونان والهند. تختلف معانيها عن تلك التي تتحدث عنإينوما إيليش Enuma-elish بينما تبقى متحدة بشكل أساسي. لم يعد قتالًا كونيًا، بل معركة جرت لإنقاذ العالم من تهديد المياه الخارجية أو من الانحدار إلى الفوضى، على التوالي: الإله السومري نينورتا Ninurta ضد الوحش آساج Asag ، زيوس Zeus ضد تيفونTyphon أو إندرا  indra   ضد فريتراVritra.

المثال اليوناني:

عند هيسيود Hésiode ، في البداية لم تكن الكلمة ، كما في إنجيل يوحنا ، بل الفوضى أو الكاووس Le Chaos. إذا كان هيسيود Hesiod لا يمتد على طبيعة الفوضى، يجعل أوفيد Ovide في تحولاته كتلة مشوشة وغير متجانسة لم تكن سوى كتلة خاملة، وهي تتكدس في نفس الجراثيم المتباينة لعناصر الأشياء: لا يوجد رابط بينهما. " الأرض لم تكن موجودة بعد. لاحظ أن: قصة خلق هيسيود  Hesiod لا يتعني و لا تنطوي على أن شيئًا تم خلقه من لا شيء؛ كانت هناك مادة (فوضى) ، لكنها كانت بدون شكل حقيقي. عند القدماء، إن مفهوم الخلق، من لا شيء، غير موجود. يظهر هذا المفهوم مع الديانات التوحيدية.

يقول الفيلسوف لوك فيري: "إنه ليس شخصًا، ولا حتى شخصية". تخيل أن هذا اللاهوت البدائي ليس له شيء بشري: لا جسد ولا وجه ولا سمات شخصية. لقول الحقيقة، إنها هوة، ثقب أسود أو حفرة سوداء، لا يوجد فيها كائن يمكن تحديده. والحقيقة إنه الظلام المطلق الذي يسود ما هو في الأساس لا شيء غير الفوضى. علاوة على ذلك، في بداية هذه القصة، لا يوجد حتى الآن أحد يرى أي شيء: لا حيوانات، ولابشر، ولا حتى آلهة. ليس فقط لا توجد كائنات حية، متحركة، ولكن لا توجد أيضًا سماء أو شمس أو جبل أو بحر أو أنهار أو زهور أو غابات... باختصار، في هذه الفتحة الفاصلة، هي الظلام التام. كل شيء مرتبك، فوضوي. "بدون أن نعرف حقًا السبب، إلوهية ثانية ستخرج أو تنبثق من هذه الفوضى. إنها Gaïa غايا، أمنا الأرض. أخيرا ظهرت المادة للتو. Gaïa ، والتي تعني "الأرض" في اليونانية، هي الأرض الصلبة التي فوقها سوف تتطور الحياة الذهني العقلانية ستتساءل بلا شك كيف مكن لشيء أن ينبثق بنفسه من قلب الفوضى؟ إنه نوع من المعجزة، حدث أولي تأسيسي مثل هيسيود، أول شاعر يروي لنا هذه الحكاية الفكرة الأصلية للعالم هي التي تحدد كل الآخرين بواجهة أمامية. منذ زمن بعيد، في القرن السابع قبل الميلاد، يروي لنا هيسيود لكنه لايشرح و لا يفسر ولسبب وجيه أنه هو نفسه لايمتلك أي تفسيرأو لم يكن هناك أي تفسير متاح أمامه . ولتوضيح هذه المفارقة المنطقية الظاهرة، ظهرت الآلهة الثالثة، إيروس، آلهة الحب،  والرغبة على وجه أدق إذا جاز التعبير( ومثل الكاووس الفوضى، إنها في الواقع آلهة ولكن ليس شخصاً أو كينونة بل طاقة تفيض تقوم بتنمية وإخراج الكائنات إلى الوجود. يمكننا القول إنها مبدأ الحياة، قوة حيوية، على حد تعبير لوك فيري. تتمثل مهمة إيروس الأساسية أو الرئيسية هي عبور واجتياز كل الآلهة القادمة من الظلمات إلى النور. حسب أربعة الأنماط الأسطورية الرئيسية لخلق العالم.

 

د. جواد بشارة

...........................

المراجع الببليوغرافية

شكل وأصل الكون

Aurélien Barrau و Daniel Parrochia، Editions Dunod

الكوسمولوجيا الأثرية والنماذج المتنافسة:

 

 

عدنان عويدالعقلية الوثوقية، أو الدغمائية، هي عقلية جامدة سكونية مسكونة بهاجس المطلق والمقدس، والايمان والاستسلام قبل التفكير والشك. تتكئ في تفكيرها وممارستها على مرجعيات من خارج ذاتها، تعتقد أن هذه المرجعيات (النصوص) هي وحدها من يمتلك الحقيقة، وكل ما عداها هو حرام أو خطأ يسئ للحقيقة وبالتاي يجب محاربته وإقصائه.

العقلية الوثوقية الدينية:

يمثلها قوى اجتماعية متدينة، تحمل توجهات سياسية وعقيدية أرثوذوكسية، تقر بأن الحقيقة قد أعطيت فكراً وممارسة مرة واحدة وللأبد، وتؤمن بمشروع الحاكمية انطلاقاً من قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ.) المائدة (50). وبغض النظر عن تفسير مفهوم الحكم هنا أهو سياسي أم قضائي، والأغلب هو الحكم القضائي، على اعتبار النص القرآني لم يحدد طبيعة للحكم ولا ألية عمل له. (راجع علي عبد الرازق – الإسلام وأصول الحكم).  وهذه العقلية تتكئ في الحقيقة كما بينا أعلاه على نصوص مقدسة قد أغلقت مداراتها ودلالاتها الفكرية في القرون الهجرية الثلاثة الاولى كما هو الحال في الخطاب الإسلامي حيث جاء: (الآن أتممت عليكم نعمتي... وخير القرون قرني والذي يليه ثم يليه.... وأصحابي كالنجوم الزاهرة بأي منهم اقتديتم اهتديتم). وعلى هذا الأساس أخذت هذه النصوص في دلالاتها استمراريتها الفكرية والسلوكية كوثائق، لا تقبل التغيير أو التعديل أو حتى المراجعة، لكونها كلام الله ورسوله وصحبه، وهي صالحة لكل زمان ومكان... فسرت وأولت دلالاتها في زمن ماض، وحاز مفسروها ومؤلوها على القداسة ذاتها التي تحوز عليها هذه النصوص، وأحيانا تعتبر أقوالهم أكثر قداسة من النص ذاته عند مريديهم أو تابعيهم.

تظل هذه العقلية في سياق نشاطها، عقلية تنظر إلى الفردوس المفقود ممثلاً بفكر ومنهج وسلوكية السلف الصالح، (القرون الهجرية الثلاث الأولى) بأنها هي زمن الفضيلة والنقاء، وأي خروج عن قيمها هو خروج عن النص المقدس.

ترفض هذه العقلية التجديد، مثلما ترفض الآخر المختلف وتكفره وتزندقه، ولا تتواني عن قتله أو ذبحه والتمثيل به.  تعمل على ليّ عنق الواقع كي يرتقي إلى النص وتمثله.

العقلية الوثوقية الوضعية:

عقلية لا تختلف من حيث المبدأ عن العقلية الوثوقية الدينية. فهي أيضاً عقلية جموديّة سكونية وثوقية استسلاميه، ترفض الحركة والتطور والتبدل، يمثلها قوى اجتماعية وصلت إلى السلطة في ظروف معينه، فراحت تعمل على برمجة الدولة ومؤسساتها (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وفقاً لمصالحها هي واستمرارية وجودها في السلطة. هي عقلية أنانية وانتهازية تقف مصالحها عند حدود ما تمثله من مرجعيات حزبية أو طائفية أو عشائرية أو قبلية. وغالباً ما تتخذ شعارات فضفاضة نظرية لحكمها، تجبر الناس على السير وراءها كقطيع أغنام، وكل من يخرج عنها هو منحرف وخائن ومرتبط بالخارج وعميل، ويعمل ضد مصالح الدولة وأمنها الوطني والقومي.. وبذلك تتحول هذه الشعارات إلى نصوص مقدسة، تمارس من خلالها حاكمية وضعية على الرعية.

إن القوى الحاكمة في هذه الصيغة الوثوقية، ترفص أي عقد اجتماعي يسعى لبناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.. أي دولة العدالة والمساواة والمشاركة.. فهي في نهاية المطاف تعتبر شعوبها قاصرة وغير قادرة على قيادة نفسها، ولا بد لهذه الشعوب من وصاية عليها، وهي الأولى بهذه الوصاية.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

"كل فتاة بابيها معجبة"

تشير عقدة اليكترا الى التعلق اللاواعي للفتاة بابيها وغيرتها من امها وكرهها لها، حيث تقترب الفتاة من ابيها وينتابها شعوربالغيرة من امها لانها تراها العقبة التي تقف امامها في طريق الحصول على ابيها وتحاول ابعادها ولكنها تفشل، وبعد ذلك تقوم الفتاة بالتشبه بامها واكتساب عاداتها وسلوكياتها.

جاءت فكرة تلك العقدة اساسا من فرويد الذي استوحاها من عقدة اوديب ثم وسع افكارها وطورها، ومع انه جاء بالفكرة الا ان الذي اطلق عليها هذه التسمية هو كارل يونغ عام 1913، والتي رفضها فرويد لانها تسعى الى توطيد فكرة التشابه بين سلوك كلا الجنسين، وكان يستخدم مصطلح"عقدة اوديب الانثوية".

ومصطلح عقدة اليكترا مشتق من الاسطورة الاغريقية لاليكترا واخيها "اوريستس" التي ارادت من اخيها ان يثار لموت ابيها " اغامبيون" بقتل امها" كليتمنسترا"، وذلك لانها شاركت بقتله.

اذا تناولنا عقدة اليكترا من الاساس لوجدنا ان السبب الرئيس لنشوءها وتطورها ووصولها الى مرحلة العقدة، هو وجود هوة كبيرة بين الام وبنتها تكبر وتكبر نتيجة الاهمال، وعدم الاهتمام، وسوء المعاملة التي تصل الى الضرب والتعنيف من قبل الام، لسبب او لاخر يقابله معاملة طيبة، وعاطفة جياشة، واهتمام كبير من قبل الاب الذي لايفتئ ان يغدق بحنانه على ابنته، اخذا برايها، مستشيرا لها، مقيما لها مكانة مرموقة لتكون المحصلة النهائية انجذاب الفتاة لابيها ونفورها من الام التي سرعان ماتكون عدوها الاول الذي لابد ان تنال منه ليخلو لها وجه ابيها!!

فتبدا رحلة الصراع التي لها بداية وليس لها نهاية، تبدا هذه الفتاة التي تعتبرها الام "عاقة" ولاتتوانى عن توبيخها ونعتها بمسميات شتى، بل انها تتقصد اهانتها و اطلاع الاخرين عن سلوكها الغير سوي والعدواني تجاه الام التي بذلت كل شئ في سبيلها-حسب تعبير الام- ليكون المقابل جحودها ومعاداتها، وبالمقابل تزداد الفتاة عدائية وتتحين الفرص للنيل من والدتها، وتحاول التقليل من شانها امام الاخرين، واظهار مساوئها، والتمرد على قوانينها، كالتجسس عليها مثلا، والتدخل في خصوصياتها، ومحاولة اصطياد الاخطاء والهنات من باب الفعل ورد الفعل، ثم تتودد الى والدها الذي تجده الحضن الدافئ والملاذ الامن الذي تلجا اليه كلما احتاجت لذلك، تستشيره بكل صغيرة وكبيرة، تاخذ رايه في امورها العامة والخاصة، تقدس نصيحته وتكون كلمته هي الاولى عندها، وتكون دائمة الشكوى من والدتها التي اتخذتها ندا لها، خصوصا اذا وجدت تجاوبا من قبل الاب لحمايتها من تلك الغريمة!!

الاغرب بالامر ان الام نفسها باتت تبادل الفتاة نفس الشعور بالنفور منها وتعتبرها شريكة لها بزوجها هي الاخرى، فتحاول ابعادها عنها باي وسيلة، كارسالها للعيش مع اقاربها خالتها او عمتها او اي قريب وهكذا لتضمن ابتعادها عن ناظريها، لان وجودها بات يشكل خطرا عليها ويهدد زواجها –كما تعتقد- بعد ان اعلنت تلك البنت تمردها و كرهها لها وحبها الشديد لوالدها، او ان تقوم بتزويجها في سن مبكرة لضمان ابتعادها نهائيا عن المسرح الذي يجب ان تكون لها دور البطولة فيه دون منازع.

ان مشاعر الغيرة التي تتاجج عند الفتاة من والدتها يوما بعد اخر قد تصل الى انغماس الفتاة بحب ابيها، وتكون معجبة به وباسلوبه وبطريقة تفكيره، ومهارته في وزن الامور اضف الى ذلك تلك المشاعر التي تنتاب الفتاة-المراهقة-وهي ترى شخصية الرجل الحقيقي تتجسد بوالدها الوسيم، الانيق، الحكيم والاهم من ذلك العطوف، هذه الفتاة التي تبدا بمقارنة كل الرجال بابيها، فتفشل فشلا ذريعا عندما تقترن برجل لتكون اسرة، لانها لاتفتئ ان تقارن هذا الرجل بابيها، تلك المقارنة التي لاتروق ابدا لهذا الزوج الذي نشا ببيئة اخرى مختلفة وله شخصيته المستقلة وقوانينه الخاصة..

وعليه نخلص الى القول ان اصل العقد النفسية هو التفكك الاسري وعدم الانسجام بين الابوين الذي ينم عن جهل احد الطرفين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه التي تحدث شرخا نفسيا كبيرا في حياة الابناء قد يدفعون ثمنه غاليا، اذا ماادركوا قيمة التعامل الجاد والمسؤول مع الابناء لان الابن يدرك ويفهم كل شئ ولايحتاج الى ترجمان ليعي حقيقة مشاعره باعتباره طفل فالطفل كائن قائم بذاته له عالمه الذي لايقبل فيه الاساءة لانه لاينسى ابدا من اساء اليه وترك بصمته المؤلمة على تاريخ حياته، فالام العاقلة يجب ان تدرك ان هذه الطفلة جزءامنها، وعليها ان تتعامل مع هذا الجزء بحب وحنان ومسؤولية لانها سوف تسال عنها امام الله والمجتمع، لا ان تجعل منها ندا وتحاربها في حب ابيها لان الاسرة ليست ساحة اقتتال بل هي روضة تغرس فيها المشاعر الانسانية النبيلة لتزهر، فالمشاعر المريضة اذا لم تنقلها الجينات ستنقلها التربية الخاطئة.

وعليه ولتلافي نشوء الطفلة بجو مشحون بالالم والعقد يجب ان تتحلى الام بالصفات التالية:

-التعاطف والتواصل العاطفي بين الام وطفلتها منذ ولادتها تولد عندها مشاعردافئة تجاه هذه الام التي تغمرها بحنانها.

-القرب الدائم من الطفلة واشعارها بالطمانينة والسكينة يخلق لها حصنا دفاعيا من الوقوع بالامراض النفسية الفتاكة.

- احترام استقلالية الطفلة وخصوصيتها، وفسح المجال لها للتعبير عن رايها بكل اريحية .

-الحب غير المشروط، وتقبيل الطفلة كلما سنحت الفرصة للتعبير عن الرضا يعزز الثقة بنفسها ويكون خط الدفاع الذاتي لها مستقبلا.

- تقبل الاخطاء ومحاولة اصلاحها برفق بدل الزجر والنهر، لان ذلك يجعل الطفلة تلجا الى الكذب لتمرير اخطاءها.

- تعويد الطفلة على ثقافة الاعتذار، فانا اخطئ لابد ان اعتذر.

-عدم الكلام بالسوء عن الاب، بل تجميل صورته حتى وان كان مسيئا.

وبذلك نكون قد جنبنا انفسنا واطفالنا امراضا نفسية نحن وهم في غنى عنها.

"اعظم امراة هي التي تعلمنا كيف نحب ونحن نكره، وكيف نضجك ونحن نبكي، وكيف نصبر ونحن نتعذب".

 

مريم لطفي

 

علي سيف الرعينيالروح ولا جسد بلا روح وهي التي تبعث فيه تفاعلاته التي تتولد عنها الحركة، لكنها لا تحكم تصرفاته، ولا تتحكم فيه، فهي لا تأتي بالعقل للجسد، فلكل جسد عقل، ومراحل نمو، فلو فرضنا ان الروح تأتي بالعقل للجسد، لكان الأطفال عقلاء منذ ولادتهم، وهذا لا ينفي ان تكون الروح عاقلة، لأنها تستمر في وضع معين في فترة معينه في الجسد، بوتيرة ثابته تبعث فيه الحياه، ولا يمكن لفعل كهذا بالقياس ان يكون غير عاقل. الروح لها حيز ولها وزن، فلكل حيز وزن، لكن مقدار وزنها مجهول ومقدار حيزها معلوم، فحيزها يقع في كل شيء حي ينمو ويتحرك، اما حجمها فهي ذاتها في الحيز الذي تسكن فيه لا يعرفه احد، ولو قسنا الامر هذا بالبشر سيسهل علينا، فشخص واحد يستطيع ان يتحكم في قطعه اكبر منه يَشغَل هو جزء بسيط من حيزها، كالسيارة مثلاً، او المنزل، ويبقى هو المتحكم في تلك القطعة بشكل شبه كامل، وكذلك الروح فهي تقع في الجسد وتبعث فيه الحركة لكن حيزها في الجسد غير معلوم، او كيفية انتشارها والروح نشيطة بشكل مستمر لا كسل فيها ولا تعب، فالجسد يرتاح في النوم، اما الروح فلا تستقر لنوم، ولو استقرت للنوم، لفنت اجسادنا في نومها، او تلفت، فهي باقية في الجسد تبعث التفاعل، والحياة، التي تجعل ذلك الجسد مستمر، في بناء ذاته، فيقوم ذلك الجسد بعد النوم، ليستعيد نشاطه كاملاً، وقد توازنت فيه كل الهرمونات، وارتخت كل التشنجات . اريد ان ارجع للدين في هذه النقطة التي سأتحدث عنها والسبب في ذلك ان كل المكتوب عن حالة الروح وما يحدث لها خلال نوم الجسد، لم يستطع احد قياسها، أو الوصول إلى نتائج مؤكدة في هذا الجانب، لكننا بالرجوع لمصادر الدين سنجد بعض التفاسير التي تهمنا فأشهر خلق يذكر في كل الأديان السماوية هو خلق الأنسان، والاتفاق بين تلك الأديان، ان سيدنا ادم عليه السلام هو اول كائن بشري بعثت فيه الحياه، وسكنته الروح، قال تعالى {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} الحجر: 29، والدلالة في هذ الآية ان الروح جزء من روح الله عز وجل، وعند انفصالها عن الأصل لم تمت بل بعثت الحياة فيما حلت فيه، والدلالة الأخرى الأهم في نظري، ان الروح يمكنها ان تغادر الجسد بشكل كامل، فيموت الجسد، او تغادره بشكل جزئي، وهذا وارد ايضاً في الدين فالنوم يقع بين الحياة والموت . ومن تلك النقطة التي عاشها جميعنا في النوم، نستطيع ان نستنتج أمور كثيرة، فالروح تتحرك في نومنا، ولها سرعة، في تنقلها، ولها زمن له قياس آخر غير زماننا، وفي النوم تلتقي الروح وتتفاعل مع الجزء الأهم في الانسان وهو العقل، والمشاعر، فتزيد السرعة، ويتضخم الزمن، والمشاعر، للحد الأقصى الذي يمكن أن يصل له تصور بشر، ولنقف هنا لنقرأ بعض الأمور بشكر اكبر، فالأحلام تقع قبل الاستيقاظ بثواني فقط، لكن تلك الثواني تقع فيها احداث كثيرة لا يمكن ان يستوعبها الزمن في حالة اليقظة، ولو كانت الاحلام مرتبطة بالجسد، لعكس واقع زمنه على تلك الاحلام أي ان الساعة في الحلم ستكون ساعة في الواقع، وهذا يخالف كل الدراسات التي جاءت في هذا الصدد . في حالة نوم الجسد، تكون الروح حرة، من قيود الجسد فتتحرك ويطغى زمانها على زمان الجسد، فيستقبله العقل والشعور، وهي الأجزاء الأكثر حساسية، فينفعل الانسان في نومه مع ما يشاهد، ويخزن العقل تلك الذكريات فنتذكرها بعد يقظتنا، لا يهمني الآن الحديث عما نتذكر من الاحلام بل ما يهمني هو قياس ذلك الزمن، فالثواني التي نعيشها في الاحلام هي زمن طويل بالنسبة للواقع، وهذا الزمن هو زمن الروح، التي تعود لزمنها اثناء نومنا، وتنطلق بسرعتها كاملة دون قيود، ويكون الشعور البشري مهتاج في تلك الفترة القصيرة في زمنه، فتتضخم مشاعر الخوف، او اللذة، او المتعة، او الحيرة، لأنها لا تواجه الواقع بما تعرف

 

كتب/علي سيف الرعيني

 

 

بليغ حمدي اسماعيليزيد الشاعر والمفكر العربي "أدونيس" مشهدنا الثقافي غموضا حينما ينأى بسطوره بعيدا عن المتاح في راهننا المعرفي مشيرا إلى أن إدراك الحقيقة لا يتم استنادًا إلى العقل أو إلى النقل، لأن الحقيقة ليست في ظاهر النص وهو يشير في ذلك إلى كنه عمل العقل وأعماله في النص من حيث تفسيره وتأويل مضامينه، وإنما يتم عن طريق تأويل النص بإرجاعه إلى أصله والكشف عن معناه الحقيقي .

والتأويل بهذه الصورة هو طرحُ الظاهر جانبا كونه صورة من صور الباطن فحسب، أما الباطن لا نهاية له، بمعنى ـ حسب توصيف أدونيس للفرق بين الحقيقة والشريعة ـ أنه لا يمكن أن تحده صورة واحدة، بل لا يمكن أن تحده الصور . وهذه الإشكالية التي لم يفطنها فقهاء العصر الحديث بل على وجه الاختصاص أمراء الجماعات والتيارات الدينية المعاصرة الذين لم يروا في العقل أية فائدة واكتفوا بالنقل المباشر من السلف في تفسيرهم وفهمهم للنصوص الدينية التي جاءت لتبيين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .

والإشكالية بين العقل والنقل وما بينهما من حقيقة عرفانية يمتلكها أهل التصوف فقط، تتضح في محاولة فهم الاتصال والانفصال بين الزمني والمكاني، هذا الفهم الذي بدا عصيا على أمراء التيارات الدينية الراديكالية التي لم تفرق بين حكم فقهي أو نص ديني لرجل ينتمي لعصر بائد وعصرنا الراهن، وهو مجمل ما قامت عليه الدراسة المعرفية الموسوعية  للمفكر السوري أدونيس في كتابه " الثابت والمتحول بحث في الإبداع والاتباع عند العرب " بأجزائه الأربعة.  

ولعل المؤسسات التعليمية العربية القائمة نجحت بامتهار متمايز في تكريس الاتصال بالتراث العربي الثقافي في صورته السطحية البسيطة، في الوقت نفسه التي داومت فشلها المستدام في تحقيق اتصال بالحداثة المعرفية، وكأنها بذلك أعلت ثقافة الولاية المعرفية كبديل وحيد عن الجنوح لتأسيس العقلية العربية، هذا كله أشار إليه محمد أركون وأدونيس وعابد الجابري وفؤاد زكريا، وظل نصر أبو زيد يشحذ طاقاته لمواجهة الولاية المعرفية لاسيما في دراسته المتميزة عن الإمام الشافعي صاحب المذهب الفقهي. 

وتتمثل إشكالية النقل والعقل وما بينهما من ذوق وحدس لا يمتلك زمامهما إلا المتصوفة بالقطعية التاريخية ـ في قضية الاجتهاد، الذي يعني كما وصفه ابن رشد بأنه بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة عليها بالنظر المؤدي إليها. والسلفيون يرفضون فكرة الاجتهاد مقتصرين على نصوص السلف الأوائل، في حين أن قصور الفهم والبحث لدى معظم أنصار ومريدي التيارات الراديكالية لم يلتفتوا بالقدر المناسب إلى ما وضحه الفاروق الرشيد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما أجاز وأباح وأقر بالاجتهاد والتجديد في رسالته الأشهر إلى أبي موسى الأشعري حينما سطر فيها قوله بشرط المجتهد: " أن يلتمس نور القرآن وهدي السنة " .

وثمة خلاف ظاهر وواضح في التجربة الحداثوية للثقافة العربية بين أهل النقل الحرفي وأهل العقل دون الذوق يدورحول جدلية السنة النبوية، لاسيما فيما يتعلق بالتجديد والاجتهاد؛ هذه الجدلية ظلت ولا تزال محل هوس لدى الكثيرين من المعاصرين بل والأوائل أيضا من دعاة التنوير حيث اعتماد الأخذ بالحديث عند التجديد الفقهي شريطة أن يكون موافقا للكتاب، رغم أن هذا الشأن مردود عليه كون السنة النبوية مصدرا أصيلا ومقياسا واضحا لصحة العقل والاجتهاد.

ولا أكاد أجزم أن معظم مشكلاتنا العربية الراهنة بدءا من ثورات الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة وحكومات وهي في الأصل ثورات لا تجمعها أسباب واحدة ولا غايات واحدة بل ولا فكر في تنظيم إحداثياتها،وظاهرة الإرهاب وظهور التيارات المتطرفة الراديكالية مرورا بمشكلات نوعية مثل سد النهضة وحكومات العراق الممزق وفتنة سورية العصية على الحل والتفسير انتهاء بتحليل انفجار لبنان الأخير مجملها المركزية المهيمنة على ثقافتنا العربية التي لا تخلو من مهاجم رجعي أو معاصر يبغي الاستشراف بغير خطة، وأن حرص الأغلبية على البقاء دفعها إلى اعتماد النهج السابق وإن كان لا يتصل بالعصر الراهن على حساب مغامرات فكرية لا يعلم نتائجها .

في حين أن أولئك المنادين بالحداثة والتعامل مع الحدث الحالي والحدث الماضي بمفاهيم تبدو غربية مستهجنة تم تصديرها للواقع العربي تحت رعاية صهيونية في بطئ وخبث، حتى صار هؤلاء يتكلمون بلغة الغرب في قضايا عربية أكثر من اهتمامهم بالتفكير اللغوي الذي استحال في مكانة تهديد وتقويض لأركانها الثابتة . 

هذا التناوب بين الزمني والمكاني يعيدنا اضطرارا إلى قصة العالم جاليليو الذي يعد من أبرز مؤسسي العلم في العصر الحديث، ولقد نظر إلى الديناميكا نظرة جديدة، فقد افترض أن السكون ليس حالة مميزة للأجسام، بل إن الحركة طبيعية شأنها شأن السكون تماماً، وهي حركة في خط مستقيم.

وقد طور جاليليو نظرته هذه في مجال الفلك، فنادى بمركزية الشمس، وكانت كشوفه تلك قد قلبت كل الأفكار الراسخة القديمة منذ أرسطو، بل لقد عكر منظاره الذي اخترعه صفو سبات القدماء الغارقين في الظنون والأفكار الواهية. وقبل أن تفكر أيها القارئ في مصير جاليليو،لابد وأن تستقرئ نتيجة أفكاره دون تحليل أو استنتاج، فلقد صدم جاليليو رجال الدين في عصره، وأدين بالفعل في جلسة مغلقة، غير أن جاليليو لم يرضخ أو يستسلم، فسيق مرة أخرى للمحاكمة العلنية، فتراجع خوفاً على حياته، ووعد بأن يتخلى عن كل أفكاره المتعلقة بحركة الأرض حول الشمس، وفعل حقاً ما أمر به من رجال الدين، لكنه هو في قفص الاتهام تمتم لنفسه قائلاً: " ومع ذلك فإنها تتحرك" . القصة انتهت.

إن ما فعله العالم جاليليو في فكر عصره نسعى أن نحققه نحن، نفكر، ونستدل، ونبحث، ونجرب، ونتهم، ثم نتراجع عما فكرنا فيه، الأدهش هو أننا حينما نشرع في التفكير نجد عشرات المتربصين بنا وبأفكارنا التي نقسم بالله أنها ليست علمانية، وأن ديننا الإسلامي حض على التفكير، وأن القرآن الكريم الذي ندعي بأننا نفهمه فهماً كاملاً، حث على استعمال العقل والمنطق والتحليل، ففي القرآن الكريم آيات تحض على النظر والتحليل والاستقراء والاستنباط مثل قوله تعالى : (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)،أي العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وفي آية أخرى  (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض)، وكثير من الآيات القرآنية التي تحض الإنسان على التفكير وإعمال العقل.

وما أكثر الخطب المنبرية والمقالات والكتب التي تتحدث عن وجوب التفكير وأنه فريضة إسلامية كما ذكر عباس محمود العقاد في أحد عناوين كتبه الماتعة الرائعة وهو يواجه صلابة وتعنت الأفكار الرائجة في عصره والتي استدامت حتى عصورنا الراهنة، ولكن عند أول اختبار لأصحابها يسقطون في فخ الزيغ والهوس وبطلان الحجة. وإذا سألت بعض رجال الدين عن دوره كرجل تنويري لسوف يحدثك عن فعالية التفكير والاستنباط، وعن عظمة التسامح كمحور للتنوير، وأن التسامح ينبغي أن يمتد بلا تمييز. وفي أول محك لتطبيق أفكاره سيلعن التنوير والتنويريين، وسيربط التنوير بالعلمانية، بل وربما بالمسيحية، وبالفلاسفة الملاحدة، ولهم أقول إن التنوير حركة لم تكن مرتبطة بأي مدرسة فلسفية معينة بل إن التنوير يعني العودة إلى تقدير النشاط العقلي المستقل، وبصورة أبسط  نشر النور حيث كان الظلام يسود من قبل.

إن ما فعله جاليليو منذ قرون مضت وجعلنا مضطرين لسرد قصته لأمر واضح وجلي للأفهام، إنه حاول أن يبرهن على دوران وحركة الأرض، وواجه بسبب آرائه تلك تهمة الزندقة والخروج على التعاليم الدينية، وهو ما يريد أن يفعله اليوم بعض الرجال المحسوبين على ديننا الحنيف إذا فكرنا قليلاً  فيما يقولون ويسردون من قصص لا أصل لها في تراثنا الحضاري نزعوا إلى العنف وإلى التكفير وإلى إهدار الدم، واستباحة العرض للمخالف، ولعل هذا في رأيي هو الذي أوجد فقهاً تعسفياً مغالياً، فكيف سيدعون يوماً إلى ثقافة التسمح والمواطنة والتعايش؟ .

ولست ممن يحاربون الماضي برمته، بل إننا لم نفطن حاضرنا إلا باستيعاب ما تركه لنا السابقون في مجالات التوحيد،والفقه، والحديث،والتاريخ الإسلامي، لكنني أصبحت أمقت مصطلح إعادة قراءة الماضي، وتحليل الموروث الثقافي، بل إنني أحلم بالانطلاق إلى واقعنا الحالي وما يحمله من تحديات ومعوقات تثقل كاهلنا، ولقد عجبت من قول أحد رجال الدين المعاصرين حينما قال إن ثقافتنا الإسلامية لهي جديرة بأن تصارع ثقافة الآخرين، وأن تصرعها وتخلصها من شوائب المدنية الزائفة وأن تحولها إلى دماء صالحة.

ولربما هذا الارتداد المطلق لنصوص السلف الأوائل هو أيضا المتسبب في الكارثة المعرفية لقصور العلماء العرب الموجودين في تفسير واضح ومحدد وأكثر علمية لجائحة كورونا، لكن هم فقط يتحدثون بمنطق الأوائل الراديكالي وفق تصورات وطروحات ثابتة لا تقبل التجديد والتمايز وقد لا تتوافق مع أنماط العقل، فنجدهم يتحدثون عن عملية تحور الفيروس وبداية استنساخه في صور جديدة شتى، ورغم أن مجمل المنتسبين لكليات العلوم بالضرورة يقتبسون شعارات الحداثة والتطور وإعمال العقل في أقصى طاقاته إلا أنهم في المواجهة الأولى الحقيقية لاكتشاف مدى كفاءتهم العلمية في التصدي ولو ثقافيا لكوفيد ـ 19 وليس بالصفة العلمية التطبيقية التي ظلوا يتفاخرون بامتلاك أدواتها لسنوات مضت، وجدناهم يقرون حقائق علمية أشبه بالطرح السلفي للنصوص الدينية بغير تجديد أو اجتهاد .

ولعلي لا أجد مللا في استطراد الحديث عن قصور العلماء العرب لاسيما وأننا بالفعل بانتظار معجزات علمية تأتينا من الغرب، وتكفي إطلالة سريعة لبعض المواقع العلمية الرصينة مثل موقع مجلة Nature لنكتشف حجم وفداحة الجهالة العلمية عند ما يطلق عليهم العلماء الأكاديميين العرب وهذه الغفلة الراديكالية عن التجديد أو الابتكار وبالقطعية هؤلاء لا يمكن أن نطالبهم بالمزيد في مواجهة الجائحة التي تتطور وسط تطور علمي متزامن في الغرب، لأنهم بحاجة ماسة إلى تطوير أدواتهم المعرفية بصورة أقوى وأكبر من تطوير أدواتهم العلمية وإمكاناتهم المعملية، المشكلة بحق في افتقار هؤلاء إلى امتلاك أدوات معرفية مثل الراديكاليين الذين توقفوا في التفكير عند حدود زمانية لا يمكن تخطيها .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل 

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

"كلنا يود ارجاع اصوله... لشخصيات مقدسة !!!"

عبر الخيال نشأت الاساطير المستندة على تجارب الموت ومواجهة الخوف والقلق من الانقراض، ونحن عبرها نردد متسائلين "ماذا لو؟" هو السؤال ذاته الذي نحن ملزمين به، "ماذا لو كان هناك شيء آخر إلى جانب هذا العالم"؟ وان وجد فكيف يمكن له أن يؤثر على حياتنا الروحية واليومية والاجتماعية؟ ربما سنتغير؟ وهل سيكون تغيرنا مثاليا؟ وإذا كنا قد تغيرنا حقاً فهل هذا يعني أن حياتنا ستكون امينة او صادقة إلى حد ما او أنها ستحتوي على بعض الحقائق الجديدة بالنسبة لنا، على الرغم من أننا لا ولن نستطيع إثبات ذلك بعقلانية؟ ترتبط الأساطير مع الطقوس وان العديد منها لا معنى لها خارج الطقوس المقدسة التي ولدت منها غير أنها في الحالة الدنيوية غير مفهومة، والأسطورة تدور حول المجهول في محور الصمت العظيم فتعمل على إن تقدم لنا ذاتها مفسرة بشكل صحيح للحالة الروحية أو النفسية والتي تضمن العمل الصحيح في المستقبل في هذا العالم أو حتى في عالم آخر. ولو تأملنا الأساطير لوجدناها جميعا تعلن عن وجود عالم آخر متداخلا بعالمنا ويدعمه إلى حد ما وتؤكد على وجوب الاعتقاد في هذا الواقع غير المرئي والذي يشار إليه أحيانا باسم "الفلسفة الأبدية"، وفي معظم المجتمعات وبالطريقة التقليدية، ووفقاً لهذه الفلسفة الأبدية فأن كل شيء يحدث في العالم وكل ما نراه ونسمع به له مراسلاته في العالم الإخر وهو أكثر إشراقاً وأقوى من نظيره الأرضي وكل الواقع الدنيوي ليس سوى ظل شاحب وهو شبه مثالي لنموذجه الأصلي، وفقط عبر المشاركة في العالم الاخر يتمكن الشخص الضعيف من أدراك إمكاناته، وقد أعطت الأساطير مظهرًا واضحًا وشكلًا واضحًا للواقع الذي شعر الناس به بشكل حدسي.

تتميز الثقافة الحديثة القائمة على الأفكار العلمية بمفهوم مبسط للغاية عن مفهوم الناس قديما عن الفكرة والايمان مما يؤدي إلى حياة ميتافيزيقية منفصلة تمامًا إذ لم تكن الأساطير بالمعنى الحديث للكلمة إنما في مجال محدود وضيق للفكر وللخبرة الإنسانية وهكذا تم تصميمها لتكون داعمة للناس في المواقف الصعبة ولمساعدتهم في العثور على مكانهم الملائم والنفسي في العالم ومسارهم الحقيقي، ومع حقيقية رجوع البشر جميعا إلى ادم عليه السلام اب البشرية لكننا مع ذلك كلنا نحاول وكلنا نريد أن نعرف من أين أتينا ونود ارجاع اصولنا إلى شخصيات مقدسة، وبما أن الأصول ضائعة في ضباب عصور ما قبل التاريخ فإن الناس يؤلفون أساطير عن أسلافهم لا ترتبط بالواقع التاريخي غير أنها ساعدت في تفسير خصوصيات بيئتهم وعاداتهم الاجتماعية. وتكاد إن تكون رغبتنا جميعا ذاتها في أن نعرف إلى أين نحن ذاهبون وبنفس الطريقة التي نشكل بها أساطير عن الحياة، ونريد جميعًا أن نجد تفسيراً لتلك اللحظات الخاصة في حياتنا عندما نتمكن من الارتفاع فوق المستوى العادي ونشعر أن الإنسان والعالم المادي يأويان شيئًا أكثر واكبر واوسع وادق. وغالباً ما تكون الكلمة "أسطورة" مرادفة لأكاذيب عادية لدرجة إن كل سياسي متهم سيعلن إن اتهامه بالفساد هي نوع من التزوير وأن كل ذلك ليس اكثر من "أسطورة"، مما يعني أنه لم يكن هناك شيء من هذا القبيل ومن هذا وذاك التصقت الاساطير بالجوانب المنافية للعقول فهي لا تصدق تماما وتتناقض بصراحة مع كل ما نعتبره ممكنًا حقًا ولذلك قام المفكرين والعلماء ومنذ منتصف القرن السابع عشر بتطوير منهجًا علميًا للتاريخ مما ادى إلى إن يكون الأهتمام وبشكل أساس بما حدث بالفعل فسابقا كان الأشخاص الذين كتبوا عن الماضي مهتمين في المقام الأول ليس بالأحداث بحد ذاتها إنما بما كانت تعنيه وتقصده، ومن ذلك كله كانت الأسطورة حدثًا بمعنى ما لربما يكون قد حدث مرة واحدة ولكنه في ذات الوقت لم يتكرر في كل وقت وإن النهج العلمي الصارم للتاريخ لا يسمح باختيار كلمة علمية لوصف هذه الظاهرة غير إن الأساطير هي شكل خاص من أشكال الفن وتسعى جاهدة وراء حدود التاريخ إلى محاولة الدخول فكريا لجوهر الوجود الأبدي مما يساعد على التحرر من التدفق الفوضوي للأحداث العشوائية ويلتقط لمحة عن جوهر الواقع. ولأن الناس تطمح لتجربة التعالي والسعي إلى تجربة لحظات من النشوة الروحية تؤثر في بعض السلاسل النفسية العميقة فتم لذلك تصميم الأساطير لإيقاظ حالة الشخص من النشوة حتى في مواجهة اليأس لابعاده عن احتضانه لفكرة الهروب الى الموت وإذا كانت الأسطورة غير قادرة على ذلك فهذا يعني أنه قد تخطت عهدها وخسرت كل القيمة، فلذا لا ينبغي اعتبار الأسطورة مجرد شكل أدنى من التفكير يمكن تجاهله في عصر العقل لأنها ليست على الإطلاق نموذجًا أوليًا للتاريخ والأحداث الموصوفة فيها لا تتظاهر على الأقل بدور الحقائق الموضوعية للواقع غير أنها تحول عالمنا المأساوي المجزأ وتساعد على كشف فرص جديدة.

لذا فإن الأسطورة تعد أنها صحيحة لأنها فعالة وليس لأنها تعطينا بعض المعلومات عن حقائق الواقع لانها إذا لم تساعدنا على اختراق أعمق في أسرار الحياة فعندئذ لا فائدة منها فهي قيمة حقا إن ألهمتنا بأفكار ومشاعر جديدة تعطي الأمل وتشجعنا على أن نعيش حياة كاملة، ويمكن للأساطير أن تحولنا فقط إذا اتبعنا تعليماتها إذ إن بعضها تشرح لنا ما يجب أن نفعله لإثراء حياتنا وان لم نطبق فحواها على وضع حياتنا تبقى الأسطورة غير مفهومة وغريبة كقواعد لعبة غير مألوفة والتي غالبا ما تبدو مملة ومربكة حتى تبدأ اللعب، وعموما فقد أدت الأساطير دورًا مهمًا للغاية وهي لم تساعد فقط الناس في العثور على معنى الحياة إنما كشفت أيضًا عن نواحي الوعي التي لا يمكن الوصول إليها بطرق أخرى فهي بذات الوقت تماثلت على أنها شكلا مبكرا من علم النفس، وقد كانت هناك دائما نسخ مختلفة من ذات الأساطير ومن أجل الاستمرار في نقل الحقيقة الخالدة الواردة فيها يجب أن تتكيف مع الظروف المتغيرة وأنه كلما حققت البشرية قفزة في تطورها تغيرت هي وفقًا للظروف الجديدة غير إن الطبيعة البشرية لا تزال دون تغيير إلى حد كبير كما إن العديد من الأساطير المتولدة والمتناسخة عن مختلف الثقافات ما زالت تناشد، أعمق مخاوفنا وأدق رغباتنا.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

 

حبيب محمد تقيبدءًا بالمذهب الشافعي ومروراً بالحنفي والمالكي والحنبلي، وإنتهاءًا بالإثنى عشري الجعفري . تعد تلك النصوص والخطابات، بذاتها المرجعية الفكرية والتنظيرية، لمجمل تيارات الإسلام السياسي، المتأتية منها، والمتواجدة على الساحة، في العديد من البلدان ذات الغالبية أو الصبغة المسلمة . ومن تلك النصوص والخطابات، تستمد وتحدد تعاملاتها ومواقفها من قضايا الحاكم والمحكوم، والوطن والمواطنة، والسيادة وهوية السلطة القائدة للدولة كمضمون وشكل .

ولمعرفة وفهم إشتغالات وتوجهات تلك التيارات التي تتكئ وتتعكز على مذاهبها الخمس الفقهية وبوصلتها، يتطلب أولاً الإطلاع والإلمام بالنصوص والخطابات المؤسّسة للمذاهب ومن ثمة لتياراتها السياسية. خاصة النصوص والخطابات، ذات الصلة بقضايا الحاكم والمحكوم، والوطن والمواطنة، والسيادة وهوية السلطة القائدة للدولة كمضمون وشكل.

ففهم ومفهوم المواطنة الواردة في تلك النصوص والخطابات الفقهية بمذاهبها الخمس . قائمة على أساس ديني وإنحياز وولاء مذهبي صرف . وتدفع بإتجاه أن تكون الدولة وسلطتها دينية مذهبية. بل وتذهب الى أبعد من ذلك .

إذ تدعو الى اعتبار مرجعيتها الفقهية المذهبية، بصفتها المؤتمنة على مقاصد شريعتها ومذهبها، الأساس الذي يرتكن إليه في صياغة الحقوق والواجبات والقوانين لتحقيق المواطنة.

وأن يكون لذات المرجعية دور في بلورة وتنمية مفهوم المواطنة من خلال فقه المواطنة الديني والمذهبي ومن رحم الشريعة ليشكل مرجعية فتوائية ملزمة .

كما تدعو أيضاً، الى تسيد وسيادة دين ومذهب مرجعيتها على الناس، بعقائدها هيَّ، وبسيادة مفاهيمها و عداوتها، وولاءاتها. وبالتماهي مع ما تدعو إليه تلك النصوص والخطابات، تصبح السيادة كتحصيل حاصل مؤسسة على فهم متعالي وقطبي إقصائي.

كما تلزم المحكوم بطاعة الحاكم المتماشي والمتناغم والمبايع والمبارك منها، ومنها خصاً وحصراً.

وتجتهد في تأسيس حصانة لنفسها لتعزز لها مكانة فوق القانون . من خلال فرض قدسيتها ومعصوميتها، كخط أحمر يمنع تجاوزه سواء بالملاحقة القضائية أو بالهجو أو النقد.

نصوص وخطابات بمجملها تصغر الإنسان كقيمة وتعظم العبودية وبمسوغات في جوهرها تسيء الى المعنى المعنوي والروحي للدين كحاجة متوارثة لمعظمنا غير مؤهلين الفطام منها بعد .

 

حبيب محمد تقي

 

سامي عبد العالسياسات المرتزقة ظاهرة ما بعد حداثية بامتياز رغم جذورها القديمة، لقد أخذت طابع العالم الراهن. كلُّ شيء مُسطَّح بلا أعماقٍ ولامِع لدرجة التيه، واقعاً بذلك على مرمى اقتلاع الجذور ونزع الهويات وتعويم الأدمغة ونزع الإنسان من أية ثوابت إلاَّ بقايا الحياة المعلقة في فراغ سياسي. والظاهرة وليدة الحروب وصناعتها الثقيلة، فكما أنَّ هناك آليات واستراتيجيات تستعملها الأطراف المتصارعة، فكذلك تتطلب أدوات بشرية لحسم الصراع وتغليب القوى على الأرض. ظاهرة ليس يطويها على" قمقم الأسرار" أكثر من الحيل والمؤامرات التي تكتنفها. ولا تتحين فرصاً مواتية إلاَّ لاستعمال البشر( بمبررات لقيطة) لتحقيق المآرب، وكأنَّ الواقع يتطلب كافة الأسلحة دون تفرقة بين المواقف.

الارتزاق هو القيام بمهام معينةٍ طالت أم قصُرت، سهُلت أم تعقدت، برزت أم خفيت، نظير مقابل يجري التفاوضُ حوله بين الأطراف. يضغط كل طرف على الطرف الآخر لجنى أعظم قدر مما يتحقق. وهو ليس تفاوضاً، بل بالأحرى- لدقة الفكرة-  يعدُّ مساومة، والاثنان يعلمان أنهما يساومان بأهداف غير نظيفةٍ لا أقول قذرة. لأن المقابل يعني ضياع شيء ثالث هو الأصالة والقيمة والدفاع عن إنسانيتنا الحرة. كما أن المساومة نوع من تهديم المخاوف والحدود، بحيث يصبح كل شيء مباحاً، كله ماشي.

يقول أطراف الارتزاق: أنا أساومك على استعمالي غير الإنساني لأجل أن تحصل أنت على ما هو غير إنساني بالمثل. ولن أكون معك أقل وقاحةً مما كنته أنت معي، وإلاّ لو أنَّ هدفاً أردت انجازه كان مشروعاً ما كنت لتستعملني بطريقة غير مشروعة. ولذلك سأطلب منك مقابلاً يغسل العفن الذي ران على الضمير وبالإمكان الاستعانة بالمساحيق والمنظفات العولمية لتبرير قدومنا (المرتزقة) لمناطق الصراع، مثل منظفات حقوق الإنسان وحفظ الأمن والسلام وحماية المصالح والمكتسبات الديمقراطية!!

هكذا يكون الوضع من النهاية، من أخر نقطة على السطر، ليس ثمة لف ولا دوران، على المرتزقة توفير اللف والدوران إلى المهام الموكلة إليهم. ونهاية السطر تعني هات ما عندك وسأقول ما عندي بكل وضوحٍ، وبالتالي يمحى أي حضور لاعتبارات أخرى سواء أكانت أخلاقية أم انسانية. تسقط جميع الاعتبارات بمجرد هات من الأخر.

كل مساومةٍ من هذا القبيل " تبرئة مشبوهة " بعين الوقاحة وجها لوجه، وهو المعرفة المحددة سلفاً تحت عين الاستغلال المتبادل ويمثل الطرفان أنَّهما لا يدركان، لا يعلمان. والغريب كونه استغلالاً يتم بدم بارد مثلما تأتي مشاهد الحروب والانخراط فيها بكل دماء باردة. والتمثيل هو جوف الارتزاق: فالمرتزقة يمثلون بأنهم يقومون بتبني قضية جوهرية بينما يؤدي مستعملوهم طقوس إنسانية في الظلام، فاستعمال المرتزقة يقال إنَّه لأسباب إنسانية وإنَّه ليس هو الهدف، بل انقاذ الأوضاع قبل فوات الأوان.

السياسة هي الكهف الذي يشهد عقد الصفقات، لأن (المرتزَق) يفعل أي شيء حصولاً على الثمن و(المرتزِق) يفعل كذلك أي شيء لإتمامها، لأن هدفه أبعد ويستحق المغامرة. يشترك الاثنان في هذا الـ" أي شيء"... من الطرفين لا حدود هناك لما نتصور. ولذلك نحن نركز فقط على الفاعل الصغير( المرتزقة الصغار) دون الانتباه لأفعال المرتزِق الأكبر. والـ" أي شيء" في الواقع عبارة عن الاتيان بالمفاجأة والمغامرة، وربما تاريخ المرتزقة المعاصرين يمثل أعمق تمثيل المغامرة بأي شيء مهما يكن. فالدول التي تستعمل المرتزقة تفعل كل الحيل والأفاعيل للحصول على ما تريد، وهؤلاء المرتزقة – في موقف المساومة- يفعلون ما يراد لهم فعله. وقد يقال إن هناك حدوداً للارتزاق، لكنها بالطبع حدود واهية.

الارتزاق موقفٌ سياسي حتى بالنسبة لأنظمة القوى الكبرى، فهي قائمة تاريخياً على اللعبة المزدوجة: أَفعَلُ ما أريد بأيدي غيري، وأقف بعيداً عن المشهد واحصل على نصيب الأسد من الغنائم. المعضلة أننا لا نصدق كيف تكون قوى عالمية وترتزق بحكم ارتباط الارتزاق بالحاجة والمآرب الصغيرة. إن هناك دولاً كأمريكا وإسرائيل وأغلب دول الغرب روسيا وفرنسا وانجلترا تعيش سياسياً على هذه المواقف البرجماتية.

الدول التي توظف المرتزقة هي دولة ارتزاق بالدرجة الأولى، كل ما في الأمر أنها غير مرئية وتدير الأوضاع من وراء حجاب. دول لا تقع في الحُفر التافهة فتنجزع أقدامها وتفقد سطوتها، لكنها تتصدى لما تقارعه بالخطط المحكمة واللعب بأكثر من موقع. وما نشاهده من إرهاب واستبداد وتجارة حروب ونفوذ وأسواق عابرة للحدود .. كل ذلك يتم بوقت واحد، يخدم الممسكين بخيوط اللعبة. ليس الوضع تناقضاً لو فكر القارئ بمنطق جزئي، لكن صراع المصالح الضيقة (يصب) في المصلحة الأكبر. فأمريكا توجد في تفاصيل الحدث ونقيضة، تدعم الدولة المستبدة والمتمردين عليها، تصنع لاهوت الحروب وتبني دور العبادات.. وبصدد هذه الأطراف تستفيد من الجميع وتقف هنالك بمنأى عن الانزلاق!!

ليس صحيحاً كون أمريكا تؤيد هذا ضد ذاك أو العكس، أقول ليس صحيحاً على الدوام، لأنها- إذ أردنا توضيحاً- تمسكُ بخيوط المشهد ككل. وحينما يصرخ  البعض بأنها الشيطان الأكبر، وأنها ألة حروب لا تنتهي، وأنها استعمارية... فذلك كله غير صحيح بالمرة. الأقرب للصحة أنها برجماتية كونية تعيد توجيه الميتافيزيقيات والأيديولوجيات في جميع المناحي، لا تعترف بالثنائيات التقليدية: خير/ شر، حياة / موت، كراهية/ حب، إله/ إنسان، حرية / استبداد... هي تكون حيث توجد منافعها، وبخاصة المنافع الآتية من الأعمال التي تتعارض مع توجهاتها وحياتها الديمقراطية. كذلك هي تختفي حين توجد بقوة وعندما تصبح حاضرة لدرجة الظهور.

أمريكا تلعب ألعاب المقدس في الحضور والغياب، وترسب لدى أتباعها وأعدائها على السواء قدرات فوق قدراتها، ليس ذلك خبط عشواء، لكنها تستثمر الهيمنة الناعمة والخشنة معاً. بضربة واحدة هي تحل وتختفي وتتلاعب بالجميع في غير حالةٍ.

ولم تكن أنظمتها المتعاقبة بمنأى عن ثلاثة اتجاهات ..

أولاً: شن الحروب وإثارة الصراعات في المناطق العربية لحصد الثروات من جيوب الشعوب والأنظمة السياسية ومن الثوار والمعارضين معاً. كانت حروب أمريكا بالمنطقة العربية تشغيلاً لمنظومات المرتزقة على نطاق بعيد، لم يكن ما فعلته بالعراق الحرب الأولى والثانية ليتم دون هذا الارتزاق. تدفق الكثيرون منهم وتولت شركات كبرى على تدريبهم وانشاء معسكرات في دول أخرى تمهيداً لضخ حشودهم على خريطة العراق المنهك من الحرب الإيرانية ومن الحكم الاستبدادي.

اجتاح الجيش الأمريكي العراق كجراد من المرتزقة، لم يكن يعنيه إلاَّ الهيمنة على مقدراتها، وتصرف الجنود بهذا المنطق الارتزاقي الوحشي، هناك نهب لكل ما يجدونه وهناك تصفيه للرموز وتدمير الآثار العراقية الضاربة في أعماق التاريخ. ولم يترك الجيش الأمريكي العراق إلا بعد أنْ حقق أغراضه ببث الفوضى وتفكيك المؤسسات وجلب المرتزقة من كل حدب وصوب.

ثانياً: تكوين مجموعات المرتزقة (الأساليب والخطط وكيفية الإدارة والقيادة والاغراق في الجماعات والتنظيمات). لم تخرج أمريكا شكلياً من مناطق الصراع في الشرق الأوسط إلاَّ بعد أن زرعت المرتزقة في كل مكان. وغذَّت لديهم نزوع الغلبة واجتياح الأنظمة بتقوية المظلومية لديهم. وهذا الارتزاق اختلط بمبادئ الدين والأيديولوجيا والسياسة، فكان سهلاً أن تنجرف الجماعات الدينية لمحاربة الأنظمة الحاكمة وتغنم بعضَ المكانة في المجتمعات. وهي لا تدري أنها بمنطق القوى الكبرى خاضعة للاستعمال، وأن أفعالها – كما حدث مع داعش والإخوان وجماعات العنف- تصب في حصالة المآرب السياسية، بالإمكان تجنيدها في هذا الإطار.

الارتزاق هنا ليس إكراها، لكنه اختيار ملتوٍ، يدرك الارهابيون أنهم يؤدون مهاماً تجاه الدين بينما تستطيع القوى توظيفهم على خريطة أكبر. هم غارقون في التفاصيل الصغيرة حول اقتحام المدن وتطبيق الحدود وحف الشوارب وتعيين أمراء الولايات والمكاتبات السرية في حين ترسم القوى الكبرى المسارات. لأن النتائج في النهاية ستصب لمصلحتها، فالنفط والثروات والهيمنة الثقافية وتجارة الأسلحة ستكون أشياء رائجة.

في عهد أوباما، قالت الإدارة الأمريكية إن عشر سنوات كافية للقضاء على الدواعش، وفعلاً تمَّ كسر شوكة الدواعش حربياً بتحرير بعض المدن العراقية والسورية، غير أن أوباما لم يقل متى ستنتهي الفكرة الداعشية، لكونه يغذيها، ولكونها فكرة باقية، تتناسل وتخرج أجيالاً وراء أجيال. إذ يمكن احيائها وإدارتها بأساليب الارتزاق. وقد حدث بالفعل لقد حولت أمريكا العالم إلى مخازن إمداد للجماعات الإرهابية، من يُرد الجهاد، عليه الانخراط في الصراع. فهو يظن كونه جهادياً، بينما تعتبره أمريكا مجرد رقم مستعمل للاتصال بالواقع وإدارة الأحداث.

ثالثاً: استعمال المرتزقة في الحروب والصراعات المسلحة. وهذه المهمة تُركت للوكلاء الإقليميين الصغار، لأن المرتزقة يحتاجون رعاة من جنس أيديولوجياتهم. فالإرهابيون تعوزهم أخيلة الخلافة لتختمر بحواشيهم وتفرِّخ في جيوبهم الفارغة، حين يتصورون دولتهم المستقلة التي تبتاع الثروات والبشر وتسبي النساء والرجال وتراكم العوائد في خزائن مقفلة عليها خازن من جهنم. وسيكون الخلفاء(أمراء التنظيمان) أشباحاً تملأ الخيال بكل استيهام ممكن طوال الأحداث. ولذلك ليس غريباً أن تنصب أمريكا خليفة لهذه الجماعة أو تلك. والتنصيب هنا هو صقل الأحداث وتضيق الخيارات ورعاية الزعماء الدينيين كما فعلت أمريكا مع ابراهيم بن عواد ( أبو بكر البغدادي) حينما كان في سجن أبي غريب. حيث لاحظت المخابرات ميوله للزعامة والقيادة ولعب كرة القدم، فسربت إليه الفكرة وتم إعداده لخلافة دولة العراق والشام.

وعندما لا تريد أمريكا الظهور تترك الخرائط والعتاد البشري لدول إقليمية (دول ودويلات)، وهذه الدول تجيّش للجماعات الإرهابية كافة الرموز المطلوبة...  من فكرة الجهاد حتى الإفتاء بدخول الجنة والنار وتكفير المناوئين. كما حدث مع دويلة الخليج الشهيرة التي تقف على أكبر مخزون للغاز في المنطقة وتقف بالمثل على آبار الإعلام الوظيفي. المصدران( النفط والاعلام) غارقان في تحريك القطعان الدينية لمسح الأرض واحداث الفوضى في المنطقة العربية.  فغدا" البترو إعلام" مع تحولات المجتمعات العربية ذراعاً خلفياً يشد خاصرتها نحو الفوضى والتخلف.

" البتروإعلام" المرتبط بـ"البترو جهاد" و" البترو ثقافة" و" البتروسياسة"... يخدم أسياداً يحركونه ويرسمون المراحل ويظهرونه براقاً تحت إبط الشعوب. إن فضائيات عربية تستحل الدماء والقتل تحولت إلى منصات تكفيرية مرتزقة. حتى وإن كانت ثرية بدرجات فاحشة، فهي متوحلة في الارتزاق حتى أذنيها. لأنها تدفع لمن يجاهد المؤمنين قبل الكفار، إنها مجرد مخالب وقحة لطيور الظلام القابعة بأعالي البحار انتظاراً للانقضاض على المجتمعات. وليس دور البترو إعلام سوى ضرب التماسك الاجتماعي وتهديم الوعي وتنويم الشعوب حتى تسهل العملية.

وقد كانت أحداث الربيع العربي فرصة سانحة لتجريب الكتل البشرية الفارغة من الحياة والتي يكون ولاؤها الأول لمن يدفع ويخدع. والجديد أنها كتل سائبة عضوياً تملأ الحفر الغائرة في أبنية المجتمعات. والملاحظ كونها قد تصطف باسم الأيديولوجيا، فالجماعات الإسلامية مدمنو الارتزاق إلى وقت ربيعي ليس بالبعيد. وظلت تحارب بأسماء مختلفة في سوريا والعراق واليمن وليبيا... وطالما لا تعترف بالوطن ولا تنتظره في المستقبل، فإنها تصبح قنابل بشرية تنفجر بأي منطقة.

لكن تركياً تمثل دولة الارتزاق الفاحش منذ نشأتها العثمانية تحت عمامة الخلافة، وكأن نظامها السلطاني أبى إلاَّ أن يظل وفياً للنشأة والتكوين ثم التواتر حتى الآن. لم تمر أحداث على الدولة العثمانية دون قنص ومساومة وأخذ الغنائم حيثما وطئت قدماها. فعندما احتلت مصر نهبت ثرواتها الرمزية والمادية... لقد جرفت المجتمع من أرباب الصنائع والتجارة والفنون وتم نقلهم إلى الأستانة.

ليس خافياً أن ذلك قتل للمجتمعات التي تحتلها وترتب عليه تدهور أحوال الصناعة والفنون والتجارة وأوكلت الدولة العثمانية أمور البلاد التي احتلتها للجهلة وأنصاف المتعلمين وتلاعبت بتكوينها الديموجرافي لأجل تغليب الطوائف الموالية.

ظل هذا ديدن  الدولة العثمانية حتى اللحظة، كانت بالأمس القريب في سورياً، فهي "الوكيل اللاهوتي السياسي" الذي تم مبايعتك بشكل مزدوج.

1- من الجماعات الإسلامية، إذ انطلت عليها العباءة العثمانية بمسوح الخلافة وبخورها وأشباحها. وأردوغان لم يقطف ثمار اللحظة الراهنة عبثاً، بل كم بيّت النية وأعد العدة التاريخية جرياً وراءها. لم يترك فرصة للظهور بعباءة الخلافة في أي موقف إلاّ و إقتنصها. فأصبحت لديه الدربة على أرسال رسائل للوعي العربي الإسلامي الجاهل بالخلفيات والأحداث.

كان أردوغان يندد من أعلى الأناضول بسياسات إسرائيل التعسفية تجاه الفلسطينيين وهو الذي قدم خدمات يضيق عنها السياق لدولة الاحتلال، وكان يعلن اعتراضه على سياسات أمريكا هو الذي يضع يده في يد قادتها لزيادة حجم التعاون التجاري والعسكري بين تركيا وإسرائيل. المهم أن يكسب الجولة في وعي المسلمين، لأنه يعرف أنهم الكتلة الحرجة التي تمر خلالها المكاسب والثروات  إلى اسطنبول كما مرت في السابق. لم يكن أردوغان حريصاً على شيء قدر حرصه على حجم الاستثمارات والإتاوات التي تأتية من المسلمين بالتبادل التجاري وسيولة حركة البضائع التركية. ولم يخلو ماركت عربي واحد من أطنان البضائع التركية بدءاً من الأجهزة الكهربائية والإلكترونية وليس انتهاءً بالملابس الداخلية. حتى أصبحت السلع التركية رمزاً للنفوذ التركي في المنطقة وبخاصة ليبيا ومصر.

ولا يفوتنا أن اردوغان استعمل الرصيد البشري( الاسلامي والعربي) في تخويف الغرب كي يضم بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، فلكم وضع نفسه على فوهات العالم العربي تجاه أوروبا موهماً قاداتها أنه يمسك الشرق بين أصابعه يقلبه كيفما شاء. وفي رسائل برقية زعم أنه المنصف للإسلام والمتشبث بتاريخه حتى النهاية وأنه يقدم نموذجاً حضارياً يضاف إلى الحضارات العالمية. والاشارة لا تخطئها العين بكلامه الضمني باعتباره خليفة تحت الطلب!!

فإذا كان الغرب يريد شيئاً من المسلمين( لو انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي)، فإن أردوغان سينجزه بجرة قلم. الوكيل الحصري للمهام التي تريدها دول الاتحاد من أية دولة عربية. وقد جعل مجتمعات العرب صفاً واحداً داخل عباءته، تؤتمر بأمره وتنتهِ بزواجره وعقابه. مثل المدرس الذي يحرص على اصطفاف التلاميذ دخولاً وخروجاً وهو القائد الأعلى لحركتهم وسكناتهم.

وذلك بالطبع لا يمنع من عمالته الآتية من الخارج، شريطة أن يدخل الاتحاد الأوروبي حينذاك. ونسى أردوغان كلامه حول اسرائيل ومواقفه الداعمة لرمزية الإسلام والتراث العثماني، المهم هو الصفقات التي يعقدها على جثة التاريخ بأي ثمن.

2- مبايعة تركيا من الغرب للمهام القذرة في المنطقة استكمالاً لفكرة (الخلافة). وكأن الخلافة القديمة كانت مدفوعة بنشر الاسلام ثم سرعان ما انقلبت إلى عمالة خسرت ما ربحته سلفاً. أبرز مثال حين قام أردوغان بجمع التنظيمات الاسلامية وهندسة حركتهم في مناطق الصراع عن طريق أموال وفقهاء قطر. وقد نال أردوغان ملايين الدولارات نظير المهمة ناهيك عما جناه من تجارة النفط السوري في شمال سوريا. ونجم عنه التوغل التركي في كل مدن الكرد وتهجير أهلها وتوطين فئات موالية له. ولم يفعل الكرد له سوى المطالبة بحقوقهم الضائعة تاريخياً، ولم يعدهم  إلا خطراً محدقاً بالدولة التركية، وهي خطوة استباقية توصل إليها بقرون استشعار فشلت في كل مكان ونجحت مع الكرد فقط.

والارتزاق التركي امتد من أسيا إلى أفريقيا حيث ثروات ليبيا، استعمل هاتين النقطتين لنقل المرتزقة( قيل حوالي 23 ألف مرتزقاً من سوريا وخمسة آلاف أخرى من الصومال ودول أفريقية مجاورة) إلى الصحراء الليبية. ولم لا والخليفة العثماني خبير دولي في استعمال الدين والسياسة بهذا الباب. لو تخيلنا أنَّ هناك كتاباً للمرتزقة في التاريخ، فسيحتل أردوغان أكبر صفحاته الممهورة بالدماء والنفط. وهو يعلن مباشرة كونه أتياً لليبيا لأجل البترول، وأنه لا يمانع من تقسيم الثروات مع أية دولة كبرى شريطة الحصول على حصته منها.

بالنتيجة ومهما قيل بصدد سياسات المرتزقة، فالمجتمعات العربية والأنظمة الحاكمة وانظمة التعليم وتاريخ الأفكار والموروثات الثقافية... جميع هذا كان متورطاً في انتاج رقيق الحروب. لا تستثني دولة واحدة ولا يجنب مجتمع واحد من ذاك التاريخ الغارق في استعمال البشر  وتدمير إنسانيتهم. ليس ذلك تأشيراً سلبياً للنيل من الذات ولا جلدها، بل إن هشاشة الفكر – مثلاً- وتحريم التفكير الحر دينياً واجتماعياً وسياسياً آليات لتربية المرتزقة وإعداد الأفراد ليكونوا أبرز صانعي الحروب والصراعات بالوكالة. الإنسان حين يدجن وتنزع إرادته الحرة وحركته اليومية، فإننا نفرغه من أقوى طاقة تستطيع الانطلاق والدفاع عن الأوطان. وأن تستطيع فرز المواقف وتأييد المواقف الوطنية ومعرفة الأصالة فيها.

ولقد اسهم الاسلام السياسي في تلك الظاهرة إسهاماً بالغاً، لكونِّه قائماً على "السمع والطاعة"، وهذا القيام بمثابة إقامة طويلة الأمد، تجرد الإنسان من جميع ملكاته النقدية والإبداعية وتجعله لقمة سائغة لكل ارتزاق ممكن. وإلاً ما الذي دفع هؤلاء أو أولئك بعناوين مختلفة للانتقال من سوريا إلى ليبيا ومن أفغانستان إلى العراق وحتى تنظيمياً من الإخوان إلى داعش أو إلى جبهة النصرة... كم هو فاقد الأصالة هذا الإنسان المدجن والمكبل بالقيود!!

المرتزقة .. رقيق الحروب

سامي عبد العال

 

سياسات المرتزقة ظاهرة ما بعد حداثية بامتياز رغم جذورها القديمة، لقد أخذت طابع العالم الراهن. كلُّ شيء مُسطَّح بلا أعماقٍ ولامِع لدرجة التيه، واقعاً بذلك على مرمى اقتلاع الجذور ونزع الهويات وتعويم الأدمغة ونزع الإنسان من أية ثوابت إلاَّ بقايا الحياة المعلقة في فراغ سياسي. والظاهرة وليدة الحروب وصناعتها الثقيلة، فكما أنَّ هناك آليات واستراتيجيات تستعملها الأطراف المتصارعة، فكذلك تتطلب أدوات بشرية لحسم الصراع وتغليب القوى على الأرض. ظاهرة ليس يطويها على" قمقم الأسرار" أكثر من الحيل والمؤامرات التي تكتنفها. ولا تتحين فرصاً مواتية إلاَّ لاستعمال البشر( بمبررات لقيطة) لتحقيق المآرب، وكأنَّ الواقع يتطلب كافة الأسلحة دون تفرقة بين المواقف.

الارتزاق هو القيام بمهام معينةٍ طالت أم قصُرت، سهُلت أم تعقدت، برزت أم خفيت، نظير مقابل يجري التفاوضُ حوله بين الأطراف. يضغط كل طرف على الطرف الآخر لجنى أعظم قدر مما يتحقق. وهو ليس تفاوضاً، بل بالأحرى- لدقة الفكرة-  يعدُّ مساومة، والاثنان يعلمان أنهما يساومان بأهداف غير نظيفةٍ لا أقول قذرة. لأن المقابل يعني ضياع شيء ثالث هو الأصالة والقيمة والدفاع عن إنسانيتنا الحرة. كما أن المساومة نوع من تهديم المخاوف والحدود، بحيث يصبح كل شيء مباحاً، كله ماشي.

يقول أطراف الارتزاق: أنا أساومك على استعمالي غير الإنساني لأجل أن تحصل أنت على ما هو غير إنساني بالمثل. ولن أكون معك أقل وقاحةً مما كنته أنت معي، وإلاّ لو أنَّ هدفاً أردت انجازه كان مشروعاً ما كنت لتستعملني بطريقة غير مشروعة. ولذلك سأطلب منك مقابلاً يغسل العفن الذي ران على الضمير وبالإمكان الاستعانة بالمساحيق والمنظفات العولمية لتبرير قدومنا (المرتزقة) لمناطق الصراع، مثل منظفات حقوق الإنسان وحفظ الأمن والسلام وحماية المصالح والمكتسبات الديمقراطية!!

هكذا يكون الوضع من النهاية، من أخر نقطة على السطر، ليس ثمة لف ولا دوران، على المرتزقة توفير اللف والدوران إلى المهام الموكلة إليهم. ونهاية السطر تعني هات ما عندك وسأقول ما عندي بكل وضوحٍ، وبالتالي يمحى أي حضور لاعتبارات أخرى سواء أكانت أخلاقية أم انسانية. تسقط جميع الاعتبارات بمجرد هات من الأخر.

كل مساومةٍ من هذا القبيل " تبرئة مشبوهة " بعين الوقاحة وجها لوجه، وهو المعرفة المحددة سلفاً تحت عين الاستغلال المتبادل ويمثل الطرفان أنَّهما لا يدركان، لا يعلمان. والغريب كونه استغلالاً يتم بدم بارد مثلما تأتي مشاهد الحروب والانخراط فيها بكل دماء باردة. والتمثيل هو جوف الارتزاق: فالمرتزقة يمثلون بأنهم يقومون بتبني قضية جوهرية بينما يؤدي مستعملوهم طقوس إنسانية في الظلام، فاستعمال المرتزقة يقال إنَّه لأسباب إنسانية وإنَّه ليس هو الهدف، بل انقاذ الأوضاع قبل فوات الأوان.

السياسة هي الكهف الذي يشهد عقد الصفقات، لأن (المرتزَق) يفعل أي شيء حصولاً على الثمن و(المرتزِق) يفعل كذلك أي شيء لإتمامها، لأن هدفه أبعد ويستحق المغامرة. يشترك الاثنان في هذا الـ" أي شيء"... من الطرفين لا حدود هناك لما نتصور. ولذلك نحن نركز فقط على الفاعل الصغير( المرتزقة الصغار) دون الانتباه لأفعال المرتزِق الأكبر. والـ" أي شيء" في الواقع عبارة عن الاتيان بالمفاجأة والمغامرة، وربما تاريخ المرتزقة المعاصرين يمثل أعمق تمثيل المغامرة بأي شيء مهما يكن. فالدول التي تستعمل المرتزقة تفعل كل الحيل والأفاعيل للحصول على ما تريد، وهؤلاء المرتزقة – في موقف المساومة- يفعلون ما يراد لهم فعله. وقد يقال إن هناك حدوداً للارتزاق، لكنها بالطبع حدود واهية.

الارتزاق موقفٌ سياسي حتى بالنسبة لأنظمة القوى الكبرى، فهي قائمة تاريخياً على اللعبة المزدوجة: أَفعَلُ ما أريد بأيدي غيري، وأقف بعيداً عن المشهد واحصل على نصيب الأسد من الغنائم. المعضلة أننا لا نصدق كيف تكون قوى عالمية وترتزق بحكم ارتباط الارتزاق بالحاجة والمآرب الصغيرة. إن هناك دولاً كأمريكا وإسرائيل وأغلب دول الغرب روسيا وفرنسا وانجلترا تعيش سياسياً على هذه المواقف البرجماتية.

الدول التي توظف المرتزقة هي دولة ارتزاق بالدرجة الأولى، كل ما في الأمر أنها غير مرئية وتدير الأوضاع من وراء حجاب. دول لا تقع في الحُفر التافهة فتنجزع أقدامها وتفقد سطوتها، لكنها تتصدى لما تقارعه بالخطط المحكمة واللعب بأكثر من موقع. وما نشاهده من إرهاب واستبداد وتجارة حروب ونفوذ وأسواق عابرة للحدود .. كل ذلك يتم بوقت واحد، يخدم الممسكين بخيوط اللعبة. ليس الوضع تناقضاً لو فكر القارئ بمنطق جزئي، لكن صراع المصالح الضيقة (يصب) في المصلحة الأكبر. فأمريكا توجد في تفاصيل الحدث ونقيضة، تدعم الدولة المستبدة والمتمردين عليها، تصنع لاهوت الحروب وتبني دور العبادات.. وبصدد هذه الأطراف تستفيد من الجميع وتقف هنالك بمنأى عن الانزلاق!!

ليس صحيحاً كون أمريكا تؤيد هذا ضد ذاك أو العكس، أقول ليس صحيحاً على الدوام، لأنها- إذ أردنا توضيحاً- تمسكُ بخيوط المشهد ككل. وحينما يصرخ  البعض بأنها الشيطان الأكبر، وأنها ألة حروب لا تنتهي، وأنها استعمارية... فذلك كله غير صحيح بالمرة. الأقرب للصحة أنها برجماتية كونية تعيد توجيه الميتافيزيقيات والأيديولوجيات في جميع المناحي، لا تعترف بالثنائيات التقليدية: خير/ شر، حياة / موت، كراهية/ حب، إله/ إنسان، حرية / استبداد... هي تكون حيث توجد منافعها، وبخاصة المنافع الآتية من الأعمال التي تتعارض مع توجهاتها وحياتها الديمقراطية. كذلك هي تختفي حين توجد بقوة وعندما تصبح حاضرة لدرجة الظهور.

أمريكا تلعب ألعاب المقدس في الحضور والغياب، وترسب لدى أتباعها وأعدائها على السواء قدرات فوق قدراتها، ليس ذلك خبط عشواء، لكنها تستثمر الهيمنة الناعمة والخشنة معاً. بضربة واحدة هي تحل وتختفي وتتلاعب بالجميع في غير حالةٍ.

ولم تكن أنظمتها المتعاقبة بمنأى عن ثلاثة اتجاهات ..

أولاً: شن الحروب وإثارة الصراعات في المناطق العربية لحصد الثروات من جيوب الشعوب والأنظمة السياسية ومن الثوار والمعارضين معاً. كانت حروب أمريكا بالمنطقة العربية تشغيلاً لمنظومات المرتزقة على نطاق بعيد، لم يكن ما فعلته بالعراق الحرب الأولى والثانية ليتم دون هذا الارتزاق. تدفق الكثيرون منهم وتولت شركات كبرى على تدريبهم وانشاء معسكرات في دول أخرى تمهيداً لضخ حشودهم على خريطة العراق المنهك من الحرب الإيرانية ومن الحكم الاستبدادي.

اجتاح الجيش الأمريكي العراق كجراد من المرتزقة، لم يكن يعنيه إلاَّ الهيمنة على مقدراتها، وتصرف الجنود بهذا المنطق الارتزاقي الوحشي، هناك نهب لكل ما يجدونه وهناك تصفيه للرموز وتدمير الآثار العراقية الضاربة في أعماق التاريخ. ولم يترك الجيش الأمريكي العراق إلا بعد أنْ حقق أغراضه ببث الفوضى وتفكيك المؤسسات وجلب المرتزقة من كل حدب وصوب.

ثانياً: تكوين مجموعات المرتزقة (الأساليب والخطط وكيفية الإدارة والقيادة والاغراق في الجماعات والتنظيمات). لم تخرج أمريكا شكلياً من مناطق الصراع في الشرق الأوسط إلاَّ بعد أن زرعت المرتزقة في كل مكان. وغذَّت لديهم نزوع الغلبة واجتياح الأنظمة بتقوية المظلومية لديهم. وهذا الارتزاق اختلط بمبادئ الدين والأيديولوجيا والسياسة، فكان سهلاً أن تنجرف الجماعات الدينية لمحاربة الأنظمة الحاكمة وتغنم بعضَ المكانة في المجتمعات. وهي لا تدري أنها بمنطق القوى الكبرى خاضعة للاستعمال، وأن أفعالها – كما حدث مع داعش والإخوان وجماعات العنف- تصب في حصالة المآرب السياسية، بالإمكان تجنيدها في هذا الإطار.

الارتزاق هنا ليس إكراها، لكنه اختيار ملتوٍ، يدرك الارهابيون أنهم يؤدون مهاماً تجاه الدين بينما تستطيع القوى توظيفهم على خريطة أكبر. هم غارقون في التفاصيل الصغيرة حول اقتحام المدن وتطبيق الحدود وحف الشوارب وتعيين أمراء الولايات والمكاتبات السرية في حين ترسم القوى الكبرى المسارات. لأن النتائج في النهاية ستصب لمصلحتها، فالنفط والثروات والهيمنة الثقافية وتجارة الأسلحة ستكون أشياء رائجة.

في عهد أوباما، قالت الإدارة الأمريكية إن عشر سنوات كافية للقضاء على الدواعش، وفعلاً تمَّ كسر شوكة الدواعش حربياً بتحرير بعض المدن العراقية والسورية، غير أن أوباما لم يقل متى ستنتهي الفكرة الداعشية، لكونه يغذيها، ولكونها فكرة باقية، تتناسل وتخرج أجيالاً وراء أجيال. إذ يمكن احيائها وإدارتها بأساليب الارتزاق. وقد حدث بالفعل لقد حولت أمريكا العالم إلى مخازن إمداد للجماعات الإرهابية، من يُرد الجهاد، عليه الانخراط في الصراع. فهو يظن كونه جهادياً، بينما تعتبره أمريكا مجرد رقم مستعمل للاتصال بالواقع وإدارة الأحداث.

ثالثاً: استعمال المرتزقة في الحروب والصراعات المسلحة. وهذه المهمة تُركت للوكلاء الإقليميين الصغار، لأن المرتزقة يحتاجون رعاة من جنس أيديولوجياتهم. فالإرهابيون تعوزهم أخيلة الخلافة لتختمر بحواشيهم وتفرِّخ في جيوبهم الفارغة، حين يتصورون دولتهم المستقلة التي تبتاع الثروات والبشر وتسبي النساء والرجال وتراكم العوائد في خزائن مقفلة عليها خازن من جهنم. وسيكون الخلفاء(أمراء التنظيمان) أشباحاً تملأ الخيال بكل استيهام ممكن طوال الأحداث. ولذلك ليس غريباً أن تنصب أمريكا خليفة لهذه الجماعة أو تلك. والتنصيب هنا هو صقل الأحداث وتضيق الخيارات ورعاية الزعماء الدينيين كما فعلت أمريكا مع ابراهيم بن عواد ( أبو بكر البغدادي) حينما كان في سجن أبي غريب. حيث لاحظت المخابرات ميوله للزعامة والقيادة ولعب كرة القدم، فسربت إليه الفكرة وتم إعداده لخلافة دولة العراق والشام.

وعندما لا تريد أمريكا الظهور تترك الخرائط والعتاد البشري لدول إقليمية (دول ودويلات)، وهذه الدول تجيّش للجماعات الإرهابية كافة الرموز المطلوبة...  من فكرة الجهاد حتى الإفتاء بدخول الجنة والنار وتكفير المناوئين. كما حدث مع دويلة الخليج الشهيرة التي تقف على أكبر مخزون للغاز في المنطقة وتقف بالمثل على آبار الإعلام الوظيفي. المصدران( النفط والاعلام) غارقان في تحريك القطعان الدينية لمسح الأرض واحداث الفوضى في المنطقة العربية.  فغدا" البترو إعلام" مع تحولات المجتمعات العربية ذراعاً خلفياً يشد خاصرتها نحو الفوضى والتخلف.

" البتروإعلام" المرتبط بـ"البترو جهاد" و" البترو ثقافة" و" البتروسياسة"... يخدم أسياداً يحركونه ويرسمون المراحل ويظهرونه براقاً تحت إبط الشعوب. إن فضائيات عربية تستحل الدماء والقتل تحولت إلى منصات تكفيرية مرتزقة. حتى وإن كانت ثرية بدرجات فاحشة، فهي متوحلة في الارتزاق حتى أذنيها. لأنها تدفع لمن يجاهد المؤمنين قبل الكفار، إنها مجرد مخالب وقحة لطيور الظلام القابعة بأعالي البحار انتظاراً للانقضاض على المجتمعات. وليس دور البترو إعلام سوى ضرب التماسك الاجتماعي وتهديم الوعي وتنويم الشعوب حتى تسهل العملية.

وقد كانت أحداث الربيع العربي فرصة سانحة لتجريب الكتل البشرية الفارغة من الحياة والتي يكون ولاؤها الأول لمن يدفع ويخدع. والجديد أنها كتل سائبة عضوياً تملأ الحفر الغائرة في أبنية المجتمعات. والملاحظ كونها قد تصطف باسم الأيديولوجيا، فالجماعات الإسلامية مدمنو الارتزاق إلى وقت ربيعي ليس بالبعيد. وظلت تحارب بأسماء مختلفة في سوريا والعراق واليمن وليبيا... وطالما لا تعترف بالوطن ولا تنتظره في المستقبل، فإنها تصبح قنابل بشرية تنفجر بأي منطقة.

لكن تركياً تمثل دولة الارتزاق الفاحش منذ نشأتها العثمانية تحت عمامة الخلافة، وكأن نظامها السلطاني أبى إلاَّ أن يظل وفياً للنشأة والتكوين ثم التواتر حتى الآن. لم تمر أحداث على الدولة العثمانية دون قنص ومساومة وأخذ الغنائم حيثما وطئت قدماها. فعندما احتلت مصر نهبت ثرواتها الرمزية والمادية... لقد جرفت المجتمع من أرباب الصنائع والتجارة والفنون وتم نقلهم إلى الأستانة.

ليس خافياً أن ذلك قتل للمجتمعات التي تحتلها وترتب عليه تدهور أحوال الصناعة والفنون والتجارة وأوكلت الدولة العثمانية أمور البلاد التي احتلتها للجهلة وأنصاف المتعلمين وتلاعبت بتكوينها الديموجرافي لأجل تغليب الطوائف الموالية.

ظل هذا ديدن  الدولة العثمانية حتى اللحظة، كانت بالأمس القريب في سورياً، فهي "الوكيل اللاهوتي السياسي" الذي تم مبايعتك بشكل مزدوج.

1- من الجماعات الإسلامية، إذ انطلت عليها العباءة العثمانية بمسوح الخلافة وبخورها وأشباحها. وأردوغان لم يقطف ثمار اللحظة الراهنة عبثاً، بل كم بيّت النية وأعد العدة التاريخية جرياً وراءها. لم يترك فرصة للظهور بعباءة الخلافة في أي موقف إلاّ و إقتنصها. فأصبحت لديه الدربة على أرسال رسائل للوعي العربي الإسلامي الجاهل بالخلفيات والأحداث.

كان أردوغان يندد من أعلى الأناضول بسياسات إسرائيل التعسفية تجاه الفلسطينيين وهو الذي قدم خدمات يضيق عنها السياق لدولة الاحتلال، وكان يعلن اعتراضه على سياسات أمريكا هو الذي يضع يده في يد قادتها لزيادة حجم التعاون التجاري والعسكري بين تركيا وإسرائيل. المهم أن يكسب الجولة في وعي المسلمين، لأنه يعرف أنهم الكتلة الحرجة التي تمر خلالها المكاسب والثروات  إلى اسطنبول كما مرت في السابق. لم يكن أردوغان حريصاً على شيء قدر حرصه على حجم الاستثمارات والإتاوات التي تأتية من المسلمين بالتبادل التجاري وسيولة حركة البضائع التركية. ولم يخلو ماركت عربي واحد من أطنان البضائع التركية بدءاً من الأجهزة الكهربائية والإلكترونية وليس انتهاءً بالملابس الداخلية. حتى أصبحت السلع التركية رمزاً للنفوذ التركي في المنطقة وبخاصة ليبيا ومصر.

ولا يفوتنا أن اردوغان استعمل الرصيد البشري( الاسلامي والعربي) في تخويف الغرب كي يضم بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، فلكم وضع نفسه على فوهات العالم العربي تجاه أوروبا موهماً قاداتها أنه يمسك الشرق بين أصابعه يقلبه كيفما شاء. وفي رسائل برقية زعم أنه المنصف للإسلام والمتشبث بتاريخه حتى النهاية وأنه يقدم نموذجاً حضارياً يضاف إلى الحضارات العالمية. والاشارة لا تخطئها العين بكلامه الضمني باعتباره خليفة تحت الطلب!!

فإذا كان الغرب يريد شيئاً من المسلمين( لو انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي)، فإن أردوغان سينجزه بجرة قلم. الوكيل الحصري للمهام التي تريدها دول الاتحاد من أية دولة عربية. وقد جعل مجتمعات العرب صفاً واحداً داخل عباءته، تؤتمر بأمره وتنتهِ بزواجره وعقابه. مثل المدرس الذي يحرص على اصطفاف التلاميذ دخولاً وخروجاً وهو القائد الأعلى لحركتهم وسكناتهم.

وذلك بالطبع لا يمنع من عمالته الآتية من الخارج، شريطة أن يدخل الاتحاد الأوروبي حينذاك. ونسى أردوغان كلامه حول اسرائيل ومواقفه الداعمة لرمزية الإسلام والتراث العثماني، المهم هو الصفقات التي يعقدها على جثة التاريخ بأي ثمن.

2- مبايعة تركيا من الغرب للمهام القذرة في المنطقة استكمالاً لفكرة (الخلافة). وكأن الخلافة القديمة كانت مدفوعة بنشر الاسلام ثم سرعان ما انقلبت إلى عمالة خسرت ما ربحته سلفاً. أبرز مثال حين قام أردوغان بجمع التنظيمات الاسلامية وهندسة حركتهم في مناطق الصراع عن طريق أموال وفقهاء قطر. وقد نال أردوغان ملايين الدولارات نظير المهمة ناهيك عما جناه من تجارة النفط السوري في شمال سوريا. ونجم عنه التوغل التركي في كل مدن الكرد وتهجير أهلها وتوطين فئات موالية له. ولم يفعل الكرد له سوى المطالبة بحقوقهم الضائعة تاريخياً، ولم يعدهم  إلا خطراً محدقاً بالدولة التركية، وهي خطوة استباقية توصل إليها بقرون استشعار فشلت في كل مكان ونجحت مع الكرد فقط.

والارتزاق التركي امتد من أسيا إلى أفريقيا حيث ثروات ليبيا، استعمل هاتين النقطتين لنقل المرتزقة( قيل حوالي 23 ألف مرتزقاً من سوريا وخمسة آلاف أخرى من الصومال ودول أفريقية مجاورة) إلى الصحراء الليبية. ولم لا والخليفة العثماني خبير دولي في استعمال الدين والسياسة بهذا الباب. لو تخيلنا أنَّ هناك كتاباً للمرتزقة في التاريخ، فسيحتل أردوغان أكبر صفحاته الممهورة بالدماء والنفط. وهو يعلن مباشرة كونه أتياً لليبيا لأجل البترول، وأنه لا يمانع من تقسيم الثروات مع أية دولة كبرى شريطة الحصول على حصته منها.

بالنتيجة ومهما قيل بصدد سياسات المرتزقة، فالمجتمعات العربية والأنظمة الحاكمة وانظمة التعليم وتاريخ الأفكار والموروثات الثقافية... جميع هذا كان متورطاً في انتاج رقيق الحروب. لا تستثني دولة واحدة ولا يجنب مجتمع واحد من ذاك التاريخ الغارق في استعمال البشر  وتدمير إنسانيتهم. ليس ذلك تأشيراً سلبياً للنيل من الذات ولا جلدها، بل إن هشاشة الفكر – مثلاً- وتحريم التفكير الحر دينياً واجتماعياً وسياسياً آليات لتربية المرتزقة وإعداد الأفراد ليكونوا أبرز صانعي الحروب والصراعات بالوكالة. الإنسان حين يدجن وتنزع إرادته الحرة وحركته اليومية، فإننا نفرغه من أقوى طاقة تستطيع الانطلاق والدفاع عن الأوطان. وأن تستطيع فرز المواقف وتأييد المواقف الوطنية ومعرفة الأصالة فيها.

ولقد اسهم الاسلام السياسي في تلك الظاهرة إسهاماً بالغاً، لكونِّه قائماً على "السمع والطاعة"، وهذا القيام بمثابة إقامة طويلة الأمد، تجرد الإنسان من جميع ملكاته النقدية والإبداعية وتجعله لقمة سائغة لكل ارتزاق ممكن. وإلاً ما الذي دفع هؤلاء أو أولئك بعناوين مختلفة للانتقال من سوريا إلى ليبيا ومن أفغانستان إلى العراق وحتى تنظيمياً من الإخوان إلى داعش أو إلى جبهة النصرة... كم هو فاقد الأصالة هذا الإنسان المدجن والمكبل بالقيود!!

 

سامي عبد العال

 

 

محمد الربيعي كنت قد كتبت سابقا مقالة بعنوان "التعليم المدمج: تعليم المستقبل الأكثر اكتمالا" وضعت فيها تعريفا بسيطا لهذا النوع من التعليم، والتعلم على انه "تدريب مختلط، يجمع بين التعليم التقليدي وجهاً لوجه والتعليم الإلكتروني"، وشرحت مزاياه ومواصفاته. ما شجعني على الكتابة مرة أخرى حول الموضوع هو تأكيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأستاذ الدكتور نبيل كاظم عبد الصاحب مؤخرا في احدى لقاءاته على ان الوزارة عازمة على التحول الى التعليم المدمج.

أهمية التعليم المدمج

في السنوات الأخيرة انتشر التعليم المدمج او المختلط مع التقدم السريع في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وأصبح هذا النوع من التعليم في العديد من البلدان المتقدمة النموذج الأكثر تفضيلاً للتعلم نتيجة انتشار الإنترنت، والتي مست جميع جوانب الحياة الإنسانية. وفي العراق يبدو ان التعليم الالكتروني سيصبح أحد الوسائل الملائمة لعلاج النقص المزمن في الأبنية والمعدات والمدرسين في ظل الزيادة المستمرة لأعداد المتعلمين وحلا لأزمة التعليم التلقيني ونهاية لعصر اجترار المعلومات.

سأحاول في هذا المقال شرح فوائد التعليم المدمج، وتقديم صورة مبسطة لأكثر أنواع التعليم المدمج انتشارا. علما ان التعليم المدمج ليس ابتكاراً بقدر ما هو منتج ثانوي طبيعي للمجال الرقمي الذي يتسلل تدريجيا بداخل جسم التربية والتعليم. ومن الضروري التأكيد على أن هناك المئات من أنواع التعليم المدمج التي تختلف حسب المحتوى والحجم، والتكنولوجيا، ومساحات التعلم، إلخ. لكن الغرض من هذا المقال هو: أ) شرح أكثر أنواع التعلم المدمج شيوعاً، و ب) مساعدة الاستاذ على التفكير في التعليم المدمج كمفهوم مرن يمكّن المدرسين والطلاب من تحسين نتائج التعلم بشكل مثالي لذلك يمكن: ج) من تحديد وتكييف نموذج التعليم المدمج المناسب للجامعة، او للمدرسة او للطلاب.

فوائد التعليم المدمج

إن نموذج التعلم المدمج هو بلا شك طريقة رائعة لزيادة تجربة المتعلم، ولكن مزاياها تتجاوز ذلك. سواء كان الغرض تدريب الطلاب، او الموظفين، او أي فئة أخرى من المجتمع، فإن المؤسسات التي تستخدم التعليم المدمج تجني العديد من المكافآت. دعنا نلقي نظرة على بعض الفوائد للمتعلمين وللمؤسسات.

فوائد للمتعلمين

يوفر التعليم المدمج الراحة والمرونة للمتعلم، ويمنحه القدرة على التحكم في وتيرة التعلم وجها لوجه والتعلم عن بعد.

تشير البحوث التربوية إلى أن التعليم المدمج يمنح المتعلمين فهماً أكثر شمولاً لمحتوى المقرر او الدورة التدريبية او الورشة.

لأن التعليم المدمج يسمح للمتعلمين بالتفاعل مع المدرسين وزملائهم المتعلمين، فإنه يوفر فرصا تدريبية أفضل لاكتساب مهارات الاتصال والتواصل والتفكير النقدي.

يمكن الاستفادة من علوم وخبرات المدرسين الخارجيين كأساتذة الجامعات الأجنبية او العلماء العراقيين في الخارج للمساهمة عن بعد في المقرر او الدورة او الورشة. 

فوائد للمؤسسات

يقلل التعليم المدمج من تكاليف التدريب وجهاً لوجه كتكاليف الإقامة والسفر للأساتذة من الجامعات والمؤسسات الأجنبية.

يمكن للمؤسسات استخدام أساليب التعلم الإلكتروني المختلفة، في الندوات والورش عبر الإنترنت، وما إلى ذلك، مما يؤدي إلى مشاركة أفضل للمتعلم.

نظرًا لأن التعليم المدمج يعد وسيلة أكثر كفاءة وفعالية من حيث تكلفة التدريب، لذا ينتج عائد استثمار أسرع وأكبر.

من السهل أيضاً تتبع من أكمل التدريب أو لم يكمله.

التحديات التي تعوق تنفيذ التعلم المدمج

افتقار الجامعة الى آليات مؤسساتية وتنظيمية شاملة لتسهيل تطوير ونمو التعليم الإلكتروني.

عدم وجود سياسة تعزز التعليم الإلكتروني في التعليم والتعلم والتدريس.

عدم وجود عمليات إدارة الجودة لتعزيز التعليم الإلكتروني

انعدام مبادرات التطوير المهني للتدريسيين لدمج التعلم الإلكتروني بضمن المنهج.

عدم وجود هياكل فنية داعمة.

عدم وجود تفهم من القيادة لأهمية التغيير ولإدارته.

انعدام التمويل لتنفيذ برنامج التعليم الإلكتروني الناجح.

أنواع التعلم المدمج

التعليم المدمج المتناوب

وهو نموذج يسمح للطلاب بالتناوب في الساعات الدراسية بين التعليم وجها لوجه وبين التعليم الالكتروني وفقاً لجدول دراسي محدد، حيث تخصص إحدى الساعات على الأقل للتعليم عبر الإنترنت. هذا النموذج هو الأكثر شيوعًا في المدارس الابتدائية ويتميز بجدول ثابت للساعات الالكترونية والساعات وجها لوجه.

التعليم المدمج المرن

يتم تضمين "المرونة" في أنواع التعليم المدمج بحيث يكون التعليم عبر الانترنت في الدراسة هو العمود الفقري لتعلم الطلاب. يتعلم الطلاب في الغالب بداخل الحرم الجامعي، باستثناء أي واجبات منزلية. يقدم المدرس الدعم وجهاً لوجه على أساس مرن وقابل للتكيف حسب الحاجة من خلال أنشطة مثل تعليم المجموعات الصغيرة والمشاريع الجماعية والدروس الفردية. يتميز بشكل أساسي بما يلي: تنوعه في تلبية احتياجات عمليات مختلفة من التعلم الرسمية وغير الرسمية (الجامعات والمدارس والمنظمات والتعليم في البيت، وما إلى ذلك).

التعليم المختبري المتناوب

نموذج للتعليم المدمج يشبه التعليم المدمج المتناوب، حيث يعمل من خلال السماح للطلاب بالتناوب في الدروس وفقاً لجدول دراسي محدد لكنه يتم في مختبر حاسوب مخصص يسمح بترتيبات جدولة مرنة تتناسب مع أوقات الاساتذة وتمكينهم من الاستفادة من مرافق تكنولوجيا المعلومات المتوفرة. يتميز في المقام الأول باستخدام مختبرات الحاسوب عبر طرق جديدة.

التعليم المدمج عن بعد

في هذا النوع من التعليم المدمج، ينصب تركيز الطالب على إكمال ساعات الدراسة عبر الإنترنت من خلال الاجتماع الافتراضي مع المدرس على حسب الحاجة. وفيه ليس من الضروري ان يتعلم الطلاب بالتواجد في الجامعة يوميا وبتلقي الدروس وجها لوجه، وانما التركيز فيه يتم على التعليم الالكتروني وبقدر ما يسمح لهم التعلم بهذه الطريقة وعلى أساسها يتم تحديد فيما إذا كانت هناك حاجة لساعات تعلم وجها لوجه. يتميز في المقام الأول بـكون الطلاب يدرسون بشكل كامل عن بعد وبشكل مستقل.

التعليم المدمج الفردي المتناوب

يسمح نموذج التناوب الفردي الطلاب بالتناوب عبر الأنشطة المختلفة، ومثله كمثل التناوب على اجراء التجارب المختبرية او قراءة المصادر المكتبية، بضمن جدولة فردية يحددها المدرس او المدرسة او القسم ويتم تحديد الأوقات اللازمة لكل طالب على أساس قابليات الطالب وسرعته في التعلم. يتميز في المقام الأول بما يلي: إضفاء الطابع الشخصي على تعلم الطالب على النحو المحدد في الجداول الفردية التي لديها الفرصة لتلبية احتياجات كل طالب بشكل أفضل.

التعليم المدمج القائم على المشاريع

يعد التعليم المدمج القائم على المشاريع نموذجًا يستخدم فيه الطالب كلاً من التعلم عبر الإنترنت - إما في شكل دورات تدريبية أو عن طريق التعليم الذاتي - والتعليم وجهاً لوجه لتصميم مهام التعلم القائمة على المشروع. في التعليم القائم على المشاريع يعمل الطلاب في مشروع محدد على مدى فترة زمنية ممتدة - من أسبوع حتى فصل دراسي - يشتركون في حل مشكلة حقيقية أو في الإجابة على سؤال معقد. ويظهرون معرفتهم ومهاراتهم من خلال إنتاج مشروع متكامل او إجابة شاملة أو عرض تقديمي لجمهور حقيقي او عبر الانترنت. ونتيجة لذلك، يطور الطلاب معارف عميقة وكذلك التفكير النقدي والتعاون والإبداع ومهارات الاتصال وجها لوجه وعن بعد. يطلق التعليم القائم على المشاريع العنان لطاقة مبتكرة حميمية بين الطلاب والأساتذة. وباختصار هو طريقة تعليم مدمج يكتسب فيها الطلاب المعرفة والمهارات من خلال العمل لفترة طويلة من الوقت للتحقيق والرد على سؤال أو مشكلة أو تحدٍ حقيقي وجذاب ومعقد. يتميز في المقام الأول: استخدام الموارد عبر الإنترنت لدعم التعليم القائم على المشاريع.

 

أ.د. محمد الربيعي

...................

المصادر

https://al-nnas.com/ARTICLE/MAlRubey/29k0.htm

https://www.learnupon.com/blog/what-is-blended-learning/

https://www.teachthought.com/

https://www.christenseninstitute.org/

https://www.blendedlearning.org/

 

سهيل الزهاويبدأ الاحتلال العثماني للعراق منذ عام (١٥١٣) بعد أن استولى السلطان سليم الأول على شمال العراق. استخدموا الموصل كمركز لانطلاقهم لاستكمال احتلال بقية العراق. ولم يتم لهم ذلك حتى عام ١٦٣٨، بسبب الصراع العنيف بينهم وبين إيران، مما سبب دمار لاقتصاديات البلاد.

ان تاريخ العراق مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الدولة العثمانية، ولا يمكن النظرالى هذه البلاد بمعزل عن التاريخ العام للإمبراطورية العثمانية. فقد كان السلاطين في الدولة العثمانية وولاتهم، الذين ينفردون بالحكم المطلق في الأقاليم الخاضعة لسلطتهم... محتفظين بالنظام الاجتماعي الذي كان يسود الشعوب الخاضعة وقت أن احتلوها.

وقد قاسى شعب العراق من الظلم والاستغلال العثماني طيلة اربعة قرون، لينتقل الى ظلم الدول الرأسمالية الاوربية. ففي أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن التاسع عشر، أخذت الأوساط الاستعمارية البريطانية بتوسيع تجارتها و ازداد طموحها للسيطرة على سوريا و لبنان والعراق لأنها كانت على طريق الهند.

ثم بدأ الاحتلال البريطاني للعراق منذ أواخر عام ١٩١٤ بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى واستطاعت بريطانية احتلال بغداد في ١١ آذار ١٩١٧ بقيادة الجنرال مود بعد أن دارت معارك عديدة في مناطق مختلفة بين القوات البريطانية و القوات التركية المنسحبة.

لقد سعت رؤوس الاموال الاجنبية لفرض سيطرتها التامة على اقتصاد البلاد... وحصلت على أرباح طائلة عن طريق نهب ثرواتها الوطنية والاستغلال لقوتها البشرية، وبهذا تعرض نموها الاقتصادي للتعطيل والتشويه.

وفي أواسط القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كان العراق يعيش مرحلة انتقال صعبة و معقدة فيها أنماط متعددة، وكانت مسرحا لفعل قوانين اقتصادية موضوعية منبثقة عن علاقات انتاجية مختلفة، بعضها سائرة نحو الزوال واخرى جديدة. فقد وجد في العراق:

بقايا علاقات بطرياركية -أبوية -علاقات الإنتاج الطبيعي الموجه لأغراض الاكتفاء الذاتي.

- العلاقات الإقطاعية وشبه الإقطاعية

-علاقات إنتاجية رأسمالية في المشاريع الاقتصادية للاحتكارات الرأسمالية الأجنبية تعمل بالأساس لخدمة التجارة الخارجية والنقل. كما نمت في الوقت نفسه وبشكل بطئ، علاقات انتاجية بسيطة في المدن والمناطق الريفية القريبة منها أدت السيطرة العثمانية على العراق طوال أربعة قرون إلى تدهور الإنتاج الزراعي وتركيز الاهتمام على جباية الضرائب بمختلف الوسائل المتعسفة.

لقد كانت الأكثرية من سكان العراق من الفلاحين والرعاة، الرحل وشبه المتوطنين، ينتقلون من مكان إلى آخر خوفا من بطش السلطة،ومن أجل الماء والعشب. وعملت السلطة بكافة الوسائل على اضعاف نفوذ الامراء وكبار رؤساء القبائل،بوضع بعضهم بوجه بعض الآخر. ونجم عن هذه الدسائس و الأساليب الصدامات المسلحة بين القبائل و أريقت فيها دماء كثيرة.

كان هم العثمانيين الوحيد هو جمع الضرائب وإنفاقها على الجهاز الإداري التركي والجيش وفي المجالات التي تحددها السلطة المركزية. ولا يرصد من هذه الضرائب التى تجبى في العراق سوى جزء ضئيل لأغراض لها علاقة بالزراعة أو الاقتصادي في العراق ككل.

في عام ١٩١١بلغت ريوع ممتلكات الدولة (٢،٤) مليون روبية، بينما بلغت الضرائب المباشرة ٩،٤ مليون روبية جاء ثلثها من قطاع الزراعة (١)

وفي الوقت الذي كان الفلاحون يستخدمون الأدوات الزراعية المتأخرة ولم يحدث أي تطور في نظام الري حيث بقي على ما عليه منذ القرون الوسطى، فقد أدى ذلك الى الجفاف الشديد في الأراضي الزراعية في الفترات الى كانت تنحسر فيها المياه في الانهر، مؤديا ذلك الى العديد من حالات المجاعة في البلد. (٢)

تميزت المناطق الجنوبية في العراق بسيادة العلاقات الأبوية القائمة على استغلال الأرض بشكل جماعي من قبل افراد القبائل وقد سعى شيوخ القبائل للاستيلاء على أراضي المشاعات الفلاحية، و ساندت السلطات التركية هذه المحاولات من جانبها لتعزيز سلطتها في تلك المناطق أن الامتيازات التي حصل عليها شيوخ العشائر قد جعلتهم متميزين عن بقية أفراد عشائرهم، كحقهم في الاستيلاء على قسم من اراضي المشاعية واستخدامها لرعي ماشيتهم أو منحه الى افراد عشيرة اخرى لاستغلاله بشكل مؤقت... وفرض الإتاوات على أفراد العشيرة والاستيلاء على خمس الغنائم التي يحصل عليها أفراد القبيلة...عند غزوهم لقبيلة اخرى، اضافة الى استيلائهم على ضريبة الخوة التي تؤخذ من القبيلة المغلوبة عسكريا أثناء الحروب العشائرية والتى تجمع باسم افراد العشيرة.غير أن المستفيد الوحيد من الخوة هو رئيس العشيرة نفسه.

ولم يقف رؤساء القبائل عند هذا الحد من استغلال أبناء قبائلهم بل امتد الى الفلاحين المستقرين و فرضوا عليهم و فرضوا عليهم ضريبة الخوة بدعوة حمايتهم من غزوات القبائل الأخرى. وكانت نسبة هذه الخوة تتراوح ما بين (٥٠-٨٧%) من المحصول. هكذا، ومن خلال هذا التسلط، تحول رؤساء القبائل إلى إقطاعيين مستبدين.(٣)

وابتدع الإقطاعيون ضرائب جديدة حيث فرض غرامة على الفلاحين ممن يتأخرون في دفع الضريبة، تسمى (الاودة) وهي أن ينزل اتباع الإقطاعيين ضيوفاً ثقلاء على الفلاحين لفترة... قد تصل الى ثلاثة ايام او اكثر حتى يقنعونهم بدفع الضريبة أي أنهم لا يسافرون إلا اذا دفع الفلاح ما عليه (٤).

وفي ظل الاحتلال التركي الثالث للعراق (١٨٣١ - ١٩١٤) تكون الإقطاع من ملتزمي جباية الخراج لخزينة الدولة لقاء عمولة تقارب (١٢،٥% من ريع الأراضي الخراجية) (٥).

وكانت الأراضي توهب وتباع في عهد ولاية كل من (داود باشا) و (علي رضا باشا)،فيستحوذ أحفاد الموهوب لهم أو المشترين على مساحة شاسعة من الأراضي ويجري البيع والشراء عرفيا خارج دوائر الدولة (٦).

ومنذ عام ١٨٦١،حقق العثمانيون نجاحات معينة في تحويل قسم من القبائل شبه المستقرة الى مجاميع متوطنة حتى جاء (مدحت باشا) عام ١٨٦٩، فشرع تطبيق قانون الأراضي العثمانية على العراق، بعد أن ظهر أن الاضطهاد وحده غير كافي لمقاومة القبائل وتصفيتها. فبدأ بيع الأراضى بيعا قانونياً و بأقساط بخسة نسبياً و لآماد طويلة إلى الأصحاب السابقين من مالكي الأرض حاملي السندات المشكوك فيها والى الزعماء ورؤساء القبائل المتنفذين على أساس وثائق خاصة دعيت بال(طابو). أي أن المالك الجديد أصبح له الحق التصرف في الأرض مع بقاء رقبتها بيد الدولة (٧).

وكان الهدف الأساسي للدولة العثمانية في انتهاج هذه السياسة … هو تفكيك القبائل من خلال استيطانها وتشجيع الزراعة وحماية الطرق التجارية وإضعاف نفوذ الزعماء ورؤساء القبائل.... وبالتالي تعزيز السلطة المركزية ليسهل عليها جمع الضرائب.

ونظراً لفساد الموظفين واعتيادهم الرشوة، فقد حدث مخالفات عديدة لتطبيق القانون وغالبا ما اعطيت الى اشخاص سندات التملك لاراضي كان يملكها آخرون واراضي يشك في موقفها الحقيقي او ليس لها حدود واضحة، وبذلك أصبح بحوزة هؤلاء الاشخاص مساحات شاسعة من الأرض وادى ذلك الى حرمان مشغليها الحقيقين منها. اضافة الى ذلك تردد أفراد القبائل في شراء السندات... مما افسح المجال امام المتنفذين في الدولة وجهاء المدن لشراء الأراضي لقاء سندات الطابو، ونجم عن ذلك تكون عدد كبير من الملاكين البعيدين عن الأرض وفلاحيها، من سكنة المدن (٨).

إذا كان تنفيذ قانون الأراضي العثمانية ادى الى زوال النظام العسكري ... تدريجياً ونشوء طبقة جديدة من الإقطاع العشائري من رؤساء القبائل ووجهاء المدن ورجال الدين، وتقوية نفوذ الملاكين القدماء، فقد أدى الى تمزيق القبيلة باعتبارها منظمة موحدة واضعفت العلاقات الأبوية التي تعتبر أساس الوحدة السياسية للقبيلة... وخاصة في المناطق القريبة من المدن، ونشأ بدل من ذلك نوع جديد من العلاقة يعتمد على المصالح الطبقية و الاقتصادية في القبيلة وتحول شيوخ القبائل إلى إقطاعيين و بسطوا نفوذهم السياسي على أفراد قبائلهم الذين تحولوا إلى فلاحين أو رعاة باستخدام القوة ضدهم.

وهكذا نشأت عوائل اقطاعية في جنوب العراق تملك أصقاعاً واسعة من الأرض. وتركز في ايدي شيوخ آل سعدون حتى أوائل القرن العشرين غالبية الأراضي و في ضفتى الغراف في اطراف لواء الناصرية الى سوق الشيوخ وكذلك في لواء البصرة، تلك الأراضي التى كانت مستغلة من قبل مئات الألوف من قبل أبناء القبائل سابقا (٩).

أما المدن الكبيرة كالبصرة وبغداد والموصل، فقد سادت فيها حيازات كبيرة للأراضي من قبل الإقطاعيين، بحيث بلغت حيازة اثنى عشرة فقط من كبار الاقطاعيين في منطقة شط العرب... من (١٦٠) الى (٤٠٠) هكتار أو أكثر من أخصب بساتين النخيل وكانت بساتين ديالى ملكا لبعض العائلات من أثرياء الإقطاعيين الذين يقطنون بغداد. كما احتفظت الدولة العثمانية والاقطاعيون المحليون بملكيات الري في البلاد (١٠).

لم تكن حيازة الاقطاعيين على مساحات هائلة من الأراضي تضمن لهم القوة الاقتصادية والسلطة السياسية في الريف فحسب، بل كان في أيديهم القسم الأكبر من الخيرات المادية الذي يخلقها الجيش المكون من الفلاحين والرعاة. وبذلك امسك الإقطاعيون في قبضتهم السلطة التنفيذية والتشريعية و القضائية.

لم تستطع الحكومة فرض حق التملك بشكل كامل نتيجة للمقاومة الباسلة التي أبداها أفراد القبائل في معظم مناطق العراق ضد اجراءات السلطة. لم يعترفوا أبدا بالملاكين الجدد و احجموا عن دفع الضرائب ونشبت بسبب ذلك العديد من الانتفاضات ضد القطاع (١١). مما دفع السلطات التركية الى جمع الضرائب بالقوة من الفلاحين. وقد تحول الشيوخ الذين قادوا الانتفاضة الى مستغلين و متعسفين بحقوق الفلاحين، أي تحولوا اقطاعيين جدد (١٢).

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أخذ شئ جديد بالتبلور متمثلا في أشكال بسيطة للعلاقات الرأسمالية و الاستغلال الرأسمالي في القرى القريبة من المدن. وبدأت العلاقات البضائعية تنمو في هذه المناطق حيث امتهن الفلاحون زراعة المحاصيل التى تلبي طلبات المدينة. وهكذا تقوضت اسس الاقتصاد الفلاحي المغلق وبدأت تتعزز علاقاتهم بالسوق و ظهرت أول علائم العلاقات الرأسمالية في الزراعة باستخدام العمال الأجراء (١٣).

وبدخول العراق النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي وارتباطه باحتياجات السوق الدولية وخاصةبعد شق قناة السويس ١٨٦٩، نشأت تغيرات هامة، منها تحول العلاقات الأبوية القائمة في الريف الى علاقات بين صاحب الأرض والفلاح بشكل تدريجي والاتجاه المتزايد نحو الإنتاج للسوق بدلا من الاكتفاء الذاتي.وازداد إقبال السوق العالمية على المحاصيل االزراعية العراقية، وبذلك ازداد شره الإقطاعيين فشيدو القصور الضخمة في بغداد وغيرها من المدن الأخرى، ووفرت لهم المصنوعات الأجنبية الحديثة حياة مترفة باذخة في المأكل والملبس وغيرها من من مواد الترف والنعيم، مما دفع الإقطاعيين إلى استغلال الفلاحين بشكل أكثر وحشية لسد نفقاتهم ونفقات مرتزقتهم الذين أخذوا يزدادون يوما بعد آخر و بذا تحمل الفلاحون عبء هذه النفقات لوحدهم.

نتيجة لحاجة الإقطاعي للمال، كان يسعى بكل ما أوتي من قدرة لتزويد الأسواق بكميات من الإنتاج أكثر فأكثر (١٤). وقد ارتفعت كمية الحبوب المصدرة من العراق حوالي (٧٠) الف طن في تسعينيات القرن التاسع عشر الى ١٨٨ ألف طن في عام ١٩١١(١٥). وادت ايضا الى ارتفاع الإيجار (١٦). مما ضاعف استغلال الفلاح وتدهور مستوى المعيشي.

أما في كردستان فقد كانت الأرض محصورة في أيدي رؤساء القبائل. وكانوا في الواقع من كبار ملاكي الأرض و مثلاً حياً للاقطاعيين تحت الستار القبلي وكانوا يتخذون العساكر ويدفعون الضرائب لولاة الدولة العثمانية (١٧).

وقد اشار كوتلوف الى أن العلاقات الابوية قد تحولت إلى قانون لنظام آخر هو النظام نصف الإقطاعي بدأ يظهر بشكل

تدريجي. وقد اختفت الملكية المشاعية من ناحية الفعلية في معظم مناطق كردستان. وازداد خطر غزوات الإقطاعيين على الفلاحين المستقرين الذين كانوا يضطرون إلى منح الأرض لأي من الاغوات والبيكات من رؤساء العشائر للدفاع عنهم (١٨).

وقد عانى الكرد الرحل وأشباه الرحل (الكوچر)الذين حافظوا على استقلالهم الظاهري عانوا ضروفاً استعبادية لا مثيل لها وتحول معظمهم إلى رعاة مأجورين. وكان الكثيرون منهم محرومين من أي رأس من الجياد. ولم تكن لديهم من الماشية ما يوفر لهم حداً ادنى من الاستقلال الاقتصادي. كما حرموا من الحقوق السياسية التى كانوا يتمتعون بها في المنظمات القبلية. واضطر قسم منهم قسم منهم إلى الانخراط في خدمة رئيس القبيلة وحراسته، مما افقدهم إرادتهم بشكل مهين. نتيجة للاستغلال الإقطاعي فقد حاول قسم من الرحل الهرب من (الرعية) تخلصا من المستغلين (١٩). بينما شيد الإقطاعيون من (قبيلة هماوند) القصور الضخمة وشكلو الحرس الخاص للزعيم والفرسان المسلحين في الإقطاعيات الزراعية التى تشبه تلك التنظيمات في المقاطعات الصغيرة في بولونيا (٢٠).

كما بلغت الأراضي التي استحوذ عليها رئيس قبيلة (الجاف) في بداية القرن العشرين بتأثير الظروف السياسية والاقتصادية، عشرات الألوف من (الهكتارات) (٢١). وظهرت الملكيات الإقطاعية وأشكال الاستغلال شبه إقطاعي و الإقطاعي بين عشائر اليزيدية، وكان رئيسهم ذا مركزين ديني ودنيوي ويمثل المستغل الرئيسي لفقراء اليزيديين (٢٢).

وقد ادى استحواذ رؤساء القبائل واثرياء المدن ورجال الدين على اراضي الفلاحين الكرد... الى توطيد الاستغلال الإقطاعي للجماهير الكادحين فأفقدهم الاستقلال الشخصي بعد أن فقدوا استقلالهم الاقتصادي. (بالرغم من الاستغلال الفظ للفلاحين من قبل الإقطاعيين بأن العلاقات بين المستغَلين والمستغِلين.. لم تكن قد اتخذت بعد طابع تناقض طبقي حاد. فأن عملية الاستقطاب الطبقي للفلاحين قد تأخرت ولا سيما من جراء النظام القبلي الذي استغلته القمة الإقطاعية بذكاء، والذي ولد اوهاماً باطلة بين الجماهير الكادحة. وان كل هذا خفف بشكل محدد من حدة الصراع الطبقي و تحول الى اساس نفوذ ملموس للقمة الإقطاعية، والذي تعاظم بحكم جمع زعماء معظم المناطق الكردية والاشورية واليزيدية بين السلطتين الدينية والدنيوية) (٢٣).

ولم تكن سلطات الاحتلال البريطاني قد عملت على تغير مجرى حياة الإقطاع، بل انتهجت سياسة تهدف إلى إيجاد قاعدة اجتماعية محلية تتمكن من خلالها بسط سيطرتها الاستعمارية على البلاد. وجدت ضالتها في الزعماء المحليين، أي في القوة الاجتماعية التي ترى بطبقة الإقطاع التي وجدت فيها خير سند لتحقيق مصالحها الطبقية. كانت بريطانيا تسعى أولاً بنهوض طبقة الإقطاع التي وجدت فيها خير سند لتحقيق لاحتلالها. فشجعت بحماس هذه الفئة الاجتماعية وأثرتها ثرءاً شديداً. وفي نفس الوقت أعاقت البرجوازية العراقية.فقد بلغت مساعي الامبريالية البريطانية أوجها لكسب زعماء العشائر ووجهاء المجتمع العراقي منذ بداية القرن العشرين... و ذلك من خلال الشركات الاجنبية التى أقامت علاقات اقتصادية مع الإقطاعيين العراقيين و الكومبرادور. كما لعب عملاء المخابرات العسكرية والمدنية دوراً مهماً في هذا المجال وهم جاءوا الى العراق بصفة سائحين ومبشرين و آثاريين... الخ (٢٤).

وقد تلقى موظفو القنصليات البريطانية في العراق طلبات عديدة من وجهاء محليين وشيوخ عشائر يطلبون حماية الحكومة البريطانية عن طريق الحكم في البلاد (٢٥). كما ساند بعض رؤساء العشائر الاحتلال البريطاني. حيث مدوا له يد العون حتى قبل احتلال البصرة وسارعوا في مراسلة القوات الغازية (٢٦).

وازداد تلك الروابط بإحتلال القوات البريطاني لبغداد. فسارع (بيرسي كوكس) إلى مصادقة نقيب اشراف بغداد السيد عبد الرحمن الكيلاني، بعد أن لبى النقيب دعوته لزيارة المقر العام للمندوب السامي وقام النقيب بنفسه بالترحيب بقائد

الجيش البريطاني، وعلى أثر ذلك توجه إلى المندوب السامي شيوخ بعض القبائل الصغيرة في كربلاء والنجف والفرات الاوسط واستلموا المكافآت لقاء المحافظة على الأمن في منطقتهم (٢٧).

وبعد أن استتب الأمن لسلطات الاحتلال، أدركت بشكل قاطع أن رؤساء العشائر وشيوخها يمكن الاعتماد عليهم والثقة بهم، فعمدت على اسنادهم بكل السبل وارشائهم واستبدال المناوئين للاحتلال البريطاني بالشيوخ الذي يمكن ضمان ولائهم بالمكافأة والأرض والمسؤوليات.

فاّذا كان الجهاز العثماني اعتمد في حل مسائل الأرض على سياسة زرع الشقاق بينهم وتفكيك القبائل و إضعاف مكانة الشيخ، فقد عمد الإنجليز سياسة تستهدف تقوية رؤسائهم والاعتراف بنفوذهم. وكتب (مس بيل) بهذا الشأن (وبدلا أن يستخدم الأتراك سلطة الشيوخ كانوا يتبعون سياستهم التقليدية في محاولة تحسين مركزهم بالقضاء على الموجود من العناصر المحلية التي تحافظ على الأمن والاستقرار. وكانت الحالة في ولاية البصرة تعطي صورة شاملة للفوضى والاضطراب. فقد حوفظ في منطقة دجلة على سيطرة متقطعة بالاستفادة من العداوات الموروثة بين مجموعات القبائلية الكبيرة واللعب بالخصومة الشخصية بين أفراد الاسرة المالكة فيها. أما معرفة التركي للسلطة الحقيقة الموجودة في كل منطقة وتسخيرها في خدمته، فذلك شئ يقع خارج نطاق تفكيره. وخير ما يمكن أن يقال عن جلوسه غير المريح في وسط الدوامة هو انه استطاع الجلوس في وسطها. اما في وادي الفرات فيمكن الاعتراف بأن التركي قد أزيح عن مقعده المذكور) (٢٨).

منذ الأيام الأولى للاحتلال البريطاني قاوم الشعب العراقي مقاومة عنيفة. وكانت قمة هذه المقاومة قد تفجرت في ثورة العشرين التي شارك فيها ١٣٠ألف مقاتل معظمهم من الفلاحين (٢٩). الأمر الذي أرهق كامل دافع الضرائب البريطاني واشتد كذلك ضغط الشعب الإنكليزي لاعادة ابنائه المجندين الى بلادهم، ونتيجة ذلك كله، اضطرت بريطانيا الى تقليص قواتها في العراق عام ١٩٢٠ -١٩٢١ و التركيز على الإقطاعيين ليحلوا محلها في حفظ الأمن في البلاد.

وقد سعت سلطات الاحتلال تحت هذه الظروف الى دعم وضمان ولاء زعماء القبائل، ما عدى المتمردين منهم. وكان من مصلحة السلطات في ادارة مركزية.فقد عملوا على توحيد قياداتها ومع رؤساء القبائل وخاصة اولئك الذين يشغلون مناصبهم بمساندة وتأييد الانكليز، والذين يعملون تحت إمرة الضباط السياسيين لحماية الطرق واستتباب الأمن، و زودهم بالمال والسلاح ليكونوا على اهب الاستعداد لقمع أية حركة معادية للاحتلال (٣٠)

لقد أصبحت تحت امرة العشائر ١٠٠ الف بندقية بينما لم تكن للحكومة غير (١٥٠٠) بندقية كما أشار إلى ذلك الملك فيصل في مذكرته المعروفة (٣١).

‌أما رؤساء العشائر " غير موالين " كالشيخ محمود في كردستان والشيخ عبد الواحد الحاج سكر و زملاء له في

الفرات الاوسط، فكان نصيبهم العقاب المتعدد الأشكال. فقد تقلصت أراضيهم وثقلت ديونهم وعانوا صنوف التعسف و الاضطهاد ومن الضيق الشئ الكثير.

ومن اجل منح التقاليد والاعراف العشائرية صفة قانونية فقد أصدر الانكليز ما يسمى بنظام دعاوي العشائر المدني و الجزائي لعام ١٩١٩ ليمنح رؤساء القبائل والاغوات والإقطاعيين سلطات استثنائية وذلك بتحويل (المجالس العشائرية) المخولة قانونا للبت في النزاعات الى أداة بيد الإقطاعيين لحسم تلك النزاعات حول الأراضي الزراعية لصالح تملكهم لها، وتوسيع هذا التملك. ثم عملوا على تكريس الإقطاع في الريف والقضاء على الحيازة الصغيرة من خلال تطبيق نظام الطابو في عام ١٩١٩، كي يخلقوا إمكانيات لاستحواذ كبار الاقطاعيين ووجهاء المدن على اراضى شاسعة على حساب الفلاحين الذين لم يكن في حوزتهم وثائق لحيازة الأرض رسميا، بل كانوا يستغلون الأرض حسب ما يقتضيه العرف المحلي (٣٢).

أما في كردستان فقد تميزت السياسة البريطانية بخصائص معينة، اذ اعاد المحتلون تسجيل حقوق حيازة الأرض و اعترفوا بشرعية حيازة الإقطاعيين الكرد على أراضي الفلاحين في العهد التركي (٣٣).

لم يكتف الملاكون بهذا القدر مما استولوا من اراضي الفلاحين، بل اشترى البعض منهم الأراضي الفلاحين بثمن بخس

بعد تراكم الفوائد الربوية التي عجزوا عن دفعها،او قطع مياه السقي عن أراضي الفلاحين لإجبارهم على التنازل عنها.

أما كبار الملاكين " الموالين " فإن اكثرهم استولوا على الأرض من دون ثمن، كمنحة من الدولة على حساب كادحي الريف. وكانت الدولة تعفيهم من اجرة الارض الاميرية والضرائب المتراكمة بجرة قلم (٣٤).

و بالارتباط مع تنامي وترسيخ مواقع الاقطاعيين في الريف جرى إخضاع جماهير الفلاحين لأبشع أنواع الاستغلال من قبل شيوخ الاقطاع وعلى يد السلطات الخاضعة للاحتلال البريطاني، بحيث ما جمعته هذه السلطات من الفلاحين على شكل ضرائب خلال أعوام ١٩٢١ - ١٩٢٦ مبلغ ٦٧ لك من الروبيات يضاف إليها ما جمعته من ضرائب على المواشي والأغنام بلغت ٢،٦ مليون روبية (٣٥).

وكان أكثر القوانين بشاعة هو قانون الزراع رقم ٢٨ لسنة ١٩٣٣ اذ يربط الفلاح بالأرض ويمنعه من مغادرتها إذا

لم يسدد كافة الديون المترتبة عليه للاقطاعيين. وقد كان من المتعذر على الفلاح أن يسدد هذا الدين مهما كان بسيطاً نتيجة فقره وشدة استغلاله، حيث كان يدفع فوائد قد تزيد على ٥٠% (٣٦) . اضافة الى ما يستولي عليه من إنتاجه فلا يبقى له في بعض الأحيان أكثر من ربع المحصول. ولذلك لا يعتبر الفلاح مستأجراً للأرض طالما كان فاقدا للضمان القانوني و لحرية العمل، وهذا يعني تحويله الى حالة تشبه حالة الاقنان في أوروبا الاقطاعية (٣٧).

وإذا كان أفراد العشائر فيما مضى أصحاب الأرض اسمياً وتستغل الأرض من قبل العشيرة بشكل مشترك حسب العرف السائد،وكان رؤساء العشائر يقومون بدور الوصي والمشرف على الأراضي نيابة عن الدولة،فقد أصبحت هذه الاراضى فعليا وقانونيا، عمليا واسميا،ملكية خاصة للشيوخ والاغوات والاقطاعيين. وأصبحت الغالبية الساحقة من سكان الريف

لا تملك شبرا واحدا من الأرض في حين أصبح بحوزة كبار الاقطاعيين مساحات شاسعة من الأرض (٣٨).

وكان الانكليز يقاومون كل محاولة لإصلاح أوضاع الأراضي مهما كانت جزئية او ثانوية.. واصروا على سياستهم في تقوية مركز كبار الإقطاعيين بالضد من التقدم الموضوعي للمجتمع العراقي ك وبدلا من أن يعملوا على تسهيل انحلال الطبقة الإقطاعية فقد رأوا من مصلحتهم الإبقاء على النظام الاقطاعي، بل تقويته بكافة السبل وإضفاء خصائص جديدة عليه لم تخفف من حدة الاستغلال اللإنساني الذي يتسم به النظام الإقطاعي الكلاسيكي. وبذلك نشأت علاقات اجتماعية جديدة ومصالح جديدة في الريف العراقي هي أكثر ظلماً وابشع،انسانياً ومعنوياً،من تلك التي سادت في النظام الإقطاعي في القرون الوسطى

لم يكتفي الانكليز بمنح اراضى شاسعة، بل لجأوا الى تعيين عدد كبير من ممثلي كبار الملاكين في المدن وزعماء العشائر في الوزارات والمجالس التشريعية وهؤلاء لم يجدوا انفسهم امام اية ضرورة ملزمة لرعاية مصالح الفلاحين الذين يؤلفون الاكثرية الساحقة من سكان العراق الذين ساءت أحوالهم منذ انتهاء الانتداب أكثر فأكثر(٣٩). وقد صار الموظفون أدوات طيعة بأيدي بريطانيا في تنفيذ السياسة الاستعمارية في العراق.

فعندما انعقد في نيسان ١٩٢٢ مؤتمر وطني كبير (من زعماء الدين والعشائر من السنة والشيعة) بكربلاء للمطالبة بموقف حازم من غارات قبائل ابن سعود، باتخاذ سياسة وطنية، فإن الإقطاعيين الموالين للانكليز نظموا حركة معاكسة

ووقعوا على عريضة وعدة مذكرات باتجاه مضاد. بين هؤلاء (عداي الجريان رئيس البوسلطان و رشيد العنيزات و سلمان الجلوب وعلي سليمان (رئيس الدليم) وغيرهم).

و في (٢٣ نيسان ١٩٢٢) ذهب الشيخ علي سليمان مع أربعين شيخا لمقابلة الملك بعد أن قابلوا المندوب السامي (كوكس)، فذكروا له عبارة واضحة بأنهم لن يقسموا بالولاء له إلا أن يصغي لنصائح البريطانية.ثم نظموا مضبطة طويلة تشتم مؤتمر كربلاء. وقد ورد فيها:

" من حيث أن حكومتنا في الدور الابتدائي ومحتاجة الى من يمد إليها يد المساعدة مادياً وادبياً، فالى أن تبلغ درجة الكمال والاستغناء عن الغير... يجب أن يطلب من حكومة بريطانيا، المنتدبة من قبل عصبة الأمم على العراق، كل

المساعدات المطلوبة والتى يتوقف عليها توطيد أركان حكومة العراق كحفظ النظام وتوطيد الأمن واعمار البلاد ويجب أن يعتمد عليها كصديق مخلص للبلاد وأهل البلاد" (٤٠).

وقد انضم الى هذه الحركة رؤساء اقطاعيون آخرون امثال رؤساء الخزاعل وسالم الخيون و خيون العبيد... وغيرهم عندما أخذ رؤساء القبائل يستحوذون على الأرض ويستغلونها بصورة (الطابو) اواللزمة وينصبون المضخات الزراعية بالمشاركة مع تجار المدن وكبار الموظفين(الباشوات والبيكات) ويحولون الفلاحين إلى عبيد بعد أن أخذ النظام القبلي بالتفكك تدريجيا، فقد صار حياة الفلاح العراقي يعيش حياة البؤس والشقاء والحرمان من ابسط وسائل العيش.

وكان الفلاح يعيش في جنوب العراق ووسطه في اكواخ من القصب البردي وهي خالية من النوافذ وفي كردستان كان الفلاح يسكن غرفاً أشبه بالحفرة لا ينفذ منها الهواء إلا قليلاً (٤١). بينما سكن البدو خياماً ممزقة. وكان الفلاح يستعمل كوخه لكافة احتياجاته فكان مكاناً للنوم والطبخ وتشاركه فيه حيواناته كذلك، وقد يقطع قسمأً قليلأً منه للضيوف و الاغراب ويطلقون عليه اسم(الربعة). أما الشيوخ والاقطاعيين فقد بنوا لأنفسهم المضايف الكبيرة والتي كان يحتاج العمل فيها الى شهر والى خبرة ومهارة لم تتوفر لدى الجميع. وكان الملاكون يستخدمون الفلاحين لهذا العمل دون أن يدفعون لهم الأجر بالرغم من ارتفاع دخل الملاك وانحطاط دخل الفلاح (٤٢). ففي عام (١٩٢٨) مثلاً كان دخل الشيخ يقارب الـ ٢٧ ألف من الروبيات بينما لم يتجاوز دخل الفلاح ٢١٠ روبية في السنة (٤٣).

في وسط هذا الفقر المدقع كان يتوجب على الفلاح القيام بأعمال مجانية... لسد احتياجات مضيف الشيخ ومصاريفه الشخصية بحجة مراجعة دوائر الحكومية وتقديم الرشاوى من أجل مصالح أفراد العشيرة نتيجة لارتباطهم به عن طريق الإكراه الاقتصادي والإكراه اللااقتصادي. وقد كانت المصاريف تقدم عيناً (٤٤).

وقد سببت الحرب العالمية الأولى تدهور الوضع الاقتصادي في العراق، حيث ألقي بالعبء الأكبر من تمويل الجيش على كاهل الشعب العراقي (أي الجيش العراقي والجيش البريطاني) وفرض الإنكليز ضرائب أكثر مما فرضه العثمانيون وتحمل الفلاحيين ثقل هذه الضرائب بإعتبارهم من دافعي الضرائب الأصليين والمنتجين المباشر للخيرات (٤٥). و قبلهم قامت السلطات التركية بإجبار الفلاحين على بيع المحاصيل الزراعية بأسعار بخسة جدا لتلبية احتياجات جيشها (٤٦).

وقد ساق الانكليز عشرات الالوف من المواطنين أكثرهم من الفلاحين الى السخرة لإقامة المنشآت للمحتلين في ظروف عمل لإإنسانية فقد اجبروا على الإقامة في العراء من دون أن يوفر لهم الحد الأدنى من الغذاء وتشير التقارير الرسمية إلى أنه استخدم عام ١٩٢٤ وحده (٩١٢٥٠) فلاحاً في عمل السخرة (٤٧). أما في كردستان فقد كان الكري وتنظيف القنوات من واجبات الفلاحين وبشكل مجاني. ولم يتجاوز تكاليف ثلاثة قنوات مبلغ ٨٠٠٠ روبية. وكانت الجهود التي يصرفها الفلاحون تذهب لمنفعة الاغوات الذين يستغلون الأراضي المطرية (٤٨).

مقاومة الفلاحين

لم يمض وقت طويل على إدخال نظام الطابو، حتى ظهرت نضالات فلاحية ضد الشيوخ الإقطاعيين في لواء المنتفك الذين استولوا على اراضي الفلاحين خلسة وسجلوها باسمهم وبدأوا يطالبون بنسبة كبيرة كريع، وساندت الحكومة التركية هذا المطلب، وقد رفض الفلاحون دفع حصتهم من المحصول وطردو الإقطاعيين من المنطقة في عام ١٨٧٨ (٤٩). وفي عام ١٨٩٢ انتفض فلاحو الناصرية بوجه العثمانيين بعد أن استولت على قسم من اراضي هذه المنطقة لصالح مالية الدولة. وبعد عام ثار فلاحو قبيلة آل محمد في العمارة بسبب سوء توزيع الأراضي هذه المنطقة وقد قمعت حركتهم بقوة (٥٠). وفي الفترة١٩٠٠-١٩٠٨حدث سلسلة من الانتفاضات ضد الدولة العثمانية وكانت أشدها انتفاضة

تشرين الأول 1903 التي استمرت عدة أشهر وساهم فيها اربعة آلاف مسلح وتمكنوا من إبادة الحامية التركية في المنتفك. كما شهد ريف كردستان انتفاضات فلاحية خلال هذه الفترة وخاصة في منطقة بارزان والموصل وغيرها وبعد اعلان الدستور العثماني.. نشبت في العراق سلسلة من التحركات الفلاحية في مناطق البلاد المختلفة وبلغت أوجها في ١٩١٣- ١٩١٤عندما صدر قرار السلطات بيع الاراضي الاميرية للأجانب، وامتنع الفلاحون (ردا على ذلك) عن دفع الضرائب (٥١). وسبقت هذه التحركات انتفاضة اهالي الحلة والديوانية في عام ١٩١٢ (٥٢). ومن أجل قمع هذه التحركات، وجهت السلطات حملات تنكيلية ضد الريف.

لم تحل سلطات الاحتلال البريطاني مسألة الأرض لصالح الفلاحين، بل ساهمت في خلق الفوارق الطبقية وانمائها في الريف العراقي. وكانت السلطة السياسية تمثل مصالح الاحتكارات الأجنبية و الكومبرادور والاقطاع، فقد قامت حركة بني ركاب في (لواء المنتفك) عام 1918 ضد ظلم الشيوخ و الإقطاعيين والملاكين (إلا أن السلطة تمكنت من إخمادها بعد أن استعملت الطائرات في شل حركتها) (٥٣)،بعد ذلك، قامت ثورة العشرين التي وإن كانت قد بدأت ثم انتهت تحت قيادة بعض الشيوخ ورجال الدين ومثقفي المدن، إلا أن الواقع يقول بأن الفلاحين قد مارسوا فيها ثورتهم التي طالما حلموا بها، الامر الذي ازعج الاقطاعيين و الكومبرادور الكبار وحتى بعض قيادات الثورة ازعاجاً شديداً ودفعهم أكثر من مرة الى إدانة التمرد المسلح واستنكاره. وإذا كانت هناك ثمة نتيجة أو تأثير على الفلاحين فإن ثورة العشرين ضد الاستعمار كانت قد أرست التقاليد التاريخية لاستعمال العنف المسلح من قبل الفلاحين، اذ انها قد شعرت الفلاحين أنهم خسروا الجولة الأولى في الحصول على الأرض رغم النصر الذي حققوه ضد الاستعمار البريطاني المباشر! فالثورة لم تخفف الحقد الطبقي ضدالإقطاع، وأدرك الفلاحون أن عليهم مواصلة الكفاح وان ثورة أخرى بانتظارهم يجب أن يخوضها ضد الحكم الجائر ضد الإقطاع.

وسرعان ما بدأت انتفاضات الفلاحين في الشمال والجنوب على طول فترة العشرينيات وكانت انتفاضة وآل عايد الفلاحية في اوائل الثلاثينيات ذات مضمون طبقي واضح واتجهت ضد الإقطاعيين والحكومة المحلية على الرغم من أن السلطات اغرقتها بالدماء (٥٤).

أن سياسة النهب والسلب التى مارستها الدولة العثمانية ومن بعدها الاحتلال البريطاني والحكم الموالي له ضد الفلاحين العراقيين قد كلفتهم كثيراً من الدماء و الويلات والخراب وسرقت كدحهم وجهدهم .... وعاقت تطورهم الاجتماعي و الاقتصادي. كما أن السيطرة الاجنبية المزمنة قد أوجدت جانب آخر لدى جماهير الفلاحين،عبر مختلف أشكال نضالهم، تقاليد ثورية عميقة وراسخة في المعارك الطبقية والوطنية التي خاضوها ضد الانكليز في فترتي الاحتلال والانتداب و ضد الإقطاعيين.

بعد نهاية الانتداب وحصول العراق على الاستقلال الشكلي استمر كفاح الفلاحين من أجل الأرض وضد استغلال وجور الفلاحين الاقطاعيين المدعومين من السلطة الملكية التابعة، وتكررت الانتفاضات حتى قيام ثورة ١٤ تموز١٩٥٨. وقد أيدها كادحو الريف بكل حماس مع المشروع باستعادة الدولة لجزء من أراضيها من كبار الملاكين وتوزيعها على فقراء الفلاحين بموجب اول قانون للإصلاح الزراعي صدر في خريف ١٩٥٨، وبذلك بدأت مرحلة جديدة من الكفاح الفلاحي.

 

سهيل الزهاوي

...................

الهوامش

 (١) ل.ن. كوتلوف (ثورة العشرين التحررية في العراق) ترجمة الدكتور عبد الواحد كرم مطبعة أوفست الديواني بغداد، ١٩٨٥، ص ٧٤،٧٣.

(٢) نفس المصدر ص ٢٨-٢٩.

(٣) نفس المصدر ص ٣٤ -٣٦.

(٤) حسين الجليلي - الاستعمار وأعمال السخرة ثقافة - العدد (٥) لشهر مايس السنة ص ١٩٨٠ ص ٦٧. الهامش.

(٥) زكي خيري: الحزب الشيوعي العراقي والمسألة الزراعية، ملاحظات اولية عن الاصلاح الزراعي المنشود في العراق. مطبعة الشعب. بغداد ١٩٧٤ ص ٤٢.

(٦) م. ط. الاصل التاريخي لعلاقات الدولة بالأرض والازدواجية في ملكية الاراضي في وادي الرافدين الثقافة الجديدة العدد ١٧، ١٨ السنة ١٩٧٠ ص ٢٧.

(٧) ايرلاند. فيليب ميلارد. (العراق في تطوره السياسي). ترجمة جعفر الخياط دار الكشاف للنشر والمطبوعات والتوزيع. بيروت. ص ٥٩.

(٨) لونغريغ. (اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) ترجمة جعفر الخياط ط مطبعة البرهان. بغداد ١٩٦٢ ص ٣٦٩

(٩) لطفي جعفر فرج (عبد المحسن السعدون) منشورات وزارة الثقافة والفنون في الجمهورية العراقية، سلسلة الاعلام و المشهورين. ١٩٧٨ ص ٢٥.

(١٠) كوتلوف نفس المصدر السابق ص ٦٤.

(١١) لوتسكي (تاريخ الأقطار العربية الحديث) دار التقدم، موسكو ١٩٧١. دار الفارابي. بيروت.ص ١٦.

(١٢) كوتلوف المصدر السابق ص ٤٩.

(١٣) كوتلوف المصدر السابق ص ٧٥.

(١٤) لوتسکي المصدر السابق ص ٢٨.

(١٥) د. محمد سلمان حسن (التطور التاريخي في العراق) ج ١ المكتبة المصرية. بيروت. ص ٢.

 (١٦) كوتلوف المصدر السابق ص ٧٧.

(١٧) لوتسکي المصدر السابق ص ١٦.

(١٨) کوتلوف المصدر السابق ص ٥٤.

(١٩) کوتلوف المصدر السابق ص ٥٦.

(٢٠) کوتلوف المصدر السابق ص ٥٧.

(٢١) کوتلوف المصدر السابق ص ٥٥.

(٢٢) کوتلوف المصدر السابق ص ٥٨-٥٩.

(٢٣) ل.ن. كوتلوف (الانتفاضة الوطنية التحريرية عام ١٩٢٠ في العراق) موسكو ١٩٥٨ . عن: د. كمال مظهر احمد ثورة العشرين في الاستشراق السوفيتي، مطبعة الزمان. بغداد ١٩٧٧. ص ٦٥.

(٢٤) المصدر السابق ص ١٠٢.

(٢٥) مس بيل (فصول من تاريخ العراق الحديث) ترجمة جعفر الخياط. بيروت ١٩٧١. ص ٢.

(٢٦) کوتلوف. المصدر السابق ص ١٢٠.

(٢٧) مس بیل. المصدر السابق ص ١٠٦- ١٠٧.

(٢٨) مس بیل. المصدر السابق ص ٦٩.

(٢٩) کوتلوف. المصدر السابق ص ٢٦٧.

(٣٠) نفس المصدر السابق ص ١٣٤- ١٣٥.

(٣١) عبد الرزاق الحسني. تاريخ الوزارات العراقية.الجزء الثالث.الطبعة الثالثة. ص ٣٠٠ - ٣٠٧

(٣٢) کوتلوف. المصدر السابق ص ١٢١ - ١٢٢

(٣٣) کوتلوف. المصدر السابق ص ١٢٧

(٣٤) زکي خیري. المصدر السابق ص ٤٤

(٣٥) د. كمال محمد سعيد الخياط - الطور التاريخي لحيازة الأرض وعلاقة الملكية في العراق. (مجلة الاقتصادي) العدد ٢ حزيران ١٩٧٠.

(٣٦) محمد توفيق حسين. نهاية الاقطاع في العراق. بيروت. ١٩٥٨. ص ١١٣

(٣٧) يرى عبد الرزاق الظاهر في كتابه (الإقطاع والديوان) ص ٢٠، أن الغرض من هذا القانون كان خلق صلة بين الفلاح والأرض بحيث يصبح الفلاح (قناً) أو (ربيطة) في الارض كما انه يرى بحق ايضاً، أن هذا القانون كان جزء من سياسة عامة لغرض إنشاء ما يسميه (اقطاعية الافندية)، عن إبراهيم كبة. الاقطاع في العراق مطبعة المعارف. بغداد. ١٩٥٧ ص ٢٣

(٣٨) نفس المصدر السابق ص ١١

(٣٩) ابراهيم كبة نفس المصدر السابق ص ١٢

(٤٠) علي الوردي (لمحات من تاريخ العراق الحديث) الجزء السادس (٦) مطبعة بغداد. ص ١٥٠- ١٥١. عن عزيز الحاج (القضية الكردية في العراق). المؤسسة العسكرية للدراسات والنشر. بيروت. ص ٦٣

(٤١) محمد توفيق حسين. نهاية الاقطاع في العراق. نفس المصدر السابق ص ٢٨- ٢٩

(٤٢) حسين الجليلي. العمل الجماعي والسخرة في العهد العثماني. مجلة الثقافة. العدد(٦). السنة ١٩٨٠. ص ٣٤

(٤٣) عماد احمد الجواهري. تاريخ مشكلة الأرض في العراق . منشورات وزارة الثقافة والفنون في الجمهورية العراقية. سلسلة الدراسات. ١٨٢. بغداد ١٩٧٨. ص ٤١.

(٤٤) حسين الجليلي. المصدر السابق ص ٣٦

(٤٥) کوتلوف. المصدر السابق ص ١٠٨.

(٤٦) کوتلوف. المصدر السابق ص ١٠٩

(٤٧) عماد احمد الجواهري. المصدر السابق ص ٣٦٤.

(٤٨) حسين الجليلي. (العمل الجماعي والسخرة في العهد العثماني). الجزء الثاني مجلة الثقافة. العدد (٩). السنة ١٩٨٠. ص ٢٧.

(٤٩) د. محمد سلمان حسن. (التطور الاقتصادي في العراق) الجزء الأول. المكتبة المصرية. صيدا. بيروت. ص ١٩٠.

(٥٠) علي علي منهل (حركة التحرر الوطني العراقية من سبعينيات القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى). مجلة الثقافة. العدد (٧) آب ١٩٧٠. ص ١٩.

(٥١) لوتسکي المصدر السابق ص ٣٩٨.

(٥٢) علي علي منهل المصدر السابق ص ٢١.

(٥٣) حسين الجليلي. (العمل الجماعي والسخرة في العهد العثماني). القسم الثاني مجلة الثقافة. العدد (١٠). تشرين الثاني السنة ١٩٨٠. ص ٢٥.

(٥٤) زكي خيري المصدر السابق ص ١٦٣- ١٦٤.

* نشر هذا البحث بأسم مستعار (سين. ز) في مجلة الثقافة الجديدة - العدد ٢٥١ – ٢٥٢ السنة ٤٠ تشرين الاول – كانون الاول ١٩٩٢، كنت مختفيا في بغداد أنذاك

 

 

عبد الرضا حمد جاسماعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن في ذكرى مرور ربع قرن على رحيله له الرحمة (توفي في 13تموز1995) ستختلف التاليات عن السابقات حيث سأطرح فيها على قدر التمكن التناقضات الكثيرة التي خَزَنَتْها كتب وإصدارات الراحل الوردي ومعها بعض تحريفات وردت ومقاطع اوأمور غريبة تلك التي لا يمكن الا ان تُطرح لتشير الى ضرورة القراءة الدقيقة لما يُنشر...قد يكون بعضها متعمد وفي بعضها ما يمكن ان أقول عنه استغفال والاخر جهل كما لمستُ وقد أكون مخطئ ... سأنقل لكم طروحات الوردي المتناقضة عن الموضوع الواحد وغالبا ما سيكون ذلك دون تدخل الا إذا اقتضت الحالة وفرض التدخل نفسه حين لا يستوي الموضوع بدونه كما في هذه...مثال على ذلك سأحاول جمع ما ورد في كتب الراحل الوردي عن العبقري والعبقرية وعن الزعيم بشكل عام وليس المقصود هنا ما سار عليه العامة بان المقصود بالزعيم هو عبد لكريم قاسم ...وغيرها من الأمور. وبعدها ان كانت هناك بقية سأذهب الى ما كُتِبَ عن الراحل الوردي ذلك الذي ورد في إصدارات الأساتذة الذين كتبوا على/عن الراحل الكبير وستكون البداية مع كتاب الأستاذ الفاضل محمد عيسى الخاقاني/ مئة عام مع الوردي.

لكن اليوم وجدت ان ابدأ بموضوع اثار استغرابي وله علاقة بكتابة التاريخ وهو ما كتبه الراحل الوردي عن انتفاضة الحي/1956...سوف لن اتطرق اليها بمشاعر او مواقف سياسية انما تاريخية واجتماعية مادام الحديث عن راي عالم اجتماع بمنزلة ومكانة الدكتور علي الوردي بحدث اكيد فيه جانب اجتماعي مثل الذي جرى/ حصل عامي1954 و1956 في مدينة الحي/الكوت/العراق...حيث جرى / حصل في اوج نشاطات الراحل الوردي العلمية التدريسية منها او التأليفية (من تأليف) حيث أصدر مجموعة مهمة من كتبه خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي أي قبل الحدث واثناءه وبعده. هذا الحدث السياسي الاجتماعي المتميز كان يفرض على الراحل الوردي ان يسجل ملاحظاته هو وان لا يذهب للاستشهاد بمصدر مهما كان هذا المصدر موثوق او كان عليه على الأقل مزج الجانبين ان كان مضطراً لذلك متوخياً الدقة والحذر حيث ان الكثيرين ممن عاشوا الحدث كانوا لايزالون احياء في عام صدور الكتاب 1965 وبعضهم اهتم بالحدث والكتاب او شارك بالحدث ومن القريبين على/من الراحل الوردي...

معركة الحي

كتب الراحل الوردي عن الحدث الذي جرى وحصل خلال عامي 1954 و1956 [ في ص208 من كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965 /الفصل السابع/الحرب الدائمة في العراق/العنوان الفرعي: بين المدن والقبائل التالي:[...لقد وقعت معركة بين مدينة الحي وقبيلة المياح في عام 1954 وهي كادت ان تكون شاذة وكان لها صدى في انحاء العراق وسبب المعركة ان "أل ياسين" شيوخ قبيلة المياح يملكون الاراضي المحيطة بمدينة الحي وضيقوا الخناق على المدينة وحاولوا منعها من التوسع خارج حدودها القديمة ولم يجرء موظفو الادارة على العمل لتوسيع المدينة وفك الحصار عنها وقد اعلن السيد سعيد قزاز من وزراء الداخلية السابقين امام المحكمة العسكرية العليا الخاصة أنه كان في جدال مستمر مع الشيخ عبد الله الياسين من اجل تخصيص مقبرة لأهل الحي في أراضيه]. انتهى ...(المصدر:ج10 ص108/تاريخ الوزارات العراقية/الدكتور عبد الرزاق الحسني).

رأيي/ مناقشتي/اعتراضي على ما ورد سببه ان الحدث اثار ضجة داخلية تخص المجتمع العراقي والراحل الوردي عنصر فاعل في المجتمع وعاش الحدث عليه التعبير عنه يصبح المسطرة التي يقاس بها نزاهة ودقة وصدق الباحث وهنا الدكتور الوردي حيث يمكن ان يًقال إذا كان النقل عن المُعاش من الاحداث بهذه الصورة فما بالك في النقل عن الدارسات القديمات المبعثرات وفق قال فلان وورد في كتاب فلان وعَّقب فلان ...ووفق ذلك اُسَّطر التالي:

1ـ الغريب ان الراحل الوردي قَبِلَ بهذه الصياغة التي نقشها نقشاً عن المصدر المشار اليه وهو الذي عاش تلك الاحداث بصفته مواطن عراقي وبصفته عالم اجتماع وأستاذ جامعي وقريب من السياسة والحكم بهذه الدرجة او تلك بهذا الشكل او ذاك ولأنه كما وصف ما جرى/ حصل نقلاً عن المصدر: [كادت ان تكون شاذة] [كان لها صدى في انحاء العراق كافة]. ولم يبين لماذا!! وكل مهتم بالوضع الاجتماعي العراقي وقتها ولليوم لا يستغرب من تقاتل القبائل فيما بينها وتحركاتها باتجاه المدن.

2ـ لو اكتفى بهذا النقل لكان بالإمكان طرح بعض التبرير كأن يقول قائل او حتى الوردي نفسه:’’ انه شعلية المؤرخ الحسني كَالها’’ كما كانت له مثل هذه الإجابات عندما يضطر الى الهروب من التفسير/الإجابة...لكنه عَّمَقَ الموضوع عندما نقل قول وزير الداخلية سعيد قزاز في رده على أسئلة محكمة عسكرية نُقِلَتْ وقائعها في كل وسائل الاعلام العراقية وربما بعض الخارجية وصارت هذه المحكمة علامة (مميزة) في تاريخ تلك الحقبة المتميزة من تاريخ العراق المضطرب سياسياً واجتماعياً على كل الصُعد وكان المفروض ان يتابعها الراحل الوردي بكل دقة ويجمع عنها كل القصاصات التي تطرقت لها.

اُناقش صياغة المقطع حيث كما التالي:

1ـ ورد [لقد وقعت معركة بين مدينة الحي وقبيلة المياح في عام 1954 وهي كادت ان تكون شاذة وكان لها صدى في انحاء العراق...] انتهى

كما قلتُ معركة بين القبائل او بينها وبين المدن ليس بالشيء الغريب ولا يمكن ان يكون لها صدى في كافة انحاء العراق حيث لا انترنيت ولا مواقع تواصل اجتماعي ولا صحافة يمكن ان تغطي مثل هذه المعركة بالشكل الذي يجعلها شاذة ويكون صداها في انحاء العراق الا إذا كان هناك موضع/موقع سياسي كبير خلفها ويشمل محيطها العراقي والعربي ووقوعها وسط احداث جسام او اثناء غليان عام داخلي وإقليمي ودولي وهذا ما ارشحه.

2ـ ورد [وسبب المعركة ان "أل ياسين" شيوخ قبيلة المياح يملكون الاراضي المحيطة بمدينة الحي وضيقوا الخناق على المدينة وحاولوا منعها من التوسع خارج حدودها القديمة ولم يجرء موظفو الادارة على العمل لتوسيع المدينة وفك الحصار عنها] انتهى

من هذا النص يمكن ان أتصور ان أهالي المدينة توحدوا وقاموا بالهجوم على قبيلة المياح وهذا غير مقنع ولم يحصل ويلغيه النص نفسه.

وقد كتب الوردي مضيفاً من ج9 ص86 و87 من نفس المصدرالحسني التالي في نفس الصفحة: [وقد حدث ذات يوم مشادة كلامية بين جماعة من ال ياسين وأحد الباعة من أهل الحي تطورت الى صدام بين الفريقين وبعد خمسة ايام هجم نحو مائة من قبيلة المياح صباحاً على السراجين والصاغة في سوق الحي فهب بعض اهل الحي لنجدة اخوانهم فكانت معركة دامية سقط فيها جريحان من القبيلة وخمسة عشر جريحاً من اهل الحي وقد توفي أحدهم] انتهى.

يمكن ان استنتج من هذا ان موضوع حصار المدينة من قبل قبيلة المياح لا دخل له بما جرى فالحادث/المعركة نتج/ت عن مجرد مشادة كلامية مع أحد الباعة وهذه الحالة تحصل كل يوم في كل مدينة عراقية وفي كل سوق.

3ـ ورد: [وقد أعلن السيد سعيد قزاز من وزراء الداخلية السابقين امام المحكمة العسكرية العليا الخاصة أنه كان في جدال مستمر مع الشيخ عبد الله الياسين من اجل تخصيص مقبرة لأهل الحي في أراضيه].

سأتجاوز اعتماد الوردي على الحسني وأذهب الى نص قول سعيد قزاز وهو انه كان في جدال مستمر مع الشيخ عبد الله الياسين من اجل تخصيص مقبرة لأهل الحي في أراضيه

وأسأل هنا: هل يُعقل أن حكومة لا تستطيع بأي طريقة من انتزاع عدة الاف من الأمتار المربعة من شيخ قبيلة يسيطر على مئات الاف الدوانم بدعم واسناد تلك الحكومة؟

 واعتقد كان باستطاعت الحكومة ان تتبع المثل المعروف (شَّيم البْدُّوي وخذ عباته) كما ورد هذا المثل في الكثير من كتب الوردي لتحصل على ما تريد او كان بإمكان الحكومة ان تحصل على ما تريد واضعاف ما تريد بمجرد إقامة وليمة أو امسية واحدة على شرف الشيخ/الأمير عبد الله الياسين في أحد مرابع الحكومة في بغداد!!!!

 ثم هل هناك من يعتقد/يعقل وقتها والان ان أهالي مدينة الحي يحتاجون الى مقبرة وهم الذين يدفنون موتاهم في النجف وكربلاء تبركاً؟ بل هل يعتقد أحد ان هناك مقبرة في كل وسط وجنوب العراق عدا مقبرتي النجف وكربلاء؟؟؟؟

كيف اعتقد الراحل الوردي بصحة هذا القول؟ ان تدوين هذا القول سواء من الحسني او الوردي هو دلالة اكيدة عن حالة الاغتراب التي كانا فيها وإلا كيف يخطر ببال الاثنين هذا النص دون التوقف عنده والتشكيك به او ترك علامتيّ استفهام وتعجب كبيرتين عليه. هكذا اتصور

 كما أتصور/اعتقد ان موقع الراحل الوردي كمواطن وكعالم اجتماع وككاتب يفرض عليه متابعة ما جرى/حصل/وقع بدقة وتسجيل ملاحظات كثيره عنه/عليه لان الحدث له وقع اجتماعي وكان يجب عليه ان يحتفظ بالإصدارات الصحفية التي تناولت الموضوع في حينه او في السنوات التي سبقت اصدار الكتاب او حتى البحث فيها او الاطلاع على ما كُتب عنها عندما اختار ان يحشرها في احد مؤلفاته المهمة وهي التي جرت وحصلت كما اسلفت وهو في اوج نشاطه العلمي الاجتماعي وحصلت في فترة غليان اجتماعي سياسي عراقي وعربي وعالمي اهتزت له الأركان بكل المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية فمن جهة قرار تقسيم فلسطين واحتلالها وحرب 1948 وما تركته وثورة/انقلاب 1952 في مصر ومن ثم حلف بغداد والعدوان الثلاثي على مصر وتزوير الانتخابات النيابية وتسفير الاخوة الكورد الفيلية وفصل الطلاب من المدارس وسوقهم للخدمة العسكرية وما حصل في سجن الكوت وسجن بغداد.

تفسيري لهذه الحالة هو ان الوردي كتب عن المجتمع الذي عاش فيه من داخل جدران أربعة ومن تقليبه للكتب التي تضمها مكتبته العامرة...لقد تورط الوردي في فصل من فصول الكتاب وهو يحاول ان يستعرض حال المجتمع فأختار له عنوان الحرب الدائمة في العراق وخصص هذه الواقعة في عنوان فرعي هو: بين المدن والقبائل ولإكمال حشر الموضوع تحت هذا العنوان لم يجد غير انتفاضة الحي بعد ان استل تلك العبارة من كتب الدكتور الحسني ...كان لديه الوقت الكافي ليبحث عما جرى حيث المسافة الزمنية بين الواقعة والكتاب اكثر من عقد من الزمان وكان عليه ان يعود الى قصاصات الورق التي قيل ان الدكتور الوردي يحملها في جيبه أينما ذهب وعند سماعة لموضوع عن المجتمع العراقي يستأذن الطارح ليدونها وقيل انه يزعل عندما يجد ان احدهم لم يجلب معه ورقة وقلم ليسجل أعمدة ما يطرحه الوردي في محاضراته ...والاغرب من كل ذلك ان الوردي استعار قول وزير الداخلية في تلك الفترة سعيد قزاز امام المحكمة العسكرية ذائعة الصيت/محكمة المهداوي والتي كان على الراحل الوردي ان يكون قد حضر كل مجرياتها لأهميتها سواء كان معها او ضدها ونشرت وقائعها علناً .

وكتب الوردي بعد ذلك: [وقد أسرع محمد الحبيب شيخ قبيلة ربيعة ليتوسط في الصلح بين الفريقين وتم الصلح بينهما اخيراً ولكنه كان صلحاً ظاهرياً سرعان ما انقلب الى كارثة في عام 1956 عند اشتداد المظاهرات في الحي ضد الاعتداء الثلاثي على مصر.] انتهى

 بعد هذه السنين اسأل: بين من ومن توسط الشيخ محمد الحبيب: هل بين طرفي المشادة الكلامية ام بين قبيلة المياح والسراجين والصاغة في سوق الحي؟؟؟

يمكن ان يتدخل امير ربيعة في نزاع بين قبيلتين لكن ان يتدخل بين قبيلة كبيرة وخمسة عشر جريح كل واحد منهم يتبع قبيلة ربما فهذا غير معقول.

ثم أضاف الراحل الوردي لما سبق التالي: [ً سرعان ما انقلب الى كارثة في عام 1956 عند اشتداد المظاهرات في الحي ضد الاعتداء الثلاثي على مصر] انتهى

...هنا يتكلم الوردي عن انتفاضة عام 1956 أي بعد سنتين عن’’ المشادة الكلامية’’ ...حصل ما حصل عام 1956...ان الوردي هنا يريد ربط ما جرى في انتفاضة الحي التي هزت العراق وحكومته بتلك المشادة الكلامية بين بائع وبعض الأشخاص قبلها بسنتين. ووصفها بالكارثة لوقعها الحقيقي على كل المستويات في العراق...ومع ذلك: هل من المعقول مثل هذا الربط؟ كيف أصبحت كارثة هل تقاتل المياحيين وأصحاب المحلات التجارية والحرفيين في سوق الحي فيما بينهم من جديد ...ام انهم كانوا صفين صف مع المقاومة المصرية للغزو الثلاثي والطرف الاخر مع الغزو ضد مصر وأي الطرفين كان هنا وايهم كان هناك؟

هذا اللبس الذي افرزه عدم الدقة في النقل والربط غير المعقول للحدث وربما سيسجل في سجلات التاريخ بهذه الصيغة بالاعتماد على علمين بارزين عراقيين هما الدكتور المؤرخ الكبير عبد الرزاق الحسني والدكتور عالم الاجتماع الكبير علي الوردي وبالتالي ستتداولها الأقلام والدراسات والبحوث والاطاريح وتعتمدها.... وربما مثلها الكثير من تاريخ العراق والمنطقة. وهنا الخطورة التي دفعتني الى التطرق لهذا النص وتبيان الرأي فيه...

وهذا مع الاسف الشديد ما جرى ويجري مع دراسات الجيل الجديد وحتى جيل ما بين جيل الوردي الحسني والجيل الجديد

 

عبد الرضا حمد جاسم